الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} : بِتَسْلِيطِنا إياهم على غيرِهم مِن الخَلْقِ، وتَسْخيرِنا سائرَ الخلقِ لهم، {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ} على ظُهُورِ الدَّوابِّ والمَرَاكِب، وفى {وَالْبَحْرِ} في الفُلْكِ التي سَخَّرْناها لهم، {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}. يقولُ: مِن طَيِّباتِ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، وهى حَلالُها ولَذِيذاتُها، {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} . ذُكِرَ لنا
(1)
أن ذلك تَمَكُّنُهم مِن العملِ بأَيْدِيهِم
(1)
، وأخْذِ الأطعمةِ والأشْرِبَةِ بها، ورَفْعِها بها إلى أفواهِهم، وذلك غيرُ مُتَيَسِّرٍ لغيرِهم من الخَلْقِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الآية. قال: {وَفَضَّلْنَاهُمْ} في اليَدَيْن يَأْكُلُ بهما، ويَعْمَلُ بهما، وما سوى الإنْسِ يأكُلُ بغيرِ ذلك.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِه:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} . قال: قالت الملائكةُ: يا ربَّنا، إنك أعْطَيْتَ بني آدمَ الدنيا يَأْكُلون منها، ويَتَنعَّمون، ولم تُعْطِنَا ذلك، فأَعْطِناه في
(1)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
الآخرة. فقال: وعِزَّتى لا أَجْعَلُ ذُرِّيَّةَ مَن خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، كَمَنْ قلتُ له: كُنْ. فكان.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71)} .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الإمامِ" الذي ذكَر اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أَنه يَدْعو كلَّ أُناسٍ به؛ فقال بعضُهم: هو نَبِيُّه ومَن كان يَقْتَدِى به في الدنيا ويَأْتَمُّ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} . قال: بنبيِّهم
(1)
.
حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} . قال: بنبيِّهم.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِإِمَامِهِمْ} . قال: بنبيِّهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} . قال: بنبيِّهم
(2)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 194 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 382 عن معمر به بلفظ: بأنبيائهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه [يَدْعُو بهم]
(1)
بكُتُبِ أعمالِهم التي عَمِلوها في الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} . قال: الإمامُ، ما عَمِل وأَمْلَى، فكُتب عليه، فمن بُعِث مُتَّقِيًا للهِ جُعِل كتابُه بيمينِه، فقَرَأه واسْتَبْشَر، ولم يُظْلَمُ فَتِيلًا، وهو مثلُ قولِه:{وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79]: والإمامُ ما أمْلَى وعَمِل
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} . قال: بأعمالِهم.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: بكتابِهم الذي فيه أعمالُهم
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَاكَ يقولُ في قولِه: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} . يقولُ: بكتابِهم
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن
(1)
في م، ت 1:"يدعوهم".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 194 إلى المصنف مختصرا بلفظ: بكتاب أعمالهم.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 382 عن معمر به.
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 109.
الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: بأعمالِهم
(1)
.
وقال آخرون: بل مَعْناه: يومَ نَدْعُو كلَّ أُناسٍ بكتابهم الذي أَنْزَلْتُ عليهم بأمرى
(2)
ونَهْيِى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعتُ - يَعْنى
(3)
- ابن زيدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} . قال: بكتابِهم الذي أُنزِل عليهم فيه أمرُ الله ونَهْيُه وفَرائِضُه، والذي عليه يُحاسبون. وقَرَأ:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]. قال: الشِّرْعَةُ الدِّينُ، والمنْهاجُ السُّنَّةُ. وقَرَأ:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]. قال: فنوحٌ أَوَّلُهم، وأنت آخِرُهم
(4)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} : بكُتُبِهم
(5)
.
وأَوْلَى هذه الأقوالِ عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: يومَ ندْعو كلَّ أُناس بإمامهم الذي كانوا يَقْتَدون به، ويَأْتَمُّون به في الدنيا؛ لأن الأغْلَبَ مِن استعمالِ العربِ "الإمامَ" فيما ائْتُمَّ واقْتُدِىَ به، وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأَشْهَرِ أوْلَى، ما لم تَثْبُتْ حُجَّةٌ بخلافِه يَجِبُ التسليمُ لها.
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 109.
(2)
في م: "فيه أمرى".
(3)
في م، ت 1، ت 2، ف:"يحيى".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 96 عن ابن زيد مقتصرا على أوله.
(5)
في م: "بكتابهم". والأثر في تفسير مجاهد ص 439.
وقولُه: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} . يقولُ: فمَن أُعْطِيَ كتابَ عمله بيمينِه، {فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ} ذلك حتى يَعْرِفُوا جميعَ ما فيه، {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَظْلِمُهم اللهُ مِن جزاءِ أعمالِهم {فَتِيلًا} وهو المُنْفَتِلُ الذِي فِي شَقِّ بطنِ النَّوَاةِ.
وقد مضَى البيانُ عن "الفَتيلِ" بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} . قال: الذي في شَقِّ النَّواةِ
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72)} .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أُشِيرَ إليه بقوله: {هَذِهِ} ؛ فقال بعضُهم: أُشِير بذلك إلى النِّعَمِ التي عَدَّدَها تعالى ذكرُه بقولِه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)} . فقال: ومَن كان في هذه النِّعَمِ
(3)
أَعْمَى فهو في نِعَمِ
(3)
الآخرةِ أَعْمَى وأَضَلُّ سبيلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبي موسى، قال: سُئِل عن هذه الآية: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ
(1)
تقدم في 7/ 129 وما بعدها.
(2)
تقدم تخريجه في 7/ 132.
(3)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.
أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}. فقال: قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} . قال: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هذه النعمِ في الدنيا، فهو في الآخرةِ أعمَى وأَضَلُّ سَبِيلًا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن كان في هذه الدنيا أعمَى عن قُدْرَةِ اللَّهِ فيها وحُجَجِه، فهو في الآخرةِ أعمَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى} . يقولُ: مَن عَمِيَ عن قُدرةِ اللَّهِ فِي الدُّنيا، {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى}
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي هَذِهِ أَعْمَى} . قال: الدُّنيا
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} . يقولُ: مَن كان في هذه الدنيا أعمَى عما عايَنَ فيها مِن نعمِ اللهِ وخلقِه وعجائبِه
(3)
، {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}: فيما يَغِيبُ عنه مِن أمرِ الآخرةِ أعمَى.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَمَنْ كَانَ فِي
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 194 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
تفسير مجاهد ص 439.
(3)
في ص: "عمابيه"، وفى ت 1، ت 2، ف:"عمايته".
هَذِهِ أَعْمَى}: في الدنيا فيما أرَاه اللهُ مِن آياتِه، من خلقِ السماواتِ والأرضِ، والجبالِ والنجومِ، {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ} الغائبةِ التي لم يَرَها أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ تعالى:{وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} . فقَرَأ: {إِنَّ فِي
(2)
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3]. {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]. وقَرَأَ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} . وقرَأ حتى بَلَغ: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم: 20 - 26]. قال: كلٌّ له مُطيعون إِلَّا ابنَ آدمَ. قال: فمَن كان في هذه الآياتِ التي يَعْرفُ أنها منَّا، ويَشْهَدُ عليها، وهو يَرَى قدرتَنا ونعمتَنا، أعمَى، فهو في الآخرةِ التي لم يَرَها، أعمَى وأَضَلُّ سبيلًا.
وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معني ذلك: ومن كان في هذه الدُّنيا أعمَى عن حُجَجِ اللَّهِ، على أنه المُنْفَرِدُ بخَلْقِها وتدبيرِها، وتصريفِ ما فيها، فهو في أمرِ الآخرةِ التي لم يَرَها ولم يُعايِنْها، وفيما هو كائنٌ فيها {أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}. يقولُ: وأَضَلُّ طريقًا منه في أمر الدنيا التي قد عايَنَها ورَآها.
وإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لأنَّ الله تعالى ذكرُه لم يَخْصُص في قولِه: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ} الدنيا {أَعْمَى} ، عمَى الكافرِ به عن بعضِ حُجَجِه عليه فيها دونَ بعض، فيُوَجَّهَ ذلك إلى عَماه عن نِعَمِه بما أنْعَم به عليه مِن تكريمِه بنى آدمَ، وحَمْله إياهم في البرِّ والبحرِ، وما عَدَّد في الآيةِ التي ذكَر فيها نِعَمَه عليهم، بل
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 383 عن معمر به.
(2)
بعده في ص، ت 1، ف:"خلق".
عَمَّ بالخبرِ عن عَماه في الدنيا، فهو
(1)
كما عَمَّ تعالى ذكرُه.
واخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءة قوله: {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} ؛ فَكَسَرَتِ
(2)
القَرأَةُ جميعًا الحرفَ الأولَ، أعنِى قولَه:(ومَنْ كان في هذه أَعْمِى)
(3)
.
وأما قوله: (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى). فإن عامَّةً قَرَأَةِ الكوفيين أمالَتْ أيضًا قولَه: (فهو في الآخِرَةِ أَعْمِى). وأما بعضُ قرأةِ البصرةِ فإنه فتَحه، وتَأَوَّلَه بمَعْنَى: فهو في الآخرةِ أشَدُّ عَمًى. واسْتَشْهَد لصحةِ قراءتِه بقولِه: {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} .
وهذه القراءةُ هي أوْلَى القراءتَيْن في ذلك بالصوابِ؛ للشاهدِ الذي ذكرْنا عن قارِئِه كذلك، وإنما كرِه مَن كرِه قراءتَه كذلك؛ ظَنًّا منه أن ذلك مقصودٌ به قَصْدَ عَمَى العينَيْن الذي لا يُوصَفُ أحدٌ بأنه أعْمَى مِن آخرَ أعمَى؛ إذ كان عمَى البصرِ لا يَتَفاوَتُ فيكونَ أحدُهما أَزْيَدَ عَمًى مِنْ آخَرَ، إلا بِإِدْخال "أَشَدَّ" أو "أبْيَنَ"، فليس الأمرُ في ذلك كذلك.
وإنما قلنا: ذلك مِن عَمَى القلبِ الذي يَقَعُ فيه التَّفاوُتُ. فإِنما عنَى به عمَى قلوبِ الكفارِ عن حُجَجِ الله التي عايَنَتْها أبصارُهم، فلذلك جاز ذلك وحَسُن.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا
(1)
في م: "فهم".
(2)
المراد بقوله: "كسرت"، أي: أمالت إمالة شديدة.
(3)
ليس الأمر كما ذكر المصنف، فقد قرأ بفتح الميم في الموضعين ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم، وبالكسر فيهما قرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة والكسائي، وبالكسر في الموضع الأول قرأ أبو عمرو، وفتحها في الموضع الثاني. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 383.
سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} . قال: أعمَى عن حُجَّتِه في الآخرةِ
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73)} .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الفتنةِ" التي كاد المشركون أن يَفْتِنوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بها عن الذي أَوْحَى اللهُ إليه، إلى غيرِه؛ فقال بعضُهم: ذلك الإلمامُ بالآلهةِ؛ لأن المشرِكين دَعَوْه إلى ذلك، فهمَّ به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسْتلِمُ الحجرَ الأسودَ، فمنَعَتْه قريشٌ، وقالوا: لا نَدَعُك
(2)
حتى تُلِمَّ
(3)
بآلهتِنا. فحدَّث نفسَه وقال: "ما عَليَّ أَنْ أُلِمَّ بها بعدَ أَن يَدَعُونِي أَسْتَلِمُ الحَجَرَ، واللهُ يعلمُ أنِّي لها كارِهٌ". فأبَى اللهُ، فأنزَل اللهُ:{وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} الآية
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} : ذُكِر لنا أن قريشًا خَلَوْا برسولِ اللهِ
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 383.
(2)
في م، ت 1، ت 2، ف:"ندعه".
(3)
في م، ت 1، ت 2:"يلم".
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 111 عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 194 إلى المصنف وابن أبي حاتم، وقال ابن الجوزى في زاد المسير 5/ 67: وهذا باطل، لا يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكر عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة، وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا ذلك.
صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ إلى الصُّبح يُكلِّمونه ويُفخِّمونه ويُسوِّدونه ويُقارِبونَه، وكان في قولِهم أن قالوا: إنَّك تأتى بشيءٍ لا يأتى به أحدٌ من الناسِ، وأنت سيِّدُنا وابنُ سيدِنا. فما زالوا يكلِّمونَه حتى كاد أن يُقارِفَهم
(1)
، ثم مَنَعَه اللهُ وعَصَمه مِن ذلك، فقال:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} . قال: أطافوا به ليلةً، فقالوا: أنت سيِّدُنا وابنُ سيدِنا فأرادوه على بعضِ ما يُريدون، فهَمَّ أن يُقارِبَهم (1) في بعضِ ما يُريدُون، ثم عصَمه اللهُ، فذلك قولُه:{لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} ؛ الذي أرادوا، فهَمَّ أن يُقارِبَهم
(3)
فيهِ
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ. قال: قالوا له: ائتِ آلهتَنَا فامْسَسْها. فذلك قولُه: {شَيْئًا قَلِيلًا} .
وقال آخرون: إنما كان ذلك أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَمَّ أَن يُنْظِرَ قومًا بإسلامِهم إلى مدةٍ سَأَلوه الإنْظارَ إلَيها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
(1)
في ت 1، وتفسير القرطبي:"يقاربهم"، وفى ت 2، ف:"يفارقهم". وقارَفَه: قاربه، ولا تكون المقارفة إلا في الأشياء الدَّنِيَّة. تاج العروس (ق ر ف).
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 299 عن قتادة.
(3)
في م: "يقارفهم"، وفى ت 2:"يفارقهم".
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 383 عن معمر به.
لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا}: وذلك أن ثَقِيفًا كانوا قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ اللهِ، أَجِّلْنا سنةً حتى يُهدَى لآلهتِنا، فإذا قبَضْنا الذي يُهدَى لآلهتِنا أخَذْناه، ثم أسْلَمْنا وكسَّرنا الآلهةَ. فهَمَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يُعطيَهم وأن يُؤجِّلَهم، فقال اللهُ:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم أن المشركين كادوا أن يَفْتِنوه عمَّا أوحاه اللهُ إليه ليَعْملَ بغيرِه، وذلك هو الافتراءُ على اللهِ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان ما ذكَر عنهم مَن ذكَر أنَّهم دَعَوْه إلى أن يَمَسَّ آلهتَهم ويُلِمَّ بها. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك ما ذُكِر عن ابن عباسٍ مِن أمرٍ ثَقيفٍ ومسألَتِهم إيَّاه ما سألوه ممَّا ذَكَرْنا. وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك. ولا بيانَ في الكتابِ ولا في خبرٍ يَقْطَعُ العذرَ أيُّ ذلك كان، والاختلافُ فيه موجودٌ على ما ذَكَرْنا، فلا شيءَ فيه أصوبُ من الإيمانِ بظاهرِه حتى يأتىَ خبرٌ يجبُ التسليمُ له ببيانِ ما
(2)
عَنى بذلك منه.
وقولُه: {وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولو فعَلْتَ ما دَعَوْك إليه مِن الفتنةِ عن الذي أوحَيْنا إليك، لَاتَّخَذوكَ إذن لأنفُسِهم خليلًا، وكنتَ لهم وكانوا لك أولياءَ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن ثبَّتْناك يا محمدُ، بعِصْمَتِناك
(3)
عمَّا دعاك إليه
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 194 إلى المصنف وابن مردويه.
(2)
في ص، ت 2، ف:"مما".
(3)
في م، ت 1، ف:"بعصمتنا إياك".
هؤلاء المشركون من الفتنة، {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}. يقولُ: لقد كِدتَ تميلُ إليهم وتَطْمَئِنُّ شيئًا قليلًا، وذلك ما كان صلى الله عليه وسلم همَّ به مِن أن يَفعَل بعضَ الذي كانوا سَأَلُوه فِعلَه، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما ذُكِر، حينَ نزَلت هذه الآيةُ ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} . فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله: "لا تَكِلْنِي إلى نَفْسى طَرْفَةَ عينٍ"
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: لو رَكَنْتَ إلى هؤلاء المشركين يا محمدُ، شيئًا قليلًا فيما سألوك، إذَنْ لأذَقْناك ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ عذابِ المماتِ.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} : يَعْنى ضعفَ عذابِ الدنيا والآخرةِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 112، وذكره الثعلبي - كما في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 279، وأخرجه أحمد 5/ 42 (20446 - الميمنية)، والبخارى في الأدب المفرد (701)، وأبو داود (5090)، والنسائى في الكبرى (10487) موصولًا من حديث أبي بكرة.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 194، 195 إلى المصنف.
نَحِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{ضِعْفَ الْحَيَاةِ} . قال: عذابَها، {وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}. قال: عذابَ الآخرةِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} . أي عذابَ الدنيا والآخرةِ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} . قال: عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرةِ
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: {ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} : يعنى عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرةِ
(3)
.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ
(4)
في قولِه: {إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ} : مُختَصَرٌ، كقولِك: ضعفَ عذابِ الحياةِ وضعفَ
(5)
المماتِ.
(1)
تفسير مجاهد ص 440.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 383 عن معمر به.
(3)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 65.
(4)
هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 386.
(5)
في مجاز القرآن: "عذاب".
فهُما عذابان؛ عذابُ المماتِ به ضُوعِف عذابُ الحياةِ.
وقولُه: {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} ، يقولُ: ثم لا تجدُ لك يا محمدُ - إن نحن أذَقْناك لرُكونِك إلى هؤلاء المشركين، لو رَكَنْتَ إليهم، عذابَ الحياةِ وعذابَ المماتِ - علَينا نَصيرًا ينصُرُك علينا، فيَمْنَعُك من عذابِك، ويُنقِذُك ممَّا نالكَ منّا مِن عقوبةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ
(1)
إِلَّا قَلِيلًا (76)}.
يقولُ عز وجل: وإن كاد هؤلاء القومُ {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} . يقولُ: لَيَسْتَخِفُّونَك مِن الأرضِ التي أنتَ بها ليُخرجوكَ مِنها، {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا}. يقولُ: ولو أخرَجوك منها لم يلْبَثوا بعدَك فيها إلَّا قليلًا حتى أُهلِكَهم بعذابٍ عاجلٍ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين كادوا أن يستفِزُّوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليُخرِجوه مِن الأرضِ، وفى الأرضِ التي أرادُوا أن يخرِجوه مِنها؛ فقال بعضُهم: الذين كادوا أن يستفزُّوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن ذلك اليهودُ، والأرضُ التي أرادوا أن يخرِجُوه منها المدينةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعْتَمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمَيٌّ أَنَّه بلَغه أن بعضَ اليهودِ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إن أرضَ الأنبياءِ أرضُ الشامِ،
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"خلفك"، وهى قراءة، وسيشير المصنف إليها في ص 21.
وإن هذه ليست بأرضِ الأنبياءِ. فأنزَل اللهُ: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا}
(1)
.
وقال آخرون: بل كان القومُ الذين فعَلوا ذلك قريشًا، والأرضُ مكةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ
(2)
إِلَّا قَلِيلًا}: وقد هَمَّ أهلُ مكةَ بإخراجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من مكةَ، ولو فعَلوا ذلك لَمَا تَوَطَّنوا، ولكنَّ اللَّهَ كفَّهم عن إخراجِه حتى أمَرَه، ولَقلَّما مع ذلك لَبِثُوا بعد خروجِ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم من مكةَ، حتى بعَث اللهُ عليهم القتلَ يومَ بدرٍ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} . قال: قد فعَلوا بعدَ ذلك، فأهلكهم اللهُ يومَ بدرٍ، ولم يَلْبَثوا بعدَه إلا قليلًا حتى أهْلَكهم اللهُ يومَ بدرٍ، وكذلك كانت سُنَّةُ اللهِ في الرُّسلِ إذا فعَل بهم قومُهم مثل ذلك
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 195 إلى المصنف.
(2)
في ت 1، ت 2 ف:"خلفك".
(3)
ينظر تفسير القرطبي 10/ 301.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 383، 384 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 195 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
{خِلَافَكَ
(1)
إِلَّا قَلِيلًا}. قال: لو أخرَجتْ قريشٌ محمدًا لعُذِّبوا بذلك
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وأوْلَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ قتادةَ ومجاهدٍ؛ وذلك أنَّ قولَه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} . في سياقِ خبرِ اللَّهِ عز وجل عن قريشٍ وذِكْرِه إيَّاهم، ولم يَجْرِ لليهودِ قبلَ ذلك ذكرٌ، فتَوَجَّه
(3)
قولُه: {وَإِنْ كَادُوا} . إلى أنَّه خبرٌ عنهم، فهو بأن يكونَ خبرًا عمَّن جَرَى له ذكرٌ أَوْلَى مِن غيرِه.
وأمَّا القليلُ الذي استثناه اللهُ جلَّ ذكرُه في قولِه: {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} . فإنَّه - فيما قيل - ما بينَ خروجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن مكةَ إلى أنْ قتَل اللهُ مَن قتَل مِن مشركِيهم ببدرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ
(4)
إِلَّا قَلِيلًا}: يَعْنى بالقليلِ يومَ أخذَهم ببدرٍ، فكان ذلك هو القليلَ الذي لبِثوا بعدَه
(5)
.
(1)
في ف: "خلفك".
(2)
تفسير مجاهد ص 440.
(3)
في م: "فيوجه".
(4)
في م، ت 1، ت 2، ف:"خلفك".
(5)
في م: "بعد". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 195 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ
(1)
إِلَّا قَلِيلًا}: كان القليلُ الذي لبِثوا بعدَ خروجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من بين أظهُرِهم إلى بدرٍ، فأَخَذَهم بالعذابِ يومَ بدرٍ
(2)
.
وعَنَى بقولِه: {خِلَافَكَ} : بعدَك. كما قال الشاعرُ
(3)
:
عَقَب الرَّدَاذُ
(4)
خِلافَها فكأَنَّما
…
بسَط الشَّواطِبُ بينَهنَّ حَصِيرًا
يعنى بقولِه: خلافَها: بعدَها.
وقد حُكى عن بعضِهم أنه كان يقرَؤُها: (خَلْفَكَ)
(5)
. ومعنَى ذلك ومعنَى الخلافِ في هذا الموضعِ واحدٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: لو أخرَجوك [مِن مكةَ]
(6)
لم يَلْبَثوا خِلافَك إلا قليلًا، وَلأَهْلكْناهم بعذابٍ مِن عندِنا، سُنَّتَنا في مَن قد أَرْسَلْنا قبلَك من رُسلِنا، فإِنَّا كذلك كنا نفعَلُ بالأمم إِذا أخرَجتْ رُسلَها مِن بين أظهُرِهم.
ونُصِبتِ "السُّنَّةُ" على الخروجِ
(7)
مِن معنى قولِه: {لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا
(1)
في م، ت 1، ت 2، ف:"خلفك".
(2)
ذكره الطوسي في التبيان 6/ 508.
(3)
تقدم تخريجه في 11/ 602.
(4)
الرذاذ: المطر الضعيف. التاج (ر ذ ذ).
(5)
وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ حفص عن عاصم، وابن عامر وحمزة والكسائي (خِلافك). السبعة لابن مجاهد ص 383، 384.
(6)
سقط من: م.
(7)
النصب على الخروج هو النصب على الحال، كما تقدم في 6/ 236.
قَلِيلًا}. لأن معنَى ذلك: لَعَذَّبْناهم بعدَ قليلٍ كسُنَّتِنا في أممٍ مَن أَرْسَلْنا قبلَكَ مِن رُسلنا. ولا تجدُ لسُنَّتِنا تحويلًا عمَّا جرَت به.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} . أي: سُنَّةَ الأُممِ والرُّسلِ كانت قبلَك كذلك، إذ كذَّبوا رُسلَهم وأخرَجوهم، لم يُناظَروا أن الله عاجِلٌ
(1)
علَيهم عذابَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: أقمِ الصلاةَ يا محمدُ لدُلُوكِ الشمسِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي عَنَاه اللهُ بدُلوكِ الشمسِ؛ فقال بعضُهم: هو وقتُ غروبِها، والصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها حينئذٍ صلاةُ المغربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أبي إسحاقَ - يعنى الشَيْبانيَّ - عن عبدِ الرحمن بن الأسودِ، عن أبيه، أنَّه كان مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ على سطحٍ حينَ غرَبتِ الشمسُ، فقرأ:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} . حتى فرَغ من الآيةِ، ثم قال: والذي نفسي بيدِه إن هذا لَحِينَ دَلَكَتِ الشمسُ وأفْطَر الصائمُ ووقتُ الصلاةِ
(2)
.
(1)
سقط من: ص، ت 2، ف، وفى م:"أنزل".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 235، 236 من طريق أبي إسحاق الشيباني به، وأخرجه الطبراني (9136) من طريق عبد الرحمن بن الأسود به مختصرًا.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عُقْبَةَ بن عبدِ الغافرِ، أنَّ أبا عُبيدةَ بنَ عبدِ اللهِ كتَب إليه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان إذا غرَبتِ الشمسُ صلَّى المغربَ، ويُفطِرُ عندَها إن كان صائمًا، ويُقسِمُ عليها يمينًا ما يُقسِمُه على شيءٍ من الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ، إن هذه الساعةَ لميقاتُ هذه الصلاةِ. ويقرَأُ فيها تفسيرَها من كتابِ اللهِ:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} .
حدَّثنا محمدُ بن المثنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن عاصمٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: هذا دلوكُ الشمسِ، وهذا غَسَقُ الليلِ. وأشار إلى المشْرقِ والمغْربِ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابن عباسٍ: دلوكُ الشمسِ غُروبُها. يقولُ: دَلَكتْ بَرَاحِ
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ، أَنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكتْ بِرَاحٍ
(3)
. يعنى بِـ "رَاحٍ" مكانًا
(4)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن
(1)
أخرجه ابن المنذر في الأوسط 2/ 323، والطبرانى (9130) من طريق عاصم به بلفظ: دلوك الشمس غروبها.
(2)
سيأتي كلام المصنف على تفسير قوله: براح. في ص 28.
(3)
سقط من: م.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 384.
منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُها غُروبُها
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قد ذُكِر لنا أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يُصلِّيها إذا وجَبتْ، وعندَها يُفطِرُ إذا كان صائمًا، ثم يُقسِمُ عليها قسَمًا لا يُقسِمُه على شيءٍ مِن الصلواتِ: باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إن هذه الساعةَ لِمَيقاتُ هذه الصلاةِ. ثم يقرَأُ ويُصلِّيها. وتَصْدِيقُها مِن كتابِ اللَّهِ:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} .
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} . قال: كان أبي يقولُ: دُلوكُها حينَ تُريدُ الشمسُ تَغْرُبُ إلى أن يَغْسِقَ الليلُ. قال: هي المغربُ حينَ يغسِقُ الليلُ، وتَدْلُكُ الشمسُ للغروبِ.
حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، سمِع عمرُو بنُ دينارٍ أبا عُبيدة بنَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ يقولُ: كان عبدُ اللهِ يُصلِّى المغربَ حينَ يغرُبُ حاجبُ الشمسِ، ويحلِفُ أنَّه الوقتُ الذي قال اللهُ:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ حينَ غرَبتِ الشمسُ: هذا، واللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، وقتُ هذه الصلاةِ. وقال:
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 384، 385، ومن طريقة ابن المنذر في الأوسط 2/ 323.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2096) - ومن طريقه الطبراني (9127) - عن ابن عيينة به، وأخرجه البيهقي في معرفة السنن (524) من طريق ابن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2162) عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار به، وفيه زيادة.
دلوكُها غروبُها
(1)
.
وقال آخرون: دلوكُ الشمسِ مَيْلُها للزَّوالِ، والصلاةُ التي أُمِر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بإقامتِها عندَ دلوكِها الظهرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: دلوكُها مَيْلُها. يعنى الشمسَ
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال في قولِه:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . قال: دُلوكُها زَوالُها
(3)
.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ في قوله:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . قال: دلوكُها مَيْلُها
(4)
.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن
(1)
أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار 1/ 155، والطبراني (9134، 9137)، من طريق المغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله.
(2)
أخرج نحوه ابن أبي شيبة 1/ 323، وابن المنذر في الأوسط 2/ 359 من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، ونحوه أيضا عند عبد الرزاق في مصنفه (2061) عن معمر، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود.
(3)
أخرجه ابن المنذر في الأوسط 2/ 322، 323، والطبرانى في الأوسط (1371)، من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 195 إلى سعيد بن منصور.
(4)
أخرجه مالك 1/ 11 (19) عن نافع به، وابن أبي شيبة في مصنفه 2/ 236 عن أبي أسامة به، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط 2/ 322 من طريق مالك، عن نافع أو عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
سيَّارِ بن سَلَامةَ، عن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَميِّ قوله:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . قال: إذا زالَت
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ مرَّةً أخرَى، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا سيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: أتيتُ أبا بَرْزَةَ فسأله والدى عن مواقيتِ صلاةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصلِّى الظهرَ إذا زالتِ الشمسُ، ثم تلا:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}
(2)
.
حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ عز وجل لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} . قال: الظهرُ، دلوكُها إذا زالَتْ عن بطنِ السماءِ وكان لها في الأرضِ فَيْءٌ.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . قال: دُلوكُها زوالُها
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَ ذلك
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . قال: لزوالِ الشمسِ
(4)
.
(1)
تفسير ابن كثير 5/ 98.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 195 إلى المصنف، وأخرجه أحمد 4/ 425 (الميمنية)، والبخارى (541، 547، 568، 599، 771)، ومسلم (647)، وأبو داود (398)، وأبو عوانة 1/ 345، 366، وابن المنذر في الأوسط 2/ 358، والبيهقى 1/ 436 من طريق سيار أبي المنهال به وليس في المصادر الاستشهاد بالآية.
(3)
تفسير البغوي 5/ 114، وتفسير ابن كثير 5/ 99.
(4)
تفسير ابن كثير 5/ 99.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن عباسٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ زَيْغُها بعدَ نصفِ النَّهارِ. يعنى الظهرَ
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: دلوكُ الشمسِ، قال: حينَ تَزِيعُ عن بطنِ السماءِ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . أي: إذا زالَتِ الشمسُ عن بطنِ السماءِ لصلاةِ الظهرِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . قال: حين تَزِيعُ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: دُلوكُ الشمسِ حين تَزيغُ.
وأوْلى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنى بقولِه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . صلاةَ الظهرِ. وذلك أن الدُّلوكَ في كلامِ العربِ الميْلُ. يُقالُ منه: دلَك فلانٌ إلى كذا. إذا مال إليه. ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن الحسنِ أَنَّ رجلًا قال له: أيُدَالِكُ الرجل امرأتَه
(4)
؟ يعنى بذلك: أيَميلُ بها إلى المماطلةِ بحقِّها. ومنه
(1)
في النسخ: "الظل". والمثبت من مصادر التخريج.
والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2052)، والتفسير 1/ 384، وابن المنذر في الأوسط 2/ 322 من طريق معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر من قوله.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 384 عن معمر به.
(3)
تفسير مجاهد ص 440، ومن طريقه ابن أبي شيبة في مصنفه 2/ 236.
(4)
ذكره أبو عبيد في غريب الحديث 4/ 459، وأخرجه السهمى في تاريخ جرجان ص 147، وثابت السرقسطى في الدلائل بإسنادٍ واهٍ - كما في كشف الخفاء 1/ 70 - أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيدا لك الرجل امرأته؟ قال: "نعم".
قولُ الراجزِ
(1)
:
هذا مَقامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ
غُدْوَةَ
(2)
حتى دَلَكَتْ بِرَاحِ
ويُرْوَى: بَرَاحٍ، بفتحِ الباءِ. فمَنْ روَى ذلك "بِراحِ" بكسرِ الباءِ، فإنَّه يعنى أنَّه يَضَعُ الناظرُ كفَّه على حاجِبِه مِن شُعاعِها، ليَنْظُرَ [ما بَقِى من غِيابِها]
(3)
. وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ؛ أبى عُبَيدةَ، والأصمعيِّ، وأبي عمرٍو الشَّيْبانيِّ، وغيرِهم. وقد ذكَرتُ في الخبرِ الذي روَيتُ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنَّه قال حينَ غرَبتِ الشمسُ: دَلَكَتْ بِراحٍ
(4)
. يعنى بـ "براحٍ" مكانًا. ولستُ أدرى هذا التفسيرَ - أعْنِي قولَه: بِراحٍ مكانًا - مِن كلامٍ مَن هوَ مُمَّنْ في الإسنادِ، أَو مِن كلام عبدِ اللهِ؟ فَإِن يَكُنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فلا شكَّ أنَّه كان أعلمَ بذلك مِن أهلِ الغريبِ الذين ذكَرتُ قولَهم، وأن الصوابَ في ذلك قولُه دونَ قولِهم. وإن لم
(5)
يكنْ مِن كلامِ عبدِ اللهِ، فإنَّ أهلَ العربيةِ كانوا أعلمَ بذلك منه. ولِمَا قال أهلُ الغريبِ في ذلك شاهدٌ مِن قولِ العَجَّاجِ، وهو قولُه
(6)
:
والشمسُ قد
(7)
كادتْ تكونُ دَنَفًا
(8)
(1)
معاني القرآن للفراء 2/ 129، ومجاز القرآن 1/ 387، والنوادر لأبي زيد ص 88.
(2)
في معاني القرآن: "ذبب".
(3)
في النسخ: "لقى من غبارها". والمثبت من مجاز القرآن 1/ 388.
(4)
تقدم في ص 23.
(5)
سقط من: ص، ت 2، ف.
(6)
ديوانه ص 493، 494.
(7)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(8)
قال الأصمعي - ديوان العجاج بروايته ص 493 - : دنفا: مثل المريض الذي لم يبق منه شيء، =
أدْفَعُها بالرَّاح كي تَزَحْلَفا
(1)
فأَخبَر أَنه يَدْفَعُ شُعَاعَها لِيَنْظُرَ إِلَى مَغيبها بِرَاحِه.
ومَن روَى ذلك بفتحِ الباءِ، فإنَّه جَعَلَه اسمًا للشَّمسِ، وكَسَر الحاءَ لإخراجِه إيَّاه على تقديرِ: قَطَامِ وحَذَامِ ورَقاشِ.
فإذا كان معنى الدُّلوكِ في كلامِ العربِ هو الميلُ، فلا شكَّ أن الشمسَ إذا زالَت عن كبِدِ السماءِ فقد مالَتْ للغروبِ، وذلك وقتُ صلاةِ الظهرِ. وبذلك ورَد الخبرُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان في [إسنادِ بعضه]
(2)
بعضُ النَّظرِ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنى أبو بكرِ بن عمرِو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن أبي مسعودٍ عُقبةَ بن عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريلُ عليه السلام لِدُلُوكِ الشمس، حينَ زالَتِ الشمسُ
(3)
، فصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ"
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ بن واقدٍ، قال: ثنى سَيَّارُ بنُ سلامةَ الرِّياحيُّ، قال: قال أبو بَرْزةَ: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا يُصَلِّي الظهْرَ إِذا
= أي: كادت تغيب.
(1)
قال الأصمعي: يقال للرجل: قد تزحلف قليلا. إذا تباعد.
(2)
في ص، ت 2، ف:"إسناده بعضه"، وفى ت 1:"إسناد".
(3)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 195 إلى المصنف، وأخرجه البيهقى 1/ 361، 362، وفي معرفة السنن (517) من طريق يحيى بن سعيد به، وقال: أبو بكر لم يسمعه من أبي مسعود، وإنما هو بلاغ بلغه، وقد رُوى ذلك من حديثٍ آخر مرسل.
وأخرجه في معرفة السنن (518) من طريق صالح بن كيسان، عن أبي بكر، بلغه أن أبا مسعود، وأخرجه (519) من طريق أيوب بن عتبة، عن أبي بكر، عن عروة، عن ابن أبي مسعود، عن أبيه.
زالَتِ الشمسُ. ثم تلا: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشِيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن ابن أبى ليلى، عن رجلٍ، عن جابر بن عبدِ اللَّهِ، قال: دعَوْتُ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَن شَاء من أصحابِه، فطَعِموا عندِي، ثم خرَجوا حين زالَت الشمسُ، فخرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: "اخْرُج يا أبا بكرٍ قد
(2)
دَلَكَتِ الشمسُ"
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ
(4)
الرازيُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثنا أبو عَوَانَةَ، الأسودِ بن قيسٍ، عن نُبَيْحٍ العَنَزِيِّ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَ حديثِ ابن حُميدٍ
(5)
.
فإذ كان صحيحًا ما قلْنا بالذي
(6)
به استَشْهَدْنا، فبَيِّنٌ إذنْ أن معنى قولِه جلَّ ثناؤُه:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} . أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ بحدودِهما ممَّا أوجبَ اللهُ عليك فيهما؛ لأنهما الصلاتان اللتان فرضَهما اللهُ على نبيِّه من وقتِ دُلوكِ الشمسِ إلى غَسَقِ اللَّيلِ.
وغسقُ الليلِ هو إقبالُه ودُنُوه بظَلامِه. كما قال الشاعرُ
(7)
:
*آبَ هذا الليلُ إِذ غَسَقَا*
(1)
تقدم تخريجه في ص 26.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"هذا".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 99 عن المصنف.
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"عثمان"، وفى ت 2:"عمران"، والمثبت مما تقدم في 9/ 522. وينظر الجرح والتعديل 8/ 43.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 99 عن سهل به.
(6)
في ص، ت 1، ت،2، ف:"فالذي".
(7)
صدر بيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ص 187، وروايته:
* إن هذا الليل قد غسق *
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في الصلاةِ التي أُمِر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بإقامتِها عندَه؛ فقال بعضُهم: الصلاةُ التي أُمِر بإقامتِها عندَه صلاةُ المغربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} . قال: غسَقُ الليل بُدُوُّ الليلِ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ سُئِل عن هذه الآيةِ: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} . قال: بدوُّ الليلِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: غسَقُ الليلِ غروبُ الشمسِ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{غَسَقِ اللَّيْلِ} : صلاةِ المغربِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} :
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 114.
(2)
تقدم تخريجه في ص 27.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 384 عن معمر، عن قتادة.
بُدُوِّ الليلِ لصلاةِ المغربِ، وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ:"لا تزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتي على الفِطْرَةِ ما صَلَّوْا صلاةَ المغرب قبلَ أن تَبْدُوَ النُّجومُ"
(1)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذِ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} : يعنى إظْلامَ
(2)
الليلِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: كان أبى يقولُ: {غَسَقِ اللَّيْلِ} : ظُلْمةِ الليلِ.
وقال آخرون: هي صلاةُ العصرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ في
(3)
: {غَسَقِ اللَّيْلِ} . قال: صلاةُ العصرِ.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: الصلاةُ التي أُمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بإقامتِها عندَ غسَقِ الليل هي صلاةُ المغربِ دونَ غيرِها؛ لأن غسقَ الليلِ هو ما وصَفنا من إقبالِ الليلِ وظلامِه، وذلك لا يكونُ إلا بعدَ مَغيبِ الشمسِ. فأمَّا
(4)
صلاةُ العصرِ، [فإنَّها ممَّا تُقامُ]
(5)
بينَ ابتداءِ دلوكِ الشمسِ إلى غسَقِ الليلِ، لا
(1)
قول قتادة ذكره البغوي في تفسيره 5/ 114. والمرفوع أخرجه بنحوه أحمد 24/ 493 (15717)، والطبراني (6671)، والبيهقى 18/ 448، والخطيب 14/ 14 من حديث السائب بن يزيد، وأخرجه أبو داود (418)، والحاكم 1/ 190 من حديث أبى أيوب، وورد عن غيرهما ينظر تخريجه في مسند أحمد.
(2)
في م: "ظلام".
(3)
في م: "إلى".
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"فإنها".
(5)
في ص، ت 1:"وإنها مما تقام ما"، وفى ت 2:"وإنها من مقام ما"، وفى ف:"إنها مما يقام ما".
عندَ غسَقِ الليل.
وأما قوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} . فإن معناه: وأقِمْ قرآنَ الفجرِ. أي: ما تقرَأُ به في صلاة الفجر من القرآنِ. "والقرآنُ" معطوفٌ على "الصلاةِ" في قولِه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} .
وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: نُصِب قوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} . على الإغراءِ، كأَنَّه قال: وعلَيك قرآنَ الفجرِ.
{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . يقولُ: إن ما تقرَأُ به في صلاةِ الفجرِ من القرآنِ كان مشهودًا؛ يشهَدُه، فيما ذُكر، ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.
وبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بن محمدٍ القرشيُّ، قال: ثنى أبي، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، وعن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآيةِ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: "تشهَدُه ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ"
(1)
.
(1)
أخرجه أحمد 16/ 126 (10133)، وابن ماجه (670) من طريق أسباط به، وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (251)، والترمذى (3135)، والنسائى في الكبرى (11293)، وفي التفسير (313)، من طريق أسباط عن الأعمش، عن أبي صالح، عن، عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذى عقب (3135)، وابن خزيمة (1474)، والحاكم 1/ 210، 211، والبيهقى في الشعب (2835) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، وعزا السيوطي في الدر المنثور 4/ 96 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
حدَّثنا موسى
(1)
بنُ سهلٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا ليثُ بنُ سعدٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بن عَسْكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن زيادةَ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يفتَحُ الذِّكْرَ في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَين من الليلِ؛ في الساعةِ الأُولى منهن ينظُرُ فِي الكتابِ الذي لا ينظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيمحو ما يشاءُ ويُثْبِتُ، ثم ينزِلُ في الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ، وهى دارُه التي لم ترها عينٌ، ولم
(2)
تخطُرْ على قلبِ بشرٍ، وهى مسكنُه، ولا يسكُنُ معه من بنى آدمَ غيرُ ثلاثةٍ؛ النبيِّينَ والصدِّيقين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لمن دخَلك. ثم يَنزِلُ في الساعةِ الثالثةِ إلى السماءِ الدنيا بروحِهِ وملائكتِه فتنتفضُ، فيقولُ: قومى بقُوَّتى
(3)
. ثم يطَّلِعُ إلى عبادِه، فيقولُ: من يستغفِرْني أغفِرْ له، من يسألْني أُعْطِه، من يدعوني فأستجيبَ له. حتى يطلُعَ الفجرُ". فذلك حينَ
(4)
يقولُ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال موسى في حديثِه: "شهِده اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ". وقال ابن عسكرٍ في حديثِه: "فيشهَدُه اللَّهُ وملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ"
(5)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عقبةَ بن عبدِ الغافرِ، قال: قال أبو عبيدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ: كان عبدُ اللَّهِ يحدِّثُ أن صلاةَ الفجرِ عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ، ويقرأُ هذه الآيةَ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
(1)
في م: "محمد".
(2)
في م: "لا".
(3)
في م: "بعونى"، وفى الرد على الجهمية، والتوحيد:"بعزتي".
(4)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(5)
تقدم تخريجه في 13/ 570. وعزا السيوطي آخره في الدر المنثور 4/ 196 إلى الحكيم الترمذي.
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}
(1)
.
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} : {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} صلاةَ الصبحِ، كنَّا نُحدَّثُ أن عندَها يجتمِعُ الحَرَسانِ من ملائكةِ اللَّهِ؛ حَرَسُ الليلِ وحَرَسُ النَّهارِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} : صلاةَ الفجرِ. وأما قولُه: {كَانَ مَشْهُودًا} فإنَّه
(2)
يقولُ: ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ يشهَدون تلك الصلاةِ
(3)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ أَنَّه قال في هذه الآيةِ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: تنزِلُ ملائكةُ النَّهارِ وتصعَدُ ملائكةُ الليلِ
(4)
.
حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن ضِرارٍ، عن
(5)
عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيلِ، عن أبي عُبيدةَ في قولِه:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: يشهَدُه حرسُ الليلِ وحرسُ النَّهارِ من الملائكةِ في صلاةِ الفجرِ
(6)
.
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني، وسيأتي تخريجه عند الطبراني.
(2)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 384 عن معمر به.
(4)
أخرجه بقى بن مخلد - كما في التمهيد 19/ 51 - عن محمد بن المثنى به، وأخرجه الطبراني (9139) من طريق عمرو بن مرة به.
(5)
في النسخ: "بن". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 13/ 306.
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة، كما في التمهيد 19/ 51 من طريق ابن فضيل به.
{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: كانوا يقولون: تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاةِ الفجرِ فتشهَدُ فيها جميعًا، ثم يصعَدُ هؤلاء ويقيمُ هؤلاء.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . يعنى: صلاةَ الصبحِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} . قال: صلاةَ الصبحِ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} . قال: صلاةَ الصبحِ، {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}. قال: تجتمِعُ في صلاةِ الفجرِ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} : يعنى صلاةَ الغداةِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} . قال: صلاةَ الفجرِ، {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}. قال: مشهودًا من الملائكةِ فيما يذكُرون. قال: وكان عليُّ بنُ أبي طالبٍ وأُبيُّ بنُ كعبٍ يقولان: الصلاةُ الوسطى التي حضَّ اللَّهُ عليها صلاةُ الصبحِ، قال:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى المصنف.
(2)
تفسير مجاهد ص 440، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.
وذلك أن صلاةَ الظهرِ والعصرِ صلاتا النَّهارِ، والمغربَ والعشاءَ صلاتا الليلِ، وهى بينها، وهى صلاةُ نومٍ، ما نعلمُ صلاةً يُغفَلُ عنها مثلَها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي الوردِ بن ثُمامةَ، عن أبي محمدٍ الحضرميِّ، قال: ثنا كعبٌ، في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن هذه الآيةَ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . إنها لصلاةُ الفجرِ، إنها لمَشهودةٌ
(1)
.
حدَّثني الحسنُ بنُ عليِّ بن عياشٍ
(2)
قال: ثنا بشرُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرني أبي، عن الزهريِّ، قال ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "تجتمِعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاة الفجرِ". ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرَءوا إن شئتُم: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: صلاةَ الفجرِ، يجتمِعُ فيها ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في 12/ 612.
(2)
في النسخ: "عباس"، وينظر تاريخ دمشق 13/ 311، وتهذيب الكمال 21/ 81، و مختصر ابن منظور 7/ 50.
(3)
أخرجه البخاري (648)، وفى القراءة خلف الإمام (249)، ومسلم (649/ 246)، والبيهقي في الشعب (2834)، من طريق شعيب. به. وأخرجه البخاري (4717) من طريق الزهري به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2001) - ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط 2/ 323 - من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 480، ومن طريقه مسلم (649/ 246)، والبيهقى 3/ 60 - وأحمد 12/ 109 (7185)، والنسائي (485) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(4)
أخرجه بقى بن مخلد - كما في التمهيد 19/ 51 - من طريق جرير به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ومن اللَّيلِ فاسهَرْ بعدَ نومَةٍ يا محمدُ، بالقرآنِ، نافِلةً لك خالصةً دونَ أمَّتِك. والتهجُّدُ التيقُّظُ والسّهَرُ بعدَ نومَةٍ من اللَّيلِ، وأمَّا الهجودُ نفسُه فالنومُ. كما قال الشاعرُ
(1)
:
ألَا طرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجودُ
…
فباتَت بعُلَّاتِ
(2)
النَّوالِ تجودُ
وقال الحُطَيئةُ
(3)
:
ألا طرَقَت هندُ الهنودِ وصُحْبَتى
…
بحَوْرانَ حَوْرانِ الجنودِ
(4)
هُجُودُ
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشُعَيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ
(5)
بن يزيدَ، عن ابن
(6)
أبي هلالٍ، عن الأعرجِ أنَّه قال: أخبرَني حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، أنه كان مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فقال: لأنظُرنَّ كيف يصلِّي رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قال: فنام رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثم
(1)
التبيان 15/ 511، وتفسير القرطبي 10/ 308، وفتح القدير 3/ 251.
(2)
العلالة: ما تعللت به، أي لهوت به. اللسان (ع ل ل).
(3)
ديوانه ص 362.
(4)
قال ابن السكيت: حوران الجنود: بها جنود، وأهل الشام يسمون كل كورة جندا، وهو اثنا عشر ميلا. المصدر السابق.
(5)
في ص، ت 1:"مجالد"، وفى، م، ف ت 2:"مجاهد". والمثبت من السنن الكبرى. وينظر تهذيب الكمال 8/ 208.
(6)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف. ينظر تهذيب الكمال 11/ 94.
استيقَظ، فرفَع رأسَه إلى السماءِ، فتلا أربعَ آياتٍ من آخرِ سورةِ "آل عِمرانَ":{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [آل عمران: 190]. حتى مرَّ بالأربعِ، ثم أهوَى
(1)
إلى القِرْبةِ، فأخَذ
(2)
سواكًا فاستَنَّ به، ثم توضَّأ، ثم صلَّى، ثم نام، ثم استيقَظ فصنَع كصنيعِه أوَّلَ مرَّةٍ
(3)
، ويزعُمون أنَّه التهجُّدُ الذي أمَره اللَّهُ
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سعيدٌ، عن أبي إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن علقمةَ والأسودِ، أنَّهما قالا: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ
(5)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن الأسودِ، قال: التهجُّدُ بعدَ نومةٍ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ
(6)
، قال: ثني أبو إسحاقَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن يزيدُ، عن علقمةَ و
(7)
الأسودِ بمثلِه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: التهجُّدُ بعدَ النومِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن هشامٍ، عن الحسنِ،
(1)
بعده في ص، ت 2، ف:"به"، وفي الكبرى:"بيده".
(2)
بعده في ص: "رسول الله".
(3)
بعده في مصدر التخريج: "ثم نام ثم استيقظ فصنع كصنيعه أول مرة".
(4)
أخرجه النسائي في الكبرى (10139) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب وحده به.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى المصنف ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.
(6)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"حدثني يحيى بن سعيد، عن شعبة قال".
(7)
سقط من: م.
قال: التهجُّدُ ما كان بعد العشاءِ الآخِرةِ
(1)
.
حُدِّثتُ عن عبدِ اللَّهِ بن صالحٍ، عن الليثِ، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن الأعرجِ، عن كَثيرِ بن العباسِ، عن الحجاجِ بن عمرٍو، قال: إنما التهجُّدُ بعدَ رقْدةٍ
(2)
.
وأما قولُه: {نَافِلَةً لَكَ} . فإنَّه يقولُ: فَضْلًا
(3)
لك عن فرائضِك التي فرَضتُها عليك.
واخْتُلِف في المعنى الذي من أجلِه خُصَّ بذلك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مع كونِ صلاةِ كلِّ مصلٍّ بعدَ هجودِه، إذا كان قبلَ هجودِه قد كان أدَّى فرائضَه، نافلةً فَضْلًا
(4)
، إذ كانت غيرَ واجبةٍ عليه؛ فقال بعضُهم: معنى خصوصِه بذلك: هو أنها كانت فريضةً عليه، وهى لغيرِه تطوُّعٌ، وقيل له: أقِمْها نافلةً لك. أي: فضلًا لك من الفرائضِ التي فرَضتُها عليك عمَّا فرَضتُ على غيرِك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} : يعنى بالنافِلةَ أنها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً، أُمِر بقيامِ الليلِ وكُتِب عليه
(5)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 100 عن الحسن.
(2)
أخرجه ابن قانع في معجمه 1/ 195 من طريق عبد الله بن صالح به، وأخرجه الطبراني في الأوسط (8670) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث وابن لهيعة، عن جعفر به، وفى الكبير (3216) من طريق ابن لهيعة، عن جعفر به، وأخرجه ابن أبي خيثمة - كما في تلخيص الحبير 2/ 16 - من طريق الأعرج به.
(3)
في م، ت 1، ت 2، ف:"نقلًا".
(4)
في م: "نقلًا".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقال الحافظ في الفتح 3/ 3: وإسناده ضعيف.
وقال آخرون: بل قيل ذلك له عليه السلام؛ لأنَّه لم يكنْ فعلُه ذلك يُكفَّرُ به عنه شيءٌ من الذنوبِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه كان قد غفَر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فكان له نافلةَ فضلٍ، فأمَّا غيرُه فهو له كفارةٌ، وليس له هو نافلةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: النافلةُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً، من أجلِ أنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فما عمِل مِن عمَلٍ سوى المكتوبةِ فهو نافِلةٌ من أجلِ أنَّه لا يعمَلُ ذلك في كفارةِ الذنوبِ، فهى نوافلُ وزيادةٌ، والناسُ يعمَلون ما سوى المكتوبةِ لذنوبِهم في كفَّارتِها، فليست للناسِ نوافلَ
(1)
.
وأولى القولين بالصوابِ في ذلك القولُ الذي ذكَرنا عن ابن عباسٍ؛ وذلك أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد خصَّه بما فرَض عليه من قيامِ اللَّيلِ دونَ سائرِ أمَّتِه. فأمَّا ما ذُكِر عن مجاهدٍ في ذلك، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان، فيما ذُكِر عنه، أكثرَ ما كان استغفارًا لذنوبِه بعدَ نزولِ قولِ اللَّهِ عز وجل عليه:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2]. وذلك أن هذه السورةَ أُنزِلت عليه بعدَ مُنْصَرَفِه من الحديبيةِ، وأُنزِل عليه:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . عامَ قُبِضَ، وقيل له فيها:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1، 3] فكان يُعدُّ له صلى الله عليه وسلم في المجلسِ الواحدِ استغفارٌ مائةَ
(1)
أخرجه البيهقى في الدلائل 5/ 487 من طريق عبد الله بن كثير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر، وذكره الحافظ في الفتح 3/ 3 وقال: روى معنى ذلك الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد بإسناد حسن.
مرَّةٍ
(1)
، ومعلومٌ أن اللَّهَ لم يأمُرْه أن يستغفِرَه إلا لِمَا يغفِرُه له باستغفارِه ذلك، فبَيِّنٌ إذن وجهُ فسادِ ما قاله مجاهدٌ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن
(2)
عطيةَ، عن شهرٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: إنما كانت النافلةُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصةً
(3)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{نَافِلَةً لَكَ} . قال: تطوُّعًا وفضِيلةً لك
(4)
.
وقولُه: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . و "عسى" من اللَّهِ واجبةٌ، وإِنَّما وجْهُ قولِ أهلِ العلمِ:"عسى" من اللَّهِ واجبةٌ؛ لعلمِ المؤمنين أن اللَّهَ لا يدَعُ أن يفعلَ بعبادِه ما أطمَعهم فيه من الجزاءِ على أعمالِهم والعِوضِ على طاعتِهم إيَّاه؛ إذْ
(5)
ليس من صفتِه الغرورُ، ولا شكَّ أنه قد أطمَع من قال ذلك له في نفعِه، إذا هو تعاهَده ولزِمَه، فإن لزِم المقولُ ذلك له وتعاهَدَه ثم لم ينفَعْه، ولا سببَ يحولُ بينَه وبينَ نفعِه إيَّاه، مع الإطماعِ الذي تقدَّم منه لصاحِبِه على تعاهُدِه إيَّاه ولزُومِه، فإنَّه لصاحبِه غارٌّ بما كان من إخلافِه إيَّاه فيما كان أطمَعه فيه بقولِه الذي قال له. وإذ كان ذلك
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 297، 298، وأحمد 8/ 350 (4726)، والبخاري في الأدب المفرد (618)، وعبد بن حميد (786) وأبو داود (1516)، وابن ماجه (3814)، والترمذي (3434)، وابن حبان (927) من حديث ابن عمر.
(2)
في النسخ: "عن". وتقدم.
(3)
أخرجه أحمد 5/ 256، والطبراني (7561) من طريق وكيع به، وأخرجه الطيالسي (1231)، وأحمد 5/ 255، والبيهقي في الشعب (2779)، والخطيب 8/ 452 من طريق أبى غالب، عن أبي أمامة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن نصر وابن مردويه.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 386 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 196 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر.
(5)
زيادة يستقيم بها السياق.
كذلك، وكان غيرَ جائزٍ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه من صفتِه الغرورُ لعبادِهِ صحَّ ووجَب أن كلَّ ما أطمَعَهم فيه من طمَعٍ على طاعتِه، أو على فعلٍ من الأفعالِ، أو أمرٍ أو نهيٍ، أمَرهم به أو نهاهم عنه، فإنَّه موفٍّ لهم به، وإنه منه كالعِدَةِ التي لا يُخْلفُ الوفاءُ بها، قالوا:"عسى" و "لعلَّ" من اللَّهِ واجبةٌ.
وتأويلُ الكلامِ: أقِمِ الصلاةَ المفروضةَ يا محمدُ في هذه الأوقاتِ التي أمَرتُك بإقامتِها فيها، ومن الليلِ فتهجَّدْ فرضًا فرَضتُه عليك، لعلَّ ربَّك أن يبعَثَك يومَ القيامةِ مقامًا تقومُ فيه محمودًا تُحمَدُه، وتُغبطُ فيه.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك المَقامِ المحمودِ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلمِ: ذلك هو المَقامُ الذي هو يقومُه صلى الله عليه وسلم يومَ القيامةِ للشَّفاعةِ للناسِ ليُريحَهم ربُّهم من عظيمِ ما هم فيه مِن شدَّةِ ذلك اليومِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فيسمِعُهم الدَّاعِى، وينفُذُهم البصرُ، حُفاةً عراةً كما خُلِقوا، قيامًا لا تَكَلَّمُ نفسٌ إِلَّا بإذنِه، ينادَى: يا محمدُ. فيقولُ: "لبيَّكَ وسعدَيك، والخيرُ في يَديك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ من هَدَيت، عبدُك بين يدَيْك، وبك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، تبارَكتَ وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ". فهذا المقَامُ المحمودُ الذي ذكَره اللَّهُ
(1)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 101 عن المصنف.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن، عن صلةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ، قال: يُجْمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، فلا تَكَلَّمُ نفسٌ، فأوّلُ مَدْعُوٍّ
(1)
محمدٌ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فيقومُ محمدٌ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيقولُ:"لبَّيك". ثم ذكَر مثلَه
(2)
.
حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ
(3)
بن خالدٍ الرَّقيُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن رِشْدِينَ بن كريبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ
(4)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزعراءِ، عن عبدِ اللَّهِ، في قصَّةٍ ذكَرها، قال: ثم يَأْمرُ بالصراطِ فيُضرَبُ على جسرٍ جَهنَّمَ، فيمرُّ الناسُ بقَدْرِ أعمالِهم؛ يمرُّ أوَّلُهم كالبرقِ، وكمرِّ الرِّيحَ، وكمرِّ الطيرِ، وكأسرَعِ البهائمِ، ثم كذلك حتى يمرَّ الرجلُ سعْيًا، ثم مشْيًا، حتى يجئَ آخِرُهم يتلبَّطُ
(5)
على بطنِه، فيقولُ: ربِّ لِمَا بطَّأْتَ بي. فيقولُ: إنى لم أُبَطِّئْ بك، إنما أَبْطأ بك عمَلُك. قال: ثم يأذنُ اللَّهُ في الشفاعةِ، فيكونُ أولَ شافعٍ يومَ القيامةِ جبريلُ عليه السلام، رُوحُ القُدُسِ، ثم إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ، ثم
(1)
في م، ت 1، ت 2، ف:"يدعو".
(2)
أخرجه البزار (2926) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (414) - ومن طريقه أبو نعيم في الحلية 1/ 278 - والنسائي في الكبرى (11294)، من طريق شعبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 11/ 484، 13/ 378، والحاكم 2/ 363 من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 97 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق.
(3)
في النسخ: "عمرو". وتقدم في 8/ 724.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 197 إلى المصنف والطبراني وابن مردويه.
(5)
يتلبَّط: يتمرَّغ. ينظر النهاية 4/ 226.
موسى، أو عيسى - قال أبو الزعراءِ: لا أدرى أيُّهما قال - قال: ثم يقومُ نبيُّكم عليه السلام رابِعًا، فلا يشفعُ أحدٌ بعدَه فيما يشفَعُ فيه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي ذكَر اللَّهُ:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . قال: المَقامُ المحمودُ مَقامُ الشفاعةِ يومَ القيامةِ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{مَقَامًا مَحْمُودًا} . قال: شفاعةُ محمدٍ يومَ القيامةِ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، قال: هو الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أمَّتِه، فهو المَقامُ المحمودُ
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {عَسَى أَنْ
(1)
أخرجه الطيالسي (389)، والنسائي في الكبرى (11296)، وفى تفسيره (316)، والطبراني (9760) من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 198 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، وتقدم تخريجه مطولًا في 3/ 34، وسيأتي في 17/ 122.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 101.
(3)
تفسير مجاهد ص 441، وأخرجه الخطيب في المتفق والمفترق (1046) من طريق أبي عاصم به.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 11/ 31، 32 - ومن طريقه الطبراني (6117) - عن أبي معاوية به مطولًا.
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}: وقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خُيِّر بينَ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، أو ملِكًا نبيًّا، فأومأ إليه جبريلُ عليه السلام: أَن تَواضَعْ. فاختارَ نبيُّ اللَّهِ أن يكونَ عبدًا نبيًّا، فأُعطِى به نبيُّ اللَّهِ [ثِنْتَين؛ أَنه]
(1)
أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ، وأوّلُ شافعٍ. وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنَّه المَقامُ المحمودُ الذي قال اللَّهُ تبارك وتعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} : شفاعة يومِ القيامةِ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مَقَامًا مَحْمُودًا} . قال: هي الشفاعةُ، يشفِّعُه اللَّهُ في أُمَّتِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ والثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال: سمِعتُ حُذيفةَ يقولُ في قولِه: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . قال: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ حيثُ يُسمِعُهم الدّاعِي، ويَنفُذُهم البصرُ، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا، سُكوتًا لا تكلَّمُ نفسٌ إلا بإذنِه. قال: فينادَى محمدٌ، فيقولُ:"لبَّيك وسَعْديك، والخيرُ في يدَيك، والشرُّ ليس إليك، والمَهدِيُّ مَن هَدَيت، وعبْدُك بينَ يدَيك، ولك وإليك، لا مَلْجَأَ ولا منجَا مِنك إلا إليكَ، تبارَكْت وتعالَيْت، سبحانَك ربَّ البيتِ". قال: فذلك المَقامُ المحمودُ الذي ذكر اللَّهُ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}
(3)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن صلةَ بن زُفَرَ، قال
(4)
: قال حُذيفةُ: يجمَعُ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ
(1)
في ت 1، ت 2، ف:"ثلاثين آية".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 198 إلى المصنف.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 387.
(4)
سقط من: م.
حيثُ يَنفُذُهم البصرُ، ويُسمِعُهم الدَّاعِى، حُفاةً عُراةً كما خُلِقوا أوّلَ مرَّةٍ، ثم يقومُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيقولُ:"لبَّيك وسعْدَيك". ثم ذكَر نحوَه، إلا أنَّه قال: هو المقامُ المحمودُ.
وقال آخرون: بل ذلك المَقامُ المحمودُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يبعَثَهُ إِيَّاه، هو أن يُقعِدَه معه على عرشِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . قال: يُجلِسُه معه على عرشِه
(1)
.
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بن يزيدُ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . سُئل عنها قال: "هِيَ الشَّفاعَةُ"
(2)
.
حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا داودُ بنُ يزيدَ
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 11/ 436 - ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد 7/ 158 - والخلال في السنة 241 - 244، 246، 267، 279، 282، 288، 286 - 288، من طريق ابن فضيل به، وأخرجه الخلال (296، 298 - 301) من طريق أبي يحيى القتات وليث عن مجاهد. قال الذهبي في العلو - نقلا عن محقق السنة -: أما قضية قعود نبينا على العرش، فلم يثبت في ذلك نص، بل في الباب حديث واه. وأبطل الواحدى - كما في البحر المحيط 6/ 73 هذا القول من خمسة أوجه، فانظرها فيه.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 484، وأحمد 15/ 458، 16/ 154، 155 (9735، 10200)، والترمذي (3137)، والبيهقي في الشعب (299، 302)، والخطيب في الموضح 2/ 78، من طريق وكيع به.
الأوْدِيُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولِه:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . قال: "هو المَقامُ الذي أشفعُ فيهِ لأمَّتِي"
(1)
.
حدَّثنا أبو عُتبةَ الحِمْصِيُّ أحمدُ بنُ الفرَجِ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن الزُّبيدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبٍ بن مالكٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمتى على تَلٍّ، فَيَكْسُوني ربي حُلةً خضراءَ، ثم يُؤْذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المَقامُ المحمودُ"
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثني الليثُ، عن
(3)
عبيدِ اللَّهِ بن أبي جعفرٍ، قال: سمِعتُ حمزةَ بنَ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللَّهُ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشمسَ لَتَدْنو حتى يَبْلُغَ العرقُ نصفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك اسْتَغاثوا بآدمَ عليه السلام، فيقولُ: لستُ صاحبَ ذلك". ثم بموسى عليه السلام، فيقولُ كذلك، ثم بمحمدٍ فيَشْفَعُ بينَ الخلقِ، فَيَمْشِى حتى يَأْخُذَ بحَلْقَةِ الجنةِ، فيومَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقامًا مَحُمودًا
(4)
.
(1)
أخرجه أحمد 15/ 427، 428، 16/ 489 (9684، 10839)، والخطيب في الموضح 2/ 77 من طريق داود بن يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 197 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
أخرجه البخاري في التاريخ 5/ 309 وابن أبي عاصم في السنة (785)، والطبراني 19/ 72 (142)، وفى الأوسط (8797)، وفى مسند الشاميين (1759)، من طريق بقية بن الوليد به، وأخرجه الطبراني 19/ 72 (142) من طريق صدقة بن عبد الله، عن الزبيدى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 197 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"بن".
(4)
أخرجه ابن منده في الإيمان 3/ 833 من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وأخرجه البخاري (1475)، وابن خزيمة في التوحيد ص 199، والطبراني في الأوسط (8725)، والبغوى في شرح السنة 6/ 117، من طريق الليث به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 197 إلى ابن مردويه.
حدَّثني أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، عن عليّ بن الحكمِ، قال: ثنى عثمانُ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ وعلقمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنى لأَقُومُ المَقامُ المحمودَ". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، وما ذلك المَقامُ المحمودُ؟ قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ذاك إذا جيءَ بكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا
(1)
، فيَكُونُ أولَ مَن يُكْسَى إبراهيمُ عليه السلام، فيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ
(2)
بَيْضَاوَيْنِ، فَيَلْبَسُهما، ثم يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرْشِ، ثم أُوتَى بكِسْوتِى فألْبَسُها، فأقومُ عن يمينِه مَقامًا لا يقومُه غيرى، يَغْبِطُنى به
(3)
الأولون والآخرون، ثم يُفْتَحُ نَهَرٌ مِن الكَوْثَرِ إلى الحَوْضِ"
(4)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عليِّ بن الحسينِ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كان يَوْمُ القِيامَةِ مَدَّ اللَّهُ الأَرْضَ مَدَّ الأدِيمِ حتى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيهِ - قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فأكُونُ أوَّلَ مَن يُدْعَى وجِبريلُ عن يمينِ الرحمنِ، واللَّهِ ما رآهُ قَبْلَها، فأقولُ: أي ربِّ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إليَّ. فيقولُ اللَّهُ عز وجل: صدَق. ثم أشْفَعُ، قال: فهو المقامُ المَحْمُودُ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عليّ بن الحسينِ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يومُ القيامةِ". فذكَر
(1)
الغزل؛ جمع الأغرل، وهو الأقلف، والغرلة: القلفة. النهاية 3/ 362.
(2)
الريطة: كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين. والجمع: رَيْط ورياط. النهاية 2/ 289.
(3)
في م: "فيه".
(4)
أخرجه أحمد 6/ 328 (3787)، والطبراني (10017)، والبزار (3478 - كشف)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 238 من طريق سعيد بن زيد به، وليس عند البزار ذكر الأسود، وأخرجه الدارمي 2/ 325، وأبو نعيم في الحلية 4/ 239 من طريق على بن الحكم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 197 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
نحوَه، وزاد فيه: "ثم أشْفَعُ فأقولُ: يا ربِّ، عبادُك
(1)
عبدُوكَ في أطرافِ الأرضِ
(2)
. وهو المقامُ المحمودُ"
(3)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهْمانَ، عن آدمَ بن
(4)
عليٍّ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: إن الناسَ يصيرون
(5)
يومَ القيامةِ جُثًا
(6)
، مع كلِّ نبيٍّ أمَّتُه، ثم يجئُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في آخرِ الأممِ هو وأمَّتُه، فيَرقَى هو وأمَّتُه على كَوم فوقَ الناسِ، فيقولُ: يا فلانُ اشفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ، ويا فلانُ اشْفَعْ. فما زال
(7)
يردُّها بعضُهم على بعضٍ حتى
(8)
يرجِعَ ذلك إليه، وهو المَقامُ المحمودُ الذي وعَدَه
(9)
اللَّهُ إيَّاه
(10)
.
(1)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
(2)
قال ابن كثير في النهاية 19/ 421: أي: وقوف في أطراف الأرض. أي الناس مجتمعون في صعيد واحد، مؤمنهم وكافرهم.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 378 عن المصنف، والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 387، 2/ 358، وأخرجه الحاكم 4/ 570 من طريق الزهري به. وأخرجه الحاكم 4/ 570 من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن جابر مرفوعا، وأخرجه الحارث بن أبي أسامة - كما في المطالب (5153) - والبيهقي في الشعب (303) من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في فتح الباري 11/ 427 - من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن رجال من أهل العلم. وينظر فتح الباري 8/ 400.
(4)
في النسخ: "عن". والمثبت من مصدرى التخريج. وينظر تهذيب الكمال.
(5)
في م: "يحشرون".
(6)
في النسخ: "فيجيء". وقال الحافظ في الفتح 8/ 400: جُثًا. بضم أوله والتنوين، جمع جثوة، كخطوة وخطا، وحكى ابن الأثير أنه روى "جُثِىً" بكسر المثلثة وتشديد التحتانية، جمع جاث، وهو الذي يجلس على ركبتيه. وقال ابن الجوزي، عن ابن الخشاب: إنما هو "جُثًّى" بفتح المثلثة وتشديدها، جمع جاث، مثل غازٍ وغُزًّى.
(7)
في ص، ت 1، ت 2:"يزال".
(8)
سقط من: م.
(9)
في ص، ت 1، ف:"وعد".
(10)
أخرجه البخاري (4718)، والنسائي في الكبرى (11295)، وفي تفسيره (315) من طريق آدم بن =
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا حَيْوةُ وربيعٌ، قالا: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فأكونُ أنا وأمَّتِى على تَلٍّ، "فيَكْسُونِي ربى عز وجل حُلَّةً خضراءَ، ثم يؤذَنُ لى فأقُولُ ما شاء اللَّهُ أن أقولَ، فذلك المقامُ المحمودُ"
(1)
.
وهذا وإن كان هو الصحيحَ من القولِ في تأويلِ قولِه: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . لِمَا ذكَرنا من الروايةِ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه والتابِعين، فإنَّ ما قالَه مجاهدٌ مِن أنَّ اللَّهَ يُقعِدُ محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشِه، قولٌ غيرُ مدفوعٍ صحَّتُه، لا مِن جهةِ خبرٍ ولا نظَرٍ؛ وذلك لأنَّه لا خبرَ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من أصحابِه، ولا عن التابِعين، بإحالةِ ذلك؛ فأمَّا مِن جهةِ النَّظرِ، فإِن جمِيعَ من ينتَحِلُ الإسلامَ إنَّما اختلَفوا في معنَى ذلك على أوجهٍ ثلاثةٍ؛ فقالت فرقةٌ مِنهم: اللَّهُ عز وجل بائنٌ من خلقِه، كان قبلَ خلْقِه الأشياءَ، ثم خلَق الأشياءَ فلم يماسَّها، وهو كما لم يزَلْ، غيرَ أنَّ الأشياءَ التي خلَقها، إذ لم يكنْ هو لها مُماسًّا، وجَب أن يكونَ لها مُبايِنًا، إذ لا فعَّال للأشياءِ إلا وهو مماسٌّ للأجسامِ أو مُباينٌ لها. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ عز وجل فاعلَ الأشياءِ، ولم يجُزْ أن يُوصَفَ في قولِهم بأنَّه مماسٌّ للأشياءِ، وجَب بزعمِهم أنَّه لها مباينٌ.
فعلى مذهبِ هؤلاء سواءٌ أقعَد
(2)
محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشِه أو على الأرضِ، إذ
= على به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 197 إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.
(1)
أخرجه أحمد 25/ 61 (15783)، وابن حبان (6479)، والحاكم 2/ 363، من طريق محمد بن حرب به. وينظر ما تقدم في ص 48.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"قعد".
كان من قولِهم إن بيْنونتَه من عرشِه وبيْنونتَه من أرضِه بمعنى واحدٍ في أنَّه بائنٌ مِنهما كلَيهما، غيرُ مماسٍّ لواحدٍ منهما.
وقالت فرقةٌ أُخرَى: كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يُباينُه
(1)
، ثم خلَق الأشياءَ فأقامَها بقُدرتِه، وهو كما لم يزلْ قبلَ خلقِه الأشياءِ لا شيءَ يماسُّه ولا شيءَ يباينُه.
فعلَى قولِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشِه، أو على أرضِه، إذ كان سواءٌ على قولِهم عرشِه وأرضِه في أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذا، كما أنَّه لا مماسَّ ولا مباينَ لهذه.
وقالت فرقةٌ أخرَى: كان اللَّهُ عزَّ ذكرُه قبلَ خلْقِه الأشياءَ لا شيءَ يماسُّه، ولا شيءَ يباينُه، ثم أحدثَ الأشياءِ وخلَقَها، فخلَقَ لنفسِه عرشًا اسْتَوى عليه جالسًا
(2)
، وصار له مماسًّا، كما أنَّه قد كان قبلَ خلقِه الأشياءَ لا شيءَ يرزقُه رزقًا، ولا شيءَ يحرمُه ذلك، ثم خلَق الأشياءَ فرزَق هذا وحرَم هذا، وأعطَى هذا، ومنَع هذا. قالوا: فكذلك كان قبلَ خَلْقِه الأشياءَ، لا شيءَ يماسُّه ولا يباينُه، وخلَق الأشياءِ فماسَّ العرشَ بجلوسِه عليه دونَ سائرِ خلْقِه، فهو مماسٌّ ما شاء مِن خلْقِه، ومباينٌ ما شاء مِنه.
فعلَى مذهبِ هؤلاء أيضًا سواءٌ أقعَد محمدًا على عرشِه، أو أقعَدَه على مِنبَرٍ من نورٍ، إذ كان من قولِهم: إن جلوسَ الربِّ عز وجل على عرشِه ليس بجلوسٍ يشغَلُ جميعَ العرشِ. ولا في إقعادِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم موجِبًا له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجَه من
(1)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"ثم يباينه".
(2)
الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يحل تأويل الاستواء بالجلوس، فهذا تأويل فاسد، وينظر شرح العقيدة الطحاوية 2/ 372 وما بعدها.
صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، كما أن مباينةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما كان مُباينًا له من الأشياءِ غيرُ موجبةٍ له صفةَ الرُّبوبيَّةِ، ولا مُخرِجتِه
(1)
من صفةِ العُبوديَّةِ لربِّه، من أجلِ أنه موصوفٌ بأنَّه له مبايِنٌ، كما أن اللَّهَ عز وجل موصوفٌ على قولِ قائلِ هذه المقالةِ بأنه مبايِنٌ لها، هو له مبايِنٌ. قالوا: فإذا كان معنى مبايِنٌ ومبايِنٍ لا يوجِبُ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم الخروجَ من صفةِ العُبودَةِ والدخولَ في معنى الربوبيَّةِ
(2)
، فكذلك لا يوجِبُ له ذلك قعودُه على عرشِ الرحمنِ. فقد تبيَّن إذن بما قُلنا أنه غيرُ محالٍ في قولِ أحدٍ ممَّن ينتَحِلُ الإسلامَ ما قاله مجاهدٌ من أنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُقْعِدُ محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشِه.
فإن قال قائلٌ: فإِنَّا لا نُنكرُ إقعادَ اللَّهِ محمدًا على عرشِه، وإنما تُنكِرُ
(3)
إقعادَه
(4)
.
- حدَّثني عباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، [عن سلمِ بن جعفرٍ]
(5)
، عن الجُرَيرِيِّ، عن سَيفٍ السَّدُوسيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلَامٍ، قال: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم يومَ القيامةِ على كرسيِّ الربِّ بينَ يدَيِ الربِّ تبارك وتعالى
(6)
.
- وإنما تُنْكِرُ إِقْعادَه إِيَّاه معه.
قيل: أفجائزٌ عندَك أن يقعِدَه علَيه لا مَعه؟ فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرارِ بأنَّه إمَّا معه، أو إلى أنَّه يقعِدُه، واللَّهُ للعرشِ مباينٌ، أو لا مماسَّ ولا مباينَ، وبأيِّ ذلك قال
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"مخرجه".
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"العبودية".
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"أنكروا".
(4)
بعده في ت 1: "إياه معه، وبتأويل ذلك قال أهل التأويل، ذكر من قال ذلك".
(5)
سقط من: النسخ، والمثبت من السنة للخلال، وينظر تهذيب الكمال 11/ 214.
(6)
أخرجه الخلال في السنة (236، 280، 307) من طريق عباس بن عبد العظيم به، وأخرجه 237، 238، 308، 309) من طريق يحيى بن كثير به.
كان منه دخولًا في بعضِ ما كان يُنْكِرُه. وإن قال: ذلك غيرُ جائزٍ. كان
(1)
مِنه خروجًا من قولِ جميعِ الفِرقِ التي حكَيْنا قولَهم، وذلك فِراقٌ لقولِ جميعِ من ينتَحِلُ الإسلامَ، إذ كان لا قولَ في ذلك إلا الأقوالَ الثلاثةَ التي حكَيْناها، وغيرُ محالٍ في قولٍ منها ما قال مجاهدٌ في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقلْ يا محمدُ: يا ربِّ أدخِلْني مُدخلَ صدْقٍ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى "مُدْخلِ الصدقِ" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يرغَبَ إليه في أن يدْخِلَه إيَّاه، وفى "مُخْرجِ الصدقِ" الذي أمرَه أن يرغَبَ إليه في أن يخرِجَه إيَّاه؛ فقال بعضُهم: عنَى بمُدْخلِ الصِّدقِ مُدْخِلَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المدينة حين هاجَر إليها، ومُخرجِ الصدقِ مُخْرجَه من مكةَ حينَ خرَج منها مهاجرًا إلى المدينةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم، مكةَ، ثم أُمِر بالهجرةِ، فأنزَل اللَّهُ تبارك وتعالى اسمُه:{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا}
(2)
.
(1)
سقط م: ص، ت 1، ت 2، ف.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة - كما في الإتحاف (5363) - وأحمد 3/ 417 (1948)، والترمذي (3139)، وابن عدي 6/ 2072، والحاكم 3/ 3، والبيهقي في الدلائل 2/ 516 من طريق جرير به. وأخرجه الطبراني (12618)، والبيهقي في الدلائل 2/ 516، 517 من طريق قابوس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور=
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ:{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} . قال: كفارُ أهلِ مكةَ لمَّا ائتمَروا برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليقتُلُوه أو يطرُدُوه أو يُوثِقُوه، وأراد اللَّهُ قتالَ أَهلِ مكةَ، فأمَره أن يخرُجَ إلى المدينةِ، فهو الذي قال اللَّهُ:{أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{مُدْخَلَ صِدْقٍ} . قال: المدينةَ، {مُخْرَجَ صِدْقٍ}. قال: مكةَ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي
مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}: أخرَجه اللَّهُ من مكةَ إلى الهجرةِ بالمدينةِ
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} . قال: المدينةَ، حين هاجَر إليها، {مُخْرَجَ
(4)
صِدْقٍ}: مكةَ، حين خرَج منها مُخرجَ صدقٍ، قال ذلك حين خرَج مهاجرًا
(5)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقلْ ربِّ أمِتْنِى إماتةَ صِدْقٍ، وأخرِجْنى بعد المماتِ من قبرِى يومَ القيامةِ مُخرَجَ صدقٍ.
= 4/ 198 إلى ابن المنذر وأبي نعيم في الدلائل والضياء المقدسي في المختارة وابن مردويه.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 108.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 389 عن معمر به.
(3)
أخرجه الحاكم 3/ 3 ومن طريقه البيهقى في الدلائل - 2/ 517 من طريق شيبان، عن قتادة.
(4)
في ص، ت 2، ف:"مدخل".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى الزبير بن بكار في أخبار المدينة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} الآية. قال: يعني بالإدخالِ الموتَ، والإخراجِ الحياةَ بعدَ المماتِ
(1)
.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك: أدخِلْنى في أمْرِك الذي أرسَلْتنى به مِن النبوَّةِ مُدْخلَ صدقٍ، وأخرِجْنى منه مُخْرَجَ صدقٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا
(2)
عن ابن أبي ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} . قال: فيما أرسَلْتنى به مِن أمْرِك، {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}. قال: كذلك أيضًا
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} : الجنةَ، {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}: من مكةَ إلى المدينةِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: م.
(3)
تفسير مجاهد ص 441.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} : الجنةَ، و {مُخْرَجَ صِدْقٍ}: من مكةَ إلى المدينةِ
(1)
.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} . قال: أدخِلْني في الإسلامِ مُدْخلَ صدقٍ، وأَخْرِجْنى منه مُخرَجَ صِدْقٍ.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: أدخِلْنى مكةَ آمنًا، وأخرِجْنى منها آمنًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ قال في قولِه: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} : يعنى مكةَ، دخَل فيها
(2)
آمنًا، وخرَج منها آمنًا
(3)
.
وأشبهُ هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: معنَى ذلك: وأدخِلْنى المدينةَ مُدخلَ صدقٍ، وأخرِجْني
(4)
من مكةَ مُخرَجَ صدقٍ.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 386 بدون ذكر قتادة.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"منها".
(3)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 122.
(4)
بعده في ص، ت 2، ف:"مخرج".
وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنّ ذلك عَقِيبَ قولِه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} . وقد دلَّلنا فيما مضَى - على أنَّه عنَى بذلك أهلَ مكةَ
(1)
. فإذ كان ذلك عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ عمَّا كان المشركون أرادوا من استِفْزازِهم رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليخرِجُوه عن مكةَ، كان بيِّنًا، إذ كان اللَّهُ قد أخرَجَه منها، أن قولَه له
(2)
: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} . أمرٌ منه لَه بالرغبةِ إليه في أن يُخرِجَه من البَلْدَةِ التي هَمَّ المشركون بإخْراجِه منها [وأَخْرَجَه اللَّهُ منها]
(3)
مُخرَجَ صِدقٍ، وأن يدخِلَه البلدةَ التي نقَله
(4)
اللَّهُ إليها مُدخَلَ صِدقٍ.
وقولُه: {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنَى ذلك: واجعلْ لِي مُلْكًا ناصرًا ينصُرُني على من ناوأنى، وعِزًّا أقيمُ به دينَك، وأدفَعُ به عنه مَن أراده بسوءٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} : يُوعِدُه لَيَنْزِعَنَّ مُلكَ فارسَ وعِزَّ فارسَ، ولَيجعَلَنَّه له، وعِزَّ الرُّومِ ومُلكَ الرومِ، ولَيَجْعَلَنَّه له
(5)
.
(1)
تقدم في ص 19، 20.
(2)
سقط من: م.
(3)
سقط من: م.
(4)
في ص، ت 2، ف:"قبله".
(5)
ذكره القرطبي في تفسيره 10/ 313، والبغوى في تفسيره 5/ 122، وابن كثير في تفسيره 5/ 109.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} : وإنَّ نبيَّ اللَّهِ علِم ألا طاقةَ له بهذا الأمرِ إلَّا بسلطانٍ، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتابِ اللَّهِ عز وجل، ولحُدودِ اللَّهِ، ولفرائضِ اللَّهِ، ولإقامةِ دينِ اللَّهِ، وإنَّ السلطانَ رحمةٌ من اللَّهِ جعَلها بينَ أظهرِ عبادِه، لولا ذلك لأغار بعضُهم على بعضٍ، فأكَل شديدُهم ضعيفَهم
(1)
.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك حُجةً بينةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{سُلْطَانًا نَصِيرًا} . قال: حُجةً بينةً
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ عز وجل نبيَّه بالرغْبةِ إليه في أن يؤْتيَه سلطانًا ناصِرًا
(3)
له على من بَغاه وكادَه، وحاوَل منْعَه إقامتِه فرائضَ اللَّهِ في نفسِه وعبادِه.
وإنَّما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك عَقيبَ خبرِ اللَّهِ عما كان المشركون همُّوا به من إخراجِه من مكةَ، فأعْلَمه اللَّهُ عز وجل أَنَّهم لو فعَلوا ذلك
(1)
تقدم تخريجه في ص 45، 46.
(2)
تقدم تخريجه في ص 56.
(3)
في م: "نصيرا".
عُوجِلوا بالعذابِ عن قريبٍ، ثم أمَره بالرغبةِ إليه في إخراجِه مِن بين أظهرِهم إخراجَ صِدْقٍ يُحاولُه له
(1)
عليهم، ويُدْخلُه بلدةً غيرَها بمُدخَلِ صِدقٍ يُحاولُه عليهم ولأهلِها في دخولِه إليها، وأن يجعَلَ له سلطانًا نصيرًا على أهلِ البلدةِ التي أخرَجه أهلُها منها، وعلى كلِّ من كان لهم شبيهًا. وإذا أُوتى ذلك، فقد أُوتى - لا شكَّ - حجةً بينةً.
وأما قولُه: {نَصِيرًا} . فإنَّ ابنَ زيدٍ كان يقولُ فيه نحوَ قولِنا الذي قلنا فيه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} . قال: يَنْصُرُني، وقال لموسى:{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا} [القصص: 35]. هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، إنَّما هو سلطانٌ بآياتِنا فلا يَصِلون إليكما.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين الذين كادُوا أن يستفِزُّوكَ من الأرضِ لِيُخْرِجوك منها: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} .
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الحقِّ" الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أَن يُعْلِمَ المشرِكين أنه قد جاء، و "الباطلِ" الذي [أمَره أن يُعْلِمَهم]
(2)
أنه قد زَهَق؛ فقال بعضُهم: الحقُّ هو القرآنُ في هذا الموضعِ، والباطلُ هو الشيطانُ.
(1)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
في ص، ف:"أمرهم أن يعلمه".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} . قال: الحقُّ القرآنُ، {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} . قال: القرآنُ، {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}. قال: هلَك الباطلُ، وهو الشيطانُ
(1)
.
وقال آخرون: بل عنَى بالحقِّ جهادَ المشركين، وبالباطلِ الشركَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} . قال: دَنا القتالُ، {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}. قال: الشركُ وما هم فيه
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مكةَ وحولَ البيتِ ثلاثُمائةٍ وستُّون صنمًا، فجعَل يطعنُها ويقولُ:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}
(3)
.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 389 عن معمر به.
(2)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 74 بمعناه.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 388، ومن طريقه مسلم (1781)، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 488، والبخاري (2478، 4287، 4720)، ومسلم (1781)، والترمذي (3138)، والنسائي في الكبرى (11297، 11428)، وفى تفسيره (317، 448)، والبغوى في تفسيره 5/ 122، 123، من طريق ابن أبي نجيح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: أمَر اللَّهُ تبارك وتعالى نبيَّه عليه الصلاة والسلام أن يُخبِرَ المشركين أن الحقَّ قد جاء، وهو كلُّ ما كان اللَّهِ فيه رضًا وطاعةٌ، وأن الباطلَ قد زهَق. يقولُ: وذهَب كلُّ ما كان لا رضَا للَّهِ فيه ولا طاعةَ، مما هو له معصيةٌ وللشيطانِ طاعةٌ، وذلك أنَّ الحقَّ هو كلُّ ما خالَف طاعةَ إبليسَ، وأنَّ الباطلَ هو كلُّ ما وافَق طاعتَه، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ عزَّ ذكرُه بالخبرِ عن بعضِ طاعاتِه، ولا ذَهابِ بعضِ معاصِيه، بل عمَّ الخبرَ عن مجيءِ جميعِ الحقِّ، وذَهابِ جميعِ الباطلِ، وبذلك جاء القرآنُ والتنزيلُ، وعلى ذلك قاتَل رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أهلَ الشرْكِ باللَّهِ، أعنِى على إقامةِ جميعِ الحقِّ، وإبطالِ جميعِ الباطلَ.
وأما قولُه عز وجل: {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} . فإنَّ معناه: وذهَب الباطلُ. من قولِهم: زَهَقت نفسُه. إذا خرَجت، وأزهقتُها أنا. ومن قولِهم: أزهَق السهمَ، إذا جاوَز الغرَضَ فاستمرَّ على جِهتِه. يقالُ منه: زهَق الباطلُ، يرْهَقُ زُهُوقًا، وأزْهقه اللَّهُ. أي: أذهبَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} . يقولُ: ذاهبًا
(1)
.
وقولُه جلّ وعزَ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ونُنزِّلُ عليك يا محمدُ من القرآنِ ما هو شفاءٌ يُسْتشْفَى به من الجهلِ
(2)
؛
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
بعده في ص، ت 1، ف:"به".
من الضلالةِ، ويُبَصَّرُ به من العَمى - للمؤمنين
(1)
، ورحمةٌ لهم دونَ الكافرين به؛ لأنَّ المؤمنين يَعْمَلون بما فيه مِن فرائضِ اللَّهِ، ويُحلُّون حَلالَه، ويُحرِّمون حرامَه، فيُدْخِلُهم بذلك الجنةَ، ويُنْجيهم من عذابِه، فهو لهم رحمةٌ ونعمةٌ من اللَّهِ أنعَم بها عليهم، {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}. يقولُ: ولا يزيدُ هذا الذي نُنَزِّلُ عليك من القرآن الكافِرين به {إِلَّا خَسَارًا} . يقولُ: إهلاكًا؛ لأنهم كلَّما نزَل فيه أمرٌ من اللَّهِ بشيءٍ، أو نهىٌ عن شيءٍ، كفَروا به، فلم يأتِمروا لأمرِه، ولم ينتهُوا عما نَهاهم عنه، فزادَهم ذلك خَسَارًا إلى ما كانوا فيه قبلَ ذلك من الخَسارِ، ورِجسًا إلى رجسِهم قبلُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} : إذا سمِعه المؤمنُ انتفَع به وحفِظه ووَعاه، {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ
(2)
إِلَّا خَسَارًا}، أنَّه لا ينتفِعُ به ولا يَحْفظُه ولا يَعِيه، وإنَّ اللَّهَ جعَل هذا القرآنَ شفاءً ورحمةً للمؤمنين
(3)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83)} .
يقولُ تبارك وتعالى: وإذا أَنْعَمْنا على الإنسانِ فنجَّيناه من كرْبِ ما هو فيه في البحرِ، وهولِ
(4)
ما قد أشرَف فيه عليه مِن الهلاكِ، بعُصوفِ الريحِ عليه، إلى البرِّ،
(1)
في ص، ت 1، ت 2:"المؤمنين".
(2)
بعده في م، ت 1، ت 1:"به".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، وتقدم تخريجه عند عبد الرزاق في ص 61 من طريق معمر، عن قتادة مختصرا.
(4)
في م، ف:"هو".
وغير ذلك من نعمِنا، أعرَض عن ذكِرنا، وقد كان بنا مُستغيثًا دونَ كلِّ أحدٍ سوانا في حالِ الشِّدَّةِ التي كان فيها، {وَنَأَى بِجَانِبِهِ}. يقولُ: وبعُد منا بجانبِه، يعني: بنفسِه، كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضرٍّ مَسَّه قبلَ ذلك.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن مجاهدٍ في قولِه:{وَنَأَى بِجَانِبِهِ} . قال: تباعَدَ منا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
والقرَأةُ
(2)
على تصييرِ الهمزةِ في: {وَنَأَى} قبلَ الألفِ، وهى اللغةُ الفصيحةُ، وبها نقرَأُ.
وكان بعضُ أهلِ المدينةِ يقرأُ ذلك: (وَنَاءَ). فيُصِيِّرُ الهمزةَ بعدَ الألفِ
(3)
.
وذلك وإن كان لغةً جائزةً قد جاءت عن العربِ بتقدِيمِهم في نظائرِ ذلك الهمزَ في موضعٍ
(4)
هو فيه مؤخَّرٌ، وتأخيرهموه في موضعٍ هو مقدَّمٌ، كما قال الشاعرُ
(5)
:
[أغلامٌ مُعَلَّلٌ]
(6)
رَاءَ رُؤْيا
…
فهْوَ يَهْذِى بما رأى فِي المنَامِ
(1)
تفسير مجاهد ص 441. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م: "القراءة".
(3)
قراءة متواترة، قرأ بها أبو جعفر المدنى - من العشرة - وابن ذكوان عن ابن عامر الدمشقي - من السبعة. النشر 2/ 231.
(4)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(5)
ذكره الطوسى في التبيان 6/ 514 قال: وأنشد المبرد حاكيا عن أبي عبيد.
(6)
في النسخ: "أعلام يقلل". والمثبت من التبيان.
وكما قال: آبارٌ. وهى أبارٌ. فقدَّموا الهمزةَ. فليس ذلك هو اللغةَ الجُودَى، بل الأُخْرى هي الفصيحةُ.
وقولُه عز وجل: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} . يقولُ: وإذا مسَّه الشرُّ والشدَّةُ كان قَنوطًا مِن الفرَجِ والرَّوْحِ.
وبنحوِ الذي قلنا في "اليئوسِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} . يقولُ: قَنُوطًا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} . يقولُ: إذا مسَّه الشرُّ أَيِس وقَنَط.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84)} .
يقولُ عز وجل لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ للناسِ: كلكم يعملُ {عَلَى شَاكِلَتِهِ} : على ناحيتِه وطريقتِه، {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ} منكم {أَهْدَى سَبِيلًا}. يقولُ: وربُّكم أعلمُ بمن هو منكم أهدَى طريقًا إلى الحقِّ من غيرِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"قنطا".
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} . يقولُ: على ناحيتِه
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَلَى شَاكِلَتِهِ} . قال: على ناحيتِه
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} . قال: على طبيعتِه، على حِدَتِه
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} . يقولُ: على ناحيتِه وعلى ما يَنْوى
(4)
.
وقال آخرون: الشاكلةُ الدينُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} . قال: على دينِه، الشاكلةُ الدينُ
(5)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} .
(1)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة
(2)
تفسير مجاهد ص 441.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 111.
(4)
ينظر تفسير البغوي 5/ 124.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 111.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ويسألُك الكفارُ باللَّهِ مِن أهلِ الكتابِ عن الرُّوحِ ما هي؟ قلْ لهم: الرُّوحُ مِن أمرِ ربى، وما أُوتيتُم أنتم وجميعُ الناسِ من العلمِ إلَّا قليلًا.
وذُكِر أن الذين سألُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الرُّوحِ فنزَلت هذه الآيةُ بمسألتِهم إيّاه عنها كانوا قومًا مِن اليهودِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حرثٍ
(1)
بالمدينةِ، ومعه عَسِيبٌ
(2)
يتوكَّأُ عليه، فمرَّ بقومٍ من اليهودِ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ. وقال بعضُهم: لا تسْألُوه. فقام متوكِّئًا على عَسيبِه، فقمتُ خلفَه، فظنَنتُ أنه يُوحَى إليه، فقال: " {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} . فقال بعضُهم لبعضٍ: ألم نقلْ لكم: لا تسألُوه
(3)
؟
(1)
في ف: "حرب". قال النووى في شرح مسلم 17/ 137: اتفقت نسخ صحيح مسلم على أنه حرث بالثاء المثلثة، وكذا رواه البخاري في مواضع، ورواه في أول الكتاب في باب (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا): خرب. بالباء الموحدة والخاء المعجمة، جمع خراب، قال العلماء: الأول أصوب، وللآخر وجه، ويجوز أن يكون الموضع فيه الوصفان.
(2)
عسيب: جريدة من النخل، وهى السعفة مما لا ينبت عليه الخوص. النهاية 3/ 234.
(3)
أخرجه أحمد 6/ 214 (3688)، والبخاري (7456)، ومسلم (2794/ 33)، وأبو يعلى (5390)، من طريق وكيع به. وأخرجه البخاري (125، 4721، 7297، 7462)، ومسلم (2794/ 32)، والترمذي (3141)، والنسائي في الكبرى (11299)، وفى تفسيره (319)، وابن حبان (98)، والواحدي في أسباب النزول ص 220 من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى نعيم والبيهقي معًا في الدلائل.
حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: بينَا أنا أمشى مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في حَرَّةٍ بالمدينةِ، إذ مَرَرْنا على يهودَ، فقال بعضُهم: سَلُوه عن الرُّوحِ. فقالوا: ما أرَبُكم إلى أن تَسْمَعُوا ما تكْرَهون؟ فقاموا إليه فسألُوه، فقام، فعَرَفْتُ أنه يوحَى إليه، فقمتُ مكاني، ثم قرَأ:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} . فقالوا: ألم نَنْهَكم أن تسألُوه؟.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا ابن عبدِ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: سأل أهلُ الكتابِ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الرُّوحِ، فأنزَل اللَّهُ:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} . [فقالوا: أَتزْعُمُ أَنَّا لم نُؤْتَ مِن العلمِ إلَّ قليلًا]
(1)
، وقد أُوتينا التوراةَ، وهي الحكمةُ، ومن يُؤْتَ الحكمةَ فقد أُوْتىَ خيرًا كثيرًا. قال: فنزَلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27]. قال: "ما أُوتيتُم من علمٍ فنجَاكم اللَّهُ به من النارِ، فهو كثيرٌ طيِّبٌ، وهو في علمِ اللَّهِ قليلٌ"
(2)
.
حدَّثني إسماعيلُ بنُ
(3)
المتوكلِ
(4)
الأشجعيُّ أبو هاشمٍ
(5)
الحِمْصيُّ، قال: ثنا
(1)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 112 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 168 إلى المصنف دون آخره، وأخرجه أحمد 4/ 154 (2309)، والترمذي (3140)، والنسائي في الكبرى (11314)، وأبو يعلى (2501)، وابن حبان (99)، والحاكم 2/ 531، والبيهقي في الدلائل 2/ 269 من طريق داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ في العظمة وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل، وفى هذه المصادر الاستشهاد بالآية 109 من سورة الكهف بدلا من آية سورة لقمان، وليس عندهم الزيادة بعد الآية.
(3)
بعده في م: "أبى". وتقدم على الصواب في 12/ 463.
(4)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"قال"، وفى م:"قال: ثنا".
(5)
في م: "عاصم".
إسحاقُ بنُ عيسى أبو يعقوبَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مَعْنٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إِنّى لمع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حَرْثٍ
(1)
بالمدينةِ، إذ أتاه يهوديٌّ، فقال: يا أبا القاسمُ: ما الرُّوحُ؟ فسكَت النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأنزَل اللَّهُ عز وجل:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} : لَقِيَتِ اليهودُ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فتغَشَّوْه وسألُوه، وقالوا: إن كان نبيًّا عُلَّم، فسيَعْلمُ ذلك. فسألُوه عن الرُّوحِ، وعن أصحابِ الكهفِ، وعن ذى القَرْنين، فأنزَل اللَّهُ في كتابِه ذلك كلَّه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} : يعنى اليهودَ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} . قال: يهودُ تسألُ عنه
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} . قال: يهودُ تسألُه.
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: قل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} . الآية: وذلك
(5)
أنَّ اليهودَ
(1)
في ص، ت 2، ف:"حرب".
(2)
أخرجه الطبراني في الصغير 2/ 86 عن المصنف به.
(3)
تفسير مجاهد ص 442، من طريق خليد، عن قتادة.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 199 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"قوله".
قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أخبِرْنا ما الرُّوحُ، وكيف تعذَّبُ الرُّوحُ التي في الجسدِ، وإنَّما الرُّوحُ مِن الله عز وجل؟ ولم يكنْ نزَل عليه فيه شيءٌ، فلم يُحِرْ إليهم شيئًا، فأتاه جِبريلُ عليه السلام، فقال له:{قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} . فأخبرَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك، قالوا له: مَن جاءَك بهذا؟ فقال لهم النبيُّ: صلى الله عليه وسلم["جاءنى بِه]
(1)
جِبريلُ مِن عندِ اللَّهِ". فقالوا: واللَّهِ ما قالَه لك إِلَّا عدوٌّ لنا. فأنزَل اللَّهُ تبارَك اسمُه: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} الآيةَ
(2)
[البقرة: 97].
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنتُ أمشى مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ، فمرَرْنا بأُناسٍ اليهودِ، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ما الرُّوحُ
(3)
؟ فأُسْكِتَ، فرأيتُ أنه يُوحَى إليه، قال: فتنحَّيْتُ عنه إلى سُباطَةٍ
(4)
، فنزَلت عليه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} الآية. فقالتِ اليهودُ: هكذا نجْدُه عندَنا.
واخْتلَف أهلُ التأويلِ في "الرُّوحِ" الذي ذُكِر في هذا الموضعِ ما هي؟ فقال: بعضُهم: هي جبريلُ عليه السلام.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"جاء".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 112 عن العوفي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 200 إلى ابن مردويه.
(3)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"ما الروح".
(4)
السباطة: الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل، وقيل: هي الكناسة نفسها. النهاية 2/ 335.
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} . قال: هو جبريلُ. قال قتادةُ: وكان ابن عباسٍ يَكْتُمُه
(1)
.
وقال آخرون: هي مَلَكٌ من الملائكةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} . قال: الرُّوحُ ملَكٌ
(2)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني أبو هِزَانَ
(3)
يَزيدُ بنُ سَمُرَةَ صاحبُ قَيْسارِيَّةَ، عمن حدَّثه، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ أنه قال في قولِه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} . قال: هو ملَكٌ من الملائكةِ له سبعون ألفَ وجهٍ، لكلِّ وجهٍ منها سبعون ألفَ لسانٍ، لكلِّ لسانٍ منها سبعون ألفَ لغةٍ، يُسبِّحُ اللَّهَ عز وجل بتلك اللغاتِ كلَّها، يُخْلَقُ [من كلِّ تسبيحةٍ ملَكٌ]
(4)
يطيرُ مع الملائكةِ إلى يومِ القيامةِ
(5)
.
وقد بيَّنّا معنى "الرُّوحِ" في غيرِ هذا الموضعِ من كتابِنا بما أغنَى عن إعادتِه
(6)
.
وأما قولُه: {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} . فإنه يعنى أنه مِن الأمرِ الذي يعلَمُه اللَّهُ عزَّ
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 388 عن معمر عن قتادة والحسن.
(2)
أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (780) من طريق عبد الله بن صالح به.
(3)
في ص: "مران"، وفى م، ت 1، ت 2، ف:"مروان"، وفى تفسير ابن كثير:"نمران". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر التاريخ الكبير 8/ 337، والجرح والتعديل 9/ 268.
(4)
في م، ف، وتفسير ابن كثير:"الله من كل تسبيحة ملكا".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 113 عن المصنف، وأخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص 423 الشيخ في العظمة (410)، والبيهقي في الأسماء والصفات (781) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 200 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال ابن كثير: هذا أثر غريب عجيب.
(6)
تقدم في 2/ 221 - 224.
وجلَّ دونَكم
(1)
فلا تعلَمونه، ويعلَمُ ما هو.
وأما قولُه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} . فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في المعنَّى بقولِه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: الذين سأَلُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الرُّوحِ، وجميعَ الناسِ غيرَهم، ولكن لما ضمَّ غيرَ المخاطَبِ إلى المخاطَبِ
(2)
خرَج الكلامُ على المخاطَبةِ؛ لأنَّ العربَ كذلك تفعلُ إذا اجتمَع في الكلامِ مخبَرٌ عنه غائِبٌ ومخاطَبٌ، أخرَجوا الكلامَ خطابًا للجمعِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزَلت بمكةَ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} . فلما هاجرَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ أتاه أحبارُ يهودَ، فقالوا: يا محمدُ، ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} أفعَنَيْتَنا أم قومَك؟ قال: "كُلًّا قد عَنَيْتُ". قالوا: فإنَّك تتْلُو أَنَّا أُوتِينا التوراةَ، وفيها تِبيانُ كلِّ شيءٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هي في علمِ اللَّهِ قليلٌ، وقد آتاكم ما إنْ عمِلْتُم
(3)
به انتفَعْتُم". فأنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} إلى قولِه: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
(4)
} [لقمان: 28].
(1)
في ص، ف:"وبكم"، وفى ت 1:"وأنتم".
(2)
في ص، ت 1، ت 2:"المخاطبة".
(3)
في ص، ت 2، ف:"علمتم".
(4)
في ص، ت 1، ت 2:"عليم".
والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 112 عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 200 إلى المصنف وابن إسحاق، وعزاه في 5/ 167 إلى ابن أبي حاتم، والاستشهاد في هذه المصادر بالآية 27 من سورة لقمان دون الآية بعدها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه عز وجل:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} . قال: يا محمدُ والناسُ أجمعون
(1)
.
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذين سأَلوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الرُّوح خاصةً دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} : يعنى اليهودَ
(2)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: خرَج الكلامُ
(3)
خطابًا لَمن خُوطِب به، والمرادُ به جميعُ الخلقِ؛ لأنَّ علمَ كلَّ أحدٍ سوى اللَّهِ - وإن كثُر - في علمِ اللَّهِ قليلٌ. وإنما معنى الكلامِ: وما أوتيتُم أيها الناسُ من العلمِ إلا قليلًا من كثيرٍ مما يَعْلَمُ اللَّهُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن شِئْنَا لنَذهَبنَّ بالذي آتَيْنَاك من العلمِ بالذي أَوْحَينا إليك من هذا القرآنِ، لنَذهَبن به فلا تَعْلَمُه، ثم لا تَجِدُ لنفسِك بما نفعَلُ بك من ذلك {وَكِيلًا}. يعنى: قيمًا يقومُ لك فيمْنَعَنا من فعلِ ذلك بك، ولا ناصرًا يَنْصُرُك
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 200 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
تقدم تخريجه بتمامه في ص 69، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 200 إلى المصنف مقتصرا على هذا اللفظ.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"بالكلام".
فيَحُولَ بينَنا وبيَن ما نُرِيدُ بك.
قال: وكان عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ يتأوَّلُ معنى ذهابِ اللَّهِ عز وجل به رفعَه من صدورِ قارئِيه.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيعٍ، عن [شدادِ بن]
(1)
مَعْقِلٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ - وذكَر أنه يُسْرَى على القرآنِ -: كيف وقد أثبَتْناه في صدورِنا ومصاحفِنا؟ قال: يُسْرَى عليه ليلًا، فلا يَبْقَى منه في مصحفٍ ولا في صدرِ رجلٍ. ثم قرَأ عبدُ اللَّهِ:{وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}
(2)
.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا
(3)
إسحاقُ بنُ يحيى، عن المسيَّبِ بن رافعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: تَطْرُقُ الناسَ رِيحٌ حمراءُ من نحوِ الشامِ، فلا يَبْقَى في مصحفِ رجلٍ ولا قلبِه آيةٌ. قال رجلٌ: يا أبا [عبدِ الرحمنِ]
(4)
، إنى قد جمَعتُ القرآنَ. قال: لا يَبْقَى في صدرِك منه شيءٌ. ثم قرَأ ابن مسعودٍ: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}
(5)
.
(1)
في النسخ: "بندار عن". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 12/ 403.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (5980، 5981) - ومن طريقه الطبراني (8698، 8700 - ونعيم في الفتن (1669)، وابن أبي شيبة 10/ 534، 15/ 175، 176، والبخاري في خلق أفعال العباد (282)، والحاكم 4/ 504، والبيهقي في الشعب (2027) من طريق عبد العزيز بن رفيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 201 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(3)
بعده في م: "وابن". وينظر تهذيب الكمال 2/ 489.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"عبد اللَّه".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 114 دون آخره.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87)} .
يقولُ عز وجل: ولئن شئنا لنذهبنَّ يا محمدُ بالذي أوحينا إليك، ولكنه لا يشاءُ ذلك، رحمةً من ربِّك وتفضُّلًا منه عليك، {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} باصطفائِه إياك لرسالتِه، وإنزالِه عليك كتابَه، وسائرِ نعمِه عليك التي لا تُحْصَى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} .
يقولُ جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ للذين قالوا لك: إنا نأْتِي بمثلِ هذا القرآنِ: لئن اجتمَعتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمثلِه، لا يأتُون أبدًا بمثلِه، ولو كان بعضُهم لبعضٍ عونًا وظهيرًا.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بسببِ قومٍ من اليهودِ جادَلُوه في القرآنِ، وسأَلُوه أن يَأْتِيَهم بآيةٍ غيرِه
(1)
شاهدةٍ له على نبوَّتِه؛ لأن
(2)
مثلَ هذا القرآنِ بهم قدرةٌ على أن يأتُوا به.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ،
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"غيرها".
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"لا".
عن ابن عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم محمودُ بنُ سَيحانَ ونُعْمانُ
(1)
بنُ أضَا
(2)
وبَحْرِيُّ بنُ عمرٍو، وعُزيزُ
(3)
بنُ أبى عُزيزٍ
(3)
، وسلّامُ بنُ مِشْكمٍ، فقالوا: أخبِرْنا يا محمدُ بهذا الذي جئت
(4)
به، حقٌّ من عندِ اللَّهِ عز وجل؟ فإنا لا نراه مُتَنَاسِقًا كما تَناسَقُ التوراةُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أما واللَّهِ إنكم لتعرِفون أنه من عندِ اللَّهِ، تَجِدُونه مكتوبًا عندَكم، ولو اجتَمَعَت الإنسُ والجنُّ على أن يأْتُوا بمثلِه ما جاءُوا به". فقالوا
(5)
عندَ ذلك - وهم جميعًا: فِنْحاصُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا، وكنانةُ بنُ أبي الحُقيقِ، وأَشْيَعُ، وكعبُ بنُ أسدٍ
(6)
، وشمويلُ
(7)
بنُ زيدٍ، وجبلُ بنُ عمرٍو -: يا محمدُ، ما يُعلمك هذا إنسٌ ولا جانٌّ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أما واللَّهِ إنكم لتَعلَمُون أنه من عندِ اللَّهِ، [وأنى رسولُ اللَّهِ]
(8)
، تَجِدُونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ". فقالوا: يا محمدُ، إن اللَّهَ يَصْنَعُ لرسولِه إذا بعثَه ما شاء، ويَقدِرُ منه على ما أراد، فأَنْزِلْ علينا كتابًا نَفْرَؤُه ونَعْرِفُه، وإلا جئناك بمثلِ ما تأتى به. فأنزَل اللَّهُ عز وجل فيهم وفيما قالوا:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}
(9)
.
(1)
في النسخ: "عمر". والمثبت من سيرة ابن هشام.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"أصان".
(3)
في ت 1، ت 2، ف، وسيرة ابن هشام 1/ 570:"عزير"، بالراء المهملة آخره، وغير منقوطة في ص، والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام 1/ 514، والروض الأنف 4/ 306.
(4)
في م: "جئتنا".
(5)
في النسخ: "فقال". والمثبت من سيرة ابن هشام.
(6)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"أسيد".
(7)
في م: "سموءل".
(8)
سقط من: م.
(9)
سيرة ابن هشام 1/ 570. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 202 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. وقال ابن كثير في تفسيره 5/ 115: وفى هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينةِ، فاللَّهُ أعلم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:{لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ} . إلى قولِه: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} . قال: مُعِينًا. قال: يقولُ: لو برَزت الجنُّ وأعانَهم الإنسُ، فتظاهَرُوا، لم يأتُوا بمثلِ هذا القرآنِ
(1)
.
وقولُه عز وجل: {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} . رفعٌ، وهو جوابٌ لقولِه:{لَئِنِ} ؛ لأن العربَ إذا أجابَتْ "لئن" بـ "لا" رفَعُوا ما بعدَها؛ لأن "لئن" كاليمينِ، وجوابُ اليمينِ بـ "لا" مرفوعٌ، وربما جُزِم؛ لأن [" لئن"
(2)
"إن"]
(3)
التي يُجابُ بها، زِيدَتْ عليه لامٌ، كما قال الأعشَى
(4)
:
لئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ مَعركةٍ
…
لا تُلْفِنا مِن دماءِ القومِ نَنْتَفِلُ
(5)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد بيَّنا للناسِ في هذا القرآنِ من كلِّ مَثَلٍ؛ احتجاجًا بذلك كلِّه عليهم، وتذكيرًا لهم، وتنبيهًا على الحقِّ ليتَّبِعُوه ويَعْمَلُوا به، {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}. يقولُ: فأبَى أكثرُ الناسِ إلا جحودًا للحقِّ، وإنكارًا الحججِ اللَّهِ وأدلتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 202 إلى المصنف.
(2)
سقط من: النسخ، والمثبت من معاني القرآن للفراء 2/ 130.
(3)
سقط من: م.
(4)
ديوانه ص 63.
(5)
انتفل من الشيء: انتفى وتبرأ منه. اللسان (ن ف ل).
يَنْبُوعًا (90)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال يا محمدُ المشركون باللَّهِ مِن قومِك لك: لن نُصَدِّقَك حتى تَفْجُرَ لنا من أرضِنا هذه عَيْنًا تَنْبُعُ لنا بالماءِ.
وقولُه: {يَنْبُوعًا} . "يَفْعُولٌ"، من قولِ القائلِ: نَبَع الماءُ إذا ظهَر وفار، يَنْبِعُ ويَنْبَعُ، وهو ما نبَع.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} . أي: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ عيونًا، أي: ببلدِنا هذا
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} . قال: عيونًا
(2)
.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَنْبُوعًا} . قال: عيونًا
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 389.
(3)
تفسير مجاهد ص 442. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {تَفْجُرَ} ؛ فرُوِى عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ أنه قرَأ: {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا} . خفيفةً
(1)
، وقولَه:{فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} بالتشديدِ، وكذلك كانت قرأةُ الكوفيين يقرَءُونها
(2)
. فكأنهم ذهَبُوا بتخفيفِهم الأولى إلى معنى: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ ماءً مرةً واحدةً. وبتشديدِهم الثانيةَ إلى أنها تَفْجيرٌ في أماكنَ شتَّى، مرةً بعد أُخْرَى، إذ كان ذلك تفجيرَ أنهارٍ لا نهرٍ واحدٍ. والتخفيفُ في الأولى والتشديدُ في الثانيةِ على ما ذكَرتُ من قراءةِ الكوفيين أعجبُ إليَّ لما ذكَرتُ من افتراقِ معنييهما، وإن لم تَكُنِ الأُخرى
(3)
مدفوعةً صحتُها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقال لك يا محمدُ مشركو قومِك: لن نُصَدِّقَك حتى تَسْتَنْبِطَ لنا عينًا من أرضِنا، تَدَفَّقُ بالماءِ أو تَفُورُ، أو يكونَ لك بستانٌ، وهو الجنةُ، من نخيلٍ وعِنَبٍ، فتُفَجِّرَ الأنهارَ
(4)
بأرضِنا هذه التي نحن بها {خِلَالَهَا} . يعنى: خلالَ النخيلِ والكرومِ.
ويعنى بقولِه
(5)
: {خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} : بينَها في أُصولِها، تفجيرًا بسببِ أُبَنَتِها
(6)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} .
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى المصنف.
(2)
وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 385.
(3)
في م: "الأولى". ويقصد بالأخرى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، فقد قرءوا:(حتى تُفَجِّرَ). بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 384.
(4)
بعده في م، ت 1، ت 2، ف:"خلالها تفجيرا".
(5)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"به".
(6)
في م: "أبنيتها"، وفى ت 1، ت 2:"أنبتها". والأُبنة: العقدة في العود أو في العصا، وجمعها أُبَن. اللسان (أ ب ن).
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {كِسَفًا} ؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بسكونِ السينِ
(1)
. بمعنى: أو تُسْقِطَ السماءَ كما زعَمْتَ علينا كِسْفًا. وذلك أن الكِسْفَ في كلامِ العربِ جمعُ كِسْفَةٍ، وهو جمعُ الكثيرِ من العددِ [وللجنسِ]
(2)
، كما تُجْمَعُ السِّدْرَةُ "سدْرٌ"، والتَّمْرَةُ "تَمْرٌ"، فحُكِى عن العربِ سماعًا: أعطِني كِسْفَةً من هذا الثوبِ. أي: قطعةً منه. يقالُ منه: جاءنا بثريدٍ كِسْفٍ. أي: قِطَعِ
(3)
خُبْزٍ.
وقد يَحْتَمِلُ إذا قُرِئَ كذلك: (كِسْفًا). بسكونِ السينِ، أن يكونَ مُرَادًا به المصدرُ من "كَسَفَ". فأما "الكِسَفُ" بفتحِ السينِ، فإنه جمعُ ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، يقالُ: كِسْفَةٌ واحدةٌ، وثلاثُ كِسَفٍ. وكذلك إلى العشرِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: {كِسَفًا} . بفتحِ السينِ
(4)
، بمعنى جمعِ الكِسْفَةِ الواحدةِ من الثلاثِ إلى العشرِ، يعنى بذلك قِطَعًا ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ.
وأولَى القراءتَيْن في ذلك بالصوابِ عندى
(5)
قراءةُ مَن قرَأ بسكونِ السينِ؛ لأن الذين سألُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذلك، لم يَقْصِدُوا في مسألِتهم إياه ذلك أن يكونَ بحدٍّ معلومٍ من القِطَعِ، إنما سأَلُوه أن يُسْقِطَ عليهم السماءَ قِطَعًا. وبذلك جاء التأويلُ أيضًا من
(6)
أهلِ التأويلِ.
(1)
وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 385.
(2)
في م، ف:"للجنس"، وفي ت 1، ت 2:"والجنس".
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"قطيع".
(4)
وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 385.
(5)
القراءتان كلتاهما صواب.
(6)
في م: "عن".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كِسَفًا} . قال: السماءُ جميعًا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال ابن جريجٍ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} . قال: هذه
(2)
مرةً واحدةً. والتي في "الروم"{وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا} [الروم: 48]. قال: قِطَعًا. قال ابن جريجٍ: كِسَفًا؛ لقولِ اللَّهِ: {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} [سبأ: 9].
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} . قال: أي: قِطَعًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{كِسَفًا} . قال: قِطعًا
(3)
.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه:{كِسَفًا} . يقولُ: قطعًا
(4)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 442.
(2)
سقط من: م.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 389 عن معمر به.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى المصنف.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} . يعني: قطَعًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92)} .
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا
(1)
عن قيلِ المشركين لنبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أو تأتىَ باللَّهِ يا محمدُ والملائكةِ قبيلًا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "القبيلِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: حتى [تأتىَ باللَّهِ]
(2)
والملائكةِ كلَّ قبيلةٍ منا قبيلةً قبيلةً. فيُعايِنُونهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} . قال: على حِدَتِنا، كلَّ قبيلةٍ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} . قال: قبائلَ على حِدَتِها كلَّ قبيلةٍ.
وقال آخرون: معنى ذلك: أو تأتِىَ باللَّهِ والملائكةِ عِيانًا نُقابِلُهم مقابلةً، فنُعايِنُهم معاينةً.
(1)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
في م: "يأتى الله".
(3)
تفسير مجاهد ص 442.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} : نُعايِنُهم معاينةً
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} : فنُعايِنَهم
(2)
.
ووجَّهه بعضُ أهلِ العربيةِ إلى أنه بمعنى "الكفيلِ"، من قولِهم: هو قَبيلُ فلانٍ بما لفلانٍ عليه وزعيمُه.
وأشبهُ الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله قتادةُ من أنه بمعنى المعاينةِ، من قولِهم: قابَلتُ فلانًا مُقابلةً، وفلانٌ قَبيلُ فلانٍ. بمعنى: قُبَالَتُه. كما قال الشاعرُ
(3)
:
نُصالحكُم حتى تَبُوءُوا بمثْلِها
…
كصَرْخةِ حُبْلَى [يَسَّرَتْها قبيلُها]
(4)
يعني: قابِلتُها.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقولُ
(5)
: إذا وصَفُوا بتقديرِ "فَعِيل" من قولِهم: قابلتُ، ونحوِها، جعَلُوا لفظَ صفةِ الاثنين والجميعِ من المؤنثِ والمذكرِ على لفظٍ واحدٍ، نحوُ قولِهم: هذه قبيلى، وهما قبيلى، وهم
(1)
ينظر تفسير البغوي 5/ 130، وتفسير القرطبي 10/ 331.
(2)
ينظر تفسير القرطبي 10/ 331.
(3)
هو الأعشى، والبيت في ديوانه ص 177.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"بشرتها قبيلها". وهى رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن 1/ 390، ورواية الديوان:"يسرتها قبولها". ولا شاهد فيها.
(5)
هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 391.
قبيلي، وهنَّ قبيلي.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)} .
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن المشركين الذين ذكَر
(1)
أمرَهم في هذه الآياتِ: أو يكونَ لك يا محمدُ بيتٌ من ذهبٍ. وهو الزُّخْرُفُ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} . يقولُ: بيتٌ من ذهبٍ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مِنْ زُخْرُفٍ} : قال: من ذهب
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} : والزخرفُ هذا
(4)
الذهبُ
(5)
.
(1)
في م، ف:"ذكرنا".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى المصنف.
(3)
تفسير مجاهد ص 442.
(4)
في م، ت 1، ت 2، ف:"هنا".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} . قال: من ذهبٍ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن الحكمِ، قال: قال مجاهدٌ: كنا لا نَدْرِى ما الزخرفُ، حتى رَأيناه في قراءةِ ابن مسعودٍ:(أوْ يكونَ لك بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ)
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، قال: لم أَدْرِ ما الزخرفُ، حتى سمِعنا في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ:(بيتٌ مِن ذَهَبٍ)
(2)
.
وقولُه: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} . يعنى: أو تَصْعَدَ في دَرَجٍ إلى السماءِ. وإنما قيل: {فِي السَّمَاءِ} . وإنما يُرْقَى إليها لا فيها؛ لأن القومَ قالوا: أو تَرْقَى في سُلَّمٍ إلى السماءِ. فأُدْخِلَتْ "في" في الكلامِ لتدُلَّ على معنى الكلامِ، يقالُ: رَقِيتُ في السُّلَّمِ، فأنا أَرْقَى رَقْيًا ورُقيًّا ورُقْيًا، كما قال الشاعرُ
(3)
:
أنتَ الذي
(4)
كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجُ
…
على الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 390، وقراءة ابن مسعود هذه شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(2)
أخرجه أبو عبيد في فضائله ص 175، والبغوى في الجعديات (254)، وأبو نعيم في الحلية 3/ 284، من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.
(3)
البيت في اللسان (ر ق ي) غير منسوب.
(4)
في ص، ف:"التي".
وقولُه: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} . يقولُ: ولن نصدِّقَك من أجلِ رُقِيِّك إلى السماءِ {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا} منشورًا {نَقْرَؤُهُ} فيه أمرُنا باتباعِك والإيمانِ بك.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} . قال: من ربِّ العالمين إلى فلانٍ
(1)
، عندَ كلِّ رجلٍ صحيفةٌ تُصْبِحُ عندَ رأْسِه يَقْرَؤُها
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: كتابًا نَقْرَؤُه من ربِّ العالمين. وقال أيضًا: تُصْبِحُ عندَ رأسِه موضوعةً يقْرَؤُها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} : أي: كتابًا خاصًّا
(3)
نُؤْمَرُ فيه باتباعِك.
وقولُه: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين من قومِك، القائلين لك هذه الأقوالَ: تَنْزِيهًا للَّهِ عما
(4)
يَصِفُونه به، وتعظيمًا له من أن يُؤْتَى
(5)
به وبملائكتِه، أو يكونَ لي سبيلٌ إلى شيءٍ مما
(1)
بعده في تفسير مجاهد والدر المنثور: "بن فلان".
(2)
تفسير مجاهد ص 442، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
في ص، ت 1، ت 2:"خاصة".
(4)
في ص: "مما"، وفى ف:"بما".
(5)
في ص، ت 1:"يأتي"، وفي ت 1:"تأتى".
تسألُونيه، {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا}. يقولُ: هل أنا إلا عبدٌ من عبيدِه من بنى آدمَ، فكيف أَقْدِرُ أن أفعَلَ ما سألْتُمونى من هذه الأُمورِ؟ وإنما يَقْدِرُ عليها خالقى وخالِقُكم، وإنما أنا رسولٌ أُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، والذي سأَلْتُموني أن أفعَلَه بيدِ اللَّهِ الذي أنا وأنتم عبيدٌ له، لا يَقْدِرُ على ذلك غيرُه.
وهذا الكلامُ الذي أخبرَ اللَّهُ أنه كُلِّم به رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيما ذكَر، كان من ملأ من قريشٍ اجتَمَعُوا لمناظرةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ومُحاجَّتِه، فكلَّموه بما أخبرَ اللَّهُ عنهم في هذه الآياتِ.
ذكرُ تسميةِ الذين ناظَرُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بذلك منهم، والسببِ الذي من أجلهِ ناظَرُوه به
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى شيخٌ من أهلِ مصرَ قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن عتبةَ وشيبةَ ابنى ربيعةَ، وأبا سفيانَ بنَ حربٍ، ورجلًا من بنى عبدِ الدارِ، وأبا البَخْتَرِيِّ أخا بني أسدٍ، والأسودَ بنَ المطلبِ بن أسدٍ، وزمعةَ بنَ الأسودِ، والوليدَ بنَ المغيرةِ، وأبا جهلِ بنَ هشامٍ، وعبدَ اللَّهِ بنَ أبي أميةَ، وأميةَ بنَ خلفٍ، والعاصَ بنَ وائلٍ، ونُبَيْهًا ومُنَبِّهًا ابنى الحجاجِ السَّهْمِيين، اجتَمَعُوا، أو مَن اجتَمَع منهم بعدَ غروبِ الشمسِ عندَ ظَهْرِ الكعبةِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثُوا إلى محمدٍ فكلِّموه وخاصِموه حتى تُعْذِرُوا فيه. فبعَثُوا إليه: إن أشرافَ قومِك قد اجتَمعوا إليك لِيُكلِّموك. فجاءهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سريعًا، وهو يظُنُّ أنه بدَا لهم في أمرِه بَدَاءٌ، وكان عليهم حريصًا، يُحِبُّ رُشْدَهم ويَعِزُّ عليه عَنَتُهم، حتى جلَس إليهم، فقالوا: يا محمدُ، إنا قد بعَثنا إليك لنُعْذِرَ فيك، وإنا واللَّهِ ما نعلَمُ رجلًا من العربِ أدخَل على
قومِه ما أدخَلتَ
(1)
على قومِك، لقد شتَمتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّينَ، وسفَّهتَ الأحلامَ، وشتَمتَ الآلهةَ، وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بَقِى أمرٌ قبيحٌ إلا وقد جِئْتَه فيما بينَنا وبينَك، فإن كنتَ إنما جئتَ بهذا الحديثِ تَطْلُبُ مالًا، جمَعنا لك من أموالِنا حتى تكونَ أكثرَنا مالًا، وإن كنتَ إنما تطلُبُ الشرفَ فينا، سوَّدْناك علينا، وإن كنتَ تُريدُ به مُلْكًا ملَّكْنَاك علينا، وإن كان هذا الذي يَأْتِيك بما يَأْتِيك به رَئيًّا ترَاه قد
(2)
غلَب عليك - وكانوا يسمُّون التابِعَ من الجنِّ الرئيَّ
(3)
- فربما كان ذلك، بذَلنا أموالَنا في طلبِ الطبِّ لك حتى نُبْرِئَك منه، أو
(4)
نُعْذِرَ فيك. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما بي ما تقولون، ما جِئْتُكم بما جِئْتُكم به أطلُبُ أموالَكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا الملكَ عليكم، ولكنَّ اللَّهَ بعَثني إليكم رسولًا، وأنزَل عليَّ كتابًا، وأمَرني أن أكونَ لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتُكم رسالةَ ربى، ونصَحت لكم، فإن تقبَلوا منِّى ما جِئْتُكم به فهو حظُّكم في الدُّنيا والآخرةِ، وإن ترُدُّوه عليَّ أصْبِرُ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحكُمُ اللَّهُ بينى وبينَكم". أو كما قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فقالوا: يا محمدُ، فإن كنتَ غيرَ قابلٍ منا ما عرَضنا عليك، فقد علِمتَ أنه ليس مِن الناسِ أحدٌ أضيقَ بلادًا، ولا أقلَّ مالًا، ولا أشدَّ عيشًا منا، فسَلْ ربَّك الذي بعَثك بما بعَثك به، فليُسَيِّرْ عنا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقت علينا، ويَبْسُط لنا بلادَنا، وليُفَجِّرْ
(5)
فيها أنهارًا كأنهارِ الشامِ والعراقِ، ولْيَبْعَثْ لنا مَن مضَى من آبائِنا، ولْيكنْ في مَن يَبْعَثُ لنا منهم قُصَيُّ بنُ كلابٍ، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنَسْأَلُهم عما تقولُ، حقٌّ هو أم باطلٌ؟ فإن صنَعتَ ما سأَلْناك،
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"أدخل".
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"فقد".
(3)
في ت 2: "رئيا".
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"و".
(5)
بعده في م: "لنا".
وصدَّقُوك، صدَّقْنَاك، وعرَفنا به منزِلتَك عندَ اللَّهِ، وأنه بعَثك بالحقِّ رسولًا كما تقولُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما بهذا بُعِثتُ، إنما جْئُتكم من اللَّهِ بما بعثني به، فقد بَلَّغْتُكم ما
(1)
أُرْسِلْتُ به إليكم، فإن تَقْبَلُوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرةِ، وإن تَرُدُّوه عليَّ أَصْبِرْ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بينى وبينَكم". قالوا: فإن لم تَفْعَل لنا هذا، فخُذْ لنفسِك، فسَلْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُك بما تقولُ، ويُراجِعُنا عنك، [وتسألُه فيجعلُ]
(2)
لك جِنانًا وكُنوزًا وقُصورًا من ذهبٍ وفضةٍ، ويُغْنِيك بها عما نراك تَبْتَغِي، فإنك تقومُ بالأسواقِ، وتَلْتَمِسُ المعاشَ كما نَلْتَمِسُه، حتى نَعرِفَ فضلَ منزِلتِك من ربِّك إن كنتَ رسولًا كما تَزْعُمُ. فقال لهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثْتُ إليكم بهذا، ولكنَّ اللَّهَ بعَثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تَقْبَلُوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرةِ، وإن تَرُدُّوه عليَّ أصبِرْ لأمرِ اللَّهِ حتى يَحكُمَ اللَّهُ بينى وبينكم". قالوا: فأسقِطِ السماءَ علينا كِسَفًا كما زعمتَ أن ربَّك إن شاء فعَل، فإنا لا نُؤمِنُ لك إلا أن تفعَلَ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ذلك إلى اللَّهِ، إن شاء فعَل بكم ذلك". فقالوا: يا محمدُ، فمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سنَجْلِسُ معك، ونسألُك عما سألْنَاك عنه، ونَطلُبُ منك ما نَطلُبُ، فيَتقدَّمَ إليك، ويُعلِّمَك ما تُرَاجِعُنا به، ويُخْبِرَك ما هو صانعٌ في ذلك بنا، إذا لم نَقْبَلْ منك ما جِئْتَنا به، فقد بلَغَنا أنه إنما يُعَلِّمُك هذا رجلٌ باليمامةِ يقالُ له: الرحمنُ. وإنا واللَّهِ ما نُؤْمِنُ بالرحمنِ أبدًا، أَعْذَرْنا إليك يا محمدُ، أما واللَّهِ لا نَتْرُكُك وما بلَغْتَ بنا
(3)
حتى نُهْلِكَك أو تُهْلِكَنا. وقال قائلُهم: نحن نعبدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللَّهِ. وقال قائلُهم: لن نُؤْمِنَ لك حتى تأتيَنا باللَّهِ والملائكةِ قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه
(1)
في ص، ت 2، ف:"بما".
(2)
في م: "واسأله فليجعل".
(3)
في م: "منا".
عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أميةَ بن المُغيرةِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ
(1)
بن مخزومٍ، وهو ابن عمِته، [ابن عاتكةَ ابنةِ]
(2)
عبدِ المطلبِ، فقال له: يا محمدُ عرَض عليك قومُك ما عرَضُوا، فلم تَقْبَلْه منهم، ثم سألُوك لأنفسِهم أمورًا ليَعرِفُوا منزلتَك من اللَّهِ، فلم تَفعَلْ ذلك، ثم سأَلُوك أن تُعَجَّلَ ما تُخَوِّفُهم به من العذابِ، فواللَّهِ لا أُومِنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماءِ سُلَّمًا تَرْقَى فيه وأنا أَنْظُرُ حتى تأتيَها، وتأتىَ معك بنسخةٍ منشورةٍ، معك أربعةٌ مِن الملائكةِ يشهَدُون لك أنك كما تقولُ، وايمُ اللَّهِ، لو فعَلتَ ذلك لظننتُ ألَّا أُصَدِّقَك. ثم انصرَف عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وانصرفَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى أهلِه حزينًا أَسِفًا
(3)
لِمَا فاته مما كان يَطمَعُ فيه من قومِه حينَ دَعَوْه، ولِمَا رأى من مُباعدتِهم إياه، فلما قام عنهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهلٍ: يا معشرَ قريشٍ، إن محمدًا قد أَبَى إلا ما تَرَوْنَ من عيبِ دينِنا، وشتمِ آبائِنا، وتسفيهِ أحلامِنا، وسبِّ آلهتِنا، وإني أُعَاهَدُ اللَّهَ لأَجلِسنَّ له غدًا بحجرٍ قدرَ مَا أُطِيقُ حَمْلَه، فإذا سجَد في صلاتِه فضَحْتُ رأسَه به
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أو عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه، إلَّا أنَّه قال: وأبا سفيانَ بنَ حربٍ، والنضرَ بنَ الحارثُ أخا
(5)
بني عبدِ الدارِ، وأبا البَختريِّ بنَ هشامٍ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ، قال:
(1)
في م، ت 1، ف:"عمرو".
(2)
في م: "هو لعاتكة بنت".
(3)
في ص، م، ت 2، ف:"أسيفا".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 115 - 117 عن المصنف، وهو في سيرة ابن هشام 1/ 295 - 297، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 202 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
في ص: "أما"، وفى م:"أبناء"، وفى ت 1:"ابنا"، وفى ت 2:"أنا"، وفى ف:"أن". والمثبت من مصادر التخريج.
قلتُ له في قولِه تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90)} . قال: قلتُ له: أنزَلت في عبدِ اللَّهِ بن أبى أميةَ؟ قال: قد زعَمُوا ذلك
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وما منَع يا محمدُ مشركي قومِك الإيمانَ باللَّهِ وبما جئتَهم به من الحقِّ، {إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى}. يقولُ: إذ جاءَهم البيانُ من عندِ اللَّهِ بحقيقةِ ما تَدْعُوهم وصحةِ ما جئتَهم به، إلا قولُهم جهلًا منهم:{أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} . فـ {أَنْ} الأولى في موضعِ نصبٍ بوقوعِ {مَنَعَ} عليها، والثانيةُ في موضعِ رفعٍ؛ لأن الفعلَ لها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين أَبَوُا الإيمانَ بك وتصديقَك فيما جئتَهم به من عندى؛ استنكارًا لأن يَبْعَثَ اللَّهُ رسولًا من البشرِ: {لَوْ كَانَ} أيُّها الناسُ {فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} ؛ لأن الملائكةَ إنما تراهم أمثالُهم من الملائكةِ، أو
(2)
من خصَّه اللَّهُ من بنى آدمَ برؤيتِها، فأما غيرُهم فلا يَقْدِرون على رؤيتِها، فكيف يَبعَثُ إليهم من الملائكةِ الرسلَ، وهم لا يَقْدِرون على رؤيتِهم وهم بهيئاتِهم التي خلَقهم
(3)
بها،
(1)
أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 223 من طريق عبد الملك بن عمير، عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م: "و".
(3)
بعده في م، ف:"اللَّه".
وإنما يُرسِلُ إلى البشرِ الرسولَ منهم، كما لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يمشُون مُطْمئنِّين، ثم أرسَلْنا إليهم رسولًا، أرسَلْناه منهم مَلَكًا مثلَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ للقائلين لك: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} -: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} . فإنه نِعْمَ الكافي والحاكمُ، {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}. يقولُ: إن اللَّهَ بعبادِه ذو خبرةٍ وعلمٍ بأمورِهم وأفعالِهم، والمحقَّ منهم والمُبطلِ، والمَهْدِيِّ والضالِّ، {بَصِيرًا} بتدبيرِهم وسياستِهم وتصريفِهم فيما شاء، وكيف شاء وأحَبَّ، لا يخفَى عليه شيءٌ من أُمورِهم، وهو مجازٍ جميعَهم بما قدَّم عندَ ورودِهم عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
(1)
وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَهْدِ اللَّهُ يا محمدُ للإيمانِ به، ولتصديقِك وتصديقِ ما جئتَ به مِن عندِ ربِّك، فوفَّقه لذلك، فهو المُهْتَدِ الرشيدُ المصيبُ الحقَّ، لا مَن هداه غيرُه، فإن الهدايةَ بيدِه، {وَمَنْ يُضْلِلْ}. يقولُ: ومَن يُضْلِلْه اللَّهُ عن الحقِّ، فيَخْذُلْه عن إصابتِه، ولم يوفِّقْه للإيمانِ باللَّهِ وتصديقِ رسولِه، فلن تَجِدَ لهم يا محمدُ أولياءَ يَنْصُرُونهم من دونِ اللَّهِ، إذا أرادَ اللَّهُ عقوبتَهم، والاستنقاذَ منهم، {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ}. يقولُ: ونَجْمَعُهم بموقفِ القيامةِ من بعدِ
(1)
في ت 1، ت 2، ف:"المهتدي". وبها قرأ نافع وأبو عمرو في الوصل خاصة. حجة القراءات 2/ 53.
تفرُّقِهم في القبورِ عندَ قيامِ الساعةِ {عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا} . وهو جمعُ أَبْكَمَ، ويعنى بالبُكْمِ الخُرْسَ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَبُكْمًا} . قال: الخُرْسُ
(1)
.
{وَصُمًّا} . وهو جمعُ أصمَّ.
فإن قال قائلٌ: وكيف وصَف اللَّهُ هؤلاء بأنهم يُحشَرون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وقد قال:{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53]. فأخبرَهم
(2)
أنهم يَرَوْنَ، وقال:{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 12، 13]. فأخبرَ أنهم يَسْمَعُونَ ويَنْطِقُون؟
قيل: جائزٌ أن يكونَ ما وصَفهم اللَّهُ به من العَمَى والبَكَمِ والصَّمَمِ يكونُ صفتَهم في حالِ حشرِهم إلى موقفِ القيامةِ، ثم يُجْعَلُ لهم أسماعٌ وأبصارٌ ومنطقٌ في أحوالٍ أُخرَ غيرِ حالِ الحشرِ، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كما رُوِى
(3)
عن ابن عباسٍ في الخبرِ الذي حدَّثَنيه عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} . ثم قال: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا} . وقال: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} وقال: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} : أما قولُه: و {عُمْيًا} . فلا يرَون شيئًا
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 390.
(2)
في م: "فأخبر".
(3)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
يسرهم
(1)
، وقولُه:{بُكْمًا} . لا يَنْطِقُون بحجة، وقولُه:{صُمًّا} . لا يَسْمَعُون شيئًا يسرُّهم
(2)
.
وقولُه: {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: مصيرُهم إلى جهنمَ، وفيها مساكُنهم، وهم وَقُودُها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} : يعنى أنهم وَقُودُها
(3)
.
وقولُه: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا)} . يعنى بقوله: {خَبَتْ} : لانَتْ وسَكَنَتْ. كما قال عديٌّ بنُ زيدٍ العِبَاديُّ في وصفِ مُزْنَةٍ:
وَسْطُه كاليَرَاعِ
(4)
أَوْ سُرُج المجْدَل
(5)
…
حِينًا يَخْبُو وحينًا يُنيرُ
يعنى بقولِه: يَحْبو السُّرُجُ. أنها تَلِينُ وتَضْعُفُ أحيانًا، وتَقْوَى فتُنِيرُ أُخْرى. ومنه قولُ القُطَاميِّ
(6)
:
* فيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ
(7)
ساعا *
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في العبارةِ عن تأويلِه.
(1)
في ص: "يسر لهم"، وفى ت 1، ت 2، ف:"يستر لهم".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى المصنف.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 204/ 4 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(4)
اليراع، جمع يراعة: وهى ذباب يطير بالليل كأنه نار، واليراع: فراشة إذا طارت في الليل لم يشك من يعرفها أنها شرارة طارت عن نار. اللسان (ي ر ع).
(5)
المجدل: القصر المشرف لوثاقة بنائه، وجمعه مجادل. اللسان (ج د ل).
(6)
ديوانه ص 34.
(7)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"تشب".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{كُلَّمَا خَبَتْ} . [يقولُ: كلَّما]
(1)
سكَنت
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا} . يقولُ: كلما أحرَقتهم [تسَّعرُ بهم]
(3)
حَطَبًا، فإذا أحرَقتهم فلم تُبْقِ منهم شيئًا، صارَت جمرًا
(4)
تتوهَّجُ، فذلك خَبْرُها، فإذا بُدِّلُوا خَلْقًا جديدًا عاوَدَتْهم
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن [ابن أبي نجيحٍ]
(6)
، عن مجاهدٍ قولَه
(7)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
(1)
في م: "قال".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"سعرتهم".
(4)
في ص: "حمراء".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الأضداد، وسيأتي تخريجه عند ابن الأنباري في الصفحة التالية.
(6)
سقط من: م.
(7)
سقط من: م.
والأثر في تفسير مجاهد ص 442 بلفظ: كلما أطفئت أوقدت. وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (107) من طريق أبي يحيى، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {كُلَّمَا خَبَتْ} . قال: خَبْؤُها أنها تُسَعَرُ بهم حطبًا، فإذا أحرَقتهم فلم يَبْقَ منهم شيءٌ، صارت جمرًا
(1)
تتوهَّجُ، فإذا بُدِّلوا خلقًا جديدًا عاوَدَتْهم
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} . يقولُ: كلَّما احترَقت جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرَها ليَذُوقُوا العذابَ
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا} . قال: كلما لان منها شيءٌ
(4)
.
حُدِّثْتُ عن مَرْوَانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{كُلَّمَا خَبَتْ} . قال: سكنت.
وقولُه: {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} . يقولُ: زِدْنا هؤلاء الكفارَ سعيرًا، وذلك إسعارُ النارِ عليهم والتهابُها فيهم وتأجُّجُها بعدَ خَبْوها في أجسامِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفنا من فعلِنا يومَ القيامةِ بهؤلاءِ المشركين، ما
(1)
في ص: "حمراء".
(2)
أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص 176 من طريق حجاج به نحوه.
(3)
أخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص 176 من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 390.
ذكَرتُ أنَّا نَفعَلُ بهم من حشرهم على وجوهِهم عُميًا وبُكمًا وصُمًّا، وإصلائِناهم
(1)
النارَ على ما بَيَّنا من حالِهم فيها - ثوابُهم بكفرِهم في الدنيا {بِآيَاتِنَا} . يعنى: بأدلتِه وحججِه، وهم رسلُه الذين دَعَوْهم إلى عبادتِه، وإفرادِهم إياه بالألوهةِ دونَ الأوثانِ والأصنامِ، وبقولِهم إذا أُمِروا بالإيمانِ بالمعادِ، وبثوابِ اللهِ وعقابهِ في الآخرةِ:{أإِذَا كُنَّا عِظَامًا} باليةً، {وَرُفَاتًا}: قد صِرْنا ترابًا {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} . يقولون: تُبْعَثُ بعدَ ذلك خلقًا جديدًا، كما ابتُدِثْنا
(2)
أولَّ مرةٍ في الدنيا. استِنكارًا منهم لذلك، واستِعظامًا له
(3)
، وتعجُّبًا من أن يكونَ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: أوَ
(4)
لم يَنْظُرْ هؤلاء القائلون من المشركين: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} بعيونِ قلوبهم، فيعلَموا {انَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ، فابتدَعها من غيرِ شيءٍ، وأقامَها بقُدرتِه، {قَادِرٌ} بتلك القدرةِ {عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}: أشكالَهم وأمثالَهم من الخلقِ بعدَ فنائِهم وقبلَ ذلك، وأن مَن قدَر على ذلك فلا يَمتَنِعُ عليه إعادتَهم خلقا جديدًا، بعدَ أن يَصِيروا عظامًا ورُفاتًا.
وقولُه: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل الله
(1)
في م: "إصلائنا إياهم".
(2)
في م: "ابتدأناه".
(3)
سقط من: م.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"إذ".
لهؤلاء المشركين أجلًا لهلاكِهم، ووقتًا لعذابهم {لَا رَيْبَ فِيهِ}. يقولُ: لا شكَّ فيه أنه آتيهم ذلك الأجلُ، {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا}. يقولُ: فأبَى الكافرون إلا جحودًا بحقيقةِ وعيدِه الذي أوعَدهم، وتكذيبًا به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناسُ تَمْلِكُون خزائنَ أملاكِ ربى من الأموالِ - وعَنَى بالرحمةِ في هذا الموضعِ المالَ - {إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} . يقولُ: إذن لَبَخِلْتُم به، فلم تجودُوا بها على غيرِكم، خشية من {الْإِنْفَاقِ}
(1)
؛ الإِقْتارِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} . قال: الفقرِ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} . أي: خشيةَ الفاقةِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه
(3)
.
وقولُه: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} . يقولُ: وكان الإنسانُ بخيلًا مُمْسِكًا.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن
(1)
بعده في م: "و".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى المصنف وابن المنذر.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 390. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 204 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
عباسٍ في قولِه: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} . يقولُ: بخيلًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} . قال: بخيلًا.
حدًّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} . قال: بخيلًا مُمْسِكًا.
وفى "القُتورِ" في كلامِ العربِ لغاتٌ أربعٌ، يقالُ: قَتَر فلانٌ يَقْتُرُ ويَقْتِرُ، وقَتَّر يُقَتِّرُ، وأقْتَر يُقْتِرُ، كما قال أبو دُوادَ
(1)
:
لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولكنْ
…
فقدُ مَن قد رُزِيتُه الإِعْدامُ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (101)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى بنَ عِمرانَ {تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تَبِينُ لَمَن رآها أنَّها حُججٌ لموسى شاهدةٌ على صدقِه وحقيقةِ نبوَّتِه.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيهنَّ وما هُنَّ؛ فقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . قال: التسعُ الآياتِ البينات؛ يدُه، وعَصاه ولسانُه، والبحرُ والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، آياتٌ مفصلاتٌ
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
(1)
ديوانه (ضمن دراسات في الأدب العربي) ص 338.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2851 (1663) من طريق عمرو بن عطية، عن ابن عباس.
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} : إلقاءُ العصا مرَّتينِ عندَ فرعونَ، ونزْعُ يدِه، والعُقدةُ التي كانت بلسانِه، وخمسُ آياتٍ في "الأعراف"؛ الطوفانُ، والجرادُ، والقمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ
(1)
.
وقال آخرون نحوًا من هذا القولِ، غيرَ أنَّهم جعَلوا اثنتين
(2)
مِنهنَّ؛ إحدَاهما، الطَّمسَةَ، والأُخرى، الحَجَرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بريدةَ بن سفيانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيّ، قال: سألني عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ عن قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . فقلتُ له: هي الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والبحرُ، وعَصاه، والطَّمْسةُ، والحَجَرُ. فقال: وما الطَّمْسةُ؟ فقلتُ: دعا موسى وأمَّن هارونُ، فقال:{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] وقال عمرُ: كيف يكونُ الفقهُ إلا هكَذا! فدعا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بخريطةٍ
(3)
كانت لعبدِ العزيزِ بن مرْوانَ أُصِيبت بمصرَ، فإذا فيها الجوزةُ
(4)
منشاةٌ
(5)
، والبيضةُ والعدسةُ ما تُنكَرُ، مُسِخت حجارةً، كانت من أموالِ فرعونَ أُصِيبت بمصرَ
(6)
.
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 10/ 336.
(2)
في م: "آيتين".
(3)
الخريطة: وعاء من أدم وغيره يُشْرَج على ما فيه. التاج (خ ر ط).
(4)
الجوزة: ضرب من العنب ليس بكبير، ولكنه يصفر جدا إذا أينع. التاج (ج و ز).
(5)
سقط من: م، وفى تاريخ المصنف:"مقشورة". والنَّسّ: اليُبْس، نَسّ اللحمُ والخبرُ: يَنُس ويَنِس: إذا يَبِس. ينظر التاج (ن س س).
(6)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 418، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2851 (16164) من طريق سلمة به مختصرًا، وفيهما: ويده. بدلا من: والحجر.
وقال آخرون نحوًا من ذلك، إلا أنَّهم جعلوا اثنَتَينِ مِنْهنَّ؛ إحَداهما، السنين، والأخْرى، النقصَ من الثمرات.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحْويِّ، عن عكرمةَ ومطرٍ الورَّاقِ في قولِه:{تِسْعَ آيَاتٍ} . قالا: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، والعصَا، واليدُ، والسنونَ، ونقصٌ مِن الثمراتِ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيّ في قولِه:{تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . قال: الطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ، والدمِ، والسنينَ، ونقصٍ من الثمراتِ، وعصاه، ويدِه
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: مثل سُئل عطاءُ بنُ أبى رباحٍ عن قولِه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . ما هي؟ قال: الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدَّمُ، وعصا موسى، ويدُه. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ عطاءٍ، وزاد:{أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130]. قال: هما التاسعتان، ويقولون: التاسعتان؛ السنين، وذَهَابِ عُجْمةٍ لسانِ موسى
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن
(1)
أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (4033) - من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة وأبي صالح.
(2)
أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (4032) - عن أبي عوانة، عن مغيرة به.
(3)
ينظر التبيان 6/ 527، وتفسير القرطبي 5/ 133.
قتادةَ، عن ابن عباس في قولِه:{تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} : وهي متتابعاتٌ، وهي في سورة "الأعراف":{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} . قال: {بِالسِّنِينَ} في أهلِ البوادِى، {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} ، لأهلِ القُري، فهاتان آيتانِ. والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادعُ، والدمُ، هذه خمسٌ، ويدهُ موسى إذ أخرَجها بيضاءَ للنّاظِرين من غيرِ سوءٍ - البرصُ - وعصاه إذ ألقاها فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ
(1)
.
حدُّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . قال: يدِ موسى، وعصاه، والطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادِعِ، والدَّمِ، والسنين، ونقصٍ من الثمراتِ.
وقال آخرون نحوًا من ذلك؛ إلا أنَّهم جعَلوا السنينَ والنقصَ من الثمراتِ آيةً واحدةً، وجعَلوا التاسعةَ تَلَقُّفَ العصا ما يأفِكون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرازقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} ، {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ}. قال: هذه آيةٌ واحدةٌ، والطوفانُ، والجرادُ، والقملُ، والضفادعُ، والدمُ، ويدُ موسى، وعصاه إذ ألْقاها فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، وإذ أَلْقاها فإذا هي تَلْقَفُ ما يأفِكُون
(2)
.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 390، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 391.
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرَّةَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبهِ: اذهبْ بنا إلى النبيِّ حتى نسألَه عن هذه الآيةِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . قال: لا تقلْ له: نبيٌّ، فإنَّه إن سمِعك صارت له أربعةُ
(1)
أعينٍ، قال: فسألا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم "لا تُشْرِكوا بالله شَيئًا، ولا تسْرقُوا، ولَا تَزْنُوا ولَا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولَا تَسْحَرُوا، ولا تأْكُلوا الرِّبا، ولا تَمشُوا ببَرِئٍ إلى ذى سُلْطَانٍ ليَقْتُلَه، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً". أو
(2)
قال: "لا تَفِرُّوا مِن الزَّحْفِ" - شعبةُ الشاكُّ - "وأَنْتُم يا يَهُودُ، علَيكُم خاصَّةً، لا تَعْدُوا في السَّبْتِ". فقبَّلا يَده ورجلَه، وقالا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ. قال: "فما يَمنَعُكما أنْ تُسلِمَا"؟ قالا: إن داودَ دَعا ألا يزالَ مِن ذرِّيتِه نبيٌّ، وإنا نخشَى أن تقتلَنا يهودُ
(3)
.
(1)
كذا في النسخ وبعض مصادر التخريج، وقال المبار كفورى في تحفة الأحوذي 3/ 399:"هكذا وقع في النسخ الموجودة، ووقع في المشكاة: أربع أعين. بغير التاء وهو الظاهر". ثم فسره بقوله: "يعنى يسر بقولك: هذا النبي. سرورا يمد الباصرة فيزداد به نورا على نور، كذى عينين أصبح يبصر بأربع، فإن الفرح يمد الباصرة، كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا".
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"و".
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 289، وأحمد 30/ 12 (18092)، وابن ماجه (3705) - مختصرا جدا - وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2466)، والحاكم 1/ 9 من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (1260)، وأحمد 30/ 21 (18096)، والترمذى (3144)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2465)، وفي الجهاد (275)، والطحاوى في شرح المعانى 3/ 215، وفى المشكل (63، 65)، والعقيلي في الضعفاء 2/ 261، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2851 (16161)، وابن قانع في معجمه 11/ 2، والطبراني (7396)، وأبو نعيم في الحلية 5/ 97، والحاكم 1/ 9، والبيهقي 8/ 166، والخطيب في الموضح 1/ 328، والبغوى في تفسيره 5/ 133 من طرق عن شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 204 إلى سعيد بن منصور وأبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه. وقال ابن كثير في تفسيره 5/ 124: وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات=
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ وأبو داودَ وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهديٍّ، عن شعبةَ
(1)
، عن عمرٍو، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سلِمةَ، يحدِّثُ عن صفوانَ بن عسَّالٍ المُرادِيِّ
(2)
، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، إِلَّا أَنَّ ابنَ مهديٍّ قال:"لَا تمشوا إلى ذى سُلطانٍ". وقال ابن مَهدِيٍّ: أُراه قال: "ببَرِئٍ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ وأبو أسامةَ بنحوِه، عن شعبةَ بن الحجاجِ، عن عمرِو بن مَرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، قال: قال يهوديٌّ لصاحبِه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ. فقال صاحبُه: لا تقلْ: نبيٌّ. إِنَّه لو سمعِك كان له أربعُ
(3)
أعينٍ. قال: فأتيا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يسألانِه عن {تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . فقال: "هنَّ: ولَا تُشْرِكُوا بالله شَيْئًا، ولَا تَسْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، ولا تَقْذِفُوا المحصنَةَ، ولا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزحفِ، وعَلَيكم خاصَّةً يهودُ، أَلَّا تَعْدُوا في السَّبْتِ". قال: فقبَّلوا يدَيه ورجلَيه، وقالوا: نشهَدُ أَنَّك نبيٌّ. قال: "فَمَا يمنعكم أن تتَّبِعُونى"؟. قالوا: إن داودَ دعا ألا يزالَ من ذرِّيِته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إِن اتبَعْناك أنْ تقتُلَنا يهود
(4)
.
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن عمرِو
= بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم. وينظر البداية والنهاية 9/ 96.
(1)
في النسخ: "سعيد". والمثبت من مصادر التخريج.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"الرازي". وينظر الإصابة 3/ 436.
(3)
في ف: "أربعة".
(4)
أخرجه الترمذى (2733) عن أبي كريب به، وأخرجه النسائي (4089)، وفي الكبرى (3541، 8656)، والطحاوى في المشكل (64) عن أبي كريب، عن عبد الله بن إدريس وحده به، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 289، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2466) عن عبد الله بن إدريس وأبي أسامة به.
ابن مرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلِمةَ، عن صفوانَ بن عسَّالٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوه
(1)
.
وأما قوله: {فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ} . فإن عامَّةَ قرَأَةِ الإسلام على قراءِته على وجْهِ الأمْرِ، بمعنى: فاسألْ يا محمدُ بنى إسرائيلَ إذ جاءَهم موسى.
ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ في تأويلِه ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ:{فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} . قال: سؤالُك إِيَّاهم نظرُك في القرآنِ
(2)
.
ورُوِى عن ابن عباسٍ أنَّه كان يقرأُ ذلك: (فسَألَ). بمعنى: فسألَ موسى فرعونَ بنى إسرائيلَ أنْ يُرسِلَهم معه. على وجْهِ الخبرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن حنظلةَ السَّدُوسيّ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها:(فسَأل بنى إسرائيلَ إذْ جاءَهم). يعنى: أنَّ موسى سأل فرعونَ بنى إسرائيلَ أن يُرسِلَهم معه
(3)
.
والقراءةُ التي لا أستجيزُ أن يُقرَأَ بغيرِها، هي القراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ على تصويبِها، ورغبتِهم عمَّا خالفها.
(1)
أخرجه أحمد 30/ 12 (18092)، والترمذى (3144)، والبيهقى في الدلائل 6/ 268 من طريق يزيد به.
(2)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 85 عن الحسن، وذكره الطوسى في التبيان 6/ 527 عن الحسن، عن ابن عباس.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقراءة ابن عباس هذه قراءة شاذة.
وقولُه: {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} . يقولُ: فقال لموسى فرعونُ: إني لأظنُّك يا موسى مُعاطًى
(1)
علمَ السِّحرِ، فهذه العجائب التي تفعلُها من سحرِك. وقد يجوزُ أن يكونَ مرادًا به: إنّى لأظُنُّك يا موسى ساحرًا. فوُضِع "مفعولٌ" موضعَ "فاعلٍ"، كما قيل: إنَّك مشئومٌ علينا وميمونٌ. وإنما هو شائمٌ ويامنٌ. وقد تأوَّل بعضُهم {حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: 45]. بمعنى: حجابًا ساتِرًا. والعربُ قد تُخرِجُ "فاعلًا" بلفظِ "مفعولٍ" كثيرًا.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)} .
اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءة قولِه: {لَقَدْ عَلِمْتَ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {لَقَدْ عَلِمْتَ} . بفتحِ التاءِ، على وجْهِ الخطابِ مِن موسى لفرعونَ
(2)
.
ورُوِى عن عليّ بن أبى طالبٍ رضوانُ الله عليه، في ذلك أنَّه قرَأ:(لَقَدْ عَلِمْتُ). بضمّ التاءِ
(3)
، على وجْهِ الخبرِ من موسى عن نفسِه. ومَن قرَأ ذلك على هذه القراءةِ، فإنَّه ينبغى أن يكونَ على مذهبِه تأويلَ قولِه:{إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} : إنى لأظُنُّك قد سُحِرت، فترَى أنَّك تتكلمُ بصوابٍ وليس بصواب.
وهذا وجه من التأويلِ، غيرَ أنَّ القراءةَ التي عليها قرَأَةُ الأمصارِ خلافُها، وغيرُ
(1)
في م: "تتعاطى".
(2)
وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 386.
(3)
وبها قرأ الكسائى وهى متواترة. السابق ص 385.
وأثرُ عليٍّ أخرجه الفراء في معاني القرآن 2/ 132 بإسناده عن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقال البغوي في تفسيره 5/ 134: ولا يثبت عن علي رفع التاء؛ لأنه روى عن رجل من مراد، عن علي، وذلك أن الرجل مجهول. وكذا قال أبو حيان في البحر المحيط 6/ 86 وسمى الرجل كلثوما.
جائز عندَنا خلافُ الحجةِ فيما جاءت به من القراءةِ مجمِعةً عليه.
وبعدُ، فإنَّ الله تعالى ذكرُه قد أخبَر عن فرعونَ وقومِه أنهم جحَدوا ما جاءَهم به موسى من الآياتِ التسعِ، مع علمِهم بأنَّها من عندِ اللَّهِ بقوله:{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 12 - 14]. فأخبرَ جلَّ ثناؤه أنهم قالوا: هي سحرٌ. مع علمِهم واستِيقانِ أنفسِهم بأنَّها من عنِد الله، فكذلك قوله:{لَقَدْ عَلِمْتَ}
(1)
. إنما هو خبرٌ من موسى لفرعونَ بأنَّه عالمٌ بأَنَّها آياتٌ مِن عند الله.
وقد ذُكر عن ابن عباسٍ أنَّه احتَجَّ في ذلك بمثل الذي ذكَرْنا من الحُجةِ.
قال: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ:{لَقَدْ عَلِمْتَ} : يا فرعونُ. بالنصب، {مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، ثم تلا:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}
(2)
.
فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قال موسى لفرعونَ: {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعونُ {مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ} الآياتِ التسعَ البيناتِ التي أريتُكها، حجةً لى على
(3)
حقيقةِ ما أدْعُوك إليه، وشاهدةً لى على صدقى
(4)
وصحَّةِ قوله: إنى للهِ رسولٌ
(5)
(1)
ضبطت هذه الكلمة في ص، ت 2 بضم التاء، وصواب السياق قبله وبعده أن تكون بفتح التاء كما أثبتناه.
(2)
أخرجه الفراء في معاني القرآن 2/ 132 عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(4)
في م، ت 1، ت 2، ف:"صدق".
(5)
بعده في م: "ما"
بَعثني إليك - {إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ لأن ذلك لا يقدِرُ عليه ولا على أمثالِه أحدٌ سواه، {بَصَائِر} يعنى بـ "البصائرِ" الآياتِ أنهنَّ بصائرُ لَمن استبصَر بهنَّ، وهدًى لَمن اهتدَى بهنَّ، يعرِفُ بهنَّ مَن رآهُنَّ أن مَن جاء بهنَّ فَمُحِقٌّ، وأنهنَّ من عندِ اللهِ لا مِن عند غيرِه، إذ كُنَّ معجِزاتٍ لا يقدِرُ عليهنَّ ولا على شيءٍ منهنَّ سوى ربِّ السماواتِ والأرض.
وهو جمعُ بصيرةٍ.
وقولُه: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . يقولُ: إني لأظُنُّك يا فرعون ملعونًا ممنوعًا من الخيرِ.
والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَك عن هذا الأمرِ؟ أي: ما مَنعك منه، وما صَرَفَك
(1)
عنه؟ وثَبَرَه الله فهو يَثْبُرُه ويُثْبِرُه. لغتانِ. ورجلٌ مثبورٌ: محبوسٌ عن الخيراتِ هالكٌ. ومنه قولٌ الشاعر
(2)
:
إذ أُجارِي الشَّيطانَ فِي سَنَنِ الغَيِّ
…
ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الله الكِلابيٌّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُ بن عبدِ اللَّهِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . قال: ملعونًا
(3)
.
(1)
في م: "صدك"، وفى ت 1، ف:"صدفك"، وفى ت 2:"صدقك". وينظر معاني القرآن للفراء 2/ 132.
(2)
هو عبد الله بن الزِّبعْرَى، والبيت في سيرة ابن هشام 2/ 419، وسيأتي في 17/ 412.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا عمرُ بنُ عبدِ اللَّهِ الثقفيُّ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . يقولُ: ملْعونًا
(1)
.
وقال آخرون: بل معناه: إني لأظنُّك يا فرعونُ مغلوبًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: قولَه: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . قال: مغلوبًا
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . يقولُ: مغلوبًا
(2)
.
وقال بعضُهم: معنى ذلك: إني لأظنُّك يا فرعون هالِكًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:[{مَثْبُورًا}. أي: هالكًا]
(3)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 124.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"مثله".
والأثر في تفسير مجاهد ص 442 بلفظ: مُهْلكا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قتادةَ:{وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . [أي: مُهْلَكًا. قوله: {مَثْبُورًا}]
(1)
. أي: هالِكًا.
[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه]
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه
(3)
.
وقال آخرون: معناه: إني لأظُنُّك مبدلًا مُغيِّرًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الله بُن موسى، عن عيسى بن موسى، عن عطيةَ:{وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . قال: مبدِّلًا
(4)
.
وقال آخرون: معناه: مخبولًا لا عقلَ له.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَإِنِّي
(1)
سقط من: م.
(2)
كذا في النسخ، وهو تكرار للإسناد قبل السابق.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 391.
(4)
ذكره الطوسى في التبيان 6/ 528.
لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}. قال: الإنسانُ إذا لم يكنْ له عقلٌ فما ينفعُه؟ [يعنى: إذا لم يكنْ له عقلٌ]
(1)
ينتَفِعُ به في ديِنه ومعاشِه دعَتْه العربُ مَثْبُورًا. قال: أظنُّك ليس لك عقلٌ يا فرعونُ. قال: بَيْنا هو يخافُه: {وَلَا يَنْطَلِقُ
(2)
لِسَانِي} أن أقولَ هذا الفرعونَ. فلَمَّا شرح الله صدرَه اجتَرأ أن يقولَ له فوقَ ما أمرَه اللهُ
(3)
.
وقد بيّنّا الذي هو أولَى بالصوابِ في ذلك قبلُ
(4)
.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فأراد فرعونُ أن يسْتفِزَّ موسى وبنى إسرائيلَ مِن الأرضِ، {فَأَغْرَقْنَاهُ} في البحرِ، {وَمَنْ مَعَهُ} مِن جُندِه، {جَمِيعًا} ،
ونجَّيْنا موسى وبنى إسرائيلَ، وقُلْنا لهم مِن بعدِ هلاكِ فرعونَ:{اسْكُنُوا الْأَرْضَ} : أرضَ الشامِ، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}. يقولُ: فإذا جاءتِ الساعةُ، وهى وعدُ الآخرةِ، {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}. يقولُ: حشَرْناكم مِن قبورِكم إلى موقفِ القيامةِ {لَفِيفًا} . أي: مختلِطين، قد التفَّ بعضُكم على بعضٍ، لا تتعارَفون، ولا ينحازُ أحدٌ منكم إلى قبيلتِه وحيّه. من قولِك
(5)
: لَفَفْتُ الجيوشَ، إذا ضرَبتَ بعضَها ببعضٍ، فاختَلَطَ الجميعُ. وكذلك كلُّ شيءٍ خُلِط بشيءٍ فقد لُفَ به.
(1)
في ص، ت 2، ف:"وعقل"، وفي ت 1:"و".
(2)
في م: "ينطق".
(3)
ينظر التبيان 6/ 528.
(4)
تقدم في ص 108.
(5)
في ص: "قول"، وفى ت 1، ت 2، ف:"قوله".
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قُلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن
(1)
أبي رَزين: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} . قال: مِن كلِّ قومٍ.
وقال آخرون: بل معناه: جِئْنا بكم جميعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} . قال: جميعًا
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحَّدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعَا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} : جميعا
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} . أي: جميعًا، أوَّلكم وآخِرَكم
(4)
.
(1)
بعده في م: "ابن".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف.
(3)
تفسير مجاهد ص 443، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (292) من طريق أبي يحيى، عن مجاهد.
(4)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (293) من طريق سعيد به.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} . قال: جميعًا
(1)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} . يعنى: جميعًا
(2)
.
ووحَّد "اللفيفَ" وهو خبرٌ عن الجميعِ؛ لأنه بمعنى المصدرِ، كقولِ القائلِ: لَففْتُه لفًّا ولَفيفًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وبالحقِّ أنزَلْنا هذا القرآنَ. يقولُ: أَنزَلْناه نأمرُ فيه بالعدل والإنصافِ والأخلاقِ الجميلةِ، والأُمورِ المُسْتَحسَنةِ الحميدَةِ، ونَنْهى فيه عن الظُّلِمِ والأُمورِ القبيحةِ، والأخلاقِ الرديةِ، والأفعالِ الذَّميمةِ، {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ}. يقولُ: وبذلك نزَل مِن عندِ الله على نبيِّه محمدِ صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وما أرسَلْناك يا محمدُ إلى من أرسَلْناك إليه من عبادِنا، إلا مبشِّرًا بالجنَّة من أطاعَنا، فانتهَى إلى أمْرِنا ونَهْينا، ومنذرًا من عصانا وخالَفَ أَمْرَنا ونَهْيَنا.
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ} . اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمْصارِ: {فَرَقْنَاهُ} . بتخفيفِ الراءِ من {فَرَقْنَاهُ} . بمعنى: أَحْكَمناه وفصَّلْناه وبيَّناه.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 391.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 125.
وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه بتشديدِ الراءِ: (فَرّقْناه)
(1)
. بمعنى: نزَّلناه شيئًا بعدَ شيءٍ، آيةً بعدَ آيةٍ، وقصةً بعد قصةٍ.
وأولى القراءتين بالصواب عندَنا القراءةُ الأولى؛ لأنَّها القراءةُ التي علَيها الحُجَّةُ مُجمِعةٌ، ولا يجوزُ خلافُها فيما كانت عليه
(2)
مجمِعَةً مِن أمرِ الدينِ والقرآنِ.
فإذ كان ذلك أولى القراءَتَين بالصوابِ، فتأويلُ الكلامِ: وما أرسَلْناك إلا مبشرًا ونذيرًا، وفصَّلْناه قرآنًا
(3)
، وبيَّنّاه وأحْكَمناه لتقرَأه على الناسِ على مكْثٍ.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} . يقولُ: فصَّلْناه
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن
(5)
الرَّبيع، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنَّه قرَأ:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} . مخفَّفًا، يعنى: بيَّناه
(6)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} . قال: فصَّلْناه.
(1)
هي قراءة شاذة.
(2)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(3)
في ص: "قرأناه".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن المنذر.
(5)
بعده في م: "أبي".
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّرِ، قال: ثنا عبادٌ، يعني ابنَ راشدٍ، عن داودَ، عن الحسنِ أنَّه قرَأ:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} . خفَّفها: فرَق الله به
(1)
بينَ الحقِّ والباطلِ
(2)
.
وأما الذين قرَءوا القراءةَ الأُخرى، فإنَّهم تأوَّلوا ما قد ذكَرتُ من التأويل.
ذكرُ مَن قال ما حكَيْتُ من التأويل عن قارئ ذلك كذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَؤُها: (وَقُرْآنًا فَرَّقْناه). مثقَّلَةً، يقولُ: أُنزِل آيةً آيةً
(3)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال، قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدْرِ، ثم أُنزِل بعدَ ذلك في عشرين سنةً، قال:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]. (وقُرْآنا فَرَّقْناه لِتَقْرأه على النَّاسِ على مُكْثٍ ونَزَّلْناه تَنْزِيلًا)
(4)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:(وَقُرْآنًا فَرَّقْناه). [قال: أُنزِل مُفَرَّقًا]
(5)
، لم ينزلْ جميعًا، وكان بينَ
(1)
سقط من: م.
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 135، والقرطبي في تفسيره 10/ 339.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر.
(4)
أخرجه البيهقى في الدلائل 7/ 131، 132 من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه النسائي في الكبرى (7989، 7990)، والحاكم 2/ 368 من طرق عن داود بن أبي هند به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(5)
في م، ت 1، ت 2، ف:"لتقرأه على الناس".
أوَّله وآخرِه نحوٌ مِن عشرين سنةً
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وقُرْآنًا فَرَّقْناه). قال: فرَّقه، لم ينزِّلْه جميعًا
(2)
. وقرأ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} . حتى بلغ: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 32، 33]: يَنقُضُ عليهم ما يأتُون به
(3)
.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفة يقولُ
(4)
: نُصِب قولُه: {وَقُرْآنًا} . بمعنى: ورحمةً. ويتأوَّلُ ذلك: وما أَرْسَلْناك إلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ورحمةً. ويقولُ: جاز ذلك لأن القرآن رحمةٌ.
ونصْبُه
(5)
على الوجْهِ الذي قُلناه أولى، وذلك كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39].
وقوله: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} . يقولُ: لتقرَأَه على الناسِ على تُؤَدةٍ، فتُرتِّلَه وتبيِّنَه، ولا تعجَلْ في تلاوتِه فلا يُفْهَمَ عنك.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 391.
(2)
في م: "جميعه".
(3)
ينظر التبيان 6/ 530.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 2/ 132.
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"نصب".
المُكْتِبِ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: رجلٌ قرَأ "البقرةَ" و "آلَ
(1)
عمرانَ"، وآخرُ قرَأ "البقرةَ"، وركُوعُهما وسجودُهما واحدٌ، أيُّهما أفضَلُ؟ قال: الذي قرَأ "البقرةَ". وقرأ: ? {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}
(2)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} . يقولُ: على تأييدٍ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَلَى مُكْثٍ} . قال: على تَرَسُّلٍ
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ
(5)
قوله: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} . قال: في تَرَسُّلٍ
(6)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} . قال: التفسيرُ الذي قال الله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}
(1)
في ص، ت 1، ت 2:"آخر"، وفى ف:"آخر آل".
(2)
أخرجه أبو عبيد في فضائله ص 75 عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 521، 10/ 526 من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4188) عن معمر أن رجلا سأل مجاهدا. فذكره بزيادة في آخره وستأتى.
(3)
في ت 1: "تأبد"، وفى ت:2 "تأبيد"، وفى الدر المنثور:"بأمد".
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن المنذر.
(4)
في م: "ترتيل".
والأثر في تفسير مجاهد ص 443، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
بعده في ت 2: "عن مجاهد".
(6)
في م: "ترتيل".
[المزمل: 4]: تفسيره.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبيدٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} : على تُؤَدةٍ
(1)
.
وفى "المُكْثِ" للعربِ لغاتٌ: مُكْثٌ، ومَكْثُ، ومِكْثٌ، ومِكِّيثَى مقصورٌ، ومُكْثانًا، والقراءةُ بضمِّ الميم.
وقوله: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فرَّقنا تنزيلَه، وأنزَلناه شيئًا بعدَ شيءٍ.
كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليه، قال: حُدِّثْنا عن أبي رجاءٍ، قال: تلا الحسن: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} . قال: كان الله تبارك وتعالى ينزِّلُ هذا القرآنَ بعضَه قبلَ بعضٍ، لِمَا علِم أنَّه سيكونُ ويحدُثُ في الناسِ، لقد ذُكر لنا أنَّه كان بينَ أوّلِه وآخرِه ثمانىَ عشْرةَ سنةً. قال: فسألتُه يومًا على سُخطةٍ، فقلتُ: يا أبا سعيد: (وقُرآنًا فَرَّقْناه). فثقَّلَها أبو رجاءٍ، فقال الحسنُ: ليس (فَرَّقْناه) ولكن {فَرَقْنَاهُ} . فقرَأ الحسنُ مخفَّفةً. قلتُ: مَن يُحدَّثك هذا يا أبا سعيدٍ؟ أصحابُ محمدٍ؟ قال: فمَنْ يُحدِّثُنيه؟! قال: أُنزِل عليه بمكةَ قبلَ أن يُهاجرَ إلى المدينةِ ثمانىَ سنين، وبالمدينةِ عشْرَ سنين.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} : لم ينزَّلْ في ليلةٍ ولا ليلتين، ولا شهرٍ ولا شَهرين، ولا سنةٍ ولا سنتين، ولكنْ كان بين أوَّلِه وآخِرِه عشرون سنةً، وما شاء الله مِن ذلك
(2)
.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 391.
(2)
أخرجه ابن الضريس في فضائله (125) من طريق يزيد به.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: كان يقولُ
(1)
: أُنزِل على نبيِّ الله القرآنُ ثمانىَ سنين، وعشرًا بعدَما هاجَر. وكان قتادةُ يقولُ: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينةِ
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90]: آمِنوا بهذا القرآنِ الذي لو اجتمَعت الإنسُ والجنُّ على أن يأْتُوا بمثلِه، لم يأْتُوا به ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا، أو لا تؤمِنوا به، فإن إيمانَكم به لن يزيدَ في خزائنِ رحمةِ الله، ولا ترْكَكم الإيمانَ به ينقُصُ ذلك، وإن تكفُروا به، فإن الذين أُوتوا العلمَ بالله وآياتِه مِن قبلِ نزولهِ من مؤمنى أهلِ الكتابين، إذا يُتلَى عليهم هذا القرآنُ يَخِرُّون؛ تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنَّه مِن عندِ اللَّهِ، لأذقانِهم سُجَّدًا بالأرضِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عنَى الله بقولِه: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} ؛ فقال بعضُهم: عنَى به الوجوهَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
(1)
في فضائل ابن الضريس: "يقال".
(2)
أخرجه ابن الضريس في فضائله (126) من طريق يزيد به.
قولَه: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} . يقولُ: للوجوهِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} . أي: للوجوهِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه
(2)
.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك اللِّحَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ في: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} . قال: للِّحَى
(3)
.
وقوله: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ هؤلاءِ الذين أُوتُوا العلمَ مِن قبلِ نزولِ هذا القرآنِ، إذا خرُّوا للأذقانِ سُجودًا عندَ سَماعِهم القرآنَ يُتْلَى عليهم: تنزِيهًا لربِّنا وتَبْرِئةً له مما يُضيفُ إليه المشركون به، ما كان وعدُ ربِّنا من ثوابٍ وعقابٍ، إلا مفعولًا حقًّا يقينًا؛ إيمانٌ بالقرآنِ وتصديقٌ به.
والأذقانُ في كلامِ العربِ: جمعُ ذَقَنٍ، وهو مَجمَعُ اللَّحْيَيْنِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذى قال الحسنُ في ذلك أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ.
وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 392.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 392.
الذين عُنوا بقولِه: {أُوتُوا الْعِلْمَ} . وفي: {يُتْلَى عَلَيْهِمْ} .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} إلى قوله: {خُشُوعًا} . قال: هم ناسٌ من أهلِ الكتابِ، حينَ سمِعوا ما أنزَل الله على محمدٍ، قالوا:{سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا}
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} من قبلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} ما أُنزِل إليهمِ من عندِ اللَّهِ، {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا}
(2)
.
وقال آخرون: عُنِي بقولِه: {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} : محمدٌ صلى الله عليه وسلم
(3)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه:{إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} : كِتابُهم
(4)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(3)
يظهر من السياق أن هناك سقطًا كبيرًا؛ فقد أورد الطبرى أثرين في اختلاف أهل التأويل في قوله: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} ، لا لاختلافهم في قوله:{أُوتُوا الْعِلْمَ} هذا ولم يذكر الطبري اختلاف المتأولين في قوله: {يُتْلَى عَلَيْهِمْ} .
(4)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"قال: وقال آخرون: محمد صلى الله عليه وسلم".
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 205، 206 إلى المصنف وابن المنذر عن مجاهد.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} : ما أُنزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ.
وإنما قلنا: عنَى بقولِه: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} : القرآنَ؛ لأنه في سياقِ ذكرِ القرآنِ، ولم يَجرِ لغيرِه مِن الكتبِ ذكرٌ، فيُصرَفَ الكلامُ إليه، ولذلك جُعلتِ الهاءُ التي في قولِه:{مِنْ قَبْلِهِ} . مِن ذكرِ القرآنِ؛ لأن الكلامَ بذكرِه جرَى قبلَه، وذلك قوله:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} . وما بعدَه في سياقِ الخبرِ عنه، فلذلك وجَبت صحةُ ما قلنا، إذا لم يأتِ بخلافِ ما قلنا فيه حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ويخِرُّ هؤلاء الذين أُوتوا العلمَ من مؤمنى أهلِ الكتابين من قبلِ نزولِ الفرقانِ، إذا يُتلَى عليهم القرآنُ، لأذقانِهم يبكُون، ويزيدُهم ما في القرآنِ من المواعظِ والعبرِ {خُشُوعًا}. يعنى: خضوعًا لأمرِ الله وطاعتِه، واستكانةً له.
حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أَخبَرنا مِسْعَرٌ، عن عبدِ الأعلى التّيميّ، أنَّ مَن أُوتِيَ مِن العلم ما لم يُبكِه، لخليقٌ ألَّا يكونَ أُوتِىَ علمًا يَنْفَعُه؛ لأنَّ اللَّهَ نعَت العلماءَ فقال:{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} الآيتين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن مِسْعَرِ بن كِدَامٍ، عن عبدِ الأعلى التيميِّ بنحوِه، إَّلا أنه قال: {إِذَا
يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ}. ثم قال: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ} الآية
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} . قال: هذه جوابٌ وتفسيرٌ للآيةِ التي في "كهيعص": {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل يا محمدُ لمشركي قومِك المنكرين دعاءَ الرحمنِ: {ادْعُوا اللَّهَ} أيُّها القومُ، {أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} ، بأيِّ أسمائِه جل جلاله تَدْعُون ربَّكم، فإِنَّما تَدْعُون واحدًا، وله الأسماء الحُسْنى. وإنما قيل ذلك له صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ المشركين - فيما ذُكِر - سمِعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعُو ربَّه:"يا ربَّنا الله، ويا ربَّنا الرحمن"
(2)
. فظنُّوا أنه يدعو إلهين، فأنزَل الله على نبيّه عليه السلام هذه الآية احتجاجا لنبيِّه عليهم.
ذكرُ الروايِة بما ذكَرنا
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن واقدٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم ساجدًا يدعو: "يا رحمنُ، يا رحيمُ". فقال المشركون: هذا يَزْعُمُ أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنَى مثنَى. فأنزَل الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ
(1)
الزهد لابن المبارك ص 30 (124)، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 5/ 88، وابن أبي شيبة 13/ 542 وأبو نعيم في حلية الأولياء 5/ 88، من طرق عن مسعر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 206، إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"رحمن".
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} الآية
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتهجَّدُ بمكةَ ذاتَ ليلةٍ، يقولُ في سجودِه:"يا رحمنُ، يا رحيمُ". فسمِعه رجلٌ من المشرِكين، فلمَّا أصبَح قال لأصحابِه: انظُروا ما قال ابن أَبي كَبْشَةَ، يدعُو
(2)
الليلةَ الرحمنَ الذي باليمامةِ
(3)
. وكان باليمامةِ رجلٌ يقالُ له: رحمنُ. فنزَلت: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} .
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَيًّا مَا تَدْعُوا} : بشيءٍ مِن أسمائِه
(5)
.
حدَّثني موسى بن سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكارٍ البصريُّ، قال: ثنى حمادُ بنُ عيسى بن عَبيدةَ بن الطُّفيلِ الجُهَنيُّ، قال: ثنا ابن جريجٍ، عن عبدِ العزيز بن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ للهِ تسعَةً وتسعين اسمًا كلُّهن في القرآنِ، مَن
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 206، إلى المصنف وابن مردويه.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف، والدر:"يزعم".
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف، والدر:"اليمن".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 126 بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 206 إلى المصنف.
(5)
تفسير مجاهد ص 443، من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 206 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
أحصَاهن دخَل الجنَّةَ"
(1)
.
قال أبو جعفرٍ: ولدخولِ {مَا} في قولِه: {أَيًّا مَا تَدْعُوا} . وجهان؛ أحدُهما: أن تكون صلةً، كما قيل:{عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون: 40]، والآخرُ: أن تكونَ في معنى أيِّ
(2)
، كُرِّرت لمَّا اختلَف لفظاهما، كما قيل: ما إن رأيتُ كالليلةِ ليلةً.
وقولُه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} .
اختلَف أهلُ التأويلِ في "الصلاةِ"؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: ولا تجهَرْ بدُعائِك ولا تُخافِتْ به، ولكنْ بينَ ذلك. وقالوا: عنَى بالصلاةِ في هذا الموضعِ الدعاءَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يحيى بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قالت: في الدُّعاءِ
(3)
.
حدَّثنا ابن
(4)
بشارٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ
(3)
.
(1)
تقدم تخريجه من طريق آخر عن أبي هريرة في 10/ 596، كما أخرجه الطبراني في الأوسط (4070)، من طريق محمد بن بكار عن حماد بن عيسى.
(2)
سقط من ص، ت 1، ت 2، ف، وفى م:"إن" والمثبت من معاني القرآن 2/ 133.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 440، 10/ 404، والبخارى (4723، 6327، 7526)، ومسلم (447/ 146)، والبزار (2228 - كشف من طرق عن هشام بن عروة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 207 إلى سعيد بن منصور، وابن نصر، وابن مردويه، وأبي داود في الناسخ.
(4)
سقط من: م.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَه
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عَبّادُ بنُ العوّامِ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: كانوا يَجْهَرون بالدعاءِ، فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ أَمِروا أَلّا يَجْهَرُوا، ولا يُخافِتوا
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن مالكٍ النُّكْرِيِّ
(3)
، عن أبي الجَوزاءِ، عن عائشةَ، قالت: نزَلت في الدعاءِ.
حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيّاضٍ، عن أبي عِياضٍ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: الدعاءُ
(4)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الهَجَرِيِّ
(5)
، عن أبي عِياضٍ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: نزَلت في الدعاءِ
(6)
.
(1)
تفسير سفيان الثورى ص 175.
(2)
أخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في مختصر الإتحاف 8/ 388 (6473)، والمطالب العالية 8/ 606 (4034) - عن عباد بن العوام به وقال البوصيرى: إسناد حسن. كما أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 441، عن ابن فضيل عن أشعث به.
(3)
في ص، م، ت 2، ف:"البكرى". و ينظر تهذيب الكمال 22/ 211.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 440، 10/ 404 بسنده عن أبي عياض به.
(5)
في ص، ت 2، ف:"الجهرى"، وفي ت 1:"الحميرى". وينظر تهذيب الكمال.
(6)
تفسير سفيان ص 176.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شريكٌ، عن زيادِ بن فَيَّاضٍ، عن أبي عِياضٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عمن ذكَره، عن عطاءٍ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: نزَلت في الدعاءِ
(1)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: في الدعاءِ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} : في الدعاءِ والمسألةِ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلت في الدعاءِ والمسألةِ
(4)
.
(1)
تفسير سفيان الثورى ص 176، عن سالم عن عطاء نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 440، 10/ 404 بسنده عن عطاء.
(2)
أخرجه البغوي في الجعديات (266)، وابن أبي شيبة 2/ 441 من طريق شعبة به.
(3)
تفسير مجاهد ص 443.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 405 بسنده عن مجاهد.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثني سفيانُ، قال: ثني قيسُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: في الدعاءِ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَيَّاشٍ
(2)
العامريِّ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: كان أعرابٌ إذا سلَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهمَّ ارزُقْنا إبلًا وولدًا. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ}
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: في الدعاءِ
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} الآية. قال: في الدعاءِ والمسألةِ
(5)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن مكحولٍ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: ذلك في الدعاءِ
(6)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 128، والطوسي في التبيان 6/ 534.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"عباس". وهو تصحيف، وفى م:"ابن عياش". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 22/ 560.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 441، من طريق سفيان عن عياش العامرى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 207 إلى ابن المنذر.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 393.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 128، والطوسي في التبيان 6/ 534.
(6)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 138، وابن كثير في تفسيره 5/ 128.
وقال آخرون: عنَى بذلك الصلاةَ. واختلَف قائلو هذه المقالةِ في المعنَى الذي عنَى بالنهيِ عن الجهرِ به منها؛ فقال بعضُهم: الذي نهَى عن الجهرِ به منها القراءةُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ. عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم متوارٍ: {لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: كان إذا صلَّى بأصحابِه رفَع صوتَه بالقرآنِ، فإذا سمِع ذلك المشركون سبُّوا القرآنَ ومَن أنزَله، ومَن جاء به. قال: فقال اللهُ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} فيسمَع المشركونَ، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [عن أصحابِك]
(1)
، فلا تُسْمِعَهم القرآنَ حتى يأخُذُوا عنك
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا جهَر بالصلاةِ بالمسلمين بالقرآنِ، شقَّ ذلك على المشركين إذا سمِعوه، فيُؤْذُون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالشتْمِ والعَيبِ به، وذلك بمكةَ، فأنزَل اللهُ: يا محمدُ: {لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} . يقولُ: لا تُعلِنْ بالقراءةِ بالقرآنِ إعلانًا شديدًا يَسمعُه المشرِكون فيُؤْذُونك، ولا تُخافِتْ بالقراءةِ بالقرآنِ. يقولُ: لا تخْفِضْ صوتَك حتى لا تُسْمِعَ أُذنيْك، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}. يقولُ: اطلُبْ بينَ الإعلانِ والجهرِ، وبينَ التخافُتِ والخفضِ طريقًا، لا
(1)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(2)
أخرجه أحمد 1/ 95 (155) 3/ 352 (1853)، والبخارى (4722، 7490، 7525، 7547)، ومسلم (446)، والترمذى (3146)، والنسائي (1010)، والبغوى في تفسيره 5/ 137، من طرق عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 206 إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه.
جهرًا شديدًا، ولا خفضًا لا تُسْمِعُ أُذُنيك، فذلك القَدْرُ، فلما هاجَر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ سقط هذا كلُّه، يفعَلُ الآنَ أيِّ ذلك شاء
(1)
.
حُدِّثتُ عن الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} الآية: هذا ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمكةَ، كان إذا صلَّى بأصحابِه فرفَع صوتَه بالقراءةِ أسمع المشركين فآذَوْه، فأمَره اللهُ ألَّا يرفَعَ صوتَه فيُسْمِعَ عدوَّه، ولا يُخافتَ فلا يُسْمِعَ مَن خلفَه من المسلمين، فأمرَه اللهُ أن يبتغيَ بينَ ذلك سبيلًا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يرفَعُ صوتَه بالقرآنِ، فكان المشركون إذا سمِعوا صوتَه سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخْفِي القرآنَ فما يَسْمَعُه أَصحابُه، فأنزَل اللهُ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شَقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن الأعمشِ،، عن جعفرٍ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا رفَع صوتَه [وسَمِع]
(3)
المشركون، سبُّوا القرآنَ ومَن جاء به، وإذا خفَض لم يُسْمِعْ أصحابَه، قال اللهُ:{وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} .
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 207 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
أخرجه النسائي (1011) من طريق جرير به، والطبراني (12454) من طريق الأعمش به.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"سمع".
داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا جهرَ بالقرآنِ وهو يُصلِّى تفرَّقوا وأبَوْا أن يَسْتَمِعوا منه، فكان الرجلُ إذا أراد أن يَسْتمِعَ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعضَ ما يتلُو وهو يُصلِّى، استرَق السمعُ دونَهم فَرَقًا منهم، فإن رأَى أنَّهم قد عرَفوا أنه يَستمِعُ، ذهَب خشيةَ أذاهم فلم يَسْتَمِعه، فإن خفَض رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صوته، لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأَنزَلَ اللهُ عليه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} فيتفرَّقوا عنك، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} فلا تُسْمِعَ مَن أراد أن يَسمَعَها ممن يسترِقُ ذلك دونَهم، لعلَّه يَرْعَوِى إلى بعضِ ما يَسْمَعُ فيَنْتَفِعَ به، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يجهَرُ بقراءةِ القرآنِ في المسجدِ الحرامِ، فقالتْ قريشٌ: لا تجهَرْ بالقراءةِ فتُؤْذِيَ آلهتَنا فنهجُو ربَّك. فأنزَل اللهُ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} الآية
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: نزَلت على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو مُخْتفٍ بمكةَ، فكان إذا صلَّى بأصحابِه رفَع الصوتَ بالقرآنِ، فإذا سمِعه المشرِكون سبُّوا القرآنَ ومَن أنزَله ومَن جاء به، فقال اللهُ لنبيِّه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} . أي: بقراءتِك، فيسمَعَ المشركون فيسُبُّوا القرآنَ، {وَلَا تُخَافِتْ
(1)
أخرجه ابن إسحاق من كتاب المبتدأ والمبعث ص 186، ومن طريقه أخرجه الطبراني (11574)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 206، إلى ابن مردويه.
(2)
أخرجه الترمذى (3145)، من طريق شعبة عن جعفر أبى بشر به، ووقع في سنن الترمذى (عن سعيد عن ابن عباس موصولا) وهو خطأ فالحديث وصل من رواية ابن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في تحفة الأحوذي 4/ 139، وتحفة الأشراف 4/ 1797 (5451).
بِهَا} عن أصحابِك فلا تُسمِعَهم، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: في القراءةِ
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا رفَع صوتَه أعجبَ ذلك أصحابه، وإذا سمِع ذلك المشرِكون سبُّوه، فنزَلت هذه الآيةُ
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، سلَمةَ بن
(4)
علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: نُبِّئْتُ أن أبا بكرٍ كان إذا صلَّى فقرَأ، خفَض صوتَه، وأَنَّ عمرَ كان يَرْفَعُ صوتَه. قال: فقيل لأبي بكرٍ: لم تَصْنَعُ هذا؟ فقال: أُناجي ربي، وقد علِم حاجتي. قيل: أحْسَنْتَ. وقيل لعمرَ: لم تَصْنَعُ هذا؟ قال: أطرُدُ الشيطانَ، وأُوقِظُ الوَسْنانَ. قيل: أحْسَنْتَ. فلما نزَلت: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} . قيل لأبي بكرٍ: ارفَعْ شيئًا. وقيل لعمرَ: اخفِضْ شيئًا
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ، عن إبراهيمَ الصائغِ، عن عطاءٍ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال:
(1)
أخرجه النسائي (1010) عن يعقوب بن إبراهيم به، ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة (1587).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 440 من طريق سفيان عن قيس بن مسلم عن سعيد به.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 440 من طريق أبي بشر به.
(4)
في النسخ: "عن"، والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر تهذيب الكمال 11/ 298.
(5)
أخرجه البيهقى في الشعب (2612) بسنده عن ابن سيرين، وذكره ابن كثير 5/ 127 في تفسيره نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 207، إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
يقولُ ناسٌ: إنَّها في الصلاةِ. ويقولُ آخرون: إنَّها في الدُّعاءِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} : وكان نبيُّ اللهِ وهو بمكةَ، إذا سمِع المشركون صوتَه رمَوْه بكلِّ خبثٍ، فأمَره اللهُ أن يَغُضَّ مِن صوتِه، وأن يجعَلَ صلاتَه بينَه وبينَ ربَّه، وكان يقالُ: ما سمِعَته أذنُك فليس بمُخافتةٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يرفَعُ صوتَه بالصلاةِ فيُرْمَى بالخبثِ. فقال: لا تَرْفَعْ صَوْتَك فَتُؤْذَى، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}
(2)
.
وقال آخرون: إنما عَنى بذلك: ولا تجهَرْ بالتشهُّدِ
(3)
في صلاتك، ولا تُخافِتْ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَلت هذه الآيةُ في التشهدِ
(4)
: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}
(5)
.
(1)
ينظر ما تقدم تخريجه ص 127.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 392.
(3)
في ص، ف:"التشهيد"، وفي ت 2:"التشديد".
(4)
في ص، ف، ت 2:"التشهيد".
(5)
أخرجه ابن خزيمة (707) عن أبي السائب به، والعمرى - كما في الفتح 8/ 405 - والحاكم 1/ 230، من طريق حفص بن غياث به.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن ابن سيرين مثلَه. وزاد فيه: وكان الأعرابيُّ يَجْهَرُ فيقولُ: التحيَّاتُ اللهِ، والصلواتُ اللهِ. يرفَعُ فيها صوتَه، فنزَلت:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ}
(1)
.
وقال آخرون: بل كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصلِّى بمكةَ جِهارًا، فأُمِر بإخْفائِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في "بني إسرائيلَ": {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} : وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى يَجْهَرُ بصلاتِه، فآذَى ذلك المشركين بمكةَ، حتى أخفَى صلاتَه هو وأصحابُه، فلذلك قال:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} . وقال في "الأعرافِ": {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205].
وقال آخرون: معنى ذلك: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} : تُحْسِنُها مِن إتيانِها في العَلانيةِ، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}: تُسِيئُها
(2)
في السريرةِ
(3)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . أي: لا تُراءِ بها علانيةً، ولا تُخْفِها
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 128.
(2)
في ت 1، ف:"تحسنها"، وفي ت 2:"تخفيها".
(3)
في ت 1، ت 2، ف:"الشهرة".
سرًّا، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: لا تُحْسِنْ علانيتَها، وتُسِيءَ سريرتَها
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: لا تُراءِ بها في العلانيةِ، ولا تُخْفِها
(3)
في السريرةِ (1).
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْرَقيُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن منصور، عن الحسنِ:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: تُحْسِنُ علانيتَها وتُسيءُ سريرتَها (1).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . قال: لا تُصَلِّ مُراءاةَ الناسِ، ولا تَدَعْها مخافةً
(4)
.
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} . قال: السبيلُ بينَ ذلك؛ الذي سنَّ له جبريلُ مِن الصلاةِ التي عليها المسلمون. قال: وكان
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 128.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 393.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"تحسنها".
(4)
أخرجه الطبراني (13029)، من طريق عبد الله به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 207 إلى ابن أبي حاتم.
أهلُ الكتابِ يُخافِتون، ثم يَجهَرُ أحدُهم بالحرفِ فيَصيحُ به، ويَصيحُون هم به وراءَه، فنهاه أن يَصيحَ كما يَصيحُ هؤلاء، وأن يُخافِتَ كما يُخافتُ القومُ، ثم كان السبيلُ الذي بينَ ذلك، الذي سنَّ له جبريلُ من الصلاةِ
(1)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصِّحة ما ذكَرنا عن ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رَواه أبو بشرٍ
(2)
، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ؛ لأنَّ ذلك أصحُّ الأسانيدِ التي رُوِى عن صحابيٍّ فيه قولٌ مخرَّجًا، وأشبهُ الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أنَّ قولَه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} ، عَقِيبَ قولِه:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . وعَقيبَ تَقْريعِ الكفارِ بكُفرِهم بالقرآنِ، وذلك بُعْدُهم منه ومن الإيمانِ. فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى وأشبهُ بقولِه:{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} . أن يكونَ من سببِ ما هو في سياقِه من الكلامِ، ما لم يأْتِ بمعنًى يُوجِبُ صرفَه عنه، أو يكونَ على انصرافِه عنه دليل يُعلَمُ به الانصرافُ عمَّا هو في سياقِه.
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قلِ ادعُوا الله أو ادعوا الرحمنَ، أيًّا ما تدعوا فله الأسماءُ الحُسنى، ولا تَجهَرْ يا محمدُ بقراءتِك في صلاتِك ودعائِك فيها ربَّك، ومسألتِك إيَّاه، وذكرِك فيها، فيؤذِيَكَ بجهرِك بذلك المشركون، ولا تُخافِتْ بها فلا تُسمِعَها أصحابُك، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} . ولكن التمسْ بينَ الجهرِ والمخافتةِ طريقًا إلى أن تُسمِعَ أصحابَك، ولا تُسمِعَه المشركون فيؤذُوك.
ولولا أن أقوالَ أهلِ التأويلِ مضَتْ بما ذكَرتُ عنهم من التأويلِ - وإنا لا
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 128.
(2)
في م، ت 2، ف:"جعفر". وأبو بشر هو جعفر بن إياس.
نَستجِيزُ خِلافَهم فيما جاء عنهم - لكان وجهًا يحتمِلُه التأويلُ أن يقالَ: ولا تَجهَرْ بصلاتِك التي أمَرناك بالمُخافَتةِ بها، وهى صلاةُ النهارِ؛ لأَنَّها عَجْمَاءُ لا يُجهَرُ بها، ولا تُخافِتْ بصلاتِك التي أمَرناك بالجهرِ بها، وهى صلاةُ الليلِ، فإِنَّها يُجهَرُ بها، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} بأن تَجْهَرَ بالتي أمَرناك بالجهرِ بها، وتُخافِتَ بالتي أمَرناك بالمُخافتةِ بها، لا تَجَهَرْ بجميعِها، ولا تُخافِتْ بكلِّها - فكان ذلك وجهًا غيرَ بعيدٍ من الصحةِ، ولكنَّا لا نَرى ذلك صحيحًا؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على خلافِه.
فإن قال قائلٌ: فأيةُ قراءةٍ هذه التي بينَ الجهرِ والمخافتةِ؟
قيل: حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا قتيبةُ ووهبُ بنُ جريرٍ، قالا: ثنا شعبةُ، عن الأشعثِ بن سُليمٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: لم يُخافِتْ مَن أَسْمَع أُذُنيْه
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأشعثِ، عن الأسود بن هلالٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} فيكونَ مربوبًا لا ربًّا؛ لأنَّ ربَّ الأربابِ لا يَنْبَغى أن يكونَ له ولدٌ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} فيكونَ عاجزًا ذا حاجةٍ إلى معونةِ غيرِه ضعيفًا، ولا يكونُ إلهًا من كان محتاجًا إلى مُعينٍ على ما حاول، ولم يكنْ منفردًا بالمُلكِ
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 440، من طريق الأشعث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 208 إلى المصنف.
والسلطانِ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ}. يقولُ: ولم يكنْ له حليفٌ حالَفه مِن الذُّلِّ الذي به؛ لأنَّ مَن كان ذا حاجةٍ إلى نُصرةِ غيرِه، فذليلٌ مَهِينٌ، ولا يكونُ مَن كان ذليلًا مهينًا
(1)
يحتاجُ إلى ناصرٍ إلهًا يُطاعُ، {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}. يقولُ: وعظِّمْ ربَّك يا محمدُ بما أمَرناك أن تُعَظِّمَه به من قولٍ وفعلٍ، وأطعْه فيما أمَرك ونَهاك.
وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} . قال: لم يُحالِفْ أحدًا، ولا يَبتَغِى نصرَ أحدٍ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يُعلِّمُ أهلَه هذه الآيةَ: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الصغيرَ مِن أهلِه والكبيرَ
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، قال: ثنا أبو الجنيدِ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنَّ التوراةَ كلَّها في خمسَ عشْرةَ آيةً من "بني إسرائيلَ". ثم
(1)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(2)
تفسير مجاهد ص 444، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 208 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي عاصم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 208 إلى المصنف.
تلا: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}
(1)
[الإسراء: 39].
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} الآية. قال: إِنَّ اليهودَ والنصارى قالوا: اتَّخذ اللهُ ولدًا. وقالت العربُ: لبَّيك لبيك، لا شريكَ لك، إلا شريكًا هو لك. وقال الصابئون والمجوسُ: لولا أولياءُ اللهِ لذلَّ اللهُ. فأنزَل اللهُ: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ} أنتَ يا محمدُ على ما يقولون {تَكْبِيرًا} .
آخرُ تفسيرِ سورةِ "بني إسرائيلَ"، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 208 إلى المصنف.
تفسيرُ سورةِ الكهفِ
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} .
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: الحمدُ للهِ الذي خصَّ برسالتِه محمدًا وانتخَبه لبلاغِها عنه، إلى خلقِه نبيًّا مرسلًا، وأنزَل عليه كتابًا قيِّمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا.
وعنى بقولِه عزَّ ذكرُه {قَيِّمًا} : مُعتدِلًا مُستقيمًا.
وقيل: عنَى به، أنه قيِّمٌ على سائرِ الكتبِ، يُصدِّقُها ويَحفَظُها.
ذكرُ مَن قال: عنَى به: مُعتدِلًا مُستقيمًا
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} . يقولُ: أَنزَل الكتابَ عدْلًا قيِّمًا، ولم يَجعَلْ له عِوَجًا
(1)
.
فأخبَر
(2)
ابن عباسٍ بقولِه هذا بيانِه معنى "القيِّمِ"، أن "القيِّمَ" مؤخَّرٌ بعدَ قولِه:{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} . ومعناه التقديمُ، بمعنى: أنزلَ الكتابَ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
بعده في ص: "عن".
على عبدِه قيِّمًا.
حُدِّثْتُ عن محمدِ محمدِ بن يزيدَ
(1)
، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{قَيِّمًا} . قال: مستقيمًا
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا} . أي: معتدلًا لا اختلافَ فيه
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} . قال: أنزَل اللهُ الكتابَ قيمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} ، قال: وفي بعضِ القراءةِ
(5)
: (ولكنْ جَعَلَه قيِّمًا)
(6)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابن عباسٍ ومن قال بقولِه في ذلك؛ لدلالةِ قولِه: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} . فأخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه أنزَل الكتابَ الذي أنزَله إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم قَيِّمًا مستقيمًا لا اختلافَ فيه ولا تفاوتَ، بل بعضُه يُصَدِّقُ بعضًا، وبعضُه يَشْهَدُ لبعضٍ، لا عِوَجَ فيه، ولا ميلَ عن الحقِّ.
(1)
في م، ت 1، ت 2، ف:"زيد".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى ابن المنذر.
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 302.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 396.
(5)
في م: "القراءات".
(6)
ذكره الطوسي في التبيان 7/ 4. وقال أبو حيان في البحر المحيط 6/ 96: ويحمل ذلك على تفسير المعني، لا أنها قراءة.
وكُسِرتَ العينُ من قولِه: {عِوَجًا} ؛ لأن العرب كذلك تقولُ في كلِّ اعوِجاجٍ كان في دينٍ، أو فيما لا يُرَى شخصُه قائمًا
(1)
فيُدْرَكَ عِيانًا منتصبًا، كالعِوَج
(2)
في الدين، ولذلك كُسِرتِ العينُ في هذا الموضعِ، وكذلك العِوَجُ في الطريقِ؛ لأنه ليس بالشخْصِ المُنْتصِبِ. فأما ما كان من عَوجٍ في الأشخاصِ المنتصبةِ قيامًا، فإن عينَها تُفْتَحُ، كالعَوَجِ في القناةِ والخشبةِ ونحوِها.
وكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى قولِه: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} : ولم يَجْعَلْ له مُلْتَبَسًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} : ولم يَجْعَلْ له ملتبَسًا
(3)
.
ولا اختِلافَ أيضًا بينَ أهلِ العربيةِ في أنَّ معنى قولِه {قَيِّمًا} - وإن كان مؤخرًا - التقديمُ إلى جنبِ {الْكِتَابَ} .
وقيل: إنما افتتَح جلَّ ثناؤُه هذه السورةَ بذكر نفسِه بما هو له أهلٌ، وبالخبرِ عن إنزالِ الكتابِ على رسولِه؛ إخبارًا منه للمشركين من أهلِ مكةَ بأن محمدًا رسولُه صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المشركين كانوا سأَلوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن أشياء عَلَّمَهُمُوها اليهودُ من قريظةَ والنضيرِ، وأمَروهم بمسألتِهموها
(4)
، وقالوا: إِنْ أخبرَكم بها فهو نبيٌّ، وإن
(1)
بعده في ص: "فيه".
(2)
في م: "كالعاج".
(3)
تقدم تخريجه في ص 140.
(4)
في ت 1، ت 2، م:"بمسألتهموه عنها".
لم يُخْبِرُكم بها فهو مُتقوِّلٌ. فوعَدهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الجوابَ عنها موعدًا، فأبطَأ الوحيُ عنه بعضَ الإبطاءِ، وتأخَّر مجيءُ جبريلَ عليه السلام عنه عن ميعادِه [القومَ، فتحدَّث]
(1)
المشركون بأنه أخلَفهم موعده، وأنه مُتقوِّلٌ، فأنزَل اللهُ هذه السورةَ جوابًا عن مسائِلهم، وافتتَح أولَها بذكرِه، وتكذيبِ المشركين في أُحدوثَتِهم التي قد تحدَّثوها
(2)
بينهم.
ذكرُ [الروايةِ بذلك]
(3)
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني شيخٌ من أهلِ مصرَ، قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ -[قال أبو جعفرٍ: فيما أرَى أنا]
(4)
- قال: بعَثت قريشٌ النضْرَ بنَ الحارثِ وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ إلى أحبارِ يهودَ بالمدينةِ، فقالوا لهم: سَلُوهم عن محمدٍ، وصِفُوا لهم صِفَتَه، وأخبِرُوهم بقولِه؛ فإنهم أهلُ الكتابِ الأولِ، وعندَهم علمُ ما ليس عندَنا من علمِ الأنبياءِ. فخرَجا حتى قدِما المدينةَ، فسألُوا أحبارَ يهودَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ووصَفُوا لهم أمرَه وبعضَ قولِه، وقالا: إنكم أهلُ التوراةِ، وقد جِئْناكم لتُخْبِرُونا عن صاحبِنا هذا. قال: فقالت لهم أحبارُ يهودَ: سَلُوه عن ثلاثٍ نأمُرُكم بهنَّ، فإن أخبرَكم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسَلٌ، وإن لم يَفْعَلْ فالرجلُ متقوِّلٌ، فَرَوْا فيه رأيكم؛ سَلُوه عن فتيةٍ ذهَبُوا في الدهرِ الأولِ، ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديثٌ عجيبٌ، وسَلُوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، ما كان نبؤُه؟
(1)
في ص: "فتحدث القوم".
(2)
في ص: "تحدثوا".
(3)
في م: "من قال ذلك".
(4)
في م، ت 1، ت 2، ف:"فيما يروى أبو جعفر الطبرى".
وسَلُوه عن الرُّوحِ ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فإنه نبيٌّ فاتَّبِعُوه، وإن هو لم يُخْبِرْكم فهو رجلٌ متقوِّلٌ، فاصنَعُوا في أمرِه
(1)
ما بَدا لكم. فأقبَل النضْرُ وعقبةُ حتى قَدِما مكةَ على قريشٍ، فقالا: يا معشرَ قريشٍ، قد جئْناكم بفصلِ ما بينَكم وبينَ محمدٍ، قد أمرَنا أحبارُ يهودَ أن نسأَلَه عن أمورٍ. فأخبَرُوهم بها، فجاءُوا رسولَ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمدُ، أخبِرْنا. فسألُوه
(2)
عما أمَرُوهم به، فقال لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أُخْبِرُكم غدًا بما سأَلْتُم عنه". ولم يَسْتَثْنِ. فانصَرَفُوا عنه، فمكَث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خمسَ عشرة ليلةً لا يُحْدِثُ اللهُ إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتِيه جبريلُ عليه السلام، حتى أرجَف أهلُ مكةَ وقالوا: وعَدنا محمدٌ غدًا، واليومُ خمسَ عشرةَ قد أصبَحنا فيها لا يُخْبِرُنا بشيءٍ مما سأَلناه عنه. وحتى أحزَن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحيِ عنه، وشَقَّ عليه ما يَتكلَّمُ به أهلُ مكةَ. ثم جاءَه جبريلُ عليه السلام من اللهِ عز وجل بسورةِ أصحابِ الكهفِ، فيها معاتبتُه إياه على حزنِه عليهم، وخبرُ ما سألُوه عنه من أمرِ الفتيةِ، والرجلِ الطوَّافِ، وقولِ اللهِ عز وجل:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]. قال ابن إسحاقَ: فبلَغنى أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم افتتح السورةَ فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} . يعني محمدًا، إنك رسولى في تحقيقِ ما سألوا عنه من نبوَّتِه، {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا}. أي: معتدلًا، لا اختلافَ فيه
(3)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا
(3)}.
(1)
في ص: "أمركم".
(2)
في م: "فسألوهم".
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 302.
يقولُ تعالى ذكرُه: أنزَل على عبدِه القرآنَ معتدِلًا مستقيمًا لا عِوَجَ فيه، ليُنذركم أيها الناسُ بأسًا من اللهِ شديدًا. وعنَى بـ "البأسِ" العذابَ العاجلَ، والنَّكالَ الحاضرَ، والسطوةَ.
وقولُه: {مِنْ لَدُنْهُ} . يعنى: من عندِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمد بن إسحاق:{لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا}
(1)
: عاجِلَ عقوبةٍ في الدنيا، وعذابًا في الآخرةِ، {مِنْ لَدُنْهُ}. أي: من عندِ ربِّك الذي بعثَك رسولًا
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بنحوِه
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مِنْ لَدُنْهُ} .
أي: من عندِه
(3)
.
فإن قال قائلٌ: فأين مفعولُ قولِه: {لِيُنْذِرَ} ؟ فإنَّ مفعولَه محذوفٌ، اكْتُفِى بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه من ذكرِه، وهو مضمرٌ متصلٌ، بـ {لِيُنْذِرَ} قبلَ "البأسِ"، كأنه قال
(4)
: ليُنْذِرَكم بأسًا. كما قيل: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]. وإنما هو: يخوِّفُكم أولياءَه.
(1)
بعده في ص: "من لدنه شديدا".
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 302.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
في ص، ت 1، ف، م:"قيل".
وقولُه: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ: ويُبشِّرُ المصدِّقين الله ورسولَه، {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} . وهو العملُ بما أمَر اللهُ بالعملِ به، والانتهاءُ عما نهَى اللهُ عنه، {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا}. يقولُ: ثوابًا جزيلًا لهم من اللهِ على إيمانِهم باللهِ ورسولِه، وعملِهم في الدنيا الصالحاتِ من الأعمالِ، وذلك الثوابُ هو الجنةُ التي وُعِدها المتقون.
وقولُه: {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} . [يقولُ: لابثين فيه أبدًا]
(1)
خالدين، لا ينتقلُون عنه ولا يُنقَلُون.
ونصْبُ {مَاكِثِينَ} على الحالِ من قولِه: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} . في
(2)
هذه الحالِ، في حالِ مُكْثِهم في ذلك الأجرِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} . أي: في دارِ خُلدٍ لا يموتون فيها، الذين صدَّقوك بما جِئتَ به عن اللهِ، وعمِلوا بما أمَرْتُهم
(3)
.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا
(1)
سقط من: م.
(2)
في ص: "من".
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 302.
كَذِبًا (5)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويحذِّرُ
(1)
أيضًا محمدٌ القومَ الذين قالوا: اتَخَذَ اللهُ ولدًا من مشرِكي قومِه وغيرِهم، بأسَ اللهِ وعاجلَ نِقمَتِه وآجلَ عذابِه، على قيلِهم ذلك.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ:{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} : يعنى قريشًا في قولِهم: إنما نعبُدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللهِ
(2)
.
وقولُه: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} . يقولُ: ما لقائلي هذا القولِ - يعنى قولَهم: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} - {بِهِ} يعني: باللهِ، {مِنْ عِلْمٍ} .
والهاءُ في قولِه: {بِهِ} . من ذكْرِ اللهِ، وإنما معنَى الكلامِ: ما لهؤلاء القائلين هذا القولَ باللهِ - أنه
(3)
يجوزُ أن يكونَ له ولدٌ - من علمٍ، فلجهلِهم باللهِ وعظمتِه قالوا ذلك.
وقولُه: {وَلَا لِآبَائِهِمْ} . يقولُ: ولا لأسلافِهم الذين مضَوا قبلَهم على مثلِ الذي هم عليه اليومَ، كان لهم باللهِ وبعظمتِه علمٌ.
وقولُه: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} . اختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين والبصريين: {كَبُرَتْ كَلِمَةً} . بنصبِ {كَلِمَةً} . بمعنى: كبُرَت كلِمتُهم التي قالُوها كلِمةً. على التَّفسيرِ
(4)
. كما يُقالُ: نعم رجلًا عمرٌو، ونعمَ الرجلُ رجلًا قام، ونعمَ رجلًا قام.
(1)
في ت 1، ت 2، ف:"يحذركم".
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 302.
(3)
بعده في النسخ: "لا"، والمثبت ما يقتضيه السياق.
(4)
يريد بالتفسير هنا: التمييز. وينظر المصطلح النحوى ص 164.
وكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ
(1)
: نُصِبت {كَلِمَةً} ؛ لأنها في معنَى: أكْبِرْ بها كلمةً. كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]. وقال: هي في النَّصبِ مثلُ قولِ الشاعرِ
(2)
:
ولقد عَلِمتِ إذا اللقاحُ تروَّحتْ
…
هَدَجَ الرِّئالِ تكبُّهنَّ شَمالا
أي: تَكُبُّهنَّ الرياحُ شمالًا. فكأنَّه قال: كبُرَت تلك الكلمةُ.
وذُكِر عن بعضِ المكِّيِّين أنه كان يقرَأُ ذلك: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ). رفعًا
(3)
. كما يُقالُ: عَظُم قولُك، وكَبُر شأنُك. وإذا قُرِئَ ذلك كذلك لم يكنْ في قولِه:(كَبُرَتْ كَلِمَةٌ). مُضمرٌ، وكان صفةً للكلمةِ.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: {كَبُرَتْ كَلِمَةً} . نصبًا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ القرَأةِ عليها. فتأويلُ الكلامِ: عَظُمت الكلمةُ كلمةً تخرُجُ من أفْواهِ هؤلاء القومِ الذين قالوا: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا، والملائكةُ بناتُ اللهِ.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} : قولُهم: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ
(4)
.
وقولُه: {إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: ما يقولُ هؤلاء القائِلون: اتَّخَذ اللهُ ولدًا. بقيلِهم ذلك إلا كذبًا وفريةً افتَرَوْها على اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا
(1)
هو أبو عبيدة، كما ذكر أبو حيان في البحر المحيط 6/ 97.
(2)
تقدم تخريجه في 14/ 670.
(3)
القراءة شاذة، وقرأ بها يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبي إسحاق والثقفي والأعرج، بخلاف عنه، وعمرو ابن عبيد. المحتسب لابن جنى 2/ 24. وهى أيضًا قراءة مجاهد. تفسير القرطبي 10/ 353.
(4)
سيرة ابن هشام 1/ 302.
بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)}.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: فلعلَّك يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهلِكُها على آثارِ قومِك الذين قالوا لك: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90]. تمرُّدًا منهم على ربِّهم - إن هم لم يؤمِنوا بهذا الكتابِ الذي أنزَلتُه عليك فيُصدِّقوا بأنَّه من عندِ اللهِ، حزنًا وتلهُّفًا ووجْدًا، بإدبارِهم عنك، وإعراضِهم عمَّا أَتَيْتَهم به، وتَركِهم الإيمانَ بك. يُقالُ منه: بَخَعَ فلانٌ نفسَه يَبخَعُها بَخْعًا وبُخُوعًا. ومنه قولُ ذى الرُّمةِ
(1)
:
ألا أيُّهذَا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ
…
لِشَيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيهِ المَقَادِرُ
يريدُ: نحَّته. فخَفَّف.
وبنحو الذي قُلنا في [تأويلِ قولِه: {بَاخِعٌ}]
(2)
. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} . يقولُ: قاتلٌ نفسَك.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ مثلَه
(3)
.
وأمَّا قولُه: {أَسَفًا} . فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم:
(1)
ديوانه 2/ 1037.
(2)
في ص: "ذلك".
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 396، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
معناه: فلعلَّك باخِعٌ نفسَك إن لم يؤمِنوا بهذا الحديثِ غضَبًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} . أي: غَضَبًا.
وقال آخرون: جَزَعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{أَسَفًا} . قال: جزَعًا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: معناه: حُزْنًا عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَسَفًا} . قال: حُزْنًا عليهم
(2)
.
وقد بيَّنا معنى "الأسفِ" فيما مضَى من كتابِنا هذا بما أغنَى عن إعادتِه في هذا
(1)
تفسير مجاهد ص 445، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 396، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
الموضعِ
(1)
.
وهذه معاتبةٌ من اللهِ رسولَه
(2)
على وجْدِه بمُباعَدةِ قومِه إيَّاه فيما دَعاهم إليه من الإيمانِ باللهِ، والبراءةِ من الآلهةِ والأندادِ، وكان بهم رحيمًا.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} : يُعاتبُه على حُزنِه عليهم حينَ فاتَه ما كان يرجُو منهم، أي: لا تفعَلْ
(3)
.
وقولُه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: إنا جعَلنا ما على الأرضِ زينةً للأرضِ، {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. يقولُ: لنختبِرَ عبادَنا أيُّهم أترَكُ لها، وأتبعُ لأمرِنا ونهيِنا، وأعملُ فيها بطاعتِنا.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
(1)
تقدم في 13/ 293 - 295.
(2)
في م، ت 2، ف:"عز ذكره"، وفي ت 1:"جل ثناؤه".
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 302.
{مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} . قال: ما عليها مِن شيءٍ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} : ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "إِنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلوةٌ، وإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكم فيها، فنَاظِرٌ كيف تَعْمَلُونَ، فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ"
(2)
.
وأما قولُه: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} . فإنّ أهلَ التأويلِ قالوا في تأويلِه نحوَ قولِنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عصامٍ
(3)
العسقلانيُّ، قال: {[لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ]
(4)
أَحْسَنُ عَمَلًا}. قال: أترَكُ لها
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى
(1)
تفسير مجاهد ص 445، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
قوله: "إن الدنيا خضرة حلوة
…
" أخرجه أحمد (11185)، وعبد بن حميد (865)، ومسلم (2742)، والنسائى في الكبرى (9269)، وابن خزيمة (1699)، والطحاوى في المشكل (4326)، وابن حبان (3221)، والرامهرمزى في الأمثال ص 47، والبيهقى 7/ 91، والبغوى في شرح السنة (2243) من حديث أبي سعيد، وينظر مسند الطيالسي (2270).
(3)
في م، ت 1، ت 2، ف:"عاصم". وينظر تهذيب الكمال 9/ 227.
(4)
في ص، ف:"ليبلوكم أيكم". وهى الآية 12 من سورة هود، والآية 2 من سورة الملك.
(5)
ذكره القرطبي في تفسيره 10/ 355.
الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}: اختبارًا لهم أيُّهم أتبعُ لأمْرِى وأعملُ بطاعتِي
(1)
.
وقولُه: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} . يقولُ عزَّ ذِكرُه: وإِنَّا لمُخرِّبوها بعدَ عمارتِناها، بما جَعَلْنا عليها من الزِّينةِ، فمُصَيِّرُوها {صَعِيدًا جُرُزًا} . [يعني بـ "الصعيدِ" ظهر الأرضِ، وبقولِه: {جُرُزًا}]
(2)
لا نباتَ عليها ولا زرْعَ ولا غرْسَ.
وقد قيل: إنه أُرِيد بـ "الصَّعيدِ"، في هذا الموضعِ، المُستَوِى بوجهِ الأرضِ.
وذلك هو شبيهٌ بمعنَى قولِنا في ذلك.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك وبمعنَى "الجُرُزِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} . يقولُ: يَهْلِكُ
(3)
كلُّ شيءٍ عليها ويَبيدُ
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{صَعِيدًا جُرُزًا} . قال: يَلْقَعًا
(5)
.
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 303.
(2)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.
(3)
في ص، ت 2، ف:"نهلك".
(4)
في ص، ت 2، ف:"نبيد"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى المصنف.
(5)
تفسير مجاهد ص 445.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} : والصَّعيدُ الأرضُ التي ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق:{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} : يعنى الأرضَ، إن ما عليها لفانٍ وبائدٌ، وإن المرجع لإليَّ، فلا [تأسَ، ولا]
(2)
يحزنك ما تسمعُ وترى فيها
(3)
.
حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {صَعِيدًا جُرُزًا} . قال: الجُرُزُ الأرضُ التي ليس فيها شيءٌ، أَلا ترى أَنَّه يقولُ:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا} [السجدة: 27]. قال: والجُرُزُ لا شيء فيها؛ لا نبات ولا منفعة. والصَّعيدُ المستوى. وقرأ: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 107]. قال: مُسْتوِيةٌ
(4)
.
يقالُ: جُرِزتِ الأرضُ فهى مَجْروزةٌ. وجَرَزَها الجرادُ والنُّعمُ. وأرضون أَجْرازٌ، إذا كانت لا شيء فيها. ويقال للسَّنة المُجدية: جَرَزٌ، وسنونَ أَجْرازٌ. لجدوبها ويُبسها وقلَّة أمطارها. قال الراجز
(5)
.
* قد جَرَفَتْهُنَّ السَّنونَ الأجْراز *
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 134، وينظر ما تقدم في 7/ 81.
(2)
سقط من: ص.
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 303.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره، 5/ 134، وسيأتي في تفسير سورة السجدة.
(5)
مجاز القرآن لأبى عبيدة 1/ 394، والصحاح (ج ر ز).
يُقالُ: أجرز القومُ. إذا صارت أرضُهم جُرُزًا، وجَرَزوا هم أرضهم، إذا أكلوا نباتها كلَّه
(1)
.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)} .
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: أم حسبت يا محمد أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن ما خلَقتُ من السماوات والأرض وما
(2)
فيهنَّ مِن العجائب أعجبُ من أمر أصحاب الكهف، وحُجَّتى بكل ذلك ثابتةٌ
(3)
على هؤلاء المشركين بى
(4)
من قومك وغيرهم من سائر عبادِى.
وبنحو الذي قلنا [قال بعضُ]
(5)
أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} . قال محمدُ بن عمرٍو في حديثِه: قال: ليسوا عجبًا بأعجب آياتِنا. وقال الحارثُ في حديثه: بقولهم: أعجبُ آياتنا: ليسوا أعجب آياتِنا
(6)
.
(1)
في ت 2، ف:"كلها".
(2)
ليست في: ص.
(3)
في ص: "باينة".
(4)
ليست في م، ت، ت 2، ف.
(5)
في م، ت 1، ت 2، ف:"في ذلك قال".
(6)
تفسير مجاهد ص 445، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى ابن أبي نجيح.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} : كانوا يقولون: هم عجبٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا [يزيدُ، قال: ثنا]
(1)
سعيدٌ، عن قتادة قوله:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} . يقولُ: قد كان من آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} . أي: وما [قد رَأَوْا من قُدْرتى]
(3)
فيما صنَعتُ مِن أمر الخلائقِ، وما وضَعتُ على العبادِ من حُجَجِى ما هو أعظم من ذلك
(4)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم حسبت يا محمدُ أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتِنا عَجَبًا، فإن الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضلُ منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} . يقولُ: الذي آتَيْتُكَ من العلم والسُّنة والكتاب أفضلُ من شأنِ
(1)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
في م: "قدروا من قدر".
(4)
سيرة ابن هشام 1/ 303.
أصحاب الكهف والرَّقيمِ
(1)
.
وإنما قلنا: إنَّ القول الأوَّل أولى بتأويل الآية؛ لأنَّ الله عز وجل أنزل قصة أصحاب الكهف على نبيِّه احتجاجًا بها على المشركين من قومه، على ما ذكرنا في الرواية عن ابن عباسٍ، إذ سألوه عنها اختبارًا منهم له بالجواب عنها صدقه، فكان تقريعُهم بتكذيبهم بما هو أؤكدُ عليهم في الحُجَّةِ مما سألُوا عنه
(2)
، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه - أشبة من الخبر عمَّا أنعم الله على رسوله من النِّعم.
وأمّا "الكهفُ"، فإنّه كهفُ الجبل الذي أوى إليه القومُ الذين قصَّ اللَّهُ شأنهم في هذه السورة.
وأما "الرَّقيم"، فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ به؛ فقال بعضُهم: هو اسم
(3)
قريةٍ أو وادٍ. على اختلافٍ بينهم في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [يحيى وعبد الرحمن، قالا]
(4)
: ثنا سفيانُ، عن الشَّيبانيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: يزعُمُ كعبٌ أن الرّقيم القريةُ.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} . قال: الرَّقِيمُ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 135 عن العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في م، ت 1، ت 2، ف:"عنهم".
(3)
بعده في ص: "لموضع".
(4)
في ص: "يحيى بن عبد الأعلى قال". وفى م: "يحيى بن عبد الأعلى وعبد الرحمن قالا".
وادٍ بين عُسفانَ وأَيْلةَ دون فلسطينَ، وهو قريبٌ من أَيْلة
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ أبى، عن عطية، قال: الرَّقيم وادٍ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} : كنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الرقيم الوادى الذي فيه أصحابُ الكهف
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قوله:{الرَّقِيم} . قال: يزعُمُ كعب أنها القرية
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{الرَّقِيمِ} . قال: يقولُ بعضُهم: الرَّقيمُ كتاب تبيانهم. ويقولُ بعضُهم: هو الوادى الذي فيه كهفُهم
(4)
.
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: أما الكهفُ فهو غارُ الوادِى، والرَّقيمُ اسمُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 135.
(3)
تفسير سفيان ص 177 وتفسير عبد الرزاق، 1/ 397، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى سعيد بن منصور والفريابى وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجى في أماليه وابن مردويه، وهو في الأمالي ص 6 من غير إسناد.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر، وهو في تفسير عبد الرزاق 1/ 396، 397 عن معمر، عن ابن أبي نجيح، ليس فيه: عن مجاهد. وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 135 عن مجاهد، وفيه: كان بنيانهم. بدلا من: كتاب تبيانهم.
الوادى
(1)
.
وقال آخرون: الرَّقيمُ الكتابُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ في قوله:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} . يقولُ: الكتابُ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا أبى، عن ابن قيسٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، قال: الرَّقيمُ لوحٌ من حجارةٍ كتبوا فىه قصص أصحاب الكهف، ثم وضَعوه على باب الكهف
(3)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الرَّقيم كتابٌ، ولذلك الكتاب خبرٌ، فلم يُخبر الله عن ذلك الكتاب وعمَّا فيه. وقرأ:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 19 - 21]. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ}
(4)
[المطففين: 8، 9].
وقال آخرون: بل هو اسم جبل أصحاب الكهف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى ابن أبي حاتم مقتصرا على أوله، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 135 بتمامه.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 211 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
ذكره القرطبي في تفسيره 10/ 357، وابن كثير في تفسيره 5/ 135.
ابن عباسٍ: الرقيمُ الجبلُ الذي فيه الكهفُ
(1)
.
قال أبو جعفرٍ: وقد قيل: إن اسم ذلك الجبل بنجلوسُ.
حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ
(2)
.
وقيل: إن اسمه بناجلوسُ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني وهبُ بن سليمان، عن شُعَيب الجَبَائيِّ
(3)
، أن اسم جبل الكهف بناجلوس، واسم الكهف حيزمُ، والكلبِ حُمرانُ
(4)
.
وقد رُوِي عن ابن عباس في الرَّقيم ما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ القرآن أعلمه إلا حنانًا
(5)
، والأوَّاهَ
(6)
، والرَّقِيمَ
(7)
.
حدَّثنا القاسم،، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينارٍ، أنه سمع عكرمة يقولُ: قال ابن عباسٍ: ما أدرى ما الرَّقيمُ، أكتابٌ أم بنيانٌ
(8)
؟
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى المصنف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 135 عن ابن إسحاق به.
(3)
في م: "الجبئى".
(4)
أخرجه أحمد في العلل برواية عبد الله 1/ 100 (405) عن حجاج به.
(5)
في ص، ت 1، ت 2:"حنان"، ويعنى قوله تعالى:{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} [مريم: 13].
(6)
يعنى قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ} [التوبة: 114]، وقوله:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ} [هود: 75].
(7)
تفسير عبد الرزاق 1/ 397.
(8)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 212 إلى المصنف.
وأولى هذه الأقوال بالصواب في "الرَّقيم" أن يكونَ مَعْنِيًّا به لوحٌ أو حجرٌ أو شيءٌ كُتب فىه كتابٌ.
وقد قال أهلُ الأخبار: إن ذلك لوحٌ كُتِب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أووا إلى الكهف. ثم قال بعضُهم: رفع ذلك اللوح في خزانة الملكِ وقال بعضُهم: بل جُعِل على باب كهفهم. وقال بعضُهم: بل كان ذلك
(1)
محفوظًا عند بعض
(2)
أهل بلدهم.
وإنما الرَّقيمُ فَعيلٌ، أصله مرقومٌ، ثم صُرِف إلى فعيلٍ، كما قيل للمجروح: جريحٌ. وللمقتول: قتيلٌ. يقال منه: رقَمْتُ كذا وكذا. إذا كتبته، ومنه قيل للرَّقم في الثوبِ: رَقْمٌ. لأنه الخطُّ الذي يُعرَفُ به ثمنُه. ومن ذلك قيل للحيَّةِ: أَرْقَمُ. لِمَا فيه من الآثار. والعرب تقولُ: عليك بالرَّقْمة، ودع الضَّفَّةَ. بمعنى: عليك برقمة الوادى حيث الماء، ودعِ الضَّفّة الجانبة. والضَّفَّتانِ جانبا الوادى. وأحسبُ أن الذي قال: الرَّقيم الوادِى. ذهَب به إلى هذا، أغنى به إلى رَقْمَةِ الوادِى.
القول في تأويل قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)} .
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} ، حينَ أوَى الفِتْيَةُ أصحاب الكهف إلى كهف الجبل، هربًا بدينهم إلى اللهِ، فقالوا إذ أووه:{رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} ؛ رغبةً منهم إلى ربِّهم، في أن يرزقهم من عنده رحمةً. وقوله: {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا
(1)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
(2)
سقط من: ص.
رَشَدًا}. يقولُ: وقالوا: يسِّر لنا ممَّا
(1)
نَبْتَغى ونَلْتَمِسُ من رضاك، والهرب من الكفر بك، ومن عبادة الأوثان التي يدعونا إليها قومنا، {رَشَدًا}. يقولُ: سَدادًا إلى العمل بالذي تحبُّ.
وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكره الله في كتابه؛ فقال بعضُهم: كان سبب ذلك، أنَّهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملكٌ عابدُ وَثَنٍ، دَعاهم إلى عبادة الأصنام، فهربوا بدينهم منه خشية أن يَفْتِنَهم عن دينهم، أو يقتُلهم، فاسْتَخْفَوْا منه في الكهف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو
(2)
في قوله: {أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} : كانت الفتيةُ على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا، وقد أخرج لهم صنمًا، فأبَوْا، وقالوا:{رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} . قال: فاعْتَزلوا عن قومهم لعبادة اللَّهِ، فقال أحدهم: إنَّه كان لأبى كهفٌ يَأْوِى
(3)
: فيه غنمَه، فانطلقوا بنا نَكِنَّ فيه. فدخلوه وفُقدوا في ذلك الزمانِ فطلبوا، فقيل: دخلوا هذا الكهف. فقال قومُهم: لا نريد لهم عقوبةً ولا عذابًا أشدَّ مِن أن نَرْدِمَ عليهم هذا الكهف. فبَنَوْه عليهم ثم رَدَموه، ثم إنَّ اللَّهَ بعث عليهم ملكًا على دين عيسى، ووقع
(4)
ذلك البناء الذي كان رُدِم عليهم، فقال بعضُهم لبعض:{كَمْ لَبِثْتُمْ} ؟
(1)
في م، ت 1، ف:"بما".
(2)
هو عمرو بن قيس الملائى، كما في تاريخ المصنف 2/ 7.
(3)
بعده في ص: "إليه".
(4)
في م: "رفع".
فقالُوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ، حتى بلغ:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} . وكان وَرِقُ ذلك الزمان كبارًا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعامٍ وشرابٍ، فلمَّا ذهب ليَخْرُجَ، ورأى على باب الكهف شيئًا أنكره؛ فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهمًا، فنظروا إليه [فأنكروه، وأنكروا]
(1)
الدرهم، وقالوا: من أين لك هذا، هذا مِن وَرِقِ غير هذا الزمانِ؟ واجْتَمَعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انْطَلَقوا به إلى ملكهم، وكان لقومهم لوحٌ يكتبون فيه ما يكونُ، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملكُ، فأخبره بأمره، ونظَروا في الكتاب متى فُقدوا
(2)
، فاسْتَبْشَروا به وبأصحابه، وقيل له: انطلق بنا فأَرِنا أصحابك. فانطلق وانطلقوا معه؛ ليريهم، فدخل قبل القوم، فضرب على آذانهم
(3)
، فقال الذين غلبوا على أمرِهم:{لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا}
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: مرج أمرُ أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت
(5)
فيهم الملوكُ، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطَّواغيت، وفيهم على ذلك بقايا على أمر عيسى ابن مريمَ، مُتمسِّكُون بعبادةِ اللَّهِ وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم، ملكٌ من الرومِ يُقالُ له: دَقْيانوس
(6)
. كان قد عبد الأصنام، وذبَح للطَّواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقامَ على دينِ
(1)
في ت 1، ت 2، ف:"فأنكروا وأنكر".
(2)
في م: "فقد".
(3)
ضرب على آذانهم كناية عن النوم. اللسان (ض ر ب)، والمراد هنا كما يقتضيه السياق الموت.
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 7 عن ابن حميد به مختصرا.
(5)
في ص: "طمعت".
(6)
في ص في هذا الموضع: "دقينوس" وفى بعض المواضع الآتية: "دقيانوس"، وفى ف:"دقينوش".
والمثبت كما سيأتي في بعض النسخ ومصدرى التخريج وعامة كتب التواريخ ينظر الكامل 1/ 355، والمنتظم 2/ 152، 153، والبداية والنهاية 2/ 563.
عيسى ابن مريم؛ كان يَنزِلُ [في قُرى الروم]
(1)
، ولا يَترُكُ في قريةٍ يَنزِلُها أحدًا ممَّن يدينُ بدين عيسى ابن مريم إلا قتله
(2)
، حتى يعبُد الأصنام، ويذبَحَ للطَّواغيت
(3)
، حتى نزَلَ دقيانوسُ مدينة الفتية أصحاب الكهفِ
(4)
، فَلَمَّا نزلها دَقْيانوس
(5)
كَبُر ذلك على أهل الإيمان، فاستَخْفُوا منه وهربوا في كلِّ وجهٍ. وكان دَقْيانوسُ قد أَمَرَ حِينَ قدِمَها أَن يُتَّبَعَ أهلُ الإيمان فيُجمعوا له، واتَّخَذ شُرَطًا مِن الكُفَّارِ مِن أهلها، فجعلوا يَتَّبِعون أهل الإيمان في أماكنهم التي يَسْتَخفُون فيها، فىَسْتَخْرِجونهم إلى دقيانوس، فيُقَدِّمُهم إلى المجامع التي يُذبَحُ فيها للطَّواغيت، فيُخَيِّرُهم بين القتل، وبين عبادة الأوثان والذبح للطَّواغيت، فمنهم مَن يرغَبُ في الحياةِ ويَفْظَعُ بالقتل
(6)
؛ فيفْتَتِنُ، ومنهم مَن يَأْبَى أَن يعبد غيرَ اللَّهِ؛ فيُقْتَلُ، فَلَمَّا رأى ذلك أهلُ الصلابة مِن أهل الإيمان بالله، جعلوا يُسْلِمون أنفسهم للعذابِ والقتل، فيقتلون ويُقَطَّعون، ثم يُربط ما قُطِّع مِن أجسادِهم، فيُعلَّق على سور المدينة من نواحيها كلِّها، وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظُمَتِ الفتنةُ على أهل الإيمان، فمنهم من كفَر فتُرِك، ومنهم مَن صَلْب
(7)
على دينه فقُتِل. فلَمَّا رأى ذلك الفتيةُ أصحاب الكهف، حزنوا حُزْنًا شديدًا، حتى تغيَّرَتْ ألوانهم، ونَحَلَتْ أجسامُهم، واستعانوا بالصلاة والصيام والصدقة، والتَّحميد والتَّسبيح، والتَّهليل [والتكبير]
(8)
، والبكاء والتَّضرُّع إلى الله. وكانوا فِتْيَةً أَحْداثًا أحرارًا مِن أبناء
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"قرى في"، وفى عرائس المجالس وتفسير البغوي:"قرى".
(2)
في تفسير البغوي: "فتنه".
(3)
بعده في تفسير البغوي: "أو قَتَلَه".
(4)
بعده في عرائس المجالس وتفسير البغوي: "وهى أفسوس".
(5)
في م، ت 1، ت 2:"دقينوس".
(6)
يَفْظعُ بالقتل: فظع بالأمر فَظَعًا: ضاق به ذَرْعًا، واشتدَّ عليه وهابه. ينظر تاج العروس (ف ظ ع).
(7)
في ت 1: "بقى".
(8)
ليس في: ص.
أشراف الروم.
فحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: لقد حُدِّثْتُ أنَّه كان على بعضهم مِن حَداثةِ أسْنانِهم
(1)
وَضَحُ
(2)
الوَرِقِ
(3)
. قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكونَ إلى اللهِ، ويَسْتَغِيثُونَه
(4)
- وكانوا ثمانية نفَرٍ
(5)
: مَكْسَلْمِينا
(6)
، وكان أكبرهم، وهو الذي كلَّم الملك عنهم، ومحسيميلنينا
(7)
، ويمليخا
(8)
، ومَرْطُوسُ
(9)
،
(1)
في م: "أسنانه".
(2)
الوضح، محرَّكَةً: بَيَاضُ الصُّبْح. وقد يُراد به مُطْلَق الضَّوْء والبياض من كل شيءٍ. تاج العروس (و ض ح).
(3)
أخرجه الطبري في تاريخه 2/ 6.
(4)
ذكره ابن كثير 5/ 144.
(5)
هذا قول ابن إسحاق، ينظر عرائس المجالس ص 379، وتفسير البغوي 5/ 146، وتاريخ الطبرى 2/ 6، والكامل 1/ 355.
(6)
في ص: "مكسميلينا"، وفى ت 1، ت،2، ف:"مكسيلمنينا"، وفى تاريخ الطبرى 2/ 6:"مكسملينا" وفى الكامل لابن الأثير: "مكسلمينيا". والذي أثبتناه هو ما ذكر القرطبي في تفسيره 10/ 360 أن الطبرى ذكره، وهو أيضا ما جاء في تاج العروس (ك هـ ف) وقد ذكر الزبيديُّ هناك الأقوال في ضبط أسمائهم وفى اختلاف حروفها، وذكر هذا الاسم بهذه الحروف وذلك الضبط في الأقوال كلها، وينظر عرائس المجالس ص 379، وتفسير البغوي 5/ 146.
(7)
في ص: "محسميلينا"، وفى ت:1 "محسيلمنينا"، وفى تاريخ الطبري:"محسملينا" وفى الكامل: "مخسيلمينيا". وفى تفسير البغوي 5/ 154 "مخشلمينا"، والمثبت موافق لما ذكره القرطبي، ولم يذكره الزبيدى في التاج.
(8)
في ص: "حليحا"، وفى ت 1:"تمليخا". وسيأتي اسمه فيما بعد في ت 1، ت 2، ف:"تمليخا". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف، وتفسير القرطبي، والكامل وتفسير البغوي، وهو أحد الوجوه التي ذكرها الزبيدى في التاج.
(9)
كذا في النسخ، وتاريخ المصنف، والكامل، وتفسير القرطبي، وأحد الوجوه في تاج العروس، وفى عرائس المجالس ص 384، وتفسير البغوي:"مَرَطُونَس". وهو أحد الوجوه في التاج.
وكشطونسُ
(1)
، وبَيْرُونسُ
(2)
، ودَيْنَمُوسُ
(3)
، وبطونس
(4)
، [وقالوش]
(5)
، فلمّا أجمع دقيانوسُ أن يَجْمَعَ أهل القرية لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، بكوا إلى اللَّهِ وتَضَرَّعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهمَّ ربَّ السموات والأرض، لن نَدْعو مِن دونك إلهًا، {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وادفع عنهم البلاء، وأنعِمْ على عبادك الذين آمنوا بك، ومنعوا عبادتك إلا سرًّا، مُستَخْفِين بذلك، حتى يَعْبدوكَ علانيةً. فبينما هم على ذلك، عرفهم عُرَفاؤُهم مِن الكفار، ممَّن كان يَجْمَعُ أهل المدينة لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خَلَوْا
(6)
في مُصَلًّى لهم يعبدون فيه الله، ويتضرَّعون إليه، ويتوقَّعون أن يُذْكَروا لدقينوس، فانْطَلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مُصَلَّاهم، فوجدوهم سجودًا على وجوههم، يتضرعون ويبكون ويَرْغَبون إلى اللَّهِ أَن يُنجِّيهم
(1)
سقط من: ت 2. وفى ص، م: "كشوطوش"، وفى تاريخ المصنف: "كسوطونس" وفى عرائس المجالس: "كشطونش" وفى الكامل: "كسطومس"، ولم يذكر في التاج أحد هذه الوجوه وأقرب اسم له: "كَفَشْطَيوس".
(2)
في ت 1، ف:"بيدونس". والمثبت موافق لما عند القرطبي وتاريخ المصنف، وتفسير البغوي، وفى الكامل:"نيرويس"، وأقرب اسم له عند الزبيدى هو:"يَنْيُونِس".
(3)
في ت 1: "دينومس". والمثبت موافق لما عند القرطبي وابن الأثير. ولم يذكر هذا الاسم أو قريب منه في تاريخ المصنف وكذا في التاج، وفى عرائس المجالس:"داسيوس"، وفى البغوي:"ديموس".
(4)
في ص: غير منقوطة، وفى م، ت 1، ف، وتفسير القرطبي:"يطونس". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف، وفى عرائس المجالس:"بطيونس"، وفى تفسير البغوي "بطيوس"، وفى التاج:"بَطَنَيوس".
(5)
في جميع النسخ: "قالوس" بدون الواو، وفى تفسير البغوي:"حالوش". وبهذا يكون العدد تسعة كما جاء في تفسير البغوي ونص عليه ابن الأثير قال: وهذه تسعة أسماء وهى أتم الروايات والله أعلم وكلبهم قطمير. وأما رواية المصنف فقد ذكر أنهم ثمانية نفر، وزاد في التاريخ: كلبهم تاسعهم؛ فيكون ظاهر روايته هنا وفى تاريخه أن قالوس اسم كلبهم.
والذي جاء في تسمية كلبهم: "حمران"، و"قطمير". فالله أعلم بالصواب.
(6)
في ص: "جاءوا"، وفى عرائس المجالس وتفسير البغوي:"دخلوا".
من دَقينوسَ وفتنته، فلمّا رآهم أولئك الكفرة من عُرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، وقالوا: تَجمَعُ الناس للذَّبح لآلهتك، وهؤلاء فتيةٌ من أهلِ بيتِكَ يَسْخَرون مِنكَ ويَسْتَهْزِئُون بك، ويعصون أمرك، ويتركون الهتك، يَعْمدون إلى مُصَلًّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريمَ يُصَلُّون فيه، ويتضرَّعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلِمَ تَتْرُكُهم يصنعون
(1)
هذا وهم بين ظهرانى سلطانك ومُلكِك؟ وهم ثمانيةُ نفرٍ: رأسهم
(2)
مَكْسَلْمِينا، وهم أبناء عظماء المدينة. فلَمَّا قالوا ذلك لدقيانوس، بعث إليهم، فأتى بهم من المُصلَّى الذي كانوا فيه، تفيضُ أعينُهم من الدَّمْعِ
(3)
، مُعفَّرَةً وُجُوهُهم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذَّبح لآلهتنا التي تُعبَدُ في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أُسْوةً لسراة أهلِ مدينتكم، ولمن حضرها
(4)
من الناسِ؟ اختاروا منى: إمَّا أن تَذْبَحوا لآلهتنا كما ذبح الناسُ، وإما
(5)
أن أقتُلكم. فقال: مَكْسَلْمِينا: إن لنا
(6)
إلها نعبُدُه
(7)
ملأ السماوات والأرضَ عَظَمَةً
(8)
، لن ندعُوَ مِن دونِه إلهًا أبدًا، ولن نُقِرَّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدًا، ولكنَّا نعبُدُ اللَّهَ ربَّنا، له الحمد والتكبيرُ والتسبيحُ من أنفسنا خالِصًا أبدًا، إياه نعبُدُ، وإياه نسألُ النجاة والخير، فأمَّا الطواغيتُ وعبادتها، فلن نُقِرَّ بها أبدًا، ولسنا بكائنينَ عُبَادًا للشياطين، ولا جاعلى
(1)
في ص: "يفعلون".
(2)
سقط من: ت 1، ت 2، ف. وفى م:"رئيسهم".
(3)
في م: "الدموع".
(4)
في م، ت 1، ف:"حضر منا".
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"بين".
(6)
في ص: "لها".
(7)
ليست في: ت 1، ت 2، ف، ومصدرى التخريج.
(8)
في م: "عظمته".
أنفسنا وأجسادِنا عُبَّادًا لها، بعد إذ هدانا الله له؛ رَهْبَتَك، أو
(1)
فَرَقًا مِن عُبُودِتِك، اصنع بنا ما بدا لك. ثم قال أصحابُ مَكْسَلْمِينا لدقيانوس مثل ما قال. قال: فلمَّا قالوا ذلك له، أمر بهم فنُزع عنهم لَبُوسٌ كان عليهم من لبوس عظمائِهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم، فإنَّى سأُؤَخِّرُكم أن تكونوا من أهل مملكتى وبطانتى وأهل بلاطى
(2)
وسأفرُغ لكم، فأُنجزُ لكم ما وعدتُكم من العقوبة، وما يمنعُنى أن أُعَجِّلَ ذلك لكم، إلا أنِّي أراكم فتيانًا حديثةً أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أُهلِكُكم حتى أَسْتَأْنِى بكم، وأنا جاعل لكم أجلًا تَذَّكَّرون فيه، وتُراجعون عقولكم. ثم أمر بحليةٍ كانت عليهم من ذهبٍ وفضةٍ، فنُزِعت منهم
(3)
، ثم أمر بهم فأُخرجوا من عنده، وانْطَلَق دَقْيانوسُ مكانه إلى مدينةٍ سوى مدينتهم التي هم بها قريبًا منها، لبعض ما يريدُ من أمرِه. فلما رأى الفتيةُ دَقيانوسَ قد خرج من مدينتهم، بادروا قُدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يُذَكَّر بهم، فأْتَمروا بينهم أن يأخذ كلُّ رجُلٍ
(4)
منهم نفقةً من بيت أبيه، فيتصدَّقوا منها، ويتزوَّدوا بما بقى، ثم ينطلقوا إلى كهف قريبٍ من المدينة، في جبلٍ يُقال له: بنجلوس
(5)
. فيمْكُثوا فيه، ويعبدوا الله، حتى إذا رجع دَقْيانوسُ أَتَوْه فقاموا بين يديهِ، فَيَصْنَعُ بهم ما شاء. فَلَمَّا قال ذلك بعضُهم لبعض، عمد كلُّ فتًى منهم، فأخذ من بيت أبيه نفقةً، فتَصَدَّقوا
(6)
منها، وانطلقوا بما بقى معهم من نفقتهم، واتَّبعهم كلبٌ لهم، حتى أتَوْا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه، ليس
(1)
في ص، ت 1:"و".
(2)
في م: "بلادى". والبلاط: وجه الأرض الصُّلب، وقصر الحاكم، وحاشيته. ينظر المعجم الوسيط (ب ل ط).
(3)
في م، وعرائس المجالس، وتفسير البغوي:"عنهم".
(4)
في م، ت 1، ت 2، ف:"واحد".
(5)
في عرائس المجالس: "باجلوس"، وفى تفسير البغوي:"بخلوس".
(6)
في م، وتفسير البغوي:"فتصدق".
لهم عملٌ إلا الصلاة والصيام والتسبيحَ والتكبير والتحميد
(1)
، ابتغاء وجه اللع تعالى، والحياة التي لا تَنْقطِعُ، وجعلوا نفقتهم إلى فتًى مِنهم يُقالُ له: يمليخا. فكان على طعامهم، يَبْتاعُ لهم أرزاقهم من المدينة سرًّا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم
(2)
وأجْلَدِهم، فكان يمليخا يصنعُ ذلك، فإذا دخل المدينة يضَعُ ثيابًا كانت عليه حِسانًا، ويأخُذُ ثيابًا كثياب المساكين الذين يَسْتَطْعِمون فىها، ثم يأخُذُ وَرِقَه فينْطلِقُ إلى المدينة، فيشتَرى لهم طعامًا وشرابًا، ويَتَسَمَّعُ ويتجسَّسُ
(3)
لهم الخبرَ، هل ذُكر هو وأصحابُه بشيءٍ في بَلاطِ
(4)
المدينة، ثم يَرجِعُ إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويُخبرهم بما سمع من أخبار الناسِ، فلبثوا كذلك
(5)
ما لبثوا، ثم قدم دَقْيانوسُ الجبَّارُ المدينة التي منها خرج
(6)
إلى مدينته، وهى مدينةُ أُفْسُوسَ
(7)
، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطَّواغيت، ففزِعَ من ذلك أهلُ الإيمانِ، فَتَخَبَّئوا في كلِّ مَخْبَأ، وكان يَمْليخا بالمدينة يشترى لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه، وهو يبكى، ومعه طعامٌ قليلٌ، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينةَ، وأنَّهم قد ذُكروا وافتُقدوا والتُمسوا مع عظماء أهل المدينة
(1)
بعده في ص: "والتهليل".
(2)
في ص: "أحلمهم"، وفى ت 1 ت 2، ف:"أحكمهم"، وفى تفسير البغوي:"أحملهم".
(3)
في ت 1: "يتحسس". والتجسس - بالجيم - هو تفحُّص الأخبار والبحث عنها. والتحسس: الاستماع لحديث القوم. وقيل: هو شبه التَّسَمُّع والتَّبَصُّر. ينظر تاج العروس (ج س س)، (ح س س).
(4)
في م: "ملأ".
(5)
في ص، م، ت 2، ف:"بذلك".
(6)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"خرجوا".
(7)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"دقينوس". وأُفسوس: بلد بثغور طرسوس يقال إنه بلد أصحاب الكهف. معجم البلدان 1/ 231.
أما مدينة دقيانوس، فقيل: طليطلة. وقيل: عَمَّان. وقيل. غرناطة: ينظر معجم البلدان 4/ 41، 151، والتدوين في أخبار قزوين 1/ 318.
ليَذْبَحوا للطواغيت. فلمَّا أخبرهم بذلك فزعوا فزَعًا شديدًا، ووقعوا سجودًا على وجوههم يدعُون الله، ويتضرَّعون إليه، ويتعوَّذون به من الفتنة، ثم إِنَّ يَمليخا قال لهم: يا إخْوَتاه، ارفعوا رءوسكم، فاطْعَموا من هذا الطعام الذي جئتُكم به، وتوكَّلوا على ربِّكم. فرفعوا رءوسهم، وأعينهم تفيضُ مِن الدمعِ؛ حَذَرًا وتخوُّفًا على أنفسهم، فطَعِموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدَّثون ويَتَدارَسون، ويُذَكِّرُ بعضُهم بعضًا، على حزنٍ منهم، مشفقين ممَّا أَتاهم به صاحبُهم من الخبر، فبينا
(1)
هم على ذلك، إذ
(2)
ضرب الله على آذانهم في الكهف
(3)
، وكلبُهم باسِطٌ ذِراعَيْه بباب الكهف، فأصابهم
(4)
ما أصابهم وهم مؤمنون مُوقِنون مُصدِّقون بالوعد، ونفقتُهم موضوعةٌ عندهم، فلمَّا كان الغدُ فقدهم دَقيانوسُ، فالتَمَسَهم فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءَنى شأن هؤلاء الفتية الذين ذهَبوا، لقد كانوا يَظُنُّون أنَّ بى غضَبًا عليهم فيما صَنَعوا في أوَّلِ شأنهم، لجهلهم ما جهلوا من أمرى، ما كنتُ لأحمل
(5)
عليهم في نفسى، ولا أُؤَاخِذَ أحدًا منهم بشيءٍ إن هم تابوا وعبدوا آلهتى، ولو فعلوا لَتَرَكتُهم، وما عاقبتُهم بشيءٍ سلف منهم. فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيقٍ أن ترحم قومًا فَجَرَةً مَرَدَةً عُصاةً، مُقيمين على ظُلْمِهم ومعصيتهم، وقد كنتَ أجلتهم أجلًا، وأخَّرتهم عن العقوبة التي أصبتَ بها غيرهم، ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجَلِ، ولكنَّهم لم يتوبوا ولم يَنْزِعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلَقْتَ يُبذِّرون أموالهم بالمدينةِ، فلمَّا
(1)
في ت،1 ت 2، وعرائس المجالس، وتفسير البغوي:"فبينما".
(2)
ليس في: ص، ت، ت 2، ف.
(3)
بعده في م: "سنين عددا".
(4)
في عرائس المجالس، وتفسير البغوي:"فأصابه".
(5)
في م: "لأجهل".
علموا بقدومك فَرُّوا فلم يُرَوْا بعدُ، فإن أحبَبتَ أن تُؤْتَى بهم فأَرْسِلْ إلى آبائهم فامْتَحِنَّهم، واشْدُدْ
(1)
عليهم يدُلُّوك عليهم، فإنَّهم مختبئون منك. فلمَّا قالوا ذلك لدقيانوس الجبار، غضِب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم، فأُتى بهم فسألهم عنهم وقال: أخبرُونى عن أبنائكم المردة الذين عصَوْا أمرى، وتركوا آلهتى، ائتُونى بهم، وأنْبِئونى بمكانهم. فقال له آباؤهم: أمَّا نحنُ فلم نعصِ أمرَك ولم نُخالفك، قد عبدنا آلهتك وذبَحْنا لهم، فلِمَ تقتُلُنا في قومٍ مَرَدةٍ، قد ذهَبوا بأموالنا فبَذَّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتَقَوْا في جبل يُدعَى بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرضٌ بعيدةٌ، هربًا مِنك؟! فلمَّا قالوا ذلك خلَّى سبيلهم، وجعل يأتمرُ ماذا يصنَعُ بالفتية، فأَلْقَى اللَّهُ عز وجل في نفسه أن يأمُرَ بالكهف فيُسَدَّ عليهم، كَرامةً من الله، أراد أنْ يُكرمهم، ويُكرم أجساد الفتية، فلا يجول، [ولا يطوفُ بها شيءٌ]
(2)
، وأراد أن يُحْييهم، ويجعلهم آيةً لأمةٍ تُستَخْلَفُ مِن بعدهم، وأن يبيِّن لهم أن الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، وأَنَّ اللَّهَ يبعَثُ من في القبور، فأمر دَقْيَنوسُ بالكهفِ أن يُسَدَّ عليهم، وقال: دَعُوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتى فليموتوا كما هم في الكهف عطشًا وجوعًا، وليكُن كهفُهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرًا لهم. ففعل ذلك بهم عدوُّ الله، وهو يظُنُّ أنهم أيقاظٌ يعلمون ما يُصنَعُ بهم، وقد تَوفَّى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْهِ بباب الكهف، قد غَشَّاه اللهُ ما غَشَّاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذاتَ الشِّمالِ، ثم إن رجُلين مؤمنين كانا في بيت الملكِ دقيانوس يَكْتُمان إيمانهما؛
(1)
في ص: "تشدد".
(2)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
اسمُ أحدهما يندروسُ
(1)
، واسمُ الآخرِ روناسُ
(2)
، فَأَتَمرًا
(3)
أن يكتُبا
(4)
شأن الفتية أصحاب الكهف؛ أنسابهم وأسماءَهم وأسماء آبائهم، وقصة خبرِهم في لَوْحَين
(5)
من رصاصٍ، ثم يَصْنَعا لهما
(6)
تابوتًا مِن نُحاسٍ، ثم يجعلا اللَّوْحين فيه، ثم يَكْتُبا عليه في فَمِ الكهف بينَ ظَهْرانَى البُنْيانِ، ويَخْتِما على التابوتِ بخاتمهما، وقالا: لعلَّ اللَّهَ أَن يُظْهِرَ على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم - حين يقرأُ هذا الكتاب - خبرهم، ففعلا ثم بنيا عليه في البُنيانِ، فَبَقِى دَقْيانوس وقرنُه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يَبقوا، ثم هلك دقيانوسُ والقَرْنُ الذين
(7)
كانوا معه، وقرونٌ بعده كثيرةٌ، وخَلَفَتِ الخُلُوفُ بعدَ الخُلُوفِ
(8)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أصحاب الكهف أبناءَ عُظَماء مدينتهم، وأهلِ شرفهم
(9)
، فخرجوا فاجتمعوا وراءَ المدينة على غير ميعادٍ، فقال رجلٌ منهم [هو أَسَنُّهم]
(10)
: إنى لأَجِدُ في نفسى شيئًا ما أظنُّ
(11)
أحدًا يَجِدُه.
(1)
في ص، م:"بيدروس"، وفى عرائس المجالس:"تندروس".
(2)
في عرائس المجالس: "روباس".
(3)
في ت 1، ت 2، ف:"فأتمروا".
(4)
في ص: "يكتما".
(5)
ليست في: ص، ومكانها إحالة لم تكتب في موضع الإحالة، وفى عرائس المجالس:"لوح"، وكذا في تفسير البغوي وفى إحدى نسخه:"لوحين".
(6)
في النسخ: "له". والمثبت أوفق للسياق وينظر تفسير البغوي 5/ 148.
(7)
في م: "الذي".
(8)
ذكره الثعلبى في عرائس المجالس ص 378 - 381 بنحوه مطولا، والبغوى في تفسيره 5/ 146 - 148 بنحوه.
(9)
في ص: "سوقهم"، وفى ت 1، ت 2، ف:"سوفهم".
(10)
سقط من: ص. وفى الدر المنثور تحرفت إلى "أشبههم".
(11)
بعده في م: "أن".
قالوا: ماذا تجدُ؟ قال: أجدُ في نفسى أنَّ ربِّي ربُّ السماوات والأرض. [وقالوا: نحن نجدُ]
(1)
. فقاموا جميعًا فقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]
(2)
لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}، فاجتمعوا أن يدخلوا الكهف، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبَّارٌ، يُقال له: دقيانوسُ. فلبثوا في الكهف ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا، رُقَّدًا
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: كان أصحابُ الكهف فتيانًا مُلوكًا مُطَوَّقين مُسَوَّرين، ذوى ذوائب، وكان معهم كلبُ صَيْدِهم، فخرجوا في عيدٍ لهم عظيمٍ في زيٍّ ومَوْكِبٍ
(4)
، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبُدُون، وقذَف الله في قلوبِ الفِتيةِ الإيمان فآمَنوا، وأخْفَى كلُّ واحدٍ
(5)
منهم الإيمان عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يَظْهَرَ إيمانُ بعضهم لبعضٍ: نخرُجُ مِن بين أظْهُرِ هؤلاء القوم، لا يُصيبُنا عقابٌ بجُرمِهم. فخرَج شابٌّ مِنهم حتى انْتَهَى إلى ظلِّ شجرةٍ، فجلس فيه، ثم خرج آخرُ فرآه جالسًا وحدَه، فرَجا أن يكونَ على مثل أمره من غيرِ أن يظهر ذلك منه، فجاء حتى جلس إليه، ثم خرج الآخرون، فجاءُوا حتى جلسوا إليهما، فاجتمعوا، فقال بعضُهم: ما جمعكم؟ وقال آخرُ: بل ما جمَّعَكم؟ وكلٌّ يكتُمُ إيمانَه من صاحبه مخافةً على نفسه. ثم قالوا: ليَخْرُجُ منكم فَتَيانِ، فيَخْلُوا، فيتَواثَقا أن لا يُفْشِى واحدٌ منهما على صاحبه، ثم يُفْشِى كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه أمره، فإنَّا نرجو أن نكونَ على أمرٍ
(1)
ليس في الدر المنثور.
(2)
سقط من: ص.
(3)
ذكره السيوطي في الدر المنثور 4/ 214، 215 بنحوه مطولا، وعزاه للمصنف وابن المنذر.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"مراكب".
(5)
في ص: "رجل".
واحدٍ. [فخرج فَتَيانِ منهم فتَواثَقَا، ثم تكلَّما فذكر كلُّ واحدٍ منهما أمره لصاحبه، فأَقبَلا مُستَبشِرَيْن إلى أصحابهما فقالا: قد اتَّفَقْنا
(1)
على أمرٍ واحدٍ]
(2)
. فإذا هم جميعًا على الإيمان، وإذا كهفٌ في الجبل قريبٌ منهم، فقال بعضُهم لبعض: ائؤُوا
(3)
إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} ، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا، فجعله الله عليهم رقْدَةً واحدةً، فناموا ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعًا. قال: وفقَدَهم قومُهم فطَلَبوهم وبعثوا البُرُدَ
(4)
، فَعَمَّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلَمَّا لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لَوْحٍ: فلانُ بنُ فلان، وفلان بن فلان أبناءُ ملوكنا، فقَدْناهم في عيدِ كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، من
(5)
سنة كذا وكذا، في مملكة فلان بن فلانٍ. ورفعوا اللَّوْحَ في الخِزانة، فمات ذلك الملكُ، وغلب عليهم ملكٌ مسلمٌ مع المسلمين، وجاء قَرْنٌ بعد قرنٍ، فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا
(6)
.
وقال آخرون: بل كان مصيرهم إلى الكهف؛ هربًا من طلب سلطانٍ كان طلبهم بسببِ دَعْوى جنايةٍ، ادُّعِىَ على صاحب لهم أنَّه جناها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:
(1)
في ص: "اتفقتما"، وفى م:"اتفقا"، والمثبت من عرائس المجالس، وهو ما يصح به السياق.
(2)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
(3)
في م: "ائتوا".
(4)
البُرُد: جمع بَرِيد. وهم الرُّسُل على دوابِّ البريد. ينظر اللسان (ب ر د).
(5)
في م، ت، ت 2، ف:"في".
(6)
ذكره الثعلبى في عرائس المجالس ص 377، والبغوى في تفسيره 5/ 148، 149 بنحوه، وعزاه كلاهما لعبيد بن عمير.
أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ، أنه سمع وهب بن منبِّهٍ يقولُ: جاء حواريُّ عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخُلَها، فقيل له: إن على بابها صنمًا لا يدخُلُها أحدٌ إلا سجد له، فكره أن يَدْخُلَها، فأتَى حَمَّامًا، فكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يَعْمَلُ فيه يُواجرُ نفسَه من صاحب الحمَّام، ورأى صاحب الحمَّام في حمَّامِه البركة، ودُرَّ عليه الرزقُ، فجعل يقومُ
(1)
عليه
(2)
، وجعَل يَسْترسِلُ إليه
(3)
، وعَلِقَه فتيةٌ من أهل المدينة، وجعَل يخبرُهم خبر السماء والأرضِ وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدَّقوه، وكانوا على مثل حاله في حُسنِ الهيئة، وكان يَشْتَرِطُ على صاحب الحمَّام أن الليل لي، لا تَحُولُ بينى وبين الصلاةِ إذا حضَرَتْ. فكان على ذلك حتَّى جاء ابن الملكِ بامرأةٍ، فدخل بها الحمَّام، فعيَّرَه الحواريُّ فقال: أنت ابن الملكِ، وتدخُلُ معك هذه الكذا
(4)
فاستحيا، فذهَب فرجع مرًّة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبَّه وانتهره ولم يلتفت، حتى دخل ودخلت معه المرأةُ، فماتا في الحمَّام جميعًا، فأُتِيَ الملكُ فقيل له
(5)
: قتل صاحبُ الحمَّامِ ابنَك. فالتُمس، فلم يُقْدَرُ عليه فهرب. قال: من كان يَصْحَبُه؟ فسَمَّوا الفتيةَ، فالتُمسوا، فخرجوا من المدينةِ، فمرّوا بصاحبٍ لهم في زرعٍ له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، فانطلق معهم [ومعه]
(6)
الكلبُ، حتى أَوَاهم الليلُ إلى الكهف، فدخلوه، فقالوا: نبيتُ هاهنا الليلةَ، ثم نُصْبحُ إن شاء الله فترون رأيَكم. فضُرب على آذانهم، فخرج الملكُ في أصحابه يتبعونهم،
(1)
في النسخ وتاريخ الطبرى: "يعرض"، وفى تفسير عبد الرزاق، ومصنفه (9752)، وعنه في تفسير الصنعانى 2/ 397:"ففوض إليه" بدلا من: "فجعل يعرض عليه". والمثبت من عرائس المجالس.
(2)
بعده في م، وتاريخ الطبرى:"الإسلام"، ولعلها تصرف من محقق المطبوعة، وقد نقل عنه محقق التاريخ.
(3)
يسترسل إليه: ينبسط ويستأنس. الوسيط (ر س ل).
(4)
في م: "النكداء". وفى تفسير عبد الرزاق: "الكذا" والكذا".
(5)
ليس في: ص، ت 1، ت 2، ف، وتفسير عبد الرزاق. والمثبت موافق لعرائس المجالس، وتفسير البغوي.
(6)
سقط من: م.
حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلَّما أراد رجلٌ أَن يَدْخُلَ أُرْعِب، فلم يُطِقْ أَحدٌ أن يَدْخُلَه، فقال قائلٌ: أليس لو كنتَ قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابْنِ عليهم باب الكهف، ودعهم فيه يموتوا عَطَشًا وجوعًا. ففعل
(1)
.
القولُ في تأويل قوله: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)} .
يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ} : فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف. أي: ألقينا عليهم النوم، كما يقول القائل لآخر: ضربك الله بالفالج. بمعنى: ابتلاه الله به، وأرسله عليه، وقولُه:{سِنِينَ عَدَدًا} . يعنى: سنين معدودةً، ونُصِب العددُ بقوله:{فَضَرَبْنَا} .
وقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} . يقولُ: ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددًا من رقْدَتِهم؛ لينظُرَ عبادى فيعْلَموا بالبحث أيُّ الطائفتين اللتين اختَلَفتا في قدْرِ مَبْلَغِ مُكْثِ الفِتية في كهفهم رقودًا {أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا} . يقولُ: أصوبُ لقدْرِ لُبثهم فيه، {أَمَدًا} ، ويَعْنى بالأمد الغاية، كما قال النابغة
(2)
:
إلَّا لمثلك أو مَن أنتَ سابقُهُ
…
سَبقَ الجَوَادِ إذا استولى على الأمد
وذكر أن الذين اختلفوا في ذلك في أمورهم قومٌ من قوم الفتية؛ فقال بعضهم: كان الحزبان جميعًا كافرين. وقال بعضُهم: بل كان أحدهما مسلمًا، والآخرُ كافرًا.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 397 - 399، وينظر عرائس المجالس ص 378، وتفسير البغوي 5/ 149.
(2)
ديوانه ص 14.
ذِكرُ مَن قال: كان الحزبان مِن قوم الفتية
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ:{أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} ، من قومِ الفتية
(1)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد بنحوه
(1)
.
حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثله
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادة قوله:{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} . يقولُ: ما كان لواحد من الفريقين علمٌ، لا لكفَّارهم ولا لمؤمنيهم
(2)
.
وأما قوله: {أَمَدًا} . فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: بعيدًا.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} . يقولُ: بعيدًا.
وقال آخرون: معناه: عددًا.
(1)
تفسير مجاهد ص 446، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 215 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 215 إلى ابن أبي حاتم.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَمَدًا} . قال: عددًا
(1)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله
(1)
.
وفى نصب قوله: {أَمَدًا} . وجهان؛ أحدُهما: أن يكون منصوبًا على التفسير من قوله: {أَحْصَى} كأَنَّه قِيلَ: أيُّ الحزبين أصوبُ عددًا لقدْرِ لُبثهم.
وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب؛ لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء.
والآخرُ: أن يكون منصوبًا بوقوع قوله: {لَبِثُوا} عليه، كأنَّه قيل
(2)
: أيُّ الحزبين أحصَى للُبثهم غايةً.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: نحن يا محمد نَقُصُّ عليك خبر هؤلاء
(1)
تفسير مجاهد ص 446، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 215 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م، ت 1، ت 2، ف:"قال".
الفتية الذين أَوَوْا إلى الكهفِ {بِالْحَقِّ} . يعنى: بالصدق واليقين الذي لا شكَّ فيه، {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ}. يقولُ: إن الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأُ مِن مُشرِكى قومك، فتيةٌ آمنوا بربِّهم، {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}. يقولُ: وزدناهم إلى إيمانهم بربِّهم إيمانًا وبصيرةً بدينهم، حتى صبروا على هجران دارِ قومِهم، والهرب من بين أظهُرهم بدينهم إلى الله، وفِراقِ ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خُشونة المُكْثِ في كهف جبلٍ.
وقوله: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} . يقولُ عزَّ ذِكْرُه: وألهمناهم الصبر، وشدَدْنا قلوبهم بنور الإيمان، حتى عزَفَت أنفسهم عمَّا كانوا فيه
(1)
من خفض العَيْشِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} . يقولُ: بالإيمان.
وقوله: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ: حين قاموا بين يدى الجبَّارِ دَقيَنوسَ، فقالوا له إذ عاتبهم
(2)
على تركهم عبادة
(3)
آلهته: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ: قالوا: ربُّنا مَلِكُ السماواتِ والأرض وما فيهما من شيءٍ، وآلهتُك مربوبةٌ، وغير جائزٍ لنا
(3)
أن نَتْرُكَ عبادةَ الربِّ ونعبُدَ المربوبَ، {لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا}. يقولُ: لن نَدْعُوَ من دونِ ربِّ السماواتِ والأرض إلها؛ لأنَّه لا إله غيرُه، وأن كلَّ ما دونه فهو خلقه، {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}. يقول جلَّ ثناؤُه: لكن دعونا إلهًا غير إله السماوات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره
(1)
في م، ت 1، ف:"عليه".
(2)
في ص: "عابهم".
(3)
سقط من: ص.
إلهًا، شططًا من القول، يعنى غاليًا من الكذب، مجاوِزًا مقداره في البُطُولِ والغُلوِّ، كما قال الشاعرُ
(1)
:
ألا يا لَقَوْمى قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذلِى
…
ويَزعُمْن أَنْ أَوْدَى بِحَقِّي باطِلى
يُقالُ منه: قد أَشَطَّ فلانٌ في السَّوْمِ. إذا جاوز القدْرَ وارتفع، يَشِطُّ إِشْطَاطًا وشَطَطًا، فأمّا من البعدِ فإِنما يُقالُ: شَطّ منزل فلانٍ، يَشُطُ شُطُوطًا. ومن الطُّولِ: شَطَّتِ الجاريةُ تَشِطُ شَطاطًا وشِطاطًا
(2)
، إذا طالت.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {شَطَطًا} . قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} . يقولُ: كَذِبًا
(3)
.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} . قال: لقد قلنا إذن خطأ. قال: الشَّطَطُ الخطأُ من القول
(3)
.
القول في تأويل قوله تعالى: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)} .
يقول عزَّ ذكرُه مخبرًا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف: هؤلاء قومنا اتَّخذوا من دونِ اللهِ آلهةً يعبُدونَها من دونِه، {لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ}. يقولُ: هلَّا يأتُون على عبادتهم إيَّاها بحُجَّةٍ بيَّنةٍ.
(1)
هو الأحوص بن محمد الأنصارى. والبيت في ديوانه ص 179.
(2)
في ص، م:"شطاطة".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن أبي حاتم.
وفى الكلامِ محذوفٌ اجتُزِئ بما ظهر عمَّا حُذِف، وذلك في قوله:{لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} ، فالهاءُ والميمُ في {عَلَيْهِمْ} مِن ذِكْرِ الآلهة، والآلهة لا يُؤتَى عليها بسلطانٍ، ولا يُسأَلُ السلطانُ عليها، وإنما يُسأَلُ عابِدُوها السلطان على عبادتهمُوها، فمعلومٌ إذ كان الأمر كذلك أنّ معنى الكلام: لولا يأتون على عبادتهمُوها، واتخاذهُموها آلهةً من دونِ اللهِ، بسلطانٍ بيِّنٍ.
وبنحو ما قلنا في معنى السلطان قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} . يقولُ: بعذرٍ بيِّنٍ.
وعنى بقوله عزَّ ذِكرُه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} . ومَن أَشدُّ اعتداءً وإشراكًا بالله ممَّن اختلق، فتخرَّص على الله كذبًا، وأشرَك مع الله في سلطانه شريكًا يَعْبُدُه دونَه، ويَتَّخِذُه إلهًا.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)} .
يقول تعالى ذكره مخبِرًا عن قيل بعض الفتية لبعضٍ: وإذ
(1)
اعتَزَلْتُم أَيُّها الفتيةُ قومكم الذين اتَّخذوا مِن دونِ اللَّهِ آلهة، {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ}. يقولُ: وإذ
(2)
اعتزلتم قومَكم و
(3)
الذين يُعْبَدُون مِن الآلهة سوى الله. فـ "ما" - إذ كان ذلك
(1)
في ص، م، ف:"إذا".
(2)
في م: "إذا".
(3)
سقط من: م.
معناه - في موضع نصبٍ، عطفًا لها على الهاء والميم التي في قوله:{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ} .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} . وهى في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)، هذا تفسيرها
(1)
.
وأما قوله: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} ، فإنَّه يعنى به: فصيروا إلى غارِ الجبل الذي يسمى بنجلوسَ، {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ}. يقولُ: يَبْسُطُ لكم ربُّكم من رحمته، بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رميتم به من الكافر دقينوس، وطلبه إياكم لعَرْضِكم على الفتنة.
وقوله: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} جوابٌ لـ "إذ"، كأنَّ معنى الكلام: وإذ اعتزلتم أيُّها القومُ قومَكم، فأوُوا إلى الكهف. كما يقالُ: إِذ أَذْنَبَتَ فاستغفِرِ الله وتُبْ إِلَيْه.
وقوله: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} . يقولُ: ويُيسِّر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغَمِّ والكرب، خوفًا منكم على أنفسكم ودينكم، مرفقًا. ويعنى بالمِرفَقِ: ما تَرْتَفِقون به من شيءٍ. وفى المرفق من اليد وغير اليد لغتان؛ كسرُ الميم وفتح الفاءٍ، وفتح الميم وكسرُ الفاء. وكان الكسائيُّ يُنكرُ في مِرْفَقِ الإنسان الذي في
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
اليدِ إلا فتح الفاء وكسر الميم. وكان الفرَّاءُ يحكى فيهما - أعنى في مِرفَقِ الأَمْرِ واليد - اللغتين كِلْتَيهما، وكان يُنْشِدُ في ذلك قول الشاعر
(1)
:
* بِتُّ أُجَافِى مِرْفَقًا عن مَرْفِقِى*
ويقولُ: كسر الميم فيه أجودُ
(2)
.
وكان بعض نحويِّى أهل البصرة يقولُ في قوله: {مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} . شيئًا تَرتَفِقُون به، مثل المقطع، ومَرْفِقًا جعَله اسمًا كالمسجد، ويكونُ لغةً، يقولون: رفق يَرْفُقُ مَرْفِقًا، وإن شئتَ مَرْفَقًا، تريدُ رفقًا، ولم يُقرأْ.
وقد اختلفتِ القَرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةٍ أهل المدينة: (ويُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مَرْفِقًا) بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأته عامة قرأة العراق في المِصْرَينِ:{مِرْفَقًا} بكسر الميم وفتح الفاء
(3)
.
والصواب من القول في ذلك أن يُقالَ: إنَّهما قراءتان بمعنى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما قرأةٌ من أهل القرآن، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنَّ الذي أختارُ في قراءة ذلك:{وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} . بكسر الميم وفتح الفاء؛ لأن ذلك أفصحُ اللغتين وأشهرُهما في العرب، وكذلك ذلك في كلِّ ما ارتُفِق به من شيءٍ
(4)
.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ
(1)
ينظر اللسان (ر ف ق).
(2)
معاني القرآن 2/ 136، وليس فيه الشاهد.
(3)
قرأ نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ الباقون بكسر الميم وفتح الفاء. ينظر الكشف 2/ 56، وحجة القراءات ص 412.
(4)
بعده في ت 1، ف:"والله تعالى الموفق والملهم للصواب بمنه ويمنه".
عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَتَرَى الشَّمْسَ} يا محمدُ، {إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ}. يعنى بقولِه:{تَزَاوَرُ} . تعدِلُ وتميلُ، من الزَّورِ، وهو العِوَجُ والمَيلُ؛ يُقالُ منه: في هذه الأرضِ زَوَرٌ. إذا كان فيها اعوجاجٌ، و: في فلانٍ: عن فلانٍ ازْوِرارٌ. إذا كان فيه عنه إعراضٌ؛ ومنه قولُ بشرِ بن أبي خازمٍ
(1)
:
تَؤُمُ بِها الحُدَاةُ مِياهَ نَخْلٍ
…
وَفِيها عَنْ أَبانَيْنِ
(2)
ازْوِرَارُ
يعنى: إعراضًا وصدًّا.
وقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ: (تَزَّاوَرُ) بتشديدِ الزاي
(3)
؛ بمعنى: تتزاورُ، بتاءين، ثم أدغَم إحدى التاءين في الزَّاي، كما قيل:(تظَّاهَرُون عليهم)[البقرة: 85]. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ [أهلِ الكوفةِ]
(4)
: {تَزَاوَرُ} بتخفيفِ التاءِ والزاى
(5)
، كأَنَّه عنَى به:"تفاعل" من الزَّوَرِ. وقد رُوى عن بعضِهم: (تَزْوَرُّ)، بتخفيفِ التاءِ وتسكينِ الزّاى وتشديدِ الراءِ
(6)
،
(1)
ديوانه ص 62.
(2)
أبانَين: مثنى أبان، وهو جبل، ويليه جبل آخر يقال له شَرَوْرَى، فَغَلَّبوا: أبانا عليه فقالوا: أبانان. كما قالوا: العُمران. لأبي بكر وعمر. معجم البلدان 1/ 76.
(3)
كذا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 388.
(4)
في م، ت 2:"الكوفيين".
(5)
كذا قرأ عاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص 388.
(6)
كذا قرأ ابن عامر. السبعة ص 388.
مثلَ: تَحمَرُّ، وبعضِهم:(تَزْوَارُّ) مثلَ تحمارُّ
(1)
.
والصوابُ من القولِ في قراءةِ ذلك عندَنا أن يُقالَ: إنهما قراءتان - أعنى {تَزَاوَرُ} بتخفيفِ الزَّاي، و (تَزَّاوَرُ) بتشديدِها - معروفتان، مستفيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في قرأةِ الأمصارِ، متقاربتا المَعْنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ الصوابَ. وأما القراءتان الأخريان فإنَّهما قراءتان لا أرى القراءةَ بهما، وإن كان لهما في العربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لشذوذِهما عمَّا عليه قرأةُ الأمصارِ
(2)
.
وبنحو الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: {تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال:{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} . قال: تميلُ
(3)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} . يقولُ: تميلُ عنهم
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} . يقولُ: تميلُ عن كهفِهم يمينًا وشمالًا.
(1)
كذا قرأ الجحدري وأيوب السختيانى. ينظر مختصر الشواذ ص 82.
(2)
قرأ ابن عامر الشامى: (تَزْوَرُّ) بوزن: تَحْمَرّ، متواترة، والشاذة هي: تَزوارُّ؛ بوزن تَحمَارُّ.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 139.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 139، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} . يقولُ: تميلُ ذاتَ اليمينِ، تدَعُهم ذاتَ اليمين.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} . قال: تميلُ عن كهفِهم ذاتَ اليمينِ
(1)
.
حُدِّثتُ عن يزيدَ بن هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو أن الشمسَ تطلُعُ عليهم لأحرَقَتْهم، ولو أنهم لا يُقلَّبون
(2)
لأكَلَتْهم الأرضُ. قال: وذلك قولُه: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ}
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن
(4)
أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال:{تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} . قال
(5)
: تميلُ
(6)
.
وقولُه: {وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غرَبتِ الشمسُ تتركُهم من ذاتِ شمالِهم. وإنما معنى الكلامِ: وترَى الشمسَ إذا
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 400.
(2)
في ص: "يعلمون"، وفى ت:2 "يقبلون".
(3)
أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق يزيد به مطولًا، كما في تغليق التعليق 4/ 245.
(4)
في ت 1، ف:"عن". ينظر تهذيب الكمال 26/ 452.
(5)
سقط من: م.
(6)
في ص: "يمينًا".
طلَعت تعدِلُ عن كهفِهم، فتطلُعُ عليه
(1)
من ذاتِ اليمينِ، لئلَّا تصيبَ الفِتيةَ؛ لأنها لو طلَعت عليهم قُبَالَتَهم لأحرَقتهم وثيابَهم، أو
(2)
أشحَبَتهم. وإذا غرَبت تتركُهم بذاتِ الشمالِ، فلا تصيبُهم؛ يُقالُ منه: قرَضتُ موضِعَ كذا. إذا قطَعتَه فجاوزتَه، وكذلك كان يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ. وأما الكوفيّون فإنهم يزعُمون أنه المحاذاةُ، وذكَروا أنَّهم سمِعوا من العربِ: قرَضتُه قُبُلًا ودُبُرًا، وحذوتُه ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ، وقُبُلًا ودُبُرًا. أي كنتُ بحِذائِه. قالوا: والقرْضُ والحَذْوُ بمعنًى واحدٍ. وأصلُ القرْضِ: القَطْعُ. يُقالُ منه: قرَضتُ الثوبَ. إذا قطَعتَه. ومنه قيل للمِقْراضِ مِقراضٌ؛ لأنه يَقْطَعُ. ومنه: قرَض الفأرُ الثوبَ. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ
(3)
:
إلى ظُعُنٍ يَقرِضُنَ أجْوازَ مُشرِفِ
…
شِمالًا وعن أيمانهنَّ الفَوارِسُ
يعنى بقولِه: يَقْرِضَنَ: يَقْطَعْنَ.
وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} . يقولُ: تذَرُهم
(4)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن
(1)
في ت 2: "عليهم".
(2)
في ت 1: "أي"، وفي ت 2:"و".
(3)
ديوانه 2/ 1120.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
سالم الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال:{وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ} : تترُكُهم ذاتَ الشِّمالِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{تَقْرِضُهُمْ} . قال: تترُكُهم
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} . يقولُ: تدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} . قال: تَدَعُهم ذاتَ الشِّمالِ
(2)
.
حدَّثنا ابن سنانٍ القزّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ} . قال: تترُكُهم.
وقولُه: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} . يقولُ: والفِتيةُ الذين أَوَوْا إليه في متَّسْعٍ منه. يُجمَعُ فَجَوَاتٍ، وفِجَاءً، ممدودًا.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
تفسير مجاهد ص 446، وأخرجه الفريابي عن ورقاء به - كما في تغليق التعليق 4/ 243 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 400.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} . يقولُ: في فضاءٍ من الكهفِ، قال الله:{ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} .
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} . قال: المكانُ الداخلُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} . قال: المكانُ الذاهبُ
(1)
.
حدَّثنا ابن سنانٍ
(2)
، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ أبو سعيدِ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} ، قال: في مكانٍ داخلٍ
(3)
.
وقولُه: {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} . يقولُ عزَّ ذكرُه: فِعْلُنا هذا الذي فعَلنا بهؤلاء الفِتيةِ الذين قصَصْنا عليكم أمرَهم من تصيِيرِناهم، إذ أَرَدْنا أَن نَضْرِبَ على آذانِهم بحيثُ تزَاوَرُ الشمسُ عن مضاجِعِهم ذاتَ اليمينِ إذا هي طلَعت، وتقرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ إذا هي غَرَبت، مع كونِهم في المتَّسَع من المكانِ، حيثُ
(4)
لا تَحرِقُهم الشمسُ فتُشْحِبَهم، ولا تَبْلَى على طولِ رقْدَتِهم ثيابُهم، فتعفَنَ على أجسادِهم
(5)
-
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في ص، ت 1، ف:"بشار".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
في م، ت 2:"بحيث".
(5)
في ص، ت 1، ف:"أجسامهم".
من حُجَحِ اللَّهِ وأدلتِه
(1)
على خلقِه، والأدلِة التي يستدِلُّ بها أولو الألبابِ على عظيمِ قدرتِه وسلطانِه، وأنه لا يُعجزُه شيءٌ أرادَه.
وقولُه: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} . يقولُ عز وجل: مَن يوفِّقْه الله للاهتداءِ بآياتِه وحُجَجِه إلى الحقِّ الذي
(2)
جعَلها أدلةً عليه {فَهُوَ الْمُهْتَدِ} . يقولُ: فهو الذي قد أصاب سبيلَ الحقِّ، {وَمَنْ يُضْلِلْ}. يقولُ: ومَن أضَلَّه الله عن آياتِه وأدلتِه، فلم يوفِّقْه للاستدلالِ بها على سبيلِ الرشادِ، {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}. يقولُ: فلن تجِدَ له يا محمدُ خليلًا وحليفًا يُرشدُه لإصابتِها؛ لأن التَّوفيقَ والخذْلانَ بيدِ الله، يوفِّقُ مَن يشاءُ من عبادِه، ويَخذُلُ مَن أرادَ. يقولُ: فلا يَحزُنْك إدبارُ من أدبرَ عنك من قومِك وتكذيبُهم إيَّاكَ
(3)
، فإني لو شئتُ هدَيتُهم فَآمَنوا، وبيدى الهِدايةُ والضَّلالُ
(4)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وتحسَبُ يا محمدُ هؤلاء الفِتيةَ الذين قصَصْنا عليك قصَّتَهم، لو رأيتَهم في حالِ ضَرْبِنا على آذانِهم في كهفِهم الذي أوَوْا إليه - أيقاظًا. والأيقاظُ: جمعُ يَقِظٍ، ومنه قولُ الراجزِ
(5)
:
(1)
سقط من: ص، ت 1، ف.
(2)
في م، ت 2:"التي"، وغير واضحة في: ف.
(3)
في ت 2: "إياي".
(4)
في ص: "الضلالة".
(5)
نسبهما أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 397 لرؤبة، وليسا في الديوان.
ووجَدوا إخْوتَهم أيْقاظا
وسَيْفَ غَيَّاظٍ لهم غَيَّاظا
وقولُه: {وَهُمْ رُقُودٌ} . يقولُ: وهم نِيامٌ. والرُّقودُ: جمعُ راقدٍ، [كما الجُلوسُ]
(1)
جمعُ جالسٍ، والقُعودُ جمعُ قاعِدٍ. وقولُه:{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ونقلِّبُ هؤلاء الفتيةَ في رقْدَتِهم مرَّةً للجنبِ الأيمنِ، ومرَّةً للجنبِ الأيْسَرِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} : وهذا التَّقلِيبُ في رقْدَتِهم الأُولى
(2)
.
قال: وذُكِر لنا أن أبا عِياضٍ قال: لهم في كلِّ عامٍ تقلِيبَتانِ
(3)
.
حُدِّثتُ عن يزيدَ، قال: أخبَرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} . قال: لو أنهم لا يُقلَّبون لأَكَلتْهم الأرضُ
(4)
.
وقولُه: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} . اختلَف أهلُ التأويل في الذي عنَى الله بقولِه: {وَكَلْبُهُمْ} ؛ فقال بعضُهم: هو كلبٌ من كلابِهم كان معهم. وقد ذكَرْنا كثيرًا ممَّن قال ذلك فيما مضَى. وقال بعضُهم: كان إنسانًا
(5)
مِن الناسِ
(1)
في م، ت 2:"كالجلوس".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
تقدم تخريجه في ص 186.
(5)
كذا في النسخ، وفى ابن كثير 5/ 141:"وقيل كان كلب طباخ الملك، وكان قد وافقهم على الدين، فصحبهم كلبه، فالله أعلم".
طبَّاخًا لهم تَبِعهم
(1)
.
وأما الوصيدُ، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الفِناءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{بِالْوَصِيدِ} . يقولُ: بالفِناءِ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِيٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} . قال: بالفِناءِ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِالْوَصِيدِ} . قال: بالفِناءِ
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{بِالْوَصِيدِ} . قال: بالفِناءِ.
قال ابن جريجٍ: يُمسِكُ بابَ الكهفِ
(5)
.
(1)
بعده في ص، ت 1، ف:"ذكر ذلك ولم يذكر الحديث".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 140. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 140.
(4)
تفسير مجاهد ص 446.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن المنذر.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} . يقولُ: بفِناءِ الكهفِ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{بِالْوَصِيدِ} . قال: فناءُ
(2)
الكهف
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِالْوَصِيدِ} . قال: يعنى بالفِناءِ
(4)
.
وقال آخرون: الوَصِيدُ الصَّعيدُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} . يعني فِناءَهم، ويُقالُ: الوَصيدُ الصَّعيدُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بن
(5)
عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} . قال: بالصَّعِيدِ
(6)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرٍو في قولِه:{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} . قال: الوَصيدُ الصَّعيدُ؛ التُّرابُ.
(1)
تقدم تخريجه في ص 191.
(2)
في م: "بفناء".
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 399 - 400.
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 158، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 109.
(5)
في م: "عن". وينظر ترجمة هارون بن عنترة في تهذيب الكمال 30/ 100.
(6)
في م: "الوصيد الصعيد". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقال آخرون: الوَصيدُ البابُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} . قال: بالبابِ، وقالوا: بالفناءِ
(1)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الوَصيدُ البابُ، أو فناءُ البابِ حيثُ يُغلَقُ البابُ. وذلك أن البابَ يُوصَدُ، وإيصادُه إطباقُه وإغْلاقُه، من قولِ الله عز وجل:{إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} [الهمزة: 8]. وفيه لُغَتَانِ: الأَصِيدُ، وهى لغةُ أهل نجدٍ. والوَصيدُ، وهى لغةُ أهلِ تهامةَ. وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ، قال: إنها لغةُ أهلِ اليمنِ. وذلك نَظيرُ قولِهم: ورَّختُ الكتابَ وأَرَّخْتُه، ووكَّدتُ الأمرَ وأكَّدتُه
(2)
. فمَن قال: الوَصيدُ. قال: أوصدتُ البابَ، فأنا أُوصِدُه، وهو مُوصَدٌ. ومَن قال: الأَصِيدُ. قال: آصَدتُ البابَ، فهو مُؤْصَدٌ. فكأن معني الكلامِ: وكلبُهم باسطٌ ذراعَيْه بفِناءِ كهفِهم عندَ البابِ، يحفَظُ عليهم بابَه.
وقولُه: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} . يقولُ: لو اطَّلَعتَ عليهم في رَقْدَتِهم التي رَقَدوها في كهفِهم، لأدْبَرتَ عنهم هارِبًا مِنهم فارًّا، {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا}. يقولُ: ولمُلِئَتْ نفسُك اطِّلاعِك عليهم فَرَعًا؛ لِما كان اللَّهُ ألبَسَهم من الهَيْبَةِ؛ [كي لا]
(3)
يصلَ إليهم واصِلٌ، ولا تَلْمِسَهم يدُ لامِسٍ، حتى يبلُغَ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 216 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"أكدت".
(3)
في ت 2: "لئلا".
الكتابُ فيهم أجله، ويوقظهم من رقدتهم قدرتهُ وسلطانُه في الوقت الذي أراد أن يجعَلَهم عبرةً لمن شاء من خلقه، وآيةٌ لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده؛ {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21].
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} ؛ فقرَأَتُه عامةُ قَرَأَةِ المدينة بتشديد اللام من قوله: (ولَمُلِّئتَ). بمعنى أنه كان يمتَلئُ مرَّةً بعد مرَّةٍ. وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ العراقِ: {وَلَمُلِئْتَ} . بالتخفيف، بمعنى: لمُلِئتَ مرَّةً
(1)
. وهما عندنا قراءتان مُستفيضتان في القراءةِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ.
يقول تعالى ذكره: كما أرْقَدْنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وُصول واصل إليهم، وعين ناظرٍ أن يَنْظُرَ إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى
(2)
على طُولِ الزمانِ، وثيابهم من العفَنِ على مرِّ الأيام بقُدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم
(3)
؛ لنُعرِّفَهم عظيم سُلطاننا، وعجيب فعلنا في
(1)
قرأ ابن كثير ونافع: (ولملئت) مشددة، وقرأ عاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي:{وَلَمُلِئْتَ} خفيفة. وروى إسماعيل بن مسلم عن ابن كثير: {وَلَمُلِئْتَ} له خفيفة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 389.
(2)
في م: "البلاء".
(3)
في ت 2: "نومتهم".
خلقنا، وليزدادُوا بصيرةً في أمرهم الذي هم عليه؛ من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم [العبادة لله]
(1)
وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طولَ مَرِّ
(2)
الزمانِ عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا.
وقولُه: {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} . يقولُ: ليسأل بعضُهم بعضًا، {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ}. يقولُ عزّ ذكرُه: فتساءلوا فقال قائلٌ منهم لأصحابه: {كَمْ لَبِثْتُمْ} ؟ وذلك أنَّهم استنْكَروا مِن أنفسهم طول رقدتهم، {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. يقولُ: فأجابه الآخرون فقالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} . ظنًّا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون:{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} . فسلَّموا العلم إلى اللهِ.
وقوله: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} . يعنى مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تُسمَّى أُفْسُوس
(3)
، {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} . ذُكر أنَّهم بعثوا
(4)
من رقدتهم جِياعًا، فلذلك طلبوا الطعام.
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السبب الذي أجلِه ذُكر أنهم بُعثوا من رقدتهم حين بُعثوا منها
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:
(1)
في م: "لعبادة الله".
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
في ص: "دقينوس"، وفى ت 1 ت:2 "دفسوس"، وفى ف:"دقيانوس". وينظر معجم البلدان 1/ 330.
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"هبوا".
أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ
(1)
، أنه سمع وهب بن مُنبهٍ يقولُ: إنهم عبروا - يعنى الفتية من أصحاب الكهف - بعد ما بُنى عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمانٍ، ثم إِنَّ راعيًا أدْرَكه المطرُ عندَ الكهف، فقال: لو فتحتُ هذا الكهف وأدخَلْتُه
(2)
غنمى من المطر. فلم يزَلْ يُعالجُه حتى فتح ما أُدخل
(3)
فيه، ورَدَّ الله
(4)
إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بوَرِقٍ يشترى لهم
(5)
طعامًا، فكلما
(6)
أتى باب مدينتهم، رأى شيئًا يُنكرُه، حتى دخل على رجلٍ فقال: يعنى بهذه الدراهم طعامًا. فقال: ومن أين لك هذه الدراهمُ؟ قال: خرَجْتُ
(7)
وأصحابٌ لى أمسِ، فآوانا الليلُ، ثم أصبحوا فأرسلونى. فقال: هذه الدراهمُ كانت على عهد الملك
(8)
. فلانٍ، فأنَّى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكًا صالحًا، فقال: من أين لك هذه الوَرِقُ؟ قال: خرَجْتُ أنا وأصحابٌ لى أمس، حتى أدركنا الليلُ في كهف كذا وكذا، ثم أمرونى أن أشترى لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا
(9)
معه حتى أَتَوْا بابَ الكهف، فقال: دعُونى أدخُلْ على أصحابى قبلكم. فلما رأَوه ودنا منهم، ضُرب على أُذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجلٌ أُرْعِب، فلم يَقْدِروا على أن يَدخُلوا إليهم
(10)
، فبنوا عندهم كنيسةً،
(1)
في م، ت 1:"بشروس".
(2)
في م، ت 2:"أدخلت".
(3)
في م: "أدخله".
(4)
سقط من النسخ، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(6)
في م: "فلما".
(7)
بعده في م، وتفسير عبد الرزاق:"أنا".
(8)
في ص، م، ت 1 ف:"ملك".
(9)
في ص، وتفسير عبد الرزاق:"فانطلق".
(10)
في ص، م، ت 1، ف:"عليهم".
واتَّخذوها مسجِدًا يُصلُّون فيه
(1)
.
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناء ملوك الروم، رزَقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينِهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهَوا إلى الكهف، فضرب اللَّهُ على سُمْخانِهم
(2)
فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أُمتُهم، وجاءت أُمةٌ مسلمةٌ، وكان ملكُهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ والجسدُ جميعًا.
وقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكون شيئًا. فشقَّ على ملكهم اختلافُهم، فانطلق فليس المُسُوحَ، وجلس على الرَّمادِ، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربِّ، قد تَرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةٌ تُبَيِّنْ لهم. فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكرُ الوُجوهَ، ويُعرفُ الطُّرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مُستَخْفٍ، حتى أتى رجلًا يشترى منه طعامًا، فلما نظر الرجلُ إلى الوَرِقِ أَنكرها. قال: حسِبتُ أنه قال: كأَنَّها أخفافُ الرُّبَعِ - يعنى الإبل الصِّغار - فقال له الفتى: أليس ملككم فلانٌ
(3)
؟ قال: بل مَلِكُنا فلانٌ. فلم يزَلْ ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملكِ، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملكُ في الناس فجمعهم، فقال: إنَّكم قد اختلَفْتُم في الرُّوح والجسد، وإنَّ الله قد بعث لكم آية؛ فهذا رجلٌ من قوم فلانٍ.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 397، 399 وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 7 - 9 مطولًا.
(2)
في م: "سمعهم"، وفى ت:"آذانهم" وفى ت 2: "أسماعهم"، وفى ف:"سمناهم"، والسماخ: ثقب الأذن الذي يدخل فيه الصوت، ويقال بالصاد لمكان الخاء. النهاية 2/ 398.
(3)
في م: "فلانا".
يعنى ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى. فركب الملكُ، وركب معه الناسُ، حتى انتهى
(1)
إلى الكهفِ، فقال الفتى: دعونى أدخُلْ إلى أصحابى. فلمّا أبْصَرهم ضرب الله
(2)
على أُذنِه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا يُنكرون منها شيئًا، غير أنَّها لا أرواح فيها، فقال الملكُ: هذه آيةٌ بعثها الله لكم. قال قتادة: [وغزا ابن عباسٍ]
(3)
مع حبيب بن مَسلَمةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب الكهف. فقال ابن عباسٍ: لقد ذهبت عظامُهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ
(4)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلادِ رجلٌ صالحٌ، يقال له: تيذوسيسُ
(5)
. فلمّا ملك بقى في
(6)
ملكه ثمانيًا وستِّين سنةً، فتحزَّب الناسُ في ملكه، فكانوا أحزابًا، فمنهم من يُؤْمِنُ بالله ويعلَمُ أنَّ الساعةَ حقٌّ، ومنهم من يُكذِّبُ بها
(6)
، فكبُر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرَّع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقِّ ويقولون: لا حياة إلا الحياةُ الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ. ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيسُ يُرسل إلى من يظُنُّ فيه خيرًا، وأنَّهم أئمةٌ في الحقِّ، فجعلوا يُكَذِّبون
(7)
بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحقِّ وملة الحواريين، فلمّا رَأى ذلك الملكُ
(1)
في م: "انتهوا".
(2)
سقط من: ص، م، ف.
(3)
في م: "وعن ابن عباس كان قد غزا".
(4)
تفسير عبد الرزاق، 1/ 395، 396، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 9، 10.
(5)
هنا وفيما يأتى في ص: "تيدوسيس"، وفى ف:"بيذوسيس".
(6)
سقط من: م.
(7)
بعده في ت 1: "الناس ويكذبون".
الصالح تيذوسيسُ، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانًا يتضرع إلى الله، ويَبْكى إليه مما يرى فيه الناسَ، ثم إنَّ الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العبادِ، أراد أن يُظْهِرَ على الفتية أصحاب الكهف، ويبيِّن للناس شأنهم، ويجعلهم آيةً لهم، وحُجةً عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيسَ، ويتمَّ نعمته عليه، فلا يَنْزِعَ منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يَعْبُدَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنين؛ فأَلْقَى اللَّهُ في نفسِ رجلٍ من أهل ذلك البلد الذي به الكهف - وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسمُ ذلك الرجلِ أولياس - أن يَهْدِمَ البنيان الذي على فم الكهف. فيبني به حظيرةً لغنمه، فاستأجر عامِلَين، فجعَلا يَنزِعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا باب الكهف، وحجَبَهم الله من الناس بالرُّعب، فَيَزْعُمون أن أشجَعَ من يُريدُ أن ينظُرَ إليهم [غايةَ ما يُمكنه]
(1)
أن يَدْخُلَ من باب الكهف، ثم يتقدَّمَ حتى يرى كلبهم دونَهم إلى بابِ الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا
(2)
بابَ الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيى الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهرى الكهف، فجلسوا فرحين، مُسْفِرةً وجوههم، طيِّبةً أنفسهم، فسلم بعضُهم على بعضٍ، حتى كأَنَّما استَيْقَظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتُون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذى كانوا يفعلون، لا يَرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيءٌ يُنكرونه، كهيئتهم
(3)
حين رقدوا بعشيٍّ أمسٍ، وهم يرون أن ملِكَهم
(1)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(2)
بعده في م: "عليهم".
(3)
في ت 2: "كهيئاتهم".
دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم، فلما قضَوْا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا
(1)
صاحب نفقتهم الذي كان يبتاعُ لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءَهم بالخبر أن دقينوسَ يلْتَمِسُهم ويسأل عنهم: أنبئنا يا أخى، ما الذي قال الناسُ في شأننا عشيَّ أمس عند هذا الجبارِ؟ وهم يظنُّون أنَّهم رقدوا كبعض ما كانوا يَرقُدون، وقد خُيِّل إليهم أنَّهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءَلُوا بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: كم لَبِثْتم نياما؟ قالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} . قالوا: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} . وكلُّ ذلك في أنفسهم يسيرٌ، فقال لهم يمليخا: افتُقدتُم والتُمِسْتُم بالمدينة، وهو يُريدُ أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتُلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل
(2)
. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقوْن، فلا تكفُروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله
(3)
، ولا تنكروا الحياة التي لا
(4)
تبيدُ بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتَسمَّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي [نُذكر به]
(5)
عند دقينوس، وتلطَّف، [ولا تُشعِرَنَّ بنا أحدًا]
(6)
، وابتع
(7)
لنا طعامًا فائتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي جئتنا به، فإنه كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعَلُ، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكَّرُ فيها، وأَخَذَ وَرِقًا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُرِبت بطابع دقينوس الملكِ، فانطلق يمليخا خارجًا، فلما مر بباب
(1)
بعده في م: "وكان هو".
(2)
سقط من: م.
(3)
في ص وعرائس المجالس: "غدا".
(4)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(5)
في ص: "يذكرونه".
(6)
في م: "ولا يشعرن بنا أحد".
(7)
في ت 1، ف:"ابتغ".
الكهفِ، رَأى الحجارةَ مَنْزوعةً عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريقِ؛ تخوفًا أن يراه أحدٌ من أهلها فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يَشْعُرُ العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائةٍ وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بينَ أن نامُوا إلى أَنِ اسْتَيْقظوا ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكونُ لأهل الإيمان إذا كان [أمر أهل الإيمان]
(1)
ظاهرًا فىها، فلما رآها عجب وجعل ينظُرُ مستخفيًا إليها، فنظر يمينا وشمالًا، فعجب
(2)
بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك البابَ، فتحوَّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى مِن ذلك ما يُحيطُ بالمدينة كلِّها، ورأى على كلِّ بابٍ مثل ذلك، فجعل يُخيَّلُ إليه أن المدينة ليست بالمدينة التي كان يَعْرِفُ، ورأى ناسًا كثيرًا
(3)
محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشى ويعجَبُ، ويُخيَّلُ إليه أنَّه حَيْرانُ، ثم رجع إلى البابِ الذي أتى منه، فجعَل يَعْجَبُ بينه وبين نفسه ويقولُ: يا ليت شعرى، أمَا هذه عشية أمس فكان المسلمون يُخفون هذه العلامةَ ويَسْتَخْفُون بها، وأمّا اليوم فإنَّها ظاهرةٌ، لعلِّى حالمٌ! ثم يرى أنه ليس بنائمٍ، فأخَذ كساءَه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينةَ فجعل يمشى بين ظهرَيْ
(4)
سوقها، فيسْمَعُ ناسًا كثيرًا يَحْلِفون باسم عيسى ابن مريم، فزادَه فرقًا، ورأى أنه حَيْرانُ، فقام مُسنِدًا ظهره إلى جدارٍ من جُدرِ المدينة ويقولُ في نفسه: واللَّهِ ما أَدْرِى ما هذا؟ أمّا عشية أمس فليس على الأرضِ إنسانٌ يَذْكُرُ عيسى ابن مريم إلا قُتل، وأما الغداةَ فَأَسْمَعُهم وكلُّ إنسانٍ يَذْكُرُ أَمرَ عيسى لا يخافُ! ثم قال في
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(2)
في م، ت 2:"فتعجب".
(3)
في م: "كثيرين".
(4)
في ص، ت 1، ف:"ظهرانى".
نفسه: لعلَّ هذه ليست بالمدينة التي أعْرِفُ، أسمع كلام أهلها، ولا أعرفُ أحدًا منهم، والله ما أعلمُ مدينةٌ قُربَ مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجَّهُ وجهًا، ثم لقى فتًى مِن أَهلِ المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: اسمُها أُفْسُوسُ. فقال في نفسه: لعلَّ بى مسًّا، أو بى أمرًا أَذْهَب عقلى، واللَّهِ يحقُّ لى أن أُسرِعَ الخروج منها قبلَ أَن أُخْرَى فيها، أو يصيبنى شرٌّ
(1)
فأهلك. هذا الذي يُحدِّثُ به يمليخا أصحابه حين يبيِّن
(2)
لهم ما بهم
(3)
، ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجَّلتُ الخروج من المدينة قبل أن يُفْطَنَ
(4)
بى لكان أكيس لى. فدنا من الذين يبيعُون الطعامَ، فأَخْرَج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعنى بهذه الوَرِقِ يا عبدَ اللَّهِ طعامًا. فأخذها الرجلُ، فنظر إلى ضَرْبِ الوَرِقِ ونقشِها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجلٍ من أصحابه فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارَحُونها بينهم من رجلٍ إلى رجلٍ، ويتعجَّبُون منها، ثم جعَلُوا يَتَشاورون بينهم ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: إنَّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرضِ منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ. فلما رآهم يَتَشاوَرُون من أجلِه فرق فَرَقًا شديدًا، وجَعَل يَرْتَعِدُ ويَظُنُّ أَنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنَّهم إنما يُريدون أن يَذْهَبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسلِّمونه إليه، وجعل ناسٌ آخرون يأتونه فيتعرَّفونه، فقال لهم وهو شديدُ الفَرَقِ منهم: أفضلوا عليَّ، قد
(5)
أخَذْتم وَرقى فأمسكوا، وأما طعامُكم فلا حاجة لى به. فقالوا له: من أنت يا فتى؟ وما شأنُك؟ والله لقد وَجَدْتَ كَنزًا من كُنوز الأوَّلين، وأنت تُريدُ أن تُخْفِيَه منا، انطلق معنا فأرناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وَجَدْتَ، فإنَّك إن لا تفعَلْ نَأْتِ بك السلطان،
(1)
في ت 2: "شيء".
(2)
في ص، م، ف:"تبين".
(3)
في م، ت 2:"به".
(4)
في ص، ت 1، ف:"يظفر".
(5)
في م، ت 2:"فقد".
فتُسلِّمْك إليه فيقْتُلْك. فلمّا سمع قولهم، عجب في نفسه فقال: قد وقعتُ في كلَّ شيءٍ كنتُ أحذَرُ منه. ثم قالوا: يا فتى، إِنَّكَ واللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أَن تَكْتُمَ ما وَجَدْتَ، [ولا تَظُنُّ في]
(1)
نفسك أنه سيَخْفَى لك
(2)
. فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقول لهم وما يَرْجِعُ إليهم، وفرق حتى ما يُحِيرُ إليهم جوابًا
(3)
، فلمّا رَأَوْه لا يتكلَّمُ أخَذوا كساءَه فطوَّقوه
(4)
في عُنقِه، ثم جعلوا يقودُونه في سِكَكِ المدينةِ مُلَبَّبًا
(5)
. حتى سمع به من فيها، فقيل: أُخِذ رجلٌ عنده كنزٌ. واجتمع عليه أهلُ المدينة صغيرهم وكبيرُهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولُون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة
(6)
، وما رأيناه فيها قطُّ، وما نَعْرِفُه. فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقولُ لهم، مع ما يَسْمَعُ منهم، فلما اجتمع عليه أهلُ المدينة فرق، فسكت فلم يتكلَّم، ولو أنه قال: إنَّه من أهل المدينة، لم يُصدَّق، وكان مستيقنًا أنَّ أباه وإخوته بالمدينة، وأن حَسَبه مِن أهل المدينة من عُظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنَّه من
(7)
عشية أمس يعرِفُ كثيرًا من أهلها، وأنَّه لا يَعْرِفُ اليومَ مِن أهلها أحدًا، فبينما هو قائمٌ كالحيران ينتظرُ متى يأتيه بعض أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلِّصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رأسى
(8)
المدينة ومدبِّريها اللذين يُدبِّران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسمُ أحدهما أريوس، واسمُ الآخر أسطيوس، فلما انطلق به
(1)
في ص، ف:"ولا وجدت من"، وفى ت 1:"وما وجدت من".
(2)
في م: "حالك".
(3)
في ص، ت 1، ف:"شيئًا".
(4)
في ص، ت 2:"فطووه".
(5)
لببت الرجل ولبَّبته: إذا جعلت في عنقه ثوبًا أو غيره وجررته به. ينظر النهاية 4/ 223.
(6)
في ت 2: "القرية".
(7)
سقط من: ص، ت 1، ف.
(8)
في م: "رئيسى".
إليهما، ظنَّ يمليخا أنه يُنطَلقُ به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفتُ يمينًا وشمالًا، وجعل الناسُ يسخرون منه كما يُسخَرُ من المجنونِ والحيران، فجعل يمليخا يبكى، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهمَّ إله السماوات
(1)
والأرض، أولج معى رُوحًا منك اليومَ تُؤيدُنى به عند هذا الجبار. وجعَل يبكى ويقولُ في نفسه: فرَّق بينى وبين إخوتى، يا ليتهم يعلمون ما لقيتُ، وأَنِّي
(2)
يُذهَبُ بى إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون، فيأتون، فنقومُ جميعًا بينَ يدى دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونَنَّ معًا، لا نكفر بالله ولا نشركُ به شيئًا، ولا نعبُدُ الطواغيت من دونِ اللهِ، فرَّق بينى وبينهم، فلن يرونى ولن أراهم أبدًا، وقد كنَّا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعرى ما هو فاعلٌ بى؟ أقاتلى هو أم لا؟ ذلك الذي يحدِّثُ به يمليخا نفسَه فيما
(3)
أخبر أصحابه حين رجع إليهم.
حتى
(4)
انتهى به
(5)
إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس أفاق وسكن عنه البكاءُ، فأخذ أريوسُ وأسطيوسُ الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنزُ الذي وجدتَ يا فتى؟ هذا الورقُ يشهدُ عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدتُ كنزًا، ولكنَّ هذه الورق ورِقُ آبائى ونقش هذه المدينةِ وضَرْبُها، ولكن والله ما أدرى ما شأنى، وما أدرى ما أقولُ لكم. فقال له أحدُهما: من أنت؟ فقال له يمليخا: [أما ما أرى]
(6)
فكنتُ أرى أنى من أهل هذه القرية. قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟
(1)
في ص، ت 1، ف:"السماء".
(2)
في ص، ت 1، ف:"أين".
(3)
في ت 2: "لما".
(4)
في م: "لما"، وفى ت 2:"حين".
(5)
سقط من: "م".
(6)
في م: "ما أدرى".
فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرِفُه ولا أباه، فقال له أحدُهما: أنت رجلٌ كذَّابٌ لا تُنبئُنا بالحقِّ. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال له بعضُ من حوله: هذا رجلٌ مجنونٌ. فقال بعضُهم: ليس بمجنونٍ، ولكنَّه يُحَمِّقُ نفسَه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له
(1)
أحدُهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظُنُّ أنك إذ تتجانَنُ نُرسِلُك ونُصدِّقُك بأن هذا مالُ أبيك، وضربُ هذه الورق ونقشُها منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ، وإنما أنت غلامٌ شابٌّ، تظنُّ أنك تأفِكُنا، ونحن شُمْطٌ كما ترى، وحولك سَراة أهل المدينة وولاة أمرها؟ إنى لأظُنُّنى
(2)
سآمُرُ بك فتعذَّبُ عذابًا شديدًا، ثم أُوثِقُك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال له
(3)
يمليخا: أنبئونى عن شيءٍ أسألكم عنه، فإن فعلتم صدَقْتُكم عمَّا عندى؛ أرأيتُم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجلُ: ليس على وجه الأرضِ رجلٌ اسمه دقينوسُ، ولم يكن إلا ملكٌ قد هلك منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وهلكت بعده قرونٌ كثيرةٌ. فقال له يمليخا: فوالله إنى إذًا لحيرانُ، وما هو بمصدِّقى
(4)
أحدٌ من الناس بما أقولُ، والله لقد علمتُ، لقد فَرَرنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين
(5)
دخل مدينة أُفسوس، ولكن لا أدرى، أمدينةُ أُفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معى إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أُريكم أصحابى. فلما سمع أريوسُ ما يقول يمليخا، قال: يا قوم، لعلَّ هذه آيةٌ من آياتِ اللَّهِ جعلها الله
(6)
لكم على يدى هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرنا أصحابه كما
(1)
سقط من: ص، ت 1، ف.
(2)
في ص، ت 1، ف:"لأظن".
(3)
سقط من: م.
(4)
في م: "بمصدق".
(5)
في ص، ت 1، ف:"حتى".
(6)
سقط من: م، ت 2.
قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوسُ، وانطلق معهم أهلُ المدينة كبيرُهم وصغيرُهم، نحو أصحاب الكهف لينظُروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحابُ الكهف يمليخا قد احتبس عنهم
(1)
بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتى فيه
(2)
، ظنُّوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنُّون ذلك ويتخوَّفونه، إذ سمِعوا الأصوات وجَلْبَةَ الخيلِ مُصعِدَةً نحوَهم، فظنُّوا أَنَّهم رُسُلُ الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاةِ، وسلَّم بعضُهم على بعضٍ، وأوصى بعضُهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنَّه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظرُ متى نأتيه. فبينما هم يقولون ذلك، وهم جُلوسٌ بين ظهرَى الكهف
(3)
، فلم يَرَوْا إِلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وقد سبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكى، فلما رَأَوْه يَبكى بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقصَّ عليهم النبأ كلَّه، فعرَفوا عند ذلك أنَّهم كانوا نيامًا بأمرِ اللَّهِ ذلك الزمانَ كلَّه، وإنما أُوقِظُوا ليكونوا آيةً للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نُحاس مختومًا بخاتمٍ من فضةٍ، فقام بباب الكهفِ، ثم دعا رجالًا من عُظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاصٍ، مكتوبٌ
(4)
فىهما كتابٌ، فقرأهما فوجد فىهما: إن مَكْسَلْمِينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومَرْطُونَس، وكشطونش، ويبورس، ويكرنوس،
(1)
في ص، م، ف:"عليهم".
(2)
في ص، م، ت 2، ف:"به".
(3)
في ت 1: "ظهرانى".
(4)
في م، ت 1، ف:"مكتوبا".
ويطبيونس
(1)
قالوس
(2)
، كانوا ثمانيةً
(3)
هوبوا من ملكهم دقينوس الجبار؛ مخافة أن يَفْتِنَهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخْبِر بمكانهم أمر بالكهف فسُدَّ عليهم بالحجارة، وإنَّا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم؛ ليعلمه من بعدهم إن عثَر عليهم. فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آيةً للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوَجَدوهم جُلُوسًا بين ظَهْرَيه، مُشرِقةً وُجوهُهم، لم تَبْلَ ثيابُهم، فخرَّ أريوسُ وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آيةً من آياته، ثم كلَّم بعضُهم بعضًا، وأنبأهم الفتيةُ عن الذي
(4)
لقُوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس أن عَجِّلْ، لعلَّك تَنْظُرُ إلى آية من آياتِ اللَّهِ، جَعَلها الله على ملكك، وجعلها آيةً للعالمين؛ لتكونَ
(5)
لهم نورًا وضياءً، وتصديقًا بالبعث، فاعجَلْ على فتية بعَثَهم الله، وقد كان توفاهم منذُ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبرُ، قام من المُسَنَّدَةِ
(6)
التي كان عليها، ورجع إليه رأيُه وعقلُه، وذهب عنه همُّه، ورجع إلى الله عز وجل، فقال:[أَحْمَدُك الله]
(7)
ربَّ السماوات والأرض، أعبدك وأحمدُك، وأُسبِّحُ لك، تطوَّلْتَ عليَّ، ورحمتنى برحمتك، فلم تُطْفِئ النور الذي كنت جعلته لآبائى، وللعبد الصالح قسطيطينوس
(1)
بعده في م: "و".
(2)
في م، ت 1، ت 2، ف:"قالوش".
(3)
في ص، م:"فتية".
(4)
في م: "الذين".
(5)
في ت 2، ف:"ليكون".
(6)
المسنَّدة: ضرب من الثياب. التاج (س ن د).
(7)
في م: "أحمدك اللهم"، وفى ص:"الحمد لله".
الملك. فلما نُبِّئ
(1)
به أهلُ المدينةِ ركبوا إليه، وسارُوا معه حتى أَتَوْا مدينةً أُفْسُوسَ، فتلقَّاهم أهل المدينة، وسارُوا معه حتى أصعدوا
(2)
نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخرُّوا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيسُ قُدَّامَهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جُلوس بين يديه على الأرضِ يُسبحون الله ويَحمَدونه، ويقولُ
(3)
: والله ما أشبه بكم إلا الحواريون
(4)
حين رأوُا المسيح. وقال: فرَّج الله عنكم، كأنَّكم الذين تُدْعَون فتُحْشَرُون مِن القُبورِ. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نُودِّعُك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك مُلكَك بالسلام، ونُعيذُك باللَّهِ مِن شر الجنِّ والإنس، فآمن
(5)
بعيشٍ مِن [خُلد وشيكٍ]
(6)
، إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا
(7)
كرامةً إن أُكرم بها، ولا هوانًا إن أُهين به. فبينما الملكُ قائمٌ، إذ رجعوا إلى مضاجِعِهم فنامُوا، وتوفَّى اللَّهُ أنفسهم بأمره، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه
(8)
عليهم، وأمر أن يُجْعَلَ لكلِّ رجلٍ
(9)
منهم تابوتٌ من ذهبٍ، فلما أَمْسَوْا ونام، أتوه في المنام فقالوا: إنا لم نُخْلَقْ مِن ذهبٍ ولا فِضةٍ، ولكنَّا خُلِقْنا من ترابٍ وإلى التراب نصيرُ، فاترُكنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذٍ بتابوتٍ من ساجٍ
(10)
فجعلوهم فيه،
(1)
في م: "نبأ".
(2)
في م: "صعدوا". وكلاهما بمعنى.
(3)
في ت 1، ت 2:"يقولون".
(4)
في ص: "الحراد"، وفى ت 2 ف:"الجراد".
(5)
في م: "فأمر".
(6)
في م: "خُلَّر ونشيل".
(7)
في ص، م، ف:"إلا".
(8)
في ت 1: "ثيابهم".
(9)
في ت 2، ف:"واحد".
(10)
الساج: ضرب عظيم من الشجر، قال الزمخشرى: الساج خشب أسود رزين، ولا تكاد الأرض تبليه. التاج (س و ج).
وحجَبَهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يَقْدِرُ أحدٌ منهم
(1)
على أن يَدْخُلَ عليهم، وأمر الملكُ فجعَل كهفهم مسجدًا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يُؤْتَى كلَّ سنةٍ. فهذا حديثُ أصحاب الكهف
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةٌ، عن عبد العزيز بن أبى رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: بعثهم اللَّهُ - يعنى الفتية أصحاب الكهف - وقد سُلِّط عليهم ملكٌ مسلمٌ - يعنى على أهل مدينتهم - وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم:{كَمْ لَبِثْتُمْ} ؟ قالُوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} . قال: فردُّوا علم ذلك إلى الله، قالُوا:{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} . وإذا معهم وَرِقٌ من ضرب الملك الذي كانوا في {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} . أي بطعامٍ، {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} . فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكِّرةً، حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناسُ لا يَعْرِفُ منهم أحدًا
(3)
ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب طعام، فسامه بطعامه، فقال صاحبُ الطعامِ: هاتِ وَرِقَك. فأخرج إليه الوَرِقَ، فقال: من أين لك هذه
(4)
الوَرِقُ؟ قال: هذه وَرِقُنا ووَرِقُ أهل بلادنا. فقال: هيهات، هذه الوَرِقُ مِن ضَرْبِ فلان بن فلانٍ، منذُ ثلاثمائة سنةٍ
(5)
وتسع سنين، أنت أصبْتَ كنزًا، ولستُ بتاركك حتى أرْفعَك إلى الملكِ. [فرفعه إلى الملكِ]
(6)
، وإذا الملكُ مسلمٌ وأصحابُه مُسلمون، ففرح واستبْشَر،
(1)
سقط من: ص، م.
(2)
ذكره الثعالبى في عرائس المجالس 378 - 385، والبغوى 5/ 150 - 155 عن ابن إسحاق.
(3)
بعده في ص، م:"فخرج".
(4)
في م: "هذا".
(5)
ليست في ت 2، ف.
(6)
سقط من: ت 1، ت 2.
وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقُّ بهم، هؤلاء أبناء آبائنا
(1)
. وقال المسلمون: نحن أحقُّ بهم، هم مسلمون منا. فانطلقوا معه إلى الكهف، فلما أتوا باب الكهف قال: دعُونى حتى أدْخُلَ على أصحابى فأبُشِّرَهم
(2)
، فإنَّهم إن رَأوْكم معى أرْعَبْتُموهم. فدخل فبشرهم، وقبض الله أرواحهم. قال: وعمَّى اللَّهُ عليهم مكانَهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نَبنى عليهم بُنْيانًا، فإِنَّهم أبناءُ آبائنا، ونعبُدُ الله فيه
(3)
. وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبنى عليهم مسجدًا تُصلِّى فيه، ونعبد الله فيه.
وأولَى الأقوال في ذلك بالصواب عندى قولُ من قال: إِنَّ الله تعالى بعثهم من رَقْدتهم ليتساءَلُوا بينَهم، كما بيَّنَّا قبلُ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ ذكره كذلك أخبر عباده في كتابه، وإنَّ الله أعثَر عليهم القومَ الذين أعثَرهم عليهم؛ ليتحقَّقَ عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعدَ طُولِ مُدَّتِها [بهيئتهم يومَ رقدوا، ولم يَشِيبُوا على مرِّ الأيام والليالى عليهم، ولم يَهْرَموا على كرِّ الدُّهور]
(4)
والأزمانِ فيهم - قدرتُه على بَعْثِ مَن أماته في الدنيا مِن قبره إلى موقف القيامة يوم القيامةِ؛ لأنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال:{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} [الكهف:21].
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} ؛
(1)
في ت 2: "أبناؤنا".
(2)
في م، ت 1، ت 2، ف:"حتى أبشرهم".
(3)
في ص، م:"فيها".
(4)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة وبعضُ العراقيين: {بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} . بفتح الواو وكسر الراء والقافِ
(1)
.
وقرأ عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة: (بوَرْقِكم). بسُكون الراء وكسر القاف
(2)
.
وقرأه بعضُ المكِّيين بكسر الراء وإدغام القافِ في الكافِ
(3)
.
وكلُّ هذه القراءاتِ متَّفقاتُ المعانى وإن اختلفت الألفاظُ منها، وهنَّ لغاتٌ معروفاتٌ من كلام العرب، غير أنَّ الأصل في ذلك فتح الواو وكسرُ الراء والقافِ؛ لأنَّه الوَرِقُ، وما عدا ذلك فإنما هو داخلٌ عليه طَلَبَ التخفيف. وفىه أيضًا لُغَةٌ أُخرى وهو "الوِرْقُ"، كما يقالُ للكَبِدِ: كِبْدٌ. فإذ كان ذلك هو الأصل، فالقراءةُ به إليَّ أعجبُ، من غير أن تكونَ الأُخريان مدفوعةً صحَّتُهما.
وقد ذَكَرْنا الرواية بأن الذي بُعث معه بالوَرِقِ إلى المدينةِ كان اسمُه يَمْلِيخا.
وقد حدَّثني عبيد الله بن محمدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مقاتلٍ:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} : اسمُه يَمليخ
(4)
.
وأما قوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} . فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: فلْيَنْظُرْ أي أهل المدينة أكثرُ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن
(1)
هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائى وحفص عن عاصم. التيسير ص 116.
(2)
هي قراءة أبى عمرو وحمزة وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.
(3)
القراءة شاذة، وهى قراءة ابن محيصن. ينظر السبعة 389، حجة القراءات 413، إتحاف فضلاء البشر 176.
(4)
في ص، ت 1، ت 2:"تميخ"، وفى ف:"تمليخ".
عكرمة: {أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} قال: أكثر
(1)
.
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمة مثلَه، إلَّا أنه قال: أَيُّهُ أكْثَرُ
(2)
.
وقال آخرون: بل معناه: أيُّها أحلَّ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ:{أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} . قال: أحلُّ
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبى حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله
(4)
.
وقال آخرون: بل معناه: أيها خيرٌ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله:{أَزْكَى طَعَامًا} . قال: خيرٌ طعامًا
(4)
.
وأولَى الأقوال عندى في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحلُّ وأطهَرُ. وذلك أنَّه لا معنَى في اختيار الأكثر طعامًا للشراء منه، إلا بمعنى إذا كان
(1)
ينظر البحر المحيط 6/ 111.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 400، وتفسير الثورى ص 177.
(3)
تفسير الثورى ص 177.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 400.
أكثرُهم طعامًا كان خليقًا أن يكونَ الأفضلُ منه عندَه
(1)
أوجدَ، وإذا شُرِط على المأمورِ الشراءُ من صاحبِ الأفضلِ، فقد أُمر بشراءِ الجيدِ، كان ما عندَ المشترَى ذلك منه قليلًا الجيدُ أو كثيرًا. وإنَّما وجَّه من وجَّه تأويلَ {أَزْكَى} إلى الأكثرِ؛ لأنَّه وجَد العربَ تقولُ: قد زَكا مالُ فلانٍ. إذا كثرُ. وكما قال الشاعرُ
(2)
:
قَبائلُنا سَبْعٌ وأنتم ثَلاثَةٌ
…
ولَلسَّبْعُ أَزكَى مِن ثلاثٍ وأطيبُ
بمعنى: أكثرُ. وذلك وإن كان كذلك، فإنَّ الحلالَ الجيِّدَ، وإن قلَّ، أكثرُ من الحرامِ الخبيثِ وإن كثُر.
وقيل: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا} . فأُضِيف إلى كنايةِ المدينةِ، والمرادُ بها أهلُها؛ لأنَّ تأويلَ الكلام: فلْيَنْظُرْ أيُّ أهلِها أزكَى طعامًا. لمعرفةِ السامع بالمرادِ مِن الكلام.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونوا عَنَوا بقولِهم: {أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} : أَيُّها أحلُّ؛ من أجل أنَّهم كانوا فارَقوا قومَهم وهم أهلُ أوثانٍ، فلم يَسْتَجِيزوا أكلَ ذبيحتِهم.
وقولُه: {فَلْيَأْتِكُم برزْقٍ مِنْهُ} . يقولُ: فَلْيَأْتِكم بقوتٍ منه تَقْتاتُونه، وطعامٍ تأْكُلونه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عُميرٍ:{فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} . قال بطعامٍ.
وقوله: {وَلْيَتَلَطَّفْ} . يقولُ: وليترفقْ في شرائه ما يَشْتَرِى، وفي طريقِه ودخولِه المدينةَ، {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}. يقولُ: ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا
(1)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
(2)
البيت في كتاب سيبويه 3/ 565 للقتال الكلابى، وفى مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 237، 397 غير منسوب، وفيه:"أكثر" بدل "أطيب".
من الناسِ.
وقولُه: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} . يَعنُون بذلك دقينوسَ وأصحابَه. قالوا: إنَّ دقينوسَ وأصحابَه إن يَظْهَروا عليكم فيَعْلَموا مكانَكم، يَرْجُموكم شتمًا بالقولِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه:{إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} . قال: يَشْتُموكم بالقولِ، يُؤْذُوكم
(1)
.
وقولُه: {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} . يقولُ: أو يردُّوكم في دينِهم، فتصِيروا كفارًا بعبادةِ الأوثانِ، {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا}. يقولُ: ولن تُدْرِكوا
(2)
الفلاحَ، وهو البقاءُ الدائمُ والخلودُ في الجنانِ، {إِذًا}. أي: إن أنتم عُدْتم في ملتِهم، {أَبَدًا}: أيامَ حياتِكم.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكما بَعَثْناهم بعد طولِ رَقْدَتِهم كهيئتِهم ساعةَ رقَدوا، ليتساءَلوا بينَهم فيزْدادوا بعظيمِ سلطانِ الله بصيرةً، وبحُسنِ دِفاعِ اللَّهِ عن أوليائِه معرفةً، {كَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ}. يقولُ: كذلك أطلَعْنا عليهم الفريقَ الآخرَ الذين كانوا في شكٍّ من
(3)
قُدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتَى، وفي مِرْيَةٍ مِن إنشاءِ أجسامِ
(1)
ينظر تفسير البغوي 5/ 160.
(2)
بعده في ت 2: "به".
(3)
في ت 1: "في".
خلقِه كهيئتِهم يومَ قبَضهم
(1)
بعد البِلَى، فيَعْلَموا أنَّ وَعْدَ اللَّهِ [خلقَه أنَّه باعثُهم من قبورِهم بعد بَلائِهم، ومحييهم بعد فنائِهم، [كما بدَأهم]
(2)
أولَ مرةٍ]
(3)
حقٌّ، ويُوقِنوا أنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} . يقولُ: أَطْلَعْنا عليهم؛ ليعلَمَ من كذَّب بهذا الحديثِ أَنَّ وعدَ اللَّهِ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ
(4)
لا ريبَ فيها.
وقولُه: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} . يعنى الذين أُعْثِروا على الفتيِة. يقولُ تعالى: وكذلك أعْثَرْنا هؤلاء المختلِفين في قيامِ الساعةِ وإحياءِ اللَّهِ الموتَى بعدَ مماتِهم من قومِ تيذوسيسَ، حينَ يَتنازَعُون بينهم أمرَهم فيما الله فاعلٌ بمن أفْناه من عبادِه فأبْلاه في قبرِه بعدَ مماتِه، أمُنْشِئُهم
(5)
هو أم غيرُ مُنْشِئِهم.
وقولُه: {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} . يقولُ: فقال الذين أعْثَرْناهم على أصحابِ الكهفِ: ابْنُوا عليهم بُنيانًا، {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}. يقولُ: رَبُّ الفتيةِ أعلمُ بالفتيةِ وشأنِهم.
(1)
في ص: "قبضتهم".
(2)
في ف: "كإبدائهم".
(3)
سقط من: م.
(4)
سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.
(5)
في ص: "منشئهم".
وقولُه: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} . يقولُ جلّ ثناؤُه: قال القومُ الذين غلَبوا على أمرٍ أصحابِ الكهفِ: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} .
وقد اخْتُلِف [في قائلى هذه المقالةِ]
(1)
، أهم الرهطُ المسلمون، أم هم الكفارُ
(2)
؟ وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك فيما مضَى
(3)
، وسنذكُرُ إن شاء الله ما لم يَمْضِ منه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} . قال: يعنى عدوَّهم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي روَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدِ بن عميرٍ، قال: عمَّى الله على الذين أعْثَرهم
(4)
على أصحابِ الكهفِ مكانَهم فلم يَهْتَدوا، فقال المشركون: نَبْنى عليهم بُنيانًا، فإنَّهم أبناءُ آبائِنا، ونعبُدُ اللَّهَ فيها. وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبْنى عليهم مسجِدًا نُصلِّى فيه، ونَعْبُدُ الله فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ
(1)
في ص: "قائل هذا القول".
(2)
قال ابن كثير في تفسيره 5/ 143: والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد". يحذر ما فعلوا. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها.
(3)
تقدم في ص 211.
(4)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"الله".
خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: سيقولُ بعضُ الخائِضِين في أمرِ الفتْيةِ مِن أصحابِ الكهفِ: هم ثلاثةٌ رابعُهم كلبُهم. ويقولُ بعضُهم: هم خمسةٌ سادسُهم كلبُهم. {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} . يقولُ: قذفًا بالظنَّ غيرَ يقينِ علمٍ. كما قال الشاعرُ
(1)
:
*وأجْعَلَ منى الحقَّ غيبًا مُرجَّمَا*
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ} . أي: قذفًا بالغيب.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{رَجْمًا بِالْغَيْبِ} . قال: قذفًا بالظنِّ
(2)
.
وقولُه: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} . يقولُ: ويقولُ بعضُهم: هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم. {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} . يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لقائلي هذه الأقوالِ في عددِ الفتيةِ منِ أصحابِ الكهفِ رجمًا
(1)
تقدم تخريجه في 1/ 624.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 400 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 217 إلى ابن أبي حاتم.
منهم بالغيبِ: ربِّي أَعْلَمُ بعِدَّتهم، {مَا يَعْلَمُهُمْ}. يقولُ: ما يعلمُ عددَهم {إِلَّا قَلِيلٌ} مِن خلقِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} . يقولُ: قليلٌ من الناسِ. وقال آخرون
(1)
: عنَى بالقليلِ أهلَ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ:{مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} . قال: يعنى أهلَ الكتابِ.
وكان ابن عباسٍ يقولُ: أنا ممَّن استَثْناه الله. ويقولُ: عدَّتُهم سبعةٌ
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} قال: أنا مِن القليلِ، كانوا سبعةً
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقولُ: أنا مِن أولئك القليلِ الذين استَثْنى الله، كانوا سبعةً وثامنُهم كلبُهم
(4)
.
(1)
بعده في م، ت 2:"بل".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 144 عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. ولكن الظاهر - والله أعلم - أن هذا من كلام المصنف - كما فصلناه نحن عن الأثر قبله - سيستشهد له بالآثار بعده.
(3)
أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 5 وأخرجه ابن سعد في الطبقات 2/ 366 من طريق الضحاك عن ابن عباس به، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 144 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 217 إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 5.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: عدَّتُهم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم، وأنا ممن استْثنى الله.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} . قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: أنا مِن القليلِ، هم سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم
(1)
.
وقولُه: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} . يقولُ عزّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {فَلَا تُمَارِ} يا محمدُ. يقول: لا تُجادِل أهلَ الكتابِ، {فِيهِمْ}. يعنى: في عدَّةِ أهلِ الكهفِ. وحُذِفت "العِدَّةُ"، اكتفاءً بذكرِ"هُمْ"
(2)
منها
(3)
لمعرفةِ السامِعين بالمرادِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ} . قال: لا تُمارِ في عدَّتِهم.
وقولُه: {إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} . اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنَى المِراءِ الظاهرِ الذي استثْناه الله ورخَّص فيه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم؛ فقال بعضُهم: هو ما قصَّ الله عليه
(4)
في كتابِه، أُبيح له أن يَتْلُوَه عليهم، ولا يُماريَهم بغيرِ ذلك.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 400.
(2)
أي التي في قوله تعالى: {فِيهِمْ} .
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"فيها".
(4)
سقط من: م.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} . يقولُ: حسبُك ما قَصَصْتُ عليك فلا تُمارِ فيهم
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} . قال: يقولُ: إلا بما قد أظْهَرْنا لك من أمرهم
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} . أي: حسبُك ما قَصَصْنا عليك من شأنِهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ} . قال: حسبُك ما قَصَصْنا عليك مِن شأنِهم
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} . يقولُ: حسبُك ما قَصَصْنا عليك
(4)
.
وقال آخرون: المراءُ الظاهرُ هو أن يقولَ: ليس كما تقولون. ونحوَ هذا
(5)
مِن القولِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 217 إلى المصنف.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 217 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 400، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 217 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
التبيان 7/ 24.
(5)
في ص، ت 1:"ذلك".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} . قال: أن يقولَ لهم: ليس كما تقولون، ليس تَعْلَمون عدَّتَهم، إن قالوا: كذا وكذا. فقل
(1)
: ليس كذلك. فإنَّهم لا يَعْلَمون عدَّتَهم. وقرَأ: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} حتى بلَغ: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}
(2)
.
وقولُه: {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَسْتَفْتِ في عِدَّةِ
(3)
الفتيةِ مِن أصحابِ الكهفِ، {مِنْهُمْ}. يعنى: من أهلِ الكتابِ، {أَحَدًا} ؛ لأنَّهم لا يَعْلَمون عدتَهم
(4)
، وإنَّما يقولون فيهم رجمًا بالغيبِ، لا يقينًا من القولِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ} . قال: هم أهلُ الكتابِ
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(1)
في ص، ت 1، ف:"قيل".
(2)
البحر المحيط 6/ 115.
(3)
في ت 1، ف:"عدد".
(4)
في ت 1، ف:"عددهم".
(5)
التبيان 7/ 25.
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} : من يهودَ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} : من يهودَ. قال: ولا تسألْ يهودَ عن أمرِ أصحابِ الكهفِ إلا ما قد أخبَرْتُك من أمرِهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ
مِنْهُمْ أَحَدًا}: مِن أهلِ الكتابِ، كنا نُحدَّث، أنهم كانوا بنى الركنا - والركنا ملوكُ الرومِ - رزَقهم الله الإسلامَ، فتفرَّدُوا بدينِهم
(2)
، واعتزَلوا قومَهم حتى انتهَوْا إلى الكهفِ، فضرَب الله على أصمِخَتِهم
(3)
، فلبِثوا دهرًا طويلًا حتى هلَكت أمَّتُهم وجاءت أمَّةٌ مسلمةٌ بعدَهم، وكان ملِكُهم مسلمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ
(4)
رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)}
وهذا تأديبٌ مِن الله عزَّ ذكرُه نبيَّه
(5)
صلى الله عليه وسلم، عهِد إليه ألا يَجْزِمَ على ما يَحْدُثُ
(1)
تفسير مجاهد ص 446.
(2)
في ص، ت 1، ف:"بمدينتهم".
(3)
في ص، ت 1، ف:"أسمختهم". والصَّمَاخ: خرق الأذن الباطن الذي يفضي إلى الرأس، والسين لغة، وبعضهم أنكر السين، وضرب الله على أصمختهم: إذا أنامهم. ينظر التاج (س م خ، ص م خ).
(4)
في ص، ت 2:"يهديني". وبإثبات الياء في الوصل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء. السبعة لابن مجاهد ص 389.
(5)
في م: "لنبيه".
من الأُمورٍ أنه كائنٌ لا محالةَ، إلا أن يَصِلَه بمشيئةِ الله؛ لأنَّه لا يكونُ شيءٌ إلا بمشيئتِه.
وإنما قيل ذلك له، فيما بلَغنا، من أجلِ أنَّه وعَد سائليه عن المسائلِ الثلاثِ اللَّوَاتي قد ذَكَرناها فيما مضَى، اللواتى إحداهن المسألةُ
(1)
عن أمرِ الفتيةِ مِن أصحابِ الكهفِ، أن يُجيبَهم
(2)
عنهنَّ غدَ يومِهم، ولم يَسْتَثْنِ، فاحْتَبَس الوحيُ عنه، فيما قيل
(3)
، من أجلِ ذلك خمسَ عشْرةَ
(4)
، حتى حزَنه إبطاؤُه، ثم أنزَل الله عليه
(5)
الجوابَ عنهنَّ، وعرَّف نبيَّه سببَ احتباسِ عنه، وعلَّمه ما الذي يَنْبَغى له
(6)
أن يَسْتَعْمِلَ في عِدَاتِه وخبره عما يَحْدُثُ من الأُمورِ التي لم يأتِه مِن اللَّهِ بها
(7)
تنزيلٌ، فقال:{وَلَا تَقُولَنَّ} يا محمدُ لشيءٍ: {إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} . كما قلتَ لهؤلاء الذين سألُوك عن أمرِ أصحابِ الكهفِ، والمسائلِ التي سألُوك عنها: سأُخْبرُكم عنها غدًا.
{إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} . ومعنى الكلام: إلَّا أن تقولَ معه: إن شاء الله. فترَك ذكرَ "تقولُ" اكتفاءً بما ذكَر منه، إذا كان في الكلامِ دلالةٌ عليه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ
(8)
: جائزٌ أن يكونَ معنَى قولِه: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
(1)
سقط من: ص، ت 1.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"يحيبهن".
(3)
في ص، ت 1، ف:"ذكر".
(4)
بعده في ت 1: "يوما".
(5)
في ت 2: "عليهم".
(6)
سقط من: م.
(7)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"به".
(8)
ينظر معاني القرآن للفراء 2/ 138.
اللَّهُ}. استثناء من القول لا من الفعل. كأن معناه عنده: لا تقولَنَّ قولا إلَّا أن يشاء الله ذلك القول.
وهذا وجهٌ بعيدٌ من المفهوم بالظاهر من التنزيل، مع خلافه تأويل أهل التأويل.
وقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} . اختلف أهل التأويل في معناه؛ فقال بعضُهم: واسْتَثن في يمينك إذا ذكَرْتَ أنك نسيت ذلك في حال اليمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن هارون الحربيُّ، قال: ثنا نُعيم بن حمادٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في الرجل يَحْلِفُ، قال: له أن يَسْتثنى ولو إلى سنةٍ. وكان يقولُ: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} في ذلك. قيل للأعمش: سمعته من مجاهدٍ؟ فقال: حدَّثني به ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ
(1)
، تُرَى
(2)
ذَهَب كِسائى هذا
(3)
؟!
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} . [يقولُ: إِذا نَسِيتَ]
(4)
الاستثناء ثم
(1)
في ص، ت 1، ف:"سليمان".
(2)
في ص، م، ت 1 ف:"يرى".
(3)
أخرجه الطبراني (11069)، وفى الأوسط (119)، والحاكم 4/ 303 من طريق الأعمش به، وأخرجه البغوي في الجعديات (813، 814) من طريق نعيم بن حماد، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به بلفظ: الاستثناء ولو إلى سنتين. وبلفظ المصنف عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 217، 218 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وقول الأعمش: ترى ذهب كسائى هذا يريد أنه لم ينقصه شيء بإسقاط ليث بن أبى سليم من الإسناد.
(4)
سقط من: م.
ذكرت فاستثنِ
(1)
.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه في قوله:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} . قال: بلغنى أن الحسن قال: إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله. فليقل: إن شاء الله
(2)
.
وقال آخرون: بل
(3)
معناه: واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا غَضِبْتَ
(4)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حكّامُ بنُ سَلْمٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابت، عن عكرمة في قولِ اللَّهِ:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} . قال: اذكرْ رَبَّك إذا غضبْتَ
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن عكرمة مثله.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: واذكر ربَّك إذا ترَكْتَ ذكره؛ لأنَّ أحد معاني النسيان في كلام العرب التركُ. وقد بينّا ذلك فيما مضى قبلُ
(6)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر بنحوه.
(2)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (366) من طريق معتمر بن سليمان به.
(3)
سقط من: م.
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"عصيت".
(5)
في ص، م، ت 1، ف:"عصيت"، والأثر أخرجه البيهقى في الشعب (8296) من طريق حكام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(6)
تقدم في 5/ 156، 157.
فإن قال قائلٌ: أفجائزٌ للرجل أن يستثنى في يمينه إذا كان معنى الكلام ما ذكرت بعدَ مدَّةٍ من حال حلفه
(1)
؟
قيل: بل الصوابُ أن يستثنى ولو بعدَ حِنْثِه في يمينه، فيقول: إن شاء الله. ليَخْرُجَ بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية، فيسْقُط عنه الحَرَج بتركه ما أَمَرَه بقيله من ذلك. فأمَّا الكفارةُ، فلا تَسْقُط عنه بحالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه موصولًا بيمينه.
فإن قال: فما وجهُ قول من قال: له ثُنْياه ولو بعد سنةٍ. ومن قال: له ذلك ولو بعد شهرٍ. وقول من قال: ما دام في مجلسه؟
قيل: إنَّ معناهم في ذلك نحو معنانا في أنَّ ذلك له ولو بعد عشر سنين، وأنه باستثنائه وقيله: إن شاء الله. بعد حينٍ من حالِ حلفه، يَسْقُطُ عنه الحرج الذي لو لم يقله كان له لازمًا، فأما الكفارة فله
(2)
لازمةٌ بالجنثِ بكلِّ حالٍ، إلا أن يكون استثناؤُه كان موصولًا بالحلف، وذلك أنّا لا نَعْلَمُ قائلًا قال ممن قال: له الثُّنْيا بعد حين. يَزْعُمُ أَنَّ ذلك يضَعُ عنه الكفارة إذا حنث، ففى ذلك أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، وأنَّ معنى القوم
(3)
فيه كان نحو معنانا فيه.
وقوله: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ
(4)
رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}. يقولُ عزّ ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: وقُلْ: لعلَّ اللَّه أن يهدِيَنى فيُسدِّدَنى لأَسَدَّ مما وعَدْتُكم وأخبَرْتُكم أنه سيكون، إن هو شاء.
(1)
في ت:1: "يمينه".
(2)
في ت:1: "فهى له".
(3)
في م، ت 2:"القول".
(4)
في ص، ت 2:"يهدينى". وبإثبات الياء قراءة كما تقدم في ص 223.
وقد قيل: إنَّ ذلك مما أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله إذا نسى الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمرٍ مستقبل مع قوله: إن شاء الله. إذا ذكر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن محمدٍ
(1)
- رجلٌ مِن أهل الكوفة كان يفسِّرُ القرآنَ، وكان يَجْلِسُ إليه يحيى بنُ عَبَّادٍ - قال: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ
(2)
رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}. قال: فقال: وإذا نسى الإنسانُ أن يقول: إن شاء الله. قال: فتوبتُه من ذلك - أو: كفَّارة ذلك - أن يقول: {عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}
(3)
.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)} .
اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} ؛ فقال بعضهم: ذلك خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن أهل الكتاب أنَّهم يقولون ذلك كذلك. واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} . وقالوا: لو كان ذلك خبرًا مِن الله عن قدرِ لُبثِهم في الكهف، لم يكن لقوله:{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} ، مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلَغَ لُبثِهم فيه وقَدْرَه.
(1)
بعده في ص، ف:"عن".
(2)
في ص، ت:2 "يهدينى". وبإثبات الياء قراءة كما تقدم في ص 223.
(3)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (367) من طريق المعتمر به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} : هذا قولُ أهل الكتاب، فردَّه الله عليهم فقال:{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} . قال: في حرف ابن مسعودٍ: (وقالُوا ولبثُوا). يعنى أنه قاله الناسُ. ألا ترى أنه قال: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا}
(2)
؟
حدثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شوذبٍ، عن مطرٍ الورّاق في قول الله:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ} . قال: إنما هو شيءٌ قالته اليهودُ، فردَّه الله عليهم وقال:{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا}
(3)
.
وقال آخرون: بل ذلك خبرٌ من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} . قال: عددُ ما
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 402، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقال ابن كثير في تفسيره 5/ 147: وفى هذا الذي زعمه قتادة نظر؛ فإن الذي بأيدى أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع يعنون بالشمسية
…
ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور، فلا يحتج بها. والله أعلم.
(3)
ينظر البحر المحيط 6/ 116.
لبثوا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، وزاد فيه:{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} .
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عبد العزيز بن أَبِي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيد بن عُميرٍ، قال:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} . قال: وتسعَ سنين.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق بنحوه.
حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنى الأجلَحُ، عن الضحاك بن مزاحمٍ، قال: نزلت هذه الآية: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ} . فقالوا
(2)
: أيامًا أو أشهرًا أو سنين؟ فأنزل الله عز وجل: {سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} . قال: بين جبلين
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
(1)
تفسير مجاهد ص 446، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في ت 1، ف:"فقال".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
تفسير مجاهد ص 446.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزَّ ذكرُه: ولبث أصحابُ الكهف في كهفهم رُقودًا إلى أن بعثهم الله ليتسَاءَلُوا بينهم، وإلى أنْ أعْثَر عليهم من أعْثَر، ثلاثمائة سنين
(1)
وتسع سنين، وذلك أنَّ الله بذلك أخبر في كتابه. وأما الذي ذكر عن ابن مسعودٍ أنه قرأه:(وقَالُوا ولبثوا في كَهْفِهِم). وقولُ من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد رَدَّ اللهُ ذلك عليهم. فإنَّ معناهم
(2)
في ذلك، إن إِنَّ شاء الله، كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذُكر، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ للفتية مِن لَدُنْ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائةٍ سنين وتسع سنين. فردَّ اللهُ ذلك عليهم، وأخبر نبيَّه أنَّ ذلك قدر لُبثهم في الكهف من لَدُنْ أوَوْا إليه
(3)
إلى أن بعثهم ليتساءلوا بينهم. ثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمدُ: الله أعلمُ بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقْدَتِهم إلى يومهم هذا، لا يعلمُ ذلك
(4)
غيرُ الله، وغيرُ مَن أعلمه الله ذلك.
فإن قال قائلٌ: وما يدلُّ على أن ذلك كذلك؟
قيل: الدالُّ على ذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه ابتدأ الخبر عن قدر لُبثِهم في كهفهم ابتداءً، فقال:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} . ولم يَضَعْ دليلًا على أنَّ ذلك خبرٌ منه عن قول
(5)
قوم قالوه، وغيرُ جائزٍ أن يُضاف خبرُه عن شيءٍ إلى أنه خبرٌ عن
(6)
غيره بغيرِ بُرهان؛ لأنَّ ذلك لو جاز [في شيء]
(7)
، جاز في
(1)
سقط من: ص، ت 1.
(2)
في م، ت 2:"معناه".
(3)
في ت 1، ف:"إلى الكهف".
(4)
في م: "بذلك".
(5)
في ص، ت 1، ف:"قوله".
(6)
في ص، ف:"من".
(7)
سقط من: ص، م.
كلِّ أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره، جاز في أخبار غيره أن يُضاف إليه أنَّها أخْبارُه، وذلك قلبُ أعيانِ الحقائق وما لا يُخيَّلُ فسادُه.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن قوله: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} . دليلٌ على أنَّ قولَه: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} . خبرٌ منه عن قوم قالوه، فإنَّ ذلك كان يجبُ أن يكونَ كذلك لو كان لا يَحْتَمِلُ مِن التأويل غيره، فأمَّا وهو محتملٌ ما قلنا من أن يكونَ معناه: قل الله أعلمُ بما لبثوا إلى يوم أنزَلْنا هذه السورة. وما أشبه ذلك من المعانى، فغيرُ واجبٍ أن يكونَ ذلك دليلًا على أن قوله:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} . خبرٌ من الله عن قومٍ قالوه، وإذا لم يكن دليلًا على ذلك، ولم يأتِ خبرٌ بأنَّ قوله:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} . خبرٌ من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجةٌ يجبُ التسليم لها - صحَّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.
واختلفتِ القرَأَةُ في قراءة قوله: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ} ؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ} . بتنوينِ {ثَلَاثَ مِائَةٍ} . بمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائةٍ
(1)
.
وقرأته عامةُ قرأة أهل الكوفة: (ثَلاثَمائِةِ سِنِينَ). بإضافة (ثلاثمائة) إلى "السنين"، [غير منوَّنٍ]
(2)
.
وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب
(3)
قراءةُ مَن قرأه: {ثَلَاثَ مِائَةٍ} . بالتنوين، {سِنِينَ} . وذلك أن العرب إنما تُضيف المائة إلى ما يفسِّرها إذا جاء تفسيرُها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم: عندى
(4)
ثلاثُمائة درهمٍ، وعندى مائةُ
(1)
وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 389.
(2)
سقط من: ت 2، وفى ت 1:"بغير تنوين". وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق ص 390.
(3)
القراءتان كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى من الأخرى.
(4)
سقط من: م، ت 2.
دينارٍ. لأن المائة والألف عددٌ كثيرٌ، والعربُ لا تفسِّر ذلك إلَّا بما كان بمعناه في كثرة العددِ، والواحدُ يُؤدِّى عن الجنسِ، وليس ذلك للقليل
(1)
من العددِ، وإن كانت العربُ ربَّما وضعت الجمع القليل موضعَ الكثير، وليس ذلك بالكثير، وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجميع
(2)
، فإنَّها تنوِّنُ، فتقولُ: عندى ألفٌ دراهم، وعندى مائةٌ دنانير. على ما قد وصفتُ.
وقوله: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ علمُ غيبِ السماوات والأرض [وملكه]
(3)
، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ. يقولُ: فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتيةُ في الكهف إلى يومكم هذا، فإنَّ ذلك لا يعلمُه سوى الذي يعلَمُ غيب السماواتِ والأرضِ، وليس ذلك إلا الله الواحدُ القهارُ.
وقوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} . يقول: أبصر بالله وأسْمِعْ. وذلك بمعنى المبالغة في المدحِ، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه.
وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكلِّ موجودٍ، وأسمعه لكلِّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} : فلا أحد أبصرُ من الله، ولا أسمعُ، تبارك وتعالى
(4)
.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {أَبْصِرْ
(1)
في ص، ت 1، ف:"القليل".
(2)
في م، ت 2، ف:"الجمع".
(3)
سقط من: م، ت 2.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي حاتم.
بِهِ وَأَسْمِعْ}. قال: يرى أعمالهم، ويسمعُ ذلك منهم، سميعًا بصيرًا
(1)
.
وقوله: {مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ} . يقولُ جلّ ثناؤه: ما لخلقه دونَ ربَّهم الذي خلقهم وليٌّ يلى أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرَّفون، {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}. يقولُ: ولا يَجْعَلُ اللَّهُ في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه، شريكًا، بل هو المنفرد
(2)
بالحكم والقضاء فىهم، وبتدبيرهم وتصريفهم فىما شاء وأحبَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)} .
يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: واتَّبع يا محمدُ ما أُنزل إليك من كتاب ربِّك هذا، ولا تترُكَنَّ تلاوته واتِّباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه، فتكونَ من الهالكين، وذلك أنَّ مصير مَن خالفه، وترك اتَّباعَه يومَ القيامة إلى جهنم، {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}. يقولُ: لا مغيِّر لما أوعد بكلماته التي أنزَلها عليك، أهلَ معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.
وقوله: {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . يقولُ: وإن أنت يا محمدُ لم تَتْلُ ما أُوحى إليك من كتاب ربِّك فتتبعه وتأتمَّ به، فنالك وعيدُ
(3)
الله الذي أوعد فيه المخالفين حُدوده، لن تجد من دونِ اللهِ موئلًا تَئِلُ إليه، ومَعدِلًا تعدلُ عنه إليه؛ لأنَّ قدرة الله محيطةٌ بك وبجميع خلقه، لا يقدِرُ أحدٌ منهم على الهرب من أمرٍ أراده
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 147.
(2)
في ت 2: "المتفرد".
(3)
في ص، ت 1، ف:"وعد".
به.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {مُلْتَحَدًا} . قال أهلُ التأويل وإن اختلفت ألفاظُهم في البيان عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{مُلْتَحَدًا} . قال: مَلْجَأً.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مُلْتَحَدًا} . قال: ملجأً
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . قال: [ملجأ ولا]
(2)
موئلًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله:{مُلْتَحَدًا} . قال: ملجأً
(3)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 446، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 218 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
بعده في: ص، م، ت 1، ف:"ولا موئلا".
والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 402.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . قال: لا يجدون ملتحدًا يَلْتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأً ولا أحدًا يمنعُهم.
و"الملتحدُ" إنما هو "المفتعلُ" من "اللحدِ"، يقالُ منه: لحَدْتُ إلى كذا. إذا ملت إليه. ومنه قيل للَّحد: لحدٌ، لأنَّه في ناحيةٍ من القبر، وليس بالشَّقِّ الذي في وسطه، ومنه الإلحادُ في الدين، وهو المعاندةُ بالعُدول عنه والتَّرْكِ له.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ} يا محمد {نَفْسَكَ مَعَ} أصحابك {الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة؛ من الصلوات المفروضة وغيرها، {يُرِيدُونَ} بفعلهم ذلك {وَجْهَهُ} لا يُريدون به
(1)
عرضًا من عرض الدنيا.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} . في سورة "الأنعام"، والصواب من القول في ذلك عندنا، [فأغنى ذلك]
(2)
عن إعادته في هذا الموضع
(3)
.
والقرأةُ على قراءة ذلك: {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} . وقد ذُكر عن عبدِ اللَّهِ بن
(1)
سقط من: م.
(2)
في ت 2: "بما أغنى".
(3)
تقدم في 9/ 263 وما بعدها.
عامرٍ وأبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنَّهما كانا يقرأانِه: (بالغُدْوةِ والعشيِّ)
(1)
. وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهةٌ؛ لأن "غُدْوةً" مَعْرِفةٌ، ولا ألفَ ولا لامَ فىها، وإنما يُعرفُ بالألف واللام ما لم يكن معرفةً، فأما المعارفُ فلا تُعرَّفُ بهما.
وبعدُ، فإِنَّ "غُدْوَةً" لا تُضافُ إلى شيءٍ، وامتناعُها من الإضافة دليلٌ واضحٌ على امتناع الألف واللام من الدُّخول عليها؛ لأنَّ ما دخلته الألفُ واللامُ من الأسماءِ صلحت فيه الإضافةُ، وإنما تقولُ العرب: أتيتُك غَداةَ الجمُعةِ. ولا تقولُ: أتيتُك غُدوة الجمعة.
والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرأةُ في الأمصار، لا نَسْتجِيزُ غيرَها؛ لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية
(2)
.
وقوله: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} . يقولُ جلُّ ثناؤه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ولا تَصْرِفْ عيناك عن هؤلاء الذين أمَرْتُك يا محمد أن تَصْبِرَ نفسك معهم إلى غيرهم من الكفارِ، ولا تُجاوِزْهم إليهم
(3)
.
وأصلُه من قولهم: عَدَوْتُ ذلك، فأنا أعْدُوه. إذا جاوزته.
وبنحو الذي قلنا في تأويل
(4)
ذلك قال أهل التأويل.
(1)
ينظر في قراءة ابن عامر السبعة لابن مجاهد ص 390، وبها قرأ أيضًا مالك بن دينار والحسن ونصر بن عاصم وأبو رجاء العطاردى. البحر المحيط 4/ 136.
(2)
قراءة ابن عامر قراءة متواترة، ولا يصح رد المصنف لها، وينظر في توجيهها ما ذكره أبو حيان في البحر المحيط 4/ 136.
(3)
في م، ف:"إليه".
(4)
سقط من: م، ت 1، ف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قوله: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} . قال: لا تُجاوِزهم إلى غيرهم
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} يقولُ: لا تتعَدَّهم إلى غيرهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} الآية. قال: قال القوم للنبى صلى الله عليه وسلم: إِنا نَسْتَحْيِى أَن نُجالس فلانًا وفلانًا وفلانًا فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب. فنزل القرآنُ:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} : ولا تحقرهم، قال:"قد أمرونى بذلك". قال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}
(2)
.
حدَّثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أُسامةُ بن زيدٍ، عن أبى حازمٍ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيفٍ أنَّ هذه الآيةَ لما نزلت على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} . فخرج يَلْتَمِسُ، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائرُ الرأس، وجافى
(3)
الجلد، وذو الثوب الواحد، فلمّا رآهم جلس معهم، فقال: "الحمدُ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 149.
(2)
تقدم تخريجه 9/ 263.
(3)
في م: "جاف".
للَّهِ الذي جَعَل لى في
(1)
أُمَّتِى مَن أَمَرنى أن
(2)
أَصْبِرَ نفْسى معه"
(3)
.
ورُفعت "العينان" بالفعل، وهو:{وَلَا تَعْدُ} .
وقولُه: {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: لا تَعْدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربَّهم، إلى أشراف المُشركين، تبتغى بمجالستهم الشرَفَ والفخر. وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه، فيما ذُكر، قومٌ من عُظَماء أهل الشركِ - وقال بعضُهم: بل مِن عُظَماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام
(4)
- فرأوه جالسًا مع خَبّابٍ وصُهَيْبٍ وبلالٍ، فسألوه أن يُقِيمَهم عنه إذا حضروا. قالوا: فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك
(5)
، فأنزل الله عليه:{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]. ثم كان يقومُ إذا أراد القيامَ ويتركُهم قُعودًا، فأنزل الله عليه:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية، {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يُريد
(6)
بـ {زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : مجالسته أولئك العُظماء والأشراف.
وقد ذكَرْتُ الرواية بذلك فيما مضى قبلُ في سورةِ "الأنعام"
(7)
.
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"من".
(2)
سقط من ص، ت 1، ت 2، ف.
(3)
أخرجه الطبراني - كما في تفسير ابن كثير 5/ 149 - من طريق ابن وهب به - وأخرجه ابن منده وأبو نعيم - كما في أسد الغابة 3/ 457 - من طريق أبى حازم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 219 إلى ابن مردويه.
(4)
في ت 2: "في الإسلام".
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(6)
في ت:1: "تريد"، وفى ت 2:"يعنى".
(7)
تقدم في 9/ 258 وما بعدها.
حدَّثني الحسين بن عمرٍو العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيدٍ الأزْدِيِّ - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خَبَّابٍ، في قصةٍ ذكرها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ذكر فيها هذا الكلامَ مُدْرجًا في الخبر:{وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . قال: تجالسُ الأشراف
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أُخْبِرْتُ أنَّ عُيينةَ بن حِصْنٍ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يُسلم: لقد آذانى ريحُ سلمان الفارسيِّ، فاجْعَلْ لنا مجلسًا منك لا يُجامِعوننا فيه، واجْعَلْ لهم مجلسًا لا نُجامِعُهم فيه. فنزلت الآيةُ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنَّه لما نزلت هذه الآية قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي جَعَل في أُمَّتِى مَن أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نفسي معه"
(3)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . قال: تُريدُ أشراف الدنيا.
حدَّثنا صالحُ بن مسمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بن عبد الملكِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عطاءٍ، عن مسلمةَ بن عبدِ اللَّهِ الجُهنيِّ، عن عمِّه أبى مَشْجَعَةَ بن رِبْعِيٍّ، عن سلمان الفارسيِّ، قال: جاءتِ المؤلَّفَةُ قلوبهم إلى رسولِ الله؛ عيينةُ ابن بدرٍ
(4)
،
(1)
تقدم تخريجه في 9/ 260.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى ابن المنذر.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 401 عن معمر، عن قتادة.
(4)
في م: "حصن". وكانت في الأصل عندهم كما أثبتناها، ونسبه في هذه الرواية إلى جده الأعلى، فهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر. ينظر الإصابة 4/ 767.
والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنك لو جلسْتَ في صدر المسجد، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرْواحَ جِبَابِهم - يَعْنُون سلمان وأبا ذرٍّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبابُ الصُّوفِ، ولم يكن عليهم غيرُها - جلسنا إليك وحادَثناك، وأخَذْنا عنك. فأنزل الله:{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . حتى بلغ: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} . يتهدَّدُهم بالنار، فقام نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم يلتَمسُهم حتى أصابهم في مؤَخَّرِ المسجدِ يَذْكُرون الله، يلْتَمِسُهم فقال:"الحمد لله الذي لم يُمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجالٍ من أُمَّتى، معكمُ المحيا، ومعكم المماتُ"
(1)
.
وقوله: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ولا تُطِعْ يا محمد من شغَلْنا قلبه من الكفار الذين سألُوك طرْدَ الرهط الذين يدْعُون ربَّهم بالغداة والعشيِّ عنك - عن ذكرنا بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتَّبع هواه، وترك اتِّباعَ أمرِ اللهِ ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربِّه.
وهم، فيما ذُكِر، عيينةُ بنُ حِصْنٍ
(2)
، والأقرعُ بن حابسٍ وذووهم.
حدَّثني الحسينُ بن عمرو بن محمدٍ العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، عن أبي سعيد
(3)
الأَزْدِيِّ، عن أبي الكَنُودِ، عَن خَبَّابٍ:{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} . قال: عُيينةُ والأقرعُ
(4)
.
(1)
الواحدى في أسباب النزول 224 من طريق الوليد بن عبد الملك، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 345 والبيهقى في الشعب (10494) من طريق سليمان بن عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 219 إلى ابن مردويه وأبى الشيخ.
(2)
في ص، ت 2:"حصين".
(3)
في ت 2: "سعد". وينظر ما تقدم في 9/ 259.
(4)
تقدم تخريجه في 9/ 260.
وأما قوله: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} . فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: وكان أمرُه ضَياعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} . قال ابن عمرٍو في حديثه، قال: ضائعًا. وقال الحارثُ في حديثه: ضَياعًا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضَياعًا.
وقال آخرون: بل معناه: وكان أمرُه ندمًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بن المحبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بن راشدٍ، عن داود:{فُرُطًا} . قال: ندامةً.
وقال آخرون: بل معناه: هلاكًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن
(1)
تفسير مجاهد ص 447، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 7/ 2358 (12781)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.
أبى سعيد
(1)
الأزديِّ، عن أبي الكُنُودِ، عن خبَّابٍ:{وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} . قال: هلاكًا
(2)
.
وقال آخرون: بل معناه: خلافًا للحقِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} . قال: مخالفًا للحقِّ، ذلك الفُرْطُ
(3)
.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضَياعًا وهلاكًا. من قولهم: أفرط فلانٌ في هذا الأمر إفراطًا. إذا أسرف فيه وتجاوز قدره. وكذلك قولُه: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} . معناه: وكان أمرُ هذا الذي أغْفَلْنا قلبه عن ذكرنا في البسارِ
(4)
والكبرِ، واحتقار أهل الإيمانِ، سَرَفًا قد تجاوز حدَّه، فضَيَّع بذلك الحقَّ وهلك.
وقد حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، قال: قيل له: كيف قرأ عاصمٌ؟ فقال: {كَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} . قال أبو كريب: قال أبو بكرٍ: كان عُيينةُ بنُ حصنٍ يفخَرُ، يقولُ: أنا وأنا.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ
(1)
في ت 2: "سعد".
(2)
تقدم تخريجه في 9/ 261.
(3)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 120.
(4)
في م: "الرياء"، وفى ت 1:"البا"، ومكانها بياض في ت 2 وفى ف:"البار". والبسار ضبطه في النسخة "ص" بفتح الباء، ولعله من بسر: أي نظر بكراهة شديدة. اللسان (ب س ر).
فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقلْ، يا محمدُ لهؤلاء الذين أغْفَلْنا قلوبَهم عن ذكْرِنا واتَّبَعوا أهواءَهم: الحقُّ أيها الناسُ من عندِ ربِّكم، وإليه التوفيقُ والخِذْلانُ، وبيدِه الهدى والضلالُ؛ يهدِى من يشاءُ مِنكم للرَّشادِ فيؤمنُ، ويُضِلُّ مَن يشاءُ عن الهُدَى فيكفرُ، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، ولستُ بطارِدٍ لهواكم مَن كان للحقِّ مُتَّبِعًا، وباللَّهِ وبما أُنزِل عليَّ مؤمنًا، فإن شئتُم فآمِنوا، وإن شئتُم فاكْفُروا، فإنَّكم إن كفَرتُم فقد أعدَّ لكم ربُّكم على كفرِكم به نارًا أحاط بكم سُرَادِقُها، وإن آمنْتُم به وعمِلتُم بطاعتِه، فإنَّ لكم ما وصَف اللَّهُ لأهلِ طاعتِه.
ورُوى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} . يقولُ: من شاء اللَّهُ له الإيمانَ آمَن، ومن شاء اللَّهُ له الكفرَ كفَر. وهو قولُه:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}
(1)
[التكوير: 29].
وليس هذا بإطلاقٍ من اللَّهِ الكُفرَ لمَن شاء، والإيمانَ لمَن أراد، وإنَّما هو تهديدٌ ووعيدٌ، وقد بيَّن أن ذلك كذلك قولُه:{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} . والآياتُ بعدَها.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن عمرَ بن حبيبٍ، عن داودَ، عن مجاهدٍ في قوله:{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر} . قال:
(1)
أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (377) 1/ 452 من طريق عبد الله بن صالح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى حنيش في الاستقامة وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه.
وعيدٌ من الله؛ فليس بمُعْجِزى
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر} ، وقوله:{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]. قال: هذا كلُّه وعيدٌ
(2)
ليس مُصانَعةً ولا مُراشاةً ولا تَفْويضًا.
وقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} . يقول عزَّ ذكرُه: إنا أعْدَدنا، وهو من العُدَّةِ، للظَّالِمين؛ الذين كفَروا بربِّهم نارًا
(3)
.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} . قال: للكافرين.
وقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} . يقولُ: أحاط سُرادِقُ النارِ التي أعدَّها اللَّهُ للكافرين بربِّهم.
وذلك فيما قيل: حائطٌ من نارٍ يُطِيفُ بهم كسُرادقِ الفُسْطاطِ، وهى الحجرةُ
(4)
التي تُطِيفُ بالفُسْطاطِ، كما قال رؤبةُ
(5)
:
يا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودُ
(1)
في ص، ب 1، ف:"بمعجز في"، والمثبت موافق المصادر التخريج.
والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 189، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى ابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير 7/ 171.
(2)
بعده في ت 1: "من الله".
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(4)
في ص، ت 1، ف:"المجمرة".
(5)
البيتان لرؤبة في ملحق ديوانه ص 172، وللكذاب الحرمازى في الشعر والشعراء 2/ 685، ولرؤبة وقيل للكذاب في اللسان (سردق) ولرجل من بنى الحرماز في الكتاب لسيبويه 2/ 203.
سُرادِقُ المجدِ
(1)
عَلَيْكَ مَمْدُودْ
وكما قال سلامةُ بنُ جندلٍ
(2)
:
هُوَ المُولِجُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ
…
صُدُورُ الفُيُول بعدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ
يعني: بيتًا له سُرادقٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} . قال: حائطٌ من نارٍ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عمَّن أخبره، قال:{أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} . قال: دُخَانٌ يحيطُ بالكفارِ يومَ القيامةِ، وهو الذي قال اللَّهُ:{ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ}
(4)
[المرسلات: 30].
وقد رُوِى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك خبرٌ يدلُّ على أن معنَى قولِه: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} : أحاط بهم ذلك في الدنيا، وأن ذلك السُّرادِقَ هو البحرُ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ نصرٍ والعباسُ بنُ محمدٍ، قالا:[ثنا أبو عاصمٍ، عن عبدِ اللَّهِ]
(5)
(1)
في م، ف:"الفضل".
(2)
بعده في ت 2: "مسروق". والبيت في مجاز القرآن 1/ 399، واللسان (سردق).
(3)
ذكره ابن كثير في تفسير 5/ 150 والطوسي في التبيان 7/ 32.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 402 عن معمر عن الكلبي قوله.
(5)
سقط من: ت 1، ف.
[ابن أميةَ، قال]
(1)
: ثنا محمدُ بنُ حُييِّ
(2)
بن يَعْلَى، عن صفوانَ بن يَعْلَى، عن يَعْلى بن أميةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "البَحْرُ هو جَهَنَّمُ". قال: اللَّهِ فقيل له: [كيف ذلك]
(3)
؟ فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية:{نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} . ثم قال: واللَّهِ لا أدْخُلُها أَبَدًا، أو: ما دُمْتُ حَيًّا، ولا تُصِيبُنى مِنها قَطْرَةٌ
(4)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يَعمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلِّ واحدٍ مِثلُ مَسِيرَةِ أربعينَ سَنةً"
(5)
.
حدَّثنا يونسُ
(6)
، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ، أَنَّه قال: "إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّارِ أَربَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلَّ [جدارٍ منها]
(7)
مَسِيرَةً أَرْبَعِينَ سَنةً"
(8)
(9)
.
(1)
سقط من: ت 1، ف.
(2)
في ص، ت 1، ف:"حسين". وينظر الجرح والتعديل 7/ 239.
(3)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.
(4)
أحمد (17960)، والمعرفة والتاريخ 1/ 308 من طريق عاصم به، والتاريخ الكبير 8/ 414، من طريق أبي عاصم به مرسلًا، وصفة النار لابن أبي الدنيا (185)، والمستدرك 4/ 596، والسنن الكبرى 4/ 334، والبعث والنشور للبيهقى (496، 497)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 لابن مردويه.
(5)
الزهد لابن المبارك (زيادات نعيم بن حماد)(316) من طريق رشدين بن سعد به، والترمذي (2584) من طريق عبد الله بن المبارك به، وأبو يعلى (1389)، والعلل المتناهية 2/ 453، وأحمد (11234)، وصفة النار لابن أبي الدنيا (6)، كلهم من طريق دراج به.
(6)
في ص، م، ت 1، ف:"بشر". وينظر تهذيب الكمال 32/ 513.
(7)
في م: "واحدة مثل".
(8)
أخرجه الحاكم 4/ 600، 601 من طريق عبد الله بن وهب به، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى أبي الشيخ وابن مردويه.
(9)
بعده في ص، م، ت 1، ف: "حدثنا بشر، قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو، عن دراج، =
وقوله: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} . يقولُ عزَّ ذكرُه: وإن يستغِثْ هؤلاء الظالمون يومَ القيامةِ في النَّارِ من شدَّةِ ما بهم من العطشِ، فيطلُبوا الماءَ، يُغاثوا بماءٍ كالمُهْلِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المُهْلِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ شيءٍ أُذِيب وانْماعَ
(1)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ أُهدِيَت إليه سِقايةٌ من ذهبٍ وفضةٍ، فأمَر بأخدودٍ فخُدَّ في الأرضِ، ثم قذَف فيه من جَزْلِ حطبٍ
(2)
، ثم قذَف فيه تلك السِّقايةَ، حتى إذا أَزْبَدَت وانماعَت قال لغلامِه: ادعُ مِن يحضُرُنا من أهلِ الكوفةِ فدعا رهطًا، فلمَّا دخَلوا عليه قال: أترَوْنَ هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شَبِيهًا للمُهْلِ أَدْنَى من هذا الذهبِ والفضةِ، حين أَزْبَدَ وانْماعَ
(3)
.
وقال آخرون: هو الدمُ والقيحُ الأسودُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ
= عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ماء كالمهل، قال: كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه". ولعله سبق قلم من الناسخ حيث سيأتي في ص 250 عند تفسير قوله: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ........... } .
(1)
انماع: ذاب وسال. النهاية 4/ 381.
(2)
الجزل: الحطب اليابس، وقيل: الغليظ. وقيل: ما عظم من الحطب وييس. لسان العرب (ج ز ل).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 402 عن معمر عن قتادة، مختصرًا، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150.
عن القاسمِ بن
(1)
أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} . قال: القَيحُ والدَّمُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} . قال: القَيحُ والدَّمُ الأسودُ، كعَكَر الزيتِ. قال الحارثُ في حديثه: يعني دُرْدِيَّه
(2)
(3)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{كَالْمُهْلِ} . قال: يقولُ: أسودُ كهيئةِ الزَّيتِ
(4)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} : ماءُ جهنَّمَ أسودُ، وهي سوداءُ، وشجرُها أسودُ، وأهلُها سودٌ
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عَمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} . قال: هو ماءٌ غليظٌ مثلُ دُرْدِيِّ الزيتِ
(6)
.
(1)
في م: "عن" وهو خطأ طباعي.
(2)
الدردي: ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. النهاية 2/ 112.
(3)
تفسير مجاهد ص 410، 447، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 21 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن أبي حاتم.
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن أبي شيبة وهناد وابن أبي حاتم.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، [قال: أخبرني عمرٌو]
(1)
، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:{بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} . قال: كعكَرِ الزيتِ، فإذا قرَّبه إليه سقَطتْ فَرُوةُ وجهِه فيه]
(2)
(3)
.
وقال آخرون: هو الشيءُ الذي قد انتهَى حرُّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الْمُهلُ هو الذي قد انتهَى حرُّه
(4)
.
وهذه الأقوالُ وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائلِيها، فمتقارباتُ المعنَى، وذلك أن كلَّ ما أُذيب من رَصَاصٍ أو ذهبٍ أو فِضةٍ فقد انتهَى حرُّه، وأن ما أُوقِدت عليه من ذلك النارُ حتى صار كدُرْدِيِّ الزَّيتِ، فقد انتهَى أيضًا حرُّه.
وقد حُدِّثت عن معمرِ بن المثنى، أنه قال: سمِعتُ المُنتَجِعَ
(5)
بنَ نبهانَ يقولُ واللَّهِ لَفلانٌ أبغضُ إليَّ من الطَّلْياءِ والمُهلِ. قال: فقُلنا له: وما هما؟ فقال: الجَرْباءُ
(6)
، والمَلَّةُ
(7)
التي تَنْحَدِرُ عن جوانبِ الخُبزةِ إِذا مُلَّت
(8)
في النارِ مِنَ النارِ،
(1)
سقط من ت 2. والمثبت من باقى النسخ، كما في الموضع السابق في ص 247.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
ابن حبان (7473) 16/ 514، والمستدرك 2/ 501، 4/ 604، والبيهقي في البعث (604) ص 293، وصفة النار لابن أبي الدنيا (76) ص 61، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220، 221 إلى ابن مردويه وابن أبي حاتم.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى عبد بن حميد، وينظر التبيان 7/ 33.
(5)
في ص: "المنتهجع"، وفى ت 1، ف:"المتهجع". وهو المنتجع بن نبهان. ينظر إنباه الرواة 3/ 323.
(6)
يعنى بالجرباء: الناقة المطلية بالقطران. ينظر لسان العرب (ط ل ى).
(7)
الملة: التراب الحار والرماد أو الجمر يخبز أو يطبخ عليه. الوسيط (م ل ل).
(8)
في ت 2: حلت ومُلت: قُلبت. الوسيط (م ل ل).
كأنها سِهْلةٌ
(1)
حمراءُ مدقَّقةٌ، فهي جَمْرَةٌ
(2)
.
فالمُهلُ إذًا هو كلُّ مائعٍ قد أُوقِد عليه حتى بلَغَ غايةَ حرَّه، أو لم يكنْ مائعًا، فانْماعَ بالوَقودِ عليه، وبلَغ أقصَى الغايةِ في شدَّةِ الحرِّ.
وقوله: {يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} . يقول جلَّ ثناؤُه: يشْوِي ذلك الماءُ الذي يُغاثُون به وجوهَهم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: ثنا بقيَّةُ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن عبيدِ اللَّهِ بن بُسْرٍ - هكذا قال ابن خلَفٍ - عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: 16]. قال: "يُقَرَّبُ إليه فيتكرَّهُه، فإذا قَرُب منه شَوَى وجْهَه، ووقَعت فَرْوة رأسِه، فَإِذَا شَرِب قطَّع أمعاءَه، يقولُ اللَّهُ: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} "
(3)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطالَقانيُّ ويَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن صفوانَ، عن عبيدِ
(4)
اللَّهِ بن بُسْرٍ
(5)
، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثلِه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عَنْتَرةَ، عن سعيدِ بن
(1)
السهلة: رمل خشن ليس بالدقاق الناعم. لسان العرب (س هـ ل).
(2)
في م، ف:"أحمرة". والمثبت موافق لما في مجاز القرآن 1/ 400.
(3)
أخرجه نعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك 1/ 89، عن صفوان به. وأحمد 5/ 265 (الميمنية)، والترمذي (2583)، وينظر ما تقدم في 13/ 620، 621.
(4)
م: "عبد". ينظر تهذيب الكمال 13/ 158، 159.
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"بشر". وينظر المصدر السابق.
جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عام
(1)
أهلُ النارِ. وقال جعفرٌ: إذا جاع
(2)
أهلُ النارِ - استغاثُوا بشجرةِ الزقُّومِ، فأكَلوا منها، فاخْتَلَست
(3)
جلودَ وُجوهِهم، فلو أن مارًّا مرَّ بهم يَعرِفُ
(4)
جُلودَ وُجوهِهم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فيَسْتَغيثون، فيُغاثُون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذي قد انتهَى حرُّه، فإذا أدْنَوْهُ مِن أَفْوَاهِهِم انشَوى مِن حرِّه لُحومُ وُجوهِهم التي قد سقَطت عنها الجلودُ
(5)
.
وقوله: {بِئْسَ الشَّرَابُ} . يقولُ عزَّ ذكرُه: بئس الشرابُ هذا الماءُ الذي يُغاثُ به هؤلاء الظالمون في جهنَّمَ، الذي صِفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.
وقولُه: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: وساءتْ هذه النارُ التي أعْتَدْناها لهؤلاء الظالمين مُرْتَفَقًا.
والمُرْتَفَقُ في كلامِ العربِ: المتكأُ، يقالُ منه: ارْتفقُتُ. إذا اتَّكأْتَ، كما قال الشاعرُ
(6)
.
قالَتْ له وارْتَفَقَتْ أَلا فَتَى
يَسُوقُ بالقومِ غَزَالاتِ الضُّحَى
(1)
في م: "جاع". وعام: اشتدت شهوته إلى اللبن. لسان العرب (ع ى م).
(2)
في م: "جاء".
(3)
اختلست: استلبت لسان العرب (خ ل س).
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"يعرفهم لعرف". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير.
(5)
أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (68)، وأبو نعيم في حلية الأولياء 4/ 285 من طريق ابن حميد به. وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 18 - من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى عبد بن حميد.
(6)
البيتان في النوادر لأبي زيد 128، وأمالي القالى 2/ 96 ولسان العرب (غ ز ل) وفي الأخيرين برواية: ودعوة القوم ألا هل من فتى؛ وفى اللسان أيضًا برواية: دعت سليمى دعوة هل من فتى. وجاء في كل غير منسوب.
أراد: واتَّكأت على مِرْفقِها. وقد ارتَفَق الرجلُ. إذا بات على مِرْفقِه
(1)
لا يأتيه نومٌ. وهو مُرْتفِقٌ. كما قال أبو ذُؤيبٍ الهُذَليُّ
(2)
:
نام الخِلَيُّ وبتُّ الليلَ مرتفقًا
…
كأنَّ عَيْنِيَ فيها الصَّابُ
(3)
مَذْبُوحُ
وأمَّا مِن الرِّفْقِ فإنَّه يقال: قد ارْتَفَقْتُ بك مُرْتَفَقًا.
وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ قولَه: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} يعنى المجتمَعَ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مُرْتَفَقًا} . قال: مجتمَعًا
(4)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} . قال: مُجتمعًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ولستُ أعرِفُ الارتِفاقَ بمعنى الاجتماعِ في كلامِ العربِ، وإنَّما الارتِفاقُ افتِعالٌ، إما مِن المَرفِقِ، وإما مِن الرِّفْقِ.
(1)
في ص، ت 1، ف:"مرفقيه".
(2)
ديوان الهذليين 1/ 104 ورواية الديوان: "مشتجرا" وعليها لا شاهد فيه. وبلفظ المصنف أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 400.
(3)
الصَّاب: شجر إذا اعتصر خرج منه كهيئة اللَّبن، إذا وقعت منه قطرة في العين كأنها شهاب نار. اللسان (ص و ب).
(4)
تفسير مجاهد ص 447، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين صدَّقُوا الله ورسولَه، وعمِلوا بطاعةِ اللَّهِ، وانتهَوْا إلى أمرِه ونهيِه، إنا لا نُضِيعُ ثوابَ مَن أحسَنَ عملًا، فأطاع اللَّهَ، واتَّبع أمرَه ونهيَه، بل نُجازيه بطاعتِه وعملِه الحسنِ جناتِ عَدْنٍ تَجْرِى من تحتِها الأنهارُ.
فإن قال قائلٌ: وأين خَبَرُ {إِنَّ} الأُولَى؟
قيل: جائزٌ أن يكونَ خبرُها قولَه: {إِنَّا لَا نُضِيعُ} . فيكونَ معنى الكلامِ: إنّا لا نُضِيعُ أجرَ مَن عمِل صالحًا. فترَك الكلامَ الأوَّلَ، واعتَمَد على الثاني بنيةِ التكريرِ، كما قال:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217]. بمعنى: عن قتالٍ فيه على التكريرِ، وكما قال الشاعرُ
(1)
:
إِنَّ الخَليفَةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه
…
سربالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ
ويُرْوَى: تُرْجَى
(2)
.
وجائزٌ أن يكونَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} . جزاءً، فيكون معنى الكلام: إِنَّ من عمل صالحًا فإنَّا لا نُضِيعُ أجرَه. فتُضمَّن
(3)
الفاء في قوله: {إِنَّا} .
وجائزٌ أن يكونَ خبرُها: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} . فيكونَ معنى الكلامِ: إِنَّ الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ أولئك لهم جَناتُ عدنٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ
(1)
البيت لجرير، وهو في ديوانه 20/ 672.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"ترخي". وينظر معاني القرآن 2/ 140.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"فتضمر". وينظر معاني الفراء 2/ 140.
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين آمَنُوا وعمِلوا الصالحات جَنّاتُ عدنٍ. يعني: بساتينُ إقامةٍ في الآخرةِ. {مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} . يَقولُ: تَجْرِى مِن دونِهم [وبينَ
(1)
أيديهم الأنهارُ. وقال جلَّ ثناؤُه: {مِنْ تَحْتِهِمُ} . ومعناه: من دونِهم]
(2)
وبينَ أيديهم.
{يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} . يقولُ: يَلْبَسون فيها من الحُليِّ أساوِرَ من ذهبٍ. والأساوِرُ جمع إسْوارٍ.
وقوله: {يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ} . والسُّندس جمعٌ، واحدُها سُندُسةٌ، وهى ما رَقَّ من الدبياجِ، والإسْتبرَقُ: ما غلُظ منه وثخُن. وقيل: إنَّ الإستبرَقَ هو الحريرُ. ومنه قولُ المرَقِّشِ
(3)
:
تراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً
…
وإستبرقُ الدَّيباج طَوْرًا لباسُها
يعني: وغليظُ الدِّيباجِ.
وقوله: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} . يقولُ: مُتَّكئين في جناتِ عدنٍ على الأرائِك. وهى السُّرُرُ في الحِجالِ
(4)
، واحِدَتُها أَرِيكةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ
(5)
:
(1)
في م: "من".
(2)
(3)
ذكرُه الطوسى في التبيان 7/ 36، والقرطبي في تفسيره 10/ 397.
(4)
الحجال: مواضع تزين بالثياب والستور والأسرة. التاج (ح ج ل).
(5)
البيت لذي الرمة، ديوانه 3/ 1729.
خُدودًا جَفَتْ
(1)
في السَّيْرِ حتى كأنَّما
…
يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ
(2)
مَسَّ الأرائِكِ
ومنه قولُ الأعشَى
(3)
:
بينَ الرُّوَاقِ وجانبٍ مِن سترِها
…
منها وبينَ أريكةِ الأنْضَادِ
(4)
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{عَلَى الْأَرَائِكِ} . قال: هي الحِجالُ
(5)
.
قال معمرٌ: وقال غيرُه: السُّررُ
(6)
في الحِجالِ
(7)
.
وقوله: {نِعْمَ الثَّوَابُ} . يقولُ: نعمَ الثوابُ جناتُ عدنٍ وما وصَف جلّ ثناؤُه أنه جعَل لهؤلاء الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ، {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}. يقولُ: وحسُنت هذه الأرائكُ في هذه الجنانِ التي وصَف تعالى ذكرُه في هذه الآية مُتَّكَأً.
وقال عز وجل: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} . فأنَّثَ الفعلَ بمعنَى: وحسُنت هذه الأرائكُ مرتَفَقًا. ولو ذَكَّر لتذكيرِ المُرتفقِ كان صوابًا، لأن "نِعْمَ" و "بِئسَ" إنما
(1)
جفت في السير أي لم تطمئنَّ. ديوان ذى الرمة 3/ 1729 بشرح الباهلي.
(2)
المعزاء: الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة. اللسان (م ع ز).
(3)
ديوانه ص 129.
(4)
الأنضاد؛ جمع نَضَد: وهو ما نُضِّد من متاع البيت. أي جعل بعضه على بعض. ينظر اللسان (ن ض د).
(5)
تفسير عبد الرزاق 1/ 403. ليس فيه ذكر "معمر". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى عبد بن حميد.
(6)
في ص، ت 1، ف:"الستور".
(7)
تفسير عبد الرزاق 1/ 403. عن معمر عن الكلبي.
تُدْخِلُهما العربُ [في الكلامِ لتدُلَّا على المدح والذمِّ لا للفعلِ، فلذلك تذكِّرُهما مع المؤنَّثِ]
(1)
، وتوحِّدُهما مع الاثنَين والجماعةِ.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واضْرِبْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين باللَّهِ، الذين سألُوك أن تطرُدَ الذين يدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدون وجهَه، {مَثَلًا} مثلَ رجلينِ جعلنا لأحدهمَا
(2)
بستانين
(3)
مِن مِن كُرومٍ
(4)
، {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ}. يقولُ: وأطَفْنا هذَين البُستانَين بنخلٍ.
وقوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} . يقولُ: وجعَلْنا وسَطَ هذَين البُستانَين زرْعًا.
وقوله: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} . يقولُ: كلا البستانين أطْعَم ثمَرَه وما فيه مِن الغُروسِ من النخلِ والكَرْمِ وصُنوفِ الزَّروعِ.
وقال: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ} . ثم قال: {آتَتْ} . فوحَّد الخبرَ؛ لأنَّ "كلتا" لا تُفْرَدُ واحدتُها، وأصلُه "كلّ"، وقد تُفْرِدُ العربُ "كلتا" أحيانًا، ويذْهَبون بها وهى مفرَدةٌ إلى التثْنيةِ، قال بعضُ الرُّجّازِ في ذلك
(5)
:
(1)
سقط من: ت 1، ف.
(2)
بعده في م: "جنتين أي جعلنا له".
(3)
في ص، م، ت 2، ف:"بساتين".
(4)
في ص، ت 1:"كرم".
(5)
البيت في معاني القرآن للفراء 2/ 142، واللسان (ك ل ا)، وخزانة الأدب 1/ 129 وأشار في الخزانة =
في كِلْتِ
(1)
رِجْلَيْها سُلامَى
(2)
واحِدَه
…
كلتاهما مَقْرُونةٌ بزَائِدَه
يُريدُ بـ "كلت""كلتا". وكذلك تفعل بـ "كلتا" و "كِلَا" و "كلّ"؛ إذا أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ وجاء الفعلَ بعدَهن
(3)
، يُجْمَعُ ويُوحَّدُ.
وقوله: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} . يقولُ: ولم تَنْقُصْ من الأكلِ شيئًا، بل آتت ذلك تامًّا كاملًا، ومنه قولُهم: ظلَم فلانٌ فلانًا حقَّه، إذا بخَسَه ونقَصه. كما قال الشاعرُ
(4)
:
تظلَّمنى مالى كَذا ولَوَى يدِى
…
لَوَى يدَه اللَّهُ الذي هو غالِبُه
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} . أي: لم تَنْقُصْ منه شيئًا.
وقوله: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وسيَّلْنا خلالَ هذَين البُسْتانَينْ نَهَرًا. يعنى: بينَهما وبينَ أشجارِهما نَهَرًا.
= إلى أنه بيت مصرع وليس بيتين من الرجز.
(1)
كسر التاء مذهب الكوفيين على أنها مفرد "كلتا". أما البصريون فيذهبون إلى فتح التاء من "كلت" على أنها "كلتا"، وإنما حذفت الألف للضرورة وبقيت فتحة التاء دلالة عليها.
هذا، وقد رد البغدادى كلام الكوفيين، وذهب مذهب البصريين. ينظر تفصيل ذلك في الخزانة 1/ 129 - 134.
(2)
السلامي: عظام الأصابع في اليد والقدم. (اللسان س ل م).
(3)
بعده في م: "و".
(4)
هو فرعان بن الأعرف. وتقدم عجز هذا البيت في 5/ 523.
وقيل: {وَفَجَّرْنَا} . فثقَّل الجيمَ منه؛ لأنَّ التفجيرَ في النهَرِ كلِّه، وذلك أنَّه يَمتدُّ
(1)
ماءً فيُسيلُ بعضُه بعضًا.
وقوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} . اختَلَفَتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ: (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ
(2)
.
واختلَف قارِئو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: كان له ذهبٌ وفِضَّةٌ. وقالوا: ذلك هو الثمُرُ؛ لأنّها أموال مثمَّرةٌ، يعني: مكثَّرَةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:(وكان لَهُ ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفِضةٌ. وفى قولِ اللَّهِ عز وجل: (بثُمُرِهِ). قال: هي أيضًا ذهبٌ وفِضةٌ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:(ثُمُرٌ). قال: ذهبٌ وفضةٌ. قال: وقوله (وأُحيطَ بثُمُرِه): هي هي أيضًا.
وقال آخرون: بل عَنَى به المالَ الكثيرَ من صُنوفِ الأموالِ.
(1)
في ص: "يميد". وفى م، ت 1، ف:"يميد". وينظر معاني القرآن، 2/ 144، والتبيان 7/ 37، والبحر المحيط 6/ 124.
(2)
وهى قراءة نافع، وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة ص 390.
(3)
تفسير مجاهد ص 447. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن هارونَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، قال: قرَأها ابن عباسٍ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ)، بالضمِّ، وقال: يعنى أنواعَ المالِ
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:(وكان لَهُ ثُمُرٌ) يقولُ: مالٌ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:(وكان لَهُ ثُمُرٌ). يقولُ: من كلِّ المالِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:(وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: الثُّمُرُ مِن المالِ كلِّه، يعنى الثَّمَرَ وغيرَه من المالِ كلِّه
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الثُّمُرُ المالُ كلُّه. قال: وكلُّ مالٍ إذا اجتَمَع فهو ثُمُرٌ، إذا كان مِن لونِ الثمرةِ وغيرِها من المالِ كلِّه.
وقال آخرون: بل عنَى به الأصلَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وكان لَهُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 404.
ثُمُرٌ): الثُّمُرُ الأصلُ. قال: (وأُحِيطَ بثُمُرِه). قال: بأصلِه
(1)
.
وكأنَّ الذين وجَّهُوا معناها إلى أنها أنواعٌ من المالِ أرادوا أنها جمعُ "ثمارٍ" جُمِع "ثُمُرًا"، كما يُجْمَعُ الكتاب "كُتُبًا"، والحمارُ "حُمُرًا".
وقد قرَأ بعضُ مَن وافَق هؤلاء في هذه القراءةِ: (ثُمْرٌ) بضمِّ الثاءِ وسكونِ الميمِ
(2)
، وهو يُرِيدُ الضمَّ فيها، غيرَ أنه سكَّنها طلب التخفيفِ. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ أراد بها جمعَ "ثَمَرِةٍ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "حُشْبًا". وقرأ ذلك بعضُ المدنيّين:{وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} . بفتحِ الثاءِ والميمِ
(3)
، بمعنى جمعِ "الثَّمَرِةِ"، كما تُجمَعُ الخَشَبَةُ "خَشَبًا"، والقَصَبَةُ "قَصَبًا".
وأولى القراءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ
(4)
قراءةُ مَن قرَأ: (وكان لَهُ ثُمُرٌ). بضمِّ الثاءِ والميمِ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن ذلك
(5)
جمعُ "ثمارٍ"، كما الكُتُبُ جمعُ "كتابٍ".
ومعنى الكلامِ: وفجَّرنا خلالَهما نهَرًا، وكان له منهما ثُمُرٌ - بمعنى من جنَّتيه
(6)
- أنواعٌ من الثمارِ. وقد بَيَّن ذلك لَمَن وُفِّق لفَهمِه - قولُه: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} . ثم قال: وكان له من هذه الكُرُومِ والنخل والزرع ثُمُرٌ.
وقولُه: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} . يقولُ عز وجل: فقال هذا الذي جعَلنا له جنَّتين من أعنابٍ، لصاحبِه الذي لا مالَ له وهو يخاطِبُه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ
(1)
ينظر البحر المحيط 6/ 125.
(2)
قرأ بها أبو عمرو البصرى في الموضعين. السبعة لابن مجاهد ص 390.
(3)
هو أبو جعفر، وبه أيضًا قرأ عاصم وروح. النشر 2/ 233.
(4)
القراءات الثلاثة متواترة.
(5)
في ص، م، ف:"كانت".
(6)
في ت 2: "جنتيهما".
مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}. يقولُ: وأعزُّ عشيرةً ورَهْطًا. كما قال عُيينةُ والأقرعُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نحن ساداتُ العربِ وأربابُ الأموالِ، فنَحِّ عنا سلمانَ وخَبَّابًا وصُهيبًا. احتقارًا لهم، وتكبُّرًا عليهم
(1)
.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} : وتلك واللَّهِ أمنيةُ
(2)
الفاجرِ؛ كثرةُ المالِ، وعزَّةُ النفرِ
(3)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي جعَلنا له جنتين من أعنابٍ {دَخَلَ جَنَّتَهُ} ، وهى بستانُه، {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} . وظلمُه نفسَه كفرُه بالبعثِ، وشكُّه في قيامِ الساعةِ، ونسيانُه المعادَ إلى الله تعالى، فأوجَب لها بذلك سُخْطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِه.
وقوله: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} . يقولُ جلَّ ثناؤه: قال لما عايَنَ جنتَه، ورآها وما فيها من الأشجارِ والثمارِ والزروعِ والأنهارِ المُطَّرِدَةِ، شكًّا في المعادِ إلى اللَّهِ: ما أظنُّ أن تَبِيدَ هذه الجنةُ أبدًا، ولا تفنَى ولا تَخْرَبَ. وما أظنُّ الساعةَ التي وعَد اللَّهُ خلْقَه الحشرَ فيها تقومُ فتَحدُثُ. ثم تمنَّى أُمنيةً أخرى على شكٍّ منه، فقال:{وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} فرجَعتُ إليه - وهو غيرُ موقنٍ أنه راجعٌ إليه: {لأَجِدَنَّ
(1)
تقدم في 9/ 258 - 263 ص 239 - 241 من هذا الجزء.
(2)
في ص، ف:"أمنة".
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 153.
خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا}. يقولُ: لأجِدنَّ خيرًا من جنتى هذه عندَ اللهِ -إن رُدِدتُ إليه- مرجعًا ومردًّا. يقولُ: لم يُعْطِني هذه الجنةَ في الدنيا إلا ولى عندَه أفضلُ منها في المعادِ إِن رُدِدتُ إليه.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} . قال: شَكَّ. ثم قال: {وَلَئِنْ} كان ذلك ثم {رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} ، ما أعطَاني هذه إلا ولى عندَه خيرٌ من ذلك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} : كفورٌ لنعمِ ربِّه، مكذِّبٌ بلقائِه، متمنٍّ على اللهِ
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: قال لصاحبِ الجنتين صاحبُه الذي هو أقلُّ منه مالًا وولدًا، {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}. يقولُ: وهو يخاطِبُه ويكلِّمُه: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} . يعني: خلَق أباك آدمَ من ترابٍ {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} . يقولُ: ثم أنَشأك من نطفةِ الرجلِ والمرأةِ، {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}. يقولُ: ثم عدَّلك بشرًا سويًّا، رجلًا ذكرًا لا أنثى. يقولُ: أكفَرتَ بمَن فعَل بك هذا أن يُعِيدَك خلْقًا جديدًا بعدَما تَصِيرُ رُفاتًا .
{لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي} . يقولُ: أما أنا فلا أكفُرُ بربي، ولكن أنا: هو اللهُ ربِّي. معناه
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 222 إلى ابن أبي حاتم.
أنه يقولُ: ولكن أنا أقولُ: هو الله ربِّى، {وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} .
وفي قراءةِ ذلك وجهان؛ أحدهما: {لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي} بتشديدِ النونِ وحذفِ الألفِ في حالِ الوصلِ، كما يقالُ: أنا قائمٌ. فتُحذَفُ الألفُ من "أنا"، وذلك قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ العراقِ
(1)
. وأما في الوقفِ فإن القرأةَ كلَّها تُثْبِتُ فيها الألفَ؛ لأن النونَ إنما شُدِّدت لاندغامِ النونِ من "لَكِنْ"، وهى ساكنةٌ في النونِ التي من "أنا"، إذ سقَطَت الهمزةُ التى في "أنا"، فإذا وُقِف عليها ظهَرت الألفُ التي في "أنا"، فقيل: لكنَّا؛ لأنه يقالُ في الوقف على "أنا" بإثباتِ الألفِ لا بإسقاطِها، وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ:{لَكِنَّا} بإثباتِ الألفِ في الوصلِ والوقفِ
(2)
، وذلك وإن كان مما يُنْطَقُ به في ضرورةِ الشعرِ، كما قال الشاعرُ
(3)
:
أنا سيفُ العشيرةِ فاعْرِفوني
…
حُمَيدًا قد تَذَرَّيْتُ السَّناما
فأثبَتَ الألفَ في "أنا" -فليس ذلك بالفصيحِ من الكلامِ.
والقراءةُ التي هي القراءةُ الصحيحةُ عندَنا ما ذكَرنا عن العراقيين، وهو حذفُ الألفِ من {لَكِنَّا} في الوصلِ، وإثباتُها في الوقفِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه: وهلَّا إذ دخَلْتَ بستانَك، فأعجَبك ما رأَيتَ منه، قلتَ: ما شاء اللهُ كان. وفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو جوابُ
(1)
وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ونافع. التيسير ص 117.
(2)
هي قراءة أبي جعفر -وهى متواترة- وابن عامر. النشر 2/ 233.
(3)
البيت لحميد بن حريث بن بحدل، وهو في الخزانة 5/ 242.
الجزاءِ، وذلك "كان".
وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى الذى قلنا كانت "ما" نصبًا بوقوعِ فعلِ اللهِ عليه، وهو "شاء"، وجاز طرحُ الجوابِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ معروفٌ، كما قيل:{فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 35]. وترَك الجوابَ، إذ كان مفهومًا معناه، وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ:"ما" من قولِه: {مَا شَاءَ اللهُ} في موضعِ رفعٍ بإضمارِ "هو"، كأنه قيل: قلتَ هو ما شاء اللهُ {لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} . يقولُ: لا قوّةَ على ما نحاوِلُ من طاعتِه إلا به.
وقولُه: {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا} . وهو قولُ المؤمِن الذى لا مالَ له ولا عشيرةَ، مثلَ صاحبِ الجنتين وعشيرته، وهو مثلُ سَلْمَانَ وصُهَيبٍ وخَبابٍ. يقولُ: قال المؤمنُ للكافرِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منكَ مالًا وولدًا. فإذا جعَلتَ "أنا" عمادًا نصبتَ "أقلَّ"، وبه القراءة عندَنا؛ لأن عليه قراءةُ الأمصارِ، وإذا جعَلتَه اسمًا رَفعتَ "أقلُّ".
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)} .
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ المؤمنِ الموقنِ للمعادِ إلى اللهِ، للكافرِ المرتابِ في قيامِ الساعةِ: إن تَرَنِ أيها الرجلُ أنا أقلَّ منك مالًا وولدًا في الدنيا، فعسَى ربي أن يَرْزُقَنى خيرًا من بستانِك هذا {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا}. يعني: على جنةِ الكافرِ التي قال لها: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} - {حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} . يقولُ: عذابًا من السماءِ تُرْمَى به رميًا وتُقْذَفُ، والحُسْبانُ: جمع حُسْبانةٍ. وهى المَرامي.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} : عذابًا.
حدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: عذابًا
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} . قال: عذابًا. قال: الحُسبانُ: قضاءٌ من اللهِ يَقْضِيه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمّى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: الحُسبانُ: العذابُ
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، [قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ]
(3)
، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} . قال: عذابًا
(4)
.
وقولُه: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: فتصبحَ جنَّتُك هذه -أيها الرجلُ- أرضًا ملساءَ لا شيءَ فيها، قد ذهَب كلُّ ما فيها من غَرْسٍ ونَبْتٍ، وعادت خرابًا بلاقِعَ {زَلَقًا} لا يثبتُ في أرضِها قدمٌ لامْلِيساسِها
(5)
، ودُروسِ ما كان نابتًا فيها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى المصنف.
(3)
سقط من: م.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 404. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
في ص، م، ت 1، ف:"لاملساسها". يقال: مَلُس ملاسة واملاسّ امليساسًا، وهو أملس ومليس. وينظر الصحاح، واللسان (م ل س).
زَلَقًا}. أى: قد حُصِد ما فيها فلم يُترَك فيها شيءٌ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} . قال: مثلَ الجُرُزِ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} . قال: {صَعِيدًا زَلَقًا} و {صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 8]. واحدٌ، ليس فيها شيءٌ من النباتِ.
وقولُه: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} . يقولُ: أو يصبحَ ماؤُها غائرًا. فوضَع الغورَ، وهو مصدرٌ، مكانَ الغائرِ، كما قال الشاعرُ
(3)
:
تَظَلُّ جِيادُهُ نَوْحًا عَلَيهِ
…
مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونا
(4)
بمعنى نائحةً؛ وكما قال الآخرُ
(5)
:
هَرِيقى مِنْ دُموعهما سِجاما
(6)
…
ضُباعَ
(7)
وجَاوِبِي نَوْحًا قِيامَا
والعربُ توحِّدُ الغَورَ مع الجمعِ والاثنين، وتذكِّرُ مع المذكرِ والمؤنثِ، تقولُ: ماءٌ غَورٌ، وماءان غَوْرٌ، ومياهٌ غَورٌ. ويعنى بقوله:{غَوْرًا} : ذاهبًا قد غار في الأرضِ فذهَب فلا تلحَقُه الرِّشاءُ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى المصنف وابن المنذر.
(3)
هو عمرو بن كلثوم. من معلقته الشهيرة. والبيت في مجاز القرآن 1/ 404 كرواية المصنف، وشرح القصائد السبع الطوال الجاهليات للأنبارى ص 389، وشرح القصائد التسع المشهورات للنحاس 2/ 631. ورواية الشطر الأول فيهما: تركنا الخيل عاكفة عليه.
(4)
الصافن من الخيل: الذى قد قلب أحد حوافره وقام على ثلاث قوائم. اللسان (ص ف ن).
(5)
البيت في مجاز القرآن 1/ 404، وأمالي المرتضى 1/ 201. غير منسوب.
(6)
سجَم العينُ والدمعُ الماءَ يَسجُم سُجومًا وسجامًا: إذا سال وانسجم. اللسان (س ج م).
(7)
اسم امرأة، على الترخيم من ضباعة.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} . أى: ذاهبًا قد غار في الأرضِ.
وقولُه: {فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} . يقولُ: فلن تُطيقَ أن تُدرِكَ الماءَ الذي كان في جنَّتِك بعدَ غَوْرِه، بطلبكَ إِيَّاهُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وأحاط الهلاكُ والجوائحُ بثمرِه، وهى صنوفُ ثمارِ جنَّتِه التي كان يقولُ لها:{مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} . فأصبَحَ هذا الكافرُ صاحبُ هاتين الجنَّتَين، يقلِّبُ كفَّيْهِ ظهرًا لبطنٍ، تلَهُّفًا وأسفًا على ذَهَابِ نفقته التي أنفَق في جنَّتِه، {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}. يقولُ: وهي خاليةٌ على نباتِها وبيوتِها.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} . أى: يُصَفِّقُ كفَّيْهِ {عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} مُتَلهِّفًا على ما فاته وهو يقولُ: {لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} .
{وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي} . يقولُ: يتمَنَّى هذا الكافرُ، بعد ما أُصِيب بجنَّتِه، أنَّه لم يكنْ كان أشرَك بربِّه أحدًا. يعنى بذلك: هذا الكافرُ إذا هلَك وزالت عنه دنياه وانفرَد بعملِه، ودَّ أنه لم يكنْ كفَر باللهِ ولا أشرَك به شيئًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يكنْ لصاحبِ هاتين الجنَّتَين فِئَةٌ. وهم الجماعةُ، كما قال العَجَّاجُ
(1)
:
كما يَحُورُ الفِئَةَ الكَمِيُّ
وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالف بعضُهم في العبارة عنه عبارتَنا، فإن معناهم نظيرُ معنانا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى "ح"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ} . قال: عشِيرةٌ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ} . أي: جندٌ ينصُرونَهُ
(3)
.
وقولُه: {يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ} يقولُ: يمنَعونه من عقابِ اللهِ وعذابِه إذا عاقَبه وعذَّبه.
وقولُه: {وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} . يقولُ: ولم يكن ممتَنِعا من عذابِ الله إذا عذَّبه.
(1)
ديوانه ص 332.
(2)
تفسير مجاهد ص 447، 448، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى ابن أبي حاتم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} . أي: ممتَنِعًا
(1)
.
وقولُه: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} . يقولُ عزَّ ذكرُه: ثَمَّ، وذلك حينَ حلَّ عذابُ الله بصاحبِ الجَنَّتَينِ في القيامةِ.
واختلَفتِ القرأة في قراءة قوله: {الْوَلَايَةُ} ؛ فقرَأ بعضُ أهلِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ} ، بفتحِ الواوِ من {الْوَلَايَةُ}
(2)
يعْنُون بذلك: هُنالِك المُوالاةُ للَّهِ. كقولِ اللهِ: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257]. وكقولِه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [محمد: 11]. يذهَبون بها إلى الوَلايةِ في الدِّينِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (هُنالك الوِلايَةُ). بكسرِ الواوِ
(3)
، من المُلْكِ والسُّلطانِ، من قولِ القائلِ: وَلِيتُ عملَ كذا، أو بلْدةَ كذا أَلِيه وِلايَةً.
وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأ بكسرِ الواوِ، وذلك أَنَّ اللهَ عقَّبَ ذلك خبرَه عن مُلكِه وسُلطانِه، وأن مَن أحَلَّ به نِقْمَتَه يومَ القيامةِ فلا ناصرَ له يومئذٍ، فإتْباعُ ذلك الخبرَ عن انفرادِه بالمملكةِ والسلطانِ أولى من الخبرِ عن المُوالاةِ التي لم يجرِ لها ذكرٌ، ولا معْنًى لقولِ من قال: لا يُسمَّى سلطانُ اللهِ ولايةً، وإنما يُسمَّى ذلك سلطانُ البشرِ؛ لأنَّ الولايةَ معناها أنَّه يَلى أمرَ خلقِه منفردًا به دونَ جميعِ خَلْقِه، لا أنه يكون أميرًا عليهم.
واخْتلَفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: {الْحَقِّ} ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم ونافع وابن عامر. حجة القراءات ص 418.
(3)
وهى قراءة حمزة والكسائي. حجة القراءات ص 418.
خفضًا
(1)
، على توجِيههِ إلى أنَّه من نعتِ اللهِ، وإلى أن معنَى الكلامِ: هُنالِكَ الوَلايةُ للَّهِ الحقِّ ألوهتُه، لا الباطلِ بطولَ [ألوهةِ الآلهةِ]
(2)
التي يَدْعوها المشركون باللهِ آلهةً. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ متأخِّرِي الكوفيِّين: (للَّهِ الحَقُّ). برفعِ "الحقُّ"
(3)
توجيهًا منهما
(4)
إلى أنه من نعتِ الوَلايةِ، ومعناه: هنالك الوَلايةُ الحقُّ لا الباطلُ، للَّهِ وحدَه لا شريك له
وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ
(5)
قراءةُ مَن قرَأه خفضًا على أنه من نعتِ اللهِ، وأن معناه ما وصَفتُ على قراءةِ مَن قرَأه كذلك.
وقولُه: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: اللهُ
(6)
خيرٌ للمُنيبين في العاجلِ والآجل ثوابًا، {وَخَيْرٌ عُقْبًا}. يقولُ: وخيرُهم عاقبةً في الآجلِ إذا صار إليه المطيعُ له، العاملُ بما أمَره اللهُ، والمنتهى عمَّا نهاه عنه. والعُقْبُ هو العاقبةُ، يُقالُ: عاقبةُ أمرِ كذا وعُقْباه وعُقْبُه. وذلك آخِرُه وما يصيرُ إليه مُنتَهاهُ.
وقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك فقرَأَتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: {عُقْبًا} بضمِّ العينِ وتسكينِ القافِ
(7)
.
والقولُ في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مُستَفيضَتانِ في قرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ.
(1)
وهى قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر وحمزة. حجة القراءات ص 419.
(2)
في م، ت 1، ف:"ألوهيته".
(3)
وهى قراءة أبي عمرو والكسائي. حجة القراءات ص 419.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"منها".
(5)
القراءتان متواترتان.
(6)
سقط من: م، ت 1، ف.
(7)
وهى قراءة عاصم وحمزة. والقراءة الأخرى بضم العين والقاف -لم تُذْكر، لعلها سقطت من =
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واضرِبْ لحياةِ هؤلاء المُستَكبرين -الذين قالوا لك: اطرُدْ عنك هؤلاء الذين يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ، إذا نحن جئناك- الدُّنيا مِنهم مَثَلًا. يقولُ: شَبَهًا. {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} . يقولُ: كمطرٍ أَنزَلْناه من السماءِ [إلى الأرضِ]
(1)
{فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} . يقولُ: فاختَلَط بالماءِ نباتُ الأرضِ، {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا}. يقولُ: فأصبَح نباتُ الأرضِ يابسًا مُتفَتِّتًا، {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ}. يقولُ: تُطيِّرُه الرياحُ وتُفرِّقُه، يقال منه: ذَرَته الريحُ تَذْرُوه ذَرْوًا، وذَرَتْه ذَرْيًا، وأَذْرَته تُذْرِيهِ إِذْرَاءً
(2)
، كما قال الشاعرُ
(3)
:
فقُلْتُ لَهُ صَوِّبْ وَلا تُجْهِدَنَّه
…
فَيُذْرِكَ مِنْ أُخرَى القَطَاةِ فَتُزلَقِ
يُقال: أَذْرَيتُ الرجلَ عن الدَّابةِ والبعيرِ: إذا أَلْقَيْتُه عنه.
وقولُه: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} يقولُ: وكان اللهُ على تخريبِ جَنَّةِ هذا القائلِ حينَ دخَل جَنَّتَه: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} . وإهلاكِ أموالِ ذى الأموال الباخلين بها عن حقوقها، وإزالةِ دنْيا الكافرين به عنهم، وغيرِ ذلك مما يشاءُ، قادرًا لا يُعجِزُه شيءٌ أرادَه، ولا يُعْييه أمرٌ أرادَه، يقولُ: فلا يَفْخَرْ ذو الأموالِ بكثرةِ أموالِه، ولا يستكبِرْ على غيرِه
= الناسخ- هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو والكسائي. السبعة ص 392.
(1)
سقط من: م، ف.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"اذراه". وينظر اللسان (ذ ر ا).
(3)
هو امرؤ القيس. ديوانه ص 174.
بها، ولا يغترَّنَّ أهلُ الدنيا بدُنْياهم؛ فإنَّما مَثَلُها مَثَلُ هذا النباتِ الذى حسُن اسْتِواؤه بالمطرِ، فلم يكنْ إلا رَيْثَ أن انْقطَع عنه الماءُ، فتناهى نهايتَه، عاد يَبِسًا
(1)
تَذْرُوه الرياحُ، فاسدًا، تَنْبُو عنه أعينُ الناظرين، ولكنْ ليعمَلْ للباقى الذى لا يَفْنَى، والدائمِ الذي لا يَبِيدُ ولا يتغيَّرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: المالُ والبنونَ، أَيُّها الناسُ، التي يفخَرُ بها عيينةُ والأقرعُ، ويتكبَّران بها على سلمانَ وخبابٍ وصهيبٍ، مما يُتَزيَّنُ به في الحياةِ الدنيا، وليسا من عُدَدِ
(2)
الآخرةِ، {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا}. يقولُ: وما يعمَلُ سلمانُ وخبابٌ وصهيبٌ من طاعةِ اللهِ ودعائِهم ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدُون وجهَه، الباقى لهم من الأعمالِ الصالحةِ بعدَ فناءِ الحياةِ الدُّنيا، خيرٌ يا محمدُ عندَ ربِّك ثوابًا من المالِ والبنينَ التى يَفتخِرُ هؤلاء المشرِكون بها، التي تَفْنَى، فلا تَبْقَى لأهلِها، {وَخَيْرٌ أَمَلًا}. يقولُ: وما يُؤمِّلُ من ذلك سلمانُ وصهيبٌ وخبابٌ، خيرٌ مما يُؤمِّلُ عيينةُ والأقرعُ من أموالِهما وأولادِهما. وهذه الآياتُ من لَدُنِ قولِه:{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 27]. إلى هذا الموضعِ، ذُكِر أنها نزَلت في عيينةَ والأقرعِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ عمرٍو العنقزيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ، عن أبى سعدٍ
(3)
الأزديِّ، وكان قارئَ الأزدِ، عن أبى الكنودِ، عن خبابٍ
(1)
في م: "يابسًا".
(2)
في م: "عداد"
(3)
في م: "سعيد". وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال 33/ 344.
فى قولِه: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام: 52]. ثم ذكَر القصةَ التي قد ذكَرناها في سورةِ الأنعامِ في قصةِ عيينةَ والأقرعِ، إلى قولِه:[{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا}. قال: عيينةُ والأقرعُ]
(1)
. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}
(2)
[الكهف: 28]. قال: ثم
(3)
ضرَب لهم مثلًا رجلين، ومثلَ الحياةِ الدنيا
(4)
.
واختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنيِّ بالباقياتِ الصالحاتِ، اختلافَهم في المعنيِّ بالدعاءِ الذي وصَف جلَّ ثناؤه به الذين
(5)
نَهَى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم عن طردِهم، وأمَره
(6)
بالصبرِ معهم؛ فقال بعضُهم: هى الصلواتُ الخمسُ. وقال بعضُهم: هي ذكرُ اللهِ بالتَّسبيحِ والتَّقديسِ والتَّهليلِ، ونحوِ ذلك. وقال بعضُهم: هي العملُ بطاعةِ اللهِ. وقال بعضُهم: الكلامُ الطيِّبُ.
ذكرُ مَن قال: هي الصلواتُ الخمسُ
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطيُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ كاسبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ الأُمويُّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ بنِ هرمزَ يُحدِّثُ عن عبيدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال:{الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} : الصلواتُ الخمسُ.
حدَّثني زُريقُ بنُ السَّختِ
(7)
، قال: ثنا قَبيصَةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ
(1)
سقط من: ت 1، ف.
(2)
بعده فى م، ت 1، ف:"قال".
(3)
بعده في م: "قال".
(4)
تقدم تخريجه في 9/ 259، 260.
(5)
فى ص، ت 1، ت 2، ف:"والذي".
(6)
في ص، ت 2، ف:"أمرهم".
(7)
فى م: "إسحاق". وينظر الإكمال لابن ماكولا 4/ 56.
مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: الصلواتُ الخمسُ
(1)
.
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ عن عمرِو بنِ شُرَحبيلَ في هذه الآيةِ:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: هي الصلواتُ
(2)
المكتوباتُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ الله بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال:{الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} : الصلواتُ الخمسُ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ
(4)
اللهِ، عن إبراهيمَ، قال:{الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} : الصلواتُ الخمسُ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميْسرةَ:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: الصلواتُ الخمسُ.
ذكرُ مَن قال: هنَّ ذكرُ اللهِ بالتَّسبيحِ والتَّحميدِ ونحوِ ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ ومحمدُ بنُ عُمَارة الأسديُّ، قالوا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، قال: أخبَرنا أبو عَقيلٍ زُهرةُ بنُ مَعْبَدٍ القرشيُّ، من بنى تَيْمٍ
(6)
من رَهطِ أبى بكرٍ الصدِّيقِ، أنَّه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ،
(1)
تفسير سفيان الثوري ص 541.
(2)
بعده في ت 2: "الخمس".
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 12، وتفسير الثوري ص 189.
(4)
في م: "عبد". وينظر تهذيب الكمال 6/ 199.
(5)
تفسير الثوري ص 189.
(6)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"تميم".
يقولُ: قيل لعثمانَ: ما الباقياتُ الصالحاتُ؟ قال: هنَّ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ
(1)
.
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا حَيْوةُ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ زهرةُ بنُ معبدٍ، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: قيل لعثمانَ بنِ عفانَ: ما الباقياتُ الصالحاتِ؟ قال: هى لا إلهَ إِلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ وبحمدِه، واللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.
حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البرْقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا نافعُ بنُ يزيدَ ورِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قالا: ثنا زهرةُ بنُ معبدٍ، قال: سمِعتُ الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: قالوا لعثمانَ: ما الباقياتُ الصالحاتُ؟ فذكَر مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمِ بنِ هرمزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعت عبدَ المَلِكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بن غنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
(1)
هذا الأثر والأثران اللذان بعده تقدم طرف من كل منهما في 12/ 615، 616. في تفسير قوله تعالى:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} . وينظر تخريج هذا الأثر ثم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا مالكٌ، عن عمارةَ بنِ عبدِ اللهِ ابنِ صيَّادٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال:{الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} : سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ، عن نافعِ بنِ سَرْجَسٍ، أنه أخبرَه أنه سأل ابنَ عمرَ عن الباقياتِ الصالحاتِ، قال: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
(2)
.
قال ابنُ جريجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ مثلَ ذلك
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} : سبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 158 عن مالك به.
(2)
أخرجه البخارى فى تاريخه 1/ 77 من طريق آخر عن ابن عمر. وزاد فيه: "والحمد لله". وينظر تفسير ابن كثير 5/ 158.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 157، 158.
(4)
تفسير الثوري ص 189.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني أبو صخرٍ: أن عبدَ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مولى سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، حدَّثه قال: أرسَلنى سالمٌ إلى
(1)
محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، فقال: قل له: القَنِى عندَ زاويةِ القبرِ؛ فإنَّ لى إليكَ حاجةً. قال: فالْتَقَيا، فسَلَّم أحدُهما على الآخرِ، ثم قال سالمٌ: ما تعدُّ الباقياتِ الصالحاتِ؟ فقال: لا إلهَ إِلَّا الله، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللهِ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ. فقال له سالمٌ: متى جعَلت فيها لا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؟ فقال: ما زلتُ أجعَلُها. قال: فراجَعه مرَّتين أو ثلاثًا فلم ينزِعْ. قال: فأَثْبِتْ. قال سالمٌ: أَجَلْ فأُثْبِتُ؛ فإِنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ حدَّثني أنه سمِع رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يقولُ: "عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ فَأُرِيتُ إِبْرَاهِيمَ، فقال: يا جِبرِيلُ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فقال: محمَّدٌ. فرَحَّبَ بي وسَهَّلَ، ثمَّ قال: مُرْ أمتكَ فليُكْثِروا
(2)
من غِراسِ الجَنَّةِ؛ فإن تربتَها طيِّبةٌ، وأَرْضَها واسعةٌ. فقلتُ: وما غِراسُ الجنةِ؟ قال: لا حولَ ولا قوة إلَّا باللهِ"
(3)
.
وجَدتُ في كتابي عن الحسنِ بنِ الصَّباحِ البزَّارِ، عن أبى نصرٍ التَّمارِ، عن عبدِ العزيزِ بنِ مسلمٍ، عن محمدِ بنِ عَجلانَ، عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله، وَاللهُ أكْبرُ، هن الباقياتُ الصالحاتُ"
(4)
.
(1)
في م: "بن".
(2)
في ص، م، ت 2:"فلتكثر".
(3)
أخرجه أحمد 5/ 418 (الميمنية)، وابن حبان (821) من طريق أبي صخر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 153 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، جميعهم بدون القصة في أوله.
(4)
أخرجه النسائي (10684)، والطبرانى في الأوسط (4027)، وفي الصغير 1/ 145، والبيهقي في شعب الإيمان (606)، والحاكم 1/ 541 من طريق عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبى هريرة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 325 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: لا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسبحانَ اللهِ، هنَّ الباقياتُ الصالحاتُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرَّاجًا أبا السمحِ حدَّثه عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"اسْتَكْثِرُوا مِن الباقِياتِ الصَّالحاتِ". قيل: وما هن يا رسولَ اللهِ؟ قال: "المِلَّةُ". قيل: وما هى يا رسولَ اللهِ؟ قال: "التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، والتَّسْبِيحُ، والحَمْدُ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ"
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مالكٌ، عن عُمارةَ ابنِ صيادٍ، أنَّه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ في الباقياتِ الصالحاتِ: إنها قولُ العبدِ: اللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، [ولا إلهَ إلَّا الله]
(2)
، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ.
حدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى ابنُ عَجْلانَ، عن عُمارةَ بن صيَّادٍ، قال: سأَلنى سعيدُ بن المسيَّبِ، عن الباقياتِ الصالحاتِ، فقلتُ: الصلاةُ والصيامُ. قال: لم تُصِبْ. فقلتُ: الزكاةُ والحجُّ. فقال: لم تُصِبْ، ولكنهنَّ الكلماتُ الخمسُ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ
(3)
.
(1)
أخرجه ابن حبان (840)، والطبرانى في الدعاء (1697)، والحاكم 1/ 512، 513، والبيهقي في شعب الإيمان (605) من طريق ابن وهبٍ به، وأخرجه أبو يعلى (1384)، والطبراني في الدعاء (1696)، والبغوي في شرح السنة (1282) عن دراج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 224 إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
سقط من: م، ت 1، ف.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 158 عن محمد بن عجلان.
ذكْرُ مَن قال: هي العملُ بطاعةِ اللهِ عز وجل
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} . قال: الأعمالُ الصالحةُ؛ سبحانَ اللهِ، والحمد للهِ، ولا إله إلَّا الله، واللهُ أكبرُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: هى ذكرُ اللهِ؛ قول: لا إله إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، وتبارَكَ اللهُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وأستغفرُ اللهَ، وصلَّى اللهُ على رسولِ اللهِ، والصيامُ والصلاةُ والحجُّ والصَّدَقةُ والعتقُ والجهادُ والصلةُ، وجميعُ أعمالِ الحسناتِ، وهنَّ الباقياتُ الصالحاتُ، التي تَبْقَى لأهلِها في الجنةِ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} . قال: الأعمالُ الصالحةُ
(2)
.
ذكرُ مَن قال: هي الكلمُ الطَّيبُ
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . قال: الكلامُ الطيبُ
(3)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 160 عن على بن أبي طلحة.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 160 عن ابن زيد.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 160 عن العوفي به.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هنَّ جميعُ أعمالِ الخيرِ. كالذى رُوِى عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ لأن ذلك كلَّه من الصالحاتِ التي تَبْقَى لصاحبِها في الآخرةِ، وعليها يُجازَى ويُثابُ، وأن اللهَ عزَّ ذكرُه لم يخصُصْ من قولِه:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} . بعضًا دونَ بعضٍ في كتابٍ، ولا بخبرٍ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك مخصوصٌ بالخبرِ الذى روِّيناه عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن الخبرَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إنما ورَد بأَنَّ قولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ. هنَّ مِن الباقياتِ الصالحاتِ، ولم يقلْ: هُنَّ جميعُ الباقياتِ الصالحاتِ، ولا كُلُّ الباقياتِ الصالحاتِ. وجائزٌ أن تكونَ هذه باقياتٍ صالحاتٍ، وغيرُها من أعمالِ البرِّ -أيضًا- باقياتٍ صالحاتٍ.
القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ
(1)
الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)}.
يقولُ عزَّ ذكرُه: ويوم نُسَيِّرُ
(2)
الجبالَ عن الأرضِ، فنَبُسُّها بَسًّا، ونجعَلُها هباءً مُنبَثًّا، {وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً}: ظاهرةً. وظهورُها لرَأى أعينِ الناظرين من غيرِ شيءٍ يستُرُها من جبلٍ ولا شجَرٍ، هو بُروزُها. وبنحوِ ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
(1)
في ت 1، ت 2:"تسير". وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة ص 393، والكشف عن وجوه القراءات 2/ 64.
(2)
في ت 1، ف:"تسير".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى "ح"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} . قال: لا خَمَرَ
(1)
فيها ولا غيابةَ. يعني
(2)
شجرَ
(3)
فيها
(4)
.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} : ليس عليها بناءٌ ولا شجرٌ
(5)
.
وقيل: معنى ذلك: وترَى الأرضَ بارزًا أهلُها الذين كانوا في بطنِها، فصاروا على ظهرِها. وقولُه:[{وَحَشَرْنَاهُمْ}]
(6)
. يقولُ: [وجمَعْناهم]
(7)
إلى موقفِ الحسابِ. {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} . يقولُ: فلم نتركْ، ولم نُبقِ مِنهم تحتَ الأرضِ أحدًا. يُقالُ منه: ما غادرتُ من القومِ أحدًا. وما أغدَرتُ مِنهم أحدًا. ومِن أَغدَرتُ قولُ الراجزِ
(8)
:
(1)
الخمر: كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره. النهاية 2/ 77.
(2)
في م: "ولا بناء و".
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"حجر".
(4)
تفسير مجاهد ص 448. وذكره ابن كثير في تفسير 5/ 161. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 226 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 161، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 226 إلى ابن أبي حاتم.
(6)
في ص، ت 1، ف:"فحشرناهم".
(7)
في ص، ت 1، ف:"فجمعناهم"، وفي م:"جمعناهم".
(8)
الرجز لأبي محمد الفقعسي. وهو في لسان العرب (ق ب ض)، (ع ر ض)، (ع و ض)، (هـ ج م)، وليس في هذه المواضع موضع الشاهد
هل لكِ والعارضُ منكِ عائضُ
في هَجْمةٍ يغدِرُ منها القابضُ
وقولُه: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: وعُرِض الخلقُ على ربِّك يا محمدُ صفًّا، {لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. يقولُ عزَّ ذكرُه: يقال لهم إذ عُرضوا على اللهِ: لقد جئتُمونا أيها الناسُ أحياءً كهيئتِكم حينَ خلَقْناكم أوَّلَ مرَّةٍ. وحُذِف "يُقالُ" مِنَ الكلامِ؛ لمعرفةِ السامعين بأنَّه مرادٌ في الكلامِ.
وقولُه: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} . وهذا الكلامُ خرَج مَخْرجَ الخبرِ عن خطابِ اللهِ به الجميعَ، والمرادُ منه الخصوصُ، وذلك أنه قد يَرِدُ القيامة خلقٌ مِن الأنبياءِ والرسلِ، والمؤمنين باللهِ ورسلِه وبالبعثِ، ومعلومٌ أنَّه لا يُقالُ يومَئِذٍ لمَن ورَدها من أهلِ التصديقِ بوعدِ اللهِ في الدنيا، وأهلِ اليقينِ فيها بقيامِ الساعةِ: بل زعَمْتُم أن لن نجعلَ لكم البعثَ بعدَ المماتِ، والحشرَ إلى القيامة موعدًا. وأن ذلك إنما يقالُ لمَن كان في الدنيا مكذِّبًا بالبعثِ وقيامِ الساعةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه: ووضَع اللهُ يومئذٍ كتابَ أعمالِ عبادِه في أيدِيهم، [فَآخِذٌ بيمينِه، وآخِذٌ]
(1)
بشِمالِه، {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ}. يقولُ عَزَّ ذكرُه: فتَرَى
(2)
المشركين باللهِ {مُشْفِقِينَ} . يقولُ: خائفِين وَجِلِينَ، {مِمَّا فِيهِ}
(1)
في م: "فأخذ واحد بيمينه وأخذ واحد".
(2)
بعده في م: "المجرمين".
مكتوبٌ من أعمالِهم السيئةِ التي عمِلُوها في الدنيا، أن يؤاخَذوا بها، {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} . يعنى أنَّهم يقولون إذا قرَءُوا كتابَهم، ورأَوْا ما قد كُتِب عليهم فيه من صغائرِ ذنوبِهم وكبائرِها، نادَوا بالويلِ حينَ أيقَنوا بعذابِ اللهِ، وضَجُّوا مما قد عرَفوا من أفعالِهم
(1)
الخبيثةِ التي قد أحصاها كتابُهم، ولم يَقْدِروا أن يُنكِرُوا صحَّتَها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} : اشتكَى القومُ، كما تسمَعون، الإحصاءَ، ولم يشتكِ أحدٌ ظُلمًا، فإيَّاكم والمحقَّراتِ من الذنوبِ؛ فإنها تجتَمِعُ على صاحبِها حتى تُهلِكَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يضْرِبُ لها مثلًا، يقولُ:"كَمَثَلِ قَوْمٍ انْطلقوا يَسيرُون حتى نَزَلوا بفَلاةٍ من الأرضِ، وحضَر صَنيعُ القومِ، فانطلَق كلُّ رَجُلٍ يحتَطِبُ، فجَعَل الرَّجُلُ يَجِيءُ بالعُودِ، ويَجِيءُ الآخرُ بالعُودِ، حتى جمَعوا سَوادًا كثيرًا وأجَّجُوا نارًا، فإِنَّ الذنبَ الصغيرَ، يَجْتَمِعُ على صَاحبِه حتى يُهلِكَه"
(2)
.
وقيل: إنَّه عنى بالصغيرة في هذا الموضعِ الضحكَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ موسى، عن الزيَّالِ بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ:{لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً}
(1)
في ت 1: "أعمالهم".
(2)
أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (400)، من طريق قتادة موصولًا من حديث عبد الله بن مسعود، وأحمد (3818)، وفي الزهد ص 31، والبيهقى 10/ 187، 188، وفي الشعب (285) من طريق أبي داود الطيالسي به.
قال: الضَّحكُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبي، قال: حدَّثَتْني أمِّي حمَّادةُ ابنةُ محمدٍ، قالت: سمِعتُ أبي محمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ يقولُ في هذه الآية في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} . قال: الصغيرةُ الضَّحكُ.
ويعنى بقولِه: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ} : [ما شأنُ هذا الكتابِ]
(1)
، {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً}. يقولُ: لا يُبقِى صغيرةً من ذنوبِنا وأعمالنِا ولا كبيرةً مِنها، {إِلَّا أَحْصَاهَا}. يقولُ: إلَّا حفِظها. {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا} في الدنيا من عمَلٍ، {حَاضِرًا} في كتابِهم ذلك مكتوبًا مُثْبتًا، فجُوزوا بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ ما اللهُ جازِيهم بها، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}. يقولُ: ولا يجازِى ربُّك يا محمدُ أحدًا بغيرِ ما هو أهلُه؛ لا يُجازِى بالإحسانِ إلا أهلَ الإحسانِ، ولا بالسيئةِ إلا أهلَ السيئةِ، وذلك هو العدلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)} .
يقولُ تعالى ذكرُه مذكِّرًا هؤلاء المشركين حسَدَ إبليسَ أباهم، ومُعْلِمَهم ما كان منه من كِبْرِه واستكبارِه عليه حينَ أمَره بالسجودِ له، وأنه من العَدَاوةِ والحسَدِ لهم على مثلِ الذى كان عليه لأبيهم:{وَ} اذْكُرْ يا محمدُ {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} الذى يُطيعُه هؤلاء المشركون، ويتَّبِعون أمْرَه،
(1)
سقط من: ت 2.
ويخالِفون أمْرَ اللهِ، فإنَّه لم يسجدْ له استكبارًا على اللهِ، وحسدًا لآدم؛ {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} .
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} . فقال بعضُهم: إِنَّه كان من قبيلةٍ يقالُ لهم: الجنُّ.
وقال آخرون: بل كان من خُزَّانِ الجَنَّةِ، فنُسِب إلى الجنَّةِ.
وقال آخرون: بل قيل: {مِنَ الْجِنِّ} ؛ لأنه مِنَ الجِنِّ الذين اسْتَجَنُّوا
(1)
عن أعينِ بني آدمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خلَّادِ بنِ عطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ
(2)
قبلَ أن يركَبَ المعصيةَ [مِن الملائكةِ]
(3)
، اسمُه
(4)
عزازيلُ، وكان من سكانِ الأرضِ، وكان من أشدِّ الملائكةِ اجتهادًا وأكثرِهم علمًا؛ فذلك
(5)
دعاهُ إلى الكِبْرِ، وكان مِن حيٍّ يُسَمَّون
(6)
جِنًّا
(7)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى، رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ من حيٍّ من أحياءِ الملائكةِ
(1)
في ت 2: "استخفوا".
(2)
في م: "اسمه".
(3)
سقط من: م.
(4)
سقط من: النسخ. والمثبت مما تقدم في 1/ 536.
(5)
بعده في م: "هو الذي".
(6)
في م: "يسمى".
(7)
تقدم تخريجه في 1/ 536.
يُقال لهم: الجِنُّ. خُلِقوا من نارِ السَّمومِ من بينِ الملائكةِ. قال
(1)
: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازِنًا من خُزَّانِ الجَنَّةِ. قال: وخُلِقت الملائكةُ من نورٍ غيرَ هذا الحيِّ. قال: وخُلِقتِ الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ، وهو لسانُ النارِ الذى يكونُ في طرَفِها إذا التَهَبت
(2)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى شيبانُ، قال: ثنا سلَّامُ بنُ مسكينٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماءِ الدنيا
(3)
.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} . قال: كان إبليسُ من خُزَّانِ الجَنَّةِ، وكان يدبرُ أمرَ سماءِ الدنيا
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان إبليسُ من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً، وكان خازِنًا على الجِنانِ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ، وكان فيما قضَى اللهُ أنَّه رأى أن له بذلك شرفًا وعظمةً على أهلِ السماءِ، فوقَع من ذلك في قلبِه كبرٌ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ؛ فلمَّا كان عندَ السجودِ حينَ أمَره أن يسجُدَ لآدمَ اسْتَخرَجَ اللهُ كِبْرَه عندَ السجودِ، فلعَنَه وأَخَّرَه إلى يومِ الدينِ. قال: قال ابنُ عباسٍ: وقولُه: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} : إِنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها، كما يُقال للرجلِ: مَكيٌّ،
(1)
سقط من: م.
(2)
تقدم تخريجه في 1/ 535.
(3)
تقدم تخريجه في 1/ 538.
(4)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (147) من طريق وكيع به، وذكره أبو الشيخ في العظمة (1142) معلقًا عن وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 50 إلى ابن المنذر.
ومدنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصْريٌّ. قاله
(1)
ابنُ جريجٍ
(2)
.
وقال آخرون: هم سبطٌ من الملائكةِ قبيلةٌ، وكان اسمُ قبيلتِه الجِنَّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن صالحٍ مولى التَّوأمةِ وشَريكِ بن أبى نَمِرٍ -أحدُهما أو كلاهما- عن ابنِ عباسٍ، قال: إن من الملائكةِ قبيلةً من الجنِّ، وكان إبليسُ منها، وكان يَسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فعصَى، فسَخط الله عليه فمسَخه شَيْطَانًا رَجِيمًا، لعَنه اللهُ ممسُوخًا. قال: وإذا كانت خطيئةُ الرجلِ في كبْرٍ فلا تَرْجُه، وإذا كانت خطيئتُه في معصيةٍ فارْجُه، وكانت خطيئةُ آدمَ في معصيةٍ، وخطيئةُ إبليسَ في كِبْرٍ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} : قبيلٌ من الملائكةِ يقال لهم الجِنُّ. وقال ابنُ عباسٍ: لو لم يكنْ من الملائكةِ لم يؤمَرْ بالسجودِ، وكان على خزانةِ السماءِ الدنيا. قال: وكان قتادةُ يقولُ: جَنَّ عن طاعةِ ربِّه
(4)
.
وكان الحسنُ يقولُ: ألجأه اللهُ إلى نَسَبِه
(5)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} . قال: كان من قبيلٍ مِن الملائكةِ يقالُ لهم: الجِنُّ
(6)
.
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"قال".
(2)
تقدم تخريجه في 1/ 537.
(3)
تقدم تخريجه في 1/ 537.
(4)
تقدم تخريجه في 1/ 538.
(5)
تقدم تخريجه في 1/ 540.
(6)
تقدم تخريجه في 1/ 538.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ من الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ، وإنه لأصْلُ الجنِّ كما أن آدمَ أَصْلُ الإِنسِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كان إبليسُ على السماءِ الدُّنيا، وعلى الأرضِ، وخازنَ الجِنَانِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} : كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ كان من أشرافِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً، وكان خازِنًا على الجِنَانِ، وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا وسلطانُ الأرضِ، وكان مما سوَّلت له نفسُه من قضاءِ اللهِ أنَّه رأَى أن له بذلك شرفًا على أهلِ السماءِ، فوقَع من ذلك في قلبِه كِبْرٌ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ، فاسْتَخْرَج اللهُ ذلك الكِبْرَ منه حينَ أمَره بالسجودِ لآدمَ، فاسْتكبَر وكان من الكافرين، فذلك قولُه للملائكةِ:{إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]. يعنى: ما أسرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ.
وقولُه: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} . كان ابنُ عباسٍ يقولُ: قال اللهُ: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} ؛ لأنه كان خازِنًا على الجِنانِ، كما يقالُ للرجلِ: مكيٌّ، ومدنيٌّ، وبصريٌّ، وكوفيٌّ
(1)
.
وقال آخرون: كان اسمُ قبيلةِ إبليسَ الجنَّ، وهم سبطٌ من الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ. فلذلك قال اللهُ عز وجل: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} فنسَبه إلى قبيلتِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: {كَانَ
(1)
تقدم تخريجه في 1/ 537.
مِنَ الْجِنِّ}. قال: من الجَنَّانينَ الذين يعمَلون في الجنانِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو سعيدٍ اليَحمديُّ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى سوَّارُ بنُ الجَعِدِ اليَحمديُّ، عن شهر بن حوشبٍ قوله:{مِنَ الْجِنِّ} . قال: كان إبليسُ من الجنِّ الذين طرَدتهمُ الملائكةُ، فأسَرَه بعضُ الملائكةِ، فذهَب به إلى السماءِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ
(3)
}. قال: كان خَازِنَ الجنانِ فسمى بالجَنَّانِ
(4)
.
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوديُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن سفيانَ، عن
(5)
أبي المِقْدامِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان إبليسُ من خَزَنَةِ الجَنَّةِ
(6)
.
وقد بيَّنا القولَ في ذلك فيما مضَى من كتابِنا هذا، وذكَرْنا اختلافَ المُختَلِفين فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ
(7)
.
وقولُه: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} . يقولُ: فخرَج عن أمرِ ربِّه، وعدَل عنه ومال، كما قال رؤبةُ
(8)
:
(1)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (148) من طريق يعقوب به.
(2)
تقدم تخريجه في 1/ 540.
(3)
بعده في م: "ففسق عن أمر ربه".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 227 إلى المصنف.
(5)
في م: "بن". ينظر تهذيب الكمال 4/ 380.
(6)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 428 من طريق سفيان به.
(7)
تقدم في 1/ 535 - 542.
(8)
ديوانه ص 190.
يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وغَوْرًا غائرَا
فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا
يعنى بالفواسقِ: الإبلَ المنعدلةَ عن قصدِ نجدٍ. وكذلك الفِسْقُ في الدينِ؛ إنَّما هو الانْعِدالُ عن القَصْدِ، والمَيْلُ عن الاستقامةِ. ويُحكَى عن العربِ سماعًا: فسَقتِ الرُّطَبةُ من قِشْرِها؛ إذا خرَجت منه. و: فسَقتِ الفأرةُ؛ إذا خرَجت من جُحرِها.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: إنما قيل: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} ؛ لأنَّه مرادٌ به: ففسَق عن ردِّه أمرَ اللهِ. كما تقولُ العربُ: اتَّخمتُ عن الطَّعامِ. بمعنى: اتَّخمتُ لما أكَلتُه. وقد بيَّنا القولَ في ذلك
(1)
، وأن معناه: عدَل وجار عن أمرِ اللهِ، وخرَج عنه.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ: معنى الفسقِ الاتساعُ. وزعَم أن العربَ تقولُ: فسَق في النَّفقةِ. بمعنى اتَّسَعَ فيها. قال: وإنما سُمِّى الفاسقُ فاسقًا، لاتساعِه في محارمِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى "ح"، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ:{فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} . قال: في السجودِ لآدمَ
(2)
.
(1)
تقدم في 1/ 434.
(2)
تفسير مجاهد ص 448. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 227 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} . قال: عصَى في السجودِ لآدمَ.
وقولُه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أفَتُوالون يا بنى آدمَ من استكبَرَ على أبيكم [وحسَده
(1)
، وكفَر]
(2)
نعْمَتى عليه، وغرَّه حتى أخرَجَه من الجنةِ ونعيمِ عَيْشِه فيها إلى الأرضِ وضِيقِ العيشِ فيها، وتُطيعونَه وذريتَه من دونِ اللهِ مع عداوتِه لكم قديمًا وحديثًا، وتترُكون طاعةَ ربِّكم الذى أنعَم عليكم وأكرَمكم، بأن أسجَد لوالدِكم ملائكتَه، وأسكَنه جَنَّاتِه، وآتاكم من فواضلِ نعَمِه ما لا يُحصَى عددُه. وذرِّيةُ إبليسَ: الشياطينُ الذين يُغوون
(3)
بني آدمَ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} . قال: ذرِّيتُه
(4)
الشياطينُ، وكان يعدُّهم؛ زَلَنْبورُ صاحبُ الأسواقِ ويضَعُ رايتَه في كلِّ سوقٍ ما بينَ السماءِ والأرضِ، ثَبْرٌ صاحبُ المصائبِ، والأعورُ صاحبُ الزِّنا، ومِسْوَطٌ صاحبُ الأخبارِ يأتى بها فيُلْقِيها في أفواهِ الناسِ ولا يجِدُون لها أصْلًا، وداسِمٌ الذي إذا دخَل الرجلُ بيتَه ولم يُسلِّمْ ولم يذكرِ اللهَ بصَّرَه من المتاعِ ما لم يُرْفَعْ، وإذا أكَل ولم يذكرِ اسمَ اللهِ أكَل معه
(5)
.
(1)
في ص، ت 2، ف:"حسدكم".
(2)
في ت 1: "وحسد".
(3)
في م: "يغرون".
(4)
بعده في م: "هم".
(5)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (1144) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 227 إلى ابن أبي الدنيا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: سمِعتُ الأعمشَ يقولُ: إذا دخَلْتُ البيتَ ولم أُسلِّمْ، رأيتُ مطهرةً، فقلتُ: ارْفَعُوا ارْفَعوا. وخاصَمْتُهم، ثم أذكُرُ فأقولُ: داسمٌ داسمٌ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: هم أربعةٌ: ثبرٌ، وداسمٌ، وزلنبورُ، والأعورُ، ومِسْوَطٌ أحدُها
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} [الآية، وهم يتَوالدُون كما يتوالدُ بنو آدمَ]
(3)
، وهم [أكثرُ عددًا]
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} : وهو أبو الجنِّ، كما آدمُ أبو الإنسِ. وقال: قال اللهُ لإبليسَ: إنى لا أذرَأُ لآدمَ ذرِّيَّةً إِلَّا ذرَأتُ لك مثلَها. فليس من ولدِ آدمَ أحدٌ إلَّا له شيطانٌ قد قُرِن به.
وقولُه: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: بئسَ البدلُ للكافرين باللهِ اتخاذُ إبليسَ وذرِّيتِه أولياءَ من دونِ الله وهم لكم عدوٌّ، مِن تَرْكِهم اتخاذَ الله وليًّا باتِّباعِهم أمرَه ونهيَه، وهو المُنْعِمُ عليهم وعلى أبيهم آدمَ من قبلِهم، المتفضِّلُ عليهم من الفواضلِ ما لا يُحصَى بدلًا.
(1)
تفسير البغوى 5/ 179.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 227 إلى ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ص.
(4)
في النسخ: "لكم عدو". والمثبت من مصدرى التخريج والأثر أخرجه أبو الشيخ في العظمة (1148) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 227 إلى ابن أبي حاتم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} : بئسما استبدَلوا بعبادةِ ربِّهم إذ أطاعوا إبليسَ
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه: ما أشهَدتُ إبليس وذرِّيتَه {خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ: ما أحضَرتُهم ذلك فأسْتَعينَ بهم على خلقِها، {وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ}. يقولُ: ولا أَشْهَدتُ بعضَهم أيضًا خلقَ بعضٍ مِنهم، فأستعينَ به على خلقِه، بل تفَرَّدتُ بخلقِ جميعِ ذلك بغيرِ مُعينٍ ولا ظَهيرٍ. يقولُ: فكيف اتَّخَذوا عدوَّهم أولياءَ من دُونى، وهم خلقٌ مِن خلقى
(2)
أمثالُهم، وترَكوا عبادتي وأنا المُنعِمُ عليهم وعلى أسلافِهم، وخالقُهم وخالقُ مَن يُوَالونه من دونى منفردًا بذلك من غيرِ مُعينٍ ولا ظَهيرٍ.
وقولُه: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} . يقولُ: وما كنتُ مُتَّخِذَ مَن لا يهدِى إلى الحقِّ ولكنَّه يُضلُّ فمَن تَبِعَه يجورُ به عن قصدِ السبيلِ، أعوانًا وأنصارًا. وهو من قولِهم: فلانٌ يَعضُدُ فلانًا؛ إذا كان يقوِّيه ويُعينُه.
وبنحوِ ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في م: "خلق".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} . أي: أعوانًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه
(1)
.
وإنما يعنى بذلك أن إبليسَ وذرِّيتَه يُضلُّون بنى آدمَ عن الحقِّ، ولا يَهدُونهم للرُّشدِ، وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عنى بالمُضِلِّين الذين هم أتباعٌ على الضَّلالةِ، وأصحابٌ على غيرِ هُدًى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه: {وَيَوْمَ يَقُولُ} اللهُ للمشرِكين به الآلهةَ والأندادَ: {نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} . يقولُ لهم: ادْعُوا الذين كنتم تزعُمون أنَّهم شركائي في العبادةِ لِيَنصرُوكم ويمنعُوكم منِّي. {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} . يقولُ: فاستغاثوا بهم فلم يُغيثوهم، {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} .
فاختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعَلنا بينَ هؤلاء المشرِكين وما كانوا يدْعُون من دونِ اللهِ شركاءَ في الدنيا يومئذٍ عداوةً.
(1)
تفسير عبد الرزاق 12/ 404. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: جعَل بينَهم عداوةً يومَ القيامةِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: عداوةً
(1)
.
وقال آخرون: معناه: وجعَلنا فِعْلَهم ذلك لهم مَهْلِكًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: مَهْلِكًا
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مَوْبِقًا} . قال: هلاكًا
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: الموبقُ المَهْلِكُ، الذى أهْلَك بعضُهم بعضًا فيه، أوبَق بعضُهم بعضًا. وقرَأ:{وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59].
حُدِّثتُ عن محمدِ بنِ يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{مَوْبِقًا} قال:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 166.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 404.
هلاكًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن عَرْفَجةَ في قولِه:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} قال: مهْلِكًا
(1)
.
وقال آخرون: هو اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ، عن عمرٍو البِكَاليِّ:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: وادٍ عميقٍ فُصِل به بينَ أهلِ الضَّلالة وأهل الهُدَى، وأهلِ الجنَّةِ وأهلِ النارِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} ذُكِر لنا أن عَمرًا البِكَاليَّ حدَّث عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: هو وادٍ عميقٍ فُرِق به يومَ القيامةِ بينَ أهلِ الهُدَى وأهلِ الضَّلالةِ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن حجَّاجِ بنِ أرطاةَ، قال: قال مجاهدٌ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: واديًا في النارِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، "ح"، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: واديًا في جَهَنَّمَ
(3)
.
(1)
أخرجه البيهقى في البعث والنشور (525)، من طريق جرير به.
(2)
أخرجه البيهقى في البعث والنشور (521) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى أحمد في الزهد وابن أبي حاتم.
(3)
تفسير مجاهد ص 448 من طريق ورقاء به، ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور (523)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ دِرْهمٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} . قال: وادٍ في جَهَنَّمَ من قَيْحٍ ودمٍ
(1)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، القولُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ، ومَن وافَقه في تأويلِ الْمَوْبِقِ: أنه المَهْلِكُ، وذلك أنَّ العربَ تقول في كلامِها: قد أَوْبَقتُ فلانًا. إذا أهْلَكْتَه. ومنه قولُ الله عز وجل: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} [الشورى: 34]. بمعنى: يُهلِكْهنَّ. ويُقالُ للمُهلِكِ نفسَه: قد وَبِق فلانٌ فهو يَوبَقُ وبَقًا. ولغةُ بني
(2)
عامرٍ: يابِقُ، بغيرِ همزٍ. وحُكِى عن تميمٍ أنها تقولُ: ييبِقُ. وقد حُكى وبَقَ يَبِقُ وبُوقًا، حكاها الكسائيُّ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: المَوبِقُ المَوْعِدُ، وَيَستشهِدُ لقِيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ
(3)
:
وحادَ شَرَوْرَى فالسِّتارَ فلمْ يَدَعْ
…
تِعارًا له و
(4)
الوَاديَيْنِ بمَوْبِقِ
ويتأوّلُه: بمَوْعِدٍ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك المَهْلِكُ الذى جعَل جَلَّ ثناؤُه بينَ هؤلاءِ المشركين، هو الوادى الذي ذُكِر عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو. وجائزٌ أن تكونَ العداوةُ التي قالَها الحسنُ.
(1)
أخرجه أحمد في الزهد ص 311، 312، والبيهقى في البعث والنشور (520) من طريق عبد الصمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في ص، ت 2:"لبني".
(3)
البيت الخفاف بن ندبة، وهو في ديوانه "المجموع" ص 38. وليس فيه الشاهد، وفي مجاز القرآن ص 406، ولسان العرب (و ب ق)، بلفظه.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"في".
وقولُه: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} . يقولُ: وعايَن المشركون النارَ يومَئذٍ: {فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} . يقولُ: فعَلِموا أَنَّهم داخِلُوها. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} . قال: عَلِموا
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبى الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّه قال:"إِنَّ الكافرَ ليَرَى جَهَنَّمَ فَيَظُنُّ أنَّها مُواقِعَتُه مِن مَسيرَةِ أَرْبَعينَ سَنَة"
(2)
.
وقولُه: {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} . يقولُ: ولم يجِدوا عن النَّارِ التي رأَوا مَعْدِلًا يَعْدِلون عنها إليه، يقولُ: لم يجدوا من مواقعتِها بُدًّا؛ لأنَّ اللهَ قد حتَّم عليهم ذلك.
ومن المَصْرِفِ بمعنى المَعْدِلِ قولُ أبي كبيرٍ
(3)
الهذليِّ:
أَزُهَيْرُ هلْ عن شَيبَةٍ مِن مَصْرِفٍ
…
أمْ لا خُلُودَ لباذِلٍ مُتَكَلِّفِ
القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه: ولقد مثَّلْنا في هذا القرآنِ للنَّاسِ مِن كلِّ مثَلٍ، ووعَظْناهم فيه مِن كلِّ عِظَةٍ، واحتَجَجْنا عليهم بكلِّ حُجَّةٍ ليتذكَّروا فيُنِيبُوا، ويَعْتَبِروا فيَتَّعِظوا،
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 404. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه الحاكم 4/ 597 من طريق عمرٍو بن الحارث. وأخرجه أحمد 18/ 242، 243 (11714)، وأبو يعلى (1385) من طريق دراج به.
(3)
في ت 1: "بكر"، وفي ت 2، ف:"كثير". والبيت في ديوان الهذليين 2/ 104، ومجاز القرآن 1/ 407.
وينْزَجِروا عمَّا هم عليه مُقيمون مِن الشركِ باللهِ وعبادةِ الأوثانِ، {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}. يقولُ: وكان
(1)
الإنسانُ أكثرَ شيءٍ مِراءً وخُصومةً، لا يُنيبُ لحقٍّ، ولا يَنْزجِرُ لموعِظةٍ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، في قولِه:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} . قال: الجدلُ الخصومةُ؛ خصومةُ القومِ لأنبيائِهم، وردُّهم عليهم ما جاءوا به. وقرَأ:{مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33]. وقرَأ: {يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24]. وقرَأ: {حَتَّى نُؤْتَى} . . . الآية [الأنعام: 124]، {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ}. . . الآية [الأنعام: 7]. وقرَأ: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} قال: هم ليس أنت. {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}
(2)
[الحجر: 14، 15].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55)} .
يقولُ عَزَّ ذكرُه: وما منَع هؤلاء المشركين يا محمدُ الإيمانَ باللهِ إذ جاءهم
(3)
بيانُ اللهِ، وعَلِموا صحَّةَ ما تدعوهم إليه وحقيقتَه، والاستغفارَ مما هم عليه مُقيمون من شِرْكِهم، إلَّا مجيئُهم سُنَّتُنا في أمثالِهم من الأممِ المُكَذِّبةِ رسُلَها قبلَهم، أو إتيانُهم العذابُ قُبُلًا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معناه: أو يأتِيهَم
(1)
سقط من: ت 1، ت 2، ف.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.
(3)
بعده في ت 1، ف:"الهدى".
العذاب فجأةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} . قال: فجأةً
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: معناه: أو يأتِيَهم العذابُ عِيَانًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} . قال: قُبُلًا: مُعاينةً؛ ذلك القُبُلُ.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته جماعةٌ ذاتُ عددٍ: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} . بضمِّ القافِ والباءِ، بمعنى أنه يأتِيهم مِن العذابِ ألوانٌ وضروبٌ، ووجَّهوا القُبُلَ إلى جمعِ قَبيلٍ، كما يُجمَعُ القَتِيلُ: القُتُلُ، والجديدُ: الجُدُدُ. وقرَأته جماعةٌ أخرى: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قِبَلًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ، بمعنى: أو يأتِيَهم العذابُ عِيانًا. من قولِهم: كَلَّمتُه قِبَلًا. وقد بيَّنت القولَ في ذلك في سورةِ الأنعامِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ
(2)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 448. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تقدم في 9/ 494 - 496.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه: وما نُرسلُ رسلَنا إلَّا ليبشِّروا أهلَ الإيمانِ والتصديقِ باللهِ بجزيلِ ثوابِه في الآخرةِ، وليُنذِروا أهلَ الكفرِ به والتكذيبِ عظيمَ عقابِه وأليمَ عذابِه، فينتَهوا عن الشركِ باللهِ، ويَنْزجِرُوا عن الكفرِ به ومعاصيهِ. {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} ، يقولُ: ويخاصمُ الذين كذَّبوا باللهِ ورسولِه بالباطلِ. وذلك كقولِهم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أخْبِرْنا عن حديثِ فتيةٍ ذهَبوا في أَوَّلِ الدَّهرِ لم يُدرَ ما شأنُهم، وعن الرَّجلِ الذى بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، وعن الرُّوحِ. وما أشْبَهَ ذلك ممَّا كانوا يخاصِمُونه به، يبتَغون إسقاطَه، تعنيتًا
(1)
له صلى الله عليه وسلم، فقال اللهُ لهم: إنا لَسْنا نبعثُ إليكم رسلَنا للجدالِ والخصوماتِ، وإنَّما نبعثُهم مُبَشِّرين أهلَ الإيمانِ بالجنةِ، ومُنذِرين أهلَ الكفرِ بالنارِ، وأنتم تجادلونهم بالباطلِ طلبًا مِنكم بذلك أن تُبِطلوا الحقَّ الذى جاءَكم به رسولى. وعنَى بقولِه:{لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} : ليُبطِلوا به الحقَّ ويُزِيلُوه ويذهَبوا به. يُقالُ منه: دَحَض الشيءُ: إذا زال وذهَب. ويُقالُ: هذا مكانٌ دَحْضٌ. أى: مُزِلٌّ مُزلِقٌ لَا يَثْبُتُ فيه خُفٌّ ولا حافرٌ ولا قدمٌ، ومنه قولُ الشاعرِ
(2)
:
رَدِيتُ
(3)
ونَجَّى اليَشْكُريَّ حِذارُه
…
وحاد كما حاد البعيرُ عن الدَّحضِ
ويُروَى: ونَحَّى. وأَدْحَضتُه أنا؛ إذا أذهبتَه وأبطلتَه.
(1)
في ص، ت 1، ت 2:"تعنتا".
(2)
البيت لطرفة بن العبد، ديوانه ص 172.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"ودرت".
وقولُه [{وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} يقولُ]
(1)
: واتَّخذُوا -الكافرين
(2)
باللهِ- حُجَجَه التي احتَجَّ بها عليهم، وكتابَه الذى أنزَله إليهم، والنُّذُرَ التى أنذرَهم بها سِخْرِيًّا يسخَرون بها. يقولون: إنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلَى عليْهِ بُكْرَةً وَأصِيلًا، ولَوْ شِئْنَا لَقُلْنا مِثْلَ هذَا.
القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)} .
يقولُ عزَّ ذكرُه: وأيُّ الناسِ أوضَعُ للإعراضِ والصدِّ في غيرِ موضِعِهما ممَّن ذكَّره بآياتِه وحُجَجِه فدلَّه بها على سبيلِ الرَّشادِ، وهدَاه بها إلى طريقِ النَّجاة، فأعرَض عن آياتِه وأدلَّتِه التى في استدلالِه بها الوصولُ إلى الخلاصِ مِن الهلاكِ. {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}. يقولُ: ونسِىَ ما أسلَف من الذنوبِ المُهلِكةِ فلم يتبْ منها
(3)
، ولم يُنِبْ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} . أى: نَسِى ما سلَف من الذنوبِ.
وقولُه: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا جعَلْنا على قلوبِ هؤلاء الذين يُعرضُون عن آياتِ اللهِ إذا ذُكِّروا بها أغطيةً لئلَّا يفقَهُوه. لأن المعنى: أن يفقَهُوا ما ذُكِّروا به.
وقولُه: {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} . يقولُ: في آذَانِهِم ثِقَلًا لِئَلَّا يسمَعوه، {وَإِنْ
(1)
سقط من: ت 1، ف.
(2)
في م: "الكافرون".
(3)
سقط من: م، ف.
تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى}. يقولُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وَإِن تَدْعُ يا مُحَمَّدُ هؤلاء المعرضين عن آياتِ اللهِ عندَ التذكيرِ بها، إلى الاستقامةِ على محجَّةِ الحقِّ والإيمانِ باللهِ، وما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك - {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا}. يقولُ: فلن يستَقيموا إذًا أبدًا على الحقِّ، ولن يؤمِنوا بما دعوتَهم إليه؛ لأن اللهَ قد طبَع على قُلوبِهم، وسمْعِهم وأبْصارِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وربُّك يا محمدُ الساترُ على ذنوبِ عبادِه بعفوِه عنهم إذا تابوا منها: {ذُو الرَّحْمَةِ} بهم {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ} هؤلاء المعرضين عن آياتِه إذا ذُكِّروا بها، {بِمَا كَسَبُوا} مِن الذُّنوبِ والآثامِ، {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} ولكنَّه لرحمتِه بخلقِه غيرُ فاعلٍ ذلك بهم إلى ميقاتِهم وآجالِهم، {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ}. يقولُ: لكنْ لهم موعدٌ، وذلك ميقاتُ محِلِّ عذابِهم، وهو يومُ بدرٍ، {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا}. يقولُ تعالى ذكرُه: لن يجِدَ هؤلاء المشركون، وإن لم يُعَجِّلْ لَهم العذابُ فى الدنيا، من دونِ المَوْعِدِ الذي جعَلتُه ميقاتًا لعذابِهم، ملْجَأً يلْجَئون إليه، ومَنْجًى يَنْجُون منه. يعنى أنهم لا يَجِدُون مَعقِلًا يعْتقِلون به من عذابِ اللهِ. يُقالُ منه: وأَلْتُ مِن كذا إلى كذا، أيلُ وُءولًا، مثلُ "وُعولًا"، ومنه قولُ الشاعرِ
(1)
:
لا وأَلتْ
(2)
نفسكَ خلَّيْتَها
…
للعامرييْنِ ولم تُكْلَمِ
(1)
معانى القرآن للفراء 2/ 148 غير منسوب.
(2)
فى م: "واءلت". وهى رواية اللسان (و أ ل).
يقولُ: لا نَجَتْ. وقولُ الأعشى
(1)
:
وقد أُخالسُ ربَّ البيتِ غفلَتَهُ
…
وقد يُحاذِرُ منِّى ثم ما يئِلُ
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{مَوْئِلًا} . قال: مَحْرِزًا
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله:{لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} . يقولُ: مَلْجأً
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} ، أي: لن يجِدُوا وليًّا ولا مَلْجأً
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} . قال: ليس من دونِه مَلْجَأً يئلون
(5)
إليه.
(1)
ديوانه ص 59.
(2)
تفسير مجاهد ص 448، ومن طريقه الفريابي -كما فى تغليق التعليق 4/ 247 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 405 عن معمر، عن قتادة مختصرًا.
(5)
في م: "يلجئون".
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وتلك القرى من عادٍ وثمودَ وأصحابِ الأيْكَةِ أَهْلَكْنا أهلَها لمَّا ظلَموا فكفَروا باللهِ وآياتِه، {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}. يعنى: ميقاتًا وأجلًا، حينَ بلَغوه جاءَهم عذابٌ فأهلَكْناهم به. يقولُ: فكذلك جعَلْنا لهؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ، الذين لا يؤمنون بك أبدًا، موعِدًا، إذا جاءَهم ذلك الموعد أهلَكْناهم، سُنَّتَنا فى الذين خَلَوا من قبلِهم من ضُرَبائِهم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} . قال: أجلًا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {لِمَهْلِكِهِمْ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (لِمُهْلَكِهِم) بضمِّ الميمِ وفتحِ اللامِ، على توجيهِ ذلك إلى أنَّه مصدرٌ من: أُهْلِكُوا إهْلَاكًا
(2)
. وقرَأه عاصمٌ: (لِمَهْلَكِهِم). بفتحِ الميمِ واللامِ، على توجيهِه إلى المصدرِ، من: هَلَكُوا هَلاكًا ومَهْلَكًا
(2)
.
وأولى القراءتين بالصوابِ عِندى فى ذلك قراءةُ من قرَأه: (لمُهْلَكِهم) بضمِّ
(1)
تفسير مجاهد ص 448، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور 4/ 228 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
روى أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام التي بعد الهاء، وروى حفص بفتح الميم وكسر اللام، وقرأ الباقون بضم الميم وفتح اللام. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 393.
الميمِ وفتحِ اللامِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه، واستِدْلالًا بقولِه:{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ} . فأن يكونَ المصدرُ من "أهلَكْنا"؛ إذ كان قد تقدَّم قبْلَه - أولى.
وقيل: {أَهْلَكْنَاهُمْ} . وقد قال قبلَ ذلكِ: {وَتِلْكَ الْقُرَى} ؛ لأنَّ الهلاكَ إنَّما حلَّ بأهلِ القُرَى، فعاد إلى المعنى، وأَجْرَى الكلامَ عليه دونَ اللفظِ.
وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} ، يعني أهلَها، كما قال:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} . ولم يُجْرِ
(1)
بلفظِ "القُرَى"، ولكنْ أجْرَى اللفظَ على القومِ، وأجْرَى اللفظَ في "القريةِ" عليها إلى قوله:{الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82]. وقال: {أَهْلَكْنَاهُمْ} . ولم يقلْ: أَهلَكْناها. حمَله على القومِ، كما قال: جاءت تميمٌ. وجعَل الفعلَ لبنى تميمٍ، ولم يجعَلْه لتميمٍ، ولو فعَل ذلك لقال: جاء تميمٌ. وهذا لا يحسُنُ في نحوِ هذا؛ لأنه قد أراد غيرَ تميمٍ فى نحوِ هذا الموضعِ، فجعَله اسمًا، ولم يحتمِلْ إذ اعتلَّ أَن يَحذِفَ ما قبلَه كلَّه معنى التاءِ من "جاءت" مع "بني"
(2)
، وترَك الفعلَ على ما كان ليُعلِمَ أَنَّه قد حذَف شيئًا قبلَ تميمٍ.
وقال بعضُهم: إنما جاز أن يُقالَ: {تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ} ؛ لأن القريةَ قامَت مَقامَ الأهلِ، فجاز أن تُردَّ على الأهلِ مرَّةً، وعليها مرَّةً، ولا يجوزُ ذلك في تميمٍ؛ لأن القبيلةَ تُعرَفُ به، وليس تميمٌ هو القبيلةَ، وإنما عُرِفتِ القبيلةُ به، ولو كانت القبيلةُ قد سُمِّيت بالرجلِ لجرَت علَيه، كما تقولُ: وقَعتُ في "هودٍ". تريدُ في سورةِ "هودٍ" وليس هودٌ اسمًا للسورةِ؛ وإنما عُرِفتِ السورةُ به، فلو سمَّيتَ
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"يجئ".
(2)
بعده في م: "تميم".
السورةَ بهودَ لم تُجْرِ
(1)
، فقلتَ: وقَعتُ في هودَ يا هذا. لم تُجْرِ، وكذلك لو سُمِّى بنُو تميمٍ بتميمَ لَقِيل: هذه تميمُ قد أقْبَلت.
فتأويلُ الكلامِ: وتلك القُرَى أهْلَكْناهم لما ظَلَموا، وجَعَلْنا لإهْلَاكِهم موعدًا.
القولُ (*) في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واذكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى بنُ عمرانَ لفَتاه يُوشَعَ بنِ نُونٍ - [وقيل ليوشعَ: فتى موسى؛ لملازمتِه إياه، وهو يوشعُ بنُ نونِ بنِ إفراييمَ بنِ يوسفَ بنِ يعقوبَ]
(2)
-: {لَا أَبْرَحُ} . يقولُ: لا أزالُ أسيرُ {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} .
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا أَبْرَحُ} . قال: لا أنتَهى
(3)
.
وقيل: عنى بقوله: {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} : اجتماعَ بحرِ فارسَ والرومِ.
والمَجمعُ: مصدرٌ من قولِهم: جَمَع يجمَعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ
(1)
الإجراء هو الصرف.
(*) من هنا تبدأ قطعة من الجزء الرابع والثلاثين من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معكوفين.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(3)
عزاه السيوطي فى الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن أبي حاتم.
الْبَحْرَيْنِ}: والبحران: بحرُ الرومِ وبحرُ فارسَ، وبحرُ الرومِ مما يلى المغربَ، وبحرُ فارسَ مما يلى المشرقَ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} . قال: بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ:{مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} . قال: بحرُ الروم وبحرُ فارسَ؛ أحدُهما قِبَلَ المشرقِ، والآخرُ قِبَلَ المغربِ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
(4)
}.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ في قولِه:{لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} . قال: طَنْجَةُ
(5)
.
وقولُه: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} . يقولُ: أَو أسيرَ زمانًا ودهرًا. وهو واحدٌ، ويُجمَعُ كثيرُه وقليلُه: أحْقابٌ. وقد تقولُ العربُ: كنتُ عندَه حِقْبَةً من الدَّهرِ. ويجمَعونها حِقَبًا.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّه تأويلَ قولِه: {لَا أَبْرَحُ} . إلى
(6)
: لا أزولُ.
(1)
عزاه السيوطي فى الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 405.
(3)
تفسير مجاهد ص 449.
(4)
بعده في الأصل: "البحرين"، ولم يذكر المصنف المتن هنا اجتزاء بما ذكر قبله.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 170 عن محمد بن كعب، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن أبي حاتم.
(6)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"أى".
ويستشهِدُ لقولِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ
(1)
:
فما برِحُوا حتى تهادَت نساؤُهم
…
ببَطْحاءِ ذى قارٍ عِيابَ اللَّطائمِ
(2)
وذكَر بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ
(3)
أن الحُقُبَ في لغةِ قيسٍ سنةٌ.
فأما أهلُ التأويلِ فإنهم
(4)
اختلَفُوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ثمانون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن هشيمٍ، قال: ثنا أبو بَلْجٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: الحُقُبُ ثمانون سنةً
(5)
.
وقال آخرون: هو سبعون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ:{أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} . قال: سبعين خريفًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
شرح ديوانه ص 773.
(2)
عياب اللطائم: أوعية المسك، والعياب: جمع عيبة، وعاء من أدم يكون فيه المتاع، واللطائم: جمع لطيمة، وهى المسك. ينظر اللسان (ع ى ب)، (ل ط م).
(3)
هو الفراء في معاني القرآن 2/ 154.
(4)
بعده في ص، ت 1، ف:"يقولون في ذلك ما أنا ذاكره وهو أنهم"، وفي م، ت 2:"يقولون في ذلك ما إنا ذاكروه وهو أنهم".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 170.
مثلَه
(1)
.
وقال آخرون في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} . قال: دهرًا
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{حُقُبًا} . قال: "الحقب" زمانًا
(3)
.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} . قال: الحقبُ الزمانُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما بلَغ موسى وفتاه مجمعَ البحرينِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} . قال: بينَ البحرينِ (1).
(1)
تقدم تخريجه في ص 306.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسير 5/ 170 عن على بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 235 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(3)
في م، ف:"زمان".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 405.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} . يعنى بقوله {نَسِيَا} : ترَكا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{نَسِيَا حُوتَهُمَا} . قال: أَضَلَّهما
(1)
.
حدَّثنا الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضلَّاه
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أضَلَّهما
(3)
.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ
(4)
: إن الحوتَ كان مع يوشعَ، وهو الذى نَسِيه، فأُضيف النسيانُ إليهما، كما قال:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]. وإنما يخرُجُ من المِلْحِ دونَ العذْبِ
(5)
.
قال أبو جعفرٍ: وإنما جاز عندى أن يقالَ: {نَسْيًا} ؛ لأنهما كانا جميعًا تَزَوَّداه لسفرِهما، فكان حملُ أحدِهما ذلك مضافًا إلى أنه حَمْلٌ منهما، كما يقالُ: خرَج القومُ من موضعِ كذا، وحمَلُوا معهم كذا من الزادِ. وإنما حمَله أحدُهم، ولكنه لما كان ذلك عن رأيِهم وأمرِهم أُضِيف ذلك إلى جميعهم، فكذلك إذا نَسِيه حاملُه في
(1)
في م: "أضلاه". وهو لفظ الأثر بعده.
(2)
تقدم تخريجه في ص 306.
(3)
في م: "أضلاه".
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 2/ 154.
(5)
في الأصل: "الملح".
موضعٍ، قِيلَ: نسِى القومُ زادَهم. فأُضِيف ذلك إلى الجميعِ بنسيانِ حاملِه ذلك، فيجرِى الكلامُ على الجميعِ، والفعلُ من واحدٍ، فكذلك ذلك في قولِه:{نَسِيَا حُوتَهُمَا} ؛ لأن الله جلَّ وعزَّ خاطَب العربَ بلغتِها، وما يتعارَفونه بينَهم من الكلامِ.
وأما قولُه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . فإن القولَ في ذلك عندَنا بخلافِ ما قال فيه، وسنبيِّنُه إن شاء اللهُ إذا انتهَيْنَا إليه.
وأما قولُه: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} . فإنه يعنِى أن الحوتَ اتخذَ طريقَه الذي سلَكه في البحرِ سربًا.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ:{فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} . قال: الحوتُ اتخذَ.
ويعنى بالسَّرب المسلكَ والمذهبَ، يَسْرُبُ فيه: يذهَبُ فيه ويسلُكُه.
ثم اختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ اتخاذِه سبيلَه في البحرِ سَرَبًا؛ فقال بعضُهم: صار طريقُه الذى سلك فيه كالجُحْرِ
(1)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: {سَرَبًا} . قال: أَثَرُه كأنه جُحْرٌ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن
(1)
في م: "كالحجر".
(2)
في م: "حجر". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 171 عن ابن جريجٍ به.
عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ ذكَر حديثَ ذلك: "ما انجاب
(1)
ماءٌ منذُ كان الناسُ غيرَه، ثبَت مكانَ الحوتِ الذي فيه، فانْجاب كالكَوَّةِ
(2)
حتَّى رَجَعَ إليه موسى، فرَأى مسلَكَه، فقال:{ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}
(3)
"
(4)
.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} . قال: جاء فرَأى أثرَ جناحَيْه في الطينِ حينَ وقَع في الماءِ. قال ابنُ عباسٍ: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} . وحلَّق بيده
(5)
.
وقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ ماءً جامدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سَرَب؛ من الجُدِّ
(6)
حتى أفضَى إلى البحرِ، ثم سلَك، فجعَلَ لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا
(7)
.
وقال آخرون: بل صار طريقُه في البحرِ حَجرًا.
(1)
انجاب: انشق. اللسان (ج و ب).
(2)
الكوة: الخَرْق في الجدار ونحوه. اللسان (ك و ى).
(3)
في م: "نبغي". وبإثبات الياء وصلا ووقفًا قرأ ابن كثير، وبإثباتها في الوصل فقط قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي، ووصلها عاصم وابن عامر وحمزة بغير ياء. ينظر السبعة لابن مجاهدٍ ص 403.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 171 عن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن أبي حاتم إلى قوله: في الماء.
(6)
في م: "الجر". والجد: شاطئ البحر. التاج (ج د د).
(7)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 171 عن قتادة، وسيأتى تخريجه بتمامه في ص 331.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِسَ حتى يكونَ صخرةً
(1)
.
وقال آخرون: بل إنما اتخَذ سبيلَه سَرَبًا في البرِّ إلى الماءِ حتى وصَل إليه، لا في البحر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} . قال: قال: حُشِر
(2)
الحوتُ في البطحاءِ بعدَ موتِه حيَن أحياه الله، [ثم اتخذ منها سرَبًا حتى وصَل إلى البحرِ. قال: والسَّرَبُ طريقُه حتى وصَل إلى الماء، وهى بطحاءُ يابسةٌ في البرِّ، بعد ما أُكِل منه دهرًا طويلًا. قال: وهو زادُه. قال: ثم أحياه اللهُ]
(3)
. قال ابنُ زيدٍ: وأخبرَنى أبو شجاعٍ أنه رآه، قال: أُتِيتُ به فإذا هو شِقَّةُ حوتٍ وعينٌ واحدةٌ، وشِقٌّ آخرُ ليس فيه شيءٌ
(4)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: واتخَذ الحوتُ طريقَه في البحرِ سَرَبًا. وجائزٌ أن يكونَ ذلك السرَبُ كان بانجيابِ الماءِ
(5)
عن
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 171 عن العوفي به، وسيأتي تخريجه بتمامه في ص 330.
(2)
في الأصل: "حش".
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 235، 236 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 14.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
الأرضِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بجمودِ الماءِ، وجائزٌ أن يكونَ كان بتحوُّلِه حجرًا.
وأَوْضحُ
(1)
الأقوالِ فيه ما رُوِى الخبرُ به عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذي ذكَرْناه عن أُبيٍّ عنه
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاوز موسى وفتاه مجمعَ البحرين، قال موسى لفتاه يوشعَ:{آتِنَا غَدَاءَنَا} . يقولُ: جِئْنا بغدائِنا وأَعْطِناه. وقال: {آتِنَا غَدَاءَنَا} . كما يقالُ: أتَى الغداءُ وآتَيْتُه. مثلُ ذهَب وأَذْهبتُه.
{لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} . يقولُ: لقد لَقِينا من سفرِنا هذا عناءً وتعبًا. وقال ذلك موسى -فيما ذُكِر- بعدَ ما جاوَز الصخرةَ؛ لأنَّه
(3)
أُلْقِى عليه الجوعُ ليتذكَّرَ الحوتَ، ويرجِعَ إلى موضعِ مَطْلَبِه.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: قال فتَى موسى لموسى حينَ قال له: آتنا غداءَنا لنَطْعَمَ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} هنالك، {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ}. يقولُ: وما أنسانى الحوتَ إلا الشيطانُ {أَنْ أَذْكُرَهُ} . فـ "أن" في موضعِ نصبٍ ردًّا على الحوتِ؛ لأن معنى الكلامِ: وما أنسَاني أن أذكُرَ الحوتَ إلا
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"أصح".
(2)
تقدم تخريجه في ص 314.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"التي"، وفى م:"حين".
الشيطانُ. فلمَّا
(1)
سبَق الحوتُ إلى الفعلِ، ردَّ
(2)
عليه قولَه: {أَنْ أَذْكُرَهُ} .
وقد ذُكِر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللهِ: (وَمَا أَنْسَانِيهُ أَنْ أُذَكِّرَكَهُ
(3)
إِلَّا الشَّيْطَانُ).
حدَّثني بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ
(4)
.
حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ مَعْقِلٍ، يُحدِّثُ عن أبيه، أن الصخرةَ التى أَوَى إليها موسى هى الصخرةُ التي دونَ نهرِ الزِّيبِ
(5)
على الطريقِ
(6)
.
[وقولُه]
(7)
: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} . [يقولُ: واتَّخذَ موسى طريقَ الحوتِ في البحرِ عجبًا]
(8)
يَعْجَبُ منه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} . قال: موسى يَعْجَبُ من أَثَرِ الحوتِ في البحرِ،
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
في م: "ورد".
(3)
في ص، م، ت 1، ف، وتفسير القرطبي، والبحر المحيط:"أذكره". وقد كان في تفسير ابن كثير كالمثبت هنا إلا أن المحققين استبدلوا به ما في المطبوعة.
(4)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 14، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 147، وابن كثير في تفسيره 5/ 171.
(5)
في ص: "الديب"، وفى ت 2:"الذنب"، وفى ف:"الزبت"، وفى العرائس، وتفسير البغوي:"الزيت". والزيب: بلدة على ساحل بحر الشام قرب عكا. ينظر معجم البلدان 2/ 965.
(6)
ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص 193، والبغوي في تفسيره 5/ 187 عن معقل بن زياد.
(7)
سقط من: م.
(8)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
ودَوَّارتِه
(1)
التى غاب فيها، فوجد عندها خَضِرًا
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} : فكان موسى
(3)
اتخَذ سبيلَه في البحرِ عجبًا، فكان
(4)
يَعْجَبُ من سَرَبِ الحوتِ
(5)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} . قال: عَجَبٌ واللهِ، حوتٌ كان يؤكَلُ منه دهرًا، أيُّ شيءٍ أعجبُ من حوتٍ كان دهرًا من الدهورِ يؤكَلُ منه، ثم صار حيًّا حتى حُشِر
(6)
في البحرِ
(7)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل الحوتُ لا يَمَسُّ شيئًا من البحرِ إلا يَبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ يَعْجَبُ من ذلك
(8)
.
(1)
في م: "دوراته"، وفي ت 1:"دواراته". والدوُّارة: كل ما لم يتحرك ولم يَدُرْ. ينظر التاج (دور).
(2)
تفسير مجاهد ص 449.
(3)
بعده في م: "لما".
(4)
سقط من: م.
(5)
تفسير عبد الرزاق 1/ 405.
(6)
في ص، ت 1، ف:"حسر"، وفي الأصل، ت 2:"حش".
(7)
ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص 194، والبغوي في تفسيره 5/ 187. وينظر ما تقدم تخريجه في ص 315.
(8)
ينظر ما تقدم في ص 315، وما سيأتي في ص 330.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن بن عباسٍ:{وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} . قال: [اتخذ موسى سبيلَ الحوتِ عجبًا]
(1)
.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفتاه: {ذَلِكَ} يعنى بـ {ذَلِكَ} : نسيانَك الحوتَ، {مَا كُنَّا نَبْغِ}. يقولُ: الذى كنا نلتمسُ ونطلُبُ؛ لأن موسى كان قِيل له: صاحبُك الذى تُرِيدُهُ حيث تنسَى الحوتَ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} . قال موسى: فذاك حيث
(2)
أُخبِرتُ أَنِّي واجدٌ خَضِرًا حيث يفوتُني الحوتُ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه
(4)
، إلَّا أنه قال: حيث يفارِقُني الحوتُ.
وقولُه: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} . يقولُ: فرجَعا في الطريقِ الذي كانا
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"موسي سبيل الحوت في البحر عجبا"، وفي م:"يعني كان سرب الحوت لموسى عجبًا".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"حين".
(3)
تفسير مجاهد ص 449.
(4)
في م: "مثله".
قطَعاه ناكصين على أدبارِهما يَقُصَّان آثارَهما التي كانا سلَكاها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{قَصَصًا} . قال: اتَّبَع موسى وفتاه أثرَ الحوتِ، فشقَّا
(1)
البحرَ راجعَين
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله:{فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} . قال: اتِّباعُ موسى وفتاه أثرَ الحوتِ بشقِّ البحرِ، وموسى وفتاه راجعان، وموسى يعجَبُ من أثرِ الحوتِ في البحرِ ودوَّارتِه
(3)
التي غاب فيها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: رجَعا عودَهما على بدئِهما، {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا}. أى: يَقُصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوتِ"
(4)
.
(1)
في الأصل، ت 1:"يشق"، وفي ت 2:"بشق"، وفي ف:"فشق".
(2)
تفسير مجاهد ص 449.
(3)
في م: "دوراته"، وفي ت 1:"دواراته".
(4)
تقدم تخريجه في ص 314، وينظر ما سيأتى في ص 326.
وقولُه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} . [يقولُ: فوجَد موسى وفتاه عنَد الصخرةِ حين رجَعا إليها {عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا}. ذُكِر أنه الخضِرُ، {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}]
(1)
. يقولُ: وهَبنا له رحمةً من عندِنا، {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}. يقولُ: وعلَّمناه من عندِنا أيضًا علمًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} . أي: من عندِنا علمًا.
وكان سببَ سفرِ موسى وفتاه، ولقائِه هذا العالِمَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فيما ذُكِر، أن موسى سُئِل: هل في الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك؟ فقال: لا. أو حدَّثته نفسُه بذلك، فكُرِه ذلك له، فأراد اللهُ تعريفَه أن من عبادِه في الأرضِ من هو أعلمُ منه، وأنه لم يكنْ له أن يَحْتِمَ على ما لا علمَ له به، ولكن كان ينبغي له أن يكِلَ ذلك إلى عالِمه.
وقال آخرون: بل كان سببَ ذلك أنه سأَل اللهَ جَلَّ ثناؤُه أَن يَدُلَّه على عالمٍ يزدادُ من علمِه إلى علمِ نفسِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل موسى ربَّه، فقال: ربِّ، أيُّ عبادِك أحبُّ إليكَ؟ قال: الذي يذكُرُني ولا ينسَاني. قال: فأيُّ عبادِك أقضَى؟ قال: الذى يقضِى بالحقِّ ولا يَتَّبِعُ الهوى. قال: أى ربِّ، أيُّ عبادِك أعلمُ؟ قال: الذي يبتغِي علم الناسِ إلى
(1)
سقط من: م، ف.
علمِه
(1)
، عسى أن يُصِيبَ كلمةً تهديه إلى هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، فهل في الأرضِ أحدٌ
(2)
؟ قال: نعم. قال: ربِّ، فمَن هو؟ قال: الخَضِرُ. قال: وأين أطلُبُه؟ قال: على الساحلِ عندَ الصخرةِ التى يَنْفَلِتُ عندَها الحوتُ. قال: فخرَج موسى يطلُبُه، حتى كان ما ذكَر اللهُ، وانتهَى موسى إليه عندَ الصخرةِ، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه، فقال له موسى: إنى أُرِيدُ أن تَستصحِبَني. قال: إنك لن تُطِيقَ صُحبَتى. قال: بلى. قال: فإن صحِبتَى {فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)} إلى قولِه: {لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} . قال: فكان قولُ موسى في الجدارِ لنفسِه، ولطلبِ شيءٍ من الدنيا، وكان قولُه في السفينةِ وفي الغلامِ للَّهِ، {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}. فَأَخْبَره بما قال اللهُ:{أَمَّا السَّفِينَةُ} ، {وَأَمَّا الْغُلَامُ} ، {وَأَمَّا الْجِدَارُ}. قال: فسار به في البحرِ حتى انتهَى إلى مجمعِ البحورِ، وليس في الأرضِ مكانٌ أكثرُ ماءً منه. قال: وبعَث ربُّكَ الخُطَّافَ
(3)
فجعَل يستقِى منه بمِنقارِه. فقال لموسى: كم ترَى هذا الخطافَ رَزَأَ
(4)
من هذا الماءِ؟ قال: ما أقلَّ ما رَزَأ. قال: يا موسى، فإن علمى وعلمَك في علمِ اللهِ كقدْرِ ما استقَى هذا الخطافُ من هذا الماءِ. وكان موسى قد حدَّث نفسَه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلَّم به، فمِن ثَمَّ أُمِرَ أَن يَأْتِيَ
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"علم نفسه".
(2)
في م: "أحدا"، وبعده في التاريخ:"قال أبو جعفر أظنه قال: أعلم منى".
(3)
الخطاف: طائر أسود، وهو العصفور الذي تدعوه العامة. عصفور الجنة. التاج (خ ط ف).
(4)
رزأ: أصاب. التاج (رزأ).
الخَضِرَ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خطَب موسى بني إسرائيلَ، فقال: ما أحدٌ أعلمَ باللهِ وبأمرِه منى. [فأُمِر أن يلقَى]
(2)
هذا الرجلَ
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ أنه قِيل له: إن آيةَ لُقِيِّك إياه أن تنسَى بعضَ متاعِك. فخرَج هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ، وتزوَّدوا
(4)
حوتًا مملوحًا، حتى إذا كانا حيث شاء اللهُ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ رُوحَه، فسرَب في البحرِ، فاتخَذ الحوتُ طريقَه سَرَبًا في البحرِ، فَسَرَب فيه، {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا} حتى بلَغ قولَه:{وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} ، فكان موسى اتخذ سبيله في البحرِ عجبًا، فكان يَعْجَبُ من سَرَبِ الحَوتِ
(5)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما اقتصَّ موسى أثرَ الحوتِ انتهَى إلى رجلٍ راقدٍ قد سجَّى عليه ثوبَه، فسلَّم عليه موسى، فكشَف الرجلُ عن وجهِه، فردَّ
(6)
عليه السلامَ وقال: مَن أنتَ؟ قال: موسى. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: أوَما كان لك في بنى إسرائيلَ شغلٌ؟ قال: بلى، ولكنى أُمِرتُ أن آتِيكَ
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 371، 372، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 234 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"فأمر أن يأتى"، وفي م:"فأوحى الله إليه أن يأتى".
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 405.
(4)
في الأصل، م:"تزودا".
(5)
تفسير عبد الرزاق 1/ 405.
(6)
في ص، م، ت 1، ف:"الثوب ورد".
وأَصْحبَك. قال: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} . كما قصَّ اللهُ، حتى بلَغ
(1)
: {رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} صاحبُ موسى، {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}. يقولُ: نُكْرًا. {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً
(2)
بِغَيْرِ نَفْسٍ}
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن نوفًا يزعُمُ أَن الخضِرَ ليس بصاحبِ موسى. فقال: كذَب عدوُّ اللهِ، حدَّثنا أبيُّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن موسى قام في بني إسرائيلَ خطيبًا، فقيل: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ قال: أنا. [فعتَب اللهُ]
(4)
عليه حينَ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فقال: بلى، عبدٌ لي عندَ مجمعِ البحرين. فقال: يا ربِّ، كيف به؟ فقيل: تأخُذُ حوتًا فتجعَله في مِكْتَلٍ، [فحيث تفقِدُه فهو هناك. قال: فأخَذ حوتًا فجعَله في مِكْتلٍ]
(5)
. ثم قال لفتاه: إذا فقَدتَ هذا الحوتَ فأخبِرْني. فانطلَقا يمشِيان على ساحلِ البحرِ حتى أتيا صخرةً، فرقَد موسي، فاضطرَب الحوتُ في المِكْتَلِ، فخرَج فوقَع في البحرِ، فأمسَك اللهُ عنه جِرْيَةَ الماءِ، فصار مثلَ الطَّاقِ، فصار للحوتِ سَرَبًا، وكان لهما عجبًا، ثم انطلَقا، فلما كان حين الغَداءِ
(6)
، قال موسى لفتاه:{آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} . قال: ولم يَجِدْ موسى النَّصَبَ حتى جاوَز حيث أمره اللهُ. قال: فقال: {أَرَأَيْتَ إِذْ
(1)
بعده في النسخ: "فلما". والمثبت صواب التلاوة، وهو كذلك في مصدر التخريج.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"زاكية". وهما قراءتان كما سيأتي في ص 340.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 406.
(4)
في الأصل، ت 2:"فعِيبَ".
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الغد".
أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا}. قال: فقال: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} . قال: يَقُصَّان آثارَهما. قال: فأَتَيا الصخرةَ، فإذا رجلٌ نائمٌ مُسَجًّى بثوبِه، فسلَّم عليه موسى، فقال: وأَنَّى بأرضِنا السلامُ! فقال: أنا موسى. فقال: موسى
(1)
بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: يا موسى، إنى على علمٍ من علمِ اللهِ، علَّمنيه اللهُ لا تعلَمُه، وأنت
(2)
على علمٍ من علمِه علَّمكه اللهُ
(3)
لا أَعلَمُه. قال: فإني {أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} . قال: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} . فانطلَقا يمشِيان على الساحلِ، فعُرِف الخضِرُ، فحُمِل بغيرِ نَوْلٍ، فجاء عصفورٌ، فوقع على حرفِها فنقَر -أو: فنقَد- في الماءِ، فقال الخضِرُ لموسى: ما ينتقصُ
(4)
عِلْمِي وعلمُك من علمِ اللهِ إلا مقدارَ ما نقَر -أو نقَص- هذا العصفورُ من البحر" -أبو جعفر يشكُّ، وهو في كتابه: نقَر- قال: "فبينما [هم في السفينةِ]
(5)
إذ لم يُفْجأْ موسى إلا وهو يتِدُ وَتِدًا أو ينزعُ تَخْتًا منها، فقال له موسى: حُمِلْنا بغيرِ نَوْلٍ وتخرِقُها لتُغرِقَ أَهْلَهَا؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} . قال: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} . قال: وكانت الأولى من موسى نِسْيانًا. قال: ثم خرَجَا فانْطَلَقا يَمشِيان، فأبْصَرا غلامًا يلعَبُ مع الغِلْمانِ، فأخَذ برأسِه فقَتَله، فقال له موسى:(أَقَتَلْتَ نفْسًا زَاكِيَةً بغيرِ نَفْسٍ لقد جِئتَ شيئًا نُكْرًا). قال: {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ
(1)
بعده في الأصل: "نبي".
(2)
في الأصل، ص، ت 2:"إنك".
(3)
ليس في: ص، م، ت 1، ف.
(4)
في م: "نقص".
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"هو".
سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}. قال: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} . فلم يجدا أحدًا يُطْعِمُهم ولا يَسقِيهم، {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} بيدِه، قال: مسَحَه بيدِه، فقال له موسى: لم يُضَيِّفُونا ولم يُنْزِلُونا، {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ
(1)
عَلَيْهِ أَجْرًا}. قال: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} ". قال: فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوَدِدتُ أنَّه كان صبَر حتى يَقُصَّ عَلَيْنا قَصَصَهم"
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: جلستُ عندَ
(3)
ابنِ عباسٍ وعندَه نفرٌ من أهلِ الكتابِ، فقال بعْضُهم: يا أبا العباسِ، إن نوفًا ابنَ امرأةِ كعبٍ يزعُمُ عن كعبٍ، أن موسى النبيَّ الذى طلَب العالمَ إنَّما هو موسى بنُ مَنْسَا
(4)
. قال سعيدٌ: قال ابنُ عباسٍ: أنَوْفٌ يقولُ هذا؟ قال سعيدٌ: فقلتُ له نعمْ، أنا سمِعتُ نوفًا يقولُ ذلك. قال: أنتَ سمِعتَه يا سعيدُ؟ قال: قلتُ: نعم. قال: كذَب نوفٌ. ثم قال ابنُ عباسٍ: حدَّثني أبيُّ بن كعبٍ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ موسى نبيُّ بنى إسرائيلَ سأل ربَّه فقال: أىْ ربِّ، إن كان في عبادِك أحدٌ هو أعلمُ مِنِّى فَادْلُلْنِي عليه. فقال له: نعمْ في عبادِى مَن هو أعلمُ مِنكَ. ثم نعَت له مكانَه، وأذِن له في لُقِيِّه، فخَرَج موسى ومعه فتاه ومعه حوتٌ مليحٌ، قد قيل له: إذا حَيِىَ هذا الحوتُ في مكانٍ فصاحِبُك هنالك، وقد أدرَكْتَ حاجتَك. فخرَج موسى ومعه فتاه، ومعه
(1)
في ص: "لتخذت". وهما قراءتان وسيذكرهما المصنف في ص 351، 352.
(2)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 366 - 368، وأخرجه البخارى (122، 3278، 3401، 4725، 6672)، ومسلم (2380/ 170) من طريق سفيان به.
(3)
في م: "فأسند".
(4)
في م، ت 1، ف:"ميشا"، وغير منقوطة في: ص، ت 2، وفي التاريخ:"منشا".
ذلك الحوتُ يَحْمِلانِه، فسار حتى جَهَدَه السَّيرُ، وانتهى إلى الصَّخرةِ وإلى ذلك الماءِ، [وذلك الماءُ]
(1)
ماءُ الحياةِ، من شرِب منه خُلِّد، ولا يقارِبُه شَيْءٌ مَيِّتٌ إِلا حَيِيَ، فلمَّا نزَلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيِيَ {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} . فَانْطَلَقا، فلمَّا جاوَزا بمَنْقَلةٍ
(2)
قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} . قال الفَتَى وذكَر: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} . قال ابن عباسٍ: فظَهر موسى على الصخرةِ حين انْتَهَيا إليها، فإذا رجلٌ مُتَلفِّفٌ في كساءٍ له، فسَلَّم موسى، فردَّ عليه العالمُ، ثم قال له:[ومن أنت؟ فقال: أنا موسى بنُ عمرانَ. قال: صاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال]
(3)
: وما جاء بك؟ إن كان لك في قومِك لشغلٌ؟ قال له موسى: جئتُكَ لتُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشْدًا. {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} -وكان رجلًا [يَعْمَلُ على]
(4)
الغَيْبِ قد عُلِّم ذلك -فقال موسى: بلى. قال: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} . أى: إنما تعرِفُ ظاهرَ ما ترَى من العَدْلِ، ولم تُحطْ من علمِ الغيبِ بما أعلمُ. {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}. وإن رأيتُ ما يُخالِفُنى. {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}. أى: فلا تسأَلْني عن شيءٍ وإِن أَنْكرتَه {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} . أى: خَبرًا]
(5)
. فانْطلَقا يمشيان على ساحلِ البحرِ، يتعرَّضان الناسَ، يَلْتمِسان مَن يحمِلُهما، حتى مرَّت بهما سفينةٌ جديدةٌ وثيقةٌ لم يمرَّ بهما من
(1)
سقط من: م.
(2)
في م: "منقلبه". والمنقلة: المرحلة من مراحل السفر. اللسان (ن ق ل).
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"يعلم علم".
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكرا".
السفنِ شيءٌ أحسنُ ولا أجملُ ولا أوثقُ منها، فسأَلا أهلَها أن يحمِلوهما، فحمَلوهما، فلما اطمأَنَّا فيها، ولَجَّجَتْ
(1)
بهما مع أهلِها، أخرَج مِنْقَارًا له ومِطْرَقةً، ثم عمَد إلى ناحيةٍ منها فضرَب فيها بالمِنْقارِ حتى خرَقها، ثم أخَذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلَس عليها يَرْقَعُها. قال له موسى - [ورأَى أمرًا أُفْظِع به]
(2)
-: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} : [حمَلونا وآوَونا إلى سفينتِهم، وليس في البحرِ سفينةٌ مثلُها، فلِمَ خرَقتها لتغرِقَ أهلَها؟ لقد جئتَ شيئًا إمرًا]
(3)
، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}. أى: بما ترَكتُ من عهدِك، {وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} . ثم خرَجا من السفينةِ، فانطلَقَا حتى أتَيا أهلَ قريةٍ، فإذا غِلْمَانٌ يلعبون خَلْفَها، فيهم غلامٌ ليس في الغلمانِ غلامٌ أظرفُ ولا أَثْرَى
(4)
ولا أَوْضَأُ منه، فأَخَذ
(5)
بيدِه، وأخَذ حجرًا. قال: فضرَب به رأسَه حتى دمَغه فقتلَه. قال: فرأَى موسى أمرًا فظيعًا لا صبرَ عليه، صبيٌّ صغيرٌ قتَله
(6)
لا ذنبَ له، {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً
(7)
}. أى: صغيرةً {بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} . أى: قد أُعذِرْتَ في شأني. {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
(1)
في م: "لجت". ولَجَّجت السفينة، أي: خاضت اللُّجة. اللسان (ل ج ج).
(2)
في م، ت 1، ت 2، ف، ونسخة من تاريخ المصنف:"ورأى أمرا فظع به"، وفي نسخ منه:"فأى أمر أفظع من هذا".
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
في الأصل: "أنزى"، وفي ف:"أبرا"، وفي التاريخ:"أنزف".
(5)
في ص، م، ت 1، ف:"فأخذه".
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(7)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"زاكية".
يَنْقَضَّ} فهدَمه، ثم قعد يَبْنِيه، فضجر موسى مما رآه يصنَعُ من التكلُّفِ
(1)
لما ليس عليه صبرٌ، فقال: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ
(2)
عَلَيْهِ أَجْرًا}. أى: قد استطعَمناهم فلم يُطْعِمُونا، وضِفْناهم فلم يُضيِّفُونا، ثم قعَدتَ تعمَلُ
(3)
فِي غيرِ ضَيْعةٍ
(4)
، ولو شِئْتَ لأُعْطِيتَ عليه أجرًا في عملِه! {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ
(5)
غَصْبًا} - وفي قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ: (كلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ)
(6)
-وإنما عِبتُها لأَرُدَّه عنها، فسَلِمَتْ منه حينَ رأَى العيبَ الذى صنَعتُ بها، {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}. أى: ما فعلتُه عن نفسى، {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}. فكان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما كان الكنزُ إلا علمًا
(7)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: قيل لابنِ عباسٍ: لم نَسمَعْ لفتى موسى بذكرٍ من حديثٍ، وقد كان معه؟ فقال ابنُ عباسٍ -فيما يَذْكُرُ من حديثِ الفتى- قال:
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"التكليف".
(2)
في ص: "لتخِذت". وهما قراءتان، وسيذكرهما المصنف في ص 351.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
في م، ونسخة من التاريخ:"صنيعة". والضيعة: الحرفة. اللسان (ض ى ع).
(5)
بعده في الأصل: "صالحة".
(6)
هذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(7)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 372 - 375.
شرِب الفتى من الماءِ فخُلِّد، فأخَذه العالِمُ فطابَق به سفينةً، ثم أرسَله في البحرِ، فإنها لتموجُ به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يَكُنْ له أن يشرب منه فشرِب
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} الآية. قال: لما ظهَر موسى وقومُه على مصرَ، أَنزَل قومَه مصرَ، فلما استقرت بهم الدارُ أنزل الله عليه، أن ذكِّرْهم بأيَّام اللهِ. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم اللهُ من الخيرِ والنعمةِ، وذكَّرَهم إذ أنجاهم اللهُ من آلِ فرعونَ، وذكَّرَهم هلاكَ عدوِّهم، وما استخلَفهم اللهُ في الأرضِ، وقال: كلَّم الله نبيَّكم تكليمًا، واصطفَاني لنفسه، وأنزَل عليَّ محبةً منه، وآتاكم اللهُ من كلِّ ما سأَلتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهلِ الأرضِ، وأنتم تقرَءُون التوراةَ. فلم يترُكْ نعمةً أنعمَها اللهُ عليهم إلَّا ذكَرها، وعرَّفها إياهم. فقال له رجلٌ من بني إسرائيلَ: هو كذلك يا نبيَّ اللهِ، قد عرَفنا الذي تقولُ، فهل على الأرضِ أحدٌ أعلمُ منك يا نبيَّ الله؟ فقال: لا. فبعَث اللهُ جبريلَ إلى موسى عليهما السلام، فقال: إن اللهَ يقولُ: وما يُدْرِيكَ أين أَضَعُ عِلْمى؟ بلى، إن على شطَّ البحرِ رجلًا أعلمَ منكَ. فقال ابنُ عباسٍ: هو الخَضِرُ. فسأَل موسى ربَّه أن يُرِيَه إياه، فأوحَى اللهُ إليه أن ائْتِ البحرَ، فإنك تجِدُ على شطَّ البحرِ حُوتًا، فخُذْه فادفَعْه إلى فتَاك، ثم الزَمْ شطَّ البحرِ، فإذا نسِيتَ الحوتَ وهلَك منكَ، فثَمَّ تَجِدُ العبدَ الصالحَ الذى تطلُبُ. فلما طال سفرُ موسى نبيِّ اللهِ عليه السلام، ونَصِب فيه، سأَل فتاه عن الحوتِ، فقال له فتاه، وهو غلامُه:{أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} لك. قال الفتى: لقد رأَيتُ الحوتَ حينَ اتَّخَذ سبيلَه في البحرِ سَرَبًا. فأعجَب ذلك موسى،
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 375.
فرجَع حتى أتَى الصخرةَ، فوجَد الحوتَ، [فجعَل الحوتُ]
(1)
يضربُ في البحرِ، ويتْبَعُه موسى، وجعَل موسى يُقدِّمُ عصاه يَفرُجُ بها عنه
(2)
الماءَ يَتْبَعُ الحوتَ، وجعَل الحوتُ لا يمسُّ شيئًا من البحرِ إلا يبِس حتى يكونَ صخرةً، فجعَل نبيُّ اللهِ عليه السلام يَعْجَبُ من ذلك حتى انتهَى به الحوتُ إلى جزيرةٍ من جزائرِ البحرِ، فلقِى الخَضِرَ بها فسلَّم عليه، فقال الخضرُ: وعليك السلامُ، وأنى يكونُ هذا السلامَ بهذه الأرضِ! ومَن أنتَ؟ قال: أنا موسى. فقال له الخضرُ: أصاحبُ بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. فرحَّب به، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتُكَ على أَن تُعَلِّمَنى مما عُلِّمتَ رُشدًا. قال: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} . يقولُ: لا تُطِيقُ ذلك. قال موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} . قال: فانطلق به وقال له: لا تسأَلْنى عن شيءٍ أصنَعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه. فذلك قولُه: {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} . فرَكبا في السفينةِ يُرِيدان البرَّ، فقام
(3)
الخضرُ فخرق السفينةَ، فقال له موسى:{خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} : ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ موسى صلى الله عليه لما قطَع البحرَ وأنجاه اللهُ من آلِ فرعونَ، جَمَع بني إسرائيلَ، فخطَبهم فقال: أنتم خيرُ أهلِ الأرضِ وأعلمُه، قد أهلَك الله عدوَّكم، وأقطعكم البحر، وأَنْزَل عليكم التوراةَ. قال: فقيل له: إن ههنا رجلًا هو أعلمُ منك. قال: فانطلق هو وفتاه يوشعُ بنُ نونٍ
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عن".
(3)
في ت 2: "فقال".
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 369، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 233 إلى المصنف وابن أبى حاتم.
يطلُبانِه، فتزوَّدوا
(1)
مملوحةً في مِكْتَل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقِيتما رجلًا عالمًا يقال له: الخَضِرُ. فلما أتيا ذلك المكانَ، ردَّ اللهُ إلى الحوتِ روحَه، فسرَب له من الجُدِّ
(2)
حتى أَفْضَى إلى البحر، ثم سلَك، فجعَل لا يسلُكُ فيه طريقًا إلا صار ماءً جامدًا. قال: ومضى موسى وفتاه. يقولُ الله عز وجل: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} . ثم تلا إلى قوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} . فلقيا رجلًا عالمًا يقالُ له: الخضرُ، فذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سُمِّي الخَضِرُ خضِرًا؛ لأنه قعَد على فَروةٍ
(3)
بيضاءَ فاهتزَّت به خضراءَ"
(4)
.
حدثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنى الأوزاعيُّ، قال: حدثنى الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنه تمارَى هو والحُرُّ بنُ قيسِ بنِ حِصْنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى، فقال ابنُ عباسٍ: هو خضِرٌ. فمرَّ بهما أبيُّ بنُ كعبٍ، فدعاه ابنُ عباسٍ، فقال: إني تمارَيتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبِ موسى الذى سأل السبيلَ إلى لُقِيِّه، فهل
(5)
سمِعتَ رسولَ اللهِ يذكُرُ شأنَه؟ قال: نعم
(6)
، سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "بيْنَا موسى في ملأٍ من بنى إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: تعلَمُ [مكانَ أحدٍ]
(7)
أعلمَ منك؟ قال موسى: لا.
(1)
في ص: "فتزودوا سمكة"، وفي م:"وتزودا سمكة"، وفي ت 1، ف:"وتزودوا سمكة".
(2)
في م: "الجسر". وتقدم تعريف الجد في ص 314.
(3)
الفروة: الأرض اليابسة، وقيل: الهشيم اليابس من النبات. النهاية 3/ 441.
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 375.
(5)
في م: "فقال".
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"إني".
(7)
في الأصل: "بمكانٍ أحدا".
فأَوْحَى الله إلى موسى: بلي، عبدُنا
(1)
خضِرٌ. فسأل موسى السبيلَ إلى لُقِيِّه، فجعَل اللهُ له الحوتَ آيةً، وقيل له: إذا افتقدتَ
(2)
الحوتَ فارجِعْ فإنك ستلقاه. فكان موسى يتْبعُ أثرَ الحوتِ في البحرِ، فقال فتى موسى لموسى:{أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} . قال موسى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا}
(3)
، خَضِرًا، وكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابِه"
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ عمرَ النُّميريُّ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سمِعتُ الزهريِّ يحدِّثُ، قال: أخبرني عبيدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه تمارَى هو والحرُّ بن قيسِ بن حصنٍ الفَزاريُّ في صاحبِ موسى. ثم ذكَر نحوَ حديثِ العباسِ، عن أبيه
(5)
.
القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤُه: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ
(6)
مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للعالمِ: هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنى من العلمِ الذى علَّمك اللهُ، ما هو رَشادٌ إلى الحقِّ ودليلٌ على هدًى؟
قال: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ: إنَّك لن تُطِيقَ الصبرَ معى؛ وذلك أَنِّي
(1)
في الأصل: "عندنا".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"فقدت".
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"عبدنا".
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 368، وأخرجه البخاري (7478)، والنسائي في الكبرى (11309) من طريق الأوزاعي به
(5)
في النسخ: "أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم ". والمثبت من تاريخ المصنف.
والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 369، وأخرجه مسلم 2380/ 174 من طريق يونس به.
(6)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"تعلمنى". وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وصلًا.=
أعْمَلُ بباطنِ علمٍ علَّمَنيه اللهُ، ولا عِلمَ لك إلَّا بالظاهرِ من الأُمورِ، فلا تَصبِرُ على ما تَرى منِّى
(1)
من الأفعالِ. كما ذكَرْنا مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ قبلُ مِن أنَّه كان رجلًا يعمَلُ على الغيبِ، قد عُلِّم ذلك
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)} .
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قولِ العالمِ لموسى: وكيف تَصْبِرُ يا موسى على ما تَرى منِّى من الأفعالِ التى لا علْمَ لك بوجوه صوابِها، وتُقيمُ معى عليها، وأنت إنما تحكُمُ على صوابِ المُصيبِ، وخَطأِ المُخْطئِ، بالظاهرِ الذي عندَك، وبمَبْلغِ علمِك، وأفعالى تَقَعُ بغيرِ دليلٍ ظاهرٍ لرأْيِ عينِك على صوابِها؛ لأنَّها تُبتَدَأُ لأسبابٍ تحدُثُ آجلةً غيرَ عاجلةٍ، لا علمَ لك بالحادثِ عنها؛ لأنَّه
(3)
غَيْبٌ، و [لم تُحِطْ]
(4)
بعلمِ الغيبِ {خُبْرًا} . يقولُ: علمًا.
{قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا} . [يقولُ: قال موسى للعالمِ: ستجِدُني إن شاء اللهُ صابرًا]
(5)
على ما أرَى منك، وإن كان خلافًا لما هو عندِى صوابٌ، {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}. يقولُ: وأنتهِى إلى ما تأْمُرُنى وإن لم يكنْ مُوافِقًا هواىَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى
= ووقفوا بغير ياء، ووصلها الباقون ووقفوا بغير ياء. السبعة لابن مجاهد ص 403.
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
تقدم تخريجه في ص 329.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"لأنها".
(4)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"لا تحيط"
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى: فإنِ اتَّبَعتني الآنَ فلا تَسْألني عن شيءٍ أعْمَلُه مما تَسْتَنكِرُه؛ فإنِّى قد أَعْلَمْتُك أَنِّى أعمَلُ العمل على الغيب الذى لا تُحيطُ به علمًا، {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}. يقولُ: حتى أُحْدِثُ أنا لك ذِكْرًا
(1)
مما تَرى من الأفعالِ التي أفعلُها التى تَستَنكِرُها، [أذْكُرُه لك، وأُبَيِّنُ لك شأنَه، وأبْتَدئُك بالخبرِ عنه]
(2)
.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} : عن شيءٍ أصنعُه حتى أُبَيِّنَ لك شأنَه
(3)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ يَسِيران يطلُبان سَفِينَةً يَرْكَبانِها، حتى إذا أصاباها رَكِبا في السَّفينة، فلمَّا رَكِباها خرَق العالمُ السَّفينةَ، قال له موسى: أَخَرَقْتَها بعدما قد لَجَّجْنا فى البَحرِ؛ لتُغْرِقَ أهلها؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} . يقولُ: لقد جئتَ [بشيءٍ عظيمٍ]
(4)
، وفعَلتَ فِعْلًا مُنكَرًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: {لَقَدْ
(1)
سقط من: م، وفي ت 1:"منه ذكرا".
(2)
فى م: "أذكرها لك وأبين لك شأنها وأبتدئك بالخبر عنه"
(3)
تقدم تخريجه في ص 315.
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"شيئًا عظيمًا".
جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا}. أى: عَجَبًا
(1)
؛ أن قومًا لَجَّجُوا سفينتَهم [في البحرِ فخُرِقَتْ]
(2)
كأَحْوجِ ما يكونون
(3)
إليها! ولكنْ عَلِم مِن ذلك ما لم يعلَمْ نبىُّ اللهِ موسى
(4)
من علمِ اللهِ الذي أتاه، وقد
(5)
قال لنبىِّ اللهِ موسى عليه السلام: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ:{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} . يقولُ: نُكْرًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} . قال: مُنكَرًا
(6)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
(7)
.
والإمْرُ في كلامِ العربِ الداهيةُ، ومنه قولُ الراجزِ
(8)
:
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الفتح 8/ 419 - من طريق خالد بن قيس، عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 236 إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(2)
في ص: "فخرقت"، وفى م، ف:"فخرقتها".
(3)
فى ص، م، ت 1، ف:"نكون"، وفى ت 2:"يكون".
(4)
بعده في ص، م، ت 2، ف:"ذلك"
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"قال".
(6)
تفسير مجاهد ص 450، وعزاه الحافظ فى الفتح 8/ 419 إلى عبد بن حميد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 236 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(7)
ذكره الحافظ في الفتح 8/ 419، وقال: هو من رواية ابن جريج عن مجاهد، وقيل: لم يسمع منه.
(8)
البيتان في مجاز القرآن، 1/ 409، والتبيان 7/ 65، 134، وفيه فى الموضع الثاني:"الأعداء" بدل "الأقران"، واللسان (أ م ر).
قد لَقِيَ الأقرانُ مِنْكَ
(1)
نُكْرَا
داهِيةً دَهياءَ إِدًّا إِمْرَا
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: أَصْلُه كلُّ شيءٍ شديدٍ كثيرٍ. ويقولُ: منه قيل للقومِ: قد أَمِروا. إذا كثُروا واشتدَّ أمْرُهم. قال: والمصدرُ منه: الأمَرُ، والاسمُ: الإمْرُ.
واختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} . فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} . بالتاءِ في {لِتُغْرِقَ} ، ونصْبِ "الأهلِ"
(2)
، بمعنى: لتُغرِقَ أنتَ أيُّها الرجلُ أهلَ السَّفينة بالخَرْقِ الذي خرَقْتَ فيها.
وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِيَغْرَقَ) بالياء (أهلُها) بالرفعِ
(3)
، على أن "الأهلَ" هم الذين يَغْرَقون.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إِنَّهما قراءتان معروفَتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ، متَّفِقَتا المعنى وإنِ اختَلَفت ألفاظُهما، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وإنما قُلنا: هما متَّفِقتا المعنى؛ لأنه معلومٌ أن إنكارَ موسى على العالِم خَرْقَ السَّفينةِ إنما كان؛ لأنَّه كان عندَه أن ذلك سببٌ لغَرَقِ أَهْلِها إِذا أُحْدِث
(4)
فيها، فلا خفاءَ على أحدٍ معنى ذلك، قُرِئ بالتاءِ ونَصْبِ "الأهلِ"، أو بالياءِ ورَفْعِ "الأهلِ".
(1)
فى م، والمصادر:"منى".
(2)
وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 395.
(3)
وهى قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.
(4)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"مثل ذلك الحدث".
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى إذ قال له ما قال: ألم أقلْ: إِنَّكَ لن تُطِيقَ معىَ صبرًا على ما تَرى من أفعالِي؛ لأنَّك تَرى ما لم تُحِطْ به خُبْرًا.
قال له موسى: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} .
فاختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: كان هذا الكلامُ من موسى عليه السلام للعالمِ معارضةً، لا أنَّه كان نَسِيَ عهدَه، وما كان تقدَّم فيه إليه
(1)
حينَ استَصْحَبه بقولِه: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن يحيى بنِ زيادٍ، قال: ثني يحيى بنُ المُهَلَّبِ، عن رجلٍ، [عن المِنهالِ]
(2)
، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ الأنصاريِّ في قولِه:{لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} . قال: لم يَنْسَ، ولكنَّها من معارِيضِ الكلامِ
(3)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تُؤَاخِذْنى بتَرْكِى عهدَك. ووجَّهَ
(4)
معنى النِّسيانِ إلى
(5)
التَّرْكِ.
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
سقط من النسخ، والمثبت من معانى القرآن للفراء.
(3)
معاني القرآن 2/ 155، وقال الحافظ في الفتح 8/ 419: وإسناده ضعيف. . . ولو كان هذا ثابتا لاعتذر موسى عن الثالثة وعن الثانية بنحو ذلك.
(4)
بعده في م: "أن".
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} . أى: بما ترَكتُ من عهدِك
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنَّ موسى سألَ صاحبَه أَلَّا يُؤاخِذَه بما نَسِى فيه عهده من سؤالِه إيَّاه عن
(2)
وجْهِ ما فعَل وسببِه، لا بما سألَه عنه وهو لعهدِه ذاكرٌ؛ للصحيحِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأن ذلك معناه، مِن الخبرِ.
وذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:{لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} . قال: "كانت الأُولى مِن موسى نِسْيانًا"
(3)
.
وقولُه: {وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} . يقولُ: لا تُغْشِنى {مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} . يقولُ: لا [يَضِيقُ عليك]
(4)
أمْرِى معك، وصُحْبَتى إيَّاك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً
(5)
بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلقا حتى إذا لَقِيا غلامًا قتله العالم، فقال له موسى:
(1)
تقدم تخريجه في ص 329.
(2)
فى ص، م، ت 1، ف:"علي"
(3)
تقدم تخريجه في ص 326.
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"تضيق على"
(5)
فى ص، ت 1، ت 2، ف:"زاكية". وهما قراءتان كما سيذكر المصنف.
{أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} .
واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والبصرةِ: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً)
(1)
. وقالوا: معنى ذلك: المُطَهَّرَةُ التي لا ذنبَ لها، ولم تُذيب قطُّ لصِغَرِها.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ: {نَفْسًا زَكِيَّةً}
(2)
. بمعنى التائبةِ المغفورِ لها ذنوبُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} . قال: فالزكيةُ التائبةُ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:(قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زاكيَةً) قال: الزاكيةُ التائبةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ: (أقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً). قال: قال الحسنُ: تائبةً
(4)
.
هكذا [قرَأ في الحديثِ بشرٌ والحسنُ]
(5)
: (زاكيةً).
(1)
وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 395.
(2)
وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.
(3)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 236 إلى المصنف.
(4)
في الأصل: "التائبة".
والأثر فى تفسير عبد الرزاق 1/ 406.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"في حديث الحسن وشهر".
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: (نَفْسًا زاكيةً
(1)
): بمعنى تائبةٍ.
ذكرُ مَن قال: معناها: المسلمةُ التى لا ذنبَ لها
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني يَعلَى بنُ مسلمٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: وجَد خَضِرٌ غِلْمَانًا يلعَبون، فأَخَذ غلامًا ظريفًا، فأضْجَعَه ثم ذبَحه بالسكينِ - قال: وأخبَرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: اسمُ الغلامِ الذي قتله الخَضِرُ جَيْسُورُ
(2)
- (قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً
(3)
). قال: مُسْلِمةً. قال: وقرَأها ابنُ عباسٍ: {زَكِيَّةً} . كقولِك: زكِيًّا
(4)
.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهل الكوفة يقولُ: معنى "الزَّكِيَّةِ" و "الزاكية" واحدٌ، كـ "القاسِيَةِ" و "القَسِيَّةِ"
(5)
. ويقولُ: هى التى لم
(1)
في م: "زكية".
(2)
في الأصل: "خيسور"، وفى ت 1، ف:"حنسور"، وغير منقوطة فى ص. والمثبت موافق لما في مصادر التخريج، وما فى ت 1، ف، كالنسخة التي ذكرها الحافظ في الفتح 8/ 420 عن المصنف، وفي هذا الاسم أوجه كثيرة استقصاها الحافظ في الفتح، فانظرها فيه.
وقول شعيب هذا أخرجه أحمد في العلل برواية عبد الله 1/ 101، 102 (412، 416)، والدارقطني في المؤتلف 2/ 806 من طريق حجاج، عن ابن جريجٍ، عن وهب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 236 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
في الأصل، ص، ت 2:"زكية".
(4)
جزء من حديث طويل أخرجه أحمد 5/ 120 (الميمنية)، مختصرًا، والبخاري (4726) كلاهما من طريق ابن جريج عن يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعيد به.
(5)
يشير بذلك إلى الآية 13 من سورة "المائدة"، والقراءة الأولى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر، والقراءة الثانية قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 243.
تَجْنِ شيئًا.
وذلك هو الصوابُ عندى؛ لأنى لم أجِدْ فَرْقًا بينهما في شيءٍ من كلام العربِ.
فإذا كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءتين قرَأ ذلك القارئ فمُصيبٌ؛ لأنَّهما قراءتان مُسْتفيضَتان في قرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ.
وقولُه: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} يقولُ: بغيرِ قِصاصٍ بنفسٍ قتلتْ فَلَزِمها القتلُ قَوَدًا بها.
وقولُه: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا
(1)
}. يقولُ: لقد جئتَ بشيءٍ مُنكَرٍ، وفعلتَ فعلًا غيرَ معروفٍ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا
(2)
}: والنُّكْرُ أَشدُّ مِن الإمْرِ
(3)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)} .
(1)
في الأصل "نُكُرا" بضم الكاف، وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، ونافع وابن ذكوان وشعبة، وبسكون الكاف قرَأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وهشام والكسائي وحفص عن عاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 395.
(2)
في الأصل: "نُكُرا". بضم الكاف.
(3)
ذكره الطوسي في تفسيره 7/ 66، والبغوى في تفسيره 5/ 191.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال العالمُ لموسى: ألم أقلْ لك: إنك لن [تُطِيقَ صبرًا معي]
(1)
على ما تَرى من أفعالى التى لم تحِطْ بها خُبْرًا؟
قال موسى له: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا} . يقولُ: بعد هذه المرَّةِ، {فَلَا تُصَاحِبْنِي}. يقولُ: ففارِقْني، ولا تكنْ لى مُصاحِبًا، {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}. يقولُ: قد بلَغتَ العذرَ في شأني.
واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (مِنْ لَدُنِي عُذرًا). بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتخفيفِ النّونِ
(2)
.
وقرَأه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بفتحِ اللامِ وضمِّ الدالِ وتشديدِ النونِ
(3)
.
وقرأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ بإشْمامِ [الدالِ الضَّمَّ وتسكينها]
(4)
وتخفيفِ النونِ
(5)
.
وكأنَّ الذين شدَّدوا النونَ طلبوا للنونِ التى فى "لَدُنْ" السلامةَ من الحركةِ، إذ كانت في الأصلِ ساكنةً، ولو لم تشدَّدْ لَتَحَرَّكت، فشَدَّدوها كراهةً منهم تحريكَها، كما فعَلوا ذلك
(6)
فى "من" و "عن" إذا أضافوهما إلى مكنىِّ المخبِرِ عن نفسِه، فشدَّدوها
(7)
، فقالوا: منِّى، وعنِّى. وأما الذين خفَّفوها، فإنَّهم وجَدوا مكنىَّ المُخبِرِ عن نفسِه فى حالِ الخفضِ ياءً وحدَها لا نونَ معها، فأجْرَوا ذلك مع
(8)
(1)
في ص: "تستطيع صبرا معى"، وفى م، ت 1، ف:"تستطيع معى صبرا".
(2)
وهي قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص 396.
(3)
وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.
(4)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"اللام الضم وتسكين الدال".
(5)
وهى رواية عن أبي بكر عن عاصم، وفى رواية عن أبي بكر عن عاصم بسكون الدال مع فتح اللام. المصدر السابق.
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(7)
في م: "فشددوهما".
(8)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"من".
"لَدُنْ" على حسَبِ ما جرَى به كلامُهم فى ذلك مع سائرِ الأشياءِ غيرِها.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنَّهما لُغَتان فَصِيحتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأةُ للقرآنِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن أَعْجَبَ القراءتين إلىَّ فى ذلك قراءةُ مَن فتَحَ اللامَ وضمِّ الدالَ وشدَّد النونَ؛ لعِلَّتين؛ إحداهما أنَّها أشهرُ اللُّغتَينِ، والأُخْرَى أن محمدَ بنَ نافعٍ البصرىِّ حدَّثنا، قال: ثنا أميةُ بن خالدٍ، قال: ثنا أبو الجاريةِ العبديُّ، [عن شعبةَ]
(1)
، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أبيٍّ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرَأ:{قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} مُثَقَّلةً
(2)
.
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثله.
وذُكِر أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآيةَ، فقال:[اسْتَحْيا نبيُّ]
(3)
اللهِ موسى".
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بدَلُ بنُ المَحَبَّرِ، قال: ثنا عبّادُ بنُ رَاشدٍ، قال: ثنا داودُ في قولِ اللهِ: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي
(1)
سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.
(2)
أخرجه الترمذى (2933)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان 3/ 111، من طريق أبي بكر محمد ابن نافع البصرى به، وأخرجه أبو داود (3985)، وعبد الله في زوائد المسند 5/ 121 - ومن طريقه المزي في تهذيبه 24/ 180 - والطبراني (543) من طريق أمية بن خالد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 237 إلى البزار وابن المنذر وابن مردويه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأمية بن خالد ثقة، وأبو الجارية العبدى شيخ مجهول، لا أدرى من هو، ولا يعرف اسمه.
(3)
في ص، ت 2:"استحياني"، وفى م، ت 1، ف:"استحيا في".
عُذْرًا}. قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [اسْتَحْيا نبيُّ]
(1)
الله موسى عندَها".
حدَّثني عبد الله بن أبى زيادٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكَر أحدًا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذاتَ يومٍ: "رَحمَةُ اللهِ علينا وعلى موسى، لو لَبِث مع صاحبِه لأبْصَرَ العَجَبَ، ولكنَّه قال:{إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} . مُثَقَّلَةً
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فانطلَق موسى والعالمُ حتى إذا أتَيَا أهل قريةٍ اسْتَطْعما أهلَها من الطَّعام فلم يُطعموهما، واسْتَضافاهم فأبَوْا أن يُضَيِّفُوهما، {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}. يقولُ: وجَدا في القرية حائطًا يُريدُ أن يسْقُطَ ويقَعَ. يُقال منه: انقَضَّتِ الدارُ. إذا انْهدَمَت وسقَطَت. ومنه انقضاضُ [الكواكبِ، وذلك سُقوطُها وزوالُها عن أماكنِها]
(3)
، ومنه قولُ ذي الرُّمةِ
(4)
:
*فانْقَضَّ كالكَوْكبِ الدُّرّىِّ مُنصَلِتًا*
(1)
فى ص، ت 2:"استحياني"، وفى م، ت 1، ف:"استحيا".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 180 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 219، وأبو داود (3984)، والترمذى (3385) مقتصرا على أوله، وابن قانع في معجم الصحابة 1/ 4، وابن حبان (988)، والخطيب 6/ 400، وفي الفقيه والمتفقه (1029)، والحاكم 2/ 574 من طريق حمزة الزيات به.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الكوكب وذلك سقوطه وزواله عن مكانه".
(4)
البيت في التبيان 7/ 68.
وقد روُى عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه قرَأ ذلك: (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَاصَ
(1)
).
وقد اختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ إذا قُرِئ ذلك كذلك، في معناه؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ
(2)
: مجازُ (ينْقاصَ
(3)
): ينقلِعَ
(4)
من أصلِه، ويَتَصدَّعَ
(5)
. بمنزلِة قولِهم: قد انْقاصَتِ
(6)
السِّنُّ. أى: انْصَدَعت
(7)
وتصَدَّعَت
(8)
مِن أصْلِها، يقالُ
(9)
: فِراقٌ كقَيْصِ
(10)
السِّنِّ. أى
(11)
: لا يجتمِعُ أهلُه.
وقال بعضُ الكوفيين
(12)
: الانْقِياصُ
(13)
: الشَّقُّ في طولِ الحائط وفى طيِّ البئرِ وفى سنِّ الرجلِ، يُقالُ: قد انقاصَت
(14)
سنُّه. إذا انشَقَّتْ طولًا.
(1)
فى م، ت 1، ت 2، ف:"ينقاض". بالضاد المعجمة، والصواب بالصاد المهملة كما نص على ذلك ابن جني في المحتسب 2/ 31، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 152، وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(2)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"منهم". وهذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1/ 411.
(3)
فى م، ت 1، ت 2، ف، ومجاز القرآن:"ينقاض". وينظر اللسان (ق ي ص، ق ى ض).
(4)
في الأصل: "يتقلع"، وفى م:"أى ينقلع".
(5)
في الأصل، ص، ت 2، ف:"ينصدع".
(6)
في م، ت 1، ت 2، ف، ومجاز القرآن:"انقاضت".
(7)
فى م: "تصدعت".
(8)
فى مجاز القرآن: "تقلعت".
(9)
بعض صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلى، وهو في ديوان الهذليين 1/ 138، وتمامه:
فراق كقيص السن فالصبر إنه
…
لكل أناس عثرة وجبور
(10)
فى م، ت 1، ت 2، ف، ومجاز القرآن:"كقيض"، وهي رواية للبيت كما فى اللسان (ق ى ض).
(11)
سقط من: ت 1، وفي الأصل:"للذي".
(12)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"الكوفيين منهم"، وفى م:"أهل الكوفة منهم". وهذا قول الفراء 2/ 157.
(13)
فى م، ت 1، ت 2، ف، ومعاني القرآن "الانقياض".
(14)
فى م، ت 1، ت 2، ف، ومعانى القرآن:"انقاضت".
وقيل: إن القريةَ التى اسْتَطْعم أهلَها موسى وصاحبُه فأبَوْا أن يضَيِّفوهما؛ الأُبُلَّةُ
(1)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارِعُ، قال: ثنا عمرانُ بنُ المعتمرِ صاحبُ الكَرابيسِ
(2)
، قال: ثنا حمادٌ أبو صالحٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: انتابُوا الأُبلَّةَ (1) فإنه قَلَّ مَن يأتيها فيَرْجِعُ منها خائبًا، وهى الأرضُ التي أبَوْا أَن يُضَيِّفوهما، وهى أبعدُ أرضِ اللهِ من السماءِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} . وتَلا إلى قولِه: {لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} . شرُّ القُرَى التي لا تُضَيِّفُ الضَّيفَ، ولا تعرِفُ لابنِ السبيل حقَّه
(4)
.
واختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ فى معنَى قولِ اللهِ عز وجل: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} . فقال بعضُ أهلِ البصرةِ
(5)
: ليس للحائطِ إرادةٌ ولا للمواتِ، ولكنَّه إذا كان في هذه الحالِ من رَبِّه
(6)
فهو إرادتُه، وهذا كقولِ العربِ في غيرِه
(7)
:
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبي
(8)
بَرَاءٍ
…
ويَرْغَبُ عن دماءِ بنى عَقيلِ
(1)
في م: "الأيلة". والأبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى. معجم البلدان 1/ 97.
(2)
فى م: "الكرابيسي".
(3)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 237 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 25، والبغوى فى تفسيره 5/ 193 مقتصرا على أوله.
(5)
هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 410.
(6)
فى م: "رثه".
(7)
نسبه فى مجاز القرآن إلى الحارثى، وذكره القرطبي في تفسيره 11/ 26، واللسان (رود) ولم ينسباه.
(8)
في مجاز القرآن: "بني".
وقال آخرُ منهم: إنما كلَّم القومَ بما
(1)
يعْقِلون. قال: وذلك لمَّا دنا من الانْقِضاضِ جاز أن يقولَ: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} . قال: ومثلُه: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} [مريم: 90، والشورى: 5]. وقولُهم: إني لأكادُ أطيرُ من الفرحِ. وأنت لم تقرَبْ من ذلك ولم تهُمَّ به، ولكن لعظمِ الأمرِ عندَك.
وقال بعضُ الكوفيِّين منهم
(2)
: مِن كلامِ العربِ أن يقولوا: الجدارُ يريدُ أن يسقُطَ. قال: ومثلُه من قولِ العربِ قولُ
(3)
الشاعرِ
(4)
:
إِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِى بِجُمْلٍ
(5)
…
لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وقولُ الآخرِ
(6)
:
يَشْكو إلىَّ جَمَلِى طُولَ السُّرَى
[صَبرًا جميلًا]
(7)
فكِلانا مُبتَلَى
قال: والجملُ لم يَشْكُ، إنَّما تُكُلِّم به على أنَّه لو تكلَّمَ لقال ذلك. قال: وكذلك قولُ عنترةَ
(8)
:
وازْوَرَّ مِن وَقْعِ القَنا بلَبانِه
…
وشَكا إلىَّ بعَبرَةٍ وتَحْمْحُمِ
(1)
في م: "مما".
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 2/ 156.
(3)
في الأصل: "قال".
(4)
البيت في دلائل الإعجاز ص 320، والمغرب (د هـ ر).
(5)
في دلائل الإعجاز: "بسعدى".
(6)
الكتاب 1/ 321، شروح سقط الزند 2/ 620، أمالي المرتضى 1/ 107.
(7)
فى الكتاب، وأمالي المرتضى:"صبر جميل".
(8)
شرح ديوانه ص 128.
قال: ومثلُه
(1)
قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} [الأعراف: 154]. والغضبُ لا يَسْكُتُ، إنما يَسْكُتُ صاحبُه، وإنَّما معناه: سكَن. وقولُه: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} [محمد: 21]. إِنَّما يعزِمُ أهله.
وقال آخرُ منهم: هذا مِن فَصِيح كلامِ العربِ. وقال: إِنَّما إرادةُ الجدارِ مَيلُه، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لا تَرَاءى نَارَاهما"
(2)
. وإنَّما هو أن تكونَ ناران؛ كلُّ واحدةٍ
(3)
منهما
(4)
من صاحبتِها [بالموضع الذي]
(5)
لو قام فيه إنسانٌ رأى الأُخْرَى في القُرْبِ. قال: وهو كقولِ اللهِ عز وجل في الأصنام: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198]. قال: والعرب تقولُ: دارى تَنْظُرُ إلى دارِ فلانٍ. تعنى قُربَ ما بينَهما. واستشهد بقول ذى الرُّمة فى وصِفْه حوضًا أو منزلاً دارِسًا
(6)
:
*قَد بادَ
(7)
أَوْ قَدْ هَمَّ بالبُيودِ*
قال: فجعله يَهُمُّ، وإِنَّما معناه أنه قد تغَيَّر للبِلَى.
(1)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"منه".
(2)
أخرجه أبو داود (2645)، والترمذى (1604)، والطبراني (2264) والبيهقى 8/ 131، 9/ 142 موصولًا من حديث جرير بن عبد الله، وأخرجه سعيد بن منصور (2663)، والنسائي (4794)، والبيهقى 8/ 131 مرسلا من حديث قيس بن حازم، وصحح الإرسال البخاري، ذكره عنه الترمذي، وأخرجه سعيد ابن منصور (2664) من حديث أبي عثمان النهدى.
(3)
في الأصل، ص، ت 2، ف:"واحد".
(4)
سقط من: الأصل، م، ت 1، ت 2، ف.
(5)
فى ص، ت 1، ف:"بالموضع"، وفى م:"بموضع"، وفي ت 2:"بالوضع".
(6)
ديوانه 1/ 344، 363، وروايته:
*من عطن قدهم بالبيود*
(7)
في ص، م، ت 1، ت 2:"كاد"، وفى ف:"كان".
والذى نقولُ به فى ذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه بلطفه جعَل الكلامَ بين خلقِه رحمةً منه بهم، ليُبِينَ بعضُهم لبعضٍ عمَّا في ضمائرِهم مما لا تُحِسُّه أبصارُهم، وقد عَقَلتِ العربُ معنَى القائلِ
(1)
:
في مَهْمَهٍ قَلِقَتْ به هاماتُهَا
…
قَلَقَ الفُئُوس إذا أَرَدْنَ نُصُولا
(2)
وفهِمَت أن الفُئوس لا تُوصَفُ بما تَوصَفُ به بنو آدمَ من ضمائرِ الصدورِ، مع وصْفِها إيَّاها بأنَّها تُريدُ، وعَلِمَت ما يريدُ القائلُ بقولِه:
كمثْلِ هَيْلِ النَّقا
(3)
طافَ المُشاةُ به
…
يَنْهالُ حِينًا ويَنْهاه الثَّرَى حِينًا
وأنَّه
(4)
لم يُرِدْ بأنَّ الثَّرى نطَق، ولكنَّه أراد به أنه تلبَّدَ بالنَّدَى فمنَعه من الانْهيالِ، فكان مَنْعُه إيَّاه من ذلك كالنَّهْي من ذَوى المَنطِقِ فلا ينهالُ. وكذلك قولُه:{جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} . قد عَقَلَت
(5)
أن معناه: قد قارَب من أن يقَعَ أو يسقُطَ. وإنما خاطَب جلَّ ثناؤُه بالقرآنِ من أُنزِل الوحْيُ بلسانِه، وقد عَقَلوا ما عنَى به، وإِن اسْتَعَجَمَ عن فَهْمِه ذوو البلادةِ والعَمَى، وضلَّ فيه ذوو الجهالةِ والغَبَا.
وقولُه: {فَأَقَامَهُ} . ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: هدَمه ثم قعَد يبْنيه. حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن الحسنِ ابن عُمارة، عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ
(6)
.
(1)
هو الراعى النميرى، والبيت في ديوانه ص 202.
(2)
النصول: الخروج، يقال: سهم ناصل. إذا خرج منه نصله. اللسان (ن ص ل).
(3)
النقا مقصور: الكثيب من الرمل. اللسان (ن ق و).
(4)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"إنما".
(5)
فى ص، م، ت 1، ف:"علمت"، وفي ت 2:"علقت".
(6)
تقدم تخريجه في ص 329.
وقال آخرون فى ذلك ما
(1)
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} . قال: رفَع
(2)
الجدارَ بيدِه فاسْتَقامَ
(3)
. [قال ابنُ جُرَيجٍ: وأخبَرني أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: مسَحه بيدِه فاستقام]
(4)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إِنَّ اللهَ عز وجل أخبَرَ أن صاحبَ موسى وموسى وجَدا جِدارًا يُريدُ أن ينقضَّ فأقامَه صاحبُ موسى. بمعنَى: عَدَّل ميلَه حتى عاد مُسْتَوِيًا. وجائزٌ أن يكون كان ذلك بإصلاحٍ بعدَ هَدْمٍ. وجائزٌ أن يكونَ كان برَفْعٍ (2) منه له بيدِه، فاسْتَوى بقُدْرَةِ اللهِ، وزال عنه ميلُه بلُطفِه، ولا دلالةَ من كتابٍ ولا خبرٍ للعذرِ قاطعٍ بأىِّ ذلك كان من أىٍّ.
وقولُه: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} . يقولُ: قال موسى لصاحبِه: لو شِئتَ لم تُقِمْ لهؤلاء القوم جدارَهم حتى يُعْطوكَ على إقامتِكه أجرًا.
فقال بعضُهم
(5)
: إنما عَنَى موسى بالأجرِ الذى قال له: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} : القِرَى، أي: حتى يَقْرُونا، فإِنَّهم قد أبَوْا أَن يُضيِّفونا.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك العِوضَ والجزاءَ على إقامتِه الحائطَ المائلَ.
واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ
(1)
فى ت 1، ف:"بما".
(2)
في الأصل: "بدفع".
(3)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 237 إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف. والأثر تقدم تخريجه في ص 326.
(5)
كذا في جميع النسخ، والذى جرى عليه السياق أن يكون الكلام: واختلف أهل التأويل فى معنى الأجر الذي عناه الله بقوله: "قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا". فقال بعضهم. . .
والكوفةِ {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} . على التوجيهِ منهم له إلى أنَّه "لافْتَعَلْتَ" من الأخْذِ
(1)
.
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (لو شِئْتَ لَتَخِذْتَ). بتخفيفِ التاءِ وكسرِ
الخاءِ
(2)
، وأصلُه "لافْتَعلتَ"، غير أنَّهم جعَلوا التاءَ كأنَّها من أصلِ الكلمةِ،
وكأنَّ
(3)
الكلام عندهم في "فَعِل" و "يَفْعَلُ" من ذلك: تخِذ فلانٌ كذا يَتْخَذُ من تَخَذًا. وهى لغةٌ فيما ذُكِر لهُذَيلٍ، وقال بعضُ الشعراءِ
(4)
:
وقد تَخِذَتْ رِجْلى لَدَى جَنْبِ غَرْزِها
…
نَسِيفًا
(5)
كأُفْحُوصِ القَطاةِ
(6)
المُطَرْقِ
(7)
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما لُغَتان مَعْروفَتان من لغاتِ العربِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أنِّى أختارُ قرَاءتَه بتشديدِ التاءِ على "لافْتَعَلتَ"؛ لأنَّها أفصحُ اللُّغَتَين وأشهرُهما، وأكثرُهما على ألْسُنِ العربِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)} .
(1)
وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، مع إدغام الذال فى التاء، وروى حفص عن عاصم بغير إدغام. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 396.
(2)
وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وكان أبو عمرو يدغم، وابن كثير يظهر الذال. المصدر السابق.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"لأن".
(4)
هو الممزق العبدى، والبيت فى مجاز القرآن 1/ 411، والأصمعيات ص 165، والجمهرة 2/ 6، 163، 372، 3/ 39.
(5)
النسيف: موضع أثر رجل الراكب من الرحل. الجمهرة 3/ 39.
(6)
أفحوص القطاة: الموضع الذى تبيض فيه. مجاز القرآن 1/ 412.
(7)
المطرق، من: طرقت القطاة تطريقا: إذا عسر عليها بيضها ففحصت الأرض بجؤجؤها -صدرها- ينظر الجمهرة 2/ 372. والمطرَّق: المعدَّل، يقال: طرّق. إذا عدل. شرح الشواهد للعينى 4/ 590.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال صاحبُ موسى لموسى: هذا القولُ
(1)
الذي قلتَه -وهو قولُه: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} - {فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} . يقولُ: فُرْقةُ ما بينى وبينَكَ. أى: مُفَرِّقٌ بينى وبينَك. {سَأُنَبِّئُكَ} . يقولُ: سأُخْبِرُك {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} . يقولُ: بما تَئُولُ إليه عاقبةُ أفْعَالى التى فعَلْتُها فلم تَسْتَطِعْ على تَرْكِ المسألة عنها، وعن النَّكير علىَّ فيها صبرًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)} .
يقولُ: أما فِعْلِى ما فعَلتُ بالسفينة، فلأنها كانت لقومٍ مساكينَ {يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} بالخَرْقِ الذي خرَقتُها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} . قال: أُخْرِقَها
(2)
.
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
تفسير مجاهد ص 450. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 237 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقولُه: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} . يقولُ: وكان أمامَهم وقُدّامَهم ملِكٌ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ:{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} . قال قتادةُ: أمامَهم، ألا تَرى أنه يقولُ:{مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} [الجاثية: 10]. وهى بينَ أيدِيهم
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان في بعضِ
(2)
القراءةِ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا).
وقد ذُكِر عن ابنِ عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ ذلك:(وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ)
(3)
.
قال أبو جعفرٍ: وقد جعل بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ
(4)
"وراءَ" من حروفِ الأضدادِ، وزعَم أنه يَكُونُ لِمَا هو أمامَه ولِمَا خلفَه، واستَشهَد لصحةِ ذلك بقولِ الشاعرِ
(5)
:
أتَرْجُو
(6)
بَنُو مَرْوَانَ سَمْعى وطاعَتِي
…
وَقَوْمى تَمِيمٌ والفَلَاةُ وَرَائِيا
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 407.
(2)
ليست في: ص، ت 1، ت 2، ف، م، وهذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(3)
جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (3401، 4726)، ومسلم (2380/ 170) من طريق سفيان ابن عيينة به، وأخرجه عبد الله بن أحمد فى علل أبيه 1/ 102 من طريق عمرو به.
(4)
يريد أبا عبيدة فى مجاز القرآن 1/ 337، 412، 2/ 41، 62، 280، وينظر الأضداد ص 68.
(5)
اختلف في نسبته؛ فتارة إلى سَوّار بن المُضَرِّب، وتارة إلى مساور بن حمئان، وتارة إلى جرير، وتارة إلى الفرزدق.
ينظر التاج واللسان (ورى)، ومجاز القرآن 1/ 337، 412، 2/ 1، 62، 280، والجمهرة 1/ 177، 3/ 495، والكامل 2/ 102.
(6)
في الأصل، ص، م:"أيرجو".
بمعنى أمامى. وقد أَغفل وجهَ الصوابِ في ذلك، وإنما قيل لِمَا بينَ يديك
(1)
: هو ورائى. لأنك مِن ورائِه، فأنتَ مُلاقيه كما هو مُلاقيك، فصار إذ كان مُلاقِيَك كأنه مِن وَرائِك وأنت أمامَه.
وكان بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ الكُوفةِ
(2)
لا يُجِيزُ أن يُقالَ لرجلٍ بينَ يديْك: هو ورائى. ولا إذا كان وراءَك أن يقالَ: هو أمامى. ويقولُ: إِنما يَجُوزُ ذلك في المواقيتِ من الأيامِ والأزمنةِ؛ كقولِ القائلِ: وراءَك بَرْدٌ شديدٌ. وبينَ يديْك حرٌّ شديدٌ؛ لأنك أنت وراءَه، فجاز؛ لأنه شيءٌ يأتى، فكأنه إذا لَحِقَك صار مِن ورائِك، وكأنك إذا بَلَغْتَه صار بين يديك. قال: فلذلك جاز الوجهان.
وقولُه: {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} فيقولُ
(3)
القائلُ: فما أغنى خَرْقُ هذا العالِمَ السفينةَ التي رَكِبها عن أهلِها، إذ الذى
(4)
كان من أجلِه
(5)
خَرَقَها يَأْخُذُ السفنَ كلَّها؛ مَعِيبَها وغيرَ مَعِيبِها؟ وما كان وجهُ اعتلالِه فى خرقِها بأنه خرَقها؛ لأنَّ وراءَهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا؟
قيل: إن معنى ذلك أنه يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا، ويَدَعُ منها كلَّ مَعِيبةٍ، لا أنه كان يأخُذُ صِحاحَها وغيرَ صِحاحِها. فإن قال: وما الدليلُ على أن ذلك كذلك؟ قيل: قولُه: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} ، فأَبانَ بذلك أنه إنما عابَها لأن المَعِيبةَ منها لا يَعْرضُ لها، فاكتُفِى بذلك من أن يقالَ: وكان وراءهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا. على أن ذلك فى بعض القراءةِ كذلك
(6)
.
(1)
في ص، م، ت 2، ف:"يديه".
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 2/ 157.
(3)
في ص، ت 1، ف:"يقولُ".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(5)
في م: "أجل".
(6)
وهي قراءة شاذة كما سبق.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: هي في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحةٍ غصبًا)
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثني الحسنُ بنُ دينارٍ
(2)
، عن الحكم بنِ عُتَيْبةَ
(3)
، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: في قراءةِ أُبَىٍّ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وإنما عِبْتُها لأَرُدَّه عنها
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ:{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} : فإذا خَلَفوه أَصْلَحوها بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعوا بها.
قال ابنُ جريجٍ: أخبرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبٍ الجَبَائيِّ
(5)
، أن اسمَ الرجلِ الذى كان يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا هُدَدُ بنُ بُدَدَ
(6)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وأما الغلامُ فإنه كان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين، فعَلِمنا أنه
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 407.
(2)
كذا في النسخ. وتقدم هذا الأثر بهذا الإسناد مطولا فى 15/ 279 وفيه: "الحسن بن عمارة" ولعله الصواب فهذا إسناد دائر فى الكتاب. والحسن بن دينار لم نجد له رواية عن الحكم بن عتيبة.
(3)
فى م: "عيينة". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 7/ 114.
(4)
ينظر البحر المحيط 6/ 154.
(5)
في م: "الجبئى".
(6)
أخرجه الإمام أحمد في العلل (رواية عبد الله) 1/ 101 من طريق حجاج به، عن ابن جريج، عن وهب به.
يُرْهِقُهما. يقولُ: يُغَشِّيهما {طُغْيَانًا} وهو الاستكبارُ على اللهِ، [{وَكُفْرًا} به]
(1)
.
وقد ذُكر أن ذلك في بعضِ الحروفِ: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا).
ذكرُ مَن قال ذلك وقال نحوَ الذي قُلنا فيه من التأويلِ
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ:(وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا). في حرفِ أُبَىٍّ، وكان أبواه مؤمنَين، (فَأَرَدْنَا أن يُبْدِلَهما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْه زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:(وأمَّا الغُلامُ فَكانَ أَبَوَاه مُؤْمِنَيْنِ وَكَانَ كَافِرًا) فى بعضِ القراءةِ، قولُه:{فَخَشِينَا} وهي في مصحفِ عبدِ اللهِ: (فَخافَ رَبُّكَ أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا)
(3)
.
حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو قُتَيْبةً، قال: ثنا عبدُ الجبّارِ بنُ عباسٍ الهَمْدانيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"الغلامُ الذى قَتَله الخَضِرُ طُبِعَ يومَ طُبِعَ كافرًا"
(4)
.
والخشيةُ والخوفُ تُوَجِّهُهما العربُ إلى معنى الظنِّ، وتُوَجِّهُ هذه
(1)
في ص: "وكفرانه".
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 407. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 237 إلى ابن المنذر.
(3)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 237 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(4)
أخرجه الترمذى (3150) عن عمرو بن على به. وأخرجه مسلم (2380/ 172)، وأبو داود (4705، 4706)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند 5/ 118 (21156 - ميمنية)، وابن حبان (6221 - الإحسان)، والطيالسي (540)، وابن أبي عاصم في السنة (194، 195)، والطحاوي في مشكل الآثار (3125) وابن عساكر في تاريخه 16/ 413 من طريق أبي إسحاق به.
الحروفَ إلى معنى العلمِ بالشيءِ الذي يُدْرَكُ من غيرِ جهةِ الحِسِّ والعِيانِ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنى عن إعادتِه
(1)
.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البَصْرةِ يقولُ: معنى قولِه: {فَخَشِينَا} في هذا الموضعِ: كَرِهنا؛ لأن اللهَ لا يَخْشَى. قال: وهو في بعضِ القراءاتِ: (فَخَافَ رَبُّكَ). قال: وهو مثلُ: خِفْتُ الرجلين أن يَعُولا
(2)
. وهو لا يخافُ من ذلك أكثرَ من أنه يَكْرَهُه لهما.
وقولُه: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} . اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه جماعةٌ من قَرَأَةِ المَكِّيين والمَدَنيين والبَصْريين: (فأرَدَنا أَنْ يُبَدِّلَهُمَا رَبُّهُما)
(3)
. وكان بعضُهم يَعْتَلُّ لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشدَّدًا فى عامَّةِ القرآنِ؛ كقولِ اللهِ عز وجل: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 59]، وقولِه:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]، فأَلْحَق قوله:(فأردنا أنْ يُبَدِّلَهُما بِهِ). وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا} بتخفيف الدالِ
(4)
. وكان بعضُ مَن قرَأ ذلك كذلك مِن أهلِ العربيةِ يقولُ: أَبْدَل يُبْدِلُ بالتخفيفِ، وبَدَّل يُبَدِّلُ بالتشديدِ بمعنًى واحدٍ.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان متقارِبَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القَرَأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقيل: إِن اللهَ عز وجل أَبْدَل أَبَوَيِ الغلامِ الذي قتَله صاحبُ موسى منه بجاريةٍ.
(1)
تقدم في 4/ 135.
(2)
في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، ف:"يقولا".
(3)
وهى قراءة نافع وأبى عمرو. الكشف 2/ 72، وحجة القراءات ص 427.
(4)
وهى قراءة باقى السبعة. المصدرين السابقين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا المباركُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ في قولِه: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} . قال: بلَغنى أنَّها جاريةٌ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرنى سليمانُ بنُ أُمَيَّةَ، أَنه سَمِع يعقوبَ بنَ عاصمٍ يقولُ: أُبْدِلَا مكانَ الغلامِ جاريةً
(2)
.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخبَرَنى عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، أَنه سَمِع سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ يقولُ: أُبْدِلا مكانَ الغلامِ جاريةً
(2)
.
وقال آخرون: بل
(3)
أبدَلهما ربُّهما بغلامٍ مسلمٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ:{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} . قال: كانت أمُّه حُبْلَى يومَئذٍ بغلامٍ مسلمٍ
(4)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه ذكَر الغلامَ الذى قتَله الخَضِرُ فقال: قد فَرِح به أبواه حينَ وُلِد، وحَزِنا عليه حينَ قُتِل، ولو بَقِى كان فيه هلاكُهما، فرَضِيَ
(5)
امْرُؤٌ بقضاءِ اللهِ، فإن قضاءَ اللهِ للمؤمنِ
(1)
عزاه الحافظ فى الفتح 8/ 421 إلى المصنف.
(2)
عزاه الحافظ فى الفتح 8/ 422 إلى المصنف.
(3)
سقط من: م.
(4)
ذكره البغوى فى تفسيره 5/ 195، وابن كثير في تفسيره 5/ 181، والحافظ في الفتح 8/ 422.
(5)
في م: "فليرض".
فيما يَكْرَهُ خيرٌ له من قضائِه فيما يُحِبُّ
(1)
.
وقولُه: {خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} . يقولُ: خيرًا من الغلامِ الذي قتَله صلاحًا ودينًا.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قولَه:{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} . قال: الإسلامُ
(2)
.
وقولُه: {وَأَقْرَبَ رُحْمًا} . اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأقربَ رحمةً بوالدَيْه، وأبرَّ بهما من المقتولِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ:{وَأَقْرَبَ رُحْمًا} : أبرَّ بوالِدَيه
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَقْرَبَ رُحْمًا} ، أي: أقربَ خيرًا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقربَ أن يَرْحَمَه أبواه منهما للمقتولِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ:
(1)
أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (20211) -ومن طريقه البيهقى فى الشعب (10172) - من طريق معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 238 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
عزاه الحافظ فى الفتح 8/ 421، والسيوطى فى الدر المنثور 4/ 238 إلى أبي عبيد وابن المنذر.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 407.
{وَأَقْرَبَ رُحْمًا} : أرحمَ به منهما بالذى قتَل الخَضِرُ
(1)
.
وكان بعضُ أهل العربية يَتَأَوَّلُ ذلك
(2)
: وأقربَ أَن [يُرْحَما به]
(3)
. والرُّحْمُ مصدرُ رَحِمْتُ، يقال: رَحِمتُه رَحْمةً ورُحْمًا.
وكان بعضُ البَصْرِيين يقولُ
(4)
: من الرَّحِم والقرابة. وقال
(5)
: يقالُ: رُحْمٌ ورَحْمٌ، مثل:[عُمْرٌ وعَمْرٌ]
(6)
، وهُلْكٌ وهَلْكٌ. واستشَهد لقولِه ذلك ببيتِ العَجّاجِ
(7)
:
ولَمْ تَعَوَّجْ رُحْمَ مَن تَعَوَّجا
(8)
ولا وجهَ للرَّحِمِ فى هذا الموضعِ؛ لأن المقتولَ كان و
(9)
الذي أبدَل اللهُ منه والِدَيه ولدًا لأَبَوَى
(10)
المقتول، فقرابتُهما من والدَيه وقربُهما منه في الرَّحِم سواءٌ. وإنما معنى ذلك: وأقربَ من المقتولِ أن يَرْحَمَ والديه فيَبَرَّهما، كما قال قتادةُ. وقد يَتَوَجَّهُ الكلامُ إلى أن يكونَ معناه: وأقربَ أن [يُرْحَما به]
(3)
. غيرَ أنه
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 181.
(2)
هو قول الفراء فى معاني القرآن 2/ 157.
(3)
في م: "يرحماه".
(4)
هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1/ 413.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"قد".
(6)
في م: "عُسْر وعُسُر".
(7)
ديوانه ص 381. وفيه: "ولم تَعَرَّجُ رُحْم مَن تَعَرَّجا"، وبحاشية أصل الديوان كما عندنا.
(8)
الضمير يعود إلى الحرب، فهى لا تحيد عن من كرهها وحاد عنها بل تمضى على وجهها، أي لم ترحم أحدا. ينظر الديوان ص 382.
(9)
سقط من: م.
(10)
في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، ف:"لأبي".
قائلَ من أهل التأويلِ تأوَّله كذلك، فإذ لم يَكُنْ [قال به]
(1)
قائلٌ، فالصوابُ فيه ما قلنا؛ لِمَا بَيَّنَّا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)} .
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قولِ صاحبِ موسى: وأمّا الحائطُ الذي أَقَمْتُه، فإنه كان لغُلامَين يَتِيمَين فى المدينةِ، وكان تحتَه كَنْزٌ لهما.
اختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك الكَنْزِ؛ فقال بعضُهم: كان صُحُفًا فيها عِلْمٌ مدفونةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عَمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه ابنِ عباسٍ:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: كان تحتَه كَنْرُ علمٍ
(2)
.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: علمٌ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: علمٌ.
(1)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"فيه".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 182.
(3)
تفسير الثورى ص 178 عن أبي حصين، عن سعيد.
[حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: نا عبد الرحمن، قال: نا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: علمٌ
(1)
]
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قوله:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: صحفٌ لغلامين فيها علمٌ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: صحفُ علمٍ.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفَارِيُّ، قال: ثنا هَنّادَةُ ابنةُ مالكٍ الشَّيْبانِيةُ، قالت: سَمِعتُ صاحبى حمادَ بنَ الوليدِ الثَّقَفيَّ، يقولُ: سَمِعتُ جعفرَ بنَ محمدٍ، يقولُ في قول الله عز وجل:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: سطران ونصفٌ، لم يَتِمَّ الثالثُ! عَجِبتُ
(4)
للمُوقِنِ بالرزقِ كيف يَتْعَبُ! وعَجِبتُ
(4)
للمُوقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ! وعَجِبتُ
(4)
للمُوقِن بالموتِ كيف يَفْرَحُ! وقد قال: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]. قالت: وذُكر أنهما حُفظا بصلاحِ أبيهما، ولم يُذْكَر منهما صلاحٌ، وكان بينَهما وبينَ الأبِ الذى حُفِظا به سبعةُ آباءٍ، وكان نَسّاجًا
(5)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبِ بنِ نَدَبَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ
(6)
بنُ
(1)
تفسير الثورى ص 178.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
تفسير مجاهد ص 450
(4)
في الأصل: "عجب".
(5)
في الأصل: "سيّاحا". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 183.
(6)
فى ص، م، ت 1، ف:"سلمة". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 27/ 573.
محمدٍ، عن نُعَيْمٍ العَنْبَريِّ، وكان من جُلساءِ الحسنِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: لوحٌ من ذهبٍ مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ
(1)
لمن يُؤْمِنُ بالقَدَرِ
(2)
كيف يَحْزَنُ! وعَجَبٌ (1) لمن يُوقِنُ بالموتِ كيف يَفْرَحُ! وعَجَبٌ (1) لمن يَعْرِفُ الدنيا وتَقَلُّبَها بأهلِها كيف يَطْمَئنُّ إليها! لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ؛ أنه كان يقولُ: ما كان الكَنْرُ إِلا عِلْمًا
(4)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: صُحُفٌ من علمٍ
(5)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةَ، قال: إن الكَنْزَ الذي قال اللهُ في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها الكهفُ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: كان لوحًا من ذهبٍ مُصْمَتٍ، مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ ممن عرَف الموتَ ثم ضَحِك! عَجَبٌ من أَيْقَنَ بالقدرِ ثم نَصِبَ، عَجَبٌ ممن أَيْقَن بالموتِ ثم أَمِن، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلا اللَّهُ، وأن
(1)
في م، ت 1، ت 2:"عجبت".
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف
(3)
أخرجه اللالكائي في الاعتقاد (1249) من طريق يعقوب به وسقطت منه عبارة: قال: سمعت الحسن.
وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 182.
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 375 مطولا.
(5)
تفسير عبد الرزاق 1/ 407.
محمدًا عبدُه ورسولُه
(1)
.
وقال آخرون: بل كان مالًا مكنوزًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: كَنْزُ مالٍ
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه
(2)
.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه. قال شعبةُ: ولم يَسْمَعْه
(3)
منه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} . قال: مالٌ لهما. قال قتادةُ: أُحِلَّ الكَنْزُ لمن كان قَبْلَنا، وحُرَّم علينا [وحُرِّمَت الغنيمةُ على من كان قبلَنا وأُحِلَّت لنا
(4)
.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} الآية. فلا يُعْجِبُنى الرجلُ يقولُ: ما شأنُ الكَنْزِ؟ أُحِلَّ لمن كان قبلنا وحُرِّم علينا]
(5)
فإن الله يُحِلُّ من أمرِه ما يشاءُ ويُحَرِّمُ، وهى السننُ والفرائضُ، ويُحِلُّ لأمَّةٍ ويُحَرِّمُ على أخرَى، ولكنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ من أحدٍ مضَى إلا الإخلاصَ والتوحيدَ له.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 182.
(2)
تفسير الثورى ص 178.
(3)
في م: "نسمعه". وقوله: لم يسمعه منه. أي: لم يسمعه أبو حصين من عكرمة.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 407.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
وأَوْلَى التأويلين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله عكرمةُ؛ لأن المعروفَ من كلامِ العربِ أن الكَنْزَ اسمٌ لِمَا يُكْنَزُ من مالٍ، وأن
(1)
كلَّ ما كُنز فقد وقَع
(2)
عليه اسمُ كَنزٍ، فإن التأويلَ مصروفٌ إلى الأغلبِ من استعمالِ المخاطَبِين بالتنزيلِ، ما لم يَأْتِ دليلٌ يَجِبُ من أجله صرفُه إلى غيرِ ذلك؛ لعللٍ قد بَيَّناها في غيرِ موضعٍ، وقولُه:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} . يقولُ: فأراد ربُّك أن يُدْرِكا ويَبْلُغا قوَّتَهما وشِدَّتهما، {وَيَسْتَخْرِجَا} حينَئذٍ {كَنْزَهُمَا} المكنوزَ تحتَ الجدارِ الذي أَقَمْتُه {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} بهما. يقولُ: فعلتُ فعلى
(3)
هذا بالجدارِ رحمةً من ربِّكَ لليَتِيمَيْن.
وكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مشعَرِ، عن عبد الملكِ بن مَيْسَرَةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} . قال: حُفِظا بصلاحِ أبيهما، وما ذُكِر منهما صلاحٌ
(4)
.
حدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا سفيانُ، عن مِسْعَرٍ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرَةً، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه
(5)
.
وقولُه: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمرِي} . يقولُ: وما فعلتُ يا موسى جميعَ الذي رأيتَني فعَلتُه عن رأيِي ومن تِلْقاءِ نفسى، وإنما فعَلتُه عن أمرِ اللهِ إياىَ به.
(1)
بعده في الأصل: "كان".
(2)
في الأصل، ت 2:"يقع".
(3)
سقط من: م.
(4)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (332) من طريق مسعر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 235 إلى أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
أخرجه الحميدى في مسنده (372)، والحاكم 2/ 369 من طريق سفيان.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} ، كان عبدًا مأمورًا، فمضَى لأمرِ اللَّهِ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} ، ما رأيتَ أَجْمَعَ ما فعلتُه عن نفسى.
وقولُه: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} . يقولُ: هذا الذي ذكَرْتُ لك من الأسبابِ التي من أجلِها فعلتُ الأفعالَ التي استَنكَرْتَها منِّى {تَأْوِيلُ} . يقولُ: ما تَقُولُ إليه وتَرْجِعُ الأفعالُ التي لم تَسْتَطِعْ
(2)
على تركِ مسئلتِك إيايَ عنها وإنكارِكها
(3)
صبرًا.
وهذه القِصصُ التي أخبر اللهُ عز وجل نبيِّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بها عن موسى وصاحبِه، تأديبٌ منه له، وتَقَدُّمٌ إليه بترك الاستعجالِ بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستَهْزَءوا
(4)
بكتابِه، وإعلامٌ منه له أن أفعالَه وإن جرَتْ فيما ترَى الأعينُ بما قد يَجْرِى مثله أحيانًا لأوليائِه، فإن تأويلَه صائرٌ بهم إلى أحوالِ أعدائِه فيها، كما كانت أفعالُ صاحبِ موسى واقعةً بخلافِ الصحةِ في الظاهرِ عند موسى، إذ لم يكنْ عالمًا بعواقبِها، وهى ماضيةٌ على الصحةِ في الحقيقةِ، وآيِلةٌ إلى الصوابِ في العاقبةِ، يُنْبِيءُ عن صحةِ ذلك قولُه:{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58]. ثم عَقَّب ذلك بقصةِ موسى وصاحبه؛ يُعْلِمُ نبيَّه أن تَرْكَه جل جلاله تَعْجِيلَ العذابِ لهؤلاء
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 238 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"تسطع".
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"إنكارك لها".
(4)
بعده في م: "به و".
المشركين لغيرِ
(1)
نظَرٍ منه لهم، وإن كان ذلك فيما يَحْسِبُ من لا علمَ له بما اللَّهُ مُدَبِّرٌ فيهم نَظَرًا منه لهم؛ لأن تأويلَ ذلك صائرٌ إلى هلاكِهم وَبَوارِهم بالسيفِ في الدنيا، واستحقاقِهم من اللهِ في الآخرةِ الخِزْى الدائمَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: ويسأَلُك يا محمدُ هؤلاء المشركون عن ذى القرنَيْن ما كان شأنُه، وما كانت قصتُه، فقُلْ لهم:{سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ} من خَبرِه {ذِكْرًا} . يقولُ: سأَقُصُّ عليكم منه خبرًا. وقد قيل: إن الذين سأَلُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن أمرِ ذى القرنين كانوا قومًا من أهلِ الكتابِ. فأما الخبرُ بأنَّ الذين سأَلُوه عن ذلك كانوا مشركي قومِه فقد ذكَرْناه قبلُ
(2)
.
وأما الخبرُ بأن الذين سأَلُوه كانوا قومًا من أهلِ الكتابِ، فحدَّثنَا به أبو كريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن ابن لهيعةَ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ زيادِ بن أَنْعُمٍ
(3)
. عن شيخَيْن من تُجِيبَ
(4)
، قال أحدُهما لصاحبِه: انطلِقْ بنا إلى عقبةَ بن عامرٍ نتحدَّثْ. قالا: فأتَيناه
(5)
. فقالا: جِئْنا لتُحَدَّثَنا. فقال: كنتُ يومًا أخدِمُ رَسولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم فخرَجتُ من عندِه، فلقِينَى قومٌ من أهلِ الكتابِ، فقالوا: نُرِيدُ أن نسأَلَ
(1)
في ص، م، ف:"بغير".
(2)
تقدم في ص 142 - 144.
(3)
بعده في مصادر التخريج: "سعد بن مسعود".
(4)
تجيب: اسم قبيلة من كندة، لهم خطة - وهو ما يختطه الإنسان لنفسه من الأرض ونحوها - بمصر سميت بهم. معجم البلدان 1/ 837.
(5)
في م: "فآتياه".
رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاسْتَأْذِنَ لنا عليه. فدخَلت عليه فأخبَرْتُه، فقال: "ما لي و
(1)
لهم، ما لى علمٌ إلا ما عَلَّمَنى اللَّهُ". ثم قال:"اسْكُبْ لي ماءً". فتوضَّأ ثم صلَّى. قال: فما فرَغ حتى عرَفتُ السرورَ في وجهِه، ثم قال:"أدخِلْهم عليَّ ومَن رأَيتَ من أصحابي". فدخَلُوا فقاموا بينَ يديْه، فقال:"إن شِئْتُم سأَلْتُم فأخبَرتُكم عما تجِدُونه في كتابِكم مكتوبًا، وإن شِئْتُم أَخبَرتُكم". قالوا: بل
(2)
أخْبِرْنا. قال: "جِئْتُم تسأَلُوني عن ذى القرنين، وما تجِدُونه في كتابِكم؛ كان شابًّا من الرومِ، فجاء فبنَى مدينةَ مصرَ، الإسكندريةَ، فلما فرَغ جاءه مَلَكٌ فعلا به في السماءِ، فقال له: ما ترَى؟ فقال: أرَى مدينَتي
(3)
ومدائنَ. ثم علا به، فقال: ما ترَى؟ فقال: أرَى مدينَتى
(4)
. ثم علا به فقال: ما ترَى؟ قال: أرَى الأرضَ. قال: فهذا اليمُّ محيطٌ بالدنيا، إن الله بعثَني إليك تُعلِّمُ الجاهلَ، وتُثَبِّتُ العالِمَ. فأتَى به السدَّ
(5)
وهما
(6)
جبلان ليِّنان يَزْلُقُ عنهما
(7)
كلُّ شيءٍ. ثم مضَى به حتى جاوَزَ يأجوجَ ومأجوجَ، ثم مضَى به إلى أُمَّةٍ أُخرى، وجوهُهم وجوهُ الكلابِ، يُقاتِلُون يأجوجَ ومأجوجَ، ثم مضَى به حتى قطَع به أمةً أُخرى يقاتِلُون هؤلاء الذين وجوهُهم وجوهُ الكلابِ، ثم مضَى حتى قطَع به هؤلاء إلى أمةٍ أخرى قد سمَّاهم
(8)
(1)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"ما".
(2)
في م، ص، ت 1، ت 2:"بلي".
(3)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"مدينتين".
(4)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"مدينة".
(5)
كذا في النسخ، ودلائل النبوة، وتاريخ ابن عساكر، وفي فتوح مصر، والعظمة، والدر المنثور:"السدين".
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"هو".
(7)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"عليهما".
(8)
أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص 38، وأبو الشيخ في العظمة (975)، والبيهقي في دلائل النبوة 6/ 295، 296 ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 17/ 338 من طريق عبد الرحمن بن زياد بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 241، 242 إلى ابن أبي حاتم.
واختلَف أهلُ العلمِ في المعنى الذي من أجلِه قيل لذي القرنين: ذو القرنين؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك من أجل أنه ضُرِب على قَرْنِه فهلك، ثم أُحْيى فضُرِب على القرن الآخرِ فهلَك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأل ابن الكوَّاءِ عليَّا عن ذى القرنين، فقال: هو عبدٌ أحبَّ اللَّهَ فأحبَّه، وناصَح اللَّهَ فنصَحه، فأمَرهم بتقوى اللهِ، فضربوه على قرْنِه فقتَلُوه، ثم بعَثه اللَّهُ، فضرَبُوه على قرنِه فمات.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سُئِل عليٌّ عن ذي القرنين، فقال: كان عبدًا ناصَح الله فناصَحه، فدعَا قومَه إلى اللَّهِ، فضُرب على قرنِه فمات، فأحيَاه اللهُ فدعَا قومه إلى اللهِ، فضربَوه على قرنِه فمات، فسُمِّى ذا القرنين
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن أبي الطفيلِ، قال: سمعتُ عليًّا وسأَلُوه عن ذى القرنين: أنبيًّا كان؟ قال: كان عبًدا صالحًا، أحبَّ اللَّهَ فأحبَّه، وناصح اللَّهَ فنصَحه، فبعَثه اللَّهُ إِلى قومِه، فضرَبوه ضربتين في رأسِه، فسُمَّى ذا القرنين، وفيكم اليومَ مثلُه
(2)
.
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سهلٍ البخاريُّ، قال: ثنا
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 563، من طريق يحيى بن سعيد به، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص 39، 40 من طريق أبي الطفيل به.
(2)
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 17/ 334 من طريق القاسم بن أبي بزة به.
إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: قال وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ: كان ذو القرنين مَلِكًا. فقيل له: فلِمَ سُمِّى ذا القرنين؟ قال: اختلَف فيه أهلُ الكتابِ؛ فقال بعضُهم: ملَك الرومَ وفارسَ. وقال بعضُهم: كان في رأسِه شبهُ القرْنيْن
(1)
.
وقال آخرون: إنما سُمِّي بذلك لأن صَفْحَتى رأسِه كانتا من نُحاسٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: ثنى مَن لا أَتَّهِمُ، عن وهب بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ، قال: إنما سُمِّى ذا القرنين أن صَفْحَتى رأسِه كانتا من نُحاسٍ
(2)
.
وقولُه: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)} . يقولُ: إنا وطَّأْنَا له في الأرضِ، {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}. يقولُ: وآتيناه من كلِّ شيءٍ، يعني: ما يَتَسَبَّب له
(3)
إليه، وهو العلمُ به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله:{وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} . يقولُ: علمًا
(4)
.
(1)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (962)، من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (972)، من طريق سلمة بن الفضل به مطولًا.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 186، وفى البداية والنهاية 2/ 544، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 247 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} . أي: علمًا
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} . قال: من كلِّ شيءٍ علمًا
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:{وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} . قال: عِلْمَ كلِّ شيءٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} : علمًا
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} . يقولُ: علمًا
(3)
.
وقولُه: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (فاتَّبعَ) بوصلِ الألفِ وتشديدِ التاءِ
(4)
، بمعنى: سلَك وسار، من قولِ القائلِ: اتَّبعتُ أثرَ فلانٍ. إذا قفوتَه وسِرْتَ وراءه. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} بهمزِ الألفِ وتخفيفِ التاءِ
(5)
، بمعنى: لَحِقَ.
وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ
(6)
قراءةُ من قرَأه: (فاتَّبَعَ) بوصلِ الأُلفِ
(1)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 17/ 339 من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن مطولًا.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 247 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 186، وفى البداية والنهاية 2/ 544.
(4)
وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة ص 397، والكشف عن وجوه القراءات السبع 2/ 72، 73.
(5)
وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة ص 398، والكشف عن وجوه القراءات السبع 2/ 72، 73.
(6)
القراءتان كلتاهما صواب.
وتشديدِ التاءِ؛ لأنَّ ذلك خبرٌ من اللهِ عن مسيرِ ذى القرنين في الأرضِ التي مكَّن اللهُ
(1)
له فيها، لا عن لِحَاقِه السببَ، وبذلك جاء تأويلُ أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:(فاتَّبَعَ سَبَبا). يعنى بالسببِ: المَنْزِلَ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{سَبَبًا} . قال: مَنْزِلًا وطريقًا ما بينَ المشرقِ والمغربِ
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَديُّ، قال: ثنا عبيدٌ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ:(فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: طَرَفى
(4)
. الأرضِ
(5)
.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:(فاتَّبَعَ سَبَبا): أي
(6)
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 187، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 247 إلى المصنف ابن أبي حاتم.
(3)
تفسير مجاهد ص 450، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 247 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
في م: "طريقا".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 187، وغيره ناشرو المطبوعة، كما كان في المطبوعة عندنا.
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
اتَّبَعَ منازلَ الأرضِ ومعالمها
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: هذه [الآن سببُ الطرقِ]
(2)
، كما قال فرعونُ:{يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} [غافر: 36، 37]. قال: طرقَ السماواتِ
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:(فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: منازلَ الأَرضِ
(4)
.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: حدَّثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (فاتَّبَعَ سَبَبا). قال: المنازلَ
(5)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ} ذو القرنين {مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
(6)
}. فاختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ ذاتِ حَمْأَةٍ
(7)
. وقرَأته
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 187، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 247 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
كذا في النسخ، وفى الدر المنثور:"لأن الطريق"، والأنسب أن تكون:"لأن السبب الطريق".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 247 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 407.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 187.
(6)
في الأصل: "حامية".
(7)
وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية حفص. السبعة ص 398، والكشف عن وجوه =
جماعةٌ من قرأةِ المدينة، وعامة قرأةِ الكوفةِ:(فِي عَينٍ حَامِيَةٍ). بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ حارَّةٍ
(1)
.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلهم ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه.
ذكرُ مَن قال: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . قال: في طينٍ أسودَ
(2)
.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ:{فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . قال: ذاتِ
(3)
حَمْأَةٍ.
حدَّثنا الحسنُ
(4)
بنُ الجُنيدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ مَسلمةَ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُليَّة
(5)
عن عثمانَ بن حاضرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بن عباسٍ يقولُ: قرَأ معاويةُ هذه الآيةَ، فقال:(عَيْنٍ حامِيَةٍ). فقال ابن عباسٍ: إنها: {عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . قال: فجعَلا بينَهما كعبًا، قال: فأرسلا إلى كعبِ الأحبارِ، فسأَلاه، فقال كعبٌ: أما الشمسُ فإنها تغِيبُ في ثَأْطٍ. فكانت على ما قال ابن عباسٍ
(6)
. والتَأْطُ: الطينُ.
= القراءات السبع 2/ 73، 74.
(1)
وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبى بكر. السبعة ص 398، والكشف عن وجوه القراءات السبع 2/ 73، 74.
(2)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 66، وأبو الشيخ في العظمة (647) من طريق عكرمة به مطولًا.
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
في م: "الحسين". وينظر تهذيب الكمال 6/ 356.
(5)
في الأصل: "أمية". وينظر تهذيب الكمال 3/ 45.
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 411، من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى نافعُ بن أبي نُعيمٍ، قال: سمِعتُ عبد الرحمنِ الأعرجَ يقولُ: كان ابن عباسٍ يقولُ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . ثم فسَّرها: ذاتِ حَمْأَةٍ. قال: نافعٌ: وسُئِل عنها كعبٌ، فقال: أنتم أعلمُ بالقرآنِ منى، ولكنى أجِدُها في الكتابِ تَغِيبُ في طينةٍ سوداءَ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . قال: هي الحَمْأَةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{حَمِئَةٍ} . قال: ثَأْطٍ.
[حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: نا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}: طينةٍ سوداءَ ثأطٍ]
(2)
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . قال: ثَأطَةٍ.
قال: وأخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قرَأتُ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ، وقرَأ عمرُو بنُ العاصِ:(فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ). فَأَرْسَلْنا إلى كعبٍ، فقال: إنها تغرُبُ في حَمْأَةٍ طينةٍ سوداءَ
(4)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 411، من طريق آخر عن ابن عباس بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى المصنف.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(3)
تفسير مجاهد ص 450، من طريق ورقاء به.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 412، عن ابن عباس. ووقع فيه:"ابن عمر" بدل: "عمرو بن العاص". قال الترمذى عقب حديث (2934) ويروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك
…
اهـ. =
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} والحمِئةُ: الحَمْأةُ السوداءَ.
حدَّثنا [محمدُ بنُ عبدِ الأعلى]
(1)
، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن ورقاءُ، قال: سمِعتُ سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَأُ هذا الحرفَ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . ويقولُ: حَمْأَةٌ سوداءُ تغرُبُ فيها الشمسُ
(2)
.
وقال آخرون: بل هي تَغِيبُ في عينٍ حارَّةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} . يقولُ: عينٍ حارَّةٍ
(3)
.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: (فِي عَينٍ حامِيَةٍ). قال: حارَّةً
(4)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله:(في عَيْنٍ حامِيَةٍ). قال: حارَّةٍ. وكذلك قرَأها الحسنُ
(5)
.
والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتَان مَعْروفَتان
(6)
= وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
(1)
في الأصل، ت 1، ت 2:"عمرو بن عبد الحميد"، وفى ص، ف:"عمرو بن عبد الأعلى"، وينظر تهذيب الكمال 25/ 581.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 188، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248، إلى ابن أبي حاتم.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 188.
(5)
تفسير عبد الرزاق 1/ 410.
(6)
ليست في: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
مُسْتَفيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولكلِّ واحدةٍ منهما وجهٌ صحيحٌ ومعنًى مفهومٌ، وكلا وجهَيْه غيرُ مُفْسِدٍ أحدهما صاحبَه؛ وذلك أنَّه جائزٌ أن تكونَ الشمسُ تغرُبُ في عينٍ حارَّةٍ ذاتِ حَمْأَةٍ وطينٍ، فيكونُ القارى:(في عَيْنٍ حَامِيَةٍ) واصفَها
(1)
بصفَتِها التي هي لها، وهى الحرارةُ؛ ويكونُ القارئُ:{فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وَاصِفَها بصفتها التي هي بها، وهى أنها ذاتُ حَمْأَةٍ وطينٍ. وقد رُوِى بكلتى صفتَيْها
(2)
اللتين قلتُ: إنهما من صفتِها
(3)
أخبارٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، قال: ثنى مولًى لعبدِ اللهِ بن عمرو، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: نظَر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى الشمسِ حينَ غابت، فقال: "في نارِ اللهِ الحاميةِ، في نارِ اللهِ الحاميةِ، لولا ما يَزَعُها من أمرِ
(4)
اللَّهِ لأَحْرَقَتْ ما على الأرضِ"
(5)
.
حدَّثني الفضلُ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن سعدِ بن أوسٍ، عن مُصْدَعٍ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أقرأه:{حَمِئَةٍ}
(6)
.
وقولُه: {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} . ذُكِر أن أولئك القومَ يقالُ لهم: ناسكٌ
(7)
.
(1)
سقط من: م.
(2)
في م: "صيغتيها".
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"صفتيها".
(4)
سقط من: الأصل.
(5)
أخرجه أحمد 11/ 526 (6934)، وابن أبي شيبة وأحمد بن منيع وأبو يعلى - كما في المطالب العالية (438) - من طريق يزيد بن هارون به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى ابن مردويه.
(6)
أخرجه أبو داود الطيالسي (538)، عن محمد بن دينار به، وأبو داود السجستاني (3986)، والترمذي (2934)، من طريق محمد بن دينار به.
(7)
ينظر البحر المحيط 7/ 159. وفيه: "باسك".
وقولُه: {قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ} . يقولُ: إما أن تَقْتُلَهم إن هم لم يدخُلُوا في الإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، ويُذْعِنُوا لك بما تدعوُهم إليه من طاعةِ ربِّهم، {وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا}. يقولُ: وإما أن تأسِرَهم فتُعَلِّمَهم الهُدَى وتُبَصِّرَهم: الرشادَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)} .
يقولُ جلَّ ثناؤُه: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} . يقولُ: أما مَن كفَر فسوف نَقْتُلُه.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} . قال: هو القتلُ
(1)
.
وقولُه: {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} . يقولُ: ثم يرجِعُ إِلى اللَّهِ بعدَ قتلِه، فيعذِّبُه عذابًا عظيمًا؛ وهو النُّكْرُ، وذلك عذابُ جهنَّمَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)} .
يقولُ: وأما مَن صدَّق اللَّهَ منهم ووحَّده، وعمل بطاعتِه، فله عندَ اللهِ الحسنى؛ وهى الجنةُ، {جَزَاءً} ، يعني: ثوابًا على إيمانِه، وطاعتِه ربَّه.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ: (فَلَهُ جَزَاءُ الحُسْنَى) برفعِ الجزاءِ وإضافتِه إلى
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 412، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
الحسنى
(1)
. وإذا قُرِئَ ذلك كذلك، فله وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يُجْعَلَ الحسنى مرادًا بها إيمانُه وأعمالُه الصالحةُ، فيكونُ معنى الكلامِ إذا أُرِيدَ بها ذلك: وأما مَنْ آمَن وعمل صالحًا فله جزاؤُها. يعنى: جزاءَ هذه الأفعالِ الحسنةِ.
والوجهُ الثاني: أن يكونَ معنيًّا بالحسنى الجنةُ، وأُضِيف الجزاءُ إليها، كما قيل:{وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} [يوسف:109]. والدار هي الآخرةُ، وكما قال:{وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]. والدينُ هو القيمُ.
وقرَأ آخرون: {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} . بمعنى: فله الجنةُ جزاءً. فيكونُ الجزاءُ منصوبًا على المصدرِ، بمعنى: يُجازيهم جزاءً الجنةَ
(2)
.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} بنصبِ الجزاءِ وتنوينهِ على المعنى الذي وصَفتُ، من أن لهم الجنةَ جزاءً، فيكونُ الجزاءُ نصبًا على التفسيرِ.
وقولُه: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} . يقولُ: وسنُعلِّمُه نحن في الدنيا ما تيسَّر لنا تعليمُه مما يقرِّبُه إلى اللَّهِ، ونُلينُ له من القولِ.
وكان مجاهدٌ يقولُ نحوًا مما قلنا في ذلك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} . قال: معروفًا
(3)
.
(1)
وهى قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وابن كثير. ينظر السبعة ص 398، 399، والكشف عن وجوه القراءات 2/ 74، 75.
(2)
وهى قراءة حفص وحمزة والكسائي. ينظر المصدران السابقان.
(3)
تفسير مجاهد ص 451. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر=
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار وسلَك ذو القرنين طرقًا ومنازلَ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} . يعنى: منزلًا
(1)
.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} : منازلَ الأرضِ ومعالِمَها
(2)
.
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَد ذو القرنين الشمسَ تطلُعُ على قومٍ لم [يجعلِ اللهُ لهم دونَ الشمسِ]
(3)
سترًا. وذلك أن أرضَهم لا جبلَ فيها ولا شجرَ، ولا تحتمِلُ بناءً فيَسكُنُوا البيوتَ، وإنما يَغُورون في المياهِ،
(4)
ويُسرِّبون في الأسرابِ.
كما حدَّثني إبراهيمُ بن المُستمِرِّ، قال: ثنا سليمانُ بن داودَ
(5)
أبو داودَ، قال:
= وابن أبي حاتم.
(1)
تقدم تخريجه في ص 373.
(2)
تقدم تخريجه في ص 374.
(3)
في ص، م:"نجعل لهم من دونها"، وفى ت 1، ت 2، ف:"لم نجعل لهم من دون الشمس".
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"أو".
(5)
بعده في م: "و". وهو خطأ.
ثنا سهلُ بنُ أبي الصَّلْتِ السَّرَّاج، عن الحسنِ:{تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} . قال: كانت أرضًا لا تَحمَّلُ البناءَ، فكانوا إذا طلَعت عليهم الشمسُ تغَوَّروا
(1)
في الماءِ، فإذا غرَبت خرَجُوا يتراعَون كما ترعَى البهائمُ
(2)
. قال
(3)
: ثم قال الحسنُ: هذا حديثُ سمُرةَ
(4)
.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} . ذُكِر لنا أنهم كانوا في مكانٍ لا يَستَقِرُّ عليه البناءُ، [وأنهم]
(5)
يكونون في أسرابٍ لهم، حتى إذا زالت عنهم. الشمسُ خرَجوا إلى معايشِهم وحروثِهم.
قال: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا}
(6)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه:{وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} . قال: لم يَبْنُوا فيها بناءً قطُّ، ولم يُبْنَ عليهم فيها بناءٌ قطُّ. وكانوا إذا طلَعت
(7)
الشمسُ دخَلوا أسرابًا لهم حتى
(1)
في م: "تغور".
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (979)، من طريق سهل به، وذكره البغوي في تفسيره 5/ 200، 201، وابن كثير في تفسيره 5/ 190، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى الطيالسي والبزار في أماليه وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
القائل ابن جريج. ينظر المصدرين الآتيين.
(4)
أخرج أبو يعلى كما في المطالب العالية (4039)، وأبو الشيخ في العظمة (977، 978) حديث سمرة مرفوعًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"وإنما".
(6)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 200، وابن كثير في تفسيره 5/ 190، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى ابن أبي حاتم.
(7)
بعده في م: "عليهم".
تزُولَ الشمسُ، أو دخلوا البحرَ، وذلك أن أرضَهم ليس فيها جبلٌ، وجاءهم جيشٌ مرةً، فقال لهم أهلُها: لا تطلُعَنَّ عليكم الشمسُ وأنتم بها. فقالوا: لا تبرَحُ حتى تطلُعَ الشمسُ، ما هذه العظامُ؟ قالوا: هذه جِيَفُ جيشٍ طلَعت عليهم الشمسُ ههنا فماتوا. قال: فذهَبوا هاربين في الأرضِ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} . قال: بلغَنا أنهم كانوا في مكانٍ لا يثبُتُ عليه
(2)
بنيانٌ
(3)
، فكانوا يدخُلُون في أسرابٍ لهم إذا طلَعت الشمسُ، حتى تزُولَ عنهم، ثم يخرُجُون إلى معايشِهم
(4)
.
وقال آخرون: هم الزَّنْج.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} . قال: يقالُ: هم الزَّنْجُ
(4)
.
وأما قولُه: {كَذَلِكَ} . فإن معناه: ثم أَتَبعَ سببًا كذلك، حتى إذا بلَغ مَطَلعَ الشمسِ؛ {كَذَلِكَ} مِن صلةِ {أَتْبَعَ}. وإنما معنى الكلامِ: ثم أتْبَعَ سببًا حتى لا بلَغ مطلِع الشمسِ، كما أتبَع سببًا حتى بلَغ مغربَها.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 190، والقرطبي في تفسيره 11/ 54.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عليهم"
(3)
في م: "بناء".
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 412.
وقولُه: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} . يقولُ: وقد أَحَطنا بما عندَ مطلعِ الشمسِ علمًا، لا يخفَى علينا مما هنالك من الخَلقِ وأحوالِهم وأسبابِهم ولا من غيرِهم شيءٌ.
وبالذي قلنا في معنى الخبرِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{خُبْرًا} . قال: علمًا.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} . قال: علمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار طُرُقًا ومنازل، وسلك سُبُلًا،
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} .
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكُوفيين:
(1)
تفسير مجاهد ص 45 من طريق ورقاءُ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(حتى إذا بلغَ السَّدينِ) بضمِّ السينِ، وكذلك جميعَ ما في القرآنِ من ذلك بضمِّ السينِ
(1)
. وكان بعضُ قرأةِ المَكِّيِّين يقرَؤُه بفتحِ ذلك كلِّه
(2)
.
وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يفتَحُ السينَ في هذه السورةِ، ويضُمُّ السينَ في "يس"
(3)
، ويقولُ: السَّدُّ بالفتح هو الحاجزُ بينَك وبينَ الشيءِ، والسُّدُّ بالضمِّ ما كان مِن غِشاوةٍ في العينِ. وأمَّا الكوفيون فإن قراءةَ عامَّتِهم في جميعِ القرآنِ بفتحِ السينِ، غيرَ قوله:(حتى إذا بلغَ بين السُّدينِ) فإنهم ضَمُّوا السينَ في ذلك خاصَّةً
(4)
.
ورُوِى عن عكرمةَ في ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان مِن صَنعَةِ بني آدمَ فهو السَّدُّ - يعنى بالفتحِ - وما كان من صُنعِ الله فهو السُّدُّ
(5)
.
وكان الكسائيُّ يقولُ: هما لغتان بمعنًى واحدٍ.
والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءَتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولغتان مُتَّفِقَتا المعنى غيرُ مُختلِفَتِه
(6)
، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، ولا معنَى للفَرقِ الذي ذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ وعكرمة بينَ السَّدِّ
(1)
قرأ بالضم جميع ما في القرآن: نافع، وعاصم في رواية أبى بكر، وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات ص 399. والكشف عن وجوه القراءات ص 75، 76.
(2)
قرأ بالفتح في ذلك كله حفص عن عاصم، وهما كوفيان. المصدران السابقان.
(3)
وهو قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} [يس: 9].
(4)
هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر المصدران السابقان.
(5)
ذكره الطوسى في التبيان 7/ 79، والبغوى في تفسيره 5/ 201، والقرطبي في تفسيره 11/ 59، وأبو حيان في تفسيره 6/ 163.
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"مختلفة".
والسُّدِّ، لأنا لم نجِدْ لذلك شاهدًا يُبينُ عن فُرقانِ ما بينَ ذلك، على ما حُكِى عنهما. ومما يُبَيِّنُ [عن أن]
(1)
ذلك كذلك
(2)
أن جميعَ أهلُ التأويلِ [الذين رُوِى لنا عنهم]
(3)
في ذلك قولٌ، لم يُحْكَ لنا عن أحدٍ منهم تفصيلٌ بين فتحِ ذلك وضمِّه، ولو كانا مُختَلِفَي المعنَى لنُقِل الفصلُ مع التأويلِ، إن شاء اللهُ، ولكنْ معنَى ذلك كان عندَهم غيرَ مُفتَرِقٍ، ففَسَّروا
(4)
الحرفَ بغيرِ تفصيلٍ منهم بينَ ذلك. وأما ما ذُكِر عن عكرمةَ في ذلك، فإن الذي نقَل ذلك عن أيوبَ هارونُ، وفى نقلِه نظرٌ، ولا نعرِفُ ذلك عن أيوبَ من روايةِ ثقاتِ أصحابِه.
والسَّدُّ والسُّدُّ جميعًا: الحاجزُ بينَ الشيئين. وهما ههنا - فيما ذُكِر - جَبَلان سُدَّ ما بينَهما، فردَم ذو القَرنَين حاجزًا بينَ يأجوجَ ومأجوجَ ومَنْ وَراءَه
(5)
؛ ليَقْطَعَ مادَّةَ
(6)
غوائِلهم وعَيْثهم عنهم
(7)
.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} . قال: الجَبَلين،
(1)
سقط من: م. وفى ص، ت 1، ت 2، ف:"عن".
(2)
ليست في ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"الذي روى لنا عنه"، وفى م:"الذي روى لنا عنهم".
(4)
في م: "فيفسر".
(5)
في م: "وراءهم".
(6)
في م: "ماد".
(7)
في الأصل: "عنه".
الرَّدْمِ الذي بينَ يأجوجِ ومأجوجَ، أُمَّتَين مِن وراءِ رَدمِ ذى القرنين. قال: الجَبَلَين
(1)
، أَرمِينِيَّةَ وأَذربِيجَانَ
(2)
.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} ، وهما جبلان
(3)
.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيد، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: {بَيْنَ السَّدَّيْنِ} . يعني: بينَ جبلين
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{بَيْنَ السَّدَّيْنِ} . قال: هما جبلان
(4)
.
وقولُه: {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: وجَد مِن دونِ السَّدَّين قوما لا يكادون يفقَهُون قول قائلٍ سوى كلامِهم.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: {يَفْقَهُونَ} ؛ فقرَأته عامةُ قرأة أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: {يَفْقَهُونَ} بفتحِ القافِ والياءِ
(5)
، مِن: فَقِهَ الرجلُ يَفْقَهُ فِقْهًا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (يُفْقِهُونَ قَوْلًا) بضمِّ الياءِ وكسرِ القافِ
(6)
، مِن: أَفقَهتُ فلانًا كذا أُفقِهُهُ إفقاهًا. إذا أَفهَمتَه
(7)
ذلك.
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الجبلان". والمثبت من الأصل موافق لما في مصدرى التخريج الآتيين.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 55 بشطره الأخير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 249 إلى ابن المنذر.
(3)
ذكره الطوسي في التبيان 7/ 79.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 412، 413.
(5)
وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات 399، والكشف عن وجوه القراءات ص 76.
(6)
هي قراءة حمزة والكسائى. ينظر المصدران السابقان.
(7)
في م: "فهمته".
والصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك، أنهما قراءتان مُستَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، غيرُ دافعةٍ إحداهما الأخرى؛ وذلك أن القومَ الذين أخبرَ اللهُ عنهم هذا الخبرَ، جائزٌ أن يكونوا كانوا لا يكادون يفقهون قولًا لغيرِهم عنهم، فيكونَ صوابًا القراءةُ بذلك؛ وجائزٌ أن يكونوا - مع كونِهم كذلك - كانوا لا يكادون [يُفقِهون غيرَهم عنهم]
(1)
لعِللٍ، إما بألسنتِهم، وإما بمنَطِقِهم، فتكونَ القراءةُ بذلك أيضًا صوابًا.
وقولُه: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} . اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قوله: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} ؛ فقرَأت القرآةُ من أهلِ الحجازِ والعراقِ وغيرِهم: (إنَّ يَاجُوج وماجُوجَ) بغيرِ همزٍ على "فاعُول"، مِن: يجَجْتُ ومَجَجْتُ. وجعلوا الألفين فيهما زائدتين، غيرَ عاصمٍ بن أبي النَّجودِ
(2)
والأعرجِ؛ فإنه ذُكِرَ أنهما قرأا ذلك بالهمزِ فيهما جميعًا، وجعَلا الهمزَ فيهما من أصلِ الكلام، وكأنهما جعَلا يَأْجُوجَ:"يفعُولَ" من: أَجَجْتُ. ومَأْجُوجَ، مَفْعُول.
والقراءةُ التي هي القراءةُ الصحيحةُ عندَنا
(3)
(إن ياجوُجَ وماجُوجَ) بألفٍ بغيرِ همزٍ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه، وأنه الكلامُ المعروفُ على ألسنِ العربِ؛ ومنه قولُ رُؤبَةَ بن العجَّاجِ
(4)
:
لو أنَّ ياجوجَ وماجُوجَ مَعَا
…
وعادَ عادٌ
(5)
واستَجاشُوا تُبَّعا
وهما
(6)
أمَّتان من وراءِ السَّدِّ.
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"أن يفقهوا غيرهم".
(2)
ينظر السبعة في القراءات ص 399.
(3)
القراءتان بالهمز وتركه - كلتاهما صواب
(4)
ديوانه (مجموعة أشعار العرب) ص 92.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عادوا".
(6)
في م: "هم".
وقولُه: {مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} ؛ اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإفسادِ الذي وصَف الله به هاتين الأمَّتَين؛ فقال بعضُهم: كانوا يَأكُلون الناسَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمليُّ: قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أيوبَ الحَوْرَاني
(1)
، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سمِعتُ سعيد بن عبد العزيز يقولُ في قوله: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} . قال: كانوا يَأكُلون الناسَ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن يأجوجَ ومأجوجَ سيُفسِدون في الأرضِ. لا أنَّهم كانوا يومئذٍ يُفسِدون.
ذكرُ مَن قال ذلك
وذكرُ صفةِ اتِّباعِ ذى القَرنَينِ الأسبابَ التي ذكَرها الله في هذه الآياتِ
(3)
، وذكرُ سببِ بنائِه الردمَ
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ مَن يَسوقُ أحاديثَ الأعاجمِ مِن أهلِ الكتابِ، ممَّن قد أَسْلَم، مما تَوارَثُوا مِن علمِ ذى القرنَين، أن ذا القرنين كان رجلًا من أهلِ مصرَ اسمُه مرزبا بنُ مردبه
(1)
في الأصل: "الجوزاني"، وفى ص، ت 1، ف:"الحوزاني"، وفى م:"الخوزاني". ينظر الجرح والتعديل 2/ 88، والإكمال 3/ 25، والأنساب 2/ 278.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 56، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 164، بلفظ:"إفسادهم أكل بني آدم".
(3)
في م: "الآية".
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"للردم".
اليونانيُّ، من ولدِ يوثنَ
(1)
بن يافثَ بن نوحٍ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: فحدَّثني
(3)
محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ثورِ بن يزيدَ، عن خالدٍ بن مَعدانَ الكَلاعِيِّ، وكان خالدٌ رجلًا قد أدرَك الناسَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذى القرنَين، فقال:"مَلَكٌ مسَحَ الأرض مِن تحتِها بالأسبابِ". قال خالدٌ: وسمِع عمرُ بنُ الخطابِ رجلًا يقولُ: يا ذا القرنَين. فقال: اللهمَّ غَفْرًا، أمَا رَضِيتم أن تَسَمَّوْا بأسماءِ الأنبياءِ، حتى تَسَمَّوا بأسماءِ الملائكةِ؟ فإن كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فالحقُّ ما قال، والباطلُ ما خالفَه
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: فحدَّثنى مَن لا أتَّهمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ، وكان له علمٌ بالأحاديثِ الأُولِ، أَنَّه كان يقولُ: ذو القرنين رجلٌ مِن الرُّومِ، ابن عجوزٍ من عَجائزِهم، ليس لها ولدٌ غيرُه، وكان اسمُه الإسكَندَريسَ
(5)
وإنما سُمِّي ذا القرنين أن صَفحَتَى رأسِه كانتا مِن نُحاسٍ؛ فلمَّا بلَغ وكان عبدًا صالحًا، قال اللهُ عز وجل: يا ذا القرنين، إني باعِثُك إلى أُمَمِ الأرض، وهى أممٌ مختلفةٌ ألِسنَتُهم، وهم جميعُ أهلِ الأرضِ؛ ومنهم أُمَّتان بينَهما طولُ الأَرضِ كلُّه، ومَنهم أُمَّتان بينَهما عَرْضُ الأرضِ كلُّه، وأُممٌ في وسَطِ الأرضِ؛ منهم الجنُّ والإنسُ، [ويأجوجُ ومأجوجُ]
(6)
؛ فأما
(7)
اللتان بينَهما طولُ
(1)
في ص: "يوتن"، وفى م، ت 2 "يونن".
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (984) من طريق سلمة به.
(3)
في م، ت 1، ف:"حدثني".
(4)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (985 - 987) من طريق سلمة به. وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص 39 من طريق محمد بن إسحاق به.
(5)
في م: "الإسكندر".
(6)
في ص: "ومأجوج"، وفى ت 1، ت 2، ف:"يأجوج".
(7)
بعده في م: "الأمتان".
الأرض، فأُمَّةٌ عندَ مَغرب الشمس يُقال لها: ناسكٌ. وأما الأُخرَى، فعندَ مَطلِعِها يُقالُ لها: منسكٌ؛ وأما اللتان بينَهما عرضُ الأرضِ، فأمَّةٌ في قُطِرِ الأَرضِ الأيمن، يقالُ لها: هاويلُ، وأما الأخرَى التي في قُطرِ الأرضِ الأيسرِ، فأُمَّةٌ يُقال لها: تاويلُ. فلمَّا قال اللهُ له ذلك، قال له ذو القرنَين: إلهى، إنَّك قد نَدَبَتَنى لأمرٍ عظيمٍ، لا يَقدِرُ قدرَه إلَّا أَنتَ، فأخْبَرْني عن هذه الأموِ
(1)
التي بَعَثتَنِي إليها؛ بأيِّ قُوَّةٍ أُكابِرُهم، وبأيِّ جَمعٍ أُكاثِرُهم، وبأيِّ حِيلَةٍ أُكَايدُهم، وبأيِّ صَبرٍ أُقاسِيهم، وبأيِّ لسانٍ أُناطِقُهم، وكيف لى بأن أفقَهَ لُغاتِهم، وبأيِّ سَمعٍ أَعِى قولَهم، وبأيِّ بصَر أَنْفُذُهم، وبأيِّ حُجَّةٍ أُخاصِمُهم، وبأيِّ قَلبٍ أَعقِلُ عنهم، وبأيِّ حِكمَةٍ أُدبِّرُ أمورَهم
(2)
، وبِأَيِّ قِسطٍ أعدِلُ بينَهم، وبأيِّ حِلمٍ
(3)
أُصابِرُهم، وبأيِّ مَعرِفةٍ أفصِلُ بينَهم، وبأَيِّ علمٍ أُتقِنُ أمورَهم، وبأيِّ يدٍ أسطُو علَيهم، وبأيِّ رجلٍ أطَؤُهم، وبأيِّ طاقةٍ أُحْصيهم
(4)
، وبأيِّ جُندٍ أُقاتلُهم، وبأيِّ رِفقٍ أستألِفُهم، فإنَّه ليس عندى يا إلهي شيءٌ مما ذكَرتُ يَقُومُ لهم، ولا يَقوَى عليهم ولا يُطِيقُهم، وأنتَ الربُّ الرحيمُ، الذي لا تُكلِّفُ نفسًا إلَّا وُسعها، ولا تُحمِّلُها إلا طاقَتَها، ولا تُعنِتُها ولا تَفدَحُها، بل أنتَ تَرْأَفُها
(5)
وتَرحَمُها. قال اللهُ عز وجل: إني سأُطوقُكَ ما حمَّلتُك، و
(6)
أشرحُ لك صدرَك، فيَسَعُ
(7)
كلَّ شيءٍ، وأَشْرَحُ لك فَهمَك، فتَفقَهُ كلَّ شيءٍ، وأبسُطُ لك لسانَك، فتَنطِقُ بكلِّ شيءٍ، وأفتَحُ لك
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"الأمة".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"أمرهم".
(3)
في ص، ت 1، ت 2:"حكم".
(4)
في م: "أخصمهم".
(5)
في ص، ت 1، ت 2:"ترفها"، وفى ف:"ترزقها".
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(7)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"فتسمع".
سَمعَك، فتَعِى كلَّ شيءٍ، وأمُدُّ لك بصَرَك، فتَنفُذُ كلَّ شيءٍ، وأُدبِّرُ لك أمرك، فتُتقِنُ كلَّ شيءٍ، وأُحصِى لك فلا يَفوتُك شيءٌ، وأحفَظُ عليك، فلا يَعزُبُ عنك شيءٌ، وأشدُّ لك ظَهرَك، فلا يَهُدُّك شيءٌ، وأشُدُّ لك رُكنك، فلا يَغلِبُك شيءٌ، وأشُدُّ لك قَلبَك، فلا يَرُوعُك شيءٌ، وأشدُّ لك عقلك، فلا يَهُولُك شيءٌ، وأبسُطُ لك مِن بين يدَيك، فتَسطو فوقَ كلِّ شيءٍ، وأشدُّ لك وَطأتَك، فتَهُدُّ كُلَّ شيءٍ، وأُلبِسُكَ الهَيبَةِ فلا يَرومُك شيءٌ، وأُسخِّرُ لك النُّورَ والظُّلمةَ، فأجعَلُهما جُندًا مِن جنودِكَ، يَهدِيك النورُ مِن أمامِك، وتَحوطُك الظلمةُ مِن وَرائِكَ.
ولمَّا قيل له ذلك، انطَلَق يَؤُمُّ الأُمَّةَ التي عندَ مَغرِبِ الشمس، فلمَّا بَلَغَهم، وجَد جَمعًا وعددًا لا يُحَصِيهِ إلا اللهُ، وقُوَّةً وبأسًا لا يُطيقه إلا الله، وألسنةً مختلفةً، وأهواء مُتشتِّتةً، وقلوبًا مُتفرِّقةً، فلمَّا رأى ذلك كابَرهم
(1)
بالظُّلمة، فضرَب حولَهم ثلاثةَ عساكرَ مِنها، فأحاطَتْهم من كلِّ مكانٍ، وحاشَتْهم حتى جَمَعتْهم في مكانٍ واحدٍ، ثم أخَذ عليهم بالنُّورِ، فدَعاهم إلى اللهِ وإلى عبادتِه، فمنهم مَن آمَن له، ومِنهم مَن صَدَّ، فعَمَد إلى الذين تَوَلُّوا عنه فأدخَلَ عليهم الظلمةَ، فَدَخَلتْ في أفواهِهم وأُنُوفِهم وآذانِهم وأجْوافِهم، ودخَلَت في بيوتِهم ودُورِهم، وغَشِيَتهم مِن فوقِهم، ومِن تحتِهم، ومن كلِّ جانبٍ منهم، فماجُوا فيها
(2)
وتَحَيَّرُوا، فلمَّا أشفَقوا أن يَهلِكوا فيها، عَجُّوا
(3)
إليه بصوتٍ واحدٍ، فكشَفَها عنهم وأخَذَهم عَنوَةً، فدخَلوا في دعوتِه، فجَنَّد مِن أهلِ المَغرِبِ أممًا عظيمةً، فجَعَلهم جندًا واحدًا، ثم انطَلَق بهم يقودُهم، والظُّلمةُ تَسوقهم مِن خَلفِهم،
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"كاثرهم".
(2)
في الأصل: "فيه".
(3)
في ت 1، ف:"ضجوا". وضَجَّ: إذا صاح مستغيثًا. وعجَّ: إذا صاح ورفَع صوتَه. وقيده الأزهريُّ بالدعاء والاستغاثة. ينظر تاج العروس (ض ج ج)، (ع ج ج).
وتَحُوشُهم
(1)
مِن حولِهم، والنُّورُ أمامَهم [يقودُهم ويدُلُّهم]
(2)
، وهو يسيرُ في ناحيةِ الأرضِ اليُمنَى، وهو يريدُ الأُمةَ التي في قُطرِ الأرضِ الأيمنِ التي يُقالُ لها: هاويلُ. وسخَّر اللهُ له يدَه وقلبَه ورأيَه وعقله ونَظَرَه وائتِمارَه، فلا يُخطئُ إِذا ائتَمرَ
(3)
، وإذا عمِل عملًا أتقَنَه، فانطلَق يقودُ تلك الأممَ وهى تَتبعُه، فإذا انتهَى إلى بحرٍ أو مخاضةٍ، بَنىَ سُفُنًا مِن ألواحِ صغارٍ أمثالَ النِّعالِ، فنظَمَها في ساعةٍ، ثم حمَل
(4)
فيها جميعَ مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنودِ، فإذا قطَع الأنهارَ والبحارَ فتَقَها، ثم دفَع إلى كلِّ إنسانٍ لوحًا فلا يَكرثُه
(5)
حَملُه، فلم يزلْ ذلك دأبُه حتى انتَهى إلى هاويلَ فعَمِل فيها
(6)
كعَمَلِه في ناسكٍ، فلمَّا فَرَغَ منها مضَى على وجهِه في ناحية الأرضِ اليُمنى، حتى انتهَى إلى منسكٍ عندَ مطلعِ الشمسِ، فعَمِل فيها وجنَّد فيها
(7)
جنودًا، كفِعلِه في الأمَّتين اللتين قبلَها، ثم كرَّ مُقبلًا في ناحيةِ الأرضِ اليُسرَى، وهو يريدُ تاويلَ، وهى الأمَّةُ التي بحِيَالِ هاويلَ، وهما مُتَقابِلَتان بينَهما عرضُ الأرضِ كلُّه؛ فلما بلَغها عمل فيها، [وجنَّد فيها]
(8)
كفِعلِه فيما
(9)
قبلَها، فلمَّا فَرَغ منها عَطَف مِنها إلى الأممِ التي في
(10)
وسَطِ الأرضِ من الجنِّ وسائرِ الناسِ و
(11)
يأجوجَ
(1)
في م، ت 2:"تحرسهم".
(2)
في الأصل: "يقوده ويدله"، وفى العظمة:"يقودهم ويدله".
(3)
في الأصل: "ائتمروا".
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"جعل".
(5)
في ت 1: "يكترثه". وكَرَثَه الأمرُ والغمُّ، يَكرِثُه ويكرتُه كَرْثًا: ساءه واشتدَّ عليه، وبلَغ منه المشقَّةَ، كأَكْرَثَه. تاج العروس (ك رث).
(6)
في الأصل: "فيه".
(7)
سقط من: ت 1، وفى م، والعظمة:"منها".
(8)
سقط من: ت 1، وفى م:"وجند منها".
(9)
سقط من: الأصل.
(10)
سقط من: الأصل، ص، م، ت 2، ف.
(11)
سقط من: الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، ف.
ومأجوجَ؛ فلمَّا كان في بعضِ الطريقِ مما يَلِى مُنقَطَعَ التُّركِ نحوَ المَشرقِ، قالت له أمَّةٌ من الإنسِ صالحةٌ: يا ذا القرنَين، إن بينَ هذين الجَبلَين خَلقًا مِن خلقِ اللهِ كثيرًا، فيهم مُشَابَهَةٌ مِن الإِنسِ، وهم أشبَاهُ البهائمِ، يَأكُلون العُشبَ، ويَفتَرِسون الدَّوابَّ والوحوشَ كما تَفتَرِسُها السَّباعُ، ويأكُلون خَشاشَ
(1)
الأرضِ كلِّها مِن الحَيَّاتِ والعقاربِ، وكلَّ ذى رُوحٍ مما خُلِق في الأرضِ، وليس للهِ خَلَقٌ يَنمِي
(2)
نَماءَهم في العامِ الواحدِ، ولا يَزدادُ كزيادَتِهم، ولا يَكثُرُ ككَثْرتِهم، فإن كانت لهم مُدَّةٌ على ما نَرَى مِن نمائِهم وزيادَتِهم، فلا شكَّ أنّهم سيَملَئون الأرضَ، ويُجلُون أهلَها منها
(3)
ويَظهَرون عليها، فيُفسِدون فيها، وليست تمرُّ بنا سنةٌ منذُ جاوَرناهم إِلَّا ونحنُ نتوقَّعُهم، وننتظِرُ أن يطلُعَ علينا أوائلُهم من بين هذيْن الجبَلَين، {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} ، أعِدُّوا لى الصُّخورَ والحديدَ والنُّحاسَ؛ حتى أرتادَ بلادَهم، وأعلمَ عِلمَهم، وأَقِيسَ ما بينَ جبلَيهم. ثم انطلَق يَؤمُّهم حتى دفَعَ إليهم وتَوسَّطَ بلادَهم، فوجَدَهم على مِقدارٍ واحدٍ، ذَكَرَهم وأُنثاهم، يَبلُغُ
(4)
طولُ الواحدِ مِنهم مثلُ نصفِ الرَّجلِ المَربوعِ منَّا
(5)
، لهم مَخَالبُ في موضعِ الأظفارِ من أيدِينا، وأضرَاسٌ وأنيابٌ كأضراسِ السِّباع وأنيابِها، [وأحناكٌ كأحناكِ]
(6)
الإبلِ
(1)
في الأصل، ص، ت 2:"قشات"، وفى ت 1، ف:"قشات". والخشاش: هوام الأرض وحشراتها ودوابها وما أشبهها. اللسان (خ ش ش).
(2)
في م: "ينمو"، وهما بمعنًى.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"عنها". وكلاهما صواب.
(4)
في م، ت 1:"مبلغ".
(5)
المربوع: الرجل بين الطُّول والقِصَر. ينظر القاموس المحيط (ر ب ع).
(6)
في الأصل: "وأحناك"، وفى ص، ت 1، ت 2، ف:"وأخفاف".
قُوَّةً، تَسمَعُ لها حركةً إذا أكَلوا كحركةِ الجِرَّةِ
(1)
من الإبلِ، أو كقَضمِ البغلِ
(2)
المُسِنِّ، أو الفَرَسِ القَويِّ، وهم هُلْبٌ
(3)
، عليهم مِن الشعرِ في أجسادِهم ما يُوارِيهم، وما يَتَّقون به الحرَّ والبردَ إذا أصابَهم، ولكلِّ واحدٍ مِنهم أُذُنانِ عظيمَتانِ؛ إحدَاهما وَبِرَةٌ ظهرُها وبطنُها، والأُخرَى زَغِبَةٌ
(4)
ظهرُها وبطنُها، تَسَعانِه إذا لَبِسَهما، يَلتَحِفُ إحدَاهما، ويَفترِشُ الأُخرَى، ويَصِيفُ في إحداهما، ويَشتُو
(5)
في الأُخرَى، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرَف أجلَه الذي يموتُ فيه، ومَنقَطَعَ عُمُرِه؛ وذلك أنه لا يموتُ ميِّتٌ من ذكُورِهم حتى يَخرُجَ مِن صُلبِه ألفُ ولدٍ، ولا تموتُ الأنثى حتى يخرُجَ مِن رَحمِها ألفُ ولدٍ، فإذا كان ذلك أيقَنَ بالموتِ، وهم يُرزَقُون التِّنِّينَ
(6)
في أيامِ الربيعِ، ويَستَمطِرونَه إذا تَحَيَّنوه كما نَستَمطِرُ الغيثَ لحينِه، فيُقذَفون منه كلَّ سنةٍ بواحدٍ، فيَأكلُونه عامَهم كلَّه إلى مثلِها مِن العامِ القابلِ، فيُغنِيهم على
(7)
كَثرَتِهم ونَمَائِهم، فإذا مُطِروه أخصَبُوا وعاشوا وسَمِنوا عليه، ورُئِيَ أثرُه عليهم، فدَرَّتْ عليهم
(8)
الإناتُ، وشَبِقَتْ منه الرجالُ الذُّكورُ، الرجالُ الذُّكورُ،
(1)
الجِرَّة: ما يَفِيض به البعيرُ مِن كَرِشه فيأكُلُه ثانيةً. تاج العروس (ج ر ر).
(2)
في م: "الفحل".
(3)
الهُلْب: كثرة الشعر. تاج العروس (هـ ل ب).
(4)
زغِبَةٌ: مِن الزَّغَب. وهو صِغارُ الشَّعَرِ والرِّيشِ ولَيِّنُه. يُنظر تاج العروس (زغ ب).
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"يشتى". وكلاهما صواب.
(6)
التنين: ضَرْبٌ من الحَيَّات من أعْظَمِها كأكبر ما يكون منها، جاء في بعض الأخبار أن السحابة تحمل التنين إلى بلاد يأجوج ومأجوج فتَطْرَحُه فيها، وأنهم يجتمعون على لحمه فيأكلونه. ينظر لسان العرب (ت ن ن).
(7)
في ص، ت 1، ف:"عن". و "على" هنا بمعنى رغم.
(8)
في الأصل: "عليه".
وإذا أخطَأهم هَزَلوا وأجدَبوا، وجَفَرتِ الذُّكورُ، وحَالتِ الإِناثُ
(1)
، وتبَيَّنَ أَثرُ ذلك عليهم، وهم يَتداعَون تَداعِىَ الحَمامِ، ويَعوُون عُوَاءَ الكلابِ
(2)
، ويَتَسافَدون حيث التَقَوْا تَسَافُدَ البهائمِ. ثم لما عايَنَ ذلك منهم ذو القرنين انصَرَف إلى ما بينَ الصَّدَفَين، فقاس ما بينهما وهو في مُنقطَعِ أرضِ التُّركِ ممَّا يَلى مَشرِقَ الشمسِ، فوجَد بُعدَ ما بينَهما مائةَ فَرسَخٍ، فلمَّا أنشَأ في عمَلهِ، حفَر له أُسًّا حتى بلَغَ الماءَ، ثم جعَل عَرضَه خمسين فَرسخًا، وجعَل حَشوَه الصخورَ، وطينَه النُّحاسَ، يُذَابُ ثم يُصبُّ عليه، فصار كأَنَّه عِرقٌ مِن جبلٍ تحتَ الأرضِ، ثم عَلَاهِ وشَرَّفَه بِزُبَرِ الحديدِ والنَّحاسِ المُذابِ، وجعَل خلالَه عِرقًا مِن نُحاسٍ أصفَرَ، فصار كأَنَّه بُردٌ مُحَبَّرٌ؛ مِن صُفرَةِ النُّحاسِ وحُمرَتِه وسَوادِ الحديدِ، فلمَّا فَرَغ منه وأحكَمَه، انطلَق عامِدًا إلى جماعةِ الإنسِ والجنِّ، فبينَا هو يسيرُ، دفَع إلى أُمَّةٍ صالحةٍ يَهدُون بالحقِّ وبه يَعدلون، فوجَد أمَّةً مُقسِطَةً مُقتَصِدَةً، يقسِمُون
(3)
بالسَّويَّةِ، ويَحكُمون بالعَدلِ، ويتآسَون ويَتَراحَمُون، حالُهم واحدةٌ، وكلِمَتُهم واحدةٌ، وأخلاقُهم مُشتَبهَةٌ، وطرِيقَتُهم مُستَقِيمةٌ، وقلوبُهم مُتآلِفَةٌ، وسيرتُهم مستويةٌ
(4)
، وقبورُهم بأبوابِ بُيوتِهم، وليس على بُيوتِهم أبوابُ، وليس عليهم أمراءُ، وليس بينَهم قُضَاةٌ، ولا بينَهم أغنياءُ ولا ملوكُ ولا أشرافٌ، ولا يَتَفاوتُون ولا يتَفاضَلون، ولا يَختلِفون ولا يَتَنازَعُون، ولا يَستَبُّون ولا يَقتَتِلون، ولا يَقحَطون ولا يُجرَدون
(5)
، ولا تُصِيبُهم الآفاتُ
(1)
أجفر الرجل وجَفَر وجَفَّر واجْتَفَر: إذا انقطع عن الجِماع. وحالت المرأة: إذا لم تَحْمِل. ينظر اللسان (ج ف ر)، (ح و ل).
(2)
في الأصل، ت 2:"الذئاب".
(3)
في الأصل، ص، ت 2، ف:"يقتسمون".
(4)
سقط من: ت 2. وفى ص، م، ت 1، ف: "حسنة".
(5)
جُرِدت الأرضُ فهى مجرودة: إذا أكل الجراد نبتها. تاج العروس (ج ر د).
التي تُصيبُ الناسَ، وهم أطولُ الناسِ أعمارًا، وليس فيهم مسكينٌ ولا فقيرٌ، ولا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ، فلمَّا رأَى ذلك ذو القرنَين من أمرِهم، عَجِبَ منه وقال: أخبِرُوني أيُّها القومُ خَبرَكم، فإنِّى قد أحصَيتُ الأرضَ كلَّها؛ بَرَّها وبحرَها، وشَرقَها وغَربَها، ونورَها وظُلمَتَها، فلم أجِد مثلَكم، فأخبِرُونى خَبَركم! قالوا: نعم، فسَلنا عمَّا تُريدُ. قال: أخبِرُوني، ما بالُ قبورِ مَوتاكم على أبوابِ بيوتِكم؟ قالوا: عَمدًا فَعَلنا ذلك؛ لِئَلَّا نَنسَى الموتَ، ولا يَخرُجَ ذِكرُه مِن قلوبِنا. قال: فما بال بيوتِكم ليس عليها أبوابٌ؟ قالوا: ليس فِينا مُتَّهمٌ، وليس منا إلَّا أمينٌ مُؤتمَنٌ. قال: فما بالُكم
(1)
ليس عليكم أمراءُ؟ قالوا: لا نَتَظالَمُ. قال: فما بالُكم ليس عليكم
(2)
حُكَّامٌ؟ قالوا: لا نَخْتَصِمُ. قال: فما بالُكم ليس فيكم أغنياءُ؟ قالوا: لا نتَكاثَرُ. قال: فما بالُكم ليس فيكم ملوكٌ؟ قالوا: لا نتَكابَرُ. قال فما بالُكم لا تتَنازَعُون ولا تَختَلِفون؟ قالوا: مِن قِبَلِ أُلفَةِ قلوبِنا وصَلاحِ ذاتِ بينِنا. قال: فما بالُكم لا تَستبُّون ولا تَقتَتِلون؟ قالوا: من قِبَلِ أَنَّا غَلَبْنا طبائِعَنا بالعزمِ، وسُسنا أنفُسَنا بالأحلامِ. قال: فما بالُكم كلِمَتُكم واحدةٌ، وطريقَتُكم مُستقيمَةٌ مُستَويةٌ؟ قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا لا نَتكاذبُ، ولا نَتَخادَعُ، ولا يَغتابُ بعضُنا بعضًا. قال: فأَخْبِرُونى مِن أينَ تَشابَهَتْ قلوبُّكم، واعتدَلتْ سِيرَتُكم؟ قالوا: صحَّت صُدُورُنا، فنُزِع بذلك الغِلُّ والحسدُ من قلوبِنا. قال: فما بالُكم ليس فيكم مِسكينٌ ولا فقيرٌ؟ قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا نَقسِمُ
(3)
بالسَّويةِ. قال: فما بالُكم ليس فيكم فظٌّ ولا غَلِيظٌ؟ قالوا: من قِبَلِ الذُّلِّ والتَّواضُعِ. قال: فما بالُكم
(4)
أطولَ الناسِ أعمارًا؟ قالوا: مِن
(1)
في م: "لكم".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"فيكم".
(3)
في الأصل، م:"نقتسم".
(4)
في الأصل، ص، م، ت 2 ف:"جعلكم". وفى الدر المنثور: "بالكم جعلتم".
قِبَل أنا نَتَعاطَى الحقَّ
(1)
ونحكُمُ بالعدلِ. قال: فما بالُكم لا تَقحَطون؟ قالوا: لا نَغْفُلُ عن الاستغفارِ. قال: فما بالُكم لا تُجرَدُون؟ قالوا: مِن قِبَلِ أنَّا وَطَّأنا أنفُسَنا للبلاءِ منذ كنا، وأحبَبناه وحَرَصنا
(2)
عليه، فعُرِّينا منه. قال: فما بالُكم لا تُصِيبُكم الآفاتُ كما تُصيبُ الناسَ؟ قالوا: لا نتَوكَّلُ على غيرِ اللهِ، ولا نعملُ بالأنواءِ والنُّجومِ. قال: حدَّثوني، أهَكذا وجَدتُم آباءَ كم يفعَلون؟ قالوا: نعم، وجَدْنا آباءَنا يَرحَمون مساكِينَهم، ويُواسُون فُقَراءَهم، ويَعفون عمَّن ظَلَمَهم، ويُحسِنون إلى مَن أساءَ إليهم، ويَحلُمُون عمَّن جَهِل عليهم، ويستَغفِرون لِمَن سَبَّهم، ويَصِلُون أرحامَهم، ويُؤَدُّون أماناتِهم، ويَحفَظُون وَقتَهم لصلاتِهم، ويُوفُون بعُهودِهم، ويَصدُقون في مواعيدِهم، ولا يَرغَبون عن أكْفَائِهم، ولا يَستَنكِفون عن أقارِبِهم، فأصلَحَ اللهُ لهم بذلك أمرَهم، وحَفِظَهم ما كانوا أحياءً، وكان حقًّا عليه أن يَخلُفَهم
(3)
في تَرِكَتِهم
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن يأجوجَ ومأجوجَ يَحفِرونَهُ
(5)
كلَّ يومٍ حتى إذا كادوا يَرَونَ شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجِعُوا فتَحفِرُونَه غدًا. فيُعِيدُه اللهُ [كأشَدِّ ما كان، حتى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهم حَفَروا، حتى إذا كادوا يَرَونَ شُعَاعَ الشمسِ قال الذي عليهم: ارجِعُوا فسَتَحفِرُونَه إِن شاء اللهُ غَدًا. فيَعُودُونَ إِليه]
(6)
وهو
(1)
في ص، ت 1:"الحلم"، وفي ت 2، ف:"الحكم".
(2)
في ت 1: "جرينا"، وفى ت 2:"حرضنا"، وفى ف:"جربنا".
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"يحفظهم".
(4)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (972) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 242 إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والشيرازى في الألقاب وأبى الشيخ.
(5)
في ص: "يحفرون"، وفى م:"يحفرون السد".
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
كهَيئتِه حِينَ
(1)
ترَكُوه
(2)
، فيَحفِرُونَه، فيَخرُجونَ على الناسِ، فينشِفُونَ المياةَ، ويتَحَصَّنُ الناسُ في حُصونِهم، فيَرمونَ بسِهامهم [إلى السماء]
(3)
فيَرجِعُ فيها كهَيئَةِ الدِّماءِ، فيقولون: قَهَرْنا أهلَ الأرضِ، وعَلَونا أهلَ السماءِ. فيبعَثُ اللهُ علَيهم نَغَفًا
(4)
في أقفائِهم فتَقتُلُهم
(5)
". فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأرضِ لَتَسمَنُ وتَشكَرُ شَكَرًا
(6)
مِن لُحومِهم"
(7)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ الأنصاريِّ ثم الظَّفَرِيِّ، عن محمودِ بن لَبيدٍ أخي بني عبدِ الأَشْهَلِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "يُفتَحُ يأجوجُ ومأجوجُ، يَخرُجُون على الناسِ كما قال اللهُ عز وجل:{مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96] فيَغْشَونَ الأرضَ، وَينحازُ المسلِمون عنهم إلى مَدَائِنِهم وحُصُونِهم، ويضُمُّون إليهم مَواشِيَهم، فيَشرَبونَ مِياهَ الأَرضِ، حتى إن بعضَهم ليَمرُّ بالنَّهرِ فيَشرَبُونَ ما فيه، حتى يترُكُوه يابِسًا، حتى
(8)
إِن مَنْ بَعدَهم لَيَمُرُّ بذلك النهرِ،
(1)
في م، ت 1، ف:"يوم".
(2)
بعده في م: "حتى إذا جاء الوقت قال: إن شاء الله".
(3)
سقط من: الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف.
(4)
النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها نَغَفَة. النهاية 5/ 87.
(5)
في الأصل: "فيقتلونهم".
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف. وتشكر: أي تسمَن وتمتلئ شَحمًا. يقال: شَكِرتِ الشاة تَشكَرُ شَكَرًا إذا سَمِنت وامتلأ ضَرعُها لبنًا. النهاية 2/ 494.
(7)
أخرجه أحمد (10632)، وابن ماجه (4080) من طريق سعيد به. وأخرجه أحمد (10633)، والترمذي (3153)، وابن حبان (6829)، والحاكم 4/ 488، من طريق قتادة به، قال ابن كثير في تفسيره 5/ 194: وهذا إسناد جيد قوى، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضى أنهم، لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روى عن كعب الأحبار الأحبار
…
، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم.
(8)
في الأصل، ص، ت 2، ف:"وحتى".
فيقولُ: لقد كان ههنا ماءٌ مرَّةً. حتى إذا
(1)
لم يبقَ مِن النَّاسِ أَحدٌ إِلَّا [أَخَذ في]
(2)
حِصنٍ أو مدينةٍ، قال قائلُهم: هؤلاء أهلُ الأرضِ قد فَرَغْنا مِنهم، بَقِيَ أهلُ السماءِ". قال: "ثم يَهُزُّ أَحَدُهم حَربَتَه، ثم يَرمى بها إلى السماءِ، فتَرجِعُ إليه مُخَضَّبَةً دَمًا؛ للبلاءِ والفِتْنَةِ، فبَينا هم على ذلكَ، بَعَث اللهُ عليهم دُودًا في أعناقِهم كالنَّغَفِ، فيَخرُجُ في أعناقِهم، فيُصبحون مَوتَى لا يُسمَعُ لهم حِسٌّ، فيقولُ المسلمون: أَلَا رَجُلٌ يَشرِى لنا نَفسَه، فينَظُرَ ما فعَل هذا
(3)
العدوُّ"؟ قال: "فيَتَجَرَّدُ رَجُلٌ منهم بذلك مُحتَسِبًا لِنَفسِه، قد وَطَّنَها على أنَّه مَقتولٌ، فيَنزِلُ فيجِدُهم مَوْتَى، بعضُهم على بعضٍ، فيُنادِي: يا معشرَ المسلمِين، ألَا أبشِرُوا، فإنَّ الله قد كَفَاكُم عَدُوَّكم. فيَخرُجونَ مِن مَدَائِنِهم وحُصُونِهم، ويُسَرِّحونَ مَواشِيَهم، فما يكونُ لها رَعَىٌ إِلَّا لُحُومُهم، فتَشكَرُ عنهم أحسَنَ ما شَكِرَتْ عن شيءٍ مِن النَّبَاتِ أَصابَتْ قطُّ"
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} ، قال: كان أبو سعيدٍ الخُدريُّ يقولُ: إن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يموتُ رجلٌ منهم حتى يُولَدَ لِصُلبِه ألفُ رجلٍ". قال: وكان عبدُ اللهِ [بن مسعودٍ]
(5)
يَعجَبُ مِن كثرَتِهم، ويقولُ: لا يموتُ من يأجوجَ ومأجوجَ أحدٌ، حتى يُولدَ له ألفُ ذكَرٍ
(6)
من صُلبِه
(7)
!
(1)
سقط من: م.
(2)
في م: "انحاز إلى".
(3)
ليس في: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
أخرجه الإمام أحمد (11731)، وابن ماجه (4079)، وأبو يعلى (1144، 1351)، والحاكم 4/ 489، 490، من طريق محمد بن إسحاق به.
(5)
ليست في: الأصل.
(6)
في م: "رجل".
(7)
ذكر القرطبي في تفسيره 11/ 56 الجزء المرفوع. أما الموقوف فأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (1651) من طريق آخر عن عبد الله بن مسعود.
حدَّثني بحرُ بنُ نَصرٍ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني معاويةُ، عن أبي الزَّاهِرِيَّةِ وشُريحِ بن عُبيدٍ: إن يأجوجَ ومأجوجَ ثلاثةُ أصنافٍ؛ صِنفٌ طولُهم كطولِ الأرزِ
(1)
، وصِنفٌ طولُه وعَرضُه سواءٌ، وصِنفٌ يفتَرِشُ أحدُهم أُذُنَه، ويَلتَحِفُ الأُخرَى فتُغطِّى سائرَ جَسَدِه
(2)
.
فالخبرُ الذي ذكَرناه عن وهبِ بن مُنبهٍ في قصةِ يأجوجَ ومأجوجَ، يدلُّ على أن الذين قالوا لذي القَرنين:{إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} ، إنما أَعْلَمُوه خوفهم ما يحدُثُ مِنهم من الإفسادِ في الأرضِ، لا أنَّهم شَكَوا مِنهم إفسادًا كان مِنهم، فيهم أو في غيرِهم. والأخبارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم [تُخْبِرُ عنهم]
(3)
أنَّهم سيكونُ مِنهم الإفسَادُ في الأرضِ، ولا دَلالةَ فيها أنَّهم قد كان منهم - قبلَ إحداثِ ذِى القَرنَين السَّدَّ الذي أحدَثه بينَهم وبينَ مَن دونَهم مِن الناسِ
(4)
غيرِهم - إفسادٌ.
فإذْ كان ذلك كذلك بالذي بيَّنا، فالصَّحيحُ مِن تأويلِ قولِه:{إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} : إن يأجوجَ ومأجوجَ سَيُفسِدون في الأرضِ.
وقولُه: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} . اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا}
(5)
. كأَنَّهم نَحَوا به نحوَ المَصدَرِ مِن "خَرْجِ الرأسِ"، وذلك جُعلُه. وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيِّين:
(1)
الأَرز، ويُضمّ: شجر الصنوبر. وهو شجر عظيم صُلب، دائم الخُضرة، يعلو كثيرًا. ينظر تاج العروس، والمعجم الوسيط (أ ر ز).
(2)
أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (1647) عن ابن وهب، عن معاوية، عن يحيى بن جابر وحدير بن كريب - وهو أبو الزاهرية، عن كعب وشريح به.
(3)
سقط من: م.
(4)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"في الناس".
(5)
هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة في القراءات ص 400.
(فهل نَجْعَلُ لك خَرَاجًا) بالألفِ
(1)
، وكأنَّهم نَحَوا بهِ نَحوَ الاسمِ، وعَنَوا بِهِ: أُجرَةً على بِنائِكَ لنا سدًّا بينَنا وبينَ هؤلاءِ القومِ.
وأَولَى القراءتَين في ذلك عندَنا بالصوابِ
(2)
قراءةُ مَن قَرأه: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرَاجًا) بالألفِ؛ لأنَّ القومَ، فيما ذُكِر عنهم، إنَّما عرَضُوا على ذِي القَرنَين أن يُعطُوه مِن أمْوالِهم ما يَستَعِينُ به على بناءِ السَّدِّ، وقد بيَّن ذلك قولُه:{فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} . ولم يَعرِضُوا عليه جزيَةَ رءوسِهم. والخَراجُ عندَ العربِ هو الغلَّةُ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ:(فهل نَجْعَلُ لكَ خَرَاجًا). قال: أجرًا، {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: {خَرْجًا
(4)
}. قال: أجرًا
(5)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ
(1)
هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر السبعة في القراءات ص 400.
(2)
القراءتان متواترتان.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 1925، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
في م، ت 2:"خراجًا".
(5)
تفسير عبد الرزاق 1/ 412.
قولَه: (فهل نَجْعَلُ لك خَرَاجًا). قال: أجرًا.
وقولُه: {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} . يقولُ: قالوا له: هل نجعلُ لك [أجرًا، على]
(1)
أن تجعلَ بَيْنَنَا وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ حاجِزًا يحجِزُ بينَنا وبينَهم، ويمنَعهم الخروجَ إلينا. وهو السَّدُّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)}
يقولُ تعالى ذكرُه: قال ذو القرْنَين: الذي مَكْنَنِي في عمَلِ ما سألتُموني مِن السدِّ بينَكم وبينَ هؤلاء القومِ ربِّي، ووَطَّأَه لِي وقوَّانى عليه، خيرٌ مِن جُعلِكم والأُجرَةِ التي تَعرِضُونَها عليَّ لبِناءِ ذلك، وأكثرُ وأطيبُ، ولكِن {فَأَعِينُونِي} مِنكم {بِقُوَّةٍ} . يقولُ
(2)
: أَعِينوني بفَعَلَةٍ وصُنَّاعٍ يُحسِنونَ البناءَ والعملَ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال:[نا آدمُ بنُ عُيينَةَ، عن أخيه سفيانَ بن عُيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ]
(3)
، عن مجاهدٍ قال:{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} . قال: برجالٍ {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} .
وقال. {مَا مَكَّنِّي} فأدغَمَ إحدَى النُّونَين في الأُخرى، وإِنَّما هو ما مَكَّنَنِي فيه. وقولُه:{أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} . يقولُ: أجعَلْ بينَكم وبينَ يأجوجَ
(1)
في م: "خراجا حتى".
(2)
ليست في م، ت 1، ت 2، ص، ف. وهى من أسلوب المصنِّف الغالب عليه استعماله.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"ثنى حجاج عن ابن جريج". وفى ت 2: "ثني حجاج بن عيينة عن أخيه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح". تنظر ترجمة آدم بن عيينة في تاريخ بغداد 1/ 41، ولسان الميزان 1/ 336.
ومأجوجَ رَدمًا. والرَّدمُ: حاجزٌ كالحائط
(1)
والسَّدَّ، إلا أنَّه أمنَعُ منهما
(2)
وأشدُّ، يقالُ منه: قد ردَمَ فلانٌ موضِعَ كذا، يَردِمُه رَدْمًا ورُدَامًا. ويُقال أيضًا: رَدَم ثَوبَه يَردِمُه، وهو ثوبٌ مَردُومٌ
(3)
. إذا كان كثيرَ الرِّقاعِ. ومنه قولُ عنترةَ
(4)
:
هل غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ
…
أم هل عَرَفتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} ، قالَ: هو كأشدِّ الحِجَاب
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ذُكِر لنا أنَّ رجلًا قال: يا نبيَّ اللهِ، قد رأيتُ سدَّ يأجوجَ ومأجوجَ. قال:"انعَته لى". قال: كالبُرْدِ المُحَبَّرِ؛ طَرِيقةٌ سوداءُ، وطَرِيقةٌ حمراءُ. قال:"قد رَأيتَه"
(6)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الحائط"
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"منه".
(3)
في م: "مردم". وكلاهما بمعنًى.
(4)
شرح ديوان عنترة ص 122. وقوله متردم؛ قال صاحب اللسان (ر د م): معناه: أي مُستصلَح. وقال ابن سيده: أي من كلام يَلصَق بعضُه ببعض ويُلبَّق، أي قد سبقونا إلى القول فلم يدَعوا مقالًا لقائل.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي حاتم.
(6)
أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (1632) من طريق سعيد بن بشير بنحوه.
يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال ذو القَرنَين للذين سألوه أن يجعلَ بينَهم وبينَ يأجوجَ [ومأجوجَ]
(1)
سدًّا: {آتُونِي} أي: جيئوني بزُبَرِ الحديدِ، وهي جمعُ زُبْرةٍ، والزُبْرةُ: القطعةُ مِن الحديدِ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{آتُونِي زُبَرَ} . يقولُ: قِطَعَ الحديدِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} . قال: قطع الحديدِ.
حدَّثني إسماعيلُ بنُ سَيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{زُبَرَ الْحَدِيدِ} . قال: قِطَعَ الحديدِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قوله:{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} . قال: قِطعَ الحديدِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} أي: فِلَقَ الحديدِ
(4)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن
(1)
سقط من: الأصل، ص، ت 2.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ينظر التبيان 7/ 82، وتفسير ابن كثير 5/ 192.
(4)
ذكره الطوسي في التبيان 7/ 82.
قتادةَ في قولِه: {زُبَرَ الْحَدِيدِ} . قال: قِطعَ الحديدِ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} . قال: قِطعَ الحديدِ.
وقولُه: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فآتَوه زُبَرَ الحديدِ فجعَلها بينَ الصَّدَفَين، حتى إذا ساوَى بينَ الجَبَلينِ بما جعَل بينَهما من زُبَرِ الحديدِ، ويُقال: سوَّى. والصَّدَفان: ما بينَ ناحِيتَى الجَبَلين وأرْؤُسِهما، ومنه قولُ الراجزِ
(2)
:
قد أخَذت ما بينَ عَرْضِ الصَّدَفَينِ
ناحِيَتَيْها وأعالِى الرُّكْنَينِ
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} . يقولُ: بينَ الجبلين
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} . قال: هو سدٌّ كان بينَ صَدَفين، والصَّدَفان: الجبلان.
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 412.
(2)
مجاز القرآن 18/ 414 بلا نسبة.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الصَّدَفَيْنِ} : رُءوسِ الجبلين
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} : يعنى بين
(2)
الجبلين، وهما من قبل إرمِينِيةَ وأذْرَبِيجَانَ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} : وهما الجبلان.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنَّه قرَأها:{بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} منصوبةَ الصادِ والدالِ، وقال: بينَ الجبلين
(4)
.
وللعرب في "الصدفين" لغاتٌ ثلاثٌ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ مِنها جماعةٌ من القرَأةِ؛ الفتحُ في الصادِ والدالِ، وذلك قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ
(5)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 451، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ليست في: الأصل، ص، م، ت 2.
(3)
تقدم تخريجه في ص 386، 387.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى سعيد بن منصور.
(5)
وهى قراءة نافع وحمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص 401.
والضمُّ فيهما، وهى قراءةُ [بعضِ قرَأةِ]
(1)
أهلِ البصرةِ
(2)
. والضمُّ في الصادِ وتسكينِ الدالِ، وذلك قراءةُ بعضِ أهلِ مكةَ والكوفةِ
(3)
.
والفتحُ في الصادِ والدالِ أشهرُ هذه اللغاتِ، والقراءةُ بها أعجبُ إليَّ، وإن كنتُ مُسْتَجيزا القراءةَ بجميعِها؛ لاتفاقِ معانِيها، وإنما اخترتُ الفتحَ فيهما لما ذكرتُ من العِلَّةِ.
وقولُه: {قَالَ انْفُخُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: قال للفَعَلَةِ: انفُخوا النارَ على هذه الزُّبَرِ من الحديدِ.
وقولُه: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} . وفى الكلامِ متروكٌ، وهو: فنفَخوا حتى إذا جعَلُوا
(4)
ما بينَ الصَّدَفين من الحديدِ نارًا.
{قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} . فاختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: {قَالَ آتُونِي} بمدِّ الألفِ من: {آتُونِي} . بمعنى: أعْطُونى قِطْرًا أُفْرِغْ عليه
(5)
.
وقرَأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ: (قال ائْتُونِي). بوصلِ الألفِ، بمعنى: جيئونى قِطرًا أُفْرغْ عليه
(6)
. كما يُقالُ: أخَذتُ الخِطامَ، وأَخَذتُ بالخِطامِ،
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.
(3)
وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر. المصدر السابق.
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"جعل".
(5)
وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص 401.
(6)
وهى قراءة عاصم في رواية أبي بكر. المصدر السابق.
وجئتُك زيدًا، وجئتُك بزيدٍ. وقد يتوجَّهُ معنى ذلك إذا قُرِئ كذلك إلى معنَى: أعْطُونى. فيكونُ كأنَّ قارئَه أراد مدَّ الألفِ من: (ائْتُونى)، فترَك الهمزةَ الأولى من:{آتُونِي} ، وإذا سقَطَتِ الأُولى همَزَ الثانيةَ.
وقولُه: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} . يقولُ: أصُبَّ عليه قِطْرًا. والقِطْرُ النُّحاسُ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} . قال: القِطْرُ النُّحاسُ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:[{قِطْرًا}. قال: نُحاسًا]
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} . يعنى: النُّحاسَ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م، ت 1، ف:"مثله". والأثر في تفسير مجاهد ص 451، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.
(3)
ينظر التبيان 7/ 83.
قِطْرًا}. أي: النُّحاسَ؛ لنُلزمَه
(1)
به
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} . قال: نُحاسًا
(2)
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقول
(3)
: القِطْرُ الحديدُ المُذابُ. ويستَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ
(4)
:
حسامًا كَلَونِ المِلْحِ صَافٍ حَديدُه
…
جُرازًا
(5)
مِنَ اقْطارِ الحديدِ المُنَعَّتِ
وقولُه: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فما اسْطَاع
(6)
يأجوجُ ومأجوجُ أن يَعْلُوَا
(7)
الرَّدمَ الذي جعَله ذو القرنين حاجزًا بينَهم وبينَ مَن دونَهم مِنَ الناسِ، فيصيروا فوقَه ويَنْزلوا منه إلى الناسِ.
يُقالُ منه: ظهَر فلانٌ فوقَ البيتِ. إذا عَلاه. ومنه قولُ الناسِ: ظهَر فلانٌ على فلانٍ. إذا عَلاه وقهَره.
{وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} . يقولُ: ولم يَستَطِيعوا أن يَنْقُبوه مِن أسْفَلِه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ
(1)
في م: "ليلزمه".
(2)
تفسير عبد الرزاق 1/ 413.
(3)
هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 415.
(4)
البيت للشنفرى الأزدى في المفضليات 111 برواية: "كأقطاع الغدير المنعت".
(5)
الجراز: السيف القاطع، وقيل: الماضي النافذ. التاج (ج ر ز).
(6)
في ص، ت 2:"استطاع".
(7)
في ص، ت 2، ف:"يعملوا".
يَظْهَرُوهُ}: من فوقِه، {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}. أي: من أسفلِه
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} . قال: ما استطاعوا أن يَرْتَقُوه
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ:{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} . قال: أن يَرْتَقُوه، {وَمَا أَسَتَطَعُوا لَهُ نَقْبًا}
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} . قال: يَعْلُوه، {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}: أن
(4)
يَنْقُبوه من أسفلِه
(5)
.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجْهِ حذفِ التاءِ من قولِه: {فَمَا اسْطَاعُوا} ؛ فقال بعضُ نحوِيِّى البصرةِ: فُعِل ذلك؛ لأنَّ لغةً للعربِ
(6)
أن تقولَ: اسْطَاعَ يَسْطيعُ. يريدُون بها: اسْتَطاعَ يَسْتَطيعُ. ولكِنْ حذَفوا التاءَ إذا جُمِعت مع الطاءِ ومخرَجُهما واحدٌ. قال: وقال بعضُهم: اسْتَاع. فحذَف الطاءَ لذلك. وقال بعضُهم: أَسْطَاع يُسْطِيعُ. فجعَلها من القَطْعِ، كأَنَّها: أطاعَ يُطِيعُ. فجعلَ السينَ عِوضًا من إسكانِ الواوِ
(7)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في النسخ: "ينزعوه". والمثبت من مصدرى التخريج.
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 413، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
بعده في م: "حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج {فما استطاعوا أن يظهروه} قال أن يرتقوه {وما استطاعوا له نقبا} ".
(4)
في م: "أي".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"العرب".
(7)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2:"التاء"، وبياض في: ف. وقال الأزهري في تهذيب اللغة =
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هذا حرفٌ اسْتُعمِل فكَثُرَ حتى حُذِف.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رأى ذو القرنين أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ لا يَسْتطيعون أن يَظْهَروا ما بنَى من الرَّدم، ولا يَقْدِرون على نَقْبِه، قال: هذا الذي بنَيْتُه وسَوَّيْتُه حاجزًا بين هذة الأمةِ ومَن دونَ الردمِ - رحمةٌ من ربِّي، رحِمَ بها مَنْ دونَ الردمِ مِنَ الناسِ، فأعانني برحمتِه لهم حتى بنَيتُه وسوَّيْتُه؛ ليكفَّ بذلك غائلةَ هذه الأمةِ عنهم.
وقولُه: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ} . يقولُ: فإذا جاء وَعْدُ رَبِّي الذي جعَله ميقاتًا لظهورِ هذه الأمةِ وخروجِها من وراءِ هذا الرَّدْمِ لهم، {جَعَلَهُ دَكَّاءَ}. يقولُ: سوَّاه بالأرضِ فالزَقَه بها. من قولِهم: ناقةٌ دَكَّاءُ، مُسْتَوِيةُ الظَّهِرِ لا سَنامَ لها. وإنما معنى الكلامِ: جعَله مَدْكُوكًا، فقيل:{دَكَّاءَ} .
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ} . قال: لا أدْرِى، الجبلين يعنى به، أو ما بينَهما؟
(1)
.
وذُكِر أن ذلك كائنٌ
(2)
كذلك بعدَ قَتْلِ ابن مريمَ الدجالَ.
= 3/ 104: المعنى: فما أطاعوا فزادوا السين - قال ذلك الخليل وسيبويه - عوضا عن ذهاب حركة الواو؛ لأن الأصل في "أطاع"، "أطوع".
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 251 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في ص، ت 1، ف:"كان"، وفى م:"يكون".
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرقيُّ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبَرنا العوامُ، عن جبلةَ بن سُحَيْمٍ، عن مُؤثِرٍ، وهو ابن عَفَازةَ
(1)
العَبْدِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَقِيتُ ليلةَ الإسراءِ إبراهيمَ وموسى وعيسى، فتذاكَروا أمرَ الساعةِ، وردُّوا الأمْرَ إلى إبراهيمَ، فقال إبراهيمُ: لا عِلمَ لى بها. فردُّوا الأمْرَ إلى موسى، فقال موسى: لا عِلْمَ لى بها. فردُّوا الأمرَ إلى عيسى، قال عيسى: أمَّا قيامُ الساعةِ [فلا يعلمها]
(2)
إلا اللهُ، ولكِنّ ربِّي قد عَهِد إليَّ بما هو كائنٌ دونَ وجْبتِها
(3)
؛ عَهِد إليَّ أن الدَّجالَ خارِجٌ، وأَنَّه مُهْبِطِى إليه، فذكَر أَنَّ معه قضيبين
(4)
، فإذا رآنى أهلَكَه اللهُ. قال: فيَذُوبُ كما يَذُوبُ الرَّصاصُ، حتى إن الحجرَ والشَّجرَ لَيَقُولُ: يا مسلم هذا كافرٌ فاقْتُلْه. فيُهلِكُهم اللهُ، ويَرْجِعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم فيَسْتقبِلُهم يأجوجُ ومأجوجُ من كلِّ حَدَبٍ ينسِلُون، لا يأْتُون على شيءٍ إلَّا أهلكوه
(5)
، ولا يمرُّون على ماءٍ إِلَّا شَرِبوه، فيرجِعُ الناسُ إليَّ، فيَشْكُونهم، فأدعو الله عليهم فيُميتُهم، حتى تَجْوَى
(6)
الأَرضُ من نَتْنِ ريحِهم، فيَنْزِلُ المطرُ، فيَجُرُّ أجسْادَهم فيُلقِيهم فِي البَحرِ، ثم تُنْسَفُ الجبالُ حتى تكونَ الأرضُ كالأديمِ، فعَهِد إليَّ ربِّي أن ذلك إذا كان كذلك، فإِنَّ الساعةَ منهم كالحاملِ المُتِمِّ
(1)
في الأصل، ت 2:"عفان"، وفى ص، ف:"عفار"، وفى م:"عفارة"، وفي ت 1:"غفار".
وسيأتي في المطبوعة على الصواب في الإسناد بعده، وفي تفسير الآية 96 من سورة الأنبياء، وينظر تهذيب الكمال 29/ 15.
(2)
في م: "لا يعلمه"، وفى ت 1، ف:"فلا يعلمه".
(3)
في م: "وقتها"، والوجبة: صوت الشيء يسقط فيسمع له كالهدَّة. اللسان (و ج ب).
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"قصبتين".
(5)
في م: "أكلوه".
(6)
في الأصل، ت 2:"تنجوى"، وفى ف:"تتحرى"، وغير منقوطة في ص، ت 1. وجوى يجوى: =
التي لا يَدرِى أهلُها متى تَفْجَؤُهم بوِلادها، لَيلًا أو نهارًا"
(1)
.
حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أصبغَ بن زيدٍ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن جبلةَ بن سُحَيمٍ، عن مُؤْثِرِ بن عَفَازَةَ
(2)
، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: لما أُسْرِى برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم التَقى هو وإبراهيمُ وموسى وعيسى عليهم السلام، فتَذَاكَرُوا أمرَ الساعةِ. فذكَر نحوَ حديثِ [أحمدَ بن]
(3)
إبراهيمَ الدَّورقيِّ، عن هُشيمٍ، وزاد فيه: قال العوّامُ بنُ حَوْشَبٍ: فوجَدتُ تصديقَ ذلك في كتابِ اللهِ تعالى، قال اللهُ عز وجل:{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء: 96، 97]. [وقال]
(4)
(5)
.
وقولُه: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} ]
(6)
. يقولُ: وكان وعْدُ رَبِّي الذي وعَد خَلْقَه في دكِّ هذا الرَّدمِ، وخروجِ هؤلاء القومِ [على الناسِ]
(7)
، وعَيْتِهم فيهم
(8)
، وغيرِ ذلك
= إذا أنتن. ويروى بالهمز. ينظر النهاية 1/ 232، 319.
(1)
أخرجه أحمد 6/ 19 (3556) عن هشيم به.
(2)
في الأصل، ت 2:"عفان"، وفى ص، ف:"عفار"، وفي ت 1:"غفار".
(3)
سقط من: م.
(4)
في الأصل: "قال":
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة 15/ 157، وابن ماجه (4081)، وأبو يعلى (5294)، والحاكم 4/ 488، 489، 545، 546، وابن عساكر في تاريخه 2/ 234 من طريق العوام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 336 إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقى في البعث.
(6)
سقط من: م، ت 1.
(7)
سقط من: الأصل.
(8)
في م: "فيه".
من وعْدِه - حقًّا؛ لأنَّه لا يخلفُ الميعادَ، فلا يقَعُ غيرُ ما وعَد أنه كائنٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَكْنا عبادَنا يومَ يأتِيهم وعْدُنا الذي وعَدْناهم، بأَنَّا نَدُكُّ الجبالَ ونَنْسِفُها عن الأرضِ نَسْفًا، فنذرُها قاعًا صَفْصَفًا، {بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ}. يقولُ: يختلِطُ جِنُّهم بإنسِهم.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن شيخٍ مِن بنى فزارةَ في قولِه:{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} . قال: إذا ماج الجنُّ والإنسُ، قال إبليسُ: فأنا أعلمُ لكم علمَ هذا الأمْرِ. فيظعَنُ إلى المَشْرقِ، فيجِدُ الملائكة قد نطَقُوا
(1)
الأرضَ، ثم يظعَنُ إلى المَغْرِبِ، فيجِدُ الملائكةُ قد نطَقُوا الأرضَ، ثم يظعَنُ
(2)
يمينًا وشمالًا إلى أقصَى الأرضِ، فيجدُ الملائكةَ نطَقُوا
(3)
الأرضَ، فيقولُ: ما من مَحِيصٍ. فبينا هو كذلك، إذ عرَض له طريقٌ كالشِّرَاكِ، فأَخَذ عليه هو وذرِّيتُه، فبينما هم عليه إذ هجَموا على النارِ فأخرَج اللهُ خازِنًا من خُزَّان النارِ، فقال: يا إبليسُ، ألم تكُنْ لك المنزلةُ عندَ رَبِّكَ؟ ألم تكُنْ فِي الجِنَانِ؟ فيقولُ: ليس هذا يومَ عتابٍ، لو أن الله فرَض عليَّ فريضةً لَعَبَدتُه فيها عبادةً لم يَعْبُدُه مثلَها أحدٌ مِن خلقِه. فيقولُ: فإنَّ الله قد فرَض عليك فريضةً. فيقولُ: ما هي؟ فيقولُ: يأمُرُك أن تدخُلَ النار. فيَتَلكَّأُ عليه، فيَقُولُ بهِ وبذرِّيتِه بجناحيه، فيقذِفُهم
(1)
في م: "قطعوا"، وفي تفسير ابن كثير:"بطنوا"، والمثبت موافق لما في الدر المنثور، والمراد أن الملائكة أحاطوا بأقطار الأرض كما يحيط النطاق بالوسط.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"يصعد".
(3)
في ص، ت 1، ف:"تطهر"، وفى م:"قطعوا".
في النارِ، فتَزْفِرُ النارُ زَفْرَةً، فلا يَبْقى مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إِلا جَثَا لرُكُبَتَيهِ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} . قال: هذا أوّلُ يومِ
(2)
القيامةِ، ثم نُفِخ في الصُّورِ على أَثَرِ ذلك فجَمَعْناهم جَمْعًا
(3)
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} . قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضَى في الصُّورِ، وما هو، وما عُنِى به؟ [وأخبَرْنا بالصوابِ]
(4)
من القولِ في ذلك بشواهدِه المغنيةِ عن إعادِتها
(5)
في هذا الموضعِ
(6)
، غيرَ أنَّا نذكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذكُرْه
(7)
في ذلك الموضعِ من الأخبارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنا أَسْلَمُ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ أَعْرابِيًّا سأله عن الصُّورِ، قال:"قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه"
(8)
.
(1)
في ص: "لركبته"، وفى ت 1، ت 2:"بركبته"، وفى ف:"بركبة". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 195 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 253 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: م.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 253 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
في م، ف:"واخترنا الصواب".
(5)
في ص، م، ت 1، ف:"إعادته".
(6)
تقدم في 9/ 339، 340.
(7)
في ص، م، ت 1، ف "نذكر".
(8)
أخرجه أبو داود (4742)، والطحاوى في المشكل (5349) من طريق المعتمر بن سليمان به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1599)، وعبد الرزاق في تفسيره، 2/ 175، وأحمد 11/ 53، 410، 6507، 6805، والترمذى (2430) وابن أبي الدنيا في الأهوال (47)، والنسائى في الكبرى (11312، =
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ،، عن سليمانَ التَّيْمِيُّ، عن العجليِّ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، بنحوِه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحارثِ القَنْطَريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، قال: كنتُ في جِنازةِ عمرَ بن ذرٍّ، فلَقِيت مالكَ بنَ مِغْولٍ، فحدَّثنا عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كيف أَنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القرنَ
(2)
، وحنَى الجَبْهةَ، وأصْغَى بالأُذُنِ متى يُؤْمَرُ". فَشَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: "قُولُوا: حَسبُنا الله، وعلى اللهِ توكَّلنا. ولو اجتَمَع أهلُ مِنًى ما أقَالُوا ذلك القَرنَ" كذا قال، وإنما هو: "ما أقلُّوا"
(3)
.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحجاجِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كيف أنْعَمُ وصاحِبُ الصورِ
(4)
قد الْتَقَم القَرْنَ، وحنَى ظَهْرَه، وجحَظ بعَيْنِهِ
(5)
". قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال:
= 11456)، وابن حبان (7312)، والحاكم 2/ 436 - وسقط منه اسم أسلم -، 2/ 506، 4/ 560 وصححه، وأبو نعيم في الحلية 7/ 243 من طريق سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 22، 5/ 337 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في البعث.
(1)
أخرجه الدارمى 2/ 325 من طريق سفيان به.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 175 والحميدى (754)، وأحمد 17/ 89، (11039)، 18/ 228، (11696)، وابن حميد (884)، وأبو نعيم في الحلية 5/ 105، 7/ 130، 131، 312، والبغوى في شرح السنة (4299) من طريق عطية العوفى به. وأخرجه ابن حبان (823)، والطحاوي في المشكل (5342 - 5348) من طرق عن أبي سعيد.
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"القرن".
(5)
في م: "بعينيه".
"قُولُوا: حسْبُنا اللهُ، تَوَكَّلْنا عَلَى اللهِ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القَرْنَ، وحنَى جبهَتَه، يستَمِعُ متى يُؤمَرُ فَيَنْفُخُ فيه". فقال أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كيف نقولُ؟ قال: "تقولون: حسْبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، توكَّلْنا على اللهِ"
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَه
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا شُعَيبُ بنُ حربٍ، قال: ثنا خالدٌ أبو العلاءِ، قال: ثنا عطيةُ العَوْفيُّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد التقَم القَرْنَ، وحنَى الجبْهَة، وأصْغَى بالأذنِ، متى يؤمَرُ أَنْ يَنفُخَ، ولو أنَّ أهلَ مِنًى اجْتَمَعوا على القَرْنِ على أنْ يُقِلُّوه مِنَ الأرضِ، ما قدَروا عليه"
(3)
. فأُبلِس أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وشَقَّ عليهم، قال: فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قولوا: "حَسْبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ
(4)
".
(1)
أخرجه الطبراني (12670)، والحاكم 4/ 559 من طريق مطرف به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (5348)، وابن الأعرابي (353، 1299)، والطبرانى في الأوسط (3663)، والبيهقي في الشعب (352) من طريق عطية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 22 إلى البيهقى في البعث.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 352، وأحمد 5/ 145 (3008)، والطحاوى في المشكل (5347)، وابن الأعرابي في معجمه (522)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 290 - والطبراني في الكبير (12671) من طريق أسباط به.
(3)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"قال".
(4)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"على الله توكلنا".
والحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد (1097)، ومن طريقه الترمذى (2431)، والبغوى في شرح السنة (4298) من طريق خالد أبى العلاء به.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المَدنيِّ، عن يزيدَ بن فلانٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبِ القُرَظيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لمَّا فرَغ اللهُ من خلْقِ السماواتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ، فأَعْطاهُ إسْرافِيلَ، فهو واضعُه
(1)
على فِيه، شاخِصٌ بصَرَه إِلى العَرْشِ، ينتَظِرُ متى يؤمَرُ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟ قال:"قرنٌ". قال: وكيف هو؟ قال: "قَرْنٌ عظِيمٌ، ينفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نَفَحَاتٍ؛ الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْحَةُ الصَّعْقِ، والثَّالثةُ نَفَخَةُ القيامِ لربِّ العالمين"
(2)
.
وقولُه: {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} . يقولُ: فجمَعْنا جميعَ الخلقِ حينئذٍ لموقفِ الحسابِ جمعًا
(3)
.
وقولُه: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} . يقولُ: وأبرَزْنا جهنَّم يومَ يُنفَخُ في الصُّورِ، فأظْهَرْناها للكافرين باللهِ، حتى يَرَوْها ويعاينُوها كهَيئةِ السَّراب. ولو جُعِل الفعلُ لها قيل: أعْرَضت [جهنمُ. وذلك]
(4)
إذا اسْتَبانَت، كما قال عمرُو بنُ كُلثومٍ
(5)
:
وأعرَضتِ اليمامةُ واشْمَخَرَّت
…
كأسيافٍ بأيدى مُصْلِتِينا
(6)
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
في م: "وضعه".
(2)
جزء من حديث الصور الطويل، وينظر ما تقدم في 3/ 613.
(3)
في م: "جميعا".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(5)
شرح القصائد السبع ص 383، وجمهرة أشعار العرب 1/ 394.
(6)
قال أبو زيد في الجمهرة: أعرضت: بدت. واشمخرت: طالت كضوء سيوف. بأيدى مصلتينا: أي =
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ، قال: يقومُ الخَلقُ للهِ إِذا نُفِخ في الصُّورِ قيامَ رجلٍ واحدٍ، ثم يتمثَّلُ اللهُ للخَلْقِ [فيلقاهم، فليس]
(1)
أحدٌ من الخلقِ
(2)
كان يعبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا إلا وهو مرفوعٌ له يتْبَعُه. قال: فيَلْقَى اليهودَ فيقولُ: مَن تعبُدون
(3)
؟ فيقولون: نعبُدُ عُزَيْرًا. قال: فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟ فيقولون: نعم. فيُرِيهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم قرَأ:{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} . ثم يَلْقى النَّصارى فيقولُ: مَن تعبُدون؟ فيقولون: نعبُدُ المسيحَ. فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟ فيقولون: نعم. قال: فيُريهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم كذلك لمَن كان يعبُدُ مِن دونِ اللهِ شيئًا. ثم قرأ عبدُ اللهِ:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}
(4)
[الصافات: 24].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وعرَضْنا جَهَنَّمَ يومئذٍ للكافرين
(5)
الذين كانوا لا ينظُرون في آياتِ اللهِ فيتفكَّروا فيها، ولا يتأمَّلون حُجَجَه فيعْتَبِروا بها، فيتذكَّروا ويُنيبوا إلى
= قد سلوها فهى مصلتة.
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"فيلقاهم"، وفى م:"فما يلقاه".
(2)
في ص، م، ت"، ف: "الخلائق".
(3)
بعده في ص، م، ت 1، ف:"قال".
(4)
جزء من أثر طويل تقدم تخريجه في 3/ 33.
(5)
بعده في ت"، ت 2، ف: "عرضا".
توحيدِ اللهِ، ويَنْقادُوا لأمرِه ونهيِه، {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا}. يقولُ: وكانوا لا يُطِيقون أن يسمَعوا ذكْرَ اللهِ الذي ذكَّرهم به، وبيانَه الذي بيَّنه لهم في آيِ كتابِه، بخذلانِ اللهِ إيَّاهم، وغلبةِ الشقاءِ عليهم، وشُغْلِهم بالكفرِ باللهِ وطاعةِ الشيطانِ، فيَتَّعِظوا بهِ، ويتدبَّروه، فيعرِفوا الهُدَى من الضَّلالةِ، والكفرَ من الإيمانِ.
وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} . قال: لا يَعْقِلُون
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} قال: لا يَعْلَمون.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} الآية. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: أَفَظَنَّ الذين كفَروا باللهِ من عَبَدَةِ الملائكةِ والمسيحِ، أن يتَّخِذوا عبادِى الذين عبَدُوهم من دونِ اللهِ {أَوْلِيَاءَ} لأنفسِهم
(2)
، يقولُ:[أَظُنُّوا أنهم لهم أولياءُ. يقولُ]
(3)
: كلا، بل هُم لهم أعداءٌ.
(1)
تفسير مجاهد ص 451، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 253 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه:{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} . قال: يعنى من يعبُدُ عيسى
(1)
ابنَ مريمَ والملائكةَ، وهم عبادُ اللهِ، ولم يكونوا للكفارِ أولياءَ.
وبهذه القراءةِ، أعنى بكسرِ السِّينِ من {أَفَحَسِبَ} بمعنى الظَّنِّ، قرَأتْ هذا: الحرفَ قرأةُ الأمصارِ.
ورُوى عن عليِّ بن أبى طالبٍ، وعكرِمةَ ومجاهدٍ أنَّهم قَرءوا ذلك:(أفَحسْبُ الذين كفروا) بتسكينِ السِّينِ، ورفعِ الحرفِ بعدَها
(2)
، بمعنَى: أَفَحَسْبُهم ذلك. أي: أَفَكَفَاهم أن يتَّخِذُوا عبادِى من دونى أولياءَ مِن عِبَادتى
(3)
وموالاتي.
كما حُدِّثت عن إسحاقَ بن يوسفَ الأزرقِ، عن عِمْرانَ بن حُدَيرِ، عن عِكرمةَ:(أفحسْبُ الذين كَفَرُوا). قال: أَفَحَسْبُهم ذلك
(4)
.
والقراءةُ التي نَقْرَؤها هي القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ: {أَفَحَسِبَ} . بكسرِ السينِ، بمعنى: أفَظَنَّ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليها.
وقولُه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} . يقولُ: إِنَّا
(5)
أَعْدَدْنا لَمَن كفَر باللهِ
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"المسيح".
(2)
زيادة من: م. وينظر في هذه القراءة البحر المحيط 6/ 166، ففيه عن غير واحد أيضًا، وهذه قراءة شاذة.
(3)
في م: "عباداتي".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 253 إلى ابن عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
جهَنَّمَ مَنزِلًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد، لهؤلاء الذين يَبْغُون عَنَتَك، ويُجادِلونك بالباطِلِ، ويُمَارونك
(1)
بالمسائلِ من أهلِ الكتابين؛ اليهودِ والنَّصارى: {هَلْ نُنَبِّئُكُمْ} أيُّها القومُ {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} . يعنى بالذين أتْعَبوا أنفسَهم في عملٍ يَبْغُون به رِبْحًا وفضْلًا، فنالوا به عَطَبًا
(2)
، وهلاكًا، ولم يُدْرِكوا [ما طلَبوا]
(3)
، كالمُشتَرِى سلعةً يَرجُو بها فضْلًا وربحًا، فخاب رجاؤه، وخسِر بَيْعُه، ووُكِسَ في الذي رجا فَضْلَه.
واختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الرُّهبانُ والقُسُوسُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا المُقْرِئُ
(4)
، قال: ثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ، قال: أخبَرني السَّكنُ بنُ أبى كَريمةَ، أن أمَّه أخبَرتْه، أنها سمِعت أبا خَمِيصةَ عبدَ اللهِ بنَ قيسٍ يقولُ: سمِعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ في هذه الآيةِ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"يحاورونك".
(2)
في ص، ت 1، ف:"غضبا".
(3)
في م: "طلبا".
(4)
في م، ت 1، ف:"المقبرى". وهو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ. ينظر تهذيب الكمال 16/ 320.
أَعْمَالًا}: هم الرهبانُ الذين حَبَسوا أَنفُسَهم في الصوامِعِ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعتُ حَيْوةَ يقولُ: ثنى السَّكَنُ بنُ أَبي كَرِيمةَ، عن أمه أخبرته، أنها سَمِعت عبدَ اللَّهِ بن قيس يقولُ: سمعتُ على بن أبي طالبٍ يقولُ
…
فذكر نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، قال: قلتُ لأبي: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} : أهم الحروريَّةُ؟ قال: هم أصحابُ الصَّوامع
(2)
.
حدثنا فَضَالة بن الفضل، قال: قال يَزِيعٌ: سأل رجل الضحاك عن هذه الآية: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} . قال: هم القسِّيسون والرهبان.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عن منصور، عن هلال بن يَسَافٍ، عن مصعب بن سعد، قال: قال سعد: هم أصحابُ الصَّوامع
(3)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن مصعب بن سعدٍ، قال: قلتُ لسعد: يا أَبَتِ: {هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا} من أهم الحرورِيَّةُ؟ فقال: لا، ولكنهم أصحابُ الصوامع، ولكنّ الحرورِيَّة قومٌ زاغوا، فَأَزَاغَ اللَّهُ قلوبَهم
(4)
.
(1)
أخرجه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق 1/ 195، 196 من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 253 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير الثورى ص 179.
(3)
تفسير عبد الرزاق 1/ 413.
(4)
أخرجه الحاكم 2/ 370 من طريق منصور به. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (1534) من طريق صعب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 253 إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه.
وقال آخرون: بل هم جميع أهلِ الكتابين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّةَ، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي عن هذه الآية: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعِيهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا} أهم الحرُورِيَّةُ؟ قال: لا، هم أهل الكتابين
(1)
؛ اليهود والنصارى، أما اليهودُ فكَذَّبوا بمحمد، وأما النصارى فكَفَروا بالجنة وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكنَّ الحَرورِيَّةَ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقِه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصلَ، ويفسدون في الأرضِ، أولئك هم الفاسقون
(2)
. فكان سعدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين
(3)
.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن إبراهيمَ بن أبى حُرَّةَ، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ، عن أبيه في قوله:{قُلْ هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا} . قال: هم اليهود والنصارى
(4)
.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن أبي حربِ بن أبي الأسود، عن زاذان، عن علي بن أبى طالبٍ، أنه سئل عن قوله: {قُلْ
(1)
في ص، م، ت 2، ف:"الكتاب".
(2)
في م، ت 1، ف:"الخاسرون". وهو صواب التلاوة، ولكن هكذا وقع في رواية النسائي وابن مردويه، ووقع على الصواب في رواية الحاكم، قال الحافظ في الفتح 8/ 426: قوله: وكان سعد يسميهم الفاسقين: لعله هذا السبب في الغلط المذكور، وفى رواية للحاكم: الخوارج قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، وهذه الآية هي التي آخرها "الفاسقين"، فلعل الاختصار اقتضى ذلك الغلط.
(3)
أخرجه البخارى (4728) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه النسائي في الكبرى (11313) من طريق شعبة به. وأخرجه الحاكم 2/ 370 من طريق مصعب بن سعد به. وفيه: المجتهدون من النصارى. بدل: أهل الكتاب اليهود والنصارى.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 413.
هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا}. قال: هم كفرة أهل الكتاب؛ كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم، وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل، ويحسبون أنهم على حقٍّ، ويجتهدون في الضَّلالةِ، ويَحْسَبون أنهم على هدى، فضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يَحْسبون أنهم يحسنون صنعًا. ثم رفع صوته فقال: وما أهلُ النَّهَرِ
(1)
منهم ببعيدٍ.
وقال آخرون: بل هم الخوارجُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ
(2)
، عن سلمة بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأَلَ عبد الله بن الكَوَّاءِ عليًّا عن قوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)} . قال: أنتم يا أهل حَروراءَ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يحيى بن أيوبَ، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجليِّ، عن أبي الصَّهباءِ البَكْريِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، أن ابنَ الكَوَّاءِ سأَله عن قولِ اللَّهِ عز وجل:{هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)} . فقال عليٌّ: أنت وأصحابك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قام ابن الكَوَّاء إلى عليٍّ، فقال: مَن {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}
(1)
في م: "النار". وأهل النهر: الخوارج الذين قاتلهم على رضي الله عنه في موقعه النهروان.
(2)
بعده في م: "بن سلمة". وهو خطأ. فالذى يروى عن سلمة بن كهيل هو سفيان الثورى. ينظر تهذيب الكمال 11/ 314.
قال: وَيْلَك! أهلُ حَرُوراءَ منهم
(1)
.
حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن خالد بن عَثْمةَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ بن عبدِ اللهِ بن وهبٍ، قال: ثني أبو الحُوَيرثِ، عن نافع بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، قال: قال ابن الكوَّاءِ لعليِّ بن أبى طالب: ما الأخسرون
(2)
أعمالًا، الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا؟ قال: أنتَ وأصحابُك.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله تبارك وتعالى عنَى بقوله: {هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)} . كلَّ عاملٍ عملًا يَحسَبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخطٌ، وعن طريق أهل الإيمانِ به جائرٌ؛ كالرَّهابنةِ والشَّمامسةِ وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك مِن فعلهم واجتهادِهم باللَّهِ كَفَرةٌ، من أي أهل دين كانوا.
وقد اختلف أهل العربيةِ في وجهِ نَصْبِ قوله: {أَعْمَالًا} ؛ فكان بعضُ نحويي البصرة يقولُ: نُصِبَ ذلك لأنه لما أُدخل الألفُ واللام والنون في الأخسرين لم يُوصَل إلى الإضافة، وكانت الأعمالُ مِن الأخسرين؛ فلذلك نُصِب.
وقال غيرُه: هذا الباب
(3)
للأفعل
(4)
والفُعْلى، مثل الأفضل والفُضْلَى، والأخسر والخسرَى، ولا تَدْخُلُ فيه الواو
(5)
، ولا يكون معه
(6)
مُفسِّر؛ لأنه قد
(1)
تفسير عبد الرزاق 1/ 413. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (1516)، وابن عساكر في تاريخه 27/ 100، 101 من طريق أبي الطفيل بنحوه.
(2)
في م: "الأخسرين".
(3)
في م: "باب".
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الأفعل".
(5)
يعنى الواو التي لجمع الذكور.
(6)
في م: "فيه"، وفى ف:"له".
حَقَّق
(1)
[الفضلَ لمن هو بقوله]
(2)
: الأفضلُ والفُضْلَى. وإذا جاء معه مفسِّر كان للأوَّلِ والآخِرِ، وقال: ألَا تَرَى أنك تقولُ: مررتُ برجل حَسَنٍ وجهًا. فيكونُ الحُسْنُ للرجل وللوجه
(3)
، وكذلك: كثيرٍ
(4)
عقلا. وما أشبَهه. قال: وإِنما جاز في الأخسَرِينَ؛ لأنه ردَّه إلى الأفعَلِ والأَفْعَلَة. وقال: سمعتُ العرب تقولُ: الأوَّلاتُ دخولًا، والأخراتُ خروجًا. فصار للأوَّلِ والثانى كسائر الباب. قال: وعلى هذا يُقاسُ.
وقوله: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . يقولُ: هم الذين لم يكُن عملهم الذي عَمِلوه في حياتهم الدنيا على هدًى واستقامةٍ، بل كان على جَوْرٍ وضلالةٍ، وذلك أنهم عَمِلوا بغير ما أمرهم الله به، بل على كفر منهم به، {وَهُم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. يقولُ: وهم يَظُنُّون أنهم بفعلهم ذلك للهِ مطيعون، وفيما ندب عبادَه إليه مُجتَهِدون.
وهذا من أدلُّ الدليل
(5)
على خطأ قولِ مَن زعم أنه لا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحدٌ إِلَّا مِن حيثُ يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيَّتِه. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا، وقد كانوا يحسبون أنهم يحسبون
(6)
في ضنعهم لك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآياتِ ربِّهم؛ ولو كان القولُ كما قال الذين زعَموا أنه لا يكفُرُ باللَّهِ
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
في م: "انفصل بمن هو كقوله". هو تحريف واضح.
(3)
في ص، م، ت 2، ف:"الوجه".
(4)
في م: "كبير".
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الدلائل".
(6)
في ص، م:"محسنون".
أحدٌ إلا من حيثُ يَعْلَمُ، لوجَب أن يكون هؤلاء القومُ في عملهم الذي أخبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا يَحْسَبون فيه أنهم يحسنون صُنعَه، كانوا مثابين مأجورين عليه
(1)
، ولكنَّ القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم باللَّهِ كَفَرةٌ، وأن أعمالهم حابِطةٌ.
وعنى بقوله: {أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} : عملا. والصُّنعُ والصَّنعةُ والصَّنيعُ واحدٌ، يُقالُ: فرس صنيع. بمعنى مصنوع.
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)} .
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصَفنا صفتَهم، الأخسرون أعمالًا، الذين كفروا بحجج ربِّهم وأدلتِه، وأنكروا لقاءه، {فَحِبَطَتْ أَعْمَلُهُمْ}. يَقُولُ: فَبَطَلَتْ أعمالهم، فلم يكن لها ثواب يَنْفَعُ أصحابها في الآخرةِ، بل لهم منها عذابٌ وخزىٌ طويلٌ، {فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا}. يقول تعالى ذكره: فلا نجعَلُ لهم ثقلًا. وإنما عنَى بذلك: أنه
(2)
لا تَنْقُلُ بهم موازينهم؛ لأن الموازين إنما تَنْقُلُ بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيءٌ من الأعمال الصالحة فتثقُلَ به موازينهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عليها".
(2)
في م: "أنهم".
الأعمشِ، عن شِمْر، عن أبي يحيى، عن كعب، قال: يُؤتَى يوم القيامة برجل عظيمٍ طويلٍ، فلا يَزِنُ عندَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضةٍ؛ اقرَءُوا:{فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا}
(1)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن الصَّلْتِ، قال: ثنا ابن أبي الزِّنادِ، عن صالحٍ مولَى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُؤتَى بِالْأَكُولِ الشَّرُوبِ الطَّويل فيُوزَنُ، فلا يَزِنُ جَناحَ بَعوضةٍ". ثم قرأ: {فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}
(2)
.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)} .
يقول تعالى ذكره: أولئك ثوابُهم جهنَّمُ؛ بكُفرهم بالله، واتخاذهم آياتِ كتابِه، وحُجَجَ رسله سخريًّا، واستهزائهم برسله.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)} .
يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا بالله ورسله
(3)
، وأقروا بتوحيدِ اللهِ وما أنزَل من كتبِه، وعملوا بطاعته، كانت لهم بساتينُ الفردوسِ.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 199 نقلا عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 254 إلى هناد بنحوه عن كعب بن عجرة.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 5/ 198 - من طريق ابن أبي الزناد بنحوه. وأخرجه ابن عدى في الكامل 6/ 235 - ومن طريقه البيهقى في الشعب (5670) - من طريق صالح البخارى (4729)، ومسلم (2785) من طريق آخر عن أبي هريرة بنحوه.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"رسوله".
والفردوسُ: معظم الجنةِ، كما قال أميةُ
(1)
:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهِرةً
…
فيها الفراديسُ والفومانُ والبصل
واختلَف أهل التأويل في معنى الفردوس؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أفضلُ الجنةِ وأوسطها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبَّاسُ بن الوليد، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة، قال: الفردوسُ: رَبوةُ الجنة وأوسطها وأفضلُها
(2)
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيْحٍ
(3)
الرازيُّ، قال: ثنا الهيثمُ أبو بشرٍ، قال: أخبرنا الفرج بن فضالةَ، عن لقمان بن
(4)
عامر، قال: سُئل أبو أمامة
(5)
عن الفردوس، فقال: هي سُرَّةُ الجنة
(6)
.
حدثنا أحمد بن أبى سُرَيْجٍ
(3)
، قال: ثنا حماد بن عمرو النَّصيبيُّ، عن أبي عليٍّ، عن كعب، قال: ليس في الجنانِ جنةٌ أعلى مِن جنة الفردوسِ، وفيها الآمرون بالمعروفِ، والناهون عن المنكر
(7)
.
(1)
ديوانه ص 54. وفيه: الفراريس. قال في اللسان (ف و م) ويروى: الفراريس، قال أبو الإصبع: الفراريس البصل. اهـ.
(2)
أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده - كما في الفتح 6/ 13 - من طريق شيبان عن قتادة، والبيهقي في سننه 9/ 167 من طريق آخر عن قتادة.
(3)
في ص: "سريح"، وفي ت 1، ت 2، ف:"شريح". وهو أحمد بن الصباح - أو ابن عمر - النهشلى الرازي. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 1/ 355.
(4)
في م: "عن". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 24/ 246.
(5)
في م: "أبو أسامة". وينظر مصدر التخريج.
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 148 (15957) من طريق الفرج بن فضالة به.
(7)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 5/ 380 من طريق آخر عن كعب.
وقال آخرون: هو البستانُ بالرُّوميةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليُّ بن سهل الرملى، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبدِ اللَّهِ بن كثير، عن مجاهد، قال: الفردوس: بستانُ بالرُّوميةِ
(1)
.
حدثنا العباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريجٍ: أخبرني عبد الله، عن مجاهد مثله.
وقال آخرون: هو البستانُ الذي فيه الأعناب.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا محمد بن عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن كعبٍ، قال: جنات الفردوس: التي فيها الأعناب
(2)
.
والصواب من القول في ذلك عندنا
(3)
ما تظاهرت به الأخبار عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ما حدثنا به
(4)
أحمد بن أبى سُرَيْجٍ
(5)
، قال: ثنا يزيدُ بنُ هَارُونَ، قال: أخبرنا همامُ بن يحيى، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجَنَّةُ مِائَةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَةٍ
(6)
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 254 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 149، (15958)، وهناد في الزهد (51)، وابن المبارك في الزهد (1460) من طريق محمد بن عبيد به.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
ليس في: الأصل.
(5)
في ص: "سريح"، وفى ت 1، ت 2، ف:"شريح".
(6)
في م، ت 1:"درجتين".
مَسِيرَةُ مائة
(1)
عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها درجةً، ومنها الأنهارُ الأَرْبَعةُ
(2)
، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فإذا سألتم الله فسَلُوه
(3)
الفِرْدَوْسَ"
(4)
.
حدثنا موسى موسى بن سهلٍ، قال: ثنا موسى بن داودَ، قال: ثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عُبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الجنة مائةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين كما بين السماءِ والأرضِ، أَعْلاها الفِرْدَوْسُ، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ الأربعةُ، فإذا سألتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ".
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمانَ
(5)
، عن هلال بن أسامة، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ - أو أبي سعيدٍ الخُدْريِّ - عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إِذَا سَأَلْتُم اللَّهَ فَسَلُوه
(6)
الفِرْدَوسَ، فإنها أوْسَطُ الجنةِ، وأعلى الجنةِ، وفوقها عرش الرحمن، ومِنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة"
(7)
.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا فليحٌ، عن هلال، عن
(1)
سقط من: م.
(2)
الأنهار الأربعة هي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل التي ورد ذكرها في سورة محمد. تنظر تحفة الأحوذى 3/ 326.
(3)
في ص، م، ت 2، ف:"فاسألوه".
(4)
أخرجه أحمد 5/ 321، (22790 - ميمنية)، والترمذي (2531)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (18) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه أحمد 5/ 316، (22747 - ميمنية)، وعبد بن حميد في مسنده (182)، والحاكم 1/ 80، والبيهقى في البعث (248) من طريق همام به.
(5)
أبو يحيى بن سليمان هو فليح كما في الحديث الآتى. ينظر تهذيب الكمال 23/ 317.
(6)
في م، ت 1، ف:"فاسألوه".
(7)
أخرجه الحاكم 1/ 80 من طريق ابن وهب به. وفيه: عن أبي هريرة وأبى سعيد. وأخرجه البخارى (2790، 7423)، وأحمد 14/ 144، (8420، 8421)، والبغوى في شرح السنة (2610)، والحاكم 1/ 801، والبيهقى في البعث (247) من طريق فليح بن سليمان به من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد 13/ 300 (7923)، والترمذى (2529) من طريق عطاء مختصرا من حديث أبي هريرة.
عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَه، إلا أنَّه قال:"وسَطُ الجَنَّةِ". وقالَ أيضًا: "ومِنه تَفَجَّرُ أو تُفَجَّرُ
(1)
(2)
".
حدثني عمران
(3)
بن بكارٍ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا يحيى بن صالحٍ، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسار، عن معاذِ بن جبلٍ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين
(4)
كما بين السماء والأرض، والفِردَوسُ أعْلَى الجنة وأوسطها، وفوقها عَرْشُ الرَّحمن، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة، فإذا سأَلْتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ"
(5)
.
حدثنا أحمد بن منصورٍ، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارثِ، قال: ثنا الحارث بن عُبَيْدٍ
(6)
، [قال: ثنا أبو عمران الجَوْنيُّ، عن أبي بكر بن أبي موسى]
(7)
، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ أَرْبَعَةٌ، ثِنْتَانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ، وثِنْتانِ مِن فِضة حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ"
(8)
.
(1)
في م: تتفجر.
(2)
أخرجه أحمد 14/ 143 (8419)، وابن حبان (4611، 7390) من طريق أبي عامر به. وأخرجه الحاكم 1/ 80 من طريق فليح به.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عمار". وينظر تهذيب الكمال 22/ 311.
(4)
في الأصل: "درجة".
(5)
أخرجه أحمد 5/ 240 (22140 - ميمنية)، والترمذى (2530) من طريق عبد العزيز بن محمد به. وأخرجه ابن ماجه (4331)، والطبراني 20/ 157 (327)، والبيهقي في البعث (249) من طريق زيد به.
(6)
في النسخ: عمير، وهو تحريف. وهو أبو قدامة الحارث بن عبيد الإيادى. تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 5/ 258.
(7)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(8)
أخرجه أحمد 4/ 416 (19746 - ميمنية) من طريق عبد الصمد.
حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيجٍ
(1)
، قال: ثنا أبو نعَيم، قال: ثنا أبو قدامةَ، عن أبي عِمْرانَ الجَونيِّ، عن أبي بكر بن عبدِ اللهِ بن قيسٍ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جَنَّاتُ الفِرْدَوسِ أَرْبَعٌ: ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما، وثنتان من فِضَّةٍ حِلْيَتُهما وآنِيتُهما وما فيهما"
(2)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفص، عن شِمْرٍ، قال: خلق اللَّهُ جنةَ الفردوس بيده، فهو يَفْتَحُها في كلِّ يوم خميس، فيقولُ: ازدادى طِيبًا لأوليائى، ازدادى حُسْنًا لأوليائى.
حدثنا ابن البرقى، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا محمد بن جعفر [وابنُ الدَّراوَرْدِيُّ]
(3)
، قالا: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ للجنةِ مِائَةَ درَجَةٍ، كلُّ درجةٍ كما
(4)
بين السماء والأرضِ، أعْلَى دَرَجَةٍ منها الفِرْدَوسُ، [وهو أوسطُ الجنةِ، ومنها تَفَجَّرُ أنهار الجنةِ، وعليها يَكُونُ العرشُ، فإذا سألتم الله فسَلُوه الفِردَوسَ"
(5)
.
حدثني أحمد بن يحيى الصُّوفيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الفرجِ الطائيُّ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، عن سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بن
(1)
في ص: "سريح"، وفى ت 1، ت 2، ف:"شريح".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 148 (15956)، وعبد بن حميد في مسنده (544)، والدارمي 2/ 333، وأبو نعيم في الحلية 2/ 316 من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به. وأخرجه أحمد 4/ 411 (19697)، والبخارى (4878، (7444)، ومسلم (180)، والترمذى (2528)، والنسائي في الكبرى (7765)، وابن ماجه (186)، والبيهقى في البعث (238) من طريق أبي عمران الجونى به.
(3)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"وابن دراوردى"، وهو عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردى. ينظر تهذيب الكمال 18/ 187.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"ما"، وفى م:"منها كما".
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
جُنْدُبٍ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الفِرْدَوْسُ
(1)
رَبُوةُ الجَنَّةِ، هي أَوْسَطُها وأحْسَنُها"
(2)
.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلمٍ، عن الحسن، عن سَمُرَةَ بن جندب، قال: أخبرنا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَن الفِرْدَوسَ هي أَعْلَى الجَنَّةِ وأَحْسَنُها وأَرفَعُها.
حدثني محمدُ بنُ مَرْزُوقٍ البَصْرِيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال للرُّبَيِّعِ ابنةِ النَّضْرِ: "يا أُمَّ حارِثَةَ، إنها جنانٌ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ
(3)
الفِرْدَوس الأعْلَى، والفردوس رَبُوةُ الجَنَّةِ وأَوْسَطُها وأفْضَلُها"
(4)
.
وقوله: {نُزُلًا} . يقول: منازل ومساكِنَ. والنُّزُلُ
(5)
: من النزول؛ وهو من نزول بعض الناس على بعضٍ. وأمَّا النُّزْلُ: فهو الرَّيْعُ
(6)
، يقال: ما لِطَعامِكم هذا
(1)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"من".
(2)
أخرجه الطبراني 7/ 258 (6886) من طريق سعيد بن بشير. به والبزار (3513 - كشف)، والطبراني 7/ 257 (6885) من طريق قتادة به. وأخرجه الطبراني 7/ 321 (708)، والبزار (3514 - كشف) من طريق آخر عن سمرة بن جندب بنحوه.
(3)
في الأصل: "أصابه".
(4)
أخرجه الترمذى (3174) من طريق روح به. وأخرجه ابن حبان (958)، والطبراني 24/ 262 (665) من طريق سعيد بن أبي عروبة به. وأخرجه أحمد 20/ 423 (13200)، 21/ 280، (13741)، 21/ 418، (14015)، والبخارى (2809) من طريق قتادة به. وأخرجه أحمد 19/ 276، (12252)، 20/ 455 (13200)، 21/ 302 (13871)، 21/ 416، (14011)، والبخاري (3982، 6550، 6567) من طرق عن أنس به.
(5)
في ص، م، ت 1، ف:"المنزل".
(6)
في ص، ت 2، ف:"الربع". وفى ت 1: "الرفع". والنُّزل والنَّزَل بالتحريك: الريع والفضل.
والريع: بركة الزرع وزكاؤه. والجمع أنزال. ينظر اللسان (ن ز ل).
نُزْلٌ. يراد به الرَّيْعُ
(1)
. وما وجدنا عندكم نُزُلًا: أي نُزولًا.
وقولُه: {خَالِدِينَ فِيهَا} . يقولُ: لابِثِينَ فيها أبدًا، [لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِولًا}. يقول: لا يريدون عنها تحوُّلا. وهو مصدرُ (تحوَّلتُ) أُخْرِج على
(2)
أصْلِه، كما يُقالُ: صَغُرَ يَصْغُرُ صِغَرًا، وعاج يَعُوجُ عِوَجًا.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد:{لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} . قال: مُتَحَوَّلًا
(3)
.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد بنحوه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سَمِعتُ مَخْلَدَ بنَ الحسين يقولُ، وسئل عنها، فقال: سَمِعتُ بعض أصحاب أنسٍ يقولُ: قال: يقولُ أوَّلُهم دخولًا: إنما أدخَلَنى اللهُ أوَّلَهم لأنَّه ليس أحد أفضلَ مِنِّي. ويقولُ آخِرُهم دُخُولا: إِنما أَخَّرَنى الله لأنَّه ليس أحدٌ أعطاه الله مثل الذي أعْطَاني.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)} .
(1)
في ص، ت 2، ف:"الربع".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"إلى".
(3)
تفسير مجاهد ص 452.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُل} له يا محمد: لو كان ماءُ
(1)
البحر {مدادا} للقلم الذي يَكْتُبُ
(2)
{كَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ} ماء البحر، {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}. يقولُ: ولو مَدَدْنا البحرَ بمثل ما فيه من الماءِ مَدَدًا. من قول القائل: جِئْتُكَ مَدَدًا لك. وذلك من معنى الزيادة.
وقد ذُكر عن بعضهم: (ولو جئنا بمثله مِدَادًا
(3)
)، كأنَّ قارِئَ ذلك كذلك أراد: لنَفِدَ البحرُ قبل أن تَنْفَدَ كلماتُ ربِّي، ولو زِدْنا مثل
(4)
ما فيه من المدادِ الذي يُكتَبُ به مِدَادًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث قال: الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي} : للقلم
(5)
.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ
(1)
سقط من: م، ت، ت 2.
(2)
في ت 1: "تكتب". وبعده في ص، م، ف:"به".
(3)
في م، ت 2، ف:"مددا". وقرأها: "مدادا" ابن محيصن والمطوعي. إتحاف فضلاء البشر ص 180.
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"بمثل".
(5)
تفسير مجاهد ص 452.
مَدادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي}. يقولُ: إِذًا لنَفِدَ ماءُ البَحْرِ قبلَ أَن [يَنْفَدَ كلامُ]
(1)
اللَّهِ وحكمه
(2)
.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} .
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أنا إنسان
(3)
مثلكم، من بني آدمَ لا عِلمَ لى إلا ما عَلَّمَنى الله، وإن الله يُوحى إليَّ أن معبودكم الذي يجبُ علَيْكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، معبود واحدٌ لا ثاني له ولا شَرِيكَ، {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ}. يقولُ: فمَنْ كان
(4)
يخافُ ربَّه يوم لقائِه، ويُراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا}. يقولُ: فليُخْلِص له العبادةَ، وليفرد له الرُّبوبية.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيع بن أبى راشد، عن سعيد بن جبير:{فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} . قال: ثواب ربِّه
(5)
.
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"تنفد كلمات".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 255 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"بشر".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(5)
تفسير سفيان ص 179، 180.
وقوله: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} . يقولُ: ولا يَجعَلْ اللَّهِ
(1)
شَريكًا في عبادته إيَّاه، وإنما يكون جاعلا له شريكًا بعبادته إذا راءَى بعمله الذي ظاهِرُه أَنَّه للَّهِ، وهو مريدٌ به غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمَرُ
(2)
بنُ عُبيدٍ، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ
(3)
: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} . [قال: لا يُرائي بعبادة ربِّه أحدًا]
(4)
.
حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} . قال: لا يُراثى.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبد الكريم الجَزريِّ، عن طاوس، قال: جاء رجلٌ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الجهاد في سبيل الله، وأُحِبُّ أن يُرَى مَوْطِنى ويُرَى مَكانِي. فأنزَل الله عز وجل:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)}
(5)
.
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"له".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عمرو". وهو خطأ. تنظر ترجمته، تهذيب الكمال 1/ 454.
(3)
بعده في م، ت 1، ف:"عن ابن عباس".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
والأثر أخرجه هناد في الزهد 4352، والبيهقي في الشعب (6855) من طريق عمر بن عبيد. وهو في تفسير الثورى ص 80 من طريق آخر عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 255 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
تفسير عبد الرزاق 1/ 414، وأخرجه الحاكم 4/ 329 من طريق معمر، وعزاه السيوطي في =
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ ومسلمِ بن خالد الزَّنْجيِّ، عن صَدَقَةَ بن يسارٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فذَكَر نحوَه، وزاد فيه: وإنِّي أعملُ العمل وأتصَدَّقُ، وأُحِبُّ أن يرانى
(1)
الناسُ. وسائر الحديثِ نحوه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بن يونسَ، عن الأعمشِ، قال: ثنا حمزةُ أبو عُمارة مولى بنى هاشمٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ. قال: جاء رجلٌ إلى عُبادةَ بن الصامت، فسأله فقال: أنْبِئْنى عمَّا أسألُك عنه؛ أرأيتَ رَجُلًا يصلِّى يَبْتَغِي وجه الله ويحبُّ أن يُحمَدَ، ويصومُ
(2)
يَبتَغِى وجهَ اللَّهِ ويحبُّ أن يُحمَدَ، [ويَتَصَدَّقُ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أَن يُحْمَدَ، ويَحُجُّ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أن يُحْمَدَ]
(3)
؟ فقال عُبادةُ: ليس له شيء؛ إن اللَّهَ عز وجل يقولُ: أَنا خَيْرُ شَرِيكٍ، فمَنْ كان له معى شَريكٌ
(4)
فهو له كله، لا حاجةً لى فيه
(5)
.
حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا هشام بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن عيَّاشٍ، قال: ثنا عمرو بن قيس الكِنْدِيُّ، أَنَّه سمع معاوية بن أبي سفيانَ [على المنبرِ]
(3)
تلا هذه الآية: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
= الدر المنثور 4/ 255 إلى ابن أبي الدنيا في الإخلاص وابن أبي حاتم والطبراني، وأخرجه البيهقي في الشعب (6854) من طريق معمر، موصولًا عن ابن عباس.
(1)
في ص، ت 1، ف:"يرى"، وفى م:"يراه".
(2)
بعده في م، ت 2:"و".
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
في الأصل، ت 2:"شرك".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 201 عن الأعمش به.
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبية أَحَدًا}. وقال: إنَّها آخِرُ آيةٍ أُنزِلت مِنَ القرآن
(1)
.
آخِرُ تفسيرِ سورةِ الكهفِ
(1)
أخرجه الطبراني في الكبير 19/ 392 (921) من طريق هشام بن عمار به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 257 إلى المصنف وابن مردويه.
تفسيرُ سورةِ مريمَ عليها السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله تعالى ذكرُه: [{كهيعص
(1)}.
اختلف أهل التأويل في تأويل قولِ اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه: كاف من {كهيعص} ؛ فقال بعضُهم: تأويل ذلك أنَّها حرفٌ من اسمه الذي هو كبيرٌ، دلَّ به عليه، واسْتَغنى بذكره عن ذكرِ باقى الاسم.
ذكر من قال ذلك
حدثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآيةِ:{كهيعص} . قال: كبير
(1)
. يعنى بالكبير: الكاف من {كهيعص} .
حدثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن حصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله
(2)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقولُ: {كهيعص} . قال: كافٌ: كَبيرٌ.
حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريَس، عن حُصَينِ، عن إسماعيلَ بن
(1)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات 1/ 231 (165)، والثورى في تفسيره ص 181، والضياء في المختارة 10/ 56، من طريق حصين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 258 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي شيبة.
(2)
ذكره الحافظ في الفتح 8/ 427.
راشدٍ، عن سعيد بن جبير {كهيعص}. قال: كاف: كبيرٌ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه
(1)
.
[حدثنا عمرو بن عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيِّبِ بن رافعٍ، عن أبيه في قوله: {كهيعص}، قال: اسمٌ من أسماء الله، كاف: كبير]
(2)
.
وقال آخرون: بل الكافُ من ذلك حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كافٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يحيى بن طلحةَ اليربوعيُّ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قوله:{كهيعص} . قال: كاف: كاف
(3)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله:{كهيعص} . قال: كاف: كافٍ.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن الكلبيِّ مثله
(4)
.
وقال آخرون: بل هو حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كريمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرٍو، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ:
(1)
تفسير الثورى ص 181.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
أخرجه البغوي في الجعديات (2232) من طريق شريك به، والحاكم 2/ 372، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (166) من طريق شريك عن سالم، عن سعيد عن ابن عباس قوله. وصححه الحاكم.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 3، عن معمر عن الكلبي. وينظر الدر المنثور 4/ 258.
{كهيعص} . قال: كافٌ من كريمٍ
(1)
.
وقال الذين فسَّروا ذلك هذا التفسير: الهاء من: {كهيعص} حرفٌ من حروف اسمه الذي هو هادٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ
(2)
، [عن إسماعيل بن راشدٍ]
(3)
، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: كان يقولُ في الهاءِ من: {كهيعص} : هادٍ
(4)
.
حدثنا أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيدٍ مثله.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير نحوه.
(1)
تفسير مجاهد ص 453، والدارمى في الرد على المريسى ص 11، والحاكم 2/ 371، 372، وعنه، البيهقي في الأسماء والصفات (164) من طريق عطاء عن سعيد عن ابن عباس قوله.
(2)
في م: "أبو حصين".
(3)
سقط من: م، ت 1، ف.
(4)
أخرجه سفيان في تفسيره (551)، والبيهقى في الأسماء والصفات (165)، والضياء في المختارة 10/ 56، من طريق حصين به، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 3، وعنه النحاس في معاني القرآن، والدارمي في الرد على المريسى ص 11، من طريق سعيد بن جبير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى آدم بن أبى إياس: وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثله
(1)
.
حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: ها: هادٍ
(2)
.
[حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافعٍ، عن أبيه، في قوله: {كهيعص}. قال: ها: هادٍ]
(3)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله:{كهيعص} . قال: ها: هادٍ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبيِّ مثلَه
(4)
.
واختلفوا في تأويل الياء من ذلك؛ فقال بعضُهم: هو حرفٌ من حروف اسمِه الذي هو يمينٌ
(5)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْر، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال:"يا" من:
(1)
تفسير الثورى (551).
(2)
أخرجه البغوي في الجعديات (2232) من طريق شريك به.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(4)
تقدم تخريجه في ص 444.
(5)
قوله: "اسمه الذي هو يمين". لم يثبت فيه نص، وأسماء الله توقيفية.
وقال ابن الأثير: أراد الياء من يمين وهو من قولك: يَمن الله الإنسان يُيَمِّنه فهو ميمون. والله يامن ويمين مثل قادر وقدير. النهاية 5/ 300.
{كهيعص} . ياءُ: يمين
(1)
.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصَين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير: ياءُ: يمينٌ.
حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبيه في قوله {كهيعص}. قال: ياء: يمين.
وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو حكيمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير:{كهيعص} . قال: يا: من حَكيمٍ
(2)
.
وقال آخرون: بل هي حرفٌ من قول القائل: يا مَن يُجيرُ.
(1)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (165) من طريق حصين به.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 3، ومن طريقه النحاس في معاني القرآن 4/ 304، والدارمي في الرد على بشر المريسى ص 11، والحاكم 2/ 371، 372، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (164)، والضياء في المختارة 10/ 300 من طريق عطاء عن سعيد عن ابن عباس قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 258 إلى آدم بن أبي إياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، من قول ابن عباس.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا إبراهيم بن أبي
(1)
الضُّرَيْسِ، قال: سمعتُ الربيع بن أنس في قوله: {كهيعص} . قال: يا مَنْ يُجيرُ ولا يُجارُ عَليه
(2)
.
واختَلَف مُتأوِّلو ذلك كذلك في معنى العَينِ؛ فقال بعضُهم: هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عالم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن
(3)
عطاءٍ، عن سعيدٍ:{كهيعص} قال: عينٌ من عالم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عن الكلبى مثله
(4)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا عمرو، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيَّبِ بن رافع، عن أبيه في قوله:{كهيعص} . قال: عين من عالم.
وقال آخرون: بل هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عزيز.
(1)
سقط من النسخ. والمثبت من الجرح والتعديل 2/ 107.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 258 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
في ص: "بن".
(4)
تقدم تخريجه في ص 444.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:{كهيعص} . عينٌ: عزيزٌ
(1)
.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله
(2)
.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
حدثني يحيى بن طلحةَ اليَرْبُوعى، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله:{كهيعص} . قال: عينٌ: عزيزٌ
(3)
.
وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عَدْلٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤقي، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله:{كهيعص} . قال: عينٌ: عَدْلٌ.
(1)
أخرجه سفيان الثوري في تفسيره (551)، والبيهقى في الأسماء والصفات (165)، والضياء في المختارة 10/ 56 من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 258، إلى الفريابي وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي شيبة.
(2)
تفسير الثورى (551).
(3)
أخرجه البغوي في الجعديات (2232) من طريق شريك به.
وقال الذين تأوّلوا ذلك هذا التأويلَ: الصادُ من قوله: {كهيعص} حرفٌ من حروف اسمه الذي هو صادقٌ.
ذكرُ الرّواية بذلك
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرنا الحصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: كان يقولُ في: {كهيعص} . صاد: صادقٌ
(1)
.
حدثني أبو حَصِين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، [عن حُصَين]
(2)
، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثله.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤق، عن الضحاكِ بن مزاحم، قال: صادٌ: صادقٌ.
(1)
أخرجه الثورى في تفسير (551)، والبيهقى في الأسماء والصفات (165) من طريق حصين به. وعبد الرزاق 2/ 3، والدارمى في الرد على بشر المريسى ص 11، والبغوى في الجعديات (2232)، والبيهقى في الأسماء والصفات (164، 166) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 258 إلى آدم بن أبى إياس وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
(2)
سقط من: ت 1، ت 2.
حدثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ، قال: صادقٌ، يعنى الصادَ مِن:{كهيعص}
(1)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَامٌ
(2)
، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيدٍ:{كهيعص} . قال: صادٌ: صادقٌ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن الكلبي، قال: صادقٌ
(3)
.
[حدثنا عمرو قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن أبى رافع، عن أبيه في قوله: {كهيعص}. قال: صادٌ: صادق]
(4)
.
وقال آخرون: بل هذه الكلمةُ كلُّها اسم مِن أَسماءِ اللَّهِ تعالى.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثنى سَلْمُ
(5)
بن قُتَيْبَةَ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عاتِكَةَ، عن فاطمة ابنة عليٍّ قالت: كان عليٌّ يقول: يا {كهيعص} اغْفِرْ لي
(6)
.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس
(1)
أخرجه البغوي في الجعديات (2232)، والبيهقى في الأسماء والصفات (166) من طريق شريك به.
(2)
بعده في ت 2: "عنبسة عن الكلبي".
(3)
تقدم تخريجه في ص 444.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(5)
في، م، ت 1، ت 2، ف:"سالم". وينظر تهذيب الكمال 11/ 232.
(6)
أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسى ص 11 وابن ماجه في تفسيره - كما في تهذيب الكمال 29/ 284 - كلاهما من طريق فاطمة به.
في قوله: {كهيعص} . قال: فإنَّه قَسَمٌ أقْسَم الله به، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ
(1)
.
وقال آخرون: كلُّ حرف من ذلك اسمٌ مِن أَسماءِ اللَّهِ عز وجل.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدثني مطرُ بنُ محمدِ الصَّبيُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهدِيٍّ، عن عبدِ العزيز بن مسلم القَسْمَليِّ، عن الربيع بن أنس، أنس، عن أبي العاليةِ، قال:{كهيعص} ليس منها حرفٌ إِلَّا وهو اسمٌ.
وقال آخرون: هذه الكلمةُ اسم من أسماء القرآن.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:{كهيعص} . قال: اسم من أسماءِ القرآن
(2)
.
قال أبو جعفرٍ: والقول في ذلك عندَنا نظيرُ القول في {الم} ، وسائرِ فواتحِ سُورِ القرآن التي افتُتِحَت أوائلها بحروف المعجَم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبلُ، فأغنَى عن إعادته في هذا الموضع
(3)
.
القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
(4)}.
(1)
أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسى ص 11، والبيهقى في الأسماء والصفات (163) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 258 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 3. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 258 إلى عبد بن حميد.
(3)
ينظر ما تقدم في 1/ 204 - 228.
اختلَف أهل العربية في الرافعِ للذِّكْرِ، والناصب للعَبْدِ؛ فقال بعض نحويِّي البصرةِ في معنى ذلك: كأَنَّه قال: ممَّا نَقُصُّ عليك ذكرُ رحمة ربَّكَ عَبْدَه. وانتصَب العبدُ بالرحمة كما تقولُ: ذِكْرُ ضَرْبِ زيدٍ عَمْرًا. وقال بعضُ نحويي الكوفة: رُفِعَتِ الذِّكرُ بـ {كَهيعص} ، وإن شِئْتَ أَضْمَرْتَ: هذا ذكرُ رَحْمَةِ رَبِّك. قال: والمعنى: ذِكرُ ربِّك عبده برحمته، تقديم وتأخيرٌ
(1)
.
قال أبو جعفرٍ: والقولُ الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يُقالَ: الذِّكرُ مرفوعٌ بمضمَرٍ محذوفٍ، وهو "هذا" كما فعل ذلك في غيرها من السُّورِ، وذلك كقول الله عزّ ذكرُه:{بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1]. وقوله: وقوله: {سُورَةٌ أَنزَلْنَهَا} [النور: 1]. ونحوِ ذلك. والعبد مَنْصوب بالرَّحْمةِ، وزكريا في موضعِ نصبٍ؛ لأنه بيان عن العَبْدِ. فتأويل الكلام: هذا ذكرُ رحمة ربِّكَ عَبْدَه زكريا.
وقوله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} . يقولُ: حين دعا ربه وسأله بنداءٍ خفيٍّ. يعنى: وهو مُسْتَسِرٌّ بدعائه ومسألَته إيَّاه ما سأل؛ كراهة منه للرِّياءِ.
كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} . أي: سِرًّا، وإن الله يعلمُ القلبَ النَّقيَّ، ويسمعُ الصوت الخفي
(2)
.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه:{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} . قال: لا يريدُ رياءً
(3)
.
(1)
ينظر معاني القرآن للفراء 2/ 161.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 206 عن قتادة.
(3)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 172، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 259 إلى ابن المنذر.
حدثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ، قال: رغِبَ زكريا في الولدِ، فقام فصلى، ثم دعا ربَّه سرًّا، فقال:{رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي} إلى {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}
(1)
.
وقوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} . يقول تعالى ذكره: فكان نداؤُه الخفيُّ - الذي نادى به ربَّه - أن قال: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي} . يعنى بقولِه: {وَهَنَ} : ضعُف ورقَّ من الكِبَرِ.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي} . أي: ضعف العظمُ منى.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي} . قال: نحل العظمُ
(2)
.
[حدثنا الحسنُ، قال: ثنا]
(3)
عبد الرزاق، قال الثوري: وبلغنى أن زكريا كان ابن سبعين سنةً
(4)
.
[وقوله: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}. يقولُ: وانتشر الشيْبُ في الرأْسِ]
(5)
.
وقد اختلف أهلُ العربية في وجهِ النصب في الشَّيْبِ؛ فقال بعضُ نحويي البصرة: نُصب على المصدر من معنى الكلام، كأَنَّه حين قال:{اشْتَعَلَ} ، قال: شَابَ. فقال: {شَيْبًا} على المصدرِ. قال: وليس هو في معنى: تَفَقَّأْتُ
(1)
تقدم تخريجه في 5/ 360، 361.
(2)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 259، 260 إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"قال".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم.
(5)
سقط من: ص، م.
شحْمًا، وامتلأتُ ماءً؛ لأن ذلك ليس بمصدرٍ. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير. لأنَّه يُقالُ: اشتعَلَ شيب رأسى. واشتعل رأسى شَيْبًا. كما يُقالُ: تَفَقَّأْتُ شحْمًا. وتَفَقَّأَ شحْمِي.
وقوله: {وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائكَ رَبِّ شَقِيًّا} . يقولُ: ولم أَشْقَ يا ربِّ بدعائك؛ لأنك لم تُخيِّبْ دعائى قبل إذ كنتُ أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضى حاجتي قِبَلك.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله:{وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} . يقول: قد كنتَ تُعرِّفُني الإجابة فيما مضى.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)} .
يقولُ: وإني خِفْتُ بنى عمى وعَصَبَتي {مِنْ وَرَائِي} . يقولُ: مِن بعدى أن يَرثونى. وقيل: عنى بقوله: {مِنْ وَرَائِي} مِن قُدَّامي و
(1)
بينَ يَدَيَّ وقد بيَّنتُ وجه جوازِ ذلك فيما مضى قبل
(2)
.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
بعده في م: "من".
(2)
تقدم في 13/ 617، 618.
أبيه، عن ابن عباسٍ، قوله:{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى} . يعنى بالموالى: الكلالة الأولياء؛ أن يَرِثوه، فوهَب الله له يحيى
(1)
.
حدثنا يحيى بن داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى} . قال: العَصَبَةَ
(2)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ في قوله:{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى} . قال: خاف موالىَ الكلالة
(3)
.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، بنحوه.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ:{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى} . قال: يعنى الكلالة.
حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ:{خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى} . قال: [العَصَبَة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه]
(4)
.
حدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:
(1)
فتح القدير 3/ 325، وتفسير القرطبي 11/ 78، عن ابن عباس بنحوه.
(2)
التبيان 7/ 93 عن أبي صالح به، وفتح البارى 8/ 12، وعزاه إلى المصنف.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 206، والبحر المحيط 6/ 173.
(4)
أخرجه الثورى في تفسيره ص 188 (553) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 259 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى} . قال: العَصْبَةُ
(1)
.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ:{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى} : والموالى: هنَّ العَصَبَةُ
(2)
.
والموالى: جمعُ مَوْلًى، والمولى والوَلِيُّ في كلام العرب واحدٌ.
وقرأت قرأة الأمصار {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ} . بمعنى الخوف الذي هو خلافُ الأمنِ. وروى عن عثمان بن عفان أنه قرأه: (وإنَّي خَفَّتِ المَوَاليَ): بتشديدِ الفاءِ وفتح الخاء من الخفَّةِ
(3)
، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهَبَتْ عَصَبَتى ومَن يَرِثُنى، من بنى أعمامي.
وإذا قُرِئ ذلك كذلك؛ كانت الياءُ من "الموالى" مُسَكَّنةً غير متحركةٍ؛ لأنها تكونُ في موضع رفع بـ "خَفَّت".
وقوله: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} . يقولُ: وكانت زوجتى لا تَلِدُ. يُقالُ منه: رجلٌ، عاقرٌ، وامرأةٌ عاقرٌ. بلفظِ واحدٍ، كما قال الشاعر
(4)
:
لَبِئْسَ الفتى إن كُنْتُ أَعُورَ عَاقِرًا
…
جبانًا فما عُذْرِى لَدَى كلِّ مَحضَرِ
وقوله: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا} . يقولُ: فارْزُقْنى مِن عندك ولدًا وارثًا ومُعينًا.
وقوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . يقولُ: يَرِثُنى مِن بعدِ وفاتي ماليَ،
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 3 عن معمر به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 19/ 51 من طريق عبد الرزاق به.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 206، والتبيان 7/ 93.
(3)
ينظر البحر المحيط 6/ 174.
(4)
هو عامر بن الطفيل، وقد تقدم البيت في 5/ 381، 382.
ويَرِثُ من آل يعقوب النبوَّةَ، وذلك أن زكريا كان من ولدِ يعقوبَ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالح قوله:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . يقولُ: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ مِن آلِ يعقوبَ النبوَّةَ
(1)
.
حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالح في قوله:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . قال: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّةَ.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ في قوله:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . قال: يَرِثُنى مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّة
(2)
.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 207 من طريق جابر بن نوح. وينظر التبيان 7/ 94.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 207 عن هشيم به، وينظر التبيان 7/ 94.
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . قال: وكان [وراثته علما]
(1)
، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ
(2)
.
[حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان وراثته
(3)
علمًا، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ]
(4)
.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن الحسن في قوله:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . قال: [نبوَّتَه وعلمَه]
(5)
(6)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحِم الله أخى زكريَّا، ما كان عليه مِنْ وَرَثَةِ ماله حين يقولُ: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} "
(7)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . قال: كان الحسنُ يقولُ: يَرثُ نبوّتَه وعلمَه، قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآيةَ، وأتى على:{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} .
(1)
في ص، ت 2، ف، وإحدى نسخ تفسير مجاهد:"ورثه غلاما". وفي ت 1: "ورثه علما".
وينظر تفسير ابن كثير 5/ 207، وينظر الأثر الآتي.
(2)
سقط من: ت 2.
(3)
تفسير مجاهد ص 453 من طريق ورقاء به، وينظر التبيان 7/ 94، وتفسير ابن كثير 5/ 207.
(4)
في ت 1: "وارثه".
(5)
في ت 2: "نبوة وعلما".
(6)
تفسير عبد الرزاق 2/ 3 عن معمر به، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 9/ 51، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 259 إلى عبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم.
(7)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 208 عن المصنف.
قال: "رحِم الله زكريا ما كان عليه من وَرَثَتِه".
حدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"يَرْحَمُ اللهُ زَكريا، وما كان عليه مِن وَرَثَتِهِ، ويَرْحَمُ الله لوطًا؛ إن كان لَيَأْوِى إِلى رُكْنٍ شديدٍ"
(1)
.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ:{فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . قال يَرِثُ نبوَّتى ونبوَّةَ آلِ يعقوبَ
(2)
.
واختلفت القرأة في قراءة قوله: {ويَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ؛ فقرَأت ذلك عامة قرأة المدينة ومكةَ، وجماعةٌ من أهل الكوفة:{يرثني وَيَرِثُ} ، برفع الحرفين كليهما
(3)
، بمعنى: فهب ليَ الذي يَرِثُنَى وَيَرِثُ من آلِ يعقوبَ، وعلى أَنَّ {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} من صلة
(4)
الوليِّ. وقرَأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة والبصرة: (يَرِثْنى ويَرِثُ). بجزمِ الحرفين على الجزاء والشرط
(5)
، بمعنى: فَهبْ لي من لدنك وليًّا؛ فإنه يَرِثُنى إذا وهبْتَه لي. وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع؛ لأن {يَرِثُنِي} مِن آية غير التي قبلَها. قالوا: وإنما يحسُن أن يكون مثل هذا صلةً؛ إذا كان غير منقطعٍ عما هو له صلةٌ، كقوله {رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص: 34].
قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب
(6)
قراءة من قرَأه برفعِ
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 3، وآخر الحديث له أصل في الصحيحين:"يرحم الله لوطًا" عن أبي هريرة مرفوعًا. البخارى (3375، 3387)، ومسلم (2370، 151، 153).
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 259 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة. السبعة ص 407.
(4)
في ف: "صفة". والصلة هنا يريد بها الصفة. مصطلحات النحو الكوفي ص 45.
(5)
قراءة أبي عمرو والكسائي. السبعة ص 407.
(6)
القراءتان متواترتان.
الحرفين على الصلة للوليِّ؛ لأنّ الوليَّ نِكرةٌ، وأن زكريَّا إنما سأل ربه أن يَهَبُ له وليًّا يكون بهذه الصفة، كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنه سأله وليًّا، ثم أخبر أنه إذا وهِب له ذلك كانت هذه صفته؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريَّا دخولًا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه.
وقوله: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} . يقولُ: واجعَلْ يا ربِّ الوليَّ الذي تهَبه لي مرضِيًّا ترضاه أنت، ويرضاه عبادُك دينًا وخُلُقًا وخَلْقًا.
والرَّضِيُّ "فَعِيلٌ" صُرِف مِن "مفعولٍ" إليه.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)} .
يقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربُّه، فقال له: يا زكريا إنا نُبَشِّرُك بهبتِنا لك غلامًا اسمه كان قتادةُ يقولُ: إنما سمَّاه الله يحيى لإحيائه إيَّاه بالإيمان.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} . عبدًا
(1)
أحياه الله بالإيمانِ
(2)
.
وقوله: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لم تلد مثله عاقرٌ قطُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس
(1)
في م: "عبد".
(2)
في ص، م، ت 2، ف:"للإيمان". وتقدم هذا الأثر في 5/ 370.
قوله ليحيى: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} . يقولُ: لم تلدِ العواقرُ مثله ولدًا
(1)
.
وقال آخرون: بل معناه: لم نجعَلْ له من قبله مِثْلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى أبو الربيع، قال: ثنا سلمُ
(2)
بن قتيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكمِ، عن مجاهد في قوله:{لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} . [قال: شِبْهًا]
(3)
.
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله قوله:{لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} . قال: مِثْلًا
(4)
.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يُسَمَّ باسمه أحدٌ قبلَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ
(1)
بعده في م: "قط".
والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 208، والبغوى 5/ 220 عن ابن أبي طلحة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م، ت 1، ف:"سالم"، وفى ت 2:"سلام". وينظر تهذيب الكمال 11/ 232.
(3)
سقط من ت 1، ف، وفى م:"قال شبيها".
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 562 (11959) من طريق شعبة به.
(4)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
مِن قَبْلُ سَمِيًّا}. لم يُسَمَّ به أحدٌ قبله.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله:{لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} . قال: لم يُسَمَّ يحيى أحدٌ قبله
(1)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيج مثلَه
(2)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} . قال: لم يُسَمَّ أحدٌ قبله بهذا الاسم
(3)
.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: إِن اللَّهَ يُبشِّرُك بغُلام اسمه يحيى {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} . لم يُسمَّ أحدٌ قبله يحيى
(4)
.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ -أعنى قول من قال: لم يكن ليحيى، قبل يحيى، أحدٌ سُمّى باسمه- أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذى نَهَبُ لك، الذى اسمه يحيى، من قبله أحدًا مُسمّى باسمه.
والسَّمِيُّ. "فعيلٌ" صُرِف مِن "مفعول" إليه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)} .
يقول تعالى ذكره: قال زكريا لمَّا بشَّره الله بيحيى: ربِّ أَنَّى يكونُ
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 4.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 208، والطوسى في التبيان 7/ 97 عن ابن جريج.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 208، والطوسى في التبيان 7/ 98، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 175 عن ابن زيد.
(4)
ذكره القرطبي 11/ 83، والطوسى في التبيان 7/ 97 عن السدى.
لي غُلامٌ، ومن أيِّ وجهٍ يكون لي ذلك، وامرأتى عاقرٌ لا تَحبَلُ، وقد ضعُفْتُ من الكِبَرِ عن مباضعةِ النساءِ؟! أبأن تُقَوِّيَنى على ما ضعُفْتُ عنه مِن ذلك، وتجعلَ زوجتى ولودًا -فإنك القادرُ على ذلك، وعلى ما تشاءُ- أم بأن أنكِحَ زوجةً غيرَ زوجتى العاقرِ؟ يَسْتَثْبِتُ ربَّهُ الخبرَ عن الوجه الذى يكونُ من قِبَلِه له الولد الذى بشَّره الله به، لا إنكارًا منه صلى الله عليه وسلم حقيقةَ كون ما وعده الله من الولدِ، وكيف يكون ذلك منه إنكارًا لأنْ يَرْزقَه الولد الذى بشَّره به، وهو المُبتدِئُ مسئلةَ ربِّه ذلك بقوله:{فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} . بعد قوله: {إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} ؟!
وقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنى موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نادى جبريل زكريا: إِنَّ اللهَ يُبشِّرُك بغلام اسمه يحيى لم يَجعَلْ
(1)
له مِن قبل سميًّا. فلما سمِع النداءَ جاءَه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذى سمِعتَ ليس من الله؛ إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان مِن اللهِ أوحاه إليك كما يُوحى إليك غيره من الأمر. فشك مكانه
(2)
وقال: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} . يقولُ: من أين يكون {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ}
(3)
[آل عمران: 40]؟!
وقوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} . يقولُ: وقد عَتَوتُ مِن الكِبَرِ فصرتُ نَحِلَ العظامِ يابسَها.
يقالُ. منه للعودِ اليابس: عودٌ عاتٍ وعاسٍ. وقد عتَا يَعْتُو عِتِيًّا وعُتُوًّا، وعَسَى
(1)
في م: "نجعل".
(2)
سقط من: ت 1، ف، وفي ص بياض يسع كلمة.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 644 (3473) من طريق عمرو به.
يَعْسُو عُِسِيًّا وعُسُوًّا، وكلُّ متناهٍ إلى غايته في كِبْرٍ أو فسادٍ أو كفرٍ، فهو عاتٍ وعاسٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، قال: قد علمتُ السُّنَّةَ كلَّها، غيرَ أنى لا أدرى أكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقرأُ في الظهر والعصر أم لا؟ ولا أدرى كيف كان يقرأُ هذا الحرفَ:(وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا)
(1)
، أو (عُسِيًّا)
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} . قال: يعنى بالعِتيِّ الكِبَرَ
(3)
.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{عِتِيًّا} . قال: نُحولُ العَظْمِ
(4)
.
(1)
كذا بالضم كما في ص، وكما هو في أصول مسند أحمد، وكما ضبط في اللسان (ع س ا)، وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم:{عِتيا} بالكسر. السبعة ص 407.
(2)
أخرجه أحمد (2246)، وأبو داود (809)، والطحاوى في المعانى 1/ 205 من طريق هشيم به. ورواية أبي داود والطحاوى مختصرة. وأخرجه أحمد (2332)، والحاكم 2/ 244، وقال: صحيح على شرط البخارى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 209.
(4)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:{مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} . قال: سنًّا، وكان ابن بضعٍ وسبعينَ سنةً
(1)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} . قال: العِتيُّ: الذي قد عتا عن الولد فيما يَرَى في نفسِه لا يُولَدُ له
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} . قال: هو الكِبَرُ.
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} .
يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبًا له: {قَالَ كَذَلِكَ} . يقولُ: هكذا الأمر كما تقولُ من أنّ امرأتك عاقرٌ، وأنك قد بلغت من الكِبَرِ العتيَّ، ولكنَّ ربَّك يقولُ: خلق ما بشَّرتُك به من الغلام الذى ذكرتُ لك أن اسمَه يحيى عليَّ
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 4، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، بلفظ:"هرمًا".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى ابن أبي حاتم.
هينٌ. فهو إذن من قوله: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَى هَيِّنٌ} . كناية عن الخلقِ.
وقوله: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} . يقول تعالى ذكرُه: وليس خلْقُ ما وعَدتُك أن أَهَبَه لك من الغلام الذى ذكرتُ لك أمره منك مع كِبَرِ سنِّك، وعُقم زوجتك بأعجبَ مِن خَلْقِيك
(1)
، فإني قد خلَقتُك، فأَنشَأْتُك بشرًا سويًّا مِن قبل خَلْقى ما بشَّرتُك بأنى واهبُه لك من الولدِ، ولم تك شيئًا، فكذلك أَخْلُقُ لك الولد الذى بشَّرتُك به من زوجتك العاقر، مع عِتِيِّك ووهَنِ عظامِك، واشتعال شيب رأسك.
وقوله: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي ءَايَةً} . يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا ربِّ اجعل لي عَلَمًا ودليلا على ما بشَّرتْنى به ملائكتك من هذا الغلامِ، عن أمرِك ورسالتك، وليطمئنَّ إلى ذلك قلبي.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً} . قال: قال: ربِّ اجعل لي آيةً أنَّ هذا منك.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال: ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعَل لي آية، قال الله:{آيَتُكَ} لذلك: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا}
(2)
.
[وقوله: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا}]
(3)
.
يقول جل ثناؤُه: علامتك لذلك، ودليلُك عليه أن لا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ ليال
(1)
في ت 1، ف:"خلقتك". وفي ت 2: "خلقك".
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 645 (3475) من طريق عمرو به.
(3)
ليست في النسخ، وزدناها وفقًا لما مضت عليه عادة المصنف في التفسير.
وأنت سوىٌّ صحيحٌ، لا علة بك من خَرَسٍ ولا مَرَضٍ يمنعك من الكلام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابنِ عباس:{ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} . قال: اعتُقِل لسانه من غير مرض
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} . يقولُ: مِن غَيرِ خَرَسٍ
(2)
.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا} . قال: لا يمنعك من الكلام مرضٌ
(3)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ:{أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} . قال: صحيحًا لا يمنعك من الكلام مرضٌ
(4)
.
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} : من غير بأس ولا خَرَسٍ، إنما عُوقب بذلك؛ لأنَّه
(5)
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 291 من طريق عطاء به. وقال: صحيح الإسناد.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
تفسير مجاهد ص 454 بلفظ الأثر التالى.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى عبد بن حميد.
(5)
سقط من: ص، ت 2، ف.
سأَل آيةً بعدما شافَهته الملائكة بذلك
(1)
مشافهةً، أُخِذ بلسانه حتى ما
(2)
يُطيقَ
(3)
الكلامَ، إلَّا ما
(4)
أومأ إيماءً
(5)
.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة في قوله:{ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} . قال: سويًّا من غير خرس
(6)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} : وأنت صحيح. قال: فحُبِس لسانه، فكان لا يستطيع أن يُكلِّم أحدًا، وهو في ذلك يُسَبِّحُ، ويَقرَأُ التوراة ويقرَأُ الإنجيلَ، فإذا أراد كلام الناس لم يَستَطِعْ أن يُكَلِّمهم
(7)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منَبِّهٍ اليمانيِّ، قال: أخذ الله بلسانه من غيرِ سوءٍ، فجعل لا يُطِيقُ الكلام، وإنما كلامُه قومَه بالإشارة، حتى مضت الثلاثةُ الأيامُ، التي جعلها اللهُ آيَةً لمِصْداقِ ما وعده من هبته له.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى:{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} . يقولُ: مِن غيرِ خَرَسٍ، إلا
(1)
سقط من: م.
(2)
سقط من: ت 1، ف. وبعده في م:"كان".
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ف:"ىصىص". وفى م: "يفيض". والصواب إن شاء الله ما أثبتناه، وينظر الأثر الآتي عن ابن إسحاق.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(5)
أخرج نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 645 (3478) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
(6)
تفسير عبد الرزاق 2/ 4.
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى ابن أبي حاتم، وينظر التبيان 7/ 97، والبحر المحيط 6/ 176، وتفسير ابن كثير 5/ 210.
رمزًا، فاعتُقِل لسانُه ثلاثة أيام وثلاث ليال
(1)
.
وقال آخرون: السوىُّ من صفة الأيام. قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعاتٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا} . قال: ثلاث ليالٍ متتابعاتٍ
(2)
.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فخرج زكريا على قومِه مِن مُصلَّاه حينَ حُبِس لسانه عن كلام الناسِ؛ آيةً من الله له على حقيقة وعدِه إياه ما وعَد.
فكان ابن جريج يقولُ في معنى خروجه من محرابه، ما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج:{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} . قال: أشرف على قومه من المحرابِ.
قال أبو جعفر: وقد بيّنا معنى المحراب فيما مضَى قبل بما أَغنَى عن إعادته في هذا الموضع
(3)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَخَرَجَ
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 645 (3477).
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 210 عن العوفى عن ابن عباس.
(3)
تقدم في 5/ 358.
عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ}. قال: المحرابُ مُصلَّاه. وقرَأ: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ}
(1)
[آل عمران: 39].
وقوله: {فَأَوْحَى إِلَيْهِم} . يقولُ: أشار إليهم. وقد تكون تلك الإشارة باليدِ وبالكتاب وبغير ذلك مما يُفهَمُ به عنه ما يريدُ، وللعرب في ذلك لغتان: وحَى، وأَوحَى؛ فمَن قال: وحَى. قال في "يفعَلُ": يَحِى. ومَن قال: أَوْحَى. قال: يُوحِى. وكذلك أَوْمَى ووَمَى؛ فمَن قال: ومَى. قال في "يفعَلُ": يَمِى. ومَن قال: أَوْمَى. قال: يُومِى.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذى به
(2)
أَوحَى إلى قومه؛ فقال بعضُهم: أَوحَى إليهم إشارةً باليدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{فَأَوْحَى} : فأشار زكريا
(3)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهد مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى ابن أبي حاتم، وينظر التبيان 7/ 99.
(2)
سقط من: م.
(3)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
ابنِ منبهٍ: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} . قال: الوحى: الإشارةُ
(1)
.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:{فَأَوْحَى إِلَيْهمْ} . قال: أَومَى إليهم
(2)
.
وقال آخرون: معنى أَوحَى: كتَب.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوّامِ، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد في قول الله تعالى:{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . قال: كتب لهم في الأرضِ
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ:{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} . قال: كتَب لهم
(4)
.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ:{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} ، فكتَب لهم في كتاب:{أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . وذلك قوله: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ}
(5)
.
وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: {فَأَوْحَى
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 210.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 4، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى عبد بن حميد.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 210.
(4)
تفسير عبد الرزاق 2/ 5، وتفسير الثورى ص 185، وزاد الثورى في سنده إبراهيم النخعي بعد الحكم.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 210.
إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}. قال: ما ندرِى
(1)
، كتابا كتبه لهم، أو إشارةً أشارها! والله أعلم. قال: أمرهم أن سَبِّحوا بكرةً وعشيًّا، وهو لا يكلمهم.
وقوله: {أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . قد بيَّنتُ فيما مضى الوجوهَ التي ينصرفُ فيها التسبيحُ
(2)
، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكرُ اللهِ، فيكونَ أمَرهم بالفراغ لذكر الله في طرَفَي النهارِ بالتسبيحِ، ويجوز أن يكونَ عَنَى به الصلاةَ، فيكون أمَرهم بالصلاة في هذين الوقتين.
وكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادة في قوله: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . قال: أومَى إليهم أن صلُّوا بُكرة وعشيًّا
(3)
.
القول في تأويل قوله تعالى: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)} .
يقول تعالى ذكره: فوُلِد لزكريا يحيى. فلما وُلِد قال الله له: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} . يعنى كتابَ اللهِ الذى أنزله على موسى وهو التوراة، {بِقُوَّةٍ}. يقولُ: بجِدٍّ.
كما حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قوله:{خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} . قال: بجدٍّ
(4)
.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(1)
في م: "أدرى".
(2)
تقدم في 1/ 504 وما بعدها.
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 4، ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في تاريخه 19/ 52.
(4)
تفسير عبد الرزاق 1/ 47، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 130 (658) عن الحسن به.
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} . قال: بجدٍّ
(1)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
وقال ابن زيد في ذلك ما حدَّثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}
(2)
: أن يعمل بما أمره الله، ويُجانِبَ فيه ما نهاه الله.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وقد بيَّنتُ معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابِنا هذا في سورةِ "آل عمران"، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع
(3)
.
وقوله: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} . يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهمَ بكتابِ الله في حال صباه، قبل بلوغِه أسنانَ الرجالِ.
وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبد الله بن المباركِ، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحدٍ في هذه الآية:{وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا} . قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهَبْ بنا نلعب. فقال: ما للَّعب خُلِقتُ. فأنزل الله: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}
(4)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 260 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
بعده في م، ت 2:"قال القوة".
(3)
تقدم في 5/ 374 وما بعدها.
(4)
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 18/ 87 (مخطوط) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 4 - ومن طريقه أحمد في الزهد ص 90 - عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 261 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطى.
وقولُه: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} . يقول تعالى ذكره: ورحمة منا به ومحبةً له؛ آتيناه الحكمَ صبيًّا.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنانِ؛ فقال بعضُهم: معناه: الرحمة. ووَجَّهوا الكلامَ إلى نحو المعنى الذى وجَّهناه إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباس قوله:{وَحَنَانًا مِن لَّدُنَّا} يقولُ: ورحمةً مِن عندنا
(1)
.
حدَّثنا محمد بن المثنّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماكٍ، عن عكرمة، في هذه الآية:{وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا} . قال: رحمةً
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادةَ في قوله:{وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا} . قال: رحمةً مِن عندِنا
(3)
:
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ قولَه:{وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَا} . قال: رحمةً مِن عندنا، لا يملكُ عطاءَها أحدٌ غيرُنا
(4)
.
حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 261 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 211.
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 4، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 261 إلى عبد بن حميد.
(4)
ينظر التبيان 7/ 99، وتفسير ابن كثير 5/ 211.
سليمانَ، قال: سمعت الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} . يقولُ: رحمةً من عندنا، لا يقدِرُ على أن يعطيَها أحدٌ غيرُنا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمةً من عندنا لزكريا؛ آتيناه الحكم صبيًّا، وفعلنا به الذي فعلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه:{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} . يقولُ: ورحمةً من عندنا [رحِم الله بها زكريا]
(1)
(2)
.
وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفًا من عندنا عليه؛ فعلنا ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله:{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} . قال: تعطُّفًا من ربِّه عليه
(3)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وقال آخرون: بل معنى الحنان المحبة. ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبةً من عندنا عليه
(4)
فعلنا ذلك.
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف. قال ابن كثير: وقد ذكر هذا الأثر عن ابن عباس: "وزاد قتادة: رُحم بها زكريا".
(2)
ينظر التبيان 7/ 99، وتفسير ابن كثير 5/ 211.
(3)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 261 إلى عبد بن حميد.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكام، عن عنبسةَ، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة:{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} . قال: محبةً عليه
(1)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {وَحَنَانًا} . قال: أما الحنان فالمحبة
(2)
.
وقال آخرون: معناه: تعظيمًا منَّا له.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عطاء بن أبي رباح:{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} . . قال: تعظيمًا مِن لدُنَّا
(3)
.
وقد ذُكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا أدرى ما الحنانُ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لا
(4)
والله ما أدرى ما حنانًا
(5)
.
(1)
ينظر التبيان 7/ 99، وتفسير ابن كثير 5/ 211.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 211.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 211.
(4)
سقط من: م.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 261 بلفظ: "لا أدرى ما هو إلا أنى أظنه تعطف الله على خلقه بالرحمة". إلى عبد الرزاق والفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجى في أماليه وصححه البيهقي في الأسماء والصفات.
والذي أخرجه الحاكم 2/ 372 وصححه، والبيهقى في الأسماء والصفات (141) من طريق عكرمة عن ابن عباس إنما فيه:" {وحنانًا من لدنا}. قال: التعطف بالرحمة".
[حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ سعيد بن جبير عن قوله: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا}. قال: سألتُ عنها ابن عباسٍ فلم يُحِرْ فيه شيئًا]
(1)
.
وللعرب في "حَنَانَك" لغتانِ؛ تقولُ: حَنَانَك يا ربَّنا، وحنانيك. كما قال طَرَفَةُ بنُ العبد في "حنانيكِ"
(2)
:
أبا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنا
…
حَنانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِن بعضِ
وقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى
(3)
:
ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بْنِ جَرْمِ
…
مَعِيزَهُمُ! حنانَكَ ذَا الحَنانِ
وقد اختلف أهلُ العربية في "حنانيك"؛ فقال بعضُهم: هو تثنية "حنانٍ". وقال آخرون: بل هي لغةٌ، وليست بتثنيةٍ؛ قالوا:[وذلك كقولهم]
(4)
: حَوَالَيك. وكما قال الشاعرُ
(5)
:
ضَرْبًا هَذَاذَيْكَ
(6)
وطَعْنًا وَخْضًا
(7)
وقد سوَّى بين جميعِ ذلك الذين قالوا: حنانيك تثنيةٌ. في أن كل ذلك تثنية. وأصل ذلك، أعنى الحنانَ، مِن قول القائل: حنَّ فلانٌ إلى كذا. وذلك إذا ارتاح إليه
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف. والأثر قد عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 261 إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير 5/ 211.
(2)
ديوان طرفة ص 172.
(3)
ديوانه ص 143.
(4)
في ت 2: "وكذلك قولهم".
(5)
البيت للعجاج. ديوانه ص 92.
(6)
هذاذيك: أي هذًّا بعد هذٍّ، يعني: قطعا بعد قطع. اللسان (هـ ذ ذ).
(7)
الوخض: الطعن غير الجائف. وقيل: الجائف. وهو طعن الأجواف. اللسان (و خ ض)، وينظر الكتاب 1/ 350.
واشتاق، ثم يقالُ: تحنَّنَ فلانٌ على فلانٍ. إذا وُصِف بالتعطُّفِ عليه والرقة به والرحمة له، كما قال الشاعر
(1)
:
تحَنَّنْ علَيَّ هَدَاكَ المَلِيكُ
…
فإِنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا
بمعنى: تعطَّف عليَّ. فالحنانُ مصدرٌ من قول القائل: حنَّ فلانٌ على فلانٍ. يقال منه: حنَنْتُ عليه، فأنا أحِنُّ عليه حنينا وحنانًا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجلِ: حَنَّتُه. لتَحَنُّنِه عليها وتعطُّفِه، كما قال الراجز
(2)
:
ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ
ولَمْ تَضِرْنِي حَنَّةٌ وَبَيْتُ
وقوله: {وَزَكَاةً} . يقول تعالى ذكرُه: وآتَيْنا يحيى الحكم صبيًّا، {وَزَكَاةً} . وهو الطهارة من الذنوبِ، واستعمالُ بدنه في طاعة ربِّه، فالزكاةُ عطفٌ على الحكم من قوله:{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ} .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{وَزَكَاةً} . قال: الزكاةُ: العمل الصالح
(3)
.
(1)
تقدم في 1/ 167 بغير هذه الرواية، وفيه:"ولا تعجلنى هداك المليك". وينظر تخريجه ثمَّ.
(2)
تقدم في 14/ 413، ورواية البيت الثانى مختلفة عما هنا قال:
ولم يلتني عن سُراها ليت
وسيأتى الاستشهاد بهذين البيتين في تفسير "الحجرات" آية 14 باختلاف يسير، وقد نسبهما المصنف إلى رؤبة وليسا في ديوانه، وهما منسوبان في اللسان (ل ى ت، ح ن ن) إلى أبي محمد الفقعسى.
(3)
ينظر التبيان 7/ 100، وتفسير ابن كثير 5/ 211.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:{وَزَكَاةً} . قال: العمل الصالح الزكيُّ
(1)
.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: {وَزَكَاةً} . يعنى: العمل الصالح الزاكي
(2)
.
وقوله: {وَكَانَ تَقِيًّا} . يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفًا، مؤديًا فرائضَه، مجتنبًا محارمه، مسارعًا في طاعتِه.
كما حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا} . قال: طهُرَ فلم يعمَلْ بذنبٍ
(3)
.
حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَزَكَاةً وكان تَقِيًّا} . قال: أمَّا الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناسُ.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} .
يقول تعالى ذكره: وكان برًّا بوالديه، مسارعًا في طاعتهما ومحبتهما، غيرَ عاقٍّ بهما، {وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا}. يقول جل ثناؤُه: ولم يكُنْ مستكبرًا عن طاعةِ ربِّه وطاعة والديه، [ولكنه كان لله ولوالديه]
(4)
متواضعًا متذلِّلًا، يأتمر لما أُمِر
(1)
ينظر التبيان 7/ 100، وتفسير ابن كثير 5/ 212.
(2)
ينظر التبيان 7/ 100، وتفسير ابن كثير 5/ 212.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 261 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
سقط من: ت 1.
به، وينتهى عما نُهِيَ عنه، لا يَعْصِى ربَّه ولا والديه.
وقوله: {عَصِيًّا} . فعيلٌ بمعنى أنه ذو عصيانٍ، من قول القائلِ: عصَى فلانٌ ربَّه فهو يعصِيه
(1)
.
وقوله: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} . يقولُ: وأمانٌ من الله له يومَ وُلِد من أن يناله الشيطانُ من السوء بما ينالُ به بنى آدمَ. وذلك أنه رُوِى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إِلَّا ما كانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا".
حدَّثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيبِ، قال: ثنى ابن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك
(2)
.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:{جَبَّارًا عَصِيًّا} . قال: كان ابن المسيّبِ يذكُرُ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ أَحَدٍ يَلْقَى اللهَ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَّا ذَا ذَنْبٍ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا"
(3)
.
قال: وقال قتادةُ: ما أذنَب، ولا همَّ بامرأةٍ.
وقوله: {وَيَوْمَ يَمُوتُ} . يقولُ: وأمانٌ مِن اللهِ تعالى ذكره له مِن فَتَّانَيِ القبرِ، ومن هول المطلع، {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}. يقولُ: وأمانٌ له من عذاب الله يومَ القيامةِ، يوم الفزع الأكبرِ من أن يروعه شيءٌ، أو أن يُفزِعَه ما يُفزِعُ الخَلقَ.
(1)
بعده في م: "عَصْيًا".
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 373، وابن عساكر في تاريخه 18/ 82 (مخطوط) من طريق ابن إسحاق به. وأخرجه أحمد في الزهد ص 90 من طريق يحيى به موقوفًا.
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 6، وأخرجه من طريقه ابن عساكر في تاريخه 18/ 82 (مخطوط).
وقد ذُكر عن ابن عيينةَ في ذلك ما حدثنى أحمد بن منصورٍ المروزيُّ
(1)
، قال: أخبَرني صدقة بن الفضلِ قال: سمعتُ ابن عيينة
(2)
يقولُ: أوحش ما يكونُ الخلق في ثلاثة مواطنَ: يومَ يُولَدُ فيرى نفسَه خارجًا مما كان فيه، ويومَ يَموتُ فيرَى قومًا لم يكن عايَنَهم، ويومَ يُبعَثُ فيرى نفسه في محشرٍ عظيمٍ، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصّه بالسَّلامِ عليه، فقال:{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقَيا. فقال له عيسى: استَغفِرْ لي، أنتَ خيرٌ مِنِّي. فقال له الآخرُ: استَغفِرْ لي، أنتَ خيرٌ مِنِّى. فقال له عيسى: أنتَ خيرٌ مِنِّى؛ سلَّمتُ على نفسى، وسلَّم الله عليك. فعرَف والله فضلَها
(4)
.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)} .
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكرْ يا محمد في كتاب الله الذى أنزله عليك بالحقِّ، مريم ابنة عمران حين اعتزلتْ من أهلها، وانفردتْ عنهم. وهو افتعل
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"الفيروزى". وهو أحمد بن منصور بن راشد الحنظلي أبو صالح المروزي. ترجمته في تهذيب الكمال 1/ 491، وينظر أيضًا تهذيب الكمال 13/ 144.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"عطية".
(3)
أخرجه ابن عساكر 18/ 82 (مخطوط) من طريق أحمد بن منصور المروزي به.
(4)
أخرجه أحمد في الزهد ص 76 من طريق سعيد به. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 4 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 18/ 83 (مخطوط) - عن معمر عن قتادة به. ومن طريق جرير عن الحسن أخرجه أيضًا ابن عساكر في تاريخه 18/ 83 (مخطوط).
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 262 إلى أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
مِن النَّبذِ. والنَّبذُ: الطَّرحُ. وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ
(1)
.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ قوله:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} . أي انفرَدتْ مِن أهلها
(2)
.
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ
(3)
، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنة، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: [{إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} . قال: خرَجتْ مكانًا شرقيًّا.
حدَّثنا موسى، قال]
(4)
: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: خرَجتْ مريم إلى جانبِ المحرابِ؛ لحيضٍ أصابها، وهو قوله: فـ {انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} : في شرقيِّ المحرابِ
(5)
.
وقوله: {مَكَانًا شَرْقِيًّا} يقولُ: تنجَّتْ
(6)
واعتزلتْ مِن أهلها في موضعٍ قِبَلَ مشرقِ الشَّمس دون مغربِها.
(1)
تقدم في 2/ 309.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 264 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
في ت 2: "الغفار". وينظر تهذيب الكمال 12/ 20.
(4)
سقط من: ت 2.
(5)
جزء من أثر طويل أخرجه المصنف في تاريخه 19/ 599 - 601 بإسناده إلى السدى بسنده المعروف، وفيه:"فانتبذت". كما هنا، وصواب التلاوة:{إذ انتبذت} . وأخرجه بعضه الحاكم 2/ 593، والبيهقى الأسماء والصفات 2/ 211، وابن عساكر في تاريخه 19/ 527 (مخطوط) من طريق عمرو عن أسباط عن السدي بإسناده المعروف.
(6)
سقط من: ص، ت 1. وفى ف م:"فتنحت".
كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادةَ فى قوله:{مَكَانًا شَرْقِيًّا} . قال: مِن قِبَلِ المشرقِ
(1)
.
حدَّثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن ابن عباس، قال: إني لأعلمُ خلْقِ اللهِ لأيِّ شيءٍ اتخذتِ النَّصارى المشرق قبلةً؛ لقولِ الله: فـ {انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقيًّا} . فاتَّخذوا ميلادَ عيسى قبلةً
(2)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس مثله.
حدَّثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كُتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحجُّ إليه
(3)
، وما صرفهم عنهما
(4)
إلا قِيلُ رَبِّكَ: فـ {انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} . فصلوا قِبلَ مطلعِ الشَّمسِ
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} . قال: شاسعًا متنحيًا
(6)
.
وقيل: إنها إنما صارت بمكانٍ يلى مشرقَ الشمس؛ لأن ما يلى المشرقَ عندهم
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 6. زاد في آخره: "منتحيًا".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 214 عن المصنف، وتقدم طرف منه فى 10/ 543. وقد خرجناه ثم.
(3)
فى النسخ: "لله". والمثبت من مصدر التخريج، وهو ما يقتضيه السياق.
(4)
في ت 2: "عنها". وفى مصدر التخريج: "عنه".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 264، 265 إلى ابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير 5/ 213، والرواية فيهما:"فانتبذت".
(6)
في ص، ت 1، ف:"فسيحا". والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 264 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن كثير 5/ 214.
كان خيرًا مما يلى المغربَ، وكذلك ذلك فيما ذُكر عند العرب.
وقوله: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا} . يقولُ: فاتخذتْ من دون أهلها سِتْرًا يَسْتُرُها عنهم وعن الناسِ.
وذُكر عن ابن عباس أنها صارتْ بمكان يلى المشرق؛ لأن الله أظلَّها بالشمس، وجعَل لها منها حجابًا.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقيًّا} . قال: مكانًا أظلَّتْها
(1)
الشمس؛ أن يراها أحدٌ منهم
(2)
.
وقال غيرُه في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ:{فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا} : من الجدرانِ
(3)
.
وقوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} . يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حينَ انتبَذتْ من أهلها مكانًا شرقيًّا، واتخذتْ من دونهم حجابًا - جبريل.
وبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} . قال: أُرسل إليها، فيما ذُكِر لنا، جبريلُ
(4)
.
(1)
في ص، ت 1:"أضلتها".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 264 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
تقدم أوله في ص 483.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى ابن أبي حاتم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابنِ مُنَبِّهٍ، قال: وجَدتْ عندها جبريل قد مثَّله الله بشرًا سويًّا.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قوله:{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} . قال: جبريل
(1)
.
حدَّثني محمد بن سهلٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بن مَعقلٍ، ابن أخى وهبٍ، قال: سمعتُ وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: أرسل اللهُ جبريل إلى مريمَ، فمَثَل
(2)
لها بشرًا سويًّا
(3)
.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: فلما طهُرتْ يعني مريمَ - من حيضها، إذا هي برجلٍ معها، وهو قوله:{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} . [وهو جبريل]
(4)
.
وقولُه]
(5)
: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} . يقول تعالى ذكره: فتَشَبَّه لها في صورة آدميٍّ سويِّ الخَلْقِ منهم. يعني: في صورة رجلٍ من بنى آدم معتدلِ الخَلْقِ.
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)} .
يقولُ تعالى ذكره: فخافتْ مريمُ رسولَنا، إذ تمثَّل لها بشرًا سويًّا، وظنَّته رجلا يُرِيدُها على نفسها.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قوله:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 214 عن ابن جريج.
(2)
في ت 2: "فتمثل".
(3)
جزء من أثر مطول أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 593 - 599.
(4)
تقدم أوله في ص 483.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا} . قال: خَشِيَتْ
(1)
أن يكونَ (*) إنما يُرِيدُها على نفسها.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا} : فلمَّا رأته فزِعتْ منه، وقالت:{إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}
(2)
.
[قال أبو جعفرٍ]
(3)
: فقالت: إني أعوذُ، أيها الرجلُ، بالرحمن منك. تقولُ: أستجيرُ بالرحمن منك، أن تنال منى ما حرَّمه عليك، إن كنتَ ذا تقوى له تَتَّقى محارمَه، وتَجتَنِبُ معاصيه. لأن مَن كان لله تقيًّا، فإنه يَجْتَنِبُ ذلك، ولو وُجِّه ذلك إلى أنها عَنَتْ: إنى أعوذُ بالرحمنِ منك؛ إن كنتَ تَتَّقى الله في استجارتي واستعاذتي به منك. كان وجهًا.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ:{قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} : ولا تَرَى إلا أنه رجلٌ من بنى آدم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، قال: قال [أبو وائلٍ]
(4)
، وذكر قَصَصَ مريمَ، فقال: قد علِمتْ أن التقيَّ ذو نُهيةٍ حين قالت: {إِنِّي أَعُوذُ بالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا}
(5)
.
(1)
في ص، ت 1:"حسبت".
(*) من هنا يبدأ الجزء الخامس والثلاثون من مخطوط مكتبة جامعة القرويين (الأصل).
(2)
تقدم أوله في ص 483.
(3)
ليست في الأصل، ص، م، ت 1، ف.
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"ابن زيد".
(5)
أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق 4/ 37 - من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى ابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير 5/ 214.
[وقوله]
(1)
: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} . يقول تعالى ذكره: فقال لها رُوحُنا [الذى أرسلناه إليها]
(2)
: إنما أنا رسولُ ربِّكِ، يا مريم، أرسلني إليك:{لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} .
واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة الحجازِ والعراقِ غيرَ أبى عمرٍو: {لِأَهَبَ لَكِ} . بمعنى: إنما أنا رسولُ رَبِّكِ. يقولُ: أرسلني إليكِ {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} . على الحكاية، وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء:(لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا). بمعنى: إنما أنا رسولُ رَبِّكِ، أَرسَلني إليكِ، ليَهَبَ اللهُ لك غلامًا زكيًّا
(3)
.
والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو:{لِأَهَبَ لَكِ} . بالألف دونَ الياء؛ لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمينَ، وعليه قرأةُ قديمِهم وحديثهم، غير أبي عمرٍو، وغير جائزٍ خلافهم فيما أجمعوا عليه، ولا سائغٌ لأحدٍ خلافُ مصاحفهم.
والغلامُ الزكيُّ: هو الطاهر من الذنوبِ، وكذلك تقولُ العرب: غلامٌ زاكٍ وزكيٌّ، وعالٍ وعليٌّ.
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)} .
يقول تعالى ذكره: قالتْ مريمُ لجبريلَ: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} : من أيِّ وجهٍ
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
ينظر السبعة ص 408.
يكون لي غلامٌ؟ أَمِنْ قِبَلِ زوجٍ أتزوَّجُ، فَأُرزَقَه منه؟ أم يَبتَدِئُ اللهُ فِيَّ خلقَه ابتداءً؟ {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} من ولدِ آدم بنكاحٍ حلالٍ، {وَلَمْ أَكُ} -إذ لم يَمْسَسْنى منهم أحدٌ على وجه الحلالِ- {بَغِيًّا} بِغَيتُ ففعلتُ ذلك من الوجهِ الحرام، فحملتُ من زنًى.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} . يقولُ: زانيةً
(1)
.
{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} . يقول تعالى ذكره: قال لها جبريلُ: هكذا الأمرُ كما تصفين؛ مِن أنكِ لم يَمْسَسْك بشرٌ، ولم تَكُونى بغيًّا. ولكنَّ ربَّك قال:{هُوَ عَلَى هَيِّنٌ} . أي: خَلْقُ الغلام الذي قلتُ إِنِّي
(2)
أَهَبُه لك {عَلَيَّ هَيِّنٌ} : لا يَتَعَذَّرُ على خَلقه وهِبتُه لكِ مِن غيرِ فحلٍ يَفْتَحِلُكِ.
وقوله: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} . يقولُ: وكى نجعل الغلامَ الذي نَهَبُه لك علامةً وحُجَّةً لي على خلقى، أَهَبُه لكِ. {وَرَحْمَةً مِنَّا}. يقولُ: ورحمةً مِنَّا لكِ، ولمن آمن به
(3)
وصدَّقه، أخلُقُه مِنك. {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا}. يقولُ: وكان خلْقُه منكِ أمرًا قد قضاه الله، ومضَى في حكمه وسابق علمِه أنه كائنٌ منكِ.
كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنى مَن لا أَتَّهِمُ عن وهب بنِ مُنبِّهٍ: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} أي: إن الله قد عزَم على هذا
(4)
، فليس منه بدٌّ
(5)
.
(1)
تقدم أوله في ص 483.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"أن".
(3)
في ت 2: "بك".
(4)
في م: "ذلك".
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 216.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)} .
وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه، وهو:{فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} ؛ بغلامٍ {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ} . وبذلك جاء تأويل أهل التأويلِ.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريمِ، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعقِلٍ، ابنُ أخى وهب بن منبِّهٍ، قال: سمعتُ وهبًا قال: لما أرسَل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرًا سويًّا، فقالت له:{إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} . ثمَّ نفَخ في جيبِ درعِها حتى وصلتِ النفخةُ إلى الرحم فاشتمَلتْ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عَمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لما قال ذلك -يَعْنِي لما قال جبريلُ: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ} الآية - استسْلَمتْ لأمر الله، فنفخ في جيبِها ثُمَّ انصرف عنها.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: فخرَجتْ
(2)
عليها جلبابُها لما قال جبريلُ ذلك لها، فأخَذ جبريلُ
(1)
بعده في مصدر التخريج: "على عيسى". وقد تقدم طرف منه في ص 486.
(2)
في م: "طرحت"، وفى ت 2:"فرخت". وينظر مصادر التخريج.
بكُمَّيْها
(1)
، فنفخ في جيبِ دِرعِها، وكان مَشقوقًا من قُدَّامِها، فدخَلتِ النفخة صدرها، فحمَلتْ، فأتتها أختها امرأةُ زكريا ليلةً تزورُها، فلما فتحتْ لها الباب التزَمتْها، فقالت امرأة زكريا: يا مريمُ أُشْعِرتُ أنِّى حُبْلَى. قالتْ مريمُ: أُشْعِرتُ أنِّى أيضًا حُبْلَى. قالت امرأةُ زكريا: فإنِّي وجدتُ ما في بطنى يَسْجُدُ لما في بطنِك. فذلك قوله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ}
(2)
[آل عمران: 39].
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريجٍ: يقولون: إنه إنما نفَخ في جيب درعِها [وكمِّها]
(3)
.
وقوله: {فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} . يقولُ: فاعتزلت بالذي حمَلتْه، وهو عيسى، وتنحَّتْ به عن النَّاسِ، {مَكَانًا قَصِيًّا}. يقولُ: مكانا نائيًا قاصِيًا عن الناس. يقالُ: هو بمكانٍ قاصٍ، وقَصِيٍّ. بمعنًى واحدٍ، كما قال الراجزُ
(4)
:
لتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القصِيِّ
مِنِّىَ ذى القاذُورة المقليِّ
يُقال منه: قصَا المكان يقْصُو قُصُوًّا. إذا تباعد، و: أقصيتُ الشيءَ. إذا أبعدته وأخَّرتَه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
(1)
في ف، ومصادر التخريج عدا تاريخ المصنف:"بكمها".
(2)
تقدم أوله في ص 483.
(3)
سقط من: ت 2. وينظر تفسير القرطبي 4/ 92.
(4)
هو رؤبة بن العجاج، ديوانه (مجموع أشعار العرب) ص 188.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} . قال: مكانًا نائِيًا
(1)
.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{مَكَانًا قَصِيًّا} . قال: قاصِيًا
(2)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ]
(3)
مثله.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: لما بلَغ أن تَضَعَ مريم، خرَجتْ إلى جانب المحراب الشرقيِّ منه فأتتْ أقصَاه
(4)
.
وقوله: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} . يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذعٍ
(5)
. ثم قيل: لما أُسقطت الباء منه: أَجَاءَهَا. كما يُقَالُ: أَتيتُك بزيدٍ. فإذا حُذِفتِ الباء قيل: آتيتُك زيدًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96]. والمعنَى: ائتونى بزُبَرِ الحديدِ. ولكنَّ الألفَ مُدَّتْ لمَّا حُذِفتِ الباءُ، وكما قالوا: خرجتُ به وأخرَجتُه، وذهَبتُ به وأذهَبتُه.
(1)
في ص: "بائنا". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى المصنف.
(2)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ت 2.
(4)
تقدم أوله في ص 483.
(5)
بعده في م: "النخلة".
وإنما هو أفعلُ من المجيءِ، كما يُقالُ: جَاء هو، وأجأتُه أنا. أي: جئتُ به. ومَثَلٌ مِن أمثالِ العربِ: شرٌّ ما أَجَاءَنى إلى مُخَّةِ عُرقُوبٍ وأشاءني
(1)
. ويُقالُ: شرٌّ ما يُجيئُكَ ويُشيئُكَ إلى ذلك. ومنه قولُ زُهيرٍ
(2)
:
وجارٍ سَار مُعتَمِدًا إليكم
…
أجَاءَتْه المخافةُ والرَّجاءُ
يعنى: جاء به وألجأه
(3)
إلينا. وأشاءَك من لغة تميمٍ، وأجاءَك من لغة أهلِ العاليةِ، وإنما تأوَّل مَن تأوَّل ذلك بمعنى: ألجأها
(4)
؛ لأن المخاض لمَّا [جاءَ بها]
(5)
إلى جذع النخلة كان قد ألجأها إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} . قال: المخاضُ ألجأَها
(6)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ألجأها المخاضُ.
(1)
في م: "أشاء". ويضرب للمضطر جدًّا؛ لأن العرقوب لا مخ له. يقول: ما ألجأك إليها إلا شرٌّ. مجمع الأمثال 2/ 151.
(2)
شرح ديوانه ص 77.
(3)
في م: "أجاءه".
(4)
في ص، ت 1، ف:"أجاءها".
(5)
في م، ت 1، ف:"جاءها".
(6)
تفسير مجاهد ص 454، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
قال ابن جريج: وقال ابن عباسٍ: ألجأها المخاضُ إلى جذع النخلةِ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدى:{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} . [يقولُ: ألجأَها المخاضُ إلى جذع النخلةِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه:{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ}
(2)
. قال: اضْطَرَّها إلى جذع النخلة
(3)
.
واختلفوا في أي المكان الذى انتبذت مريمُ بعيسى لوضعه وأجاءَها
(4)
إليه المخاضُ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك في أدانى
(5)
أرض مصر، وآخر أرض الشام، وذلك أنها هربت من قومها لما حمَلتْ، فتوجهت نحو مصر هاربةً مِنهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن سهلٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمع وهبَ بنَ مُنبِّه يقولُ: لما اشتملت مريم على الحملِ كان معها ذو
(6)
قَرَابةٍ لها يُقالُ له: يوسفُ النَّجارُ. وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبلِ صِهْيَوْنَ
(7)
، وكان ذلك المسجد يومئذٍ من أعظم مساجدهم، فكانت مريمُ
(1)
تقدم أوله في ص 483.
(2)
سقط من: ت 2.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
في ت 2: "ألجأها"
(5)
في م، ت 2، ف:"أدنى".
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(7)
في الأصل، ت 2:"صيهون". وينظر مصدر التخريج.
قال في معجم البلدان 3/ 438: "قال أبو عمرو: صهيون هي الروم. وقيل: البيت المقدس. . . قلت: هو موضع معروف بالبيت المقدس، محلة فيها كنيسة صهيون، وصهيون أيضًا حصن حصين من أعمال سواحل بحر الشام من أعمال حمص". اهـ:
فأما صيهون فقد قال في معجم البلدان 3/ 458: "لا أدرى ما أصله إلا أن العمراني قال: صيهون اسم=
ويوسفُ يَخدُمانِ في ذلك المسجدِ في ذلك الزَّمانِ، وكان لخدمته فضلٌ عظيمٌ، فرَغبَا في ذلك، فكانا يليان معالجتَه بأنفسهما [وتجميرَه]
(1)
وكُناسته وطُهُورَه، وكلَّ عملٍ يُعمَلُ فيه، وكان لا يُعلَمُ
(2)
مِن أهل زمانهما أحدٌ أشدُّ اجتهادًا وعبادةً منهما، فكان أوَّلَ مَن أنكَر حَمْلَ مريمَ صاحبها يوسفُ، فلما رأى الذى بها استعظمه
(3)
وعظم عليه، وفَظع به، ولم يدر على ماذا يَضَعُ أَمرَها، فإذا أراد يوسفُ أن يتَّهمَها ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعةً قط، وإذا أراد أن يُبرئَها رأَى الذى ظهر عليها، فلما اشتدَّ عليه ذلك كلّمها، فكان أوَّلَ كلامه إيَّاها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمرٌ قد خشِيتُه، وقد حرصت على أن أُمِيتَه وأَكْتُمه في نفسى، فغلبني ذلك، فرأيتُ الكلام فيه أَشْفَى لصدرى، قالت: فقل قولا جميلًا، قال: ما كنتُ لأقول لكِ إلا ذلك، فحدثيني، هل يَنْبُتُ زرع بغير بذرٍ؟ قالت: نعم. قال: فهل تَنبُتُ شجرةٌ مِن غيرِ غيثٍ يُصِيبُها
(4)
؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولدٌ من غير ذَكَرٍ؟ قالت: نعم. قالت
(5)
: ألم تَعلَمُ أن الله تبارك وتعالى أَنْبَتَ الزَّرع يومَ خلقه من غير بذرٍ؟ والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أَنْبَتَه اللهُ مِن غيرِ بذرٍ، أَوَلم تعلمْ أن الله بقدرته أنبتَ الشجر بغير غيثٍ، وأنَّه جعل بتلك القدرة الغيثَ حياةً للشجر بعد ما خلق كل واحدٍ منهما وحده؟ أوْ
(6)
تقول: لن يَقدِرَ الله على أن يُنبت
= جبل وذكره هكذا بتقديم الياء على الهاء. والله أعلم بالصواب". اهـ.
قلت: ولعلهما واحد، كما يحدث تقديم وتأخير في حروف غير هذا من الكلمات والمراد واحد. والله أعلم.
(1)
في ص، ف:"وتخيره"، وفى م:"تحبيره"، وفى ت 1:"تحبره".
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"يعمل".
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"استفظعه". وينظر مصدر التخريج.
(4)
سقط من: ت 1.
(5)
سقط من: م، ف.
(6)
في ص، م، ت 1، ف:"أم". وينظر مصدر التخريج.
الشجرَ حتى استعان عليه بالماءِ، ولولا ذلك لم يَقدر على إنباته؟! قال يوسف لها: لا أقولُ هذا، ولكنّى أَعلَمُ أن الله تبارك وتعالى بقدرته على
(1)
ما يشاء، يقولُ لذلك: كنْ. فيكونُ. قالت مريمُ: أوَ لَم تَعْلَمْ أَنَّ الله تبارك وتعالى خلق آدمَ وامرأته من غيرِ أُنثى ولا ذَكَرٍ؟! قال: بلى. فلمَّا قالت له ذلك، وقع في نفسِه أن الذى بها شيءٌ مِن الله تبارك وتعالى، وأنَّه لا يَسعُه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك، ثم تَولَّى يوسُفُ خدمة المسجدِ، وكَفَاهَا كُلَّ عَمَلٍ كانتْ تَعْمَلُ فيه؛ وذلك لما رأى من رقَّةِ جسمِها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوء
(2)
بطنها، وضعف قوَّتِها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلمَّا دَنا نِفاسُها أَوحَى الله إليها أن اخرُجى من أرض قومك، فإنهم إن ظَفِرُوا بكِ عيَّروكِ وقتَلوا ولدَكِ، فأفضَتْ ذلك إلى أُختِها، وأختها حينئذٍ حُبْلَى، وقد بُشِّرَتْ بيحيى، فلما التقتا وجدتْ أمُّ يحيى ما في بطنها خرَّ لوجهه ساجدًا مُعترِفًا بعيسى
(3)
، فاحتملها يوسف إلى أرضِ مصرَ على حمار له، ليس بينَها حين ركبت الحمار
(4)
وبين الإكافِ شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخِمًا لأرضِ مصر في مُنقَطَعِ بلادِ قومها، أدرك مريمَ النِّفَاسُ، فألجأها إلى آرِىِّ حمارٍ -يَعنى مذود الحمارِ- وأصل نخلةٍ، وذلك في زمان [بردٍ أو حرٍّ -الشكُّ مِن أبي جعفرٍ]
(5)
- فاشتدَّ على مريم المخاضُ، فلما وجدتْ منه شدَّة التجأت إلى النخلةِ
(1)
في ت 1، ف:"علم".
(2)
في الأصل: "بناء"، وفى ص، ف:"ىىا"، وفي ت 1:"بنا"، وفي ت 2:"نبل". وينظر مصدر التخريج.
(3)
في ص، م، ت 2:"لعيسى".
(4)
سقط من: م.
(5)
في الأصل: "برد أو حر، يحسبه أبو جعفر". وفي ص، ت 1:"أحسبه برد أو حر". وفى م: "أحسبه بردًا أو حرًّا، الشك من أبي جعفر". وفي مصدر التخريج: "الشتاء".
فاحتضَنتْها، واحتوَشتْها الملائكةُ؛ قاموا
(1)
صفوفًا مُحدِقينَ بها
(2)
.
وقد رُوى عن وهب بن منبِّهٍ قولٌ آخر غير هذا، وذلك ما حدَّثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهب بن منبه، قال: لما حضَر ولادها، يعنى مريمَ، ووجدتْ ما تَجِدُ المرأةُ مِن الطَّلْقِ، خَرَجَتْ مِن المدينةِ مُغَرِّبَةٌ مِن إيلياءَ، حتى تُدرِكَها الولادة إلى قرية من إيلياءَ على ستة أميال يُقال لها: بيت لحمٍ. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مِذودُ بقرةٍ تحتَها رَبيع من الماء، فوضَعته عندها
(3)
.
وقال آخرون: بل خرجتْ لما حضَر وضعُها ما في بطنها إلى جانب المحرابِ الشَّرقيِّ منه، فأَتَتْ أقصاه فألجأها المخاض إلى جذع النخلةِ. وذلك قول السُّديِّ، وقد ذكرتُ الرواية به قبل
(4)
.
حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ ابن عباس يقولُ: ما هي إلا أن حَمَلتْ فوضعت
(5)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ: ليس إلا أن حمَلت فولدت.
(1)
في الأصل: "قياما". وينظر مصدر التخريج.
(2)
تقدم أوله في ص 486.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 217.
(4)
تقدم في ص 492.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 7 عن الثورى عن رجل عمن سمع ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 266 إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير الثورى ص 182 وتفسير ابن كثير 5/ 216.
وقوله: {قَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} . ذُكِر أنها قالتْ ذلك في حالِ الطَّلْقِ استحياءً مِن النَّاسِ.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قالت وهي تُطلَقُ مِن الحَبَلِ استحياءً من الناس: [{يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}
(1)
.
[وقوله: {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}]
(2)
: تقول]
(3)
: يا ليتني متُّ قبلَ هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتى المولود من غير بعلٍ، {وَكُنتُ نَسْيًا}: شيئًا
(4)
نُسِى فَتُرِك طلبه كخِرَقِ الحيضِ التى إذا أُلقيتْ وطُرِحَتْ لم تُطلَبْ ولم تُذْكَرْ، وكذلك كلُّ شيءٍ نُسِى وتُرِك ولم يُطْلَب فهو نَسْيٌ ونِسْيٌ بفتح النونِ وكسرِها، وهما لغتان معروفتانِ مِن لغاتِ العرب بمعنًى واحدٍ، مثلُ الوَتِرِ والوِترِ، والجَسرِ والجِسرِ، وبأيَّتهما قرأ القارئُ [فَمُصِيبٌ عندَنا]
(5)
، وبالكسرِ قرأت عامَّة قرأةِ الحجاز والمدينة والبصرة وبعضُ أهل الكوفة
(6)
، وبالفتح قرأ أكثر قرأة الكوفة
(7)
، ومنه قول الشاعرِ
(8)
:
كأن لها في الأرضِ نِسْيًا تَقُصُّهُ
…
إذا ما غدَتْ وإِن تُحدِّثْك
(9)
تَبْلَتِ
(1)
تقدم أوله في ص 483.
(2)
سقط من ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(3)
سقط من: ت 2.
(4)
سقط من: ت 2، وفى م:"منسيا شيئا".
(5)
سقط من ص، ت 1، ف.
(6)
هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 408.
(7)
هي قراءة حمزة وحفص عن عاصم. ينظر المصدر السابق.
(8)
هو الشنفرى الأزدى، والبيت في المفضليات ص 109، والرواية فيها:
. . . . . . . . . . . . . .
…
على أَمها وإن تكلمك تبلت
(9)
في ص، ت 1، ت 2:"تحدث".
يَعنى بقولِه: تقُصُّه: تَطلبه؛ لأنها كانت نَسِيتْه حتى ضَاع، ثم ذكرته فطلَبتْه، ويَعْنى بقوله: تَبَلَتِ: تُحسِنُ وتَصْدُقُ، ولو وُجِّه النَّسْيُ إلى المصدرِ مِن النِّسيان كان صوابًا، وذلك أن العربَ، فيما ذُكر عنها، تقولُ: نَسِيتُه نِسيانًا ونَسْيًا. كما قال بعضُهم: مِن طاعةِ الرَّبِّ وعَصْيِ الشَّيطانِ. يَعْنِي: وعصيانِ. وكما تَقُولُ: أَتيتُه إتيانًا وأَتْيًا. كما قال الشاعرُ:
أَتْىُ الفواحش فيهمُ مَعْروفةٌ
…
ويَرَوْنَ فِعل المكْرُماتِ حراما
وقولُه: {مَنْسِيًّا} : مفعولٌ مِن نَسِيتُ الشيءَ، كأنها قالتْ: ليتنى كُنتُ الشيء الذي أُلْقِى، فَتُرِك ونُسِيَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني عطاء الخراسانيُّ، عن ابن عباس قوله:{يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} لم أُخلَق، ولم أكُ شيئًا
(1)
.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ {وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} ، يقولُ: نَسْيًا
(2)
؛ نُسِى ذِكرِى. و {مَنْسِيًّا} . يقولُ: نُسى أَثرِى، فلا يُرى لي أثرٌ ولا عينٌ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: {وَكُنتُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى المصنف وابن المنذر، وينظر فتح البارى 6/ 479.
(2)
في الأصل: "شيئا".
(3)
تقدم أوله في ص 483.
نَسْيًا مَنْسِيًّا}: أي شيئًا لا يُعرَفُ ولا يُذكَرُ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:{وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} ، قال:[لا أُعرَفُ، ولا يُدرَى]
(2)
مَن أنا
(3)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج
(4)
، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنسٍ:{نَسْيًا مَنْسِيًّا} . قال: هو السَّقْطُ
(5)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} لم أكنْ في الأشياء
(6)
قطُّ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)} .
اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} بمَعنَى: فناداها جبريلُ مِن بين يَدَيْها. على اختلاف منهم في تأويله؛ فمن متأوِّلٍ منهم إذا قرأه {مِنْ تَحْتِهَا} كذلك؛ ومن متأوّلٍ منهم أنه عيسى، وأنَّه ناداها من تحتها بعد ما ولدَتْه
(7)
. وقرأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهل الكوفة والبصرة (فناداها مَن تحْتَها) بفتح التاءين من (تَحتَ)، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها
(1)
ذكره الحافظ في الفتح 6/ 479 عن سعيد عن قتادة وعزاه إلى المصنف.
(2)
في ص، ت 1، ف:"لا يعرف ولا يدرى"، وفى ت 2:"لا أعرف ولا أدرى".
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 6، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
بعده في: ص، م، ت 1، ف:"عن ابن جريج"، والمثبت هو الصواب، وهو إسناد دائر.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(6)
في ص، ت 1:"الأرض شيء"، وفى م، ف:"الأرض شيئا".
(7)
هي قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 409، والكشف عن وجوه القراءات 2/ 86، 87.
عيسى، وأنَّه الذى نادى أمَّه
(1)
.
ذكرُ مَن قال: الذى نادَاها من تحتِها المَلَكُ
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، [قال: سمِعتُ أَنَّ]
(2)
ابن عباسٍ قرَأَ: {فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا} . يعنى: جبريلُ.
وحدَّثني
(3)
عبد الله بن
(4)
أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمونٍ الأودىِّ، قال: الذي ناداها المَلَكُ
(5)
.
وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمة، أنه قرأ:(فخاطَبها مَنْ تَحتَها).
[قال أبو جعفرٍ: والصواب: {مِنْ}، ولكن كذا قال ابنُ بَشَّارٍ: "مَنْ" هنا]
(6)
.
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ:(فخاطبها من تحتِها)
(7)
.
وحدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن
(1)
هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 408، والكشف عن وجوه القراءات 2/ 87.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"قال سمعت"، وفي ت 2:"أن".
(3)
بعده في م: "أحمد بن". ينظر الجرح والتعديل 5/ 6، والإكمال 6/ 101.
(4)
سقط من: م.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد.
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(7)
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 176 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
علقمةَ أنه قرأها كذلك.
[حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ:{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} . قال: جبريلُ
(1)
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا [أبو عاصمٍ، عن]
(3)
سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا} . أي: من تحتِ النخلة، المَلكُ
(4)
.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{فَنَادَاهَا} جبريلُ
(5)
{مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي}
(6)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله:{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} قال: الملَكُ
(7)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} يعنى: جبريلُ كان أسفل منها.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى
(1)
سقط من: ت 1، ت 2.
(2)
تفسير سفيان ص 183.
(3)
في ت 1: "أبو عامر قال ثنا أبو عاصم عن"، وفى ت 2:"أبو عاصم عن".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(5)
سقط من ت 1، ت 2.
(6)
تقدم تخريجه في ص 483، وذكره ابن كثير في تفسيره.
(7)
تفسير عبد الرزاق 2/ 6.
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} . قال: ناداها جبريلُ، ولم يتكلَّم عيسى حتى أنت به
(1)
قومَها
(2)
.
ذكرُ من قال: الذي
(3)
ناداها عيسى
حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} ، قال: عيسى ابن مريمَ
(4)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
(5)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ:{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} : ابنُها.
(1)
سقط: م، ت 1، ف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 218، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(4)
تفسير الثورى ص 183، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(5)
تفسير مجاهد ص 455.
حدَّثنا الحسنُ قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: هو ابنُها
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ:{فَنَادَاهَا} . عيسى {مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي}
(2)
.
حدَّثني أبو حميدٍ
(3)
أحمدُ بنُ المغيرة الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابتِ بنِ عجلانَ، عن سعيد بن جبيرٍ قولَه:{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} . قال: عيسى، أما تسمَعُ اللهَ يقولُ:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}
(4)
؟
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} قال: عيسى ناداها: {أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}
(5)
.
حُدِّثتُ عن عبدِ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العاليةِ الرِّياحي، عن أُبيِّ بن كعبٍ قال: الذى خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخَل من فيها
(6)
.
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول
(7)
من قال: الذى ناداها ابنُها
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 6، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ينظر التبيان 7/ 105.
(3)
بعده في ص، ت 1، ف:"و"، وينظر تهذيب الكمال 1/ 472.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 218.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 218.
(6)
أخرجه الحاكم 2/ 323، 324، 373 - وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (785) - من طريق أبي جعفر به ضمن أثر مطول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267، 268 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.
(7)
سقط من: الأصل.
عيسى؛ وذلك أنه مِن كِنايةِ ذكْرِه أقربُ منه من ذكرِ جبريلَ، فردُّه على الذي هو أقربُ إليه أولى من ردِّه على الذى هو أبعدُ منه ألا ترى أنَّها في سياق قوله:{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)} . يعني به: فحمَلتْ عيسى فانتبذت به، ثم قيل:{فَنَادَاهَا} نسقًا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلةٍ أُخرى، وهى قوله:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم: 29]. ولم تُشِرْ إليه، إن شاء الله إلا وقد علِمتْ أنه ناطقٌ في حاله تلك، وللذى كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبتِه إياها بقوله لها:{أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . وما أخبر اللهُ [تعالى ذكرُه]
(1)
عنه أنه [قاله لها أشارتْ]
(2)
للقومِ إليه، ولو كان ذلك قولًا من جبريلَ لكان خليقًا أن يكونَ في ظاهرِ الخبرِ مُبيِّنًا أن عيسى سينطقُ، ويحتجُّ عنها للقوم، وأمْرٌ منه لها بأن تُشيرَ إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك الصواب من التأويل للذى بيَّنا، فبيِّنٌ أن كلتا القراءتين، أعنى:{مِنْ تَحْتِهَا} بالكسر، و:(مَن تحتَها) بالفتح صوابٌ. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر، كان في قوله:{فَنَادَاهَا} ذكرٌ من عيسى، وإذا قرئ:(مَن تَحتَها) بالفتح، كان الفعلُ لـ (من). وهو عيسى. فتأويل الكلامِ إذن: فناداها المولود من تحتِها ألَّا تحزنى يا أُمَّهْ: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} .
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي} . قالت: وكيف لا أحزنُ وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ فأقولَ: من زوجٍ. ولا مملوكةٌ فأقولَ: من سيدٍ
(3)
. أيُّ شيءٍ عذرِى عند الناس؟ {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)} . فقال لها عيسى: أنا
(1)
سقط من: م.
(2)
في م، ف:"قال لها أشيرى".
(3)
في م: "سيدى".
أكفِيكِ الكلامَ
(1)
.
واختلف أهل التأويل في المعنىِّ بالسَّرِيِّ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عنى به النهرَ الصغيرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . قال: الجدْوَلُ
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعتُ البراء يقولُ في هذه الآية: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . قال: الجدْولُ
(3)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . [وهو نهرُ عيسى]
(4)
.
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} ]
(5)
. قال: السَّريُّ: النَّهَرُ
(1)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 185 عن ابن زيد، وابن كثير في تفسيره 5/ 220.
(2)
تفسير الثورى ص 183، 184، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 6، 7، والحاكم 2/ 373 من طريق الثورى به، وأخرجه ابن مردويه -كما في تغليق التعليق 4/ 38 - وتفسير مجاهد ص 455، من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ذكره الحافظ في الفتح 6/ 479 عن شعبة به، وعزاه إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير 5/ 218.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 218، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
سقط من: ت 2.
الذي كان تحتَ مريم حينَ ولَدته، كان يجرى يسمَّى سَرِيًّا.
حدَّثني أبو حصينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بنِ ميمونٍ الأَوْدِيِّ، قال في هذه الآيةِ:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . قال: السَّريُّ: نهرٌ يُشرب منه
(1)
.
حدَّثنا يعقوب وأبو كريبٍ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمون في قوله:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . قال: هو الجدول
(2)
.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{سَرِيًّا} قال: نهرًا بالسُّريانيةِ
(3)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله. قال ابن جريجٍ: نهرًا إلى جنبِها.
حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . قال: كان سريًّا. فقال حميد بنُ عبد الرحمن: إن السَّرىَّ الجدولُ. فقال: غلبتنا عليك الأمراءُ
(4)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبى
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 218.
(2)
ذكره الحافظ في الفتح 6/ 479 عن حصين به، وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد.
(3)
تفسير مجاهد ص 455 من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد.
حُصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} ، قال: هو الجدول، النهرُ الصغيرُ، وهو بالنَّبطية: سريًّا
(1)
.
حدَّثني أبو حميد الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابت
(2)
بن عجلانَ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبيرٍ عن السريِّ، فقال: نهرٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، قال: النهرُ الصغير
(3)
.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير. يعنى الجدول، يعنى قوله:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}
(4)
.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبيطٍ، عن الضحاكِ، قال: جدولٌ صغيرٌ بالسُّريانيةِ
(5)
.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، [قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ]
(6)
يقولُ في قولِه: {تَحْتَكِ سَرِيًّا} . الجدولُ الصغيرُ من الأنهار
(7)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 219، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268، 269 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في الأصل: "ليث". وينظر تهذيب الكمال 4/ 363.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 219.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 219.
(6)
سقط من: ت 2.
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . السَّريُّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجازِ
(1)
.
حدَّثنا الحسن
(2)
، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، [عن قتادة]
(3)
في قوله: {سَرِيًّا} . قال: هو الجدولُ
(4)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . يعنى ربيعَ الماءِ
(5)
.
حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . والسريُّ: هو النهرُ
(6)
.
وقال آخرون: بل
(7)
عني به عيسى صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . والسريُّ: يعني
(8)
عيسى نفسَه
(9)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 219.
(2)
في ت 2: "الحسين".
(3)
سقط من: م.
(4)
تفسير عبد الرزاق 2/ 6.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 219.
(6)
تقدم تخريجه في ص 483.
(7)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(8)
سقط من: م.
(9)
ذكره الحافظ في الفتح 6/ 479 عن الحسن، وعزاه إلى المصنف، وقال: وهذا شاذ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى ابن أبي حاتم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} . يعني نفسه. قال: وأَيُّ شيءٍ أسْرى منه؟ قال: والذين يقولون: السريُّ هو النهرُ. ليس كذلك النهرُ، لو كان النهرَ لكان إنما يكون إلى جَنبِها، ولا يكون النهر تحتها
(1)
.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قيلُ مَن قال: عنى به الجدول. وذلك أنه أعلَمها ما قد أعطَاها الله من الماءِ الذى جعله عندها، وقال لها:{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي} من هذا الرُّطَبِ، {وَاشْرَبِي} من هذا الماءِ، {وَقَرِّى عَيْنًا} بولدِك، والسريُّ معروفٌ من
(2)
كلام العرب أنه النهرُ الصغيرُ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ
(3)
.
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِىِّ وصَدَّعا
…
مَسْجُورةً مُتَجاوِرًا
(4)
قُلَّامُها
ويُروى فبيَّتا
(5)
مسجُورةً، ويُروى أيضًا: فغادَرا
(6)
.
وقوله: {وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} . ذُكِر أن الجِذْعَ كان جِذْعًا يابسًا، فأمَرها أن تهزَّه، وذلك في أيام الشتاءِ، وهزُّها
(7)
إياه كان تحريكَه.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 268 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في ت 2: "في".
(3)
شرح ديوانه ص 307.
(4)
في ت 2، والديوان:"متجاوزا". وينظر جمهرة أشعار العرب 1/ 362 وشرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري ص 552، وشرح القصائد التسع المشهورات 1/ 395.
(5)
غير منقوطة في ص، م، ف، وفى ت 1:"قنينا"، وفى ت 2:"حسا".
(6)
في ص، ت 1، ف:"فعاذرا".
(7)
في م، ف:"هزه".
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} . قال: حرِّكيها
(1)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} . قال: كان جِذْعًا يابسًا، فقال لها: هُزِّيه، {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقولُ: كانت نخلةً يابسةً.
حدَّثني محمد بن سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بن معقلٍ قال: سمعتُ وهب بن منبِّهٍ يقولُ في قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} : فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء
(3)
.
حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} : وكان جِذْعًا منها مقطوعا فهزَّته، فإذا هو نخلةٌ، وأُجْرِى لها في المحرابِ نهرٌ، فتساقطتِ النخلةُ رطبًا جنيًّا، فقال لها:{كُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا}
(4)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزِّى إليك بالنخلةِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 269 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 267 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(3)
تقدم تخريجه في ص 489.
(4)
تقدم تخريجه في ص 483.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [قال: قال]
(1)
مجاهد في قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} . قال: النخلةُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهد في قوله:{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} قال: العجوة
(2)
.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن ميمونٍ، أنه تلا هذه الآيةَ:{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)} . قال: فقال عمرٌو: ما من شيءٍ خيرٌ للنفساءِ من التمرِ والرطبِ
(3)
.
وأُدخلت الباء في قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} . كما يقالُ: زوَّجتُك فلانةَ، وزوَّجتُك بفلانةَ. وكما قال:{تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20]. بمعنى: تَنْبُتُ الدهنَ. وإنما تفعلُ العربُ ذلك؛ لأن الأفعال يُكنَى عنها بالباءِ، فيقالُ إذا كنَيتَ عن: ضربتُ عمرًا: فعلتُ به. وكذلك كلُّ فعلٍ؛ فلذلك تَدخُلُ الباء في الأفعالِ وتَخرجُ، فيكونُ دخولها وخروجُها بمعنًى، فمعنى الكلام: وهُزِّى إليك جذعَ النخلةِ
وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسَّروه كذلك: وهزِّى إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذعِ النخلةِ - وجهًا صحيحًا، ولكن لستُ أحفظُ عن أحدٍ أنه فسَّره كذلك. ومن الشاهدِ على دخولِ الباءِ في موضعٍ، دخولُها فيه
(4)
(1)
في ف: "عن عيسى بن ميمون عن". وهو انتقال نظر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 269 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 7 من طريق حصين به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 269 إلى عبد بن حميد.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
وخروجُها منه سواءٌ - قولُ الشاعرِ
(1)
:
بوادٍ يمانٍ يُنبِتُ السِّدرَ صدرُه
…
وأسفلُه بالمَرْخِ والشَّبَهانِ
واختلفتِ القرأة في قراءة قوله: {تُسَاقِطْ} ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة والكوفة: (تَسَّاقَطْ)، بالتاءِ من (تَسَّاقطْ) وتشديد السينِ، بمعنى: تتساقطُ عليك النخلةُ رطبًا جنيًّا، ثم تُدغَمُ إحدى التاءين في الأُخرى فتُشدَّدُ، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجَّهوا معنى الكلام إلى: وهزِّى إليك بجذع النخلةِ تَسَّاقط النخلة عليك رطبًا جنيًّا
(2)
.
وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفة: (تَساقَطْ) بالتاء وتخفيف السينِ، ووجَّهوا
(3)
معنى الكلامِ، إلى مثْلِ ما وجَّهه
(4)
إليه مشدِّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة
(5)
.
ورُوى عن البراء بن عازبٍ أنه قرَأ ذلك: (يَسَّاقطْ) بالياءِ
(6)
.
حدَّثني بذلك أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازمٍ، عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البراء بن عازبٍ يقرؤه كذلك
(7)
.
وكأنه وجَّه معنى الكلامِ إلى: وهزِّى إليك بجذعِ النخلة
(8)
يتساقَطِ الجذعُ عليك رطبًا جنيًّا.
(1)
هو الأحول اليشكرى، كما في لسان (ش ب هـ).
(2)
سقط من: ص، م، ت 2، ف. وينظر الكشف عن وجوه القراءات 2/ 87، 88.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"وجه".
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"وجه".
(5)
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: (تَسَّاقط)، وقرأ حمزة:(تَساقطْ)، واختلف عن عاصم؛ فروى عنه أبو بكر (تَسَّاقطْ)، وروى عنه حفص:"تُساقِطْ". ينظر السبعة لابن مجاهد ص 409 والكشف عن وجوه القراءات 2/ 87.
(6)
هي قراءة شاذة.
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 269 إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر مختصر الشواذ ص 87.
(8)
بعده في الأصل: "إلى".
[*](تعليق الشاملة): ظبطه في المطبوع هكذا: «ومن الشاهدِ على دخولِ الباءِ في موضعِ دخولِها فيه وخروجِها منه سواءٌ، قولُ الشاعرِ» ، ولعل الضبط المثبت هو الصواب، والله أعلم.
ورُوى عن أبي نَهيكٍ أنه كان يقرؤه: (تُسْقِطُ) بضمِّ التاء وإسقاط الألفِ
(1)
.
حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكٍ يقرَؤه كذلك
(2)
.
وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: تُسقِطُ النخلةُ عليكِ رطبًا جنيًّا.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إن هذه القراءات الثلاثَ، أعنى:(تَسَّاقَطْ) بالتاءِ وتشديدِ السين، وبالتاءِ وتخفيف السين، وبالياء وتشديدِ السين، قراءاتٌ متقارباتُ المعانى، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ قرأةٌ
(3)
أهلُ معرفة
(4)
بالقرآنِ، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابتٌ غير مقطوعٍ، فقد تساقطتِ النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطتِ النخلةُ بأجمَعِها، جذعُها وغيرُ جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمةً على أصلها، فإنما هي جذعٌ وجريدٌ وسعَفٌ، فإذا قُطِعت صارت جذعًا، فالجذعُ الذى أُمرت مريم بهزِّه لم يَذْكُرْ أحدٌ نعلمُه أنه كان جذعًا مقطوعًا، غيرُ السدىِّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلةً، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبًا نخلةً. واحدًا، فبيِّنةٌ
(5)
بذلك صحة ما قلنا فيه
(6)
.
وقولُه: {جَنِيًّا} . يعنى به
(6)
: مجنيًّا، وإنما كان أصله مفعولًا
(7)
فصُرِف إلى فعيلٍ، والمَجْنىُّ المأخوذ طريًّا، وكلُّ ما أُخِذ من ثمرةٍ أو بَقْلَةٍ
(8)
مِن موضعه
(1)
هي قراءة شاذة.
(2)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 269 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
بعده في ت 1: "من".
(4)
في ص، ت 1، ف:"المعرفة".
(5)
فى م: "فتبين"، وفى ت 2، ف:"فبين".
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(7)
في الأصل، ت 2:"مفعول".
(8)
في م: "نقل".
بطراتِه
(1)
فقد اجْتُنِى؛ ولذلك قيل: فلانٌ يجتني الكَمْأَةَ؛ ومنه قولُ ابنِ أختِ جذيمة
(2)
:
هذا جَنايَ وخيارُه فيه
…
إذْ كُلُّ جانٍ يَدُه إلى فِيهْ
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)} .
يقول تعالى ذكرُه: فكُلى من الرُّطَب الذى تساقط
(3)
عليكِ، واشْرَبي من ماء السَّرِيِّ الذى جعَله ربُّك تحتَكِ، و
(4)
لا تَخْشَىْ جُوعًا ولا عطَشًا، {وَقَرِّي عَيْنًا} يقولُ: وطِيبي نفسًا وافرَحى بولادتِك إِيَّايَ ولا تحزني، ونُصِبتِ العينُ لأنها هي الموصوفةُ بالقَرارِ. وإنَّما معنى الكلام: ولتَقرَرْ عينُكِ بولدِكِ، ثم حُوِّل الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنُصِبتِ العينُ إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير
(5)
، نظير ما فُعِل بقوله:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4]. وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} [هود: 77]. ومنه قولُه: (يَسَّاقِطْ عليكِ رُطبًا جنيًّا). إنما هو يَسَّاقط عليك رطبُ الجذع، فحُوّل الفعل إلى الجذع في قراءة من قرأَه بالياء. وفي قراءةِ مَن قرأه (تسَّاقطْ) بالتاء، معناه: تساقطْ
(6)
عليكِ رُطَبُ النخلة، ثمَّ حُوِّل الفعلُ إلى النخلة
(7)
.
(1)
فى م: "بطراوته"، وطرُوَ الشيء يطرو وطرِىَ طراوةً وطراءً وطراءةً وطراة مثل حصاة، فهو طرىٌّ. اللسان (ط ر و).
(2)
عمرو بن عدى اللخمي، ابن أخت جذيمة الأبرش. الأمثال لابن سلام ص 174.
(3)
فى ص، م، ت 1، ف:"يتساقط"، وفي ت 2:"يساقط".
(4)
سقط من: م.
(5)
التفسير هنا: التمييز. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص 29.
(6)
فى م: "يساقط".
(7)
ينظر معانى القرآن للفراء 2/ 166.
وقد اختلفت القرأة فى قراءةِ قوله: {وَقَرِّي} ؛ فأَمَّا أهل المدينة فقرءوه {وَقَرِّى} بفتح القافِ على لغةِ مَن قال: قَرِرْتُ بالمكان أقرُّ به، وقرِرتُ به
(1)
عينًا، أقرُّ به قُرُورًا
(2)
. وهي لغة قريش، فيما ذُكر لى، وعليها القرأة
(3)
، وأما أهل نجدٍ، فإنها تقولُ: قَرَرتُ به عينًا أقِرُّ به قرارًا، وقَرَرْتُ بالمكان أقرُّ به. فالقراءةُ على لغتهم:(وقِرِّى عَيْنًا) بكسر القافِ
(4)
، والقراءة عندنا على لغة قريشٍ بفتح القاف.
وقولُه: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} . يقولُ: فإن رأيتِ من بني آدم أحدًا يُكلّمُكِ أو يسائِلُكِ عن شيءٍ مِن أمرك وأمر ولدِكِ وسبب ولادتِكِه، {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. يقولُ: فقولي له
(5)
: إنى أوجبتُ على نفسى للهِ صمتًا
(6)
ألَّا أُكلِّم أحدًا من بنى آدمَ اليومَ {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} . وبنحو الذى قُلنا في معنى الصومِ قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ فى هذه الآية: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} . قال: صمتًا
(7)
.
حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ:
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(2)
في ص، ت 1، ف:"قررا".
(3)
في م: "القراءة".
(4)
هي قراءة شاذة.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(6)
فى ص، ت 1، ف:"صوما".
(7)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220.
{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} . قال: صمتًا.
حدَّثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} . قال: يعنى بالصومِ الصمت
(1)
.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أنسًا قرأ: (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا وَصَمْتًا)
(2)
.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} : أما قوله: {صَوْمًا} . فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحاك يقولُ فى قوله: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} : [يعنى: صمتًا
(4)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} ]
(5)
. قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يَصُومُ مِن الطعام، إلا من ذكرِ اللهِ، فقال ذلك لها كذلك
(6)
، فقالت: إنى أَصُومُ من الكلام كما أصومُ من الطعام، إلا من ذكر الله. فلما كلَّموها أشارت إليه، فقالوا:{كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} فأجابهم. فقال: {قَالَ
(1)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 19/ 532 (مخطوط) من طريق الضحاك عن ابن عباس، ضمن أثر مطول، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه 4/ 269.
(2)
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 176 من طريق سليمان التيمي به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 269 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه بلفظ: صوما صمتا. وينظر تفسير القرطبي 11/ 97، 98.
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 7.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220.
(5)
سقط من: م.
(6)
سقط من: م.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)}
(1)
.
واختلفُوا فى السبب الذى من أجله أمرها بالصومِ عن كلام البشر؛ فقال بعضُهم: أمرها بذلك؛ لأنه لم يكن لها حُجةٌ عند الناس ظاهرة؛ وذلك أنَّها جاءت، وهى أيِّمٌ بولدٍ، فأُمرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها الكلامَ ولدُها
(2)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هارون بن إسحاق
(3)
، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنتُ عند ابن مسعودٍ، فجاء رجلان فسلَّم أحدهما ولم يسلِّم الآخرُ، فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبدُ اللهِ: كلِّمِ الناسَ وسلِّمْ عليهم، فإنَّ تلك امرأةٌ علمت أنَّ أحدًا لا يصدِّقُها أنَّها حملت من غير زوجٍ. يعنى بذلك مريم
(4)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ ولا مملوكةٌ. أيُّ
(1)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 269 إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.
(2)
في ص، ت 1، ف:"بولدها".
(3)
بعده فى ص، م، ت 1، ف:"الهمداني".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220 عن أبي إسحاق به، وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 269 إلى ابن أبي حاتم بنحوه.
شيءٍ عُذرى عند الناس {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} . فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلامَ، {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}. قال: هذا كلُّه كلام عيسى لأمه
(1)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منبه:{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} . فإني سأكفيك الكلام
(2)
.
وقال آخرون: إنما كان ذلك آيةً لمريم وابنها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} . قال: فى بعض الحروفِ: (صمتًا). و
(3)
إنَّكَ لا [تشأُ أن]
(4)
تلقَى امرأة جاهلة
(5)
تقولُ: نذرتُ كما نذرَت مريم؛ ألَّا تكلَّمَ يومًا إلى الليل. وإنما جعل الله تلك آيةً لمريم ولابنها، ولا يحِلُّ لأحدٍ أن يَنذُرَ صمتَ يومٍ إلى الليل
(6)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {فَقُولِي
(7)
إِنِّي نَذَرْتُ
(1)
تقدم تخريجه في ص 505.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 220.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"وذلك".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(5)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"جاهلية".
(6)
تفسير عبد الرزاق 2/ 7.
(7)
في ص، م، ت 1، ف:"فقرأ".
لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. وكانت تُقرأُ فى الحرف الأوَّلِ: (صمتًا)، وإنما كانت آيةً بعثها الله لمريم وابنها.
وقال آخرون: بل
(1)
كانت صائمةً فى ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأُذِن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ:{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} يُكَلِّمُكِ، {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} . فكان مَن صام فى ذلك الزمان لم يتكلَّمْ حتى يُمسى، فقال
(2)
لها: لا تزيدى على هذا
(3)
.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)} .
يقول تعالى ذكرُه: فلما قال عيسى ذلك لأمِّه اطمأنت نفسها، وسلمت لأمرِ الله، وحملته حتى أتت به قومها.
كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهب بن منبِّهٍ رحمه الله، قال: أنساها، يعني مريم، كرْبُ البلاء وخوفُ الناس ما
(1)
ليس في الأصل.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"فقيل".
(3)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 600، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220.
كانت تسمعُ، [يعني: ما كانت تسمع]
(1)
من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلَّمها، يعنى عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتمَلَتْه، ثم أقبلت به إلى قومها.
وقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ، قال: لما ولدته ذهَب الشيطانُ، فأخبر بنى إسرائيل أنَّ مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدُّون، فدعَوْها، {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ}
(2)
.
وقوله: {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} . يقول تعالى ذكرُه: فلما رأَوْا مريمَ، ورَأَوْا معها الولد الذى ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثْتِ حدَثًا عظيمًا.
وكلُّ عاملٍ عملًا أجادَه وأحسنه فقد فَرَاه، كما قال الراجزُ
(3)
:
قَدْ أَطْعَمْتِنِي دَقَلًا حَجْرِيًّا
قدْ كنتِ تَفْرِينَ به الفَرِيَّا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
سقط من: م، ت 1، ف.
(2)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 600، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود.
(3)
هو زرارة بن صعب، تنظر الأبيات في اللسان (د و د)(س و س)، (ف ر ا).
في قوله جلَّ وعزَّ: {فَرِيًّا} . قال: عظيمًا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} . قال: عظيمًا
(2)
.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى:{لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} . يقولُ
(3)
: عظيمًا
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتَّهم، عن وهبٍ ابن منبِّهٍ، قال: لما رأَوْها ورأَوْه معها، قالوا: يا مريم {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} : أى الفاحشة غير المقاربة.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)} .
اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله قيل لها: يا أُخت هارونَ، ومَن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنَّهم نسبوا مريم إلى أنَّها أختُه؛ فقال
(1)
تفسير مجاهد ص 455، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 270 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر فتح البارى 6/ 479.
(2)
ذكره الحافظ في الفتح 6/ 479 من طريق سعيد به، وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 270 إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(3)
فى م: "قال".
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 600، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220.
بعضُهم: قيل لها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} . نسبةً منهم لها إلى الصلاح؛ لأنَّ أهل الصلاح فيهم كانوا يُسمَّوْن هارونَ، وليس بهارون أخى موسى.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:{يَاأُخْتَ هَارُونَ} . قال: كان رجلًا صالحًا في بني إسرائيل يُسمَّى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون فى الصلاحِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله:{يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} . قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يُعرفُ
(2)
بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مُصْلِحًا محبَّبًا في عشيرته، وليس بهارون أخى موسى، ولكنَّه هارون آخر. قال: وذُكر لنا أنه شيَّع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلُّهم يُسمَّى
(3)
هارونَ من بنى إسرائيل
(4)
.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: نُبئتُ أنَّ كعبًا قال: إِنَّ قولَه: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} . ليس بهارون أخى موسى. قال: فقالت له عائشةُ: كذبتَ. قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبىُّ صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلمُ وخيرٌ
(5)
، وإلا فإنّى أجدُ بينهما ستمائة سنة. قال:
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 7.
(2)
فى م، ت 1:"يعرفون".
(3)
في م: "يسمون".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 222 نقلًا عن المصنف.
(5)
فى م 1، ت 1، ت 2، ف:"أخبر".
فسكتتْ
(1)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} . قال: اسمٌ واطأَ اسمًا، كم بين هارون وبينها
(2)
من الأمم؛ أممٌ كثيرةٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ وابن المثنى وسفيان بن
(3)
وكيعٍ وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الأودىُّ، قال: سمعتُ أبى يَذْكرُ عن سماك بن حربٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبةَ، قال: بعثَنى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا لى: ألستُم تقرءون {يَاأُخْتَ هَارُونَ} ؟ قلتُ: بلى. وقد علمتُم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال:"ألا أخْبرتَهم أنهم كانوا يُسمَّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم"
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: ثنا عمرو، عن سماكِ بن حرب، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بعضِ حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيُّك يزعُمُ أن هارون أخو مريم هو أخو موسى؟ فلم أدرِ ما أردُّ عليهم حتى رجعتُ إلى النبىِّ صلى الله عليه وسلم فذكرتُ ذلك له، فقال:"إنهم كانوا يُسمَّون بأسماءِ مَن كان قبلهم".
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 222 نقلا عن المصنف، وقال: وفى هذا التاريخ نظر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 270 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في م، ت 2:"بينهما".
(3)
فى م: "وابن"، وينظر تهذيب الكمال 11/ 200.
(4)
أخرجه مسلم (2135)، والترمذى (3155) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 551، وأحمد 30/ 141 (18201)، ومسلم (2135)، والترمذى (3155)، والنسائي في الكبرى (11315)، والبغوى في تفسيره 5/ 228، 229 من طريق عبد الله بن إدريس به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 270 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وقال بعضُهم: عُنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته؛ لأنَّها من ولده، كما
(1)
يقال للتميمي: يا أخا تميم. وللمُضَرِيِّ: يا أخا مُضَرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدى:{يَاأُخْتَ هَارُونَ} . قال: كانت من بنى هارون أخى موسى، وهو كما يقال
(2)
: يا أخا بنى فلان
(3)
.
وقال آخرون: بل كان ذلك رجلا منهم فاسقًا مُعْلِنَ الفسق، فنسبوها إليه.
والصوابُ من القولِ فى ذلك ما جاء به الخبر عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه، وأنَّها نُسبتْ إلى رجل من قومها [يقال له: هارون]
(4)
.
وقوله: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} . يقولُ: ما كان أبوك رجل سوءٍ يأتى الفواحش، {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}. يقول: وما كانت أمُّك زانيةً.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ:{وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} . قال: زانيةً. قال: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} . ولم يقُلْ: بغيَّةً؛ لأنَّ ذلك مما يوصَفُ به النساءُ دونَ الرجال، فجرَى مَجْرَى: امرأَةٌ حائضٌ وطالقٌ. وقد كان بعضُهم يُشبِّه ذلك بقولهم: مِلْحَفةٌ جديدٌ
(5)
، وامرأةٌ قتيلٌ.
(1)
سقط من: م، ت 1، ف.
(2)
في م، ت 1:"تقول".
(3)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 600 بإسناده إلى السدى بإسناده المعروف، وتقدم أوله في ص 483.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(5)
في م: "جديدة".
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)} .
يقول تعالى ذكره: فلما قال قومُها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلِّموه.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما قالوا لها: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} . قالت لهم ما أمرها اللهُ به، فلما أرادوها بعد ذلك على
(1)
الكلام {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} ؛ إلى عيسى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} . [قال: أمرَتْهم بكلامه
(2)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} ]
(3)
. يقولُ: أشارتْ إليه أن كلِّموه.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أَن كَلِّموه
(4)
.
وقولُه: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} . يقول تعالى ذكرُه، قال قومها لها: كيف نُكلّمُ من وُجِد فى المهدِ صبيًّا
(5)
؟ و {كَانَ} في قولِه: {مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ} . معناها التمامُ، لا التي تقتضى الخبرَ، وذلك شبيهُ المعنى
(1)
في الأصل: "عن".
(2)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 270 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ت 2.
(4)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 270 إلى ابن المنذر.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
بـ "كان" التي في قولِه: {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93]. وإنما معنى ذلك: هل أنا إلَّا بشرٌ رسولٌ؟ وهل وُجِدتُ أو
بُعِثتُ؛ وكما قال زهير بن أبى سُلْمَى
(2)
:
زَجَرْتُ عَلَيْهِ حُرَّةً أَرْحَبِيَّةً
…
وَقَدْ كانَ لَوْنُ اللَّيْلِ مِثْلَ الأَرَنْدَجِ
(3)
بمعنى: وقد صار أو وُجد.
وقيل: إنه عنى بالمهدِ فى هذا الموضع حِجر أمه
(4)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} . والمهدُ: الحِجْر
(5)
.
وقد بيَّنا معنَى المهدِ فيما مضى بشواهده، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع
(6)
.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)} .
في ت 1، ف:"إذ".
(2)
شرح ديوانه ص 323.
(3)
في الديوان: "اليرندج"، وهما بمعنى وهو جلد أسود تصنع منه الأحذية. الوسيط (أرندج).
(4)
ينظر معاني القرآن للفراء 2/ 167.
(5)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 270 إلى ابن أبي حاتم.
(6)
تقدم في 5/ 412.
(1)
يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} . وظَنُّوا أنَّ ذلك منها استهزاءٌ بهم، قال عيسى لهم متكلِّمًا عن أمه:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} .
وكانوا حين أشارتْ لهم إلى عيسى فيما ذُكرِ عنهم غضِبوا.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: لما أشارَتْ لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حينَ تَأمُرُنا أن نُكَلِّمَ هذا الصبيَّ أشدُّ علينا من زناها. . . {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}
(1)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابنِ منبِّهٍ {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}. فأجابهم عيسى عنها فقال:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} الآية.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} : فقال لهم: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} . فقرأ حتَّى بلَغ: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} . فقالوا: إن هذا لأمرٌ
(2)
عظيمٌ.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} . لم يتكلمْ عيسى إلَّا عند ذلك حينَ {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} .
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 600، بإسناده إلى السدى بإسناده المعروف، وتقدم أوله في ص 483.
(2)
في ت 2: "الأمر".
وقولُه: {آتَانِيَ الْكِتَابَ} . يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحى قبل أن يُخلق أو
(1)
في بطن أمه؟ فإنَّ معنى ذلك بخلاف ما يظُنُّ، وإِنما معناه: وقضَى يومَ قضى أمور خلقه لى
(2)
أن يؤتينى الكتابَ.
كما حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاك، [يعنى ابنَ مَخْلدٍ]
(3)
، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة قوله:{آتَانِيَ الْكِتَابَ} . قال: قضَى أن يؤتينى الكتاب فيما قَضَى
(4)
.
حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة فى قوله:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} . قال: القضاء.
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة في قولِ اللهِ:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} . قال: قضى أن يؤتينى الكتاب
(5)
.
وقولُه: {وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} . وقد بيَّنت معنى النبيِّ واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته
(6)
.
وكان مجاهدٌ يقولُ في معنى النبيِّ وحده ما حدَّثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ
(1)
سقط من: م، ف.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"إلى".
(3)
سقط من: ص، ف.
(4)
في م، ت 1، ف:"مضى". والأثر في تفسير سفيان ص 185، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 270 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
تفسير عبد الرزاق 2/ 9.
(6)
تقدم في 2/ 30، 31.
جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: النبيُّ وحده
(1)
الذي يُكلَّمُ ويُنزَّلُ عليه الوحى
(2)
ولا يُرسل
(3)
.
وقوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} . اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعلني نفَّاعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن حماد الطَّلْحيُّ، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليثٍ، عن ليث، عن مجاهد:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} . قال: نفَّاعًا
(4)
.
وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بنِ خُنيسٍ المخزوميُّ، قال: سمعتُ وُهيب بن الورد مولى بني مخزومٍ، قال: لَقِيَ عالمٌ عالمًا
(5)
هو فوقه فى العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أُعلنُ من عملي
(6)
؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه دينُ اللهِ الذي بَعَثَ بهِ أنبياءه إلى عباده. وقد اجتمع الفقهاء على قولِ اللهِ:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} .
(1)
كذا في النسخ. ولعله انتقال نظر من الناسخ الأول.
(2)
سقط من: الأصل، ت 1، ت 2.
(3)
تفسير مجاهد ص 456.
(4)
أخرجه البيهقي في الشعب (7661) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 33 (مخطوط) - من طريق ليث به.
(5)
بعده في م: "لما".
(6)
في م: "علمي".
وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان
(1)
.
وقال آخرون: معنى ذلك: جعلنى معلِّمَ الخيرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان في قوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} . قال: معلِّم الخيرِ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهد قوله:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} . قال: معلِّمًا للخير حيثما كنتُ
(3)
.
وقولُه: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} . يقول: وقضى أن يوصينى بالصلاة والزكاة. يعنى: بالمحافظة على حدودِ الصلاة وإقامتها على ما فرضها عليَّ. وفى الزكاةِ معنيان: أحدهما؛ زكاة الأموال أن يؤدِّيَها. والآخرُ: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصانى بترك الذنوب واجتناب المعاصى.
وقوله: {مَا دُمْتُ حَيًّا} . يقولُ: ما كنتُ حيًّا في الدنيا موجودًا، وهذا يُبِينُ عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع تطهير البدن من الذنوب؛ لأنَّ الذى يوصف به عيسي صلواتُ الله وسلامه عليه أنه كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ، فتجبَ عليه زكاةُ المالِ، إلَّا أن تكون الزكاة التى كانت فُرضَت عليه الصدقة بكلِّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 223 نقلا عن المصنف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 223.
(3)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 270، 271 إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)} .
يقول تعالى ذكره: مُخْبِرًا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركًا وبَرًّا. [أى جعلني برًّا]
(1)
بوالدتى. والبرُّ هو البارُّ، يقال: هو برٌّ بوالده، وبارٌّ به. وبفتح الباء قرأتْ هذا الحرف قرأةُ الأمصار.
ورُوى عن أبي نَهيكٍ [ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبى نَهيكٍ]
(1)
أنه قرأ: (وبرًّا بِوَالِدَتي) من قول عيسى، عليه السلام، قال أبو نَهيكٍ: أوصانى بالصلاة والزكاة، والبرِّ بوالدتي
(2)
، كما أوصاني بذلك
(3)
.
فكأنَّ أبا نَهيكٍ وجَّه تأويل الكلام إلى أنَّ قوله: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} . من خبر عيسى عن وصيَّةِ اللهِ إيَّاه [به، كما
(4)
قوله: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} مِن خبره عن وصيةِ اللهِ إيَّاه]
(1)
بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه؛ لأنَّ الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ
(5)
، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنهما
(6)
مفعولٌ بهما.
وقوله: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} . يقول: ولم يجعلْنى مستكبرًا على
(1)
سقط من: ت 2.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"بالوالدين".
(3)
ذكره ابن خالويه فى مختصر الشواذ ص 87، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 177.
(4)
بعده في م: "أن".
(5)
فى ت 2: "اللغة".
(6)
فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"أنه".
الله فيما أمرنى به ونهانى عنه، شقيًّا، ولكن ذلَّلنى لطاعته، وجعلنى متواضعًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنه -يعنى عيسى- كان يقولُ: سلُوني، فإنَّ قلبي ليِّنٌ، وإني صغيرٌ في نفسي. مما أعطاه الله من التواضع
(1)
.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} : ذُكر لنا أنَّ امرأة رأتِ ابن مريم يُحيي الموتى، ويُبرئُ الأكْمَهَ والأبرصَ، في آياتٍ سلَّطه الله عليهنَّ، وأذن له فيهنَّ، فقالت: طوبى للبطن الذى حملك، والثدي الذى أُرضِعتَ به. فقال نبيُّ الله ابنُ مريم يجيبُها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتَّبع ما فيه، ولم يَكُنْ جَبَّارًا شقيًّا
(2)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ واقدٍ أبى رجاءٍ، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد
(3)
عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا. ثم قرأ: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} . قال: ولا تجد
(4)
سيئ الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، ثم قرأ:{وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}
(5)
[النساء: 36].
وقولُه: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} . يقولُ: والأَمَنَةُ منَ اللهِ عليَّ من الشيطان وجنده يومَ ولدتُ؛ أن ينالوا منى ما ينالون ممن يُولد
(1)
أخرجه أحمد في الزهد ص 58، 59 بسنده عن قتادة به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 224 عن قتادة.
(3)
في الأصل، ص:"تجده".
(4)
فى ص، ف، ت 1:"تجده".
(5)
تقدم تخريجه في 7/ 21.
عندَ الولادة من الطعن فيه، ويومَ أموتُ من هول المطَّلَعِ، ويومَ أُبعثُ حيًّا يومَ القيامةِ؛ أن ينالني الفرع الذي ينالُ الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.
كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبهٍ رحمه الله:{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} . قال: يُخبرهم فى قصِّهِ خبره عن نفسه، أنَّه لا أب له وأنَّه سيموتُ ثم يُبعث حيًّا، يقولُ تبارك وتعالى:{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} .
يقول تعالى ذكره: هذا الذى [وصفتُ لكم أيُّها الناسُ]
(1)
صفته، وأخبرتكم خبره من أمر الغلام الذى حملته مريم، هو عيسى ابن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو {قَوْلَ الْحَقِّ} . يعنى أن هذا الخبر الذى قصصْتُه عليكم
(2)
، والكلام الذى تلوتُه عليكم قولُ اللهِ [وكلامُه]
(3)
وخبره، لا خبر غيره الذي قد يقع فيه الوهم والشك والزيادة والنقصان على ما كان يقول تعالى ذكره، فقولوا في عيسى أيها الناسُ هذا القول الذى أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذين زعموا أنه لغيرِ رِشْدَةٍ
(4)
، وأنه كان ساحرًا كذَّابًا، ولا ما قالته النصارى من أنه
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"بينت لكم".
(2)
بعده في ص، م، ت 1، ف:"قول الحق".
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(4)
يقال: هذا ولد رِشدة. إذا كان لنكاح صحيح، ويقال فى ضده: ولد زِنْية، وقال الأزهرى: كلام العرب المعروف: فلان ابن زَنية وابن رَشدة. والفتح أفصح اللغتين. ينظر النهاية 2/ 225.
كان لله ولدًا، فإنَّ
(1)
اللهَ لم يتخذ ولدًا، ولا ينبغى ذلك له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} . قال: الله الحقُّ
(2)
.
حدَّثني يحيى بن إبراهيم المسعودى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون في هذا الحرف في قراءة عبدِ اللهِ: (قالُ اللهِ
(3)
الذى فيه يمتَرُون). قال: كلمةُ اللهِ.
ولو وُجِّه تأويل ذلك إلى: ذلك عيسى ابنُ مريمَ القولُ الحقُّ، بمعنى: ذلك القولُ الحقُّ، ثم حُذفت الألف واللام من القول، وأُضيف إلى الحقِّ، كما قيل:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 95]. وكما قيل: {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16]. كان تأويلًا صحيحًا.
وقد اختلفتِ القرأةُ فى قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأة الحجاز والعراق: (قَوْلُ الحَقِّ) برفعِ القول
(4)
على ما وصفتُ لك
(5)
من المعنى، وجعلوه في إعرابه تابعًا
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"وإن"، وفي ت 2:"قال".
(2)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 271 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ليس في: ص، م، ت 1، ف. وقراءة عبد الله شاذة، وهى فى معانى القرآن للفراء 2/ 167 - وفيه:"قالُ اللهِ الحقُّ" - فى المصاحف لابن أبى داود ص 64، 65 - وفيه:"قال الحق" - ومختصر الشواذ ص 78. وفيه: "قال الحق"، و"قال الله".
(4)
قرأ بالرفع ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 409.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
لعيسى كالنعت له، وليس الأمرُ في إعرابه عندى على ما قاله الذين زعموا أنه رُفع على النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلمة؛ على ما ذكرنا عن إبراهيم من تأويله ذلك كذلك، فيصحَّ حينئذٍ أن يكونَ نعتًا لعيسى، وإلا فرفعُه عندى بمضمرٍ، وهو: هذا قولُ الحقِّ. على الابتداء، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمِّه عند قوله:{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} ثم ابتُدئ
(1)
الخبرُ بأنّ الحقَّ فيما فيه تمترى الأممُ من أمر عيسى هو هذا القولُ الذى أخبر الله به عنه عباده دون غيره.
وقرأ ذلك عاصم بن أبى النجودِ وعبد الله بن عامر بالنصب
(2)
، وكأنهما أرادا بذلك المصدر: ذلك عيسى ابن مريم قولًا حقًّا. ثم أُدخلت فيه الألفُ واللام.
وأما ما ذُكر عن ابن مسعودٍ في قراءته: (ذلك عيسى ابن مريم قالُ الحقِّ
(3)
). فإنه بمعنى قول الحقِّ، مثل العابِ والعيب، والذامِ والذَّيْمِ.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا الرفع
(4)
؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه.
وأما قوله تعالى ذكرُه: {الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} . فإنه يعنى: الذي فيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: مارَيتُ فلانًا. إذا جادلته وخاصمته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {ذَلِكَ عِيسَى
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"ابتدأ".
(2)
السبعة لابن مجاهد ص 409.
(3)
في الأصل: "الله".
(4)
القراءتان كلتاهما صواب.
ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}: امترت فيه اليهود والنصارى؛ فأما اليهودُ فزعموا أنه ساحرٌ كذَّابٌ، وأما النصارى فزعموا أنه ابنُ اللهِ، وثالث ثلاثةٍ، وإلهٌ، وكذبوا كلُّهم، ولكنه عبدُ اللهِ ورسوله وكلمته وروحُه
(1)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله:{الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} . قال: اختلفوا؛ فقالت فرقة: هو عبد الله ونبيُّه، فآمِنوا به. وقالت فرقةٌ: بل هو الله. وقالت فرقةٌ: هو ابن الله: تبارك وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا. قال: فذلك قوله: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} [مريم: 37]. والتي في "الزخرف"
(2)
، قال: دَقْيوسٌ ونُسْطُورُ ومارِ يعقوبَ. قال أحدُهم حينَ رُفع
(3)
عيسى: هو الله. وقال الآخرُ: ابنُ اللهِ. وقال الآخرُ: كلمة الله وعبده. قال المفتريان: إنَّ قولى هو أشبه بقولك، وقولُك بقولى من قول هذا، فهلمَّ فلنقاتلهم. فقاتلوهم وأوطَئوهم [وغلبوهم حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وهم مسلمة أهل الكتابِ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} . قال: اجتمع بنو
(4)
إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلُّ قومٍ عالمهم، فامترَوْا في عيسى حين رُفِع؛ فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء. وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 225.
(2)
يشير إلى الآية: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} .
(3)
بعده في ص، م، ت 1، ف:"الله".
(4)
سقط من: م.
منهم للثالثِ: قُل أنت فيه. قال: هو ابنُ اللهِ. وهم النُّسْطُوريَّةُ، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إلهٌ، وهو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ. وهم الإسرائيلية ملوكُ النصارى، قال الرابعُ: كَذَبْت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته. وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباعٌ على ما قال، فاقتتلوا، فظُهِر على المسلمين، وذلك قول الله جلّ وعزّ:{وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 21]. قال قتادة: وهم الذين قال الله: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ} [مريم: 37]. اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا
(1)
.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)} .
يقولُ تعالى ذكره: لقد كذب
(2)
الذين قالوا: إن عيسى ابنُ اللهِ، وأعظموا الفِرْية عليه، فما ينبغى لله أن يتخذ ولدًا، ولا يصلُحُ ذلك له ولا يكونُ، بل كلُّ شيءٍ دونَه فخلقُه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر
(3)
:
فى رأسِ خَلْقاءَ
(4)
مِن عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍ
…
[ما يَنْبَغِي]
(5)
دُونهَا سَهْلٌ وَلا جَبَلُ
و {أَنْ} من قوله: {أَنْ يَتَّخِذَ} في موضعِ رفعٍ بـ {كَانَ} .
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 8، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 225، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 271 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في ص، ت 1، ف، م:"كفرت".
(3)
البيت فى التبيان 7/ 136، واللسان (ع ن ق).
(4)
خلقاء: الصخرة ليس فيها وصم ولا كسر، ينظر التاج.
(5)
فى م، واللسان:"لا يبتغى".
وقوله: {سُبْحَانَهُ} . يقولُ: تنزيها لله وتبرئةً له أن يكون له ما أَضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابنُ اللهِ.
وقوله: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . يقول جلَّ ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداءً، وأنشأه إنشاءً، من غيرِ فحلٍ افتحل أمَّه، ولكنه قال له: كُنْ. فكان
(1)
؛ لأنَّه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعُها، إنما يقولُ إذا قضى خلق شيءٍ أو إنشاءه: كُن. فيكونُ، موجودًا حادثًا، لا يعظُمُ عليه خلقه؛ لأنه لا يخلقه بمعاناة وكُلفةٍ، ولا ينشئُه بمعالجة وشدَّةٍ.
وقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} . اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة
(2)
: (وَأَنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ).
واختلف أهل العربية فى وجه فتح "أنَّ" إذا فُتحت؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفة (1): فُتِحت ردًّا على عيسى وعطفًا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أنَّ الله ربِّى وربُّكم، وإذا كان كذلك كانت "أن" رفعًا. قال
(3)
: وتكون بتأويل خفض، كما قال:{ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى} [الأنعام: 131]. قال: ولو فُتحت على قوله: {وَأَوْصَانِي} بأنَّ الله، كان وجهًا.
وكان بعضُ البصريين
(4)
يقول - وذكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح -: إنما فُتحت "أنَّ" بتأويل: قَضَى أَنَّ اللهَ رَبِّي وربُّكم.
(1)
في ص، ت 1، ف، م:"فيكون".
(2)
هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 410.
(3)
هو قول الفراء فى معاني القرآن 2/ 168.
(4)
حكاه أبو حيان عن أبي عبيدة عن أبي عمرو، ينظر البحر المحيط 6/ 190.
وكانت عامة قرأةِ الكوفيين
(1)
يقرءونه: {وَإِنَّ اللَّهَ} بكسر "إن" بمعنى النسَقِ على قوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} .
ورُوى عن أُبيِّ بن كعبٍ أنه كان يقرؤُه: (فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربى وربكم) بغير واوٍ
(2)
.
والقراءة التي نختارُ فى ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قُرِئ كذلك لم يكن لها موضعٌ، وقد يجوز أن تكون عطفًا على "إن" التى مع قوله:{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} - {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} . ولو قال قائلٌ، ممن قرأ ذلك نصبًا: نُصِبَ على العطفِ على "الكتاب" بمعنى: أتاني الكتاب، وأتانيَ أنَّ الله ربِّي وربُّكم، كان وجهًا حسنًا.
ومعنى الكلام: وإنى وأنتم أيُّها القومُ جميعًا لله عبيدٌ، فإيَّاه فاعبدوا دونَ غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ من قال ذلك:
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب ابن منبِّهٍ، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه: (أنَّ الله ربى ورَبُّكُم فاعبدُوهُ هذا صراطٌ مستقيم)، أي: إنِّى وإيَّاكم عبيد الله، فاعبُدوه ولا تعبُدُوا غيرَه.
(1)
وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 410.
(2)
هي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط 6/ 189.
وقوله: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} . يقولُ: هذا الذي أوصيتُكم به، وأخبرتكم أنَّ اللهَ أمرنى به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى؛ لأنه دينُ اللهِ الذى أمرَ به أنبياءه.
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)} .
يقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابًا متفرِّقين
(1)
من بين قومه.
كما حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} . قال: أهل الكتابِ
(2)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله
(2)
.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} : ذُكر لنا أنه لما رُفع ابنُ مريمَ انتخبت بنو إسرائيل أربعةً من فقهائهم، فقالوا للأوَّلِ: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صَعِد إلى السماء. فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت اليعقوبية من النصارى، وقال الثلاثة الآخرون: نشهَدُ أنك كاذبٌ. فقالوا للثاني: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو ابنُ اللهِ. قال: فتابعه على ذلك ناسٌ من
(1)
في الأصل: "مفترقين".
(2)
تفسير مجاهد ص 455، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 271 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
الناسِ، فكانت النُّسْطورية من النصارى، وقال الاثنان الآخران: نشهدُ أنَّك كاذبٌ. وقالوا للثالث: ما تقولُ في عيسى؟ قال: هو إلهٌ، وأمُّه إلهٌ، والله إلهٌ. فتابعه على ذلك ناسٌ من الناسِ، فكانت الإسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهدُ أنَّك كاذبٌ، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه. فاختصم القومُ، فقال المرء المسلم: أنشُدُكم الله هل تعلمون أنَّ عيسى كان يَطْعَمُ الطعام، وأن الله تبارك وتعالى لا يَطعَمُ الطعام. قالوا: اللهمَّ نعم. قال: هل تعلمون أنَّ عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهمَّ نعم. قال: فخصمهم المسلم. قال: فاقتتل القومُ. قال: فذُكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذٍ وأُصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآنَ:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21].
وحدَّثنا الحسن
(1)
، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة:{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ} : اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا
(2)
.
وقولُه: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . يقولُ: فوادى جَهَنَّمَ الذى يُدعى ويلًا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أنَّ عيسى لله ولدٌ، وغيرهم من أهل الكفر به، من شهودِهم يومًا عظيمًا شأنُه، وذلك يوم القيامة.
وكان قتادةُ يقولُ في تأويل ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال الله:{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} : شهدوا هَوْلًا
(3)
إِذًا عظيمًا.
(1)
بعده في ص، ت 1، ف، م:"قال: أخبرنا إسحاق".
(2)
تقدم تخريجه في ص 538.
(3)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"قولًا".
القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)} .
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادًا، والزاعمين أنَّ له ولدًا، يومَ ورودِهم عليه في الآخرة، لئن كانوا في الدنيا عُميًا عن إبصار الحقِّ، والنظر إلى حجج الله التي تدلُّ على وحدانيته صُمًّا عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربِّهم فى الآخرةِ، وأبصَرَهم يومئذٍ حين لا ينفعهم الإبصارُ والسماعُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} : ذاك والله يوم القيامة، سمِعوا حين لم
(1)
ينفعهم السمعُ، وأبصروا حين لم
(2)
ينفعهم البصر
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله:{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} . قال: أَسمَعُ قومٍ وأبصرُه
(4)
.
وحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن
(1)
في ص، ت 1، ف، م:"لا".
(2)
في ف، م:"لا".
(3)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 271 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
في م: "أبصرهم".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 8 مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 271 إلى ابن المنذر.
قتادةَ، قال:[أسمعُ قومٍ وأبصرُه]
(1)
، {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} ؛ يوم القيامةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال:{أَسْمِعْ} بحديثهم اليومَ، {وَأَبْصِرْ} كيفَ نَصنعُ بِهِم {يَوْمَ يَأْتُونَنَا} .
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} . قال: هذا يومُ القيامةِ، فأمَّا الدنيا فلا، كانت على أبصارِهم غشاوةٌ وفي آذانِهم وقرٌ في الدنيا، فلما كان يومُ القيامةِ أبصَروا وسمِعوا فلم ينتفِعوا، وقرَأ:{رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}
(2)
[السجدة: 12].
وقولُه: {لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . يقولُ جلَّ ثناؤه: لكنِ الكافرون الذين أضافُوا إليه ما ليس من صفتِه، وافترَوْا عليه الكذبَ {الْيَوْمَ} في الدنيا {فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. يقولُ: في ذَهابٍ عن سبيلِ الحقِّ، وأخذٍ على غيرِ استقامةٍ، {مُبِينٍ}: أَنَّه جائرٌ عن طريقِ الرشدِ والهُدَى لمن تأمَّله وفكَّر فيه فهُدِيَ لرشدِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)} .
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وأنذِر يا محمدُ هؤلاءِ المشركين باللهِ يومَ حسرتِهم وندمِهم، على ما فرَّطوا في جنبِ اللهِ، وأَورثتُ مساكنَهم من الجنةِ أهلَ الإيمانِ باللهِ والطاعةِ له، وأُدْخِلُوا هم مساكنَ أهلِ الإيمانِ باللهِ من النارِ، وأيقَنَ
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"أسمع بهم وأبصر".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 228 مختصرًا.
الفريقانِ بالخلودِ الدائمِ، والحياةِ التي لا موتَ بعدَها، فيالها حسرةً وندامةً.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيل، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها، قال: فليس
(1)
نفسٌ إلا وهى تنظرُ إلى بيتٍ فى الجنةِ، وبيتٍ فى النارِ، وهو يومُ الحسرةِ، فيرَى أهلُ النارِ البيتَ الذى [فى الجنةِ]
(2)
فيقالُ لهم: لو عمِلتُم
(3)
. فتأخُذُهم الحسرةُ. قال: ويرى أهلُ الجنةِ البيتَ الذى فى النارِ، فيقالُ لهم: لولا أنْ منَّ اللهُ عليكم
(4)
.
وحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يُجاءُ بالموتِ يومَ القيامة فيُوقَفُ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ كأَنَّه كبشٌ أملَحُ. قال: "فيُقالُ: يا أهلَ الجنَّة هل تعرفون هذا؟ فَيَشْرَئبُّون وينظرون، فيقولُون: نعم، هذا الموتُ". قال:"فيقولُ: يا أهلَ النَّارِ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبُّون وينظُرون، فيقولون: نعم، هذا الموتُ. ثُمَّ يُؤمرُ به فيُذبحُ". قال: "فيقُولُ: يا أهلَ الجنَّةِ خُلُودٌ فلا موتَ، ويا أهلَ النَّارِ خُلُودٌ فلا موتَ". قال: ثم قرَأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . وأشارَ بيده فى الدنيا
(5)
.
(1)
فى م: "مامن".
(2)
فى م: "كان قد أعده الله لهم لو آمنوا".
(3)
في م: "آمنتم وعملتم صالحًا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 228 من طريق سفيان به.
(5)
أخرجه أحمد 17/ 20 (11066)، ومسلم (2849/ 40)، والآجرى في الشريعة (942)،=
حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بنِ محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآيةِ:{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} . قال: "يُنادَى: يا أهلَ الجنَّةِ، فيشرئبُّون، فينظُرون، ثمَّ يُنادَى: يا أهلَ النَّارِ فيشرئبُّون فينظُرُون". قال: "فيُقالُ: هل تعرفون الموتَ؟ " قال: "فيقُولُون: لا
(1)
". قال: فيُجاءُ بالموتِ في صورةِ كَبْشٍ أملحَ، فيُقالُ: هذا الموتُ. ثُمَّ يُؤخَذُ فيُذبحُ"، قال:"ثمَّ يُنادَى يا أهلَ الجنة، خُلُودٌ ولا موتَ، ويا أهلَ النارِ، خُلُودٌ ولا موتَ". قال: ثم قرَأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} . قال: يصوِّرُ اللهُ الموتَ [في صورةِ]
(3)
كبشٍ أملحَ، فيُذبحُ. قال: فييأسُ أهلُ النارِ من الموتِ فلا يرجُونه، فتأخذُهم الحسرةُ من أجلِ الخلودِ في النار، وفيها أيضًا الفزعُ الأكبرُ، ويأمنُ أهلُ الجنةِ الموتَ فلا يخشَوْنه، وأمِنُوا الموتَ وهو الفزعُ الأكبرُ؛ لأنَّهم يُخلدون في الجنةِ. قال ابنُ جريجٍ: يُحشرُ أَهلُ النارِ حينَ يُذبح
= والبيهقي في البعث (640)، وغيرهم من طرق عن أبى معاوية به، وأخرجه البخاري (4730)، والنسائي في الكبرى (11316)، والترمذى (3156)، وأبو يعلى (1120، 1175، 1224) أربعتهم من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 271 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(1)
في مصادر التخريج: "نعم".
(2)
أخرجه النسائي فى الكبرى (11317)، وابن الأعرابي في معجمه (2073) من طريق أسباط عن الأعمش عن أبي صالح به وأخرجه أحمد 14/ 483، 15/ 266، 16/ 384 (8907، 9449، 10657)، والدارمي 2/ 329، والآجرى فى الشريعة (941) من طرق عن أبي صالحٍ به، وقال الدارقطني عقبه: والصحيح حديث أبي سعيد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 272 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(3)
في الأصل، ت 2:"كأنه".
الموتُ والفريقان ينظرون، فذلك قولُه:{إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} . قال: ذَبْحُ الموتِ. {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ}
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن أبيه، أنَّه أخبره أنَّه سمِع عبيدَ بنَ عميرٍ في قَصصِه يقولُ: يُؤْتَى بالموتِ كأَنَّه دابةٌ، فيُذبحُ والناسُ ينظرون
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} . قال: يومَ القيامةِ. وقرَأ: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}
(3)
[الزمر: 56].
وحدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} : من أسماءِ يومِ القيامةِ؛ عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه
(4)
.
وقولُه: {إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} . يقولُ: إذ فُرغ من الحكمِ لأهلُ النارِ بالخلودِ فيها، ولأهلِ الجنةِ بمقامِ الأبدِ فيها بذبحِ الموتِ.
وقولُه: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} . يقولُ: وهؤلاء المشركون في غفلةٍ عما الله فاعلٌ بهم يومَ يأتونَه خارجين إليه من قبورِهم، من تخليده إيَّاهم في جهنمَ، وتوريثِه مساكنَهم من الجنةِ غيرَهم:{وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وهم لا
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 228، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 272 إلى قوله:"الخلود في النار" إلى المصنف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 228 عن ابن جريج به
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 228 عن عبد الرحمن بن زيد به
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 228 عن على بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 272 إلى المصنف.
يُصدِّقون بالقيامةِ والبعثِ، ومجازاةِ اللهِ إيَّاهم على سيِّئ أعمالِهم بما
(1)
أخبَر أنَّه مجازيهم به.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)} .
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لا يحزنْك تكذيبُ هؤلاء المشركين يا محمدُ لك، فيما أتيتَهم به من الحقِّ، فإنَّ إلينا مرجِعَهم ومصيرَهم ومرجعَ
(2)
جميعِ الخلقِ غيرِهم، ونحنُ وارثو الأرضِ ومَن عليها من الناسِ بفَنائهم منها، وبَقائها لا مالكَ لها غيرُنا، ثم علينا جزاءُ كلِّ عاملٍ منهم بعملِه، عند مرجعِه إلينا، المحسنُ منهم بإحسانِه، والمسيءُ منهم بإساءِته.
القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)} .
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرْ} يا محمدُ في كتابِ اللهِ {إِبْرَاهِيمَ} خليلَ الرحمنِ، فاقصُص على هؤلاء المشركين قصَصَه وقَصصَ أبيهِ، {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا}. يقولُ:[إنَّ إبراهيمَ كان {صِدِّيقًا}. يقولُ]
(3)
: كان من أهلِ الصدقِ في حديثهِ وأخبارِه ومواعيدِه لا يكذبُ. والصدِّيقُ هو الفِعِّيلُ من الصدقِ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضع
(4)
.
(1)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"ما".
(2)
فى م: "مصير".
(3)
سقط من: م.
(4)
تقدم في 7/ 211، 212.
{نَبِيًّا} يقولُ: كان اللهُ قد نبَّأه وأوحَى إليه.
وقولُه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ} . يقولُ: اذكرْه حينَ قال لأبيه: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} . يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ الوَثَنِ الذى {لَا يَسْمَعُ} صوتًا
(1)
، {وَلَا يُبْصِرُ} شيئًا، {وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}. يقولُ: ولا يدفعُ عنك ضُرَّ شيءٍ، إنما هو صورةٌ مصوَّرةٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ. يقولُ: ما تصنعُ بعبادةِ ما هذه صفتُه، اعبدِ الذي إذا دعوتَه سمِع دعاءَك، وإذا أُحيط بك أبصَرك فنصَرك، وإذا نزَل بك ضرٌّ دفَع عنك.
واختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ الهاءِ فى قوله: {يَاأَبَتِ} . فكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: إذا وقفتَ عليها قلتَ: يا أَبَه، وهى هاءٌ زيدت نحوَ قولِك: يا أمَّهْ. ثم يقالُ: يا أمَّ. إذا وصَل، ولكنه لما كان الأبُ على حرفين، كان كأنَّه قد أُخِلَّ به، فصارت الهاءُ لازمةً، وصارت الياءُ كأنَّها بعدَها، فلذلك قالوا: يا أبتِ أقبِلْ، وجَعل التاءَ للتأنيثِ. ويجوزُ الترخيمُ من يا أبُ أقبِلْ؛ لأنَّه يجوزُ أن تدعوَ ما تُضيفه إلى نفسِك فى المعنى مضمومًا، نحوُ قولِ العربِ: يا ربُّ، اغفِر لى، وتقِفُ فى القرآنِ: يا أبتْ، [في الكتابِ]
(2)
. وقد يقفُ بعضُ العربِ على الهاءِ بالتاءِ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: الهاءُ مع "أبةِ" و "أُمَّةِ" هاءُ وقفٍ، كثُرت في كلامِهم حتى صارت كهاءِ التأنيثِ، وأدخلُوا عليها الإضافةَ، فمَن طلَب الإضافةَ، فهى بالتاءِ لا غيرُ؛ لأنَّك تطلُب بعدها الياءَ، ولا تكونُ الهاءُ حينئذٍ إلا تاءً، كقولك: يا أبتِ. لا غيرُ، ومن قال: يا أبَةُ. فهو الذي يقِفُ بالهاءِ؛ لأنَّه لا
(1)
سقط من: ص، ت 1، ف، م.
(2)
كذا في النسخ. وفي الصحاح واللسان: "اتباعًا للكتاب". والمعنى اتباعًا لرسم المصحف.
يطلبُ بعدها ياءً؛ ومن قال: يا أَبةَ
(1)
. فإنه يقِفُ عليها بالتاءِ، ويجوزُ بالهاءِ؛ فأمَّا بالتاءِ فلطلبِ ألفِ النُّدبة، فصارتِ الهاءُ تاءً لذلك، والوقفُ بالهاءِ بعيدٌ إلا فيمَن قال:
*يا أميمةَ ناصِبِ
(2)
*
فجعَل هذه الفتحةَ من فتحةِ الترخيمِ، وكأنَّ هذا طرَفُ الاسمِ، قال: وهذا بعيدٌ.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيم لأبيه: يا أبتِ، إِنِّي قد أتانيَ اللهُ من العلم به ما لم يُؤتِك {فَاتَّبِعْنِي}. يقولُ: فاقبلْ منِّى نصيحتى {أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} . يقولُ: أُبصِّرْك هدى الطريقِ المستوِى الذى لا تضلُّ فيه إن لزِمتَه، وهو دينُ اللهُ الذى لا اعوجاجَ فيه.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: يا أبتِ، لا تعبدِ الشيطانَ إنَّ الشيطانَ كان للهِ عصيًّا
(3)
، والعَصِىُّ هو ذو العصيانِ، كما العليمُ ذو العلمِ. وقد قال قومٌ من أهلُ العربيةِ:
(1)
هو الفراء في معاني القرآن 2/ 32.
(2)
جزء بيت للنابغة الذبياني، وتمامه:
كليني لهم يا أميمة ناصب
…
وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وقد تقدم 14/ 44.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عاصيا".
العصىُّ: هو العاصِي، والعليمُ هو العالمُ، والعريفُ هو العارفُ، واستشهدُوا لقولِهم ذلك بقولِ طَريفِ بن تميمٍ العَنبرىِّ
(1)
:
أوَ كُلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ
…
بَعَثتْ
(2)
إلىَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ
وقالوا: قال: عريفَهم. وهو يريدُ: عارفَهم، واللهُ أعلمُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)} .
يقولُ: يا أبت، إنِّى أعلمُ أنَّك إن متَّ على عبادةِ الشيطانِ أنه يمسُّك عذابٌ من عذابِ اللهِ {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}. يقولُ: تكونُ له وليًّا دونَ اللهِ، ويتبرَّأُ اللهُ منك، فتهلِكَ.
والخوفُ فى هذا الموضع بمعنى العِلم، كما الخشيةُ بمعنى العلمِ، في قولِه:{فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80].
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: قال أبو إبراهيمَ لإبراهيمَ حين دعاه إبراهيمُ إلى عبادِة اللهِ وترْكِ عبادةِ الشيطانِ، والبراءةِ من الأوثانِ والأصنامِ:{أَرَاغِبٌ أَنْتَ} يا إبراهيمُ {عَنْ} عبادةِ {آلِهَتِي} {لَئِنْ} أنتَ {لَمْ تَنْتَهِ} عن ذكرهِا بسوءٍ {لَأَرْجُمَنَّكَ} . يقولُ: لأرجُمنَّك بالكلامِ. وذلك السبُّ والقولُ القبيحُ.
وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ
(1)
البيت في اللسان (ضرب) ونسبه لطريف بن مالك العنبرى، وفى (عرف) لطريف بن مالك العنبرى، وقيل: طريف بن عمرو.
(2)
فى م، اللسان:"بعثوا".
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} بالشتيمةِ والقولِ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} . قال: بالقولِ؛ لأشتُمنَّك
(1)
.
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَأَرْجُمَنَّكَ} . يعني: رجْمَ القولِ
(2)
.
وأمَّا قوله: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلفُوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: واهجُرنى حينًا طويلًا ودهرًا. ووجَّهوا معنى الملىِّ إلى المِلاوةِ من الزمانِ، وهو الطويلُ منه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمةَ:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . قال: دهرًا
(3)
.
وحدَّثنا ابنُ بشارٍ]
(4)
، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 195.
(2)
تفسير البغوى 5/ 234، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230 بنحوه.
(3)
تفسير سفيان الثورى ص 185 (573)، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230 عن عكرمة.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . قال: دهرًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مَلِيًّا} . قال: حينًا
(2)
.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . قال: طويلًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ فى قوله:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . قال: زمانًا طويلًا
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . يقولُ: دهرًا، والدهرُ المليُّ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}. قال: دهرًا
(5)
.
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: {وَاهْجُرْنِي
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230 عن مجاهد به، وذكره القرطبي في تفسيره 11/ 11.
(2)
تفسير مجاهد ص 456، والبغوى 5/ 234 من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 272 إلى عبد بن حميد.
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 8.
(4)
ذكره ابن كثير 5/ 230 عن ابن إسحاق به.
(5)
تفسير البغوى 5/ 234، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230.
مَلِيًّا}. قال: أبدًا
(1)
.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: واهجُرنى سويًّا سالمًا من عقوبتى إِيَّاك. ووجَّهُوا معنى الملىِّ إلى قول الناسِ: فلانٌ ملىٌّ بهذا الأمرِ: إذا كان مضطَلِعًا به غنيًّا منه
(2)
. وكأنَّ معنى الكلامِ كان عندَهم: واهجُرني وعِرضُكَ وافرٌ من عقوبتي، وجسمُك معافًى من أذايَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ عن ابنُ عباسٍ:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . يقولُ: اجتنِبنى سَوِيًّا
(3)
.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . قال: اجتَنبني سالمًا قبلَ أن يُصيبَك منِّى عقوبةٌ
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . قال: سالمًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه
(5)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230 عن السدى به.
(2)
فى م: "فيه".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230.
(4)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 272 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
تفسير عبد الرزاق 2/ 9، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 272 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرِ بنِ درهمٍ أبو غسَّانَ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن عطية الجَدَلىِّ:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . قال: سالمًا
(1)
.
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} : اجتنِبني سالمًا لا يصيبُك منِّى معرَّةٌ
(2)
.
وأولَى القولينِ
(3)
بتأويلِ الآيةِ عندِى قولُ من قال: معنى ذلك: واهجُرني سويًّا، سليمًا من عقوبتِي؛ لأنَّه عَقيبُ قولِه:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} . وذلك وعيدٌ منه له إن لم ينتهِ عن ذكرِ آلهتِه بالسوءِ، أن يرجُمَه بالقولِ السيِّئ، والذى هو أولَى أن يَتبَعَ ذلك التقدُّمُ إليه بالانتهاءِ عنه قبلَ أن تنَالَه العقوبةُ، فأمَّا الأمرُ بطولِ هجرِه فلا وجهَ له.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)} .
يقولُ تعالى ذِكرُه: قال إبراهيمُ لأبيه حينَ توعَّده على نصيحتِه إيَّاه ودعائِه إلى اللهِ، بالقول السَّيِّئ والعقوبة: سلامٌ عليك يا أبتِ، يقولُ: أَمَنَةٌ منِّى لك أن أُعاودَك فيما كرِهتَ، ولِدُعائك إلى ما توعَّدتني عليه بالعقوبةِ، ولكنِّى {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي}. يقولُ: ولكنِّي سأسألُ ربى أن يستُرَ عليك ذنوبَك بعفوِه إيَّاك عن عقوبتِك
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 230 به.
(3)
في الأصل، ت 2:"التأويلين".
عليها، {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}. يقولُ: إِنَّ رَبِّى عهِدته بي
(1)
لطيفًا يُجيبُ دعائى إذا دَعَوتُه. يُقال منه: تحفَّى بى فلانٌ. وقد بيَّنتُ ذلك بشواهدِه فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه ههنا
(2)
.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله:{إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} . يقولُ: لطيفًا
(3)
.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} . قال: إنَّه كان بي لطيفًا، الحفىُّ اللطيفُ.
وقولُه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} . يقولُ: وأجتنِبُكم وعبادةَ ما تدعُون من دونِ اللهِ منَ الأوثانِ والأصنامِ، {وَأَدْعُو رَبِّي} [يقولُ: وأدعُو ربِّي]
(4)
بإخلاصِ العبادِة له، وإفرادِه بالربوبيةِ؛ {عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}. يقولُ: عسَى أن لا أشقَى بدعاءِ ربِّى، ولكن يُجيب دعائى ويُعطيني ما أسألُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا اعتزَل إبراهيمُ قومَه وعبادةَ ما كانوا يعبُدون من دونِ الله
(1)
سقط من: ص، ت 1، ف.
(2)
تقدم في 10/ 611 - 614.
(3)
تقدم تخريجه في 10/ 614.
(4)
سقط من: الأصل.
من الأوثانِ آنَسْنا وحشتَه من فراقِهم، وأبدَلناه منهم مَن
(1)
هو خيرٌ منهم وأكرمُ على اللهِ منهم، فوهَبنا له ابنَه إسحاقَ، وابنَ ابنِه يعقوبَ بنَ إسحاقَ، {وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا}. يقولُ: وجعلناهم كلَّهم -يعنى بالكلِّ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ- أنبياءَ. وقال تعالَى ذكرُه: {وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} . فوحَّد ولم يقلْ: أنبياءَ. لتوحيدِ لفظ كلٍّ،
{وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} . يقولُ جلَّ ثناؤه: ورزَقنا جميعَهم -يعنى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ- من رحمتِنا. وكان الذى وهَب لهم من رحمتِه ما بسَط لهم فى عاجلِ الدنيا من سَعةِ رزقه، وأغناهم بفضلِه.
وقولُه: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ورزَقناهم الثناءَ الحسنَ، والذكرَ الجميلَ من الناسِ.
كما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} . يقولُ: الثناءُ الحسنُ
(2)
.
وإنَّما وصَف جلَّ ثناؤه اللسانَ الذى جعَل لهم بالعلوِّ؛ لأنَّ جميعَ أهلِ المللِ تُحسِنُ الثناءَ عليهم، والعربُ تقولُ: قد جاءنى لسانُ فلانٍ. تعنى ثناءَه أو ذمَّه، ومنه قولُ عامرِ بنِ الحارثُ
(3)
:
إنِّي أَتَتْنِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِهَا
…
مِنْ عَلْوَ لا عَجَبٌ مِنْها وَلا سَخَرُ
ويُروَى: لا كَذِبٌ فيها ولا سَخَرُ.
(1)
في الأصل، م:"بمن".
(2)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 272 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
البيت الأول فى التعازي والمراثى ص 14، وجمهرة أشعار العرب 2/ 714، وأمالي المرتضى 2/ 20، واللسان (ل س ن). وهو في الأصمعيات ص 88، وأمالي اليزيدى ص 13 برواية تسقط الاستشهاد به. والثاني في الأصمعيات ص 88، وجمهرة أشعار العرب 2/ 714، وأمالي المرتضى 2/ 20، وأمالي اليزيدي ص 14 بروايات مختلفة.
جاءَتْ مُرجَّمةٌ قد كُنْتُ أَحْذَرُها
…
لَوْ كَانَ يَنْفَعُنِي الإشْفاقُ والحَذَرُ
مرجمةً: يُظَنُّ بها.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51)} .
يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واذكرْ يا محمدُ في كتابِنا الذي أنزلْنا إليك، موسى بنَ عمرانَ، واقصُص على قومِك نبأه؛ {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا} .
واختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (إِنَّهُ كانَ مُخْلِصًا). بكسرِ اللامِ من المُخْلِص، بمعنى: إنَّه كان يُخلِص للهِ العبادةَ ويُفرده بالألوهةِ من غيرِ أن يَجعَل له فيها شريكًا، وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ خلا عاصمٍ:{إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا} . بفتحِ اللامِ من مُخْلَصٍ، بمعنى أنَّ موسى كان اللهُ قد أخلَصه واصطفاهُ لرسالتِه، وجعله نبيًّا مرسلًا
(1)
.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندِى أنَّه كان صلى الله عليه وسلم مخلصًا عبادةَ اللهِ، مُخلَصًا للرسالة والنبوّة، فبأيَّتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.
{وَكَانَ رَسُولًا} . يقولُ: وكان للهِ رسولًا إلى قومِه من بني إسرائيلَ، ومَن أرسَله إليه نبيًّا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ
(1)
قرَأ عاصم وحمزة والكسائي: {مُخْلَصًا} بفتح اللام. وقرأ الباقون بكسرها.
أما قول المصنف: "خلا عاصم". ففى كتب القراءات أن عاصمًا قرأ بفتح اللام. وينظر التيسير ص 121، والحجة ص 444، 445، والنشر 2/ 221. على أن ابن مجاهد قد ذكر أن عاصمًا قرأ بكسر اللام في رواية أبي بكر عنه وأنه قرأ بفتحها في رواية حفص عنه. وينظر السبعة ص 410.
نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)}.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ونادينا موسى من ناحيةِ الجبلِ، ويعنى بالأيمنِ يمينَ موسى؛ لأنَّ الجبلَ لا يمينَ له ولا شِمالَ، وإنَّما ذلك كما يقالُ: قام عن يمينِ القبلةِ وعن شمالِها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} . [قال: من جانبِ الجبلِ الأيمنِ]
(1)
(2)
.
وقد بيَّنا معنى الطورِ واختلافَ المختلِفين فيه، ودلَّلنا على الصوابِ من القولِ فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ
(3)
.
وقولُه: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأدنيناه مُناجيًا. كما يقالُ: فلانٌ نديمُ فلانٍ ومنادمُه، وجليسُ فلانٍ ومجالسُه، وذُكر أن اللهَ تبارك وتعالى أدناه حتَّى سمِع صريفَ القلمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} . قال: أُدْنِىَ حتى سمِع صريفَ
(1)
سقط من: ص، ت 1، ف.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 9، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 272 لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
تقدم في 2/ 48 - 51.
القلمِ
(1)
.
وحدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكيرٍ
(2)
، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، قال: أُراه عن مجاهدٍ في قولِه: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} . قال: بينَ السماءِ الرابعةِ -أو قال: السابعةِ- وبينَ العرشِ سبعون ألفَ حجابٍ؛ حجابُ نورٍ وحجابُ ظلمةٍ وحجابُ نورٍ وحجابُ ظلمةٍ. وقال: فما زال يُقرِّبُ موسى حتى كان بينَه وبينَه حجابٌ، وسمِع صريفَ القلمِ؛ {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}
(3)
[الأعراف: 143].
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قرَّبه منه حتى سمِع صريفَ القلمِ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرة:{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} . قال: أُدْنِىَ حتى سمِع صريفَ القلمِ في الألواحِ
(5)
. وقال سعيدٌ
(6)
: أردَفه جبريلُ عليه السلام
(7)
.
(1)
تفسير الثورى ص 186 (574)، ومن طريقه ابن أبي شيبة 11/ 533 (11894)، والحاكم في المستدرك 2/ 373، وعبد بن حميد في السنة 2/ 532 (1231)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 273 إلى الفريابي وهناد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
فى ص، م، ت 1، ف:"بكر".
(3)
أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (282) من طريق يحيى به، والبيهقى فى الأسماء والصفات (855) من طريق شبل به.
(4)
عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 273 إلى عبد بن حميد.
(5)
أخرجه عبد الله في السنه (512، 572) من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 272، 273 إلى ابن أبى شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر.
(6)
فى ص، م، ت 1، ف:"شعبة". وينظر مصدر التخريج.
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 273 إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.
وقال قتادةُ فى ذلك ما حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} . قال: نجا بصدقه
(1)
.
وقولُه: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} . يقولُ: ووهبنا لموسى رحمةً منا أخاه هارونَ نبيًّا. يقولُ: أيَّدناه بنبوَّتِه، وأعنَّاه بها.
كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} . قال: كان هارونُ أكبرَ من موسى، ولكنْ أراد، وهَبَ له نبوَّتَه
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: واذكُرْ يا محمدُ في هذا الكتابِ إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ، فاقصُصْ خبرَه، إنَّه كان لا يكذِبُ وعدَه ولا يُخلِفُ، ولكنَّه كان إذا وعَد ربَّه أو عبدًا من عبادِه وعدًا، وفَّى به.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه:{إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} . قال: لم يعِدْ ربَّه عِدَةً إلا أنجَزها له
(3)
.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أَنَّ سهلَ بنَ عقيلٍ، حدَّثه أنَّ إسماعيلَ النبىَّ صلى الله عليه وسلم وعَد رجلًا مكانًا أن يأتيَه، فجاء ونسِىَ الرجلُ، فظلَّ بهِ إسماعيلُ، وبات حتى جاء الرجلُ من الغدِ فقال: ما برحتَ
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 9، وينظر تفسير ابن كثير 5/ 233.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 233 عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 273 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ف. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 273 إلى ابن المنذر.
من هاهنا؟ قال: لا. قال: إنِّى نسيتُ. فقال: لم أكنْ لأبرَحَ حتى تأتىَ. فبذلك كان [صادقَ الوعدِ]
(1)
.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وكان يأمُرُ أهلَه بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وكان عندَ ربِّه مرضيًّا عملُه، محمودًا فيما كلَّفه ربُّه غيرَ مقصِّرٍ في طاعتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ فى كتابِنا هذا إدريسَ، [فاقصُصْ خبَرَه]
(2)
، {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا} لا يقولُ الكذبَ، {نَبِيًّا} نوحِى إليه من أمْرِنا ما نشاءُ
{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . ذُكِر أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه رفعَه وهو حىٌّ إلى السماءِ الرابعةِ، فذلك معنى قولِه:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . يعنى به: إلى مكانٍ ذى علوٍّ وارتفاعٍ.
وقال بعضُهم: رُفِع إلى السماءِ السادسةِ
(3)
.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأل
(1)
فى ص، م، ت 1، ف:"صادقا".
والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 233 عن المصنف.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
بعده في ص، م، ت 1، ف:"وقال آخرون: الرابعة".
ابن عباسٍ كعبًا وأنا حاضرُه
(1)
، فقال له: ما قولُ اللَّهِ لإدريسَ: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . فقال كعبٌ: أمَّا إدريسُ، فإنَّ الله أوحَى إليه: إنِّي أرفعُ
(2)
لك في كلِّ يومٍ مثلَ جميعِ عمل بنى آدمَ فأحَبَّ أنْ يزدادَ عملًا، فأتاه خليلٌ له من الملائكةِ، فقال: إنَّ الله أوحَى إليَّ كذا وكذا، فكلِّمْ لى ملَكَ الموتِ فليؤخِّرْنى حتى أزدادَ عملًا. فحمَله بين جناحَيهِ، ثم صعِد به إلى السماءِ؛ فلما كان في السماءِ الرابعةِ، تلقَّاهم ملَكُ الموتِ منحدِرًا، [فكلَّمه، وكلَّمه]
(3)
ملَكُ الموتِ في الذي كلَّمه فيه إدريسُ؟ فقال: وأينَ إدريسُ. قال: هو ذا هو
(4)
على ظهرِى. قال ملَكُ الموتِ: فالعجبُ، بعِثتُ [وقِيلَ لى]
(5)
: اقبضْ رُوحَ إدريسَ في السماءِ الرابعةِ. فجعلتُ أقولُ: كيف أقبضُ رُوحَه في السماءِ الرابعة وهو في الأرضِ؟ فقبَض رُوحَه هناك، فذلك قولُ اللَّهِ جلَّ وعزَّ:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}
(6)
.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . قال: إدريسُ رُفع فلم يَمُتْ، كما رُفع عيسى
(7)
.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
(1)
في م: "حاضر".
(2)
في م: رافع".
(3)
في م: "فكلم".
(4)
سقط من: م، ت 2، ف.
(5)
سقط من: م، ت 2.
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 549، 550 عن عكرمة عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 274 إلى ابن أبي حاتم.
(7)
تفسير مجاهد ص 456 من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 274 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنَّه قال: ولم يَمُتْ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . قال: رفعِ إلى السماءِ السادسةِ، فمات فيها
(1)
.
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} : إدريسُ أدركَه الموتُ في السماءِ السادسةِ
(2)
.
وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . قال: السماءَ الرابعةَ
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيدٍ الخدري {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}. قال: في السماءِ الرابعةِ
(4)
.
وحدَّثنا على بنُ سهلٍ
(5)
، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيره - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لمَّا أُسْرِى بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم صعِد به جبريلُ إلى السماءِ الرابعةِ،
(1)
أخرجه ابن مردويه كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 328 من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 274 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
ينظر تفسير القرطبي 11/ 117، والبداية والنهاية 1/ 236.
(3)
تفسير الثورى ص 186، ومن طريقه ابن أبي شيبة 11/ 550، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 274 إلى عبد بن حميد.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 551 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 274 إلى ابن مردويه.
(5)
في م: "سهيل".
فاستفتحَ فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معكَ
(1)
؟ قال: محمدٌ. قالوا: وَقَد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِنْ خليفةٍ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المجيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: هذا إدريسُ، رفَعَه اللهُ مكانًا عليًّا
(2)
.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} . قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم حدثَّ، أنَّه لما عُرج به إلى السماءِ قال: أتيتُ على إدريس في السماءِ الرابعةِ
(3)
.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءَهم في هذه السورةِ يا محمدُ، {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} بتوفيقِه، فهداهم لطريقِ الرشدِ من الأنبياء {مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ} ، ومن ذرِّيةِ من حمَلنا مع نوحٍ في الفُلكِ، ومن ذرِّيةِ له إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، ومن ذرِّيةِ إسرائيلَ، {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} للإيمانِ باللهِ والعملِ بطاعتهِ {وَاجْتَبَيْنَا}. يقولُ: وممن اصطفَينا واخترنا لرسالتِنا ووحيِنا، فالذي عنَى به من ذريَّةِ آدمَ إدريسُ، والذي عنَى به من ذريَّة من حملَنا مع نوحٍ إبراهيمَ، والذي عنَى به من ذريَّةِ إبراهيمَ إسحاقُ ويعقوبُ وإسماعيلُ، والذي عنَى بهِ من ذريَّةِ
(1)
في الأصل، ص، م، ت 1، ف:"معه".
(2)
جزء من أثر طويل تقدم تخريجه في 14/ 435.
(3)
أخرجه أبو يعلى (2914) من طريق يزيد، به، وأخرجه أحمد 21/ 279، 280 (13739)، والترمذي (3157) من طريق آخر عن قتادةَ وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 274 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
إسرائيلَ موسى وهارونُ وزكريَّا وعيسى وأمُّه مريمُ، ولذلك فرَّق تعالى ذكرُه أنسابَهم وإن كان يجمَعُ جميعَهم آدمُ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ فيهم مَن ليس من ولدِ من كان مع نوحٍ في السفينةِ، وهو إدريسُ، وإدريسُ جدُّ نوحٍ.
وقولُه تعالى ذكرُه: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ} . يقولُ: إذا تُتلى على هؤلاء الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين أدلةُ اللهِ تعالى ذكرُه، وحججُه التي أنزَلها اللهُ
(1)
عليهم في كتبِه، خرُّوا اللهُ سجدًا، استكانةً له وتذلُّلًا وخضوعًا لأمرِه وانقيادًا له
(1)
: {وَبُكِيًّا} . يقولُ: خرُّوا سجدًا وهم باكون، والبُكِيُّ: جمعُ باكٍ، كما العُتِيُّ جمعُ عاتٍ، والجِثِيُّ: جمعُ جاثٍ، فجُمِع وهو فاعلٌ على فُعولٍ، كما يُجمعُ القاعدُ "قُعُودٌ"، والجالسُ جُلُوسٌ، وكان القياسُ أن يكونَ: بُكويًا
(2)
وعُتوًّا، ولكن كُرهتِ الواوُ بعدَ الضمةِ فقُلبت الواوُ
(3)
ياءً، كما قيل في جمعِ دلوٍ: أدلٍ. وفى جمعِ البهوِ: أبه. وأصلُ ذلك أفْعُلٌ؛ أَدْلُو وأَبْهُو، فقلبت الواوُ ياءً لمجيئِها بعد الضمة استثقَالًا، وفى ذلك لغتانِ مستفيضتانِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةِ علماءُ من القرأةِ بالقرآنِ (بُكيًّا) و (عُتوًّا) بالضمِّ، (وبِكيًّا) و (عتِيًّا) بالكسرِ
(4)
.
وقد يجوزُ أن يكونَ البُكِيُّ هو البكاءُ بعينه.
وقد حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(2)
في الأصل: "وبكويا"، وفى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"وبكوا".
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر، بضم أوائل هذه الحروف، وقرأ حمزة والكسائي بكسر أوائل هذه الحروف كلها وقرأ حفص عن عاصم بكسر أوائل هذه الحروف كلها إلا {وَبُكِيًّا} ، فإنه يضم أوله. السبعة لابن مجاهد ص 407.
الأعمشِ، عن إبراهيمَ، [عن أبي معمرٍ]
(1)
، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ رحمه الله سورةَ "مريمَ" فسجدَ فيها فقال: هذا السجودُ، فأين البُكِيُّ؟ يريد: فأين البكاءُ
(2)
.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فحدَث من بعدِ هؤلاء الذين ذكرْتُ من الأنبياءِ الذين أنعمتُ عليهم، ووصفتُ صفتَهم في هذه السورةِ، خلْفُ سَوءٍ خلَفوهم في الأرضِ أضاعُوا الصلاةَ.
ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في صفةِ إضاعتِهم الصلاةَ؛ فقال بعضُهم: كانت إضاعتُهموها تأخيرَهم إيَّاها عن مواقيتِها، وتَطْبِيَعهم أوقاتَها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بن سعيدٍ
(3)
الكنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعيِّ، عن موسى بن سليمان، عن القاسمِ بن مخيمرةَ في قولِه:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} . قال: إنما أضاعوا المواقيتَ، ولو كان تركًا كان كفرًا
(4)
.
حدَّثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن القاسمِ
(1)
سقط من النسخ، ونص ابن كثير على سقوطه، وينظر مصادر التخريج.
(2)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (423) 123، 124 والبيهقى في شعب الإيمان (2059) من طريق عبد الرحمن بزيادة أبي معمر عن عمر بن الخطاب، وعزاه ابن كثير 5/ 238 إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريق سفيان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 277 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"سعد". وهو على بن سعيد بن مسروق الكندى. ينظر تهذيب الكمال 20/ 450.
(4)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 6/ 80، من طريق الأوزاعي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 277 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
ابن مخيمرةَ بنحوِه
(1)
.
حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن أبي عمرٍو، عن القاسمِ بن مُخَيمرةَ، قال: أضاعوا المواقيتَ، ولو تركوها لصاروا بتركِها كفارًا.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن القاسمِ [بن مخيمرةَ في قولِه:{أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} . قال: لم يتركوا الصلواتِ، ولو تركوها لصاروا
(2)
كفارًا، ولكنَّهم أضاعوا المواقيتَ وصلَّوا الصلواتِ لغيرِ وقتها
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، أَنَّ عمر بنَ عبدِ العزيزِ بعث رجلًا إلى مصرَ [في أمرِ عجلةٍ]
(4)
للمسلمين، فخرَج إلى حرسِه، وقد كان تقدَّم إليهم أن لا يقوموا إذا رأَوْه، قال: فأوسعُوا له، فَجَلَس بينَهم فقال: أيكم يعرِفُ الرجل الذي بعثناه إلى مصر؟ قالوا: كلُّنا نعرفُه. قال: فليقُمْ أحدَثُكم سنًّا، فليدعُه، فأتاه الرسولُ فقال: لا تعجِّلْني، أشدُّ عليَّ ثيابي. فأتاه فقال له: إنَّ اليومَ الجمُعة، فلا تبرحنَّ حتى تصلىَ، وإنَّا قد بعَثْناك في أمرِ عجِلةٍ للمسلمين، فلا يُعْجِلَنَّك ما بعَثْناك له أن تؤخَّرَ الصلاةَ عن ميقاتِها، فإنَّك مصليها لا محالةَ، ثم قرَأ:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . ثم قال: لم يكنْ إضاعتُهم تركَها، ولكن أضاعوا الوقتَ
(5)
(1)
تفسير الثورى ص 186.
(2)
بعده في ت 2: بتركها".
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"نحوه".
(4)
في م: "لأمر أعجله".
(5)
أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق 1/ 197، 198 من طريق الأوزاعى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 277 إلى ابن أبي حاتم.
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ بن عبدِ الرحمنِ والحسنِ بن سعدٍ
(1)
، عن ابن مسعودٍ، أنه قيل له: إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعزَّ يُكثِرُ ذكرُ الصلاةِ في القرآن: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5]. و {عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23]. و {عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34]. فقال ابن مسعودٍ: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على التركِ. قال: ذاك الكفرُ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عمر أبو حفصٍ الأبَّارُ، عن منصورِ بن المعتمر، قال: قال مسروق: لا يحافظ أحدٌ على الصلاةِ الخمس فيُكتب من الغافلين، وفى إفراطهنَّ الهلكة، وإفراطهنَّ إضاعتهنَّ عن وقتِهنَّ
(3)
.
وقال آخرون: بل كانت إضاعتُهموها تركَها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه قال في هذه الآيةِ:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} . يقولُ: تركوا الصلاةَ
(4)
.
وأولى التأويلين في ذلك عندِى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: كانت
(5)
إضاعتُهموها تركَهم إيَّاها لدلالةِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه بعدُ على أن ذلك كذلك، وذلك قولُه:{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} . فلو كان الذين وصَفهم بأنَّهم
(1)
في م، ت 1 ف:"مسعود" وينظر تهذيب الكمال 6/ 163.
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 2415، وابن كثير في تفسيره 5/ 238.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 238.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 277 إلى ابن أبي حاتم.
(5)
سقط من: م، ت 2.
ضيَّعوها مؤمنين لم يستثنِ منهم من آمنَ، وهم مؤمنون، ولكنَّهم كانوا كفارًا لا يُصلُّون اللهِ، ولا يؤدُّون إليه
(1)
فريضةً، فسقةً قد آثروا شهواتِ أنفسِهم على طاعةِ اللهِ.
وقد قيل: إنَّ الذين وصفهم اللهُ بهذه الصفةِ قومٌ من هذه الأمِة يكونون في آخرِ الزمانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . قال: عندَ قيامِ الساعةِ، وذَهابِ صالحى أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ينزُو بعضُهم على بعضٍ في الأزقَّةِ. قال محمدُ بنُ عمرو: زِنًى. وقال الحارثُ: زُناةً
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وقال: زنّى كما قال ابن عمرٍو
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ وعطاءِ بن أبي رباحٍ:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} . الآية قال: هم أمةُ محمدٍ
(4)
.
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"له".
(2)
تفسير مجاهد ص 456، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 277 إلى عبد بن حميد.
(3)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 121، 122، وابن كثير في تفسيره 5/ 239.
(4)
تفسير الثورى ص 186 من طريق جابر عن مجاهد بنحوه، وذكره ابن كثير 5/ 239 عن طريق جابر به.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيمَ
(1)
بن مهاجرٍ، [عن مجاهدٍ]
(2)
في قولِ اللهُ جلَّ وعزَّ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} قال: هم في هذه الأمةِ يتراكَبُون تراكُبَ الأنعامِ
(3)
في الطرقِ، لا يخافون الله في السماءِ، ولا يستحيُون من
(4)
الناسِ في الأرضِ
(5)
.
وأمَّا قولُه: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} ؛ فإنَّه يعنى: أنَّ هؤلاء الخلْفَ الذين خلفُوا بعدَ أولئك الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين سيدخُلون غيًّا، وهو اسمُ وادٍ من أوديةِ جهنمَ، أو اسمُ بئرٍ من آبارِها.
كما حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادِ بن زبَّارٍ
(6)
، قال: ثنا شرْقيُّ بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أمامةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثنا حديثًا سمِعتَه من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال: فدعا بطعامٍ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لو أنَّ صخرةً زِنةَ عشْرِ عشراواتٍ
(7)
قُذِفَ بها مِن شَفيرِ جهنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها خمسينَ خَرِيفًا، ثمَّ تنتَهى إلى غَيٍّ وأثامٍ". قال:
(1)
في ص، م، ت 1 ف:"أبي تميم". وينظر تهذيب الكمال 2/ 211.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1 ف. وينظر مصادر التخريج.
(3)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"والحمر".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(5)
تفسير الثورى ص 186 من طريق إبراهيم عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 277 إلى عبد بن حميد.
(6)
في ص، ت 1، ف:"زبان"، وفى م:"رزان" وفى ت:2 "زران" وينظر المؤتلف والمختلف للدارقطني 2/ 1087.
(7)
في م: "أواقٍ" والمثبت موافق لما في صفة النار. والعشراوات: جمع عشراء وهى الناقة التي أتي على حملها عشرة أشهر. ينظر النهاية 3/ 240.
قلتُ: وما غَيٌّ وما أثامٌ؟ قال: بئران في أسفل جهنَّمَ يسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النَّارِ، وهُما اللَّتانِ ذكَرَ اللهُ في كتابه {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} ، وقولُه في "الفرقان":{وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، ثنى عمرُو بنُ عاصم قال: ثنا المعتمر بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن قتادةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . قال: واديًا في جهنَّمَ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدَة، عن عبدِ اللَّهِ:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . قال: واديًا في النارِ
(3)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ أنَّه قال في هذه الآيةِ:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . قال: نهرٌ في جهنَّمَ حَبيثُ الطعمِ بعيدُ القعرِ
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةً، عن أبيه في قولِه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 240 عن المصنف، وأخرجه الطبراني (7731) من طريق العباس بن أبي طالب به، وأخرجه محمد بن نصر في كتاب الصلاة (36)، والبيهقى في البعث (522) من طريق محمد بن زياد به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (17) من طريق شرقى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 278 إلى ابن مردويه.
(2)
ذكره في البحر المحيط 6/ 201 عن عبد الله بن عمرو.
(3)
تفسير الثورى ص 187، ومن طريقه الطبراني في الكبير (9110)، وأخرجه الطبراني (9106، 9107) من طريق أبي إسحاق به.
(4)
أخرجه أبو نعيم. جه أبو نعيم في الحلية 4/ 206 من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الحاكم 2/ 374، والطبراني في الكبير (9111)، والبيهقى في البعث (518) من طريق شعبة به.
الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}. قال: الغيُّ: نهرُ جهنمَ في النارِ، يعذَّبُ فيه الذين اتَّبعوا الشهواتِ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الأحوصِ
(2)
، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ
(3)
، عن عبدِ اللَّهِ {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}. قال: نهرٌ في النارِ يُقذفُ
(4)
فيه الذين اتبعوا الشهواتِ
(5)
.
وقال آخرون: بل عنَى بالغيِّ في هذا الموضعِ الخسرانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . يقولُ: خسرانًا
(6)
.
وقال آخرون: بل عنَى به الشرَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَسَوْفَ
(1)
أخرجه الطبراني في الكبير (9108)، والبيهقى في البعث (519) من طريق أبى الأحوص به.
وبعده في ص، م، ت 1، ف:"حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه قوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} قال: الغى نهر جهنم في النار يعذب فيه الذين اتبعوا الشهوات".
(2)
أبو الأحوص: سلام بن سليم ينظر تهذيب الكمال 33/ 16.
(3)
في م: "عبيدة". وهو أبو الأحوص الجشمى؛ عوف بن مالك. ينظر تهذيب الكمال 33/ 16.
(4)
في الأصل: "يعذب". والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.
(5)
أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (38) من طريق أبى الأحوص به.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 278 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 240 عن علي بن عباس به.
يَلْقَوْنَ غَيًّا}. قال: الغيُّ الشرُّ
(1)
.
ومنه قولُ الشاعرِ
(2)
:
فمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَه
…
ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائمَا
وكلُّ هذه الأقوالِ مُتَقارباتُ المعنى
(3)
، وذلك أن مَن وَرَد البِئرَيْنِ اللَّتَين ذكَرَهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والوادِىَ الذي ذكَرَه ابن مسعودٍ في جَهَنَّمَ، فدخَل ذلك، فقَد لَاقَى خُسْرانًا وشرًّا؛ حَسْبُه به شرًّا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فسوف يَلْقَى هؤلاءِ الخَلَفُ السوءُ الذين وصَف صفتَهم غَيًّا، إلا الذين تابوا منهم
(4)
فراجَعوا أمرَ اللهِ، والإيمانَ بهِ وبرسولِه، {وَعَمِلَ صَالِحًا}. يقولُ: وأطاع الله فيما أمرَه ونهاه عنه، وأدَّى فرائضَه، واجْتَنَب محارِمَه {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ}. يقولُ: فإن أولئك منهم خاصةً يَدْخُلون الجنةَ دونَ مَن هلَك منهم على كُفْرِه، وإضاعتِه الصلاةَ واتباعِه الشَّهواتِ.
وقولُه: {وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} . يقولُ: ولا يُبْخَسُون من جزاءِ أعمالِهم شيئًا، ولا يُجْمَعُ بينَهم وبينَ الذين هَلَكوا من الخلَفِ السوءِ مِنهم قبلَ توبتِهم مِن ضلالتِهم
(5)
، وقبلَ إنابتِهم إلى طاعةِ ربِّهم في جَهَنَّمَ، ولكِنَّهم يدخُلُون مُدخَلَ أهلِ
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 5/ 125، وينظر التبيان 7/ 121.
(2)
البيت للمرقش الأصغر في المفضليات ص 247، والأغانى 6/ 139، ومعجم الشعراء للمرزبانى ص 5.
(3)
في م: "المعنى".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(5)
في ص، م، ف:"ضلالهم".
الإيمانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)} .
يقولُ تعالى ذِكرُه: فأولئك يَدْخُلون الجنةَ
(1)
{جَنَّاتِ عَدْنٍ} .
وقولُه: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} نُصِبَ ترجمةً عن الجنةِ. ويعنى بقولِه:
{جَنَّاتِ عَدْنٍ} . بساتينَ إقامَةٍ. وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِه
(2)
.
وقولُه: {الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} . يقولُ: هذه الجناتُ هي الجناتُ التي وعَد الرحمنُ عبادَه المؤمنين أن يدخُلُوها بالغَيْبِ؛ لأَنَّهم لم يَرَوْها ولم يُعاينوها، فهى غيبٌ لهم.
وقولُه: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} . يقولُ تعالى ذِكْرُه: إن الله كان وَعَدَه، ووَعْدُه في هذا الموضِعِ مَوْعودُه، وهو الجنةُ، {مَأْتِيًّا} يَأْتِيهِ أولياؤُه وأهلُ طاعتِه الذين يُدْخِلُهمُوها اللهُ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ
(3)
: خرَج الخبرُ على أن الوعدَ هو المأتيُّ، ومعناه: أنه هو الذي يأتى، ولم يَقُلْ: وكان وَعْدُه آتِيًا. لأنَّ كلَّ ما أتاك فأنتَ تأتيه، وقال: ألا تَرَى أنَّك تقولُ: أتَيْتُ على خمسين سنةً، وأتَتْ عليَّ خمسون سنةً. وكلُّ ذلك صوابٌ. وقد بيَّنتُ القولَ فيه.
(1)
بعده في الأصل: "ولا يظلمون".
(2)
تقدم في 11/ 559 وما بعدها.
(3)
الفراء في معاني القرآن 2/ 170.
والهاءُ في قولِه: {إِنَّهُ} . مِن ذِكْرِ الرَّحمنِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62)} .
يقولُ تعالى ذِكْرُه: لا يسمعُ هؤلاءِ الذين يدْخُلُون الجَنَّةَ فيها لَغْوًا؛ وهو الهَذْرُ
(1)
والباطلُ مِن القولِ والكلامِ، {إِلَّا سَلَامًا} . وهذا من الاسْتِثْنَاءِ المُنْقَطِعِ، ومعناه: ولكِنْ يسْمَعون سلامًا. وهو تحيةُ الملائكةِ إيَّاهم.
وقولُه: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً} . يقولُ: ولهم طَعامُهم وما يَشْتَهون من المَطاعِمِ والمشارِبِ في قَدْرِ وقْتِ البُكرةِ مِن
(2)
وَقْتِ العَشِيِّ من نَهَارِ أيامِ الدُّنيا، [وفى قدرِ وقتِ العشيِّ مِن وقتِ البُكْرةِ مِن نهارِ أيامِ الدنيا]
(3)
. وإنَّما يعنى أن الذي بينَ غَدائِهم وعَشَائِهم في الجَنَّةِ قَدْرُ ما بينَ غداءِ أحَدِنا في الدُّنيا وعشائِه، وكذلك ما بينَ العَشاءِ والغَداءِ؛ وذلك لأنَّه لا لَيْلَ في الجَنَّةِ ولا نهارَ، وذلك كقولِه:{خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 8]. و {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54]. يعنى به: من أيامِ الدُّنيا
(4)
.
حدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سألتُ زُهَيرَ بنَ محمدٍ عن قولِ اللَّهِ جلَّ وعرَّ: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . قال: ليس في الجَنَّةِ لَيْلٌ، هم في نورٍ أبدًا، ولهم مقدارُ اللَّيلِ والنهارِ، يَعْرِفون مِقْدَارَ الليلِ بإرخاءِ الحُجُبِ وإغلاقِ الأبوابِ، ويَعْرِفون مِقْدارَ النَّهارِ برَفْعِ الحُجُبِ، وفَتْحِ
(1)
في م: "الهدى".
(2)
في م: "و".
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"كما".
الأبوابِ
(1)
.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن
(2)
خُلَيدٍ، عن الحسنِ، وذكَرَ أبوابَ الجَنَّةِ، فقال: أبوابٌ
(3)
يُرَى ظاهرُها من باطنِها، فَتَكَلَّمُ وتُكَلَّمُ، فتَفْهَمُهم
(4)
: انْفَتِحِى انْغَلِقى. فتفعلُ
(5)
.
حدَّثني ابن حربٍ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عامرُ بنُ يِسَافٍ، عن يحيى، قال: كانت العربُ في زمانِهم مَن وجَد مِنهم عَشاءً وغَداءً، فذاك النَّاعِمُ في أنفسِهم، فأنزَلَ اللهُ جلَّ وعزَّ:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} : قدرَ ما بينَ غَدائِكم في الدُّنيا إلى عشائِكم
(6)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . قال: كانتِ العربُ إذا أصاب أحدُهم الغداءَ والعشاءَ عُجِبَ له، فأخبَرَهم اللهُ أن لهم
(7)
في الجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا قدرَ ذلك الغَداءِ والعَشاءِ
(8)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس بكرةٌ ولا عَشِيٌّ، ولكن يُؤْتَون به على ما كانوا
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 242 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 278 إلى المصنف وابن المنذر وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في ص، ت 1، ف:"بن".
(3)
بعده في الأصل: "الجنة".
(4)
سقط من: ص، ت 1، ف، وفى م، وتفسير ابن كثير:"فتهمهم".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 242 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 318 إلى المصنف وابن المنذر، وينظر فيض القدير 1/ 37.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 278 إلى ابن المنذر.
(7)
بعده في تفسير عبد الرزاق: "رزقهم".
(8)
تفسير عبد الرزاق 2/ 9.
يَشْتَهون في الدُّنيا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} : فيها ساعتان؛ بُكْرَةٌ وعَشِيٌّ
(2)
، فإن
(3)
ذلك لهم، ليس ثَمَّ ليلٌ، إنما هو ضَوْءٌ ونورٌ
(4)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)} .
يقولُ تعالى ذِكرُه: هذه الجنةُ التي وصَفْتُ لكم أيُّها الناسُ صِفَتَها، هي الجنةُ التي نُورِثُها. يقولُ: نُورِثُ مساكِنَ أهلِ النارِ فيها من عِبادِنا {مَنْ كَانَ تَقِيًّا} . يقولُ: من كان ذا اتِّقاءٍ عقابَ
(5)
اللَّهِ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)} .
ذُكِر أن هذه الآية نزَلت مِن أجلِ اسْتِبْطاءِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السلام بالوَحْي، وقد ذكَرنا بعضَ الرِّوايةِ بذلك
(6)
، ونَذْكُرُ إن شاء اللهُ باقىَ ما حضَرنا ذِكْرُه ممَّا لم نَذْكُرْه قبلُ.
(1)
تفسير الثورى ص 187، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 9، وهناد في الزهد (59) وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 278 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في الأصل: "عشيا".
(3)
في ت 2: "قال".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 242 عن قتادة.
(5)
في ص، م، ت 1، ف:"عذاب".
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف. وينظر ما تقدم في 15/ 144.
ذِكْرُ [بعضِ الروايةِ بذلك]
(1)
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ
(2)
بنُ أبانٍ العِجليُّ وقبيصةُ ووكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، جميعًا، عن عمرَ بن ذرٍّ، قال: سمِعتُ أبى يَذْكُرُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أن محمدًا قال لجبريلَ:"ما يمنَعُك أن تَزُورَنا أكثَرَ ممَّا تَزُورُنا؟ ". قال
(3)
: فنزَلت هذه الآيةُ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} . قال: هذا الجوابُ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عمرُ بنُ ذرٍّ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لجبريلَ:"ما يمنَعُكَ أن تَزُورَنا أكثَرَ ممَّا تَزُورُنا؟ ". قال (3): فنزَلت [هذه الآيةُ]
(5)
: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ}
(6)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن
(1)
في الأصل، ص، م، ت 1، ف:"من قال ذلك".
(2)
بعده في م: "قال: ثنا عبد الله". وينظر الجرح والتعديل 5/ 10.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(4)
أخرجه أحمد 3/ 502 (2078)، والبخارى (3218)، والترمذى (3158) من طريق وكيع به - دون آخره - وأخرجه أحمد 5/ 363 (3365)، والبخارى (7455) من طريق عمر بن ذر به، وبالزيادة في آخره عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 278 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ودون الزيادة عزاه إلى عبد بن حميد وابن مردويه.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(6)
أخرجه أحمد 3/ 481، 482 (2013)، والبخارى (3218، 4731)، وفى خلق أفعال العباد (574)، والترمذى (3158)، والنسائى في الكبرى (11319)، والطبرانى (12385)، والحاكم 2/ 611، والبيهقى في الأسماء والصفات (4625)، وفى الدلائل 7/ 60، والواحدى في أسباب النزول ص 203، وأبو نعيم في الحلية 4/ 298، والبغوى في تفسيره 5/ 243 من طرق عن عمر بن ذر به.
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} إلى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} . قال: احتبس جبريلُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فوَجَد رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من ذلك وحَزِن، فأتاه جبريلُ فقال: يا محمدُ {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لَبِث جبريلُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَبْطَأه، فلمَّا أتاه قال له جبريلُ:{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} ]
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} . قال: هذا قولُ جبريلَ، احتَبس جبريلُ في بعضِ الوحى، فقال نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"ما جِئْتَ حتى اشْتَقتُ إليك". فقال له جبريلُ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا}
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلَّ وعزَّ:{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} . قال: قولُ الملائكةِ حينَ اسْتَراثَهم
(4)
محمدٌ صلى الله عليه وسلم، كالتى في "الضُّحَى"
(5)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 244 عن العوفى به.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الآية".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 10.
(3)
ينظر تفسير البغوي 5/ 243.
(4)
في تفسير مجاهد: "استزارهم". واستراثهم: استبطأهم. ينظر التاج (ر ى ث).
(5)
تفسير مجاهد ص 457.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: لَبِث جبريلُ عن محمدٍ اثْنَتَى عشْرةَ ليلةً، ويقولون: قُلِىَ
(1)
. فلمَّا جاءه قال: "أي جبريلُ، لقد رِثْتَ عَليَّ؛ حتى
(2)
ظنَّ المشرِكُون كُلَّ ظَنٍّ". فنزَلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} . إلى قولِه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} : جبريلُ
(4)
احتَبَسَ عن نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى تكلَّم في ذلك المشركون، واشْتَدَّ ذلك على نبى اللهِ صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريلُ، فقال: اشْتَدَّ عليك احْتِبَاسُنا عنك، وتَكلَّم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، إذا أمرَنى بأمرٍ أطعْتُه:{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} . يقولُ: بقولِ ربِّك
(5)
.
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: استَبطأ النبيُّ جبريلَ، فقال: "ما حَبَسَك"؟. فقال: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبَّكَ}]
(6)
(7)
.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} ؛ فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : من الدُّنيا، وبقولِه:
(1)
في الأصل، ص، ت 1:"أقل"، وفى ت 2، ف:"أقلى".
(2)
بعده في م: "لقد".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 279 إلى المصنف.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(5)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 243.
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ف. وينظر التبيان 7/ 124.
(7)
ينظر تفسير البغوي 5/ 243.
{وَمَا خَلْفَنَا} ، الآخِرَةِ، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: النَّفْخَتَين.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} . يعنى: الدُّنيا، {وَمَا خَلْفَنَا}: الآخرةَ، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: بينَ
(1)
النَّفخَتَين
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية، قال:{مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : من الدنيا، {وَمَا خَلْفَنَا}: من أمْرِ
(3)
الآخرةِ، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: ما بينَ النَّفْخَتَين
(4)
.
وقال آخرون: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : الآخرة، {وَمَا خَلْفَنَا}: الدُّنيا، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: ما بينَ الدنيا والآخِرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{بَيْنَ أَيْدِينَا} : الآخرةِ، {وَمَا خَلْفَنَا}: من الدُّنيا
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : مِن أَمْرِ الآخرةِ، {وَمَا خَلْفَنَا}: مِن أمْرِ الدُّنيا، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: ما
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 245.
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
أخرجه هناد في الزهد (319) من طريق أبى جعفر به مقتصرا على آخره، وعزا آخره أيضًا السيوطي في الدر المنثور 4/ 79 إلى ابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير 5/ 245.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 245.
بينَ الدُّنيا والآخرةِ، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ:{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} . [يقولُ: ما بينَ أيدينا]
(1)
من الآخرةِ، {وَمَا خَلْفَنَا}: من الدنيا، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: ما بينَ النَّفْخَتَين
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : مِن الآخِرَةِ، {وَمَا خَلْفَنَا}: من الدُّنيا
(3)
.
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} . قال: ما مضَى أمامَنا من الدُّنيا. {وَمَا خَلْفَنَا} : ما يكونُ بعدَنا من الدنيا والآخِرةِ. {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} . قال: ما بينَ ما مضَى أمامَهم، وبينَ ما يكونُ بعدَهم.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يتأوَّلُ ذلك: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : قبلَ أن نُخْلَقَ، {وَمَا خَلْفَنَا}: بعدَ الفناءِ، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: حينَ كُنَّا.
وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: معناه: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : مِن أمرِ الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك لم يَجِئْ وهو جاءٍ، فهو بينَ أيْدِيهم، [وأنَّ]
(4)
الأغلبَ في استعمالِ الناسِ إذا قالوا: هذا الأمْرُ بينَ يَدَيْكَ. أنَّهم يعنون به ما لم يجِئْ وأنَّه جاءٍ، فلذلك قلنا: ذلك أولى بالصَّوابِ. {وَمَا خَلْفَنَا} : مِن أمرِ الدُّنيا،
(1)
سقط من: م، ت 1، ف.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 10.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 245.
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"فإن".
وذلك ما قد خَلَّفوه فمضَى، فصار خَلْفَهم بتَخْلِيفِهم إيَّاه. وكذلك تقولُ العربُ لِما قد جاوَزَه المرءُ وخَلَّفَه خلْفَه
(1)
: هو خَلْفَه ووَراءَه. {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} : ما بينَ ما لم يمضِ مِن أمرِ الدُّنيا إلى الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك هو الذي بينَ ذَيْنِك الوَقتَين.
وإنما قُلنا: ذلك أولى التأويلاتِ به؛ لأنَّ ذلك هو الظاهرُ الأغلبُ، وإنما يُحمَلُ تأويلُ القرآنِ على الأغلبِ من معانِيه، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ التسليمُ له.
فتأويلُ الكلامِ إذنْ: فلا تَسْتَبطِئْنا يا محمدُ في تَخَلُّفِنا عنك، فإِنَّا
(2)
لا نَتَنَزَّلُ من السماءِ إلى الأرضِ إلا بأمْرِ ربِّك لنا بالنُّزولِ إليها، للهِ ما هو حادثٌ مِنْ أمورِ الآخرةِ التي لم تأتِ وهى آتيةٌ، وما قد مضَى فخَلَّفْناه مِن أمرِ الدُّنيا، وما بينَ وقْتِنا هذا إلى قيامِ الساعةِ، بيدِه ذلك كلُّه، وهو مالكُه ومصرِّفُه، لا يملكُ ذلك غيرُه، فليس لنا أن نُحْدِثَ في سُلْطانِه أمرًا إلا بأمْرِه إيَّانا بهِ، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}. يقولُ: ولم يكنْ ربُّك ذا نِسْيانٍ، فيتأخَّرَ نُزولى إليكَ بنِسيانِه إيَّاك، بل هو الذي لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ في السماءِ ولا في الأرضِ، ولكنّه أعلمُ بما يُدبِّرُ ويقْضِى في خلْقِه جلَّ ثناؤُه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} . قال: ما نَسِيَكَ ربُّكَ
(3)
.
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(2)
في ت 1، ف:"فإنه".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 245 عن مجاهد.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)} .
يقولُ تعالى ذِكْرُه: لم يكنْ ربُّك يا محمدُ ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما نَسِيًّا؛ لأنَّه لو كان نَسِيًّا لم يَسْتَقِمْ ذلك، ولَهلَك لولا حِفْظُه إيَّاه.
فالربُّ مرفوعٌ ردًّا على قولِه
(1)
: {رَبُّكَ} .
وقولُه: {فَاعْبُدْهُ} . يقولُ: فالزمْ طاعتَه، وذِلَّ لأمْرِه ونَهْيِه، {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}. يقولُ: واصبِرْ نَفْسَك على النفوذِ لأمْرِه ونَهْيِه، والعملِ بطاعتِه، تَفُزْ برضاه عنك، فإنَّه الإلهُ الذي لا مِثْلَ له ولا عِدْلَ ولا شبيهَ في جودِه وكَرَمِه وفَضْلِه.
{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . يقولُ: هل تعلمُ يا محمدُ لربِّك هذا الذي أمَرْناك بعبادَتِه، والصَّبرِ على طاعتِه مِثْلًا في كَرَمِه وجُودِه، فتعبدَه رجاءً فَضْلِه وطَوْلِه دونَه؟ كَلَّا، ما ذلك بموجودٍ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . يقولُ: هل تعلمُ للربِّ مِثْلًا أو
(2)
شَبَهًا
(3)
.
حدَّثني سعيدُ بنُ عثمانَ التَّنوخِيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ مَهدِيٍّ، عن عبَّادِ بن
(1)
في الأصل: "قولك".
(2)
في ت 2: "و".
(3)
أخرجه البيهقى في الشعب (122) من طريق عبد الله به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 279 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
عوَّامٍ، عن شُعبةَ، عن الحسنِ بن
(1)
عُمارةَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . قال: شَبَهًا.
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . قال: هل تعلمُ له شبهًا، هل تعلمُ له مِثْلًا
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} : لا سَمِيَّ للهِ ولا عَدْلَ له، كلُّ خَلْقِه [يُقِرُّ له]
(3)
، ويعرِفُ
(4)
أنَّه خالِقُه، ويعرفُ ذلك. ثم يقرَأُ هذه الآيةَ:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . يقولُ: لا شريكَ له ولا مِثْلَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ الإنسانُ الكافرُ الذي لا يصدِّقُ بالبعثِ بعدَ الموتِ: أُخْرَجُ حَيًّا فأُبْعثُ بعدَ المماتِ وبعدَ البِلَى والفناءِ! إنكارًا منه ذلك، يقولُ اللَّهُ تعالى ذِكرُه: أوَ لا يَذْكُرُ الإنسانُ المتعجِّبُ من ذلك، المنكِرُ قدرةَ اللَّهِ على إحْيائِه بعدَ فَنائِه وإيجادِه بعدَ عَدَمِه في خلقِ نفْسِه، أن الله خلَقه من قبلِ مماتِه، فأنْشَأَه بَشَرًا سَوِيًّا من
(1)
في الأصل، ف:"عن".
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 5/ 245.
(3)
في ت 2، ف:"يقوله".
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"يعترف".
غيرِ شيءٍ، ولم يكنْ من قبلِ إنْشَائِه إيَّاه {شَيْئًا} فيَعْتَبِرَ بذلك ويَعْلَمَ أن مَن أنْشَأَه مِن غيرِ شيءٍ لا يَعْجِرُ عن إحيائِه بعدَ مماتِه وإيجادِه بعدَ فنائِه.
وقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ قولِه: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ} ؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ} . بتخفيفِ الذالِ
(1)
. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ والحجازِ: (أوَلا يَذَّكَّرُ الإِنسانُ). بتشديدِ الذالِ والكافِ
(2)
، بمعنى: أو لا يتذكَّرُ. والتَّشديدُ أعجبُ إليَّ وإن كانت الأخرى جائزةً؛ لأن معنى ذلك: أوَ لا يتفكَّرُ فيعْتَبِرَ؟
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: فوربِّك يا محمدُ لنَحشُرَنَّ هؤلاءِ القائلين: أئذا مِتْنا لَسوف نُخرَجُ أحياءً يومَ القيامةِ من قبورِهم، مُقَرَّنين بأوليائِهم من الشياطينِ، {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} والجثِيُّ جمعُ الجاثى.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} . يعني: القعودَ، وهو مثلُ قولِه:{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}
(3)
[الجاثية: 28].
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)} .
(1)
وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 410.
(2)
وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائى. المصدر السابق.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 246 عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 279 إلى ابن أبي حاتم.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنأخُذنَّ من كلِّ جماعةٍ منهم أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، وتمرُّدًا، فَلَنَبْدأَنَّ بهم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن الأقْمَرِ، عن أبي الأحوصِ:{ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} . قال: نبدأُ بالأكابرِ فالأكابرِ جُرْمًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} . يقولُ: أيُّهم
(2)
أشدُّ للرحمنِ
(3)
معصيةً، وهى معصيتُه
(4)
في الشِّركِ
(5)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} . يقولُ: عِصِيًّا
(6)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
تفسير الثورى ص 188، ومن طريقه هناد في الزهد ص 258، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 280 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: الأصل، ت 1.
(3)
في ت 2: "على الرحمن".
(4)
في الأصل، ص:"معصية".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 279 إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 279 إلى المصنف.
قولَه: {مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} . قال أمةٍ. وقولَه: {عِتِيًّا} . قال: كُفرًا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وزادَ فيه: قال ابن جريجٍ: فلَتَبْدَأَنَّ بهم
(2)
.
والشِّيعَةُ هم الجماعةُ المُتعاونون على الأمرِ مِن الأمورِ، يقالُ مِن ذلك: تَشايعَ القومُ. إذا تَعاونوا، ومنه قولُهم للرجلِ الشجاعِ: إنه لمُشَيَّعٌ. أي: هو
(3)
مُعانٌ.
فمعنى الكلامِ: ثم لَنَنْزِعَنَّ مِن كلِّ جماعةٍ تَشايعت على الكفرِ باللهِ، أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، فَلَنَبْدَأنَّ بإصْلائِه جهنمَ. والتَّشايُعُ في غيرِ هذا الموضعِ التفرُّقُ، ومنه قولُ اللهِ تعالى:{وَكَانُوا شِيَعًا} . [الأنعام: 159، والروم: 32] يعنى بها
(4)
فِرَقًا. ومنه قولُ ابن مسعودٍ أو سعدٍ
(5)
: إنى أكرَهُ أن آتىَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيقولَ: شَيَّعْتَ بينَ أمتى. بمعنى: فَرَّقْتَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنحن أعلمُ من هؤلاء الذين نَنْزِعُهم مِن كلِّ شيعةٍ أَوْلَاهم بشِدَّةِ العذابِ، وأَحَقَّهم بعظيمِ العقوبةِ.
وذُكِر عن ابن جريجٍ أنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى
(1)
تفسير مجاهد ص 457، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 280 إلى أبى عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقى.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 280 إلى ابن المنذر.
(3)
سقط من: م.
(4)
سقط من: م، ت 2، ف.
(5)
في ص، ت 1، ف:"أسعد".
بِهَا صِلِيًّا}. قال: أَوْلَى بالخلودِ في جهنمَ
(1)
.
وهذا الذي قاله ابن جريجٍ قولٌ لا معنَى له؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر أن الذين ينزعُهم مِن كلِّ شيعةٍ مِن الكَفَرَةِ أشدُّهم كفرًا، ولا شكَّ أنه لا كافرَ باللهِ إلا مُخَلَّدٌ في النارِ، فلا وَجْهَ، وجميعُهم مُخَلَّدون في جهنمَ، لأن يقالَ: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم
(2)
أحقُّ بالخلودِ مِن هؤلاء المُخَلَّدين. ولكن المعنى في ذلك ما ذكرنا.
وقد يحتمِلُ أن يكونَ معناه: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أَوْلَى ببعضِ طبقاتِ جهنمَ صِلِيًّا.
"والصِّلِيُّ" مصدرُ: صَلَيْتَ تَصْلِى صِلِيًّا. و"الصَّلِيُّ" فعولٌ، ولكنَّ واوَها انقلبَت ياءً فاندَغمت
(3)
في الياءِ التي بعدَها التي هي لامُ الفعلِ، فصارت ياءً مشدَّدَةً.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن منكم أيُّها الناسُ إلا واردٌ جهنمَ، كان على ربِّك يا محمدُ، إيرادُهموها قضاءً مَقْضِيًّا، قد قَضَى ذلك وأوْجَبَه في أمِّ الكتابِ.
واختلَفَ أهل العلمِ في معنى "الورودِ" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الدخولُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 280 إلى ابن المنذر.
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
في م: "فأدغمت".
عمرِو بن دينارٍ، قال: أخبرَنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يُخاصِمُ نافعَ بنَ الأزرقِ، قال: فقال ابن عباسٍ: الوُرُودُ الدُّخُولُ. وقال نافعٌ: لا. قال: فقرَأ ابن عباسٍ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98]. أَوُرُودٌ هو أم لا؟ وقال: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98]. أوُرُودٌ هو أم لا؟ أمَّا أنا وأنت فسندخُلُها، فانظُرْ هل نخرُجُ منها أم لا؟ وما أرى اللَّهَ مُخْرِجَك منها بتَكْذيبِك. قال: فضَحِكَ نافعٌ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ بن أبى رباحٍ، قال: قال أبو راشدٍ الحَرُوريُّ: ذكَروا هذا، فقال الحَرُوريُّ:{لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} . [الأنبياء: 102]. قال ابن عباسٍ: وَيْلَك أمجنونٌ
(2)
أنت؟ أين قولُه: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} ؟ [وقولُه]
(3)
: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} ؟ قال
(4)
: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} واللهِ؛ إن كان دعاءُ مَن مَضَى: اللهمَّ أخرِجْنى مِن النارِ سالمًا، وأدخِلْنى الجنةَ غانمًا
(5)
.
قال ابن جريجٍ: يقولُ
(6)
: الورودُ الذي ذكَره اللَّهُ في القرآنِ الدُّخولُ، لَيَرِدَنَّها
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 11، وأخرجه هناد في الزهد (229) من طريق ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس بأخصر من هذا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 280 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى في البعث عن مجاهد، عن ابن عباس، وتقدم أوله في 12/ 563.
(2)
في الأصل: "مجنون".
(3)
سقط من: م.
(4)
في م، ف:"وقوله".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 248 عن ابن جريج به، وذكره ابن عبد البر في التمهيد 6/ 354 عن عطاء به.
(6)
في الأصل: "نقول".
كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ، في القرآنِ أربعةُ أورادٍ:{فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} ، {حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} ، {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} .
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} : يعنى البَرَّ والفاجرَ، ألم تسمَعْ إلى قولِ اللَّهِ لفرعونَ:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} ؟ قال: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} ، فسَمَّى الوِرْدَ
(1)
في النارِ دُخُولًا، وليس بصادرٍ
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن بَكَّارِ بن أبى مروانَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، قال: قال أهلُ الجنةِ بعدَ ما دَخَلوا الجنةَ: ألم يَعِدْنا ربُّنا الورودَ على النارِ؟ قال: قد مَرَرْتُم عليها وهى خامدةٌ
(3)
. قال ابن عرفةَ، قال: مروانُ، قال بَكَّارُ بنُ أبى مروانَ، أو قال: جَامدةٌ
(4)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا مرحومُ بنُ عبد العزيزِ، قال: ثنى أبو عمرانَ
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الورود".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 248 عن العوفى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 280، 281 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3)
في الأصل: "جامدة".
والأثر أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث 4/ 346 - ومن طريقه البيهقى في الشعب عقب الأثر (373) - عن مروان بن معاوية به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (407)، وأبو عبيد في 4/ 347، وابن أبى شيبة 13/ 561، وهناد في الزهد (231)، وأبو نعيم في الحلية 5/ 212 من طريق سفيان، عن ثور - وعند ابن المبارك: رجل - عن خالد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 281 إلى عبد بن حميد والحكيم وابن الأنبارى في المصاحف.
(4)
في الأصل: "خامدة".
الجَوْنيُّ، عن أبي الجَلْدِ
(1)
قال: تكونُ الأرضُ يومًا نارًا، فماذا
(2)
أعددتُم لها؟ قال: فذلك قولُ اللهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}
(3)
.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُريريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن غنيمِ
(4)
بن قيسٍ، قال: ذَكَروا ورودَ النارِ، فقال كعبٌ: تُمْسَكُ النارُ للناسِ كأنها متنُ إهالةٍ
(5)
، حتى يستوىَ عليها أقدامُ الخلائقِ، بَرِّهم وفاجرِهم، ثم يُناديها مُنادٍ: أن أمْسِكى أصحابَك، ودَعِى أصحابى. قال: فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، ولَهِىَ أعلمُ بهم مِن الرجلِ بولدِه، ويخرُجُ المؤمنون نَدِيَّةً ثيابُهم
(6)
. قال: وقال كعبٌ: ما بينَ مَنْكِبَى الخازنِ مِن خَزَنتِها مسيرةُ سنةٍ، مع كلِّ واحدٍ منهم عمودٌ [له شُعْبَتان]
(7)
، يَدْفَعُ به الدَّفْعةَ، فيَصرعُ به في النارِ سبعَمائةِ ألفٍ
(8)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن
(9)
يَمانٍ، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"خالد". وتقدم في 1/ 360 وما بعدها.
(2)
في الأصل، ص، ت 2:"فما".
(3)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 6/ 55 من طريق مرحوم بن عبد العزيز به.
(4)
في ت 1، ف:"تميم". وينظر تهذيب الكمال 23/ 120.
(5)
الإهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به مثل الزيت ودهن السمسم، وقيل: ما أذيب من الألية والشحم. ومتن الإهالة: ظهرها إذا سكنت في الإناء. ينظر غريب الحديث لأبى عبيد 4/ 346.
(6)
في ص، م، ت 1، ف:"أبدانهم".
(7)
في الأصل، ت 2:"ذو شعبتين".
(8)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 5/ 367 من طريق الجريرى به دون آخره، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (405) وأبو عبيد في غريب الحديث 4/ 346، وابن أبي شيبة 13/ 169، وأبو نعيم في الحلية 5/ 369 من طريق الجريرى، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس، عن أبي العوام به مطولًا ومختصرًا. وذكره السيوطي في الدر المنثور 4/ 281 عن أبي العوام، عن كعب وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(9)
في ص، ت 1، ف:"أبو".
أبى إسحاقَ، قال: كان أبو مَيْسرةً إذا أَوَى إلى فراشِه، قال: يا ليتَ أمى لم تَلِدْنى. ثم يَبْكى، فقيل: وما يُبْكِيك يا أبا مَيْسرةَ؟ قال: أُخْبِرنا أنَّا واردُوها، ولم نُخْبَرْ
(1)
أَنَّا صادرون عنها
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: بَكَى عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ في مرضِه، فبَكَتِ امرأتُه، فقال لها
(3)
: ما يُبْكِيكِ؟ قالت: رأيتُك [تَبْكى فبكيتُ]
(4)
. قال ابن رواحةَ: إنى قد علمتُ أنى واردٌ النارَ، فما أدرى أناجٍ منها أنا أم لا
(5)
؟
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السُّدِّيَّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . قال: داخِلُها
(6)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَ} قال: يَدْخُلُها
(7)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيينةَ، عن إسماعيلَ
(1)
في م، ف:"يخبرنا".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 413 من طريق ابن يمان به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (312)، وهناد في الزهد (228)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 141، 142 من طريق مالك بن مغول به.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(4)
في الأصل، ت 2:"بكيت".
(5)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (310)، وابن أبي شيبة 13/ 357، وهناد في الزهد (227)، وأحمد في الزهد ص 200، والحاكم 4/ 588، وابن عساكر في تاريخه 28/ 106 من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 282 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقى في الشعب.
(6)
أخرجه الحاكم 4/ 587 من طريق مرة به.
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 271 إلى البيهقى في البعث.
ابن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةً واضعًا رأسَه في حجرِ امرأتِه، فبَكَى، فبَكَتِ امرأتُه، فقال: ما يُبْكِيكِ؟ قالت: رأيتُك تَبْكى فبَكَيتُ. قال: إنى ذكرتُ قولَ اللهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} فلا أَدْرِى أَننجو
(1)
منها أم لا
(2)
؟.
وقال آخرون: بل هو المَمَرُّ
(3)
عليها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قولِه:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} : يعنى جهنمَ، مَرُّ الناسِ عليها.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} قال: هو المَمرُّ عليها
(4)
.
حدَّثنا خلادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . قال: الصراطُ على جهنمَ مثلُ حَدِّ السيفِ، فتَمُرُّ الطبقةُ الأولى كالبرقِ، والثانيةُ كالريحِ، والثالثةُ كأجودِ الخيلِ، والرابعةُ كأجْودِ البهائمِ، ثم يَمُرُّون والملائكةُ يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ
(5)
.
(1)
في م، ت 1، ت 2، ف:"أنجو".
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 10.
(3)
في ص، م، ت 2، ف:"المر".
(4)
تفسير عبد الرزاق 2/ 10.
(5)
أخرجه الطبراني 9/ 254، 261 مختصرًا، والحاكم 2/ 375 من طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 281 إلى ابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر.
وقال آخرون: [بل الورودُ هو]
(1)
الدُّخُولُ، [ولكنه عنى]
(2)
الكفارَ دونَ المؤمنين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ السائبِ، عن رجلٍ سَمِع ابنَ عباسٍ يقرؤُها: (وَإِن منهم
(3)
إِلَّا وَارِدُهَا): يعنى الكفارَ. قال: لا يَرِدُها مؤمنٌ
(4)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال ثنا عمرُ
(5)
بنُ الوليدِ الشَّنِّيُّ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقرأُ
(6)
: (وَإِن منهم
(7)
إلا وَارِدُها): يعنى الكفارَ
(8)
.
وقال آخرون: بل الوُرُودُ عامٌّ لكلِّ
(9)
مؤمنٍ وكافرٍ، غيرَ أن ورودَ المؤمنِ المرورُ، وورودَ الكافرِ الدخولُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:
(1)
في ت 2: "الورود من".
(2)
في ت 2: "ولكن عنى به".
(3)
في الأصل، م، ت 2:"منكم".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 248 عن أبي داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 282 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن الأنبارى والبيهقى في البعث وينظر البحر المحيط 6/ 210 وقراءة ابن عباس ذكرها ابن خالويه في مختصر الشواذ ص 89.
(5)
في م: "عمرو".
(6)
في ص، م، ت 1، ف:"يقول".
(7)
في م، ت 2:"منكم".
(8)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 248 عن عمر بن الوليد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 282 إلى ابن أبي حاتم، كلاهما بلفظ: الظَّلَمة، بدلا من الكفار، وقراءة عكرمة ذكرها ابن خالويه في مختصر الشواذ ص 89.
(9)
بعده في الأصل: "كافر".
{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . قال: ورودُ المسلمين المرورُ على الجسرِ بينَ ظَهْرَيْها، وورودُ المشركين أن يَدْخلوها. قال: وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "الزَّالُّونَ والزَّالَّاتُ يومَئذٍ كثيرٌ، وقد أحاطَ بالجِسْرِ سِماطانِ مِن الملائكةِ، دَعْواهم
(1)
يومَئذٍ: يا أللهُ سَلِّمْ سَلِّمْ"
(2)
.
وقال آخرون: ورودُ المؤمنِ
(3)
ما يُصِيبُه في الدنيا مِن حُمَّى ومرضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن عثمانَ بن الأسْودِ، عن مجاهدٍ، قال: الحُمَّى حَظُّ كلِّ مؤمنٍ مِن النارِ. ثم قرَأ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}
(4)
.
حدَّثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعِيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بن تميمٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبيدِ اللَّهِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعودُ رجلًا مِن أصحابِه [وَعِكًا]
(5)
وأنا معه، ثم قال:"إن الله يقولُ: هي نَارِى أُسَلِّطُها على عبدى المؤمنِ، لتكونَ حَظَّه مِن النارِ في الآخرةِ"
(6)
.
(1)
في ت 2: "دعاؤهم".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 251 عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 281 إلى ابن أبي حاتم موقوفًا كله على ابن زيد دون أول المرفوع منه، وينظر في المرفوع ما أخرجه البيهقى في الشعب (367) من حديث أنس.
(3)
في ص، ت 1، ف:"المؤمنين".
(4)
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 6/ 358، والبيهقى في الشعب (374) من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 282 إلى ابن المنذر.
(5)
في م: "وبه وعك".
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 250 عن المصنف، وأخرجه الطبراني في الأوسط (10) من طريق أبى المغيرة به، وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 229 - ومن طريق ابن ماجه (3470) - وأحمد 15/ 422 =
وقال آخرون: يَرِدُها الجميعُ ثم يَصْدُرُ عنها المؤمنون بأعمالِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثنى السديُّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} . قال: يَرِدُونها ثم يَصْدُرون عنها بأعمالِهم
(1)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن عبدِ الملكِ، عن
(3)
عبيدٍ اللهِ، عن مجاهدٍ، قال: كنتُ عندَ ابن عباسٍ، فأتاه رجلٌ يقالُ له: أبو راشدٍ، وهو نافعُ بنُ الأزرقِ، فقال له: يا بنَ عباسٍ، أرأيتَ قولَ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ
= (9676) - ومن طريق ابن أبي شيبة وأحمد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (561) - وهناد في الزهد (391)، والترمذى (2088) وأبو نعيم في الحلية 6/ 86، وابن عبد البر في التمهيد 6/ 359 - وسقط منه ذكر أبى صالح - والحاكم 1/ 345، والبيهقى في الشعب (9844) من طريق أبى أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل به. قال أبو داود - كما في سؤالات الآجرى (327) - عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم: منكر الحديث، حدث عنه أبو أسامة وغلط في اسمه فقال: نا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر السلمى، وكل ما جاء عن أبي أسامة: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد. فهو ابن تميم. وينظر تهذيب الكمال 17/ 482، 18/ 5.
(1)
أخرجه الترمذى (3160) من طريق يحيى بن سعيد، وأخرجه الحاكم 4/ 587 من طريق شعبة به، وعزاه ابن كثير في تفسيره 5/ 249 إلى ابن أبي حاتم.
ورواه إسرائيل، عن السدى، عن مرة، عن عبد الله مرفوعًا، أخرجه أحمد 7/ 206 (4141)، وأبو يعلى (5282، 5089)، والدارمى 329/ 2، والترمذى (3159)، والحاكم 2/ 375.
(2)
أخرجه الحاكم 4/ 587 من طريق ابن المثنى به، وأخرجه أحمد 7/ 196 (4128)، والترمذى (3160) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.
(3)
بعده في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"أبى". وينظر تهذيب الكمال 19/ 178.
إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا}؟ فقال: أما أنا وأنت يا أبا راشدٍ فسَنَرِدُها، فانظُرْ هل نَصْدُرُ عنها أم لا
(1)
؟!
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ
(2)
، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرَنى أبو الزبيرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن الورودِ، فقال: نحن يومَ القيامةِ على [كوى أو كُدًى]
(3)
، فوقَ الناسِ، فتُدْعَى الأممُ بأوْثانِها وما كانت تعبُدُ، الأولُ فالأولُ، فينطلِقُ بهم ويَتَّبِعونه. قال: ويُعْطَى كلُّ إنسانٍ منافقٍ ومؤمنٍ نورًا، وتَغْشَى ظلمةٌ، ثم يَتَّبِعونه، وعلى جِسْرِ جهنمَ [حَسَكٌ و]
(4)
كَلالِيبُ تأخُذُ مَن شاء اللهُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، ويَنْجو المؤمنون، فتَنْجو أولُ زمرةٍ كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وسبعون ألفًا لا حسابَ عليهم، ثم الذين يَلُونهم كأضْوَأَ نَجْمٍ في السماءٍ، ثم كذلك، ثم تَحِلُّ الشَّفاعةُ، فيَشْفَعون، ويخرجُ مِن النارِ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. ممن في قلبِه وزنُ شَعيرةٍ مِن خيرٍ، ثم يُلْقَون تلقاءَ الجنةِ، ويُهَرِيقُ عليهم أهلُ الجنةِ الماءَ، فيَنْبُتون نباتَ الشئِ في السَّيْلِ، ثم يسألون، فيُجْعَلُ لهم الدنيا وعَشَرَةُ أمثالِها
(5)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 248 عن المصنف، وذكره ابن عبد البر في التمهيد 6/ 354 عن مجاهد به، وفيه زيادة.
(2)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف:"عامر". وينظر تهذيب الكمال 13/ 281.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"كوى أو كرى"، والذي في مصادر التخريج: كذا - وفى رواية لابن منده: كوا - وكذا - أو كذا - انظر أي ذلك. هذه صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغيير كثير وتصحيف. قال: وقال القاضي عياض: وصوابه: نجئ يوم القيامة على كوم
…
فهذا كله يبين ما تغير من الحديث وأنه كان أظلم هذا الحرف على الرواى، أو امحى فعبر عنه بكذا وكذا وفسره بقوله: أي: فوق الناس. وكتب عليه: انظر. تنبيها، فجمع النقلة الكل ونسقوه على أنه من متن الحديث كما تراه. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 3/ 47.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ف. والحسك جمع حسكة، وهى شوكة صلبة. النهاية 1/ 386.
(5)
أخرجه أبو عوانة في مسنده 1/ 139، والطبرانى في السنة - كما في التخويف من النار (ص 254) - وابن منده في الإيمان (851) من طريق أبى عاصم به. وأخرجه أحمد 23/ 328 (15115)، =
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المباركِ
(1)
، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ لأخيه: هل أتاك بأنك واردٌ النارَ؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادرٌ عنها؟ قال: لا. قال: فقِيمَ الضَّحِكُ؟ قال: فما رُئى ضاحكًا حتى لَحِقَ باللهِ
(2)
.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنى ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن بُكَيرًا حَدَّثه أنه قال لبُسْرِ
(3)
بن سعيدٍ: إن فلانًا يقولُ: إن [ورودَ النارِ]
(4)
القيامُ عليها. قال بُسْرٌ: أمَّا أبو هريرةَ فسمعتُه يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ فيجتمعُ الناسُ، نادَى مُنادٍ: ليلحَقْ كلُّ أناسٍ
(5)
بما كانوا يعبدون. فيقومُ هذا إلى الحَجَرِ، وهذا إلى القوسِ
(6)
، وهذا إلى الخشبةِ، حتى يبقى الذين يعبدون الله، فيأتيهم اللهُ تبارك وتعالى، فإذا رَأَوه قاموا إليه، فيُذهبُ بهم فيُسْلَكُ بهم على الصَّراطِ، وفيه عُلَّيْقٌ
(7)
، فعندَ ذلك يؤذنُ بالشفاعةِ، فيَمُرُّ الناسُ والنبيون يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. قال بكيرٌ: فكان ابن عَميرةَ
(8)
يقولُ: فَنَاجٍ
= ومسلم 316/ 191، وعبد الله في السنة (457)، وأبو عوانة 1/ 139، 140، وابن منده في الإيمان (850) من طريق ابن جريج به. وقال الإمام النووى في شرح مسلم 3/ 48: وهو موقوف على جابر، وليس هذا على شرط مسلم، إذ ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكره مسلم وأدخله في المسند لأنه روى مسندا من غير هذا الطريق.
(1)
في م، ف:"ابن المبارك". وينظر تهذيب الكمال 27/ 180.
(2)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (311)، وابن أبي شيبة 13/ 500 من طرق عن الحسن.
(3)
في الأصل، ص، ف:"لبشر".
(4)
في ص، ت 1، ف:"الورود".
(5)
في الأصل: "إنسان".
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الفرس".
(7)
العليق: شجر من شجر الشوك لا يعظم، وإذا نشب فيه شيء لم يكد يتخلص من كثرة شوكه، وشوكه حُجَز شداد. اللسان (ع ل ق).
(8)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"عمير".
مُسَلَّمٌ، ومُكدَّسٌ
(1)
في جهنمَ، ومَخْدوشٌ ثم ناجٍ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: يَرِدُها الجميعُ ثم يصدُرُ عنها المؤمنون فيُنَجِّيهم اللهُ، ويَهْوِى فيها الكفارُ. وورودُهموها هو ما تَظاهرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن مرورِهم بها
(2)
على الصِّراطِ المنصوبِ على مَتْنِ جهنمَ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومُكَدَّسٌ فيها.
ذكرُ الأخبارِ المَرْوِيَّةِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ امرأةِ زيدِ بن حارثةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو في بيتِ حفصةَ: "لا يَدْخُلُ النارَ أحدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحديبية". قالت
(2)
: فقالت حفصةُ: يا رسولَ اللهِ، أليس اللهُ يقولُ:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فمَهْ
(3)
[{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا}]
(4)
(5)
".
حدَّثنا الحسنُ بنُ مدركٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمثلِه
(6)
.
(1)
في ص: "فحدس"، وفى م، ت 2:"منكوس"، وفى ت 1:"مخدش"، وفى ف:"فخدس". وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الكدش، وهو السوق الشديد، والكدش: الطرد والجرح أيضا. النهاية 4/ 155.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(3)
سقط من ت.2. وفى الأصل: "قال".
(4)
في الأصل، م:"ينجى الله".
(5)
أخرجه أحمد 6/ 362 "الميمنية"، وابن أبي عاصم في السنة (861)، والطبرانى 25/ 102 (266) من طريق ابن إدريس به. وأخرجه ابن سعد 2/ 101، 8/ 458 من طريق أبى الزبير، عن جابر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 282 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى وابن مردويه.
(6)
أخرجه الطبراني 25/ 102 (265) من طريق يحيى بن حماد به.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن حفصةً، قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنى لأَرْجو ألا يَدْخُلَ النارَ [إن شاء اللهُ]
(1)
أحدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَيْبِيةَ". قالت: فقلتُ
(2)
: أليس اللهُ يقولُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ؟ قال: "فلم تَسْمَعِيه يقولُ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}
(3)
.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن محمدٍ بن إسحاقَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ المغيرةِ بن مُعَيْقيبٍ
(4)
، عن سليمانَ بن عمرٍو بن عبدٍ العُتْوارِيِّ، [أحدُ بنى]
(5)
ليثٍ، وكان في حَجْرِ أبى سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "يُوضَعُ الصِّرَاطُ بينَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ، عليه حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدانِ
(6)
، ثم يَسْتَجِيزُ النَّاسُ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَجْروحٌ به، ثم ناجٍ ومُحْتَبَسٌ ومُكَدَّسٌ فيها، حتى إذا فَرَغَ اللَّهُ مِن القضاءٍ بينَ العبادِ
(7)
تَفَقَّدَ المؤمنون رجالًا كانوا معهم في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَهم، ويُزَكُّون زكاتَهم، ويَصومون صِيامَهم، ويَحُجُّون حَجَّهم، ويَغْزُون غَزْوَهم، فيقولون: أي ربَّنا، عبادٌ مِن عبادِك كانوا معنا في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَنا، ويُزَكُّون زكاتَنا،
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(2)
بعده في ص، م، ت 1، ف:"يا رسول الله".
(3)
أخرجه أحمد 6/ 285، وهناد في الزهد (230)، وابن ماجه (4281)، وابن أبي عاصم في السنة (860)، وأبو يعلى (7044)، والبغوى في تفسيره 5/ 252، وفى السنة 4/ 193، والطبرانى 23/ 358 من طريق أبى معاوية به.
(4)
في م: "معيقب".
(5)
في ص، ت 1، ف:"حدثني".
(6)
السعدان: نبت ذو شوك. النهاية 2/ 367.
(7)
في ت 1: "الناس".
ويَصُومون صِيامَنا، ويَحُجُّون حَجَّنا، ويَغْزُون غَزْوَنا لا نَرَاهم؟! فيقولُ: اذْهَبوا إلى النارِ، فمَن وَجَدْتُم
(1)
فيها منهم فأخْرِجوه
(2)
. فيَجِدُونهم قد أخَذَتْهم النارُ على قَدْرِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن أخَذَتْه النارُ إِلى قَدَمَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى نصفِ ساقَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى رُكْبَتَيْهِ، [ومنهم من أزَرَتْه]
(3)
، ومِنهم مَن أَخَذَتْه إِلَى ثَدْيَيْهِ
(4)
، ومنهم مَن أخَذَتْه إلى عُنُقِه، ولم تَغْشَ الوُجُوهَ، فيَسْتَخْرِجُونهم منها، فيَطْرَحُونَهم في ماءِ الحياةِ". قيل: وما ماءُ الحياةِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "غُسْلُ أهلِ الجنةِ". قال
(5)
: "فيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الزَّرْعَةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ، ثم تَشْفَعُ الأنبياءُ في كلِّ مَن كان يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ مُخْلِصًا، فيَسْتَخْرِجونهم منها
(6)
، ثم يَتَحَنَّنُ اللَّهُ برحمتهِ على مَن فيها، فما يَتْرُكُ فيها عبدًا في قلبِه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن الإيمانِ إلا أخْرَجَه منها"
(7)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، [عن خالدِ بن يزيدَ، عن]
(8)
ابن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءٍ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"يُؤْتَى بالجِسْرِ - يعنى يومَ القيامةِ - فَيُجْعَلُ بينَ ظَهْرَىْ جهنمَ". قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، وما الجِسْرُ؟ قال:
(1)
بعده في الأصل: "منهم".
(2)
في الأصل، ت 2:"فأخرجوهم"، وفى ص، ت 1، ف:"فأخرجونهم".
(3)
سقط من: م، ت 2، وفى ص، ت 1، ف:"أردته".
(4)
في الأصل: "ثديه".
(5)
سقط من: م.
(6)
في م، ف:"منهم".
(7)
أخرجه الحسين المروزى في زوائد الزهد (1268) من طريق يعقوب بن إبراهيم به. وأخرجه أحمد 17/ 141 (11081)، وابن خزيمة في التوحيد ص 211 من طريق ابن علية به. وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 176، 177، وابن ماجه (4280)، والحاكم 4/ 585، 586 من طريق محمد بن إسحاق به.
(8)
في ص، م، ت 1، ف:"بن خالد عن يزيد".
"مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطِيفُ وكَلَالِيبُ، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكَةٌ عَقِيفاءُ
(1)
تكونُ بِنَجْدٍ، يقالُ لها: السَّعْدانُ. يَمُرُّ المؤمنون عليها كالطَّرْفِ وكالبَرْقِ وكالرِّيحِ، وكأجَاويدِ الخيلِ والرِّكَابِ
(2)
، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَحْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ
(3)
في جهنمَ، ثم يَمُرُّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْبًا، فما أنتم بأشَدَّ مُناشَدَةً لي في الحقِّ، قد تَبَيَّن لكم مِن المؤمنين يومَئذٍ للجبَّارِ تبارك وتعالى، إذا رَأَوهم قد نَجَوْا وبَقِيَ إخوانُهم"
(4)
.
حدَّثني أحمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا سعيدُ بنُ كثيرِ بن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن أبي الزبيرِ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الوُرُودِ، فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "هو الدُّخولُ، يَرِدُون النارَ حتى يَخْرُجوا منها، فَآخِرُ مَن يَبْقَى رجلٌ على الصِّراطِ يَرْحَفُ، فيَرْفَعُ اللَّهُ تبارك وتعالى له شَجَرَةً، قال: فيقولُ: أي ربِّ، أدْنِني منها. قال: فيُدْنيه الله، تبارك وتعالى منها، قال: ثم يقولُ: أي ربِّ، أَدْخِلْني الجنةَ. قال:[فيُدْخِلُه الجنةَ. قال:]
(5)
فيقولُ: سَلْ. قال: فيسألُ. فيقولُ: ذلك لك وعَشَرَةُ أضْعافِه، أو نحوها. قال: فيقولُ: يا ربِّ، تَسْتَهْزِئُ بي؟ قال: فيَضْحَكُ حتى تَبْدوَ لَهَواتُه وأَضْراسُه"
(6)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ أيوبَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيدٍ، عن رِشْدينَ، جميعًا عن زَبّانَ
(7)
بن فائدٍ، عن
(1)
أي: ملوية كالصنارة. النهاية 3/ 276.
(2)
في ت 2: "الركبان".
(3)
في ت:2 مكدوش. وينظر ص 112.
(4)
أخرجه البخارى (7439)، ومسلم عقب ح (183/ 302)، وابن خزيمة في التوحيد ص 201، وأبو عوانة في مسنده 1/ 169، وابن حبان (7377)، والآجرى في الشريعة (600) مختصرًا، وابن منده في الإيمان (817)، وفى الرد على الجهمية (2)، والبيهقى في الأسماء والصفات (745) جميعًا من طريق الليث به.
(5)
سقط من: م، ت 1، ف.
(6)
أخرجه أبو عوانة 1/ 139، وابن منده في الإيمان (850) من طريق أبي الزبير به.
(7)
في: م: "زياد". ينظر تهذيب الكمال 9/ 281.
سهلِ بن معاذٍ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ حَرَسَ وراء المسلمين في سبيل اللهِ مُتَطَوِّعًا، لا يأخُذُه سُلطانٌ بحرسٍ، لم يَرَ النار بعَيْنِه إلا تَجلَّةَ القَسَم، فإن الله جلّ وعزّ يقولُ:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، أخبَرني الزهريُّ، عن ابن المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ ماتَ له ثلاثةٌ لم تَمَسَّه النارُ إلا تَحِلَّةَ القَسَم". يعنى الوُرُودَ
(2)
.
وأما قولُه: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} . فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: كان على ربِّك قضاءً مَقْضِيًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{حَتْمًا} . قال: قضاةً
(3)
.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{حَتْمًا مَقْضِيًّا} . قال: قضاءً.
وقال آخرون: بل معناه: كان على ربِّكَ قَسَمًا واجبًا.
(1)
أخرجه البخارى في الكبير 3/ 443 من طريق ابن وهب، عن يحيى، عن رشدين به، وأخرجه أحمد 24/ 379 (15612)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص 296، وأبو يعلى (1490)، والطبراني 20/ 185 (402، 403)، وابن عدى 3، 1012، من طريق رشدين به.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 10. وينظر تخريجه في مسند الطيالسي (2423).
(3)
تفسير مجاهد ص 458. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السديِّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابن مسعودٍ:{كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} . قال: قَسَمًا واجبًا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} . يقولُ: قَسَمًا واجبًا.
وقد بَيَّنْتُ القولَ في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم تنحى مِن النارِ بعدَ ورودِ جميعِهم إياها، {الَّذِينَ اتَّقَوْا} فخافوه بأداءِ فرائضِه، واجْتنابِ مَعاصِيه، {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}. يقولُ جلّ ثناؤُه: ونَدَعُ الذين ظَلَموا أنفسَهم، فعَبَدوا غيرَ اللهِ وعَصَوا ربَّهم، وخالَفوا أمْرَه ونَهْيَه في النارِ {جِثِيًّا}. يقولُ: بُرُوكًا على رُكَبِهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} على رُكبهم.
(1)
ذكره ابن كثير 5/ 251 عن السدى به.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ:{وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} . قال: على رُكَبِهم
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} . قال: الجِثِيُّ شَرُّ الجلوسِ، لا يجلسُ الرجلُ جاثيًا إلا عندَ كَرْبٍ ينزِلُ به
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} : إن الناسَ ورَدوا جهنمَ وهى سوداءُ مُظلِمَةٌ؛ فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتُهم، فأُنْجوا منها، وأما الكفارُ فَأَوْبَقَتْهم أعمالُهم، واحْتُبِسوا بذنوبهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَإِذَا تُتْلَى} على الناسِ {آيَاتُنَا} التي أنزلْناها على رسولِنا محمدٍ {بَيِّنَاتٍ} ، يعني واضحاتٍ لمَن تأمَّلها وفَكَّر فيها أنها أدلةٌ على ما جَعَلها الله أدلةٌ عليه لعباده، {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} باللهِ وبكتابِه وآياته وهم قريشٌ {لِلَّذِينَ آمَنُوا} . بذلك
(3)
فصَدَّقوا به وهم أصحابُ محمدٍ، {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا}. يعني بالمقَامِ: موضعَ إقامتِهم، وهى مساكنُهم ومنازلُهم، {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} وهو المَجْلِسُ. يقالُ منه: نَدَوتُ القومَ أَنْدُوهم نَدْوً إِذا جَمَعتَهم في مجلسٍ.
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 10، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: م.
يقالُ: هو في نَدِيِّ قومه وفي نادِيهم، بمعنًى واحدٍ، ومِن النَّدِيِّ قولُ حاتمٍ
(1)
:
ودُعِيتُ في أُولى النَّدِيِّ ولم
…
يُنْظَرْ إِليَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ
وتأويلُ الكلامِ: وإذا تُتْلَى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ، قال الذين كَفَروا للذين آمنوا: أيُّ الفريقَين مِنَّا ومنكم أوسَعُ عَيْشًا، وأنعمُ بالًا، وأفضلُ مَسْكَنًا، وأحسنُ مَجْلِسًا، وأجمعُ عددًا وغاشِيةً في المجلسِ، نحن أم أنتم؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ قولَه:{خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} . قال: المَقَامُ المَنْزِلُ، والنَّدِى المجلسُ
(2)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ بمثله.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} . قال: المقامُ المَسْكَنُ، والنَّديُّ المجلسُ والنعمةُ والبَهْجةُ التي كانوا فيها، وهو كما قال اللهُ لقومِ فرعونَ حينَ أَهْلَكَهم وقَصَّ شأنَهم في القرآنِ قال: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)
(1)
ديوانه ص 54.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 252 عن الأعمشِ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى المصنف والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وَزُرُوعٍ
(1)
وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 25، 26]. فالمقامُ المسكنُ والنعيمُ، والنَّدِيُّ المجلسُ والمَجْمَعُ الذي كانوا يَجْتَمِعون فيه، وقال اللهُ فيما قَصَّ على رسولِه في أمرِ لوطٍ إذ قال:{وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} . والعرب تُسمِّي المجلس النادِيَ
(2)
.
حدَّثني عليٌّ؛ قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله:{وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} ، يقولُ: مجلسًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ} . قال: قريشٌ تقولُها لأصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} . قال: مجالسُهم يقولونه أيضًا
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} : رَأَوا أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم في عَيْشِهِم خُشُونةً، وفيهم قَشَافةً، فَعَرَّضَ أَهلُ الشركِ بما تَسْمَعون، قوله:{وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} . يقولُ: مجلسًا
(4)
.
(1)
في النسخ: كنوز. أدخل في هذه الآية آية سورة الشعراء: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} .
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 252 عن العوفى عن ابن عباس.
(3)
تفسير مجاهد ص 458، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 253 عن قتادة.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} . [قال: خيرٌ مكانًا وأحسنُ مجلسًا
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} ]
(2)
. قال: النَّدِيُّ المجلسُ. وقرأ قولَ اللهِ: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} [العلق: 17]. قال: مجلسَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهلَكنا يا محمدُ قبلَ هؤلاء القائلين مِن أهلِ الكفرِ للمؤمنين، إذا تُتلَى عليهم آياتُ الرحمنِ: أيُّ الفريقين خيرٌ منازلَ
(3)
وأحسنُ
(4)
مجالسَ مِن قرنٍ هم كانوا أكثرَ متاعَ منازلَ مِن هؤلاءِ، وأحسنَ منهم منظرًا وأجملَ صورًا، فأهلكنا أموالَهم، وغيَّرنا صورهم. ومن ذلك قولُ علقمةَ بنَ عَبَدَةَ
(5)
:
كُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأُرْجُوَانِ نَشَرْتَهُ
…
لبَيعِ الرِّدَاءِ
(6)
فِي الصُّوَانِ المُكَعَّبِ
يعنى بالصوانِ: التختَ الذي تصانُ فيه الثيابُ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 11.
(2)
سقط من: م، ت 2.
(3)
في ص، م، ت 1، ف:"مقاما".
(4)
بعده في: م، ت 1، ف:"نديا".
(5)
ديوانه ص 88.
(6)
في ف: "الرباء"، وفى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"الرئى" والمثبت من الديوان.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ:{أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} . قال: الرِّئْىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعْ
(1)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الرئىُ المنظرُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: قولَه: {أَحْسَنُ أَثَاثًا} ، مالًا، وقولُه:{وَرِئْيًا} . يقولُ: منظرًا
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} ، الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{أَثَاثًا وَرِئْيًا} . قال: الأثاثُ: أحسنُ المتاعِ، والرِّئىُ. قال: المالُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} . أي: أكثر متاعًا وأحسنُ [مَرآة ومنظرًا]
(3)
، فأهلكَ اللهُ أموالَهم، وأفسَد صورَهم عليهم، تبارَك
(1)
تفسير سفيان ص 188 وأخرجه ابن أبي حاتم كما في التغليق 4/ 248 من طريق الأعمش به، وذكره ابن كثير في تفسيره 2525، عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم كما في التغليق 4/ 249 من طريق معاوية وليس فيه تفسير الرئى. وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 253، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"منزلة ومستقرا".
وتعالى.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} . قال: أحسنُ صورًا، وأكثر أموالًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَثَاثًا} . قال: المتاعُ، {وَرِئْيًا}. قال: فيما يَرَى الناسُ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
حدَّثنا ابن حميدٍ وبشرُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ الحسنُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ:{وَرِئْيًا} : منظرًا في اللونِ والحُسنِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} . قال: الرئىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعُ؛ أحسنُ متاعًا، وأحسنُ منظرًا.
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ]
(3)
في قولِه: {أَحْسَنُ أَثَاثًا} . يعنى المالَ، {وَرِئْيًا} .
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 11.
(2)
تفسير مجاهد ص 458، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى عبد بن حميد.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
يعني المنظرَ الحسنَ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (وَرِيًّا)
(1)
. غيرَ مهموزٍ، وذلك إذا قُرِئ كذلك يتوجِّه لوجهين؛ أحدُهما أن يكونَ قارتُه أراد الهمزةَ، فأبدَل منها ياءً، فاجتمَعَتِ الياءُ المُبدلةُ من الهمزِ والياءُ التي هي لامُ الفعلِ فأُدغِمتا فجُعِلتا ياءً واحدةً مشددةً؛ ليُلْحِقُوا ذلك - إذ كان رأسَ آيةٍ - بنظائِره من سائرِ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه. والآخرُ أن يكونَ مِن: رَوَّيْتُ أُرَوِّي رَوِيَّةً ورِيًّا. وإذا أُريدَ به ذلك كان معنى الكلامِ: وكم أهلَكنا قبلَهم مِن قرنٍ، هم أحسنُ متاعًا، وأحسنُ نظرًا لمالِه، ومعرفةً بتدبيره
(2)
. وذلك أن العربَ تقولُ: ما أحسنَ رَوِيَّةَ فلانٍ في هذا الأمرِ. إذا كان حسنَ النظرِ فيه والمعرفةِ به. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: {وَرِئْيًا}
(3)
. بهمزِها، بمعنى رؤيةِ العينِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا ومَرآةً. وحُكِى عن بعضِهم أنه قرَأه: (أحسنُ أثاثًا وزِيًّا)
(4)
. بالزايِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا وهيئةً ومنظرًا. وذلك أن الزِّيَّ هو الهيئةُ والمنظرُ، من قولِهم: زيَّيتُ الجاريةَ. بمعنى: زيَّنتُها وهيَّأتُها.
وأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: {أَثَاثًا وَرِئْيًا}
(5)
. بالراءِ والهمزِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلَ التأويلِ على أن معناه المنظرُ، وذلك هو من رؤيةِ العينِ، لا من الرَّوِيَّةِ؛ فلذلك كان الهمزُ به أولى، فإن قرَأ قارىُ ذلك بتركِ الهمزِ وهو
(1)
هي قراءة قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. التيسير ص 121.
(2)
في ص، م، ت 1، ف:"لتدبيره".
(3)
هي قراءة غير قالون وابن ذكوان. المصدر السابق.
(4)
هي قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير، ويزيد البربرى وأبى بن كعب والأعسم المكي، وزياد، وهي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط 6/ 211، وتفسير القرطبي 11/ 143.
(5)
القراءتان (رِئيا) و (رِيًّا) كلتاهما متواترتان.
يريدُ هذا المعنى، فغير مخطئٍ في قراءتِه. وأما قراءةُ مَن قرَأ بالزايِ فقراءةٌ خارجةٌ عن قراءةِ القرآةِ، فلا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءَتَهم، وإن كان لها
(1)
في التأويلِ وجهٌ صحيحٌ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في الأثاثِ، أجمعٌ هو أم واحدٌ؟ فكان الأحمر
(2)
فيما ذُكِر لى عنه يقولُ: هو جمعٌ واحدتُها أَثاثةٌ، كما الحمامُ جمعٌ واحدتُها حمامةٌ، والسحابُ جمعٌ واحدتُها سحابةٌ.
وأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: لا واحدَ له، كما أن المتاعَ لا واحدَ له. قال: والعربُ تجمعُ المتاعَ: أمتِعَةٌ، وأماتيعُ، ومُتُعٌ. قال: ولو جمعتَ الأثاثَ لقلتَ: ثلاثةُ آثِّةٍ وأُثُتٍ
(3)
.
وأما الرِّئيُ فإن جمعَه: أَرآءُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75)} .
يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشرِكين بربِّهم، القائِلين إذا تُتْلَى عليهم آياتُنا: أيُّ الفريقين منا ومنكم خيرٌ مقامًا وأحسنُ نديًّا، مَن كان مِنا ومِنكم في الضلالة جائرًا عن الطريقِ الحقِّ، سالِكًا غير سبيلِ الهدى، {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا}. يقولُ: فَلْيُطوِّلْ له اللهُ في ضلالتِه، وليُمْلِه فيها إملاءً.
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"لهم".
(2)
هو على بن المبارك - وقيل: ابن الحسن - الأحمر النحوى شيخ العربية. توفى سنة أربع وتسعين ومائة. تنظر ترجمته في إنباه الرواة 2/ 313، وسير أعلام النبلاء 9/ 92.
(3)
معاني القرآن للفراء 2/ 171.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} . فليَدَعْهُ اللهُ في طغيانِه
(1)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
وقولُه: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: قل لهم: مَن كان منا ومنكم في الضلالةِ، فليُمْل
(2)
له الرحمنُ في ضلالتِه إلى أن يأتيَهم أمرُ اللهِ؛ إما عذابٌ عاجلٌ، أو يَلقَوا ربَّهم عند قيامِ الساعةِ التي وعَد اللهُ خلْقَه أن يجمعَهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعدُ اللهِ بأحدِ هذين الأمْرين {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا} ، ومسكنًا منكم ومنهم {وَأَضْعَفُ جُنْدًا} أهم أم أنتم، ويتبَيَّنون
(3)
حينئذٍ أي الفريقين خيرٌ مقامًا، وأحسنُ نديًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ
(1)
تفسير مجاهد ص 458، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(2)
في م، ت 1 ف:"فليمدد"، وفى ت 2:"فليملل".
(3)
في الأصل، ص، ت 2:"تتبينون".
الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ اللهُ مَن سَلَك قصدَ المحجَّةِ، واهتدى لسبيلِ الرشدِ، فآمَن بربِّه، وصدَّق بآياتِه، فعمِلَ بما أمرَه اللهُ به، وانتهى عما نهاه عنه {هُدًى} بما يتجدَّدُ له من الإيمانِ بالفرائضِ التي يَفْرِضُها عليه، [والأعمالِ التي يُوجبها عليه، فيُصدِّقُ بوجوبِها عليه]
(1)
، ويُقرُّ بلزومِ فرضِها إياه، ويعملُ بها، فذلك زيادةٌ من اللهِ تعالى ذكرُه في اهتدائِه بآياتِه هدًى على هداه. وذلك نظيرُ قولِه:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124]. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك: ويزيدُ اللهُ الذين اهتدَوا هدًى بناسخِ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىً من اللهِ له على هُداه من قبلُ.
{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} يقولُ تعالى ذكرُه: والأعمالُ التي أمَر الله بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتِ هؤلاءِ المشركين باللهِ، وأندِيتِهم التي يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ في الدنيا.
وقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عمرُ
(3)
بنُ راشدٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال: جلَس
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(2)
تقدم في ص 274 وما بعدها.
(3)
في الأصل: "عمرو"، وفى تفسير عبد الرزاق:"عمير" ينظر تهذيب الكمال 21/ 340.
النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ، فأخذ عودًا يابسًا، فحَطّ ورقَه ثم قال:"إِنَّ قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا الله، والله أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسُبحانَ اللهِ، يَحُطُّ الخطايا، كما تَحُطُّ ورَقَ هذه الشَّجَرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبل أن يُحال بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ". قال أبو سلمةَ: فكان أبو الدرداءِ إذا ذكَر هذا الحديثَ قال: لأُهلِّلنَّ الله، ولأُكبرنَّ الله، ولأُسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهلُ حَسب أني مجنونٌ
(1)
.
لقولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: أفرأيْتَ يا محمدُ الذِي كَفَرَ بأَدِلَّتِنا
(2)
وحججِنا فلم يصدِّقْ بها، وأنكَر وعيدَنا أهلَ الكفرِ، وقال وهو باللهِ كافرٌ وبرسولِه: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مَالًا وَوَلدًا.
وذُكِر أن هذه الآياتِ أُنزلت في العاصِ بن وائلٍ السَّهْميِّ أبي عمرِو بن العاصِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني أبو السائبِ وسعيدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن خَبّابٍ، قال: كنت رجلًا قَيْنًا
(3)
، وكان لي على العاصِ بن وائلٍ السَّهميِّ دَيْنٌ، فأَتيتُه أتقاضَاه، فقال: واللهِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ
(1)
تفسير عبد الرزاق 2/ 12، وأخرجه ابن ماجه (3813)، وابن عدى في الكامل 5/ 1675 من طريق عمر بن راشد بنحوه مختصرا.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"بآياتنا".
(3)
القين: الحداد والصائغ. النهاية 4/ 135.
قال: فقلت: واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تمَوتَ ثم تُبْعَثَ. قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم بُعِثتُ
(1)
، جئتنى ولِى مالٌ وولدٌ. قال: فأنزَل الله تبارك وتعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} إلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}
(2)
.
حدَّثني به أبو السائبِ، وقرَأ في الحديثِ: وولدًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانوا يَطْلُبون العاصَ بنَ وائلٍ السَّهْميَّ بدَيْنٍ، فأتَوه يتقاضَوْنَه، فقال: ألستمْ تَزْعُمون أن في الجنةِ فِضَّةً وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ، فواللهِ لأُوتَينَّ مالًا وولدًا، ولأُوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذي جئتم به. فضرَب الله مثَلَه في القرآنِ، فقال:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا} إلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} . قال العاصُ بنُ وائلٍ يقولُه
(4)
.
(1)
بعده في م: "كما تقول"، وص:"بعد".
(2)
أخرجه مسلم (2795/ 36)، والترمذى (3126)، والنسائي في الكبرى (11322)، وأخرجه البخاري (2091، 2275، 2425، 4732، 4733، 474، (47)، ومسلم (2795/ 35، 36) والترمذى (3162) من طريق الأعمش به.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 283 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(4)
تفسير مجاهد ص 458 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، مثله.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} ، فذُكِر لنا أن رجلًا
(1)
من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما أتى رجلًا من المشركينِ يتقاضَاهِ دَيْنًا له، فقال له: أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن في الجنةِ حريرًا وذهبًا؟ قال: بلى، قال فميعادُكم الجنةُ، فواللهِ لا أُومنُ بكتابِكم الذي جئتم به - استهزاءً بكتابِ اللهِ - ولأُوتَينَّ مالًا وولدًا. يقولُ الله عز وجل:{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ قال: قال خبابُ بنُ الأَرَتِّ: كنت قَينًا بمكةَ، فكنت أعملُ للعاصِ بن وائلٍ، فاجتَمَعَتْ لى عليه دراهمُ، فجئت لأتقاضَاه، فقال لي: لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ. قال: قلت: لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم تُبْعَثُ. قال: فإذا بُعِثْتُ كان لى مالٌ وولدٌ. قال: فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأنزَل الله تبارَك و تعالى:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} إلى: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}
(2)
.
واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: {وَوَلَدًا} . فقرَأته عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفة: {وَوَلَدًا} . بفتحِ الواوِ من الوَلَدِ، في كلِّ القرآنِ
(3)
. غيرَ أن أبا عمرِو بن العلاءِ خصَّ التي في سورةِ "نوحٍ" بالضمَّ، فقرَأها: (مالُهُ
(1)
في م: "رجالا". والذي في م فيما سيأتي بعد في هذا الأثر كان بضمير الجمع.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 13.
(3)
وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر. السبعة ص 412.
وَوُلْدُهُ) [نوح: 12]
(1)
. وأما عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ غيرُ عاصمٍ، فإنهم قَرءوا من هذه السورةِ من قوله:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} إلى آخرِ السورةِ، والتي
(2)
في "الزخرفِ"، والتي في "نوحٍ" بالضمِّ وسكونِ اللامِ
(3)
.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت واوُه، فقال بعضُهم: ضمُّها وفتحُها واحدٌ، وإنما هما لُغتان، مثلُ قولهم: العُدْمُ والعَدَمُ، والحُزْنُ والحَزَنُ. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقولِ الشاعر
(4)
:
فليت فُلانًا كان في بطنِ أُمِّهِ
…
وليت فُلانًا كان وُلدَ حِمارِ
ويقول الحارثُ بنُ حِلِّزةَ
(5)
:
وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا
…
قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدًا
وقولُ رُؤْبةَ
(6)
:
الحمدُ للهِ العَزِيزِ فَرْدَا
…
لَمْ يَتَّخِذُ مِن وُلْدِ شيءٍ وُلْدَا
وتقولُ العرب في مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ
(7)
. قال: وهذا كلُّه واحدٌ، بمعنى الوَلَد. وقد ذُكِر لى
(8)
أن قيسًا تجعلُ الوُلْدَ جمعًا، والوَلَدَ واحدًا. ولعلَّ الذين
(1)
وكذا قرأ ابن كثير. المصدر السابق.
(2)
في النسخ: "اللتين" والمثبت هو الصواب، فذكرُ الولد في سورة الزخرف ورد مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} [الزخرف: 81].
(3)
وهى قراءة حمزة والكسائي: ينظر المصدر السابق.
(4)
البيت في اللسان (ول د) وفي المحتسب 1/ 365 غير منسوب.
(5)
البيت في معاني القرآن 2/ 173، واللسان (و ل د).
(6)
البيت ليس في ديوانه. وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 255.
(7)
له قصة تنظر في مجمع الأمثال 3/ 424.
(8)
ليست في الأصل، ص، ت 1.
قرَءوا ذلك بالضمِّ فيما اختاروا فيه الضمَّ، إنما قرَءوه كذلك ليفرُقوا به بين الجمعِ والواحدِ.
والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك عندى أن الفتحَ في الواوِ من الوَلدِ والضمَّ فيها بمعنًى واحدٍ، وهما لغتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الفتحَ أشهرُ اللغتَين فيهما؛ فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ لذلك.
وقولُه: {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أَعَلِمَ هذا القائلُ هذا القولَ عِلْمَ الغيبِ، فعَلِم أنَّ له في الآخرةِ مالًا وولدًا باطلاعِه على علمِ ما غاب عنه؟ {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}. يقولُ: أَمْ آمَن باللهِ وعمِل بما أمَرهُ به، وانتهَى عما نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهدًا أن يؤتيه ما يقولُ من المال والولد؟.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} . بعملٍ صالحٍ قدَّمه
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)} .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {كَلَّا} ليس الأمرُ كذلك، ما اطَّلَع الغيبَ، فعَلِم صدقَ ما يقولُ، وحقيقةَ ما يَذْكُرُ، ولا اتخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا بالإيمان به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه، بلْ كذَّب وكفَر. ثم قال تعالى ذكْرُه:{سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} . يقولُ: سنكتُبُ ما يقولُ هذا الكافرُ بربِّه، القائلُ: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مالًا وَوَلَدًا. {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} . يقولُ: ونَزِيدُه من العذابِ في جهنمَ بقيلِه الكذبَ والباطلَ في الدنيا، زيادةً على عذابِه؛ بكفْرِه بالله.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن أبي حاتم.
وقولُه: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} . يقولُ جل ثناؤه: ونُهلِكُ
(1)
هذا القائلَ: - لأوتينَّ في الآخرةِ مالًا وولدًا - ومالَه وولدَه، ويصيرُ لنا مالُه وولدُه دونَه، {وَيَأْتِينَا} هو يومَ القيامةِ {فَرْدًا} وحدَه لا مالَ معه ولا ولدَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} : مالَه وولدَه، وذلك الذي قال العاصُ بنُ وائلٍ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} لا مالَ له ولا ولدَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} . قال: ما عنده، وهو قولُه:{لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} . وفى حرفِ ابن مسعودٍ: (وَنَرِثُه مَا عِنْدَه)
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} . قال: ما جمَع من الدنيا وما عمِل فيها. قال: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا} . قال:
(1)
في م: "نسلب".
(2)
تفسير مجاهد ص 459.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 2565، وهذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
فردًا من ذلك، لا يَتْبَعُه قليلٌ ولا كثيرٌ
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} . يقولُ: نرثُه
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: واتخذ يا محمدُ هؤلاءِ المشركِون من قومِك آلهةً يَعْبُدونها من دونِ اللهِ؛ لتكون هؤلاءِ الآلهةُ لهم عزًّا، يَمْنَعُونهم من عذابِ اللهِ، ويتخِذون عبادَتَهموها عندَ اللهِ زُلْفَى.
وقولُه: {كَلَّا} يقولُ تعالى ذكْرُه: ليس الأمرُ كما ظنُّوا وأمَّلوا من هذه الآلهةِ التي يَعْبُدُونها من دونِ اللهِ في أنها تُنْقِذُهم
(2)
من عذابِ اللهِ، وتُنْجيهم منه، ومن سوءٍ إنْ أراده بهم ربُّهم. وقوله:{سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن ستكفُرُ الآلهةُ في الآخرةِ بعبادةِ هؤلاءِ المشرِكين يومَ القيامةِ إياها. وكفرُهم بها قيلُهم لربِّهم: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63]، فجحَدوا أن يكونُوا عبَدوهم أو أمَروهم بذلك، وتبرَّءُوا منهم، وذلك كفرُهم بعبادتِهم.
وأما قولُه: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وتكونُ آلهتُهم عليهم عونًا. قال: الضدُّ: العونُ.
(1)
كذا في النسخ، وكذا ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 256، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: ماله وولده.
(2)
في ص: "تبعدهم"، وفى ت 1، ف:"تعيذهم".
ذكر من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . يقولُ: أعوانًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . قال: عونًا عليهم تُخاصِمُهم وتُكذِّبُهم
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ:{وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . قال: أوثانُهم يومَ القيامةِ في النارِ.
وقال آخرون: بل عُنِى بالضدِّ في هذا الموضعِ القُرْناءُ.
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباسٍ قوله:{وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . يقولُ: ويكونُون عليهم قرناءَ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 257، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير مجاهد ص 459، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 257.
ضِدًّا}: قرناءَ في النارِ؛ يلعَنُ بعضُهم بعضًا، ويتبرأُ بعضُهم من بعضٍ
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله:{ضِدًّا} . قال: قرناءَ في النارِ
(2)
.
وقال آخرون: معنى الضدِّ ههنا: العدوُّ.
ذكْرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . قال: أعداءً
(3)
.
وقال آخرون: معنى الضدِّ في هذا الموضعِ: البلاءُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} . قال: يكونُون عليهم بلاءً
(4)
.
الضدُّ: البلاء، والضدُّ في كلامِ العربِ: هو الخلافُ، يقالُ: فلانٌ يضادُّ فلانًا في كذا، إذا كان يخالِفُه في صنيعِه، فيُفسِدُ ما أصلَحه، ويُصلِحُ ما أفسَده. وإذا كان ذلك معناه، وكانت آلهةُ هؤلاء المشرِكين الذين ذكَرَهم الله في هذا الموضعِ يتبرَّءون منهم، ويَنْتَفُون
(5)
يومئذٍ، صاروا لهم أضدادًا، فوُصِفُوا بذلك.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 12.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 257.
(5)
ينتفون: يبتعدون. الوسيط (ن ف ى).
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ توحيدِ الضدِّ، وهو صفةٌ لجماعةٍ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: وُحِّد لأنه يكونُ جماعةً وواحدًا، مثلَ الرَّصَدِ والأرصادِ. قال: ويكونُ الرَّصَدُ أيضًا للجماعةِ.
وقال بعضُ نحويى الكوفة: وُحِّد لأن معناه: عونًا.
وذُكِر أن أبا نَهِيكٍ كان يقرأُ ذلك، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نهيكٍ الأزديَّ يقرأُ: (كُلًّا
(1)
سَيَكْفُرون). يعنى: الآلهة كلَّها
(2)
أنهم سيكفُرون بعبادتِهم
(3)
.
القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم ترَ يا محمدُ أنا أرسَلنا الشياطينَ على أهلِ الكفرِ باللهِ {تَؤُزُّهُمْ} . يقولُ: تحرِّكُهم بالإغواءِ والإضلالِ، فتُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ، وتغريهم بها حتى يُواقِعوها، {أَزًّا}: إزعاجًا وإغراءً
(4)
.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ،
(1)
في ت 2: "كل".
(2)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2:"وكلا".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن كثير 5/ 257.
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"إغواء".
قوله: {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} . يقولُ: تُغرِيهم إغراءً
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: تؤزُّ الكافرين إغراءً في الشركِ: امضِ امضِ في هذا الأمرِ، حتى تُوقِعَهم في النارِ، امضُوا في الغيِّ، امضُوا
(2)
.
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} . قال: تُغْرِيهم إغراءً
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} .
قال: تُزْعِجُهم إزعاجًا في معصيةِ اللهِ
(3)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ جل وعز:{تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} . قال: تُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ إزعاجًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} . قال: تُزعِجُهم إزعاجًا في معاصى اللهِ
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} . فقرَأ: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]. قال: تؤزهم أنا، قال: تُشليهم إشلاءً
(5)
على معاصى اللهِ تبارك وتعالى، وتُغريهم عليها، كما يُغرى الإنسانُ الآخرَ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 150.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
تفسير عبد الرزاق 2/ 12.
(5)
الإشلاء: الإغراء. اللسان (ش ل ا).
على الشيءِ
(1)
.
يقال منه: أَزَزْتُ فلانًا بكذا. إذا أغريتَه به، أؤزُّه أَزًّا وأزيزًا، وسمعتُ أزيزَ القِدْرِ، وهو صوتُ غليانِها على النارِ؛ ومنه حديثُ مطرِّفٍ عن أبيه، أنه انتهى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّى، ولجوفِه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَل
(2)
.
وقولُه: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} . يقولُ عزَّ ذكرُه: فلا تَعْجَلْ على هؤلاءِ الكافِرين بطلبِ العذابِ لهم والهلاكِ يا محمدُ، {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}. يقولُ: فإنا إنما نُؤَخِّرُ إهلاكَهم ليزدادُوا إثمًا، ونحن نعدُّ أعمالَهم كلَّها ونُحْصِيها، حتى أنفاسهم؛ لنُجازِيَهم على جميعِها، ولم نَتْرُكْ تعجيلَ هلاكِهم الخيرٍ أردناه بهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} . يقولُ: أنفاسَهم التي يتنفَّسون في الدنيا، فهى معدودةٌ كسِنِّهم وأجالِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)}
يقولُ تعالى ذكْرُه: يومَ نجمعُ الذين اتَّقَوْا الله
(3)
في الدنيا، فخافُوا عقابَه،
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن أبي حاتم. وينظر تفسير ابن كثير 5/ 258.
(2)
أخرجه أحمد (16312، 16317، 16326)، وأبو داود (904)، والنسائي (1213).
(3)
سقط من: م.
فاجتنبوا لذلك معاصِيَه، وأدَّوْا فرائضَه - إلى ربِّهم {وَفْدًا} ، يَعْنى بالوفدِ
(1)
الرَّكْبانَ. يقالُ: وَفَدْتُ على فلانٍ. إذا قدمت عليه. وأوْفَدَ القومُ وفدًا على أميرِهم. إذا بعَثُوا مِن قِبلهم بَعْثًا. والوفدُ في هذا الموضعِ بمعنى الجمعِ، ولكنَّه وُحِّد؛ لأنه مصدرٌ، واحدُهم وافدٌ، وقد يُجمَعُ الوفدُ: الوفودَ كما قال بعضُ بني حَنِيفةَ:
إني لَمُمْتَدِحٌ بما بما
(2)
هو صانِعٌ
…
رأس الوفودِ مُزاحِمَ بنَ جِسَاسِ
وقد يكونُ الوفودُ في هذا الموضعِ جمعَ وافدٍ، كما الجلوسُ جمعُ جالسٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني زكريا [بنُ يحيى]
(3)
بن أبى زائِدَةَ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن النُّعْمانِ بن سعدٍ، عن عليٍّ في قولِه:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} . قال: أمَا واللهِ ما يُحْشَرُ الوفدُ على أَرْجُلِهم، ولا يُساقُون سَوْقًا؛ ولكنَّهم يُؤتَوْن بنُوقٍ لم يَرَ الخلائقُ مثلَها، عليها رِحالُ الذهبِ، وأزِمَّتُها الزَّيَرْجَدُ، فيَرْكَبون عليها حتى يَضْرِبُوا أبوابَ الجنةِ
(4)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن
(1)
في ص، ت 1، ف:"بالوفود".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"فما".
(3)
سقط من: ت 2. وينظر الجرح والتعديل 3/ 593، 601، وتهذيب الكمال 9/ 359، وتهذيب التهذيب 3/ 329، 335.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 119، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند: المسند 2/ 447 (1333)، والحاكم 4/ 565، والبيهقى في شعب الإيمان (358)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 285 لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهم.
إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} قال: على الإبلِ
(1)
.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} . يقولُ: ركبانًا
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ
(3)
، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، قال: إنَّ المؤمنَ إذا خرَج من قبرِه استقبَله أحسنَ صورةً، وأطْيَبَه
(4)
ريحًا، فيقولُ: هل تعرفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن الله قد
(5)
طيَّب ريحَك، وحسَّن صورتَك. فيقولُ: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملُك الصالحُ، طالما رَكبْتُّك في الدنيا، فارْكَبْني أنت اليومَ. وتلا:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا}
(6)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قوله:{إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} . قال: وفدًا إلى الجنةِ
(7)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 119 من طريق شعبة عن إسماعيل عن أبي هريرة، بدون ذكر "رجل" بين إسماعيل وأبى هريرة. وذكره البغوي في تفسيره 5/ 255، ونقله ابن كثير في تفسيره 5/ 259 بإسناده ولفظه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن المنذر.
(2)
أخرجه ابن حجر في تغليق التعليق 3/ 509 من طريق عبد الله به، وذكره الطوسي في التبيان 7/ 133، والبغوى في تفسيره 5/ 255، وابن كثير في تفسيره 5/ 258، وعلقه البيهقى في شعب الإيمان 1/ 317 عن على بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهما.
(3)
في ص، ت 1 ف:"بشر".
(4)
في م: "أطيبها". وتقدم على الصواب في 9/ 216.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ف.
(6)
تقدم تخريجه في 9/ 217.
(7)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 13 عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 259، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 284، 285 إلى عبد بن حميد.
قولِه: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} . قال: على النَّجائِبِ
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سَمِعتُ سفيانَ التَّوْرِيَّ يقولُ: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} . قال: على الإبلِ النُّوقِ
(1)
.
وقوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ونَسوقُ الكافرين بالله، الذين أجَرمُوا، إلى جهنمَ عِطَاشًا.
والوِرْدُ مصدرٌ، مِن قولِ القائل: وَرَدتُ كذا أرِدُه وِرْدًا. ولذلك لم يُجمَعْ، وقد وُصِف به الجمعُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} . قال: عِطَاشًا
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ:{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} . قال: عِطاشًا
(3)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 259.
(2)
أخرجه البخارى معلقا عن ابن عباس (فتح البارى 8/ 427)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق عبد الله به، كما في تغليق التعليق 3/ 509، وأخرجه الحافظ ابن حجر في التغليق 3/ 509 من طريق عبد الله به، وعلقه البيهقي في شعب الإيمان 1/ 317 عن علي بن أبي طلحة به.
(3)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 217، والقرطبي في تفسيره 11/ 152، 153، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 286 إلى ابن المنذر.
حدَّثني يعقوبُ والفضلُ بنُ الصَّبَّاح، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةً، عن أبي رجاء، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قولِه: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} . قال: عِطَاشًا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ
(2)
، عن يونسَ
(3)
، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} . قال: ظِمَاءً إلى النارِ
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} : سِيقوا
(5)
إليها وهم ظِمَاءٌ
(6)
عِطاشٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} . قال: عِطاشًا.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)} .
يقولُ تعالى ذكْرُه: لا يملكُ هؤلاءِ الكافرون بربِّهم، يا محمدُ - يومَ يَحشرُ اللهُ المتقينَ إليه وفدًا - الشفاعةَ؛ حينَ يَشْفَعُ أهلُ الإيمان بعضُهم لبعضٍ عندَ اللهِ،
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 172 (16025)، وهناد في الزهد (286، 287) من طريقين آخرين عن الحسن.
(2)
بعده في ص، م، ت 1، ف:"قال: ثنا سعيد". وسعيد بن أبي عروبة لم يرو عن يونس بن عبيد. ينظر تهذيب الكمال 11/ 5، 32/ 124، 517.
(3)
في ت:1: "قتادة".
(4)
تفسير عبد الرزاق 2/ 13 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 286 إلى عبد بن حميد.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2 ف:"سوقوا".
(6)
في م: "ظمء".
فيشفعُ
(1)
بعضُهم لبعضٍ {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ} منهم {عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} في الدنيا {عَهْدًا} بالإيمانِ به، وتصديقِ رسولِه، والإقرارِ بما جاء به، والعملِ بما أمَر به.
كما حدَّثني [عليٌّ، قال: ثنا]
(2)
عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} . قال: العهدُ؛ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ويَتَبَرَّأُ إلى اللهِ مِن الحَوْلِ والقُوَّةِ، ولا يرجُو إلا الله
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله:{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} . قال: المؤمنون يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ شفعاء: {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} . قال: عَمَلًا صالحًا
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله:{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} : أي بطاعته، وقال في آيةٍ أُخرى:{لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، تَعَلَّمُوا
(5)
أَن الله [مُشَفِّعٌ يومَ القيامةِ]
(6)
المؤمنينَ بعضَهم في بعضٍ؛ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "إِنَّ في أُمَّتى رجلًا، لَيُدخِلَنَّ الله الجنة بشفاعتِه أكثر من بني تَمِيمٍ". وكنا
(1)
أي فيشفع هؤلاء الكفار بعضهم لبعض، كما يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض.
(2)
سقط من: ص، ت 1، ف.
(3)
أخرجه الطبراني في الدعاء 3/ 1518 (1570)، والبيهقى في الأسماء والصفات 1/ 272 (206)، كلاهما من طريق عبد الله به، وفى الدعاء:"وهى رأس كل تقوى" بدل "ولا يرجو إلا الله"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 286 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
عزا السيوطي في الدر المنثور 4/ 286 شطره الأول إلى ابن المنذر، وذكر الطوسي في التبيان 7/ 134، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 217 شطره الأخير.
(5)
في م: "ليعلموا، وفى ت 1، ف: "يعلمون"، وفى ت 2: "يعلموا". وتعلَّموا: اعلَمُوا. ينظر اللسان (ع ل م).
(6)
في م: "يوم القيامة يشفع". وجاءت العبارة في الدر المنثور: يشفع المؤمنين يوم القيامة.
نُحَدَّثُ أن الشهيدَ يُشَفَّعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي المِلَيح، عن عَوْفِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِن شَفاعَتِى لِمَنْ مات مِن أُمَّتي لا يُشركُ باللهِ شيئًا"
(2)
.
و "من" في قولِه: {إِلَّا مَنِ} في موضعِ نصبٍ على الاستثناءِ، ولا يكونُ خفضًا بضميرِ اللامِ، ولكن قد يكون نصبًا في الكلامِ في غيرِ هذا الموضعِ، وذلك كقولِ القائلِ: أردتُ المرورَ اليومَ إلا العَدُوَّ، فإني لا أمُرُّ به. فيَسْتَثْنِى العدوَّ مِن المعنى. وليس ذلك كذلك في قولِه:{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} ؛ لأن معنى الكلامِ: لا يَمْلِكُ هؤلاءِ الكفارُ إِلا مَن آمَن باللهِ. فالمؤمنون ليسوا مِن عِدادِ
(3)
الكافِرين. ومَن نصَبه على أن معناه: إِلا لَمَنِ اتَّخَذ عندَ الرحمن عهدًا، فإنه يَنْبَغى أن يجعلَ قولَه: لا يملِكون الشفاعةَ للمتقين. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: يومَ نَحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفدًا، لا يَمْلكون الشفاعةَ، إلا مَن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا. فيكونُ معناه عندَ ذلك: إلا لمن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ
(1)
ذكره السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 مطولا، وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وليس عنده قوله: "أي بطاعته
…
ورضى له قولا". وأخرج الطبراني في الكبير 22/ 76 (188)، وأبو نعيم في الحلية 10/ 304، 305، والخطيب في تاريخ بغداد 5/ 26 من طريق قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع مرفوعا، قوله: "إن في أمتى رجلا" "تميم". أما قول قتادة: وكنا نحدث أن الشهيد أخرج هذا الحديث مرفوعا: أبو داود (2522)، وابن حبان (4660)، والآجرى في الشريعة 3/ 1244، 1245 (813، 814)، والبيهقى في السنن الكبرى 9/ 164، من حديث أبي الدرداء عنه رضي الله عنه.
(2)
أخرجه أحمد 6/ 29، والترمذى (2441)، كلاهما من طريق سعيد به، مطولًا بزيادة في أوله عندهما. وأخرجه أحمد 6/ 28، 29، والترمذى (2441) كلاهما من طريق أبي عوانة عن قتادة به، مطولا بزيادة أوله عندهما.
(3)
في ص، ت 1، ف:"عذاب"، وفى م:"أعداد".
عهدًا. فأما إذا جعَل: "لا يملكون الشفاعةَ" خبرًا عن المجرمين، فإن "مَنْ" تكونُ حينئذٍ نصبًا على أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيكونُ معنى الكلامِ: لا يملكون الشفاعةَ، لكنْ مَنْ اتخذ عندَ الرحمنِ عهدًا، يَمْلِكُه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)} .
يقولُ تعالى ذكْرُه: وقال هؤلاء الكافِرون باللهِ: {اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} .
{لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} يقولُ تعالى ذكْرُه للقائِلين ذلك من خَلْقِه: لقد جئتم أيها الناسُ شيئًا عظيمًا، ومن القولُ مُنَكرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{شَيْئًا إِدًّا} . يقولُ: قولًا عظيمًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} . يقولُ: لقد جئتم شيئًا عظيمًا، وهو المنكَرُ مِن القولُ
(2)
.
(1)
علقه البخاري عن ابن عباس (الفتح 8/ 427)، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 249 - من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 286 إلى ابن المنذر.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان 7/ 134 بلفظ "منكرا عظيما"، والبغوى في تفسيره 5/ 256 بلفظ "منكرا"، والقرطبي في تفسيره 11/ 156 بنفى لفظ التبيان.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن
(1)
ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{شَيْئًا إِدًّا} . قال: عظيمًا
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{شَيْئًا إِدًّا} . قال: عظيمًا
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} . قال: قد جئتم شيئًا كبيرًا من الأمْرِ، حينَ دعَوْا للرحمنِ ولدًا
(4)
.
وفى "الإدِّ" لغاتٌ ثلاثٌ، يقالُ: لقد جئتَ شيئًا إِدًّا. بكسرِ الألفِ. وأدًّا. بفتحِ الألفِ. وآدًّا. بفتحِ الألفِ ومدِّها، على مثالِ مادٍّ؛ فاعِلٍ. وقرَأه قرأةُ الأمصارِ [بكسرِ الألفِ]
(5)
، وبها نقرأُ، وقد ذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرَأ ذلك بفتحِ الألفِ
(6)
، ولا أَرَى قراءتَه كذلك؛ لخلافِها قراءةَ قرأة الأمصارِ. والعربُ
(1)
في ص، م، ف:"ثنا".
(2)
تفسير مجاهد ص 459 من طريق ورقاء به، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 249 - عن ورقاء به، وذكره البغوي في تفسيره 5/ 256، وابن كثير في تفسيره 5/ 261.
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 13 عن معمر به وذكره البغوي في تفسيره 5/ 256، وابن كثير في تفسيره 5/ 261.
(4)
ذكره الطوسى في التبيان 7/ 134 بلفظ "منكرا عظيما".
(5)
سقط من: م.
(6)
وكذا قراءة: على بن أبى طالب، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 89، وتفسير القرطبي 11/ 156، والبحر المحيط 6/ 218.
تقولُ لكلِّ أمرٍ عظيمٍ: إدٌّ، وإمْرٌ، ونُكْرٌ. ومنه قولُ الراجزِ
(1)
:
قد لَقِيَ الأعداءُ منى نُكْرَا
داهِيَةً دَهْياءَ إذا إمْرَا
ومنه قولُ الآخرِ
(2)
:
* في لَهَثٍ
(3)
منه وخَتْلٍ
(4)
إِدِّ *
وقولُه: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} . يقولُ تعالى ذكْرُه: تكادُ السماواتُ يَتَشَقَّقْن قِطَعًا مِن قبلِهم: {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} ومنه قيل: فَطَر نابُه. إذا انْشَقَّ
(5)
.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)} . قال: إن الشِّرْكَ فزِعَت منه السماواتُ والأرضُ والجبالُ وجميعُ الخلائقِ إِلَّا الثَّقَلَيْن، وكادت أن تَزُولَ منه لعَظَمةِ اللهِ، وكما لا ينفَعُ مع الشركِ إحسانُ المشركِ، كذلك نَرْجُو أن يغفرَ اللهُ ذنوبَ الموَحِّدين. وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَقِنوا مَوْتاكم شَهادَةَ أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ، فمَن قالها عندَ موتِه وجَبَتْ له الجنَّةُ".
(1)
تقدم في ص 337، وفيه "الأقران" بدلا من "الأعداء".
(2)
البيت في التبيان 7/ 134 غير منسوب.
(3)
اللَّهث واللُّهاث: حرُّ العطش في الجوف. اللسان (ل هـ ث).
(4)
في ص، م، ت 1، ف:"حثل"، وفي التبيان:"حبل". والخَتْل: تَخَادُعٌ عن غفلةٍ. اللسان (خ ت ل).
(5)
في ص، ت 1:"شق". وينظر التبيان 7/ 135.
قالوا: يا رسولَ اللهِ، فمَن قالَها في صِحَّتِهِ
(1)
؟ قال: "تلك أَوْجَبُ وأوجبُ". ثم قال: "والَّذي نَفْسي بيَدِه لو جِيءَ بالسَّمَاوَاتِ والأرْضِينَ
(2)
وما فيهنَّ، وما بينَهنَّ، وما تحتَهنَّ، فَوُضِعنَ في كِفَّةِ الميزانِ، ووُضِعَت شَهادَةُ أن لا إلهَ إِلَّا الله في الكِفَّةِ الأُخرى؛ لَرَجَحتْ بهِنَّ"
(3)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} . [قال: الانْفِطارُ هو الانْشِقاقُ
(4)
.
وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} ]
(5)
. ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: غَضِبتِ الملائكةُ، واسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ حينَ قالوا ما قالوا
(6)
.
وقولُه: {وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ} . يقولُ: وتكادُ الأرضُ تنشقُّ، فتَنْصَدِعُ
(7)
مِن ذلك، {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}. يقولُ: وتكادُ الجبالُ يسقُطُ بعضُها على بعضٍ سُقوطًا. والهَدُّ السُّقوطُ. وهو مصدرُ هَدَدتُ، فأنا أهُدُّ هَدًّا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
في المعجم الكبير: "صحة".
(2)
في الأصل، ت 1:"الأرض".
(3)
نقله ابن كثير في تفسيره 5/ 261 بإسناده ولفظه، وأخرج الطبراني في المعجم الكبير 12/ 254 (13024) من طريق عبد الله به الجزء المرفوع من ابن عباس للنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر السيوطي في الدر المنثور 4/ 286 الجزء الموقوف على ابن عباسٍ وعزاه إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
ذكره السيوطي في الدر المنثور 4/ 287 وعزاه إلى ابن المنذر.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 262 عن كعب.
(7)
في ص، ت 1، ت 2:"فتتصدع".
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} . يقولُ: هَدْمًا
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} . قال: الهَدُّ: الانْقِضَاضُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} . قال: غضَبًا للهِ. قال: ولقد دَعا هؤلاءِ الذين جعَلوا للهِ هذا الذي غضبت السماوات والأرضُ والجبالُ من قولهم، لقد اسْتَنابَهم ودعاهم إلى التَّوبةِ، فقال:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} . قالوا: هو وصاحبَتُه وابْنُه. جَعَلُوهما
(2)
إلهَيْن [مع اللهِ]
(3)
{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} إلى قولِه: {وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
(4)
[المائدة: 73، 74].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)} .
الله يقولُ تعالى ذِكرُه: وتكادُ الجبالُ أن تَخِرَّ انْقِضَاضًا؛ لأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا؛ فـ"أن" في موضع نصب في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ لاتِّصالِها بالفعلِ، وفي قولِ غيرِه
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 251 - من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 261، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 286 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في ص: "وجعلوهما".
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"معه".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 261 مختصرا بلفظ "غضبا لله".
في موضِعِ خَفْضٍ بضمِيرِ الخافضِ
(1)
، وقد بيَّنَّا الصوابَ من القولَ في ذلك في غيرِ موضِعٍ من كتابِنا هذا، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموْضِعِ
(2)
.
وقال: {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} . يعنى بقولِه: {أَنْ دَعَوْا} : أن جعَلوا له ولدًا. كما قال الشاعرُ
(3)
:
ألا رُبَّ مَن تَدعُو نَصِيحًا وإِن تَغِبْ
(4)
…
تَحِدُه بِغَيْبِ غَيْرَ مُنتَصِحَ الصَّدرِ
وقال ابن أحمرَ
(5)
:
هوَى
(6)
لها مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَها
(7)
…
وكنتُ أدْعُو قَذَاها الإثْمِدَ القَرِدَا
(8)
وقولُه: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} . يقولُ: وما يَصْلُحُ للهِ أَن يَتَّخِذَ
(1)
ينظر معاني القرآن 2/ 173.
(2)
تقدم في 7/ 726.
(3)
البيت في مجاز القرآن 2/ 12، والتبيان 7/ 136، والبحر المحيط 6/ 219، واللسان (د ع و)، غير منسوب عندهم جميعًا. وجاء في البحر المحيط هكذا:
ألا رب من يُدعى نصيحا وإن يغب
…
تجده بغيب منك غير نصيح
(4)
في الأصل: "يغب".
(5)
البيت في مجاز القرآن 2/ 13، و "من اسمه عمرو من الشعراء" لمحمد بن داود الجراح ص 131 - والشاعر اسمه عمرو بن أحمر، على ما في هذا المصدر ص 130 - والتبيان 7/ 136، واللسان (د ع و)، (هـ و ى).
(6)
في م، ومصادر التخريج:"أهوى". وهوى وأهوى، في هذا السياق: أسرع. ينظر شرح ديوان زهير ص 242، واللسان (هـ و ى).
(7)
المشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. وسهمٌ حشرٌ: مستوى قُذَذ الرِّيش - وقدُّ الريش: قطع أطرافه وحَذفُه على نحو الحذو والتدوير والتسوية -. وشَبرقَها: مزَّقها. ينظر اللسان (ش ق ص)، (ح ش ر)، (ق ذ ذ)، "شبرق".
(8)
القرد: المتجمع الذي يركب بعضُه بعضًا. والمعنى أن عدوه صوب لعينه سهما فمزَّقها، وقد كان الشاعر يعُدُّها للكحل. ينظر اللسان (ق ر د).
ولدًا؛ لأنه ليس كالخلقِ الذين تغْلِبُهم الشَّهواتُ، وتضطرُّهم اللَّذَّاتُ إلى جماعِ الإناثِ، ولا ولدَ يَحدُثُ إِلَّا مِن أُنْثَى، واللهُ يتَعالى عن أن يكونَ كخَلْقِه. وذلك كقولِ ابن أحمرَ
(1)
:
في رأسِ خَلْقاءَ مِن عَنْفَاءَ مُشْرِفَةٍ
…
ما ينبغى دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلٌ
يعنى: لا يصْلُحُ ولا يكُونُ.
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)} يقولُ جَلَّ وعزَّ: ما جميعُ مَن في السماواتِ من الملائكةِ، وفى الأرضِ من البشرِ والإنسِ والجِنِّ {إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}. يقولُ: إلا يأتى ربَّه يومَ القيامةِ عبدًا له، ذليلًا خاضِعًا مُقِرًّا له بالعُبُودَة، لا نَسبَ بينه وبينَه. وقولُه:{آتِي الرَّحْمَنِ} إِنما هو فاعلٌ مِن أتيتُه، فأنا آتِيه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: لقد أحصَى الرحمنُ خلقَه كلَّهم، وعدَّهم عدًّا فلا يَخفَى عليه مبلَغُ جميعِهم، وعَرف عددَهم فلا يَعْزُبُ عنه مِنهم أحدٌ:
{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} . يقولُ: وجميعُ خَلْقِه سوفَ يَردُ عليه يوم تقومُ الساعةُ، وحيدًا لا ناصرَ له من اللهِ، ولا دافِعَ عنه؛ فيَقْضِى اللهُ فيه ما هو قاضٍ، ويصنَعُ به ما هو صانعٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا
(1)
تقدم تخريجه في ص 538. قال في اللسان (ع ن ق): يصف جبلًا، يقول: لا ينبغى أن يكون فوقها سهل ولا جبل أحسن منها. والخلقاء - كما في اللسان (خ ل ق) - هي السماء.
لُدًّا (97)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين آمنوا باللهِ ورُسُلِه، وصدَّقُوا بما جاءهم من عندِ ربِّهم، فعَمِلوا به؛ فأَحَلُّوا حَلالَه، وحرَّموا حرامَه {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} في الدُّنيا، في صدورِ عبادِه المؤمنين.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قال: محبةً في الناسِ في الدُّنيا
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قال: حُبًّا
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قال: الودُّ مِن المسلمينِ في الدنيا، والرِّزقُ الحسنُ، واللسانُ الصَّادقُ
(3)
.
حدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ في قولِه:{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قال: محبةً في المسلمين في الدُّنيا
(4)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 14 من طريق مجاهد به، بلفظ محبة، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 26، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 287 للفريابي وعبد بن حميد.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 264 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 264 عن العوفي عن ابن عباس.
(4)
ذكره الطوسى في التبيان 7/ 137 بلفظ في الدنيا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن القاسمِ بن أَبِي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه:{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى خَلْقِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى المؤمنين
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ هاشمٍ، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ في قولِه:{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} . قال: ما أَقْبَلَ عبدٌ إلى اللهِ إلا أقْبَل اللهُ بقلوبِ العِبادِ إليه، وزادَه
(3)
من عندِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} : إي واللهِ في قلوبِ أهلِ الإيمانِ؛ ذُكِر لنا أن هَرِمَ بنَ حَيَّانَ
(4)
كان يقولُ: ما أقْبَلَ عبدٌ بقلبه إلى اللهِ، إلا أقبَل اللهُ
(1)
تفسير مجاهد ص 459 من طريق ورقاء به، وذكره البغوي في تفسيره 5/ 257.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 264 عن سعيد عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 287 إلى ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
في ص، ت 1، ف:"زاد".
(4)
في ص، ف:"حسان". وهو هرم بن حيان العبدى، من صغار الصحابة، ترجمته في أسد الغابة 5/ 391.
بقلوبِ المؤمنين إليه، حتى يرزُقَه مودَّتَهم ورحمتَهم
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عثمانَ بنَ عفانَ كان يقولُ: ما من الناس عبد يعمل خيرا ولا شرًّا إلا كَسَاه الله رداءً عملِه
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا [عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن [عبدِ اللهِ ابن]
(3)
مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ]
(4)
وُدًّا} قال: محبةً
(5)
.
وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في عبدِ الرحمن بن عوفٍ؛ حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن سعيدٍ الواسطيُّ، قال: أخبَرنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد العزيزِ بنُ عِمْرانَ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن أبي سليمانَ بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، عن أُمَّه أمِّ إبراهيمَ بنتِ أبى عُبيدةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيها، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، أنَّه لما هاجَر إلى المدينةِ، وجَد في نفسِه على فِراقِ أصحابِه بمكةَ، مِنهم شَيْبَةُ بنُ رَبيعةَ، وعُتْبَةُ بنُ ربيعةَ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَأَنزَلَ اللهُ تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}
(6)
.
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 161، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 294 عن قتادة به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 264 عن قتادة به.
(3)
سقط من: النسخ، وتفسير الثورى. والمثبت من تفسير عبد الرزاق، وقد جاء على الصواب في تفسير الثورى ص 135 وهو عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، مترجم في تهذيب الكمال 16/ 130.
(4)
سقط من: ت 2.
(5)
تفسير الثورى ص 190 ووقع عنده "عن مسلم" وبينا ذلك في الحاشية السابقة، وتفسير عبد الرزاق 2/ 14 عن الثورى عن عبد الله بن مسلم به.
(6)
ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 161 من قول ابن عباسٍ بنحوه، وذكره أبو حيان في تفسيره 6/ 221 بمعناه، لكن بلفظ: قيل نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن عوف .... إلى آخر ما ذكره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 287 إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه لكن سماه "عبد الله بن عوف".
وقولُه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإِنَّما يَسَّرْنا يا محمدُ هذا القرآنَ بلسانِك، تَقْرَؤُه، لتُبَشِّرَ به المتقينَ، الذين اتَّقَوْا عقابَ اللهِ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه - بالجنةِ، {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} يقولُ: ولِتُنذِرَ بهذا القرآن عذابَ اللهِ، قومك مِن قريشٍ؛ فإِنَّهم أهلُ لَدَدٍ وجَدَلٍ بالباطلِ، لا يَقْبَلون الحقَّ. واللَّدَدُ: شدَّةُ الخصومةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لُدًّا} . قال: لا يَسْتَقيمون
(1)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} . يقولُ: لِتُنذِرَ به قومًا ظَلَمةً
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا
(1)
تفسير مجاهد ص 459 من طريق ورقاء به، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 265 عن ابن أبي نجيحٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 288 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في ت 1، ف:"لدا". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 265 عن العوفي عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 288 إلى المصنف. وعند ابن كثير والسيوطي بلفظ:"فجارًا".
لُدًّا}: أي جَدَلًا
(1)
بالباطلِ، ذوى لدَدٍ وخصومةٍ
(2)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} . قال: فُجَّارًا
(3)
.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{قَوْمًا لُدًّا} . قال: [جدلًا
(4)
بالباطلِ
(5)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} . قال]
(6)
: [الألَدُّ الظَّلومُ]
(7)
. وقرأ قولَ اللهِ: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]
(8)
.
حدَّثنا أبو صالحِ الضِّرارِيُّ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} . قال: صُمًّا عن الحقِّ
(9)
.
(1)
في ص، م، ت 1، ف:"جدالا".
(2)
ينظر تخريج الأثر بعد التالى.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 265 عن ليث - وهو ابن أبي سليم - به.
(4)
في ص، م، ف:"جدالا".
(5)
تفسير عبد الرزاق 2/ 14. وأخرجه عبد بن حميد كما في فتح الباري 13/ 181 من طريق معمر به.
(6)
سقط من: ت 1.
(7)
في ص: "اللدد الظلوم"، وفى ت 1:"اللدد شديد الخصومة"، وفى ت:2: "اللد الظلوم"، وفي ف:"اللدد" ثم كلمة غير واضحة.
(8)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 265.
(9)
ذكره البغوي في تفسيره 5/ 258، وابن كثير في تفسيره 5/ 265، والسيوطي في الدر المنثور 4/ 288، وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وجاء ذكره عند الأخيرين مختصرا بلفظ "صما".
حدَّثني ابن [سنانٍ القَزَّازُ]
(1)
، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن هارونَ، عن الحسنِ مثلَه.
وقد بيَّنَّا معنَى الألَدِّ فيما مضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرًا أهْلَكْنا، يا محمدُ، قبلَ قومِك مِن مُشْرِكى قريشٍ:{مِنْ قَرْنٍ} يعنى: مِن جماعةٍ مِن الناسِ، إذ سَلَكُوا في خِلافي وركوبِ معاصِيَّ مَسْلَكَهم {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ}. يقولُ: فهل تُحِسُّ أنت منهم أحدًا، يا محمدُ، فتَراه وتُعايِنَه، {وَكَمْأَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا}. يقولُ: أو تسمعُ لهم صوتًا، بل بادُوا وهلَكُوا، وخَلَت مِنهم دُورُهم، وأوْحَشَت منهم منازلُهم، وصاروا إلى دارٍ لا ينفَعُهم فيها إلّا صالحٌ من عملٍ قدَّموه. فكذلك قومُك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يُعالجِوا
(3)
التوبةَ قبلَ الهَلاكِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
(1)
في ص، ت 1، ف:"بشار"، وفى م:"سنان"، وفى ت 2:"سنان القران". وهو محمد بن سنان القزاز. أما ابن بشار فهو محمد بن بشار المعروف ببندار. وكلاهما يروى عنه المصنف. وينظر الأنساب 4/ 491، وترجمة أبي عاصم النبيل في تهذيب الكمال 13/ 281.
(2)
تقدم في 3/ 578.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"يعاجلوا".
قولَه: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} . قال: صوتًا
(1)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قولَه:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} . قال: هل تَرَى عَيْنًا، أو تسمعُ صوتًا
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} . يقولُ: هل تسمعُ مِن صَوْتٍ، أَو تَرَى مِن عينٍ
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} . يعنى: صوتًا
(4)
.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ قال: رِكْزُ الناسِ: أصواتُهم. قال أبو كريبٍ: قال سفيانُ: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} .
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} . قال: أو تسمعُ لهم حِسًّا. قال: والرِّكْرُ: الحِسُّ
(5)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 265، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 288 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير عبد الرزاق 2/ 14 عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 265، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 288 إلى عبد بن حميد.
(3)
ذكره الطوسى في التبيان 7/ 137 بلفظ "الركز الصوت"، وابن كثير في تفسيره 5/ 265 بلفظه.
(4)
ذكره الطوسى في التبيان 7/ 137، وابن كثير في تفسيره 5/ 265.
(5)
ذكره الطوسى في التبيان 7/ 137 بلفظ "هو الحس"، والقرطبي في تفسيره 11/ 162 بلفظ "حسا"، وابن كثير في تفسيره 5/ 265 بلفظ صوتا.
قال أبو جعفرٍ: والرِّكْزُ في كلامِ العربِ: الصوتُ الخَفيُّ، كما قال الشاعرُ
(1)
:
فتَوجَّسَتْ رِكْزَ
(2)
الأنِيسِ فَراعَها
…
عن ظَهْرِ غَيبٍ والأنِيسُ سَقَامُها
آخر تفسيرِ سورةِ مريمَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
(1)
هو لبيد بن ربيعة، ديوانه ص 311. وجاء البيت في التبيان 7/ 138، وتفسير القرطبي 11/ 162.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"ذكر"، وفى الديوان:"رِزّ". ورزّ وركز بمعنىً. ينظر الوسيط (رزز). وأشار محقق الديوان في تعقيباته على الأبيات أنه يروى أيضا "ركز". والمقصود بـ "الأنيس سقامها" أنها أحست باقتراب الناس يريدون صيدها، ولذا قال:"سقامها".