المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌تفسيرُ سورةِ "قد أفلح المؤمنون" بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌ ‌ ‌القولُ في تأويل - تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي - جـ ١٧

[ابن جرير الطبري]

فهرس الكتاب

‌تفسيرُ سورةِ "قد أفلح المؤمنون"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ

(3)}.

قال أبو جعفرٍ: يَعنى جلَّ ثناؤه بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} : قد أدرك الذين صدَّقوا الله ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وأَقَرُّوا بما جاءهم به من عند الله، وعَمِلوا بما دعاهم إليه مما سَمَّى في هذه الآياتِ - الخلودَ في جناتِ ربهم، وفازوا بطَلِبتهم لديه.

كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} . قال: قال كعبٌ: لم يَخْلُقِ الله بيده إلا ثلاثةً؛ خلَق آدم بيده، وكتب

(1)

التوراة بيده، وغرس جنةَ عَدْنٍ بيدِه، ثم قال

(2)

: تَكَلَّمِي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. لما علمت فيها من الكرامةِ

(3)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

بعده في م: "لها".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 43. وأخرجه الحسين المروزى في زوائد الزهد (1458)، والبيهقي في البعث (234) من طريق قتادة به. وأخرجه الدارمى في الرد على المريسى ص 35، والآجرى في الشريعة (759) من طريق قتادة، عن أنس، عن كعب.

ص: 5

حدَّثنا سَهْلُ بن موسى الرازيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، عن عمرو بن أبى قيسٍ، عن عبد العزيز بن رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ، قال: لما غرَس الله تبارك وتعالى الجنةَ، نظَر إليها فقال

(1)

: قد أفلح المؤمنون

(2)

.

قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خَلْدَةَ، عن أبى العاليةِ، قال: لمّا خلق الله الجنة قال: قد أفلح المؤمنون. فأنزل الله به قرآنًا

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ

(4)

، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ، قال: لم يَخْلُقِ الله شيئًا بيدِه غيرَ أربعة أشياء؛ خلَق آدمَ بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرَس عَدْنًا بيدِه، ثم قال: قد أفلح المؤمنون

(5)

.

وقوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . يقول تعالى ذكره: الذين هم في صلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعُهم فيها تذلُّلُهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها.

وقيل: إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يَرْفَعون أبصارهم فيها إلى السماء قبلَ نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.

(1)

في ت 2: "فقالت".

(2)

تفسير مجاهد ص 484، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (29)، والبيهقي في البعث (237) من طرق عن مجاهد.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 2 إلى المصنف.

(4)

في النسخ: "جبير". وتقدم على الصواب.

(5)

أخرجه هناد في الزهد (44) من طريق عطاء به بلفظ: "خلق الله تبارك وتعالى بيده أربعة؛ خلق آدم بيده، واللوح والقلم بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال: قد أفلح المؤمنون". وقال: "الرابعة أغفلها".

وأخرجه الدارمي في الرد على المريسى ص 35 من طريق عطاء به، غير أنه قال:"إن الله لم يمس شيئًا من خلقه غير ثلاث. . .". وذكر آدم والتوراة والجنة.

ص: 6

ذكرُ الرواية بذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمانَ، قال: سَمِعتُ خالدًا، عن محمدِ بن سيرين، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صَلَّى نظر إلى السماء، فأُنزِلت هذه الآيةُ:{وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . قال: فجعل بعدَ ذلك وجهه حيثُ يَسجُدُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارون بن المغيرةِ، عن أبي جعفر، عن الحجاج الصوَّاف، عن ابن سيرينَ، قال: كان أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . فقالوا بعد ذلك برُءُوسهم هكذا

(2)

.

حدَّثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صَلَّى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آيةٌ، إن لم تَكُن:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} فلا أَدْرِى أية آيةٍ هي. قال: فطَأْطَأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يُجاوِزُ بصره مُصَلّاه، فإن كان قد استعاد النظرَ فلْيُغْمِض

(3)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ نحوه

(4)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (3261) من طريق خالد به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى سعيد بن منصور.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه البيهقي 2/ 283 من طريق ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (3262، 3264) من طريق أيوب به.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 240 عن هشيم به.

ص: 7

واختلف أهل التأويلِ في الذى عُنى به في هذا الموضع من الخشوعِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به سكونُ الأطرافِ في الصلاةِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . قال: السكون فيها

(1)

.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ:{الَّذِينَ هُمْ في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . قال: سكون المرء في صلاته.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرى مثله.

(2)

.

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن أبى سِنان

(3)

الشيبانيِّ، عن رجلٍ، عن عليٍّ، قال: سُئل عن قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . قال: لا تَلْتَفِتْ في صلاتك

(4)

.

حدَّثنا عبد الجبار بن يحيى الرَّمْليُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ

(5)

شَوْذَبٍ، عن الحسن في قوله:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . قال: كان

(1)

أخرجه البيهقي 2/ 280 من طريق عبد الرحمن به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (169، 1149)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (3262) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 43، والمصنف (3262)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(3)

في م: "سفيان".

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 43، والمصنف (3263). وقوله: عن على. سقط المصنف.

(5)

في م: "أبي".

ص: 8

خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك البصرَ، وخفضوا به الجَناحَ

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ في قوله:{خَاشِعُونَ} . قال: الخشوعُ في القلب. وقال: ساكِنون

(2)

.

قال: ثنا الحسين

(3)

، قال: ثنى خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن المسعوديِّ، عن أبى سنانٍ، عن رجل من قومِه، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تَلْتَفِتَ

(4)

.

قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاء بن أبي رَبَاحٍ في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . قال: التَّخَشُّعُ في الصلاةِ. وقال لي غير عطاءٍ: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويسارِه ووُجاهه، حتى نزلت:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . فما رُئى بعد ذلك يَنْظُرُ إِلا إلى الأرض

(5)

.

وقال آخرون: عُنى به الخوفُ في هذا الموضعِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: {الَّذِينَ هُمْ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى المصنف وابن أبى حاتم.

(2)

أخرجه ابن أبى شيبة 13/ 553 من طريق مغيرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى عبد بن حميد.

(3)

في النسخ: "الحسن".

(4)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (1148)، والحاكم 2/ 393 - ومن طريقه البيهقي 2/ 279 - من طريق المسعودى به. وعند الحاكم والبيهقى سمى الرجل المبهم:"عبيد الله بن أبي رافع". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (3267) عن ابن جريج بنحوه.

ص: 9

في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. قال: خائفون.

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} : قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب

(1)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . يقولُ: خائفون ساكنون

(2)

.

وقد بيَّنَّا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلُّلُ والخضوعُ، بما أَغْنَى عن إعادته في هذا الموضع

(3)

. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يَكُن الله تعالى ذكرُه دَلَّ على أن مراده من ذلك معنًى دون معنًى في عقلٍ ولا خبرٍ - كان معلومًا أن معنى مرادِه من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفتُ من قبلُ، من أنه: والذين هم في صلاتهم مُتَذَلِّلون للَّهِ بأداء

(4)

ما ألزمهم من فرضه وعبادته. وإذا تَذَلّل للهِ فيها العبدُ رُئيَتْ ذلةُ خضوعِه في سكون أطرافه، وشغله بفرضه، وتركه ما أُمر بتركه فيها.

وقولُه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} . يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يَكْرَهُه الله من خلقه مُعْرِضون.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 43. وأخرجه البيهقي 2/ 280، 281 من طريق قتادة، عن الحسن، ومن طريق آخر عن قتادة.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 456، عن علي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 3 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 622، 623.

(4)

في م: "بإدامة".

ص: 10

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} . يقولُ: الباطلِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ:{عَنِ اللَّغْوِ معْرِضُونَ} . قال: عن المعاصى.

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ مثله

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} . قال: النبيُّ صلى الله عليه وسلم ومن معه من صحابته ممن آمن به واتَّبعه وصَدَّقه، كانوا عن اللغوِ مُعْرِضين.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} .

يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مُؤَدُّون. وفِعْلُهم الذي وُصِفوا به هو أداؤُهموها.

وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} . يقولُ: والذين هم لفروج أنفسهم. وعنى بالفروج في هذا الموضع فروج الرجال، وذلك أَقْبالُهم، {حَافِظُونَ} يَحْفَظُونها من إعمالها في شيءٍ من الفروج، {إِلَّا عَلَى

(1)

ذكره ابن عبد البر في التمهيد 22/ 20 عن معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 4 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 43، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 4 إلى ابن المنذر.

ص: 11

أَزْوَجِهِمْ}. يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحَلَّهن الله للرجال بالنكاح، {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْهُمْ} . يَعْنى بذلك إماءَهم.

و {مَا} التى في قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ} في محلّ خَفْضٍ، عَطْفًا على "الأزواج".

{فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} . يقولُ: فإن من لم يَحْفَظْ فرجَه عن زوجه ومِلْكِ يمينه، وحفظه عن غيره من الخلقِ، فإنه غيرُ مُوبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكبٌ ذنبًا يُلامُ عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك

حدَّثنا محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} . يقولُ: رَضِى الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم.

وقولُه: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} . يقولُ: فمن الْتَمَس لفرجِه مَنْكَحًا سِوَى زوجته ومِلْكِ يمينه، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}. يقولُ: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرَّم عليهم.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك

حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: نهاهم الله نهيًا شديدًا، فقال: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ

ص: 12

فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}. فَسَمَّى الزانيَ من العادِين.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} . قال: الذين يَتَعَدَّون الحلال إلى الحرام.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قوله {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}. قال: من زنَى فهو عادٍ

(1)

.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ

(2)

يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)}.

يقول تعالى ذكره: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} التي ائتُمِنوا عليها، {وَعَهْدِهِمْ} وهو عقودهم التى عاقَدوا الناسَ، {رَاعُونَ}. يقولُ: حافظون لا يُضَيِّعون، ولكنهم يَفُون بذلك كلِّه.

واختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الأمصارِ إلا ابن كثيرٍ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} . على الجمع، وقرأ ذلك ابن كثير:(لأمانَتِهم). على الواحدة

(3)

.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {لِأَمَانَاتِهِمْ} ؛ لإجماع الحجة من القَرَأةِ عليها

(4)

.

وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} . يقولُ: والذين هم على أوقاتِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 5 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ص: "صلاتهم". وهى قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون كالمثبت هنا. السبعة لابن مجاهد ص 444.

(3)

وعلى الجمع قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق ص 444.

(4)

القراءتان متواترتان.

ص: 13

صلاتِهم

(1)

يحافظون فلا يُضَيَّعونها، ولا يَشْتَغِلُون عنها حتى تَفُوتَهم، ولكنهم يُراعُونها حتى يُؤَدُّوها فيها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق:{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} . قال: على وقتها

(2)

.

حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروقٍ:{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواتِهِمْ يُحَافِظُونَ} . قال: على ميقاتها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحمنِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: أخبرنا ابنُ زَحْرٍ، عن الأعمش، عن مسلمِ بنِ صُبَيْحٍ، قال:{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} . قال: إقام الصلاة لوقتها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلاتهم

(3)

دائمون.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} . قال: دائمون. قال: يَعْنِى بها المكتوبةَ.

(1)

في ت 1، ت 2:"صلواتهم".

(2)

تقدم تخريجه في 4/ 342.

(3)

في م: "صلواتهم".

ص: 14

وقوله: {أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} . يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتُهم في الدنيا، هم الوارثون يومَ القيامةِ منازل أهل النارِ من الجنة.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتَأَوَّله أهل التأويل.

ذكرُ الرواية بذلك

حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحدٍ إلا وله منزلان؛ مَنزِلٌ في الجنة، ومنزلٌ في النارِ، وإن مات فدخَل النارَ، وَرِثَ أهلُ الجنةِ مَنزِلَه، فذلك قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} "

(1)

.

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله:{أَوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} . قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم التى أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الأعمش، عن أبي هريرةَ:{أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} . قال: يَرِثُون مساكنهم ومساكن إخوانهم الذين أُعِدَّت لهم لو أطاعوا الله.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال:{الْوَارِثُونَ} {الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} [الأعراف: 43]{الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} [مريم: 63] هن سواءٌ.

(1)

أخرجه ابن ماجه (4341)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 5/ 459 - والبيهقي في الشعب (378)، والبعث (266) من طريق أبى معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 5، 6 إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر وابن مردويه.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 44 - ومن طريقه الحاكم 2/ 393، والبيهقى في البعث (268)، وعزاه=

ص: 15

قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: يَرِثُ الذى من أهل الجنة أهله وأهلَ غيره، ومنزلَ الذين من أهل النار، فهم

(1)

يَرِثُون أهل النار، فلهم مَنزِلان في الجنةِ وأَهْلان؛ وذلك أنه منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمنُ فيُبنَى منزله الذى في الجنة، ويُهْدَمُ منزله الذى في النارِ، وأما الكافرُ فيُهْدَمُ منزله الذى في الجنةِ، ويُبْنَى منزلُه الذي في النار.

قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن ليث بن أبى سُلَيْمٍ، عن مجاهدٍ أنه قال مثل ذلك

(2)

.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)} .

يقول تعالى ذكره: الذين يرثون البستانَ ذا الكَرْمِ. وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهدٌ يقولُ: هو بالرُّومية.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} قال: الفردوس بستانٌ بالرُّومية

(3)

.

قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: عَدْنٌ حديقةٌ في الجنة، قَصْرُها فيها عَدْنُها، خلَقها بيده، تُفْتَحُ كلَّ فجرٍ فيَنْظُرُ فيها، ثم يقولُ: قد أفلَح المؤمنون. قال: هى الفردوس أيضًا تلك الحديقةُ. قال مجاهدٌ: غرسها الله بيده، فلما بلغت قال: قد أفلح المؤمنونَ. ثم أمر بها تُغْلَقُ، فلم

(4)

يَنظُرْ فيها خَلْقٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ثم تُفْتَحُ كلَّ سَحَرٍ، فيَنْظُرُ فيها فيقولُ: قد أفلح المؤمنون. ثم تُغْلَقُ إلى مثلها

(5)

.

=السيوطي في الدر المنثور 5/ 5 إلى عبد بن حميد.

(1)

في م: "هم".

(2)

ذكره البغوى في تفسيره 5/ 411، وابن كثير في تفسيره 5/ 459.

(3)

تقدم تخريجه في 15/ 432.

(4)

في م، ت 2:"فلا".

(5)

تفسير مجاهد ص 484. وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (29) من طريق ليث، عن مجاهد بنحوه.

ص: 16

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: قُتِل حارثةُ بنُ سُراقة يومَ بدرٍ، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابنى من أهل الجنةِ لم أبْكِ عليه، وإن كان من أهل النارِ بالغْتُ في البكاءِ. قال: "يا أمَّ حارثةَ، إنها [جَنَّتان في جنةٍ]

(1)

، وإن ابنَكِ قد أصابَ الفِرْدَوْسَ الأعلى من الجنة".

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثله

(2)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، عن كعبٍ، قال: خلق الله بيدِه جنة الفردوس، غرسها بيده، ثم قال: تَكَلَّمِي. قالت: قد أفلح المؤمنون

(3)

.

قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن حُسامِ بنِ مِصَكٍّ، عن قتادة أيضًا مثلَه، غير أنه قال: تَكَلَّمِي. قالت: طُوبَى للمُتَّقين

(4)

.

قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي داود نُفَيْع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تَزَيَّني. فتَزَيَّنت، ثم قال لها: تَكَلَّمِي. فقالت: طُوبَى لمن رَضِيتَ عنه

(5)

.

(1)

في ت 2: "جنان في الجنة".

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 44. وتقدم موصولا في 15/ 436.

(3)

تقدم في ص 5.

(4)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (39) من طريق حجاج بن محمد به.

(5)

أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد (1524)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (38) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن سعد الطائى من قوله ولم يذكرا أبا داود نفيعًا.

ص: 17

وقوله: {هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} . يعنى: ماكثون فيها. يقولُ: هؤلاء الذين يَرِثون الفردوسَ {خَلِدُونَ} . يَعْنِي: ماكثون فيها أبدًا، لا يَتَحَوَّلون عنها.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طينٍ (12)} .

يقول تعالى ذكره: ولقد خَلَقْنا الإنسان من سُلالةٍ من طينٍ، أَسْلَلْناه منه. فالسلالةُ هى المُستَلَّةُ من كلِّ تربةٍ؛ ولذلك كان آدم خُلق من تربةٍ أُخِذَت من أدِيمِ الأرض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل؛ على اختلافٍ منهم في المعنيِّ بالإنسان في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عُنِى به آدم.

ذكر من قال ذلك

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{مِن طِينٍ} . قال: استُلَّ آدم من الطين

(1)

.

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله:{مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} . قال: استُل آدم من طينٍ، وخُلِقت ذريتُه من ماءٍ مَهِينٍ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدمَ -وهو الإنسانُ الذي ذُكر في هذا الموضعِ- {مِن سُلَالَةٍ} وهى النُّطْفَةُ التي استُلَّت من ظهرِ الفَحْلِ، {مِن طِينٍ} وهو آدم الذى خُلِق من طينٍ.

(1)

أخرجه ابن سعد 1/ 30 من طريق معمر به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 44.

ص: 18

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهال بن عمرٍو، عن أبي يحيى، عن ابن عباسٍ:{مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} . قال: صِفْوةِ الماءِ

(1)

.

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله:{مِن سُلَالَةٍ} : من مَنيِّ آدمَ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وأَوْلَى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالةِ آدمَ. وهى صفوة

(3)

مائه، وآدم هو الطينُ؛ لأنَّه خُلق منه.

وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} على أن ذلك كذلك؛ لأنَّه معلومٌ أنه لم يَصِرْ في قرارٍ مكينٍ إلا بعد خلقه في صُلبِ الفَحْلِ، ومن بعدِ تَحَوُّلِه من صُلبِه صار في قرارٍ مكينٍ. والعربُ تُسَمِّى ولدَ الرجل ونطفته سَلِيلَه وسُلَالَته؛ لأنهما مَسْلُولان منه. ومن السلالة قولُ بعضهم

(4)

:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

في م: "صفة".

(4)

هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ص 396.

ص: 19

فحَلَّتْ

(1)

به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرا

سُلالَةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِينِ

وقول الآخَرِ

(2)

:

وهل كنت إِلَّا مُهْرَةً عَرَبِيَّةً

سُلالَةَ أَفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلُ

فمن قال: سُلالةٌ. جَمَعها سُلالاتٍ، وربما جمَعوها سلائلَ، وليس بالكثيرِ؛ لأن السلائل جمعٌ للسليلِ، ومنه قولُ بعضهم:

إذا أُنْتِجَتْ منها المَهَارَى تَشابَهَتْ

على القَوْدِ

(3)

إلا بالأُنوفِ سَلائلُهْ

وقول الراجزِ

(4)

:

*يَقْذِفْنَ في أَسْلَائِها

(5)

بالسَّلائِلِ*

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} .

يعنى تعالى ذكره بقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} : ثم جعَلنا الإنسان الذى جعلناه من سلالة من طينٍ {نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} ، وهو حيثُ استَقَرَّت فيه نطفةُ الرجلِ من رحمِ المرأةِ. ووصفه بأنه مكينٌ؛ لأنَّه مُكِّن لذلك وهُيِّئ له، ليَسْتَقِرَّ فيه إلى بلوغ أمره الذى جعله له قرارًا.

(1)

في م: "حملت". ورواية الديوان: "فجاءت".

(2)

هي هند بنت النعمان بن بشير كما في مجاز القرآن 2/ 55، واللسان (س ل ل).

(3)

القود: الخيل أو جماعة من الخيل. التاج (ق و د).

(4)

مجاز القرآن 2/ 56، وهو شطر بيت من الطويل، وفيه خرم، وهو حذف أول متحرك من الوتد المجموع في أول البيت. الكافى في العروض والقوافي ص 27.

(5)

في م: "أسلابها". والأسلاء جمع سَلَا، وهى الجلدة الرقيقة التى يكون فيها الولد، ويكون ذلك للدواب والإبل، وهو من الناس المشيمة. ينظر اللسان (س ل ى).

ص: 20

وقولُه: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} . يقولُ: ثم صيَّرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقةً، وهى القطعة من الدم، {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً}. يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهى القطعة من اللحم.

وقولُه: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} . يقولُ: فجعلنا تلك المضغة اللحمَ عظامًا.

وقد اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قَرَأةِ الحجاز والعراق سوى عاصمٍ: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} على الجماع، وكان عاصم وعبد اللهِ بنُ عامرٍ يَقْرآن ذلك:(عَظْمًا) في الحرفين على التوحيد جميعا

(1)

.

والقراءة التي نختارُ في ذلك الجماع؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأَةِ عليه

(2)

.

وقوله: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} . يقولُ: فأَلْبَسنا العظام لحمًا.

وقد ذُكِر أن ذلك في قراءة عبدِ اللهِ: (ثُمَّ خَلَقْنَا

(3)

النُّطْفَةَ عَظْمًا وعَصَبًا فَكَسَوْناه لحمًا)

(4)

.

وقوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . يقولُ: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر.

وهذه الهاء التى في {أَنشَأْنَاهُ} عائدة على "الإنسانِ" في قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ} . وقد يَجوز أن تكونَ مِن ذكر "العظمِ" و "النطفةِ" و "المضغة" جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقيل: ثم أَنشَأنا ذلك خلقا آخر.

(1)

وقرأ حفص عن عاصم على الجماع كقراءة عامة القراء. ينظر حجة القراءات ص 484.

(2)

القراءتان متواترتان.

(3)

في معانى القرآن: "جعلنا".

(4)

معانى القرآن للفراء 2/ 3232.

ص: 21

واختلَف أهل التأويل في تأويل قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} ؛ فقال بعضُهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر نفخُه الروح فيه، فيَصِيرُ حينئذٍ إنسانًا، وكان قبلَ ذلك صورةً.

ذكر من قال ذلك

حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس في قوله:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: نفخ الروح فيه

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هُشَيْم، عن الحجاج بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس بمثله.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: الروحُ.

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمة في قوله:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: نفَخ فيه الروحَ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشار وابن المثنَّى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داودَ ابن أبي هند، عن الشَّعْبى:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: نفَخ فيه الروحَ

(3)

.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد بمثله

(4)

.

(1)

أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 14/ 89 من طريق هشيم به. وبحشل في تاريخ واسط ص 228 من طريق حجاج به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

ذكره البغوى في تفسيره 5/ 412، وابن كثير في تفسيره 5/ 461.

(4)

تفسير سفيان ص 216 عن ليث، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى عبد بن حميد.

ص: 22

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: نفَخ فيه الروحَ، فهو الخلقُ الآخرُ الذى ذكَر

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا} . يعنى: الروحَ نفخ

(2)

فيه بعد الخلق

(3)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: الروح الذي جعله فيه

(4)

.

وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولةِ، والكُهولةِ، والاغتذاء، ونباتِ الشَّعَرِ والسِّنِّ، ونحوِ ذلك من أحوالِ الأحياء في الدنيا.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالقِينَ} . يقولُ: خرَج من بطنِ أمِّه بعدما خُلق، فكان من بَدْءِ خلقِهِ الآخَرِ أن استَهَلَّ، ثم كان من خلقِه أن دُلّ على ثدي أمِّه، ثم كان من خلقه أن عَلم كيف يَبْسُطُ رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشَى، إلى أن فُطِم، فعلم كيف

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

في م: "تنفخ".

(3)

ذكره البغوى تفسيره 5/ 412، وابن كثير في تفسيره 5/ 461.

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 12/ 109، وابن كثير في تفسيره 5/ 461.

ص: 23

يَشْرَبُ ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحُلُمَ، إلى أن بلغ أن يَتَقَلَّبَ في البلاد

(1)

.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: يقولُ بعضُهم: هو نباتُ الشَّعَرِ. وبعضُهم يقولُ: هو نفخ الروحِ.

حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: يقالُ: الخلقُ الآخرُ بعدَ خروجه من بطن أمِّه بسِنِّه وشَعَرِه

(3)

.

وقال آخرون: بل عَنَى بإنشائه خلقًا آخرَ: سَوَّى شبابه.

ذكرُ من قال ذلك.

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد قولَه:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} . قال: حين استوَى شبابُه

(4)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهد: حين استوَى به الشبابُ.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: عنى بذلك نفخَ الروحِ فيه.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى المصنف.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 44. وأخرجه ابن سعد 1/ 30 من طريق معمر به.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 12/ 110، وابن كثير في تفسيره 5/ 461.

(4)

تفسير مجاهد ص 484، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 24

وذلك أنه بنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ خلقًا آخرَ إنسانًا، وكان قبل ذلك بالأحوالِ التي وصَفه الله أنه كان بها؛ من نطفةٍ، وعلقة، ومضغة، وعظم، وبنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ عن تلك المعانى كلها إلى معنى الإنسانية، كما تَحوَّل أبوه

(1)

آدم بنفخ الروح في الطينة التي خُلق منها؛ إنسانًا وخلقا آخرَ غير الطين الذى خُلق منه.

وقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فتبارك الله أحسنُ الصانعين.

ذكر من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ليث، عن مجاهد:{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . قال: يَصْنَعون ويَصْنَعُ الله، والله خيرُ الصانعين

(2)

.

وقال آخرون: إنما قيل: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ؛ لأن عيسى ابن مريمَ كان يَخْلُقُ، فأخبَر جلَّ ثناؤُه عن نفسه أنه يَخْلُقُ أَحسَنَ مما كان يَخْلُقُ.

ذكر من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جُرَيج في قوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . قال: عيسى ابن مريمَ يَخْلُقُ

(2)

.

وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تُسمِّى كلَّ صانعٍ خالقًا. ومنه قولُ زُهَيْرٍ

(3)

:

(1)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 7 إلى المصنف.

(3)

شرح ديوان زهير ص 94.

ص: 25

ولَأَنت تَفْرِى مَا خَلَقْتَ وبعـ

ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى

(1)

ويُرْوَى:

ولَأَنتَ تَخْلُقُ مَا فَرَيْتَ وبعـ

ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} .

يقولُ تعالى ذكره: ثم إنكم أيُّها الناسُ من بعد إنشائناكم خلقا آخر، وتَصْيِيرِناكم إنسانًا سويًّا، ميِّتون وعائدون ترابًا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعَوْدِكم رُفاتًا باليا مبعوثون من التراب خلقًا جديدًا، كما بدأناكم أوَّل مرة.

وإنما قيل: {ثُمَّ إِنَّكُم بَعدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} ؛ لأنَّه خبرٌ عن حالٍ لهم يَحْدُثُ لم يَكُنْ. يكن. وكذلك تقولُ العرب لمن لم يمُتْ: هو مائِتٌ وميِّتٌ عن قليلٍ. ولا يقولون لمن قد مات: مائتٌ. وكذلك: هو طَمِعٌ فيما عندك. إذا وُصف بالطمع، فإذا أُخبر عنه أنه سيفعَلُ ولم يفعل، قيل: هو طامعٌ فيما عندك غدًا. وكذلك ذلك في كلِّ ما كان نظيرًا لما ذكرنا.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)} .

يقول تعالى ذكره: ولقد خلَقْنا فوقكم أيها الناسُ سبع سماوات، بعضُهن فوقَ بعضٍ. والعرب تُسَمِّى كُلَّ شيءٍ فوقَ شيءٍ طَريقةً، وإنما قيل للسماواتِ السبعِ: سبع طرائق. لأن بعضهن فوق بعض، فكلُّ سماءٍ منهن طَرِيقةٌ.

(1)

فرى الشيء: شقه. وخلَق الأديم: قدَّره لما يريد قبل القطع وقاسه ليقطع منه قربة أو خُفًّا. ومعنى البيت: تنفذ ما تعزم عليه وتُقَدِّره. وهو مَثَل. اللسان. (خ ل ق، ف ر ي).

ص: 26

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ الله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} . قال: الطَّرائق السماوات

(1)

.

وقوله: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} . يقول: وما كنا في خَلْقِنا السماواتِ السبعَ فوقكم عن خَلْقِنا الذى تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تَسْقُطَ عليهم فتهلكهم.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18)} .

يقول تعالى ذكره: وأَنزَلْنا من السماء ما في الأرض من ماء، فأسكناه فيها.

كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ:{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} : ماءً هو من السماء.

وقولُه: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} . يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكنَّاه في الأرضِ لقادِرون أن نَذهَبَ به، فتَهْلِكُوا أَيُّها الناسُ عَطَشًا، وتَخْرَبَ أرَضُوكم، فلا تُنبت زرعًا ولا غَرْسًا، وتَهْلِكَ مَواشِيكم. يقولُ: فمن نعمتى عليكم تَركي ذلك لكم في الأرض جاريًا.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)} .

يقول تعالى ذكره: فأَحْدَثْنا لكم بالماء الذى أنزلناه من السماء بساتين من نخيلٍ

(1)

ذكره الحافظ في الفتح 8/ 445 وعزاه إلى المصنف.

ص: 27

وأعناب، {لَّكُم فِيهَا}. يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة، {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}. يقول: ومن الفواكه تأكلون. وقد يجوز أن تكون الهاء والألفُ مِن ذكرِ "الجناتِ"، ويَحتَمِلُ أن تكون من ذكر "النخيل" و "الأعنابِ".

وخَصَّ جل ثناؤه الجناتِ التي ذكرها في هذا الموضعِ، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دونَ وصفها بسائرِ ثمار الأرضِ؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما عُظْمَ

(1)

ثمار الحجاز وما قَرُبَ منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذَكَّرَ القومَ بما يَعْرِفون مِن نِعمه عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)} .

يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضًا شجرةً تَخْرُجُ من طُورِ سَيْناءَ.

و {شَجَرَةً} منصوبةٌ عطفا على "الجناتِ"، ويعنى بها شجرة الزيتون.

وقوله: {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ} . يقولُ: تَخْرُجُ من جبلٍ يُنْبِتُ الأشجارَ.

وقد بيَّنتُ معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهده، واختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع

(2)

.

وأما قولُه: {سَيْنَاءَ} . فإن القَرَأةَ اختَلَفت في قراءته؛ فقَرَأتْه عامة قرَأةِ المدينة والبصرة: (سِيناءَ). بكسر السين. وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفة: {سَيْنَاءَ} . بفتح السين، وهما جميعًا مُجمعون على مدِّها

(3)

.

(1)

في م، ت 1:"أعظم". وعُظْم الشيء: معظمه وأكثره. اللسان (ع ظ م).

(2)

تقدم في 2/ 48 - 51.

(3)

قرأ المدنيان وابن كثير وأبو عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر النشر 2/ 246.

ص: 28

والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرأ القارى فمصيبٌ.

واختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: المبارَك. كأن معنى الكلامِ عنده: وشجرةً تَخْرُجُ من جبلٍ مباركٍ.

ذكر من قال ذلك

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهد في قوله:{طُورِ سَيْنَاءَ} . قال: المبارَكُ

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ} . قال: هو جبلٌ بالشامِ مباركٌ

(2)

.

وقال آخرون: معناه: حسنٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ في قوله:

(1)

تفسير مجاهد ص 485. ومن طريقه الفريابي -كما في تغليق التعليق 4/ 373.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في فتح البارى 8/ 713، والحاكم في 2/ 528 من طريقين آخرين عن ابن عباس.

ص: 29

{طُورِ سَيْنَاءَ} . قال: جبلٌ حسنٌ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أَخبرنا عُبَيْدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {مِن طُورِ سَيْنَاءَ} . الطور: الجبل بالنبطية، وسيناءُ: حسنةٌ بالنَّبَطيةِ

(2)

.

وقال آخرون: هو اسم جبل معروف.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله:{مِن طُورِ سَيْنَاءَ} . قال: الجبل الذي نُودِى منه موسى صلى الله عليه وسلم

(3)

.

حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {طُورِ سَيْنَاءَ} . قال: هو جبل الطور الذى بالشامِ، جبل بيت

(4)

المقدس. قال: ممدودٌ هو بينَ مصرَ وبين أَيْلَةَ

(5)

.

وقال آخرون: معناه أنه جبلٌ ذو شجرٍ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 45 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(3)

تقدم تخريجه في 2/ 50.

(4)

في م: "ببيت".

(5)

ذكره البغوى في تفسيره 5/ 414.

ص: 30

ذكر من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عمن قاله

(1)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن سيناءَ اسمٌ أُضِيف إليه الطُّورُ، يُعْرَفُ به، كما قيل: جَبَلا طَيِّئ. فأُضِيفا إلى طَيِّئٍ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبلٌ مبارَكٌ. أو كما قال من قال: معناه: حسنٌ. لكان الطور منوَّنًا، وكان قوله:{سَيْنَاءَ} من نَعْتِه. على أن سيناء بمعنى مباركٍ وحسنٍ غير معروف في كلام العرب، فيُجْعَل ذلك من نعتِ الجبلِ. ولكنَّ القول في ذلك -إن شاء الله- كما قال ابن عباسٍ، من أنه جبلٌ عُرِف بذلك، وأنَّه الجبل الذي نُودِى منه موسى صلى الله عليه وسلم، وهو مع ذلك مباركٌ، لا

(2)

أن معنى سيناء معنى مباركٍ.

وقوله: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: {تَنْبُتُ} ؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: {تَنبُتُ} بفتح التاء

(3)

، بمعنى: تَنْبُتُ هذه الشجرة بثمرِ الدُّهْنِ.

وقرأه بعضُ قَرَأةِ البَصْرةِ: (تُنْبِتُ بالدُّهنِ) بضمِّ التاء

(4)

، بمعنى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ؛ تُخْرِجُه. وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ)

(5)

. وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدةٌ، كما قيل: أَخَذْتُ ثوبَه، وأَخَذتُ بثوبِه. وكما قال الراجز

(6)

:

(1)

أخرجه عبد الرزاق 2/ 45 عن معمر عن الكلبي.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"إلا".

(3)

وهي قراءة نافع وعاصم وابن عمر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 484.

(4)

وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق.

(5)

مختصر الشواذ لابن خالويه ص 99. وفيه: (يخرج) بالياء.

(6)

هو النابغة الجعدى، والرجز في شرح ديوانه ص 215، 216.

ص: 31

نحن بنو جَعْدَةَ أربابُ الفَلَجْ

(1)

نَضْرِبُ بالبِيضِ

(2)

ونَرْجُو بالفَرَجْ

بمعنى: ونَرْجُو الفرجَ.

والقولُ عندى في ذلك أنهما لغتان: نبَت وأَنْبَت. ومِن "أَنْبَت" قولُ زُهَيرٍ

(3)

:

رأيتَ ذَوِى الحاجاتِ حولَ بُيُوتِهِمْ

قَطِينًا

(4)

لهم حتى إذا أنْبَتَ البَقْلُ

ويُرْوَى: نَبَتَ. وهو كقوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} . و: (فاسْرِ)[هود: 81]. غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التى لا أختارُ غيرَها في ذلك، قراءةُ من قرأ:{تَنبُتُ} بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها. ومعنى ذلك: تَنْبُتُ هذه الشجرةُ بثمر الدُّهْنِ.

كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} . قال: تُثْمِرُ

(5)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهد مثله.

(1)

الفلج: موضع لبنى جعدة من قيس بنجد، وهو في أعلى بلاد قيس. معجم ما استعجم 3/ 1029.

(2)

البيض: جمع أبيض، وهو السيف. اللسان (ب ى ض).

(3)

شرح ديوان زهير ص 111.

(4)

القطين: أهل الرجل وحَشَمُه. والقطين: الساكن النازل في الدار. يقول: يلزمونهم فيسمنون عندهم. شرح الديوان ص 111.

(5)

في ص، ت 2، ف:"بثمر"، وفى م:"بثمره".

والأثر في تفسير مجاهد ص 485. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 32

والدُّهنُ الذى هو من ثمره الزيتُ.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ عباس قوله:{تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} . يقولُ: هو الزيتُ يُؤكلُ ويُدَّهَنُ به

(1)

.

وقولُه: {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} . يقولُ: تَنْبُتُ بالدُّهْنِ وبصِبْغٍ للآكِلين، يُصْطَبَعُ بالزيت الذى يأكلونه.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} . قال: هذه

(2)

الزيتونُ صِبْغٌ للآكلين، يَأْتَدمون به، ويَصْطبِغون به

(3)

.

قال أبو جعفر: فـ "الصِّبْغُ" عطفٌ على "الدُّهْنِ".

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)} .

يقول تعالى ذكره: {وَإِنَّ لَكُمْ} أيها الناسُ {فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} تَعْتَبِرُون بها، فتَعْرِفون بها أَيادِىَ الله عندكم، وقدرته على ما يشاءُ، وأنَّه الذى لا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ أَراده، ولا يُعْجِرُه شيءٌ شاءه، {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا} من اللبنِ الخارجِ من بينِ الفَرْثِ والدم، {وَلَكُمْ} مع ذلك {فِيهَا}. يَعنى: في الأنعام، {مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} . وذلك كالإبل التي يُحْمَلُ عليها، ويُرْكَبُ ظهرُها، ويُشْرَبُ دَرُّها، {وَمِنهَا تَأْكُلُونَ} . يعنى من لحومها تأكلون.

وقوله: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} . يقولُ: وعلى الأنعامِ وعلى السفنِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

في م: "هذا".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 33

تُحْمَلون؛ على هذه في البر، وعلى هذه في البحرِ.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)} .

يقول تعالى ذكره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ؛ داعيَهم إلى طاعتِنا وتوحيدِنا، والبراءة من كلِّ معبود سوانا، {فَقَالَ} لهم نوحٌ:{يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} . يقولُ: قال لهم: ذِلُّوا يا قوم لله بالطاعةِ، {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}. يقولُ: ما لكم من معبود يجوزُ لكم أن تعبدوه غيرُه، {أَفَلَا تَتَّقُونَ}. يقولُ: أفلا تخشَوْن بعبادتكم غيره عقابَه أن يَحِلَّ بكم.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)} .

يقولُ تعالى ذكره: فقالت جماعةُ أشرافِ قوم نوح الذين جحدوا توحيد الله وكذَّبوه، لقومهم: ما نوحٌ أيها القومُ إلا بشرٌ مثلكم، إنما هو إنسانٌ مثلكم، وكبعضِكم، {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ}. يقولُ: يريد أن يَصير له الفضلُ عليكم، فيكون متبوعًا وأنتم له تبعٌ، {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً}. [يقولُ: ولو شاء الله ألا نعبد شيئًا سواه، {لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً}. يقولُ: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوحٌ ملائكةً]

(1)

تؤدِّى إليكم رسالته.

وقولُه: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا [فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} . يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الملأِ من قومِ نوحٍ: ما سَمِعْنا بهذا]

(2)

الذى يدعونا إليه نوحٌ مِن أنه لا إلهَ لنا

(1)

سقط من: ت 1.

(2)

سقط من: م.

ص: 34

غيرُ اللهِ في القرونِ الماضيةِ، وهى آباؤهم الأوّلون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)} .

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه

(1)

مخبرًا عن قِيلِ الملإِ الذين كفَروا من قومِ نوحٍ: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} : ما نوحٌ إلَّا رجلٌ به جنونٌ. وقد يقالُ أيضًا للجنِّ: جِنَّةٌ. فيتفقُ الاسمُ والمصدرُ.

و {هُوَ} من قولِه: {إِنْ هُوَ} كنايةُ اسمِ نوحٍ.

وقولُه: {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} يقولُ: فتَلَبَّثُوا به وتَنظَّرُوا به، {حَتَّى حِينٍ}. يقولُ: إلى وقتٍ ما. ولم يَعْنُوا بذلك وقتًا معلومًا، إنما هو كقولِ القائلِ: دعْه إلى يومٍ ما، أو: إلى وقتٍ ما.

وقولُه: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} . يقولُ: قال نوحٌ داعيًا ربَّه، مستنصِرًا به على قومِه، لما طال أمرُه وأمرُهم، وتمادَوا في غيِّهم:{رَبِّ انْصُرْنِي} على قومى {بِمَا كَذَّبُونِ} . يعنى: بتكذيبِهم إيايَ فيما أبلَغتُهم من رسالتِك، ودعوتُهم إليه من توحيدِك.

وقولُه: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} . يقولُ: فقلنا له حين استنصَرَنَا على كَفَرِة قومِه: {اصْنَعِ الْفُلْكَ} ، وهي السفينةُ، {بِأَعْيُنِنَا}. يقولُ: بمرْأًى منا ومنظرٍ، {وَوَحْيِنَا}. يقولُ: وبتعليمِنا إياك صَنَعْتَها، {فَإِذَا

(1)

سقط من: م، ت 2.

ص: 35

جَاءَ أَمْرُنَا}. يقولُ: فإذا جاء قضاؤنا في قومِك، بعذابِهم وهلاكِهم، {وَفَارَ التَّنُّورُ} -وقد ذكَرنا فيما مضَى اختلافَ المختلفِين فى صفةِ فور التنورِ، والصوابَ عندنا من القول فيه بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ

(1)

- {فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} . يقولُ: فأدخِلْ في الفلكِ واحمِلْ. والهاءُ والألفُ في قولِه: {فِيهَا} . من ذكرِ الفلكِ، {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} .

يقالُ: سَلكْتُه فى كذا وأسلكتُه فيه. ومن "سلكتُه" قولُ الشاعرِ

(2)

:

وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ

وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ

وبعضُهم يقولُ: أسلكتُ. بالألفِ، ومنه قولُ الهُذَليِّ

(3)

:

حتى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ

شَلًّا كمَا تَطْرُدُ

(4)

الجَمَّالَةُ

(5)

الشُّرُدَا

(6)

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ

(7)

ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} . يقولُ لنوحٍ: اجعلْ في السفينةِ مِن كلٍّ زوجين اثنين

(8)

.

(1)

ينظر ما تقدم في 12/ 401 - 407.

(2)

تقدم في 12/ 497.

(3)

تقدم في 1/ 467.

(4)

فى ت 1: "يطرد"، ت 2:"يطر".

(5)

فى ص، ت 1، ت 2، ف:"الحمالة".

(6)

في ت 1: "السردا"، ت 2:"السرفا".

(7)

سقط من: م.

(8)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 8 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 36

{وَأَهْلَكَ} . وهم ولدُه ونساؤه

(1)

، {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} من اللهِ بأنه هالكٌ فى من يَهْلِكُ من قومِك فلا تَحمِلْه معك، وهو يامٌ الذى غرِق.

ويعنى بقولِه: {مِنْهُمْ} : من أهلِك.

والهاءُ والميمُ في قولِه: {مِنْهُمْ} من ذكرِ الأهلِ.

وقولُه: {وَلَا تُخَاطِبْنِي} الآية. يقولُ: ولا تسأَلْني في الذين كفروا باللهِ أن أُنجيَهم، {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}. يقولُ: فإني قد حَتَمتُ عليهم أن أُغرِقَ جميعَهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)} .

يعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} : فإذا اعتدَلتَ في السفينةِ أنت ومن معك، ممن حملتَه معك من أهلِك؛ راكبًا فيها، عاليًا

(2)

فوقَها، {فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. يعنى: من المشركين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه نوحٍ عليه السلام: وقل إذا سلَّمك اللهُ وأخرجَك من الفلكِ، فنزلتَ عنها:{رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا} [من الأرضِ]

(3)

، {مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} . [وأنت خيرُ]

(4)

من أنزَل عبادَه المنازلَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في م: "نساؤهم".

(2)

فى ص: "غالبا".

(3)

سقط من: ت 1، ف.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3، ف.

ص: 37

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه:{مُنْزَلًا مُبَارَكًا} . قال: لنوحٍ حينَ نزَلَ من السفينةِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ

(2)

قرأةِ الأمصارِ: {رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا} بضمِّ الميمِ وفتحِ الزايِ، بمعنى: أنزلْنى إنزالًا مباركًا. وقرَأهُ عاصمٌ: (مَنْزِلًا) بفتحِ الميمِ وكسرِ الزايِ

(3)

، بمعنى: أنزلْنى مكانًا مباركًا وموضعًا.

وقولُه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ فيما فعلنا بقومِ نوحٍ يا محمدُ؛ من إهلاكِناهم إذ كذَّبوا رسولَنا

(4)

، وجحَدوا وحدانيتَنا، وعبَدوا الآلهةَ والأصنامَ - لعبرًا لقومك من مشركي قريشٍ، وعظاتٍ وحُجَجًا لنا عليهم

(5)

؛ يَستدِلُّون بها على سنتِنا في أمثالِهم، فينزَجروا عن كفرِهم، ويرتدِعوا عن تكذيبِك؛ حذرًا

(6)

أَنْ يصيبَهم مثلُ الذى أصابَهم من العذابِ.

(1)

تفسير مجاهد ص 485، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 8 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

وهى قراءة عاصم في رواية أبى بكر. حجة القراءات ص 486.

(4)

في ص، م، ت 2، ف:"رسلنا".

(5)

سقط من: م.

(6)

في ت 1، ف:"حذارًا"، ت 2:"حذرًا من".

ص: 38

وقولُه: {وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: وكنا مختبِريهم بتذكيرِنا إياهم بآياتِنا؛ لينظُروا

(1)

ما هم عاملون قبلَ نزولِ عقوبتِنا بهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثْنا من بعدِ مَهْلِكِ

(2)

قومِ نوحٍ، قرنًا آخرين، فأوجدناهم.

{فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} ؛ داعيًا لهم، {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} يا قومِ، وأطيعوه دونَ الآلهةِ والأصنامِ؛ فإنَّ العبادةَ لا تنبغى إِلَّا له، {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}. يقولُ: ما لكم من معبودٍ يصلُحُ أنْ تعبُدوه

(3)

سِواه، {أَفَلَا تَتَّقُونَ}: أفلا تخافون عقابَ اللهِ، بعبادتِكم شيئًا دونَه، وهو الإلهُ الذى لا إلهَ لكم سِواه؟

‌القول في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: وقالتِ الأشرافُ من قومِ الرسولِ الذى أرسَلْناه

(4)

بعدَ نوحٍ. وعَنَى بالرسولِ فى هذا الموضعِ صالحًا، وبقومِه ثمودَ، {الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ}. يقولُ: الذين جحَدوا توحيدَ اللهِ، {وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ}. يعني: كذَّبوا بلقاءِ اللهِ في الآخرةِ.

وقولُه: {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . يقولُ: ونعَّمناهم في حياتِهم الدنيا،

(1)

فى م: "لننظر".

(2)

في ت 1: "إهلاك".

(3)

في م: "تعبدوا".

(4)

في ص، م، ت 2، ف:"أرسلنا".

ص: 39

بما وسَّعنا عليهم من المعاشِ، وبسطنا لهم من الرزقِ، حتى بَطِروا وعَتَوْا على

(1)

ربِّهم وكفَروا، ومنه قولُ الراجزِ

(2)

.

وقَدْ

(3)

أُرَانى

(4)

بالدّيارِ مُتْرَفا

(5)

وقولُه: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} . يقولُ: قالوا: بعَثَ اللهُ [صالحًا إلينا]

(6)

رسولًا من بينِنا، وخصَّه بالرسالةِ دونَنا، وهو إنسانٌ مثلُنا؛ يأكلُ مما نأكلُ منه من الطعامِ، ويشربُ مما نشربُ، وكيف لم يرسِلْ ملكًا من عندِه يبلِّغُنا رسالتَه؟

قال: {وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ

(7)

}. معناه: مما تشربون

(7)

منه. فحُذف من الكلامِ {مِنْهُ} ؛ لأنَّ معنى الكلامِ: ويشربُ من شرابِكم، وذلك أنَّ العربَ تقولُ: شرِبتُ من شرابِك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه مخبِرًا عن قيلِ الملإِ من قومِ صالحٍ لقومِهم: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ

(8)

} فَاتَّبعتموه، وقبِلتم ما يقولُ وصدَّقتموه، {إِنَّكُمْ} أيها القومُ،

(1)

في ت 2: "عن".

(2)

هو العجاج، والرجز في ديوانه ص 490.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"لقد".

(4)

في ت 1، ف:"رآني".

(5)

فى ت 2: "متزها".

(6)

في ت 1: "إلينا صالحًا".

(7)

في ت 2: "يشربون".

(8)

سقط من: ت 2.

ص: 40

{إِذًا لَخَاسِرُونَ} . يقولُ: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظَكم من الشرفِ والرفعةِ في الدنيا؛ باتباعِكم إياه.

قولُه: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا} الآية. يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا لهم: أيعدُكم صالحٌ {أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا} في قبورِكم، {وَعِظَامًا} قد ذهَبت لحومُ أجسادِكم، وتفتَّتت

(1)

عظامُها، {أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} من قبورِكم أحياءً، كما كنتم قبلَ مماتِكم؟

وأُعيدَت {أَنَّكُمْ} مرّتين -والمعنى: أيعدُكم

(2)

أنكم إذا مِتُّم وكنتم ترابًا وعظامًا، مخرجون. مرّةً واحدةً- لمّا فرّق بين {أَنَّكُمْ} الأولى، وبينَ خبرِها

(3)

بـ {إِذَا} ، وكذلك تفعلُ العربُ بكلِّ اسمٍ أوقَعت عليه الظنَّ وأخواتِه، ثم اعترَضَت بالجزاءِ دونَ خبرِه، فتُكرِّرُ اسمَه مرّةً، وتحذِفُه أُخرى، فتقولُ: أَظنُّ أَنكَ إِنْ جالسْتَنا أنك محسنٌ. فإنْ حذَفْت "أنك" الأولى أو الثانيةَ صَلَحَ، وإِنْ ثبَتا

(4)

صَلَحَ، وإن لم يُعترَضْ بينَهما بشيءٍ لم يَجُزْ. خطأٌ أن يقالَ: أظنُّ أنك

(5)

جالسٌ. وذُكِرَ أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (أَيَعِدُكم إِذَا مِتُّم وكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُخْرَجُونَ)

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)} .

(1)

في ص، م، ت 1، ف:"بقيت".

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

في ت 1: "جرها".

(4)

في م: "أثبتهما".

(5)

في ت 2: "أن".

(6)

ينظر البحر المحيط 6/ 404.

ص: 41

وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن قولِ الملإِ من ثمودَ، أَنَّهم قالوا: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ

(1)

}. أى: بعيدٌ ما توعَدون أيها القومُ، من أنكم بعدَ موتِكم ومصيرِكم ترابًا وعظامًا، مخرجون أحياءً من قبورِكم. يقولون: ذلك غيرُ كائنٍ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} . يقولُ: بعيدٌ بعيدٌ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه:{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} . قال: يعنى البعثَ

(3)

.

والعربُ تُدخِلُ اللامَ معَ "هيهاتَ" فى الاسمِ الذى يصحبُها، وتنزِعُها منه، تقولُ: هيهاتَ لك هيهات (1)، وهيهاتَ ما ينبغى

(4)

هيهاتَ

(5)

. وإذا أسقَطتَ اللامَ رفَعت الاسم بمعنى هيهاتَ، كأنه قال: بعيدٌ ما ينبغي لك. كما قال جريرٌ

(6)

:

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في التغليق 4/ 263 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى ابن المنذر.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 45، وأخرجه عبد بن حميد -كما في الفتح 8/ 445 - من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

فى م، ت 2:"تبتغى".

(5)

سقط من: ت 1.

(6)

ديوانه 2/ 965.

ص: 42

[فأيْهاتَ أَيْهَاتَ]

(1)

العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ

وأيْهاتَ

(2)

وصلٌ

(3)

بالعَقِيقِ تُوَاصِلُه

(4)

كأنه قال: العقيقُ وأهلُه.

وإنما أُدخلت اللامُ مع "هيهاتَ" فى الاسمِ؛ لأنهم قالوا: هيهاتَ

(5)

أداةٌ غيرُ مأخوذَةٍ

(6)

من فعلٍ. [فأدخلوا معها]

(7)

في الاسمِ اللامَ، كما أدخَلوها معَ "هلُمَّ لك"، إذ لم تكنْ مأخوذةً من فعلٍ، فإذا قالوا: أَقْبلْ. لم يقولوا: لك. لاحتمالِ الفعلِ ضميرَ الاسمِ.

واختَلفَ أهلُ العربيةِ فى كيفية الوقفِ على هيهاتَ؛ فكان الكسائيُّ يختارُ الوقوفَ فيها بالهاءِ؛ لأنها منصوبةٌ، وكان الفرّاءُ

(8)

يختارُ الوقوفَ عليها بالتاءِ، ويقولُ: من العربِ من يخفضُ التاءَ، فدلَّ على أنها ليست بهاءِ التأنيثِ، فصارت بمنزلةِ: دَرَاكِ ونَظَارِ. وأما نصبُ التاءِ فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلةِ خمسةَ عشَرَ. وكان الفراءُ

(8)

يقولُ: إنْ قيلَ: إنَّ كلَّ واحدةٍ مستغنيةٌ بنفسِها يجوزُ الوقوفُ عليها، وإنَّ نصبها كنصبِ قولِه: ثُمَّتَ جلستُ، وبمنزلةِ قولِ الشاعرِ

(9)

:

ماوِيَّ

(10)

يَا رُبَّتَما

(11)

غارةٍ

شَعْوَاءَ

(12)

كاللَّذْعَةِ بالمِيسَمِ

(1)

فى م، ت 2:"فهيهات هيهات".

(2)

فى م، ت 2:"هيهات".

(3)

فى م: "خل".

(4)

في م: "نواصله".

(5)

في ص، ت 1، ف:"هيهاه".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"مأخوذ".

(7)

فى ت 1: "فأدخلوا هاء"، ف:"فأدخلوها".

(8)

معاني القرآن 2/ 236.

(9)

هو ضمرة النهشلى، والبيت في نوادر أبي زيد ص 55، واللسان (ر ب ب، هـ ى هـ، ش ع و)، والخزانة 9/ 384، 11/ 196.

(10)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

(11)

في ت 2: "ريث ما".

(12)

فى ص، ت 1، ت 2، ف:"شعرا".

ص: 43

قال: فنصْبُ "هيهاتَ" بمنزلةِ هذه الهاءِ التى في "رُبت"؛ لأنها دخَلت على حرفٍ؛ على "رُبَّ"، وعلى "ثم"، وكانا أداتين، فلم تغيِّرْهما عن أداتِهما فنُصِبا.

واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الأمصارِ غير أبي جعفرٍ: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} بفتحِ التاءِ فيهما. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (هيهاتِ هيهاتِ) بكسر التاءِ فيهما

(1)

. والفتحُ فيهما هو القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.

وقولُه: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} . يقولُ: ما حياةٌ إلا حياتُنا الدنيا التي نحن فيها {نَمُوتُ وَنَحْيَا} . يقولُ: تموتُ الأحياءُ منا فلا تحيا، ويَحدُثُ آخرون منا فيولدون أحياءً، {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}. يقولُ: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعدَ المماتِ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}

(2)

. قال: يقولُ: ليس آخرةٌ ولا بعثٌ؛ يكفرون بالبعثِ، [يقولون: إنما هى حياتُنا هذه، ثم نموتُ ولا نحيا؛ يموتُ هؤلاء ويحيا هؤلاء]

(3)

. يقولون: إنما الناسُ كالزرعِ، يُحصدُ هذا ويَنبُتُ هذا. يقولون: يموتُ هؤلاء ويأتى آخرون. وقرأ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] وقرأ: {لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}

(4)

[سبأ: 3].

(1)

النشر 2/ 246.

(2)

بعد فى ت 1: "بعد الممات".

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"لتبعثن".

ص: 44

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا: ما صالحٌ إلَّا رجلٌ اختَلقَ على اللهِ كذبًا في قولِه: ما لكم من إلهٍ [غيرُ اللهِ]

(1)

. وفى وعدِه إياكم {أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} .

وقولُه: {هُوَ} من ذِكرِ الرسولِ، وهو صالحٌ، {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ}. يقولُ: وما نحن له بمصدِّقين فيما يقولُ أنه لا إلهَ لنا غيرُ اللهِ، وفيما يعدُنا من البعثِ بعد المماتِ.

وقولُه: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} . يقولُ: قال صالحٌ لما أيِسَ من إيمانِ قومِه باللهِ، ومن تصديقِهم إياه بقولِهم:{وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} : رَبِّ انصُرْني على هؤلاء {بِمَا كَذَّبُونِ} .

يقولُ: بتكذيبِهم إياى فيما دعوتُهم إليه من الحقِّ. فاستغاثَ صلواتُ اللهِ عليه بربِّه من أذاهم إياه، وتكذيبِهم له، فقال اللهُ له مجيبًا في مسألتِه إياه ما سأل: عن قليلٍ يا صالحُ ليُصبِحَنّ مكذِّبوك من قومِك على تكذيبِهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزِلُ بهم نقمتُنا فلا ينفَعُهم الندمُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: فانتقَمنا منهم، فأرسَلْنا عليهم الصيحةَ، فأخَذَتهم بالحقِّ. وذلك أنَّ الله عاقَبهم باستحقاقِهم العقابَ منه؛ بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولَه،

(1)

في ت 2: "غيره".

ص: 45

{فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} . يقولُ: فصيَّرناهم بمنزلةِ الغُثاءِ، وهو ما ارتفَعَ على السيلِ ونحوِه، كما لا يُنتفعُ به في شيءٍ، فإنما هذا مثَلٌ. والمعنى: فأهلَكناهم فجعَلناهم

(1)

كالشيءِ الذى لا منفعةَ فيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} . يقولُ: جُعِلوا كالشيءِ الميتِ البالى من الشجرِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{غُثَاءً} : كالرميمِ الهامدِ الذى يَحتملُ السيلَ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ

(4)

: {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} . قال: كالرميمِ الهامدِ الذي يَحتملُ السيلَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} ، قال: هو الشيءُ البالي.

(1)

بعده في ت 2: "غثاء يقول".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى المصنف.

(3)

تفسير مجاهد ص 485، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

(4)

بعده فى ت 1: "عن مجاهد".

ص: 46

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} . قال: هذا مثَلٌ ضَرَبه اللهُ

(2)

.

وقولُه: {فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} . يقولُ: فأبعَد اللهُ القومَ الكافرين بهلاكِهم؛ إذ كفروا بربِّهم، وعَصَوا رسلَه، وظلَموا أنفسَهم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولئك ثمودُ. يعنى قولَه: {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثنا من بعدِ هلاكِ ثمودَ قومًا آخرين.

وقولُه: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} . يقولُ: ما يتقدَّمُ هلاكُ أمةٍ من تلك الأممِ التي أنشأناها بعدَ ثمودَ، قبلَ الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، ولا يستأخِرُ هلاكُها عن الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، والوقتِ الذى وقَّتْنا لفنائِها، ولكنها تهلِكُ لمجيئه. وهذا وعيدٌ من اللهِ لمشركي قومِ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإعلامٌ منه لهم أنَّ تأخيرَه

(4)

في آجالِهم

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 45، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى عبد بن حميد.

(2)

زيادة من: م، ت 1، ت 3، ف.

(3)

تقدم أوله في الصفحة السابقة.

(4)

فى ت 2: "تأخره".

ص: 47

مع كفرِهم به وتكذيبِهم رسولَه، ليبلُغوا الأجلَ الذى أُجِّل لهم، فتَحِلَّ بهم نقمتُه، كسنتِه فى من قبلَهم من الأممِ السالفةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا} إلى الأممِ التي أَنشَأْنا بعدَ ثمودَ، {رُسُلَنَا تَتْرَى}. يعنى: يتْبَعُ بعضُها بعضًا، وبعضُها فى أثرِ بعضٍ. وهى من المواترةِ، وهى اسمٌ لجمعٍ، مثلُ "شيءٍ"، لا يقالُ:[جاءني فلانٌ تتْرى. كما لا يقالُ]

(1)

: جاءنى فلانٌ مواترةً. وهى تنوَّنُ، ولا تنوَّنُ وفيها الياءُ

(2)

، فمن لم ينوِّنْها فهى

(3)

"فَعْلَى" من: وتَرتُ، ومن قال: تَتْرًا. توَهَّم أنَّ الياءَ (2) أصليةٌ، كما قيل: مِعْزَى بالياء،. ومَعْزًا، وبُهْمَى وبُهْمًا. ونحوُ ذلك، فأُجرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانًا، فمن جعَلها "فَعْلَى" وقَف عليها، أشارَ إلى الكسرِ

(4)

، ومَن جعَلها ألفَ إعرابٍ لم يُشِرْ؛ لأنَّ ألفَ الإعرابِ لا تكسرُ، لا يقالُ: رأيتُ يدى

(5)

. فيشارَ فيه إلى الكسرِ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

فى ت 1، ت 2، ت 3، ف:"التاء".

(3)

سقط من: م.

(4)

يريد الإمالة.

(5)

كتبت الألف فيها ياء؛ للإمالة. كما يكتب: الفتى، والندى.

ص: 48

قولَه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} . يقولُ: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى

(2)

}. يقولُ: بعضُها على أثرِ بعضٍ.

[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال]

(3)

: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{تَتْرَى} . قال: إتباعُ بعضِها

(4)

بعضًا

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} . قال: يتْبَعُ بعضُها بعضًا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} . قال: بعضُهم على أثرِ بعضٍ، يتْبَعُ بعضُهم بعضًا

(6)

.

واختلَفت قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك؛ [فقرَأ ذلك بعضُ]

(7)

قرأةِ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل البصرةِ:(تَتْرًا) بالتنوينِ

(8)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، ف:"لبعضها".

(5)

تفسير مجاهد ص 485، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

(6)

ينظر التبيان 7/ 327.

(7)

فى ت 1: "فقرأته".

(8)

وهى قراءة أبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو. النشر 2/ 246.

ص: 49

وكان بعضُ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهل المدينةِ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ يقرَءونه:{تَتْرَى} بإرسالِ الياءِ على مثالِ "فَعْلَى"

(1)

.

والقولُ في ذلك أنَّهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلامِ العربِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أنِّى مع ذلك أختارُ القراءةَ بغيرِ تنوينٍ؛ لأنها أفصح اللغتين وأشهرُهما.

وقولُه: {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ} . يقولُ: كلما جاء أمةً من تلك الأممِ التى أنشَأْناها بعدَ ثمودَ، رسولُها الذى نرسِلُه إليهم، كذَّبوه فيما جاءهم به من الحقِّ من عندِنا.

وقولُه: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا} . يقولُ: فأتبعْنا بعضَ تلك الأممِ بعضًا بالهلاكِ، فأهلَكْنا بعضَهم في أثرِ بعضٍ.

وقولُه: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} . [يقولُ: وجَعَلْنا تلك الأُمَمَ أحاديثَ]

(2)

للناسِ ومثلًا يُتَحدّثُ بهم في الناسِ.

و "الأحاديثُ" فى هذا الموضعِ جمعُ أُحدوثةٍ؛ لأنَّ المعنى ما وصفتُ من أنهم جُعلوا للناسِ مثلًا يُتحدَّثُ بهم. وقد يجوزُ أن يكونَ جمعَ حديثٍ.

وإنما قيل: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} ؛ لأنهم جُعلوا حديثًا ومثلًا يُتمثَّلُ بهم في الشرِّ، ولا يقالُ فى الخيرِ: جعَلتُه حديثًا، ولا أُحدوثةً.

وقولُه: {فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} . يقولُ: فأبعَد اللهُ قومًا لا يؤمنون باللهِ ولا يصدِّقون رسولَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ

(1)

وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 246.

(2)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

ص: 50

مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46)}.

يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم أرسَلْنا بعدَ الرسلِ الذين وصَف صفتَهم قبلَ هذه الأُمةِ

(1)

، موسى وأخاه هارونَ، إلى فرعونَ وأشرافِ قومه من القبطِ، {بِآيَاتِنَا} يقولُ: بحججِنا، {فَاسْتَكْبَرُوا} عن اتِّباعِها، والإيمانِ بما جاءاهم به من عندِ اللهِ، {وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ}. يقولُ: وكانوا قومًا عالين على أهلِ ناحيتِهم، ومَن في بلادهِم من بني إسرائيلَ وغيرِهم بالظلمِ، قاهرين لهم.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} . قال: عَلَوا على رسلِهم، وعصَوا ربَّهم، ذلك علُوُّهم. وقرَأ:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ} [القصص: 83] الآية

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: فقال فرعونُ وملؤُه: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} فنتَّبعَهما، {وَقَوْمُهُمَا} من بنى إسرائيلَ، {لَنَا عَابِدُونَ} . يعنون أنهم لهم مطيعون متذلِّلون، يأتمرون لأمرِهم، ويَدينون لهم. والعربُ تسمِّى كلَّ مَن دان لملِكٍ عابدًا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرةِ: العُبَّادُ. لأنهم كانوا أهلَ طاعةٍ لملوك العجمِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال فرعونُ:

(1)

في م: "الآية".

(2)

عزاه السيوطى في الدر المنثور 5/ 9 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 51

{أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} الآية. نذهَبُ نرفعُهم فوقَنا، ونكونُ تحتَهم، ونحن اليومَ فوقَهم وهم تحتَنا، كيف نصنعُ ذلك؟ وذلك حينَ أتَوهم بالرسالةِ. وقرأ:{وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 78]. قال: العلوُّ في الأرضِ.

وقولُه: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} . يقولُ: فكذَّبَ فرعونُ وملؤُه موسى وهارونَ، فكانوا ممَّن أهلَكَهم اللهُ، كما أهلَك مَن قبلَهم من الأممِ بتكذيبِها رسلَها.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ ليهتدِىَ بها قومُه من بني إسرائيلَ

ويعمَلوا

(1)

بما فيها.

{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً

(2)

}. يقولُ: وجَعَلْنَا ابنَ مريمَ وأمَّه حجةً لنا على من كان بينَهم، وعلى قدرتِنا على إنشاءِ الأجسامِ من غيرِ أصلٍ، كما أَنشَأْنَا خَلْقَ عيسى من غيرِ أبٍ.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادَة في قولِه:{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ} . قال: ولدَته من غيرِ أبٍ هو له

(3)

.

ولذلك وُحِّدتِ

(4)

"الآيةُ" وقد ذكَرَ مريمَ وابنَها.

وقولُه: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} . يقولُ: وضمَمناهما وصيَّرناهما إلى ربوةٍ.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"يعملون".

(2)

سقط من: م.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 46، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 5/ 9 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

في ت 1، ت 2:"وجدت".

ص: 52

يقالُ: أوى فلانٌ إلى موضعِ كذا، فهو يأوى إليه. إذا صار إليه. وعلى مثال "أفعَله"

(1)

فهو يُؤْويه.

وقولُه: {إِلَى رَبْوَةٍ} . يعنى: إلى مكانٍ مرتفعٍ من الأرضِ على ما حولَه، ولذلك قيل للرجلِ يكونُ فى رفعةٍ من قومِه، [وعزٍّ وشرفٍ وعَددٍ: هو في ربوةٍ من قومِه]

(2)

.

وفيها لغتان: ضمُّ الراءِ وكسرُها إذا أُريدَ بها الاسمُ، وإذا أُريدَ بها الفعلةُ من المصدرِ، قيل: رَبَا رَبُوةً.

واختلف أهلُ التأويلِ فى المكانِ الذى وصفه اللهُ بهذه الصفةِ، وآوَى إليه مريمَ وابنَها؛ فقال بعضُهم: هو الرَّمْلةُ من فلسطينَ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثنى ابنُ عمٍّ لأبي هريرةَ يقالُ له: أبو عبدِ اللهِ. قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملةَ من فلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}

(3)

.

حدَّثني عصامُ بن رَوّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبَّادٌ أبو عتبةَ الخوَّاصُ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي عمرٍو السَّيبانيُّ

(4)

، عن أبي

(5)

وعْلةَ، عن كريبٍ،

(1)

فى م: "أفعلته".

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

أخرجه البخارى فى الكنى 9/ 49 من طريق صفوان بن عيسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 10 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي نعيم.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"الشيباني".

(5)

فى م: "ابن".

ص: 53

قال: ما أدرى ما حدَّثنا مُرّةُ البَهْزيُّ، أنه سمع رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذكَر أن الربوةَ هي الرَّملةُ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن بشرِ بنِ رافعٍ، عن أبي عبدِ اللهِ ابنِ عمِّ أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ في قولِ اللهِ: {إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} . قال: هي الرَّملةُ من فلسطينَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثني أبو عبدِ اللهِ ابنُ عمِّ أبى هريرةَ، قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملة التي بفلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: {إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} .

وقال آخرون: هى دمشقُ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنه قال فى هذه الآيةِ:{وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} . قال: زعَموا أنها دمشقُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: بلَغنى عن ابنِ المسيبِ، أنه قال: دمشقُ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن يحيى بنِ

(1)

أخرجه الطبرانى فى الأوسط (6695)، وابن عساكر في تاريخه 1/ 209 من طريق رواد بن الجراح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 10 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 46، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 1/ 212.

(3)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 1/ 205، 206 من طريق شعبة به، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 190، 191 من طريق يحيى بن سعيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 10 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

ص: 54

سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ مثلَه

(1)

.

حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السهميُّ، قال: ثنا ابنُ بكيرٍ، قال: ثنا اللَّيثُ ابنُ سعدٍ

(2)

، قال: ثنى عبدُ الله بنُ لهيعةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، [عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه]

(3)

: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} . قال: إلى ربوةٍ من رُبا مصرَ. قال: وليس الرُّبَا إلا فى مصرَ، والماءُ حين يُرسَلُ تكونُ الربَا عليها القرى، لولا الرُّبَا لغرِقت تلك القرى

(4)

.

وقال آخرون: هى بيتُ المقدسِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هو بيتُ المقدسِ

(5)

.

قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان كعبٌ يقولُ: بيتُ المقدسِ أقربُ الأرضِ

(6)

إلى السماءِ بثمانيةَ عَشَرَ مِيلًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن كعبٍ مثلَه

(7)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 45، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه 1/ 206 به.

(2)

بعده في ت 2: "ثنا يحيى بن عثمان بن صالح السهمي".

(3)

كذا في النسخ، وفيها سقط واضح، ولعل الصواب أن يكون السياق هكذا: عن سعيد بن المسيب مثله. وقال آخرون: هى ربوة من ربا مصر. ذكر من قال ذلك، حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى المصنف وابن أبي حاتم من قول ابن زيد كما ذكرنا في الحاشية السابقة.

(5)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 1/ 212 من طريق جرير بن حازم، عن قتادة.

(6)

سقط من: م.

(7)

تفسير عبد الرزاق 2/ 46.

ص: 55

وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ ذلك أنها مكانٌ مرتفعٌ ذو استواءٍ وماءٍ ظاهرٍ

(1)

، وليس كذلك صفةُ الرَّملةِ؛ لأنَّ الرَّملةَ لا ماءَ بها مَعِينٌ، واللهُ تعالى ذِكرُه وصَف هذه الربوةَ بأنها ذاتُ قرارٍ ومَعِينٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} . قال: الربوةُ المستويةُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِلَى رَبْوَةٍ} . قال: مستويةٌ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: من صفةِ الربوةِ التي آوينا إليها مريمَ وابنَها عيسى أنها أرضٌ منبسطةٌ، وساحةٌ، وذاتُ ماءٍ ظاهرٍ

(4)

لغيرِ الباطنِ، جارٍ.

(1)

فى ت 1، ت 2:"طاهر".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(3)

تفسير مجاهد ص 485، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(4)

في ص، ت 2:"طاهر".

ص: 56

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{وَمَعِينٍ} . قال: المَعِينُ الماءُ الجارى، وهو النهرُ الذى قال اللهُ:{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}

(1)

[مريم: 24].

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: [أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه:{ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} . قال: المَعِينُ الماءُ

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال]

(2)

: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَعِينٍ} قال: ماءٌ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال:[ثنا الحسينُ](2)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ فى قولِه:{ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} . قال: المكانُ المستوِى، والمَعِينُ الماءُ الظاهرُ

(4)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(2)

سقط من: ت 1.

(3)

تفسير مجاهد ص 485. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 9 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الطاهر".

والأثر أخرجه ابن عساكر في تاريخه 1/ 209 من طريق شريك به عن سعيد بن جبير، وعزاه السيوطي في =

ص: 57

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه:{وَمَعِينٍ} : هو الماءُ الظاهرُ

(1)

.

وقال آخرون: عنى بالقرارِ الثمارَ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} : هي ذاتُ ثمارٍ، وهى بيتُ المقدسِ.

حدَّثنا الحسنُ

(2)

، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذى قاله قتادةُ في معنى: {ذَاتِ قَرَارٍ} وإن لم يكنْ أرَاد بقولِه: إنها إنما وُصِفت بأنها ذاتُ قرارٍ؛ لما فيها من

(4)

الثمارِ، ومن أجلِ ذلك يستقرُّ فيها ساكنوها. فلا وجهَ له نعرفُه.

وأما: {وَمَعِينٍ} فإنه مفعولٌ من: عِنْته فأنا أعينُه، وهو مَعِينٌ، وقد يجوزُ أن

يكونَ فعيلًا من: مَعَن يمعَنُ، فهو مَعِينٌ من الماعون. ومنه قولُ عَبيد بنِ الأبرصِ

(5)

:

وَاهِيَةٌ

(6)

أو مَعِينٌ مُمْعِنٌ

(7)

أوْ هَضْبَةٌ

(8)

دُونَها لُهُوبُ

= الدر المنثور 5/ 9 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

ينظر التبيان 7/ 330.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"الحسين".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 45.

(4)

بعده في ت 2: "الفواكه و".

(5)

ديوانه ص 12.

(6)

في ص، ت 1، ف:"واهته"، ت 2:"وأعننه".

(7)

في ت 2: "يمعن".

(8)

في ت 2: "يمنعه".

ص: 58

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ، كلوا من الحلالِ الذى طيَّبه اللهُ لكم دونَ الحرامِ، {وَاعْمَلُوا صَالِحًا}. [يقولُ: اعمَلوا بما أمرَكم اللهُ به، وأطِيعوه في أمرِكم إياه ونهيِه لكم. وجمَع "الرسلَ" والخطابُ لواحدٍ، كما يقالُ]

(1)

في الكلام للرجلِ الواحدِ: أيها القومُ كُفُّوا عنَّا أذاكم. وكما قال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173]. وهو رجلٌ واحدٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني

(2)

عبد الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بن إسحاقَ الضبيُّ العطارُ، عن حفصِ بنِ عمرَ الفزاريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن عمرِو بن شرحبيلَ:{يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} . قال: كان عيسى ابنُ مريمَ يأكلُ من غزلِ أُمِّه

(3)

.

وقولُه: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} . يقولُ: إني بأعمالِكم ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليّ منها شيءٌ، وأنا مجازيكم بجميعِها، وموفِّيكم أجورَكم وثوابَكم عليها، فخُذوا من صالحاتِ الأعمالِ واجتهِدوا.

(1)

سقط من: م.

(2)

بعده في م: "ابن".

(3)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 4/ 144 من طريق حفص بن عمر الفزارى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 10 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 59

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)} .

اختلفتِ القرأَةُ فى قراءةِ قولِه: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (وأنَّ). بالفتحِ

(1)

، بمعنى: إنى بما تَعملون عليمٌ، وأنَّ هذه أمَّتُكم أمةً واحدةً. فعلى هذا التأويلِ "أنَّ" في موضعِ خفضٍ، عُطف بها على "ما" من قولِه:{بِمَا تَعْمَلُونَ} . وقد يحتِملُ أن تكونَ في موضعِ نصبٍ إذا قرِئَ ذلك كذلك. ويكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: واعلموا أنَّ هذه. ويكونُ نصبُها بفعلٍ مضمرٍ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين بالكسرِ {وَإِنَّ هَذِهِ}

(2)

. على الاستئنافِ.

والكسرُ في ذلك عندى على الابتداءِ هو الصوابُ؛ لأنّ الخبرَ من اللهِ عن قيلِه لعيسى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ} . مبتدأٌ، فقولُه:{وَإِنَّ هَذِهِ} . مردودٌ عليه عَطفًا به عليه، فكان معنى الكلامِ: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ كُلُوا من الطيباتِ. وقلنا له: إنَّ هذه أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً.

وقيل: إن الأمةَ في هذا الموضعِ معناها الدِّينُ والملةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ فى قولِه:{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} . [قال: الملةُ والدينُ]

(3)

.

(1)

قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو مع تشديد النون، وقرأ بها ابن عامر مع تخفيف النون. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 446.

(2)

قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

(3)

زيادة من: م. وينظر التبيان 7/ 332.

ص: 60

وقولُه: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} . يقولُ: وأنا مولاكم فاتقونِ بطاعتى تأمَنوا عقابي.

ونُصِبت {أُمَّةً وَاحِدَةً} . على الحالِ.

وذُكر عن بعضِهم أنه قرَأ ذلك رفعًا

(1)

.

وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ

(2)

: رَفْعُ ذلك إذا رفِع على الخبرِ. ويَجعلُ (أمَّتَكم) نصْبًا على البدلِ من (هذه).

وأما نحويُّو

(3)

الكوفةِ فيأبَونَ ذلك إلا فى ضرورةِ شعرٍ. وقالوا: لا يُقالُ: مررتُ بهذا غلامِكم؛ لأن "هذا" لا يَتْبعُه إلا الألفُ واللامُ والأجناسُ؛ لأنَّ "هذه"

(4)

إشارةٌ إلى عددٍ، فالحاجةُ فى ذلك إلى تبيينِ المرادِ مِن المشارِ إليه أيُّ الأجناسِ هو؟ وقالوا: وإذا قيل: (هذه أمتُكم أمةٌ واحدةٌ). و "الأمةُ" غائبةٌ، و "هذه" حاضرةٌ. قالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُبيَّنَ عن الحاضرِ بالغائبِ. قالوا: فلذلك لم يَجُزْ: إن هذا زيدًا

(5)

قائمٌ. من أجلِ أن "هذا" محتاجٌ إلى الجنسِ لا إلى المعرفةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)} .

اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {زُبُرًا} ؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلُ المدينةِ

(1)

وهى قراءة الحسن. مختصر الشواذ لابن خالويه ص 100.

(2)

ينظر الكتاب 2/ 147، 148.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"نحويي".

(4)

في م: "هذا".

(5)

فى م، ت 1، ت 2:"زيد".

ص: 61

والعراقِ: {زُبُرًا} بمعنى جمعِ "الزَّبورِ". فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ هؤلاءِ: فتفرّقَ القومُ الذين أمرَهم اللهُ من أمةِ الرسولِ عيسى بالاجتماعِ على الدينِ الواحدِ، والملةِ الواحدةِ -دينَهم الذى أمَرهم اللهُ بلزومِه {زُبُرًا}: كُتُبا، فدانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ غيرِ الكتابِ الذى دانَ به الفريقُ الآخرُ؛ كاليهودِ الذين زعَموا أنهم دانُوا بحكمِ التوراةِ، وكذّبوا

(1)

بحكمِ الإنجيلِ والقرآنِ، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيلِ بزعمِهم، وكذَّبُوا بحكمِ الفرقانِ.

ذكرُ مَن تأوّل ذلك كذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{زُبُرًا} . قال: كُتُبًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بَيْنَهُمْ زُبُرًا} . قال: كُتُبَ اللهِ فرَّقوها قِطَعًا

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا} . قال مجاهدٌ: كُتُبَهم فرّقوها قِطَعًا.

(1)

في ص، ف:"كانوا"، وفى ت 2:"دانوا".

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 46، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 10 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

(3)

تفسير مجاهد ص 486، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 10 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.

ص: 62

وقال آخرون من أهلِ هذه القراءةِ: إنما معنى الكلامِ: فَتَفرَّقوا دينَهم بينَهم كُتبًا أحدَثوها، يَحْتَجُّون فيها لمذاهبِهم.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} . قال: هذا ما اختَلَفُوا فيه من الأديانِ والكتبِ، كلٌّ مُعْجَبُون برأيِهم، ليس أهلُ هوًى إلَّا وهم مُعْجَبون برأْيِهم وهواهم وصاحبِهم الذى اخترَق ذلك لهم

(1)

.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الشامِ: (فتقطَّعوا أمرَهم بينَهم زُبَرًا). بضمِّ الزاي وفتحِ الباءِ، بمعنى: فتفرَّقوا

(2)

بينهم قِطَعًا كزُبَرِ الحديدِ. وذلك القِطَعُ منها، واحدتُها زُبْرةٌ، من قولِ اللهِ:{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96]. فصار بعضُهم يهودًا، وبعضُهم نصارى.

والقراءةُ التي نختارُ فى ذلك قراءةُ من قرأه بضمِّ الزايِ والباءِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك على أنه مرادٌ به الكتبُ، فذلك يُبينُ عن صحةِ ما اخترنا

(3)

في ذلك؛ لأنَّ الزُّبُرَ هى الكتبُ، يُقالُ منه: زَبَرْتُ الكتابَ، إذا كتبتَه.

فتأويلُ الكلامِ: فتَفَرَّقَ الذين أمرَهم اللهُ بلزومِ دينِه من الأممِ دينَهم بينَهم كُتبًا. كما بيَّنا قبلُ.

وقولُه: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} . يقولُ: كلُّ فريقٍ من تلك الأممِ بما

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(2)

بعده في م: "أمرهم".

(3)

في ص، ت 2:"أخبرنا".

ص: 63

اختاروه لأنفُسِهم من الدين والكتبِ - فَرِحون، مُعْجَبون به، لا يَروْنَ أَن الحقَّ سواه.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} : قِطعَةٍ، وهؤلاءِ أهلُ الكتابِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{كُلُّ حِزْبٍ} : قطعةٍ، أهلُ الكتابِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)} .

قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فدعْ يا محمدُ هؤلاءِ الذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُرًا {فِي غَمْرَتِهِمْ} . يعني: في ضَلالتِهم وغَيِّهِم {حَتَّى حِينٍ} . يعنى: إلى أجلٍ سيأتِيهم عندَ مجيئه عذابي.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} . قال: في ضلالِهم

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَذَرْهُمْ

(1)

تقدم تخريجه في ص 62.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 64

فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ}. قال: الغَمْرةُ الغَمْرُ.

وقولُه: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أيحسَبُ هؤلاء الأحزابُ الذين تفرَّقوا دينَهم زُبُرًا، أن الذي نُعطيهم في عاجلِ الدنيا من مالٍ وبنينَ، {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ}. يقولُ: نُسابقُ لهم في خيراتِ الآخرةِ، ونُبادرُ لهم فيها.

و "ما" من قولِه: {أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} نَصبٌ؛ لأنها بمعنى "الذي".

{بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه تكذيبًا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يَعلمون أنَّ إمدادى إيَّاهم بما أُمِدُّهم به من ذلك، إنما هو إملاءٌ واستدراجٌ لهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ} . قال: نُعطيهم، {نُسَارِعُ لَهُمْ}. قال: نَزِيدُهم في الخيرِ، {نُمْلِي لَهُمْ} [آل عمران: 178]. قال: هذا لقريشٍ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ، قال: ثني أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ،

(1)

تقدم تخريجه في ص 62.

ص: 65

عن خالدٍ الحذاءِ، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ: قولُ اللهِ: {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ} ؟ قال: (يُسارِعُ

(1)

لهم في الخيراتِ)

(2)

.

وكأن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرةَ وجَّه قراءتَه ذلك كذا

(3)

، إلى أن تأويلَه: يسارِعُ لهم إمدادُنا إياهم بالمالِ والبنينَ في الخيراتِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)} .

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} : إِنّ الذين هم من خشيتِهم وخَوفِهم من عذابِ اللهِ مشفقون، فهم من خشيتِهم من ذلك دائبونَ فى طاعتِه، جادُّونَ في طلبِ مرضاتِه.

{وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} . يقولُ: والذين هم بآياتِ كتابِه وحُجَجِه مُصدِّقون،

{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} . يقولُ: والذين يُخلِصون لربِّهم عبادتَهم، فلا يجعلون له فيها لغيرِه شركًا، لا لوثَنٍ ولا لصنمٍ، ولا يُراءون بها أحدًا من خلْقِه، ولكنهم يَجعلون أعمالَهم لوجهِه خالصًا، وإياه يَقصِدون بالطاعةِ والعبادةِ دونَ كلِّ شيءٍ سواه.

‌القول في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} .

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} : والذين يُعطُون أهلَ

(1)

في ت 1، ت 2، ف:"نسارع"، وغير منقوطة فى ص، وقراءة عبد الرحمن والسلمي بالياء، كما في البحر المحيط 6/ 410.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى المصنف، وفيه أن قراءته:(نسارع لهم بالخيرات).

(3)

في م: "كذلك".

ص: 66

سُهْمانِ الصدقةِ ما فَرَضَ اللهُ لهم فى أموالِهم، {مَا آتَوْا}. يعنى: ما أَعْطَوهم إياه من صدقةٍ

(1)

، ويؤدُّون حقوقَ اللهِ عليهم فى أموالِهم إلى أهلِها، {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}. يقولُ: خائفةٌ من أنهم إلى ربِّهم راجِعون، فلا يُنجيهم ما فعلُوا من ذلك من عذابِ اللهِ، فهم خائفون من المرجعِ إلى اللهِ لذلك. كما قال الحسنُ: إن المؤمنَ جمَع إحسانًا وشفقةً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبجرَ، عن رجلٍ، عن ابنِ عمرَ:{يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قال: الزكاة

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ

(3)

الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي يَحيى، عن مجاهدٍ:{وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . قال: المؤمِنُ يُنْفِقُ مالَه، وقلبُه وجِلٌ

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ، قال:{يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . قال: يَعْملون ما عمِلُوا من أعمالِ البرِّ، وهم يخافونَ ألا ينُجيَهم ذلك من عذابِ ربِّهم

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ]

(6)

، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"صدقته".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى المصنف والفريابي.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"عبد".

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (15)، وأحمد في الزهد ص 286، والبيهقي في الشعب (763، 764) من طريق أبى الأشهب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى عبد بن حميد.

(6)

سقط من: م.

ص: 67

قال ابنُ عباسٍ: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . قال: المؤمنُ يُنفقُ مالَه ويتصدقُ، وقلبُه وَجِلٌ أنه إلى ربِّه راجعٌ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ أنه كان يَقولُ: إن المؤمِنَ جمَع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافقَ جمع إساءةً وأمنًا. ثم تلا الحسنُ:{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} . إلى: {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} . وقال المنافقُ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}

(1)

[القصص: 78].

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} . قال: يُعْطون ما أَعْطَوا، {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}. يقولُ: خائفةٌ.

حدَّثنا خلّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، قال: أخبرنا سالمٌ الأفطسُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . قال: يَفعلونَ ما يَفعلونَ وهم يَعلمونَ أنهم صائرون إلى الموتِ، وهى من المبشِّراتِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . قال: يُعْطُون ما أَعطَوا، ويعمَلون ما عمِلوا من خيرٍ، {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}: خائفةٌ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه

(2)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 46، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 5/ 11 إلى عبد بن حميد.

ص: 68

حدَّثنا علىٌّ، [قال: ثنا]

(1)

[عبدُ اللهِ]

(2)

، قال: ثني معاويةُ، [عن علىٍّ]

(2)

، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . يقولُ: يعمَلون خائفين

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . [يقولُ: خائفةٌ، {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}. قال: هو المؤمنُ يتصدَّقُ ويُنفِقُ ويَعْلَمُ أنه راجعٌ إلى ربِّه.

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} ]

(4)

. قال: يُعطون ما أَعْطَوا فرَقًا من اللهِ، ووجلًا من اللهِ.

حُدثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} : يُنفقون ما أنفقُوا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . قال: يُعطون ما أَعْطَوا، ويُنفِقُون ما أَنفقوا، ويَتصدَّقون بما تَصدَّقوا وقلوبُهم وَجِلَةٌ؛ اتقاءً لسَخَطِ اللَّهِ والنارِ.

وعلى هذه القراءةِ -أعنى على: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} - قرأةُ الأمصارِ، وبه رسومُ مصاحفِهم، وبه نقرأُ، لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، ووفاقِه خطَّ مصاحفِ المسلمين.

(1)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.

(2)

سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الفتح 8/ 445، والإتقان 2/ 31 من طريق عبد الله به.

(4)

سقط من: م، ت 1، ف.

ص: 69

ورُوِى عن عائشةَ رضي الله عنها في ذلك ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا علىُّ بنُ ثابتٍ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو

(1)

، عن أبي خَلَفٍ، قال: دخَلتُ مع عبيدِ بنِ عميرٍ على عائشةَ، فسألها عبيدٌ: كيف نقرأُ هذا الحرفَ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} ؟ فقالتْ: (يَأْتُون ما أَتَوْا)

(2)

.

وكأنها تأوَّلَتْ فى ذلك: والذين يفعَلون ما يفعَلون من الخيراتِ وهم وجِلونَ من اللهِ.

كالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو

(3)

بنُ قيسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ الهمْدَانيِّ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قالتْ عائشةُ: يا رسولَ اللهِ: {وَالَّذِينَ [يُؤْتُونَ مَا آتَوْا]

(4)

وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}. هو الذي يُذنِبُ الذنبَ وهو وجِلٌ منه؟ فقال: "لا، ولكن من يصومُ ويصلِّى ويتصدقُ وهو وجلٌ"

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مالكِ بنِ مغْولٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ، أن عائشةَ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . أهُم الذين يُذنبون وهم مُشْفِقون؟

(1)

فى م: "عمر"، وينظر تهذيب الكمال 13/ 427.

(2)

أخرجه أحمد 6/ 95، 144 (الميمنية)، والبخارى فى التاريخ 9/ 28 من طريق أبي خلف به، وأخرجه الحاكم 2/ 246 من طريق عبيد بن عمير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 12 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى وابن أشتة والدارقطني في الأفراد وابن مردويه.

(3)

في م: "عمر". وينظر تهذيب الكمال 17/ 144.

(4)

فى م فى هذا الموضع وما بعده: "يأتون ما أتوا".

(5)

ذكره الترمذى عقب الأثر (3175) عن عبد الرحمن بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 11 إلى ابن أبي الدنيا وابن الأنبارى فى المصاحف وابن مردويه، وينظر علل الدارقطني 11/ 193.

ص: 70

[فقال: "لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون]

(1)

، وَيَصُومون وهم مشفقون".

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مغيثٍ

(2)

، عن رجلٍ من أهلِ مكةَ، عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . قال. فذكَر مثلَ هذا.

حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ سعيدٍ، عن عائشةَ أنها قالتْ: يا رسولَ اللهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} . أهو الرجلُ يَزنى ويَسرِقُ ويَشربُ الخمرَ؟ قال: "لا يا بنْتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنْتَ الصديقِ- ولكنَّه الرجلُ يَصومُ ويُصلِّى ويَتصدَّقُ، ويخافُ ألا يُقبلَ منه"

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جريرٌ، عن ليثِ بنِ أبي سليمٍ، وهشيمٍ، عن العوامِ بنِ حَوْشبٍ، جميعًا، عن عائشةَ أنها قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا بنتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنتَ الصِّدِّيقِ- هم الذين يُصَلُّونَ ويَفْرَقُونَ أَلا يُتَقَبَّلَ منهم".

و"أنَّ" من قولِه: {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} . في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّ معنى الكلامِ: وقُلُوبُهم وَجِلَةٌ من أنهم. فلما حُذفت "مِنْ" اتَّصلَت بالكلامِ

(4)

قبلَها فنُصِبتْ.

(1)

سقط من النسخ، والمثبت من زاد المسير 5/ 480، وقد آثرنا إثباته لحاجة السياق إليه.

(2)

في ت 2: "شعيب".

(3)

أخرجه أحمد 6/ 205، وابن ماجه (4198)، والبغوى فى تفسيره 5/ 421، والبيهقي في الشعب (762) من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد 6/ 159، والترمذى (3175)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 5/ 474 - والحاكم 2/ 393 من طريق مالك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 11 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا فى "نعت الخائفين" وابن المنذر وابن مردويه.

(4)

فى م: "الكلام".

ص: 71

وكان بعضُهم يقولُ

(1)

: هى فى موضعِ خفضٍ وإنْ لم يكنِ الخافضُ ظاهرًا.

وقولُه: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين هذه الصفاتُ صفاتُهم، يُبادِرونَ فى الأعمالِ الصالحةِ، ويَطلُبون الزُّلفةَ عندَ اللَّهِ بطاعتِه.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} . قال: والخيراتُ: المخافةُ والوَجَلُ والإيمانُ والكفُّ عن الشركِ باللهِ، فذلك المسابقةُ إلى هذه الخيراتِ.

وقولُه: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} . كان بعضُهم يقولُ: معناه: سَبقتْ لهم من اللهِ السعادةُ، فذلك سُبوقُهم الخيراتِ التي يَعملونها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} . يقولُ: سَبقتْ لهم السعادةُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} : فتلك الخيراتُ.

وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون.

وتأوَّلَه آخرون: وهم من أجلِها سابقون.

وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي قالَه ابنُ عباسٍ، من أنه:

(1)

حكاه الفراء فى معانى القرآن 2/ 238 عن الكسائي.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما فى الفتح 8/ 445 من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطى في =

ص: 72

سَبقتْ لهم مِن اللهِ السعادةُ قبلَ مسارَعتِهم فى الخيراتِ، ولما سبَق لهم من ذلك سارَعوا فيها.

وإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلينِ بالكلامِ؛ لأن ذلك أظهرُ مَعْنَيَيْهِ، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى اللامِ

(1)

التي في قولِه: {وَهُمْ لَهَا} . إلى غيرِ معناها الأغلبِ عليها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا} [مِمَّن خَلقنا، {إِلَّا وُسْعَهَا}. يقولُ]

(2)

: إلا ما يَسَعُها ويَصلُحُ لها من العبادةِ، ولذلك كلَّفناها ما كلَّفْناها من معرفةِ وحدانيةِ اللهِ، وشَرَعْنا لها ما شَرَعْنا من الشرائعِ، {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ}. يقولُ: وعندَنا كتابُ أعمالِ الخلقِ، بما عمِلُوا من خيرٍ وشَرٍّ، {يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. يقولُ: يُبينُ بالصدقِ عمَّا عمِلوا من عملٍ في الدنيا، لا زيادةَ عليه ولا نقصانَ، ونحن موفُّو جميعِهم أجورَهم؛ المحسنِ منهم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه، {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. يقولُ: وهم لا يُظلمون، بأن يُزادَ على سيئاتِ المسيءِ منهم ما لم يَعملْه، فيعاقَب على غير جُرْمِه، أو يُنقَصَ المحسنُ عما عمِل من إحسانِه، فيُنقصَ عما له من الثوابِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)} .

= الدر المنثور 5/ 12 إلى ابن المنذر.

(1)

في ت 1، ت 2، ف:"الكلام".

(2)

سقط من: م.

ص: 73

يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَحْسَبُ هؤلاءِ المشركون، من أن إمدادناهم بما نُمدُّهم به من مالٍ وبنين، بخيرٍ نَسوقُه بذلك إليهم، ورضًا منا عنهم، لكنَّ قلوبَهم في عمًى

(1)

عن هذا القرآنِ.

وعنى بالغمرةِ ما غمَر قُلوبَهم فغطَّاها عن فَهُمِ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ كتابَه من المواعظِ والعبرِ والحججِ.

وعنَى بقولِه: {مِنْ هَذَا} : من القرآنِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} . قال: في عَمًى من هذا القرآنِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} . قال: من القرآنِ.

وقولُه: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ أعمالٌ لا يَرضاها اللهُ من المعاصى، {مِنْ دُونِ ذَلِكَ}. يقولُ: من دونِ أعمالِ أهلِ الإيمانِ باللهِ، وأهلِ التقوى والخشيةِ له.

(1)

في م: "غمرة عمى"، وفى ت 1، ت 2، ف:"غمرة".

(2)

تفسير مجاهد ص 486، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 74

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ:{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} . قال: الخطايا

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ} . قال: الحقِّ

(2)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ} . قال: خطايا من دونِ ذلك الحقِّ.

قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه:{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ} الآية. قال: أعمالٌ دُونَ الحقِّ

(3)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: ذكَر اللَّهُ الذين هم من خشيةِ ربِّهم مُشْفِقون، والذين يُؤتون ما آتَوا وقلوبُهم وجِلَةٌ. ثم قال للكفارِ:{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} . قال: من دونِ الأعمالِ التي منها قولُه: {مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} ،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

تفسير مجاهد ص 487، ولفظه: يعنى: خطايا من دون ذلك لا بد لهم أن يعملوها.

(3)

ينظر التبيان 7/ 335.

ص: 75

{وَالَّذِينَ} ، {وَالَّذِينَ}

(1)

.

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ، قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها.

حدَّثنا على بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن حميدٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} . قال: أعمالٌ لم يَعملوها سيعْمَلونها

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} . قال: لم يكنْ له بُدٌّ من أن يَستوفيَ بقيةَ عملِه، ويَصلَى به

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} . قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها

(3)

.

حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تبارك وتعالى:{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ} . قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 47 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

ينظر تفسير القرطبي 12/ 134، وتفسير ابن كثير 5/ 475.

(3)

تفسير سفيان ص 217، وتفسير عبد الرزاق 2/ 46.

ص: 76

يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ من قريشٍ أعمالٌ من دونِ ذلك هم لها عامِلون، إلى أن نأخُذَ

(1)

أهلَ النَّعمةِ والبَطَرِ منهم بالعذابِ.

كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ} . قال: المُتْرَفُون العظماءُ.

{إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} . يقولُ: فإذا أخذْناهم به جأَروا. يقولُ: ضجُّوا واستغاثُوا مما حلَّ بهم من عذابِنا.

ولعلّ الجُوَارَ رفعُ الصوتِ، كما يَجأرُ الثورُ. ومنه قولُ الأعشى

(2)

:

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المليـ

ـكِ

(3)

طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} . يقولُ: يَستغيثون

(4)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يَحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا

(5)

: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ

(1)

في م: "يؤخذ".

(2)

تقدم في 14/ 251.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"الملائك".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"قال".

ص: 77

ابن مَرْثدٍ

(1)

، عن مجاهدٍ في قولِه:{حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ} . قال: بالسيوفِ يومَ بدرٍ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنس في قولِه:{إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} . قال: يَجزعون

(3)

.

قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه:{حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ} .

قال: عذاب يوم بدرٍ {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} . قال: الذين بمكةَ

(4)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ} : يعنى أهلَ بدرٍ، أخذهم اللهُ بالعذابِ يومَ بدرٍ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} . قال: يَجزعون.

وقوله: {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} . يقولُ: لا تَضِجُّوا وتَستغيثُوا اليومَ وقد نزَل بكم العذابُ الذي لا يُدفعُ عن الذين ظلَموا أنفسَهم، فإن ضجيجَكم غيرُ نافِعِكم، ولا دافعٍ عنكم شيئًا مما قد نزَل بكم من سَخَطِ اللَّهِ، {إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ}. يقولُ: إنكم من عذابِنا الذي قد حلَّ بكم لا تُستنقذون، ولا يُخَلِّصُكم منه شيءٌ.

(1)

في ص، ت 1:"مردد"، وفى م:"قردد"، وفى ت 2، ف:"مزرد" والمثبت من تفسير سفيان، وينظر تهذيب الكمال 20/ 308.

(2)

تفسير سفيان ص 217، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 412.

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 12/ 135.

ص: 78

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ:{لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} : لا تَجْزَعُوا اليومَ.

حدَّثني [يونسُ، قال: أخبرنا الربيعُ بنُ أنسٍ]

(1)

: {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} : لا تَجزعوا الآنَ حينَ نزلَ بكم العذابُ، إنه لا يَنفعُكم، فلو كان هذا الجزعُ [والتضرُّعُ]

(2)

قبلُ نفَعكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المشركين من قريشٍ: لا تَضِجُّوا اليومَ وقد نزَلَ بكم سَخَطُ اللَّهِ وعذابُه، بما كسبَتْ أيديكم، واستوجبتموه بكفرِكم بآياتِ ربِّكم، {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ}. يعني: آياتُ كتابِ اللهِ. يقولُ: قد كانتْ آيَاتُ كتابي تُقرأُ عليكم، فتكذبون بها، وتَرْجِعون مُولِّين عنها إذا سمِعتُموها، كراهيةً منكم لسماعِها. وكذلك يُقالُ لكلِّ من رَجَع من حيثُ جاء: نكَص فلانٌ على عَقِبِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

(1)

كذا في النسخ، فلعل هنا سقطا أو تداخلا، وإسناد يونس دائر وتقدم كثيرًا، وتقدمت أيضًا الأسانيد عن الربيع بن أنس.

(2)

سقط من: م.

ص: 79

مجاهدٍ: {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} . قال: تَستأخرون.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} . يقولُ: تُدْبِرون

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} : يعنى أهلَ مكةَ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{تَنْكِصُونَ} . قال: تَستأْخِرون

(2)

.

وقولُه: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} . يقولُ: مستكبرين بحَرَمِ اللَّهِ، يقولون: لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ؛ لأنا

(3)

أهلُ الحَرَمِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهل التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} . يقولُ: مستكبِرين بحَرَمِ البيتِ: إنه لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

تفسير مجاهد ص 487، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"لا".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 80

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} . قال: بمكةَ بالبلدِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ:{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} . قال: مستكبرين بحَرَمى

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن: جبيرٍ في قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} : بالحرمِ

(3)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ:{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} . قال: مستكبِرين بالحرمِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَهُ

(4)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} . قال: بالحرمِ

(5)

.

وقولُه: {سَامِرًا} . يقولُ: تَسْمُرون بالليل.

(1)

تفسير مجاهد ص 487، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

تفسير سفيان ص 217، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 47، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(5)

ينظر التبيان 7/ 337.

ص: 81

ووحَّدَ قولَه: {سَامِرًا} . وهو بمعنى السُّمَّارِ؛ لأنَّه وُضِع موضعَ الوقتِ.

ومعنى الكلامِ: تَهجُرون ليلًا. فوُضِع السامرُ موضعَ الليلِ، فوُحِّد لذلك.

وقد كان بعضُ البصريين يقولُ

(1)

: وُحِّد ومعناه الجمعُ، كما قيل: طفلٌ. في موضعِ أطفالٍ.

ومما يُبينُ عن صحةِ ما قلْنا في أنه وُضِع موضعَ الوقتِ فوُحِّد لذلك - قولُ الشاعرِ

(2)

.

مِنْ دُونِهم إن جَنْتَهُمْ سَمَرًا

عَزْفُ القِيانِ وَمَجْلسٌ غَمْرُ

فقال: سَمَرًا؛ لأن معناه: إن جئتَهم ليلًا وهم يسمرون. وكذلك قولُه:

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{سَامِرًا} . يقولُ: تَسْمُرون حولَ البيتِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:

(1)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 60.

(2)

هو ابن أحمر الباهلى، والبيت في مجاز القرآن 2/ 60، وتهذيب اللغة 12/ 419، والشطر الثاني فيه هكذا:

* حيٌّ حِلالٌ لَمْلَمٌ عِكرُ *

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 82

{سَامِرًا} . قال: مجلسًا بالليلِ

(1)

.

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{سَامِرًا} . قال: مجالسَ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ:{سَامِرًا} . قال: تَشمُرون بالليلِ.

حدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {سَامِرًا} . قال: كانوا يَسمُرون ليلتَهم ويَلعبون، يَتكلَّمون بالشعرِ والكهانةِ وبما لا يَدْرون.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {سَامِرًا} . قال: يَعنى سَمَرَ الليلِ.

وقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{سَامِرًا} . يقولُ: سامرًا من أهلِ الحرمِ، آمنًا

(2)

لا يخافُ، كانوا يقولون: نحنُ أهلُ الحرمِ. لا يَخافون.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{سَامِرًا} . يقولُ: سامِرًا

(3)

أهلَ الحرمِ

(4)

أمنًا لا يخافون. قال: كانوا يقولون: نحن أهلُ الحرمِ لا نخافُ

(5)

.

وقوله: {تَهْجُرُونَ} . اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ:

(1)

تفسير مجاهد ص 487، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(2)

في ص، ت 2، ف:"آمن".

(3)

بعده في م: "من".

(4)

في م: "مكة".

(5)

تقدم تخريجه في ص 81.

ص: 83

تَهْجُرُونَ}. بفتحِ التاءِ وضمِّ الجيمِ

(1)

.

ولقراءةِ من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى؛ أحدُهما، أن يكونَ عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت أو رسول الله ورفضه. والآخرُ، أن يكونَ عنى أنهم يقولون شيئًا من القول، كما يَهجُرُ الرجلُ في منامِه، وذلك إذا هَذَى. فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يَقولوا فيه باطلًا من القولِ الذي لا يَضرُّه.

وقد جاء بكلا القولينِ التأويلُ مِن أهل التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال: كانوا يُعْرِضون عن ذكرِ اللَّهِ والحَقِّ وَيَهجُرُونَه

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{تَهْجُرُونَ} . قال: تَهْجُرُون ذكرَ اللَّهِ والحقَّ

(2)

.

[حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ في قولهِ: {سَامِرًا تَهْجُرُونَ}. قال: السبُّ]

(3)

.

‌ذكرُ مَن قال: كانوا يقولون الباطلَ والسيئَ من القولِ في القرآنِ

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ:{تَهْجُرُونَ} . قال: تَهجُرُون في الباطلِ

(4)

.

قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: {سَامِرًا

(1)

وهي قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 446.

(2)

ينظر البحر المحيط 6/ 413.

(3)

هكذا في النسخ وكأن موضعه ضمن ما استدل به للقول التالى.

(4)

تفسير سفيان ص 217 بلفظ: وتقولون غير الحق.

ص: 84

تَهْجُرُونَ}. قال: تَسْمُرون بالليلِ، تَخوضون في الباطلِ.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{تَهْجُرُونَ} . قال: بالقولِ السيءِ في القرآنِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٌ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {تَهْجُرُونَ} . قال: الهَذْيانُ الذي يَتكلَّمُ بما لا يُريدُ ولا يَعْقِلُ، كالمريضِ الذي يتكلَّمُ بما لا يَدْرى

(2)

. قال: وكان أبي يقرؤُها: {سَامِرًا تَهْجُرُونَ}

(3)

.

وقرَأ ذلك آخرون: (سَامِرًا تُهْجِرُونَ). بضمِّ التاءِ وكسرِ الجيمِ. وممن قرأ ذلك كذلك من قرأةِ الأمصارِ: نافعُ

(4)

بنُ أبي نعيمِ، بمعنى: تُفْحِشون في المنطقِ، وتَقولون الخَنَا. من قولِهم: أهْجَرَ الرجلُ، إذا أَفْحَشَ في القولِ.

وذُكِر أنهم كانوا يَسُبُّون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

‌ذكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٌّ، عن ابن عباسٍ:(تُهْجِرُون). قال: تقولون هُجْرًا

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 12 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(2)

في ت 2: "يريد".

(3)

في ت 2: "يهجرون".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"رافع". وينظر السبعة لابن مجاهد ص 446.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 31 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر =

ص: 85

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن أبي نَهِيكِ، عن عِكْرِمَةَ أنه قرَأ:{سَامِرًا تَهْجُرُونَ} . أي: تَسُبُّون

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ

(2)

، عن الحسنِ في قولِه:(سامرًا تُهْجِرُون): رسولى.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:(تُهْجِرُون).

قال: تقولون سوءًا"

(3)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): كتابَ اللهِ ورسولَه

(4)

.

حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (تُهْجِرُون). يقولُ: تقولون المنكرَ والخنا من القولِ، كذلك هُجْرُ القولِ.

وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندنا القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ، وهى فتحُ التاءِ وضمُّ الجيمِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ

= المنثور 5/ 12 إلى ابن المنذر.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى عبد بن حميد بنحوه.

(2)

في ص، م، ت 1:"عون".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 47.

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 47، وهو من تمام الأثر المتقدم في ص 81.

ص: 86

الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَتدبَّر هؤلاء المشركون تنزيلَ اللهِ وكلامَه، فيَعلموا ما فيه من العبرِ، [ويَعْتَرِفوا بحُجَجِ]

(1)

اللَّهِ التي احتجَّ بها عليهم فيه؟ {أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} . يَقولُ: أم جاءهم أمرُ ما لم يأتِ مَن قبلَهم من أسلافِهم، فاستنكَروا

(2)

ذلك وأعْرَضوا؟ فقد جاءتِ الرسلُ مَن قبلَهم، وأُنزلَتْ معهم الكتبُ.

وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ {أَمْ} في هذا الموضعِ بمعنى "بل"، فيكونُ تأويلُ الكلامِ: أفلم يدَّبَّروا القولَ؟ بل جاءهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولين، فتَركوا لذلك التدبرَ، وأعرَضوا عنه، إذ لم يكنْ في مَن سلَفَ من آبائِهم ذلك.

وقد ذُكر عن ابن عباسٍ في ذلك نحوُ هذا القولِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} . قال: لعَمْرى، لقد جاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ، ولكن: أو لم يأتِهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ؟.

وقولُه: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: [أم لم]

(3)

يعرِفْ هؤلاءِ المكذِّبون محمدًا، وأنه من أهلِ الصدقِ والأمانةِ؟ {فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}. يقولُ: فيُنْكروا قولَه، إذ

(4)

لم يعرفوه بالصدقِ، ويَحتجُّوا بأنهم لا يَعرفونه. يقولُ جلَّ

(1)

في م، ت 1، ف:"ويعرفوا حجج".

(2)

في م: "فاستكبروا"

(3)

في ص، ف:"ألم".

(4)

في م: "أو"، وفى ت 2:"إذا".

ص: 87

ثناؤُه: فكيف يُكذِّبونَه وهم يَعرِفونه فيهم بالصدقِ والأمانةِ؟

{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} . يقولُ: أيقولون: بمحمدٍ جنونٌ، فهو يتكلَّمُ بما لا معنَى له ولا يُفهم، ولا يَدْرِى ما يقولُ؟ {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ}. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يقولوا ذلك، فإنَّ كَذِبَهم في قيلهم ذلك واضحٌ بيِّنٌ، وذلك أن المجنونَ يَهذِى فيأتى من الكلامِ بما لا معنى له، ولا يُعقلُ ولا يُفهمُ، والذي جاءهم به محمدٌ هو الحكمةُ التي لا أحْكَمَ منها، والحقُّ الذي لا تَخفى صحتُه على ذى فِطْرةٍ صحيحةٍ، فكيف يجوزُ أن يُقالَ: هو كلامُ مجنونٍ؟

وقولُه: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاءِ الكفرةِ أنهم لم يَعرِفوا محمدًا بالصدقِ، ولا أن محمدًا عندهم مجنونٌ، بل قد علِموه صادقًا مُحِقًا فيما يقولُ وفيما يَدعوهم إليه، ولكنَّ أكثرَهم للإذعانِ للحقِّ كارهون، ولاتِّباع محمدٍ ساخطون؛ حَسدًا منهم له، وبَغْيًا عليه، واستكبارًا في الأرضِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)}

يقول تعالى ذكره: ولو عمِل

(1)

الربُّ تعالى ذكرُه بما يَهوى هؤلاءِ المشركون، وأجرَى التدبيرَ على مشيئتِهم وإرادتِهم، فترَك الحقَّ الذي هم له كارهون، لفسدتِ السماواتُ والأرضُ ومن فيهنَّ، وذلك أنهم لا يعرفون عواقبَ الأمورِ، والصحيحَ من التدبيرِ والفاسدَ، فلو كانتِ الأمورُ جاريةً على مشيئتِهم وأهوائِهم - مع إيثارِ أكثرِهم الباطلَ على الحقِّ - لم تَقِرَّ السماواتُ والأرضُ ومن فيهن مِن خلقِ اللهِ؛ لأن ذلك قامَ بالحقِّ.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"علم".

ص: 88

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا السديُّ، عن أبي صالحٍ:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} . قال: اللَّهُ

(1)

.

قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} . قال: الحقُّ هو اللَّهُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} . قال: الحقُّ اللَّهُ

(2)

وقولُه: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ "الذكرِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو بيانُ الحقِّ لهم بما أُنزِل على رجلٍ منهم من هذا القرآنِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} . يقولُ: بيَّنا لهم

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشَرَفِهم؛ وذلك أن هذا القرآنَ كان

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

ينظر تفسير البغوي 5/ 424، وتفسير القرطبي 12/ 140.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 89

شَرَفًا لهم؛ لأنه نزَل على رجلٍ منهم فأعرَضُوا عنه وكفَروا به. وقالوا: ذلك نظيرُ قولِه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44].

وهذان القولانِ متقارِبا المعنى؛ وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه أنزلَ هذا القرآنَ بيانًا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجةُ من أمر دينِهم، وهو مع ذلك ذِكْرٌ لرسولِ اللهِ وقومِه وشَرَفٌ لهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)} .

يقول تعالى ذكرُه: أم تسألُ هؤلاء المشركين يا محمدُ من قومِكَ (خراجًا)

(1)

. يعنى: أجْرًا على ما جئتهم به من عندِ اللهِ من النصيحةِ والحقِّ، {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ}. يقولُ: فأجرُ ربِّكَ على نفاذِكَ لأمرِه، وابتغاءِ مرضاتِه خيرٌ لك من ذلك. ولم يسألْهم صلى الله عليه وسلم على ما أتاهم به من عندِ اللهِ أجرًا، قال لهم كما قال اللهُ له، وأمَره بقيلِه لهم:{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]. وإنما معنى الكلامِ: أم تسألُهم على ما جئتَهم به أجرًا، فيَنكُصُوا على أعقابِهم إذا تَلَوْتَه عليهم مُستكبرين بالحَرَمِ، فخراجُ ربِّكَ خيرٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} . قال: أجرًا.

(1)

كذا في النسخ، وهى قراءة حمزة والكسائي، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر (خَرْجًا). ينظر حجة القراءات ص 489، 490.

ص: 90

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ مثلَه

(1)

.

وأصلُ الخراجِ والخَرْجِ مصدرانِ لا يُجْمعان.

وقولُه: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} . يقولُ: واللَّهُ خيرُ مَن أعطَى عِوَضًا على عَمَلٍ، ورزقَ رِزْقًا.

وقولُه: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإنك يا محمدُ لتدْعو هؤلاءِ المشركين من قومِك إلى دينِ الإسلامِ، وهو الطريقُ القاصدُ، والصراطُ المستقيمُ الذي لا اعوجاجَ فيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يُصدِّقونَ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وقيامِ الساعةِ، ومجازاةِ اللَّهِ عبادَه في الدارِ الآخِرةِ، {عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ}. يقولُ: عن مَحَجَّةِ الحقَّ، وقصدِ السبيلِ، وذلك دينُ اللَّهِ الذي ارْتضاه لعبادِه، لعادِلون. يُقالُ منه: قد نكَب فلانٌ عن كذا، إذا عدَل عنه، ونَكَّب عنه، أي: عَدَل عنه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} . قال: لعادِلون.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 48، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 91

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} . يقولُ: عن الحقِّ عادِلون

(1)

.

وقولُه: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ} . يقولُ تعالى: ولو رحِمْنا هؤلاءِ الذين لا يؤمنون بالآخرةِ، ورفعنا عنهم ما بهم من القَحْطِ والجَدَبِ، وضُرِّ الجوعِ والهزالِ، {لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ}. يعنى: في عُتُوِّهم، وجرأتِهم على ربِّهم، {يَعْمَهُونَ}. يعنى: يتردَّدون.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه:{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ} . قال: الجوعُ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)} .

يقولُ تعالَى ذِكرُه: ولقد أخَذْنا هؤلاء المشركين بعذابِنا، وأنزَلْنا بهم بأسَنا وسَخَطَنا، وضيَّقْنا عليهم معايشَهم، وأجدَبْنا بلادَهم، وقتلْنا سراتَهم بالسيفِ، {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ}. يقولُ: فما خَضَعوا لربِّهم، فينقادوا لأمرِه ونهيهِ، ويُنيبُوا إلى طاعتِه، {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}. يقولُ: وما يَتذلَّلون له.

وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ أخذ اللهُ قريشًا بِسِنى الجدبِ، إذ دعَا عليهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 31 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى ابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى المصنف.

ص: 92

‌ذكرُ الخبرِ بذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن الحسينِ

(1)

، عن يزيد، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمدُ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ والرحِمَ، فقد أكلْنا العِلْهِزَ

(2)

، يعنى الوبرَ والدمَ. فأنزَلَ اللَّهُ:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن عِلباءَ بن أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن ابنَ أُثالٍ الحنفيِّ لما أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو أسيرٌ، فخَلَّى سبيلَه، فلَحِقَ بمكةَ، فحالَ بينَ أهلِ مكةَ وبينَ الميرةِ

(4)

من اليمامةِ، حتى أكلَتْ قريشٌ العِلْهِزَ، فجاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أليسَ تزعُمُ أَنكَ بُعِثتَ رحمةً للعالمين؟ فقال: "بَلى". فقال: قد قتلْتَ الآباءَ بالسيفِ، والأبناءَ بالجوعِ. فأَنزَلَ اللَّهُ:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} الآية

(5)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبرنا عمرٌو، قال: قال الحسنُ: إذا أصابَ الناسَ من قبلِ السلطانِ

(6)

بلاءٌ، فإنما هي نِقْمةٌ، فلا تستقبِلُوا

(1)

في النسخ: "الحسن". وتقدم مرارا.

(2)

العلهز: شيء يتخذونه في سنى المجاعة يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه. النهاية 3/ 293.

(3)

أخرجه النسائي في الكبرى (11352)، وابن حبان (967)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 5/ 480، والطبراني (12038)، والواحدى في أسباب النزول ص 235، والحاكم 2/ 394، من طريق الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 13 إلى ابن مردويه.

(4)

الميرة: جلب الطعام. اللسان (م ى ر).

(5)

أخرجه البيهقى في الدلائل 4/ 81 من طريق ابن حميد، وأخرجه أبو نعيم في المعرفة (1392) من طريق يحيى بن واضح به.

(6)

في ص، م، ت 1، ف:"الشيطان".

ص: 93

نقمة الله بالحَمِيَّةِ، ولكن استقبِلوها بالاستغفارِ، وتضرَّعوا إلى اللهِ، وقرَأ هذه الآيةَ:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} . قال: الجوعُ والجدبُ، {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ} . فصبَروا وما استكانُوا لربِّهم، {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)} .

اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ القتالِ، فقُتِلوا يومَ بدرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} : قد مضَى، كان يومَ بدرٍ

(3)

.

حدَّثنا ابن

(4)

المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: {حَتَّى

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 14 إلى المصنف.

(2)

تقدم مختصرًا في ص 92.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 14 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن مردويه.

(4)

في ت 1، ت 2، ف:"أبو".

ص: 94

إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ}. قال: يومَ بدرٍ

(1)

.

وقال آخرون: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ المجاعةِ والضرِّ، وهو البابُ ذو العذابِ الشديدِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} . قال: لكفارِ قريشٍ الجوعُ، وما قبلَها من القصةِ لهم أيضًا

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: وما قبلها أيضًا.

وهذا القولُ الذي قالَه مجاهدٌ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لصحةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن ابن عباسٍ، أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في قصةِ المجاعةِ التي أصابَتْ قريشًا بدعاءِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأمر ثمامةَ بن أُثالٍ، وذلك لا شكَّ أنه كان بعدَ وقعةِ بدرٍ.

وقولُه: {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} . يقولُ: إذا هؤلاء المشركون فيما فتحْنا عليهم من العذابِ حَزْنَى، نادِمون على ما سلَف منهم في تكذيبِهم بآياتِ اللهِ، في حين لا ينفعُهم الندمُ والحزنُ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 14 إلى المصنف.

(2)

تفسير مجاهد 487.

ص: 95

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أحدَث لكم أيُّها المكذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ، السمعَ الذي تسمَعون بهِ، والأبصارَ التي تُبصِرون بها، والأفئدةَ التي تفقهُون بها، فكيف يتعذَّرُ على من أنشَأ ذلك ابتداءً إعادتُه بعدَ عدَمِه وفقْدِه، وهو الذي يوجِدُ ذلك كلَّه إذا شاء، ويُفنيه إذا أراد {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}. يقولُ: تشكُرون أَيُّهَا المكذِّبون خبرَ اللهِ من إعطائكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ، قليلًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)} .

يقولُ تعالَى ذكرُه: واللهُ الذي خلَقكم في الأرضِ، وإليه تُحشَرُون من بعدِ مماتِكم، يومَ

(1)

تُبعثون من قبورِكم إلى موقفِ الحسابِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي يُحيى خلقَه. يقولُ: يجعَلُهم أحياءً بعدَ أن كانوا نُطَفًا أمواتًا، بنفخِ الروحِ فيها بعدَ التاراتِ التي تأتي عليها. {وَيُمِيتُ}. يقولُ: ويُميتُهم بعد أن أحياهم، {وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}. يقولُ: وهو الذي جعَل الليلَ والنهارَ مختلفين. كما يُقالُ في الكلامِ: لك المنُّ والفضلُ. بمعنى: إنك تَمُنُّ وتُفْضِلُ.

وقولُه: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} . يقول: أفلا تعقِلون أيُّها الناسُ أن الذي فعَل هذه

(1)

في م، ت 1، ت 2:"ثم".

ص: 96

الأفعالَ ابتداءً من غيرِ أصلٍ، لا يمتنِعُ عليه إحياءُ الأمواتِ بعدَ فنائهم، وإنشاءُ ما شاءَ وإعدامُه بعدَ إنشائِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما اعتَبرَ هؤلاء المشركون بآياتِ اللهِ، ولا تَدَبَّروا ما احتجَّ عليهم من الحججِ والدلالةِ على قدرتِه، على فعلِ كلِّ ما شاء، ولكنْ قالوا مثلَ ما قال أسلافُهم، من الأممِ المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم.

{قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا} . يقولُ: أئذا مِتنا، وعُدْنا ترابًا، قد بَليت أجسامُنا، وبرِأت عظامُنا من لحومِنا، {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}. يقولُ: إِنَّا لمبعوثونَ من قبورِنا أحياءً، كهيئتِنا قبلَ المماتِ! إِنَّ هذا لشيءٌ غيرُ كائنٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: لقد وُعِدنا هذا الوعدَ الذي تعِدُنا يا محمدُ، ووعَد آباءَنا من قبلِنا قومٌ ذكَروا أنهم للهِ رسلٌ من قبلِك

(1)

، فلم نرَه حقيقةً، {إِنْ هَذَا}. يقولُ: ما هذا الذي تعِدُنا من البعثِ بعدَ المماتِ، {إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}. يقولُ: ما سطَّره الأوّلون في كتبِهم؛ من الأحاديثِ والأخبارِ التي لا صحةَ لها ولا حقيقةَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)} .

(1)

بعده في ت 2: "زعموا".

ص: 97

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المكذّبين بالآخرةِ من قومِك: لمن مُلكُ الأرضِ ومَن فيها من الخلْقِ، إن كنتم تَعْلَمون مَنْ مالكُها؟. ثم أعلَمَه أنهم سيُقرّون بأنها لله ملكًا، دون سائرِ الأشياءِ غيرِه.

{قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} . يقولُ: فقلْ لهم إذا أجابوكَ بذلك كذلك: أفلا تذكَّرون فتعلَموا

(1)

أنَّ مَن قدَر على خلْقٍ ذلك ابتداءً، فهو قادرٌ على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وإعادتِهم خلْقًا سويًّا بعدَ فنائِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)} .

يقولُ تعالى ذكره لنبيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ لهم يا محمدُ: من ربُّ السماواتِ السبعِ، وربُّ العرشِ المحيطِ بذلك؟ سيقولون: ذلك كلُّه للهِ، وهو ربُّه

(2)

. فقلْ لهم: أفلا تتقونَ عقابه على كفرِكم به، وتكذيبِكم خبرَه وخبرَ رسولِه؟

وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} ؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} . سوى أبي عمرٍو، فإنه خالَفهم؛ فقرأه:(سَيَقُولُونَ اللهُ)

(3)

. في هذا الموضعِ، وفي الآخرِ الذي بعدَه؛ اتَّباعًا لخطِّ المصحفِ، فإنّ ذلك كذلك في مصاحفِ الأمصارِ، إلَّا في مصحفِ أهلِ البصرةِ، فإنه في الموضعينِ بالألفِ

(4)

، فقرءوا بالألفِ كلَّها؛ اتباعًا لخطِّ مصحفِهم. فأما الذين قَرءوه بالألفِ فلا مُؤْنةَ في قراءتِهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجرَوا

(5)

الجوابَ على الابتداءِ، وردّوا مرفوعًا على مرفوعٍ؛ وذلك أن معنى الكلامِ

(1)

في م: "فتعلمون".

(2)

في ت 2: "رب".

(3)

ينظر السبعة لابن مجاهد ص 447.

(4)

المصاحف لابن أبي داود ص 40.

(5)

في ص، ت 2، ف:"أخروا".

ص: 98

على قراءتِهم: قلْ من ربُّ السماواتِ السبعِ وربُّ العرشِ العظيمِ؟ سيقولون: ربُّ ذلك اللهُ. فلا مؤنةَ في قراءةِ ذلك كذلك. وأمَّا الذين قَرءوا ذلك في هذا وفى الذي يليهِ بغيرِ ألفٍ، فإنَّهم قالوا: معنى قولِه: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ} : لمن السماواتُ

(1)

، لمن مُلكُ ذلك؟ فجعَلَ الجوابَ على المعنى، فقيل:(اللهُ). لأن المسألةَ عن مُلكِ ذلك لمن هو. قالوا: وذلك نظيرُ قولِ قائلٍ لرجلٍ: من مولاك؟ فيجيبُ المجيبُ عن معنى ما سُئل

(2)

، فيقولُ: أنا لفلانٍ. لأنَّه مفهومٌ بذلك من الجوابِ ما هو مفهومٌ بقولِه: مولاى فلانٌ. وكان بعضُهم يَذكُرُ أَنَّ بعضَ بني عامرٍ أنشَده

(3)

:

وأَعْلَمُ أَنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا

إذَا سارَ النَّوَاعِجُ

(4)

لا يَسِيرُ

فقال السَّائِلُونَ

(5)

لِمَنْ حَفَرْتُمْ

فقال المُخْبِرُونَ لَهُمْ وَزِيرُ

فأجابَ المخفوضَ بمرفوعٍ؛ لأنَّ معْنى الكلامِ: فقال السائلونَ: من الميتُ؟ فقال المخبرون: الميتُ وزيرٌ. فأجابوا عن المعنى دون اللفظِ.

والصوابُ من القراءةِ في ذلك أنهما قراءتانِ، قد قرَأَ بهما علماءُ من القرأةِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أني مع ذلك أختارُ قراءةَ جميعِ ذلك بغيرِ ألفٍ؛ لاجتماعِ خطوطِ مصاحفِ الأمصارِ على ذلك، سوى خطِّ مصحفِ أهل البصرةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"والأرض".

(2)

في ص، ف:"سأل".

(3)

تقدم تخريجه في 1/ 140.

(4)

في م: "النواجع". وينظر ما تقدم 1/ 140.

(5)

في ت 2: "السائرون".

ص: 99

يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)}.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ: من بيدِه خزائن كلِّ شيءٍ؟

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} . قال: خزائنُ كلِّ شيءٍ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن ابن جريجٍ]

(2)

، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} . قال: خزائن كلِّ شيءٍ.

وقولُه: {وَهُوَ يُجِيرُ} . [يقولُ: وهو يجيرُ]

(3)

من أرادَ ممن قصَده بسوءٍ، {وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ}. يقولُ: ولا أحدَ يمنعُ

(4)

مَن

(5)

أرادَه هو بسوءٍ، فيدفعَ عنه عذابَه وعقابَه، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} مَن ذلك صفتُه.

فإنَّهم سيقولون: إن ملكوتَ كلِّ شيءٍ، والقدرةَ على الأشياءِ كلِّها للهِ. فقلْ لهم يا محمدُ:{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} . يقولُ

(6)

: فمن أيِّ وجهٍ تُصْرَفونَ عن التصديقِ بآياتِ اللهِ، والإقرارِ بأخبارِه وأخبارِ رسولِه، والإيمانِ بأنَّ الله القادرُ على كلِّ ما يشاءُ، وعلى بعثِكم أحياءً

(1)

تفسير مجاهد ص 487، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 14 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة.

(2)

سقط من: م.

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(4)

في م، ص، ت 1، ف:"يمتنع".

(5)

في م: "ممن ".

(6)

في النسخ: "يقولون". والمثبت هو الصواب.

ص: 100

بعد مماتِكم، مع علمِكم بما تقولونَ من عظيمِ سلطانِه وقدرتِه.

وكان ابن عباسٍ فيما ذُكِر عنه يقولُ في معنى قولِه: {تُسْحَرُونَ} ما حدَّثني به عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} . يقولُ: تكذِّبون

(1)

.

وقد بيَّنتُ فيما مضَى "السِّحْرَ"، وأنَّه تخييلُ الشيءِ إلى الناظرِ أنَّه على خلافِ ما هو به من هيئتِه

(2)

، فذلك معنى قولِه:{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} . إنما معناه: فمن أيِّ وجهٍ يُخَيَّلُ إليكم الكذبُ حقًّا، والفاسدُ صحيحًا، فتُصرَفونَ عن الإقرارِ بالحقِّ الذي يدعوكم إليه رسولُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)} .

يقولُ: ما الأمرُ كما يزعُمُ هؤلاء المشركون باللهِ؛ من أَنَّ الملائكةَ بناتُ اللهِ، وأنَّ الآلهة والأصنامَ لهم إلهٌ

(3)

دونَ اللهِ، {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ}: اليقينِ، وهو الدينُ الذي ابتعثَ اللهُ به نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَدُ شَيءٌ سوى اللهِ؛ لأنَّه لا إِلَهَ غيرُه، {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. يقولُ: وإنَّ المشركين لكاذبون فيما يُضيفون إلى اللهِ، ويَنْحُلُونه من الولدِ والشريكِ.

وقولُه: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما للهِ من ولدٍ، ولا كانَ معه في القديمِ، ولا حينَ ابتدَعَ الأشياءَ، [مَنْ تصلُحُ]

(4)

عبادتُه، ولو كانَ معه

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 31 - من طريق أبي صالح به.

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 350 وما بعدها.

(3)

في م، ت 2، ف:"آلهة".

(4)

في ت 2: "ممن يصلح".

ص: 101

في القديمِ، أو عندَ خلقِه الأشياءَ، مَنْ تصلُحُ عبادتُه، {مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ}. يقولُ: إذن لاعتزل كلُّ إلهٍ منهم {بِمَا خَلَقَ} من شيءٍ، فانفرَد به، ولَتغالَبوا، فلعلَا بعضُهم على بعضٍ، وغلَب القويُّ منهم الضعيفَ؛ لأنَّ القويَّ لا يرضَى أن يعلُوَه ضعيفٌ، والضعيفُ لا يصلُحُ أنْ يكونَ إلهًا. فسبحانَ اللهِ ما أبلغَها من حجةٍ، وأوجزَها لمن عَقَل وتدبَّرَ!

وقولُه: {إِذًا لَذَهَبَ} . جوابٌ لمحذوفٍ، وهو: لو كان معه إلهٌ إذنْ لذهَبَ كلُّ إلهٍ بما خلَقَ. اجتُزِئ بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه.

وقولُه: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا للهِ عما يصفُه به هؤلاء المشركون من أنَّ له ولدًا، وعما قالوه من أنَّ له شريكًا، أو أنَّ معه في القِدَم إلها يُعبدُ، تبارك وتعالى.

وقولُه: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: هو عالمُ ما غابَ عن خلقِه من الأشياءِ، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، [وما رأَوه]

(1)

وشاهَدوه. وإنما هذا من اللهِ خبرٌ عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا. وعبَدوا من دونه آلهةً، أنَّهم فيما يقولون ويفعلون مُبْطِلون مخطئون، فإنَّهم يقولون ما يقولون من قولٍ في ذلك عن غير علمٍ، بل عن جهلٍ منهم به، وإنَّ العالِمَ بقديمِ الأمورِ وبحديثِها، وشاهدِها وغائبِها عنهم، اللهُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، فخبرُه هو الحقُّ دونَ خبرِهم.

وقال: (عالمُ الغَيْب). فرفع (عالمُ) على الابتداءِ، بمعنى: هو عالمُ الغيبِ. ولذلك دخَلتِ الفاءُ في قولِه: {فَتَعَالَى} . كما يقالُ: مررتُ بأخيك المحسنُ،

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"فرأوه".

ص: 102

فأحسَنتُ إليه. فترفعُ "المحسنَ" إذا جعَلتَ "فأحسنتُ إليه" بالفاءِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسنُ، فأحسنتُ إليه. ولو جُعِل الكلامُ بالواوِ فقيل: وأحسنتُ إليه. لم يكنْ وجهُ الكلامِ في "الحسنِ" إلا الخفضَ على النعتِ لـ "لأخٍ"، ولذلك لو جاء:{فَتَعَالَى} بالواو، كان وجهُ الكلامِ في {عَالِمِ الْغَيْبِ} الخفضَ على الإتباعِ لإعرابِ اسمِ "اللهِ"، وكان يكونُ معنى الكلامِ: سبحانَ اللهِ عالِمِ الغيبِ والشهادةِ [وتعالى]

(1)

! فيكونُ قولُه: "وتعالى". حينئذٍ معطوفًا على: {سُبْحَانَ اللَّهِ} .

وقد يجوزُ الخفضُ مع الفاءِ؛ لأنَّ العربَ قد تبتدِئُ الكلامَ بالفاءِ، كابتدائِها بالواوِ. وبالخفضِ كان يقرأُ:{عَالِمِ الْغَيْبِ} في هذا الموضعِ أبو عمرٍو، وعلى خلافِه في ذلك قَرَأَةُ الأمصارِ

(2)

.

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا الرفعُ؛ لمعنيين: أحدُهما: إجماعُ الحجةِ من القرأةِ عليه. والثاني: صحتُه في العربيةِ.

وقولُه: {فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فارتفَع اللهُ وعلا عن شركِ هؤلاء المشركين، ووصفِهم إياه بما يصفون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ: ربِّ إِنْ تُرني

(3)

في هؤلاء

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"فتعالى".

(2)

بالخفض قرأ ابن كثير وحفص وأبو عمرو وابن عامر، وبالرفع قرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر. حجة القراءات ص 491.

(3)

في م: "تريني".

ص: 103

المشركين ما تعِدُهم من عذابِك، فلا تُهلِكْنى بما تهلكُهم به، ونجِّنى من عذابِك وسَخَطِك، فلا تجعَلْنى في القومِ المشركين، ولكن اجعلْنى ممن رَضِيتَ عنه من أوليائِك.

وقولُه: {فَلَا تَجْعَلْنِي} . جوابٌ لقولِه: {إِمَّا تُرِيَنِّي} . اعتُرِض بينهما بالنداءِ، ولو لم يكنْ قبلَه جزاءٌ لم يَجُزْ ذلك في الكلامِ، لا يقالُ: يا زيدُ فقمْ. ولا: يا ربِّ فاغفرْ لى. لأنَّ النداءَ مستأنَفٌ، وكذلك الأمرُ بعدَه مستأنفٌ، لا تدخلُه الفاءُ والواوُ، إلا أنْ يكون جوابًا لكلامٍ قبلَه.

وقولُه: {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا يا محمدُ على أنْ نريَك في هؤلاء المشركين ما نعِدُهم من تعجيلِ العذابِ لهم - لقادرون، فلا يَحْزُنَنَّك تكذيبُهم إياك بما نعِدُهم به، وإنما نؤخِّرُ ذلك ليبلُغَ الكتابُ أجلَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه: ادفعْ يا محمدُ بالخَلَّةِ التي هي أحسنُ؛ وذلك الإغضاءُ والصفحُ عن جَهَلةِ المشركين، والصبرُ على أذاهم. وذلك أمرَه إياه قبلَ أمرِه بحربِهم.

وعنَى بـ "السيئة": أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند عندِ اللهِ. يقولُ له تعالى ذِكْرُه: اصْبرْ على ما تَلقَى منهم في ذاتِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ص: 104

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} . قال: أعرِضْ عن أذاهم إياك

(1)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَريِّ، عن مجاهدٍ:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} . قال: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إِذا لَقِيتَه

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ مثلَه

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} . قال: واللهِ لا يصيبُها صاحبُها حتى يكظِمَ غيظًا، ويصفَحَ عما يكرهُ.

وقولُه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} . يقولُ تعالى ذِكْرُه: نحن أعلمُ بما يصِفون الله به وينحُلُونه من الأكاذيبِ والفريةِ عليه، وبما يقولون فيك من السوءِ، ونحن مجازوهم على جميعِ ذلك، فلا يحزُنْك ما تسمَعُ منهم من قبيحِ القول.

وقولُه: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} . يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 14 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه معمر في جامعه (20225)، وعنه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 48.

ص: 105

محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمدُ ربِّ أستجيرُ بك من خَنْقِ الشياطينِ وهمزاتِها.

والهَمْزُ هو الغَمْرُ، ومن ذلك قيل للهمزِ في الكلامِ: هَمْزٌ

(1)

. والهَمَزَاتُ جمعُ هَمْزةٍ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . قال: همزاتُ الشياطينِ: خَنْقُهم الناسَ، فذلك هَمَزَاتُهم.

وقولُه: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . يقولُ: وقلْ: أستجيرُ بك ربِّ أنْ يَحضُرون في أمورى كلِّها

(2)

.

كالذى حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبِ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . في شيءٍ من أمرى

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: حتى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعايَن نُزولَ

(1)

في م: "همزة".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت، ف.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 14 إلى ابن أبي حاتم.

ص: 106

أمرِ اللهِ به. قال لعظيمِ ما يعايِنُ مما يَقْدَمُ عليه من عذابِ اللهِ، تندُّمًا على ما فات، وتلهُّفًا على ما فرَّط فيه قبلَ ذلك من طاعةِ اللهِ، ومسألتِه للإقالةِ:{رَبِّ ارْجِعُونِ} إلى الدنيا، فرُدّوني إليها.

{لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} . يقولُ: كي أعملَ صالحًا فيما ترَكتُ قبلَ اليومِ من العملِ فضَيَّعتُه وفرَّطتُ فيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعشرٍ، قال: كان محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ يقرأُ علينا: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} . قال محمدٌ: إلى أيِّ شيءٍ يريدُ؟ إلى أيِّ شيءٍ يرغبُ؟ أجمْعَ المالِ، أو غَرْسَ الغِراسِ، أو بَنْيَ بُنيانٍ، أو شقَّ أنهارٍ؟ ثم يقولُ:{لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} . يقولُ الجبارُ: {كَلَّا}

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} . قال: هذه في الحياة، ألا ترَاه يقولُ:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} . قال: حينَ تنقطعُ الدنيا ويعايِنُ الآخرةَ، قبلَ أنْ يذوقَ الموتَ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعائشةَ: "إِذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قَالُوا: نَرْجِعُكَ إلى الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُوم والأَحْزَانِ؟ فَيَقُولُ: بَل قُدمًا

(2)

إلى اللهِ. وأمَّا الكافِرُ فيُقَالُ له: ترْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: {ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 487 مختصرًا.

(2)

في م: "قدماني".

ص: 107

تَرَكْتُ} "

(1)

الآية.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} . يعنى أهلَ الشركِ

(2)

.

وقيل: {رَبِّ ارْجِعُونِ} . فابتدَأ الكلامَ بخطابِ اللهِ تعالى ذِكرُه، ثم قيل:{ارْجِعُونِ} . فصار إلى خطابِ الجماعةِ، واللهُ تعالى ذِكرُه واحدٌ. وإنما فعَل ذلك كذلك لأنَّ مسألةَ القومِ الردَّ إلى الدنيا، إنما كانت منهم للملائكةِ الذين يَقبضون رُوحَهم

(3)

، كما ذكَر ابن جُرَيجٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قاله. وإنما ابتُدِئ الكلامُ بخطابِ اللهِ جلَّ ثناؤه لأنهم استغاثوا به، ثم رجَعوا إلى مسألةِ الملائكةِ الرجوعَ، والردَّ إلى الدنيا.

وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ

(4)

يقولُ: قيل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرَى على وصْفِ اللهِ به نفسَه من قولِه: {خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] في غيرِ مكانٍ من القرآنِ، فجرَى هذا على ذاك. وقولُه:{كَلَّا} . يقولُ تعالى ذِكرُه: ليس الأمرُ على ما قال هذا المشركُ، لن يَرْجِعَ إلى الدنيا، ولن يُعادَ إليها، {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}. يقولُ: هذه الكلمةُ، وهو قولُه:{رَبِّ ارْجِعُونِ} . {كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} . يقولُ: هذا المشركُ هو قائلُها.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 14 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

ينظر تفسير القرطبي 12/ 149.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت، ف:"روحه".

(4)

هو الفراء في معاني القرآن 2/ 241، 242.

ص: 108

{كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} . لا بُدَّ له أنْ يقولَها

(1)

.

{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} . يقولُ: ومن أمامِهم حاجرٌ يحجُرُ بينَهم وبينَ الرجوعِ. يعنى: إلى يوم يُبْعَثون من قبورِهم، وذلك يوم القيامةِ.

والبرزخُ والحاجزُ والمُهْلةُ متقارباتُ المعنى.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . يقولُ: أجلٌ إلى حينٍ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} . قال: ما بعد الموت

(2)

حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريحُ بن يزيدَ، قال: ثنا أرطاةُ، عن أبي الحجاجِ

(3)

يوسفَ، قال: خرجتُ مع أبي أمامةَ في جِنازةٍ، فلما وُضِعت في لَحْدِها، قال أبو أمامةَ: هذا برزخٌ إلى يوم يُبعثون

(4)

.

(1)

ينظر تفسير ابن كثير 5/ 487.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى المصنف.

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 3، ف. وينظر تهذيب الكمال 2/ 312.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وسمويه في فوائده.

ص: 109

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فطرٌ

(1)

، عن مجاهدٍ قولَه:{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . قال: ما بينَ الموتِ إلى البعثِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . قال: حجازٌ

(3)

بينَ الميتِ والرجوعِ إلى الدنيا

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . قال: برزخٌ بقيةَ الدنيا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه

(5)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . قال: البرزخُ ما بين الموتِ إلى البعثِ

(6)

.

(1)

في النسخ: "مطر".

(2)

أخرجه هناد في الزهد (314)، وأبو نعيم في الحلية 3/ 290 من طريق فطر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م، ت 1، ف:"حجاب".

(4)

تفسير مجاهد ص 488، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى عبد بن حميد.

(5)

تفسير عبد الرزاق 2/ 48 به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى عبد بن حميد.

(6)

ينظر التبيان 7/ 348.

ص: 110

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ: البرزخُ ما بينَ الدنيا والآخرةِ

(1)

.

القولُ في تأويلِ في قولِه تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ} من النفختين، أيَّتُهما عُنِىَ بها؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ بها النفخةُ الأولى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن

(2)

مُطَرِّفٍ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أن رجلًا أتى ابنَ عباسٍ، فقال: سمِعتُ الله يقولُ: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} الآية. وقال في آيةٍ أخرى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات: 27]. فقال: أما قولُه: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} . فذلك في النفخةِ الأُولى، فلا يَبْقى على الأرض شيءٌ، {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}. وأما قولُه:{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} . فإنهم لما دخلُوا الجنةَ أقبَلَ بعضُهم على بعضٍ يتساءلون

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ في قولِه:

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 5/ 428.

(2)

في النسخ: "بن". وتقدم على الصواب في 7/ 42، وينظر تهذيب الكمال 22/ 203، 28/ 62.

(3)

سقط من: ت 2.

والأثر أخرجه الحاكم 2/ 394 من طريق حكام بن سلم به. وينظر بقية تخريجه في 7/ 42، 43.

ص: 111

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} . قال: في النفخةِ الأولى

(1)

.

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} . فذلك حينَ يُنفخُ في الصورِ، فلا حيَّ يبقى إلا اللهُ، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} . فذلك إذا بُعثوا في النفخةِ الثانيةِ

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: فمعنى ذلك على هذا التأويلِ: فإِذا نُفِخ في الصورِ فَصَعِقَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ إلا مَن شاء اللهُ، فلا أنسابَ بينَهم يومئذٍ يتواصلُون بها، ولا يتساءلُون، ولا يتزاورُون، فيتساءلُون عن أحوالِهم وأنسابِهم.

وقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك النفخةُ الثانيةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن هارونَ بن أبي وكيعٍ، قال: سمِعتُ زاذانَ يقولُ: أَتيتُ ابنَ مسعودٍ، وقد اجتمَع الناسُ إليه في دارِه، فلم أقدِرْ على مَجلسٍ، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، من أجلِ أنى رجلٌ من العجمِ تَحْقِرُني؟ قال: ادْنُ. قال: فدنوتُ، فلم يكنْ بينى وبينه جليسٌ، فقال: يؤخذُ بيدِ العبدِ أو الأَمةِ يومَ القيامةِ على رءوسِ الأوّلين والآخرين. قال: وينادِى منادٍ: ألا إنَّ هذا فلانُ بنُ فلانٍ، فمن كان له حقٌّ قِبله فليأتِ إلى حقِّه. قال: فتفرحُ المرأةُ يومئذٍ

(1)

أخرجه ابن المقرئ في معجمه (710) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 112

أن يذوبَ

(1)

لها حقٌّ على ابنِها، أو على أبيها، أو على أخِيها، أو على زوجِها، {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} .

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن زاذانَ، قال: سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: يؤخذُ العبدُ أو الأمةُ يومَ القيامةِ فيُنَصبُ على رءوسِ الأوّلين والآخرين، ثم ينادِى منادٍ. ثم ذكر نحوَه، وزاد فيه: فيقولُ الربُّ تبارك وتعالى للعبدِ: أَعطِ هؤلاء حقوقَهم. فيقولُ: أي ربِّ، فَنِيتِ الدنيا، فمن أينَ أُعطيهم؟ فيقولُ للملائكةِ: خذُوا من أعمالِه الصالحةِ، فأعطُوا كلَّ

(2)

إنسانٍ بقدرِ طَلِبَتِه. فإنْ كان له فضلُ مثقالِ حبةٍ من خردلٍ، ضاعَفَها اللهُ له حتى يُدخلَه بها الجنةَ. ثم تلا ابن مسعودٍ:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]. وإن كان عبدًا شقيًّا قالت الملائكةُ: ربَّنا، فنِيتْ حسناتُه، وبقِى طالبون كثيرٌ. فيقولُ: خُذوا من أعمالِهم السيئةِ، فأَضيفوها إلى سيئاتِه، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النارِ

(3)

.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} . قال: لا يُسألُ أَحدٌ يومَئِذٍ بنسبٍ شيئًا، ولا يتساءلون، ولا يَمُتُّ إليه برحمٍ

(4)

.

(1)

في م: "يكون". ويذوب أي: يجب. النهاية 2/ 171.

(2)

في م، ت 1، ف:"لكل".

(3)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 4/ 201، 202 من طريق عيسى بن يونس به، وأخرجه الحسين المروزى في زوائده على زهد ابن المبارك (1416) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 18/ 285 - عن عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب عن زاذان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى المصنف عن ابن جريجٍ، وينظر فتح البارى 8/ 558.

ص: 113

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن جعفرِ

(1)

بن المغيرةِ، عن قتادةَ، قال: ليس شيءٌ أبغضَ إلى الإنسانِ يومَ القيامةِ من أن يَرَى مَن يَعرِفُه

(2)

؛ مخافةَ أن يذوبَ له عليه شيءٌ. ثم قرَأ: هو {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}

(3)

[عبس: 34 - 37].

قال: ثنا الحسينُ

(4)

، قال: ثنا الحكمُ بنُ سنانٍ، عن سَدُوسٍ صاحبِ السابريِّ

(5)

، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذا دَخَلَ أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النارَ، نادَى مُنادٍ مِنْ تحتِ

(6)

العَرْشِ: يا أَهْلَ التَّظالِمِ تَتَارَكُوا

(7)

مظالِمَكم، وادْخُلُوا الجَنَّةَ"

(8)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} : موازينُ حسناتِه، وخفَّتْ موازينُ سيئاتِه، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، يعني: الخالدون في جناتِ النعيمِ.

(1)

في م، ت 1، ف:"حفص". ولعله جعفر بن أبى المغيرة، الراوى عن سعيد. جبيرٍ، والله أعلم. ينظر تهذيب الكمال 5/ 112، 113.

(2)

في م: "يعافه".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 15 إلى المصنف.

(4)

في النسخ: "الحسن".

(5)

في م: "السائرى". وينظر الأنساب 3/ 194.

(6)

في ص، م، ت 1، ف:"أهل".

(7)

في م، ت 1، ت 2، ف:"تداركوا".

(8)

أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (116)، والطبرانى في الأوسط (5144)، والخطيب في الموضح 1/ 198 من طريق الحكم بن سنان به.

ص: 114

[{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}. يقولُ]

(1)

: ومن خفَّتْ موازينُ حسناتِه، فرجَحَتْ بها موازينُ سيئاتِه، {فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}. يقولُ: غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها من رحمةِ اللهِ، {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}. يقولُ: هم في نارِ جهنمَ.

وقولُه: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} . يقولُ: تَسْفَعُ وجوهَهم النارُ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} . قال: تَنفَحُ

(2)

.

{وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} والكُلوحُ: أن تتقلَّصَ الشفتانِ عن الأسنانِ حتى تبدوَ الأسنانُ، كما قال الأعشى

(3)

:

وله المُقْدَمُ لا مِثْلَ له

ساعَةَ الشَّدْقِ عَنِ النَّابِ كَلَحْ

فتأويلُ الكلامِ: يَسْفَعُ

(4)

وجوهَهم لهبُ النارِ، فيُحْرِقُها، وهم فيها متقلِّصو الشفاهِ عن الأسنانِ، من إحراقِ النارِ وجوهَهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 16 إلى المصنف.

(3)

ديوانه ص 241، والشطر الأول فيه:

*وله المقدم في الحرب إذ

(4)

في ت 1، ت 2، ف:"تسفح".

ص: 115

في قولِه: {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} . يقولُ: عابسون

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:{وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} . قال: ألم ترَ إلى الرأسِ المَشِيطِ قد بدتْ أسنانُه، وقَلَصت شفتاه

(2)

؟

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قرَأ هذه الآيةَ:{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} الآية. قال: ألم تَروْا إلى الرأسِ المَشِيطِ بالنارِ وقد قَلَصتْ شفتاه، وبدَتْ أسنانُه

(3)

؟

حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} . قال: ألم ترَوْا إلى الغنمِ إذا مستِ النارُ وجوهَها كيف هي؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} . يعني: آياتُ القرآنِ تُتْلى عليكم في الدنيا، {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} . وتَرَك ذكرَ "يقالُ" لدلالةِ الكلامِ عليه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 263 والإتقان 2/ 31 من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 16 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير سفيان ص 218، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 48، وابن أبي شيبة 13/ 174، 175، وهناد في الزهد (304)، وأخرجه الطبراني (9121) من طريق أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 16 إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه هناد في الزهد (303)، والحاكم 2/ 395 من طريق إسرائيل به بنحوه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

ص: 116

{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ أهلُ الكوفةِ:{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} بكسرِ الشينِ، وبغيرِ ألفٍ

(1)

. وقرأته عامة قرأة أهلُ الكوفةِ: (شَقاوَتُنا) بفتحِ الشينِ والألفِ

(2)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.

وتأويلُ الكلامِ: قالوا: ربَّنا غلَب

(3)

علينا ما سبَق لنا في سابقِ علمِك وخُطَّ لنا في أمِّ الكتابِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ عن القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه:{غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} . قال: التي كُتبتْ علينا.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ]

(4)

، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} . التي كُتبتْ علينا

(5)

.

(1)

هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرٍو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد.

(2)

هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.

(3)

في م، ت 1، ت 2، ف:"غلبت".

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

تفسير مجاهد ص 488، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2508، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =

ص: 117

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

[وقال: قال ابن جريجٍ]

(1)

: بلغنا أنَّ أهلُ النارِ نادوا خَزَنَةَ جهنم: أن {ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} [غافر: 49]. فلم يجيبوهم ما شاء اللهُ، فلما أجابوهم بعد حينٍ، قالوا:{فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 50]. قال: ثم نادَوْا مالكًا: {يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} . فسكَت عنهم مالكٌ خازنُ جهنمَ أربعين سنةً، ثم أجابهم فقال:{إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77]. ثم نادى الأشقياءُ ربَّهم، فقالوا:{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} . فسكَت عنهم مثلَ

(2)

مقدارِ الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبارك وتعالى:{قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}

(3)

.

قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: ينادِى أهلُ النارِ: يا أهلَ الجنةِ. فلا يجيبونهم ما شاء اللهُ، ثم يقالُ: أجيبوهم. وقد قُطِع الرَّحِمُ والرحمةُ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: يا أهلَ النارِ، عليكم غضبُ اللهِ، يا أهلَ النارِ، عليكم لعنةُ اللهِ، يا أهلَ النارِ، لا لَبَّيْكم ولا سَعْدَيْكم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نكُ في الدنيا آباءَكم وأبناءَكم وإخوانَكم وعشيرتَكم؟ فيقولون: بلى. فيقولون: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} . قالوا: هو {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}

(4)

[الأعراف: 50].

= 5/ 16 إلى عبد بن حميد.

(1)

في ت 2: "وحدثنا ابن جريج قال".

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 17 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

أخرجه الحسين بن داود سنيد - في تفسيره - كما في التخويف من النار لابن رجب ص 218.

ص: 118

قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدُ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: وحدَّثنى عَبْدةُ المَرْوَزِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن عمرَ

(1)

بن أبي ليلى، قال: سمِعتُ محمدُ بنُ كعبٍ، زاد أحدُهما على صاحبِه: قال محمدُ بنُ كعبٍ: بلَغني، أو ذُكر لى، أنَّ أهلَ النارِ استغاثُوا بالخَزَنَةِ:{ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} . فردُّوا عليهم ما قال اللهُ: فلما أيِسُوا نادَوْا: يا مالكُ. وهو عليهم، وله مجلسٌ في وَسَطِها، وجسورٌ تمرُّ عليه

(2)

ملائكةُ العذابِ، فهو يَرى أقصاها كما يَرى أدناها، فقالوا:{يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} . سألوا الموتَ، فمكَث لا يجيبُهم ثمانين ألفَ سنةٍ

(3)

من سِنِى الآخرةِ، أو كما قال، ثم لحَظ

(4)

إليهم

(5)

، فقال:{إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} . فلما سمِعوا ذلك قالوا: فاصبِرُوا، فلعلَّ الصبرَ ينفعُنا كما صبر أهلُ الدنيا على طاعةِ اللهِ. قال: فصَبَروا، فطالَ صبرُهم، فنادَوْا:{وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21]: أي: مَنْجًى. فقام إبليسُ عندَ ذلك فخطَبهم، فقال:{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} [إبراهيم: 22]. فلما سمِعوا مقالَتَه

(6)

، مَقَتُوا أنفسَهم، قال: فنُودوا: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا} الآية. [غافر: 10، 11]. قال: فيجيبُهم اللهُ فيها: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ

(1)

في النسخ: "عمرو"، والصواب ما أثبتنا، وينظر ما تقدم في 13/ 716.

(2)

في م، ت 1:"عليها".

(3)

سقط من: ص، ت 1.

(4)

في ص، ف:"حط"، بدون نقط، وفى ت 1، ت 2، ت:3: "سخط"، وفى م:"انحط". والمثبت من التذكرة للقرطبي (1368).

(5)

في ت 1: "عليهم".

(6)

في م، ف:"مقالتهم".

ص: 119

وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12]. قال: فيقولون: ما أَيِسْنا بعدُ. قال: ثم دعوا مرَّةً أُخرى، فيقولون:{رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12]. قال: فيقولُ الربُّ تبارك وتعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} . يقولُ الربُّ: لو شئتُ لهديتُ الناسَ جميعًا، فلم يخَتلِفْ منهم أحدٌ، {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}. يقولُ: بما ترَكتم أنْ تعملُوا ليومِكم هذا، {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} أي: تركناكم، {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 13، 14]. قال: فيقولون: ما أَيِسنا بعدُ. قال: فيَدْعُون مرةً أخرى: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} . فيقولُ

(1)

: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية [إبراهيم: 44، 45]. قال: فيقولون: ما أيِسنا بعدُ. [قال: فيدْعُون]

(2)

مرَّةً أخرى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} . قال: فيقولُ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} إلى {نَصِيرٍ} [فاطر: 37]. ثم مكَث عنهم ما شاء اللهُ، ثم ناداهم: هو {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} . فلما سمِعوا ذلك قالوا: الآن يرحمُنا. فقالوا عندَ ذلك: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} أي: الكتابُ الذي كُتِبَ علينا، {وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} الآية. فقال عند ذلك:{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . قال: [ولا تتكلمونَ]

(3)

فيها أبدًا. فانْقَطَع عند ذلك الدعاءُ والرجاءُ

(1)

في م: "قال فيقال لهم".

(2)

في ص، ت 1، ف:"ثم قال"، وفى م:"ثم قالوا".

(3)

في م: "فلا يتكلمون".

ص: 120

منهم، وأقبَلَ بعضُهم ينبَحُ في وجهِ بعضٍ، فأُطْبِقَت عليهم

(1)

.

قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ في حديثهِ: فحدَّثنى الأزهرُ بنُ أبى الأزهرِ أنه قال: فذلك قولُه: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35، 36].

حدَّثنا القاسمُ، قال:[ثنا الحسينُ]

(2)

، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ أنه قال: فوالذى أنزَل القرآنَ على محمدٍ، والتوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، ما تكلَّم أهلُ النارِ كلمةً بعدها إلا الشهيقَ والزَّفيرَ

(3)

في الخلدِ أبدًا، ليس له نفادٌ. قال: ثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ قال: كنا في جِنازةٍ ومعنا أبو جعفرٍ [القارئُ، فجلَسنا، فتنَحَّى أبو جعفرٍ]

(4)

، فبكى، فقيل له: ما يُبكيك يا أبا جعفرٍ؟ قال: أخبَرنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ أهلُ النارِ لا يتنفَّسُون

(5)

.

وقولُه: {وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} . يقولُ: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيلِ الرشادِ، وقصدِ الحقِّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)

(1)

أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 5/ 16 - ومن طريقه البيهقي في البعث (660)، في الأسماء والصفات (482)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (251) من طريق ابن المبارك، عن الحكم، عن عمر به، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وينظر زوائد نعيم بن حماد (319)، والتذكرة للقرطبي (1368).

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ص: "الرقيق"، وفى م، ت 1، ف:"الزعيق".

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (158) من طريق أبي معشر به، وذكره ابن رجب في التخويف النار ص 92، وقال: خرجه الجوزجاني.

ص: 121

قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)}.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل الذين خفَّت موازينُ صالحِ أعمالِهم يومَ القيامةِ في جهنَّمَ: ربَّنا أخرجْنا من النَّارِ، فإِنْ عُدْنا لما تكرهُ منَّا مِن عملٍ، فإنَّا ظالمونَ.

وقولُه: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: قال الربُّ لهم جلَّ ثناؤه مجيبًا: {اخْسَئُوا فِيهَا} . أي: اقعُدُوا في النارِ.

يقالُ منه: خَسَأْتُ فلانًا أَخْسَؤُه خَسْئًا وخُسوءًا، وخَسَأَ

(1)

هو يخسَأُ، وما كان خاسئًا، ولقد خسِئَ.

{وَلَا تُكَلِّمُونِ} . فعندَ ذلك أيس المساكينُ مِن الفرجِ، وقد كانوا طامعين فيه.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كَهَيلٍ، قال: ثنى أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ، في قصةٍ ذكَرها في الشفاعةِ، قال: فإذا أراد اللهُ ألَّا يُخْرِجَ منها - يعنى من النارِ - أحدًا، غيَّر وجوهَهم وألوانَهم

(2)

، فيجيءُ الرجلُ من المؤمنين، فيشفعُ فيه

(3)

، فيقولُ: ياربِّ. فيقولُ: من عَرَفَ أحدًا فلْيُخرجْه. قال: فيجيءُ الرجلُ فينظرُ، فلا يعرفُ أحدًا، فيقولُ: يا فلانُ، يا فلانُ، فيقولُ: ما أعرِفُك. فعندَ ذلك يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} . فيقولُ: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . فإذا قالوا ذلك، انطبَقتْ عليهم جهنمُ، فلا يخرجُ منها بشرٌ

(4)

.

(1)

في م: "خسئ".

(2)

في م: "ألوانها".

(3)

في م: "فيهم".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2508 من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.

ص: 122

حدَّثنا تميم بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن شَهرِ بن حَوْشبٍ، عن معدِيكربَ، عن أبي الدَّرْداءِ، قال: يُرْسَلُ، أو يُصَبُّ، على أهلُ النارِ الجوعُ، فيعدِلُ ما هم فيه مِن العذابِ، فيستغيثون، فيغاثُون بالضَّريع الذي لا يُسْمِنُ ولا يُغنِي من جوعٍ، فلا يُغنِي

(1)

ذلك عنهم شيئًا، فيستغيثون، فيُغاثُون بطعامٍ ذى غُصَّةٍ، فإذا أكلوه نَشِب في حلوقِهم، فيذكرون أنَّهم كانوا في الدنيا يحدِرون

(2)

الغُصةَ بالماءِ، فيستغيثون، فيُرفعُ إليهم الحميمُ في كلاليبِ الحديدِ، فإذا انتهى إلى وجوهِهم شَوَى وجوهَهم، فإذا شرِبوه قطَّع أمعاءَهم. قال: فينادُون مالكًا: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} . قال: فيتركُهم ألفَ سنةٍ، ثم يجيبُهم:{إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77]. قال: فينادُون خَزَنَةَ جهنمَ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 49، 50]. قال: فيقولون: ما نجدُ أحدًا خيرًا لنا من ربِّنا. فينادُون ربَّهم: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} . قال: فيقولُ اللهُ: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . قال: فعندَ ذلك يئسوا من كلِّ خيرٍ، فيدْعُون بالويلِ والشَّهِيقِ والثُّبورِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عاصمُ بنُ يوسفَ اليَرْبوعيُّ، قال:

(1)

في ص، ف:"يعفى".

(2)

حَدَرَه يُحْدِرُه ويَحْدُرُه حَدْرًا وحُدُورًا فانْحَدَرَ: حَطَّه من عُلو إلى سُفْلٍ. ينظر التاج (ح د ر).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 13/ 155 من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (84) من طريق الأعمش به بدون ذكر معديكرب.

قال في تحفة الأحوذى 3/ 345: وهو وإن كان موقوفًا لكنه في حكم الرفع، فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن يقال من قبل الرأى.

ص: 123

ثنا قُطْبةُ

(1)

بنُ عبدِ العزيز الأسديُّ

(2)

، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شَهْرِ بنُ حوشبٍ، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يُلْقَى عَلى أَهْلِ النَّارِ الجُوعُ". ثم ذكَر نحوًا منه

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بنُ عنترةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: يرى أهلُ النارِ في كلِّ سبعين عامًا ساق مالكٍ خازنِ النارِ، فيقولون:{يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77]. فيجيبُهم بكلمةٍ، ثم لا يرَوْنه سبعين عامًا، فيستغيثون بالخَزَنَةِ، فيقولون لهم:{ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} [غافر: 49]. فيُجيبونهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} الآية [غافر: 50]. فيقولون: ادعوا ربَّكم، فليس أحدٌ أرحمَ من ربِّكم. فيقولون:{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} . قال: فيجيبُهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . فعندَ ذلك يَأْيسون

(4)

من كلِّ خيرٍ، ويأخذون في الشهيقِ والوَيْلِ والثُّبورِ.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . قال: بلغنى أنهم ينادون مالكًا، فيقولون:{لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} . فيسكُتُ عنهم قدرَ أربعين سنةً، ثم يقولُ:{إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} . قال: ثم ينادُون ربَّهم، فيسكُتُ عنهم قدرَ الدنيا مرَّتين، ثم يقولُ:{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . قال: فيبأسُ القومُ، فلا يتكلَّمون بعدَها كلمةً، وكان إنما هو الزفيرُ والشهيقُ. قال قتادةُ: صوتُ الكافرِ في النارِ مِثْلُ صوتِ الحمارِ، أوَّلُه زفيرٌ، وآخرُه

(1)

في ت 2: "قطنة".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، 3، ف:"السعدى". وينظر تهذيب الكمال 23/ 607.

(3)

أخرجه الترمذى (2586)، والبيهقى في البعث والنشور (600) من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 16 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

في م: "ييأسون".

ص: 124

شهيقٌ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخَبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، [قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ]

(2)

، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عيسى، قال: أخبَرني زيادٌ الخُراسانيُّ، قال: أسندَه إليَّ بعضُ أهلِ العلمِ فنسيتُه

(3)

، في قولِه:{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . قال: فيسكُتون. قال: فلا يُسمَعُ فيها حِسٌّ إلا كطنينِ الطَّسْتِ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . قال: هذا قولُ الرحمنِ عز وجل، حينَ انقطع كلامُهم منه

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {إِنَّهُ} - وهذه الهاءُ في قولِه: {إِنَّهُ} . هي الهاءُ التي يُسمِّيها أهل العربيةِ المجهولةَ. وقد بيَّنتُ معناها فيما مضى قبلُ، ومعنى دخولِها في الكلامِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(6)

- {كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي} .

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 49 وينظر التخويف من النار لابن رجب ص 205.

(2)

سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج.

(3)

في ت 2: "فنسيه".

(4)

في ت 1: "الطشت".

والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 49، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2509 من قول زياد بن سعد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 17 إلى عبد بن حميد.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2509، والبيهقى في الأسماء والصفات (481) من طريق محمد بن سعد به.

(6)

ينظر ما تقدم في 16/ 596، وسيأتي الكلام مفصلًا في 18/ 13، 14.

ص: 125

يقولُ: كانت جماعةٌ من عبادى، وهم أهلُ الإيمانِ باللهِ، يقولون في الدنيا:{رَبَّنَا آمَنَّا} بك وبرسلِك

(1)

، وما جاءوا به من عندِك، {فَاغْفِرْ لَنَا} ذُنُوبَنَا {وَارْحَمْنَا [وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} . يقولُ]

(2)

: وأنت خيرُ من رحِم أهلَ البلاءِ، فلا تعذِّبْنا بعذابِك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)} .

يقولُ تعالى ذكرَه: فاتخذتُم أيُّها القائلون لربِّهم: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} . في الدنيا، القائلين فيها: الله {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} - سِخْريًّا.

والهاءُ والميمُ في قولِه: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ} . من ذكرِ "الفريق".

واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {سِخْرِيًّا} ؛ فقرأه بعضُ قرأةِ الحجازِ، وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ:{فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} ، بكسرِ السينِ

(3)

، ويتأوَّلون في كسرِها أن معنى ذلك الهُزْءُ، ويقولون: إنها إذا ضُمَّت، فمعنى الكلمةِ: السُّخْرةُ والاستعبادُ. فمعنى الكلامِ على مذهبِ هؤلاء: فاتخذتم أهلَ الإيمانِ بي في الدنيا هُزُوًا ولعبًّا، تهزءون بهم، حتى أنسَوْكم ذكرى.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} . بضمِّ السينِ

(4)

، وقالوا: معنى الكلمةِ في الضمِّ والكسرِ واحدٌ.

وحكى بعضُهم

(5)

عن العربِ سماعًا لجِّيٌّ ولِجِّيٌّ، ودُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ، منسوبٌ

(1)

في ت 2: "برسولك".

(2)

سقط من: ص، م، ف.

(3)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 448.

(4)

هي قراءة نافع وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

(5)

هو الكسائي، كما في معاني القرآن للفراء 2/ 243.

ص: 126

إلى الدُّرِّ، وكذلك كُرسيٌّ وكِرسيٌّ. وقالوا: ذلك من قيلِهم كذلك نظيرُ قولِهم في جمعِ العصا: العِصِيُّ. بكسرِ العينِ، والعُصيُّ بضمِّها. قالوا: وإنما اخترنا الضمَّ في السُّخريِّ لأنه أفصحُ اللغتين.

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مشهورتانِ، ولغتانِ معروفتانِ، بمعنًى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأَيَّتِهما قرأ القارىُ ذلك فمصيبٌ، وليس [يُعرفُ من فَرْقٍ]

(1)

بينَ معنى ذلك إذا كُسِرت السينُ وإذا ضُمَّت؛ لِما ذكرتُ من الروايةِ عمن سمِع من العربِ ما حَكَيتُ عنه.

‌ذكرُ الروايةِ عن بعضِ مَنْ فَرَّق في ذلك بينَ معناه مكسورةً سينُه ومضمومةً

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} قال: هما مختلفان: سِخريًّا، وسُخريًّا، يقولُ اللهُ:{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32]. قال: هذا سُخريٌّ

(2)

، يُسَخِّرونهم، والآخرون الذين يستهزئون بهم، هم "سِخريًّا"، فتلك سُخريًّا، تُسَخِّرونهم - عبيدُك

(3)

- تَسْخِرَةً

(4)

، رفعَك فوقَه، والآخرون استهزءوا بأهلِ الإسلامِ، هي "سِخريًّا"، يَسْخَرون منهم

(5)

، فهما مختلفان. وقرأ قولَ اللهِ:{وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38]. وقال: يسخرون منهم كما سخِر قومُ نوحٍ بنوحٍ،

(1)

في ص، ف:"لفرق من قرن"، وفى ت 2:"لفرق من فرق".

(2)

في م: "سخريا".

(3)

في م، ف:"عندك"، وفي ت 2:"بذل".

(4)

في م: "فسخرك"، وفى ف:"بسخره".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"منهما".

ص: 127

اتخذوهم سخريًّا: اتخذوهم هُزُؤًا، لم يزالوا يَستهزئون بهم

(1)

.

وقولُه: {حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي} . يقولُ: لم يزلِ استهزاؤُكم بهم حتى

(2)

أنساكم ذلك من فعلِكم بهم ذكرى، فأَلْهاكم عنه، {وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} .

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي} . قال: أنسَى هؤلاءِ الله استهزاؤُهم بهم، وضحكُهم بهم. وقرأ:{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} حتى بلَغ {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} [المطففين: 29 - 32].

وقولُه: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إني، أيُّها المشركون باللهِ، المخلَّدون في النارِ، جَزَيْتُ الذين اتخذتموهم في الدنيا سِخْريَّا من أهلِ الإيمانِ بي، وكنتم منهم تضحَكون، اليومَ بما صبَروا على ما كانوا يلقَون بينكم من أذَى سُخريتكم وضحكِكم منهم في الدنيا، أنهم هم الفائزون.

اختلفت القرأةُ في قراءةِ: {أَنَّهُمْ} ؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: {أَنَّهُمْ} بفتحِ الألفِ من {أَنَّهُمْ}

(3)

. بمعنى: جزيتُهم هذا. فـ "أنَّ" في قراءةِ هؤلاء في موضعِ نصبٍ بوقوعِ قولِه: {جَزَيْتُهُمُ} عليها؛ لأن معنى الكلامِ عندَهم: إنى جزيتُهم اليومَ الفوزَ بالجنةِ. وقد يحتملُ النصبَ من وجهٍ آخرَ، وهو أَن يكونَ موجَّها معناه إلى: إنى جزيتُهم اليومَ بما صبروا؛ لأنهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا، على ما لَقُوا في ذاتِ اللهِ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ (إنهم)

(4)

بكسرِ الألفِ منها

(5)

، بمعنى الابتداءِ،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2510 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 448.

(4)

في النسخ: "إني".

(5)

هي قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص 449.

ص: 128

وقالوا: ذلك ابتداءٌ من اللهِ مدْحُهم.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابَ: قراءةُ من قرأ بكسرِ الألفِ؛ لأنَّ قولَه: {جَزَيْتُهُمُ} قد عمِل في الهاءِ والميمِ، والجزاءُ إنما يعملُ في منصوبين، وإذا عمِل

(1)

في الهاءِ والميمِ، لم يكنْ له العملُ في "أن"، فيصيرِ عاملًا في ثلاثةٍ، إلا أن يُنْوَى به التكريرُ، فيكونَ [نصبُ "أنَّ"]

(2)

حينَئذٍ بفعلٍ مضمرٍ، لا بقولِه:{جَزَيْتُهُمُ} . وإن هي نُصبت بإضمارِ، لامٍ، لم يكن له أيضًا كبيرُ معنًى؛ لأن جزاءَ اللهِ عبادَه المؤمنين الجنةَ

(3)

، إنما هو على ما سَلَفَ من صالحِ أعمالِهم في الدنيا، وجزاؤُه إياهم، وذلك في الآخرةِ هو الفوزُ، فلا معنَى لأَنْ يَشْرُطَ لهم الفوزَ بالأعمالِ، ثم يُخبرَ أنهم إنما فازوا لأنَّهم هم الفائزون.

فتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان الصوابُ من القراءةِ ما ذكرنا -: إنى جزيتُهم اليومَ الجنةَ بما صبَروا في الدنيا على أذاكم بها، في أنَّهم اليومَ هم الفائزون بالنعيمِ الدائمِ، والكرامةِ الباقيةِ أبدًا، بما عمِلوا من صالحاتِ الأعمالِ في الدنيا، ولقُوا في طلبِ رضاىَ من المكارِه فيها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)} .

اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {قَالَ

(4)

كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ}.

وفي قولِه: {[قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا]

(5)

} [المؤمنون: 114]؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"عملت".

(2)

في ت 1: "نصب"، وفى ت 2:"النصب".

(3)

في م: "بالجنة".

(4)

سقط من النسخ، ولا بد منها، فهي موضع الاختلاف.

(5)

في النسخ: "لبثنا يوما أو بعض يوم". ولا اختلاف فيها، والمثبت موضع الاختلاف، كما =

ص: 129

المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ على وجهِ الخبرِ: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} .

وكذلك قولُه: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ}

(1)

. ووجَّه هؤلاء تأويلَ الكلامِ إلى أنَّ الله قال لهؤلاء الأشقياءِ من أهلِ النارِ، وهم في النارِ:{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} .

وأنهم أجابُوا الله فقالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} . فنسِىَ الأشقياءُ لعظيمِ ما هم فيه من البلاءِ والعذابِ، مدةَ مُكثِهم

(2)

كانت في الدنيا، وقَصُر عندهم أمدُ مُكثِهم

(3)

كان فيها؛ لما حلَّ بهم من نقمةِ اللهِ، حتى حسِبوا أنهم لم يكونوا مكثُوا

(4)

فيها إلا يومًا أو بعضَ يومٍ. ولعلَّ بعضَهم كان قد مَكَث فيها الزمانَ الطويلَ والسنين الكثيرةَ.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةٍ أهلِ الكوفةِ، على وجهِ الأمرِ لهم بالقولِ

(5)

، كأنه قال لهم: قولوا

(6)

: كم لبثتُم في الأرضِ؟ وأَخرَج الكلامَ مُخْرج الأمرِ للواحدِ، والمعنيُّ به الجماعةُ؛ إذ كان مفهومًا معناه. وإنما اختار هذه القراءةَ من اختارها من أهلِ الكوفةِ؛ لأن ذلك في مصاحفِهم:"قُل" بغيرِ ألفٍ

(7)

[وفى غيرِ]

(8)

مصاحفِهم بالألفِ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرأه: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} . على وجه الخبرِ؛ لأن وجةَ الكلامِ، لو كان ذلك أمرًا، أن يكونَ "قُولوا" على وجهِ الخطابِ للجمعِ؛ لأن الخطابَ فيما قبلَ ذلك وبعدَه جرى لجماعةِ أهلِ النارِ،

= سيذكر المصنف، وكما سيأتي في ص 132.

(1)

هي قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ ابن كثير في الموضع:(قل)، وفي الثاني:(قال). حجة القراءات ص 493.

(2)

بعده في م: "التي".

(3)

بعده في م: "الذي".

(4)

في ت 2: "لبثوا".

(5)

هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.

(6)

بعده في ت 2: "لهم".

(7)

ينظر المصاحف لابن أبي داود ص 49.

(8)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"وهو في".

ص: 130

فالذى هو أولى أن يكونَ كذلك قولُه: (قل)

(1)

. لو كان الكلامُ جاء على وجهِ الأمرِ، وإن كان الآخرُ جائزًا، أعنى التوحيدَ؛ لما بيَّنتُ من العلةِ لقارئِ ذلك كذلك. [فإذ كان ذلك كذلك]

(2)

، وجاء الكلامُ بالتوحيدِ في قراءةِ جميعِ القرأةِ، كان معلومًا أن قراءةَ ذلك على وجهِ الخبرِ عن

(3)

الواحدِ أشبهُ، إذ كان ذلك هو الفصيحَ المعروفَ من كلامِ العربِ. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: قال اللهُ: كم لبِثُتم في الدنيا من عددِ سنينَ؟ قالوا مُجيبين له: لبثْنا فيها يومًا أو بعضَ يومٍ، فاسألِ العادِّين؛ لأنا لا ندْرِى، قد نسينا ذلك.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالعادِّين؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ الذين يحفَظون أعمالَ بني آدمَ، ويُحْصُون عليهم ساعاتِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} . قال: الملائكةَ

(4)

.

حدثَّنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: بل هم الحُسَّابُ.

(1)

في م، ت 1:"قولوا".

(2)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

في ت 2: "علي".

(4)

تفسير مجاهد ص 488، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2512، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 17 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 131

‌ذكرُ مَنْ قال ذلك

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} . قال: فاسألِ الحُسَّابَ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ:{فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} . قال: فاسألْ أهلَ الحسابِ

(2)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: {فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} . وهم الذين يَعُدُّون عددَ الشهورِ والسنين وغيرِ ذلك، وجائزٌ أنْ يكونوا

(3)

الملائكةَ، وجائزٌ أن يكونوا بنى آدمَ وغيرَهم، ولا حجةَ بأيِّ ذلك من أيِّ ثبتتْ صحتُها، فغيرُ جائزٍ توجيهُ معنى ذلك إلى بعضِ العادِّين دونَ بعضٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} .

اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} . اختلافَهم في قراءةِ قولِه: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} . والقولُ عندَنا في ذلك في هذا الموضِعِ نحوُ القولِ الذي بيَّناه قبلُ في قولِه: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ}

(4)

. وتأويلُ الكلامِ على قراءتِنا؛ قال اللَّهُ لهم: ما لبثتُم في الأرضِ إِلَّا قليلًا يسيرًا، لو أنَّكم كنتم تعلمون قدرَ لُبثِكم فيها.

وقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: أفحسِبتم أيُّها الأشقياءُ أنّا إنما خلَقْناكم إذ خلَقْناكم لَعِبًا وباطلًا، وأنكم إلى ربِّكم بعدَ مماتِكم

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2511 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 17 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 49.

(3)

في ص، ت 2، ف:"تكون".

(4)

ينظر ما تقدم في ص 129، 130.

ص: 132

لا تصيرون أحياءً، فتُجْزَون بما كنتم في الدنيا تعملون؟

وقد اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: {لَا تُرْجَعُونَ} بضمِّ التاءِ

(1)

، بمعنى: لا تُردُّون وقالوا: إنما هو من مَرْجِعِ الآخرةِ، لا من رجوعِ إلى الدنيا.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لا تُرْجعون)

(2)

. وقالوا: سواءٌ في ذلك مرجعُ الآخرةِ والرجوعُ إلى الدنيا.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ لأنَّ من ردَّه اللهُ إلى الآخرةِ من الدنيا بعدَ فنائِه، فقد رَجَعَ إليها، وأنَّ من رجَع إليها، فيردِّ اللهِ إياه إليها رجَع. وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.

وبنحو الذي قلنا في معنى قولِه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَنْ قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} . قال: باطلًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فتعالى اللهُ الملكُ الحقُّ عمَّا يصِفُه به هؤلاء المشركون، مِن

(1)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. التيسير ص 130.

(2)

هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.

ص: 133

أنَّ له شريكًا، وعمَّا يُضيفون إليه من اتخاذِ البناتِ، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}. يقولُ: لا معبودَ تنبغى له العبودةُ إلَّا اللهُ الملكُ الحقُّ، ربُّ العرشِ الكريمِ.

"والربُّ" مرفوعٌ بالردِّ على "الحقِّ"، ومعنى الكلامِ: فتعالى اللهُ الملكُ الحقُّ، ربُّ العرشِ الكريمِ، لا إلهَ إلا هو.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يدعُ مع

(1)

المعبودِ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له معبودًا آخرَ، لا حجةَ له بما يقولُ ويعملُ من ذلك، ولا بينةَ.

كما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} . قال: بينةَ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} . قال: حُجةَ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدِ في قولِه:{لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ، قال: لا حجةَ

(3)

.

وقولُه: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} . يقولُ: فإِنَّما حسابُ عملِه السَّيِّئِ عندَ ربِّه، وهو مُوَفِّيه جزاءَه إذا قدِم عليه.

(1)

بعده في ت 2: "الله".

(2)

تفسير مجاهد ص 488، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 17 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 17 إلى المصنف.

ص: 134

{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} . يقولُ: إنه لا يُنجحُ أهلُ الكفرِ باللهِ عندَه، ولا يُدركون الخلودَ والبقاءَ في النعيمِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقلْ يا محمدُ: ربِّ

(1)

استُرْ عليَّ ذنوبي بعفوِك عنها، وارحمْنى بقبولِ توبتِك، وتركِك عقابي على ما اجترمتُ.

{وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} . يقولُ: وقلْ: وأنت يا ربِّ خيرُ مَنْ رحِم ذا ذنبٍ فقبِل توبتَه، ولم يعاقبْه على ذنبِه.

آخرُ تفسيرِ سورةِ المؤمنين

(1)

بعده في ت 2: "اغفر".

ص: 135

‌تفسيرُ سورةِ النورِ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه تعالى ذكرُه: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} وهذه السورةُ أنزَلناها.

وإنَّما قلْنا: معني ذلك كذلك؛ لأنَّ العربَ لا تكادُ تبتدِئُ بالنكراتِ قبلَ أخبارِها إذا لم تكُن جوابًا؛ لأنَّها تُوصَلُ كما يُوصَلُ "الذي"، ثم يُخبرُ عنها بخبرٍ سوى الصلةِ، فيُستقبحُ الابتداءُ بها قبلَ الخبرِ إذا لم تكنْ موصولةً، إذ كان يصيرُ خبرُها إذا ابتُدِئَ بها كالصلةِ لها، ويصيرُ السامعُ خبرَها كالمتوقِّع خبرَها بعدُ، إذ كان الخبرُ عنها بعدَها كالصلةِ لها، وإذا ابتدِئَ بالخبرِ عنها قبلَها، لم يدخُلِ الشكُّ على سامعِ الكلامِ في مرادِ المتكلمِ.

وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أنَّ "السورةَ" وصفٌ لما ارتفَع، بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(1)

.

وأمَّا قولُه: {وَفَرَضْنَاهَا} . فإنَّ القرأةَ اختلَفتْ في قراءتِه؛ فقرَأَتْهُ بعضُ قَرَأَةِ

(2)

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 101 وما بعدها.

(2)

بعده في ت 2: "أهل".

ص: 136

الحجازِ والبصرةِ: (وَفَرَّضْناها)

(1)

. ويتأوَّلُونَه: وفصَّلناها ونزَّلنا فيها فرائضَ مختلفةً. وكذلك كان مجاهدٌ يقرؤُه ويتأوَّلُه.

حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن عبدِ الوارثِ بن سعيدٍ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ أنَّه كان يقرؤُها:(وفرَّضْناها). يعنى بالتشديدِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَفَرَضْنَاهَا} . قال: الأمرُ بالحلالِ، والنهىُ عن الحرامِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ مجاهدٍ مثلَه.

وقد يَحتملُ ذلك إذا قُرئَ بالتشديدِ وجهًا

(4)

غيرَ الذي ذكَرنا عن مجاهدٍ، وهو أنْ يوجَّهَ إلى أنَّ معناه: وفرَّضْناها عليكم وعلى مَن بعدَكم من الناسِ إلى قيامِ الساعةِ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ والكوفةِ والشامِ: {وَفَرَضْنَاهَا} بتخفيفِ الراءِ

(5)

، بمعنى: أوجَبنا ما فيها من الأحكامِ عليكم، وألزَمناكُموه، وبيَّنا ذلك لكُم.

(1)

وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. حجة القراءات ص 494.

(2)

ينظر البحر المحيط 6/ 427.

(3)

تفسير مجاهد ص 489، ومن طريقه ابن أبي حاتم 8/ 2516، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

بعده في ت 2: "آخر".

(5)

وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 494.

ص: 137

والصوابُ من القولِ في ذلك أنَّهما قراءتانِ مشهورتانِ قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأَةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ وذلك أَنَّ الله قد فصَّلَها، وأنزَل فيها ضُروبًا من الأحكامِ، وأمَر فيها ونهَى، وفرَض على عبادِه فيها فرائضَ، ففيها المعنيانِ كِلاهُما؛ التفريضُ، والفرضُ، فلذلك قلنا: بأيَّةِ القراءتينِ [قرَأ القارئُ]

(1)

فمصيبٌ الصوابَ.

‌ذكرُ مَن تأوَّل ذلك بمعنى الفَرْضِ والبيانِ من أهلِ التأويلِ

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{وَفَرَضْنَاهَا} . يقولُ: بيَّنَّاها

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} . [قال: فرَضْناها]

(3)

لهذا الذي يتلُوها مِمَّا فُرِض فيها. وقرَأ: {فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

وقولُه: {وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَلنا في هذه السورةِ علاماتٍ ودَلالاتٍ على الحقِّ {بَيِّنَاتٍ} . يعنى: واضحاتٍ لَمَنْ تأمَّلها وفكَّر فيها بعقلٍ، أنَّها مِن عندِ اللهِ، فإنَّها الحقُّ المبينُ، وإنَّها تَهدِى إلى الصراطِ المستقيمِ.

كما حدَّثنا

(4)

القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2516 من طريق مجاهد عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(3)

سقط من: ت 1، ف.

(4)

سقط من: م.

ص: 138

{وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ} . قال [ابن جُرَيجٍ]

(1)

: الحلالُ والحرامُ والحدودُ

(2)

.

{لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . يقولُ: لتتذكَّروا بهذه الآياتِ البيناتِ التي أنزَلناها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

(2)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: مَن زنَى مِن الرجالِ، أو زنَتْ مِن النساءِ، وهو حُرٌّ بِكْرٌ

(3)

غيرُ مُحْصَنٍ بزوجٍ، فاجلِدوه ضربًا مائةَ جلدةٍ؛ عقوبةً لِما صنَع، وأتَى مِن معصيةِ اللهِ، {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: لا تأخذْكُم

(4)

بالزاني والزانيةِ، أيُّها المؤمنونَ، {رَأْفَةٌ} . وهى رقةُ الرحمةِ، {فِي دِينِ اللهِ}. يعني: في طاعةِ اللهِ فيما أَمَرَكُم بِهِ مِن إقامةِ الحدِّ عليهما، على ما ألزَمكُم

(5)

به.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المنهيِّ

(6)

عنه المؤمنونَ مِن أخْذِ الرأفةِ

(7)

بهما؛ فقال بعضُهم: هو تركُ

(8)

إقامة حدِّ اللهِ عليهما، فأمَّا إذا أُقيم عليهما الحدُّ، فلم تأخذْهم

(9)

(1)

سقط من: م.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

بعده في ت 2: "مميز".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يأخذكم".

(5)

في ت 1، ف:"أكرمكم".

(6)

في ت 1، ت 2:"النهى".

(7)

في ت 2: "الرحمة".

(8)

سقط من: ت 2.

(9)

في ت 1: "تأخذكم"، وفى ت 2:"يأخذهم".

ص: 139

بهما رأفةٌ في دينِ اللهِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زَائدةً، عن نافعِ بن عمرَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عبيدِ

(1)

اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: جَلَدَ ابن عمرَ جاريةً له أحدَثتْ؛ فجلد رِجلَيها. قال نافعٌ: وحسِبتُ أنَّه قال: وظهْرَها. فقلتُ: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . فقال: وأخَذتْنى بها رأفةٌ! إِنَّ الله لَم يَأْمُرْنِى أَنْ أقتُلَها

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي مُليكةَ يقولُ: ثنى عبيدُ

(3)

اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن عمرَ، أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ حدَّ جاريةً له، فقال للجالدِ، وأشار إلى رِجلِها، وإلى أسفلِها. قلت: فأينَ قولُ اللهِ: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} قال: أفأقتُلُها

(4)

؟!

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:(وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ). قال: أن تقيمَ الحدَّ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن

(5)

ابن جُرَيجٍ: {وَلَا

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"عبد".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2518 من طريق نافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ص، ت 2، ف:"عبد".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13537)، والبيهقى 8/ 245 من طريق ابن جريج.

(5)

سقط من: م.

ص: 140

تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}. قال: لا تُضيِّعوا حدودَ اللهِ.

قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} : لا تُضيِّعوا الحدودَ في أن تُقيمُوها، وقالها عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ

(1)

.

[حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ وحجاجٌ]

(2)

، عن عطاءٍ:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . قال: يقامُ حدُّ اللهِ ولا يُعطَّلُ، وليس بالقتل

(3)

.

حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن داودَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الجلدُ

(4)

.

حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا محمدُ بن فضيلٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ} . قال: الضرْبُ

(5)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ عمرانَ، قال: قلتُ لأبي مجلَزٍ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} . إلى قولِه: {وَالْيَوْمِ الْآخِر} . إنا لنرحَمُهم أن يُجلدَ الرجلُ حدًّا، أو تُقطَعَ يَدُه. قال: إنَّما ذاك أنَّه ليس للسلطانِ إذا رُفِعوا إليه أن يدعَهم رحمةً لهم حتى يُقيمَ الحدَّ

(6)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13503) عن ابن جريج، عن عطاء.

(2)

كذا في النسخ، وصواب الإسناد: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا أبو خالد، قال: ثنا عبد الملك وحجاج. وينظر ترجمة أبي خالد في تهذيب الكمال 11/ 394.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 63 عن أبي خالد، عن حجاج، عن عطاء، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2519 من طريق أبي معاوية، عن حجاج، عن عطاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2518 من طريق محمد بن فضيل به

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 63 من طريق محمد بن فضيل به.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 63 من طريق عمران به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى عبد بن =

ص: 141

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . قال: لا تُقامُ الحدودُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} : فتَدَعُوهما مِن حدودِ اللهِ التي أمَر بها، وافترَضها عليهما.

قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا ابن لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، أنَّه سأَل سليمانَ بنَ يسارٍ عن قولِ اللهِ:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . [أفى الحدودِ أو]

(2)

في العقوبةِ؟ قال: ذلك فيهما جميعًا.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الأمُلِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريَّا، عن عبدِ الملكِ بن أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قولِه:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . [قال: أنْ يقامَ حدُّ اللهِ، ولا يُعطَّلَ]

(3)

، وليس بالقتلِ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ في قولِه:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . قال: الضربُ الشديدُ

(4)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تَأخُذكم بهما رأفةٌ فتُخَفِّفُوا الضربَ

= حميد وابن المنذر.

(1)

تفسير سفيان ص 220، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره، 2/ 50، وابن أبي شيبة 10/ 64، وابن أبي حاتم في تفسيره، 8/ 2018، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 63 من طريق أبي خالد، عن ابن أبي نجيح به.

(2)

في م: "أي في الحدود، أو"، وفى ت 2:"أفى الحدود، و".

(3)

في ت 2: "أن تقام حدود الله، ولا تعطل".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 63 من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2519 من طريق عطاء به.

ص: 142

عنهما، ولكن أوجِعُوهما ضربًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ

(1)

، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بن المسيبِ:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . قال: الجلدُ الشديدٌ

(2)

.

قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حَمَّادٍ، قال: يُحَدُّ القاذفُ والشاربُ وعليهما ثِيابُهما، وأمَّا الزانى فتُخلَعُ ثيابُه. وتلَا هذه الآيةَ:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} . فقلتُ لحمادٍ

(3)

: أهذا في الحكْمِ؟ قال: في الحكمِ والجلدِ

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: يُجتهدُ في حدِّ الزانى والفِريةِ، ويُخفَّفُ في حدِّ الشرابِ

(5)

. وقال قَتادةُ: يخففُ في الشرابِ، ويُجتهَدُ في الزاني

(6)

.

(1)

في م، ت 1، ف:"بكر"، وفى ت 2:"زكيا". ينظر تهذيب الكمال 31/ 245.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2519 من طريق عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر به، دون ذكر سعيد بن المسيب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ص، ت 1، ف:"للحكم".

(4)

في ت 1، ت 2، ف:"الحد".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2519 من طريق محمد بن جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد.

(5)

في م: "الشرب".

(6)

تفسير عبد الرزاق 2/ 50 في مصنفه (13512، 13513).

ص: 143

وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا تأخُذْكم بهما رأفةٌ في إقامةِ حدِّ اللهِ عليهما، الذي افترَض عليكم إقامتَه عليهما.

وإنَّما قلْنا: ذلك أولى التأويلينِ بالصوابِ؛ لدلالةِ قولِ اللهِ بعدَه: {فِي دِينِ اللَّهِ} . يعني: في طاعةِ اللهِ التي أمَركم بها. ومعلومٌ أَنَّ دينَ اللهِ الذي أمَر بهِ في الزانيينِ إقامةُ الحدِّ عليهما، على ما أمَر

(1)

مِن جلدِ كلِّ واحدٍ منهما مائةَ جَلدةٍ، مع أنَّ الشدَّةَ في الضربِ لا

(2)

حدَّ لها يُوقَفُ عليه، وكلُّ ضرْبٍ أوجَع فهو شديدٌ، وليس للذي يُوجِعُ في الشدَّةِ حدٌّ لا زيادةَ فيهِ فيُؤمرَ به. وغيرُ جائزٍ وصْفُه جلَّ ثناؤُه بأَنَّه أمَر بما لا سبيلَ للمأمورِ بهِ إلى معرِفتِه. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورينَ (1) إلى معرفتِه السبيلُ هو عددُ الجَلْدِ على ما أمَر بهِ، وذلك هو إقامةُ الحدِّ على ما قلْنا.

وللعربِ في الرأفةِ لغتانِ؛ الرأفةُ بتسكينِ الهمزةِ، والرآفةُ بمدِّها، كالسأمةِ والسآمةِ، والكأبةِ والكآبةِ. وكأنَّ الرأفةَ المرةُ الواحدةُ، والرآفةَ المصدرُ، كما قِيل: ضَؤُلَ ضآلةً، مِثل فَعُلَ فَعالةً، وقَبُح قَباحةً.

وقولُه: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . يقولُ: إِنْ كُنتُم تصدِّقون [بأنَّ الله]

(3)

ربِّكم، وباليومِ الآخرِ، [وأنكم]

(4)

فيه مبعوثُون لحشرِ القيامةِ، وللثوابِ والعقابِ، فإِنَّ مَن كان بذلك مُصدِّقًا، فإنَّه لا يخالفُ الله في أمرِه ونهيهِ، خوفَ عقابهِ على

(1)

بعده في ت 2: "به".

(2)

في ت 1، ف:"لأنه".

(3)

في م، ت 1، ت 3، ف:"بالله".

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

ص: 144

مَعاصيهِ.

وقولِه: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وليحضُرْ جَلدَ الزانيينِ البكْرَينِ وحدَّهما إذا أُقيم عليهما

(1)

، طائفةٌ من المؤمنين.

والعربُ تُسمِّى الواحدَ فما زاد: طائفةً.

وقولُه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ: مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ ورسولِه.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ عددِ الطائفةِ الذي

(2)

أمَر اللهُ بشهودِ عذابِ الزانيينِ البِكْرينِ

(3)

، فقال بعضُهم: أقلُّه واحدٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفةُ رجلٌ

(4)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلِ بن موسى بن إسحاقَ الكِنَانِيُّ و

(5)

ابن القوَّاسِ، قالا: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: الطائفةُ رجلٌ. قال عليٌّ: فما فوقَ ذلك. وقال ابن القوَّاسِ: فأكثرُ من ذلك.

(1)

بعده في ت 2: "وليشهد عذابهما".

(2)

في ت 2: "الذين".

(3)

سقط من: ت 1، ف.

(4)

تفسير سفيان ص 220، وأخرجه عبد الرزاق في مصنف (13505) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح به.

(5)

سقط من: ت 1، ت 2، ف.

ص: 145

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، عن

(1)

سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفة رجلٌ.

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: قال ابن أَبي نجيحٍ: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال مجاهدٌ: أقلُّه رجلٌ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: الطائفةُ الواحدُ إلى الألفِ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: الطائفةُ واحدٌ إلى الأَلفِ؛ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}

(3)

[الحجرات: 9].

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، قال: الطائفةُ الرجلُ الواحدُ إلى الألفِ. قال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} : إنَّما كانا رجلينِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: سمِعتُ عيسى بنَ يونسَ يقولُ: ثنا النعمانُ بنُ ثابتٍ، عن حمَّادٍ وإبراهيمَ، قالا

(4)

: الطائفةُ رجلٌ

(5)

.

(1)

في ت 1: "بن".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 60 عن ابن علية به

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2520 من طريق شعبة به.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"قال".

(5)

ينظر التبيان 7/ 360، وتفسير البغوي 6/ 8.

ص: 146

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: الطائفةُ رجلٌ واحدٌ فما فوقَه

(1)

.

وقال آخرون: أقلُّه في هذا الموضعِ رَجُلان.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ

(2)

في قولِه: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: قال عطاءٌ: أقلُّه رجلان

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عِكرمةَ، قال: ليحضُرْ رَجلانِ فصاعدًا

(4)

.

وقال آخرون: أقلُّ ذلك ثلاثةٌ فصاعدًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، قال: الطائفةُ الثلاثةُ فصاعدًا

(5)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 50، ومصنفه (13504).

(2)

في ت 2: "جريج".

(3)

أخرجه أبى شيبة 10/ 60 عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13505)، وفي تفسيره 2/ 50 عن الثورى وابن عيينة عن ابن أبي نجيح به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى المصنف.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 61، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2521 من طريق ابن أبي ذئب به.

ص: 147

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: نفَرٌ من المسلمينَ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه

(1)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، قال: ثنا أشعتُ، عن أبيهِ، قال: أتيتُ أبا بَرْزَةَ الأسلميَّ في حاجةٍ، وقد أخرَج جاريةً إلى [باب الدار]

(2)

، وقد زنَتْ، فدعا رجلًا، فقال: اضرِبْها خمسينَ. فدعا جماعةً، ثم قرأ:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن أشعثَ، عن أبيهِ، أَنَّ أَبا بَرْزَةَ أَمَر ابنَه أن يضرِبَ جاريةً له وَلَدَتْ من الزنى ضربًا غير مبرِّحٍ. قال: فألقَى عليها ثوبًا وعنده قومٌ، وقرأ

(4)

: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} الآية.

وقال آخرون: بل أقلُّ ذلك أربعةٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: فقال: الطائفةُ التي

(5)

يَجبُ

(1)

تفسير عبد الرزاق، 2/ 50، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2520، 2521.

(2)

في ت 2: "الباب".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 61، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2520 من طريق أشعث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 18 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

بعده في ت 2: "أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد".

(5)

في ص، ت 2:"الذي".

ص: 148

بها

(1)

الحدُّ أربعةٌ

(2)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: أقلُّ ما ينبغِى حضورُ ذلك من عَددِ المسلمينَ: الواحدُ فصاعدًا. وذلك أَنَّ الله عمَّ بقولِه: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ} . والطائفةُ قد تقعُ عندَ العربِ على الواحدِ فصاعدًا. فإذا

(3)

كان ذلك كذلك، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه وضَع دلالةً على أنَّ مرادَه من ذلك خاصٌّ من العددِ - كان معلومًا أنَّ حُضورَ ما وقَع عليه أدنى اسمِ الطائفةِ ذلك المحضرَ مُخرِجٌ مُقيمَ الحدَّ ممَّا أمَره اللهُ بهِ بقولِه:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . غيرَ أَنِّي وإن كان الأمرُ على ما وصَفتُ، أستحِبُّ ألا يُقصَّرَ بعددِ من يحضُرُ ذلك الموضعَ عن أربعةِ أنفسٍ، عددِ مَن تُقبَلُ شهادتُه على الزنى؛ لأنَّ ذلك إذا كان كذلك، فلا خلافَ بينَ الجميعِ أنَّه قد أدَّى المقيمُ الحدَّ ما عليهِ في ذلك، وهم فيما دونَ ذلك مختلفونَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

(3)}.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ في بعضِ مَن استأذنَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في نكاحِ نسوةٍ كُنَّ معروفاتٍ بالزنى من أهلِ الشركِ، وكُنَّ أصحابَ راياتٍ يُكْرِينَ أنفسَهنَّ، فأنزَل اللهُ تحريمَهنَّ على المؤمنينَ، فقال: الزانى من المؤمنينَ لا يتزوَّجُ

(4)

إلا زانيةً أو مشركةً؛ لأنَّهنَّ كذلك، والزانيةُ من

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3، ف:"فيه".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 19 إلى المصنف.

(3)

في م: "فإذ".

(4)

بعده في ص، ت 1، ف:"والزانية من أولئك البغايا"، وفى ت 2:"والزانية من أولئك البغاة".

ص: 149

أولئك البغايا لا يَنكِحُها إلَّا زانٍ من المؤمنينَ أو المشركينَ

(1)

، أو مشركٌ مثلُها؛ لأنَّهنَّ كنَّ مشركاتٍ، {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} فحرَّم اللهُ نكاحَهنَّ في قولِ أهلِ هذه المقالة بهذه الآيةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيهِ، قال: ثنى الحضْرمِيُّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، [عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو]

(2)

، أنَّ رجلًا من المسلمينَ استأذَن نبيَّ اللهِ في امرأةٍ يقال لها: أمُّ مَهْزُولٍ. كانتْ تُسافِحُ الرجلَ

(3)

، وتَشترِطُ له أَنْ تُنفِقَ عليهِ، وأنَّه استأذَن فيها نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وذكَر له أمْرَها. قال: فقرأ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . أو قال: فأُنزِلتُ: {وَالزَّانِيَةُ}

(4)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن التيميِّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو

(5)

قولَه: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قال: [كنَّ نساءً]

(6)

معلوماتٍ. قال:

(1)

في ت 1، ف:"المشرك".

(2)

في ت 2: "بن عبد الله بن عمر".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ف.

(4)

أخرجه أحمد 11/ 16 (6480)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2525، والطبراني (1798)، وابن عدى، 2/ 859، والنحاس في ناسخه ص 585، والحاكم، 2/ 193، والبيهقى 7/ 153 من طريق المعتمر به

(5)

بعده في م: "في".

(6)

في ت 2: "كانتا".

ص: 150

فكان الرجلُ من فقراءِ المسلمينَ يتزوَّجُ المرأةَ منهنَّ لتنفِقَ عليه، فنهاهم اللهُ

(1)

عن ذلك

(2)

.

قال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: كنَّ نساءَ مواردَ بالمدينةِ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ أبي، قال: ثنا قَتادةُ، عن سعيدٍ بن المسيبِ في هذه الآيةِ:{وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قال: نزَلتُ في نساءِ مواردَ كنَّ بالمدينةِ.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيهِ، عن قَتادةَ، عن سعيدٍ بنحوِه.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا

(3)

عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، قال: كان لمرثَدٍ

(4)

صديقةٌ في الجاهليةِ يقالُ لها: عَنَاقِ. وكان رجلًا شديدًا، وكان يقالُ له: دُلْدُلٌ. وكان يأتِى مكَّةَ فيحمِلُ

(5)

ضَعَفَةَ المسلمينَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلقِى صديقتَه، فدَعتْه إلى نفسِها، فقال: إِنَّ الله قد حرَّم الزني. فقالتْ: [أَنَّى تَبْرُزُ]

(6)

؟ فخشِيَ أَنْ تُشِيعَ عليه

(7)

، فرجَع إلى

(1)

سقط من: ت 1، ت 2، ف.

(2)

أخرجه الحاكم 2/ 396 من طريق هشيم به.

(3)

بعده في ت 2: "محمد".

(4)

في ت 1، ت 2، ف:"لمريدة". وينظر أسد الغابة 5/ 137.

(5)

في ت 2: "فيحتمل".

(6)

في ص: "أبى تبرر"، وفى ت 1:"إنى يبرز"، وفى ت 2:"إنى شبقة بك".

(7)

بعده في ت 2: "ذلك".

ص: 151

[المدينةِ، فأتَى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم]

(1)

فقال: يا رسولَ اللهِ، كانتْ لي صديقةٌ في الجاهليةِ، فهل ترى لى

(2)

نكاحَها؟ قال: فأنزَل اللهُ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قال: كنَّ نساءً معلوماتٍ يُدْعَوْن

(3)

القليقياتِ

(4)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ في هذه الآيةِ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . قال: كنَّ بغايا في الجاهليةِ

(5)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عمَّن أخبَره، عن مجاهدٍ، نحوًا من حديثِ ابن المثنى، إلَّا أنَّه قال: كانتِ امرأةٌ منهنَّ يقالُ لها: أمُّ مهزولٍ. يعنى في قولِه: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . قال: فكنَّ نساءً معلوماتٍ. قال: فكان الرجلُ من فقراءِ المسلمينَ يتزوَّجُ المرأةَ منهنَّ لتنفقَ عليه، فنهاهم اللهُ عن ذلك. هذا في حديثِ التيميِّ

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

(1)

في ت 1: "النبي".

(2)

في ت 2: "إلى".

(3)

في ت 1: "يفزعن"، وفى ت 2:"يدعين"، وفى ف:"لمرعن".

(4)

أخرجه أبو داود (2051)، والترمذى (3177)، والنسائى (3228)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2526، والحاكم 2/ 166، والبيهقى 7/ 153 من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 19، 20 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 271 عن غندر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 19 إلى عبد بن حميد.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2522، والنحاس في ناسخه ص 584، 585 من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن القاسم بن أبي بزة - عن مجاهد.

ص: 152

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} . قال: رجالٌ كانوا يريدُون الزنى بنساءٍ زوان

(1)

بغايا متعالماتٍ كنَّ في الجاهليةِ، فقيل لهم: هذا حرامٌ. فأرادوا نكاحَهنَّ، فحرَّم اللهُ عليهم نكاحَهنَّ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنَّه قال: بغايا مُعْلِناتٌ كنَّ كذلك في الجاهليةِ

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيهِ، وإسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، وابنِ أبي ذئبٍ، عن شعبةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كنَّ بغايا في الجاهليةِ، على أبوابِهنَّ راياتٌ مثلُ راياتِ البَيطارِ يُعْرَفْنَ بها

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نساءٌ بغايا متعالماتٌ، حرَّم اللهُ نكاحَهنَّ، لا يَنكِحُهنَّ

(5)

إِلَّا زانٍ من المؤمنينَ، أو مشركٌ من المشركينَ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

بعده في ص، ف:"وإن".

(2)

تفسير مجاهد ص 489، ومن طريقه ابن أبي شيبة 4/ 73، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2524، والبيهقى 7/ 154.

(3)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 130 عن حجاج به.

(4)

في ص، ت 2، ف:"به".

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 272 عن وكيع، عن ابن أبي ذئب به وأخرجه ابن أبي شيبة 4/ 272، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2522 من طريق وكيع، عن هشام، عن عاصم بن المنذر، عن عروة.

(5)

في ص، ت 1:"ينكحن".

ص: 153

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . قال: كانتْ بيوتٌ تُسمَّى المواخيرَ في الجاهليةِ، وكانوا يُؤاجرُونَ فيها فتياتهنَّ، وكانتْ بيوتًا معلومةً للزنى، لا يدخُلُ عليهنَّ ولا يأتيهنَّ إِلَّا زانٍ من أهلِ القبلةِ، أو مشركٌ من أهلِ الأوثانِ، فحرَّم الله ذلك على المؤمنين

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قال: بغايا متعالماتٌ كنَّ في الجاهليةِ؛ بغيُّ آلِ فلانٍ، وبغيُّ آلِ فلانٍ، فأنزَل الله:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . فحكَم اللهُ بذلك من أمرِ الجاهليةِ على الإسلامِ. فقال له [سليمانُ بنُ موسى]

(2)

: أبلَغك ذلك عن ابن عباسٍ؟ فقال: نعمْ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ في ذلك: كنَّ بغايا متعالماتٍ؛ بغيَّ آلِ فلانٍ، وبغيَّ آلِ فلانٍ، وكنَّ زوانيَ مشركاتٍ. فقال:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . قال: أَحْكَمَ اللهُ من أمرِ الجاهليةِ بهذا، قيل له: أبلَغك هذا عن ابن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2523 عن محمد بن سعد به.

(2)

في ت 2: "موسى بن سليمان"، وفى ت 1:"سليمان". وينظر تهذيب الكمال 12/ 92.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2524 من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 19 إلى عبد بن حميد.

ص: 154

عباسٍ؟ قال: نعمْ

(1)

.

قال ابن جريجٍ: وقال عكرِمةُ: إِنَّه كان يُسمِّى تسعًا، يَعُدُّ

(2)

صواحبَ الراياتِ، وكنَّ أكثرَ من ذلك، ولكنَّ هؤلاءِ أصحابُ الراياتِ: أَمُّ مَهْزُولٍ جاريةُ السائبِ بن أبى السائبِ المخزوميِّ، وأمُّ عِلْيطٍ جاريةُ صفوانَ بن أميةَ، وحَنَّةُ

(3)

القبطيةُ جاريةُ العاصِ بن وائلٍ، ومَرِيَّةٌ جاريةُ مالكِ بن عُمَيْلةَ

(4)

بن السَّبَّاقِ

(5)

بن عبدِ الدارِ، وحلالةُ

(6)

جاريةُ سُهَيْلِ

(7)

بن عمرٍو، وأمُّ سُوَيْدٍ جاريةُ عمرِو بن عثمانَ المخزوميِّ، وسريفةُ

(8)

جاريةُ زَمْعَةَ بن الأسودِ، وفرسةُ جاريةُ هشامِ بن ربيعةَ بن حبيبِ بن حذيفةَ بن جبلِ بن مالكِ بن عامرِ بن لُؤَيٍّ، وقريبا

(9)

جاريةُ هلالِ بن أنسِ بن جابرِ بن نمرِ

(10)

بن غالبِ بن فهرٍ

(11)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، [عن مَعمرٍ]

(12)

.

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 146 عن حجاج به.

(2)

في ص،، م، ت 2، ف:"بعد".

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"جنة". ينظر جمهرة أنساب العرب ص 352.

(4)

في ت 2: "عملية". ينظر جمهرة أنساب العرب ص 243.

(5)

في ص: "الساق". ينظر تاج العروس 25/ 431.

(6)

في ف: "جلالة"

(7)

في ت 2: "سهل".

(8)

في ص، ت 2:"سريفه".

(9)

في ص: "ننا"، وفى ت 1:"ينا"، وفي ت 2، ف "ننا".

(10)

في ص: "تيمر"، وفي ت 2:"همر".

(11)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 9 مقتصرًا على أوله.

(12)

سقط من: ت 2.

ص: 155

عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وقاله

(1)

الزهريُّ وقتادةُ، قالوا: كان في الجاهليةِ بغايا معلومٌ ذلك منهنَّ، فأراد ناسٌ من المسلمينَ نكاحَهنَّ، فأنزَل اللهُ:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} الآية.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وقاله الزهريُّ وقتادةُ، قالوا

(2)

: كانوا في الجاهليةِ بغايا. ثم ذكَر نحوَه

(3)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنَ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، القاسمِ بن أبى بَزَّةَ: كان الرجلُ يَنكِحُ الزانيةَ في الجاهليةِ التي قد علِم ذلك منها؛ يتخِذُها مَأكلةً، فأراد ناسٌ من المسلمينَ نكاحَهنَّ على تلك الجهةِ، فنُهوا عن ذلك.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: قال القاسمُ بنُ أبي بزَّةَ. فذكَر نحوَه

(4)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: كنَّ نساءَ مواردَ بالمدينةِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ بنُ أبى

(1)

في م، ت 1، ت 2، ف:"قال".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"قال".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 50، 51.

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 51.

ص: 156

سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ

(1)

، أنَّ نساءً في الجاهليةِ كنَّ يُؤاجِرنَ أنفسَهنَّ، وكان الرجلُ أنَّما يَنكِحُ إحداهُنَّ؛ يريدُ أنْ يُصيب منها عَرَضًا

(2)

، فنُهوا عن ذلك، ونزَل:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . ومنهنَّ امرأةٌ يقالُ لها: أمُّ مهزولٍ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ في قولِه:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قال: كنَّ نساءً يُكْرِين أنفسَهنَّ في الجاهليةِ

(4)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: الزانى لا يزنِى إلَّا بزانيةٍ أو مشركةٍ، والزانيةُ لا يَزنِى بها إلَّا زان أو مشركٌ. قالوا: ومعنى النكاحِ في هذا الموضعِ الجِماعُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . قال: لا يزنى إلا بزانيةٍ أو مشركةٍ

(5)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ

(1)

بعده في ت 2: "عن ابن عباس".

(2)

في ت 2: "غرضًا".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 272 من طريق سفيان الثوري، عن سعيد بنحوه.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 272 عن وكيع، عن إسماعيل قوله.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 51، وابن أبي شيبة 4/ 272، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2522 من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

ص: 157

مُشْرِكَةً}. قال: لا يَزِني الزاني إلا بزانيةٍ مثله أو مشركةٍ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن شُبرُمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ وعكرمةَ في قوله:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . قالا: هو الوطءُ

(2)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال: قال سعيدِ بن جُبيرٍ ومجاهدٌ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . قالا: هو الوطءُ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سَلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ وشعبةَ، عن يَعلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قوله:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قالا: لا يَزنِي الزاني حين يَزني إلا بزانيةٍ مثلِه أو مشركةٍ. قال: ولا تزنى مشركةٌ إلا بمثلها

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قال: هؤلاءِ بغايا كنَّ في الجاهليةِ، والنكاحُ في كتابِ اللهِ الإصابةُ، لا يُصيبها إلَّا زانٍ أو مشركٌ، لا يُحرِّمُ الزنى، ولا [يُصيب هو]

(4)

إِلَّا مِثلَها

(5)

.

قال: وكان ابن عباسٍ يقولُ: بغايا كُنَّ في الجاهليةِ.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 271 عن محمد بن جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 19 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 51.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 272 عن وكيع به، وأخرجه أيضًا 4/ 272، وابن أبي حاتم في من طريق وكيع، عن شعبة، عن يعلى به.

(4)

في م: "تصيب هي".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2525 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 158

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى

(1)

، عن قيسِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: إذا زنَى بها فهو زانٍ.

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . قال: الزاني من أهلِ القبلةِ لا يزنِى إلا بزانيةٍ مثلِه أو مشركةٍ. قال

(2)

: والزانيةُ من أهلِ القبلةِ لا تزنِى إلا بزانٍ مثلها من أهلِ القبلةِ، أو مشركٍ من غيرِ أهلِ القبلةِ. ثم قال:{وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}

(3)

.

وقال آخرونَ: كان هذا حكمَ اللهِ في كلِّ زانٍ وزانيةٍ، حتى نسَخه بقولِه:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]. فأحلَّ نكاح كلِّ مسلمةٍ، وإنكاحَ كلِّ مسلمٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قولِه:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . قال: يَروْن الآيةَ التي بعدَها نسَختْها: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} . قال: فهنَّ من أيَامَى المسلمينَ

(4)

.

(1)

بعده في م: "وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح"، وزاد بعده في ت 2:"عن مجاهد".

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"الزاني من أهل القبلة".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2522، 2525، 2526، والنحاس في ناسخه ص 583 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 19 إلى ابن المنذر.

(4)

أخرجه الشافعي 2/ 28، وأبو عبيد في ناسخه 129، 130، وابن أبي شيبة 4/ 271، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2524، والنحاس في ناسخه ص 582، والبيهقى 7/ 154 من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه =

ص: 159

حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} . قال: نسَختها التي بعدَها: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} . وقال: إنَّهنَّ من أيَامي المسلمينَ.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وذُكِر عن يحيى، عن ابن المسيَّبِ، قال: نسَختها: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} .

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: نسَخها

(1)

قولُه: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى}

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أنسُ بنُ عياضٍ، عن يحيى، قال: ذُكِر الزني

(3)

عندَ سعيدِ بن المسيَبِ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . قال: فسمِعتُه يقولُ: إنَّها قد نسَختها التي بعدَها. ثم قرَأها سعيدٌ، قال: يقولُ اللهُ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} . ثم يقولُ اللهُ: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى} . فهنَّ من أيَامى المسلمينَ.

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنَى بالنكاحِ في هذا الموضعِ الوطءَ، وأنَّ الآيةَ نزَلت في البغايا المشركاتِ ذواتِ الراياتِ. وذلك لقيامِ الحُجةِ على أنَّ الزانيةَ من المسلماتِ حرامٌ على كلِّ مشركٍ، وأنَّ الزانَى من المسلمينَ حرامٌ عليهِ كلُّ مشركةٍ من عبَدةِ الأوثانِ. فمعلومٌ إذ كان

= السيوطي في الدر المنثور 5/ 20 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبى داود في ناسخه وابن المنذر.

(1)

في النسخ: "نسختها".

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 51.

(3)

سقط من: م.

ص: 160

ذلك كذلك، أنَّه لم يُعنَ بالآيةِ أنَّ الزانيَ من المؤمنينَ لا يعقِدُ عقدَ نكاحٍ على عفيفةٍ من المسلماتِ، ولا يَنكِحُ إلَّا زانيةً

(1)

أو مشركةً. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ

(2)

أنَّ معنى الآيةِ: الزانى لا يزنِى إلا بزانيةٍ [لا تستحِلُّ]

(3)

الزنى، أو بمشركةٍ تستحِلُّه.

وقوله: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ: وحرِّم الزنى على المؤمنينَ باللهِ ورسولهِ، وذلك هو النكاحُ الذي قال جلَّ ثناؤُه:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} .

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يشتُمونَ

(4)

العفائفَ من حرائرِ المسلمينَ، فيرمُونَهنَّ بالزنى، ثم لم يأتُوا على ما رمَوهنَّ بهِ من ذلك بأربعِة شهداءَ عُدولٍ يشهدُونَ عليهنَّ أنَّهنَّ رأوهنَّ يفعَلنَ ذلك، فاجلِدُوا الذين رمَوهنَّ بذلك ثمانينَ جلدةً، ولا تقبلُوا لهم شهادةً أبدًا، وأولئك هم الذين خالفُوا أمرَ اللهِ، وخرجُوا من طاعتِه، ففسقُوا عنها.

وذُكِر أن هذه الآيةِ إنما نزَلتْ في الذين رمَوا عائشةَ زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بما رمَوها به من الإفكِ

(1)

في ص، م، ت 1:"بزانية".

(2)

في ت 2: "تبين".

(3)

في ص: "يستحل"، وفى ت 1، ف:"لا يستحل"، في ت 2:"تستحل".

(4)

في ت 1: "يتهمون".

ص: 161

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ وإبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قالا: ثنا ابن فُضيلٍ، عن خُصيفٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبيرٍ: الزِّنى أشدُّ أو قذفُ المحصنةِ؟ قال: لا، بل الزنى. قلتُ: إِنَّ الله يقولُ: {إِنَّ

(1)

الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 23]. قال: إِنَّما هذا في حديث عائشةَ خاصةً

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الآيةُ: في نساءِ المسلمين

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ [في قولِه]

(4)

: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . قال: الكاذبونَ

(5)

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}

اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي استُثنى منه قولُه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} ؛ فقال بعضُهم: استُثنى من قوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ

(1)

في ص، م، ت 1، ف:"و".

(2)

أخرجه الطبراني 23/ 151، 152 (227) من طريق ابن فضيل به، وهو في تفسير سفيان ص 223 - ومن طريقه الطبراني 23/ 151 (226) - عن خصيف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 35 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير سفيان ص 223 - ومن طريقه الطبراني 23/ 152 (229) - عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 35 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 253 معلقًا.

ص: 162

الْفَاسِقُونَ}. وقالوا: إذا تاب القاذفُ قُبلت شهادتُه، وزال عنه اسمُ الفسقِ، حدَّ فيه أولم يُحد.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمد بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ - إن شاء اللهُ - أن عمرَ قال لأبي بكرةَ: إن تبتَ قبلتُ شهادتَك، أو تُبْ

(1)

تُقبلْ

(2)

شهادتُك

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقُ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدَ بن المسيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ضرَب أبا بكرةَ وشِبلَ بنَ معبدٍ ونافعَ بنَ الحارثِ بنِ كَلدَةَ، حدَّهم وقال لهم: من أكذَب نفسَه أجزتُ شهادتَه فيما استُقبل، ومن لم يفعلْ لم أُجِزْ شهادته. فأكذَب شبلٌ نفسَه ونافعٌ، وأَبَى أبو بكرةَ أن يفعلَ. قال الزهريُّ: هو واللهِ سنةٌ فاحفَظوه

(4)

.

حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: إذا تاب - يعنى القاذفُ - ولم يُعلم منه إلا خيرٌ، جازت شهادتُه

(5)

.

(1)

في م: "رديت".

(2)

سقط من النسخ، والمثبت من سنن البيهقى.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 169، والبيهقى 10/ 152 من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 20 إلى سعيد بن منصور.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، 2/ 52، وفى مصنفه (13564، 13565) من طريق الزهرى وغيره عن ابن المسيب بنحوه، وأخرجه عمر بن شبة في أخبار البصرة - كما في الفتح 5/ 256 - من طريق سليمان بن كثير عن الزهرى به. وعزاه السيوطي في الدر 5/ 21 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2531 من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 21 إلى عبد بن حميد.

ص: 163

حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: على الإمامِ أن يستَتيبَ القاذفَ بعد الجَلدِ، فإن تاب [وأُونس]

(1)

منه خيرٌ، جازت شهادتُه، وإن

(2)

لم يتبْ فهو خليعٌ لا تجوزُ شهادتُه.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ أنه قال في القاذفِ: إذا تاب وعُلم منه خيرٌ، إن شهادتَه جائزةٌ، وإن لم يتبْ فهو خليعٌ لا تجوزُ شهادتُه، وتوبتُه إكذابُه نفسَه.

قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ نحوَه.

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، قال في القاذفِ: إذا

(3)

تاب وأكذَب نفسَه قُبلت شهادتُه، وإلا كان خليعًا لا شهادةَ له؛ لأن الله يقولُ:{لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 13] إلى آخرِ الآيةِ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ في شهادةِ القاذفِ: إذا رجَع عن قوله حينَ يُضَرَبُ، أو

(4)

أَكْذَب نفسَه، قُبِلت شهادتُه.

قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ: يقبَلُ اللهُ توبتَه وتردُّون

(5)

شهادتَه! وكان يقبَلُ شهادتَه إذا تاب

(6)

.

(1)

في ص، ف:"أونس"، وفي ت 2:"علم".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"إذا".

(3)

في ص، ت 1، ف:"إن".

(4)

في ت 2: "و".

(5)

في ف: "يردون".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13576)، وابن أبي شيبة 6/ 170، والكرابيسي في كتاب القضاء - =

ص: 164

قال: أخبَرنا إسماعيلُ، عن الشعبيِّ أنه كان يقولُ في القاذفِ: إذا شهِد قبلَ أن يُضربَ الحدَّ، قُبلت شهادتُه.

قال: ثنا هشيمٌ قال: أخبَرنا عُبيدة، عن إبراهيم، وإسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، أنهما قالا في القاذفِ: إذا شهِد قبلَ أن [يُجلدَ فشهادتُه]

(1)

جائزةٌ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ، يعنى ابنَ عُليةَ، سمِعتُ ابن أبي نجيحٍ يقولُ: القاذفُ إذا تاب تجوزُ شهادتُه. وقال: كلُّنا

(3)

نقوله. [فقيل له: من

(4)

قال؟ قال]

(5)

: عطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ

(6)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ خالدِ

(7)

ابن عثمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، عن عمرَ بن [عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ]

(8)

، قال: إذا تاب القاذفُ جُلد و

(9)

جازت شهادتُه. قال أبو موسى: هكذا قال ابن

(10)

عثمةَ.

=كما في التغليق 3/ 380 - من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ به، وأخرجه البيهقي 10/ 153 من طريق أبي حصين ومطرف، عن الشعبي.

(1)

في ص: "يجلده لا شهادته". وفى ت 2: "يجلد ولا شهادته"، وفى ف:"يجلد ولا شهادة".

(2)

أخرجه اليبهقى 10/ 156 من طريق هشيم عن عبيدة.

(3)

في النسخ: "كنا"، والمثبت من مصادر التخريج، وليس هذا اللفظ عند ابن أبي شيبة.

(4)

بعده في ت 2: "أين".

(5)

في ت 2: "من قول".

(6)

أخرجه الشافعي في السنن المأثورة ص 74 ومن طريقه البيهقى 10/ 153، وفى المعرفة (5893) - وسعيد بن منصور في سننه كما في التغليق 3/ 379 - وابن أبي شيبة 6/ 168.

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"خلف". وينظر تهذيب الكمال 25/ 143.

(8)

في م: "طلحة عن عبد الله". وينظر الجرح 6/ 119.

(9)

في ص، ت 2:"وتاب و"، وفى ت 1، ف:"وتاب".

(10)

بعده في النسخ: "أبي".

ص: 165

حدَّثنا ابن بشارٍ وابن المثنى، قالا: ثنا ابن

(1)

عثمةَ، قال: ثنا سعيدٌ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، عن سليمانَ بن يسارٍ والشعبيِّ، قالا: إذا تاب القاذفُ عندَ الجلدِ جازت شهادتهُ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عمرَ بنَ عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ جلَد رجلًا في قذفٍ، فقال: أَكذِبْ نفسَك حتى تجوزَ شهادتُك

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ والشعبيَّ يتذاكران شهادةَ القاذفِ، فقال الشعبيُّ لإبراهيمَ: لمَ لا تقبلُ شهادتَه؟ فقال: لأنى

(4)

لا أدرى تاب أم لا

(5)

.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، [عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: تُقبُل شهادتُه إذا تاب

(6)

.

قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن يعقوبَ بن القعقاعِ، عن محمدِ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثله

(7)

]

(8)

.

(1)

بعده في في النسخ: "أبى".

(2)

أثر سليمان بن يسار أخرجه مالك 2/ 721، ومن طريقه البيهقى 10/ 153 أنه بلغه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار. فذكر نحوه.

(3)

ذكره الحافظ في التغليق 3/ 381 عن المصنف.

(4)

سقط من: ت 1، ف.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 171 من طريق سفيان به. وأخرجه البغوي في الجعديات (2411) من طريق شريك، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم وحده به.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 169 من طريق مجالد به.

(7)

ذكره الحافظ في التغليق 3/ 379 عن المصنف.

(8)

سقط من ت 2.

ص: 166

[قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ]

(1)

، عن ابن جُريجٍ، عن عمرانَ بن موسى، قال: شهِدتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أجاز شهادةَ القاذفِ ومعه رجلٌ

(2)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: قال الشعبيُّ: إذا تاب جازت شهادتُه. قال ابن المثنى: قال: عندى. يعني: في القذفِ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا مِسعرٌ

(4)

، عن عمران

(5)

ابن عميرٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عتبةَ كان يُجيزُ شهادةَ القاذفِ إذا تاب

(6)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكَ، قال: إذا تاب وأصلَح قُبلت شهادتُه. يعنى القاذفَ

(7)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن ابن

(1)

سقط من ت 2.

(2)

أخرجه الخلال - كما في التغليق 3/ 378، 379 - من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13560) عن ابن جريج به.

(3)

أخرجه البغوي في الجعديات (191) عن شعبة به.

(4)

في ف: "أبو معشر".

(5)

بعده في ف: "أن".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 170 عن ابن إدريس به. وأخرجه البيهقى 10/ 153 من طريق سفيان عن مسعر عن رجل، عن عبد الله بن عتبة، وأخرجه أيضًا 10/ 153 من طريق أبي معاوية ويحيى بن سعيد، عن مسعر، عن عمران به.

(7)

أخرجه البيهقى 10/ 153 من طريق هشيم به.

ص: 167

المسيبِ، قال: تُقبلُ شهادةُ القاذفِ إذا تاب.

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن ابن المسيبِ مثلَه

(1)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال

(2)

: قال الزُّهريُّ: إذا حُدَّ القاذفُ، فإنه ينبغى للإمامِ أن يستتيبَه، فإن تاب قُبلت شهادتُه، وإلا لم تُقبلْ. قال: كذلك فعَل عمرُ بنُ الخطابِ بالذين شَهِدوا على المغيرةِ بن شعبةَ، فتابوا إلَّا أبا بكرةَ، فكان لا تُقبلُ

(3)

شهادتُه

(4)

.

وقال آخرون: الاستثناءُ في ذلك من قولِه

(5)

: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . وأما

(6)

قوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} . فقد وُصِل بالأبدِ، ولا

(7)

يجوزُ قَبولُها أبدًا.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثنا ابن أبي الشواربِ، قال: ثنا يزيُد بنُ زريعٍ، قال: ثنا أشعثُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنى الشعبيُّ، قال: كان شريحٌ يُجيزُ شهادةَ صاحبِ كلِّ عملٍ إذا تاب إلا

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 53، وفي مصنفه (13563)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2532 عن الحسن به.

(2)

في ت 2: "عن قتادة".

(3)

في ت 2: "يقبل".

(4)

ذكره الحافظ في التغليق 3/ 380 عن المصنف، وأخرجه مالك 2/ 721 - ومن طريقة البيهقى 10/ 153 - وابن أبي شيبة 6/ 170 من طريق ابن شهاب به.

(5)

في ت 2: "قولهم"

(6)

في ت 1: "فأما".

(7)

في ت 2: "فلا".

ص: 168

القاذفَ. قال

(1)

: توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه، ولا نُجيزُ شهادتَه.

حدَّثنا حميدُ

(2)

بنُ مَسعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا أشعتُ

(3)

بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن شُريحٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: صاحبُ كلِّ حدٍّ إذا كان عدلًا يوم شهِد

(4)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شريحٍ، قال: كان لا يُجيزُ شهادةَ القاذفِ، ويقولُ: توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه.

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي عثمانَ، عن شريحٍ في القاذفِ: يقبلُ اللهُ توبتَه، ولا أقبلَ شهادتُه

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: أتاه خَصمان، فجاء أحدُهما بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى ما به؟ قال: قد أراه. قال: فسأل القومَ، فأثنَوا عليه خيرًا، فقال شريحٌ: نُجيزُ شهادةَ كلِّ صاحب حدٍّ، إذا كان يومَ شَهِد عدلًا، إلا القاذفَ، فإن توبتَه فيما بينَه وبينَ ربِّه.

(1)

في م، ف:"فإن".

(2)

في ت 2: "عبيد".

(3)

في ت 2: "سعيد".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13575) به.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 169 - ومن طريقه وكيع في أخبار القضاة 2/ 284 - عن ابن إدريس به، ولفظ ابن أبي شيبة: تجوز إذا تاب.

ص: 169

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: جاء خَصمان إلى شُريحٍ، فجاء أحدُهما ببينةٍ، فجاء بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى إلى ما به؟ فقال شريحٌ: قد رأيناه، وقد سألنا القومَ فأثنَوا خيرًا. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَ حديثِ أبي كريبٍ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الشيبانيُّ، عن الشعبيِّ، عن أنه كان يقولُ: لا تُقبلُ له شهادة أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه. يعنى القاذفَ

(1)

.

قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الأشعثُ، عن الشعبيِّ أن ربابًا قطَع رجُلًا في قطعِ الطريقِ، قال: فقطعَ يدهَ ورجلَه. قال: ثم تاب وأصلَح، فشهِد عندَ شريحٌ، فأجاز شهادتُه. قال: فقال المشهودُ عليه: أتجيز شهادتُه عليَّ وهو أقطعُ؟ قال: فقال شريحٌ: كلُّ صاحبِ حدٍّ إذا أُقيم عليه

(2)

ثم تاب وأصلَح، فشهادتُه جائزةٌ إلا القاذفَ.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: المغيرةُ أخبَرني، قال: سمِعتُ إبراهيم يحدِّثُ عن شريحٌ، قال: قضاءٌ من اللهِ لا تُقبل شهادتُه أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ

(3)

. قال أبو موسى: يعنى القاذفَ

(4)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: قال

(1)

أخرجه البيهقى 10/ 156 من طريق هشيم به، وابن أبي شيبة 6/ 170 من طريق الشيباني به.

(2)

بعده في ت 2: "الحد".

(3)

في م: "ربه".

(4)

أخرجه وكيع في أخبار القضاة 2/ 284 من طريق مغيرة به.

ص: 170

شريحٌ: لا يقبلُ اللهُ شهادتُه

(1)

أبدًا.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: لا تجوز شهادة القاذفَ، توبته توبته

(2)

فيما بينَه وبينَ اللهِ

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى

(4)

، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه قال: القاذفُ توبته فيما بينَه وبينَ اللهِ، وشهادتُه لا تُقبلُ

(5)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في الرجلِ يُجلدُ الحدَّ، قال: لا تجوزُ شهادتُه أبدًا

(6)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرة، عن إبراهيمَ أنه كان لا يقبلُ له شهادةً أبدا، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ

(7)

القاذفَ

(8)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معمرٌ

(9)

بن سليمان

(10)

، عن حجاجٍ، عن عمرِو بن

(1)

في ص: "شهادة".

(2)

سقط من، ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 171 من طريق حماد بن سلمة به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13563)، وفي تفسيره، 2/ 53، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2532 من طريق قتادة به.

(4)

في ص، م، ف:(ابن عبد). وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13572)، وابن أبي شيبة 6/ 171 من طريق قتادة به، وأخرجه ابن أبي شيبة 6/ 171، ومن طريق يونس، عن الحسن.

(6)

أخرجه البغوي في الجعديات (191) عن شعبة به.

(7)

سقط من: ص، وفى ت 2:"ربه"، وبياض في: ف.

(8)

أخرجه البيهقى 10/ 156 من طريق أبو هشيم به، وعبد الرزاق في مصنفه (13573)، وابن أبي حاتم 8/ 2532 من طريق آخر عن إبراهيم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 21 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(9)

في ص، م، ت 1، ف:"معتمر". وينظر تهذيب الكمال 28/ 326.

(10)

في النسخ: "سليم".

ص: 171

شعيبٍ

(1)

، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"لا تجوزُ شَهادَةُ محدودٍ في الإسلام"

(2)

.

حدَّثنا ابن عبدُ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} . قال: كان يقولُ

(3)

: لا تُقبَلُ شهادةُ القاذفِ أبدًا، إنما توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ. وكان شريحٌ يقولُ: لا تُقبَلُ شهادتُه

(4)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، [عن معاويةَ بن صالحٍ]

(5)

، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} . ثم قال: فمَن تاب وأصلَح فشهادتُه في كتابِ اللهِ تُقبَلُ

(6)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن الاستثناءَ من المعنييْن جميعًا؛ أعنى من

(7)

قولِه: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} . ومن قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . وذلك أنه لا خلافَ بينَ الجميعِ أن ذلك كذلك إذا لم يُحدَّ في القذفِ حتى تاب:

(1)

النسخ: "سعيد".

(2)

أخرجه أحمد 11/ 531 (6940)، وابن ماجه (2366) من طريق معمر بن سليمان الرقى به، وأخرجه أحمد 11/ 531 (6940) من طريق حجاج به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15364، 15367)، وأحمد 11/ 299، 501 (6698، 6899)، وأبو داود (3600، 3601)، والدارقطني 4/ 244، والبيهقى 10/ 155، 200، 201، والبغوى في شرح السنة (2511) من طريق عمرو بن شعيب به.

(3)

بعده في ص، ف:"لا يقول". وفى ت 2: "لا تقول".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2530 من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 52، وفي مصنفه (13572) عن معمر عن قتادة عن الحسن به.

(5)

سقط من النسخ.

(6)

أخرجه البيهقى 10/ 153 من طريق عبد الله بن صالح به.

(7)

سقط من ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

ص: 172

إما بأن [لم يُرفعْ]

(1)

[إلى السلطانِ]

(2)

بعفوِ المقذوفةِ عنه

(3)

، وإما بأن ماتت قبلَ المطالبةِ بحدِّها ولم يكُنْ لها طالبٌ يطلبُ بحدِّها. فإذ

(4)

كان ذلك كذلك، وحدَثت منه توبةٌ، صحَّت له بها العدالةُ.

فإذ

(5)

كان من الجميعِ إجماعًا، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه شرَط في كتابِه

(6)

أن لا تُقبَلَ شهادتُه أبدًا بعد الحدِّ في رميِه، بل نهَى عن قبولِ شهادتُه في الحالِ التي أوجَب عليه فيها الحدَّ، وسماه فيها فاسقًا - كان معلومًا بذلك أنّ إقامةَ الحدِّ عليه في رميِه لا تُحدِث في شهادتِه مع التوبةِ من ذنبِه ما لم يكنْ حادثًا فيها قبلَ إقامتِه عليه، بل توبتَه بعدَ إقامة الحدِّ عليه من ذنبِه أحرَى أن تكونَ شهادتُه معها أجوزَ منها قبلَ إقامتِه عليه؛ لأن الحدِّ يزيد المحدودَ عليه تطهيرًا من جُرمِه الذي استحقَّ عليه الحدِّ.

فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ أن يكونَ الاستثناءُ من قولِه: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . فتكونَ التوبةُ مُسقطةً عنه الحدَّ، كما كانت لشهادتِه عندَك قبلَ الحدِّ وبعده مجيزةً

(7)

، ولاسمِ الفسقِ عنه مزيلةً؟ قيل: ذلك غيرُ جائزٍ عندَنا، وذلك أن الحدَّ حقٌّ

(8)

عندَنا للمقذوفةِ، كالقصاصِ الذي

(9)

يجبُ لها من جنايةٍ

(1)

في م: "يرفع".

(2)

في ت 2: "للسلطان".

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

في ت 2: "فإذا".

(5)

في ت 2، ف:"فإذا".

(6)

في ص: "كتابته".

(7)

في ت 1، ت 2:"محيرة".

(8)

سقط من: ت 2.

(9)

في ت 2: "التي".

ص: 173

يَجنيها عليها مما فيه القصاصُ، ولا خلافَ بينَ الجميعِ أن توبتَه من ذلك لا تضعُ عنه الواجبَ لها من القصاصِ منه، فكذلك توبتُه من منه، فكذلك توبته من القذفِ لا تضعُ عنه الواجبَ لها من الحدِّ؛ لأن ذلك حقٌّ لها، إن شاءت عفَته، وإن شاءت طالبت

(1)

به. فتوبةُ العبدِ من ذنبِه [إنما تضعُ]

(2)

[عن العبدِ]

(3)

الأسماءَ الذميمةَ والصفاتِ القبيحةَ. فأما حقوقُ الآدميين التي أوجبها اللهُ لبعضِهم على بعضٍ في كلِّ الأحوالِ، فلا تزولُ بها ولا تبطُلُ.

واختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ توبة القاذفِ التي تقبلُ معها شهادتُه؛ فقال بعضُهم: هي

(4)

إكذابُه نفسَه فيه. وقد ذكَرنا بعضَ قائلى ذلك فيما مضى قبلُ، ونحن نذكُرُ بعضَ ما حضَرَنا ذكره مما لم نذكره قبلُ.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: توبةُ القاذفِ أن يُكذِبَ نفسَه

(5)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، قال: رأيتُ رجلًا ضُرِب حدًّا في قذفٍ بالمدينةِ، فلما فُرغ من ضربِه [تناول ثوبَه]

(6)

، ثم قال: أستغفِرُ الله وأتوبُ إليه من قذفِ المحصناتِ. قال: فلقيتُ أبا الزنادِ، فذكرتُ

(1)

في ت 2: "طالبته".

(2)

سقط من: ت 1، ف.

(3)

في ت 2: "عنه".

(4)

في م: "هو".

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 172 عن حفص به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (13562) من طريق ابن طاوس، عن أبيه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 21 إلى عبد بن حميد.

(6)

في ت 2: "تأول توبة".

ص: 174

ذلك له. قال: فقال: إن الأمرَ عندَنا ههنا أنه إذا قال ذلك حينَ يُفرَغُ من ضربِه، ولم نَعلمْ

(1)

منه إلا خيرًا قبلت شهادتُه

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} الآية. قال: من اعترَف وأقرَّ على نفسِه علانيةً أنه قال البهتانَ، وتاب إلى اللهِ توبةً نصوحًا - والنَّصوحُ: ألا يعودَ

(3)

وإقرارُه واعترافُه عندَ الحدِّ حينَ يؤخذُ بالجلدِ - فقد تاب، واللهُ غفورٌ رحيمٌ

(4)

.

وقال آخرون: توبتُه من ذلك [صلاحُ حالِه، وندمُه على ما فرَط منه من ذلك، و]

(5)

الاستغفارُ منه، وتركه العودَ في مثلِ ذلك من الجُرمِ. وذلك قولُ جماعةٍ من التابعين وغيرِهم، وقد ذكَرنا بعض قائليه فيما مضَى، وهو قولُ مالكِ بن أنسٍ.

وهذا القولُ أولى القولين

(6)

في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه جعَل توبةَ كلِّ ذى ذنبٍ من أهلِ الإيمانِ تركَه العودَ منه العود منه، والندمَ على ما سلَف منه، [واستغفارَ ربَّه]

(7)

منه، فيما كان من ذنبٍ بينَ العبد وبينَه، دونَ ما كان من

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"يعلم".

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه - كما في التغليق 3/ 381 ومن طريقه البيهقى 10/ 153 - عن هشيم به.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2:"يعودوا".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2532 من طريق أبي معاذ النحوى به.

(5)

سقط من ت 2.

(6)

في ت 2: "التأويلين".

(7)

في ت 2: "الاستغفار لربه".

ص: 175

حقوقِ عبادهِ ومظالمِهم بينَهم. والقاذفُ إذا أُقيم عليه فيه

(1)

الحدِّ، أو عُفى عنه، فلم يبقْ عليه إلا توبتُه من جُرمِه

(2)

بينَه وبينَ ربِّه، فسبيلُ توبتِه منه سبيلُ توبتِه من سائرِ أجرامِه.

فإذ

(3)

كان الصحيحُ في ذلك من القولِ ما وَصفنا، فتأويلُ الكلامِ: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جُرمِهم الذي اجترَموه، بقذفِهم المحصناتِ من بعدِ اجترامِهموه، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: ساترٌ على ذنوبِهم بعفوِه لهم عنها، رحيمٌ بهم بعدَ التوبةِ أن يعذبَهم عليها، فاقبلُوا شهادتَهم، ولا تسمُّوهم فسَقةً، بل سمُّوهم بأسمائِهم التي هي لهم في حالِ توبِتهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ} من

(4)

الرجالِ {أَزْوَاجَهُمْ} بالفاحشةِ، فيقذفونهن

(5)

بالزنى، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ} يشهدون لهم بصحةِ ما رمَوهنّ به من الفاحشةِ، {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} .

واختلفت القرأةُ في قراءةِ [ذلك؛ فقرأته]

(6)

عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (أَربَعَ

(1)

سقط من: ت 1.

(2)

بعده في ت 1: "فيما".

(3)

في ت 2: "فإذا".

(4)

بعده في ت 2: " بعض".

(5)

في ص، ت 1، ت 2:"فيقذفوهن".

(6)

في ت 1: "أربع شهادات فقرأ ذلك".

ص: 176

شَهَادَاتٍ). نصبًا

(1)

، ولنصبِهم ذلك وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ "الشهادةُ" في قولِه: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} . مرفوعةً بمضمرٍ قبلَها، ويكونَ "الأربعُ" منصوبًا بمعنى الشهادةِ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: فعلى أحدِهم أن يشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ والوجهُ الثاني: أن تكونَ "الشهادةُ "مرفوعةً بقولِه: {إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} . و "الأربعُ" منصوبةً بوقوعِ "الشهادةِ" عليها. كما يُقالُ: شهادتى ألفَ مرةٍ إنك لرجلُ سَوْءٍ. وذلك أن العربَ ترفعُ الأيمانَ بأجوبتِها، فتقولُ: حَلِفٌ صادقٌ لأقومَنّ، وشهادةُ عمرٍو ليَقعُدَنَّ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: {أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} . برفعِ "الأربع"

(2)

،

ويجعلُونها للشهادةِ مرافِعةً. وكأنهم وجَّهوا تأويلَ الكلامِ: فالذى يلزَمُ من الشهادةِ، أربعُ شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين.

وأولَى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ

(3)

قراءةُ من قرأ

(4)

: (فَشَهادة أحَدِهِم أَربَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ إِنه لَمِنَ الصَادِقِينَ). بنصبِ "أربع"، "بوقوعِ""الشهادة" عليها. و "الشهادةُ" مرفوعةٌ حينئذٍ على ما وصفتُ من الوجهين قبلُ

(5)

. وأحبُّ وجهيْهما إليَّ

(6)

أ ن تكونَ به مرفوعةً

(7)

بالجوابِ، وذلك قولَه:

(1)

وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر. حجة القراءات ص 495.

(2)

هي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.

(3)

القراءتان متواترتان.

(4)

في ص، ف:"قرأه".

(5)

في ص: "قيل"

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2 ت 3، ف.

(7)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"إلى".

ص: 177

{إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} . وذلك أن معنى الكلامِ: والذين يرمون أزواجَهم ولم يكنْ لهم شهداءُ

(1)

، إلا أنفسُهم، فشهادةُ أحدِهم أربعُ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، تقومُ

(2)

مقامَ الشهداءِ الأربعةِ في دفعِ الحدِّ عنه. فترك ذكرَ

(3)

: تقومُ

(4)

مقامَ الشهداءِ الأربعةِ اكتفاءً بمعرفةِ السامعين بما ذُكِر من الكلامِ، فصار مُرافع "الشهادةِ" ما وصفتُ.

ويعنى بقولِه: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} فحلِفُ أحدِهم أربعُ أيمانٍ باللهِ. من قولِ القائلِ: أشهدُ باللهِ إنه لمن الصادقين فيما رمَى زوجتَه به من الفاحشةِ.

{وَالْخَامِسَةُ} . يقولُ: والشهادةُ الخامسةُ {أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ} ، يَقولُ: أن لعنةَ اللهِ له واجبةٌ، وعليه حالَّةٌ، إن كان فيما [رماها به]

(5)

من الفاحشةِ من الكاذبين.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقالت به جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.

(1)

في ت 2: "شهادة".

(2)

في ت 1، ت 2: "يقوم.

(3)

سقط من: ت 3.

(4)

في ت 1: "يقوم".

(5)

في ت 2: "رمي به زوجته".

ص: 178

‌ذكرُ الرواية بذلك وذُكِر السببِ الذي فيه أُنزلت

(1)

هذه الآيةُ

حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلت: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . قال سعدُ بنُ عبادةَ: اللهِ

(2)

إن أنا رأيتُ لكاعِ متفخذَها

(3)

رجلٌ، فقلتُ بما رأيتُ، إن في ظهرى لثمانين، إلى ما أجمعُ أربعةً، قد ذهَب، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يا معشرَ الأنصارِ، ألا تسمعون [إلى

(4)

ما]

(5)

يقولُ سيدُكم؟ ". قالوا يا رسولَ اللهِ، لا تلُمَه. وذكَروا من غيرتِه؛ فما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ فرجَع فيها أحدٌ منا. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله يأبى إلا ذاك". فقال: صدَق اللهُ ورسولُه. قال: فلم يلبَثوا أن جاء ابن عمٍّ له فرمى امرأتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين. فقال: لا واللهِ، لا يَجْعلُ اللَّهُ في ظهرى ثمانين أبدًا، لقد نظرتُ حتى أيقَنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى استشفَيتُ. قال:[فأنزَل اللهُ]

(6)

القرآنَ باللعانِ، فقيل له: احلِفْ. فحلَف. قال

(7)

: "قفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجِبةٌ". فقال: لا يُدخلُه الله النارَ بهذا أبدًا، كما درَأ عنه جلدَ ثمانين، لقد نظرتُ حتى أيقنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"نزلت".

(2)

في ص، ت 1، ت 2:"االله".

(3)

في ف: "يتفخذها".

(4)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(5)

في ص: "لما".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"ونزل".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"قيل".

ص: 179

استشفيتُ، فحلَف. ثم قيل لها

(1)

: احلفى. فحلَفتْ، [ثم قال]

(2)

: "قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ". فقيل

(3)

لها: إنها مُوجِبةً. فتلكَّأتْ ساعةً، ثم قالت: لا أُخزِى قومِى. فحلَفت. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذى قيل فيه ما قيل". قال: فجاءت به غلامًا كأنه جملٌ أورقُ، فكان بعدُ أميرًا بمصرَ، لا يُعرفُ نسبُه

(4)

، أو

(5)

لا يُدرَى من أبوه

(6)

.

حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا عبادٌ، قال: سمِعتُ عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . قال سعدُ بنُ عبادةَ: لهكذا أُنزلت يا رسولَ الله؟ لو أتيتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهِيجَه ولا أُحرِّكَه حتى آتِىَ بأربعةِ شهداءَ، فوالله ما كنتُ لآتِىَ بأربعةِ شهداءَ حتى يفرُغَ من حاجته. فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يا معشرَ الأنصارِ، أما

(7)

تسمَعُون إلى ما يقولُ سيدُكم؟ ". قالوا: لا تلُمْه فإنه رجلٌ غيورٌ، ما تزوَّج فينا قطُّ إلا عذراءَ، ولا طلَّق امرأةً له، فاجترَأ رجلٌ

(8)

منا أن يتزوّجَها. قال سعدٌ:

(1)

سقط من: م.

(2)

في ص، ت 1، 2، ت 3، ف:"قيل".

(3)

في ف: "قيل".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"نفسه".

(5)

في ت 1، ت 2، ف:"و".

(6)

أخرجه عبد الرزاقِ في مصنفه (12444)، وفي تفسيره 2/ 53 عن معمر عن أيوب به.

(7)

في ص، ت 1، ف:"ألا"، وفي ت 2:"لا".

(8)

في ت 2: "أحد".

ص: 180

يا رسولَ اللهِ، بأبي وأمِّى، واللهِ إنى لأعرفُ أنها من الله، وأنها حقٌّ، ولكنْ عجِبت لو وجدتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهيجَه و [لا أحرِّكَه، حتى أتىَ بأربعةِ شهداءَ، واللهِ لا آتِى بأربعةِ شهداءَ، حتى يفرُغَ من حاجته. فواللهِ]

(1)

ما لبِثُوا إلا يسيرًا حتى جاء هلالُ بنُ أميةَ من حديقةٍ له، فرأى بعينيه

(2)

وسمِع بأذنيه، فأمسَك حتى أصبحَ، فلما أصبَح غدا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ مع أصحابه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى جئتُ أهلى عِشاءً فوجدتُ رجلًا مع أهلى، رأيت بعينيَّ، وسمعت بأذنيَّ. فكرِةَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما أتاه به وثَقُل عليه جدًّا حتى عُرف ذلك في وجهِه، فقال هلالٌ: واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنى لأرى الكراهةَ

(3)

في وجهِك مما أتيتُك به، واللهُ يعلمُ أني صادقٌ، وما قلت إلا حقًّا، وإني

(4)

لأرجُو أن يجعلَ اللهُ فرجًا. قال: واجتمعت الأنصارُ، فقالوا: ابتُلينا بما قال سعدٌ، أيُجلدُ هلالُ بنُ أميةَ، وتبطُلُ شهادتُه في المسلمين؟ فهمَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بضربِه، فإنه لكذلك يريدُ أن يأمُرَ بضربِه، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ مع أصحابهِ، إذ نزل عليه الوحى، فأمسَك أصحابُه عن كلامِه حينَ

(5)

عرَفوا أن الوحىَ قد نزَل، حتى فرَغ، فأنزل اللهُ:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} إلى: {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} . فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أبشِرْ يا هِلالُ، فإن الله قد جعلَ فَرَجًا". فقال: قد كنتُ أرجُو ذلك من اللهِ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أرسِلوا إليها". فجاءت، فلما اجتمعا

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

في ت 2: "بعينه".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"الكراهية".

(4)

في م، ت 1، ف:"فإني".

(5)

في ص، ف:"حتى".

ص: 181

عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قيل لها، فكذَبت. فقال رسولُ اللهِ:"إن الله يعلَمُ أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ ". فقال هلالٌ: [يا رسولَ اللهِ]

(1)

، بأبي وأمِّي، لقد صدَقتُ، وما قلتُ إلا حقًّا. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لاعِنُوا بينهما". قيل لهلالٍ، يا هلالُ، اشهدْ. فشهِد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين. فقيل له [عندَ الخامسةِ]

(1)

: يا هلالُ، اتقِ الله، فإن عذابَ اللهِ أشدُّ من عذابِ الناسِ، وإنها الموجبةُ التي توجِبُ عليك العذابَ. فقال هلالٌ: والله لا يعذِّبُنى اللهُ

(2)

عليها، كما لم يَجلدْني عليها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فشهِد الخامسةَ: أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: اشهدى. فشهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين. فقيل لها عندَ الخامسةِ: اتقى الله، فإن عذابَ اللهِ أَشدُّ من عذابِ الناسِ، وإن هذه الموجبةُ التي تُوجبُ عليك العذابَ. فتلكَّأت ساعةً، ثم قالت: واللهِ لا أفضَحُ قومى. فشهِدت الخامسةَ: أن غَضَبَ اللَّهِ عليها إن كان من الصادقين. ففرَّق بينَهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقضَى أن الولدَ لها، ولا يُدعَى لأبٍ، ولا يُرمَى ولدُها

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قذَف

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

بعده في ت 2: "أشد من عذاب الناس".

(3)

أخرجه الطيالسي (2789)، وأحمد 33/ 4 (2131)، وأبو داود (2256) مختصرًا، وأبو يعلى (2740، 2741)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2533، والواحدى في أسباب النزول ص 237، والبيهقى 7/ 394 من طريق عباد بن منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 21 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

ص: 182

هلالُ بنُ أميَّةَ امرأتَه، قيل له: واللهِ لَيجلِدَنَّك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثمانين جلدةً. قال: الله أعدلُ ذلك، أن يضربَنى ضربةً وقد علِم أنى قد رأيتُ حتى استيقنتُ، وسمِعتُ حتى استثبَتُّ، لا واللهِ لا يضربُنى أبدًا. فنزَلت آيةُ الملاعنةِ، فدعا بهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ نزَلت الآية، فقال:"الله يعلم أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ ". فقال هلالٌ: واللهِ إنى لصادقٌ. فقال له: "أحلِفْ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إني لصادقٌ". يقولُ ذلك أربع مراتٍ، فإن كنتُ كاذبًا فعليَّ لعنةُ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"قِفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ". فحلَف، ثم قالت أربعًا: واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقًا فعليها غضبُ اللهِ. وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ". فتردَّدت وهمَّت بالاعترافِ، ثم قالت: لا أفضحُ قومى

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا عبدةُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: كنا ليلةَ الجمعةِ في المسجدِ، فدخل رجلٌ فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه

(2)

؟ وإن تكلَّم جلدتموه؟ فذُكر ذلك لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأنزَل اللهُ آيةَ

(3)

اللعانِ. ثم جاء الرجلُ بعدُ، فقذَف امرأتَه، فلاعَن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما بينَهما، فقال:"عسى أن تجئَ به أسودَ جَعدًا". فجاءت به أسودَ جَعدًا

(4)

.

(1)

أخرجه أحمد 4/ 274 (2468)، والحاكم 2/ 202، والبيهقى 7/ 395 من طريق الحسين بن محمد المروزي به.

(2)

في ت 2: "فقتلتموه".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"آيات" وهي لفظة ابن ماجه.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 405، ومسلم (1495)، وابن ماجه (2068)، والبيهقى 8/ 337 من طريق =

ص: 183

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بن أبى سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أيُفرَّقُ

(1)

بينَ المتلاعنَين؟ فقال: نعم، سبحانَ اللهِ! إن أولَ من سأل عن ذلك فلانٌ؛ أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: أرأيتَ لو أن

(2)

أحدَنا رأى صاحبتَه على فاحشةٍ، كيف يصنعُ؟ فلم يُجبه في ذلك شيئًا. قال: فأتاه بعدَ ذلك فقال: إن الذي سألتُ عنه قد ابتُليتُ به. فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ في سورةِ "النورِ"، فدعا الرجلَ فوعَظه وذكَّره، وأخبَره أن عذابَ [الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ]

(3)

. قال: والذي بعَثك بالحقِّ، لقد رأيتُ وما كذبتُ عليها. قال: ودعا المرأةَ فوعَظها، وأخبَرها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ. فقالت: والذي بعَثك بالحقِّ [إنه لكاذبٌ، وما رأى شيئًا]

(4)

. قال فبدأ الرجلُ، فشهد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، والخامسةَ أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين. ثم إن المرأةَ شهِدت أربع شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقين، وفرَّق

(5)

بينَهما

(6)

.

= عبدة به. وأخرجه أحمد 7/ 105، 312 (4001، 4281)، ومسلم (10/ 1495)، وأبو داود (2253)، وأبو يعلى (5161)، والواحدى في أسباب النزول ص 238، والبيهقى 7/ 405 من طريق الأعمش به.

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"يفرق"، وفي ف:"تفرق".

(2)

في ف: "كان".

(3)

في ت 2: "الله أشد من عذاب الدنيا".

(4)

في ت 2: "ما رأى شيئًا وإنه لكاذب".

(5)

في ت 2: "ففرق".

(6)

أخرجه النسائي في الكبرى (11358) من طريق جرير به. وأخرجه أحمد 8/ 210، 319، 9/ 52 (4603، 4693، 5009، والدارمي 2/ 150، 151، ومسلم (1493)، والترمذى (1202، 3178)، والنسائي (3473)، وفي الكبرى (11357)، وأبو يعلى (5656، 5772)، وابن الجارود =

ص: 184

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: لما أُنزِل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . قال عاصمُ ابن عديٍّ: إن أنا رأيتُ فتكلَّمتُ جُلِدتُ ثمانين، وإن أنا سكَتُّ سكَتُّ على الغيظِ؟ قال: فكأنَّ ذلك شقَّ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قال: فأنزِلت هذه الآيةُ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} . قال: فما لبِثُوا إلا جمعةً حتى كان بينَ رجلٍ من قومِه وبيَن امرأتِه، فلاعَن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بينَهما

(1)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} الآية. والخامسةُ: أن يُقالَ له: إن عليك لعنةَ اللهِ إن كنتَ من الكاذبين. وإن أقرت المرأةُ بقولِه رُجمت، وإن أنكَرت شهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ: إنه لمن الكاذبين. والخامسةَ أن يُقالَ لها: غضَبُ اللهِ عليكِ إن كان

(2)

من الصادقين. فيُدرَأُ عنها

(3)

العذابُ، ويُفرَّقُ بينَهما، فلا يجتمعان أبدًا، ويُلحقُ الولدُ بأمِّه

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} . قال: هلالُ بنُ أميَّةَ، والذي رُميَتْ به

= (752)، وابن حبان (4286)، والبيهقي 7/ 404، من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 23 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2528 من طريق حصين بن نمير عن الشعبي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 21 إلى ابن مردويه.

(2)

في ص، ت 1، ف:"كنت".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(4)

تقدم تخريجه ص 180 - 182.

ص: 185

شريكُ بن سحماءَ

(1)

، والذي اسْتَفْتَى [عاصمُ بنُ عديٍّ]

(2)

.

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني الزهريُّ عن الملاعنةِ والسنةِ فيها، عن حديثِ سهلِ بن سعدٍ، أن رجلًا من الأنصارِ جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيتَ

(3)

رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتلُه فتقتلونه، أم كيف يفعلُ؟ فأنزَل اللهُ في شأنِه ما ذكَر من أمرِ المتلاعنَين، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" وقد قضَى اللهُ فيك وفى امرأتِك". فتلاعَنا وأنا شاهدٌ، ثم فارَقها عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فكانت السُّنةُ بعدَها أن يُفرَّقَ بينَ المتلاعنَين. وكانت حاملةً، فأنكَره، فكان ابنُها يُدعَى إلى أمَّه، ثم جرَت السُّنةُ أن ابنَها يرتُها، وترِثُ ما فرَض اللهُ لها

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} . إلى قولِه: {إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} . قال: إذا شهِد الرجلُ خمسَ شهاداتٍ، فقد برئَ كلُّ واحدٍ من الآخرِ، وعِدَّتُها إن كانت حاملًا أن تضعَ حملَها، ولا يُجلَدُ واحدٌ منهما، وإن لم تحلفْ

(5)

أُقيم عليها

(6)

الحدُّ والرجمُ

(7)

.

(1)

في ت 1، ت 2:"سمحا". وينظر الإصابة 3/ 344.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"عدي بن عاصم".

(3)

بعده في ت 1، ت 2، ت 3:"لو أن".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (12446) - ومن طريقه البخارى (5309)، ومسلم (3/ 1492) - عن ابن جريج به.

(5)

في ص، ف:"يحلف".

(6)

في ت 1، ت 2:"عليه".

(7)

بعده في ت 2: "والله أعلم".

ص: 186

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)} .

يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} : ويدفعُ عنها الحدَّ.

واختلَف أهلُ العلمِ في العذابِ الذي عناه اللهُ في هذا الموضعِ أنه يدرؤُه عنها شهاداتُها

(1)

الأربعُ؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك، من أن

(2)

الحدَّ

(3)

جَلدُ مائةٍ إن كانت بكرًا، أو

(4)

الرجمُ إن كانت ثيِّبًا قد أُحصِنت.

وقال آخرون: بل ذلك الحبسُ. وقالوا: الذي يجبُ عليها إن هي لم تشهدِ الشهاداتِ الأربعَ بعدَ شهاداتِ الزوجِ الأربعِ والْتِعانِه، الحبسُ دونَ الحدِّ.

وإنما قلنا: الواجبُ عليها إذا هي امتنَعت من الالْتِعانِ بعد الْتِعانِ الزوجِ، الحدُّ الذي وصَفنا، قياسًا على إجماعِ الجميعِ على أن الحدَّ إذا زال عن الزوجِ بالشهاداتِ

(5)

الأربعِ، على تصديقِه فيما رماها به - أن الحدَّ عليها واجبٌ. فجعل اللَّهُ أيمانَه الأربعِ، والْتعانَه في الخامسةِ، مَخْرجًا له من الحدِّ الذي يجبُ لها برميِه

(1)

في ف، ت 1:"شهادتها".

(2)

في ص، ت 1:"أنه".

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"الجلد".

(4)

في ت 1: "و".

(5)

في ص، ف:"بالشهداء".

ص: 187

إياها، كما جعَل الشهداءَ الأربعةَ مَخْرجًا له منه في ذلك، وزائلًا به عنه الحدُّ، فكذلك الواجبُ أن يكونَ بزوالِ الحدِّ عنه [بذلك، واجبًا عليها

(1)

حدُّها، كما كان بزوالِه عنه]

(2)

بالشهودِ واجبًا عليها، لا فرقَ بينَ ذلك، وقد استقصينا العللَ في ذلك في بابِ اللعانِ من

(3)

كتابِنا المسمَّى "لطيفُ القولِ في شرائعِ الإسلامِ"، فأغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.

وقولُه: {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ} . يقولُ: ويدفعُ عنها العذابَ أن تحلِفَ باللَّهِ أربع أيمانٍ أن زوجَها الذي رماها بما رماها به من الفاحشةِ

(4)

{لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} فيما رماها به من الزنى.

وقولُه: {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ} الآية. يقولُ: والشهادةَ الخامسةُ: أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان زوجُها فيما رماها

(5)

به من الزنى {مِنَ الصَّادِقِينَ} .

ورُفِع قولُه: (الخامسة) في كلتا الآيتين، بـ "أن" التي تليها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه بكم، وأنَّه عَوّادٌ

(1)

في ت 1: "عليه".

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

في ت 1، ت 2:"في".

(4)

بعده في ت 1: "إنه".

(5)

في ت 2: "رمي".

ص: 188

على خلقِه بلُطْفِه وطَوْلِه، حكيمٌ في تدبيرِه إياهم، وسياستِه لهم، لَعاجلَكم بالعقوبةِ على معاصِيكم، وفضَح أهلَ الذنوبِ منكم بذنوبِهم

(1)

، ولكنَّه ستَر عليكم ذنوبَكم، وترَك فضيحتَكم بها عاجلًا؛ رحمةً منه بكم، وتفضلًا عليكم، فاشكُروا نِعَمَه، وانتهُوا عن التقدُّمِ عمَّا نهاكم عنه من معاصِيه.

وترَك الجوابَ في ذلك اكتفاءً بمعرفةِ السامعِ المرادَ منه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جاءوا بالكذبِ والبُهتانِ {عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} . يقولُ: جماعةٌ منكم أيُّها الناسُ، {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: لا تظنُّوا ما جاءوا به من الإفكِ شرًّا لكم عندَ اللَّهِ وعندَ الناسِ، بل ذلك خيرٌ لكم عندَه

(2)

وعندَ المؤمنين؛ وذلك أن اللَّهَ يجعلُ ذلك كَفَّارةً للمرميِّ

(3)

به، ويُظهرُ براءتَه مما رُمِي به، وبجعلُ له منه مخرجًا.

وقيل: إن الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} . جماعةٌ منهم حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ.

(1)

في ت 2: "بذنوبكم".

(2)

في ت 1: "عند الله".

(3)

في ت 1، ف:"للرمى"، وفى ت 2:"المرمى".

ص: 189

كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بن مروانَ: كتَبتَ إليَّ تسألُني في الذين جاءوا بالإفكِ، وهم كما قال اللَّهُ: {إِنَّ

(1)

الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ}. وأنه لم يُسَمَّ منهم

(2)

إلا حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، وهو يقالُ في آخرينَ لا علمَ لى بهم، غيرَ أنهم عصبةٌ كما قال اللَّهُ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، مجاهدٍ قولَه:{جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} : هم أصحابُ عائشةَ

(4)

.

قال ابن جُرَيجٍ: قال ابن عباسٍ قولُه: {جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ، عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ

(5)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} : الذين قالوا لعائشةَ

(1)

في ص، ت 1:"و".

(2)

بعده في ص، م، ت 2، ف:"أحد".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 32 إلى المصنف وابن المنذر، وأخرجه الطبراني 23/ 137 (182) من طريق حماد بن زيد، عن هشام قوله.

(4)

أخرجه الطبراني 23/ 134 (170) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 32 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

أخرجه الطبراني 23/ 134 (169) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 32 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 190

الإفكَ والبهتانَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . قال: الشرُّ لكم بالإفكِ الذي قالوا، الذي تكلَّموا به كان شرًّا لهم، وكان فيهم مَن لم يقُلْه، إنما سمِعه، فعاتَبهم اللَّهُ، فقال أوّلَ شيءٍ:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . ثم قال: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

وقولُه: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} . يقولُ: لكلِّ امرئ من الذين جاءوا بالإفكِ جزاءُ ما اجترَم من الإثمِ - بمجيئِه بما جاء به من الإفكِ

(1)

- عندَ

(2)

اللَّهِ.

وقولُه: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} . يقولُ: والذي تحمَّل معظم ذلك الإثمِ والإفكِ منهم هو الذي بدَأ بالخوضِ فيه.

كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} . يقولُ: الذي بدَأ بذلك

(3)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الأولى"، وفى ف:"الأول"، ولعل الصواب ما أثبتناه، وما جاء بالنسخ محرف عنه.

(2)

في ص، م، ف:"عبد".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2545 من طريق أبي معاذ به.

ص: 191

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} . قال: أصحابُ عائشةَ

(1)

، عبدُ اللَّهُ بنُ أبيِّ ابن سَلُولَ، ومِسْطَحٌ، وحَسّانُ

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: له من اللَّهِ عذابٌ عظيمٌ يومَ القيامةِ.

وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: {كِبْرَهُ} ؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {كِبْرَهُ} بكسرِ الكافِ، سوى حُميدٍ الأعرجِ، فإنه كان يقرؤُه:(كُبْرَهُ)

(3)

. بمعنى: والذي تحمَّل أكبَرَه.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ القراءةُ التي عليها عوامُّ القرأةِ، وهي كسرُ الكافِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها، وأن "الكِبرَ" بالكسرِ، مصدرُ الكبيرِ من الأمورِ، وأن "الكُبْرَ" بضمِّ الكافِ، إنما هو من الولاءِ والنسبِ، من قولِهم: هو كُبْرُ

(4)

قومِه. والكِبرُ في هذا الموضعِ هو ما وصَفنا من معظمِ الإثمِ والإفكِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالكسرُ في كافِه هو الكلامُ الفصيحُ، دونَ ضمِّها، وإن كان لضمِّها وجةٌ مفهومٌ.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، ف.

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2545، والطبراني 23/ 138 (183) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 33 إلى الفريابي وعبد بن حميد. وينظر ما تقدم في الصفحة السابقة.

(3)

وبها قرأ يعقوب - من العشرة - وأبو رجاء وسفيان الثورى ويزيد بن قطيب، وقرأ الباقون بكسرها. النشر في القراءات العشر 2/ 248.

(4)

بعده في ت 1: "في".

ص: 192

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} الآية؛ فقال بعضُهم: هو حسانُ بنُ ثابتٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بن قَزَعَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن عائشةَ قالت: ما سمِعتُ بشيءٍ أحسنَ من شعرِ حسانَ، وما تمثَّلتُ به إلا رجَوتُ له الجنةَ، قولُه لأبي سفيانَ

(1)

:

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فأجَبْتُ عَنْهُ

وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ

فإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِى

لعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقاءُ

أتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ

فَشَرُّكُما لَخَيْرِكُما الفِدَاءُ

لِسانِى صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ

وبَحْرِى لا تُكَدِّرُهُ الدَّلاءُ

فقيل: يا أمَّ المؤمنين، أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا، إنما اللَّغوُ ما قيلَ عندَ النساءِ. قيل: أليسَ اللَّهُ يقولُ: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ؟ قالت: أليسَ قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟ أليسَ قد ذهَب بصرُه وكُنِّع بالسيفِ

(2)

؟

قال: ثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ، فدخَل حسانُ بنُ ثابتٍ، فأَمَرَت فأُلقِيَ له وسادةٌ، فلما خرَج قلتُ لعائشةَ: ما

(1)

ديوان حسان ص 76.

(2)

كنع بالسيف: ضرب به حتى يبس جلده. اللسان (ك ن ع).

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 33 إلى المصنف.

ص: 193

تصنَعين بهذا وقد قال اللَّهُ ما قال؟ فقالت: قال اللَّهُ: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وقد ذهَب بصرُه، ولعل اللَّهَ يجعلُ ذلك العذابَ العظيمَ ذهابَ بصرِه

(1)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ أَبي عَديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبى الضحى، عن مسروقٍ، قال: دخَل حسانُ بنُ ثابتٍ على عائشةَ، فشبَّب بأبياتٍ له، فقال

(2)

:

* وَتُصْبِحُ غَرْثَى

(3)

مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ*

فقالت عائشةُ: أما إنك لستَ كذلك! فقلتُ: تدَعِين هذا الرجلَ يدخُلُ عليكِ وقد أنزَل اللَّهُ فيه: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} الآية؟ فقالت: وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمَى؟ وقالت: إنه كان يدفَعُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عثمانَ الواسطيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المُعَلَّى بن عرفانَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن جحشٍ، قال: تفاخَرَت عائشةُ وزينبُ. قال: فقالت زينبُ: أنا التي نزَل تزويجِي

(5)

. قال: وقالت عائشةُ: أنا التي نزَل عُذري في

(1)

أخرجه البخارى (4755)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2545، والطبراني 23/ 135 (175) من طرق عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 33 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.

(2)

عجز بيت لحسان وهو في ديوانه ص 228.

(3)

غرثى: جائعة، يريد لا تغتاب النساء. اللسان (غ ر ث).

(4)

أخرجه مسلم (2488) عن ابن المثنى به، وأخرجه البخارى (4756) من طريق ابن أبي عدي به، وأخرجه ابن أبي شيبة 8/ 515، 516، والبخاري (4146)، ومسلم (2488/ 155)، والطبراني 23/ 135، 136 (176 - 179) من طريق شعبة به.

(5)

بعده في م: "من السماء".

ص: 194

كتابِه حينَ حمَلنى ابن المعَطَّلِ على الراحلةِ. فقالت لها زينبُ: يا عائشةُ، ما قلتِ حينَ ركِبتيها؟ قالت: قلتُ: حسبى اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. قالت: قلتِ كلمةَ المؤمنين

(1)

.

وقال آخرون: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان الذين تكلَّموا فيه: المنافقَ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلولَ، وكان يستوشِيه ويجمعُه، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، ومِسْطَحًا، وحسانَ بنَ ثابتٍ

(2)

.

حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، عن علقمةَ بن وقَّاصٍ وغيرِه أيضًا، قالوا: قالت عائشةُ: كان الذي تولَّى كبره الذي يجمعُهم في بيتِه، عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن عائشةَ، قالت: كان الذي تولى كبرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 32 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2544 من طريق أبي أسامة به.

(3)

أخرجه النسائي في الكبرى (11360) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه البخاري (4749)، =

ص: 195

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ

(1)

.

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ في الذين

(2)

جاءوا بالإفكِ: يزعُمون أنه كان كِبْرَ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، أحدُ بني عوفِ بن الخزرجِ، وأُخبِرت أنه كان يحدّثُ به عنهم فيُقرُّه ويسمعُه ويستوشِيه.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أما الذي تولَّى كبرَه منهم، فعبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سلولَ الخبيثُ، هو الذي ابتدَأ هذا الكلامَ، وقال: امرأةُ نبيِّكم باتَت مع رجلٍ حتى أصبَحَت، ثم جاء يقودُ بها.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} : هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سلولُ، وهو

(3)

بدَأه

(4)

.

= والطبراني 23/ 127 (180) من طريق سفيان، عن معمر، عن عروة - وحده - به. وسيأتي في ص 210.

(1)

تقدم تخريجه ص 191.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

بعده في ت 1: "الذي".

(4)

تقدم تخريجه ص 192.

ص: 196

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الذي تولَّى كِبْرَه من عصبةِ الإفكِ، كان عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ. وذلك أنه لا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ، أن الذي بدَأ بذكرِ الإفكِ، وكان يجمعُ أهلَه ويحدِّثُهم، عبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وفعلُه ذلك على ما وصَفتُ، كان تولِّيَه كِبْرَ ذلك الأمرِ.

وكان سببَ مجيءِ أهلِ الإفكِ، ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمدِ بن مسلمِ بن [عبيدِ اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ]

(1)

بن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقّاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ بن مسعودٍ، عن حديثِ عائشةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبرَّأها اللَّهُ، وكلُّهم حدَّثني بطائفةٍ من حديثِها، وبعضُهم كان أوعَى لحديثِها من بعضٍ، وأثبَتَ اقتصاصًا

(2)

، وقد وعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني [عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يصدِّقُ بعضًا]

(3)

؛ زعَموا أن عائشةَ زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها. قالت عائشةُ: فأقرَع بينَنا في غزاةٍ غزاها، فخرَج فيها سهمِى، فخرَجتُ مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وذلك بعدَ ما أُنْزِل الحجابُ، وأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجى، وأَنزِلُ فيه، فسِرْنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من غزوِه، وقفَل إلى المدينةِ، آذَن ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حينَ آذَنُوا بالرحيلِ، فمشَيتُ حتى جاوَزتُ

(1)

في النسخ: "عبد الله بن عبيد"، والصواب ما أثبت، ينظر تهذيب الكمال 26/ 419.

(2)

في ت 2: "افتضاحًا".

(3)

في النسخ: "وبعضهم حدثني يصدق بعضه بعضا"، وتنظر مصادر التخريج.

ص: 197

الجيشَ، فلما قضَيتُ شأنى أقبَلتُ إلى الرحلِ، فلمَستُ صدري، فإذا عقدٌ لى من جَزْعِ ظَفَارِ

(1)

قد انقطَع، فرجَعتُ فالتَمستُ عِقدى، فحبَسنى ابتغاؤُه، وأقبَل الرهطُ الذين كانوا [يُردَّلون لي، فاحتمَلوا]

(2)

هَوْدَجِى، فَرَحْلوه

(3)

على بعيرى الذي كنتُ أركبُ، وهم يحسَبون أنى فيه، وكان النساءُ إذ ذاك خِفافًا، لم يُهَبَّلْن

(4)

ولم يَغْشَهن اللحمُ، إنما يأكُلْن العُلْقةَ

(5)

من الطعامِ، فلم يستنكرش القومُ ثِقلَ الهودجِ حينَ رَحْلُوه ورفَعوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ، فبعَثوا الجملَ وساروا، فوجَدتُ عِقْدى بعدَ ما استمرَّ الجيشُ، فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فيمَّمتُ

(6)

منزِلى الذي كنتُ فيه، وظنَنتُ أن القومَ سيفقِدوني ويرجِعون إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلى، غلَبَتْنى عينى

(7)

، فنِمتُ حتى أصبَحتُ، وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثم الذَّكْوانيُّ

(8)

، من وراءِ الجيشِ، فادَّلج

(9)

فأصبَح عندَ منزِلى، فرأَى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرَفنى حينَ رآني، وكان يراني قبلَ أن يُضربَ الحجابُ عَلَيَّ

(10)

، فاستيقَظتُ باسترجاعِه حينَ

(1)

الجزع: ضرب من الخرز، وقيل: هو الخرز اليماني، وهو الذي فيه بياض وسواد، وظفار: مدينة باليمن، ينظر اللسان (ج ز ع)، والتاج (ظ ف ر)، وينظر فتح البارى 8/ 459.

(2)

في ت 2: "يحملون".

(3)

في ت 1، ف:"فترحلوه".

(4)

في م: "يهبلهن"، ويقال: هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضا. النهاية 5/ 240.

(5)

العلقة: البلغة من الطعام. النهاية 3/ 289.

(6)

في ص، م، ت 1، ف:"فتيممت".

(7)

في ت 2: "عيناي".

(8)

بعده في م: "قد عرس".

(9)

الادَّلاج: السير من آخر الليل. النهاية 2/ 129.

(10)

سقط من: ص، ت 1، ت 2.

ص: 198

عرَفنى، فخَمَّرتُ وجهى بجلبابي - واللَّهِ ما تكلَّمتُ بكلمةٍ، ولا سمِعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه - حتى أناخ راحلتَه، فوطِئَ على يديْها، فركِبتُها، فانطلَق يقودُ بي الراحلةَ، حتى أتَيْنا الجيشَ بعدَ ما نزَلوا مُوغِرِين

(1)

في نحرِ الظهيرةِ

(2)

، فهلَك مَن هلَك في شأنى، وكان الذي تولَّى كِبْرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ، فقدِمتُ المدينةَ، فاشتكَيتُ شهرًا، والناسُ يُفِيضون في قولِ أهلِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَرِييُنى في وجَعِى أنى لا أعرفُ من رسولِ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكِي، إنما يدخلُ فيسلِّمُ ثم يقولُ: "كيف تِيكُمْ

(3)

؟ ". فذلك يَريبُني، ولا أشعرُ بالشرِّ، حتى خرَجتُ بعدَ ما نَقِهتُ، فخرَجتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصعِ

(4)

، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نخرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قَبلَ أن نتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا، وأمْرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في التنزُّهِ

(5)

، وكنا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتخذَها عندَ بيوتِنا، فانطلَقتُ أنا وأمُّ مسطحٍ، وهى ابنةُ أبى رُهْمِ بن عبدِ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وأمُّها ابنةُ صخرِ بن عامرٍ، خالةُ أبى بكرٍ الصدَّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ بن عبادِ بن المطَّلبِ، فَأَقبَلتُ أنا وابنةُ أَبِي رُهُمٍ قِبَلَ بيتى، حينَ فرَغنا من شأنِنا، فعثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها

(6)

، فقالت: تَعِس مِسْطحٌ! فقلتُ لها: [بِئْسَ ما قلتِ]

(7)

! أتسُبِّين رجلًا قد شهِد بدرًا؟ فقالت: أيْ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2.

(2)

نحر الظهِيرة: هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر، وهو أعلى الصدر. النهاية 5/ 27.

(3)

"كيف تيكم" إشارة إلى المؤنثة مثل "ذلكم" في المذكر. ينظر شرح ابن عقيل 1/ 131.

(4)

المناصع: المواضع التي يتخلى فيها لبول أو غائط أو لحاجة. اللسان (ن ص ع).

(5)

في ت 1، والنسائى:"التبرز". والتنزه: التباعد عن الأرياف والمياه حيث لا يكون ماء ولا ندى ولا جمع ناس. اللسان (ن ز هـ).

(6)

المرط: كساء من خز أو صوف أو كتان، وقيل هو الثوب الأخضر. اللسان (م ر ط).

(7)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

ص: 199

هَنْتَاهُ

(1)

، أوَ لم تسمَعى ما قال؟ قلتُ: وما قال؟ فأخبرَتني بقولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا على مرضى، فلما رجَعتُ إلى منزِلي، ودخَل عليَّ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"كَيْفَ تِيكُمْ؟ ". قلتُ: أتأْذنُ لي أن آتِيَ أبويَّ؟ قال: "نعم". قالت: وأنا حينَئذٍ أريدُ أن أتيقَّنَ

(2)

الخبرَ من قِبَلِهما. فأذِن لي رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمِّي: أي أمَّتاه، ماذا يتحدثُ الناسُ؟ فقالت: أي بُنيةُ، هوِّني عليك، فواللَّهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةً عندَ رجلٍ

(3)

يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا أكثَرْن عليها. قالت: قلت: سبحانَ اللَّهِ، أَوَ قد تحدَّث الناسُ بهذا، وبلَغ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. قالت: فبكَيتُ تلك الليلةَ حتى أصبَحتُ، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم أصبَحتُ، فدخَل عليَّ أبو بكرٍ وأنا أبكِي، فقال لأمى: ما يُبكيها؟ قالت: لم تكنْ علِمَت ما قيل لها. فأكبَّ يبكِي، فبكَى ساعةً، ثم قال: اسكُتى يا بنيةُ. فبكَيتُ يومى ذلك، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم بكَيتُ ليلِىَ المقبِلَ لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومٍ، [ثم بكَيتُ ليلتيَ المقبلةَ، لا يرقأُ دمعى

(4)

، ولا أكتحلُ بنومٍ]

(5)

، حتى ظنَّ أبواىَ أن البكاءَ سيفلِقُ كبِدى.

فدعا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلْبَث الوحيُ

(6)

، يستشِيرُهما في فراقِ أهلِه. قالت: فأما أُسامةُ فأشار على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يعلمُ من براءةِ أهله، وبالذى في نفسِه من الودِّ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، وهم

(1)

ياهنتاه، أي: يا هذه، وتفتح النون وتسكن، وتضم الهاء الآخرة وتسكن، وقيل: معنى ياهنتاه: يا بلهاء، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم. النهاية 5/ 279، 280.

(2)

في م: "أستثبت"، وفي ت 1:"أستيقن".

(3)

في ت 2: "زوجها وهو".

(4)

في م، ف:"لى دمع".

(5)

سقط من: ت 1.

(6)

استلبث الوحى: هو استفعل، من اللبث أي الإبطاء والتأخر. النهاية 4/ 224.

ص: 200

أهلُك، ولا نعلمُ إلا خيرًا. وأما علىٌّ، فقال: لم يُضيَّقِ اللَّهُ عليكَ، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألِ الجاريةَ تَصْدُقُك. يعنى: بَرِيرةَ، فدعا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرة، فقال: "هَلْ رأَيْتِ

(1)

مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ ". قالت له بَرِيرةُ: والذي بعثَك بالحقِّ، إنْ رأَيتُ عليها أمرًا قطُّ أغْمِصُه عليها

(2)

، أكثرَ من أنها حديثةُ السنِّ، تنامُ عن عجينِ أهلِها، فتأتى الداجنُ

(3)

فتأكلُه. فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "مَنْ يَعْذِرُني

(4)

ممنْ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟ ". يعنى عبدَ اللَّهِ ابنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو على المنبرِ أيضًا: "يا معشر المسلمينَ، مَنْ يَعْذِرُني مِن رجلٍ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟ فواللَّهِ ما علِمْتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقَدْ ذكَروا رجلًا ما علِمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخُلُ على أهلي إلا معِى". فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُك منه يا رسولَ اللَّهِ، إن كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عنقَه، وإن كان من إخوانِنا الخزرجِ أمَرْتَنا ففعَلنا أمرَك. فقام سعدُ بنُ عُبادةَ فقال، وهو سيدُ الخزرجِ، وكان رجلًا صالحًا ولكنِ احتمَلَتْه الحَميَةُ، فقال: أَيْ سعدَ بنَ معاذٍ، لعمرُ

(5)

اللَّهِ لا تقتلُه، ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابن عمِّ

(6)

سعدِ بن معاذٍ، فقال لسعدِ بن عُبادةَ: كَذَبْتَ، لعمرُ اللَّهِ

(1)

بعده في ت 2: "بريرة".

(2)

أغمصه عليها، أي: أعيبها به وأطعن به عليها. النهاية 3/ 386.

(3)

الداجن: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد يقع على غير الشاء من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها. النهاية 2/ 102.

(4)

يعذرني: يقوم بعذرى إن كافأته على سوء صنيعه، فلا يلومني. النهاية 3/ 197.

(5)

في ت 2: "لعمرك".

(6)

في م، ت 1، ف:"عمة".

ص: 201

لنقتلَنَّه

(1)

، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فثار الحيَّانِ؛ الأوسُ والخزرجُ، حتى همُّوا أن يَقتتِلوا ورسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، فلم يزَلْ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهم حتى سكَنُوا.

ثم أتانى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنا في بيتِ أبويَّ، فبينا [هما جالِسان]

(2)

عندى وأنا أبكِى، استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ، فأذِنتُ لها، فجَلَست تبكِي معى. قالت: فبينا

(3)

نحن على ذلك، دخَل علينا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم جلَس

(4)

، ولم يجلِسْ عندى منذُ قيل ما قيل، وقد لبِث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ. قالت: فتشهَّد رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ جلَس، ثم قال: "أما بعدُ، يا عائشةُ، فإنه بلَغني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئةً فسيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ، فاستغفِرِي اللَّهُ، وتُوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترَف بذنبٍ

(5)

ثم تاب، تاب اللَّهُ عليه". فلما قضَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه، قَلَص دمعى

(6)

، حتى ما أحسُّ منه دمعةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ عنى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال. قال: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. [فقلت لأمِّي: أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قالت: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

(7)

. فقلت - وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ، لا أقرَأُ كثيرًا من - القرآنِ -: إنى واللَّهِ قد عرَفْتُ أن قد سمِعتم بهذا حتى استقرَّ في أنفسِكم، حتى كِدْتم أن تُصدِّقوا به، فإن قلت لكم: إنى بريئةٌ. واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لا تُصدِّقوني

(1)

في ت 1: "ليقتله".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"هو جالس"، وتنظر مصادر التخريج.

(3)

في ت 2: "فبينما".

(4)

بعده في، ف م:"عندي".

(5)

في م، والمصنف:"بذنبه".

(6)

قلص الدمع: ارتفع وذهب. النهاية 4/ 100.

(7)

في ت 1، ف:"قالت".

ص: 202

بذلك، ولئن اعترفْتُ لكم بأمرٍ، واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لتصدِّقُنِّي، وإني واللَّهِ ما أجدُ لى ولكم مَثَلًا إلا كما قال أبو يوسف:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18]. ثم تولَّيتُ فاضطجَعتُ على فراشي، وأنا واللهِ أعلمُ أني

(1)

بريئةٌ، وأن اللَّهَ مُبرِّئى

(2)

ببراءتي، ولكنى واللَّهِ ما كنت أظنُّ أن يَنزِلَ في شأني وحْيٌ

(3)

يُتلَى، ولَشأني كان أحقَرَ في نفسي من أن يتكلَّمَ اللَّهُ فيَّ بأمرٍ يُتلَى، ولكنى كنت أرجُو أن يرَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في المنامِ رؤيا يبرِّئُني اللَّهُ بها. قالت: واللَّهِ ما رام رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه، ولا خرَج من البيتِ أحدٌ، حتى أنزَل اللَّهُ على نبيِّه، فأخَذه ما كان يأخذُه من البُرَحاءِ

(4)

عندَ الوحى، حتى إنه ليتحدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ

(5)

من العرقِ في اليومِ الشاتِى، من ثقلِ القولِ الذي أُنزِلَ عليه. قالت: فلما سُرِّيَ عن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو يضحكُ، كان أوّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: "أبشِرى يا عائشةُ، [أمَّا اللَّهُ فقد برَّأكِ]

(6)

". فقالت لى أمِّي: قومِى إليه. فقلت: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللَّهَ، هو الذي أنزَل براءتي. فأنزَل اللَّهُ:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} عشرَ آياتٍ، فأنزَل اللَّهُ هذه الآياتِ [برَّأني بها]

(7)

. قالت: فقال أبو بكرٍ، وكان ينفقُ على مِسْطَحٍ لقرابتِه وفقرِه: واللَّهِ لا أُنفقُ عليه شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ. قالت: فأنزَل اللَّهُ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} إلى

(8)

:

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف، وتنظر مصادر التخريج.

(2)

في م: "سيبرئني"، وفي ت 1:"يبرئني".

(3)

في ت 2: "قرآنا".

(4)

البرحاء: شدة الكرب من ثقل الوحي. النهاية 1/ 113.

(5)

الجمان: اللؤلؤ الصغار، وقيل: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ. النهاية 1/ 301.

(6)

في م: "إن الله قد برأك"، وفي ت 2:"براءة لى"، وفي المصادر:"براءتي".

(7)

في ص، ت 1، ف:"براءتي به"، وفي م:"براءة لي"، وفي المصادر:"براءتي".

(8)

في ص، ت 1، ف:"حتى"، وفي م:"حتى بلغ".

ص: 203

{غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]. فقال أبو بكرٍ: إنى لأُحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لى. فرجَع إلى مِسْطَحِ النفقةَ التي كان يُنفق عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبدًا.

قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يسألُ زينبَ بِنتَ جحشٍ عن أمرى، وما رأَتْ وما سمِعتُ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أحْمِي سمعي وبصَرى

(1)

، واللَّهِ ما رأيتُ إلا خيرًا. قالت عائشةُ: وهى التي كانت تُسامِينى

(2)

، فعصَمها اللَّهُ بالوَرَعِ، وطفِقَتْ أختُها حَمْنةُ تحاربُ، فهلَكت في مَن هلَك.

قال الزهريُّ ابن شهابٍ: فهذا الذي انتهَى إلينا من أمرِ هؤلاء الرهطِ

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن

(4)

علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيِّ، و

(5)

عن سعيدِ بن المسيبِ، وعن عروةَ بن الزبيرِ، و

(6)

عن عبيدِ اللَّهِ بن عبدَ اللَّهُ بن عتبةَ بن مسعودٍ. قال الزهريُّ: كلٌّ قد حدَّثَنى بعضَ هذا الحديثِ، وبعضُ القومِ كان أوعَى له من بعضٍ. قال: وقد جمَعتُ لك كلَّ الذي قد حدَّثني

(7)

.

وحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا

(1)

أي: أمنعهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه، ومن العذاب لو كذبت عليهما. النهاية 1/ 448.

(2)

تساميني، أي: تعالينى وتفاخرنى، وهو مفاعلة من السمو، أي تطاولنى في الحظوة عنده. النهاية 2/ 405.

(3)

أخرجه النسائي في الكبرى (11360) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (9748)، وأحمد 6/ 194 (الميمنية)، ومسلم (56/ 2770)، والطبراني 23/ 50 (133) من طريق معمر به.

(4)

في م: "وعن".

(5)

سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(7)

سيرة ابن هشام 2/ 297، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 611.

ص: 204

يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قال: وثنى عبدُ اللَّهِ [بنُ أبى بكرِ]

(1)

بن محمدُ بنُ عمرٍو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت - وكلٌّ قد اجتمَع في حديثِه قصةُ [خبر عائشةَ]

(2)

عن نفسِها، حينَ قال أهلُ الإفكِ فيها ما قالوا، فكلُّه قد دخَل في حديثِها عن هؤلاء جميعًا، ويحدِّثُ بعضُهم ما لم يحدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ كان عنها ثقةً، وكلٌّ قد حدَّث عنها ما سمِع - قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهن خرَج سهمُها خرَج بها معه، فلما كانت غزوةُ

(3)

بني المصطَلِقِ أقرَع بينَ نسائِه كما كان يصنعُ، فخرَج سهمى عليهنَ، فخرَج بى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم معه. قالت: وكان النساءُ إذ ذاك إنما يأكُلْن العُلَقَ، لم يُهيِّجْهن

(4)

اللحمُ فيثْقُلْن. قالت: وكنت

(5)

إذا رُحِّل بعيرى جلَسْتُ في هَوْدَجى، ثم يأتى القومُ الذين يُرحِّلون بي بعيرى ويحمِلونى، فيأخُذون بأسفلِ الهودجِ، فيرفَعونه فيضَعونه على ظهرِ البعيرِ، فينطلِقون به. قالت: فلما فرَغ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من سفرِه ذلك وجَّه قافلًا

(6)

، حتى اللَّهِ إذا كان قريبًا [من المدينةِ]

(7)

نزَل منزلًا

(8)

، فبات بعضَ الليلِ، ثم أذَّن في الناسِ بالرحيلِ، فلما ارتحَل الناسُ، خرَجتُ لبعضِ حاجتي، وفي عنقى عِقدٌ لي من جَزْعِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"بكر"، وفى م:"بن بكر"، وسيأتي على الصواب في ص 224، وينظر تهذيب الكمال 14/ 349.

(2)

في ت 2: "عائشة في خبرها".

(3)

في ص، م، ت 1، ف:"غزاه".

(4)

في ت 1: "يتهجمهن".

(5)

في ت 2: "كان".

(6)

بعده في ت 2: "إلى المدينة".

(7)

في ت 2: "منها".

(8)

بعده في ت 2: "منها".

ص: 205

ظَفارِ، فلما فرغتُ انسلَّ من عنقى ولا أدرِى، فلما رجَعتُ إلى الرحْلِ، ذهَبتُ ألتمِسُه في عنقي فلم أجِدْه، وقد أخَذ الناسُ في الرحيلِ. قالت: فرجَعتُ [عَوْدِى إلى بَدْئِى]

(1)

إلى المكانِ الذي ذهَبتُ إليه، فالتمَستُه حتى وجَدتُه، وجاء القومُ خلافى الذين كانوا يرحِّلون بي البعيرَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن ثورٍ

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّا

(3)

ذُكِر من شأنى الذي ذُكِر، وما علِمتُ به، قام رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيَّ خطيبًا وما علِمتُ، فتشهَّد، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "أما بعدُ، أشيروا عليَّ في أناسٍ أبَنُوا أهلي

(4)

، وايمُ

(5)

اللَّهِ ما علِمتُ على أهلي سوءًا قطُّ، وأبَنُوهم بمن واللَّهِ ما علِمتُ عليه سوءًا قطُّ، ولا دخَل بيتى قطُّ إلا وأنا حاضرٌ، ولا غبتُ

(6)

في سفرٍ إلا غاب معى". فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، نرَى

(7)

أن نضرِبَ أعناقَهم. فقام رجلٌ من الخزرجِ، وكانت أمُّ حسانَ بن ثابتٍ من رهطِ ذلك الرجلِ، فقال: كذَبتَ، أما واللَّهِ لو كانوا من الأوسِ ما أحبَبتَ أن تُضرَبَ أعناقُهم. حتى كاد أن يكونَ بينَ الأوسِ والخزرجِ في المسجدِ شرٌّ، وما علِمتُ به، فلما كان مساءُ ذلك اليومِ خرَجتُ لبعضِ حاجتى ومعى أمُّ مِسْطَحِ، فعثَرَتْ،

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 297 - 302، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 611، 612، وأخرجه الطبراني 23/ 111 (151) من طريق أبي أويس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد عن عمرة به، وأخرجه أيضا 23/ 122 (160) من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عباد به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"ثم"، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.

(4)

أي: اتهموها، والأَبْنُ: التهمة. النهاية 1/ 17.

(5)

سقط من: م، ت 1، ف.

(6)

في ص، م، ت 1، ف:"أغيب"، وتنظر مصادر التخريج.

(7)

في ت 2: "تري".

ص: 206

فقالت: تَعِس مِسْطحٌ! فقلت: علامَ تَسُبِّين ابنَكِ؟ فسكَتَت، ثم عثَرتِ الثانيةَ، فقالت: تَعِس مِسْطَحٌ! فقلت: علام تَسُبِّين ابنَكِ؟ فسكَتتِ الثانيةَ، ثم عثَرتِ الثالثةَ، فقالت: تَعِس مِسْطَحٌ! فانتَهرْتُها، وقلت: علامَ تسبِّين ابنَكِ؟ فقالت: واللَّهِ ما أسبُّه إلا فيكِ. قلت: في أيِّ شأنى. فبقَرَت لىَ

(1)

الحديثَ

(2)

، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم واللَّهِ. قالت: فرجَعتُ إلى بيتى، فكأن الذي خرَجتُ له [لم أخرُجْ له]

(3)

، لا أجِدُ منه قليلًا ولا كثيرًا، ووُعِكْتُ، فقلتُ: يا رسولُ اللَّهِ، أرسِلْني إلى بيتِ أبى. فأرسَل معىَ الغلامَ، فدخَلتُ الدارَ، فإذا أنا بأمِّى أمِّ رومانَ، قالت: ما جاء بك يا بُنيةُ؟ فأخبَرتُها، فقالت: خَفِّضى عليك الشأنَ، فإنه واللَّهِ ما كانت امرأةٌ جميلةٌ عندَ رجلٍ يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا حسَدْنها وقُلْن فيها. قلتُ: وقد علِم بها أبي؟ قالت: نعم. قلتُ: ورسولُ اللَّهِ؟ قالت: نعم. فاستعبَرْتُ وبكَيتُ، فسمِع أبو بكرٍ صوتِي وهو فوقَ البيتِ يقرَأُ، فنزَل فقال لأمِّي: ما شأنُها؟ قالت: بلَغها الذي ذُكِر من أمرِها. ففاضت عيناه، فقال: أقسَمتُ عليكِ إلا رجَعتِ إلى بيتِك. فرجَعتُ.

وأصبَح أبواىَ عندى، فلم يزالا عندى حتى دخَل رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بعدَ العصرِ، وقد اكتنفَنى

(4)

أبواىَ؛ عن يميني، وعن شمالي، فتشهَّد رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فحمِد اللَّهَ، وأثَنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "أما بعدُ، يا عائشةُ، إن كنتِ قارَفتِ

(5)

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"إلى".

(2)

بقرت الحديث، أي: فتحته وكشفته؛ ورواه بعضهم: "نقَّرت"، والتنقير: التفتيش. النهاية 1/ 145، 5/ 105.

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

الاكتناف: الإحاطة من الجانبين. النهاية 4/ 205.

(5)

في ت 2: قاربت، وقارف الذنب وغيره، إذا داناه ولاصقه. النهاية 4/ 45.

ص: 207

سوءًا أو ألمَمْتِ، فتوبى إلى اللَّهِ فإن اللَّهَ يقبلُ التوبةَ عن عبادِه". وقد جاءت امرأةٌ مِن الأنصارِ، وهي جالسةٌ، فقلتُ: ألا تستحِى من هذه المرأةِ أن تقولَ شيئًا؟ فقلتُ لأبي: أجِبْه. فقال: أقولُ ماذا؟ قلت لأمِّي: أجيبيه. فقالت: أقولُ ماذا؟ فلما لم يجيباه تشهَّدتُ، فحمِدتُ اللَّهَ، وأثنَيتُ عليه بما هو أهلُه، ثم قلت: أما بعدُ، فواللَّهِ لئن قلتُ لكم: إنى لم أفعَلْ، واللَّهُ يعلمُ إنى لصادقةٌ، ما ذا بنافِعي عندَكم، لقد تُكُلِّم به، وأُشْرِبَتْهُ قلوبُكم، وإن قلت: إني قد فعَلتُ، واللَّهُ يعلمُ أني لم أفعَلْ، لتَقولُنَّ

(1)

: قد باءت به على نفسِها. وايمُ اللَّهِ مَا أجدُ لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسفَ وما أحفظُ اسمَه: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18]. وأنزَل اللَّهُ على رسولِه صلى الله عليه وسلم ساعتَئذٍ، فرُفِع عنه وإني لأتبينُ

(2)

السرورَ ما في وجهِه، وهو يمسحُ جبينَه، يقولُ:"أبشِري يا عائشةُ، فقد أنزَل اللَّهُ براءَتَكِ". فكنتُ أشدَّ ما كنتُ غضبًا، فقال لى أبوايَ: قُومى إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُه، ولا أحمَدُ كما، لقد سمِعتموه فما أنكَرتُموه، ولا غيَّرتموه، ولكنى أحمَدُ اللَّهُ الذي أنزَل براءتى. ولقد جاء رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بيتي، فسأل الجاريةَ عنى، فقالت: واللَّهِ ما أعلمُ عليها عيبًا، إلا أنها كانت تنامُ حتى تدخلَ الشاةُ فتأكلَ حصيرَها أو عجينَها. فانتهرَها بعضُ أصحابِه، وقال: اصْدُقى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال عروةُ: فعتَب على مَن قاله. فقالت: لا، واللَّهِ ما أعلمُ عليها إلا ما يعلمُ الصائغُ على تبرِ

(3)

الذهبِ الأحمرِ. وبلَغ ذلك الرجلَ الذي قيل له، فقال: سبحانَ اللَّهِ! ما كشَفتُ كَنَفَ

(4)

أنثى قطُّ. فقُتِل شهيدًا في سبيلِ اللَّهِ. قالت

(1)

في ص، ت 2:"ليقولن".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"لأستنير"، وتنظر مصادر التخريج.

(3)

في ت 2: "مبرد"، والتبر: الذهب قبل أن يضرب دنانير ودراهم. النهاية 1/ 179.

(4)

الكنف: الجانب والناحية. النهاية 4/ 205.

ص: 208

عائشةُ: فأما زينبُ بنتُ جحشٍ، فعصَمها اللَّهُ بدينِها، فلم تقلْ إلا خيرًا، وأما أختُها حَمنَةُ، فهلَكت في من هلَك، وكان الذين تكلَّموا فيه؛ المنافقُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سلولَ، وكان يستوشِيه

(1)

ويجمعُه، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، ومِسْطحٌ، وحسانُ بنُ ثابتٍ، فحلَف أبو بكرٍ ألّا ينفَعَ مِسْطَحًا بنافعةٍ، فأنزَلَ اللَّهُ:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} . يعنى أبا بكرٍ، {أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ} . يعنى مِسْطحًا، {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]. قال أبو بكرٍ: بلى واللَّهِ، إنا لنحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لنا. وعاد أبو بكرٍ لمِسْطَحٍ بما كان يصنعُ به

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ عبدَ الرحمنِ بن حاطبٍ، عن علقمةَ بن وقَاصٍ وغيرِه أيضًا، قال: خرَجت عائشةُ تريدُ المَذْهبَ

(3)

، ومعها أمُّ مسطحٍ، وكان مِسطحُ بن أثاثةَ ممن قال ما قال، وكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خطَب الناسَ قبلَ ذلك، فقال:"كيف ترَون في من يؤذيني في أهلي، ويجمعُ في بيتِه مَن يؤذيني؟ ". فقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: أي رسولَ اللَّهِ، إن كان منا معشرَ الأوسِ جلَدْنا

(4)

رأسَه، وإن كان من إخوانِنا من الخزرجِ، أمَرتَنا فأطَعناك. فقال سعدُ بنُ عبادةَ: يا بنَ معاذٍ، واللَّهِ ما بك نُصْرةُ رسولِ اللَّهِ، ولكنها قد كانت ضغائنُ

(5)

في الجاهليةِ وإحَنٌ

(6)

لم تُحْلَلْ لنا من صدورِكم بعدُ.

(1)

يستوشيه: يستخرج الحديث بالبحث عنه. النهاية 5/ 190.

(2)

أخرجه أحمد 6/ 59 (الميمنية)، ومسلم (58/ 2770)، والترمذي (3180)، والطبراني 23/ 108 (150) من طريق أبي أسامة به، وعلقه البخاري (4757) عن أبي أسامة به، وأخرجه البخاري (7370)، وأبو داود (5219)، والطبراني 23/ 106 (149) من طريق هشام بن عروة به.

(3)

المذهب: الموضع الذي يتغوط فيه. النهاية 2/ 173.

(4)

يقال: جلدته بالسيف، إذا ضربته به. النهاية 1/ 285.

(5)

في ص، ف:"طعائن".

(6)

الإحنة: الحقد، وجمعها إحَن وإحَنَات. النهاية 1/ 27.

ص: 209

فقال ابن معاذٍ: اللَّهُ أعلمُ ما أردتُ. فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، فقال: يابنَ عبادةَ، إن سعدًا ليس شديدًا، ولكنك تجادلُ عن المنافقين، وتدفعُ عنهم. وكثُر اللَّغَطُ في الحيَّينِ في المسجدَ، ورسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جالسٌ على المنبرِ، فما زال النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومئُ بيدِه إلى الناسِ هاهنا وهاهنا، حتى هدَأ الصوتُ.

وقالت عائشةُ: كان الذي تولَّى كِبْرَه، والذي يجمعُهم في بيتِه، عبدُ اللَّهِ بنُ أبُيٍّ ابن سلولُ. قالت: فخرَجتُ إلى المَذْهَبِ ومعى أمُّ مسطحٍ، فعثَرَتْ، فقالتْ: تَعِس مِسْطَحٌ! فقلت: غفَر اللَّهُ لك، أتقولين هذا لابنِك، ولصاحبِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قالت ذلك مرَتين، وما شعَرتُ بالذي كان، فحُدِّثتُ فذهَب عنى الذي خرَجتُ له، حتى ما أجدُ منه شيئًا، ورجَعت على أبويَّ؛ أبى بكرٍ، وأمِّ رُومانَ، فقلت: أما اتَّقَيْتُما اللَّهَ فيَّ، وما وصَلتما رَحِمى؟! قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم الذي قال، وتحدَّث الناسُ بالذي تحدَّثوا به، ولم تُعْلِمانِيه، فأُخْبِرَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟! قالت: أي بنيةُ، واللَّهِ لقلَّما أحبَّ رجلٌ امرأتَه قطُّ، إلا قالوا لها نحوَ الذي قالوا لك، أي بنيةُ، ارجِعى إلى بيتِك حتى نأتيَكِ فيه. فرجَعتُ وارتكَبني صالِبٌ من حُمَّى

(1)

، فجاء أبواىَ فدخلا، وجاء رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى جلَس على سريري وِجاهى، فقالا: أي بنيةُ، إن كنتِ صنَعتِ ما قال الناسُ، فاستغفِرى اللَّهَ، وإن لم تكوني صنَعتِه، فأخبِرى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعذرِك

(2)

. قلت: ما أجدُ لى ولكم إلا كأبي يوسفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18]. قالت: فالتمَست اسمَ يعقوبَ، فما قدَرتُ - أو: فلم أقدِرْ عليه - فشخَص بصرُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى السقفِ، وكان إذا نُزِّل عليه وَجَد قالَ اللَّهِ

(3)

: {إِنَّا سَنُلْقِي

(1)

الصالب من الحمى: الحارة غير النافض، وقيل: التي معها حر شديد .. اللسان (ص ل ب).

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

القال مصدر بمعنى القول، والمراد وجد قال الله، أي: أدركه قول الله عز وجل وتحقق فيه.

ص: 210

عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]. فوالذى هو أكرَمَه، وأنزَل عليه الكتابَ، ما زال يضحكُ - حتى إنى لأنظرُ إلى نواجذِه - سرورًا، ثم مسَح عن وجهِه، فقال:"يا عائشةُ، أبشرى، فقد أنزَل اللَّهُ عُذْرَكِ". قلت: بحمدِ اللَّهِ لا بحمدِك، ولا بحمدِ أصحابِك. قال اللَّهُ:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} . حتى بلَغ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} . وكان أبو بكرٍ حلَف ألّا [ينفعَ مسطحًا]

(1)

بنافعةٍ، وكان بينَهما رَحِمٌ، فلما أُنزِلت:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} . حتى بلَغ: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]. قال أبو بكرٍ: بلى، أي ربِّ. فعاد إلى الذي كان المسطحٍ. {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 23]. حتى بلَغ: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26]. قالت عائشةُ: واللَّهِ ما كنتُ أرجو أن ينزِلَ فيَّ كتابٌ، ولا أطمعُ به، ولكن [قد كنت]

(2)

أرجُو أن يرَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رؤيا تُذْهِبُ ما في نفسِه. قالت: وسأَل الجاريةَ الحبَشيةَ، فقالت: واللَّهِ لعائشةُ أطيبُ من طَيِّبِ الذهبِ، وما بها عيبٌ

(3)

، إلا أنها ترقُدُ حتى تدخُلَ الشاةُ فتأكلَ عجينَها، ولئن كانت صنَعت ما قال الناسُ، ليخبرَنَّك اللَّهُ. [قالت

(4)

: فعجِب الناسُ]

(5)

من فهمِها

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ

(1)

في ت 1: "ينفق على مسطح ولا ينفعه".

(2)

سقط من: م، ت 1، ف.

(3)

سقط من: ت 2، ت 3.

(4)

في م: "قال".

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(6)

في م، "فقهها".

ص: 211

خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)}.

وهذا عِتابٌ مِن اللَّهِ تعالى ذِكْرُه أهلَ الإيمانِ به فيما وقَع في أنفسِهم من إرجافِ مَن أرجَف في أمرِ عائشةَ، بما أرجَف به، يقولُ لهم تعالَى ذِكرُه: هلَّا أيُّها الناسُ إذْ سمِعتُم ما قال أهلُ الإفكِ في عائشةَ، {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ} منكم {وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا}. [يقولُ: ظنَنْتُم بمن قُرِف بذلك منكم خيرًا]

(1)

، ولم يظنُّوا به أنَّه أتَى الفاحشةَ.

وقال: {بِأَنْفُسِهِمْ} . لأنَّ أهلَ الإسلامِ كلَّهم بمنزلةِ نَفْسِ واحدةٍ؛ لأنَّهم أهلُ ملةٍ واحدةٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن أبيه، عن بعضِ رجالِ بني النجارِ، أن أبا أيوبَ خالدَ بنَ زيدٍ، قالت له امرأتُه أمُّ أيوبَ: أما تسمعُ ما يقولُ الناسُ في عائشةَ؟ قال: بلى، وذلك الكذبُ، أكنتِ فاعلةً ذلك يا أمَّ أيوبَ؟ قالت: لا واللَّهِ ما كنتُ لأفعلَه. قال: فعائشةُ واللَّهِ خيرٌ منك. قال: فلمَّا نزَل القرآنُ، ذكَر اللَّهُ مَن قال مِن

(2)

الفاحشةِ ما قال مِن أهلِ الإفكِ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} : وذلك حَسَّانُ وأصحابُه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال:{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ} الآية. أي: كما قال أبو أيُّوبَ وصاحِبتُه

(3)

.

(1)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(2)

في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"في".

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 302، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 617، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2546 من طريق سلمة به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 16/ 48 من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 33 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 212

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} : ما هذا الخيرُ؟ ظَنُّ المؤمنِ أن المؤمنَ لم يكُنْ ليفجُرَ بأُمِّه، وأنَّ الأمَّ لم تكُنْ لتفجُرَ بابنِها، إن أرادَ أن يفجُرَ فجَر بغيرِ أمِّه، يقولُ: إنما كانت عائشةُ أُمًّا، والمؤمنون بنونَ لها، محرَّمًا عليها. وقرأ:{لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الآية

(1)

[النور: 13].

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ قولَه:{ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} : [قال لهم: {خَيْرًا}]

(2)

. لله ألا ترَى أنه يقولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]. يقولُ: بعضُكم بعضًا، {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61]. قال

(3)

: بعضُكم على بعضٍ

(4)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} : يَعْنى بذلك المؤمنين والمؤمناتِ

(5)

.

وقولُه: {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} . يقولُ: وقال المؤمنون والمؤمناتُ: هذا الذي سمِعنا مِن القولِ الذي رُمِىَ به عائشةُ مِن الفاحشةِ، كذبٌ وإثمٌ، يَبِينُ لمن عقَل وفكَّر فيه، أنه كذبٌ وإثمٌ وبهتانٌ.

كما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2546 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

بعده في م: "يسلم".

(4)

ينظر التبيان 7/ 368.

(5)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 23.

ص: 213

{وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} . قالوا: إنَّ هذا لا ينبغى أن يَتكلَّمَ به إلا مَن أقام عليه أربعةً مِن الشهودِ وأُقِيم عليه حدُّ الزِّنى

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: هلَّا جاء هؤلاء العصبةُ الذين جاءُوا بالإفكِ، ورمَوا عائشةَ بالبهتانِ - بأربعةِ شهداءَ يَشْهدون على مقالتِهم فيها، وما رَمَوها به، فإذ لم يأتُوا بالشهداءِ الأربعةِ على حقيقةِ ما رمَوْها به، {فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}. يقولُ: فالعُصْبةُ الذين رمَوْها بذلك عندَ اللَّهِ هم الكاذبون فيما جاءُوا به مِن الإفكِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} أيُّها الخائضون في أمرِ عائشةَ، المُشِيعُون فيها الكذبَ والإثمَ، بتركِه تعجيلَ عقوبتِكم، {وَرَحْمَتُهُ} إياكم؛ لعفوِه عنكم {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} بقبولِ توبتِكم مما كان منكم في ذلك - لَمَسَّكم فيما خضتُم فيه مِن أمرِها عاجلًا في الدنيا {عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَلَوْلَا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2549 من طريق هوذة به.

ص: 214

فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}: هذا للذين تكلَّموا

(1)

فنشروا ذلك الكلامَ، {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

(2)

.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)} .

يقول تعالى ذكره: لمسَّكم فيما أَفَضْتُم فيه من شأنِ عائشةَ عذابٌ عظيمٌ حينَ تلقَّونه بألسنتِكم.

و {إِذْ} مِن صلةِ قولِه: {لَمَسَّكُمْ} .

ويعنى بقولِه: {تَلَقَّوْنَهُ} : تتلقَّوْن الإفكَ الذي جاءت به العصبةُ مِن أهلِ الإفكِ، فتقبلونه، ويرويه

(3)

بعضُكم عن بعضٍ.

يقالُ: تلقَّيتُ هذا الكلامَ عن فلانٍ. بمعنى: أخذتُه مِنه. وقيل ذلك لأنَّ الرجلَ منهم فيما ذُكِر يَلْقى آخرَ، فيقولُ: أَوَمَا بلغَك كذا وكذا عن عائشةَ؟ ليُشِيعَ عليها بذلك الفاحشةَ.

وذُكِر أنها في قراءةِ أُبيٍّ: (إذ تتلقَّوْنَهُ) بتاءين

(4)

، وعليها قَرَأَةُ الأمصارِ، غيرَ أنهم قرءُوها:{تَلَقَّوْنَهُ} بتاءٍ واحدةٍ؛ لأنها كذلك في مصاحفِهم.

وقد رُوِى عن عائشةَ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقرأُ هذه الآيةَ:(إذْ تَلِقُونَهُ). تقولُ: إنما هو وَلْقُ الكذبِ.

(1)

في ت 2: "علموا"، وبعده في ص:"سمعوا"، وبعده في ت 1:"استمعوا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2548 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

في ص، ت 1، ف:"ترونه" وفى ت 2: "تردونه".

(4)

مختصر الشواذ لابن خالويه ص 102، والبحر المحيط 6/ 438.

ص: 215

وتقولُ: إنما كانوا يَلِقُون الكذبَ. قال ابن أبي مُليكةَ: وهى أعلمُ بما فيها أُنزِلَت. قال نافعٌ: وسمِعتُ بعضَ العربِ يقولُ: اللَّيْقُ الكذبُ.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا نافعُ بنُ عمرَ بن عبدِ اللَّهِ ابن [عبدِ الرحمنِ بن مَعْمَرٍ]

(1)

الجُمَحِيُّ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ أنها كانت تقرأُ:(إذْ تَلِقُونَهُ بِألْسِنَتِكُمْ). وهى أعلمُ بذلك وفيها أُنزِلَت. قال ابن أبي مُلَيْكَةَ: هو مِن وَلْقِ الكذبِ

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وكأنَّ عائشةَ وَجَّهت معنى ذلك بقراءتِها: (تلقُونَهُ) بكسرِ اللامِ وتخفيفِ القافِ إلى: إذ تستمرّون في كذبِكم عليها، وإفكِكم بألسنتِكم. كما يقالُ: وَلَق فلانٌ في السيرِ فهو يَلقُ. إذا استمرَّ فيه، وكما قال الراجزُ

(3)

:

إِنَّ الجُلَيْدَ زَلِقٌ وَزُمَّلِقٌ

(4)

جاءتْ بِهِ عَنْسٌ

(5)

مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ

مُجَوَّعُ البَطْنِ كِلابِيُّ الخُلُقْ

وقد رُوِى عن العربِ في الوَلْقِ، الكذبُ، الأَلْقُ والإلقُ؛ بفتحِ الألفِ

(1)

في مصادر ترجمته: "جميل بن عامر". وينظر تهذيب الكمال 29/ 287.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، 8/ 2548، والطبراني 23/ 143 (200) من طريق نافع بن عمر الجمحى به. وأخرجه البخاري (4752)، والطبراني 23/ 143 (201) من طريق ابن أبي مليكة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 33 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

معاني القرآن للفراء 2/ 248. ونسبه في اللسان (ز ل ق) إلى القلاخ بن حزن المنقرى، ونسبه في (و ل ق) إلى الشماخ.

(4)

رجل زلق زملق: هو الذي ينزل قبل أن يجامع. والزملق أيضا: الخفيف الطائش. اللسان (ز ل ق، زملق).

(5)

في ت 2، ف:"عيس". والعنس: الناقة القوية. والعيس: الإبل البيض مع شقرة يسيرة. اللسان (ع ن س، ع ي س).

ص: 216

وكسرِها، ويقالُ في "فعلتُ" منه: أَلَقْتُ، فأنا أَلِقُ. وقال بعضُهم

(1)

:

مَن لِي بالمُزَرَّرِ اليَلامِقِ

(2)

صاحِبِ إدْهانٍ

(3)

وأَلْقِ آلِقِ

والقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} على ما ذكرتُ مِن قراءةِ قرآةِ

(4)

الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القَرَأَةِ عليها.

وبنحوِ الذي قُلنا مِن التأويلِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} . قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعضٍ

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} . قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعضٍ

(6)

.

(1)

معاني القرآن للفراء، 2/ 248، واللسان (و ل ق)

(2)

اليلمق: القباء، فارسي معرب. اللسان (يلمق).

(3)

الإدهان: الغش: اللسان (د هـ ن).

(4)

سقط من: م، ت 2.

(5)

أخرجه الطبراني 23/ 142 (199) من طريق ابن جريج به.

(6)

تفسير مجاهد ص 490، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 265 - والطبراني في الكبير 23/ 142 (198). وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2548 من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 33 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 217

وقولُه: {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: وتقولون بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ مِن الأمرِ الذي تَرْوُونه، فتقولون: سمِعْنا أن عائشةَ فعَلتْ كذا وكذا. ولا تعلمون حقيقةَ ذلك ولا صحتَه، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا}: وتظنون أن قولَكم ذلك، وروايتَكموه بألسنتِكم، وتلقِّيَكموه بعضُكم من

(1)

بعضٍ، هيِّنٌ سهلٌ، لا إثمَ عليكم فيه ولا حرجَ، {وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}. يقولُ: وتلقِّيكم ذلك كذلك، وقولُكموه بأفواهِكم - عندَ اللَّهِ عظيمٌ مِن الأمرِ؛ لأنَّكم كنتُم تؤذون به رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحليلَتَه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: فلولا أيها الخائضون في الإفكِ الذي جاءت به عصبةٌ منكم، إذ سمِعْتموه ممن جاءَ به، قلتُم: ما يحلُّ لنا أن نتكلَّمَ بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوَّهَ به، {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}: تنزيهًا لك يا ربِّ، وبراءةً إليك مما جاء به هؤلاء، {هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}: يقولُ: هذا القولُ بهتانٌ عظيمٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)} .

يقولُ تعالَى ذِكرُه: يذكِّرُكم اللهُ وينهاكُم بآيِ كتابِه لئلا تعودُوا لمثلِ فعلِكم الذي فعلتُموه في أمرِ عائشةَ مِن تلقِّيكم الإفكَ الذي رُوِى عليها بألسنتِكم، وقولِكم بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ فيها، أبدًا، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. يقولُ: إن كنتُم

(1)

في م، ف:"عن".

(2)

في ت 1، ف:"خليلته".

ص: 218

تتعظون بعظاتِ اللَّهِ، وتأتمرون لأمرِه، وتنتهون عما نهاكُم عنه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . قال: والذي هو خيرٌ لنا مِن هذا، أنَّ الله أعلَمنا هذا لكيلا نقَعَ فيه، لولا أنَّ الله أعلمناه لهلكْنا كما هلَك القومُ، أنْ يقولَ الرجلُ: أنا سمِعتُه ولم أخترِقْه ولم أتقوَّلْه، فكان خيرًا حينَ أعلمناه اللهُ؛ لئلا ندخُلَ في مثلِه أبدًا، وهو عندَ اللهِ عظيمٌ

(1)

.

وقولُه: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} : ويفصِّلُ اللهُ لكم حُجَجَه عليكم، بأمرِه ونهيِه؛ ليتبيَّنَ المطيعُ له منكم مِن العاصى، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بكم وبأفعالِكم، لا يخفَى عليه شيءٌ، وهو مجازٍ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، {حَكِيمٌ} في تدبيرِه خلقَه، وتكليفِه ما كلَّفَهم مِن الأعمالِ، وفرضِه ما فرَض عليهم مِن الأفعالِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ الذين يُحبُّون أن يَذيعَ الزِّنى في الذين صدَّقوا باللَّهِ ورسولِه، ويظهرَ ذلك فيهم، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يقولُ: لهم عذابٌ وجيعٌ في الدنيا، بالحدِّ الذي جعَله اللهُ حدًّا لرامى المحصَناتِ والمحصَنين إذا رمَوْهم بذلك، وفى

(1)

ينظر التبيان 7/ 370 بمعناه مختصرا.

ص: 219

الآخرةِ عذابُ جهنمَ إن مات مصرًّا على ذلك غيرَ تائبٍ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} . قال: تَظْهَرَ في شأنِ عائشةَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . قال: الخبيثُ عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سَلولَ، المنافقُ، الذي أشاعَ على عائشةَ ما أشاعَ عليها من الفريةِ - لهم عذابٌ أليمٌ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} . قال: تَظْهِرَ؛ يُتَحَدَّثُ عن شأنِ عائشةَ

(2)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: واللهُ يعلمُ كذبَ الذين جاءُوا بالإفكِ من صدقِهم، وأنتم أيُّها الناسُ لا تعلمون ذلك؛ لأنكم لا تعلمون الغيبَ، وإنما يعلمُ ذلك علَّامُ الغيوبِ. يقولُ: فلا تَرْوُوا ما لا علمَ لكم به مِن الإفكِ على أهلِ الإيمانِ باللهِ ولا سيما على حلائلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فتهلِكوا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2550 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

تفسير مجاهد ص 490. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2550، والطبراني 23/ 146 (212). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 34 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 220

يقولُ تعالى ذِكرُه: ولولا أن الله تفضَّل عليكم أيُّها الناسُ ورحِمكم، وأن الله ذو رأفةٍ و

(1)

رحمةٍ بخلقِه، لهلَكتُم فيما أفَضْتُم فيه، وعاجَلَتْكم مِن اللهِ العقوبةُ.

وترَك ذكرَ الجوابِ لمعرفةِ السامعِ بالمرادِ مِن الكلامِ بعدَه عليه

(2)

، وهو قولُه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} الآيَةَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} .

يقولُ تعالى ذِكرُه للمؤمنين به: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، لا تَسلُكوا سبيلَ الشيطانِ وطُرُقَه، ولا تقتفوا آثارَه، بإشاعتِكم الفاحشةَ في الذين آمنوا، وإذاعتِكموها فيهم، وروايتِكم ذلك عمَّن جاءَ به، فإنَّ الشيطانَ يأمرُ بالفحشاءِ، وهى الزنى، والمنكرِ مِن القولِ.

وقد بيَّنا معنى "الخطواتِ" و "الفحشاء" فيما مضَى بشواهدِ ذلك بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا فضلُ اللهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه لكم، ما تَطَهَّر منكم مِن أحدٍ أبدًا مِن دَنَسِ ذنوبِه وشركِه، ولكنَّ اللَّهَ يطهِّرُ مَن يَشَاءُ مِن خلقِه.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في م: "ذو".

(2)

سقط من: م.

(3)

ينظر ما تقدم في 3/ 37 - 39.

ص: 221

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} . يقولُ: ما اهتدَى منكم من الخلائقِ لشيءٍ مِن الخيرِ، ينفعُ به نفسَه، ولم يَتَّقِ شيئًا من الشرِّ يدفعُه عن نفسِه

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} . قال: ما زكَى: ما أسلَم. قال: وكلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن "زكَى" أو "تَزَكَّى" فهو الإسلامُ

(2)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . يقولُ: واللهُ سميعٌ لما تقولون بأفواهِكم، وتَلَقَّونه بألسنتِكم، وغيرِ ذلك من كلامِكم، عليمٌ بذلك كلِّه، وبغيرِه مِن أمورِكم، محيطٌ به، مُحْصِيه عليكم، ليُجازيَكم بكلِّ ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: ولا يحلفْ باللَّهِ ذَوُو الفضلِ منكم، يعنى ذَوى التفضلِ، {وَالسَّعَةِ}. يقولُ: وذَوُو

(3)

الجِدَةِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2553 من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 34 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2553 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"ذوى".

ص: 222

واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {وَلَا يَأْتَلِ} ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {وَلَا يَأْتَلِ} بمعنى "يفتعل"، من الأَلِيَّةِ، وهى القسمُ باللهِ، سوى أبي جعفرٍ وزيدِ بن أسلمَ، فإنه ذُكر عنهما أنهما قرأ ذلك:(ولَا يتَألَّ) بمعنى: "يتفعل"، من الأَلِيَّةِ

(1)

.

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندِى قراءةُ مَن قرَأَ: {وَلَا يَأْتَلِ} بمعنى: "يفتعل"، من الأَلِيَّةِ، وذلك أن ذلك في خطِّ المصحفِ كذلك، والقراءةُ الأُخرى مخالفةٌ خطَّ المصحفِ

(2)

، فاتباعُ المصحفِ مع قراءةِ جماعةِ القرأةِ وصحّةِ المقروءِ به، أولَى مِن خلافِ ذلك كلِّه

(3)

.

وإنما عُنِى بذلك أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضي الله عنه في حَلِفِه باللهِ لا يُنفقُ على مِسْطَحٍ، فقال جلَّ ثناؤُه: ولا يَحلفْ مَن كان ذا فضلٍ مِن مالٍ وسَعَةٍ منكم، أيُّها المؤمنون باللهِ، أَلَّا يُعْطُوا ذَوِى قَرابتِهم، فيصِلوا به أرحامَهم، كمِسْطحٍ، وهو ابن خالةِ أبي بكرٍ، {وَالْمَسَاكِينَ}. يقولُ: وذوى خَلَّةِ الحاجةِ. وكان مِسْطحٌ منهم؛ لأنه كان فقيرًا محتاجًا، {وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، وهم الذين هاجروا مِنْ

(4)

ديارِهم وأموالِهم في جهادِ أعداءِ اللهِ، وكان مِسْطَحٌ منهم؛ لأنَّه كان ممن هاجَر مِن مكةَ إلى المدينةِ، وشهِد مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بدرًا، {وَلْيَعْفُوا}. يقولُ: وليعفُوا عمَّا كان منهم إليهم من جُرمٍ، وذلك كجرمِ مِسْطحٍ إلى أبي بكرٍ، في إشاعتِه على ابنتِه عائشةَ ما أشاع مِن الإفكِ، {وَلْيَصْفَحُوا}. يقولُ: وليتركوا عقوبتَهم

(5)

على

(1)

وهي قراءة عبد الله بن عياش بن ربيعة والحسن. ينظر البحر المحيط 6/ 440، والنشر 2/ 248.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2:"كذلك".

(3)

قال ابن الجزرى في النشر 2/ 248: وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القراب في كتابه "علل القراءات" أنه كتب في المصاحف (يتل). قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"عقوبته".

ص: 223

ذلك، بحرمانِهم ما كانوا يؤتونَهم قبلَ ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثلِ الذي كانوا لهم عليه مِن الإفضالِ عليهم، {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}. يقولُ: ألا تحبُّون أن يستُرَ اللهُ عليكم ذنوبَكم، بإفضالِكم عليهم، فيتركَ عقوبتَكم عليها، {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لذنوبِ مَن أطاعَه، واتبعَ أمرَه، {رَحِيمٌ} بهم أن يعذِّبَهم مع اتباعِهم أمرَه، وطاعتِهم إياه على ما كان لهم مِن زَلَّةٍ وهفوةٍ، قد استغفروه منها، وتابوا إليه مِن فعلِها.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن علْقمةَ بن وَقَّاصِ الليثيِّ، و

(1)

عن سعيدِ بن المسيَّبِ، و

(1)

عن عروةَ بن الزبيرِ، وعن عبيدِ اللهِ بن عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن عائشةَ. قال: وثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ الله بن الزُّبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ. قال: وثنى ابن إسحاقَ، قال: ثني عبدُ اللهِ بنُ أبى بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن عمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت: لما نزَل هذا - يَعْنى قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} في عائشةَ وفى من قال لها ما قال - قال أبو بكرٍ، وكان ينفقُ على مسطحٍ لقرابتِه وحاجتِه: واللهِ لا أنفقُ على مسطحٍ شيئًا أبدًا، ولا أنفعُه بنفعٍ أبدًا. بعدَ الذي قال لعائشةَ ما قال، وأدخَل عليها

(2)

ما أدخَل. قالت: فأنزَل اللهُ في ذلك: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} الآية. قالت: فقال أبو بكرٍ: واللهِ إنِّي لأحبُّ أن يغفرَ اللهُ لى. فرجَع إلى مِسْطَحٍ نفقتَه التي كان يُنفِقُ عليه، وقال:

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(2)

في ص، ت 2، ف:"عليه".

ص: 224

واللهِ لا أنزِعُها منه أبدًا

(1)

حدَّثني عليٌّ، قال ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} . يقول: لا تُقْسِموا أَلَّا تنفعوا أحدًا

(2)

.

حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه ابن عباسٍ قوله:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} إلى آخرِ الآية. قال: كان ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد رَمَوْا عائشةَ بالقبيحِ، وأفشَوا ذلك، وتكلَّمُوا به، فأقسَم ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فيهم أبو بكرٍ، ألا يتصدَّقَ على رجلٍ تكلَّم

(3)

بشيءٍ مِن هذا ولا يصلَه، فقال: لا يُقْسِمُ أولو الفضلِ منكم والسعةِ أن يصِلوا أرحامَهم، وأن يُعطوهم مِن أموالِهم كالذي كانوا يفعلون قبلَ ذلك، فأمَر اللهُ أن يُغْفَرَ لهم، وأن يُعْفَى عنهم

(4)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} : لما أنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه عذرَ عائشةَ مِن السماءِ، قال أبو بكرٍ وآخرون مِن المسلمين: والله لا نَصِلُ رجلًا منهم تَكَلَّم

(5)

بشيءٍ من شأنِ عائشةَ، ولا ننفعُه. فأنزل اللهُ: {وَلَا يَأْتَلِ

(1)

تقدم تخريجه في ص 197، 204، 206.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2553 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 34 إلى ابن المنذر.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"يتكلم".

(4)

أخرجه الطبراني 23/ 150 (223) من طريق محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 35 إلى ابن مردويه.

(5)

سقط من: ص، ت 2، ف.

ص: 225

أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ}. يقولُ: ولا يحلفْ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} . قال: كان مِسْطَحٌ ذا قرابةٍ، {وَالْمَسَاكِينَ}. قال: كان مسكينًا، {وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: كان بَدْرِيًّا

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} . قال: أبو بكرٍ حلَف ألَّا ينفَعَ يتيمًا في حَجْرِه، كان أشاعَ ذلك، فلما نزلتْ هذه الآيةُ قال: بلى أنا أحبُّ أن يغفرَ اللهُ لى، فلأكونَنَّ ليتيمى خيرَ ما كنتُ له قطُّ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ} بالفاحشةِ {الْمُحْصَنَاتِ} ، يَعْنى العفيفاتِ، {الْغَافِلَاتِ} عن الفواحشِ، {الْمُؤْمِنَاتِ} باللهِ ورسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ، {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}. يقولُ: أُبْعِدوا من رحمةِ اللَّهِ في الدنيا والآخرةِ {وَلَهُمْ} في الآخرةِ {عَذَابٌ عَظِيمٌ} وذلك عذابُ جهنمَ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المحصناتِ اللاتى هذا حكمُهنَّ؛ فقال بعضُهم: إنما ذلك لعائشة خاصةً، وحكمٌ مِن اللهِ فيها وفى من رماها، دون سائرِ نساءِ أمةِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 27.

(2)

ينظر التبيان 7/ 373.

(3)

تفسير مجاهد ص 490. ومن طريقه الطبراني 23/ 148 (220)، وأخرجه أيضا في 23/ 149، (221) من طريق ابن جريج عن مجاهد.

ص: 226

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيْفٌ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبيرٍ: الزنى أشدُّ أم قذفُ المحصنَةِ؟ فقال: الزني. فقلتُ: أليس يقولُ اللهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الآية؟ قال سعيدٌ: إنما كان هذا لعائشةَ خاصةً

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عمرَ بن أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، قال: قالت عائشةُ: رُمِيتُ بما رُمِيت به وأنا غافلةٌ، فبلَغني بعدَ ذلك. قالت: فبينما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عندى جالسٌ، إذ أُوحِيَ إليه، [وكان إذا أُوحِى إليه]

(2)

أخذه كهيئةِ السُّباتِ، وإنَّه أُوحِيَ إليه وهو جالسٌ عندِى، ثم استوَى جالسًا يمسحُ عن وجهِه، وقال:"يا عائشةُ، أَبشِرى". قالت: فقلتُ: بحمدِ اللهِ لا بحمدِك. فقرَأ: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} حتى بلَغ: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} "

(3)

.

وقال آخرون: بل ذلك لأزواجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خاصَّة دون سائرِ النساءِ غيرِهنَّ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيْدٌ، قال: سمعتُ

(1)

تقدم تخريجه في ص 162.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، ف.

(3)

أخرجه الطبراني 23/ 121 (156) من طريق أبي عوانة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 35 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 227

الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} الآية: أزواجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصةً

(1)

.

وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في شأنِ عائشةَ، وعُنِىَ بها كلُّ مَن كان بالصفةِ التي وَصف اللهُ في

(2)

هذه الآيةِ. قالوا: فذلك حكمُ كلِّ مَن رمَى محصنةً لم تُقارِفْ سُوءًا.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، قال: سألتُ ميمونًا، قلتُ: الذي ذكَر اللَّهُ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} إلى قولِه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5]. فجعَل في هذه توبةً، وقال في الأُخرى:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ} إلى قولِه: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ؟ قال ميمونٌ: أمَّا الأُولَى فعسَى أن تكونَ قد قارَفت، وأمَّا هذه، فهي التي لم تقارِفْ شيئًا مِن ذلك.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن [شيخٍ مِن بني أسدٍ]

(3)

، عن ابن عباسٍ، قال: فسَّر سورةَ "النورِ"، فلما أتَى على هذه الآيةِ:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} الآية. قال: هذا في شأنِ عائشةَ وأزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهى مبهمةٌ، وليستْ لهم توبةٌ، ثم قرَأ:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} . إلى قولِه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ

(1)

تفسير سفيان ص 223 - ومن طريقه الطبراني 23/ 152 (229) - عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 35 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: م.

(3)

في ت 2: "شريح".

ص: 228

بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} الآية. قال: فجعلَ لهؤلاءِ توبةً، ولم يجعلْ لمن قذَف أولئك توبةً. قال: فهَمَّ بعضُ القومِ أن يقومَ إليه فيُقَبِّلَ رأسَه مِن حُسْنِ ما فسَّر سورةَ "النور"

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . قال: هذا في عائشةَ، ومَن صنَع هذا اليومَ

(2)

في المسلماتِ، فله ما قال اللهُ، ولكنَّ عائشةَ كانت إمامَ ذلك

(3)

.

وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كذلك حتى نزَلت الآيةُ التي في أوَّلِ السورةِ، فأوجَب الجَلْدَ وقَبِلَ التوبةَ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} إلى: {عَذَابٌ عَظِيمٌ} . يعنى أزواجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، رَماهنَّ أهلُ النفاقِ، فأوجَب اللهُ لهم اللعنةَ والغضبَ، وباءُوا بسخطٍ مِن اللهِ. فكان ذلك في أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم نزَل بعد ذلك:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} إلى قوله

(4)

: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . فأنزل اللهُ الجلدَ والتوبةَ، فالتوبةُ تُقبلُ، والشهادة تُردُّ

(5)

.

(1)

أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور - 5/ 35 ومن طريقه الطبراني 23/ 153 (234) عن هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه.

(2)

بعده في ص، ت 1، ف:"و".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2557 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(5)

ينظر تفسير ابن كثير 6/ 32.

ص: 229

وأَوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ في شأنِ عائشةَ، والحكمُ بها عامٌّ في كلِّ من كان بالصفةِ التي وصَفه اللهُ بها فيها.

وإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لأنَّ اللَّهَ عمَّ بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} كلَّ محصنةٍ غافلةٍ مؤمنةٍ، رَماها رامٍ بالفاحشةِ، مِن غيرِ أن يخصَّ بذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ رامٍ محصنةً بالصفةِ التي ذكَر اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ، فملعونٌ في الدنيا والآخرةِ، وله عذابٌ عظيمٌ، إلا أن يتوبَ من ذنبِه ذلك قبلَ وفاتِه، فإنَّ الله دلَّ باستثنائِه بقولِه:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} على أنَّ ذلك حكمُ رامى كلِّ محصنةٍ بأيِّ صفةٍ كانت المحصنةُ المؤمنةُ المرميَّةُ، وعلى أن قولَه:{لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} معناه: لهم ذلك إن هلَكوا ولم يَتوبوا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولهم عذابٌ عظيمٌ يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِنَتُهم.

فـ "اليومُ" الذي في قولِه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} من صلةِ قولِه: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

وعنى بقولِه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} يومَ القيامةِ، وذلك حين يَجْحَدُ أحدُهم ما اكتسبَ في الدنيا مِن الذنوبِ، عندَ تقريرِ اللَّهِ إياه بها، فيختمُ اللَّهُ على أفواهِهم، وتشهدُ عليهم أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون.

فإن قال قائلٌ: وكيف تشهدُ عليهم ألسنتُهم حينَ يُخْتَمُ على أفواهِهم؟

قيل: عُنى بذلك أن ألسنةَ بعضِهم تشهدُ على بعضٍ، لا أنَّ ألسنتَهم تنطِقُ وقد

ص: 230

خُتِم على الأفواهِ.

وقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرٌو، عن

(1)

درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِّفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ، فَجَحَد وخاصَمَ، فيقالُ له، هؤلاءِ جيرانُك يَشْهَدون عليك. فيقولُ: كذَبوا. فيقولُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُك. فيقولُ كَذَبوا. فيقولُ: أتَحْلِفون؟ فيَحْلِفون، ثُمَّ يُصْمِتُهمُ اللَّهُ، وتَشْهَدُ ألسِنَتُهم، ثُمَّ يُدْخِلُهم

(2)

النَّارَ"

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تَشْهَدُ عليهم ألسِنَتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون، و

(4)

يُوَفِّيهم اللهُ حسابَهم وجزاءَهم الحقَّ على أعمالِهم.

والدِّينُ في هذا الموضعِ الحسابُ والجزاءُ.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} . يقولُ: حسابَهم

(5)

.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {الْحَقَّ} ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ:

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"بن". وعمرو هو ابن الحارث، ودراج هو ابن سمعان أبو السمح. وينظر تهذيب الكمال 8/ 477، 21/ 570.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"الله".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2558 عن يونس به، وأخرجه أبو يعلى (1392) من طريق دراج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 35 إلى ابن مردويه والطبراني.

(4)

سقط من: م.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2560 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى ابن المنذر.

ص: 231

{دِينَهُمُ الْحَقَّ} نصبًا على النعتِ لـ "الدين"، كأَنَّه قال: يُوَفِّيهم اللهُ ثوابَ أعمالِهم حقًّا. ثم أدخل في "الحقَّ" الألفَ واللامَ، فنصَبه بما نصَب به "الدِّينَ".

وذُكِر عن مجاهدٍ أنه قرأَ ذلك: {يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} برفعِ "الحقِّ" على أنه مِن نعتِ "اللَّهِ"

(1)

.

حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ أنه قرأَها:(الحقُّ) بالرفعِ

(2)

. قال جريرٌ: وقرأتُها في مصحفِ أُبيِّ بن كعبٍ: (يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ [الحَقُّ دِينَهُمْ]

(3)

.

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو نصبُ "الحقِّ" على إتباعِه إعرابَ "الدين"؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.

وقولُه: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} . يقولُ: ويعلمون يومئذٍ أن اللَّهَ هو الحقُّ الذي يُبَيِّنُ لهم حقائقَ ما كان يَعِدُهم في الدنيا مِن العذابِ، ويزولُ حينئذٍ الشكُّ فيه عن أهلِ النفاقِ الذين كانوا فيما كان يَعِدُهم في الدنيا يمترون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.

(1)

وهى قراءة عبد الله وأبى روق وأبى حيوة. وهى قراءة شاذة. البحر المحيط 6/ 441.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى المصنف.

(3)

في ص، ت 1، ف:"دينهم الحق"، والمثبت هو الصواب، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 103.

ص: 232

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} . يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القول. وقوله:{وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} . يقولُ: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيِّبون مِن الرجالِ للطيِّباتِ من القولِ، نزَلت في الذين قالوا في زوجةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا مِن البهتانِ. ويقالُ:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} : الأعمالُ الخبيثةُ تكونُ للخبيثين، والطيِّباتُ

(1)

مِن الأعمالِ تكونُ للطيِّبين

(2)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ:[{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}. قال]

(3)

: الخبيثاتُ [من الكلامِ]

(4)

للخبيثين من الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيِّبين مِن الناسِ.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"الطيبون".

(2)

أخرجه الطبراني 23/ 159 (250) من طريق محمد بن سعد به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2560، والطبراني 23/ 158، 159 (248، 249) من طرق عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى ابن مردويه.

(3)

سقط من: م، ت 1، ف.

(4)

سقط من: ت 1، ف.

(5)

تفسير سفيان ص 223.

ص: 233

نجيحٍ، [عن مجاهدٍ]

(1)

في قولِ اللهِ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} . قال: الطيباتُ: القولُ الطيبُ يخرجُ مِن الكافرِ والمؤمنِ، فهو للمؤمنِ، والخبيثاتُ: القولُ الخبيثُ يخرجُ مِن المؤمنِ والكافرِ، فهو للكافرِ، {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} . وذلك أنه برَّأ كليهما مما ليسَ له

(2)

بحقٍّ مِن الكلامِ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} . يقولُ: الخبيثاتُ والطيباتُ: القولُ السيءُ والحَسَنُ؛ للمؤمنين

(3)

الحَسَنُ، وللكافرين

(4)

السيئُ، {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} . وذلك بأنَّه ما قال الكافرون مِن كلمةٍ طيبةٍ فهى للمؤمنين

(5)

، وما قال المؤمنون مِن كلمةٍ خبيثةٍ فهي للكافرين، كلٌّ برئٌ مما ليسَ بحقٍّ مِن الكلامِ

(6)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} . قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ،

(1)

سقط من: م.

(2)

سقط من: م.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"للمؤمن".

(4)

في ت 1: "الكافر"، وفى ت 2:"للكافر"، وفى ف:"الكافرين".

(5)

في ت 1، ت 2، ت 3، ف:"للمؤمن".

(6)

تفسير مجاهد ص 491، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2561، 2564، والطبراني 23/ 157، 161 (243، 255)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 234

والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن الكلامِ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثلَه

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} الآية. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين من الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيبون مِن الرجالِ للطيباتِ مِن القولِ، فهذا في الكلامِ، وهم الذين قالوا لعائشةَ ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون هم المبرَّءُون مما قال الخبيثون.

حدَّثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلمةُ، يعنى ابنَ نُبَيْطٍ الأشجعيَّ، عن الضحاكِ:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} . قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيبين مِن الناسِ

(3)

.

قال: ثنا قبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ وعثمانَ بن الأسودٍ، عن مجاهدٍ:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} . قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.

(1)

أخرجه الطبراني 23/ 157، 158 (244) من طريق محمد بن ثور به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 55.

(3)

أخرجه الطبراني 23/ 157 (242) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد.

ص: 235

قال: ثنا سفيانُ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، قال:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} . قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ

(1)

.

قال: ثنى محمدُ بنُ أبى

(2)

بكرِ بن مُقَدَّمٍ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الملكِ، يعنى ابنَ أبى سليمانَ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن مجاهدٍ:{وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} . قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناس

(3)

.

قال: ثنا عباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} . يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ والعملِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ والعملِ

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ بن عمروٍ، عن عطاءٍ، قال:

(1)

تفسير سفيان ص 224، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2562، 2563، والطبراني 23/ 156 (239) من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بنحوه.

(2)

سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال 24/ 534.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2562، والطبراني (158/ 23 (247) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به. وعند ابن أبي حاتم: عن مجاهد وسعيد. وعند الطبراني: عن مجاهد أو سعيد بن جبير. وأخرجه الطبراني 23/ 158 (246) من طريق عبد الملك، عن القاسم، عن سعيد قوله.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2563، 2564، والطبراني 23/ 160 (252) من طريق عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد.

ص: 236

{وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} . قال: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ، والخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثاتُ مِن النساءِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن النساءِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قولِه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} . قال: نزَلت في عائشةَ حينَ رماها المنافقُ بالبهتانِ والفِرْيْةِ، فبرَّأها اللهُ مِن ذلك. وكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ هو خبيثٌ، وكان هو أَوْلَى بأن تكونَ له الخبيثةُ ويكونَ لها، وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم طيبًا، وكان أَوْلَى أن تكونَ له الطيبةُ، وكانت عائشةُ الطيبةَ، وكانَ أَوْلَى أن يكونَ لها الطيبُ، {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}. قال: هاهنا بُرِّئتْ عائشةُ. {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}

(2)

.

وأَوْلَى هذه الأقوالِ في تأويلِ الآية قولُ مَن قال: عَنَى بالخبيثاتِ: الخبيثاتِ مِن القولِ، وذلك قبيحُه وسيئُه، للخبيثين مِن الرجالِ والنساءِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ هم بها أَوْلَى؛ لأنَّهم أهلُها، والطيباتُ مِن القولِ، وذلك حسنُه

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد. وأخرجه الطبراني 23/ 159 (249) مِن طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2562، 2564، والطبراني 23/ 156، 162 (240، 258) مِن طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.

ص: 237

وجميلُه، للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القول؛ لأنَّهم أهلها وأحقُّ بها.

وإنما قُلْنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَ ذلك إنما جاءَت بتوبيخِ اللَّهِ للقائلين في عائشةَ الإفكَ، والرامين المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ، وإخبارِهم ما خَصَّهم به على إفكِهم، فكان ختمُ الخبرِ عن أَوْلَى الفريقين بالإفكِ مِن الرامي والمرميِّ به، أشبهَ مِن الخبرِ عن غيرِهم.

وقولُه: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ} . يقولُ: الطَّيبون مِن الناسِ مبرَّءون مِن خبيثاتِ القولِ، إن قالوها فإنَّ اللَّهَ يَصفحُ لهم عنها، ويَغْفِرُها لهم، وإن قِيلت فيهم ضرَّت قائلَها ولم تَضرَّهم، كما لو قال الطَّيِّبَ مِن القول الخبيثُ مِن الناسِ لم يَنْفَعُه الله به؛ لأنَّ الله لا يتقبَّلُه، ولو قِيلت له لضرَّتْه؛ لأنه يَلْحَقُه عارُها في الدنيا وذلُّها في الآخِرة.

كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} : فَمَن كان طيِّبًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ خبيثٍ، يقول: يغفِرُه اللهُ. ومَن كان خبيثًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ صالحٍ، فإنه يَرُدُّه الله عليه، لا يَقبلُه منه

(1)

.

وقد قِيل: عُنِى بقولِه: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} : عائشةُ وصفوانُ بنُ المُعَطَّلِ الذي رُمِيت به. فعلى هذا القولِ قيل: {أُولَئِكَ} . فجُمِع، والمرادُ ذانِك، كما قيل:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11]. والمرادُ أخوَان.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 55. وهو بعض الأثر المتقدم في ص 235.

ص: 238

وقولُه: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} . يقولُ: لهؤلاءِ الطيِّبين مِن الناسِ مغفرةٌ مِن اللهِ لذنوبِهم، والخبيثِ مِن القولِ إن كان منهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. يقولُ: ولهم أيضًا مع المغفرةِ عَطيةٌ مِن الله كريمةٌ، وذلك الجنةُ وما أُعِدَّ لهم فيها مِن الكرامةِ.

كما حدَّثنا أبو زرْعةَ، قال: ثنا العباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ:{لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} : مغفرةٌ لذنوبِهم، ورزقٌ كريمٌ في الجنةِ

(1)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: يأيها الذين آمنوا لا تَدخُلوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (لا تَدْخُلُوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا

(2)

وتُسَلِّموا على أهلِها). قال: وإنما {تَسْتَأْنِسُوا} وَهُمٌ مِن الكتَّابِ

(3)

.

(1)

أخرجه الطبراني 23/ 162 (259) مِن طريق عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "تستأنسوا".

(3)

أخرجه البيهقى في الشعب (8802) مِن طريق هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2566، والبيهقي في الشعب (8801)، والضياء في المختارة 10/ 91 (87) مِن طريق أبي بشر به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 38 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف. =

ص: 239

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ:{لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} . وقال: إنما هي خطأٌ مِن الكتَّابِ

(1)

: (حتى تستأذنوا وتُسلِّموا)

(2)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ بمثلِه، غيرَ أنَّه قال: إنما هي: (حتى تَستَأذنوا). ولكنها سقَطٌ مِن الكاتبِ.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ:{حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} . قال: أخطأَ الكاتبُ. وكان ابن عباسٍ يقرأُ: (حتى تَسْتأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا). وكان يقرؤُها على قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أنه كان يقرؤُها:(حتى تَسْتأذنوا وتُسَلِّمُوا). قال سفيانُ: وبلَغنى أنَّ ابن عباسٍ كان يقرؤُها: (حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلَّمُوا). وقال: إنها خَطَأٌ مِن الكاتب

(4)

.

= وقال أبو حيان في البحر المحيط 6/ 445: ومن روى عن ابن عباس أن قوله: {تَسْتَأْنِسُوا} خطأ أووهم مِن الكاتب وأنه قرأ (حتى تستأذنوا) فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عباس برئ مِن هذا القول

. وقال ابن كثير في تفسيره 6/ 38: وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس.

(1)

في م: "الكاتب".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 38 عن المصنف، وأخرجه البيهقى في الشعب (8804)، والضياء في المختارة 10/ 90 (86) مِن طريق شعبة به، وأخرجه الحاكم، 2/ 396، والبيهقي في الشعب (8803) مِن طريق شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 38.

(4)

تفسير سفيان ص 224 بنحوه مختصرًا.

ص: 240

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} . قال: الاستِئْناسُ الاستئذانُ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: في مصحفِ ابن مسعودٍ: (حتى تُسَلِّموا علَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا)

(2)

. قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها:(يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا). قال: وإنما {تَسْتَأْنِسُوا} وَهُمٌ مِن الكُتَّابِ.

قال: ثنا هشيمٌ، قال مُغيرةُ: قال مجاهدٌ: جاء ابن عمرَ مِن حاجةٍ، وقد آذاه الرَّمْضاءُ

(3)

، فأتَى فُسطاطَ امرأةٍ مِن قريشٍ، فقال: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ فقالت: ادخُل بسلامٍ. فأعاد، فأعادَت، وهو يراوحُ بين قدمَيه، قال: قولِى: ادخُلْ. قالت: ادخُلْ. فدخَل

(4)

.

قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ، عن ابن سيرينَ، وأخبَرنا يونسُ بنُ عُبيدٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ الثقفيِّ، أن رجلًا استأذَن على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أَلِجُ أو أَنَلِجُ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأمَةٍ له يقالُ لها رَوْضَةُ: "قومِي إلى هذا فَكَلِّميه

(5)

، فإِنَّهُ لا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولى له يقولُ: السلامُ عليكم، أدْخُلُ؟ ". فسمِعها الرجلُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 38 إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن مردويه.

(2)

أخرجه البيهقى في الشعب (8800) مِن طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 38 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(3)

الرَّمضاء: اسم للأرض الشديدة الحرارة. تاج العروس (ر م ض).

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 39 عن مغيرة به.

(5)

في الدر المنثور: "فعلميه".

ص: 241

فقالها، فقال:"ادْخُلْ"

(1)

.

حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} . قال: الاستئذانُ، ثم نُسِخ واسْتُثْنِىَ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ}

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ قولَه:{لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} . قال: حتى تُسلِّموا على أهلِها وتَستَأذِنوا.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ:{حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} . قال: حتى تَستأذنوا وتُسلِّموا

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أشعتُ بنُ سَوَّارٍ، عن كُرْدُوسٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: عليكم أن تَستأذِنوا على أمهاتِكم وأَخَوَاتِكم

(4)

.

قال أشعثُ، عن عديِّ بن ثابتٍ، أنَّ امرأةً مِن الأنصارِ قالت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّى أكونُ في منزلِى على الحالِ التي لا أُحِبُّ أن يَرانى أحدٌ عليها؛ والدٌ ولا ولَدٌ، وإنه لا يَزالُ يَدخُلُ عليَّ رجُلٌ مِن أهلى وأنا على تلك الحالِ. قال: فنزَلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 39 عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 38 إلى المصنف.

(2)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 586، 587، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص 407 مِن طرق عن ابن عباس.

(3)

تفسير عبد الرزاق ص 55.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 40 عن هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 39 إلى المصنف.

ص: 242

أَهْلِهَا} الآية

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تُؤنِسوا أهلَ البيتِ بالتَّنَحْنُحِ والتَّنَخُّمِ وما أشْبهَه؛ حتى يَعلَموا أنكم تُريدون الدُّخولَ عليهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} . قال: حتى تَتَنَحْنَحوا وتتَنَخَّموا.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} . قال: حتى تَحَسَّسوا

(3)

وتُسلِّموا.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} . قال: تَنَحْنَحُوا وتَنَخَّموا.

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخبرُ عن ابن عباسٍ، قال: ثلاثُ آياتٍ قد جحَدهنَّ الناسُ؛ قال اللَّهُ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 40 عن أشعث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 38 إلى المصنف والفريابي.

(2)

تفسير مجاهد ص 491، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2566، والبيهقي في الشعب (8807)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 38 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "تجسسوا".

ص: 243

اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. قال: ويقولون: إِنَّ أكرَمَهم عندَ اللهِ أعظمُهم شأنًا

(1)

. قال: والإِذْنُ كلُّه قد جحَده الناسُ. فقلتُ له: أَستَأْذِنُ على أَخَواتي أيتامٍ في حَجرى معى في بيتٍ واحدٍ؟ قال: نعم. فردَدْتُ على مَن حضَرني، فأبَى. قال: أتُحبُّ أن تَراها عُريانةً؟ قلتُ: لا. قال: فاستأذِنْ. فراجعتُه أيضًا. قال: أتحبُّ أن تُطيعَ اللَّهَ؟ قلتُ: نعم. قال: فاستأذِنْ. فقال لى سعيدُ بنُ جبيرٍ: إنك لَتُرَدِّدُ عليه. قلتُ: أردتُ أن يُرخِّصَ لى

(2)

.

قال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرنى ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما مِن امرأةٍ أَكْرَهُ إليَّ أن أرَى، كأنه يقولُ: عِرْيَتَهَا

(3)

، أو عُرْيَانةً، مِن ذاتِ مَحرمٍ. قال: وكان يُشدِّدُ في ذلك

(4)

.

قال ابن جُرَيجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59]. فواجبٌ على الناسِ أجمعينَ إذا احتَلموا أن يَستأذِنوا على مَن كان مِن الناسِ. قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ على الرجلِ أن يَستأذنَ على أمِّه ومَنْ وراءها مِن ذاتِ قرابتِه؟ قال: نعم. قلتُ: [بأيٍّ وَجَبت]

(5)

؟ قال: قولُه: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} (4).

قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرنى ابن زيادٍ، أن صفوانَ مَولًى لبنى زُهْرَةَ، أخبَره عن عطاءِ بن يسارٍ، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أستأذنُ على أمِّى؟ قال: "نعم". قال:

(1)

في ص، ف، وتفسير ابن كثير:"بيتا"، وفى ت 1:"لى".

(2)

أخرجه سنيد الحسين بن داود - كما في التمهيد 16/ 232 - وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 314، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2632، والنحاس في ناسخه ص 594 من طريق عطاء به، وسيأتي ص 354.

(3)

عِرْيَتها: عورتها. اللسان (ع ر ا).

(4)

أخرجه سنيد - كما في التمهيد 16/ 232.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"أتزوجت"، وفى م:"أبروجب". والمثبت مِن التمهيد.

ص: 244

إنها ليس لها خادِمٌ غيرِى، أفأَستأذِنُ عليها كلما دخَلْتُ؟ قال:"أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ ". قال الرجُلُ: لا. قال: "فاستَأذِنْ عليها"

(1)

.

قال ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، قال: سمِعتُ هُزَيْلَ بنَ شُرَحبيلَ الأَوْدِيَّ الأعمى، أنه سَمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: عليكم الإذْنَ على أمهاتِكم

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيَستأذنُ الرجلُ على امرأتِه؟ قال: لا

(3)

.

حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ

(4)

، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، عن ابن أخى زينبَ - امرأةِ ابن مسعودٍ - عن زينبَ، قالت: كان عبدُ اللَّهِ إذا جاء مِن حاجةٍ فانتهَى إلى البابِ، تَنحْنَحَ وبزَق؛ كراهةَ أَن يَهْجُمَ منا على أمرٍ يكرهُه

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} . قال: الاستِئْناسُ التَّنَحنحُ والتَّجَرُّسُ حتى يَعرِفوا أن قد جاءَهم أحدٌ. قال: والتَّجَرُّسُ كلامُه وتَنحنُحُه.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أن يقالَ: إِنَّ الاستئْناسَ الاستفعالُ مِن

(1)

أخرجه مالك 2/ 963 من طريق صفوان به.

(2)

أخرجه سنيد - كما في التمهيد 16/ 232 - عن حجاج به، وأخرجه ابن أبي شيبة 4/ 399، والبيهقى 7/ 97 من طريق الزهرى به، وينظر الأثر المتقدم في ص 242.

(3)

أخرجه سنيد - كما في التمهيد 16/ 232، وذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 40 عن ابن جريج.

(4)

في النسخ: "حازم"، وينظر تهذيب الكمال 25/ 123.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 40، 41 عن المصنف.

ص: 245

الأُنْسِ، وهو أن يَستأذنَ أهلَ البيتِ في الدخولِ عليهم، مُخبِرًا بذلك مَن فيه، وهل فيه أحدٌ، ولِيؤْذِنَهم أنه داخلٌ عليهم، فيَأْنسَ

(1)

إلى إذنِهم له في ذلك، ويأنَسوا إلى استئذانِه إياهم. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: اذهبْ فاستَأنِسْ، هل ترَى أحدًا في الدارِ؟ بمعنى: انظُرْ هل ترَى فيها أحدًا؟

فتأويلُ الكلامِ إذن، إذ

(2)

كان ذلك معناه: يأيُّها الذين آمنوا لا تَدخُلُوا بُيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تُسلِّموا وتستأذِنوا، وذلك أن يقولَ أحدُكم: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ وهو من المقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، إنما هو: حتى تُسلِّموا وتستأذِنُوا. كما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابن عباسٍ.

وقولُه: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} . يقولُ: استِئْناسُكم وتَسليمُكم على أهلِ البيتِ الذي تُريدون دخولَه، فإنَّ دُخولَكموه خيرٌ لكم؛ لأنكم لا تَدرون أنكم إذا دخَلتُموه بغيرِ إذنٍ على ماذا تَهجُمون؛ على ما يسوءُكم أو يَسرُّكم، وأنتم إذا دخَلتم بإذنٍ، لم تَدخلوا على ما تَكرَهون وأدَّيتم بذلك أيضًا حَقَّ اللَّهِ عليكم في الاستئذانِ والسلامِ.

وقولُه: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . يقولُ: لتَتذَكَّروا بفعلِكم ذلك أمْرَ

(3)

اللَّهِ عليكم، واللازمَ لكم من طاعتِه فتطيعوه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)} .

(1)

في م: "فليأنس".

(2)

في م، ت 2:"إذا".

(3)

في م: "أو".

ص: 246

يقول تعالى ذكرُه: فإن لم تَجِدوا في البُيوتِ التي تَستأذنون فيها أحدًا يأذنُ لكم بالدُّخولِ إليها، فلا تَدخلُوها؛ لأنها ليست لكم، فلا يَحِلُّ لكم دُخولُها إلا بإذنِ أربابِها، فإن أذِن لكم أربابُها أن تَدخلُوها، فادخلُوها، {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا}. يقولُ: وإن قال لكم أهلُ البيوتِ التي تَسْتأذنون فيها: ارجِعوا فلا تَدْخُلُوها. فارجِعوا عنها ولا تَدخُلوها، {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}. يقولُ: رُجوعُكم عنها إذا قيل لكم: ارجِعوا. ولم يُؤْذَنْ لكم بالدخولِ فيها، أطهَرُ لكم عندَ اللَّهِ.

وقولُه: {هُوَ} . كنايةٌ مِن اسمِ الفعلِ، أعنى من قولِه:{فَارْجِعُوا} .

وقولُه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ بما تعمَلون؛ مِن رُجوعِكم بعدَ استئذانِكم في بيوتِ غيرِكم إذا قيل لكم: ارجِعوا. وتركِ رجوعِكم عنها، وطاعتِكم اللَّهَ فيما أمَركم ونهاكم في ذلك وغيرِه مِن أمرِه ونهيِه - ذو علمٍ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ جميعَه عليكم، حتى يجازيَكم على جميعِ ذلك.

وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا} . قال: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ، فلا تَدخُلوها إلا بإذنٍ، {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} .

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

(1)

تفسير مجاهد ص 491، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2568، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 39 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 247

مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا الحسينُ

(1)

، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ المُزَنيُّ، عن قَتادةَ، قال: قال رجلٌ مِن المهاجرين: لقد طلَبتُ عمرى كلَّه هذه الآيةَ فما أدركتُها؛ أن أستأذِنَ على بعضِ إخوانى، فيقولَ لى: ارجِعْ. فأَرجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ؛ لقولِه: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}

(2)

.

وهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ في تأويلِ قولِه: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا} . بمعنى: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ - قولٌ بعيدٌ مِن مفهومِ كلامِ العربِ؛ لأن العربَ لا تكادُ تقولُ: ليس بمكانِ كذا أحدٌ. إلا وهى تَعنى: ليس بها أحدٌ مِن بنى آدَمَ. وأما الأمتعةُ وسائرُ الأشياءِ غيرُ بنى آدمَ، ومن كان سبيلُه سبيلَهم، فلا تقولُ ذلك فيها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ليس عليكم أيها الناسُ إثمٌ وحرَجٌ أن تَدخلوا بيوتًا لا ساكنَ بها، بغيرِ استئْذانٍ.

ثم اختلَفوا في ذلك أيَّ البيوتِ عنَى؛ فقال بعضُهم: عنَى بها الخاناتِ والبيوتَ المبنيةَ بالطرُقِ التي ليس بها

(3)

سكانٌ معروفون، وإنما بُنِيت لمارَّةِ الطريقِ والسابلةِ

(4)

ليأوُوا إليها ويُؤْوُوا إليها أمتِعتَهم.

(1)

سقط من: ت 1، ف، وفى ص، م، ت 2، ت 3:"الحسن". وتقدم مرارًا.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 42.

(3)

في ص، ت 2، ف:"لها".

(4)

في ت 1، ف:"السائلة"، وفى ت 2:"العائلة".

ص: 248

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن سالمٍ المكِّيِّ عن محمدِ ابن الحنفيةِ في قولِه:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} . قال: هي الخاناتُ التي تكونُ في الطُّرْقِ

(1)

.

حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مُسلمٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ فَرُّوخَ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: {بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} . قال: هي الخاناتُ تكونُ لأهلِ الأسفارِ

(2)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن وَرقاءَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} . قال: كانوا يَضعون في بيوتٍ في طرقِ

(3)

المدينةِ متاعًا وأقتابًا، فرُخِّص لهم أن يَدخلوها

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} . قال: هي البُيوتُ التي يَنزِلُها السَّفْرُ لا يسكنُها أحدٌ

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2569 من طريق حجاج به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 39، 40 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 40 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

في ت 1: "طريق".

(4)

تفسير مجاهد ص 491، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2569، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 39 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

تفسير عبد الرزاق 2/ 55، 56، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 39 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 249

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} . قال: كانوا يَصنعون، أو يَضعون، بطريقِ المدينةِ أَقْتابًا وأَمتِعةً في بيوتٍ ليس فيها أحدٌ، فأحِلَّ لهم أن يَدخلوها بغيرِ إذنٍ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ

(1)

. بغيرِ شكٍّ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، غيرَ أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ أقتابًا وأمتِعةً.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} : هي البيوتُ التي ليس لها أهلٌ، وهى البيوتُ التي تكونُ بالطرُقِ والخَرِبةِ، {فِيهَا مَتَاعٌ} منفعةٌ للمسافرِ في الشتاءِ والصيفِ، يأوِى إليها

(2)

.

وقال آخرون: هي بيوتُ مكةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن سعيدِ بن سابِقٍ

(3)

، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن سالمٍ، عن

(4)

محمدِ ابن الحنفيَّةِ في: {بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} .

(1)

تفسير مجاهد ص 491.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2569 من طريق جويبر، عن الضحاك بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 40 إلى عبد بن حميد بنحوه.

(3)

في م: "سائق". وينظر تهذيب الكمال 7/ 83، والجرح والتعديل 4/ 30.

(4)

في النسخ: "بن". وتقدم في الصفحة السابقة، وتقدم أيضًا في 9/ 201، 598، 608، 613.

ص: 250

قال: هي بيوتُ مكةَ.

وقال آخرون: هي البيوتُ الخَرِبَةُ، والمتاعُ التي

(1)

قال اللَّهُ فيها لكم، قضاءُ الحاجةِ؛ من الخلاءِ والبولِ فيها.

‌ذكرُ مِن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} . قال: الخلاءُ والبولُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا الحسينُ

(3)

بنُ عيسى بن زيدٍ، عن أبيه في هذه الآيةِ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} . قال: التَّخلِّى في الخرابِ.

وقال آخرون: بل عنَى بذلك بيوتَ التجارِ التي فيها أمتِعةُ الناسِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} . قال: بيوتَ التجارِ، ليس عليكم جناحٌ أن تَدخلوها بغيرِ إذنٍ، الحوانيتَ التي بالقَيْسارياتِ

(4)

والأسواقِ. وقرَأ: {فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} متاعٌ للناسِ، ولبنى آدَمَ

(5)

.

(1)

في م: "الذي".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2570 من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 40 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في النسخ: "حسن"، وينظر الجرح 3/ 60، والمعجم الكبير للطبرانى 17/ 254 (705).

(4)

القيساريات جمع قيسارية، وهى الخان الكبير الذي يشغله التجار والمسافرون، وقد يشتمل على سوق مسقوفة. معجم الألفاظ والألقاب التاريخية ص 357.

(5)

ذكره الطوسى في التبيان 7/ 378، والبغوى في تفسيره 6/ 32.

ص: 251

وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ عمَّ بقولِه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} كلَّ بيتٍ لا ساكنَ به

(1)

، لنا فيه متاعٌ، ندخلُه

(2)

بغيرِ إذنٍ؛ لأنَّ الإذنَ إنما يكونُ ليؤْنَسَ المأذونُ عليه قبلَ الدُّخولِ، أو ليأذَنَ للداخلِ إن

(3)

كان له مالكًا، أو كان فيه ساكنًا. فأما إن كان لا مالكَ له فيُحتاجَ إلى إذنِه لدخولِه، ولا ساكنَ فيه فيَحتاجَ الداخلُ إلى إيناسِه والتسليمِ عليه؛ لئلا يَهْجُمَ على ما لا يُحبُّ رؤيتَه منه - فلا معنَى للاستئذانِ فيه. فإذ كان ذلك، فلا وجهَ لتخصيصِ بعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فكلُّ بيتٍ لا مالكَ له ولا ساكنَ من بيتٍ مبنيٍّ ببعضِ الطُّرقِ للمارَّةِ والسابِلةِ ليَأْوُوا إليه، أو بيتٍ خرابٍ قد باد أهلُه ولا ساكنَ فيه حيثُ كان ذلك، فإن لَمن أراد دخولَه أن يَدخُلَ بغيرِ استِئْذانٍ لمتاعٍ له يؤويه إليه، أو للاستِمتاعِ به لقضاءِ حقِّه؛ مِن بولٍ أو غائطٍ أو غيرِ ذلك. وأما بيوتُ التُّجارِ، فإنه ليس لأحدٍ دخولُها إلا بإذنِ أربابِها وسكانِها.

فإن ظنَّ ظانٌّ أن التاجرَ إذا فتَح دُكَّانَه وقعَد للناسِ فقد أذِن لمَن أراد الدخولَ عليه في دُخولِه، فإنَّ الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه ليس لأحدٍ دخولُ ملكِ غيرِه بغيرِ ضرورةٍ ألجَأتْه إليه، أو بغيرِ سببٍ أباح له دُخولَه إلا بإذنِ ربِّه، لا سيَّما إذا كان فيه متاعٌ، فإن كان التاجرُ قد عُرِف منه أن فتحَه حانوتَه إذنٌ منه لمَن أراد دخولَه في الدخولِ، فذلك بَعْدُ راجعٌ إلى ما قلنا مِن أنه لم يَدخلْه مَن دخلَه إلا بإذنِه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ مِن معنَى قولِه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"له".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

(3)

في ص، ف:"إذ"، وفى ت 2:"إذا".

ص: 252

مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} في شيءٍ، وذلك أن التي وضَع اللَّهُ عنا الجُناحَ في دخولِها بغيرِ إذنٍ مِن البيوتِ، هي ما لم تَكنْ مسكونةً، إذ حانوتُ التاجرِ لا سبيلَ إلى دخولِه إلا بإذنِه، وهو مع ذلك مسكونٌ، فتَبيَّن أنه مما عنَى اللَّهُ مِن هذه الآيةِ بمعزِلٍ.

وقال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: هذه الآيةُ مُستثْناةٌ مِن قولِه: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27].

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} ثم نسَخ واسْتَثنى، فقال:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ}

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِح، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ: هو {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} الآية: فنسَخ مِن ذلك واستَثْنَى، فقال:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ}

(2)

.

وليس في قولِه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} . دَلالةٌ على أنه استِثناءٌ مِن قولِه: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} . لأنَّ قولَه: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} . حكمٌ مِن اللَّهِ في البيوتِ التي

(3)

لها سكانٌ وأَرْبابٌ. وقولَه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} . حكمٌ منه في

(1)

تقدم تخريجه في ص 242.

(2)

ينظر تفسير ابن كثير 6/ 42.

(3)

بعده في ص، ت 1، ف:"ليس".

ص: 253

البيوتِ التي لا سكانَ لها ولا أربابَ معروفون، فكلُّ واحدٍ من الحُكمينِ حكمٌ في معنًى غيرِ معنَى الآخَرِ، وإنما يُستَثْنَى الشئُ مِن الشئِ إذا كان مِن جنسِه أو نَوعِه في الفعلِ أو النفْسِ، فأما إذا لم يكنْ كذلك، فلا معنَى لاستِثْنائِه منه.

وقولُه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يعلمُ ما تُظهرون أيها الناسُ بألسنتِكم، مِن الاستئذانِ إذا استأذنْتُم على أهلِ البيوتِ المسكونةِ، {وَمَا تَكْتُمُونَ}. يقولُ: وما تُضمِرونه في صدوركم عندَ فعلِكم ذلك ما الذي تقصدون به؛ أطاعةَ اللَّهِ والانتهاءَ إلى أمرِه أم غيرَ ذلك؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ} باللَّه وبك يا محمدُ، {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}. يقولُ: يكفُّوا مِن نظَرِهم إلى ما يشتَهُون النظرَ إليه، مما قد نهاهم اللَّهُ عن النظرِ إليه، {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} أن يَراها مَنْ لا يَحِلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم، {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}. يقولُ: فَإِنَّ غضُّها من النظرِ عما لا يَحلُّ النظرُ إليه، وحِفْظَ الفرجِ عن أن يَظهرَ لأبصارِ الناظرين - أطهرُ لهم عندَ اللَّهِ وأفضلُ، {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}. يقولُ: إن اللَّهَ ذو خِبرةٍ بما تصنعون أيها الناسُ، فيما أمَركم به مِن غضِّ أبصارِكم عما أمَركم بالغضِّ عنه، وحفظِ فروجِكم عن إظهارِها لمن

(1)

نهاكم عن إظهارِها له.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"لما".

ص: 254

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} . قال: كلُّ فَرْجٍ ذُكِر حفظُه في القرآنِ فهو مِن الزنى، إلا هذه {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} . فإنه يعنى السِّتْرَ

(1)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} ، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}. قال: يَغُضُّوا أبصارَهم عما يَكرَهُ اللَّهُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} . قال: يَغُضُّ مِن بصرِه أن ينظرَ إلى ما لا يَحلُّ له

(3)

- إذا رأَى ما لا يَحلُّ له غضَّ مِن بصرِه، لا ينظرُ إليه - ولا يستطيعُ أحدٌ أن يَغُضَّ بصرَه كلَّه، إنما قال اللَّهُ:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2571 من طريق أبى جعفر به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 40 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2570 من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 40 إلى ابن المنذر.

(3)

بعده في تفسيره ابن أبي حاتم: "أراد أنه".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2571 من طريق أصْبغ، عن ابن زيد به.

ص: 255

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَقُلْ} له يا محمدُ {لِلْمُؤْمِنَاتِ} مِن أمتِك، {يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ} عما يكرَهُ اللَّهُ النظرَ إليه مما نهاكم عن النظرِ إليه، {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}. يقولُ: ويَحفَظْنَ فروجَهنَّ عن أن يراها مَن لا يَحلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم.

وقولُه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُظْهِرْن للناسِ الذين ليسوا لهنَّ بَمَحْرَمٍ زينتَهنَّ، وهما زينتان؛ إحداهما: ما خَفِى، وذلك كالخَلْخالَين

(1)

والسِّوارَين والقُرْطَين والقلائدِ. والأُخرى: ما ظهَر منها، وذلك مختلَفٌ في المَعنيِّ منه بهذه الآيةِ؛ فكان بعضُهم يقولُ: زينةُ الثيابِ الظاهرةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحوَصِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الزينةُ زينتانِ؛ فالظاهرةُ منها: الثيابُ، وما خَفِى الخَلْخالان والقُرطان والسِّوَاران

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيٍّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: هي الثيابُ

(3)

.

(1)

في م، ت 1، ت 2، ف:"كالخلخال".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 284، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2573 من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 41 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 283، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2574، والطبرانى (9115) من طريق سفيان=

ص: 256

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الثيابُ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.

قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ

(1)

، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه

(2)

.

قال: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الثيابُ

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا بعضُ أصحابِنا؛ إمّا يونسُ وإما غيرُه، عن الحسنِ في قولِه:{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الثيابُ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ:{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الثيابُ. قال أبو إسحاقَ: ألا تَرَى أنه قال: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}

(4)

[الأعراف: 31].

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفضلِ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (1)، عن ابن

= به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 56، والطبرانى (9117)، والحاكم 2/ 397 من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 41 إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(1)

في النسخ: "زيد" وتقدم على الصواب في 11/ 583، وينظر تهذيب الكمال 27/ 129.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2574 من طريق الأعمش به.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 283 من طريق سفيان به.

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 56.

ص: 257

مسعودٍ: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: هو الرِّداءُ

(1)

.

وقال آخَرون: الظاهرُ مِن الزينةِ التي أُبيحَ لها أن تُبدِيَه: الكُحْلُ والخاتَمُ والسِّوارانِ والوجهُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا مسلمٌ المُلائيُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الكُحْلُ والخاتَمُ

(2)

.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه ولم يَذكُرِ ابنَ عباسٍ

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الظاهرُ منها: الكُحْلُ والخدَّان.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الوجهُ والكفُّ

(4)

.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ

(1)

أخرجه الطبراني (9022) من طريق أبى وائل عن ابن مسعود.

(2)

أخرجه البيهقى 2/ 225 من طريق مسلم الملائى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 41 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2575 من طريق عطاء، عن سعيد بن جبير بنحوه.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 284، 285 من طريق سفيان به.

ص: 258

ابن هُرمزَ المكيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الكفَّان والوجهُ

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الكُحْلُ والسِّوَاران والخاتَمُ.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: والزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكحْلُ العينِ، وخِضابُ الكفِّ، والخاتمُ، فهذه تظهرُ في بيتِها لمن دخَل مِن الناسِ عليها

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: المَسَكَتان

(3)

والخاتَمُ والكُحْلُ. قال قتادةُ: وبلَغنى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُخْرِجَ يَدَها إلَّا إلى هَهُنا". وقبَض نصفَ الذراعِ

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 41 إلى المصنف، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2574، والبيهقى 2/ 226 معلقا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2576، وابن عبد البر في التمهيد 16/ 230 من طريق أبى صالح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 42 إلى ابن المنذر.

(3)

المَسَك: الأسورة والخلاخيل من الذَّبل والقرون والعاج واحدته مسَكَة. اللسان (م س ك).

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 56.

ص: 259

رجلٍ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ في قولِه:{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: القُلْبَين

(1)

، والخاتمَ، والكُحْلَ. يعنِى السوارَ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الخاتمُ والمَسَكَةُ.

قال ابن جُرَيجٍ: وقالت عائشةُ: القُلْبُ والفَتْخَةُ

(3)

. قالت عائشةُ: دخَلت عليَّ ابنةُ أخى لأمِّى عبدِ اللَّهِ بن الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فدخَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأعرَض، فقالت عائشةُ: إنها ابنةُ أخى وجاريةٌ. فقال: "إذا عرَكت

(4)

المرأةُ لم يَحِلَّ لها أن تُظْهِرَ إلَّا وجهَها، وإلَّا ما دُون هذا". وقبَض على ذِراعِ نفْسِه، فترَك بينَ قبضَتِه وبينَ الكفِّ مثلَ قبضَةٍ أُخرَى

(5)

. وأشار به أبو عليٍّ.

قال ابن جُرَيجٍ: وقال مجاهدٌ قولَه: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ

(6)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن عامرٍ:{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والثيابُ

(7)

.

(1)

القُلْب: سوار المرأة، على التشبيه بقلب النخل في بياضه. التاج (ق ل ب).

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 56.

(3)

الفَتخَة: حلقة من فضة تلبس في الإصبع كالخاتم. التاج (ف ت خ).

(4)

عرَكت المرأة: حاضت. النهاية 3/ 222.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 42 إلى سنيد والمصنف.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 284 من طريق ليث، عن مجاهد بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2574 من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وزاد فيه:"الثياب".

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 283 من طريق عاصم به.

ص: 260

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . مِن الزينةِ؛ الكُحْلُ والخِضابُ والخاتمُ، هكذا كانوا يقولون، وهذا يَراه الناسُ.

حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبى سلمةَ، قال: سُئِل الأوزاعيُّ عن: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الكفَّين والوجهَ.

حدَّثنا عمرُو بنُ بندقٍ، قال: ثنا مروانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} . قال: الكفُّ والوجهُ

(1)

.

وقال آخرون: عنَى به الوجهَ والثيابَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: قال يونسُ: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال الحسنُ: الوجهُ والثيابُ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الوجهُ والثيابُ.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الوجُه والكفّانِ. يَدخُلُ في ذلك إذا كان كذلك، الكُحْلُ والخاتمُ والسِّوارُ والخِضابُ [والثِّيابُ]

(3)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2574 معلقا، وينظر تفسير ابن كثير 6/ 47.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 284 عن معمر، عن يونس، عن ابن شهاب، عن الحسن.

(3)

سقط من: م.

ص: 261

وإنما قلنا: ذلك أَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن على كلِّ مصلٍّ أن يستُرَ عَورتَه في صلاتِه، وأن للمرأةِ أن تَكْشِفَ وجَهَها وكفَّيْها في صلاتِها، وأن عليها أن تَستُرَ ما عدا ذلك من بدنِها، إلا ما رُوِى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه أباح لها أن تُبديَه مِن ذراعِها إلى قدرِ النصفِ

(1)

. فإذ كان ذلك مِن جميعِهم إجماعًا، كان معلومًا بذلك أن لها أن تُبدىَ مِن بدنِها ما لم يكنْ عورةً كما ذلك للرجالِ؛ لأنَّ ما لم يكنْ عورةً، فغيرُ حرامٍ إظهارُه. وإذا كان لها إظهارُ ذلك، كان معلومًا أنه مما استَثْناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه:{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . لأنَّ كلَّ ذلك ظاهرٌ منها.

وقولُه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولْيُلْقِين خمُرَهن - وهى جمعُ خِمارٍ - على جيوبِهن؛ ليَسْتُرْنَ بذلك شعورَهن وأعناقَهن وقُرْطَهن.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن إبراهيمَ بن نافعٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ} . قال: شَقَقْن البُرُدَ مما يَلِى الحَواشِىَ، فاخْتَمَرْنَ به

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، أن قُرَّةَ بنَ عبدِ الرحمنِ أخبَره، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يَرْحَمُ اللَّهُ النساءَ المهاجراتِ الأُوَلَ، لمّا أنزَلَ اللَّهُ:{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ} شَقَقْن

(1)

تقدم في ص 259، 260.

(2)

أخرجه الحاكم، 2/ 397، والبيهقى 2/ 234 من طريق زيد بن الحباب به، والبخارى (4759)، والنسائى في الكبرى (11363) من طريق إبراهيم بن نافع به.

ص: 262

أَكْثَفَ

(1)

مُرُوطِهن، فاخْتَمَرْن به

(2)

.

وقولُه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُبْدِين زينتَهنَّ التي هي غيرُ ظاهرةٍ، بل الخفيةُ منها؛ وذلك الخَلْخالُ والقُرْطُ والدُّمْلُجُ

(3)

، وما أُمِرَت بتغطيتِه بخمارِها مِن فوقِ الجَيْبِ، وما وراءَ ما أُبِيح لها كشفُه وإبرازُه في الصلاةِ وللأجْنَبِيّين مِن الناسِ، والذراعين إلى فوقِ ذلك - إلا لبعولتِهن.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن إبراهيمَ:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} . قال: هذه ما فوقَ الذراعِ

(4)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ عن طلحةَ، عن إبراهيمَ، قال في هذه الآيةِ:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} . قال: ما فوقَ الجَيْبِ. قال شعبةُ: كتَب به منصورٌ إليَّ، وقرأْتُه عليه.

(1)

في ف: "أكتف". وأكثف، ويروى أكنف: أسترها وأصفقها. النهاية 4/ 153، 206.

(2)

أخرجه أبو داود (4102) من طريق ابن وهب، والطبرانى - كما في الفتح 8/ 489 - من طريق قرة به، وأخرجه البخارى (4758)، وابن المنذر وابن مردويه - كما في الفتح 8/ 489 - ، والبيهقى 7/ 88 من طريق ابن شهاب به.

(3)

الدُّملُج: المعضد من الحُلى. تاج العروس (دملج).

(4)

تفسير سفيان ص 225، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2576 عن منصور، عن إبراهيم، ولم يذكرا طلحة بن مصرف.

ص: 263

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدِ بن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} . قال: تُبْدِى لهؤلاء الرأسَ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} إلى قولِه: {عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} . قال: الزينةُ التي تُبدِيها

(1)

لهؤلاء؛ قُرْطاها وقِلادتُها وسِوَارَاها، فأما خَلْخالَاها ومِعْضَدُها ونحرُها وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن مسعودٍ في قولِه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ} - [{أَو}، {أَو}]

(3)

قال: الطَّوْقَ والقُرْطَيْن.

يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: قلْ للمؤمناتِ الحَرائرِ: لا يُظْهِرْنَ هذه الزينةَ الخفيةَ التي ليست بالظاهرةِ {إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} وهم أزواجُهن، واحدُهم بَعْلٌ، {أَوْ} لـ {آبَائِهِنَّ} ، أو لـ {آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ}. يقولُ: أو لآباءِ أزواجِهن {أَوْ} {أَبْنَائِهِنَّ أَوْ} لـ {أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ} لـ {بَنِي إِخْوَانِهِنَّ} .

ويعنى بقولِه: {أَو} لـ {إِخْوَانِهِنَّ} : أو لإخْوتِهنَّ

(4)

- {أَوْ} لـ {بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} .

{أَوْ نِسَائِهِنّ} . قيل: عُنِى بذلك نساءُ المسلمين.

(1)

في م: "يبدينها".

(2)

جزء من الأثر المتقدم في ص 259.

(3)

سقط من: م.

(4)

في م: "لأخواتهن". وبعده في ص، م، ف:"أو لبنى إخوانهن".

ص: 264

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:{أَوْ نِسَائِهِنَّ} . قال: بلَغَنى أنهن نساءُ المسلمين، لا يَحِلُّ لمسلمةٍ أن تُرِىَ مُشركةً عِرْيتَها

(1)

، إلا أن تكونَ أمَةً لها، فذلك قولُه:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}

(2)

قال: ثنى الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامِ بن الغازِ، عن عُبادةَ بن نُسَيٍّ، أنه كرِه أن تَقْبَلَ

(3)

النصرانيةُ المسلمةَ، أَو تَرَى عَوْرَتَها، ويَتَأَوَّلُ {أَوْ نِسَائِهِنَّ}

(4)

.

قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامٍ، عن عُبادةَ، قال: كتَب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبى عُبيدةَ بن الجرَّاحِ رضي الله عنهما: أما بعدُ، فقد بلَغَنى أن نساءً يَدْخُلْنَ الحَمَّاماتِ، ومعهن نساءُ أهلِ الكتابِ، فامْنَعْ ذلك، وحُلْ دونَه. قال: ثم إن أبا عُبيدةَ قام في ذلك المقامِ مُبْتَهِلًا: اللهم أيُّما امرأةٍ تَدْخُلُ الحمامَ مِن غيرِ علَّةٍ ولا سَقَمٍ، تُرِيدُ البياضَ لوجهِها، فسوِّدْ وجهَها يومَ تَبْيَضُّ الوجوه

(5)

.

وقولُه: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: أو مَمالِيكِهِن، فإنه لا بأسَ عليها أن تُظْهِرَ لهم مِن زينتِها ما تُظْهِرُه لهؤلاء.

(1)

في ت 1: "عدوتها"، وفى ت 2:"عورتها".

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 35 بنحوه.

(3)

قبلت القابلةُ المرأةَ إذا قبلت الولد، أي: تلقته عند الولادة. اللسان (ق ب ل).

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 50.

(5)

أخرجه البيهقى 7/ 95 من طريق عيسى بن يونس به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه، كما في تفسير ابن كثير 6/ 49 - ومن طريقه البيهقى 7/ 95 - من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى ابن المنذر.

ص: 265

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخْبَرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن مَخْلَدٍ التَّميميِّ أنه قال في قولِه:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} . قال: في القراءةِ الأُولى: (أيمانُكم)

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ما مَلَكت أيمانُهن من إماءِ المشركين. كما قد ذكَرنا عن ابن جريجٍ قبلُ، مِن أنه لما قال:{أَوْ نِسَائِهِنَّ} عنَى بهن النساءَ المسلماتِ دونَ المشركاتِ. ثم قال: أو ما ملَكت أيمانُهن مِن الإماءِ المشركاتِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَتَّبِعونكم لطعامٍ يَأْكُلونه عندَكم، ممَّن لا إرْبَ له في النساءِ مِن الرجالِ، ولا حاجةَ به إليهن ولا يُرِيدُهن.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . قال: كان الرجلُ

(2)

يَتْبَعُ الرجلَ في الزمانِ الأولِ، لا يَغارُ عليه، ولا تَرْهَبُ المرأةُ أَن تَضَعَ خمارَها عندَه، وهو الأحمقُ الذي لا حاجةَ له في النساءِ

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى ابن المنذر من قول ابن جريج.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"الرجال".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى المصنف وابن مردويه.

ص: 266

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . فهذا الرجلُ يَتْبَعُ القومَ وهو مُغَفَّلٌ في عقلِه، لا يَكْتَرِثُ للنساءِ، ولا يَشْتَهِيهنَّ، فالزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاء قُرْطاها، وقِلادتُها، وسِوارَاها، وأما خَلْخالاها، ومِعْضَداها، ونَحرُها، وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَوِ التَّابِعِينَ} . قال: هو التابعُ يَتْبَعُك يُصِيبُ مِن طعامِك

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . قال: الذي يُرِيدُ الطعامَ ولا يُرِيدُ النساءَ.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} : الذين لا يُهِمُّهم إلا بطونُهم، ولا يُخافون على النساءِ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2578، والبيهقى 7/ 96 من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى ابن المنذر، وينظر ما تقدم في ص 259، 264.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 57.

(3)

تفسير سفيان ص 225.

(4)

تفسير مجاهد ص 492، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2578، والبيهقى 7/ 96.

ص: 267

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السديُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} . قال: الأَبْلَهُ

(1)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ ليثًا، عن مجاهدٍ في قولِه:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} . قال: هو الأبْلَهُ الذي لا يَعْرِفُ شيئًا مِن النساءِ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . الذي لا إرْبَ له بالنساءِ مثلَ فلانٍ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} . قال: هو الذي لا تَسْتَحْيِى منه النساءُ

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} . قال: مِن تبعِ الرجلِ وحَشَمِه الذي لم يَبْلُغْ إرْبُه أَن يَطَّلِعَ على عورةِ النساءِ

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2578 من طريق عبد الكريم بن أبى أمية، عن مجاهد.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 318 عن ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2578 من طريق ابن علية به.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 319 من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى الفريابى وعبد بن حميد.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 318 عن جرير به، وأخرجه البيهقى 7/ 96 من طريق المغيرة به بنحوه.

ص: 268

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} . قال: الذي لا إرْبَ له في النساءِ.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: المعتوهِ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه:{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . قال: هو الأحمقُ الذي لا هِمَّةَ له بالنساءِ ولا إرْبَ

(2)

.

وبه عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . يقولُ: الأحمقِ الذي ليست له هِمَّةٌ في النساءِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الذي لا حاجةَ له في النساءِ.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} . قال: هو الذي يَتْبَعُ القومَ، حتى كأنه كان منهم، ونشَأ فيهم، وليس يَتْبَعُهم لإرْبةِ نسائِهم، وليس له في نسائِهم إرْبةٌ، وإنما يَتْبَعُهم لإرفاقِهم إياه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجلٌ يَدْخُلُ على أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مُخَنَّتٌ، فكانوا

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 318 عن ابن مهدى به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 58.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 57، 58، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.

ص: 269

يَعُدُّونه مِن غيرِ أُولى الإرْبِة، فدخَل عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عندَ بعضِ نسائِه، وهو يَنْعَتُ امرأةً، فقال: إنها إذا أقْبَلَت أقْبَلَت بأربعٍ، وإذا أدْبَرت أدْبَرت بثمانٍ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " [ألا أَرَى]

(1)

هذا يَعْلَمُ ما ههنا، لا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم". فحجَبوه

(2)

.

حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} . قال: هو المُخَنَّثُ الذي لا يقومُ زُبُّه

(3)

.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} ؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الشامِ، وبعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ:(غيرَ أُولى الإرْبةِ) بنصبِ "غيرِ"

(4)

. ولنصبِ "غيرِ" ههنا وجهان؛ أحدُهما: على القطعِ مِن {التَّابِعِينَ} ؛ لأن {التَّابِعِينَ} معرفةٌ و "غيرُ" نكرةٌ. والآخرُ: على الاستثناءِ، وتوجيهِ "غيرِ" إلى معنى:"إلا"، فكأنه قيل: ["إلا".

وقرَأ غيرُ مَن ذَكَرْتُ]

(5)

بخفضِ {غَيْرِ}

(6)

على أنها نعتٌ لـ {التَّابِعِينَ} ، وجاز نعتُ {التَّابِعِينَ} بـ {غَيْر} ، و "التابعون" معرفةٌ، و "غيرُ" نكرةٌ؛ لأن {التَّابِعِينَ} معرفةٌ غيرُ مؤقَّتةٍ. فتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: أو الذين هذه

(1)

في م: "لا أرى"، وفى ف:"ألا أدرى".

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 57، ومن طريقه مسلم (2181)، والنسائى في الكبرى (9247)، والبيهقى 7/ 96، وأخرجه أبو داود (4107) من طريق معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2579 من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2579 من طريق حفص بن عمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة 4/ 319 من طريق عون، عن عكرمة، بلفظ: الذي لا يقوم إربه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 43 إلى المصنف.

(4)

وهى قراءة ابن عامر وأبى بكر عن عاصم. حجة القراءات ص 496.

(5)

في ص: "من ذكرت غير"، وفى ت 1، ت 2، ف:"من ذكر غير".

(6)

وبها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص 497.

ص: 270

صفتُهم.

والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنَى، مستفيضةٌ القراءةُ بهما في الأمصارِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أنَّ الخفضَ في {غَيْر} أَقوَى في العربيةِ، فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ

و "الإرْبَةُ" الفِعْلَةُ مِن الأَرَبِ؛ مثلُ الجلِسةِ مِن الجُلُوسِ، والمِشيةُ مِن المَشْي، وهى الحاجةُ، يقال: لا أَرَب لى فيك: لا حاجةَ لى فيك. وكذا: أَرِبْتُ لكذا وكذا. إذا احتَجتَ إليه، فأنا آرَبُ له أَرَبًا.

فأما "الأُرْبَةُ" بضمِّ الألفِ، فالعُقْدةُ.

وقولُه: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أو الطفلِ الذين لم يَكْشِفوا عن عَوْراتِ النساءِ بجِماعِهن، فيَظْهَروا عليها

(1)

؛ لصِغَرِهنَّ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} . قال: لم يَدْرُوا ما ثَمَّ؛ من الصِّغَرِ قبلَ الحُلُمِ

(3)

.

(1)

في م: "عليهن".

(2)

كذا في النسخ. والسياق يقتضى: "لصغرهم". ينظر تفسير ابن كثير 6/ 52.

(3)

تفسير مجاهد ص 492 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2579، والبيهقى 7/ 96، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 44 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 271

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجْعَلْنَ في أرجلِهن مِن الحُلِيِّ ما إذا مشَيْن أو حرَّكْنَهن، علِم الناسُ الذين مشَيْن بينَهم ما يُخْفِين مِن ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَميٌّ أن امرأةً اتَّخَذَت بُرَتَيْنِ

(1)

مِن فضةٍ، واتَّخَذَت جَزْعًا

(2)

، فمرَّت على قومٍ، فضرَبَت برجلِها، فوقَع الخَلْخالُ على الجَزْعِ فصوَّت، فأنْزَل اللَّهُ:{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ:{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} . قال: كان في أرجلِهن خَرَزٌ، فكنَّ إذا مرَرْن بالمجالسِ حرَّكْن أرجلَهن ليُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِن زينتهِن

(4)

.

(1)

في ت 1: "ترس"، وفى ت 2:"ترسا". والبُرَة: الخلخال. اللسان (ب ر ى).

(2)

الجَزع: الخَرَز اليمانى. تاج العروس (ج ز ع).

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 44 إلى المصنف.

(4)

تفسير سفيان ص 225، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2580، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 44 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 272

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} : فهو أن تَقْرَعَ الخَلْخالَ بالآخرِ عندَ الرجالِ، أو يكونَ في رجلَيْها خَلاخِلُ، فتُحَرِّكَهن عندَ الرجالِ، فنهَى اللَّهُ سبحانه وتعالى عن ذلك؛ لأنه مِن عملِ الشيطانِ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ:{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} . قال: هو الخَلْخالُ، لا تَضْرِبِ امرأةٌ برجلِها ليُسْمَعَ صوتُ خَلْخالِها

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} . قال: الأجْراسُ مِن حُلِيِّهن يَجْعَلْنها في أرجلِهن، في مكانِ

(3)

الخَلاخلِ، فنَهاهُن اللَّهُ أَن يَضْرِبْن بأرجلِهن لتُسْمَعَ تلك الأجراسُ.

وقولُه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: وارجِعوا أيُّها المؤمنون إلى طاعةِ اللَّهِ فيما أمَركم ونهاكم؛ من غَضِّ البصَرِ، وحفظِ الفرجِ، وتركِ دخولِ بيوتِ غيرِكم

(4)

من غيرِ استئذانٍ ولا تسليمٍ، وغيرِ ذلك من أمرِه ونهيهِ، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. يقولُ: لتفلِحوا وتدرِكوا طَلِباتِكم لديْهِ، إذا أنتم أطعتُموه فيما أمرَكم ونَهاكم.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2579، 2580 من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 44 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 58. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 44 إلى عبد بن حميد.

(3)

سقط من ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(4)

في م: (غير بيوتكم).

ص: 273

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وزوِّجوا أيُّها المؤمنون من لا زوجَ له من أحرارِ رجالِكم ونسائِكم، ومن أهلِ الصلاحِ من عبيدِكم ومماليكِكم وإمائِكم. والأيامَى جمعُ أيِّمٍ، وإنما جمَع الأيّمَ أيامَى؛ لأنها فعيلةٌ في المعنى، فجُمِعت كذلك، كما جُمِعت اليتيمةُ يتامَى، ومنه قولُ جميلٍ

(1)

:

أُحِبُّ الأيامَى إذْ بُثَيْنَةُ أيّمٌ

وأحْبَبْتُ لَمَّا أَنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا

ولو جُمِعت أيائمَ كان صوابًا

(2)

، والأيِّمُ يوصفُ بهِ الذكرُ والأنثى، يقالُ: رجلٌ أيِّمٌ، وامرأةٌ أيِّمٌ وأيِّمةٌ. إذا لم يكنْ لها زوجٌ، ومنه قولُ الشاعرِ

(3)

:

فإنْ تَنْكِحى أنْكِحْ وَإِنْ تَتأَيَّمِى

وإنْ كُنْتُ أفْتَى منكمُ أتَايَّمِ

{إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ} . يقولُ: إن يكنْ هؤلاء الذين تنكِحونهم من أيامَى رجالِكم ونسائِكم وعبيدِكم وإمائِكم أهلَ فاقةٍ وفقرٍ، فإِنَّ اللَّهَ يُغنيهم مِن فضلِه، فلا يمنعْكم فقرُهم من إنكاحِهم.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

(1)

ديوانه ص 139.

(2)

في ت 2: "أصوب".

(3)

البيت بدون عزو في مجاز القرآن 2/ 65، وتفسير القرطبي 12/ 240، وفى اللسان والتاج (أ ى م)،

والشطر الثاني فيهما:

* يد الدهر ما لم تنكحى أتأيم *

ص: 274

قوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} . قال: أَمَر اللهُ سبحانه بالنكاحِ، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوِّجوا أحرارَهم وعبيدَهم، ووعَدهم في ذلك الغِنَى، فقال:{إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنٌ

(2)

أبو الحسنِ، وكان إسماعيلُ بنُ صَبيحٍ مَوْلى هذا، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ الوليد، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: التمِسوا الغنَى في النكاح، يقولُ اللهُ:{إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} . قال: أيامَى النساءِ اللاتي ليس لهنّ أزواجٌ.

وقوله: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ واسعُ الفضل، جوادٌ بعطاياه، فزوِّجوا أياماكم

(4)

، فإنّ الله واسعٌ يوسِّعُ عليهم من فضلِه إن كانوا فقراءَ، {عَلِيمٌ}. يقولُ: هو ذو علمٍ بالفقيرِ منهم والغنيِّ، لا يخفَى عليه حالُ خلقِه في شيءٍ وتدبيرُهم.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وليتعَفَّفِ الَّذِينَ لا يَجِدُون ما ينكحون به النساءَ عن إتيانِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2582 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 44، 45 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص: "حسيس"، وفى ت 1، ف:"حسس"، وفى ت 2:"حشيش".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 45 إلى المصنف.

(4)

في م، ت 1، ف:"إماءكم".

ص: 275

ما حرَّم اللهُ عليهم من الفواحشِ حتى يُغنيَهم اللهُ من سَعَةِ فضلِه، ويوسِّعَ عليهم من رزقِه.

وقولُه: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين يلتمِسون المكاتبةَ منكم مِن مماليكِكم، {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} .

واختلَف أهلُ العلمِ في وجهِ مكاتبةِ الرجلِ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، وهل قولُه:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} على وجهِ الفرضِ، أم هو على وجهِ الندبِ؟ فقال بعضُهم: فرضٌ على الرجلِ أن يكاتبَ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، إذا سأله العبد ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ عليَّ إذا علمِتُ مالًا أن أكاتبَه؟ قال: ما أرَاه إلا واجبًا. وقالها عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أتأثِرُه عن أحدٍ؟ قال: لا

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ سيرينَ أراد أن يكاتبَه، فتلكَّأ عليه، فقال له عمرُ: لتُكاتبنَّه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لا ينبغى لرجلٍ إذا كان عندَه المملوكُ الصالحُ الذي له

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 371، والبيهقى 10/ 319 من طريق ابن جريج به، وينظر الفتح 5/ 185، 186.

(2)

أخرجه البيهقى 10/ 319 من طريق سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 371، 372 من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 45 إلى عبد بن حميد، وقال ابن كثير في تفسيره 6/ 56: إسناده صحيح. وينظر الفتح 5/ 185، 186.

ص: 276

المالُ، يريدُ أن يكاتَبَ، ألَّا يكاتبَه.

وقال آخرون: ذلك غيرُ واجبٍ على السيدِ، وإنما قولُه:{فَكَاتِبُوهُمْ} نَدْبٌ من اللهِ سادةَ العبيدِ إلى كتابةِ من علِم فيه منهم خيرًا، لا إيجابٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: الأمرُ عندَنا أن ليس على سيِّدِ العبدِ أن يكاتبَه إذا سأله ذلك، ولم أسمَعْ بأحدٍ من الأئمةِ أكرَه أحدًا على أن يكاتِبَ عبدَه، وقد سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ إذا سُئِل عن ذلك، فقيل له: إنَّ الله تبارك وتعالى يقولُ في كتابه: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} - يتلو هاتين الآيتين: {وَإِذَا

(1)

حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]. {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]. قال مالكٌ: فإنَّما ذلك أمرٌ أذِن اللهُ فيه للناسِ، وليس بواجبٍ على الناسِ، ولا يلزمُ أحدًا

(2)

.

وقال الثوريُّ: إذا أراد العبدُ من سيِّدِه أن يكاتبَه، فإن شاءَ السيِّدُ أن يكاتبَه كاتبَه، ولا يُجْبَرُ السيدُ على ذلك.

حدَّثني بذلك عليٌّ، عن زيدٍ، عنه

(3)

.

وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: ليس بواجبٍ عليه أن يكاتبَه، إنَّما هذا أمرٌ أذِن اللهُ فيه ودليلٌ

(3)

.

(1)

في النسخ: "فإذا".

(2)

الموطأ 2/ 788.

(3)

ينظر تفسير ابن كثير 6/ 56.

ص: 277

وأولَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: واجبٌ على سيِّد العبدِ أن يكاتِبَه إذا علِم فيه خيرًا وسأله العبدُ الكتابةَ. وذلك أن ظاهرَ قولِه: {فَكَاتِبُوهُمْ} ظاهرُ أمرٍ، وأمرُ اللهِ فرضٌ الانتهاءُ إليه، ما لم يكنْ دليل من كتابٍ أو سنةٍ على أنه ندبٌ؛ لما قد بيَّنا من العلةِ في كتابِنا المسمَّى "البيانُ عن أصولِ الأحكامِ".

وأمَّا الخيرُ

(1)

الذي أمَر اللهُ تعالى ذكرُه عبادَه بكتابةِ عبيدِهم إذا علِموه فيهم، فهو القُدْرةُ على الاحترافِ والكسبِ لأداءِ

(2)

ما كوتِبُوا عليه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ الجزَرِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّه كرِه أن يكاتِبَ مملوكَه إذا لم تكنْ له حرفةٌ، قال: تُطعِمُنى أوساخَ النَّاسِ

(3)

؟

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . يقولُ: إن علمتم لهم حيلةً، ولا تُلقُوا مُؤْنتَهم على المسلمين

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال:[أخبرنا ابن وهبٍ]

(5)

، قال: أخبَرنا أشهبُ، قال: سُئل مالكُ بنُ أنسٍ عن قولِه: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . فقال: إنَّه ليقالُ: الخيرُ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الخبر".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"لأدنى".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 374، والبيهقى 10/ 318 من طريق سفيان به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2583، 2584، والبيهقي 10/ 317 من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 45، 46 إلى ابن المنذر.

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

ص: 278

القوةُ على

(1)

الأداءِ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه قولَ اللهِ:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: الخيرُ القوةُ على ذلك

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علِمتُم فيهم صدقًا ووفاءً وأداءً.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: صدقًا، ووفاءً، وأداءً، وأمانةً

(4)

.

قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ

(5)

بنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ أنَّهما قالا في قولِه:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قالا: مالًا وأمانةً

(6)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: أداءً و

(7)

أمانةً

(8)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ،

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 12/ 245.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2585 عن يونس به.

(4)

أخرجه البيهقى 10/ 318 من طريق يونس به، وهو في تفسيره مجاهد ص 492 من طريق مبارك، عن الحسن.

(5)

بعده في م: "عن".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 200، 201، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2584 من طريق ابن علية به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 5/ 45 - ومن طريقه البيهقى 10/ 318 - من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

(7)

سقط من: ص، ت 1، ت 2.

(8)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2585، والبيهقى 10/ 318 من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.

ص: 279

قال: كان إبراهيم يقولُ في هذه الآيةِ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: صدقًا ووفاءً. أو أحدَهما

(1)

.

حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قوله:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: أداءً ومالًا

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: أحسَبُه كلَّ ذلك؛ المالَ والصلاحَ

(3)

.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: ثنا سفيانُ

(4)

: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . يعني: صدقًا ووفاءً وأمانةً.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: إن علمتَ فيه خيرًا لنفسِك، يؤدِّى إليك ويَصدُقُك ما حدَّثك، فكاتبْه.

وقال آخرون: بل معني ذلك: إنْ علِمتم لهم مالًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . يقولُ: إِنْ علِمتم لهم مالًا.

(1)

تفسير مجاهد ص 492، وأخرجه ابن أبى شيبة 7/ 202، والبيهقى 10/ 318 من طريق المغيرة به.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 201.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 369، 370.

(4)

في ت 1: "الحسين"، وفي ف:"حسين".

ص: 280

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال قال ابن عباسٍ:{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: مالًا

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: مالًا

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: لهم مالًا، فكاتِبوهم.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: إن علِمتم لهم مالًا، كائنةً أخلاقُهم ودينُهم ما كان

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن زَاذانَ، عن عطاءِ بن أبي ربَاحٍ:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} .

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 38، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2584، والبيهقي في سننه 10/ 318 من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 45 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 201 من طريق شعبة به.

(3)

تفسير مجاهد ص 492.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 369، 370، والبيهقى 10/ 318 من طريق ابن جريج به.

ص: 281

قال: مالًا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنْ علِمتم عندَهم. مالًا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرٍو اليافعيُّ، عن ابن جُرَيجٍ، أن عطاءَ بنَ أبي ربَاحٍ كان يقولُ: ما نراه إلا المالَ. يعنى قولَه: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} . قال: ثم تلا: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا}

(2)

[البقرة: 180].

وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في معنى ذلك عندِى قولُ من قال: معناه: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} أي: قوةً على الاحترافِ والاكتسابِ، ووفاءً بما أوْجَبَ على نفسِه وألزمَها، وصدقَ لهجةٍ. وذلك أنَّ هذه المعانىَ هي الأسبابُ التي بمولَى العبدِ الحاجةُ إليها إذا كاتَب عبدَه، مما يكونُ في العبدِ؛ فأَمَّا المالُ وإن كان من الخير، فإنَّه لا يكونُ في العبدِ، وإنَّما يكونُ عندَه أو له، لا فيه، واللهُ إنَّما أوجَبَ علينا مكاتبةَ العبدِ إذا علِمنا فيه خيرًا، لا إذا علِمنا عنده أو لَه، فلذلك لم نقلْ: إنَّ الخيرَ في هذا الموضعِ معنيٌّ به المالُ.

وقولُه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . يقولُ تعالى ذِكْرُه: وأعطُوهم من مالِ اللهِ الذي أعطاكم.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 202 من طريق مالك بن مغول، عن عطاء.

(2)

أخرجه البيهقى 10/ 318 من طريق ابن وهب به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 369، 370 عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 45 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 282

ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في المأمورِ بإعطائِه من مالِ اللهِ الذي أعطاه؛ مَنْ هو؟ وفى المالِ؛ أيُّ الأموالِ هو؟ فقال بعضُهم: الذي أمِرَ بإعطاءِ المكاتَبِ مِن مالِ اللهِ هو مولَى العبدِ المكاتَبِ، ومالُ اللهِ الذي أمِرَ بإعطائِه منه هو مالُ الكِتابةِ، والقدرُ الذي أُمِر أن يعطيَه منه الربُعُ. وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولَى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، قال: ثنا عطاءُ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيُّ، عن عليٍّ في قولِ اللهِ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: ربعُ المكاتبةِ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ

(2)

المحاربيُّ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ في قولِ اللهِ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: ربعُ الكتابةِ يحُطُّها عنه.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ليثٍ، عن عبد الأعلَى، عن أبي عبدِ الرحمن، عن عليٍّ رضي الله عنه في قولِ اللهِ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: الربعُ من أوَّلِ نجومِه

(3)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 375، 376، وفى تفسيره 2/ 58، وسعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 5/ 46 - ومن طريقه البيهقى 10/ 329 من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(2)

في ت 1: "زيد"، وفى ف:"يزيد".

(3)

أي في أول وقت استحقاق رده. وتنجيم الدَّين: هو أن يقرَّر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة مشاهرة =

ص: 283

قال: أخبَرنا ابن عُليَّةَ، قال عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ في قولِه:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: الربعُ من مكاتبِته.

حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ، عن عبدِ الملكِ بن أعينَ، قال: كاتَبَ أبو عبدِ الرحمنِ غلامًا في أربعةِ آلافِ درهمٍ، ثم وضَعَ له الربعَ، ثم قال: لولا أنِّى رأيتُ عليًّا رضوانُ اللهِ عليه كاتَبَ غلامًا له ثم وضَعَ له الربعَ، ما وضعتُ لك شيئًا.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الأعلى، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، أنه كاتَبَ غلامًا له على ألفٍ ومائتين، فترَكَ الربعَ وأشهدَنى، فقال لى: كان صديقُك يفعلُ هذا. يعنى عليًّا رضوانُ اللهِ عليه، يقولُ

(1)

: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ، قال: ثنى فَضالةُ بنُ أبى أميَّةَ، عن أبيه، قال: كاتَبنى عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه، فاستقرَضَ لى من حَفْصةً مائتى درهمٍ. قلتُ: ألَا تجعلُها في مكاتبتي؟ قال: إنِّي لا أدرِى أدرِكُ ذاك أم لا

(3)

؟

= أو مساناة. ينظر النهاية 5/ 24.

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 369 من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2587، والبيهقى 10/ 329 من طريق عبد الأعلى به.

(1)

في م: "يتأول".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 376، والبيهقى 10/ 329 من طريق عبد الأعلى به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 376 من طريق عبد الملك، وأخرجه البيهقى 10/ 330 من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة 6/ 371، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2587 من طريق عكرمة، عن ابن عباس به بلفظ آخر.

ص: 284

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، بلَغنى أنه كاتبَه على مائةِ أوقيةٍ: قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ، قال: ذكرتُ ذلك لعكرِمةَ، فقال: هو قولُ اللهِ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} .

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . يقولُ: ضعُوا عنهم من مكاتبِتهم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . يقولُ: ضَعُوا عنهم مما قاطعتموهم عليه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ بنَ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ في قوله:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: مما أخرَج اللهُ لكم منهم

(2)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: آتِهِم مما في يدَيْك

(3)

.

حدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو العنقزيُّ، قال: ثنى أبي، عن أسباطَ، عن السديِّ، عن أبيه، قال: كاتبتْنى زينبُ بنتُ قيسِ بن مَخْرمةَ، من بنى المطَّلبِ بن عبدِ منافٍ، على عشرةِ آلافٍ، فتركَتْ لى ألفًا، وكانت زينبُ قد صلَّت مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2587، والبيهقي 10/ 330 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 45، 46 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 371، 372 من طريق عبد الملك به.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 372 من طريق ابن إدريس به.

ص: 285

القبلتين جميعًا

(1)

.

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا أبو مسعودٍ الجُرَيْرِيُّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيدٍ مولى أبى أَسِيدٍ، قال: كاتَبنى أبو أَسِيدٍ على ثنتى عشرةَ مائةً، فجئتُه بها، فأخَذ منها ألفًا، وردَّ عليَّ مائتين

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بن المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان ابن عمرَ إذا كاتَب مكاتَبَه، لم يضعْ عنه شيئًا من أوَّلِ نجومه؛ مخافَة أن يعجِزَ فيَرجِعَ إليه صدقتَه، ولكنَّه إذا كان في آخرِ مكاتبِته، وضَع عنه ما أحبَّ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني مَخْرَمةُ، عن أبيه، عن نافعٍ، قال: كاتَبَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ غلامًا له يقالُ له: شرفا. على خمسةٍ وثلاثينَ ألفَ درهمٍ، فوضَعَ من آخرِ كتابتِه خمسةَ آلافٍ، ولم يذكُرْ نافعٌ أنَّه أعطاه شيئًا غيرَ الذي وضَعَ له

(4)

.

قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ: سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: إِنَّ ذلك أن يُكاتبَ الرجلُ غلامَه، ثم يضَعَ عنه من آخر كتابته شيئًا مسمًّى. قال مالكٌ: وذلك أحسنُ ما سمِعتُ، وعلى ذلك أهلُ العلمِ وعملُ الناسِ عندَنا

(5)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 57 عن السدى بنحوه.

(2)

أخرجه البيهقى 10/ 330 من طريق الجريرى به.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 57 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 377 من طريق سالم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 46 إلى ابن المنذر.

(4)

أخرجه البيهقى 10/ 330 من طريق ابن وهب به.

(5)

الموطأ 2/ 788.

ص: 286

[حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ]

(1)

، قال: ثنا سفيانُ: أحبُّ إليَّ

(2)

أن يعطيَه الربُعَ أو أقلَّ منه شيئًا، وليسَ بواجبٍ، وأن يفعلَ ذلك حسنٌ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بن حبيبٍ

(3)

أبى عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ رضي الله عنه:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: هو ربُعُ المكاتبةِ.

وقال آخرون: بل ذلك حضٌّ من اللهِ أهلَ الأموالِ على أن يعطوهم سهمَهم الذي جعله اللهُ لهم من الصدقاتِ المفروضةِ لهم في أموالِهم بقولِه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60]. قال: فالرِّقابُ التي جعَل فيها أحد سُهمانِ الصدقة الثمانيةِ هم المكاتَبون. قال: وإيَّاه عنَى جلَّ ثناؤُه بقوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . أي: سَهْمِهم من الصدقةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن ابن بُرَيْدَةَ

(4)

، عن أبيه

(5)

قولَه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: يَحُبُّ اللهُ عليه، يُعْطُونه

(6)

.

(1)

في ت 2: "حدثنا يزيد قال: ثنا على".

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

بعده في ت 2: "عن".

(4)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"زيد". وهو عبد الله بن بريدة كما في تفسير ابن أبي حاتم، وكما سيأتي التصريح بأنه عبد الله بن بريدة في تفسير الآية (14) سورة التغابن. وينظر تهذيب الكمال 6/ 491.

(5)

بعده في ص: "عن أبيه".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2586 من طريق الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 46 =

ص: 287

حدَّثني يعقوب، قال: ثنى ابن عُلَيةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: حثَّ عليه الناسَ؛ مولاه وغيرَه

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: يُعطِى مكاتَبَه، وغيرُه، حَثَّ الناسَ عليه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه قال في قولِه:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: أمرَ مولاه والناسَ جميعًا أن يُعينوه

(2)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . [قال: أمَر المسلمين أن يُعْطُوهم مما آتاهمُ اللهُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ]

(3)

. قال: ذلك في الزكاةِ على الوُلاةِ، يعطونهم من الزكاةِ، يقولُ اللهُ:{وَفِي الرِّقَابِ}

(4)

.

قال: ثني ابن زيدٍ، عن أبيه:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال:

= إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 46 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 376، 377، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2586 من طريق المغيرة به.

(3)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2586، 2588 عن يونس به.

ص: 288

الفَىْءُ والصدقاتُ. وقَرأ قولَ اللهِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . وقرأ حتى بلَغ: {وَفِي الرِّقَابِ} . فأمرهم اللهُ أن يوفُّوهم

(1)

منه، فليس ذلك من الكتابةِ. قال: وكان أبي يقولُ: ما لَه وللكتابةِ، هو من مالِ اللَّهِ الذي فَرَض له فيها نصيبًا

(2)

.

وأولَى القولينِ بالصوابِ في ذلك عندِى القولُ الثاني، وهو قولُ من قال: عنَى به إيتاءَهم سهمَهم من الصدقةِ المفروضةِ.

وإنَّما قُلنا: ذلك أولى القولينِ؛ لأنَّ قولَه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} أمرٌ من اللهِ تعالى ذِكرُه بإيتاءِ المكاتَبِين من ماله الذي آتَى أهلَ الأموالِ، وأمرُ اللهِ فرضٌ على عبادِه الانتهاءُ إليه، ما لم يخبْرهم أنَّ مراده الندْبُ؛ لِما قد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا. فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ أخبَرنا في كتابِه ولا على لسانِ رسولِه صلى الله عليه وسلم ما أنه نَدْبُ، ففرضٌ واجبٌ. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجةُ قد قامت أنْ لا حقَّ لأحدٍ في مالِ أحدٍ غيرِه منَ المسلمين إِلَّا ما أوجَبه اللهُ لأهلِ سُهمانِ الصدقةِ في أموالِ الأغنياءِ منهم، وكانت الكتابةُ التي يقتضيها سيدُ المكاتَبِ من مكاتَبِه مالًا من مالِ سيدِ المكاتَبِ فيها، فيفادُ أنَّ الحقَّ الذي أوجبَ اللهُ له على المؤمنين أن يؤتُوه من أموالِهم، هو ما فَرَض على الأغنياءِ في أموالِهم له من الصدقةِ المفروضةِ؛ إذ كان لا حقَّ في أموالِهم لأحدٍ سواها.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)} .

(1)

في م: "يوفوها"، وفى ت 2:"يؤتوهم".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2588 من طريق أصبغ عن ابن زيد قوله، وآخره من قول أبيه كما هنا.

ص: 289

يقولُ تعالى ذكرُه: زوَّجُوا الصالحين من عبادِكم وإمائِكم، ولا تُكْرِهُوا إماءَكم {عَلَى الْبِغَاءِ} وهو الزنى، {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}. يقولُ: إن أرَدْنَ تعفُّفًا عن الزنى

(1)

، {لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. يقولُ: لتَلتَمِسوا بإكراهِكم إياهن على الزنى {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . وذلك ما تَعْرِضُ لهم إليه الحاجةُ؛ مِن رِياشِها وزينتِها وأموالِها، {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ}. يقولُ: ومَن يُكْرِهْ فتياتِه على البِغاءِ، فإِن الله مِن بعدِ إكراهِه إياهن على ذلك، لهن

(2)

غفورٌ رحيمٌ، ووِزْرُ ما كان مِن ذلك عليهم دونَهن.

وذُكِر أن هذه الآيةَ أُنْزِلَت في عبدِ اللهِ بن أَبِيٍّ ابْنِ سَلُولَ حِينَ أَكْرَهُ أَمَتَهُ مُسَيْكَةَ على الزني.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَاحِ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: جاءت مُسَيْكةُ لبعضِ الأنصارِ، فقالت: إن سيدى يُكْرِهُنى على الزنى. فنزَلَت في ذلك: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ}

(3)

.

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كانت جاريةٌ لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلُولَ، يقالُ لها: مُسَيْكةُ. فآجَرها، أو أكْرَهها - الطبريُّ يشكُّ

(4)

- فأتَتِ

(1)

في ت 1: "الفحشاء".

(2)

في النسخ: "لهم".

(3)

أخرجه أبو داود (2311)، والنسائى في الكبرى (11365)، والحاكم 2/ 397 من طريق حجاج بن محمد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 46 إلى ابن مردويه.

(4)

في م: "شك".

ص: 290

النبيَّ صلى الله عليه وسلم فشكَت ذلك إليه، فأَنْزَل الله:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : يعني بهن

(1)

.

حدَّثنا أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن الشعبيِّ في قولِه:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} . قال: رجلٌ كانت له جاريةٌ تَفْجُرُ، فلما أَسْلَمَت نزَلَت هذه الآية

(2)

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرنى أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: جاءت جاريةٌ لبعضِ الأنصارِ، فقالت: إن سيدى أكْرَهَنى على البِغاءِ. فأنْزَل اللهُ في ذلك: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} .

قال ابن جريجٍ: وأخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: كانت

(3)

أَمَةٌ لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ، أمَرَها فزنَت، فجاءَت ببُرْدٍ، فقال لها: ارْجِعي فازْنى. فقالت: واللهِ لا أَفْعَلُ، إن يَكُ هذا خيرًا فقد اسْتَكْثَرْتُ منه، وإن يَكُ شرًّا فقد آن لى أن أَدَعَهُ

(4)

.

قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ نحوَ ذلك، وزاد، قال: البغاءُ الزني، وَاللهُ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 375، 376، ومسلم (3029)، والبزار - كما في تفسير ابن كثير 6/ 58 - وأبو يعلى (2304)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2591، والبيهقى 8/ 9 من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 46 إلى الدارقطنى وابن المنذر وابن مردويه.

(2)

سقط من: م.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ف.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 59 من طريق عمرو به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2589 من طريق الحكم عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 46 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

ص: 291

{غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قال: للمُكْرَهاتِ على الزنى، وفيها نزَلَت هذه الآيةُ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، أن رجلًا مِن قريشٍ أُسر يومَ بدرٍ، وكان عبدُ اللهِ بنُ أَبِيٍّ أَسَرَه، وكان لعبدِ اللهِ جاريةٌ يقال لها: مُعاذةُ. فكان القرشيُّ الأسيرُ يُرِيدُها على نفسها، وكانت مسلمةً، فكانت تَمْتَنِعُ منه لإسلامِها، وكان ابن أبيٍّ يُكْرِهُها على ذلك ويَضْرِبُها؛ رجاءَ أن تَحْمِلَ للقرشيِّ فيَطْلُبَ فِداءَ ولدِه، فقال الله:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} . قال الزهريُّ: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . يقولُ: غفورٌ لهنّ ما أُكْرِهْن عليه

(1)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يَقْرَأُ:{فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(2)

.

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} . يقولُ: ولا تُكْرِهوا إماءَكم على الزنى، فإن فعَلْتُم فإن الله سبحانه لهن غفورٌ رحيمٌ، وإثمُهن على مَن أَكْرَهَهُنَّ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} إلى آخرِ الآيةِ. قال:

(1)

تفسير عبد الرزاق، 2/ 59، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2589، 2590، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 47 إلى ابن المنذر.

(2)

وهي كذلك قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله. ينظر تفسير القرطبي 12/ 255.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2589 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 47 إلى ابن المنذر.

ص: 292

كانوا في الجاهليةِ يُكْرِهون إماءَهم على الزنى؛ يَأْخُذون أجورهن، فقال اللهُ: لا تُكْرِهوهن على الزنى مِن أجلِ المنَالةِ في الدنيا، (ومَن يُكْرِهْهن فإن الله مِن بعدِ إكراهِهن غفورٌ رحيمٌ لهن). يعنى: إذا أُكْرِهْنَ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ} . قال

(2)

: إماءَكم، {عَلَى الْبِغَاءِ}: على الزنى. قال: عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سَلُولَ أمر أمةً له بالزنى، فجاءَته بدينارٍ أو ببُرْدٍ - شكٍّ أبو عاصمٍ - فأعْطَته، فقال: ارْجِعي فازني [على آخر]

(3)

. فقالت: واللهِ ما أنا براجعةٍ. واللهُ غفورٌ رحيمٌ للمُكْرَهات على الزنى. ففى هذا أُنْزِلَت هذه الآية.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، إلا أنه قال في حديثِه: أمَر أمَةً له بالزنى، فزنَت، فجاءته ببُرْدٍ فأَعْطَتْه

(4)

. ولم يَشُكَّ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} . يقولُ: على الزنى، {فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: غفورٌ لهن؛ للمُكْرَهاتِ على الزنى.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمَنْ

(1)

في ت 1، ت 2:"أكرههن".

(2)

سقط من: م، ت 1، ف.

(3)

في م: "بآخر".

(4)

تفسير مجاهد ص 492، 493، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2589، 2591، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 47 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

ص: 293

يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ

(1)

}. قال: غفورٌ رحيمٌ لهن حيَن أُكْرِهْنَ، وقُسِرْن على ذلك

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَأْمُرون وَلائدَهم يُباغِين، يَفْعَلْن ذلك، فيُصِبْنَ، فيَأْتِينَهم بكسبهن، فكانت لعبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلُولَ جاريةٌ، فكانت تُباغِى، فكرِهَت وحلَفَت ألا تَفْعَلَه، فأكْرَهها أهلُها، فانْطَلَقت فباغَت ببُرْدٍ أخضرَ، فأتتْهم به، فأنْزَل اللهُ تبارك وتعالى:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} الآية

(3)

.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)} .

يقولُ تعالى ذكره: ولقد أنْزَلْنا إليكم أيها الناسُ دَلالاتٍ وعلاماتٍ، {مُبَيِّنَاتٍ}. يقولُ: مُفَصَّلاتٍ الحقَّ مِن الباطلِ، ومُوَضِّحاتٍ ذلك.

واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: (مُبَيَّنَاتٍ) بفتحِ الياءِ

(4)

، بمعنى: مُفَصَّلاتٍ، وأن اللَّهَ فَصَّلَهن وبيَّنهن لعبادِه، فهن مُفَصَّلاتٌ مُبَيَّنَاتٌ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: {مُبَيِّنَاتٍ} بكسرِ الياءِ

(5)

، بمعنى أن الآياتِ هن تُبَيِّنُ الحقَّ والصوابَ للناسِ وتَهْدِيهم إلى الحقِّ.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ف:

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 59، وعزاه إلى ابن المنذر في تفسيره.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 47 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبى بكر عن عاصم. حجة القراءات ص 498.

(5)

وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.

ص: 294

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، مُتَقارِبنا المعنى، وذلك أن الله إذ فصَّلها وبيَّنها، صارت مُبَيِّنَةٌ بنفسِها الحقَّ لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، وإذا بيَّنَت ذلك لمن الْتَمَسَه مِن قِبَلِها، فبتبيينِ

(1)

اللهِ ذلك فيها، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءِته الصوابَ.

وقولُه: {وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} . [يقولُ: ومثلًا من الذين مضَوا قبلَكم]

(2)

مِن الأممِ، وموعظةً لمن اتَّقَى الله، فخاف عقابَه وخشِى عذابَه.

‌القول في تأويلِ قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)} .

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : هادى مَن في السماواتِ والأرضِ، فهم بنورِه إلى الحقِّ يَهْتَدون، وبهداه مِن حَيْرةِ

(3)

الضَّلالة يَعْتَصِمون.

واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحوَ الذي قلنا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ: اللهُ سبحانَه هادى أهلِ السماواتِ

(1)

في م: "فيبين".

(2)

سقط من: م، ت 1، ف.

(3)

في ت 2: "حيمة".

ص: 295

[وأهلِ]

(1)

الأرضِ

(2)

.

حدَّثني سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ

(3)

الرَّقِّيُّ

(4)

، قال: ثنا وهبُ بنُ راشدٍ، عن فَرْقَدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: إن إلهى يقولُ: نُورى هُداىَ

(5)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: اللهُ مدبِّرُ السماواتِ والأرضِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدُ وابنُ عباسٍ في قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : يُدَبِّرُ الأمر فيهما؛ [نجومَهما وشمسَهما وقمرَهما]

(6)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك النورِ الضياءُ. وقالوا: معنى ذلك: ضياءُ السماواتِ والأرضِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: ثنا أبو جعفرٍ

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2593، والبيهقى في الأسماء والصفات (136) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 48 إلى ابن المنذر.

(3)

في النسخ: "خلدة". وتقدم في 5/ 46، 8/ 163، 723.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"البرقي".

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 60 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 49 إلى المصنف.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"نجومها وشمسها وقمرها".

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 60 عن ابن جريج عن مجاهد وابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 48 إلى المصنف من قول ابن عباس وحده.

ص: 296

الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيٍّ بن كعبٍ في قولِ اللهِ:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . قال: فبدَأ بنورِ نفسِه، فذكَره، ثم ذكَر نورَ المؤمنِ

(1)

.

وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْناه في ذلك؛ لأنه عَقِيبَ قوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور: 34].

فكان ذلك بأن يكونَ خبرًا عن موقعٍ يَقَعُ تنزيلُه مِن خلقِه، ومِن مدح ما ابْتَدَأَ بذكرِ مدحِه، أولى وأشبهُ، ما لم يَأْتِ ما يَدُلُّ على انقضاءِ الخبرِ عنه من غيرِه.

فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: ولقد أَنْزَلْنا إليكم أيُّها الناسُ آياتٍ مبيِّناتٍ الحقَّ من الباطلِ، ومثلًا من الذين خَلَوا من قبلِكم وموعظةً للمتقين، فهدَيْناكم بها، وبيَّنا لكم معالمَ دينِكم بها؛ لأنى هادى أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرضِ. وترَك وصلَ الكلامِ باللامِ، وابْتَدأ الخبرَ عن هدايتِه

(2)

خلقَه ابتداءً، وفيه المعنى الذي ذكَرْتُ؛ استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه مِن ذكرِه، ثم ابْتَدَأ في الخبرِ عن مثلِ هدايتِه خلقَه بالآياتِ المبيناتِ التي أنْزَلها إليهم، فقال:{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} . يقولُ: مَثَلُ ما أنار مِن الحقِّ بهذا التنزيلِ في بيانِه كمِشْكاةٍ.

وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالهاءِ في قولِه: {مَثَلُ نُورِهِ} . علام عائدةٌ، ومِن ذكرِ ما هي؟ فقال بعضُهم: هي مِن ذكرِ المؤمنِ. وقالوا: معنى الكلام: مثلُ نورِ المؤمنِ الذي في قلبِه من الإيمان والقرآنِ مثلُ مشكاةٍ.

(1)

أخرجه الحاكم 2/ 399، 400 من طريق عبيد الله بن موسى به ولم يذكر تفسير الآية، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2593 من طريق أبي جعفر الرازى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 48 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه. وسيفرق المصنف أجزاء منه فيما سيأتي.

(2)

في م: "هداية".

ص: 297

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، [عن أبي العالية]

(1)

، عن أبيٍّ بن كعبٍ في قولِ الله:{مَثَلُ نُورِهِ} . قال: ذكَر نورَ المؤمنِ، فقال:{مَثَلُ نُورِهِ} . يقولُ: مثلُ نورِ المؤمنِ. قال: وكان أُبيٌّ يَقْرَؤُها كذلك: (مثلُ المؤمن). قال: هو المؤمنُ قد جعَل الإيمانَ والقرآنَ في صدرِه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن أبي العاليةِ، عن أبيٍّ بن كعبٍ:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} . قال: بدَأ بنورِ نفسِه، فذكَره، ثم قال:{مَثَلُ نُورِهِ} يقولُ: مثلُ نورِ مَن آمَن به. قال: وكذلك كان يَقْرَأُ أُبيٌّ. قال: هو عبدٌ جعَل اللهُ القرآنَ والإيمانَ في صدرِه.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{مَثَلُ نُورِهِ} . قال: مثلُ نورِ المؤمنِ

(3)

.

حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{مَثَلُ نُورِهِ} . قال: نورِ المؤمنِ.

وقال آخرون: بل عُنِى بالنورِ محمدٌ صلى الله عليه وسلم. وقالوا: الهاءُ التي في قولِه: {مَثَلُ نُورِهِ} . عائدةٌ على اسمِ اللهِ.

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2593، 2594 من طريق أبي جعفر به.

(3)

ينظر تفسير ابن كثير 6/ 61.

ص: 298

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابن عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حدَّثْنى عن قولِ اللهِ عز وجل: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية. فقال كعبٌ: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} : مثلُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم كمشكاةٍ

(1)

.

حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله:{مَثَلُ نُورِهِ} . قال: محمدٍ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك هُدَى اللهِ وبيانُه، وهو القرآنُ. قالوا: والهاءُ مِن ذكرِ اللهِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: اللهُ هادى أهلِ السماواتِ والأرضِ بآياتِه المبيِّناتِ، وهى النورُ الذي اسْتَنار به السماواتُ والأرضُ، مثلُ هداه وآياتِه التي هَدَى بها خلقَه، ووعَظهم بها في قلوبِ المؤمنين - كمشكاةٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{مَثَلُ نُورِهِ} . مثلُ هُداه في قلبِ المؤمنِ

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2596 من طريق شمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 49 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وستأتي بقيته ص 301.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594 من طريق يحيى بن يمان به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594، والبيهقى في الأسماء والصفات (136) من طريق أبى صالح به، وهو تمام الأثر المتقدم في ص 296.

ص: 299

قولِه: {مَثَلُ نُورِهِ} . قال: مثلُ هذا القرآنِ في القلبِ كمشكاةٍ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {مَثَلُ نُورِهِ} : نورِ القرآنِ الذي أنْزَل على رسولِه صلى الله عليه وسلم وعبادِه، هذا مثلُ القرآنِ، {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ}

(2)

.

قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ

(3)

، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ تبارك وتعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} : ونورُه الذي ذكَر القرآنُ، ومَثَلُه الذي ضرَب له

(4)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: مثلُ نورِ اللهِ. وقالوا: يعنى بالنورِ الطاعةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} : وذلك أن اليهودَ قالوا لمحمدٍ: كيف يَخْلُصُ نورُ اللهِ مِن دونِ

(5)

السماء؟ فضرَب اللهُ مثلَ ذلك لنورِه، فقال:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} . قال: وهو مثلٌ ضرَبه اللهُ لطاعتِه، فسمَّى طاعتَه نورًا، ثم سماها أنوارًا شتَّى

(6)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594 من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 49 إلى عبد بن حميد.

(2)

ينظر تفسير البغوي 6/ 49.

(3)

في ت 1، ت 2، ت 3، ف:"عباس". وينظر تهذيب الكمال 15/ 410.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594 عن يونس به.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"نور".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2596 عن محمد بن سعد به، وزاد: وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 48 إلى ابن مردويه.

ص: 300

وقولُه: {كَمِشْكَاةٍ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "المشكاة" و "المصباح"، وما المرادُ بذلك، وبالزجاجةِ؛ فقال بعضُهم: المشكاةُ كلُّ كَوَّةٍ لا مَنْفَذَ لها. وقالوا: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لقلبِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابن عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حدَّثْنى عن قولِ اللهِ: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} . قال: {كَمِشْكَاةٍ}

(1)

، وهى الكَوَّةُ، ضرَبها

(2)

مثلًا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، المشكاةُ {فِيهَا مِصْبَاحٌ} المصباحُ قلبُه، {فِي زُجَاجَةٍ} الزجاجةُ صدرُه، {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} ؛ شبَّه صدرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالكوكبِ الدُّرِّيِّ، ثم رجَع إلى

(3)

المصباحِ إلى قلبِه، فقال:{يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} لم تَمَسَّها شمسُ المشرقِ ولا شمسُ المغربِ، [{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ}: يكادُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم يَبِينُ للناسِ، وإن لم يَتَكَلَّمْ، أنه نبيٌّ، كما يكادُ ذلك الزيتُ يُضِيءُ]

(4)

{وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ}

(5)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَمِشْكَاةٍ} . يقولُ: موضعُ الفَتِيلةِ

(6)

.

(1)

سقط من: ف، وفى م:"المشكاة".

(2)

بعدها في م، ت 2:"الله".

(3)

سقط من: م.

(4)

سقط من: ت 1، ف.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2597، 2599، 2603 من طريق شمر به، وتقدم أوله في ص 299.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2595 من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في ص 296.

ص: 301

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى: {كَمِشْكَاةٍ} . قال: المشكاةُ كَوَّةُ البيتِ

(1)

.

وقال آخرون: عُنِى بالمشكاةِ صدرُ المؤمنِ، وبالمصباحِ القرآنُ والإيمانُ، وبالزجاجةِ قلبُه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ:{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} . قال: مثَلُ المؤمنِ قد جُعِل الإيمان والقرآنُ في صدرِه، {كَمِشْكَاةٍ}. قال: المشكاةُ صدرُه، {فِيهَا مِصْبَاحٌ}. قال: والمصباحُ القرآنُ والإيمانُ الذي جُعِل في صدرِه، {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ}. قال: والزجاجةُ قلبُه، {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَد}. قال: فمثلُه مما استنار فيه القرآن والإيمانُ كأنه {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} . يقولُ: مُضِيءٌ، {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} والشجرةُ المباركةُ أصلُه، المباركةُ: الإخلاص للهِ وحدَه وعبادتُه، لا شريكَ له، {لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ}. قال: فمثلُه مثلُ شجرةٍ الْتَفَّ بها الشجرُ، فهي خضراءُ ناعمةٌ، لا تُصِيبُها الشمسُ على أيِّ حالٍ كانت، لا إذا طلَعَت، ولا إذا غرَبَت، وكذلك هذا المؤمنُ، قد أُجِير من أن يُصِيبَه شيءٌ مِن الغِيَرِ - وقد ابْتُلى بها - فيُثَبِّتُه

(2)

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2596 عن محمد بن سعد به، وتقدم أوله في ص 300.

(2)

في م، ت 1:"فثبته".

ص: 302

اللهُ فيها، فهو بينَ أربعِ خلالٍ؛ إن أُعْطِى شكَر، وإن ابْتُلِى صبَر، وإن حكَم عدَل، وإن قال صدَق، فهو في سائرِ الناسِ كالرجلِ الحيِّ يَمْشِى في قبورِ الأمواتِ، قال:{نُورٌ عَلَى نُورٍ} فهو يَتَقَلَّبُ في خمسةٍ من النورِ؛ فكلامُه نورٌ، وعملُه نورٌ، ومَدْخَلُه نورٌ، ومَخْرَجُه نورٌ، ومصيرُه إلى النورِ يومَ القيامةِ إلى

(1)

الجنةِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني يحيَى بنُ اليَمانِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: المشكاةُ صدرُ المؤمن، {فِيهَا مِصْبَاحٌ}. قال: القرآنُ.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ نحوَ حديثِ عبدِ الأعلى، عن عبيدِ اللهِ.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} . قال: مثلُ هُداه في قلبِ المؤمنِ، كما يَكادُ الزيتُ الصافى يُضِيءُ قبلَ أَن تَمَسَّه النارُ، فإذا مسَّته النارُ ازداد ضوءًا على ضوئه

(3)

، كذلك يكونُ قلبُ المؤمنِ، يَعْمَلُ بالهُدى قبلَ أن يَأْتِيَه العلمُ، فإذا جاءه العلمُ ازْداد هُدًى على هُدًى، ونورًا على نورٍ، كما قال إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه قبلَ أن تَجِيئَه المعرفةُ:{قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76]. حينَ رأَى الكوكبَ، مِن غيرِ أن يُخْبِرَه أحدٌ أن له ربًّا، فلما أخبَره اللهُ أنه ربُّه، ازداد هُدًى على

(1)

في م: "في".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2595 - 2597، 2599، 2603 من طريق عبيد الله بن موسى وغيره عن أبي جعفر به، وتقدم أوله في ص 298.

(3)

في م، ت 1:"ضوء".

ص: 303

هُدًى

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} : وذلك أن اليهودَ قالوا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: كيف يَخْلُصُ نورُ اللهِ مِن دونِ السماءِ؟ فضرَب اللهُ مَثَلَ ذلك لنورِه، فقال:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} . والمشكاةُ كَوَّةُ البيتِ فيها مصباحٌ، {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} . والمصباحُ السِّراجُ يكونُ في الزجاجةِ، وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لطاعتِه، فسمَّى طاعتَه نورًا، وسمَّاها أنواعًا شتَّى. قولَه:{يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: هي شجرةٌ لا يَفِيءُ عليها ظلُّ شرقٍ، ولا ظلُّ غربٍ، ضاحيةٌ، ذلك أصفى الزيتِ

(2)

، {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}

(3)

.

قال معمرٌ: وقال الحسنُ: ليست مِن شجرِ الدنيا، ليست شرقيةً ولا غربيةً

(4)

.

وقال آخرون: هو مَثَلٌ للمؤمنِ، غيرَ أن المصباحَ وما فيه مثلٌ لفؤادِه، والمشكاةَ مثلٌ لجوفِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594، وتقدم أوله في ص 296.

(2)

في م: "للزيت".

(3)

تقدم تخريجه في ص 300، 302.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 60 عن معمر به، وينظر ما سيأتي عن الحسن في ص 312، وينظر الدر المنثور 5/ 49، 50.

ص: 304

قال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ جميعًا: المصباحُ وما فيه مثلُ فؤادِ المؤمن وجوفِه؛ المصباحُ مثلُ الفؤادِ، والكَوَّةُ مثلُ الجوفِ.

قال ابن جريجٍ: {كَمِشْكَاةٍ} : كوةٍ غيرِ نافذةٍ.

قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ قولَه: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} . يعنى: إيمانُ المؤمنِ وعملُه.

وقال آخرون: بل ذلك مثلٌ للقرآنِ في قلبِ المؤمنِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} . قال: ككَوَّةٍ، {فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} : نورِ القرآنِ الذي أنْزَل على رسولِه وعبادِه، فهذا مثلُ القرآنِ، {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ}. فقرَأ حتى بلَغ:{مُبَارَكَةٍ} فهذا مثلُ القرآنِ، يُسْتَضاءُ به في نورِه ويَعْلَمونه ويَأْخُذون به، وهو كما هو، لا يَنْقُصُ، فهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لنورِه. وفى قولِه:{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} . قال: الضوءُ إشراقُ ذلك الزيتِ، والمشكاةُ التي فيها الفَتيلةُ التي في المصباحِ، والقناديلُ تلك المصابيحُ

(2)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594 من طريق ابن علية، وعنده: مثل القرآن في القلب. وهو موطن الشاهد.

(2)

أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594 عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الله بن عياش زيد بن أسلم. وأخرج آخره في 8/ 2602 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 305

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ

(1)

بن عياضٍ في قولِه: {كَمِشْكَاةٍ} . قال: الكَوَّةُ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ في قولِه:{كَمِشْكَاةٍ} . قال: قال ابن عمرَ: المشكاةُ الكَوَّةُ

(3)

.

وقال آخرون: المشكاةُ القنديلُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{كَمِشْكَاةٍ} . قال: القنديلُ، ثم العمودُ الذي فيه القنديلُ

(4)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كَمِشْكَاةٍ} : الصُّفْرُ الذي في جوفِ القِنْديلِ

(5)

.

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن دادَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشكاةُ القنديلُ.

(1)

كذا في النسخ وتغليق التعليق، وفى البخارى وأصول ابن أبي شيبة:(سعد). وينظر ما سيأتي في آية (7) سورة الماعون، وتهذيب الكمال 10/ 293.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 470، والحافظ في التغليق 4/ 264 من طريق أبي إسحاق به، وفيهما: بلسان الحبشة. وينظر فتح البارى 8/ 447.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 49 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2595 من طريق أبي عاصم به.

(5)

تفسير مجاهد ص 493، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2595، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 49 إلى عبد بن حميد.

ص: 306

وقال آخرون: المشكاةُ الحديد الذي يُعَلَّقُ به القِنْديلُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشكاةُ الحدائدُ التي يُعَلَّقُ بها القنديلُ

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك مثلٌ ضرَبه اللهُ للقرآنِ في قلبِ أهلِ الإيمانِ به، فقال: مثلُ نورِ اللهِ الذي أثار به لعباده سبيلَ الرشادِ، الذي أنْزَله إليهم فآمَنوا به وصدَّقوا بما فيه، في قلوبِ المؤمنين - مثلُ مشكاةٍ؛ وهى عمودُ القِنْديلِ الذي فيه الفَتِيلةُ، وذلك هو نظيرُ الكَوَّةِ التي تكونُ في الحِيطانِ التي لا مَنفذَ لها، وإنما جُعِل ذلك العمودُ مشكاةً؛ لأنه غيرُ نافذٍ وهو أجوفُ مفتوحُ الأعلى، فهو كالكَوَّةِ التي في الحائطِ التي لا تُنْفِذُ، ثم قال:{فِيهَا مِصْبَاحٌ} . وهو السِّراجُ، وجَعَل السِّراجَ، وهو المصباحُ، مثلًا لما في قلبِ المؤمنِ مِن القرآنِ والآياتِ المبيِّنَاتِ. ثم قال:{الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} . يعنى أن السراجَ الذي في المشكاةِ في القِنْديلِ، وهو الزجاجةُ، وذلك مثلٌ للقرآنِ. يقولُ: القرآنُ الذي في قلبِ المؤمنِ الذي أنار اللهُ به قلبَه في صدرِه. ثم مثَّل الصدرَ في خُلوصِه مِن الكفرِ باللهِ والشكِّ فيه، واستنارتِه بنورِ القرآنِ، واستضاءتِه بآياتِ ربِّه المبيِّناتِ، ومواعظِه فيها - بالكوكب الدُّرِّيِّ، فقال: الزُّجَاجَةُ. وذلك صدرُ المؤمنِ الذي فيه قلبُه {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} .

واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {دُرِّيٌّ} ؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ:

(1)

في ت 2: "القناديل".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2595 من طريق هشيم به.

ص: 307

{دُرِّيٌّ} بضمِّ الدالِ وتركِ الهمزِ

(1)

.

وقرَأه بعضُ قرأةِ البصرةِ والكوفةِ: (دِرِّئٌ) بكسرِ الدالِ وهمزةٍ

(2)

.

وقرأه بعضُ قرأةِ الكوفةِ: (دُرِّئٌ) بضمِّ الدالِ وهمزةٍ

(3)

.

وكأن الذين ضمُّوا دالَه وترَكوا همزَه، وجَّهوا معناه إلى ما قاله أهلُ التفسيرِ الذين ذكَرْنا عنهم، من أن الزجاجةَ في صفائِها وحسنِها كالدُّرِّ، وأنها منسوبةٌ إليه لذلك مِن نعتِها وصفتِها.

ووجَّه الذين قرَءوا ذلك بكسرِ دالِه وهمزِه، إلى أنه "فِعيِّلٌ"، من دَرَأَ

(4)

الكوكبُ

(5)

. أي: دُفِع

(6)

ورُجِم به الشيطانُ. من قولِه: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} [النور: 8]. أي: يَدْفَعُ. والعربُ تُسَمِّى الكواكبَ العظِامَ التي لا تَعْرِفُ أسماءَها الدَّراريَّ، بغيرِ همزٍ.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ

(7)

يقولُ: هي الدَّرارِيُّ بالهمزِ، مِن: يَدْرَأْنَ.

وأما الذين قرَءوه بضمِّ دالِه وهمزِه، فإن كانوا أرادوا به: دُرُّوءٌ. مثلَ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ. من: درَأْتُ. ثم اسْتَثْقَلوا كثرةَ الضَّمَّاتِ فيه، فصرَفوا

(8)

بعضَها إلى الكسرةِ،

(1)

هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم. حجة القراءات ص 499.

(2)

هي قراءة أبي عمرٍو والكسائي. المصدر السابق.

(3)

هي قراءة حمزة وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.

(4)

في م: "درى"، وفي ت 2:"درء".

(5)

في ت 2: "الكواكب".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"رفع".

(7)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 66.

(8)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

ص: 308

فقالوا: دُرِّئٌ. كما قيل: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8]. وهو فُعُولٌ، مِن: عتَوْتُ عُتُوًّا، ثم حُوِّلت بعضُ ضماتِها إلى الكسرِ، فقيل: عِتِيًّا. فهو مذهبٌ، وإلا فلا أَعْرِفُ لصحةِ قراءتِهم ذلك كذلك وجهًا، وذلك أنه لا يُعْرَفُ في كلامِ العربِ "فُعِّيل". وقد كان بعضُ أهلِ العربية يقولُ: هو لحنٌ

(1)

.

والذي هو أولى القراءاتِ عندى في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرأَ: {دُرِّيٌّ} بضمِّ دالِه وتركِ همزِه، على النسبةِ إلى الدُّرِّ؛ لأن أهلَ التأويلِ بتأويلِ ذلك جاءُوا، وقد ذكَرْنا أقوالَهم في ذلك قبلٌ، ففى ذلك مُكْتَفًى عن الاستشهادِ على صحتِها بغيرِه، فتأويلُ الكلامِ:{الزُّجَاجَةُ} ، وهى صدرُ المؤمنِ، {كَأَنَّهَا}: يعنى كأن الزجاجةَ، وذلك مثلٌ لصدرِ المؤمنِ، {كَوْكَبٌ}. يقولُ: في صفائِها وضيائِها وحسنِها. وإنما يَصِفُ صدرَه بالنقاءِ مِن كلِّ ريبٍ وشكٍّ في أسبابِ الإيمانِ باللهِ، وبعدِه مِن دَنَسِ المعاصى، كالكوكبِ الذي يُشْبِهُ الدُّرَّ في الصفاءِ والضياءِ والحسنِ.

واخْتَلَفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} ؛ فقرأ ذلك بعضُ المكيِّين والمدنيِّين وبعضُ البصريين: (تَوَقَّدَ مِن شجرةٍ) بالتاءِ، وفتحِها، وتشديدِ القافِ، وفتحِ الدالِ

(2)

، وكأنهم وجَّهوا معنى ذلك إلى: توقَّدَ المصباحُ مِن شجرةٍ مباركةٍ.

وقرَأه بعضُ عامةِ قرأةِ المدنيين: {يُوقَدُ} بالياءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعِ الدالِ

(3)

، بمعنى: يُوقَدُ المصباحُ، مَوْقِدُه مِن شجرةٍ. ثم لم يُسَمَّ فاعلُه.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (تُوقَدُ) بضمِّ التاءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعِ

(1)

ينظر تهذيب اللغة 14/ 158، واللسان (د ر أ).

(2)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. حجة القراءات ص 500.

(3)

هي قراءة نافع وابن عامر وحفص. المصدر السابق.

ص: 309

الدالِ

(1)

، بمعنى: تُوقَدُ

(2)

الزجاجةُ، مَوْقِدُها من شجرةٍ مباركةٍ. ثم لم يُسَمَّ فاعلُه، فقيل:(تُوقَدُ).

وقرأه بعض أهلُ مكةَ: (تَوَقَّدُ) بفتحِ التاءِ، وتشديدِ القافِ، وضمِّ الدالِ

(3)

، بمعنى: تَتَوَقَّدُ الزجاجةُ مِن شجرةٍ. ثم أُسْقِطَت إحدى التاءين؛ اكتفاءً بالباقيةِ من الذاهبةِ.

وهذه القراءاتُ متقارباتُ المعانى، وإن اخْتَلَفَت الألفاظُ بها، وذلك أن الزجاجةَ إذا وُصِفَت بالتوقُّدِ، أو بأنها تُوقَدُ، فمعلومٌ معنى ذلك، فإن المرادَ به: تَوَقَّدَ فيها المصباحُ، أو يُوقَدُ فيها المصباحُ. ولكن وجَّهوا الخبرَ إلى أن وصفَها بذلك أقربُ في الكلامِ منها، وفهمِ السامعين معناه والمرادَ منه.

فإذ كان ذلك كذلك، فبأيِّ القراءاتِ

(4)

قرأ القارئُ فمصيبٌ

(5)

، غيرَ أنَّ أعجبَ القراءاتِ إلى أن أَقْرَأَ بها في ذلك:(تَوَقَّدَ) بفتحِ التاءِ، وتشديدِ القافِ، وفتحِ الدالِ، بمعنى وصفِ المصباحِ بالتوقُّد؛ لأنَّ التوقُّدَ والاتِّقادَ لا شكَّ أنهما من صفتِه دونَ الزجاجةِ، فمعنى الكلامِ إذن: كمشكاةٍ فيها مصباحٌ، المصباحٌ مِن دُهْنِ شجرةٍ مباركةٍ؛ زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ.

وقد ذكَرْنا بعضَ ما رُوِى عن بعضِهم من الاختلافِ في ذلك فيما قد مضَى، ونَذْكُرُ باقىَ ما حضَرَنا مما لم نَذْكُرْه قبلُ؛ فقال بعضُهم: إنما قيل لهذه الشجرةِ: لا

(1)

هي قراءة حمزة والكسائي وأبى بكر. حجة القراءات ص 500.

(2)

في م: "يوقد".

(3)

هي قراءة ابن محيصن والحسن. إتحاف فضلاء البشر ص 199.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"القراءتين".

(5)

القراءة الأخيرة التي ذكرها المصنف شاذة لا يُقْرأ بها.

ص: 310

شرقيةٍ ولا غربيةٍ. أي: ليست شرقيةَ وحدَها، حتى لا تُصِيبَها الشمسُ إذا غرَبَت، وإنما لها نصيبُها مِن الشمسِ بالغَداةِ ما دامت بالجانبِ الذي يلى الشرقَ، ثم لا يكونُ لها نصيبٌ منها إذا مالت إلى جانبِ الغربِ، ولا هي غربيةٌ وحدَها فتُصِيبَها الشمسُ بالعَشِيِّ إذا مالت إلى جانبِ الغربِ، ولا تُصِيبُها بالغَداةِ، ولكنها شرقيةٌ غربيةٌ، تَطْلُعُ عليها الشمسُ بالغَداةِ، وتَغْرُبُ عليها، فيُصِيبُها حرُّ الشمسِ بالغداةِ والعشيِّ. قالوا: وإذا كانت كذلك كانت أجودَ لزيتِها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: لا يَسْتُرُها من الشمسِ جبلٌ ولا وادٍ إذا طلَعَت وإذا غرَبَت

(1)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللهِ:{لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: الشجرةُ تكونُ في مكانٍ لا يَسْتُرُها من الشمسِ شيءٌ، تَطْلُعُ عليها وتَغْرُبُ عليها.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ: {لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قالا: هي التي بشِقِّ الجبلِ، التي يُصِيبُها شروقُ الشمسِ وغروبُها، إذا طلَعَت أصابَتْها، وإذا غَرَبَت أصابَتْها

(2)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2600 من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا 8/ 2600 من طرق عن عكرمة بألفاظ أخرى. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 49 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 63 عن مجاهد.

ص: 311

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليست شرقيةً ولا غربيةً.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: هي شجرةٌ وَسْطَ الشجرِ، ليست مِن الشرقِ ولا مِن الغربِ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: مُتَيَامِنةُ الشامِ، لا شرقيٌّ ولا غربيٌّ

(2)

.

وقال آخرون: ليست هذه الشجرةُ مِن شجرِ الدنيا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ:{لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: واللهِ لو كانت في الأرضِ لكانت شرقيةً أو غربيةً، ولكنما هو مثلٌ ضرَبه اللهُ لنورِه

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ - يعنى ابنَ الهيثمِ - قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ:{زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: لو كانت في الأرضِ هذه الزيتونةُ كانت شرقيةً أو غربيةً، ولكن واللهِ ما هي في الأرضِ، وإنما هو مثلٌ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 50 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من قول سعيد بن جبير، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2600 من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 12/ 259 عن ابن زيدٍ، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2602 من طريق أسامة بن زيد، عن أبيه زيدٍ بلفظ: الشام.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2601، 2602 من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 50 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 312

ضرَبه اللهُ لنورِه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} . قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ، ولو كانت هذه الشجرةُ في الدنيا، لكانت إما شرقيةً وإما غربيةً.

[وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ ذلك قولُ من قال: إنها شرقيةٌ غربيةٌ]

(1)

. وقال: معنى الكلامِ: ليست شرقيةً تَطْلُعُ عليها الشمسُ العشيَّ

(2)

دونَ الغَداةِ، ولكنَّ الشمسَ تُشْرقُ عليها وتَغْرُبُ، فهي شرقيةٌ غربيةٌ.

وإنما قلْنا: ذلك أولى بمعنى الكلامِ؛ لأن الله إنما وصَف الزيتَ الذي يُوقَدُ على هذا المصباحِ بالصفاءِ والجودةِ، فإذا كان شجرُه شرقيًّا غربيًّا، كان زيتُه لا شكَّ أجودَ وأصْفَى وأَضْوَأَ.

وقولُه: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يكادُ زيتُ هذه الزيتونةِ يُضِيءُ من صفائِه وحسنِ ضيائِه، {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}. يقولُ: فكيف إذا مسَّته النارُ!

وإنما أُريد بقولِه: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} . أن هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ، وأنه كلامُه، فجُعِل مَثَلُه ومثلُ كونِه مِن عندِه، مثلَ المصباحِ الذي يُوقَدُ مِن الشجرةِ المباركةِ التي وصفَها جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ.

وعُنِى بقولِه: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} . أن حُجَجَ اللهِ تعالى ذكرُه على خلقِه تكادُ من بيانِها ووضوحِها تُضِيءُ لمن فكَّر فيها ونظَر، أو أعْرَض عنها ولَهَا، {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}. يقولُ: ولو لم يَزِدْها اللهُ بيانا ووضوحًا بإنزالِه هذا القرآنَ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

في م: "بالعشى".

ص: 313

إليهم، مُنَبِّهًا لهم على توحيدِه، فكيف إذا نبَّههم به، وذكَّرهم بآياتِه، فزادهم به حجةً إلى حُججِه عليهم قبلَ ذلك! فذلك بيانٌ مِن اللهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذي كان قد وصَفه

(1)

لهم ونصَبه قبلَ نزولِه.

وقولُه: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} . يعنى النارَ على هذا الزيتِ الذي يكادُ يُضِيءُ ولو لم تَمْسَسْه النارُ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{نُورٌ عَلَى نُورٍ} . قال: النارُ على الزيتِ

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وهو عندى - كما ذكَرْتُ - مَثَلُ القرآنِ. ويعنى بقولِه: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} : هذا القرآنُ نورٌ مِن عندِ اللهِ، أَنْزَله إلى خلقه يَسْتَضِيئون به. {عَلَى نُورٍ}: على الحججِ والبيانِ الذي قد نصَبَه لهم قبل مجيءِ القرآنِ وإنزالِه إياه، مما يَدُلُّ على حقيقةِ وحدانيتِه، فذلك بيانٌ مِن اللهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذي كان وصَفه

(1)

لهم ونصَبَه قبلَ نزولِه.

وذُكر عن زيدٍ بنُ أسلمَ في ذلك ما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ

(3)

، قال: قال زيدُ بنُ أَسْلَمَ في قولِه: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} : يُضِيءُ بعضُه بعضًا، يعني: القرآنُ

(4)

.

وقولُه: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يُوَفِّقُ اللهُ لاتِّباعِ

(1)

في م: "وضعه".

(2)

تفسير مجاهد ص 493، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2603.

(3)

في ت 1، ت 2:"عباس".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2594 عن يونس به.

ص: 314

نورِه، وهو هذا القرآنُ، مَن يَشَاءُ مِن عِبادِه.

وقولُه: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} . يقولُ: ويُمَثِّلُ اللهُ الأمثالَ والأشباهَ للناسِ، كما مثَّل لهم مَثَلَ هذا القرآنِ في قلب المؤمنِ بالمصباحِ في المشكاةِ، وسائرِ ما في هذه الآيةِ مِن الأمثالِ، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. يقولُ: واللهُ بضربِ الأمثالِ وغيرِها مِن الأشياءِ كلِّها ذو علمٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)} .

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} : اللهُ نورُ السماواتِ والأرضِ، مَثَلُ نورِه كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في بيوتٍ أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المشكاةُ التي فيها الفَتِيلَةُ التي فيها المصباحُ. قال: المصابيحُ في بيوتٍ أذِنِ اللهُ أَن تُرْفَعَ

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: قد يَحْتَمِلُ أن تكونَ "في" مِنْ صلةِ {يُوقَدُ} فيكونَ المعنى: يُوقدُ مِن شجرةٍ مُبارَكة، ذلك المصباحُ في بيوتٍ أَذِن اللهُ أن تُرفَعَ.

وعَنَى بالبيوتِ المساجدَ.

وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم بالذي قُلْنا في ذلك.

(1)

ذكره الطوسى في التبيان 7/ 389 بلفظ: المصابيح في بيوت.

ص: 315

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قالا: ثنا حَكَّامٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِ اللهِ:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . قال: المساجدُ

(1)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} : وهى المساجدُ تُكْرَمُ

(2)

، ونُهى عن اللَّغْوِ فيها

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} : يعنى كلَّ مسجدٍ يُصَلَّى فيه؛ جامعٍ أو غيرِه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . قال: مساجدُ تُبْنَى.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2604 معلقًا.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"كره".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2604 من طريق أبي صالح به.

(4)

تفسير مجاهد ص 493، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2605، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 50 إلى عبد بن حميد.

ص: 316

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . قال: في المساجدِ

(1)

.

قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: أدركتُ أصحابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: المساجدُ بيوتُ اللهِ، وإنه حقٌّ على اللهِ أن يُكْرِمَ مَنْ زارَه فيها

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن [سالمِ بن عمرَ]

(3)

في قولِه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . قال: هي المساجدُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . قال: المساجدُ.

وقال آخرون: عَنَى بذلك البيوتَ كلَّها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قالا: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ

(4)

، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن عكرمةَ:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . قال: هي البيوتُ كلُّها

(5)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 60، 61.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 61.

(3)

في ت 2: "مسلم بن عمير". ولم نجد لسالم بن عمر ترجمة، ولا يصح أن تكون العبارة: سالم عن ابن عمر. لأن ابن المبارك ولد سنة ثمان عشرة ومائة، وتوفى سالم سنة خمس ومائة. فالله أعلم. وينظر ما سيأتي في ص 322.

(4)

في ت 1، ف:"سالم"، وفي ت 2:"مسلم".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2604، 2605 من طريق محمد بن سوقة، عن عكرمة.

ص: 317

وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخترْناه في ذلك؛ لدَلالةِ قولِه: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} . على أنها بيوتٌ بُنِيَتْ للصلاةِ، فلذلك قُلْنا: هي المساجدُ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} ، فقال بعضُهم: معناه: أذِن اللهُ أن تُبْنَى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . قال: تُبْنَى

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: معناه: أذِن اللهُ أن تُعَظَّمَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} . يقولُ: أن تُعَظَّمَ لِذِكْرِه

(2)

.

وأوْلَى القولَيْن في ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي قاله مجاهدٌ، وهو أن معناه: أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ بناءً. كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ

(1)

تفسير مجاهد ص 493، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 50 إلى عبد بن حميد.

(2)

تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

ص: 318

الْبَيْتِ} [البقرة: 127]. وذلك أن ذلك هو الأَغْلَبُ مِن معنى الرَّفْعِ في البيوتِ والأبْنيَةِ.

وقولُه: {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} . يقولُ: وأذِن لعبادِه أن يَذْكُروا اسمَه فيها. وقد قِيلَ: عَنَى به أنه أذِن لهم بتلاوةِ القرآنِ فيها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} . يقولُ: يُتْلَى فيها كتابُه

(1)

.

وهذا القولُ قريبُ المعنى مما قُلْناه في ذلك؛ لأن تلاوةَ كتابِ اللهِ مِن معاني ذكرِ اللهِ، غير أن الذي قلنا به أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، فلذلك اخْتَرْنا القولَ به.

وقولُه: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} . اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {يُسَبِّحُ لَهُ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {يُسَبِّحُ لَهُ} بضَمِّ الياءِ وكسرِ الباءِ

(2)

، بمعنى: يُصَلِّي له فيها رجالٌ، وبجَعْلِ {يُسَبِّحُ} فِعْلًا لـ "الرجالِ" وخبرًا عنهم، ويُرْفَعُ به "الرجالُ"، سوى عاصمٍ

(3)

وابنِ عامرٍ، فإنهما قَرَأا ذلك:(يُسَبَّحُ له) بضمِّ الياءِ وفتحِ الباءِ، على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ثم يَرْفَعان "الرجالَ" بخبرٍ ثانٍ مُضْمَرٍ، كأنهما أرادا: يُسَبَّحُ اللهِ في البيوتِ التي أذِن اللهُ أن تُرْفَعَ، يُسبَّحُ له رجالٌ. فرَفَعا الرجالَ بفِعْلٍ مُضْمَرٍ.

والقراءةُ التي هي أَوْلاهما بالصوابِ قراءةُ مَن كسَر الباءَ، وجعَله خبرًا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2606 من طريق عبد الله به.

(2)

وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 456.

(3)

في رواية أبي بكر.

ص: 319

لـ "الرجالِ" وفِعلًا لهم. وإنما كان الاختيارُ رفعَ "الرجالِ" بمُضْمَرٍ مِن الفعلِ لو كان الخبرُ عن "البيوتِ" لا يَتِمُّ إلا بقولِه: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} . فأمَّا والخبرُ عنها دونَ ذلك تامٌّ، فلا وجهَ لتوجيهِ قولِه:{يُسَبِّحُ لَهُ} إلى غيره؛ إلى غيرِ الخبرِ عن الرجالِ.

وعَنَى بقولِه: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} : يُصَلَّى له في هذه البيوتِ بالغَدَوَاتِ والعَشِيَّاتِ رجالٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأَزْدَيُّ، قال: ثنا المُعافَى بنُ عِمرانَ، عن سفيانَ، عن عمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ تسبيحٍ في القرآنِ فهو صلاةٌ

(1)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} . يقولُ: يُصَلِّي له فيها بالغَداةِ والعَشِيِّ، يعنى بالغُدُوِّ صلاةَ الغَداةِ، ويعنى بالآصالِ صلاةَ العصرِ، وهما أَوَّلُ ما افْتَرَض اللهُ مِن الصلاةِ، فأَحَبَّ أن يَذْكُرَهما، ويُذَكِّرَ [بهما عبادَه]

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ:

(1)

أخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف 3/ 180 - والضياء في المختارة (335) من طريق المعافى به، وأخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 239 - من طريق عمار به.

(2)

في ص، ت 2، ف:"بها عبادته"، وفى م:"بهما عبادته". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2606 من طريق عبد الله بن صالح به.

ص: 320

{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ} : أذِن اللهُ أن تُبْنَى، [فيُصَلَّى له]

(1)

فيها بالغدوِّ والآصالِ

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينُ، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ في قوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} : يعنى الصلاةَ المفروضةَ.

وقولُه: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَشْغَلُ هؤلاء الرجالَ الذين يُصَلُّون في هذه المساجدِ التي أذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ، عن ذكرِ اللهِ فيها وإقامِ الصلاةِ - تجارةٌ ولا بيعٌ.

كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن سعيدِ بن أبي الحسنِ، عن رجلٍ نَسِيَ اسمَه، في هذه الآيةِ:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} . إلى قولِه: {وَالْأَبْصَارُ} قال: هم قومٌ في تِجاراتِهم وبُيُوعِهم، لا تُلْهِيهم تجاراتُهم ولا بيوعُهم عن ذكرِ اللهِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن سالمِ بن عبدِ اللهِ، أنه نظَر إلى قومٍ مِن السوقِ قاموا وترَكوا بيَاعاتِهم

(4)

إلى الصلاةِ، فقال: هؤلاء الذين ذكَر اللهُ في كتابِه: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ

(1)

في ص، ت 2، ف:"يصلى له"، وفى م:"يصلى"، وفى تفسير عبد الرزاق:"ويصلى له".

(2)

تقدم تخريجه في ص 317.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2608 من طريق عوف، عن سعيد بن أبي الحسن قوله.

(4)

البِياعَة: السِّلْعَة. والجمع بِيَاعات. تاج العروس (ب ي ع).

ص: 321

اللَّهِ} الآية

(1)

.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابن مسعودٍ نحوَ ذلك

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سَيَّارٍ، قال: حُدِّثْتُ عن ابن مسعودٍ أنه رأَى قومًا مِن أهلِ السوقِ حيثُ نُودِيَ بالصلاةِ، تركوا بِياعاتِهم، ونَهَضُوا إلى الصلاةِ، فقال عبدُ اللهِ: هؤلاء مِن الذين ذكَر اللهُ في كتابِه: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} .

وقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تُلْهِيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن صلاتِهم المفروضةِ عليهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} . يقولُ: عن الصلاةِ المكتوبةِ

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2608 من طريق جعفر بن سليمان به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 61 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2607 - عن جعفر، عن سالم، عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 52 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من قول ابن عمر.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 5/ 52 - ومن طريقه الطبراني (9079)، والبيهقي في الشعب (2917)، عن هشيم به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2608 من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 52 إلى عبد بن حميد.

ص: 322

وقولُه: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} . يقولُ: ولا يَشْغَلُهم ذلك أيضًا عن إقامِ الصلاةِ بحدُودِها في أوقاتِها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى الحسنُ، عن رجلٍ نَسِيَ عوفٌ اسمَه، في:{وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} . قال: يَقُومون للصلاةِ عندَ مَواقيتِ الصلاةِ

(1)

.

فإن قال قائلٌ: أوَ ليس قولُه: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} مَصْدَرًا مِن قولِه: أَقَمْتُ؟ قِيلَ: بلى. فإن قال: أو ليس المصدرُ منه: إقامةً. كالمصدرِ مِن: أجَرتُ: إجارةً. قِيلَ: بلى. فإن قال: وكيف قال: {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} ، أوَ تُجِيزُ أن يقالَ

(2)

: أقمتُ إقامًا؟ قيل: لا

(3)

، ولكنِّى أُجِيزُ: أَعْجَبَنى إقامُ الصلاةِ. فإن قِيل: وما وجهُ جَوازِ ذلك؟ قيل: إنّ الحُكْمَ في "أقمتُ" إذا جُعِل منه مصدرٌ، أن يقالَ: إقوامًا. كما يُقالُ: أَقْعَدتُ فُلانًا إقعادًا، وأعطيتُه إعطاءً. ولكنَّ العربَ لَمَّا سَكَّنتِ الواوَ مِن "أقمتُ"، فَسَقَطَتْ لاجْتماعِها وهى وهى ساكنةٌ والميمَ وهى ساكنةٌ، بَنوُا المصدرَ على ذلك، إذ جاءتِ الواوُ ساكنةٌ قَبْلَ أَلِفِ الإِفْعالِ وهى ساكنةٌ، فسَقَطَتِ الأولى منهما، فأبْدَلوا منها هاءً في آخِرِ الحرفِ؛ كالتَّكْثير للحرفِ، كما

(1)

تقدم تخريجه في ص 321.

(2)

في م: "نقول".

(3)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 323

فَعَلوا ذلك في قولِهم: وَعَدْتُه عِدَةً، ووَزَنْتُه زِنَةٌ. إذ

(1)

ذَهَبَتِ الواوُ مِن أَوَّلِه، كَثَّروه من آخرِه بالهاءِ، فلَمَّا أُضِيفَتِ الإقامةُ إلى الصلاةٍ، حذَفوا الزيادةَ التي كانوا زادوها للتكثيرِ، وهى الهاءُ في آخِرِها؛ لأن الخافِضَ وما خَفَض عندَهم كالحرفِ الواحدِ، فاسْتَغْنَوا بالمضافِ إليه مِن الحرفِ الزائدِ. وقد قال بعضُهم في نظيرِ ذلك

(2)

:

إن الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا

وأَخْلَفوك عِدَ

(3)

الأمرِ الذي وَعَدُوا

يُريدُ: عِدَةَ الأمرِ. فأَسْقَط الهاءَ مِن "العِدَةِ" لمَّا أضافَها، فكذلك ذلك في {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} .

وقولُه: {وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} . قيلَ: معنى ذلك: وإخلاصِ الطاعةِ للهِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43، 83، 110، النساء: 77، النور: 56، المزمل: 20]، {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم: 55]. وقولَه: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم: 31]. وقولَه: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: 21]. وقولَه: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً} [مريم: 13]. ونحوَ هذا في القرآنِ. قال: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ

(1)

في ت 2: "إذا".

(2)

اللسان (غ ل ب، و ع د، خ ل ط)، ونسبه في الموضع الأول إلى الفضل بن العباس بن عتبة اللِّهْبِي.

(3)

في ص، ت 1، ف:"عدا"، وفى ت 2:"عن". ورسمها في اللسان (غ ل ب)"عدا"، وفى (خ ل ط)، (وع (5) رسمها "عدى"، وذكر في (و ع د) قول الفراء: ويكتب بالياء.

ص: 324

والإخلاصَ

(1)

.

وقولُه: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} . يقولُ: يخافون يومًا تتقَلَّبُ فيه القلوبُ مِن هَوْلِه، بينَ طمعٍ بالنجاةِ، وحَذَرٍ بالهلاكِ، {وَالْأَبْصَارُ}: أيَّ ناحيةٍ يُؤْخَذُ بهم؛ أذاتَ اليمينِ أم ذاتَ الشمالِ؟ ومِن أينَ يُؤْتَوْن كُتُبَهم؛ أمِن قِبَلِ الأَيْمانِ أم مِن قِبَلِ الشَّمَائِل؟ وذلك يومُ القيامةِ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ: قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} إلى قولِه: {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} : يومُ القيامةِ

(2)

.

وقولُه: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} . يقولُ: فَعَلوا ذلك، يعنى أنهم لم تُلْهِهِم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ، وأقاموا الصلاةَ، وآتَوُا الزكاةَ، وأطاعوا ربَّهم، مَخَافَةَ عذابِه يومَ القيامةِ؛ كى يثُيبَهم اللهُ يومَ القيامةِ بأحسنِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا، ويَزيدَهم على ثوابِه إياهم على أحسنِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا من فَضْلِه، فيَتَفَضَّلَ

(3)

عليهم مِن عنده بما أحَبَّ مِن كرامتِه لهم.

وقولُه: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ يَتَفَضَّلُ على من شاءَ وأراد؛ مِن طَوْلِه وكرامتِه، مما لم يَسْتَحِقَّه بعملِه، ولم يَبْلُغْه بطاعتِه، {بِغَيْرِ حِسَابٍ}. يقولُ: بغيرِ مُحَاسَبَةٍ على ما بذَل له وأعْطاه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2609 من طريق عبد الله به، وتقدم في 11/ 659.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2609 عن يونس به.

(3)

في م: "فيفضل".

ص: 325

الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)}.

وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لأعمالِ أهلِ الكفرِ به، فقال: والذين جَحَدوا توحيدَ ربِّهم، وكذَّبوا بهذا القرآنِ وبمَن جاء به، مَثَلُ أعمالِهم التي عمِلوها {كَسَرَابٍ}. يقولُ: مِثْلُ سرابٍ.

والسرابُ: ما لَصِقَ بالأرضِ، وذلك يكونُ نِصْفَ النهارِ، وحينَ يَشْتَدُّ الحرُّ.

والآلُ: ما كان كالماءِ بينَ السماءِ والأرضِ، وذلك يكونُ أَوّلَ النهارِ، يَرْفَعُ كُلَّ شيءٍ ضُحًى.

وقولُه: {بِقِيعَةٍ} . وهى جمع قاعٍ، كالجِيرَةِ جمعُ جارٍ. والقاعُ: ما انْبَسَط من الأرضِ واتَّسع. وفيه يكونُ السرابُ.

وقولُه: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} . يقولُ: يَظُنُّ العَطْشَانُ مِن الناسِ السرابَ ماءً، {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ} والهاءُ من ذكْرِ "السرابِ". والمعنى: حتى إذا جاءَ الظمآنُ السرابَ، مُلْتَمِسًا ماءً يَسْتَغِيتُ به مِن عطشِه، {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}. يقولُ: لم يَجِدِ السرابَ شيئًا، فكذلك الكافرون باللهِ؛ مِن أعمالِهم التي عمِلوها، في غُرُورٍ، يَحْسَبون أنها مُنَجِّيَتُهم عندَ اللهِ مِن عذابِه، كما حَسِب الظمآنُ الذي رَأى السرابِ، فظَنَّه ماءً يَرْوِيه مِن ظَمَئِه، حتى إذا هَلَك وصار إلى الحاجةِ إلى عملِه الذي كان يَرَى أنه نافِعُه عندَ اللهِ، لم يَجِدْهُ يَنْفَعُه شيئًا؛ لأنه كان عَمِلَه على كفرٍ باللهِ، {وَوَجَدَ اللَّهَ} هذا الكافرُ، عندَ هلاكِه بالمِرْصَادِ، {فَوَفَّاهُ} يومَ القيامةِ حسابَ أعمالِه التي عمِلها في الدنيا، وجازاه بها جزاءَه الذي يَسْتَحِقُه عليها منه.

ص: 326

فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيلَ: {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} . فإن لم يَكُنِ السرابُ شيئًا، فعلامَ أُدْخِلَت الهاءُ في قولِه:{حَتَّى إِذَا جَاءَهُ} ؟

قيل: إنه شيءٌ يُرَى مِن بعيدٍ كالضَّبابِ الذي يُرَى كَثيفًا مِن بعيدٍ، والهَبَاءِ، فإذا قَرُب منه المرءُ رَقَّ وصار كالهواءِ.

وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: حتى إذا جاء موضعَ السرابِ لم يَجِدِ السرابَ شيئًا. فاكتفى بذكرِ "السرابِ" من ذكرِ موضعِه.

{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . يقولُ: واللهُ سريعٌ حسابُه؛ لأنه تعالى ذكرُه لا يَحتاجُ إلى عَقْدِ أصابعَ، ولا حفظٍ بقلبٍ، ولكنه عالمٌ بذلك كلِّه، قبلَ أن يَعْمَلَه العبدُ، ومن بعدِ ما عمِله.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ، قال: ثم ضرَب مثلًا آخرَ، فقال:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} . قال: وكذلك الكافرُ يَجِيءُ يومَ القيامةِ، وهو يَحْسَبُ أن له عند اللهِ خيرًا، فلا يَجِدُ، فيُدْخِلُه النارَ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ بنحوِه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2610 من طريق عبيد الله بن موسى به، وتقدم أوله في ص 297.

ص: 327

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} . يقولُ: الأرضِ المستويةِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} إلى قولِه: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . قال: هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لرجلٍ عطِش فاشْتَدَّ عطشُه، فرأى سرابًا، فحسِبه ماءً، فطلَبه وظنَّ أنه قد قدَر عليه، حتى أتاه، فلمَّا أتاه لم يَجِدْه شيئًا، وقُبِض عندَ ذلك. يقولُ: الكافرُ كذلك، يَحْسَبُ أن عملَه مُغْنٍ عنه، أو نافعُه شيئًا، ولا يكونُ آمِنًا

(2)

على شيءٍ حتى يَأتِيَه الموتُ، فإذا أتاه الموتُ لم يَجِدْ عملَه أغْنَى عنه شيئًا، ولم يَنْفَعْه إلا كما نفَع العطشانَ المُشْتَدَّ إلى السرابِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} . قال: بقاعٍ مِن الأرضِ، والسرابُ عمَلُه. زاد الحارثُ في حديثِه عن الحسنِ: والسرابُ عملُ الكافرِ، {إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} ، إتيانُه إياه: موتُه وفراقُه الدنيا. {وَوَجَدَ اللَّهَ} عندَ فراقِه الدنيا، {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} . قال: بِقِيعةٍ مِن الأرضِ، {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً}: هو مثلٌ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2611 من طريق عبد الله بن صالح به.

(2)

سقط من: ت 1، وفى م:"آتيا".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2611، 2612 عن محمد بن سعد به.

(4)

تفسير مجاهد ص 494، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2611، 2612، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 53 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 328

ضرَبه اللهُ لعملِ الكافرِ، يقولُ: يَحْسَبُ أنه في شيءٍ، كما يَحْسَبُ هذا السرابَ ماءً، {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} . وكذلك الكافرُ إذا مات لم يَجِدْ عملَه شيئًا، {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} إلى قولِه: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} . قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ للذين كَفروا، {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} . قد رأى السرابَ، ووثِق بنفسِه أنه ماءٌ، فلما جاءَه لم يَجِدْه شيئًا. قال: وهؤلاء ظنُّوا أن أعمالَهم صالحةٌ، وأنهم سيَرْجِعون منها إلى خيرٍ، فلم يَرْجِعوا منها إلا كما رجَع صاحبُ السرابِ، فهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ جلَّ ثناؤُه وتقَدَّستْ أسماؤُه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)} .

وهذا مَثَلٌ آخرُ ضرَبَه اللهُ لأعمالِ الكفارِ، يقولُ تعالى ذكرُه: ومَثَلُ أعمالِ هؤلاء الكفارِ، في أنها عُمِلَت على خَطَأٍ وفسادٍ، وضلالةٍ وحيرةٍ مِن عُمَّالِها فيها، وعلى غير هُدًى - مثَلُ ظُلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ. ونُسِب البحرُ إلى اللُّجَّةِ، وصفًا له بأنه عميقٌ كثيرُ الماءِ، ولُجَّةُ البحرِ مُعْظَمُه، {يَغْشَاهُ مَوْجٌ}. يقولُ: يَغْشَى البحرَ موجٌ. {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} . يقولُ: مِن فوقِ الموجِ موجٌ آخرُ يَغْشاه، {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ}. يقولُ: مِن فوقِ الموجِ الثاني الذي يَغْشَى الموجَ الأَوَّلَ، سَحابٌ. فجعَل

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 61، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 53 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2612 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 329

الظُّلُماتِ مَثَلًا لأعمالِهم، والبحرَ اللُّجِّيَّ مثَلًا لقلبِ الكافِرِ، يقولُ: عَمَلُه

(1)

بنِيَّةِ قلبٍ قد غمَره الجهلُ، وتَغَشَّتْه الضلالةُ والحَيْرةُ، كما يَغْشَى هذا البحرَ اللُّجيَّ موجٌ مِن فوقِه موجٌ مِن فوقِه سَحابٌ. فكذلك قلبُ هذا الكافرِ الذي مثَلُ عملِه مثَلُ هذه الظلماتِ، يَغْشاه الجهلُ باللهِ، بأن الله ختَم عليه، فلا يَعْقِلُ عن اللهِ، وعلى سمعِه، فلا يَسْمَعُ مواعظَ اللهِ، وجعَل على بصرِه غِشاوةً، فلا يُبْصِرُ به حُجَجَ اللهِ، فتلك ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} إلى قولِه: {مِنْ نُورٍ} . قال: يعني بالظلماتِ الأعمالَ، وبالبحرِ اللجيِّ قلبَ الإنسانِ. قال:{يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} . قال: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} : يعنى بذلك الغِشاوةَ التي على القلبِ والسمعِ والبصرِ، وهو كقولِه:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} الآية [البقرة: 7]. وكقولِه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} إلى قولِه: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}

(2)

[الجاثية: 23].

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} : عميقٍ، وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ للكافِرِ يَعْمَلُ في

(1)

في م: "عمل".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2613، 2614 عن محمد بن سعد به.

ص: 330

ضلالةٍ وحَيْرةٍ، قال:{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}

(1)

.

ورُوِى عن أُبيِّ بن كعبٍ ما حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بن كعبٍ في قولِه:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} الآية. قال: ضرَب مثلًا آخَرَ للكافِرِ، فقال:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} الآية. قال: فهو يَتَقَلَّبُ في خمسٍ مِن الظُّلَم، فكلامُه ظُلْمَةٌ، وعملُه ظلمةٌ، ومَدْخَلُه ظلمةٌ، ومَخْرَجُه ظلمةٌ، ومصيرُه إلى الظلماتِ يومَ القيامةِ، إلى النارِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ

(3)

، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بنُ كعبٍ بنحوِه.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} إلى قولِه: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} . قال: شرٌّ بعضُه فوقَ بعضٍ. وقولُه: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} . يقولُ: إذا أَخْرَج الناظرُ يدَه في هذه الظلماتِ لم يَكَدْ يَراها

(4)

.

فإن قال

(5)

قائل: وكيف قيلَ: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} . مع شدةِ هذه الظُّلْمِةِ

(6)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 61، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2613، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 53 إلى عبد بن حميد، وعند عبد الرزاق وابن أبي حاتم: ظلمة. بدل: ضلالة.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2614 من طريق عبيد الله بن موسى به، وتقدم أوله في ص 297.

(3)

سقط من: ت 2، وفى م، ت 1، ت 3، ف:"أبي الربيع".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2615 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(5)

بعده في م: "لنا".

(6)

في ت 1: "الظلمات".

ص: 331

التي وصَف، وقد علِمْتَ أن قولَ القائلِ: لم أكَدْ أَرَى فلانًا. إنما هو إثباتٌ منه لنفسِه رؤيتَه بعدَ جَهْدٍ وشدةٍ، ومِن دونِ الظلماتِ التي وُصِفَت

(1)

في هذه الآيةِ ما لا يَرَى الناظرُ يدَه إذا أخْرَجها فيه، فكيف فيها؟

قيل: في ذلك أقوالٌ، نَذْكُرُها ثم نُخْبِرُ بالصوابِ مِن ذلك؛ أحدُها: أن يكونَ معنى الكلامِ: إذا أخْرَج يدَه رائيًا لها، لم يَكَدْ أن

(2)

يراها. أي: لم يَعْرِفْ مِن أينَ يراها، فيكونُ مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، ويكونُ تأويلُ الكلامِ على ذلك: إذا أخْرَج يدَه لم يَقْرُبْ أن يرَاها.

والثاني: أن يكونَ معناه: إذا أَخْرَج يدَه لم يَرَها. ويكون قولُه: {لَمْ يَكَدْ} . في دخولِه في الكلامِ، نظيرَ دخولِ الظَّنِّ فيما هو يقينٌ من الكلامِ، كقولِه:{وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ} [فصلت: 48]. ونحوَ ذلك.

والثالثُ: أن يكونَ قد رآها بعدَ بُطءٍ وجَهْدٍ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: ما كِدْتُ أراك مِن الظلمةِ. وقد رآه، ولكنْ بعدَ إياسٍ وشدةٍ.

وهذا القولُ الثالثُ أظهرُ معاني الكلمةِ من جهةِ ما تَسْتَعْمِلُ العربُ "أَكادُ" في كلامِها. والقولُ الآخرُ الذي قلنا أنه يَتَوَجَّهُ إلى أنه بمعنى: لم يَرَها. قول أَوْضَحُ مِن جهةِ التفسيرِ، وهو أَخْفَى مَعانِيهِ.

وإنما حسُنَ ذلك في هذا الموضعِ - أعنى: أن يقولَ: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} . مع شدةِ الظلمةِ التي ذكَر - لأن ذلك مَثَلٌ، لا خبرٌ عن كائنٍ كان.

{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا} . يقولُ: مَن لم يَرْزُقُهُ اللهُ إِيمانًا وهُدًى مِن الضلالةِ

(1)

في م: "وصف".

(2)

سقط من: م.

ص: 332

ومعرفةً بكتابِه، {فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}. يقولُ: فما له من إيمانٍ وهدًى ومعرفةٍ بكتابِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم تنظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك، فتَعْلَمَ أن الله يُصَلَّى له مَن في السماواتِ والأرضِ؛ مِن مَلَكٍ وإنسٍ وجِنٍّ، {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} في الهواءِ أيضًا تُسَبِّحُ له، {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} .

[فإن قال قائل: وكيف قيل: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}]

(1)

والتسبيحُ عندَك صلاةٌ؟ فيقالُ: قيل: إن الصلاةَ لبنى آدمَ، والتَّسْبيحَ لغيرِهم مِن الخلقِ، ولذلك فَصَل فيما بينَ ذلك.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} . قال: والصلاةُ للإنسانِ، والتَّسْبيحُ لِما سوى ذلك مِن الخلقِ

(2)

.

(1)

سقط من النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق.

(2)

تفسير مجاهد ص 494، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2616، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (1228) من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 53 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 333

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} . قال: {صَلَاتَهُ} للناسِ، و {وَتَسْبِيحَهُ} عامةً لكلِّ شيءٍ.

ويَتَوَجَّهُ قولُه: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} لوُجُوهٍ؛ أحدُها: أن تكونَ الهاءُ التي في قولِه: {صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} مِن ذكر {كُلٌّ} ، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، قد عَلِمَ اللهُ صلاته وتَسْبيحَه. ويكونَ "الكلُّ" حينَئذٍ مرتفعًا بالعائدِ من ذكرِه في قولِه:{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} . وهو الهاءُ التي في "الصلاةِ".

والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ الهاءُ في "الصلاةِ" و "التسبيحِ" أيضًا لـ "الكلِّ"، ويكونَ "الكلُّ" مُرْتَفِعًا بالعائدِ من ذكرِه عليه في {عَلِمَ} ، ويكونَ {عَلِمَ} فعلًا لـ "الكلِّ". فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قد عَلِم كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم صلاةَ نفسِه وتَسْبيحَه الذي كُلِّفَه وأَلْزَمَه.

والوجهُ الآخِرُ: أن تكونَ الهاءُ في "الصلاةِ" و "التَّسْبِيحِ" مِن ذكرِ اللهِ، والعِلْمُ لـ "الكلِّ". فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قد عَلِم كلُّ مُسَبِّحٍ ومُصَلٍّ صلاةَ اللهِ التي

(1)

كَلَّفَه إياها وتسبيحَه.

وأظهرُ هذه المعانى الثلاثةِ على هذا الكلامِ، المعنى الأولُ، وهو أن يكونَ المعنى: كلُّ مُصَلٍّ منهم ومُسَبِّحٍ قد عَلِمَ اللهُ صلاتَه وتَسْبيحَه.

وقولُه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ ذو علمٍ بما يفعَلُ كلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أفعالِهم؛ طاعتِها

(1)

في ص، ت،1، ت 2، ت 3، ف:"الذي".

ص: 334

ومَعْصِيتِها، مُحِيطٌ بذلك كلِّه، وهو مُجازِيهم على ذلك كلِّه.

وقولُه: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وللهِ سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلْكُها، دونَ كلِّ مَن هو دونَه من سلطانٍ ومَلِكٍ، فإياه فارْهَبُوا أيُّها الناسُ، وإليه فارْغَبوا، لا إلى غيرِه، فإن بيدِه خزائنَ السماواتِ والأرضِ، لا يَخْشَى بعَطاياكم منها فقرًا، {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}. يقولُ: وأنتم إليه بعدَ وفاتِكم، مَصِيرُكم ومَعادُكم، فمُوَفِّيكُم

(1)

أجورَ أعمالِكم التي عَمِلتُموها في الدنيا، فأحْسِنوا عبادتَه، واجْتَهِدوا في طاعتِه، وقَدِّموا لأنفسِكم الصالحاتِ مِن الأعمالِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ} يا محمدُ، {أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي}. يعني: يَسُوقُ {سَحَابًا} حيث يريدُ، {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ}. يقولُ: ثم يؤلِّفُ بينَ السحابِ.

وأضافَ "بينَ" إلى السحابِ، ولم يَذْكُرْ معه غيرَه، و "بينَ" لا تكونُ مضافةً إلا إلى جماعةٍ أو اثنين؛ لأن السحابَ في معنى جمعٍ، واحِدُه سحابةٌ، كما تُجمَعُ النخلةُ: نَخْلٌ. والتمرةُ: تمرٌ. فهو نظيرُ قولِ قائلٍ: جَلَس فلانٌ بينَ النخلِ.

وتأليفُ اللهِ السحابَ جمعُه بينَ مُتَفَرِّقِها.

وقولُه: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} . يقولُ: ثم يجعلُ السحابَ الذي يُزْجِيهِ، ويُؤلِّفُ بعضَه إلى بعضٍ - {رُكَامًا}. يعنى: مُتَراكِمًا بعضُه على بعضٍ.

(1)

في م: "فيوفيكم".

ص: 335

وقد حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا خالدٌ، قال: ثنا فِطْرٌ

(1)

، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عُبَيدِ بن عميرٍ الليثيِّ، قال: الرياحُ أربعٌ، يبعثُ اللَّهُ الريحَ الأولى، فتَقُمُّ الأرضَ قَمًّا، ثم يبعثُ الثانيةَ، فتُنْشِئُ

(2)

سحابًا، ثم يبعثُ الثالثةَ، فتُؤلِّفُ بينَه، فتجعلُه رُكامًا، ثم يبعثُ الرابعةَ فتُمْطِرُه

(3)

.

وقولُه: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} . يقولُ: فتَرى المطرَ يخرُجُ مِن بين السحابِ، وهو الوَدْقُ، قال الشاعرُ

(4)

:

فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها

ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقالَها

والهاءُ في قولِه: {مِنْ خِلَالِهِ} مِن ذِكْرِ السحابِ. والخِلالُ: جمعُ خَلَلٍ.

وذُكِر عن ابن عباسٍ وجماعةٍ أنهم كانوا يقرءُون ذلك: (مِنْ خَلَلِه).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا قتادةُ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ أنه قَرأ هذا الحرفَ:{فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} : (مِنْ خَلَلِهِ)

(5)

.

قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنى عُمارةُ

(6)

، عن رجلٍ، عن ابن

(1)

في م: "مطر". وتقدم في 3/ 461، وينظر تهذيب الكمال 23/ 312.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"فتنشئه".

(3)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (830) من طريق فطر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2617 من طريق حبيب به.

(4)

تقدم تخريجه في 1/ 459.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 78، وأبو حيان في البحر المحيط 6/ 464.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"عمار". وهو عمارة بن أبي حفصة، سيورد المصنف روايته في الأثر القادم. وينظر تهذيب الكمال 21/ 238.

ص: 336

عباسٍ أنه قَرأ هذا الحرفَ: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} : (مِن خَلَلِه)

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرني عُمارةُ بنُ أبي حفصةَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ أنه قَرأها:(مِن خَلَلِه) بفتحِ الخاءِ مِن غيرِ ألفٍ.

قال هارونُ: فذكرتُ ذلك لأبي عمرٍو، فقال: إنها لحسنةٌ، ولكنَّ {خِلَالِهِ} أعَمُّ.

وأما قرأةُ الأمصارِ فإنهم على القراءةِ الأُخرى: {مِنْ خِلَالِهِ} . وهى التي نختارُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} . قال: الوَدْقُ القَطْرُ، والخِلالُ السحابُ

(2)

.

وقولُه: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} . قيل: في ذلك قولان؛ أحدُهما، أن معناه: وأن الله يُنَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ في السماءِ مِن بَرَدٍ، مخلوقةٍ هنالك خِلْقةً. كأن الجبالَ على هذا القولِ، هي مِن بَرَدٍ، كما يقالُ: جبالٌ مِن طينٍ.

والقولُ الآخرُ: أَن اللَّهَ يُنزِّلُ مِن السماءِ قَدْرَ جبالٍ وأمثالَ جبالٍ مِن بَرَدٍ إلى الأرضِ. كما يقالُ: عندى بَيْتان تِبْنًا. والمعنى: قَدْرُ بيتَين من التبنِ. والبيتان ليسا مِن التُّبْنِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 54 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2618 من طريق أصبغ، عن ابن زيد، بلفظ: الخلال السحاب.

ص: 337

وقولُه: {فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} . يقولُ: فيُعذِّبُ بذلك الذي يُنَزِّلُ مِن السماءِ مِن جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ - مَن يَشَاءُ فَيُهْلِكُه، أو يُهْلِكُ بِهِ زُرُوعَه ومالَه، {وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} مِن خلقِه. يعنى: عن زُرُوعِهم وأموالِهم.

وقولُه: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} . يقولُ: يكادُ شدةُ ضوءِ بَرْقِ هذا السحابِ يَذْهَبُ بأَبصارِ مَن لاقَى بصرَه. و "السَّنَا"، مقصورٌ، وهو ضوءُ البرقِ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} . قال: ضَوْءُ بَرْقِه

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} . يقولُ: لَمَعانُ البرقِ يَذهبُ بالأبصارِ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} . قال: سَنَاه ضَوءُه

(3)

، يذهبُ بالأبصارِ.

وقرأت قرأةُ الأمصارِ: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ} بفتحِ الياءِ مِن {يَذْهَبُ} سوى أبي جعفرٍ القارئَ، فإنه قرأَه بضمِّ الياءِ:(يُذْهِبُ بالأَبصارِ)

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2619 من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 54 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق، 2/ 61،62، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2619، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 54 إلى عبد بن حميد.

(3)

في م: "ضوء".

(4)

النشر 2/ 249.

ص: 338

والقراءةُ التي لا أختارُ غيرَها هي فتحُها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليها، وأن العربَ إذا أدخَلَت الباءَ في مفعولِ "ذَهَبتُ" لم يقولوا إلا: ذَهَبتُ به. دونَ: أَذهَبْتُ به. وإذا أدخَلوا الألفَ في "أذهبتُ" لم يَكادوا أن يُدْخِلوا الباءَ في مفعولِه، فيقولون: أَذْهَبْتُه، وذَهَبتُ به.

وقولُه: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} . يقولُ: يُعَقَّبُ اللهُ بينَ الليلِ والنهارِ ويُصَرِّفُهما، إذا أذهَب هذا جاء بهذا

(1)

، [وإذا أذهَب هذا جاء بهذا]

(2)

، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}. يقولُ: إن في إنشاءِ اللهِ السحابَ، وإنزالهِ منه الوَدْقَ، ومِن السماءِ البَرَدَ، وفى تَقْلِيبِه الليلَ والنهارَ - لَعبرةً لمن اعْتَبَرَ به، وعِظَةً لمن اتَّعظَ به، مِمَّن له فَهْمٌ وعقلٌ؛ لأن ذلك يُنْبِيُّ ويدُلُّ على أن له مُدَبِّرًا ومُصَرِّفًا ومُقَلِّبًا لا يُشْبِهُه شيءٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)} .

اختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} ؛ فَقَرَأَتُه عامةُ قرأةِ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ: (واللهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ)

(3)

. وقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وعاصمٌ: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} بِنَصْبِ {كُلَّ} ، و {خَلَقَ}

(4)

على مثالِ "فَعَل". وهما قراءتان مشهورتان مُتقارِبتا المعنى، وذلك أن الإضافةَ في قراءةِ مَن قَرأ

(1)

في م: "هذا".

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

وهي قراءة حمزة والكسائي. حجة القراءات ص 502.

(4)

وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو. ينظر المصدر السابق.

ص: 339

ذلك: (خالقُ) تدلُّ على أن معنى ذلك المُضِيُّ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} . يعني: مِن نُطْفَةٍ، {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} كالحَيَّاتِ وما أشْبَهَها. وقيل: إنما قيل: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} . والمَشْيُ لا يكونُ على البطنِ؛ لأن المَشْىَ إنما يكونُ لِمَا له قَوَائمُ، على التشبيهِ، وأنه لَمَّا خالَط ما له قوائمُ ما لا قوائمَ له، جاز، كما قال:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} . كالطيرِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} . كالبهائمِ.

فإن قال قائلٌ: فكيفَ قيل: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي} و"مَن" للناسِ، وكلُّ هذه الأجناسِ أو أكثرُها لغيرِهم؟

قيل: لأنه تَفْرِيقُ ما هو داخلٌ في قولِه: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} . وكان داخِلًا في ذلك الناسُ وغيرُهم، ثم قال:{فَمِنْهُمْ} ؛ لاجْتماعِ الناسِ والبهائمِ وغيرِهم في ذلك واخْتلاطِهم، فكَنَى عن جميعِهم كِنايَتَه عن بني آدمَ، ثم فَسَّرهم بـ "مَن"، إذ كان قد كَنَى عنهم كنايةَ بني آدمَ خاصَّةً.

{يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} . يقولُ: يُحْدِثُ اللَّهُ ما يشاءُ مِن الخَلْقِ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقولُ: إِن اللَّهَ على إحْداثِ ذلك وخَلْقِه، وخَلْقِ ما يشاءُ مِن الأشياءِ غيرَه، ذو قُدْرةٍ، لا يَتَعذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لقد أنزَلْنا أَيُّها الناسُ علاماتٍ واضحاتٍ، دالَّاتٍ على طريقِ الحقِّ وسبيلِ الرشادِ، {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. يقولُ:

(1)

في م: "أراد".

ص: 340

واللَّهُ يُرشِدُ مَن يشاءُ مِن خلقِه بتوفيقِه، فيَهْدِيه إلى دينِ الإسلامِ، وهو الصراطُ المستقيمُ، والطريقُ القاصِدُ الذي لا اعْوجاجَ فيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ المنافقون: صَدَّقْنا باللَّهِ وبالرسولِ، وأطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرسولَ، {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ}. يقولُ: ثم تُدْبِرُ كلُّ طائفةٍ منهم مِن بعدِ ما قالوا هذا القولَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتَدْعو إلى المحاكمةِ إلى غيرهِ خصمَها، {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}. يقولُ: وليس قائِلو هذه المقالةِ - يعنى قولَه: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} - بالمؤمنين؛ لتَرْكِهم الاحْتكامَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإعْراضِهم عنه إذا دُعُوا إليه.

وقولُه: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . يقولُ: وإذا دُعِى هؤلاء المنافقون إلى كتابِ اللهِ وإلى رسولِه، {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} فيما اخْتَصَموا فيه بحُكْمِ اللهِ، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} عن قَبولِ الحقِّ، والرضا بحُكْمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَكُنِ الحقُّ لهؤلاء الذين يُدْعَون إلى اللهِ ورسولِه ليحكمَ بينَهم، فيَأْبَون ويُعْرِضون عن الإجابةِ إلى ذلك، قِبَلَ الذين يَدْعُونهم إلى اللَّهِ ورسولِه - يأتُوا إلى رسولِ اللَّهِ مُذْعِنِين، يقولُ:{مُذْعِنِينَ} : مُنْقادِين لحُكْمِه،

ص: 341

مُقِرِّين به، طائِعين غيرَ مُكْرَهِين. يقالُ منه: قد أذعَن فلانٌ بحقِّه. إذا أَقَرَّ به طائعًا غيرَ مُسْتَكْرَه، وانقادَ له وسَلَّمَ.

وكان مجاهدٌ فيما ذُكر عنه يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} . قال: سِراعًا

(1)

.

وقولُه: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أفي قلوبِ هؤلاء الذين يُعْرِضون إذا دُعُوا إلى اللهِ وإلى

(2)

رسولِه ليحكمَ بينَهم - شكٌّ في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه للَّهِ رسولٌ، فهم يَمْتَنِعُون مِن الإجابةِ إلى حكمِه والرضا به، {أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} إذا احْتَكَموا إلى حكمِ كتابِ اللهِ، وحكمِ رسولِه. وقال:{أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} . والمعنى: أن يَحِيفَ رسولُ اللَّهِ عليهم. فبدَأ باللَّهِ تعالى ذكرُه؛ تَعْظيمًا للهِ، كما يقالُ: ما شاءَ اللهُ ثم شئتَ. بمعنى: ما شئتَ. ومما يدلُّ على أن معنى ذلك كذلك قولُه: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} . فأفرَد الرسولَ بالحكمِ، ولم يَقُلْ: ليَحْكُما.

وقولُه: {بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . يقولُ: ما حافَ

(3)

هؤلاء المُعْرِضون عن حكمِ اللهِ وحكمِ رسولِه، إذ أعْرَضوا عن الإجابةِ إلى ذلك، مما دُعُوا إليه، أن يَحِيفَ عليهم رسولُ اللهِ، فيجورَ في حكمِه عليهم، ولكنهم قومٌ أهلُ ظلمٍ لأنفسِهم، بخلافِهم أمرَ ربِّهم، ومعصيتِهم الله فيما أمَرهم مِن الرضا بحكمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فيما أحَبُّوا وكَرِهوا، والتسليمِ له.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 12/ 293.

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: "خاف".

ص: 342

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إنما كان ينبغى أن يكونَ قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكمِ اللَّهِ وإلى حكمِ رسولِه، {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} وبينَ خصومِهم - {أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا} ما قيلَ لنا، {وَأَطَعْنَا} مَن دَعانا إلى ذلك.

ولم يُعْنَ بـ {كَانَ} في هذا الموضعِ الخبرُ عن أمرٍ قد مَضَى فتقضَّى

(1)

، ولكنه تأنيبٌ مِن اللهِ الذين أُنزلت هذه الآيةُ بسببِهم، وتأديبٌ منه آخرين غيرَهم.

وقولُه: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولِه ليحكمَ بينَهم وبينَ خُصُومِهم، يقولون

(2)

: سَمِعْنا وأطَعْنا. {الْمُفْلِحُونَ} . يقولُ: هم المُنْجِحون المُدْرِكون طَلِباتِهم بفعلِهم ذلك، المُخلَّدون في جنانِ اللَّهِ.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورسولَه فيما [أمَراه ونَهَياه]

(3)

، ويُسَلِّمْ لحكمِهما له وعليه، ويَخَفْ عاقبةَ معصيةِ اللهِ ويَحْذَرُه، ويَتَّقِ عذابَ اللهِ بطاعتِه إياه في أمرِه ونَهْيِه، {فَأُولَئِكَ}. يقولُ: فالذين يفعلون ذلك {هُمُ الْفَائِزُونَ} برضا اللهِ عنهم يومَ القيامةِ، وأمنِهم مِن عذابِه.

(1)

في م: "فيقضى".

(2)

في م: "أن يقولوا".

(3)

في م: "أمره ونهاه".

ص: 343

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وحَلَف هؤلاء المُعْرِضون عن حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رسولِه إذ دُعُوا إليه، {بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}. يقولُ: أغلظَ أيمانِهم وأشدَّها. {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ} يا محمدُ بالخروجِ إلى جهادِ عدوِّك وعدوِّ المؤمنين، {لَيَخْرُجُنَّ} ، {قُلْ لَا تُقْسِمُوا}: لا تَحْلِفوا؛ فإن هذه {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} منكم فيها التكذيبُ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} . قال: قد عرَفتُ طاعتَكم، أي

(1)

إنكم تَكذِبون

(2)

.

{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . يقولُ: إن الله ذو خبرةٍ بما تَعْمَلُون مِن طاعتِكم الله ورسولَه، أو خلافِكم أمرَهما، أو غيرِ ذلك مِن أمورِكم، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك شيءٌ، وهو مُجازِيكم بكلِّ ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {قُلْ} يا محمدُ لهؤلاء المُقْسِمِين بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهم لئن أمرتَهم ليَخْرُجُنَّ، وغيرِهم مِن أمَّتِك:{أَطِيعُوا الله} أيُّها القومُ، فيما أمَرَكم به ونَهاكم عنه، {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ؛ فإن طاعتَه للهِ طاعةٌ، {فَإِنْ تَوَلَّوْا}. يقولُ: فإن تُعْرِضوا وتُدْبِروا عما أمَرَكم به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أو نَهاكم عنه، وتَأْبَوا أن

(1)

في النسخ: "إلى". والمثبت من الدر المنثور.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 54 إلى ابن المنذر.

ص: 344

تُذْعِنوا لحكمِه لكم وعليكم، {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ}. يقولُ: فإنما عليه فعلُ ما أُمِرَ بفعلِه مِن تَبْليغِ رسالةِ اللهِ إليكم، على ما كَلَّفَه مِن التبليغِ، {وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ}. يقولُ: وعليكم أيُّها الناسُ أن تَفْعَلُوا مَا أَلزَمَكم وأوجَب عليكم مِن اتِّبَاعِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، والانتهاءِ إلى طاعتهِ فيما أمَرَكم ونَهاكم.

وقُلنا: إن قولَه: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} . بمعنى: فإن تَتَولَّوا، فإنه في موضعِ جزمٍ؛ لأنه خطابٌ للذين أُمِرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأن يقولَ لهم:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} . يدلُّ على أن ذلك كذلك قولُه: {وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} . ولو كان قولُه: {تَوَلَّوْا} . فعلًا ماضيًا، على وَجْهِ الخبرِ عن غَيبٍ، لكان في موضعِ قولِه:{وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} وعليهم ما حُمِّلُوا.

وقوله: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُطِيعوا أيُّها الناسُ رسولَ اللهِ فيما يأمُرُكم ويَنْهاكم، تَرْشُدُوا وتُصِيبوا الحقَّ في أُمُورِكم. {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}. يقولُ: وغيرُ واجبٍ على مَن أرسَله اللهُ إلى قومٍ برسالةٍ إلا أن يُبَلِّغَهم رسالتَه بلاغًا، يُبيُن لهم ذلك البلاغُ عما أرادَ اللهُ به. يقولُ: فليس على محمدٍ أيُّها الناسُ إلا أداءُ رسالةِ اللهِ إليكم، وعليكم الطاعةُ، وإن أطَعْتُموه، لَحُظُوظَ أنفسِكم تُصِيبون، وإن عَصيتُموه، فأنفُسَكم

(1)

تُوبِقون

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} .

(1)

في النسخ: "بأنفسكم". والمثبت ما يقتضيه السياق.

(2)

في م، ت 1، ت 3، ف:"فتوبقون".

ص: 345

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} باللهِ ورسولهِ {مِنْكُمْ} أيُّها الناسُ، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. يقولُ: وأطاعوا اللَّهَ ورسولَه فيما أمَراه ونَهَياه - {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} . يقولُ: لَيُورِثنَّهم اللهُ أرضَ المشركين مِن العربِ والعَجَمِ، فيجعلُهم مُلُوكَها وساستَها، {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}. يقولُ: كما فعَل مِن قَبْلِهم ذلك ببنى إسرائيلَ، إذ أهْلَك الجبابرةَ بالشامِ، وجعَلهم مُلُوكَها وسُكَّانَها، {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ}. يقولُ: وَلَيُوَطِّئَنَّ لهم دينَهم، يعنى مِلَّتَهم التي ارْتَضاها لهم، فأمَرهم بها.

وقيل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} . ثم تَلَقَّى ذلك بجوابِ اليمينِ بقولِه: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} ؛ لأن الوعدَ قولٌ يَصْلُحُ فيه "أن" وجوابُ اليمينِ، كقولِه: وَعَدْتُك أن أُكْرِمَك، ووعدتُك لأُكْرِمَنَّك.

واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {كَمَا اسْتَخْلَفَ} . فقرأَته عامةُ القرأةِ: {كَمَا اسْتَخْلَفَ} . بفتحِ التاءِ واللامِ

(1)

، بمعنى: كما اسْتَخْلَفَ الله الذين مِن قبلِهم مِن الأممِ. وقَرأ ذلك عاصمُ

(2)

: (كَما اسْتُخْلِفَ) بضمِّ التاءِ، وكسرِ اللامِ، على مذهبِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه.

واختَلفوا أيضًا في قراءةِ قولِه: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} . فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ}

(3)

. بتَشْديدِ الدالِ، بمعنى: وليُغَيِّرَنَّ حالَهم عما هي عليه من الخوفِ إلى الأمنِ. والعربُ تقولُ: قد بُدَّلَ فلانٌ. إذا غُيِّرَت حالُه ولم يأتِ

(1)

هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 458.

(2)

في رواية أبي بكر. المصدر السابق.

(3)

وبها قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم. المصدر السابق ص 458، 459.

ص: 346

مكانَ فلانٍ غيرُه. وكذلك كلُّ مغيَّرٍ عن حالِه، فهو عندَهم مُبَدَّلٌ، بالتَّشْدِيدِ، وربما قيل بالتَّخْفيفِ، وليس بالفصيحِ. فأما إذا جعَل مكانَ الشيءِ المُبَدَّلِ غيرَه، فذلك بالتخفيفِ: أبْدَلتُه فهو مُبْدَلٌ. وذلك كقولِهم: أُبْدِل هذا الثوبُ. أي: جُعِل مكانَه آخَرُ غيرُه، وقد يقالُ بالتشديدِ، غيرَ أن الفصيحَ مِن الكلامِ ما وصَفتُ. وكان عاصمٌ

(1)

يقرؤُه: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} بتَخْفِيفِ الدالِ.

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك التشديدُ، على المعنى الذي وصفتُ قبلُ؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه، وأن ذلك تَغْيِيرُ حالِ الخوفِ إلى الأمنِ، وأَرَى أَنَّ عاصمًا ذهَب إلى أن الأمنَ لمَّا كان خلافَ الخوفِ، وَجَّه المعنى إلى أنه ذهَب بحالِ الخوفِ، وجاء بحالِ الأمنِ، فخَفَّف ذلك.

ومِن الدليلِ على ما قُلنا، مِن أن التَّخْفيفَ إنما هو ما كان في إبْدالِ شيءٍ مكانَ آخَرَ - قولُ أَبي النَّجْمِ

(2)

:

عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ

وقولُه: {يَعْبُدُونَنِي} . يقولُ: يَخْضَعون لى بالطاعةِ، ويَتَذَلُّلون لأمْرِى ونَهْيِى، {لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}. يقولُ: لا يُشْرِكون في عبادتِهم إياى الأوثانَ والأصنامَ، ولا شيئًا غيرَها

(3)

، بل يُخْلِصون لى العبادةَ، فيُفْرِدونها لى، دونَ كلِّ ما عُبِد مِن شيءٍ غيرى.

وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أجلِ شِكايةِ بعضِ أصحابهِ إليه، في بعضِ الأوقاتِ التي كانوا فيها مِن العدوِّ في خوفٍ شديدٍ، مما هم فيه من

(1)

في رواية أبي بكر، وبها قرأ ابن كثير. السبعة لابن مجاهد ص 459.

(2)

ديوانه ص 204.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"غيره".

ص: 347

الرُّعْبِ والخوفِ، وما يَلْقَون بسببِ ذلك مِن الأذَى والمَكْروهِ.

‌ذكرُ الروايةِ بذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية. قال: مَكَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سنينَ خائفًا، يَدْعُو إِلى اللَّهِ سِرًّا وعلانيةً. قال: ثم أُمِر بالهجرةِ إلى المدينةِ. قال: فمكَث بها هو وأصحابُه خائفين

(1)

، يُصْبِحون في السلاحِ ويُمْشون فيه، فقال رجلٌ: ما يأتى علينا يومٌ نأمَنُ فيه ونَضَعُ عَنَّا السلاحَ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَغْبُرُونَ

(2)

إِلا يَسِيرًا حتى يَجْلِسَ الرجلُ منكم في الملأ العظيمِ مُحْتَبِيًا فيه، ليس فيه حَدِيدةٌ". فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} إلى قولِه: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} . قال: يقولُ: مَن كَفَر بهذه النعمةِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. وليس يعنى الكفرَ باللهِ. قال: فأظهَره اللهُ على جزيرةِ العربِ، فآمَنوا، ثم تَجَبَّروا، فَغَيَّرَ اللهُ ما بهم، وكَفَروا بهذه النعمةِ، فأدخَل اللهُ عليهم الخوفَ الذي كان رَفَعه عنهم. قال القاسمُ: قال أبو عليٍّ: بِقَتْلِهِم عثمانَ بنَ عفانَ رضي الله عنه

(3)

.

واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الكفرِ الذي ذكَره اللهُ في قولِه: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} ؛ فقال أبو العاليةِ ما ذكَرنا عنه مِن أنه كفرٌ بالنعمةِ لا كفرٌ باللهِ.

ورُوِى عن حُذَيفةَ في ذلك ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ،

(1)

في م، ت 1، ت 3، ف:"خائفون".

(2)

في ص، ف:"تعترون"، وفى ت 2:"يفطرون". وتغبرون: تبقون، والغابر هو الباقي. اللسان (غ ب ر).

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2629، 2630 من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 55 إلى عبد بن حميد، وأخرجه الحاكم 2/ 401، والبيهقي في الدلائل 3/ 6، 7 من طريق الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب.

ص: 348

قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن

(1)

أبي الشَّعْثاءِ، قال: كنتُ جالسًا مع حُذَيفةَ وعبدِ اللهِ بن مسعودٍ، فقال حُذَيفةُ: ذهَب النِّفاقُ، وإنما كان النفاقُ على عهدِ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ. قال: فضَحِك عبدُ اللهِ، فقال: لِمَ تقولُ ذلك؟ قال: علِمتُ ذلك. قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} . حتى بَلَغ آخِرَها

(2)

.

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، [عن أبي إسحاق]

(3)

، عن أبي الشَّعْثاءِ، قال: فَعَدْتُ إلى ابن مسعودٍ وحُذَيفةَ، فقال حذيفةُ: ذهَب النِّفاقُ فلا نفاقَ، وإنما هو الكفرُ بعدَ الإيمانِ. فقال عبدُ اللَّهِ: تعلمُ ما تقولُ؟ قال: فتَلا هذه الآيةَ: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} . حتى بلغ: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . قال: فضَحِك عبدُ اللهِ. قال: فلَقِيتُ أبا الشَّعْثاءِ بعدَ ذلك بأيامٍ، فقلتُ: مِن أيِّ شيءٍ ضَحِك عبدُ اللهِ؟ قال: لا أدرى، إن الرجلَ ربما ضَحِك مِن الشيءِ الذي يُعْجِبُه، وربما ضَحِك من الشيءِ الذي لا يُعْجِبُه، فمِنْ أَيِّ شيءٍ ضحِك لا أدرى.

والذي قاله أبو العاليةِ مِن التأويلِ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ، وذلك أن الله وعَد الإنعامَ على هذه الأُمَّةِ

(4)

بما أخبرَ في هذه الآيةِ أنه مُنْعِمٌ به عليهم، ثم قال عَقِيبَ ذلك: فمَن كفَر هذه النعمةَ بعدَ ذلك، فأولئك هم الفاسقون.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

(1)

في النسخ: "ابن". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم، وينظر تهذيب الكمال 11/ 340.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2627 من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 55 إلى ابن مردويه.

(3)

سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم في 8/ 743.

(4)

في ت 1، ف:"الآية".

ص: 349

مجاهدٍ قولَه: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} . قال: تلك أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ:{أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} . قال: لا يَخافون غيرى

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وأقيمُوا أيُّها الناسُ الصلاةَ بحُدُودِها، فلا تُضَيِّعوها، وآتوا الزكاةَ التي فَرَضها اللهُ عليكم أهلَها، وأَطِيعوا رسولَ ربِّكم فيما أمَركم ونَهاكم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. يقولُ: كى يرحَمَكم ربُّكم، فيُنَجِّيَكم مِن عذابِه.

وقولُه: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفروا باللَّهِ مُعْجِزيه في الأرضِ، إذا أرادَ إِهْلاكَهم، {وَمَأْوَاهُمُ} بعدَ هَلَاكِهم {النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} الذي يَصِيرون إليه ذلك المَأْوى.

وقد كان بعضُهم يقولُ: (لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا). بالياءِ

(3)

. وهو مذهبٌ ضعيفٌ عندَ أهلِ العربيةِ، وذلك أن "تحسب" محتاجٌ إلى منصوبَين، وإذا قُرِئ:(يَحْسَبَنَّ) بالياءِ

(4)

، لم يَكُنْ واقعًا إِلَّا على منصوبٍ واحدٍ. غيرَ أنى أحسَبُ أن قارِئَه

(5)

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2630 من طريق الحجاج به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 55 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

وهى قراءة حمزة وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 307.

(4)

سقط من: ص، م، وفى ف:"بالتاء".

(5)

في م: "قائله".

ص: 350

بالياءِ ظَنَّ أَنه قد عَمِل في: {مُعْجِزِينَ} ، وأن منصوبَه الثانِيَ:{فِي الْأَرْضِ} .

وذلك لا معنَى له إن كان ذلك قَصَد

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)} .

اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الرجالُ دونَ النساءِ، ونُهُوا عن أن يُدْخِلوا عليهم في هذه الأوقاتِ الثلاثةِ، هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآيةِ، إلا بإذنٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن لَيْثٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ قولَه:{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . قال: هي على الذكورِ دونَ الإناثِ

(2)

.

وقال آخرون: بل عُنِى به الرجالُ والنساءُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن

(1)

القراءة بالياء متواترة؛ وينظر توجيهها في الكشاف 3/ 74، والبحر المحيط 6/ 471.

(2)

أخرجه البخارى في الأدب المفرد (1057)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص 593، من طريق ليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 56 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

ص: 351

أبي عبدِ الرحمنِ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . قال: هي في الرجالِ والنساءِ، يَسْتأذِنون على كلِّ حالٍ، بالليلِ والنهارِ

(1)

.

وأَوْلى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به الذكورُ والإناثُ؛ لأن اللَّهَ عَمَّ بقولِه: {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} جميعَ أملاكِ أيمانِنا، ولم يَخْصُصْ منهم ذكَرًا ولا أُنثى، فذلك على جميعِ مَن عَمَّه ظاهرُ التنزيلِ.

فتأويلُ الكلامِ: يأيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، ليَسْتأْذِنْكم في الدخولِ عليكم عبيدُكم وإماؤُكم، فلا يَدْخُلوا عليكم إلا بإذنٍ منكم لهم.

{وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} . يقولُ: والذين لم يَحْتَلِموا مِن أحرارِكم {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} . يعني: ثلاثَ مراتٍ، في ثلاثةِ أوقاتٍ مِن ساعاتِ لَيْلِكم ونهارِكم.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . قال: عبيدُكم المَمْلوكون {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} . قال: لم يَحْتَلِموا مِن أحْرارِكم

(2)

.

قال ابن جريجٍ: قال لي عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: فذلك على كلِّ صغيرٍ وصغيرةٍ أن

(1)

أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص 313، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2633 من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة 4/ 400، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص 592 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 56 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص 312 من طريق حجاج به، وفى ص 319 عن ابن جريج به.

ص: 352

يَسْتأذِنَ، كما قال:{ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} . قالوا: هي العَتَمَةُ. قلت: فإذا وَضَعوا ثيابَهم بعدَ العَتَمَةِ، استأذَنوا عليهم حتى يُصْبِحوا؟ قال: نعم. قلتُ لعطاءٍ: هل اسْتِئذانُهم إلا عندَ وَضْعِ الناسِ ثيابهم؟ قال: لا.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ ويعقوبَ بن عُتْبَةَ وإسماعيلَ بن محمدٍ، قالوا: لا اسْتِئذانَ على خَدَمِ الرجلِ عليه إلا في العَوْراتِ الثلاثِ.

حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . يقولُ: إذا خَلا الرجلُ بأهلِه بعدَ صلاةِ العشاءِ، فلا يدخُلُ عليه خادمٌ ولا صبيٌّ إلا بإذنٍ، حتى يُصَلِّيَ الغَداةَ، فإذا خَلا بأهِله عندَ صلاةِ الظهرِ فمثلُ ذلك

(1)

.

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني قُرَّةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابن شهابٍ، عن ثعلبةَ بن

(2)

أبي مالكٍ القُرَظِيِّ، أنه سأَل عبدَ اللهِ بنَ سُوَيدٍ الحارِثيَّ، وكان مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عن الإِذْنِ في العَوْرَاتِ الثلاثِ، فقال: إذا وضَعتُ ثيابى مِن الظَّهِيرةِ، لم يَلِجُ عليَّ أحدٌ مِن الخَدَمِ الذِى بَلَغَ الحُلُمَ، ولا أحدٌ ممن لم يبلُغِ الحُلُمَ مِن الأحرارِ، إلا بإذنٍ

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2634، 2635، والبيهقى 7/ 96 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 56 إلى ابن المنذر.

(2)

في النسخ: "عن"، وسيأتي في تفسير الآية (14) من سورة "ق"، وينظر تهذيب الكمال 4/ 397.

(3)

أخرجه البخارى في الأدب المفرد (1052) من طريق ابن شهاب به، وعلقه ابن عبد البر في التمهيد 16/ 234 عن ابن وهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 56 إلى عبد بن حميد.

ص: 353

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمعتُ عطاءً يقولُ: قال ابن عباسٍ: ثلاثُ آياتٍ جَحَدَهنَّ الناسُ؛ الإذنُ كلُّه، وقال اللَّهُ:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وقال الناسُ: أكرمُكم أعظمُكم بيتًا. ونسيتُ الثالثةَ

(1)

.

حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ:{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . قال: كان الحسنُ يقولُ: إذا أباتَ الرجلُ خادمَه معه، فهو إذنُه، وإن لم يُبته معه، استأذنَ في هذه الساعاتِ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى موسى [بنُ أبى عائشةَ]

(3)

، عن الشعبيِّ في قولِه:{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . قال: لم تُنْسَخْ. قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون به. قال: اللَّهُ المُسْتَعانُ.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن الشعبيِّ، وسألتُه عن هذه الآيةِ:{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . قلتُ: منسوخةٌ هي؟ قال: لا واللهِ ما نُسِخت. قلتُ: إن الناسَ لا يَعْمَلون بها. قال: اللَّهُ المُسْتعانُ

(4)

.

(1)

تقدم تخريجه في ص 244.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2633، 2637 من طريق يزيد بن زريع به، وذكره أبو عبيد في الناسخ ص 318، 319 عن الحسن.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"بن عائشة". وينظر تهذيب الكمال 29/ 90.

(4)

أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص 315 عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبي شيبة 4/ 400، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2633، والنحاس في ناسخه ص 595، وابن الجوزى في النواسخ ص 410، 411، جميعهم من طريق سفيان به.

ص: 354

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إن ناسًا يقولون: نُسِخت. ولكنها مما يَتَهاونُ الناسُ به

(1)

.

قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآيةِ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} إلى آخرِ الآيةِ. قال: لا يُعْمَلُ بها اليومَ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ، أنه سمِع القاسمَ بنَ محمدٍ يُسْأَلُ عن الإِذْنِ، فقال: يَسْتأْذِنُ عندَ كلَّ عورةٍ، ثم هو طَوَّافٌ. يعنى الرجلَ على أمِّه

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبَرنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ، قال: أخبَرني رجلٌ مِن أهلِ الطائفِ، عن غَيْلَانَ بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"لا يَغْلِبَنَّكم الأعرابُ على اسْمِ صَلاتِكم، قال اللهُ: {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ}، وإنما العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإِبلِ"

(4)

.

وقولُه: {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} . اختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ

(1)

أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص 316 عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 410 من طريق أبي عوانة به عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 56 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 591، 592 من طريق محمد بن بشار به.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 400، وابن أبي حاتم 8/ 2636 من طريق حنظلة به.

(4)

أخرجه البزار (1055) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أبو يعلى (868) من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 439، والبيهقى 1/ 372 من طريق عبد العزيز بن أبى رواد به، وعبد الرزاق في المصنف (2153) من طريق تميم بن غيلان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 57 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.

ص: 355

قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} . برفع "الثلاث"

(1)

. بمعنى الخبرِ عن هذه الأوقاتِ التي ذكِرت، كأنه عندَهم قيل: هذه الأوقاتُ الثلاثةُ التي أمَرناكم بأن لا يدخُلَ عليكم فيها مَن ذَكَرنا إلا بإذنٍ، ثلاثُ عَوْراتٍ لكم؛ لأنكم تَضَعُون فيها ثيابَكم، وتَخْلُون بأهْلِيكم.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ثَلاثَ عَوْرَاتٍ). بنصبِ "الثلاثِ" على الردِّ على "الثلاثِ" الأولى

(2)

. وكأن معنى الكلامِ عندَهم: لِيَسْتأْذِنْكم الذين مَلَكَت أيمانُكم، والذين لم يَبْلُغوا الحُلُمَ منكم ثلاثَ مراتٍ ثلاثَ عَوْراتٍ لكم.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى، وقد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ.

وقولُه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} معشرَ أربابِ البيوتِ والمساكنِ {وَلَا عَلَيْهِمْ} يعني: ولا على الذين مَلَكَت أيمانُكم مِن الرجالِ والنساءِ والذين لم يَبْلُغوا الحُلُمَ مِن أولادِكم الصغارِ - حرَجٌ ولا إثمٌ {بَعْدَهُنَّ} ، يعني: بعدَ العوراتِ الثلاثِ.

والهاءُ والنونُ في قولِه: {بَعْدَهُنَّ} . عائدتان على "الثلاثِ" مِن قولِه: {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} . وإنما يعنى بذلك أنه لا حَرَج ولا جُناحَ على الناسِ أن يدخُلَ

(3)

عليهم مَمالِيكُهم البالِغون، وصِبْيانُهم الصغارُ، بغيرِ إذنٍ بعدَ هذه الأوقاتِ الثلاثِ اللاتى ذَكَرَهنَّ في قولِه:{مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} .

(1)

هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 459.

(2)

هي قراءة حمزة والكسائي وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.

(3)

في ص، ت 2، ف:"يدخلهم".

ص: 356

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم رَخَّص لهم في الدخولِ فيما بينَ ذلك بغيرِ إذنٍ، يعني: فيما بينَ صلاةِ الغداةِ إلى الظهرِ، وبعدَ الظهرِ إلى صلاةِ العشاءِ، أنه رَخَّص لخادمِ الرجلِ والصبيِّ أن يدخُلَ عليه منزلَه بغيرِ إذنٍ. قال: وهو قولُه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} . فأمَّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه إلا بإذْنٍ على كلِّ حال

(1)

.

وقولُه: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} . رُفِع "الطَّوافون" بمُضْمَرٍ، وذلك "هم"، يقولُ لهؤلاء المماليكِ والصَّبْيانِ الصغارِ: هم طَوَّافون عليكم أيُّها الناسُ.

ويعنى بالطَّوَّافين أنهم يدخُلون ويخرُجون على مَوالِيهم وأقْرِبائِهم في منازلِهم غُدْوَةً وعَشِيَّةً بغيرِ إذنٍ، يَطُوفون عليهم.

{بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} في غيرِ الأوقاتِ الثلاثِ التي أمَرهم ألا يُدخلوا على سَاداتِهم وأقْرِبائِهم فيها إلا بإذنٍ، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ}. يقولُ جلّ ثناؤُه: كما بَيَّنْتُ لكم أيُّها الناسُ أحكامَ الاسْتئذانِ في هذه الآيةِ، كذلك يُبَيِّنُ اللهُ لكم جميعَ أعْلامِه وأدلتِه وشرائعِ دِينِه، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. يقولُ: واللهُ ذو علم بما يُصْلِحُ عبادَه، حكيمٌ في تَدْبيرِه إياهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2636، وهو تتمة الأثر المتقدم في ص 353.

ص: 357

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا بلَغ الصغارُ مِن أولادِكم وأقْربائِكم. ويعنى بقولِه: {مِنْكُمُ} : مِن أَحْرارِكم - {الْحُلُمَ} . يعنى الاحْتلامَ، واحْتَلَموا، {فَلْيَسْتَأْذِنُوا}. يقولُ: فلا يدخُلوا عليكم في وقتٍ مِن الأوقاتِ إلا بإذنٍ، لا في أوقاتِ العَوراتِ الثلاثِ ولا في غيرِها.

وقوله: {كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . يقولُ: كما اسْتَأْذَنَ الكبارُ مِن ولَدِ الرجلِ وأقربائِه الأحرارِ. وخَصَّ اللهُ تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ الأطفالَ بالذَّكْرِ وتَعْريفِ حكمِهم عبادَه في الاستئذانِ، دونَ ذِكْرِ ما مَلَكَت أيمانُنا، وقد تقدَّمَت الآيةُ التي قبلَها بتَعْريفِهم حكمَ الأطفالِ الأحرارِ والمماليكِ؛ لأن حُكْمَ ما مَلَكَت أيمانُنا مِن ذلك حكمٌ واحدٌ، سواءٌ فيه حكمُ كبارِهم وصغارِهم، في أن الإذنَ عليهم في الساعاتِ الثلاثِ التي ذكَرها اللهُ في الآيةِ التي قبلُ.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أمَّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ، فإنه لا يدخُلُ على الرجلِ وأهلِه، يعنى مِن الصبيانِ الأحرارِ، إلا بإذنٍ على كلِّ حالٍ، وهو قولُه:{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2637 من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في ص 353، 357.

ص: 358

قال عطاءٌ: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} . قال: واجبٌ على الناسِ أجمعين أن يَسْتأذِنوا إذا احْتَلَموا على مَن كان مِن الناسِ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن ابن المسيَّبِ، قال: يَسْتأْذِنُ الرجلُ على أمِّه. قال: إنما أُنزلت: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ} في ذلك

(2)

.

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} . يقولُ: هكذا يُبَيِّنُ اللهُ لكم

(3)

.

أحكامَه وشرائعَ دينِه، كما بَيَّنَ لكم أمرَ هؤلاء الأطفالِ في الاستئذانِ بعدَ البلوغِ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. يقولُ: واللَّهُ عليمٌ بما يُصْلِحُ خلقَه وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ، حكيمٌ في تَدْبيرِه خلقَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّواتى قد قَعَدْنَ عن الولدِ مِن الكِبَرِ مِن النساءِ، فلا يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ - واحِدتُهنَّ قاعدٌ - {اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا}. يقولُ: اللاتي قد يَئِسْنَ مِن البُعُولةِ، فلا يَطْمَعْنَ في الأزواجِ، {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}. يقولُ: فليس عليهنَّ حَرَجٌ ولا إثمٌ {أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} .

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 12/ 308 عن ابن جريج، عن عطاء.

(2)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 16/ 233 من طريق ابن وهب به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2638 من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب به.

(3)

بعده في ص، م، ت 1، ت 3، ف:"آياته".

ص: 359

يعني: جَلَابِيبَهنَّ، وهى القِناعُ الذي يكونُ فوقَ الخِمارِ، والرداءُ الذي يكونُ فوقَ الثيابِ، لا حرَجَ عليهنَّ أن يَضَعْنَ ذلك عندَ المحارمِ مِن الرجالِ، وغيرِ المحارمِ مِن الغُرباءِ

(1)

، غيرَ مُتَبرِّجاتٍ بزينةٍ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} : وهى المرأةُ، لا جُناحَ عليها أن تجلسَ في بيتِها بدِرْعٍ وخِمارٍ، وتَضَعَ عنها الجلبابَ، ما لم تَتَبرَّجْ لِما يكرَهُ اللَّهُ، وهو قولُه:{فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} . ثم قال: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} : يعنى الجلبابَ، وهو القِناعُ، وهذا للكبيرةِ التي قد قَعَدَت عن الولدِ، فلا يَضُرُّها أَلا تَجَلْبَبَ فوقَ الخِمارِ

(3)

. وأما كلُّ امرأةٍ مسلمةٍ حُرَّةٍ، فعليها إذا بَلَغَت المَحِيضَ أَن تُدْنِيَ الجِلْبابَ على الخِمارِ، وقال اللهُ في سورةِ "الأحزاب": {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ

(1)

في ت 1: "القرباء".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2641، والبيهقى 7/ 93 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر 5/ 57 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2639 من طريق أبي معاذ به، دون قوله: يعنى الجلباب، وهو القناع.

ص: 360

جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]. وكان بالمدينةِ رجالٌ مِن المنافِقين إذا مَرَّتْ بهم امرأةٌ سيئةُ

(1)

الهيئةِ والزَّيِّ، حَسِبَ المنافقون أنها مريبةٌ

(2)

، وأنها مِن بُغْيِتهم، فكانوا يُؤْذُون المؤمناتِ بالرَّفَثِ، ولا يَعْلَمون الحُرَّةَ مِن الأَمَةِ، فأنزَل اللهُ في ذلك:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} . يقولُ: إِذا كان زِيُّهِنَّ حَسَنًا لم يَطْمَعْ فيهن المُنافقون.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} : التي

(3)

قَعَدَت مِن الولدِ وكَبِرَت. قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: {اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} . قال: لا يُرِدْنَه، {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}. قال: جَلابِيبَهنَّ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} . قال: وَضْعُ الخِمارِ. قال: للتى لا تَرْجُو نِكاحًا، التي قد بَلَغَت ألا يكون لها في الرجالِ حاجةٌ، ولا للرجالِ فيها حاجةٌ، فإذا بَلَغْنَ ذلك وَضَعْن الخِمارَ، غيرَ مُتَبَرِّجاتٍ بزينةٍ، ثم قال: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ

(1)

في ت 2: "سنية".

(2)

في م: "مزنية"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"مزينة".

(3)

في ت 1، ت 2، ت 3:"اللاتي قد".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2640 من طريق حجاج به مقتصرًا على قوله: لا يردنه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 57 إلى ابن المنذر. وقوله: جلابيبهن. في تفسير مجاهد ص 494. وسيأتي في ص 364.

ص: 361

لَهُنَّ} كان أبي يقولُ هذا كلَّه

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ بن مَرْثَدٍ، عن زرٍّ

(2)

، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه:{فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} . قال: الجِلْبابَ أو الرداءَ. شكَّ سفيانُ

(3)

.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ:{فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} . قال: الرِّداءُ.

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جَدِّه، عن الأعمش، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، قال: قال عبدُ اللهِ في هذه الآيةِ: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} . قال: هي المِلْحَفَةُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سمِعتُ أبا وائلٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} . قال: الجِلْبابَ

(4)

.

قال

(5)

: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني الحَكَمُ، عن أبي

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2640 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

في النسخ: "ذر".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2640 من طريق عبد الرحمن وحده به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 63، والطبراني (9022) من طريق سفيان به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2640، والبيهقى 7/ 93 من طريق شعبة به.

(5)

سقط من: ص، م، ف.

ص: 362

وائلٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن ابن مسعودٍ في قولِه:{أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} . قال: هو الرداءُ

(1)

.

قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: قال الثوريُّ: وأخبرَني أبو حَصِينٍ وسالمٌ الأفطسُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: هو الرداءُ

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ:{أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} . قال: تَضَعُ الجلبابَ المرأةُ التي قد عَجَزَت ولم تَزَوَّجُ. قال الشعبيُّ: فإن

(3)

أبيَّ بنَ كعبٍ يقرأُ: (أن يَضَعْنَ مِنْ

(4)

ثِيابِهنَّ

(5)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: قلتُ لابنِ أبي نجيحٍ قولَه: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} . قال: الجلبابُ. قال يعقوبُ: قال أبو يونسَ: قلتُ له: عن مجاهدٍ؟ قال: نعم، في الدارِ والحجرة.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 63، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2640.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 63.

(3)

في ص، ت 1:"قال".

(4)

سقط من: ت 1، ف.

(5)

وهى قراءة ابن مسعود وابن عباس. ينظر تفسير القرطبي 12/ 309.

ص: 363

مجاهدٍ قولَه: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} . قال: جَلابِيبَهُنَّ

(1)

.

وقولُه: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} . يقولُ: ليس عليهنَّ جناحٌ في وَضْعِ أَرْدِيتِهِنَّ إذا لم يُرِدْنَ بوضعِ ذلك عنهن أن يُبْدِينَ ما عليهنَّ مِن الزينةِ للرجالِ.

والتَّبَرُّجُ

(2)

هو أن تُظْهِرَ المرأةُ مِن مَحاسنِها ما ينبَغِي لها أن تَسْتُرَه.

وقوله: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} . يقولُ: [أن يَعْفُفُن]

(3)

عن وَضْعِ جَلابيبِهنَّ وأَرْدِيتِهنَّ، فيُلْبِسْنَها، خيرٌ لهنَّ مِن أَن يَضَعْنَها.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} . قال: أَن يَلْبِسْنَ جَلَابِيبَهن

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةً، عن الشعبيِّ:{وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} . قال: تَرْكُ ذلك. يعنى تركَ وضعِ الثيابِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَأَنْ

(1)

تفسير مجاهد ص 494، وتقدم في ص 361.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

في ص، م:"إن تعففن".

(4)

تفسير مجاهد ص 494 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2642 ـ

ص: 364

يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}. قال: والاسْتِعفافُ شَلُّ

(1)

الخمارِ على رأسِها، كان أبي يقولُ هذا كلَّه.

[{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} ما تَنْطِقون]

(2)

بألسنتِكم، {عَلِيمٌ} بما تُضْمِرُه صُدُورُكم، فاتَّقُوه أن تَنْطِقوا بألسنتِكم ما قد نَهاكم عن أن تَنْطِقوا بها، أو تُضْمِروا في صُدُورِكم ما قد كَرِهَه لكم، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه عُقوبَةً

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)} .

قال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ

(4)

هذه الآيةِ وفي المعنى الذي أُنزلت فيه؛ فقال بعضُهم: أُنزلت هذه الآيةُ تَرْخِيصًا للمسلمين في الأكْلِ مع العُمْيانِ والعُرْجانِ والمَرْضَى وأهلِ الزَّمانةِ مِن طعامِهم، مِن أجلِ أنهم كانوا قد امتَنَعوا مِن أن يأكُلُوا معهم مِن طعامِهم؛ خشيةَ أن يكونوا قد أَتَوا بأكْلِهم معهم مِن طعامِهم ما

(5)

نَهاهم اللَّهُ عنه بقولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ

(1)

في م: "لبس"، وفى ف:"ميل". وشلَّ الدرعَ يشلها شلًّا إذا لبسها. اللسان (ش ل ل).

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

في ت 2: "عقوبته".

(4)

سقط من: م، ت 1، ف.

(5)

في م: "شيئا مما".

ص: 365

بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29].

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا

(1)

أَوْ أَشْتَاتًا}: وذلك لَمَّا أنزَل اللَّهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} . فقال المسلمون: إن اللَّهَ قد نَهانا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطلِ، والطعامُ هو

(2)

من أفضلِ الأموالِ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ مِنَّا أن يأكُلَ عندَ أحدٍ. فَكَفَّ الناسُ عن ذلك، [فأنزَل اللَّهُ]

(3)

بعدَ ذلك: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} إلى قولِه: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ}

(4)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} الآية: كان أهلُ المدينةِ قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يُخالِطُهم في طعامِهم أعمى ولا مريضٌ، فقال بعضُهم: إنما كان بهم التَّقَذُّرُ والتَّقَزُّزُ. وقال بعضُهم: قالوا

(5)

: المريضُ لا يَسْتَوْفِي الطعامَ كما يَسْتَوْفِي الصحيحُ، والأعرجُ المُنْحَبِسُ لا يستطيعُ المُزاحمةَ على الطعامِ، والأعمى لا يُبْصِرُ طَيِّبَ الطعامِ. فأنزَل اللَّهُ: ليس عليكم

(6)

حرَجٌ في مُؤاكَلةِ المريضِ والأعمى

(1)

في ص، م، ت 1:"من بيوتكم إلى قوله".

(2)

سقط من: م.

(3)

سقط من ت 2.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2648 من طريق أبي صالح به، وأخرجه البيهقى 7/ 274، 275 من طريق عكرمة، عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 58 إلى ابن المنذر.

(5)

سقط من: م، ت 2، ف.

(6)

بعده في ت 1: "جناح، أي".

ص: 366

والأعرجِ

(1)

.

فمعنى الكلامِ على تأويلِ هؤلاءِ: ليس عليكم أيُّها الناسُ في الأعمى حَرَجٌ أن تأكُلوا منه ومعه، ولا في الأعرجِ حَرجٌ

(2)

، ولا في المريضِ حَرَجٌ، ولا في أنفسِكم، أن تأكُلوا من بيوتِكم. فَوَجَّهوا معنى "على" في هذا الموضعِ إلى معنى "في".

وقال آخرون: بل نزلَت هذه الآيةُ تَرْخِيصًا لأهلِ الزَّمانةِ، في الأكلِ من بُيُوتِ مَن سَمَّى اللَّهُ في هذه الآيةِ؛ لأن قومًا كانوا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إذا لم يَكُنْ عندَهم في بيوتِهم ما يُطْعِمونهم، ذهَبوا بهم إلى بيوتِ آبائِهم وأمهاتِهم، أو بعضِ مَن سَمَّى اللَّهُ في هذه الآيةِ، فكان أهلُ الزَّمانةِ يتحوَّبُونَ

(3)

من أن يَطْعَموا ذلك الطعامَ؛ لأنه أطعمَهم غيرُ مالِكِه

(4)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: لا جُناحَ عليكم {أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} . قال: كان رجالٌ زَمْنَى. قال ابن عمرٍو في حديثِه: عُمْيانٌ وعُرْجانٌ. وقال الحارثُ: عُمْىٌ عُرْجٌ أولو حاجةٍ. يَسْتَتْبِعُهم

(5)

رجالٌ إلى بيوتِهم، فإن لم يَجِدوا طعامًا ذَهَبوا بهم إلى بيوتِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2643 من طريق أبي معاذ به.

(2)

زيادة من: م.

(3)

في م: "يتحوفون".

(4)

في م: "ملكه"، وفي ت 2:"ماله".

(5)

في ت 1، ف:"سيتبعهم". وفى ت 2: "يستبقهم".

ص: 367

آبائِهم

(1)

، ومَن عَدَّدَ منهم مِن

(2)

البيوتِ، فكَرِةَ ذلك المُسْتَتْبَعون

(3)

، فأَنزَل اللَّهُ في ذلك:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} . وأحَلَّ لهم الطعامَ حيثُ وَجَدوه

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان الرجلُ يذهَبُ بالأعْمَى والمريضِ و

(5)

الأعْرجِ إلى بيتِ أبيه، أو إلى بيتِ أخيه، أو عمِّه، [أو خالِه]

(6)

، أو خالتِه، فكان الزَّمْنَى يتَحرَّجون مِن ذلك، يقولون: إنما يذهَبون بنا إلى بيوتِ غيرِهم. فنزلَت هذه الآيةُ رُخْصةً لهم

(7)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ ابن عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.

وقال آخرون: بل نزلَت تَرْخِيصًا لأهلِ الزَّمانةِ الذين وصَفهم اللَّهُ في هذه الآيةِ، أن يأكُلوا مِن بيوتِ مَن خَلَّفهم في بيوتِه مِن الغُزاةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، قال: قلتُ للزهريِّ في قولِه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} : ما بالُ الأعمى ذُكِر ههنا،

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

في ت 2: "في".

(3)

في ت 2: "المستقون".

(4)

تفسير مجاهد ص 495 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2645، والبيهقي 7/ 275، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 58 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

في ص، ت 1، ف:"أو"

(6)

سقط من: ت 2.

(7)

تفسير عبد الرزاق 2/ 64. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2645.

ص: 368

والأعرجِ والمريضِ؟ فقال: أخبَرني عبيدُ

(1)

اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ أَن المسلمين كانوا إذا غَزَوا خَلَّفوا زَمْناهم، وكانوا يَدْفَعون إليهم مفاتيحَ أبوابِهم

(2)

، يقولون: قد أحْلَلْنا لكم أن تأكُلوا مما في بيوتِنا. وكانوا يَتَحَرَّجون مِن ذلك، يقولون: لا ندخُلُها وهم غَيَبٌ. فأُنزِلَت هذه الآيةُ رُخْصَةً لهم

(3)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بقولِه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} . في التَّخَلُّفِ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. قالوا: وقولُه: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} . كلامٌ مُنقطِعٌ عما قبلَه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} . قال: هذا في الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. وفى قولِه: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} إلى قولِه: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} . قال: هذا شيءٌ قد انقطَع، إنما كان هذا في أوَّلَ

(4)

، لم يَكُنْ لهم أبوابٌ، وكانت السُّتُورُ مُرْخاةً، فربما

(5)

دخَل الرجلُ البيتَ وليس فيه أحدٌ، فربَّما وجَد الطعامَ وهو جائعٌ، فَسَوَّغه اللَّهُ أن يأكُلَه. قال: وقد ذهَب ذلك اليومُ؛ البيوتُ اليومَ فيها أهلُها، وإذا خَرَجوا أغْلَقوها، فقد ذهَب ذلك

(6)

.

(1)

في ت 2: "عبد".

(2)

في ت 2: "بيوتهم".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 64، وأخرجه أبو داود في مراسيله ص 225 من طريق معمر به، وذكره عنه البيهقي 7/ 275، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 58 إلى عبد بن حميد.

(4)

في م: "الأول"

(5)

في ت 1: "فإذا"، وفى ف:"فلما".

(6)

سقط من ت 2.

ص: 369

وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ تَرْخيصًا للمسلمين الذين كانوا يَتَّقون مُؤاكَلةَ أهلِ الزَّمانةِ في مُؤاكَلتِهم إذا شاءُوا ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن مِقْسَمٍ في قولِه:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} . قال: كانوا يَتَّقُون أن يأكُلوا مع الأعمى والأعرجِ، فنزَلت:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا}

(1)

.

واختَلفوا أيضًا في معنى قولِه: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} ؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك وكيلَ الرجلِ وقَيِّمَه، أنه لا بأسَ عليه أن يأكُلَ مِن ثَمَرِ

(2)

ضَيْعَتِه ونحوِ ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} : وهو الرجلُ يُوَكِّلُ الرجلَ بضَيْعتِه، فرخَّص اللَّهُ له أن يأكُلَ مِن ذلك الطعامِ والتمرِ

(3)

ويشربَ اللبنَ

(4)

.

= والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2646 من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعلق أوله في 8/ 2644.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2643 من طريق سفيان به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 58 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"تمر".

(3)

في ت 2: "الثمر".

(4)

تقدم أوله في ص 366.

ص: 370

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك منزلُ الرجلِ نفسه، أنه لا بأسَ عليه أن يأكُلَ منه

(1)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} . يعني: بيتَ أحدِهم، فإنه يَمْلِكُه، والعبيدُ منهم مما مَلَكوا

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} : مما تَخْتَرِنُ

(3)

يا بنَ آدمَ

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال:{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} . قال: خزائنَ لأنفسِهم، ليست لغيرِهم

(5)

.

وأشبهُ الأقوالِ التي ذكَرنا في تأويلِ قولِه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} إلى قولِه: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} القولُ الذي ذكَرنا عن الزهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ، وذلك أن أظهرِ معاني قولِه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ

(1)

سقط من: م.

(2)

في ص، ت 1، ف:"يملكوا"، وفى ت 2:"يملكون".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2647 من طريق أبي معاذ به.

(3)

في م: "تحبون". والمثبت موافق لما في مصدرى التخريج.

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 64، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2647 من طريق سعيد، عن قتادة.

(5)

تفسير مجاهد ص 495 من قول ابن جريج.

ص: 371

حَرَجٌ}: أنه لا حَرَجَ على هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآيةِ أن يأكُلوا مِن بيوتِ مَن ذكَره اللَّهُ فيها، على ما أباحَ لهم مِن الأكلِ منها. فإذ كان ذلك أظهرَ مَعانِيه، فتَوْجِيهُ معناه إلى الأغلبِ الأعرفِ مِن مَعانيه أولَى من تَوْجيهِه إلى

(1)

الأَنْكَرِ منها. فإذ كان ذلك كذلك، كان ما خالَف

(2)

مِن التأويلِ قولَ مَن قال: معناه: ليس في الأعمى والأعرجِ حَرَجٌ - أولى بالصوابِ.

وكذلك أيضًا الأغلبُ مِن تأويلِ قولِه: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} . أنه بمعنى: ولا عليكم أيُّها الناسُ. ثم جمَع هؤلاء والزَّمْنَى الذين ذكَرهم قبلُ في الخطابِ، فقال: أن تأكُلوا مِن

(3)

بيوتِ أنفسِكم. وكذلك تفعلُ العربُ إذا جمعَت بينَ خبرِ الغائبِ والمخاطَبِ، غلَّبَتِ المخاطَبَ فقالت: أنت وأخوك قُمْتُما، وأنت وزيدٌ جلَستُما. ولا تقولُ

(4)

: أنت وأخوك

(5)

جلَسا. وكذلك قولُه: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . والخبرُ عن الأعمى والأعرجِ والمريضِ، غَلَّب المخاطبَ فقال:{أَنْ تَأْكُلُوا} . ولم يَقُلْ: أن يأكُلوا.

فإن قال قائلٌ: فهذا الأكْلُ مِن بيوتِهم قد عَلِمناه

(6)

كان لهم حلالًا

(7)

كان مِلْكًا لهم، أَوَ كان أيضًا حلالًا لهم الأكلُ مِن مالِ غيرِهم؟

(1)

سقط من: ت 1.

(2)

في ت 2: "فخالف".

(3)

في ت 2: "في".

(4)

في ص: "يقول".

(5)

في ت 1: "زيد".

(6)

في ت 2: "علمنا".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"أو".

ص: 372

قيل له: ليس الأمرُ في ذلك على ما توهَّمْتَ، ولكنه كما ذكَرناه

(1)

عن عُبَيدِ

(2)

اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ، أنهم كانوا إذا غابُوا في مَغازيهم، وتَخلَّف أهلُ الزَّمانةِ منهم، دفَع الغازِي مِفْتَاحَ مَسْكنِه إلى المُتَخَلِّفِ منهم، فأطلَق له في الأكلِ مما يَخْلُفُ

(3)

في منزلِه مِن الطعامِ، فكان [المُتَخلِّفُ يتحوَّب]

(4)

الأكلَ مِن ذلك وربُّه غائبٌ، فأعلَمه اللَّهُ أنه لا حرجَ عليه في الأكلِ منه، وأذِن لهم في أكْلِه. فإذ كان ذلك كذلك تَبَيَّنَ

(5)

ألا معنَى لقولِ مَن قال: إنما

(6)

أُنزلت هذه الآيةُ مِن أجلِ كراهةِ المُسْتَتْبِعِ أَكلَ طعامِ غيرِ المُسْتَتْبَعِ؛ لان ذلك لو كان كما

(7)

قال مَن قال ذلك لقيل: ليس عليكم حَرَجٌ أن تأكُلوا مِن طعامِ غيرِ مَن أضافَكم، أو مِن طعامِ آباءِ مَن دَعاكم. ولم يَقُلْ:{أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} . وكذلك لا وجهَ لقولِ مَن قال: معنى ذلك: ليس على الأعمى حَرَجٌ في التخلفِ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ؛ لأن قولَه: هو {أَنْ تَأْكُلُوا} خبرُ و {لَيْسَ} ، {أَنْ} في موضعِ نصبٍ على أنها خبرٌ لها، فهي متعلقةٌ بـ {لَيْسَ} ، فمعلومٌ بذلك أن معنى الكلامِ: ليس على الأعمى حرجٌ أن يأكُلَ

(8)

مِن بيتِه. لا ما قاله الذين ذكَرنا، من أنه لا حرجَ عليه في التخلفِ عن الجهادِ.

فإذ كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفنا، تَبَيَّنَ أن معنى الكلامِ: لا ضِيقَ

(1)

في ت 2: "ذكرنا".

(2)

في ت 2: "عبد".

(3)

في ت 2، ف:"تخلف".

(4)

في م: "المتخلفون يتخوفون"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"المتخلف يتخوف"، وفى ف "المتخوف يتخوف".

(5)

في ص: "فبين".

(6)

بياض في: ف

(7)

في ت 1، ت 2:"ايا".

(8)

في ف: "تأكلوا".

ص: 373

على الأعمى، ولا على الأعرجِ، ولا على المريضِ، ولا عليكم أيُّها الناسُ، أن تأكُلوا مِن بيوتِ أنفسِكم، أو مِن بيوتِ آبائِكم، [أو مِن بيوتِ أمهاتِكم]

(1)

، أو مِن بيوتِ إخوانِكم، أو مِن بيوتِ أخواتِكم، أو مِن بيوتِ أعْمامِكم، أو مِن بيوتِ عَمَّاتِكم، أو مِن بيوتِ أخوالِكم، أو مِن بيوتِ خالاتِكم، أو مِن البيوتِ التي مَلَكْتُم مَفاتِحَها

(2)

، أو مِن بيوتِ صديِقكم، إذا أذِنوا لكم في ذلك عندَ مَغِيبِهم ومَشْهَدِهِم.

والمفاتُحِ: الخزائنُ، واحِدُها: مِفْتَحٌ، إذا أُرِيدَ به المصدرُ، وإذا كان مِن المفاتيحِ التي

(3)

يُفْتَحُ

(4)

بها، فهى مِفْتَحٌ ومَفاتِحُ

(5)

. وهى ههنا على التأويلِ الذي اخْتَرناه جمعُ مِفْتَحٍ الذي يُفْتَحُ به.

وكان قتادةُ يتأوَّلُ في قولِه: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} . ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{أَوْ صَدِيقِكُمْ} : فلو أكَلْتَ مِن بيتِ صديقِك مِن غيرِ أمرِه، لم يَكُنْ بذلك بأسٌ. قال معمرٌ: قلتُ لقتادةَ: أَوَ

(6)

لَا أشربُ مِن هذا الحُبِّ

(7)

؟ قال: أنت لي

(8)

صديقٌ

(9)

.

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"مفاتحه".

(3)

في ص، ت 1، ف:"الذي".

(4)

في ت 2: "تفتح".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"مفتاح".

(6)

سقط من: ص، ت 1، ف.

(7)

في ت 1، ت 2:"الحُبُّ". والحُبُّ: الجرة الضخمة. اللسان (ح ب ب).

(8)

سقط من ت 1، ف.

(9)

تفسير عبد الرزاق 2/ 65 مختصرا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2648 من طريق سعيد، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 59 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 374

وأما قولُه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} . فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: كان الغنيُّ مِن الناسِ يَتَحوَّبُ

(1)

أن يأكُلَ مع الفقيرِ، فرَخَّص لهم في الأكلِ معهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} . قال: كان الغنيُّ يدخُلُ على الفقيرِ من ذَوِى قرابتِه وصديقِه، فيَدْعُوه إلى طعامِه ليأكُلَ معه، فيقولُ:[واللَّهِ إنى]

(2)

لأَجْنَحُ أن أكُلَ معك - والجُنْحُ: الحَرَجُ - [وأنا غنيٌّ]

(3)

وأنت فقيرٌ. فأُمِروا أن يأكُلوا جميعًا أو أشْتاتًا

(4)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك حيٌّ مِن أحياءِ العربِ، كانوا لا يأكُلُ أحدُهم وحدَه، [ولا يأكُلُ إلا مع غيرِه، فأَذِن اللَّهُ لهم أن يأكُلَ مَن شاء منهم وحدَه]

(5)

، ومَن شاء منهم مع غيرِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا يأنَفُون ويَتَحَرَّجون أن يأكُلَ الرجلُ الطعامَ وحدَه حتى يكونَ معه

(1)

في م: "يتخوف".

(2)

في ت 2: "اني والله".

(3)

في ت 1: "وإنما عنى".

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 65 عن عطاء، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2647 من طريق عثمان بن عطاء، عن عطاء قوله.

(5)

سقط من: ت 2.

ص: 375

غيرُه، فرَخَّص اللهُ لهم، فقال:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا}

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كانت بنو كِنانةَ

(2)

يَسْتَحْيِي الرجلُ منهم أن يأكُلَ وحدَه، حتى نزلَتْ هذه الآيةُ

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كانوا لا يأكُلون إلا جميعًا، ولا يأكُلون مُتَفرِّقين، وكان ذلك فيهم دِينًا، فأنزَل اللهُ: ليس عليكم حَرَجٌ

(4)

في مُؤاكَلةِ المريضِ والأعمى، وليس عليكم حَرجٌ أن تأكُلوا جميعًا أو أشْتاتًا

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} . قال: كان مِن العربِ مِن لا يأكُلُ أبدًا جميعًا، ومنهم مَن لا يأكُلُ إلا جميعًا، فقال اللَّهُ ذلك

(6)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: نزلَت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} في حيٍّ مِن العربِ كان الرجلُ منهم لا يأكُلُ طعامَه وحدَه، كان يحمِلُه بعضَ يومٍ حتى يَجِدَ مَن يأكُلُه معه. قال: وأحسَبُ أنه ذكَر أنهم مِن كِنانَة

(7)

.

(1)

تقدم تخريجه في ص 366.

(2)

بعده في ص، ف:"بقول"، وفى ت 1، ت 2:"تقول".

(3)

ينظر التبيان 7/ 410.

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2647 من طريق أبي معاذ به.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2649 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(7)

تفسير عبد الرزاق 2/ 65، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2649 من طريق سعيد، عن قتادة،=

ص: 376

[قال آخرون: بل عُنِى بذلك قومٌ كانوا لا يأكُلون إذا نزَل بهم ضيفٌ إلا مع ضَيْفِهم]

(1)

، فرَخَّص

(2)

لهم في

(3)

أن يأكُلوا كيف شاءوا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن أبي صالحٍ وعكرمةَ، قالا: كانت الأنصارُ إذا نزَل بهم الضيفُ، لا يأكُلون حتى يأكُلَ الضيفُ معهم، فرُخِّصَ لهم، قال اللهُ: لا جُناحَ عليكم أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا

(4)

.

وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله وضَع الحَرَج عن

(5)

المسلمين، أن يأكُلوا جميعًا معًا إذا شاءوا، أو أشْتاتًا مُتَفرِّقين إذا أرادوا، وجائزٌ أن يكونَ ذلك نزَل بسببٍ مَن كان يتحوَّبُ

(6)

مِن الأغنياءِ الأكلَ مع الفقيرِ، وجائزٌ أن يكونَ نزَل بسببِ القومِ الذين ذُكر أنهم كانوا لا يَطْعَمون وُحْدانًا، وبسببِ غيرِ ذلك، ولا خبرَ بشيءٍ مِن ذلك يقطَعُ العُذْرَ، ولا دلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على حقيقةِ شيءٍ منه. والصوابُ التسليمُ لِما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، والتوقفُ فيما لم يَكُنْ على صحتِه دليل.

= وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 58 إلى عبد بن حميد.

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

سقط من: ت 1، ف.

(3)

سقط من ت 1، ت 2.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 58 إلى المصنف وابن المنذر.

(5)

في ص، ف:"على".

(6)

في م: "يتخوف".

ص: 377

وقولُه: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا دخَلتُم أَيُّها الناسُ بيوتَ أنفسِكم، فسَلَّموا على أهْلِيكم وعيالِكم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ وقتادةَ في قولِه:{فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . قالا: بيتُك إذا دخَلْتَه، فقُلْ

(1)

: سلامٌ عليكم

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . قال: سَلِّمْ على أهْلِك. قال ابن جريجٍ: وسُئِل

(3)

عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: أحقٌّ

(4)

على الرجلِ إذا دخَل على أهلِه أَن يُسَلِّمَ عليهم

(5)

؟ قال: نعم. وقالها عمرُو بنُ دينارٍ. وتَلَوَا: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} . قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ ذلك غيرَ مَرَّة.

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: إذا دخلتَ على أَهْلِك فسلِّمْ عليهم، {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

(1)

في ت 2: "فقال".

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 65، ومن طريقه البيهقي في الشعب (8840)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2649 من طريق معمر به.

(3)

بعده في م: "عن".

(4)

في ت 2: "أحتى".

(5)

في ت 2: "على أهله".

ص: 378

مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}. قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه

(1)

.

قال ابن جريجٍ: وأخبَرني زيادٌ، عن ابن طاوسٍ أنه كان يقولُ: إذا دخَل أحدُكم بيتَه فليُسلِّمْ

(2)

.

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: إذا خرجتُ أواجِبٌ السلامُ أن

(3)

أُسلِّمَ عليهم؟ فإنما قال: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا} . قال: ما أَعْلَمُه واجبًا، ولا آثُرُ عن أحدٍ وجوبَه، ولكن أحبُّ إليَّ، وما أدَعُه إلا ناسيًا

(4)

.

قال ابن جُرَيجٍ: وقال عمرُو بنُ دينارٍ: لا.

قال: قلتُ لعطاءٍ: فإن لم يَكُنْ في البيتِ أحدٌ؟ قال: سَلِّمْ؛ قُلْ: السلامُ على النَّبيِّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، السلامُ على أهلِ البيتِ ورحمةُ اللهِ. قلتُ له: قولُك هذا إذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ

(5)

، عمَّن تَأْثُرُه؟ قال: سمِعتُه، ولم يُؤْثَرْ لى عن أحدٍ

(6)

.

(1)

في ف: "توجيه". وفى رواية البخاري: ما رأيته إلا توجيه قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} . وسيأتي تخريج الأثر في الصفحة التالية.

(2)

في ت 2: "فيسلم".

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 94 عن ابن جريج به.

(3)

في م: "هل".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 94 عن ابن جريج به.

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 649 من طريق عبد الملك، عن عطاء، وأخرجه البيهقي في الشعب (8841) من طريق إسماعيل بن زكريا، عن عبد الملك بن عطاء قوله. ولفظهما كلفظ أثر ابن عباس الآتي.

ص: 379

قال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرني عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ، قال: السلامُ علينا مِن ربِّنا. وقال عمرُو بنُ دينارٍ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين.

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: ثنا صَدَقَةُ، عن زُهَيرٍ، عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دخَلتَ على أهْلِك فسَلِّمْ عليهم؛ {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} . قال: ما رأيتُه إلا يُوجِبُه

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبادٍ الرازيُّ، قال: ثنا [حجاجٌ بنُ محمدٍ]

(2)

الأعورُ، قال: قال لى ابن جُرَيجٍ: أخبَرني أبو الزبيرِ أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ. فذكَر مثلَه.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . يقول: سَلِّموا على أهالِيكم إذا دخَلتُم بيوتَكم، وعلى غيرِ أهالِيكم، فسلِّموا إذا دخَلتُم بيوتَهم

(3)

.

وقال آخرون: بل معناه: فإذا دخَلتُم المساجدَ فسلِّموا على أهْلِها.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2650 من طريق صدقة به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (1095) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 59 إلى ابن مردويه.

(2)

في ت 2: "محمد بن حجاج".

(3)

ينظر تفسير البغوي 6/ 66.

ص: 380

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . قال: هي المساجدُ، يقولُ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين

(1)

.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: {فَإِذَا

(2)

دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}. قال: إذا دخلتَ المسجدَ فقُل: السلامُ على رسولِ اللَّهِ، وإذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، وإذا دخلتَ بيتَك فقُل: السلامُ عليكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا دخَلتُم بيوتًا مِن بيوتِ المسلمين فيها ناسٌ منكم، فلْيُسلِّمْ بعضُكم على بعضٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . أي: لِيُسَلِّمْ بعضُكم على بعضٍ، كقولِه:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}

(3)

[النساء: 29].

(1)

أخرجه الحاكم 2/ 401، والبيهقي في الشعب (8836) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 66، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2650 من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 60 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"إذا".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 66، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2651 من طريق معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 60 إلى ابن المنذر.

ص: 381

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . قال: إذا دخَل المسلمُ [على المسلمِ]

(1)

سلّم عليه، كمثلِ قولِه:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} . إنما هو: لا تقتُلْ أخاك المسلمَ. وقولِه: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85]. قال: يقتُلُ بعضُكم بعضًا؛ قُرَيظةُ والنَّضِيرُ

(2)

.

وقال آخرون: معناه: فإذا دخَلتُم بيوتًا ليس فيها أحدٌ، فسَلِّموا على أنفسِكم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: إذا دخَلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين. وإذا دخَلتَ بيتًا فيه ناسٌ مِن المسلمين وغيرِ المسلمين فقُل مثلَ ذلك

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سنانٍ، عن ماهانَ، قال:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . قال: تقولُ

(4)

: السلامُ علينا مِن ربِّنا

(5)

.

(1)

سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور 5/ 60.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2651 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

أخرجه البيهقي في الشعب (8842) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 60 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(4)

في م: "تقولوا".

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 65، وابن أبي شيبة 8/ 649 من طريق سفيان به.

ص: 382

حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال شعبةُ: وسألتُه عن هذه الآيةِ: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . قال: قال إبراهيم: إذا دخلتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكَيرِ بن الأَشَجِّ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ كان إذا دخَل بيتًا ليس فيه أحدٌ، قال: السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، قال: ثنا منصورٌ، عن إبراهيمَ:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . قال: إذا دخلتَ بيتًا فيه يهودُ فقُل: السلامُ عليكم. وإن

(3)

لم يَكُنْ فيه أحدٌ فقُل: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: فإذا دخَلتُم بيوتًا مِن بيوتِ المسلمين فلْيُسَلِّمْ بعضُكم على بعضٍ.

وإنما قُلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} . ولم يَخْصُصُ مِن ذلك بيتًا

(4)

دونَ بيتٍ، وقال:{فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . يعنى: بعضُكم على بعضٍ. فكان معلومًا إذ لم يَخُصَّ

(5)

ذلك

(1)

أخرجه البيهقي في الشعب (8838) من طريق شعبة به.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 648، والبخارى في الأدب المفرد (1055) من طريق نافع به.

(3)

بعده في ت 2: "ثم".

(4)

في ت 2: "على بعض البيوت".

(5)

في م: "يخصص".

ص: 383

على بعضِ البيوتِ دونَ بعضٍ، أنه معنيٌّ به جميعُها؛ مساجدُها وغيرُ مساجدِها ومعنى قولِه:{فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} نظيرُ قولِه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29].

وقولِه: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . نصَب {تَحِيَّةً} . بمعنى: تُحَيُّون أنفسِكم تحيةً مِن عندِ اللهِ؛ السلامُ تحيةٌ. فكأنه قال: فليُحَيِّ بعضُكم بعضًا تحيةً مِن عندِ اللهِ.

وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ

(1)

يقولُ: إنما نُصِبت بمعنى: أَمَرَكم بها تفعَلونها

(2)

تحيةً منه.

ووصَف جلَّ ثناؤه هذه التحيةَ بالمباركةِ الطيبةِ؛ لِما فيها مِن الأجرِ الجزيلِ، والثوابِ العظيمِ.

وقولُه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا يُفَصِّلُ

(3)

اللهُ لكم معالمَ دينِكم، فيُبَيِّنُها لكم، كما فَصَّل لكم في هذه الآيةِ ما أحلَّ لكم فيها، وعرَّفكم سبيلَ الدخولِ على مَن تدخُلون عليه، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. يقولُ: لكى تَفْقَهوا عن اللهِ أمرَه ونهيَه وأدبَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ

(1)

هو الفراء في معاني القرآن 2/ 262.

(2)

في ت 1، ت 2، ف:"تفعلونه".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"يعمل".

ص: 384

وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما المؤمنون حقَّ الإيمان إلا الذين صدَّقوا الله ورسوله، {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ}. يقولُ: وإذا كانوا

(1)

مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم {عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} . يقولُ: على أمرٍ يجمعُ جميعَهم؛ مِن حربٍ حضَرَت، أو صلاةٍ

(2)

اجتُمِع لها، أو تشاوُرٍ في أمرٍ نزَل، {لَمْ يَذْهَبُوا}. يقولُ: لم ينصَرِفوا عما اجتَمعوا له مِن الأمرِ حتى يَسْتأذِنوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} . يقولُ: إذا كان أمرَ طاعةٍ للهِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} . قال: أمرٌ مِن طاعةِ اللهِ عامٌّ.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [محمدُ بنُ بكرٍ]

(4)

، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، قال: سأل مكحولًا الشاميَّ إنسانٌ، وأنا أسمعُ، ومكحولٌ جالسٌ مع عطاءٍ، عن

(1)

سقط من: ت 1.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"جمعت".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 653 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 60 إلى ابن المنذر.

(4)

في ت 2: "بن بكير".

ص: 385

قولِ اللهِ في هذه الآيةِ: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} . فقال مكحولٌ: في يومِ الجمعةِ، وفى زَحْفٍ، وفي كلِّ أمرٍ جامعٍ قد أمَر ألا يذهبَ أحدٌ في يومِ جمعةٍ

(1)

حتى يستأذنَ الإمامَ، وكذلك في كلِّ أمرٍ

(2)

جامعٍ. ألا تَرى أنه يقولُ: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ}

(3)

؟

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ إذا كانت له حاجةٌ والإمامُ يخطُبُ، قام فأمسَك بأنْفِهِ، فأشارَ إليه الإمامُ أن يخرُجَ. قال: فكان رجلٌ قد أرادَ الرجوعَ إلى أهلِه، فقامَ إلى هَرِمِ ابن حَيَّانَ وهو يخطُبُ، فأخَذ بأنْفِه، فأشارَ إليه هَرِمٌ أن يذهبَ، فخرَج إلى أهلِه فأقامَ فيهم، ثم قَدِم. قال له هَرِمٌ: أين كنتَ؟ قال: في أهْلى. قال: أَبإذْنِ ذَهَبتَ؟ قال: نعم؛ قمتُ إليك وأنت تخطُبُ، فأخذتُ بأنْفى، فأَشَرْتَ إليَّ أنِ اذهَبْ، فذهَبتُ. فقال: أفاتَّخَذْتَ هذا دَغَلًا

(4)

؟! أو كلمةً نحوَها. ثم قال: اللهمَّ أخِّرْ رجالَ السَّوْءِ إلى زمانِ السَّوْءِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه:{وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} . قال: هو الجمعةُ، إذا كانوا معه لم يذهَبوا حتى يستأذِنوه

(5)

.

(1)

في ت 2: "الجمعة".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ف.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 242 وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2653 (14918) من طريق ابن جريج، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 60 إلى عبد بن حميد.

(4)

أي: أتخدع به الناس، والدغل: الفساد، وقيل هو من قولهم: أدخلت في هذا الأمر. إذا أدخلت فيه ما يخالفه ويفسده. النهاية 2/ 123.

(5)

تفسير عبد الرزاق 2/ 66، ومصنفه 3/ 243.

ص: 386

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} . قال: الأمرُ الجامعُ حينَ يكونون معه في جماعةِ الحربِ أو جمعةٍ. قال: والجمعةُ مِن الأمرِ الجامعِ، لا ينبغى لأحدٍ أن يخرُجَ

(1)

إذا قعَد الإمامُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ إلا بإذنِ سلطانٍ، إذا كان حيثُ يَراه أو يقدِرُ عليه، ولا يخرُجُ إلا بإذنٍ، وإذا كان حيثُ لا يَراه ولا يقدِرُ عليه، ولا يَصِلُ إليه، فاللهُ أولى بالعُذْرِ

(2)

.

وقولُه: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين لا يَنْصَرِفون يا محمدُ، إذا كانوا معك في أمرٍ جامعٍ، عنك إلا بإذْنِك لهم؛ [طاعةً منهم]

(3)

للهِ ولك، وتَصْديقًا بما أتيتَهم به مِن عندى، أولئك الذين يُصَدِّقون الله ورسولَه حقًّا، لا مَن يخالفُ أمرَ اللَّهِ وأمرَ رسولِه، فينصرِفُ عنك بغيرِ إذنٍ منك له، بعدَ تَقدُّمِك إليه ألا ينصرفَ عنك إلا بإذْنِك.

وقولُه: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا اسْتأذَنك

(4)

يا محمدُ الذين لا يذهَبون عنك إلا بإذْنِك في هذه المواطنِ، {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ}. يعنى: لبعضِ حاجاتِهم التي تَعْرِضُ لهم، {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} في الانصرافِ عنك لقضائِها، {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ}. يقولُ: وادعُ الله لهم بأن يتفضَّلَ عليهم بالعفوِ عن تَبِعاتِ ما بينَه وبينَهم، {إِنَّ

(1)

بعده في ت 2: "إلا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2654 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

في ت 2: "استأذنوك".

ص: 387

اللَّهَ غَفُورٌ} لذنوبِ عبادهِ التائبِين، {رَحِيمٌ} بهم أن يُعاقِبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لا تَجْعَلُوا أَيُّها المؤمنون {دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} .

واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نَهَى اللهُ بهذه الآيةِ المؤمنين أن يَتعرَّضوا لدعاءِ الرسولِ عليهم، وقال

(1)

لهم

(2)

: اتَّقوا دعاءَه [عليكم، بأن تفعَلوا ما يُسْخِطُه، فيَدعُوَ لذلك

(3)

عليكم فتَهْلِكوا، فلا تجعَلوا دعاءَه كدعاءِ غيرِه مِن الناسِ؛ فإن دعاءَه]

(4)

موجِبةٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} : دعوةُ الرسولِ عليكم مُوجِبةٌ، فاحْذَروها

(5)

.

(1)

في ت 2: "يقول".

(2)

في ت 1، ت 2:"له".

(3)

في ت 1: "بذلك".

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2655 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 61 إلى ابن مردويه.

ص: 388

وقال آخرون: بل ذلك نَهْىٌ مِن اللهِ أن يَدْعُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِغَلَظٍ

(1)

وجَفاءٍ، وأمَرهم أن يَدْعُوه بلِينٍ وتواضعٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} . قال: أمَرهم أن يَدْعوا: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ، ولا يقولوا: يا محمدُ. في تَجهُّمٍ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} .

قال: أمَرهم أن يَدْعوه: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} . قال: أمَرهم أن يُفَحِّموه ويُشَرِّفوه

(3)

.

وأولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ عندى التأويلُ الذي قاله ابن عباسٍ؛ وذلك أن الذي قبلَ قولِه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} - نَهْيٌ مِن اللهِ المؤمنين أن يأتُوا مِن الانصرافِ عنه، في الأمرِ الذي يجمعُ

(1)

في ت 2: "بما يغلظ".

(2)

تفسير مجاهد ص 495 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2655، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 61 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 66، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2655 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر 5/ 61 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 389

جميعَهم، ما يكرَهُه، والذي بعدَه وعيدٌ للمُنصرفِين [عنه بغيرِ إذْنِه]

(1)

، فالذي بينَهما بأن يكونَ تحذيرًا لهم سُخْطَه، أن يَضْطرَّه إلى الدعاءِ عليهم، أشبهُ مِن أن يكونَ أمرًا لهم بما لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ من تَعْظيمِه وتوقيرِه بالقولِ والدعاءِ.

وقولُه: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنكم أيُّها المُنصرِفون عن نبيِّكم بغيرِ إِذْنِهِ، تَسَتُّرًا

(2)

وخُفْيَةً منه، وإن خَفِي أمرُ مَن يفعلُ ذلك منكم على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فإن الله يعلمُ ذلك ولا يخفَى عليه، فليَتَّقِ

(3)

مَن يفعلُ ذلك منكم، الذين يُخالفِون أمرَ اللهِ في الانْصرافِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا بإذْنِه - أن تُصِيبَهم فتنةٌ مِن اللهِ، أو يُصِيبَهم عذابٌ أَلِيمٌ، فيُطْبَعَ على قلوبِهم، فيكفَّروا باللهِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن

(4)

جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ:{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} . قال: [كانوا يَستتِرُ]

(5)

بعضُهم ببعضٍ، فيقومون، فقال:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} . قال: يُطبَعُ على قلبِه، فلا يُؤْمَنُ

(6)

أن يُظهِرَ

(1)

في م: "بغير إذنه عنه".

(2)

في ص، ت 2:"يسيرا"، وفي ت 1:"سرا".

(3)

بعده في ت 1: "الله".

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

في ت 2: "كان يسر".

(6)

في م، ت 1:"يأمن".

ص: 390

الكفرَ بلسانِه، فتُضْرَبَ

(1)

عُنُقُه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} . قال: خِلافًا

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} . قال: هؤلاء المُنافقون الذين يرجِعون بغيرِ إذنِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قال: اللِّواذُ: يلوذُ عنه ويروغُ ويذهبُ بغيرِ إذنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ} : الذين يصنَعون هذا، {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . الفتنةُ هاهنا الكفرُ

(4)

.

واللِّواذُ مصدرُ: لَاوَذْتُ بفلانٍ مُلَاوَذةٌ ولِوَاذًا. ولذلك ظهَرت الواوُ. ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لقيل: لِيَاذًا

(5)

. كما يقالُ: قُمْتُ قِيامًا. وإذا قيل: قَاوَمْتُك. قيل: قِوامًا طويلًا.

واللِّوَاذُ هو أن يلوذَ القومُ بعضُهم ببعضٍ؛ يستترُ هذا بهذا، وهذا بهذا، كما قال الضحاكُ.

وقولُه: {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . يقولُ: أو يصيبَهم في عاجلِ الدنيا عذابٌ مِن اللهِ موجِعٌ، على صنيعِهم

(6)

ذلك، وخلافِهم

(7)

أمرَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

(1)

في ت 1، ت 2، ف:"فيضرب".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 62 إلى أبى الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2656 من طريق حجاج به، وهو في تفسير مجاهد ص 495 من قول مجاهد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2657 من طريق أصبغ، عن ابن زيد، دون آخره، فقد ذكره معلقا.

(5)

في ت 1، ت 2:"لذاذا".

(6)

في ص، ت 1، ت 2:"صنيعه".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"خلافه".

ص: 391

وقولُه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ} . وأُدخلت {عَنْ} لأن معنى الكلامِ: فليَحْذَرِ الذين يَلوذُون

(1)

عن أمرِه، ويُدْبِرون عنه مُعرضِين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مُلْكَ جميعِ [ما في]

(2)

السماواتِ والأرضِ. يقولُ: فلا ينبغى لمملوكٍ أن يُخالِفَ أمرَ مالِكِه فيَعصيَه، فيستوجِبَ بذلك عقوبتَه. يقولُ: فكذلك أنتم أيُّها الناسُ، لا يصلُحُ لكم خلافُ ربِّكم الذي هو مالِكُكم، فأطِيعُوه واتَّمِروا لأمرِه، ولا تنْصرِفوا عن رسولِه إذا كُنتُم معه على أمرٍ جامعٍ إِلَّا بإذنِه.

وقولُه: {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} . [يقولُ: قد يعلَمُ ربُّكم ما أنتم عليه]

(3)

من طاعتِكم إيَّاهُ فيما أمَركم ونَهاكم مِن ذلك.

كما حدَّثني

(4)

يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} : صنِيعَكم هذا أيضًا

(5)

.

{وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} . يقولُ: ويَومَ يَرْجِعُ إِلى اللَّهِ الذين يُخالفونَ عَن أمرِه {فَيُنَبِّئُهُمْ} . يقولُ: فيُخبرُهم حينَئذٍ {بِمَا عَمِلُوا} في الدُّنيا، ثم يُجازِيهم على ما أسلَفُوا فيها من خِلافِهم على ربِّهم. {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. يقولُ: واللَّهُ

(1)

في ت 2: "يولون".

(2)

سقط من: م، ت 1، ت، ف.

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(4)

بعده في م: "أيضًا".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2658 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 392

ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ عَمِلتُموه

(1)

أنتُم وهم وغيرُكم، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، لا يَخفَى عليه شيءٌ، بل هو محيطٌ بذلك كلِّه، وهو مُوَفٍّ كلَّ عاملٍ منكم أجْرَ عملِه يومَ تُرْجَعون إليهِ.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "النورِ"

(1)

في ت 1، ت 2، ف:"علمتموه".

ص: 393

‌تفسيُر سورةِ الفرقانِ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدستْ أسماؤُه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا

(1)}.

قال أبو جعفرٍ: تبارَك: تَفاعَلَ مِن البرَكةِ.

كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا أبو رَوقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، قال:{تَبَارَكَ} : تَفَاعَلَ من البرَكةِ

(1)

.

وهو كقولِ القائلِ: تقدَّس ربُّنا. فقولُه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} .

يقولُ: تبارَك الذي نزَّل الفَصْلَ بينَ الحقِّ والباطلِ، فصْلًا بعدَ فصلٍ، وسورةً بعدَ سُورةٍ، {عَلَى عَبْدِهِ} محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ {لِيَكُونَ} محمدٌ الجميعِ الجنِّ والإنسِ الذين

(2)

بعثَه اللَّهُ إليهم داعيًا إليهِ، {نَذِيرًا} . يعنى مُنذِرًا يُنذِرُهم عِقابَه، ويُخوِّفُهم عذابَه، إنْ لم يُوَحِّدُوه، ولم يُخلِصُوا له العِبادةَ، ويَخلَعوا كلَّ ما دونَه من الآلهةِ والأوثانِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {تَبَارَكَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2659 من طريق محمد بن العلاء به.

(2)

في ت 1، ت 2، ت 3:"الذي".

ص: 394

الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}. قال: النبيُّ النذيرُ. وقرَأ: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]. وقرَأ: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208]. قال: رُسلٌ. قال: المُنْذِرُونَ الرُّسُلُ. قال: وكان نذيرًا واحدًا بلَغ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ذُو القرْنينِ، ثم بلغ السدَّينِ، وكان نذيرًا، ولم أسمَعْ أحدًا يَحِقُّ

(1)

أَنَّه كان نبيًّا. {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]. قال: مَن بلَغه القرآنُ مِن الخَلْقِ فرسولُ اللهِ نذيرُه. وقرَأ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]. وقال: لم يُرسِلِ اللهُ رسولًا إلى الناسِ عامةً إلَّا نوحًا، بدَأ به الخلقَ

(2)

، فكان رسولَ أهلِ الأرضِ كلِّهم، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم ختَمَ بهِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا

(2)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: تبارَك الذي نزَّل الفرقانَ الذي له مُلكُ السماواتِ والأرضِ. فـ {الَّذِي} الثانيةُ مِن نعتِ {الَّذِي} الأولى، وهما جميعًا في موضعِ رفعٍ؛ الأولى بقولِه:{تَبَرَكَ} . والثانيةُ نعتٌ لها.

ويعنى بقولِه: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : الذي له سلطانُ السماواتِ والأرضِ يُنْفِذُ في جميعِها أمرَه وقضاءَه، ويُمْضِى في كلِّها أَحْكامَه. يقولُ: فحقَّ على مَن كان كذلك أنْ يُطيعَه أهلُ مملَكتِه، ومَنْ في سُلطانِه، ولا

(1)

حقَّ الشيء: أوجبه وأثبته، وصار عنده حقًّا لا يشك فيه، وحقَّ الأمر يَحِقُّ، ويَحُقُّ: وَضَحَ ولم يكُ فيه شك. التاج (ح ق ق).

(2)

سقط من: ت 1، ت، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2660 من طريق أصبغ عن ابن زيد إلى قوله: نبيا.

ص: 395

يعصُوه. يقولُ: فلا تعصُوا نذِيرِى إليكم أيُّها الناسُ، واتَّبِعُوه، واعمَلوا بما جاءكُم بهِ من الحقِّ.

{اوَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} . يقولُ تكْذيبًا لمن أضاف إليه الولدَ، وقال: الملائكةُ بناتُ اللهِ: ما اتَّخذ الذي نزَّل الفرقانَ على عبدِه ولدًا، فمَن أضاف إليه ولدًا فقد كذَب وافترَى على ربِّه.

{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} . يقولُ تكْذيبًا لمَن كان يُضيفُ الأُلُوهةَ إلى الأصنامِ ويَعبدُها من دونِ اللهِ من مُشركِي العربِ، ويقولُ في تلبيتِه: لبَّيْك لا شريكَ لك، إلا شريكًا هو لك، تَمْلِكُه وما ملَك: كذَب قائلُو هذا القولِ، ما كان للهِ من شريكٍ في مُلِكه وسلطانِه فيَصلُحَ أنْ يُعبَدَ من دونِه. يقولُ تعالى ذِكرُه: فأَفْردُوا أيها الناسُ لربِّكُم الذي نزَّل الفرقانَ على

(1)

محمدٍ نبيهِ صلى الله عليه وسلم الأُلوهةَ، وأخْلِصُوا له العبادةَ دونَ كلِّ ما تَعبدُونَه مِن دونِه مِن الآلهةِ والأصنامِ والملائكةِ والجنِّ والإنسِ؛ فإنَّ كلَّ ذلك خَلْقُه وفى مِلْكِه؛ ولا تصلُحُ العبادةُ إلا للهِ الذي هو مالكُ جميعِ ذلك.

وقولُه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} . يقولُ تعالى ذكْرُه: وخلَق الذي نزَّل على محمدٍ الفرقانَ كلَّ شيءٍ، فالأشياءُ كلُّها خَلْقُه ومِلْكُه، وعلى المماليكِ طاعةُ مالِكِهم، وخدمةُ سيدِهم دونَ غيرِه. يقولُ: وأنا خالِقُكم ومالِكُكم، فأخلِصُوا لى العبادةَ دونَ غيرِى.

وقولُه: {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} . يقولُ: فسوَّى كلَّ ما خلَقَ، وهيَّأَه لما يصلُحُ له، فلا خَلَل فيه ولا تفاوتَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا

(1)

بعده في م: "عبده".

ص: 396

وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (2)}.

يقولُ تعالى ذكرُه مُقَرِّعًا مشركي العربِ بعبادتِهم ما دونَه مِنَ الآلهةِ، ومُعَجِّبًا أُولى النُّهى منهم، ومُنَبِّهَهم على موضعِ خطأِ فِعْلِهم، وذَهابِهم عن

(1)

منهجِ الحقِّ، وركوبِهم مِن سُبُلِ الضَّلَالِةِ ما لا يَرْكَبُه إلا كلُّ مَدْخُولِ

(2)

الرأْيِ، مَسْلوبِ العقلِ: واتَّخذ هؤلاء المشركون باللهِ مِن دونِ الذي له مُلكُ السماواتِ والأرضِ وحدَه، مِن غيرِ شريكٍ، الذي خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره {آلِهَةً}. يعنى: أصنامًا بأيدِيهم يَعبدُونَها، لا تخلُقُ شيئًا وهى تُخْلَقُ، ولا تَمْلِكُ لأنفسِها نفعًا تَجرُّه إليها، ولا ضرًّا تدفَعُه عنها ممَّن أرادها

(3)

بضرٍّ

(4)

، ولا تَمْلِكُ إماتةَ حيٍّ، ولا إحياءَ ميتٍ، ولا نَشْرَه مِن بعدِ مماتِه، وتركُوا عبادةَ خالقِ كلَّ شيءٍ، وخالقِ آلهتِهم، ومالكِ الضرِّ والنفعِ، والذي بيدِه الموتُ والحياةُ والنشورُ.

والنشورُ مصدرُ: نَشَر الميتُ نُشُورًا، وهو أن يُبعثَ ويحيا بعدَ الموتِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاءِ الكافرونَ باللهِ الذين اتَّخذوا من دونِه آلهةً: ما هذا القرآنُ الذي جاءَنا بهِ محمدٌ {إِلَّا إِفْكٌ} . يعنى: إِلَّا كَذَبٌ وبُهتانٌ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(2)

مَدْخُول: الدَّخَلُ: ما داخَلَكَ من فساد في عقل أو جسم، وقد دَخِلَ دَخَلًا بالتحريك، فهو مدخول. التاج (د خ ل).

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت، ف:"أراد".

(4)

في ت 1، ت 2:"يضر".

ص: 397

{افْتَرَاهُ} اخْتلَقه وتخرَّصَه [وتقوَّلَه]

(1)

، {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}. ذُكِر أنَّهم كانوا يقولون: إنَّما يُعَلِّمُ محمدًا هذا الذي يجيئُنا به اليهودُ. فذلك قولُه: {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} . يقولُ: وأعان محمدًا على هذا الإفكِ الذي افتراه يهودُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} . قال: يهودُ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقولُه: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فقد أتى قائلُو هذه المقالةِ - يعنى الذين قالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} - {ظُلْمًا} ، يعنى بالظلمِ نسبتَهم كلامَ اللهِ وتَنْزِيلَه إلى أنَّه إفكٌ افترَاه محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

وقد بيَّنا فيما مضى أنَّ معنى الظُّلمِ. وَضْعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه

(3)

. فكأَنَّ ظُلْمَ قائلى هذه المقالةِ القرآنَ بقيلِهم هذا وَصْفُهُم إِيَّاهُ بغيرِ صفتِه.

(1)

في م: "بقوله".

(2)

تفسير مجاهد ص 496، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2663، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 63 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 559، 560.

ص: 398

والزُّورُ أصلُه تحسينُ الباطلِ، فتأويلُ الكلام: فقد أتى هؤلاءِ القومُ في قيلِهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} كذبًا مُحسَّنًا

(1)

.

وبنحوِ ذلك

(2)

قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} . قال: كذِبًا

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} .

ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في النَّضرِ بن الحارثِ، وأنَّه المعنيُّ بقولِه:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .

‌ذكرُ [الرِّوايةِ بذلك]

(4)

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا شيخٌ مِن أهلُ مصرَ، قدِم منذُ بضعٍ وأربعينَ سنةً، عن عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ،

(1)

في م: "محضًا".

(2)

في م: "الذي قلنا".

(3)

تفسير مجاهد ص 496، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2663، وهو تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.

(4)

في م: "من قال ذلك".

ص: 399

قال: كان النَّضْرُ بنُ الحارثِ بن كَلَدَةَ بن عَلْقَمَةَ بن عبدِ منافِ بن عبدِ الدارِ بن قُصيٍّ من شياطينِ قريشٍ، وكان يُؤذِى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وينْصِبُ له العداوةَ، وكان قد قدِم الحِيرةَ، [وتعلَّم]

(1)

بها أحاديثَ ملوكِ فارسَ، وأحاديثَ رُسْتَمَ وإسفندياز

(2)

، فكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا جلَس مجْلِسًا فذكَّر باللهِ، وحذَّر

(3)

قومَه ما أصاب مَن قبلَهم من الأممِ مِن نقمةِ اللهِ، خلفَه في مجلسِه إذا قام، ثم يقولُ: أنا واللهِ يا معشرَ قُريشٍ أحسنُ حديثًا منه، فهلمُّوا فأنا أُحدِّثُكم أحسنَ من حديثِه. ثم يُحدِّثُهم عن ملوكِ فارِسَ ورُسْتَمَ وإسفندياز، ثم يقولُ: ما

(4)

محمدٌ أحسنَ حديثًا منى. قال: فأنزَل اللهُ

(4)

تبارك وتعالى في النضرِ ثمانيَ آياتٍ من القرآنِ؛ [قولَ اللهِ]

(5)

: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [القلم: 15، والمطففين: 13]. وكلَّ ما ذُكر فيه الأساطيرُ في القرآنِ

(6)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدٍ أو عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ نحوَه، إلا أنَّه جعَل قولَه: فأنزَل اللهُ في النضْرِ ثمانيَ آياتٍ، عن ابن إسحاقَ، عن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ

(7)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ:

(1)

في ص، م:"تعلم"، وفى ت،2، ف:"ويعلم".

(2)

في م، ونسخة من سيرة ابن هشام:"أسفنديار"، وفى نسخة منها:"اسبنديار"، والمثبت موافق لسيرة ابن إسحاق وبقية نسخ سيرة ابن هشام.

(3)

في ص، م:"حدث".

(4)

في سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام "بماذا".

(5)

في ص، م:"قوله".

(6)

سيرة ابن إسحاق (256)، وسيرة ابن هشام 1/ 30.

(7)

سيرة ابن إسحاق (257) عن رجل، عن سعيد، عن ابن عباس.

ص: 400

{أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : أشعارُهم وكَهانتُهم، وقالها النَّضْرُ بن الحارثُ.

فتأويلُ الكلامِ: وقال هؤلاءِ المشركونَ باللهِ الذين قالوا لهذا القرآنِ: إنْ هذا إلَّا إِفكٌ افترَاه محمدٌ صلى الله عليه وسلم: هذا الذي جاءَنا به محمدٌ أساطيرُ الأوَّلين - يَعنُون: أحادِيثَهم التي كانوا يُسَطِّرونَها في كُتُبِهم - اكْتَتَبَها محمدٌ

(1)

مِن يَهُودَ. {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} . يَعنونَ بقوْلِهم

(2)

: {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} : فهذه الأساطيرُ تُقرَأُ عليهِ. من

(3)

قولِهم: أمليتُ عليك الكتابَ، وأملَلْتُ. {بُكْرَةً}: غُدوةً

(4)

{وَأَصِيلًا} . يقولُ: وتُمْلَى عليه

(5)

عشيًّا.

وقولُه: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاءِ المكذِّبين بآياتِ اللهِ مِن مُشركِي قومِك: ما الأمرُ كما تقولُون؛ مِن أنَّ هذا القرآنَ أساطيرُ الأوَّلينَ، وأنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم افترَاه، وأعانَه عليهِ قومٌ آخرونَ، بل هو الحقُّ، أنزَله الربُّ الذي يعلَمُ سرَّ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ، ولا يخفَى عليه شيءٌ، وهو (4) مُحْصِى ذلك على خَلْقِه، ومُجازِيهم بما عزَمَتْ عليه قلُوبُهم، وأضْمَروه في نفُوسِهم. {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}. يقولُ: إنَّه لم يزلْ يصفحُ عن خَلْقِه ويَرْحمُهم، فيتفضَّلُ عليهم بعفوِه. يقولُ: فلِأَنَّ ذلك عادتِه

(6)

في خَلْقِه، يُمْهِلُكم أيُّها القائلونَ ما قُلتُم من الإفكِ، والفاعلونَ ما فعلتُم مِنَ الكفرِ.

(1)

بعده في النسخ: "صلى الله عليه وسلم".

(2)

في م، ف:"بقوله".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"فمن".

(4)

سقط من: م.

(5)

بعده في م: "غدوة و".

(6)

في ت 1، ت 2:"عاداته".

ص: 401

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ:{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . قال: ما يُسِرُّ أهلُ الأرضِ وأهلُ السماءِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)} .

ذُكِر أن هاتينِ الآيتينِ نزَلتَا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما كان مشركُو قومِه قالوا له ليلةَ اجتماعِ أشْرافِهم بظهرِ الكعبةِ، وعرَضوا عليه أشياءُ، وسألُوه الآياتِ.

فكان فيما كلَّموه به حينَئذٍ، فيما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عِكرِمةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباس، إذ

(1)

قالوا له: فإن لم تفعل لنا هذا - يعنى ما سألُوه من تسييرِ جبالِهم عنهم، وإحياءِ آبائِهم، والمجيءِ باللهِ والملائكةِ قبيلًا، وما ذكَره اللهُ في سورةِ "بَنى إسرائيل" - فخُذْ لنفسِك؛ سلْ ربَّك يبعثْ معَك مَلَكًا يصدِّقُك بما تقولُ ويُراجِعُنا عنك، وسَلْه فيجعلْ لك قصورًا وجنانًا وكنوزًا من ذهبٍ وفضةٍ؛ تُغنيك

(2)

عما نرَاك تبتَغى، فإنَّك تقومُ بالأسواقِ

(3)

، وتلتمِسُ المعاشَ كما

(1)

في م: "أن".

(2)

في ت 1، ت 2، ف:"يغنيك".

(3)

في ت 2: "في الأسواق".

ص: 402

نلتمسُه، حتى نعلَمَ

(1)

فضلَك ومنزلتَك من ربِّك، إنْ كنتَ رسولًا كما تزعمُ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعلٍ. فأنزَل اللهُ في قولِهم: أنْ خُذْ لنفسِك ما سألوه أنْ يأخذَ لها؛ أن يجعلَ له جنانًا وقصورًا وكنوزًا، أو يبعثَ معَه مَلَكًا يصدِّقُه بما يقولُ، ويرُدُّ عنه [مَن خاصَمه]

(2)

: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا}

(3)

.

فتأويلُ الكلامِ: وقال المشركونَ: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ} : يَعْنونَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، الذي يزعمُ أنَّ الله بعثَه إلينا يأكُلُ الطعامَ كما نأكلُ، ويمشى في أسواقِنا كما نمشى. {لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ}. يقولُ: هلَّا أُنزِل إليه مَلَكٌ إِنْ كان صادقًا، من السماءِ، فيكونَ معه معه مُنذِرًا

(4)

للناسِ، مصدِّقًا له على ما يقولُ، أو يُلقَى إليه كنزٌ مِن فضةٍ أو ذهبٍ، فلا يحتاجُ معه إلى التصرُّفِ في طلبِ المعاشِ، {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ}. يقولُ: أو يكونُ له بستانٌ {يَأْكُلُ مِنْهَا} .

واختلف القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيينَ: {يَأْكُلُ مِنْهَا} بالياءِ

(5)

. بمعنى: يأكُلُ منها الرسولُ.

(1)

في ص، ت 1:"نعرف"، وفي ت 2:"تعلم".

(2)

في ت 2: "ما يخاصمه".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2665 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(4)

في ت 1، ت 2:"نذيرا".

(5)

هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 462.

ص: 403

وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفيين: (نَأكُلُ مِنْها) بالنونِ

(1)

، بمعنى: نأكُلُ من الجنةِ.

وأولى القراءتينِ في ذلك عندِى بالصوابِ قراءةُ من قرَأهُ بالياءِ؛ وذلك للخبرِ الذي ذكَرنا قبلُ [مِن أنَّ]

(2)

مسألةَ مَن سأَل مِن المشركينَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أنْ يسألَ ربَّه هذه الخلالَ لنفسِه لا لهم. فإذ كانت مسْأَلتُهم إيَّاه ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ أَنْ يقولُوا له: سلْ لنفسِك ذلك لنأكلَ نحن.

وبعدُ، فإن في قولِه تعالى ذكرُه:{تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . دليلًا بيِّنًا على أنَّهم إنَّما

(3)

قالوا له: اطلبْ ذلك لنفسِك؛ لتأكلَ أنت منه، لا نحنُ.

وقولُه: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ} . يقولُ: وقال المشركونَ للمؤمنينِ باللهِ ورسولِه: {إِنْ تَتَّبِعُونَ} أيُّها القومُ باتباعِكم محمدًا إلا رجلًا به سِحْرٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمدُ إلى هؤلاءِ المشركينَ الذين شبَّهوا لك الأشباهَ بقولِهم لك: هو مسحورٌ. فضلُّوا بذلك عن قصدِ السبيلِ، وأَخطَئُوا طريقَ الهُدَى والرشادِ، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ}. يقولُ: فلا يجدُونَ سبيلًا إلى الحقِّ، إِلَّا فيما بعثْتُك بهِ، ومن الوجهِ الذي ضلُّوا عنه.

(1)

هي قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 462.

(2)

في ص، م:"بأن".

(3)

سقط من: ت 1، ف.

ص: 404

وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عِكرِمةً، عن ابن عباسٍ:{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} . أي: التَمَسوا الهدَى في غيرِ ما بعثتُك بهِ إليهم فضلُّوا، فلن يَستطِيعُوا أَنْ يُصِيبُوا الهُدَى في غيرِه

(1)

.

وقال آخرونَ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} . قال: مَخْرجًا يُخْرِجُهم مِن الأمثالِ التي ضرَبوا لك

(2)

.

وقولُه: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: تقدَّس الذي إنْ شاء جعل لك خيرًا مِن ذلك.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بـ {ذَلِكَ} التي في قولِه: {جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: خيرًا مِمَّا قال هؤلاءِ المشركون لك يا محمدُ: هلَّا أُوتِيتَه وأنت للهِ رسولٌ. ثم بيَّن تعالى ذكرُه عن ذلك

(3)

الذي لو شاء جعَل له [من خيرٍ]

(4)

مما قالوا، فقال:{جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2665 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(2)

تفسير مجاهدٍ ص 496، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2665، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 63 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سقط من: م.

(4)

في ت 1: "خيرا".

ص: 405

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا [مِنْ ذَلِكَ} : خيرًا]

(1)

مِمَّا قالوا

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} . قال: مِمَّا قالوا، وتَمنَّوا لك، فيجعَلُ لك مكانَ ذلك {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .

وقال آخرونَ: بل

(3)

عُنِى [بقولِه: {ذَلِكَ}]

(4)

. المشيُ في الأسواقِ والْتماسُ المعاشِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ - فيما يرى الطبريُّ - عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم قال: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} : من أنْ تمشىَ في الأسواقِ وتلتمِسَ المعاشَ كما يلتمِسُه الناسُ، {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا}

(5)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ف.

(2)

تفسير مجاهد ص 496، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2666، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 63 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سقط من: م.

(4)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"بذلك".

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 309، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2666 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 406

قال أبو جعفرٍ: والقولُ الذي ذكَرناهُ عن مجاهدٍ في ذلك أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ المشركينَ إنَّما استعْظَموا ألَّا تكونَ له جنةٌ يأكُلُ منها، وألا يُلْقَى إليه كنزٌ، واستَنكَرُوا أنْ يمشىَ في الأسواقِ، وهو للهِ رسولٌ. فالذى هو أَوْلى بوعدِ اللهِ إيَّاهُ [أنْ يكونَ وعدًا بما]

(1)

هو خيرٌ مِمَّا

(2)

كان عندَ المشركينَ عظيمًا، لا

(3)

مِمَّا كان مُنكَرًا عندَهم.

وعَنى بقولِه: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : بساتينَ تجرِى في أُصولِ أشجارِها الأنهارُ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ:{جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . قال: حوائطَ

(4)

.

وقولُه: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} . يعنى بالقصورِ البيوتَ المبنيَّةَ.

وبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ:{وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} . قال: بيوتًا مبنيةً مُشيَّدةً، كان ذلك في الدُّنيا. قال: كانتْ قريشٌ ترى البيتَ من الحجارةِ قصرًا كائنًا ما كان (1).

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

سقط من: ت 1، وفى م:"ما".

(3)

سقط من ص، ت 1، ت 2.

(4)

تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

ص: 407

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} : مُشيَّدةً في الدُّنيا، كلُّ هذا قالتْه قريشٌ، وكانتْ قريشٌ ترى البيتَ من حجارةٍ ما كان صغيرًا قَصْرًا

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، قال: قِيل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعطيَك

(2)

خزائنَ الأرضِ ومفاتيحَها، ما لم يُعطَ نبيٌّ قبلَك، ولا يُعطَى مَن بعدَك، ولا يَنقُصُ ذلك مِمَّا لك عندَ اللهِ تعالى. فقال:"اجمَعُوها لى في الآخرةِ". فأنزل اللهُ في ذلك: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا}

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما كذَّب هؤلاء المشركون باللهِ وأنكَروا ما جئتَهم به يا محمدُ مِن الحقِّ؛ من أجلِ أنَّك تأكلُ الطعامَ، وتمشى في الأسواقِ، ولكنْ مِن أجلِ أنَّهم لا يُوقِنُون بالمعادِ، ولا يُصدِّقُون بالثوابِ والعقابِ، تكْذيبًا منهم بالقيامةِ، وبعْثِ اللهِ الأمواتَ أحياءً لحشرِ القيامةِ، {وَأَعْتَدْنَا}. يقولُ: وأعدَدنا لمَنْ كَذَّب يبعْثِ اللهِ الأمواتَ أحياءً بعدَ فنائِهم لقيامِ الساعةِ - نارًا تُسعَّرُ عليهم وتَتَّقِدُ،

{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} . يقول: إذا رأَتْ هذه النارُ التي أعتدْناها لهؤلاءِ المكذِّبينَ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 103 وفيه: قصرا سواء كان كبير أو صغيرا. وفي تفسير مجاهد في الأثر السابق: ما كان فتسميه قصرا.

(2)

بعده في م: "من".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 509، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2666 من طريق سفيان، عن حبيب، عن خيثمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 63 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن خيثمة.

ص: 408

أشخاصَهم من مكانٍ بعيدٍ تغيَّظَتْ عليهم، وذلك أنْ تَغلِىَ وتفُورَ. يقال: فلانٌ يتغيَّظُ

(1)

على فلانٍ، وذلك إذا

(2)

غَضِبَ عليه، فغَلَى صدْرُه من الغضَبِ عليه، وتبيَّن في كلامِه. {وَزَفِيرًا}: وهو صوتُها.

فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا} . والتغيُّظُ لا يُسمعُ؟

قيل: معنى ذلك: سَمِعُوا لها صوت التغيُّظِ من التلهُّبِ والتوقُّدِ.

حدَّثني محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، قال: ثنا أصْبَغُ

(3)

بنُ زيدٍ الورَّاقُ، عن خالدِ بن كَثِيرٍ، عن [خالدِ بن دُرَيْكٍ]

(4)

، عن رجلٍ مِن أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَقُلْ

(5)

عَليَّ ما لم أَقُلْ فَلْيَتَبَوأْ بينَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا". قالوا: يا رسولَ اللهِ، وهل لها من عينٍ؟ قال: "ألم تَسْمَعُوا إلى قَوْلِ اللهِ: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} ؟ " الآية

(6)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ في قولِه: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} . قال: أخبَرنى منصورُ بنُ المعتمرِ، عن مجاهدٍ، عن عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، قال: إِنَّ جهنمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يبقَى مَلَكٌ ولا نبيٌّ إِلا خَرَّ تُرْعَدُ فَرائِصُه حتى إِنَّ

(1)

في م، ت 2:"تغيظ".

(2)

في م: "إذ".

(3)

في م: "أصبع". وينظر تهذيب الكمال 3/ 301.

(4)

في ص، ت 1، ت 3:"دريد"، وفى م:"فُديك". وفى ت 2، ف:"دريك"، والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 8/ 53.

(5)

في ص، م، ت 1، ف:"يقول".

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 104 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2667 من طريق أصبغ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 64 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 409

إبراهيمَ ليجْثُو على رُكْبتَيه، فيقولُ: يا ربَّ لا أسأَلُك

(1)

اليومَ إلا نفسِى

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إِنَّ الرجلَ ليُجَرُّ

(3)

إلى النارِ، فتنزَوِى وينقبضُ بعضُها إلى بعضٍ، فيقولُ لها الرحمنُ: مَا لَكِ؟ قالتْ

(4)

: إنَّه يستَجِيرُ

(5)

مِنِّي. فيقولُ: أرسِلُوا عبدِى. وإنَّ الرَّجلَ ليُجَرُّ إلى النارِ، فيقولُ: يا ربِّ ما كان هذا الظنَّ بك؟ فيقولُ: فما كان ظُنُّك؟ فيقولُ: أَنْ تَسَعَني رَحْمتُك

(6)

. فيقولُ: أرسِلُوا عبدِى. وإنَّ الرجلَ ليُجَرُّ إلى النارِ، فتَشْهَقُ إليه النارُ شُهوقَ البغْلةِ إلى الشَّعِيرِ، وتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبقَى أحدٌ إلا خاف

(7)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أُلقى هؤلاء المكذِّبونَ بالساعةِ من النارِ مكانًا ضيقًا، قد قُرِّنَتْ أيديهم إلى أعناقِهم في الأغلالِ، {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} .

واختلف أهلُ التأويلِ في معنى الثُّبورِ؛ فقال بعضُهم: هو الوَيْلُ.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"أملك".

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 67، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2668، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 64 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ف: "ليخر".

(4)

في م، ت 2:"فتقول".

(5)

في م، ت 1، ت 2:"ليستجير".

(6)

بعده في ص، م، ت 1، ف:"قال".

(7)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 105 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2668 من طريق إسرائيل به مقتصرًا على أوله.

ص: 410

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} . يقولُ: وَيُلًا

(1)

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} .

يقولُ: لا تدْعُوا اليومَ ويْلًا واحدًا، وادْعُوا ويْلًا كَثِيرًا

(2)

.

وقال آخرون: الثُّبورُ الهلاكُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا} : الثُّبورُ الهلاكُ

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: والثُّبورُ في كلامِ العربِ أصْلُه انصرافُ الرجلِ عن الشيءِ، يُقالُ منه: ما ثَبَرك عن هذا الأمرِ؟ أي: ما صرَفك عنه؟ وهو في هذا الموضعِ دعاءُ هؤلاء القومِ بالندمِ على انصرافِهم عن طاعةِ اللهِ في الدُّنيا، والإيمانِ بما جاءَهم به نبيُّ، اللهِ صلى الله عليه وسلم، حتى استَوجَبوا العقُوبةَ منه، كما يقولُ القائلُ: وَانَدَامَتاه، واحَسْرَتاه على ما فرَّطتُ في جَنبِ اللهِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2669 من طريق أبي صالح به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2669 عن محمد بن سعد به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2669 من طريق جويبر، عن الضحاك.

ص: 411

وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ

(1)

يقولُ في قولِه: {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا} : أي: هَلَكةً. ويقولُ: هو مصدرٌ من: ثُبِرَ الرجلُ. أي: أُهلِك. ويستَشْهِدُ لقيلِه

(2)

ذلك ببيتِ ابن الزِّبَعْرَى

(3)

:

إذْ أُجارِى الشَّيْطَانَ في سَنَنِ الغَسيِّ

(4)

وَمَنْ مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ

وقولُه: {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ [ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} . يقولُ: لا تدعُوا اليوم]

(5)

أيُّها المشركون ندمًا واحدًا - أي: مرَّةً واحدةً - ولكن ادعُوا ذلك كثيرًا.

وإنَّما قيل: {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا} ؛ لأنَّ الثُّبورَ مصدرٌ، والمصادرُ لا تُجمَعُ، وإنَّما تُوصَفُ بامتدادِ وقتِها وكثرتِها، كما يقالُ: قعد قُعُودًا طويلًا، وأكَل أكلًا كثيرًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حَمَّادٌ، قال: ثنا عليُّ بنُ زيدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"أَوَّلُ مَنْ يُكسى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إبْلِيسُ، فَيضَعُها على حاجِبَيْهِ، ويَسْحَبُها مِن خَلْفِه، وذُرِّيَّتُه مِن خَلْفِه، وهو يقولُ: يا ثُبُورَاه. وهم يُنادون: يا ثُبُورَهم، حتى يَقِفُوا على النَّارِ، وهو يقولُ: يا ثُبوراه. وهم يُنادون: يا ثُبورَهم. فيقالُ: {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} "

(6)

.

(1)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 71.

(2)

بعده في م: "في".

(3)

تقدم في 15/ 108.

(4)

في ت 2: "العمى".

(5)

سقط من النسخ، ولا بد منها لاستقامة السياق، ويؤيده ما بعده.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 168، 14/ 109، وأحمد 20/ 14 (12536)، وابن أبي عاصم في الأوائل (118)، والبزار (3495 - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2669، والطبراني في الأوائل (1068)، والبيهقي في البعث (647)، والخطيب في تاريخه 11/ 253 من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه =

ص: 412

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المكذِّبين بالساعةِ: أهذه النارُ التي وصَف لكم رَبُّكُم صِفتَها وصِفةَ، أهلِها، خيرٌ أم بستانُ الخُلدِ الذي يدومُ نعيمُه ولا يَبيدُ، الذي وعَد مَن اتَّقاه في الدنيا بطاعتِه فيما أمَره ونهاه؟.

وقولُه: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} . يقولُ: كانت جنةُ الخُلدِ للمتقين جزاءَ أعمالِهم للهِ في الدنيا بطاعتِه، وثوابَ تقواهم إيَّاه، ومصيرًا لهم. يقولُ: ومصيرًا للمتقين يصِيرون إليها في الآخرةِ.

وقولُه: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} . يقولُ: لهؤلاء المتقين في جنةِ الخُلدِ التي وعدَهموها اللهُ ما يشاءُون ممَّا تَشْتَهيه الأنفُسُ، وتلَذُّ الْأَعْينُ، {خَالِدِينَ} فيها. يقولُ: لابِثين فيها ماكِثين أبدًا، لا يَزولون عنها، ولا يَزولُ عنهم نَعِيمُها.

وقولُه: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} . وذلك أنَّ المؤمنين سألوا ربَّهم ذلك في الدنيا حينَ قالوا: {آتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران: 194]. فقال

(1)

اللهُ تبارك وتعالى: كان إعطاءُ اللهِ المؤمنين جنةَ الخُلدِ التي وصَف صِفتَها في الآخرةِ - وعْدًا وعدهم

(2)

على طاعتِهم إيَّاه في الدنيا، ومسألتِهم إيَّاه ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

= السيوطي في الدر المنثور 5/ 64 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(1)

في م: "يقول".

(2)

بعده في م: "الله".

ص: 413

‌ذكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ:{كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} . قال: فاسألوا

(1)

الذي وعدَكم

(2)

وتَنَجَّزوه

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} . قال: سألوه إيَّاها في الدنيا، طلَبوا ذلك فأعطاهم وعْدَهم إذ سأَلوه أن يعطيَهم فأعطاهم، فكان ذلك وعدًا مسئولًا، كما وقَّتَ أرْزاقَ العبادِ في الأرضِ قبلَ أنْ يَخلُقَهم، فجعَلها أقواتًا للسائِلين، وقَّتَ ذلك على مسألتِهم. وقرَأ:{وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}

(4)

[فصلت: 10].

وقد كان بعضُ أهلُ العربيةِ

(5)

يُوجِّهُ معنى قولِه: {وَعْدًا مَسْئُولًا} . إلى أنه معنيٌّ به: وعدًا واجبًا. وذلك أنَّ المسئولَ واجبٌ وإِن لم يُسْأَلْ، كالدَّينِ. ويقولُ: ذلك نظيرُ قولِ العربِ: لأُعطينَّك ألفًا وعْدًا مَسئُولًا. بمعنى أنه

(6)

واجبٌ لك، فتسْألُه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ

(7)

وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)}.

(1)

في م: "فسألوا".

(2)

في م: "وعدهم".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2671 من طريق ابن جريج به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2671 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(5)

هو الفراء في معاني القرآن 2/ 263.

(6)

سقط من: م، ت 1، ت 3، ف.

(7)

في ت 1، ت 2، ت 3:"نحشرهم". وهما قراءتان كما سيأتي، وتفسير المصنف على قراءة من قرأ بالنون.

ص: 414

يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ نحشُرُ هؤلاء المكذِّبين بالساعةِ، العابدين الأوثانَ، وما يَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ} . قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

واختَلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ وعبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ} بالياءِ جميعًا

(2)

، بمعنى: ويومَ يحشُرُهم ربُّك، ويحشُرُ ما يعبدونَ مِن دونِه فيقولُ.

وقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الكوفيين: (نَحْشُرُهُمْ) بالنونِ، {فَيَقُولُ}

(3)

. وكذلك قرأه نافعٌ.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ} . يقولُ: فيقولُ اللهُ للذين كان هؤلاء المشركون يعبُدونهم مِن دونِ اللهِ: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ} ؟

(1)

تفسير مجاهد ص 496، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2672، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 65 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

وبها قرأ يعقوب وحفص. النشر 2/ 250.

(3)

وبها قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما. ينظر النشر الموضع السابق.

ص: 415

يقولُ: أأنتم أَزَلْتُموهم عن طريقِ الهدَى، ودعَوتُمُوهم إلى الغَيِّ والضلالةِ حتى تاهوا وهلَكوا، {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ}. يقولُ: أم عبادِى هم الذين أخطَئوا

(1)

سبيلَ الرشدِ والحقِّ، وسلَكوا العَطَبَ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الملائكةُ الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم مِن دونِ اللهِ - وعيسى: تنزيهًا لك يا ربَّنا، وتبرِئَةً

(3)

ممَّا أضاف إليك هؤلاء المشركون، ما كان ينبغي لنا أنْ نتخذَ من دونِك مِن أولياءَ نُوالِيهم، أنت وليُّنا مِن دونِهم، ولكن متَّعْتَهم بالمالِ يا ربَّنا في الدنيا والصحةِ، حتى نَسُوا الذكرَ، وكانوا قومًا هَلْكى، قد غلَب عليهم الشقاءُ والخذِلانُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} . يقُولُ: قومٌ قد ذهبتْ أعمالُهم وهم في الدنيا، ولم تكنْ لهم أعمالٌ صالحةٌ

(4)

.

(1)

في م: "ضلوا".

(2)

العطب: الهلاك. اللسان (ع ط ب).

(3)

في ت 1، ت 2، ف:"تنزيه".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2672 عن محمد بن سعد به.

ص: 416

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} . يقولُ: هَلْكى

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} . يقولُ: هَلْكَى

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ:{وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} . قال: هم الذين لا خيرَ فيهم

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} . قال: يقولُ: ليس من الخيرِ

(4)

شيءٌ. البورُ: الذي ليس فيه من الخيرِ شيءٌ.

واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الأمصارِ: {نَتَّخِذَ} بفتحِ النونِ، سوى الحسنِ ويزيدَ بن القَعْقاعِ، فإنَّهما قرَآه:(أنْ نُتَّخَذَ) بضمِّ النونِ

(5)

. فذهب الذين فتَحوها إلى المعنى الذي بيَّنَّاه في تأويلِه؛ مِن أنَّ الملائكةَ وعيسى ومَن عُبِد مِن دونِ اللهِ مِن المؤمنين هم الذين تبرَّءوا أنْ يكونَ كان لهم وليٌّ غيرُ اللهِ تعالى ذكرُه. وأما الذين

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2673 من طريق أبي صالح به.

(2)

تفسير مجاهد ص 496، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 65 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 67، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2673، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 65 إلى عبد بن حميد.

(4)

بعده في م: "في".

(5)

ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 201.

ص: 417

قرءوا ذلك بضمِّ النونِ، فإنَّهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى أنَّ المعبودين في الدنيا إنَّما تبرَّءوا إلى اللهِ أنْ يكونَ كان لهم أنْ يُعْبُدوا مِن دونِ اللهِ جلَّ ثناؤُه، كما أخبَر اللهُ عن عيسى أنَّه قال إذ

(1)

قيل له

(2)

: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} -: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} ، {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 116، 117].

قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ النونِ؛ لعللٍ ثلاثٍ؛ إحداهنَّ، إجماع الحُجَّةِ مِن القرَأةِ عليها، والثانيةُ، أنَّ الله جلَّ ثناؤُه ذكَر نظيرَ هذه القصةِ في "سورةِ سبأ"، فقال:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ} [سبأ: 40، 41]. فأخبَر عن الملائكةِ أنَّهم إذا سُئِلوا عن عبادةِ من عبَدهم، تبرَّءوا إلى اللهِ مِن وَلايتِهم، فقالوا لربِّهم:{أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ} . فذلك يُوضِّحُ عن صحةِ قراءةِ من قرَأ ذلك: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} . بمعنى: ما كان ينبغى لنا أنْ نتخذَهم من دونِك أولياءَ. والثالثةُ، أنَّ العربَ لا تُدْخِلُ "مِنْ" هذه التي تَدْخُلُ في الجحدِ إلَّا في الأسماءِ، ولا تُدْخِلُها في الإخبارِ، لا يقولون: ما رأيتُ أخاك مِن رجلٍ. وإنَّما يقولون: ما رأيتُ من أحدٍ، وما عندِى مِن رجلٍ. وقد دخَلتْ ههنا في "الأولياءِ"، وهى في موضعِ الخبرِ، ولو لم تكنْ فيها "مِن"، كان وجهًا حسنًا.

وأما البُورُ فمصدرٌ واحدٌ، وجمعٌ للبائرِ، يقالُ: أصبحتْ منازِلُهم بُورًا. أي: خاليةً لا شيءَ فيها. ومنه قولُهم: بارتِ السُّوقُ، وبار الطعامُ. إذا خَلا مِن الطُّلَّابِ

(1)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"إذا".

(2)

سقط من: م، ف.

ص: 418

والمُشْترِى، فلم يكنْ له طالبٌ، فصار كالشيءِ الهالكِ. ومنه قولُ ابن الزِّبَعْرَى

(1)

:

يا رسولَ المَلِيكِ إنَّ لسانِي

رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إِذْ أَنا بُورُ

وقد قيل: إنَّ "بور" مصدرٌ كالعدلِ والزورِ والقطرِ

(2)

، لا يُثنَّى ولا يُجمَعُ ولا يُؤنَّثُ.

وإنَّما أُريدَ بالبورِ في هذا الموضعِ أنَّ أعمال هؤلاء الكفارِ كانتْ باطلةً؛ لأنَّها لم تكنْ للهِ، كما ذكَرنا عن ابن عباسٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عمَّا هو قائلٌ للمشركين عندَ تَبرِّى مَن كانوا يعبدونَه في الدنيا مِن دونِ اللهِ منهم: قد كذَّبوكم أيُّها الكافرون مَن زعمتُم أَنَّهم أضلُّوكم، ودعَوكم إلى عبادتِهم بما تقولون. يعنى: بقولِكم. يقولُ: كذَّبوكم بكذِبكم.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ:{فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} . يقولُ اللهُ للذين كانوا يعبدون عيسى وعُزيرًا والملائكةَ: يُكذِّبون المشركين

(3)

.

(1)

تقدم في 13/ 669.

(2)

في م، ف:"القطع".

(3)

تفسير مجاهد ص 497، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2673، وتقدم أوله في ص 417.

ص: 419

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} . قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ يكذِّبون المشركين بقولِهم.

وكان ابن زيدٍ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} . قال: كذَّبوكم بما تقولون، بما جاء مِن عندِ اللهِ، جاءتْ به الأنبياءَ، والمؤمنون آمنوا به وكذَّب هؤلاء

(1)

.

فوجَّه ابن زيدٍ تأويلِ قولِه: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} . إلى: فقد كذَّبكم

(2)

، أيُّها المؤمنون، المكذِّبون بما جاءهم به محمدٌ مِن عندِ اللهِ، بما تقولون مِن الحقِّ. وهو أنْ يكونَ خبرًا عن الذين كذَّبوا الكافرين في زعمِهم أنَّهم دعَوْهُم إلى الضلالةِ وأمَروهم بها، على ما قاله مجاهدٌ من القولِ الذي ذكَرناه عنه - أشبهُ وأولى؛ لأنَّه في سياقِ الخبرِ عنهم.

والقراءةُ في ذلك عندَنا: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} بالتَّاءِ، على التأويلِ الذي ذكَرناه؛ لإجماعِ الحُجةِ من قرَأةِ الأمصارِ عليه. وقد حُكِى عن بعضِهم أنه قرَأه:(فقد كَذَّبُوكُمْ بمَا يَقُولُونَ) بالياءِ

(3)

، بمعنى: فقد كذَّبوكم بقولِهم.

وقولُه جلَّ ثناؤه: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} . يقولُ: فما يستطيعُ هؤلاء الكفارُ صرفَ عذابِ اللهِ حينَ نزَل بهم عن أنفسِهم، ولا نَصْرَها من اللهِ حينَ عذَّبها وعاقبَها.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2673 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

في م: "كذبوكم".

(3)

هي قراءة ابن كثير في رواية قنبل. حجة القراءات ص 509.

ص: 420

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} . قال: المشركون لا يستطيعونه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} . قال: المشركون. قال ابن جُرَيجٍ: لا يَسْتَطِيعون صرفَ العذابِ عنهم ولا نصرَ أنفسِهم.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} . قال: لا يَستطِيعون يَصْرِفون عنهم العذابَ الذي نزَل بهم حينَ كُذِّبوا، ولا أن يَنتصِروا. قال: ويُنادى مُنادٍ يومَ القيامةِ حينَ يَجتمِعُ الخَلائقُ: {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} [الصافات: 25]. قال: مَن عُبِد مِن دونِ اللهِ لا يَنْصُرُ اليومَ مَن عبَدَه. وقال: العابدون مِن دونِ اللهِ لا يَنْصُرُه

(2)

اليومَ إلهُه الذي يَعْبُدُ مِن دونِ اللهِ. فقال اللهُ تبارك وتعالى: {بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 26]. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}

(3)

[المرسلات: 39].

ورُوِى عن ابن مسعودٍ في ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يُوسفَ

(4)

، قال: ثنا

(1)

تفسير مجاهد ص 497، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2674، وتقدم أوله في ص 417، 419.

(2)

في ص، ت 1، ت 2:"ينصر".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2674 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(4)

في م: "يونس".

ص: 421

القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في حرفِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: (فما يَسْتَطِيعون لك صَرْفًا).

فإن تَكُنْ هذه الروايةُ عنه صحيحةً، صحَّ التأويلُ الذي تأَوَّله ابن زِيدٍ في قولِه:{فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} . ويَصِيرُ قولُه: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} خبرًا عن المشركين أنهم كذَّبوا المؤمنين. ويكونُ تأويلُ قولِه حينَئذٍ: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} : فما يَستطِيعُ يا محمدُ هؤلاء الكفارُ لك صرفًا عن الحقِّ الذي هداك اللهُ له، ولا نصرَ أنفسِهم مما بهم مِن البلاءِ الذي هم فيه بتكذيبِهم إياك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: ومَن يَظْلِمُ منكم أيُّها المؤمنون. يعنى بقولِه: {وَمَنْ يَظْلِمْ} : ومَن يُشْرِكُ باللهِ فَيَظْلِم نفسَه، فذلك {نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} ، كالذى ذكَرْنا أنَّا نُذِيقُه الذين كذَّبوا بالساعةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ} . قال: يُشْرِكْ

(1)

، {نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا}

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ في

(1)

في م: "بشرك".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 65 إلى المصنف.

ص: 422

قولِه: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ} . قال: هو الشركُ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)} .

وهذا احتجاجٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه على مشركي قومه الذين قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7]. وجوابٌ لهم عنه. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: وما أنْكَر يا محمدُ هؤلاء القائلون: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} . من أكلِك الطعامَ، ومشيِك في الأسواقِ، وأنت للهِ رسولٌ، فقد علِموا أنَّا ما أَرْسَلْنا قَبْلَك من المرسَلين إلا مَن

(2)

إنهم ليَأكُلون الطعامَ ويَمْشون في الأسواقِ، كالذى تَأْكُلُ أنت وتَمْشِى، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجةٌ؟

فإن قال قائلٌ: فإن "مَن" ليست في التلاوةِ، فكيف قلتَ: معنى الكلامِ: إلا من إنهم لَيَأْكُلُون الطعامَ؟

قيل: قلنا في ذلك: معناه أن الهاءَ والميمَ في قولِه: {إِنَّهُمْ} . كنايةُ أسماءٍ لم تُذْكَرْ، ولابدَّ لها مِن أن تعودَ على مَن كُنِى عنه بها، وإنما تُرِك ذكرُ "مَن" وإظهارُه في الكلامِ، اكتفاءً بدَلالةِ قولِه:{مِنَ الْمُرْسَلِينَ} . عليه، كما اكْتُفِى في قولِه:{وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات: 164]. من إظهارِ "مَن"، ولا شكَّ أن معنى ذلك: وما منا إلا مَن له مقامٌ معلومٌ. كما قيل: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71]. ومعناه: وإن منكم إلا مَن هو واردُها. فقولُه: {إِنَّهُمْ

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 67.

(2)

سقط من: م.

ص: 423

لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} صلةٌ لـ "مَن" المتروكِ، كما يقالُ في الكلامِ: ما أَرْسَلْتُ إليك مِن الناسِ إلا مَن إنه لَيُبَلِّغُك الرسالة. فـ: إنه لَيُبَلِّغُك الرسالة. صلةٌ لـ "مَن".

وقولُه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} . يقولُ تعالى ذكرُه: وامْتَحَنَّا أيُّها الناسُ بعضَكم ببعضٍ، جعَلْنا هذا نبيًّا، وخصَصْناه بالرسالةِ، وهذا ملِكًا، وخصَصْناه بالدنيا، وهذا فقيرًا، وحرَمْناه الدنيا؛ لنَخْتَبِرَ الفقيرَ بصبرِه على ما حُرِم مما أُعْطِيَه الغنيُّ، والملِكَ بصبرِه على ما أُعْطِيَه الرسولُ مِن الكرامةِ، وكيفَ رِضا كلِّ إنسانٍ منهم بما أُعْطِىَ وقُسِم له، وطاعتُه ربَّه مع ما حُرِم مما أُعْطِيَ غيرُه. يقولُ: فمن أجلِ ذلك لم أُعْطِ محمدًا الدنيا، وجَعَلْتُه يَطلُبُ المعاشَ في الأسواقِ، ولأَبْتَلِيَكم أَيُّها الناسُ، وأَخْتَبِرَ طاعتَكم ربَّكم، وإجابتَكم رسولَه إلى ما دعاكم إليه، بغيرِ عَرَضٍ من الدنيا تَرْجُونه مِن محمدٍ أن يُعْطِيَكم على اتِّباعِكم إياه؛ لأنى لو أعْطَيْتُه الدنيا لَسارَع كثيرٌ منكم إلى اتباعِه، طمعًا في دنياه أن يَنالَ منها.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌‌

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: ثنى عبدُ القُدُّوسِ، عن الحسنِ في قولِه:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} الآية. يقولُ هذا الأعمى: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى بصيرًا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا الفقيرُ: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى غنيًّا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا السقيمُ: لو شاء اللهُ لجَعَلنى صحيحًا مثلَ

(1)

فلانٍ

(2)

.

(1)

في م، ف:"مثلًا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2675 من طريق ابن علية به، وأخرجه البيهقي في الشعب (10072) من طريق أبى رجاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 65 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 424

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} . قال: يُمْسِكُ عن

(1)

هذا، ويُوَسِّعُ على هذا، فيقولُ: لم يُعطنى مثل ما أعْطَى فلانًا. ويَبْتَلى بالوَجَعِ كذلك، فيقولُ: لم يَجْعَلْنى ربى صحيحًا مثلَ فلانٍ. في أشباهِ ذلك مِن البلاء؛ لِيَعْلَمَ مَن يَصْبِرُ ممن يَجْزَعُ

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ - فيما يَرَى

(3)

الطبريُّ - عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ

(4)

، عن ابن عباسٍ، قال: وأُنْزِل عليه في ذلك مِن قولِهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} . أي: جَعَلْتُ بعضَكم لبعضٍ بلاءً؛ لتَصْبروا على ما تَسْمَعون منهم وتَرَوْن مِن خلافِهم، وتَتَّبعوا الهدَى بغيرِ أن أُعْطِيَهم عليه الدنيا، ولو شئتُ أن أَجْعَلَ الدنيا مع رسلى، فلا يُخالفون لَفَعَلْتُ، ولكنى قد أَرَدْتُ أن أَبْتَلى العبادَ بكم، وأَبْتَلِيكم بهم

(5)

.

وقولُه: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} . يقولُ: وربُّك يا محمدُ بصيرٌ بمَن يَجْزَعُ، ومَن يَصْبِرُ على ما امْتُحِن به مِن المحنِ.

(1)

في ت 2: "على".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 66 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

في م: "يروى".

(4)

بعده في ت 2: "بن جبير"

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 309، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2676 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله، وذكره البغوي في تفسيره 6/ 77 عن ابن عباس.

ص: 425

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} : إن ربَّك لبصيرٌ بمَن يَجْزَعُ ومَن يَصْبِرُ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءَنا، ولا يَخْشَون عقابَنا: هلا أنزَل اللهُ علينا ملائكتَه

(2)

فتخبَرنا أن محمدًا محقٌّ فيما يقولُ [أنه محقٌّ]

(3)

، وأن ما جاءنا به صدقٌ. أو نرى ربَّنا فيخبرَنا بذلك. كما قال جل ثناؤه مخبرًا عنهم:{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90]. ثم قال بعدُ: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء: 92]. يقولُ اللهُ: لقد استكبرَ قائلو هذه المقالةِ في أنفسِهم، وتعظَّموا، {وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}. يقولُ: وتجاوَزوا في الاستكبارِ بقيلهم ذلك حدَّه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال كفار قريش: لولا أُنزِل علينا الملائكة فيخبرونا أن محمدًا رسولُ اللهِ، [لقد اسْتكبروا {وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}. قال: شدةَ الكفرِ]

(4)

.

(1)

تقدم أوله في الصفحة السابقة.

(2)

في م: "ملائكة".

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

سقط من: م، ت 1، ت 3، ف.

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 66 إلى المصنف وابن المنذر دون آخره، فقد عزاه إلى ابن المنذر: =

ص: 426

وقال: {وَعَتَوْا عُتُوًّا} ؛ لأن "عتا" من ذواتِ الواوِ، فأُخْرِج مصدرُه على الأصلِ بالواوِ، وقيل في سورةِ "مريمَ":{وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8]. وإنما قيل ذلك كذلِك

(1)

، لموافقةِ المصادرِ في هذا الوجهِ جَمْعَ الأسماءِ، كقولهم: قعد قعودًا. وهم قومٌ قعودٌ. فلما كان ذلك كذلك، وكان العاتى يُجْمَعُ عِتِيًّا بناءً على الواحدِ، جُعِل مصدره أحيانًا موافقًا لجمعِه، وأحيانًا مردودًا إلى أصله.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} . بتصديقِ محمدٍ - الملائكةَ، فلا بشرَى لهم يومئذٍ بخيرٍ، {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا}. يعنى أن الملائكةَ يَقُولون للمجرمين:{حِجْرًا مَحْجُورًا} . حرامًا محرمًا عليكم اليومَ البشرى أن تكونَ مِن الله. ومن "الحجرِ" قولُ المتلمِّسِ

(2)

:

حَنَّتْ إلى النخلةِ

(3)

القُصْوى فقلتُ لها

حِجْرٌ حرامٌ أَلَا تلك الدهارِيسُ

ومنه قولُهم: حجَر القاضي على فلانِ، وحجَر فلانٌ على أهله. ومنه حِجْرُ الكعبة؛ لأنه لا يُدْخَلُ إليه في الطوافِ، وإنما يطافُ من ورائِه، ومنه قولُ الآخرِ

(4)

:

= وحده من قول ابن عباس.

(1)

زيادة من: م.

(2)

تقدم تخريجه في 9/ 578.

(3)

في م، ف:"نخلة". وهى رواية.

(4)

هو حميد بن ثور الهلالي، والبيت في ديوانه ص 84، وفيه: أغْشَى، يُغْشى. بدلا من: ألقى، يُلْقى.

ص: 427

فهمَمتُ أن ألْقَى إليها مَحْجِرًا

فلَمِثْلُها يُلْقَى إليه المَحْجِرُ

أي: مثلُها يُرْكَبُ منه المُحْرَّمُ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المخْبَرِ عنهم بقولِه: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} . ومَن قائلوه؟ فقال بعضُهم: قائلو ذلك الملائكةُ للمجرمين. نحوَ الذي قلنا فيه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجْلَح، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ، وسأَله رجلٌ عن قولِ اللهِ:{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} . قال: تقولُ الملائكةُ: حرامًا محرَّمًا أن تكون لكم

(1)

البشرى

(2)

.

حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، عن جدِّى، عن الحسينِ

(3)

، عن قَتادةَ:{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} . قال: هي كلمٌ كانت العربُ تقولُها؛ كان الرجلُ إذا [نزَلت به شديدةٌ]

(4)

، قال

(5)

: حجرًا. يقولُ: حرامًا مُحرَّمًا

(6)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٍ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} : لما جاءت زلازلُ الساعةِ، فكان من زلازلِها أن السماءَ انشقَّت {فَهِيَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"لهم".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2677 من طريق جوبير عن الضحاك. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 66 إلى عبد بن حميد.

(3)

في م، ت 1، ت 2:"الحسن". وتقدم في 9/ 476، 546، 579.

(4)

في م: "نزل به شدة".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"قالوا".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، 2/ 67 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2678 عن معمر عن الحسن وقتادة. وذكره السيوطي في الدر المنثور 5/ 66 إلى ابن المنذر عن الحسن وقتادة.

ص: 428

يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة: 16، 17] أي

(1)

: على شِقَّةٍ، كلُّ شيءٍ تَشَقَّقَ من السماءِ، فذلك قولُه:{يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ} . يعنى: الملائكةُ تقولُ للمجرمين: حرامًا محرمًا أيُّها المجرمون، أن تكونَ لكم البشرى اليومَ حينَ رأيْتُمونا

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، [قال: ثنا الحسنُ]

(3)

[قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا]

(4)

عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ} . قال: يومَ القيامةِ، {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا}. قال: عَوْذًا مَعاذًا.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ

(5)

، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، وزاد فيه: الملائكةُ تقولُه

(6)

.

وقال آخرون: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن قيلِ المشركين إذا عايَنوا الملائكةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} . قال

(1)

زيادة من: ت 2.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2677 من طريق أبي معاذ به

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 3، ف.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3، ف. وأثبتنا هذا الإسناد كاملًا من ت 2، وإن كان سيكرر مثله مفردًا في الإسناد بعده، لأنه تكرر مثله فيما تقدم.

(5)

بعده في م، ت 2:"جميعا".

(6)

تفسير مجاهد ص 497، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2676، 2678، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 66 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 429

ابن جُرَيجٍ: كانت العربُ إذا كرِهوا شيئًا قالوا: حجرًا. فقالوا حين عايَنوا الملائكة

(1)

.

قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: {حِجْرًا} : عَوْدًا، يَسْتَعِيذُون مِن الملائكةِ.

قال أبو جعفرٍ: وإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرنا في تأويلِ ذلك؛ مِن أجلِ أنَّ الحِجْرَ هو الحرامُ، فمعلومٌ أن الملائكةَ هي التي تخبرُ أهلَ الكفرِ أن البُشرى عليهم حرامٌ. وأمَّا الاستعاذةُ فإنها الاستجارةُ، وليست بتحريمٍ، ومعلومٌ أن الكفارَ لا يقولون للملائكة: حرامٌ عليكم. فيوجَّهَ الكلامُ إلى أن ذلك خبرٌ عن قيلِ المجرمين للملائكةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَقَدِمْنَا} : وعمَدنا إلى ما عمِل هؤلاء المجرمون مِن عملٍ. ومنه قولُ الراجزِ

(2)

:

وقدِم الخوارجُ الضُّلّالُ

إلى عبادِ ربِّهم وقالوا

إن دماءكم لنا حلالُ

يعنى بقوله: قدم: عمَد.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

ينظر تفسير البغوي 6/ 78، 79

(2)

مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/ 74، وتفسير القرطبي 13/ 21.

ص: 430

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَقَدِمْنَا} . قال: عمَدنا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقوله: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} . يقولُ: فجعلناه باطلًا؛ لأنهم لم يَعْمَلوه للهِ، وإنما عملوه للشيطانِ.

والهباءُ هو الذي يُرَى كهيئةِ الغُبارِ إذا دخَل ضوءُ الشمسِ من كُوَّةٍ، يحسَبه الناظرُ غُبارًا، وليس بشيءٍ تَقْبِضُ عليه الأيدى، ولا تَمَسُّه، ولا يُرى ذلك في الظلِّ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا فيه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ:{هَبَاءً مَنْثُورًا} . قال: الغبارُ الذي يكونُ في الشمسِ

(2)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 497، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2678، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1519) عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 66 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 431

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} . قال: الشعاعُ في كُوَّةِ أحدِهم، إن ذهَب يَقْبِضُ عليه لم يَسْتَطِعْ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، الحارثُ وحدَّثنى، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{هَبَاءً مَنْثُورًا} ، قال: شعاعُ الشمسِ مِن الكُوَّة

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمر، عن الحسن في قولِه:{هَبَاءً مَنْثُورًا} . قال: ما رأيتَ شيئًا يَدْخُلُ البيتَ مِن الشمسِ، تَدْخُلُه مِن الكُوَّة، فهو الهَبَاءُ

(3)

.

وقال آخرون: بل هو ما تَسفيه الرياحُ مِن الترابِ، وتَذْرُوه مِن حُطامِ الأشجارِ ونحوِ ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2679 من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير مجاهد ص 497، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 67، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2679 من طريق أبي رجاء، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى عبد بن حميد.

ص: 432

الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{هَبَاءً مَنْثُورًا} . قال: ما تَسفِى الريحُ وتَبُثُّه

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ:{هَبَاءً مَنْثُورًا} . قال: هو ما تَذرو

(2)

الريحُ مِن حُطامِ هذا الشجرِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {هَبَاءً مَنْثُورًا} قال: الهَباءُ الغُبار

(4)

.

وقال آخرون: هو الماء المُهراقُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{هَبَاءً مَنْثُورًا} . يقال: الماءُ المُهراقُ

(5)

.

وقولُه جلَّ ثناؤُه: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: أهلُ الجنةِ يومَ القيامةِ {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} ، وهو الموضعُ الذي يَسْتَقِرُّون فيه مِن منازلِهم في الجنة - من مستقرِّ هؤلاء المشركين الذين يَفْخرون بأموالِهم، وما أوتوا مِن عَرَض هذه الدنيا في الدنيا، وأحسنُ منهم فيها مَقِيلًا.

فإن قال قائلٌ: وهل في الجنةِ قائلةٌ فيقالَ: {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} فيها؟

(1)

ذكره الحافظ في التغليق 4/ 270 عن المصنف.

(2)

في ت 2، والدر المنثور:"تذروه"، وفى نسخة من تفسير عبد الرزاق:"تذرى".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 67. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2679 من طريق خالد بن قيس، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

ينظر تفسير ابن كثير 6/ 111.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2679 من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى ابن المنذر.

ص: 433

قيل: معنى ذلك: وأحسنُ فيها قرارًا في أوقاتِ قائلتهم في الدنيا. وذلك أنه ذُكِر أن

(1)

أهلَ الجنةِ لا يمرُّ بهم

(2)

في الآخرةِ إلا قدرُ ميقات النهارِ، من أوّلِه إلى وقتِ القائلةِ، حتى يَسكُنوا مساكَنهم في الجنةِ، فذلك معنى قولِه:{وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} .

‌ذكرُ الروايةِ عمن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} . يقولُ: قالُوا في الغرفِ في الجنةِ، وكان حسابُهم أن عُرِضوا على ربِّهم عَرْضةً واحدةً، وذلك الحسابُ اليسيرُ، وهو مثلُ قولِه:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا}

(3)

[الانشقاق: 7 - 9].

حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} . قال: كانوا يَرَون أنه يُفْرَغُ مِن حسابِ الناسِ يوم القيامة في

(4)

نصف النهارِ، فيقيل هؤلاء في الجنةِ، وهؤلاء في النارِ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} . قال: لم يَنْتَصِف النهارُ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(2)

في م: "فيهم".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2681 عن محمد بن سعد به.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"إلى". وفى الزوائد والحلية: "في مقدار".

(5)

أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد (1314)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 232 من طريق أبي معاوية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.

ص: 434

حتى يَقْضِيَ اللهُ بينهم، فيَقِيلَ أهلُ الجنةِ في الجنةِ، وأهلُ النارِ في النارِ. قال: وفي قراءةِ ابن مسعودٍ: (ثم إن مَقِيلَهم لَإلى الجحيمِ)

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} . قال: قال ابن عباسٍ: كان الحسابُ مِن ذلك في أوّلِه، وقال القومُ حينَ قالوا في منازلهم مِن الجنةِ. وقرَأ:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} .

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن سعيدًا الصوّافَ حدَّثه، أنه بلَغه أن يومَ القيامةِ يُقْضَى على المؤمنين حتى يكونَ كما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ، وأنهم يَقيِلون في رياضِ الجنةِ حتى يُفْرَغَ مِن الناسِ، فذلك قولُ اللهِ:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا}

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وإنما قلنا: معنى ذلك خيرٌ مستقرًّا

(3)

في الجنةِ منهم في الدنيا؛ لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} . جميعِ أحوالِ أهلُ

(4)

الجنةِ في الآخرةِ، أنها خيرٌ في الاستقرارِ فيها والقائلةِ مِن جميعِ أحوالِ أهلِ النارِ، ولم يَخُصَّ بذلك أنه خيرٌ من أحوالِهم في النارِ دونَ الدنيا، ولا في الدنيا دونَ الآخرةِ، فالواجبُ أن يُعَمَّ كما عم ربنا جلَّ ثناؤُه،

(1)

تفسير سفيان ص 226، ومن طريقه الحسين المروزي في زوائده على الزهد (1313)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2680، والحاكم 2/ 402 عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 113 عن المصنف.

(3)

بعده في ت 2: "وأحسن مقيلا".

(4)

سقط من: م.

ص: 435

فيقالُ: أصحابُ الجنةِ يومَ القيامةِ خيرٌ مستقرًّا في الجنةِ من أهلِ النارِ في الدنيا والآخرةِ، وأحسنُ منهم مقيلًا. وإذا كان ذلك معناه، وضَح

(1)

فسادُ قولِ مَن تَوَهَّم أن تفضيلَ أهلِ الجنةِ بقولِ اللهِ: {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} على غيرِ الوجهِ المعروفِ مِن كلامِ الناسِ بينَهم

(2)

في قولِهم: هذا خيرٌ من هذا، وهذا أحسنُ مِن هذا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)} .

اختلَف القرأةُ في قراءةِ قولِه: {تَشَقَّقُ} . فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ) بتشديدِ الشينِ

(3)

، بمعنى: تَتَشقَّقُ. فأدغموا إحدى التاءين في الشينِ، فشدَّدوها، كما قال:{لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى} [الصافات: 8].

وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ} بتخفيفِ الشينِ، والاجتزاءِ بإحدى التاءين من الأُخرى

(4)

.

والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتانِ مستفيضتانِ في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: ويومَ تشققُ السماءُ عن الغمامِ.

وقيل: إن ذلك غمامٌ أبيضُ، مثلُ الغمامِ الذي ظُلِّل على بني إسرائيلَ.

وجُعِلت الباءُ في قولِه: {بِالْغَمَامِ} . مكانَ "عن"، كما تقولُ: رمَيت عن القوسِ، وبالقوسِ، وعلى القوسِ. بمعنى واحدٍ.

(1)

في م: "صح".

(2)

في ص، ت 1، ت 2:"منهم"، وبعده في ف:"منهم".

(3)

وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 464.

(4)

وهى قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

ص: 436

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} . قال: هو الذي قال: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]. الذي يأتى اللهُ فيه يومَ القيامةِ، ولم يَكُنْ

(1)

قطّ إلا لبنى إسرائيلَ

(2)

.

قال ابن جريجٍ: الغمامُ الذي يأتى اللهُ فيه، غمامٌ زعموا في الجنةِ

(3)

.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الجليلِ، عن أبي حازم، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: يَهبِطُ الله حين يَهْبطُ، وبينَه وبين خلقِه سبعون ألفَ

(4)

حجابٍ

(5)

، منها النورُ والظلمةُ والماءُ، فيصوِّتُ

(6)

[الماء في تلك]

(7)

الظلمةِ (4) صوتًا تَنْخَلِعُ له القلوبُ

(8)

.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} . يقولُ: والملائكةُ حولَه

(9)

.

(1)

بعده في م: "في تلك".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2682 من طريق حجاج به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 68 إلى ابن المنذر.

(4)

سقط من: النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.

(5)

في م: "حجابا".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"فيضرب".

(7)

سقط من: م.

(8)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 115 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 372، وأبو الشيخ في العظمة (272، 286) من طريق معتمر بن سليمان به.

(9)

تقدم تخريجه في 3/ 608.

ص: 437

قال: ثنى حجاجٌ، عن مباركِ بن فضالةَ، عن عليٍّ بن زيدِ بن جُدْعانَ، عن يوسفَ بن مهرانَ، أنه سمِع ابن عباسٍ يقولُ: إن هذه السماءَ إذا انشقَّت نزَل منها مِن الملائكةِ أكثرُ من الجنِّ والإنسِ، وهو يومُ التلاقِ، يومَ يَلْتَقِى أهل السماءِ وأَهلُ الأرضِ، فيقولُ أهلُ الأرضِ: جاء ربُّنا. فيقولون: لم يجِئْ وهو آتٍ. ثم تَتَشَقَّقُ السماءُ الثانيةُ،، ثم سماءٌ سماءٌ، على قدرِ ذلك من التضعيفِ، إلى السماءِ السابعةِ، فينزلُ منها مِن الملائكةِ أكثرُ مِن جميعِ مَن نزَل من السماواتِ ومن الجنِّ والإنسِ. قال: فتَنْزِلُ الملائكةُ الكَروبِيّون

(1)

، ثم يأتى ربُّنا تبارك وتعالى في حمَلةِ العرشِ الثمانيةِ، بينَ كعبِ كلِّ ملَكٍ

(2)

وركبتِه مسيرةُ سبعين سنةً، وبينَ فَخِذِه ومنكبِه مسيرةُ سبعينَ سنةً. قال: وكلُّ ملَكٍ منهم لم يَتَأَمَّلْ وجهَ صاحبِه، وكلٌّ ملَكٍ منهم واضعٌ رأسَه بينَ ثدييه

(3)

، يقولُ: سبحانَ الملكِ القدوسِ. وعلى رءوسِهم شيءٌ مبسوطٌ كأنه القَباءُ، والعرشُ فوق ذلك. ثم وقَف

(4)

.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن هارونَ بن رئابٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، قال: حملةُ العرشِ ثمانيةٌ، فأربعةٌ منهم يقولون: سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، لك الحمدُ على حلمِك بعدَ علمِك، وأربعةٌ يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدِك، لك الحمدُ على عفوكِ بعدَ قدرتِك

(5)

.

(1)

الكروبيون: المقربون. النهاية 4/ 161.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:" رجل".

(3)

في ت 1، ت 2، ف:"يديه".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 115 عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص 498، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2682، والحاكم 4/ 569 من طريق على بن زيد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 67 إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن المنذر. وقال ابن كثير: مداره على على بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، وفى سياقاته غالبا نكارة شديدة.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 115، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (483) من طريق الأوزاعي، عن هارون قوله.

ص: 438

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا نظرَ أهلُ الأرض إلى العرشِ يهبطُ عليهم فوقَهم، شخَصت إليه أبصارُهم، ورجَفت كُلاهم في أجوافِهم. قال: وطارَت قلوبُهم مِن مقرِّها من

(1)

صدورِهم إلى حناجرِهم

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} . يعني يومَ القيامةِ حينَ تشقق السماءُ بالغمامِ، وتُنَزَّلُ الملائكةُ تنزيلًا.

وقوله: {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} . يقولُ: ونُزِّل الملائكةُ إلى الأرضِ تنزيلًا، {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ}. يقولُ: الملكُ الحقُّ يومئذٍ خالصًا

(3)

للرحمنِ دونَ كلِّ مَن سواه، وبطَلت الممالكُ يومئذٍ سوى مُلْكه، وقد كان في الدنيا ملوكٌ، فبطَل المُلكُ يومئذٍ سوى مُلْكِ الجبارِ، {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا}. يقولُ: وكان يومُ تشقَّقُ السماء بالغمام، يوما على أهلِ الكفرِ باللهِ {عَسِيرًا} ، يعنى: صعبًا شديدًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يَعَضُّ الظالمُ نفسَه المشركُ بربِّه على يديه، ندَمًا وأسفًا على ما فرَّط في جنبِ اللهِ، وأوبَق نفسَه بالكفرِ به، في طاعةِ خليلهِ الذي صدَّه عن

(1)

في م: "في".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 115.

(3)

في م: "خالص".

ص: 439

سبيلِ ربِّه، يقولُ:{يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ} في الدنيا {مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} . يعني طريقًا إلى النجاةِ مِن عذابِ اللهِ.

وقولُه: {يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنِيِّ بقولِه: {الظَّالِمُ} . وبقوله: {فُلَانًا} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالظالمِ عقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ؛ لأنه ارتدَّ بعدَ إسلامِه، طلبًا منه لرضا أبيِّ بن خلفٍ. وقالوا: فلانٌ هو أبيٌّ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: كان أبيُّ بنُ خلفٍ يَحْضُرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فزجَره عُقْبةُ بنُ أبى مُعَيطٍ، فنزَل:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي} . إلى قولِه: {خَذُولًا} . قال: الظالمُ عُقْبةُ، و {فُلَانًا خَلِيلًا}: أَبيُّ بنُ خَلَفٍ

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ في قولِه:{لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} . قال: كان عقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ خليلًا لأميةَ بن خلفٍ، فأسلَم عقبةُ، فقال أميةُ: وجهى مِن وجِهك حرامٌ إن تابَعتَ

(2)

محمدًا. فكفَر، وهو الذي قال:{لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}

(3)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ وعثمانَ الجزريِّ، عن مقسمٍ في قولِه:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} . قال: اجتمَع عُقبة بنُ أبي مُعَيطٍ وأبيُّ بنُ خَلَفٍ،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 68 إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه إلى قوله: "خذولا".

(2)

في ت 1، ت 2، ف، وتفسير البغوي:"بايعت".

(3)

ذكره الواحدى في أسباب النزول ص 251، والبغوي في تفسيره 6/ 81.

ص: 440

وكانا خليلين، فقال أحدُهما لصاحبِه: بلَغنى أنك أتيت محمدًا، فاستمَعت منه، واللهِ لا أرضى عنك حتى تَنْفُل في وجهِه وتكذِّبَه. فلم يُسَلِّطْه اللهُ على ذلك، فقُتِل عقبةُ يومَ بدرٍ صبرًا، وأما أُبيُّ بنُ خلفٍ، فقتَله النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيدِه يومَ أُحدٍ في القتالِ، وهما اللذان أنزَل الله فيهما:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} . إلى قولِه: {فُلَانًا خَلِيلًا} . قال: هو أُبيُّ بنُ خلفٍ، كان يَحْضُرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فزجَره عقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} . قال: عقبةُ بنُ أَبي مُعَيطٍ، دعا مجلسًا فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، الطعامٍ، فأبى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَأْكُلَ، وقال:"لا أكُلُ حَتى تَشْهَدَ أَلا إِلَهَ إِلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله". فقال: ما أنت بأكلٍ حتى أشهدَ؟ قال: "نعم". قال: أشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ. فلقِيَه أُميةُ بنُ خلفٍ فقال: صبوتَ؟ فقال: إن أخاك على ما تَعْلَمُ، ولكنِّى صنَعت طعامًا فأبى أن يأكُلَ حتى أقولَ ذلك، فقلتُه، وليس من نفسى

(3)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 68، وهو في مصنفه (9731) عن معمر، عن عثمان الجزرى، عن مقسم، قال معمر: وحدثنى الزهرى ببعضه. فذكره مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 68 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2684 عن محمد بن سعد به.

(3)

تفسير مجاهد ص 503، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2638، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 69 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 441

وقال آخرون: عُنِى بفلانٍ الشيطانُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ:{فُلَانًا خَلِيلًا} قال: الشيطانُ

(1)

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

وقولُه: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} . يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن هذا النادمِ على ما سلَف منه في الدنيا، من معصيِة ربِّه في طاعةِ خليلِه: لقد أضَلَّنى خليلى

(2)

عن الإيمانِ بالقرآنِ، وهو الذكرُ، بعدَ إذ جاءني من عندِ اللهِ، فصدَّني عنه. يقولُ اللهُ:{وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} . يقولُ: مسلِمًا لما يَنْزِلُ به مِن البلاء، غيرَ مُنْقِذِه منه

(3)

ولا منجيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الرسولُ يوم يَعَضُّ الظالمُ على يديه: يا ربِّ إن قومى

(1)

تفسير مجاهد ص 504، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2686، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 69 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: م، ت 1، ت 3، ف.

(3)

سقط من: م.

ص: 442

الذين بعَثتَنى إليهم لأدعوَهم إلى توحيدِك - اتخذوا هذا القرآن مهجورًا.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى اتخاذِهم القرآنَ مهجورًا؛ فقال بعضُهم: كان اتخاذَهم ذلك هُجْرًا قولَهم فيه السَّيِّئَ مِن القولِ، وزَعْمَهم أنه سحرٌ وأنه شعرٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله:{اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} . قال: يَهْجُرون فيه بالقولِ، يقولون: هو سحرٌ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَقَالَ الرَّسُولُ} الآية: يَهْجُرون فيه بالقولِ.

قال مجاهدٌ: وقوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67]. قال: مستكبرين بالبلدِ سامرًا مجالسَ تَهْجُرون. قال: بالقولِ السَّيء في القرآنِ غيرَ الحقِّ

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، في قولِ اللهِ:{إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} . قال: قالوا فيه غير الحقِّ، ألم تَرَ إلى المريض إذا هَذَى قال غيرَ الحقِّ

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 504، ومن طريقه ابن أبي حاتم 8/ 2687، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 70 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تقدم تخريجه في ص 81.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2688 من طريق هشيم به. وهو في تفسير مجاهد ص 504 من طريق مغيرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 70/ 5 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 443

وقال آخرون: بل معنى ذلك الخبرُ عن المشركين أنهم هجَروا القرآنَ، وأعرَضوا عنه، ولم يَسْمَعُوا له.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} : [قال: {مَهْجُورًا}]

(1)

لا يريدون أن يَسْمَعوه، وإن دُعُوا إلى الله قالوا: لا. وقرَأ {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} ] الأنعام: 26]. قال: يَنْهَون عنه، ويَبْعُدون عنه

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبرَ عنهم أنهم قالوا:{لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26]. وذلك هجرُهم إياه.

وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وكما جعلَنا لك يا محمدُ أعداءً من مشركي قومِك، كذلك جعلِنا لكلِّ من نبأناه من قبلِك عدوًّا من مشركي قومِه، فلم تُخصصْ بذلك مِن بينِهم. يقولُ: فاصبِرْ لما نالَك منهم، كما صبَر مِن قبلِك أولو العزمِ مِن رسلِنا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن ابن جريجٍ]

(3)

، قال:

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرج شطره الأول ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2688 من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد. وتقدم شطره الثاني في 9/ 203.

(3)

سقط من: النسخ، وهو إسناد دائر.

ص: 444

قال ابن عباسٍ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} . قال: يُوَطِّن محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه جاعلٌ له عدوًّا من المجرمين، كما جعَل لمن قبلَه

(1)

.

وقولُه: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وكفاك يا محمدُ بربِّك هاديًا يَهْدِيك إلى الحقِّ، ويُبصِّرُك الرَّشْدَ، {وَنَصِيرًا}. يقولُ: وناصرًا لك على أعدائِك. يقولُ: فلا يَهِيدَنَّكَ أعداؤك

(2)

مِن المشركين، فإنى ناصرُك عليهم، فاصبِرْ لأمرى، وامضِ لتبليغِ رسالتي إليهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا بالله: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ} . يقولُ: هلّا نُزِّل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم القرآنُ جُملةً واحدةً، كما أُنزلِت التوراةُ على موسى جملةً واحدةً؟ قال اللهُ:{كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} . تنزيلُه عليك الآيةَ بعدَ الآيةِ، والشيءَ بعدَ الشيءِ؛ لنُثَبِّتَ به فؤادَك نزَّلناه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} . قال: كان اللهُ يُنَزِّلُ عليه الآيةَ، فإذا علِمها نبيُّ اللهِ نزَلت آيةٌ أُخرى، ليعلِّمَه الكتابَ عن ظهرِ قلبِه، ويُثبِّتَ به فؤادَه

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 70 إلى المصنف.

(2)

في ف: "يهتديك"، وفى م:"يهولنك"، وفى ت 2:"يعتديك". ويهيدنك من: هاده الشيء هيدًا وهادًا: أفزعه وكربه، وتقول: ما يهيدنى ذلك. أي ما يزعجنى وما أكترث له، ولا أباليه. اللسان (هـ ى د).

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2691 عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 70 =

ص: 445

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} : كما أُنزِلت التوراةُ على موسى؟ قال: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} . قال: كان القرآنُ يُنَزَّلُ عليه جوابًا لقولِهم؛ ليُعْلِمَ محمدًا أن الله مُجِيبٌ القومَ بما يقولون بالحقِّ

(1)

.

ويعنى بقوله: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} : لنُصَحِّحَ به عزيمةَ قلِبك، ويقينَ نفسِك، ونشجِّعَك به.

وقوله: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} . يقولُ: وشيئًا بعد شيءٍ علَّمناكَه، حتى تحفظتَه

(2)

. والترتيلُ في القراءةِ

(3)

الترسُّلُ والتَّثَبُّتُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قوله:{وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} . قال: نزل متفرِّقًا

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله:{وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} . قال: كان يَنْزِلُ آيةً وآيتين وآياتٍ، وكان

(5)

يَنزِلُ

(6)

= إلى ابن مردويه.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 70 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

في ت 1، ت 2:"تحفظه".

(3)

في ت 2: "القرآن".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2691 من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 70/ 5 إلى ابن المنذر.

(5)

سقط من: م.

(6)

سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج

ص: 446

جوابًا لهم إذا سألوا عن شيءٍ، أَنزَله الله جوابًا لهم، وردًّا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يَتَكَلَّمون به، وكان بينَ أوَّلِه وآخرِه نحوٌ مِن عشرين سنةً

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} . قال: كان بين ما أُنزِل القرآنُ إلى آخرِه؛ أُنزِل عليه لأربعين، ومات النبيُّ صلى الله عليه وسلم لثنتين أو لثلاثٍ وستين.

وقال آخرون: معنى الترتيلِ التبيينُ والتفسيرُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} . قال: فسَّرناه تفسيرًا. وقرَأ: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}

(2)

[المزمل: 4].

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يأتيك يا محمدُ هؤلاء المشركون بمثَلٍ يَضْرِبونه، إلا جئناك مِن الحقِّ بما تُبْطِلُ به ما جاءوا به، وأحسنَ منه تفسيرًا.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ} . قال: الكتاب، بما تردُّ به ما جاءوا به مِن الأمثالِ التي جاءوا بها، وأحسنَ تفسيرًا

(3)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 69. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2690. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 70 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2691 (15138) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد.

(3)

تقدم أوله في الصفحة السابقة.

ص: 447

وعَنى بقولِه: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} : وأحسنَ مما جاءوا به مِن المثَلِ بيانًا وتفصيلًا.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} . يقولُ: أحسن تفصيلًا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} . قال بيانًا

(2)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} . يقولُ: تفصيلًا

(3)

.

وقولُه: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: هؤلاء المشركون يا محمدُ، القائلون لك:{لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32]. ومَن كان على مثل الذي هم عليه منِ الكفرِ بالله، الذين يُحْشَرون يومَ القيامة على وجوهِهم إلى جهنَم، فيُسَاقون إلى جهنمَ - شرٌّ مستقرًّا في الدنيا والآخرةِ من أهلِ الجنةِ [في الجنةِ]

(4)

، وأضلُّ منهم في الدنيا طريقًا.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويل.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2691 معلقا. وتقدم أوله في ص 445.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2692 من طريق حجاج به.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2691 معلقا.

(4)

سقط من: ت 1، ف.

ص: 448

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} . قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادرٌ على أن يُمشيَهم على وجوهِهم، {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} من أهلُ الجنةِ {وَأَضَلُّ سَبِيلًا}. قال: طريقًا

(1)

.

حدَّثني محمد بن يحيى الأزديُّ، قال: ثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شيبانُ، عن قَتادةَ قوله:{الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} . قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ كيف يُحْشَرُ الكافر على وجهِه؟ قال: "الذي أمْشاه على رجلَيه قادرٌ أن يُمْشِيَه على وجهِه"

(2)

.

حدَّثنا أبو سفيانَ الغَنَويُّ يزيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا خلّادُ بن يحيى الكوفيُّ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: أخبَرني مَن سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: كيف يَحْشُرُهم على وجوهِهم؟ قال: الذي يَحْشُرُهم على أرجِلهم قادرٌ بأن يَحْشُرَهم على وجوهِهم"

(3)

.

حدَّثنا عبيدُ بنُ محمدٍ الوراقُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي داودَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: سُئل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كيف يُحْشَرُ أهلُ النارِ على وُجوهِهم؟ فقال: "إن الذي أنشاهم على أقدامِهم قادرٌ على

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 70 إلى المصنف وابن المنذر عن ابن جريج قوله دون أوله.

(2)

أخرجه النسائي (11367)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2692، وابن حبان (7323)، وأبو نعيم في الحلية، 2/ 343، وفى المعرفة (166) من طريق الحسين به. وأخرجه أحمد 21/ 89 (13392)، والبخارى (4760)، ومسلم (2806)، وأبو يعلى (3046) من طريق شيبان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 203 إلى ابن مردويه.

(3)

أخرجه الحاكم 20/ 402 من طريق سفيان به.

ص: 449

أن يُمشِيَهم على وجوههم"

(1)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا حَزمٌ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: قرَأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} . فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، كيف يَمْشون على وُجوهِهم؟ قال:"أرأيْتَ الذي أمْشَاهم على أقدامِهم، أليس قادرًا أن يُمشيهم على وجوهِهم"

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورُ بنُ زاذانَ، عن عليٍّ بن زيدِ بن جُدْعانَ، عن أبي خالدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على ثلاثةِ أصنافِ؛ صِنْفٌ على الدَّوابِّ، وصِنفٌ على أقدامِهم، وصِنفٌ على وُجوهِهم. فقيل: كيف يمشُون على وُجوهِهم؟ قال: إن الذي أَمْشَاهم على أقدامِهم قادرٌ أن يمشيهم على وُجِوههم

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، مُتوعِّدًا

(4)

مشركي قومِه على كفرهم باللهِ، وتكذيبِهم رسولَه، ومُخَوِّفَهم

(5)

من حُلولٍ نِقْمَتِه بهم، نظيرَ الذي يَحِلُّ

(6)

بمن

(1)

أخرجه الحاكم 2/ 402 من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد 20/ 131 (12708) من طريق أبي داود نفيع به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2692 من طريق حزم به.

(3)

أخرجه الطيالسي (2689)، وأحمد 14/ 288 (8647)، والترمذى (3142) من طريق على به مرفوعا.

(4)

في م: "يتوعد".

(5)

في م: "يخوفهم".

(6)

في ت 2: "جلَّ ثناؤُه". وصوابها: "حل": وتحذف كلمة: "ثناؤُه".

ص: 450

كان قبلَهم مِن الأم المكذِّبِة رسلَها: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} يا محمدُ {مُوسَى الْكِتَابَ} . يعنى: التوراةَ، كالذى آتَيْناك مِن الفُرْقانِ، {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا}. يعنى: مُعينًا وظَهِيرًا.

{فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} . يقولُ: فقلنا لهما: اذْهَبا إلى فرعونَ وقومِه الذين كذَّبوا بأعلامِنا وأدلتِنا، {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} . وفى الكلام متروكٌ، اسْتُغْنى بدَلالة ما ذُكِر مِن ذكرِه، وهو: فذهَبا فكذَّبوهما، فَدمَّرْناهم حينئذٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وقومَ نوحٍ [من قَبلِ قومِ فرعونَ]

(1)

، لما كذَّبوا رسلَنا، وردُّوا عليهم ما جاءوهم به مِن الحقِّ، أَغْرَقْناهم بالطُّوفانِ {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً}. يقولُ: وجعَلْنا تغريقَنا إياهم وإهلاكَناهم

(2)

عِظةً وعبرةً للناسِ يَعْتَبِرون بها، {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا}. يقولُ: وأعْدَدْنا لهم؛ من الكافرين باللهِ في الآخرة عذابًا أليمًا، سوى الذي حلَّ بهم مِن عاجلِ العذابِ في الدنيا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ودمَّرْنا أيضًا عادًا وثمود وأصحابَ الرَّسِّ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في أصحابِ الرسِّ؛ فقال بعضُهم: أصحابُ الرسِّ مِن ثمودَ.

(1)

سقط من: م.

(2)

في م، ف:"إهلاكنا".

ص: 451

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} . قال: قريةٌ مِن ثمودَ

(1)

.

وقال آخرون: بل هي قريةٌ من اليمامةِ يقالُ لها: الفَلَجُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: ثنا جريرٌ بن حازمٍ، قال: قال قتادةُ: الرَّسُّ قريةٌ من اليمامةِ يقالُ لها: الفَلَجُ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال عكرمةُ: أصحابُ الرسِّ بفَلَج هم أصحابُ يس

(3)

.

وقال آخرون: هم قومٌ رَدُّوا نبيَّهم في بئرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي بُكيرٍ

(4)

، عن عكرمةَ، قال: كان الرسُّ بئرًا رسُّوا فيها نبيَّهم

(5)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 119 عن ابن جريجٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 70 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2695 من طريق سعيد، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 71 إلى عبد بن حميد.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 119 عن ابن جريج به.

(4)

في م: "بكر". وينظر تهذيب الكمال 27/ 375.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2695 من طريق سفيان، عن رجل، عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 71 إلى الفريابي.

ص: 452

وقال آخرون: هي بئرٌ كانت تُسَمَّى الرسَّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} . قال: هي بئرٌ كانت تُسَمَّى الرَّسَّ.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} . قال: الرسُّ بئرٌ كان عليها قومٌ

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ من قال: هم قومٌ كانوا على بئرٍ. وذلك أن الرسَّ في كلامِ العربِ: كلُّ محفورٍ؛ مثلُ البئرِ والقبرِ، ونحوُ ذلك، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

سبَقْتُ إلى فَرَطٍ

(3)

ناهِلٍ

(4)

تَنابِلةً

(5)

يَحْفِرون الرِّساسا

يُريدُ أَنهم يَحْفِرون المعادنَ.

ولا أَعْلَمُ قومًا كانت لهم قصةٌ بسببِ حُفْرَةٍ، ذكَرَهم اللهُ في كتابِه، إلا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2695 من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 71 إلى الفريابي.

(2)

هو النابغة الجعدى، والبيت في ديوانه (مجموع) ص 82.

(3)

الفرط: القوم يتقدمون إلى الماء قبل الوارد، فيهيئون لهم الأرسان والدلاء، ويملئون الحياض ويستقون لهم. اللسان (ف ر ط).

(4)

في م، ت 1، ت 2، ف:"باهل"

(5)

التنابلة: الرجال القصار. اللسان (تنبل).

ص: 453

أصحابَ الأخدودِ، فإن يكونوا هم المَعْنِيِّين بقولِه:{وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} . فإنا سنَذْكُرُ خبرَهم إن شاء اللَّهُ إِذا انْتَهَيْنا إلى سورة "البُروجِ"، وإن يكونوا غيرَهم، فلا نَعْرِفُ لهم خبرًا، إلا ما جاء مِن جملةِ الخبرِ عنهم أنَّهم قومٌ رَسُّوا نبيِّهم في حفرةٍ، إلا ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِن أَوَّلَ الناسِ يَدْخُلُ الجنةَ يومَ القيامةِ العبدُ الأسودُ، وذلك أن الله تبارك وتعالى بَعث نبيًّا إلى أهلِ قريتِه

(1)

، فلم يُؤْمِنُ به مِن أهلِها أحدٌ إلا ذلك الأسودُ، ثم إن أهلَ القرية عدَوْا على النبيِّ عليه السلام، فحفَروا له بئرًا، فأَلْقَوْه فيها، ثم أطْبَقوا عليه بحجرٍ ضخمٍ". قال:"وكان ذلك العبدُ يَذْهَبُ فيَحْتَطِبُ على ظهرِه، ثم يَأْتى بحطَبِه فيَبِيُعه، فيَشْتَرِى به طعامًا وشرابًا، ثم يأتى به إلى ذلك البئرِ، فيَرْفَعُ تلك الصخرةَ، فيُعِينُه اللهُ عليها، فيُدْلِى إليه طعامَه وشرابَه، ثم يُعِيدُها كما كانت". قال: "فكان كذلك ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم إنه ذهَب يومًا يَحْتَطِبُ كما كان يَصْنَعُ، فجمَع حطبَه، وحزَم حُزْمتَه، وفرَغ منها، فلما أراد أن يَحْتَمِلَها وجَد سِنَةً، فاضْطَجَع فنام، فضرَب اللَّهُ على أُذُنِه سبعَ سنينَ نائمًا، ثم إنه هبَّ

(2)

فتمَطَّى، فتحَوَّل لشقِّه الآخرِ، فاضْطَجَع، فضرَب اللَّهُ على أذنِه سبعَ سنينَ أُخرى، ثم إنه هبَّ

(2)

فاحْتَمل حُزْمتَه، ولا يَحْسَبُ إلا أنه نام ساعةً مِن نهارٍ، فجاء إلى القريةِ، فباع حُزْمتَه، ثم اشْتَرَى طعامًا وشرابًا كما كان يَصْنَعُ، ثم ذهَب إلى الحفرةِ في موضعِها الذي

(3)

كانت فيه، فالْتَمَسَه فلم يَجِده، وقد كان بدا لقومِه فيه بَدَاءٌ، فَاسْتَخْرجوه وآمنوا به وصدقوه". قال: "فكان النبيُّ عليه السلام يَسْأَلُهم عن

(1)

في م: "قرية".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"ذهب".

(3)

في م: "التي".

ص: 454

ذلك الأسودَ ما فعَل؟ فيقولون: ما نَدْرِى. حتى قبض اللهُ النبيَّ، فأَهَبَّ اللهُ الأسودَ من نومتِه بعدَ ذلك". فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إن ذلك الأسود لأولُ مَن يَدْخُلُ الجنةَ"

(1)

.

غيرَ أن هؤلاء في هذا الخبرِ يَذْكُرُ محمدُ بنُ كعبٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهم آمَنوا بنبيِّهم، واسْتَخْرجوه من حفرتِه، فلا يَنْبَغى أن يكونوا المعْنِيِّين بقولِه:{وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} ؛ لأن الله أخْبَر عن أصحابِ الرسِّ أنه دمَّرهم تدميرًا، إلا أن يكونوا دُمِّروا بأحداثٍ أحْدَثوها بعدَ نبيِّهم الذي اسْتَخْرجوه من الحفرةِ وآمَنوا به، فيكونَ ذلك وجهًا.

{وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} . يقولُ: ودمَّرْنا بين أضعافِ هذه الأممِ التي سمَّيْنا لكم أممًا كثيرةً.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ، قال: ثنا خَلَفُ بنُ خَليفةَ، عن جعفرِ بن عليِّ بن أبي رافعٍ مولى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: خلَّفْتُ بالمدينةِ عمِّى، ممن يُفْتِي على أن القرنَ سبعون سنةً. وكان عمُّه عبيدُ اللهِ بنُ أبي رافعٍ كاتبَ عليٍّ رضي الله عنه.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، قال: القرنُ أربعون سنةً

(2)

.

وقولُه: {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ هذه الأممِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 120، وفى البداية والنهاية 5/ 8، 9 عن المصنف.

قال ابن كثير: هكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب مرسلًا، وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجًا، والله أعلم.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2696 من طريق حفص به.

ص: 455

التي أهْلَكْناها، التي سمَّيْناها لكم أو لم نُسَمِّها، {ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ}. يقولُ: مثَّلْنا له الأمثالَ، ونبَّهْناها على حججِنا عليها، وأعْذَرْنا إليها بالعبرِ والمواعظِ، فلم نُهْلِكْ منهم أُمَّةً إلا بعدَ الإبلاغِ إليهم في المعذرةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ} . قال: كلٌّ قد أعْذَر اللهُ إليه، ثم انْتَقَم منه

(1)

.

وقولُه: {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ هؤلاء الذين ذكَرنا لكم أمْرَهم، اسْتَأْصَلْناهم، فدمَّرْناهم

(2)

بالعذاب إبادةً، وأهْلَكْناهم جميعًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} . قال: تبَّر الله كلًّا بعذابٍ

(3)

تَتْبِيرًا

(4)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} . قال: تَتْبِيرٌ بالنَّبَطيةِ

(5)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 70، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2697 من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ص، ت 2، ف:"فأمرناهم"، وفى ت 1، ت 3:"فأبدْناهم".

(3)

في ص، ت 2:"بالعذاب".

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 70، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2697.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 456

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ قولَه: {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} . قال: بالعذابِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أتَى هؤلاء الذين اتَّخذوا القرآنَ مهجورًا على القريةِ التي أمْطَرها الله مطَرَ السَّوْءِ، وهى سَدُومُ؛ قريةُ قومِ لوطٍ، ومَطَرُ السَّوْءِ هو الحجارةُ التي أمْطَرها اللهُ عليهم، فأهْلَكهم بها.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} . قال: حجارةً، وهي قريةُ قومِ لوطٍ، واسمُها سَدُومُ. قال ابن عباسٍ: خمسُ قرياتٍ، فأَهْلَك اللهُ أربعةً، وبقِيَت الخامسةُ، واسمُها صعوة

(1)

، لم تُهْلَك صعوة

(1)

، كان أهلُها لا يَعْمَلون ذلك العملَ، وكانت سَدُومُ أعظمَها وهى التي نزَل بها لوطٌ، ومنها بُعِث، وكان إبراهيمُ عليه السلام يُنادى نصيحةً لهم: يا سَدُومُ، يومٌ لكِ

(2)

من اللهِ، أنهاكم أن تَعَرَّضوا لعقوبةِ اللهِ. زعموا أن لوطًا ابن أخى إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليهما

(3)

.

وقولُه: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} . يقول جلَّ ثناؤُه: أفلم

(4)

يَكُنْ هؤلاء المشركون الذين قد أتَوْا على القريةِ التي أُمْطِرَت مَطَرَ السَّوْءِ يَرَوْن تلك القريةَ، وما نزَل بها من عذابِ اللهِ بتكذيبِ أهلها رسلَهم، فيَعْتَبِروا ويَتَذَكَّروا، فيُراجِعوا

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"سعر". وفى البحر المحيط: "زغر". وينظر ما تقدم في 12/ 537.

(2)

في م: "لكم".

(3)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 499.

(4)

في م: "أولم".

ص: 457

التوبةَ مِن كفرهم وتكذيبِهم محمدًا صلى الله عليه وسلم؟!

{بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عندِ اللهِ؛ أنهم لم يَكونوا رأَوْا ما حلَّ بالقريةِ التي وصَفتُ، ولكنهم كذَّبوه مِن أجلِ أنهم قومٌ لا يخافون نُشورًا بعدَ المماتِ. يعنى أنهم لا يُوقِنون بالعقابِ والثوابِ، ولا يؤمنون بقيامِ الساعةِ، فيَرْدَعَهم ذلك عما يَأْتون مِن معاصى اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} : بَعْثًا

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصَصْتُ عليك قَصصَهم، {إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا}. يقولُ: ما يَتَّخِذونك إلا سُخْريةً يَسْخَرون منك، يقولون: أهذا الذي بعَث اللهُ إلينا رسولًا مِن بين خلقِه؟!

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن هؤلاء المشركين الذين كانوا يهْزَءون

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 458

برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إنهم يقولون إذا رأَوْه: قد كاد هذا يُضِلُّنا عن آلهتِنا التي نَعْبُدُها، فيَصُدُّنا عن عبادتِها لولا صبرُنا عليها وثُبوتُنا على عبادتِها.

{وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: سيَبِينُ لهم حينَ يُعايِنون عذابَ اللهِ قد حلَّ بهم على عبادتِهم الآلهةَ، {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا}. يقولُ: مَن الراكبُ غيرَ طريقِ الهدى، والسالكُ سبيلَ الرَّدَى أنتَ أوهم.

وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: {لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} . قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ:{إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} . قال: ثبَتْنا عليها

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} .

يعنى تعالى ذكرُه: أَرأَيْتَ يا محمدُ مَن اتَّخَذ إلهَه شهوتَه التي يَهْواها، وذلك أن الرجلَ من المشركين كان يَعْبُدُ الحجرَ، فإذا رأَى أحسنَ منه رمَى به وأخَذ الآخرَ فعبَده

(2)

، فكان معبودُه وإلهُه ما يَتَخَيَّرُه لنفسِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه:

أفأنت تكونُ يا محمدُ على هذا حفيظًا في أفعالِه مع عظيمِ جهلِه؟ أم تَحْسَبُ يا محمدُ أن

(1)

تقدم أوله في الصفحة السابقة.

(2)

في م: "يعبده".

ص: 459

أكثرَ هؤلاء المشركين يَسْمَعون ما يُتْلَى عليهم، فيَعُون أو يَعْقِلُون ما يُعايِنون مِن حُججِ اللهِ فيَفْهَمون؟ {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ}. يقولُ: ما هم إلا كالبهائمِ التي لا تَعْقِلُ ما يقالُ لها ولا تَفْقَهُ، بل هم مِن البهائمِ أضلُّ سبيلًا؛ لأن البهائمَ تَهْتَدِى لمَراعيها، وتَنْقادُ لأربابِها، وهؤلاء الكفرةُ لا يُطيعون ربَّهم، ولا يَشْكُرون نعمةَ مَن أَنْعَم عليهم، بل يَكْفُرونها، ويَعْصُون من خلَقهم وبرَأَهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ كيف مدَّ ربُّك الظلَّ؟ وهو ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوع الشمسِ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} . يقولُ: ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} . قال: مدَّه ما بينَ صلاةِ الصبحِ إلى طلوعِ الشمسِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2701 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى ابن المنذر.

ص: 460

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} . قال: الظلُّ ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو مِحْصَنٍ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} . قال: ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} . قال: ظلُّ الغداةِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الظلُّ ظلُّ الغَداةِ.

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ قولَه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} . قال: مدَّه من طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} . يعنى: مِن صلاةِ الغَداةِ إلى طلوعِ الشمسِ (2).

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2701 معلقًا.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 73 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 504، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2701، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 461

وقولُه: {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} . يقولُ: ولو شاء لجعَله دائمًا لا يزولُ، ممدودًا لا تُذْهِبُه الشمسُ ولا تَنْقُصُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} . يقولُ: دائمًا

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} . قال: لا تُصِيبُه الشمسُ ولا يَزولُ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} . قال: لا يزولُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} . قال: دائمًا لا يَزولُ.

وقولُه: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم دَلَلْناكم أيُّها الناسُ بنسخِ الشمسِ إياه عندَ طلوعِها عليه، أنه خلْقٌ مِن خلقِ رَبِّكم، يُوجِدُه إذا شاء، ويُفْنِيه إذا أراد.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2702 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 505، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2702، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 462

والهاءُ في قولِه: {عَلَيْهِ} . من ذكرِ "الظلِّ". ومعناه: ثم جعَلْنا الشمسَ على الظلِّ دليلًا.

وقيل: معنى دلالتِها عليه أنه لو لم تَكُنِ الشمسُ التي تَنْسَخُه، لم يُعْلَمْ أَنه شيءٌ، إذ كانت الأشياءُ إنما تُعْرَفُ بأضْدادِها، نظيرَ الحُلْوِ الذي إنما يُعْرَفُ بالحامضِ، والباردِ بالحارِّ، وما أشْبهَ ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} . يقولُ: طلوعُ الشمسِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} . قال: تَحْوِيه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} . قال: أَخْرَجَت ذلك الظلَّ فذهَبَت به

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2702 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 505، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2702، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2703 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 463

وقولُه: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم قبَضْنا ذلك الدليلَ مِن الشمسِ على الظلِّ إلينا قبضًا خفيًّا سريعًا، بالفيءِ الذي نأتى به بالعشيِّ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} . قال: حَوْى الشمسِ الظَّلَّ

(1)

.

وقيل: إن الهاءَ التي في قولِه: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} . عائدةٌ على الظلِّ، وإن معنى الكلامِ: ثم قبَضْنا الظلَّ إلينا بعدَ غروبِ الشمسِ. وذلك أن الشمسَ إذا غرَبَت غاب الظلُّ الممدودُ. قالوا: وذلك وقتُ قبضِه.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {يَسِيرًا} ؛ فقال بعضُهم: معناه: سريعًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} . يقولُ: سريعًا

(2)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 505، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2703، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2703 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 72 إلى ابن المنذر.

ص: 464

وقال آخرون: بل معناه: قبضًا خفيًّا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيْعٍ، عن مجاهدٍ:{ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} . قال: خفيًّا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: {قَبْضًا يَسِيرًا} . قال: خفيًّا. قال: إن ما بينَ الشمسِ والظلِّ مثلُ الخيطِ.

واليَسيرُ الفَعيلُ مِن اليُسْرِ، وهو السهلُ الهيِّنُ في كلامِ العربِ. فمعنى الكلامِ إذ كان ذلك كذلك، يَتَوَجَّهُ لما رُوِى عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ؛ لأن سهولةَ قبضِ ذلك قد تكونُ بسرعةٍ وخَفاءٍ.

وقيل: إنما قيل: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} ؛ لأن الظلَّ بعدَ غروبِ الشمسِ لا يَذْهَبُ كلُّه دَفْعةً، ولا يُقبِلُ الظلامُ كلُّه جملةً، وإنما يُقبَضُ ذلك الظلُّ قبضًا خفيًّا، شيئًا بعد شيءٍ، ويَعْقُبُ كلَّ جزءٍ منه يَقْبِضُه جزءٌ مِن الظلامِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذي مدَّ الظلَّ ثم جعلَ الشمسَ عليه دليلًا، هو الذي جعَل لكم أيُّها الناسُ الليلَ لباسًا. وإنما قال جلَّ ثناؤُه:{جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا} ؛ لأنه جعله لخلقِه جُنَّةً يَجْتَنُّون فيها ويَسْكُنون، فصار لهم سترًا يسْتَترون به، كما

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2703 من طريق سفيان به، والأثر في تفسير سفيان ص 227 عن سعيد عن مجاهد.

ص: 465

يَسْتَتِرون بالثيابِ التي يَلْبَسُونَها.

وقولُه: {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} . يقولُ: وجعَل لكم النومَ راحةً تَسْتَرِيحُ به أبدانُكم، وتَهْدَأُ به جوارحُكم.

وقولُه: {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل النهارَ يَقَظَةً وحياةً. مِن قولِهم: نشَر الميتُ. كما قال الأعْشَى

(1)

:

حتى يقولَ الناسُ مما رأوْا

يا عَجَبًا للميِّتِ الناشِرِ

ومنه قولُ اللهِ: {وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3].

وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{النَّهَارَ نُشُورًا} . قال: يُنشَرُ فيه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْنا في تأويلِ ذلك؛ لأنه عَقِيبُ قولِه: {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} في الليلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فوصْفُ النهارِ بأن فيه اليَقَظةَ والنُّشورَ مِن النومِ أشبَهُ، إذ كان النومُ أخا الموتِ.

والذي قاله مجاهدٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ؛ لأن الله أَخْبَر أَنه جَعَل النهارَ معاشًا، وفيه الانتشارُ للمَعاشِ، ولكنَّ النشورَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: نشَر. فهو

(1)

ديوانه ص 141.

(2)

تفسير مجاهد ص 505، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2704، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 73 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 466

بالنَّشْرِ من الموتِ أو

(1)

النومِ أشبهُ، كما صحَّت الروايةُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقولُ إذا أصْبَح وقام مِن نومِه:"الحمدُ للهِ الذي أحْيانا بعدَ ما أماتَنا وإليه النشورُ"

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا

(3)

بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أرسَل الرياحَ الملقِّحةَ (نُشُرًا): حياةً، أو

(4)

مِنَ الحيا

(5)

والغَيثِ الذي هو منزِلُه على عبادِه.

{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} . يقولُ: وأنزلنا من السَّحابِ الذي أنشَأْناه بالرياحِ من فوقِكم أيُّها الناسُ مَاءً طَهورًا؛

{لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} . يعنى: أرضًا قَحِطةً عَذِيةً

(6)

لا تُنْبِتُ.

وقال: {بَلْدَةً مَيْتًا} . ولم يقلْ: مَيْتةً؛ لأنه أُرِيدَ بذلك: لنُحْيِيَ به موضعًا ومكانًا مَيْتًا. ونُسقِيَه مِن خَلْقِنا أنعامًا من البهائمِ، {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} . يعنى بالأَناسيِّ جمعَ إنسانٍ، وجمَع أَناسيَّ، فجعَل اليَاءَ عِوَضًا من النونِ التي في "إنسانٍ". وقد يُجْمَعُ إِنسانٌ أناسِينَ، كما يُجْمَعُ البسْتانُ

(7)

(1)

سقط من: ف، وفى م، ت 1، ت 3:"و".

(2)

أخرجه البخارى (6325) من حديث أبي ذر، ومسلم (2711) من حديث البراء بن عازب.

(3)

في ت 1، ت 2، ت 3:"نشرًا". وتنظر هذه القراءات 251 وما بعدها.

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"إما".

(5)

في ت 1: "الحياة". والحيا: المطر. الوسيط (ح ى ى).

(6)

في ص، ت 1، ف:"عذبة"، والعذية: هي الأرض البعيدة من الأنهار والبحور والسباخ. اللسان (ع ذ ى).

(7)

في ص: "النسان"، وفى م:"النشيان"، وفى ت 1، ت 2:"النسيان". وينظر معاني القرآن للفراء 2/ 269، 270، واللسان (أ ن س).

ص: 467

بساتين

(1)

.

فإن قيلَ: أَناسيُّ جمعٌ واحدُه إنسيٌّ. فهو مذهبٌ أيضًا مَحْكِيٌّ. وقد يُجْمَعُ "أَناسِيُ" مخففةَ الياءِ، وكأنَّ مَن جمَع ذلك كذلك أسقطَ الياءَ التي بينَ عينِ الفعلِ ولامِه، كما يُجْمَعُ القُرقورُ

(2)

قراقير وقَراقِرَ. وممَّا يُصَحِّحُ جمعَهم إيَّاه بالتخفيفِ قولُ العربِ: أَناسِيَةٌ كثيرةٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد قسَّمْنا هذا الماءَ الذي أنزَلناه من السماءِ طَهُورًا؛ لنُحْيِيَ به المَيْتَ من الأرضِ بينَ عبادِى؛ ليتذكَّرُوا نِعَمِي عليهم، ويشكُروا أَيَّادِيَّ عندَهم، وإحسانِي إليهم، {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}. يقولُ: إلَّا جُحُودًا لنعمى عليهم، وأياديَّ عليهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ مسلمٍ يُحدِّثُ طاوُسًا، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: ما عامٌ بأكثرَ مطرًا من عامٍ، ولكنَّ الله يُصرِّفُه بينَ خَلْقِه، قال: ثم قرَأ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ}

(3)

.

(1)

في ص، ت 2:"نسانين"، وفى م:"نشايين"، وفي ت 1:"نسانيين".

(2)

القرقورُ: ضربٌ من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة. اللسان (ق ر ر).

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2706 من طريق معتمر به، وأخرجه الحاكم 2/ 403، والبيهقى 3/ 363 من طريق سليمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 73 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 468

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سُليمانَ التَّيْمِيِّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ما عامٌ بأكثرَ مطرًا مِن عامٍ، ولكنَّ الله يُصَرِّفُه في الأرَضينَ. ثم تلا:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} .

حدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} . قال: المطرُ يُنزِلُه في الأَرضِ، ولا يُنزِلُه في الأرضِ الأخرى. قال: فقال عكرمةُ: صَرَّفْناه بينهم

(1)

ليَذَّكَّروا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} . قال: المطرَ؛ مرةً ههنا ومرةً ههنا.

حدَّثنا سعيدُ بنُ الرَّبيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ بن عُيَينَةَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، أنه سمِع أبا جُحَيفة يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: ليسَ عامٌ بأمطرَ مِن عامٍ، ولكنَّ الله يُصَرِّفُه. ثم قرَأ عبدُ اللهِ:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ}

(3)

.

وأما قولُه: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} . فإنَّ القاسمَ حدَّثنا، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عِكرِمةَ:{فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} . قال: قولُهم في الأنواءِ

(4)

.

(1)

بعده في ص، ت 2:"قال المطر".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2706 من طريق النضر بن عربي، عن عكرمة بنحوه.

(3)

أخرجه الدارمى 1/ 65، وأبو عمرو الدانى في السنن الواردة في الفتن (210، 211)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2007 - 2009) من طريق مسروق عن ابن مسعود بنحوه مطولًا، وأخرجه البيهقى 3/ 363 من طريق الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود بنحوه، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 7/ 208، والبيهقى 3/ 363 من طريق أبى الأحوص عن ابن مسعود مرفوعًا. قال البيهقي: كذا روى مرفوعًا بهذا الإسناد، والصحيح موقوف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 73 إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2707 من طريق النضر بن عربي، عن عكرمة بنحوه.

ص: 469

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولو شئْنا يا محمدُ لأرسَلْنا في كلِّ مِصْرٍ ومدينةٍ

(1)

نذِيرًا يُنذِرُهم بَأْسَنا على كفرِهم بنا فيخِفُّ عنك كثيرٌ

(2)

من أَعْبَاءِ ما حمَّلْنَاك منه، ويَسْقُطُ عنك بذلك مُؤنةٌ عظيمةٌ، ولكِنَّا حَمَّلْنَاكَ ثِقَلَ نِدَارِةِ جميعِ القُرَى؛ لِتَسْتَوْجِبَ بصبرِك عليه إن صبَرْتَ، ما أعدَّ اللهُ لك من الكرامةِ عندَه، والمنازلِ الرفيعةِ قِبَلَه، فلا تُطِعِ الكافرين فيما يَدْعُونك إليه من أن تَعْبُدَ آلهتَهم، فَنُذِيقَك ضِعْفَ الحياةِ وضِعْفَ المماتِ، ولكن جاهِدْهم بهذا القرآنِ جهادًا كبيرًا، حتى يَنْقادوا للإقرارِ بما فيه من فرائضِ اللهِ، ويَدِينوا به، ويُذْعنوا للعملِ بجميعِه، طَوعًا وكَرْهًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في قولِه: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} . قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} . قال: بالقرآنِ

(3)

.

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} . قال: الإسلامِ. وقرَأ: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]. وقرَأ: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]. وقال:

(1)

في ت 2: "قرية".

(2)

في م: "كثيرًا".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 470

هذا الجهادُ الكبيرُ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي خلَط البحرين، فأمْرَج أحدَهما في الآخرِ، وأفاضَه فيه.

وأصلُ المَرْجِ الخَلْطُ، ثم يُقالُ للتخلِيةِ: مَرْجٌ. لأن الرجلَ إذا خلَّى الشيءَ حتى اختلَط بغيرِه، فكأنَّه قد مرَجه، ومنه الخبرُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقولُه لعبدِ اللهِ بن عمرٍو:"كيف بك يا عبدَ اللهِ إذا كنتَ في حُثالةٍ من الناسِ، قد مَرِجَت عهودُهم وأماناتُهم، وصاروا هكذا". وشبَّك بينَ أصابِعِه

(2)

.

يعني بقولِه: "قد مرِجت". اختلَطت. ومنه قولُ اللهِ: {فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} [ق: 5]. أي: مُختلِطٍ.

وإنما قيل للمَرْجِ: مَرْجٌ. من ذلك؛ لأنه يكونُ فيه أخلاطٌ من الدوابِّ، ويقالُ: مَرَجْتَ دابَّتك. أي: خَلَّيتَها تَذْهَبُ حيثُ شاءت. ومنه قولُ الراجزِ

(3)

:

رَعَى بِها مَرْجَ

(4)

رَبِيعٍ مَمْرَجَا

وبنحوِ ما قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2707 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

أخرجه أحمد 11/ 54 (6508) من حديث عبد الله بن عمرو، وابن حبان (5950، 5951) والطبراني في الأوسط (8791) من حديث أبى هريرة، وينظر السلسلة الصحيحة (205، 206).

(3)

هو العجاج، والرجز في ديوانه ص 374.

(4)

المرج: الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرج فيها الدواب. اللسان (م ر ج).

ص: 471

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} . يعنى أنَّه خلَع أحدَهما على الآخرِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} : أَفاضَ أحدَهما على الآخرِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} . يقولُ: خلَع أحدَهما على الآخرِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} . أفاضَ أحدَهما على الآخر.

وقولُه: {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} . الفراتُ شدةُ

(4)

العذوبةِ، يقالُ: هذا ماءٌ فراتٌ. أي: شديدُ العُذوبةِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى المصنف.

(2)

تفسير مجاهد ص 505، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2707، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سيأتي بتمامه في ص 475.

(4)

في م: "شديد".

ص: 472

وقولُه: {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} . يقولُ: وهذا مِلْحٌ مُرٌّ.

يَعْنِي بالعذبِ الفُراتِ مياهَ الأنهارِ والأمطارِ، وبالمِلْحِ الأُجاجِ مياهَ البحارِ.

وإِنَّما عَنَى بذلك أنَّه من نِعْمَتِه على خَلْقِه، وعظيمِ سلطانِه، يَخلِطُ ماءَ البحرِ العَذْبَ بماءِ البحرِ المِلْحِ الأُجاجِ، ثم يَمْنَعُ المِلْحَ من تغييرِ العَذْبِ عن عذوبتِه، وإفسادِه إيَّاه، بقضائِه وقدرتِه، لئلَّا يَضرَّ إفسادُه إِيَّاه برُكبانِ الملحِ منهما، فلا يجِدوا ماءً يشرَبونه عندَ حاجتِهم إلى الماءِ، فقال جلَّ ثناؤُه:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} . يعني: حاجزًا يمنعُ كُلَّ واحدٍ منهما من إفسادِ الآخرِ، {وَحِجْرًا مَحْجُورًا}. يقولُ: وجعَل كُلَّ واحدٍ منهما حرامًا محرَّمًا على صاحبِه أن يُغَيِّرَه ويُفْسِدَه.

وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} . يعنى أنَّه خلَع أحدَهما على الآخرِ، فليسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالحَ، وليسَ يُفْسِدُ المالحُ العَذْبَ. وقولَه:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} . قال: البرزخُ الأرضُ بينَهما. {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} يعني: حجَر أحدَهما على الآخرِ بأمرِه وقضائِه، وهو مثلُ قولِه:{وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا}

(1)

[النمل: 61].

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى المصنف إلى قوله: المالح العذب. وقوله: حجر أحدهما

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2709 عن محمد بن سعد به.

ص: 473

{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} . قال: مَحْبِسًا. وقولَه: {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} . قال: لا يختلِطُ البحرُ بالعذبِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} . قال: حجازًا

(2)

لا يراه أحدٌ، لا يختلِطُ العذبُ بالبحرِ

(3)

.

قال ابن جريجٍ: فلم أجِدْ بحرًا عذبًا إلَّا الأَنهَارَ العِذَابَ، فَإِنَّ دِجْلَةَ تَقَعُ في البحرِ، فأخبَرني الخبيرُ بها أنها تقعُ في البحرِ، فلا تمورُ فيه، بينَهما مِثلُ الخيطِ الأبيضِ، فإذا رجَعت لم ترجِعْ في طريقِها من البحرِ، والنِّيلُ يَصُبُّ في البحرِ

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى أبو تُمَيْلَةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} . قال: البرزخُ أنَّهما يلتقيانِ فلا يختلطانِ

(5)

. وقولَه: {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} أي: لا تختلِطُ مُلُوحةُ هذا بعُذُوبةِ هذا، لا يَبْغِى أَحدُهما على الآخرِ

(6)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي

(7)

رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} قال: هذا اليَبْسُ

(8)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 505، 506، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2708، 2709 مفرقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "حاجزًا".

(3)

في م: "في البحر".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2709 من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى ابن المنذر.

(5)

تفسير مجاهد ص 505 من طريق جابر عن مجاهد.

(6)

تفسير مجاهد ص 506 بلفظ: لا يختلط المر بالعذب.

(7)

سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.

(8)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2708 من طريق ابن عطية، عن أبي رجاء به، والظاهر أن "ابن =

ص: 474

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} . قال: جعَل هذا مِلْحًا أُجاجًا. قال: والأُجاجُ المرُّ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} . يقولُ: خلَع أحدَهما على الآخرِ، فلا يُغَيِّرُ أحدُهما طَعْمَ الآخرِ. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا}: هو الأجلُ ما بين الدنيا والآخرةِ، {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} جعَل اللهُ بينَ البحرين حِجْرًا. يقولُ: حاجِزًا حجَر أحدَهما عن الآخرِ بأمرِه وقضائِه

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} . قال: [{حِجْرًا مَحْجُورًا}]

(3)

: جعل بينَهما سِتْرًا لا يلتقيانِ. قال: والعربُ إذا كلَّم أحدُهما

(4)

الآخرَ بما يَكْرَهُ قال: حِجْرًا. قال: سِتْرًا دُونَ الذي تقولُ

(5)

.

قال أبو جعفرٍ: وإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرناه في معنَى قوله: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} . دونَ القولِ الذي قاله من قال: معناه أنه جعَل بينَهما حاجزًا من الأرضِ أو من اليَبَسِ

(6)

؛ لأنَّ الله تعالى ذكْرُه أخبَر في أوَّلِ الآيةِ أنه مرَج البحرينِ،

= عطية" تصحفت من "ابن علية"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى عبد بن حميد.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 70، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2708 من طريق سعيد، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2708، 2709 من طريق أبي معاذ به، وتقدم أوله في ص 472.

(3)

سقط من: م.

(4)

في م: "أحدهم".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2710 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(6)

في ص، ت 1، ت 2:"النفس"، وفى ف:"النقض".

ص: 475

والمَرْجُ هو الخَلْطُ في كلامِ العربِ، على ما بيَّنتُ قبلُ، فلو كان البرزَجُ الذي بينَ العذبِ الفُراتِ من البحرينِ، والملحِ الأُجاجِ، أرضًا أو يَبَسًا، لم يَكُنْ هناك مَرْجٌ للبحرَينِ، وقد أخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه مرَجهما، وإنَّما عرَفْنا قُدْرَتَه بِحَجْزِه هذا المِلْحَ الأُجاجَ عن إفسادِ هذا العذبِ الفراتِ، مع اختلاطِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحبِه. فأمَّا إذا كان كُلُّ واحدٍ منهما في حيِّزٍ عن حيِّزٍ صاحبِه، فليس هناك مَرْجٌ، ولا هناك من الأعجوبةِ ما يُنَبَّهُ عليه أهلُ الجهلِ به من الناسِ، ويُذَكَّرونَ به، وإن كان كلُّ ما ابتدَعه ربُّنا عجبًا، وفيه أعظمُ العبرِ والمواعظِ والحُجَجِ البوالغِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي خلَق من النُّطَفِ بشرًا إنسًا، فجعَله نسبًا، وذلك سبعةٌ، وصِهرًا، وهو خمسةٌ.

كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} : النسبُ سبعٌ؛ قولُه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلى قولِه: {وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} ، والصهرُ خمسٌ؛ قوله:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} إلى قولِه: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23].

وقولُه: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} . يقولُ: وربُّك يا محمدُ ذو قدرةٍ على خلقِ ما يشاءُ من الخلقِ، وتصريفِهم فيما شاء وأرادَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ويعبُدُ هؤلاء المشركون باللهِ من دونِه آلهةً لا تنفعُهم

ص: 476

فتجلُبَ إليهم نفعًا إذا هم عبَدوها، ولا تضرُّهم إن تركوا عبادتَها، ويتركون عبادةَ من أنعَم عليهم هذه النعمَ التي لا كِفاءَ لأدناها، وهى ما عدَّد علينا جل جلاله في هذه الآياتِ من قولِه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} إلى قولِه: {قَدِيرًا} . ومِن قدرتِه [القدرةُ التي]

(1)

لا يمتنع عليه معها شيءٌ أراده، ولا يتعذرُ عليه فعلُ شيءٍ أرادَ فعلَه، ومَن إذا أراد عقابَ بعضِ مَن عصاه من عبادِه، أحلَّ به ما أحلَّ بالذين وصَف صفتَهم مِن قومِ فرعونَ وعادٍ وثمودَ وأصحابِ الرسِّ وقرونٍ بينَ ذلك كثيرٍ، فلم يكنْ لمن غضِب عليه منه ناصرٌ، ولا له عنه دافعٌ.

{وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكان الكافرُ معينًا للشيطانِ على ربِّه، مظاهرًا له على معصيتِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} . قال: يظاهرُ الشيطانَ على معصيةِ اللهِ، يعينُه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} . قال: معينًا

(3)

.

(1)

في ص، ت 1، ف:"القدر الذي".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2711 من طريق حكام به.

(3)

تفسير مجاهد ص 506، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 477

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال ابن جُريجٍ: أبو جهلٍ مُعينًا، ظاهَرَ الشيطانَ على ربِّه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} . قال: عونًا للشيطان على ربِّه على المعاصي

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} . قال: على ربِّه عَوينًا. والظهيرُ: العَوينُ. وقرَأ قولَ اللهِ: {فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ

(2)

} [القصص: 86]. قال: لا تكوننَ لهم عوينًا. وقرَأ أيضًا قولَ اللهِ: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26]. قال: {ظَهِيرًا} : أعانُوهم.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} : يعنى أبا الحكمِ الذي سمَّاه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبا جهلِ بنُ هشامٍ

(3)

.

وقد كان بعضُهم

(4)

يوجِّهُ معنى قولِه: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} إلى: وكان الكافرُ على ربِّه هينًا. من قولِ العربِ: ظهَرتُ به فلم ألتفتْ إليه. إذا جعَله خلْف ظهرِه فلم يلتفِتْ إليه وكأنَّ الظهيرَ كان عندَه "فعيلٌ"، صُرف من "مفعولٍ" إليه، من مظهورٍ به، كأنه قيل: وكان الكافرُ مظهورًا به.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 70.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"للمجرمين".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 74 إلى المصنف وابن مردويه.

(4)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 77.

ص: 478

والقولُ الذي قلناه هو وجهُ الكلامِ والمعنى الصحيحُ؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن عبادةِ هؤلاء الكفارِ من دونِه، فأَوْلَى الكلامِ أن يُتْبِعَ ذلك ذمَّه إياهم وذمَّ فعلِهم، دونَ الخبرِ عن هوانِهم على ربِّهم، ولمّا يجرِ لاستكبارِهم عليه ذكرٌ، فيتبَعَ بالخبرِ عنْ

(1)

هوانِهم عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وما أَرْسَلْناك يا محمدُ إلى من أرسلناك إليه، إِلَّا مبشِّرًا بالثوابِ الجزيلِ مَن آمَن بك وصدَّقك، وآمَن بالذي جئتَهم به من عندى وعملوا به، ونذيرًا لمن كذَّبك وكذَّب ما جئتَهم به من عندى، فلم يصدِّقوا به ولم يعمَلوا.

{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} . يقولُ له: قلْ لهؤلاء الذين أرسلتُك إليهم: ما أسألُكم يا قومِ على ما جئتُكم

(2)

به من عندِ ربِّى أجرًا، فتقولون

(3)

: إنما يطلُبُ محمدٌ أموالَنا بما يدعونا إليه، فلا نَتَّبعُه، كيما لا نعطيَه من أموالِنا شيئًا، {إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}. يقولُ: لكنْ من شاءَ منكم اتَّخذ إلى ربِّه {سَبِيلًا} طريقًا بإنفاقِه من مالِه في سبيلِه، وفيما يقرِّبُه إليه من الصدقةِ والنفقةِ في جهادِ عدوِّه، وغيرِ ذلك من سبلِ الخيرِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وتوكَّلْ يا محمدُ على الذي له الحياةُ الدائمةُ، التي لا موتَ معها، فثِقْ به في أمرِ ربِّك، وفوِّضْ إليه، واستسلِمْ له، واصبِرْ على ما نابك فيه

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"علي".

(2)

في م، ت 1، ت 2:"جئتهم".

(3)

في ت 2، ف:"فيقولون".

ص: 479

وقوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} . يقولُ: واعبُدْه شكرًا منك له على ما أنعَم به عليك.

وقولُه: {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} . يقولُ: وحسبُك بالحيِّ الذي لا يموتُ مخابرًا

(1)

بذنوبِ خلقِه، فإنه لا يخفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُحصٍ جميعَها عليهم حتى يجازيَهم بها يومَ القيامةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وتوكَّلْ على الحيِّ الذي لا يموتُ، الذي خلَق السماوات والأرضَ وما بينَهما في ستةِ أيامٍ. فقال:{وَمَا بَيْنَهُمَا} . وقد ذكَر السماواتِ والأرضَ، والسماواتُ جِماعٌ؛ لأنه وجَّه ذلك إلى الصِّنفينِ والشيئينِ، كما قال القُطاميُّ

(2)

:

أَلَمْ يَحْزُنُكِ

(3)

أَنَّ حبِالَ

(4)

قَيْسٍ

وَتَغْلِبَ

(5)

قَدْ تَبايَنَتَا انْقِطاعا

يريدُ: وحبالَ (4) تغلبَ

(6)

فثنَّى، والحبالُ

(7)

جمعٌ؛ لأنه أراد الشيئينِ والنوعينِ.

وقولُه: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} . قيل: كان ابتداءُ ذلك يومَ الأحدِ، والفراغُ يومَ الجُمعةِ، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ}. يقولُ: ثم ارتفَع

(8)

على العرشِ

(1)

في م: "خابرا".

(2)

تقدم في 16/ 260.

(3)

في ت 2: "يحريك"، وفى ت 1:"يجزيك".

(4)

في ت 1، ت 2، ف:"جبال".

(5)

في ت 2: "ثعلب"، وفى ف:"ثعب".

(6)

في ت 1، ت 2، ف:"ثعلب".

(7)

في ت 1، ت 2، ف:"الجبال".

(8)

في م: "استوى".

ص: 480

الرحمنُ وعلا عليه، وذلك يومَ السبتِ فيما قيل.

وقولُه: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} . يقولُ: فاسألْ يا محمدُ

(1)

بالرحمنِ خبيرًا بخلقِه، فإنه خالقُ كلِّ شيءٍ، ولا يخفَى عليه ما خلَق.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} . قال: يقولُ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتُك شيئًا، فاعلمْ أنه كما أخبرتُك، أنا الخبيرُ

(2)

.

و "الخبيرُ" في قولِه: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} منصوبٌ على الحالِ من الهاءِ التي في قولِه: {بِهِ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون من دونِ اللهِ ما لا ينفعُهم ولا يضرُّهم: {اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ} . أي: اجعَلوا سجودَكم للهِ خالصًا دونَ الآلهةِ والأوثانِ. قالوا: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} .

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: {لِمَا تَأْمُرُنَا}

(3)

. بمعنى: أنسجُدُ نحن يا محمدُ لما تأمرُنا أنت أن نسجُدَ له؟

(1)

بعده في م: "خبيرا".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 129.

(3)

وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 466.

ص: 481

وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (لِمَا يأْمُرُنا) بالياء

(1)

، بمعنى: أنسجُدُ لِما يأمرُنا الرحمنَ. وذكَر بعضُهم أن مُسيلِمةَ كان يُدعى الرحمنَ، فلما قال لهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم:"اسجُدوا للرحمنِ". قالوا له: أنسجدُ لما يأمرُنا رحمنُ اليمامةِ، يعنون مُسَيلِمةَ، بالسجودِ له؟

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مستفيضتانِ مشهورتانِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} . يقولُ: وزادَ هؤلاء المشركين قولُ القائلِ لهم: اسجُدوا للرحمنِ. مِن إخلاصِ السجودِ للهِ، وإفرادِ اللهِ بالعبادةِ - بُعدًا، ومما دُعوا إليه من ذلك فِرارًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: تقدَّس الربُّ الذي جعَل في السماءِ بروجًا. ويعنى بالبروجِ القصورَ في قولِ بعضِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ ومحمدُ بنُ المثنَّى و [سَلْمُ بنُ جنادةَ]

(2)

، قالوا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي، عن عطيةَ بن سعدٍ في قولِه:{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} . قال: قصورًا في السماءِ فيها الحرسُ

(3)

.

(1)

وبها قرأ حمزة والكسائي. المصدر السابق.

(2)

في ت 1: "سالم بن جنادة"، وفى ف:"سالم بن جندة".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2716 من طريق عبد الله بن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 75 إلى عبد بن حميد.

ص: 482

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثني أبو معاويةَ، قال: ثني إسماعيلُ، عن يحيى بن رافعٍ في قولِه:{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} . قال: قصورًا في السماءِ

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} . قال: قصورًا في السماءِ

(2)

.

حدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} . قال: قصورًا في السماءِ فيها الحرسُ

(2)

.

وقال آخرون: هي النجومُ الكبارُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ:{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} . قال: النجومُ الكبارُ

(3)

.

قال: ثنا الضحاكُ، عن مخلدٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الكواكبُ

(4)

.

(1)

أخرجه هناد في الزهد (129)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2716/ 8 من طريق أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 75 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2716 معلقًا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2716 من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 75 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 75 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 483

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{بُرُوجًا} . قال: البروجُ النجومُ

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: هي قصورٌ في السماءِ؛ لأن ذلك في كلامِ العربِ؛ {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]. وقولُ الأخطلِ

(2)

:

كأَنَّهَا بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيَّدُهُ

بَانٍ

(3)

بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ

يعنى بالبرجِ القصرَ.

وقولُه: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} . اختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} . على التوحيدِ

(4)

. ووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه جعَل فيها الشمسَ، وهى السراجُ التي عنَى عندَهم بقولِه:{وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} .

كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} . قال: السراجُ الشمسُ

(5)

.

وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: (وَجَعَل فيها سُرُجًا) على الجِماعِ

(6)

. كأَنَّهم وجَّهوا تأويلَه: وجعَل فيها نجومًا وقَمَرًا مُنِيرًا. وجعَلوا النجومَ سُرُجًا؛ إذ كان يُهتدَى بها.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 70، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 75 إلى عبد بن حميد.

(2)

ديوانه ص 76.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف، وفى الديوان:"لُزَّ".

(4)

وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمر. ينظر حجة القراءات ص 512.

(5)

تفسير عبد الرزاق 2/ 70، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2717 (15314) من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 75 إلى عبد بن حميد.

(6)

وبها قرأ حمزة والكسائي. حجة القراءات ص 512.

ص: 484

والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتانِ مشهورتانِ في قرأةِ الأمصارِ، لكلِّ واحدةٍ منهما وجهٌ، مفهومٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَقَمَرًا مُنِيرًا} . يعنى بالمنيرِ المضيءَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} ؛ فقال بعضُهم: معناه أن الله جعَل كلَّ واحدٍ

(1)

منهما خَلَفًا من الآخرِ، في أنَّ ما فات في أحدِهما من عملٍ يُعْمَلُ فِيه للهِ أُدرِك قضاؤُه في الآخَرِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شقيقٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه، فقال: فاتَتْنى الصلاةُ الليلةَ. فقال: أدرِكْ ما فاتك من ليلتِك

(2)

في نهارِك، فإن الله جعَل الليلَ والنهارَ خِلفةً لمن أراد أن يَذَّكَّرَ أو أراد شُكورًا

(3)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} . يقولُ: مَن فاته شيءٌ من الليلِ أن يعملَه، أدرَكه بالنهارِ، أو مِن النهارِ، أدرَكه بالليلِ

(4)

.

(1)

في ص، ف:"واحدة".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"ليلتها"، وينظر تفسير البغوي.

(3)

ذكره الجصاص في أحكام القرآن 5/ 212 عن شمر بن عطية به، وذكره البغوي في تفسيره 6/ 93 عن شقيق بن سلمة به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2718 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 76 إلى ابن المنذر.

ص: 485

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} . قال: جعَل أحدهما خَلَفًا للآخرِ، إن فات رجلًا من النهارِ شيءٌ أدرَكه من الليلِ، وإن فاته من الليلِ أدرَكه مِن النهارِ

(1)

.

وقال آخرون: بل معناه أنه جعَل كلَّ واحدٍ منهما مخالفًا صاحبَه، فجعَل هذا أسودَ، وهذا أبيضَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} . قال: أسودَ وأبيضَ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرَ بن قيسِ بن أبي مسلمٍ الماصِرِ، عن مجاهدٍ:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} . قال: أسودَ وأبيضَ. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن كلَّ واحدٍ منهما يَخلُفُ صاحبَه، إذا ذهَب هذا جاء هذا، وإذا ذهبَ هذا جاء هذا.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 71، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2718 من طريق أبي سهل، عن الحسن بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 76 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير مجاهد ص 506، وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2718 من طريق الحكم، عن مجاهد بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 76 إلى الفريابي وعبد بن حميد.

ص: 486

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا قيسٌ، عن عمرَ

(1)

ابن قيسٍ الماصِرِ، عن مجاهدٍ قولَه:{جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} . قال: هذا يَخلُفُ هذا، وهذا يَخلُفُ هذا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} . قال: لو لم يجعلْهما خِلْفَةً لم يُدرَ كيف يُعْمَلُ؛ لو كان الدهرُ ليلًا كلُّه، كيف يَدرى أحدٌ كيف يصومُ؟ أو كان الدهرُ نهارًا كلُّه، كيف يدرى أحدٌ كيف يصلِّى؟ قال: والخِلْفةُ: يَخلُفان

(3)

، يذهبُ هذا ويأتى هذا، جعَلهما اللهُ خِلْفةً للعبادِ. وقرأ:{لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}

(4)

.

و "الخِلْفةُ" مصدرٌ؛ فلذلك وُحِّدت، وهى خبرٌ عن الليلِ والنهارِ، والعربُ تقولُ: خَلَف هذا من كذا خلفةً. وذلك إذا جاء شيءٌ مكانَ شيءٍ ذهَب قبلَه، كما قال الشاعرُ

(5)

:

ولها بالماطِرونِ

(6)

إذا

أكَل النملُ الذي جَمَعَا

(1)

في ت 2، وتفسير ابن أبي حاتم:(عمرو). وينظر تهذيب الكمال 21/ 484.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2719 عن أحمد بن سنان، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 76 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ص، م، ت 1، ف:"مختلفان".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2719 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(5)

وقع اختلاف في نسبة البيتين؛ فقيل ليزيد بن معاوية، وهما في ديوانه المجموع ص 22، ونسبهما المبرد في الكامل 1/ 384 للأحوص، وليسا في ديوانه المجموع، ونسبهما الجاحظ في الحيوان 1/ 4 لأبي دهبل، وهما في ديوانه ص 84. وينظر خزانة الأدب 7/ 309 وما بعدها.

(6)

الماطرون: موضع بالشام قرب دمشق. معجم البلدان 4/ 395.

ص: 487

خِلْفةٌ حتى إذا ارْتَبَعَتْ

سكنَتْ مِنْ جِلِّقٍ

(1)

بِيَعا

وكما قال زُهَيرٌ

(2)

:

بِها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً

وأطْلاؤُها يَنهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ

يعنى بقولِه: يَمْشِين خلفةً: تذهبُ منها طائفةٌ، وتخلُفُ مكانَها طائفةٌ أُخرى. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ زهيرٌ أراد بقولِه: خِلْفةٌ. مختلفاتِ الألوانِ، وأنها ضروبٌ في ألوانِها وهيئاتِها. ويَحتمِلُ أن يكونَ أراد أنها تذهبُ في مشيِها كذا، وتجِيءُ كذا.

وقولُه: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: جعلَ الليلَ والنهارَ، وخُلوفَ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، حجةً وآيةً لمن أراد أن يذكَّرَ أَمرَ اللهِ، فيُنيبَ إلى الحقَّ، {أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}: أو أراد شكرَ نعمةِ اللهِ التي أنعَمَها عليه في اختلافِ الليلِ والنهارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} . قال: شُكرَ نعمةِ ربِّه عليه فيهما

(3)

.

(1)

جلق: مدينة بالشام، وقيل: هي دمشق. معجم البلدان 2/ 104.

(2)

تقدم في 3/ 10.

(3)

تفسير مجاهد ص 506، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2719، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 75 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 488

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} : [ذاك آيةٌ له]

(1)

، {أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}. قال: شُكرَ نعمةِ ربِّه عليه فيهما

(2)

.

واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {يَذَّكَّرَ} ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: {يَذَّكَّرَ} مشددةً، بمعنى: يتذكرُ. وقرَأه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: (يَذْكُرَ) مخففةً

(3)

. وقد يكونُ التشديدُ والتخفيفُ في مثلِ هذا بمعنًى واحدٍ، يقالُ: ذكرْتُ حاجةً فلانٍ وتذكَّرْتُها.

والقولُ في ذلك أنهما قراءتانِ معروفتانِ متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيهما.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . بالحلمِ والسكينةِ والوقارِ، غيرَ مستكبِرين، ولا متجبِّرين، ولا ساعين فيها بالفسادِ ومعاصى اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهل التأويلِ، غير أنهم اختلَفوا؛ فقال بعضُهم: عنَى بقولِه: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . أنهم يمشون عليها بالسكينةِ والوقارِ.

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2719 من طريق حجاج به مقتصرًا على أوله.

(3)

قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم بالتشديد، وقرأ حمزة والكسائي بالتخفيف. السبعة لابن مجاهد ص 465، 466.

ص: 489

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: بالوقارِ والسكينةِ.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ:{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: بالحلمِ والوقارِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: بالوقارِ والسكينةِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . بالوقارِ والسكينةِ

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال

(3)

: بالسكينةِ والوقارِ.

(1)

تفسير مجاهد ص 506.

(2)

تفسير سفيان ص 227 - ومن طريقه البيهقي في الشعب (8454) - وتفسير عبد الرزاق 2/ 71، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2721 من طريق ليث، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 76 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "قالا".

ص: 490

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن عمارٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: بالوقارِ والسكينةِ.

قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أيوبَ، عن عمرٍو المُلائيِّ:{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: بالوقارِ والسكينةِ.

وقال آخرون: بل معني ذلك أنهم يمشون عليها بالطاعةِ والتواضعِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . بالطاعةِ والعفافِ والتواضعِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: يمشون على الأرضِ بالطاعةِ.

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: كتَب إليَّ إبراهيمُ بنُ سويدٍ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: التمستُ تفسيرَ هذه الآية: {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} فلم أجدْها عندَ أحدٍ، فأُتيتُ في النومِ، فقيل لي: هم الذين [لا يُريدون يُفسدون]

(2)

في الأرضِ

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2720 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 76 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ت 2: "لا يريدون قال يفسدون"، وفى ت 1، ف:"لا يريدون".

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 13/ 68.

ص: 491

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أسامةَ بن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، قال: لا يُفسدون في الأرضِ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: لا يتكبَّرون على الناسِ، ولا يتجبَّرون، ولا يُفسدون. وقرأ قولَ اللهِ:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}

(2)

[القصص: 83].

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يمشون عليها بالحلمِ لا يجهَلون على مَن جهِل عليهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ في {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}. قال: حلماءُ، وإن جُهِل عليهم لم يجهَلوا

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: حلماءُ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} . قال: علماءُ حلماءُ لا يجهلون

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2721 من طريق ابن يمان به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2721 (15348) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

أخرجه أحمد في الزهد ص 277 من طريق أبى الأشهب به، وأخرجه البيهقي في الشعب (8452) من طريق يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 76 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 71.

ص: 492

وقولُه: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} . يقولُ: وإذا خاطَبهم الجاهلون باللهِ بما يكرهونه من القولِ، أجابوهم بالمعروفِ من القولِ، والسدادِ من الخطابِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ} الآية. قال: حلماءُ، وإن جُهِل عليهم لم يجهَلوا.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن يحيى بن المختارِ، عن الحسنِ:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} . قال: إن المؤمنين قومٌ ذُلُلٌ، ذلَّت

(1)

واللهِ الأسماعُ والأبصارُ والجوارحُ، حتى يحسَبَهم الجاهلُ مرضى، وإنهم لأصحاءُ القلوبِ، ولكن دخَلهم من الخوفِ ما لم يدخلْ غيرَهم، ومَنعهم من الدنيا علمُهم بالآخرةِ، فقالوا: الحمدُ للهِ الذي أذهَب عنا الحزنَ. واللهِ ما حزَنهم حُزنُ الدنيا، ولا تعاظَمُ في أنفسِهم ما طلَبوا به الجنةَ، أبكاهم الخوفُ النارِ، وإنه من لا يتعزَّ بعزاءِ اللهِ، تَقطَّعْ نفسُه على الدنيا حسراتٍ، ومن لم يرَ للهِ عليه نعمةً إلا في مطعمٍ ومشربٍ، فقد قلَّ علمُه، وحضَر عذابُه

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ،

(1)

بعده في م: "منهم".

(2)

الزهد لابن المبارك (397)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2721، وأبو نعيم في 2/ 153.

ص: 493

عن مجاهدٍ: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} . قال: سدادًا.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوضَّاحِ، عن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} . قال: سَدَادًا من القولِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} : حلماءُ.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أبي الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: حلماءُ لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلِموا، ولم يسفَهوا، هذا نهارُهم فكيف ليلُهم؟ خيرُ ليلٍ؛ صفُّوا أقدامَهم، وأجْرَوا دموعَهم على خدودِهم، يطلبُون إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه في فكاكِ رِقابِهم

(2)

.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبادةُ، عن الحسنِ، قال: حلماءُ لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلِموا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)} .

(1)

تفسير سفيان ص 227 من قوله، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2722 من طريق سفيان به، وأخرجه أ جه أيضًا من طريق ابن عيينة ومسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح به، وهو تمام الأثر المتقدم في ص 490.

(2)

أخرجه أحمد في الزهد ص 286 من طريق أبى الأشهب به، وتقدم أوله في ص 492.

ص: 494

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يبِيتون لربِّهم يصلُّون للهِ، يراوحونَ بينَ سجودٍ في صلاتِهم وقيامٍ.

وقولُه: {وَقِيَامًا} جمعُ قائمٍ، كما الصيام جمعُ صائمٍ، {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يدْعون الله أن يَصرِفَ عنهم عقابَه وعذابَه حذَرًا منه ووجَلًا.

وقولُه: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} . يقولُ إن عذابَ جَهَنَّمَ كان غرامًا مُلِحًّا

(1)

دائمًا لازمًا، غيرَ مفارقٍ مَن عُذِّب به مِن الكفارِ، ومُهلِكًا له. ومنه قولُهم: رجلٌ مُغْرَمٌ، من الغُرْمِ والدَّينِ. ومنه قيل للغَريمِ: غَريمٌ. لطلبِه حقَّه، والحاحِه على صاحبِه فيه. ومنه قيل للرجلِ المولَعِ بالنساءِ: إنَّه لمُغرَمٌ بالنساءِ. وفلانٌ مُغرَمٌ بفلانٍ. إذا لم يَصبِرْ عنه. ومنه قولُ الأعشى

(2)

:

إِنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرَامًا وَإِنْ يُعْـ

ـــــطِ جَزِيلًا فإنَّه لا يُبالي

يقولُ: إن يعاقبْ يكنْ عقابُه عقابًا لازِمًا، لا يفارقُ صاحبَه، مُهلِكًا له. وقولُ بشرِ بن أبي خازمٍ

(3)

:

ويومَ النِّسارِ ويومَ الجِفا

رِ كانا

(4)

عقابًا وكانا

(4)

غَرَاما

[قيل: عنَى بقولِه: غرامًا: هلاكًا]

(5)

.

(1)

في ت 2: "ملجا".

(2)

ديوانه ص 9.

(3)

ديوانه ص 190، ونسبه في اللسان (غ ر م) إلى الطرماح، وهو في ذيل ديوانه 584.

(4)

في م: "كان". ويوما النسار والجفار من أيام العرب؛ أما يوم النسار فأوقعت فيه طيئ وأسد وغطفان - وهم حلفاء - ببني عامر وبنى تميم، ففرت تميم وثبتت بنو عامر، فقتلوهم قتلا شديدا، فغضبت بنو تميم لبني عامر، فتجمعوا ولقوهم يوم الجفار، فلقيت، أي بنو تميم، أشد مما لقيت بنو عامر. معجم ما استعجم 4/ 1306.

(5)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

ص: 495

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ اللَّانيُّ

(1)

، قال: أخبَرنا المعافَى بنُ عمرانَ الموصليُّ، عن موسى بن عبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه:{إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} . قال: إن الله سأل الكفارَ [ثمنَ نعمِه فلم يُؤدُّوها]

(2)

إليه، فأَغرَمَهم، فأَدخَلهم النارَ

(3)

.

قال: ثنا المعافَى، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسنِ في قولِه:{إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} . قال: قد علِموا أن كلَّ غريمٍ مفارقٌ غريمَه، إلا غريمَ جهنَّمَ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} . قال: الغرامُ الشرُّ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجِ في قولِه:{إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} . قال: لا يُفارقُه.

وقولُه: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} . يقولُ: إن جهنَّمَ ساءت مستقرًّا ومُقامًا. يعنى بالمستقرِّ القرارَ، وبالمُقامِ الإقامةَ. كأن معنى الكلامِ: ساءت جهنَّمُ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"الأزدي". وينظر تهذيب الكمال 20/ 377.

(2)

في م: "عن نعمه فلم يردوها".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2724، وأبو نعيم في الحلية 3/ 216 من طريق موسى بن عبيدة به.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 175، 502، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2723 من طريق أبي الأشهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 77 إلى عبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص 506، 507 من طريق مبارك فضالة بن، عن الحسن نحوه.

(5)

ذكره القرطبي في تفسيره 13/ 72.

ص: 496

منزلًا ومُقامًا. وإذا ضُمتِ الميمُ من المُقامِ فهو من الإقامةِ، وإذا فُتحت فهو من: قُمتُ. ويقال: المَقامُ إذا فُتحتِ الميمُ أيضًا هو المجلسُ. ومن المُقامِ بضمِّ الميمِ بمعنى الإقامةِ، قولُ سلامةَ بن جندلٍ

(1)

:

يومانِ يومُ مُقاماتٍ وأنديةٍ

ويومُ سَيْرٍ إلى الأعداءِ تَأْوِيبِ

(2)

ومن المَقامِ الذي بمعنى المجلسِ، قولُ عباسِ بن مرداسٍ

(3)

:

فَأيِّي

(4)

ما وأَيُّك كانَ شَرًّا

فَقِيدَ إلى المَقامَةِ لا يَرَاها

يعني المجلسَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)} .

يقول تعالى ذكرُه: والذين إذا أنفَقوا أموالَهم لم يُسرفوا في إنفاقِها.

ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في النفقةِ التي عناها اللهُ في هذا الموضعِ، وما الإسرافُ فيها

(5)

والإقتارُ؛ فقال بعضُهم: الإسرافُ ما كان من نفقةٍ في معصيةِ اللهِ وإن قَلَّت.

قال: وإياها عنى الله وسمَّاها إسرافًا. قالوا: والإقتارُ المنعُ من حقِّ اللهِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

(1)

البيت في مجاز القرآن 2/ 80، واللسان (أ و ب).

(2)

التأويب في كلام العرب: سير النهار كله إلى الليل. اللسان (أ و ب).

(3)

البيت في مجاز القرآن 2/ 81، واللسان (أي ى، ق و م)، والخزانة 4/ 367.

(4)

في ت 1، ت 2:"فإني".

(5)

في ص، ت 1، ت 2:"منها".

ص: 497

قولَه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} . قال: هم المؤمنون، لا يُسْرفون فيُنفقوا في معصيةِ اللهِ، ولا يَقْترون فيَمنعوا حقوقَ اللهِ تعالى

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: لو أنفَقتُ مثلَ أبي قُبيسٍ ذهبًا في طاعةِ اللهِ ما كان سَرَفًا، ولو أنفقتُ صاعًا في معصيةِ اللهِ كان سَرَفًا

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال قولَه:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} . قال: في النفقةِ فيما نهَاهم، وإن كان درهمًا واحدًا، {وَلَمْ يَقْتُرُوا}: ولم يَقْصُروا عن النفقةِ في الحقِّ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} . قال: لم يُسرفوا فيُنفقوا في معاصى اللهِ؛ كلُّ ما أُنفِق في معصيةِ اللهِ، وإن قلَّ، فهو إسرافٌ، ولم يقتُروا فيُمسكوا عن طاعةِ اللهِ. قال: وما أُمْسِك عن طاعةِ اللهِ، وإن كثُر، فهو إقتارٌ

(4)

.

قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةً،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2725، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 77 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1399 من طريق عثمان بن الأسود به.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 94.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2726، 2727 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 498

أنه سُئل عن الإسرافِ ما هو؟ قال: كلُّ شيءٍ أنفَقتَه في غيرِ طاعةِ اللهِ فهو سَرَفٌ

(1)

.

وقال آخرون: السَرَفُ المجاوزةُ في النفقةِ الحدَّ، والإقتارُ التقصيرُ عن الذي لا بدَّ منه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قولَه:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} . [قال: لا يُجِيعُهم]

(2)

، ولا يُعْرِيهم، ولا يُنفِقُ نفقةً يقولُ الناسُ: قد أسْرَف

(3)

.

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بن حُنَيْسٍ

(4)

أبو عبدِ اللهِ المخزوميُّ المكيُّ، قال: سَمِعْتُ وُهَيْبَ بنَ الوَرْدِ بن أَبي

(5)

الوَرْدِ مولى بني مخزومٍ، قال: لقِى عالمٌ عالمًا هو فوقَه في العلمِ، فقال: يَرْحَمُك اللهُ، أخْبِرْني عن هذا البناءِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: هو ما ستَرَك مِن الشمسِ، وأكنَّك مِن المطرِ. قال: يَرْحَمُك اللهُ، فأَخْبِرْني عن هذا الطعامِ الذي نُصِيبُه لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما سدَّ الجوعَ ودونَ الشِّبَعِ. قال: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَأَخْبِرْني عن هذا اللِّباسِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما ستَر عورتَك، وأَدْفَأك

(6)

مِن البردِ

(7)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2726 من طريق ابن نشيط به.

(2)

في ت 1: "قال لا يجمعهم"، وفي ت 2:"قالا يجمعهم".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 217، 9/ 94، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2725، 2727 من طريق عبد السلام بن حرب به.

(4)

في ص، ف:"حنيس"، وينظر تهذيب الكمال 15/ 2727.

(5)

سقط من النسخ. والمثبت من مصادر ترجمته، وينظر تهذيب الكمال 31/ 169.

(6)

في ت 1، ف:"اتقاك".

(7)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 8/ 152 من طريق يزيد، عن وهيب مطولا.

ص: 499

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ في هذه الآيةِ:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا} الآية. قال: كانوا لا يَلْبَسون ثوبًا للجَمالِ، ولا يَأْكُلون طعامًا للَذَّةِ، ولكن كانوا يُريدون مِن اللِّباسِ

(1)

ما يَسْتُرون به عورتَهم، ويَكْتَنُّون به مِن الحرِّ والقَرِّ، ويُريدون من الطعامِ ما يَسُدُّ

(2)

عنهم الجوعَ، وقوَّاهم على عبادةِ ربِّهم

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن يزيدَ بن مرةَ الجُعْفيِّ، قال: العلمُ خيرٌ مِن العملِ، والحسنةُ بينَ السيِّئتَيْن - يعنى:{إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} - وخيرُ الأعمالِ

(4)

أوساطُها

(5)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ، قال: ثنا قتادةُ، عن مُطَرِّفِ بن عبدِ اللهِ، قال: خيرُ هذه الأمورِ أوساطُها، والحسنةُ بينَ السيئتَيْن. فقلتُ لقتادةَ: ما الحسنةُ بين السيئتَيْن؟ فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} الآية

(6)

.

وقال آخرون: الإسرافُ هو أن تَأْكُلَ مالَ غيرِك بغيرِ حقٍّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سالمُ

(7)

بنُ سعيدٍ، عن أبي مَعْدانَ، قال:

(1)

في ص: "الطعام"، وفى ت 1:"الطعام ما سد الجوع ومن".

(2)

في م: "سد".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2725 من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بنحوه مختصرًا.

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"العمل".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 77 إلى المصنف.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2727 من طريق قتادة به دون آخره، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 2/ 209 من طريق إسحاق بن سويد، عن مطرف بنحوه.

(7)

في ت 2: "مسلم".

ص: 500

كنتُ عندَ عونِ بن عبدِ اللهِ بن عتبةَ، فقال: ليس المُسْرِفُ مَن يَأْكُلُ مالَه، إنما المسرفُ مَن يَأْكُلُ مالَ غيرِه

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: الإسرافُ في

(2)

النفقةِ الذي عناه اللهُ في هذا الموضعِ ما جاوَز الحدَّ الذي أباحَه اللهُ لعبادِه، إلى ما فوقَه، والإقتارُ ما قصَر عما أمَر اللهُ به، والقَوامُ بينَ ذلك.

وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن المُسْرِفَ والمُقْتِرَ كذلك، ولو كان الإسرافُ والإقتارُ في النفقةِ مُرَخَّصًا فيهما، ما كانا مَذْمومين، ولا كان المسرفُ ولا المقترُ مذمومًا؛ لأن ما أذِن اللهُ في فعلِه، فغيرُ مُسْتَحِقٍّ فاعلُه الذمَّ.

فإن قال قائلٌ: فهل لذلك من حدٍّ معروفٍ تُبَيِّنُه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهومٌ في كلِّ شيءٍ مِن المطاعمِ والمشاربِ والملابسِ والصدقةِ وأعمالِ البرِّ وغيرِ ذلك، نَكْرَهُ تطويلَ الكتابِ بذكرِ كلِّ نوعٍ مِن ذلك مُفَصَّلًا، غيرَ أن جملةَ ذلك هو ما بَيَّنَّا، وذلك نحوُ أكْلٍ آكِلٍ مِن الطعامِ فوقَ الشِّبَعِ ما يُضْعِفُ بدنَه، ويَنْهَكُ قُواه، ويَشْغَلُه عن طاعةِ ربِّه، وأداءِ فرائضِه، وذلك مِن السَّرفِ، أو

(3)

أنْ يَتْرُكَ الأكلَ، وله إليه سبيلٌ حتى يُضْعِفَ

(4)

جسمَه، ويَنْهَكَ قُواه، ويُضْعِفَه عن أداءِ فرائضِ ربِّه، فذلك مِن الإقتارِ، وبينَ ذلك القَوامُ، وعلى هذا النحوِ كلُّ ما جانَس ما ذكَرْنا.

فأمَّا اتخاذُ الثوبِ للجمالِ؛ يَلْبَسُه عندَ اجتماعِه مع الناسِ، وحضورِه المحافلَ والجُمَعَ والأعيادَ، دونَ ثوبِ مِهْنتِه، أو أكلُه مِن الطعامِ ما قوَّاه على عبادةِ ربِّه، ما

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 13/ 73.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"من".

(3)

في م: "و".

(4)

بعده في م: "ذلك".

ص: 501

ارْتَفع عما قد يَسُدُّ الجوع، مما هو دونَه مِن الأغذيةِ، غيرَ أنه لا يُعِينُ البدنَ على القيامِ للهِ بالواجبِ معونتَه، فذلك خارجٌ مِن

(1)

معنى الإسرافِ، بل ذلك مِن القَوامِ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد أمَر ببعضِ ذلك، وحضَّ على بعضِه، كقولِه:"ما على أحدِكم لو اتَّخَذ ثوبين؛ ثوبًا لمهنَتِه، وثوبًا لجمُعتِه وعيدِه"

(2)

. [وكقولِه]

(3)

: "إذا أَنْعَم اللهُ على عبدٍ نعمةً أَحَبَّ أن يَرَى أثرَه عليه"

(4)

. وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ التي قد بيَّناها في مواضعِها.

وأما قولُه: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} . فإنه النفقةُ بالعدلِ والمعروفِ، على ما قد بيَّنا.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سليمانَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه:{وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} . قال: الشَّطْرُ مِن أموالِهم

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:

(1)

في م: "عن".

(2)

أخرجه أبو داود (1078) من حديث عبد الله بن سلام، وأخرجه ابن ماجه (1096)، وابن خزيمة (1765)، وابن حبان (2777) من حديث عائشة.

(3)

في ص، ت 1، ف:"كقوله"، وفي ت 2:"لقوله".

(4)

أخرجه الطيالسي (2375)، وأحمد 11/ 312 (6708) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2727 من طريق أبي عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 77 إلى عبد بن حميد.

ص: 502

{وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} . النفقةُ بالحقِّ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} . قال: القوامُ أن تُنْفِقوا في طاعةِ اللهِ، وتُمْسِكوا عن مَحارِم اللهِ

(2)

.

[قال: أخبَرنا ابن وهبٍ]

(3)

، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ، عن عمرَ مولى غُفْرَةَ، قال: قلتُ له، ما القوامُ؟ قال: القَوامُ ألَّا تُنْفِق في غيرِ حقٍّ، ولا تُمْسِكَ عن حقٍّ هو عليك

(4)

.

والقوامُ في كلامِ العربِ، بفتحِ القافِ، هو الشيءُ يكون بينَ الشيئين، يقال للمرأةِ المعتدلةِ الخَلْقِ: إنها لحَسنةُ القَوامِ في اعتداِلها. كما قال الحُطَيْئةُ

(5)

:

طافَت أُمامةُ بالرُّكْبانِ آوِنةً

يا حُسْنَه

(6)

مِن قَوامٍ ما

(7)

ومُنْتَقَبَا

(8)

فأما إذا كُسِرَتْ القافُ فقيل: إنه قِوامُ أهله. فإنه يعنى به أَنَّ به يَقومُ أمرُهم وشأنُهم، وفيه لغاتٌ أُخَرُ، يقالُ منه: هو قِيامُ أهلِه [وقِيَمُ أهلِه، وقَيِّمُ]

(9)

. في معنى قِوامِهم. فمعنى الكلامِ: وكان إنفاقُهم بينَ الإسرافِ والإقتارِ قوامًا مُعتدلا، لا

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 94.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2728 (15395) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

سقط من: م.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2727 من طريق إبراهيم بن نشيط به.

(5)

ديوانه ص 121.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"يا حسنها".

(7)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

(8)

المنتَقَبُ: موضع النقاب - وهو الوجه - وينظر الديوان ص 122.

(9)

في م: "وقيمهم".

ص: 503

مجاوزةً عن حدِّ اللهِ، ولا تقصيرًا عمَّا فرَضه اللهُ، ولكن عدْلًا بين ذلك على ما أباحه جلَّ ثناؤُه، وأذِن فيه ورخَّص.

واختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَلَمْ يَقْتُرُوا} ؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (ولم يُقْتِرُوا) بضمِّ الياءِ وكسرِ التاءِ، من: أقتَر يُقْتِرُ

(1)

.

وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: {وَلَمْ يَقْتُرُوا} بفتحِ الياءِ وضمِّ التاءِ، من: قَتَر يَقْتُر

(2)

.

وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ البصرةِ: (ولَمْ يَقْتِرُوا) بفتحِ الياء وكسرِ التاءِ، من: قَتَرَ يَقْتِرُ

(3)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن كلَّ هذه القراءاتِ على اختلافِ ألفاظِها، لغاتٌ مشهوراتٌ في العربِ، وقراءاتٌ مُسْتفيضاتٌ في قرأةِ الأمصارِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتِها قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقد بيَّنا معنى الإسرافِ والإقتارِ بشواهدِهما فيما مضَى من كتابِنا في كلامِ العربِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(4)

.

وفى نصبِ "القوامِ" وجهان؛ أحدُهما، ما ذكرتُ، وهو أن يُجعلَ في "كان" اسمُ الإنفاقِ بمعنى: وكان إنفاقُهم ما أنفقوا بين ذلك قوامًا. أي: عَدْلًا والآخرُ، أن يُجعلَ "بينَ" هو الاسمُ، فيكونَ - وإن كانت في اللفظةِ نصبًا - في معنَى رفعٍ، كما يقالُ: كان دونَ هذا لك كافيًا. يعنى به: أقلَّ من هذا كان لك

(1)

وهى قراءة نافع وابن عامر. حجة القراءات ص 513.

(2)

وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق ص 514.

(3)

وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق ص 512.

(4)

ينظر ما تقدم في 4/ 306، 408، 9/ 617، 10/ 155.

ص: 504

كافيًا. فكذلك يكونُ ذلك في قولِه: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} ؛ لأن معناه: وكان الوسطُ من ذلك قَوامًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يعبُدون مع اللهِ إلهًا آخرَ فيُشرِكوه

(1)

في عبادتِهم إيَّاه، ولكنَّهم يُخلِصون له العبادةَ، ويُفرِدونه بالطاعةِ، {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} قتلَها {وَلَا يَزْنُونَ} ؛ إما بكفرٍ باللهِ بعدَ إسلامِها، أو زنًى بعدَ إحصانٍ، أو قتلِ نفسٍ، فتُقتَلُ بها، {وَلَا يَزْنُونَ} فيأتون ما حرَّم اللهُ عليهم إتيانَه من الفروجِ. {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ}. يقولُ: ومَن يأتِ هذه الأفعالَ فدعا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وقتَل النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، وزنَى - {يَلْقَ أَثَامًا}. يقولُ: يَلْقَ مِن عقابِ اللهِ عقوبةً ونَكالًا، كما وصَفه ربُّنا جلَّ ثناؤُه، وهو أنه {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} .

ومن "الأثامِ" قولُ بَلْعَاءَ بن قيسٍ الكنانيِّ

(2)

:

جزَى اللهُ ابنَ عروةَ حيثُ أمسَى

عُقُوقًا والعقوقُ له أثامُ

يعنى بالأثامِ العقابَ.

وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أجلِ قومٍ من المشركين

(1)

في م: "فيشركون".

(2)

مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/ 81، ونسبه في اللسان (أ ث م) إلى شافع الليثى.

ص: 505

أرادوا الدخولَ في الإسلامِ، ممَّن كان مِنه في شركِه هذه الذنوبُ، فخافوا ألَّا ينفَعَهم مع

(1)

ما سلف منهم مِن ذلك إسلامٌ، فاستفتَوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأَنزَلَ اللهُ تبارك وتعالى هذه الآيةَ، يُعلِمُهم أن الله قابلٌ توبةَ مَن تاب مِنهم.

‌ذكرُ الروايةِ بذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أن ناسًا مِن أهلِ الشركِ قتَلوا فأكثَروا، فأتَوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسنٌ، لو تُخبِرُنا أنَّ لما عمِلنا كفارةً. فنزَلت:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} . ونزَلت: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} إلى قولِه: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}

(2)

[الزمر: 53 - 55]. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ ابن عباسٍ سواءً.

حدَّثنا عُبيدُ

(3)

اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي معاويةَ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن عبد اللهِ، قال: سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: ما الكبائرُ؟ قال: "أنْ تَدْعُو للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أن يأكُلَ مَعَكَ، و

(4)

أَنْ تَزْنِي بِحَليلَةِ جارِكَ". وقرَأ علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن كتابِ اللهِ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

أخرجه مسلم (122)، وأبو داود (4274)، والنسائي (4015)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2728، والبيهقى في الشعب (7139) من طريق حجاج به. وأخرجه البخارى (4810)، والحاكم 2/ 403 من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 77، 78 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

في م: "عبد".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"أو".

ص: 506

اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ}

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ ومنصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرِو بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَيُّ الذنبِ أعظمُ؟ قال:"أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال

(2)

: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: "ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". فأنزَل اللهُ بتصديقِ قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} الآية

(3)

.

حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ الهَمْدانيُّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه

(4)

.

حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمليُّ، قال: ثنا عمِّى يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنبِ أكبرُ؟ ثم ذكَر نحوَه.

حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا عامرُ بنُ مُدرِكٍ، قال: ثنا

(1)

تقدم تخريجه في 6/ 657، 657.

(2)

بعده في ص: "ثم".

(3)

أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 5/ 77، ومن طريقه أبو عوانة 1/ 55، والبخاري في خلق أفعال العباد (373)، والترمذى عقب حديث (3182)، والبيهقى 8/ 18، وفى الشعب (5372) من طريق سفيان به. وأخرجه البيهقى في الشعب (5370، 5371) من طريق منصور والأعمش به.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (19719)، وأحمد (4134)، والبخارى (4477)، ومسلم (86). وابن أبي حاتم 8/ 2728 (15397)، والبيهقى في الشعب (5370) من طريق منصور به، الطيالسي (262)، وأحمد 7/ 202 (4132)، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور 5/ 77 - وعنه الترمذى (3183) من طريق أبى بوائل عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 507

السَّرِيُّ، يعنى ابنَ إسماعيلَ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خرَج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ، فاتَّبَعتُه، فجلَس على نَشَزٍ مِن الأَرضِ، وقعَدتُ أسفلَ منه، ووجهي حِيالَ ركبتيه، فاغتنَمتُ خلوتَه، فقلت: بأبي وأُمى يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنوبِ أكبرُ؟ قال:"أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: "أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: "أَنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". قال: ثم تلا هذه الآيةَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} . إلى آخرِ الآيةِ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بن غنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو حُدِّثتُ عن سعيدِ بن جُبيرٍ - أنّ عبدَ الرحمنِ بنَ أبْزى أمَره أن يسألَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ التي

(2)

في "النساءِ": {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93] إلى آخرِ الآيةِ. والآيةِ التي في "الفرقانِ": {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} . إلى: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} . قال ابن عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ في الإسلامِ، وعلِم شرائعَه وأمرَه

(3)

، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا فلا توبةَ له. والتي في "الفرقانِ"، لما أُنزِلت قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلنا باللهِ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، فما ينفَعُنا الإسلامُ؟ قال: فنزَلت: {إِلَّا مَنْ تَابَ} . قال: فمن تاب منهم قُبِل منه

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو قال: حدَّثني الحكمُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزى، فقال: سلِ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين ما أمرُهما؛ عن الآيةِ التي في

(1)

أخرجه البزار (1949) عن أحمد بن إسحاق به، وذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 135 عن المصنف.

(2)

سقط من: ت 1، ف، وفى ص، ت 2:"اللتين".

(3)

بعده في ت 1: "ونهيه".

(4)

تقدم تخريجه في 7/ 345، 346.

ص: 508

"الفرقانِ": {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} الآية. والتي في "النساءِ": {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} . فسألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، فقال: لما أنزَل اللهُ التي في "الفرقانِ"، قال مشركو أهلِ مكةَ: قد قتلنا النفس التي حرَّم اللهُ، ودعَونا مع اللهِ إِلهَا آخرَ. فقال:{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} الآية. فهذه لأولئك، وأما التي في "النساءِ":{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} الآية. فإن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا، فجزاؤُه جهنمُ، فلا توبةَ له. فذكرتُه لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِم

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ

(2)

، قال: ثنا شيبانُ

(3)

، عن منصورِ بن المعتمرِ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: قال لى سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبزَى: سلِ

(4)

ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ عن قولِ اللهِ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} . إلى: {مَنْ تَابَ} . وعن قولِه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} إلى آخرِ الآيةِ. قال: فسألتُ عنها ابنَ عباسٍ، فقال: أُنزِلت هذه الآية في "الفرقانِ" بمكةَ إلى قولِه: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} . فقال المشركون: فما يغنى عنا الإسلامُ، وقد عدَلنا باللهِ، وقتلَنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، وأتَينا الفواحشَ؟ قال: فأنزَل اللهُ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا

(1)

تقدم تخريجه في 7/ 342.

(2)

في ص، م، ف:"الذهنى". وفى ت 1، ت 2:"الذهبي". وينظر تهذيب الكمال 1/ 299.

(3)

في ت 1، ف:"سنان". وينظر تهذيب الكمال 12/ 592.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"سأل".

ص: 509

صَالِحًا} إلى آخرِ الآيةِ. قال: وأما مَن دخَل في الإسلامِ وعَقَلَه، ثم قتَل، فلا توبةَ له

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال في هذه الآيةِ:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} الآية. قال: نزَلت في أهلِ الشركِ

(2)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزَى أن أسأَلَ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} . فذكَر نحوَه

(2)

.

حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ عميرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ، قال: ثنا عيسى بن شعيبِ بن ثَوْبَانَ، مولًى لبنى الدِّيلِ من أهلِ المدينةِ، عن فُلَيحٍ الشَّماسِ، عن عبيدِ بن أبي عبيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العَتَمةَ، ثم انصرَفتُ، فإذا امرأةٌ عند بابي، ثم سلَّمتُ، ففتحتُ ودخَلتُ، فبينا أنا في مسجدى أصلِّى، إذ نَقَرتِ البابَ، فأذِنتُ لها، فدخَلتْ، فقالت: إني جئتُك أسألُك عن عملٍ عمِلتُ؛ هل لى من توبةٍ. فقالت: إنى زنَيتُ وولدتُ، فقتَلتُه. فقلتُ: لا، ولا نُعْمَةَ

(3)

العينِ ولا كرامةَ. فقامت تدعو بالحسرةِ وتقولُ: يا حسرتاه، أَخُلِقَ هذا الحسنُ للنارِ؟ قال: ثم صليتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصبحَ من تلك الليلةِ، ثم جلَسنا نَنتظِرُ الإذنَ عليه، فأذِن لنا،

(1)

أخرجه البخارى (4765)، ومسلم (3023/ 19) من طريق شيبان به.

(2)

تقدم تخريجه في 7/ 345.

(3)

في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"نعمت".

ص: 510

فدخَلنا، ثم خرَج مَن وتخلَّفتُ، فقال:"ما لكَ يا أبا هريرةَ، أَلكَ حاجةٌ؟ ". فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، صلَّيتُ معك البارحةَ، ثم انصرَفتُ، وقصصتُ عليه ما قالت المرأةُ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ما قُلْتَ لَهَا؟ ". قال: قلتُ لها: لا واللهِ ولا نُعمة

(1)

العينِ ولا كرامةَ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "بِئْسَ مَا قُلْتَ، أَمَا كُنْتَ تَقْرأُ هَذِهِ الآيَةَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} الآية {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}؟ " فقال أبو هريرةَ: فخرَجتُ، فلم أترُكْ بالمدينةِ حصنًا ولا دارًا إلا وقفتُ عليها، فقلتُ: إن تكنْ فيكم المرأةُ التي جاءت أبا هريرةَ الليلةَ، فلْتأتِني ولْتُبشِرْ. فلما صلَّيتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم العشاءَ، فإذا هي عندَ بابي، فقلتُ: أَبشرِى، فإني دخلتُ على النبيِّ فذكرتُ له ما قلتِ لى، وما قلتُ لك، فقال:"بئسَ ما قلتَ لها، أما كنتَ تقرَأُ هذه الآيةَ؟ ". فقرَأتُها عليها، فخرَّت ساجدةً، فقالت: الحمدُ للهِ الذي جعَل لى

(2)

مَخْرجًا وتوبةً مما عمِلتُ، إن هذه الجاريةَ وابنَها حُرّانِ لوجهِ اللهِ، وإني قد تبتُ مما عمِلتُ

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، قال: اختلَفتُ إلى ابن عباسٍ ثلاثَ عشرةَ سنةً، فما شيءٌ من القرآنِ إلا سألتُه عنه، ورسولى يَختِلفُ إلى عائشةَ، فما سمِعتُه ولا

(1)

في م: "نعمت".

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2735، والطبراني - كما في تفسير ابن كثير 6/ 139 - من طريق إبراهيم بن المنذر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 79 إلى ابن مردويه، وقال ابن كثير: هذا حديثٌ غريب من هذا الوجه، وفى رجاله من لا يعرف.

ص: 511

سمِعتُ أحدًا من العلماءِ يقولُ: إن الله يقولُ لذنبٍ: لا أغفِرُ.

وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بالتي في "النساءِ".

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني المغيرةُ بن عبدِ الرحمنِ الحِزاميُّ

(1)

، عن أبي الزنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، أنه دخَل على أبيه وعندَه رجلٌ من أهلِ العراقِ، وهو يسألُه عن هذه الآيةِ التي في "تَبارَكَ، الفرقان"، والتي في "النساءِ":{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93]. فقال زيدُ بن ثابتٍ: قد عرَفتُ الناسخةَ من المنسوخةِ، نسختْها التي في "النساءِ" بعدها بستةِ أشهرٍ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال الضحاكُ بنُ مزاحمٍ: هذه السورةٌ بينَها وبينَ "النساءِ": {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} . ثمانى حججٍ

(3)

.

وقال ابن جريجٍ: وأخبَرنى القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أنه سأل سعيدَ بنَ جبيرٍ: هل لمن قتَل مؤمنًا متعمدًا توبةٌ؟ فقال: لا. فقرَأ عليه هذه الآيةَ كلَّها. فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: قرَأتُها على ابن عباسٍ كما قرَأتَها عليَّ، فقال: هذه مكيةٌ، نسختْها آيةٌ مدنيةٌ، التي في سورةِ "النساءِ"

(4)

.

(1)

في م: "الحراني"، وفى ف:"الجراتى". وينظر تهذيب الكمال 28/ 387.

(2)

ينظر ما تقدم في 7/ 349، 35.

(3)

ينظر ما تقدم في 7/ 350.

(4)

أخرجه البخارى (4762) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 78 إلى ابن المنذر.

ص: 512

وقد أتينا على البيانِ عن الصوابِ من القول في هذه الآيةِ التي في سورةِ "النساءِ"، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(1)

.

وبنحوِ الذي قُلنا في "الأثامِ" من القولِ قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم قالوا: ذلك عقابٌ يُعاقِبُ اللهُ به مَن أتى هذه الكبائرَ، بوادٍ في جهنمَ يُدعى أثامًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي يحدِّثُ عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأزديِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو

(2)

، قال: الأثامُ وادٍ في جهنمَ

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{يَلْقَ أَثَامًا} . قال: واديًا في جهنمَ

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ.

حدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن

(1)

ينظر ما تقدم في 7/ 350.

(2)

في تفسير ابن أبي حاتم: "عمر"، والصواب ما عندنا. ينظر الكنى للبخارى ص 85، وتهذيب الكمال 33/ 60.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2730 من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 78 إلى ابن المنذر.

(4)

تفسير مجاهد ص 507، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 78 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وزاد في آخره: من قيح ودم.

ص: 513

عكرِمةَ في قولِه: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} . قال: واديًا في جهنمَ فيه الزُّناةُ

(1)

.

حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ، قال: ثنا شَرْقيُّ

(2)

بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أُمَامَةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثْني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. قال: فدعا لى بطعامٍ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لو أن صخرةً زِنةَ عَشْرِ عَشراواتٍ قُذِفَ بِها مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، ما بلَغتْ قعرَها خمسين خريفًا، ثم تَنتهِى إلى غَيٍّ وأثامٍ". قال: قلتُ: وما غيٌّ وأثامٌ؟ قال: "بِئران في أسفلِ جهنَّمَ، يَسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النَّارِ، وهما اللذان ذكَر اللهُ في كتابِه: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]. وقولُه في "الفرقانِ": {وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} "

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {يَلْقَ أَثَامًا} . قال: الأثامُ الشرُّ. وقال: سيَكْفِيك

(4)

ما وراءَ ذلك: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} .

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قتادةَ في قولِه:{يَلْقَ أَثَامًا} . قال: نكالًا. قال: ويقالُ

(5)

إنه وادٍ في

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2730 من طريق الحسينُ به.

(2)

في ت 1، ت 2:"شرفي".

(3)

تقدم تخريجه في 15/ 571، 572.

(4)

في ت 2: "سنكفيك".

(5)

في النسخ: "قال". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.

ص: 514

جهنمَ

(1)

.

حدَّثنا القاسمٌ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن هشيمٍ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبى مريمَ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: إن ما بينَ شفيرِ جهنمَ إلى قعرِها مسيرةَ سبعين خريفًا، بحجرٍ يهوِى فيها، أو بصخرةٍ تهوى، عُظْمُها كعَشْرِ عَشْراواتٍ سمانٍ. فقال له رجلٌ: فهل تحتَ ذلك مِن شيءٍ؟ قال: نعم؛ غيٌّ وأنامٌ

(2)

.

قولُه: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: {يُضَاعَفْ} جزمًا، {وَيَخْلُدْ} جزمًا. وقرَأه عاصمٌ:(يُضاعَفُ) رفعًا، (ويَخْلُدُ) رفعًا، كلاهما على الابتداءِ، وأنّ الكلامَ عندَه قد تناهَى عندَ {يَلْقَ أَثَامًا} ، ثم ابتدأ قولَه:(يُضَاعَفُ لهُ العَذابُ)

(3)

.

والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا فيه جزمُ الحرفين كليهما: {يُضَاعَفْ} ، و {يَخْلُدْ} ، وذلك أنه تفسيرٌ لـ "الأثامِ" لا فعلٌ له، ولو كان فعلًا له كان الوجهُ فيه الرفعَ، كما قال الشاعرُ

(4)

:

متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ

تَجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِدِ

فرفَع "تعشو"؛ لأنه فعلٌ لقولِه: تأتِهِ. معناه: متى تأتِهِ عاشيًا.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 71، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2730 من طريق سعيد، عن قتادة.

(2)

ينظر ما تقدم في 15/ 571، 572.

(3)

قرأ ابن كثير: "يضعَّف"، وقرأ ابن عامر:"يُضَعَّفُ"، "يَخْلُدُ"، وقرأ أبو بكر:"يضاعَفُ"، "يخلُدُ"، وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وحمزة "يضاعَفْ"، "يخلُدْ". ينظر حجة القراءات ص 514.

(4)

هو الحطيئة، والبيت في ديوانه ص 161.

ص: 515

وقولُه: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} : ويبقى فيه إلى غيرِ نهايةٍ في هوانٍ.

وقولُه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يَفعَلْ هذه الأفعالَ التي ذكَرها جلّ ثناؤُه يَلْقَ أثَامًا، {إِلَّا مَنْ تَابَ}. يقولُ: إلا مَن راجَع طاعةَ اللَّهِ تبارك وتعالى بتركِه ذلك، وإنابتِه إلى ما يرضاه اللَّهُ، {وَآمَنَ}. يقولُ: وصدّق بما جاء به محمدٌ نبيُّ اللَّهِ، {وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ مِن الأعمالِ، وانتهَى عما نهاه اللَّهُ عنه.

قولُه: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأولئك يُبدِّلُهم

(1)

اللَّهُ بقبائحِ أعمالِهم في الشركِ، محاسنَ الأعمالِ في الإسلامِ؛ فيُبدِّلُه بالشركِ إيمانًا، و [بقتلِ أهلِ الإيمانِ باللَّهِ قتْلَ أهلِ الشركِ]

(2)

به، وبالزنى عفَّةً وإحصانًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . قال: هم المؤمنون كانوا قبلَ إيمانِهم على السيئاتِ، فرغِب اللَّهُ بهم عن ذلك، فحوَّلهم إلى الحسناتِ، وأبدَلهم مكانَ السيئاتِ حسناتٍ

(3)

.

(1)

في م، ف:"يبدل".

(2)

في م: "وبقيل أهل الشرك بالله قيل أهل الإيمان".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2733 من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 79 إلى ابن المنذر.

ص: 516

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} إلى آخرِ الآيةِ. قال: هم الذين يتوبون فيعمَلون بالطاعةِ، فيبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم حسناتٍ حينَ يتوبون

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، [عن جعفرٍ]

(2)

، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} الآية. في وَحْشِيٍّ وأصحابِه، قالوا: كيف لنا بالتوبةِ، وقد عبَدنا الأوثانَ، وقتَلنا المؤمنين، ونكَحنا المشركاتِ؟ فأنزَل الله فيهم:{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . فأبدَلهم اللَّهُ بعبادةِ الأوثانِ عبادةَ اللَّهِ، وأبدَلهم بقتالِهم مع المشركين قتالًا مع المسلمين للمشركين، وأبدَلهم بنكاحِ المشركاتِ نكاحَ المؤمناتِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال ابن عباسٍ في قولِه:{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . قال: بالشركِ إيمانًا، وبالقتلِ إمساكًا، وبالزنى إحصانًا.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"يتوبوا".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2732 عن محمد بن سعد به مقتصرًا على أوله.

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2734 من طريق يعقوب به، وأخرج أوله أيضًا في تفسيره 8/ 2731 من طريق عطاء، عن سعيد بن جبير بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 78 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 517

الضحاكُ يقولُ في قولِه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} : وهذه الآيةُ مكيةٌ نزَلت بمكةَ، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ}. يعنى الشركَ والقتلَ والزنى جميعًا. لمَّا أنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: يزعُمُ محمدٌ أن من أشرَك وقتَل وزنَى فله النارُ، وليس له عندَ اللَّهِ خيرٌ. فأنزَل اللَّهُ:{إِلَّا مَنْ تَابَ} . مِن المشركين مِن أهِل مكةَ، {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}. يقولُ: يبدِّلُ اللَّهُ مكانَ الشركِ والقتلِ والزنى؛ الإيمانَ باللَّهِ والدخولَ في الإسلامِ، وهو التبديلُ في الدنيا، وأنزَل اللَّهُ في ذلك:{يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ، يَعنيهم بذلك، {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} . يعنى ما كان في الشركِ، يقولُ اللَّهُ لهم:{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 53، 54]. يدْعوهم إلى الإسلامِ، فهاتان الآيتان مكيتان، والتي في (النساء):{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93] الآية. هذه مدنيةٌ، نزَلت بالمدينةِ، وبينَها وبينَ التي نزَلت في "الفرقانِ" ثمانى سنينَ، وهى مبهمةٌ ليس منها مَخرجٌ

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: سُئل ابن عباسٍ عن قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . فقال

(2)

:

(1)

ينظر تفسير البغوي 6/ 97.

(2)

هو لبيد بن ربيعة، وجاء في مسائل نافع ص 141، والإتقان، 2/ 97، والدر المنثور 4/ 325 في تفسير قوله تعالى:{إذ نفشت فيه غنم القوم} هكذا:

بدِّلن بعد النفَشِ الوجيفا

وبعد طول الجرة الصريفا

وفى تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير ابن كثير 6/ 137:

بدلن بعد حره خريفا

وبعد طول النفس الوجيفا

ص: 518

بُدِّلنَ بعدَ [جِرَّةٍ صَرِيفا]

(1)

وبعدَ طولِ النَّفَسِ الوَجِيفا

(2)

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} - {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . فقال

(3)

المشركون: ولا واللَّهِ، ما كان هؤلاء الذين معَ محمدٍ إلا معنا. قال: فأنزَل اللَّهُ: {إِلَّا مَنْ تَابَ} . قال: تاب من الشركِ {وَآمَنَ} . قال: آمَن بعقابِ اللَّهِ ورسولِه، {وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}. قال: صدَّق، {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}. قال: يُبدِّلُ اللَّهُ أعمالَهم السيئةَ التي كانت في

(4)

الشركِ الأعمالَ

(5)

الصالحةَ حينَ دخَلوا في الإيمانِ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأولئك يُبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم في الدنيا حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ

(6)

، قال: ثنا قريشُ بنُ أنسٍ أبو أنسٍ، قال: ثنى صالحُ بنُ رُستمَ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ:{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} . قال: تصيرُ سيئاتُهم حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ.

(1)

في م: "حره خريفا".

والجرة: ما يفيض به البعير من كرشه فيأكله ثانية. والصريف: صرير ناب البعير، وكذا ناب الإنسان، وصرف نابَه وبنابِه: حَرَقَه فسمعت له صوتًا. التاج (ج ر ر، ص رف).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2733 من طريق جابر به.

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"هذه".

(4)

سقط من: ت 1، ف. وينظر ص 521.

(5)

في م: "بالأعمال".

(6)

في ت 2: "النصرى".

ص: 519

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المعرورِ بن سويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لأعْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وآخِرَ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ". قال: "يُؤْتَى بِرجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فيُقالُ: نَحُّوا كِبارَ ذُنُوبِه وَسَلُوهُ عن صِغارِها". قال: "فيُقالُ لهُ: عَمِلْتَ كذا وكذا، [وعَمِلْتَ كذا وكذا]

(1)

. . قال: "فَيَقُولُ: يا رَبِّ لقد عَمِلْتُ أشْياءَ ما أرَاها ههُنا". قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى بدَت نَواجِذُه. قال: "فيُقَالُ له: لك مَكَانَ كُلِّ سيِّئةٍ حَسَنَةٌ"

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولَى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّله: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ} : أعمالَهم في الشركِ، {حَسَنَاتٍ} في الإسلامِ؛ بنقلِهم

(3)

عمّا يَسخَطُه اللَّهُ مِن الأعمالِ إلى ما يَرضَى.

وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الأعمالَ السيئةَ قد كانت مضَت على ما كانت عليه من القُبحِ، وغيرُ جائزٍ تحويلُ عينٍ قد مضَت بصفةٍ، إلى خلافِ ما كانت عليه، إلا بتغييرِها عمَّا كانت عليه من صفَتِها في حالٍ أُخرى، فيجِبُ إن فعَل ذلك كذلك، أن يصيرَ شركُ الكافرِ الذي كان شركًا في الكفرِ بعينِه إيمانًا يومَ القيامةِ بالإسلامِ، ومعاصيه كلُّها بأعيانِها طاعةً، وذلك ما لا يقولُه ذو حجًا.

(1)

سقط من: ت 1، ف.

(2)

أخرجه أحمد 5/ 170 (الميمنية)، ومسلم (190/ 315)، والترمذى (2596)، وابن منده في الإيمان (849) من طريق أبى معاوية به. وأخرجه أحمد 5/ 157 (الميمنية)، ومسلم (190/ 314، 315)، والترمذى في الشمائل (221)، وابن منده في الإيمان (847، 848) من طريق الأعمش به.

(3)

في ت 1، ت 2:"ينقلهم".

ص: 520

وقولُه: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللَّهُ ذا عفوٍ عن ذنوبِ مَن تاب مِن عبادِه وراجَع طاعتَه، وذا رحمةٍ به أن يعاقِبَه على ذنوبِه بعدَ توبتِه منها.

قولُه: {وَمَنْ تَابَ} . يقولُ: ومن تاب من المشركين، فآمَن باللَّهِ ورسولِه، {وَعَمِلَ صَالِحًا}. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ فأطاعه، فإن اللَّهَ فاعلٌ به من إبدالِه سَيِّئَ أعمالِه في الشركِ بحسَنِها في الإسلامِ، مثلَ الذي فعَل مِن ذلك بمن تاب وآمَن وعَمِل صالحًا قبلَ نزولِ هذه الآيةِ من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} . قال: هذا للمشركين الذين قالوا لما أُنزِلت: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} إلى قولِه: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} لأصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ما كان هؤلاء إلا معنا. قال: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا} فإن لهم مثلَ ما لهؤلاء، {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} ؛ لم تُحظَرِ التوبةُ عليكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الزورِ" الذي وصَف اللَّهُ هؤلاء القومَ بأنهم لا يَشهَدونه؛ فقال بعضُهم: معناه الشركُ باللَّهِ.

ص: 521

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} . [قال: الشركُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} ]

(2)

. قال: هؤلاء المهاجرون. قال: والزُّورُ قولُهم لآلهتِهم، وتعظيمُهم إياها

(3)

.

وقال آخرون: بل عُنِى به الغِناءُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} . قال: لا يَسمَعون الغِناءَ

(4)

.

وقال آخرون: هو قولُ الكذبِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} . قال: الكذبُ.

(1)

تفسير سفيان ص 228 عن جابر، عن الضحاك - والصواب: جويبر - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2737 من طريق جويبر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 80 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2736، 8/ 2738 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2737 معلقًا.

ص: 522

قال أبو جعفرٍ: وأصلُ الزُّورِ تحسينُ الشئِ، ووصفُه بخلافِ صفتِه، حتى يُخيَّلَ إلى مَن يسمَعُه أو يراه أنه بخلافِ ما هو به، والشركُ قد يَدخُلُ في ذلك؛ لأنه مُحسَّنٌ لأهلِه، حتى قد ظنُّوا أنه حقٌّ، وهو باطلٌ، ويدخُلُ فيه الغِناءُ؛ لأنه أيضًا مما يُحسِّنُه ترجيعُ الصوتِ، حتى يَستْحِلىَ سامعُه، سماعَه، والكذبُ أيضًا قد يدخلُ فيه، لتحسينِ صاحبِه إياه، حتى يَظنَّ صاحبُه أنه حقٌّ، فكلُّ ذلك مما يدخُلُ في معنى الزُّورِ.

فإذ كان ذلك كذلك، فأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِه أن يقالَ: والذين لا يشهدون شيئًا من الباطلِ؛ لا شركًا، ولا غِناءً، ولا كذبًا، ولا غيرَه، وكلَّ ما لزِمه اسمُ الزورِ؛ لأن اللَّهَ عمَّ في وصفِه إياهم أنهم لا يشهدون الزورَ، فلا يَنبِغى أن يُخَصَّ من ذلك شيءٌ إلا بحجةٍ يجِبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ.

وقولُه: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "اللغوِ" الذي ذُكر في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين، ويُكلِّمونهم به من الأذى. ومرورُهم به كرامًا إعراضُهم عنهم وصفحُهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . [قال: صَفَحوا]

(1)

.

(1)

سقط من: ت 1، ف.

والأثر في تفسير مجاهد ص 507، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2739.

ص: 523

[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}]

(1)

. قال: إذا أُوذُوا مَرُّوا كرامًا. قال: صفَحوا

(2)

.

وقال آخرون: بل معناه: وإذا مرُّوا بذكرِ النكاحِ كَنَوا

(3)

عنه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين

(4)

، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . قال: إذا ذكَروا النكاحَ كَنَوا

(5)

عنه.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأشيبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . قال: كانوا إذا أتَوا على ذكرِ النكاحِ كَنَوا

(5)

عنه

(6)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبي مخزومٍ، عن سيّارٍ:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . قال: إذا مَرُّوا بالرفَثِ كَنَوا

(7)

.

(1)

سقط من: ت 1، ف.

(2)

أخرجه البيهقى في الشعب (8089) من طريق ابن جريج به.

(3)

في النسخ: "كفوا". وينظر ما سيأتي.

(4)

بعده في ت 1: "قال: ثنى حجاج".

(5)

في م، ت 1، ت 2، "كفّوا".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 391، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2739 من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 81 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.

(7)

في م: "كفوا".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2740 من طريق المعتمر، عن أبيه، عن سيار.

ص: 524

وقال آخرون: معناه: إذا مَرُّوا بما كان المشركون فيه من الباطلِ مَرُّوا منكِرِين له.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . قال: هؤلاء المهاجرون، واللغوُ ما كانوا فيه من الباطلِ. يعنى المشركين. وقرَأ:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}

(1)

[الحج: 30].

وقال آخرون: عُنِى باللغوِ ههنا المعاصى كلُّها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . قال: اللغوُ كلُّه المعاصى

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى أن يقالَ: إن اللَّهَ أخبرَ عن هؤلاء المؤمنين الذين مدَحهم بأنهم إذا مرُّوا باللغوِ مَرُّوا كرامًا، واللغوُ في كلامِ العربِ هو كلُّ كلامٍ أو فعلٍ باطلٍ لا حقيقةَ له ولا أصلَ، أو ما يُستقبَحُ؛ فسبُّ الإنسانِ الإنسانَ بالباطلِ الذي لا حقيقةَ له، من اللَّغوِ، وذكرُ النكاحِ بصريحِ اسمِه مما يُستقبَحُ في بعضِ الأماكنِ، فهو من اللغوِ، وكذلك تعظيمُ المشركين آلهتَهم من الباطلِ الذي لا حقيقةَ لما عظَّموه، على نحوِ ما عظَّموه، وسماعُ الغناءِ مما هو مُستقبَحٌ في أهلِ الدينِ، فكلُّ ذلك يَدخُلُ في معنى اللغوِ، فلا وجهَ إذ

(1)

ينظر ما تقدم في ص 522.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 72.

ص: 525

كان كلُّ ذلك يلزَمُه اسمُ اللغوِ، أن يقالَ: عُنِى به بعضُ ذلك دونَ بعضٍ. إذ لم يكنْ بخصوصِ

(1)

ذلك دلالةٌ من خبرٍ أو عقلٍ. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وإذا مَرُّوا بالباطلِ فسمِعوه أو رأَوه، مَرُّوا كرامًا. ومرورُهم كرامًا في بعضِ ذلك بألّا يسمَعوه، وذلك كالغناءِ، وفى بعض ذلك بأن يُعرضوا عنه ويَصفَحوا؛ وذلك إذا أُوذوا بإسماعِ القبيحِ من القولِ، وفى بعضِه بأن يَنهَوا عن ذلك؛ وذلك بأن يرَوا من المنكرِ ما يُغَيَّرُ بالقولِ، [فيُغيِّروه بالقولِ]

(2)

، وفى بعضِه بأن يُضارِبوا عليه بالسيوفِ؛ وذلك بأن يَروا قومًا يقطَعون الطريقَ على قومٍ، فيستصرِخُهم المرادُ ذلك منهم، فيُصرِخونهم، وكلُّ ذلك مرورُهم كرامًا.

وقد حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، قال: مرَّ ابن مسعودٍ بلهوٍ مسرعًا، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لكَرِيمًا"

(3)

.

وقيل: إن هذه الآيةَ مكيةٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ السديَّ يقولُ: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} . قال: هي مكيةٌ

(4)

.

وإنما عنَى السديُّ بقولِه هذا - إن شاء اللَّهُ - أن اللَّهَ نسَخ ذلك بأمرِه المؤمنين

(1)

في م: "لخصوص".

(2)

سقط من: ت 1.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2738، وابن عساكر 33/ 128 من طريق محمد بن مسلم به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 80 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

ص: 526

بقتالِ المشركين بقولِه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]. وأمَرهم إذا مرُّوا باللَّغوِ الذي هو [شركٌ أن يُقاتِلوا أمراءَه، وإذا مرّوا باللغوِ الذي هو]

(1)

معصيةٌ للَّهِ أن يغيِّروه، ولم يكونوا أُمِروا بذلك بمكةَ، وهذا القولُ نظيرُ تأويلِنا الذي تأوّلناه في ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا ذكَّرهم مُذكِّرٌ بحججِ اللَّهِ، [لم يكونوا]

(2)

صُمًّا لا يسمَعون، وعميًا لا يُبصِرونها، ولكنهم يِقَاظُ

(3)

القلوبِ، فُهَماءُ العقولِ، يفهَمون عن اللَّهِ ما يُذكِّرُهم به، ويفهَمون عنه ما ينبِّهُهم عليه، فيُوعون مواعظَه آذانًا سمِعتْه، وقلوبًا وعَتْه

(4)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} : فلا يسمَعون، ولا يُبصِرون، ولا يفقَهون حقًّا

(5)

.

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"يقاظى".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"واعية".

(5)

تفسير مجاهد ص 507، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2740.

ص: 527

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} . قال: لا يفقهون، ولا يَسمَعون، ولا يُبصِرون.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن عونٍ، قال: قلتُ للشعبيِّ: رأيتُ قومًا قد سجَدوا، ولم أعلَمْ ما سجَدوا منه، أسجُدُ؟ فقال:{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} . قال: هذا مثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لهم، لم يَدَعُوها إلى غيرِها. وقرَأ قولَ اللَّهِ:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}

(2)

الآية [الأنفال: 2].

فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} ، أو يَخِرُّ الكافرون صُمًّا وعُمْيانًا إذا ذُكِّروا بآياتِ اللَّهِ، فيُنفَى عن هؤلاءِ ما هو صفةٌ للكفارِ؟

قيل: نعم، الكافرُ إذا تُليت عليه آياتُ اللَّهِ خرَّ عليها أصمَّ وأعمى، وخَرُّه عليها كذلك إقامتُه على الكفرِ، وذلك نظيرُ قولِ العربِ: سببتُ فلانًا فقام يَبكِى. بمعنى: فظلّ يبكى، ولا قيامَ هنالك، ولعله أن يكونَ بكَى قاعدًا، وكما يقالُ: نهَيتُ فلانًا عن كذا، فقعَد يَشتُمُنى. ومعنى ذلك: فجعَل يَشْتُمُنى، وظلّ يَشْتُمُنى. ولا قعودَ هنالك، ولكن ذلك قد جرَى على ألسنِ العربِ، حتى قد فهِموا معناه. وذكَر

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2741 من طريق ابن عون به.

قال ابن كثير في تفسيره 6/ 41: يعنى أنه لا يسجد معهم؛ لأنه لم يتدبر آية السجدة، فلا ينبغى للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة من أمره ويقين واضح بيِّنٍ.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2741 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 528

الفرّاءُ

(1)

أنه سمِع العربَ تقولُ: قعَد يَشتُمُنى. كقولِك: قام يَشتُمُنى، وأقبَل يشتُمُنى. قال: وأنشَد بعضُ بنى عامرٍ:

لا يُقنِعُ الجاريةَ الخضابُ

ولا الوِشاحانِ ولا الجلبابُ

مِن دونِ أن تلتقِىَ الأرْكابُ

(2)

ويَقعُدَ الأيرُ له لُعابُ

بمعنى: يصيرُ.

فكذلك قولُه: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} . إنما معناه: لم يَصَمُّوا عليها

(3)

، ولا عَمُوا عنها، و

(4)

لم يَصيروا على بابِ ربِّهم صُمًّا وعمْيانًا. كما قال الراجزُ:

وَيَقْعُدُ الهَنُ

(5)

لَهُ لُعابُ

بمعنى: ويَصيرُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: والذين يَرغَبُون إلى اللَّهِ في دعائِهم ومسألتِهم بأن يقولوا: ربَّنا هَبْ لنا من أزواجنا وذُرِّياتِنا ما تَقَرُّ به أعينُنُا مِن أن تُريَناهم يعمَلون بطاعتِك.

(1)

في معاني القرآن 2/ 274.

(2)

قال الفراء في الموضع السابق: يقال لموضع المذاكير: ركب.

(3)

في م: "عنها".

(4)

في ص: "أو".

(5)

الهن: فرج المرأة، وهذه لفظة الفراء في المعانى، وتقدم أنه الأير - فرج الرجل - وهى رواية اللسان (ر ك ب، ق ع د) عن الفراء.

ص: 529

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . يعنون: مَن يعمَلُ لك بالطاعةِ، فتقَرُّ بهم أعينُنا في الدنيا والآخرةِ

(1)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا حزمٌ، قال: سمِعتُ كثيرًا سأَل الحسنَ، قال: يا أبا سعيدٍ، قولُ اللَّهِ:{هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . في الدنيا والآخرةِ؟ قال: لا، بل في الدنيا. قال: وما ذاك؟ قال: المؤمنُ يرَى زوجتَه وولدَه يطيعون اللَّهَ

(2)

.

حدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سلمُ

(3)

بنُ قُتَيبةَ، قال: ثنا حزمٌ، قال: سمِعتُ الحسنَ. فذكرَ نحوَه.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قرَأ حَضْرَميٌّ: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . قال: وإنما قرّةُ أعينِهم أن يرَوهم يعمَلون بطاعةِ اللَّهِ

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جريجٍ فيما قرَأنا عليه في قولِه:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2742 من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 81 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن المبارك في البر والصلة - كما في الفتح 8/ 491، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2742، والبيهقى في الشعب (8668) من طريق حزم به، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في التغليق 4/ 271 - عن جرير بن جابر، عن الحسن. ولعلها جرير، عن جابر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 81 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م، ت 1، ف:"سالم".

(4)

ينظر البحر المحيط 6/ 516، 517.

ص: 530

{هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . قال: يعبُدونك فيُحسِنون عبادتَك، ولا يَجُرُّون الجرائرَ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قولَه: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . قال: يعبُدونك؛ يُحسِنون عبادتَك، ولا يجرّون علينا الجرائرَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . قال: يسألون اللَّهَ لأزواجِهم وذرياتِهم أن يهديَهم للإسلامِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عونٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن عيّاشٍ، قال: ثنى أبى، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبيرِ بن نُفَيرٍ، عن أبيه، قال: جلَسنا إلى المقدادِ بن الأسودِ، فقال: لقد بُعِث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أشدِّ حالةٍ بُعِث عليها نبيٌّ من الأنبياءِ، في فترةٍ وجاهليةٍ، ما يرَون دينًا أفضلَ من عبادةِ الأوثانِ، فجاء بفرقانٍ فرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ، وفَرَّق بين الوالدِ وولدِه، حتى إنْ كان الرجلُ لَيَرَى ولدَه ووالدَه وأخاه كافرًا، وقد فتَح اللَّهُ قُفلَ قلبِه بالإسلامِ، فيعلَمُ أنه إن مات دخَل النارَ، فلا تَقَرُّ عينُه وهو يعلَمُ أن حبيبَه في النارِ، وإنها لَلّتى قال اللَّهُ:{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} الآية.

حدَّثني ابن عونٍ، قال: ثنى عليُّ بنُ الحسنِ العسقلانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن المباركِ، عن صفوانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبيرِ بن نُفَيرٍ، عن أبيه، عن المقدادِ نحوَه

(2)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 141 عن ابن جريج.

(2)

أخرجه أحمد 6/ 2، 3 (الميمنية)، والبخارى في الأدب المفرد (87)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2741، والطبرانى 20/ 253، 254 (600)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 175 من طريق عبد الله بن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 81 إلى ابن مردويه.

ص: 531

وقيل: هَبْ لنا قرّةَ أعينٍ. وقد ذكَر الأزواجَ والذُّرِّياتِ وهم جمعٌ، وقولُه:{قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . واحدةٌ؛ لأن قولَه: {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} . مصدرٌ من قولِ القائلِ: قرَّت عينُك قُرَّةً. والمصدرُ لا تكاد العربُ تجمَعُه.

وقولُه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: اجعَلْنا أئمةً يَقتَدِى بنا مَن بعدَنا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني

(1)

عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى عونُ بنُ سلامٍ، قال: أخبَرنا بشرُ بنُ عُمارةً، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . يقولُ: أئمةً يُقتَدى بنا.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} : أئمةَ التقوى، ولأهلِه

(2)

، يُقتَدى بنا

(3)

.

قال ابن زيدٍ

(4)

: كما قال لإبراهيمَ

(5)

: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124].

وقال آخرون: بل معناه: واجعَلْنا للمتقين إمامًا نأتمُّ بهم، ويأتمُّ بنا مَن بعدَنا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

(1)

بعده في م: "ابن".

(2)

كذا في النسخ، ولعلها:"الهدى".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2742 (15487) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 81 إلى ابن المنذر.

(4)

كذا في النسخ، لم يذكرا الإسناد إلى ابن زيد، وإسناد ابن زيد دائر معروف.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"إبراهيم".

ص: 532

مجاهدٍ في قولِه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . قال: أئمةً نقتدِى بمَن قبلَنا، ونكونُ أئمةً لمن بعدَنا

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . قال: اجعَلْنا مُؤتمِّين بهم، مقتدِين بهم

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: واجعَلْنا للمتقين الذين يتقون معاصيَك، ويخافون عقابَك، إمامًا يأتمون بنا في الخيراتِ. لأنهم إنما سألوا ربَّهم أن يَجعَلَهم للمتقين أئمةً، ولم يسألوه أن يجعَلَ المتقين لهم إمامًا.

وقال: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . ولم يَقُلْ: أئمةً. وقد قالوا: {وَاجْعَلْنَا} . وهم جماعةٌ؛ لأن "الإمامَ" مصدرٌ من قولِ القائلِ: أمَّ فلانٌ فلانًا إمامًا. كما يقالُ: قام فلانٌ قيامًا، وصام يومَ كذا صيامًا. ومَن جمَع الإمامَ أئمةً، جعَل الإمامَ اسمًا، كما يقالُ: أصحابُ محمدٍ إمامٌ، وأئمةٌ للناسِ. فمَن وحَّد قال: يأتمُّ بهم الناسُ. وهذا القولُ الذي قلناه في ذلك قولُ بعضِ نحويِّى أهلِ الكوفةِ

(3)

.

وقال بعضُ أهلِ البصرةِ مِن أهلِ العربيةِ: الإمامُ في قولِه: {لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . جماعةٌ، كما تقولُ:[فإنهم عدوُّك]

(4)

. قال: ويكونُ على الحكايةِ، كما يقولُ القائلُ - إذا قيل له: مَن أميرُكم؟ -: هؤلاء أميرُنا. واستشهَد لذلك بقولِ الشاعرِ

(5)

:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2742 من طريق سفيان به نحوه.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 72. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 81 إلى عبد بن حميد.

(3)

ينظر معاني القرآن للفراء 2/ 274.

(4)

في م: "كلهم عدول"، وينظر ما سيأتي في ص 591.

(5)

الخصائص 3/ 174، واللسان (ظ هـ ر)، ومغنى اللبيب ص 177، وشرح شواهد المغنى 2/ 561.

ص: 533

يا عاذلاتى لا تُرِدنَ

(1)

ملامَتى

إن العواذلَ لَسْنَ لى بأميرِ

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وصَفتُ صفتَهم من عبادى - وذلك مِن ابتداءِ قولِه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]. إلى قولِه: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا} الآية - {يُجْزَوْنَ} . يقولُ: يُثابون على أفعالِهم هذه التي فعَلوها في الدنيا {الْغُرْفَةَ} . وهى منزلةٌ من منازلِ الجنةِ رفيعةٌ، {بِمَا صَبَرُوا}. يقولُ: بصبرِهم على هذه الأفعالِ ومقاساةِ شدتِها.

وقولُه: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} . اختلفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: {وَيُلَقَّوْنَ} . مضمومةَ الياءِ، مشدّدةَ القافِ

(2)

، بمعنى: وتتلقَّاهم الملائكةُ فيها بالتحيةِ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ويَلْقَوْنَ). بفتحِ الياءِ وتخفيفِ القافِ

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرأ القارىُ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَ القراءتين إليَّ أن أقرأَ بها:(وَيَلْقَوْنَ). بفتحِ الياءِ وتخفيفِ القافِ؛ لأن العربَ إذا قالت ذلك بالتشديدِ، قالت: فلانٌ يُتَلَقَّى بالسلامِ وبالخيرِ، ونحن نَتَلقَّاهم بالسلامِ. قرَنتْه بالباءِ

(4)

، وقلّما

(1)

في اللسان، وشرح الشواهد:"تَزدْن".

(2)

وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن كثير وابن عامر وأبى عمرو ويعقوب. ينظر النشر 2/ 251.

(3)

وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف وأبى بكر. المصدر السابق.

(4)

في م: "بالياء".

ص: 534

تقولُ: فلانٌ يُلَقَّى السلامَ. فكان وجهُ الكلامِ، لو كان بالتشديدِ، أن يقالَ: ويُتَلَقَّون فيها بالتحيةِ والسلامِ.

وإنما اخترنا القراءةَ بذلك، كما تجيزُ: أخذتُ بالخِطامِ، وأخذتُ الخِطامَ.

وقد بيّنا معنى "التحيةِ" و "السلامِ" فيما مضَى قبلُ [بما أغنى]

(1)

عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)} .

يقول تعالى ذكرُه: أولئك يُجزَون الغرفةَ بما صبَروا، خالدين في الغرفةِ. يعنى أنهم ماكثون فيها، لابثون إلى غيرِ أمدٍ [{حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا}. يقولُ]

(3)

: حسُنتْ تلك الغرفةُ قرارًا لهم، {وَمُقَامًا}. يقولُ: وإقامةً.

وقولُه: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} . يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِه: قل يا محمدُ لهؤلاءِ الذين أُرسِلتَ إليهم: أيَّ شيءٍ يَعُدُّكم، وأيَّ شيءٍ يصنَعُ بكم ربى؟ يقالُ منه: عبَأتُ به أَعبَأُ عَبْئًا، وعَبَأْتُ الطيبَ أعْبَؤُه عَبْئًا

(4)

. إذا هيّأتَه. كما قال الشاعرُ

(5)

:

كأنَّ بنحرِه وبمَنكِبَيه

عَبيرًا بات يَعْبَؤُهُ عروسُ

يقولُ: تُهَيِّئُه وتَعْمَلُه، تَعبؤُه عَبْئًا وعُبُوءًا. ومنه قولُهم: عَبأتُ الجيشَ. بالتشديدِ والتخفيفِ، فأنا أُعَبِّئُه: أُهَيِّئُه. والعِبْءُ الثِّقْلُ.

(1)

في م: "فأغنى".

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 128، 13/ 634.

(3)

سقط من: م.

(4)

سقط من: م.

(5)

هو أبو زبيد الطائى، ينظر شعره ص 99.

ص: 535

وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} . يقولُ: يصنَعُ بكم لولا دعاؤُكم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} . قال: {يَعْبَأُ} : يَفعَلُ

(2)

.

وقولُه: {لَوْلَا دُعَاؤُكُم} . يقولُ: لولا عبادةُ مَن يَعبُدُه منكم، وطاعةُ مَن يُطيعُه منكم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} . يقولُ: لولا إيمانُكم. وأخبَر اللَّهُ الكفارَ أنه لا حاجةَ له بهم؛ إذ لم يَخلُقْهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجةٌ لحبَّبَ إليهم الإيمانَ كما حبَّبه إلى المؤمنين

(3)

.

وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

(1)

ذكره الطوسى في التبيان 7/ 452.

(2)

تفسير مجاهد ص 508 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2745، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2745 من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى ابن المنذر.

ص: 536

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} . قال: لولا دعاؤكم

(1)

إياه، لِتعبُدُوه وتُطِيعوه

(2)

.

وقولُه: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه لمشركى قريشٍ؛ قومِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فقد كذَّبتم أيها القومُ رسولَكم الذي أُرسِل إليكم، وخالَفتم أمرَ ربِّكم الذي أمَر بالتمسكِ به، لو تمسَّكتم به كان يَعبَأُ بكم ربى، فسوف يكونُ تكذيبُكم رسولَ ربَّكم، وخلافُكم أمرَ بارئِكم - عذابًا لكم ملازِمًا؛ قتلًا بالسيوفِ، وهلاكًا لكم مُفْنِيًا يُلحِقُ بعضَكم بعضًا. كما قال أبو ذُؤَيبٍ الهُذَليُّ

(3)

:

ففاجَأَه بعاديةٍ لِزامٍ

كما يَتفجَّرُ الحوضُ اللقيفُ

يعنى باللزامِ الكثيرَ

(4)

الذي يتبَعُ بعضُه بعضًا، وباللَّقيفِ: المتساقطَ الحجارةِ المتهدِّمَ. ففعَل اللَّهُ ذلك بهم، وصدَقهم وعدَه، وقتَلهم يومَ بدرٍ بأيدى أوليائِه، وألحق بعضَهم ببعضٍ، فكان ذلك العذابَ اللزامَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى مولًى لشقيقِ بن ثورٍ، أنه سمِع سلمانَ أبا عبدِ اللَّهِ، قال: صلَّيتُ مع ابن

(1)

في مصدرى التخريج: "دعاؤه".

(2)

تفسير مجاهد ص 508، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2745 من طريق ابن أبي نجيح به، وهو تمام الأثر قبله.

(3)

ديوان الهذليين 1/ 102 والرواية فيه:

فلم ير غير عادية لزامًا

كما يتهدم الحوض اللقيف

والرواية كما ذكرها المصنف في مجاز القرآن 2/ 82.

(4)

في م: "الكبير".

ص: 537

الزُّبيرِ فسمِعتُه يقرَأُ: (فقد كذَّب الكافرون).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن

(1)

أدهمَ السَّدوسيِّ

(2)

.

قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ المجيدِ، قال: سمِعتُ مسلمَ بنَ عمارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرَأُ هذا الحرفَ: (فقد كذَّب الكافرون فسوف يكونُ لزامًا)

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} . يقولُ: كذَّب الكافرون أعداءُ اللَّهِ.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: فسوف يَلقَون لزامًا يومَ بدرٍ

(4)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال أبو

(5)

عبدِ الرحمنِ: خمسٌ قد مضَين؛ الدخانُ، واللِّزامُ، والبطشةُ، والقمرُ، والرومُ

(6)

.

(1)

في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"بن". وهو خطأ. وأدهم السدوسى هو أدهم بن طريف أبو بشر مولى شقيق ابن ثور، ترجمته في الجرح والتعديل 2/ 348، والثقات 6/ 88، يروى عن سلمان أبى عبد الله.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2746 (15510) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.

(5)

سقط من النسخ، وهو خطأ. هو عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن.

(6)

أخرجه البخارى (4767، 4825)، ومسلم (2798/ 40، 41) من طريق الأعمش به، وأخرجه الفريابى - كما في الدر المنثور 5/ 82 - ومن طريقه الطبراني (9049)، ومسلم (2798/ 39)، والنسائى في الكبرى (11374) من طريق مسلم أبى الضحى به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى سعيد بن =

ص: 538

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ قولَه:{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} . قال أبَيُّ بنُ كعبٍ: هو القتلُ يومَ بدرٍ

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: اللِّزامُ يومُ بدرٍ.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} . قال: هو يومُ بدرٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} . قال: يومُ بدرٍ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن منصورٍ، عن سفيانَ، عن ابن مسعودٍ، قال: اللِّزامُ القتلُ يومَ بدرٍ.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} : الكفارُ كذَّبوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} . وهو يومُ بدرٍ

(3)

.

= منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقى في الدلائل.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 72، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير مجاهد ص 508، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2746 من طريق أبى معاذ به.

ص: 539

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قد مضَى اللِّزامُ، كان اللزامُ يومَ بدرٍ، أسَروا سبعين وقتَلوا سبعين

(1)

.

وقال آخرون: معنى اللِّزامِ القتالُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} . قال: فسوف يكونُ قتالًا؛ اللِّزامُ القتالُ

(2)

.

وقال آخرون: اللِّزامُ الموتُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} . قال: موتًا

(3)

.

وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ

(4)

: معنى ذلك: فسوف يكونُ جزاءً يَلْزَمُ كلَّ عاملٍ ما عمِل مِن خيرٍ أو شرٍّ.

وقد بيَّنا الصوابَ من القولِ في ذلك

(5)

.

وللنصبِ في "اللزامِ" وجهٌ آخرُ غيرُ الذي قلناه، وهو أن يكونَ في قولِه:{يَكُونُ} . مجهولٌ، ثم يُنصَبُ اللزامُ على الخبرِ، كما قيل

(6)

:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 100، وتقدم في 16/ 208.

(3)

تقدم تخريجه في 16/ 208، 209.

(4)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 82.

(5)

ينظر ما تقدم في 16/ 208، 209.

(6)

تقدم في 5/ 107.

ص: 540

* إذا كان طَعْنًا بَيْنَهم وقِتالا *

وقد كان بعضُ مَن لا علمَ له بأقوالِ أهلِ العلمِ يقولُ في تأويلِ ذلك: قل ما يَعبَأُ بكم ربى لولا دُعاؤُكم ما تَدْعُون مِن دونِه مِن الآلهةِ والأندادِ. وهذا قولٌ لا معنى للتشاغلِ به؛ لخروجِه عن أقوالِ أهلِ العلمِ مِن أهلِ التأويلِ.

آخرُ سورة "الفرقانِ" والحمدُ للَّهِ وحدَه

ص: 541

‌تفسيرُ سورةِ الشعراءِ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ

(3)}.

قال أبو جعفرٍ: وقد ذكَرنا اختلافَ المختلفين فيما في ابتداءِ فواتحِ سورِ القرآنِ من حروفِ الهِجاءِ، وما انْتَزع به كلُّ قائلٍ منهم لقولِه ومذهبِه من العلةِ. وقد بيَّنا الذي هو أولى بالصوابِ من القولِ فيه، فيما مضى من كتابِنا هذا، بما أغنى عن إعادتِه. وقد ذُكِر عنهم من الاختلافِ في قولِه:{طسم} و {طس} ، نظيرُ الذي ذُكِر عنهم في {الم} و {المر} و {المص}

(1)

.

وقد حدَّثني على بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{طسم} . قال: فإنه قسمٌ أَقْسَمه اللَّهُ، وهو من أسماءِ اللَّهِ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتاةَ في قولِه:{طسم} . قال: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ

(3)

.

فتأويلُ الكلامِ على قولِ ابن عباسٍ: والسميعِ

(4)

، إن هذه الآياتِ التي أَنْزَلتُها إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم في هذه السورةِ - لآياتُ الكتابِ الذي أَنْزَلتُه إليه من قبلِها، الذي بيَّنه

(5)

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 204 - 228.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2747 من طريق عبد الله بن صالح به.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 73، وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2747 من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في م: "الجميع".

(5)

في م: "بين".

ص: 542

لمن تدبَّره بفهمٍ، وفكَّر فيه بعقلٍ، أنه بعقلٍ، أنه من عندِ اللَّهِ جل جلاله، لم يتخرَّصْه محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ولم يتقوَّلْه من عندِه، بل أوحاه إليه ربُّه.

وقولُه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لعلَّك يا محمدُ قاتلٌ نفسَك ومُهْلِكُها إن لم يُؤمنْ قومُك بك، ويصدِّقوك على ما جئتَهم به.

والبَخْعُ: هو القتلُ والإهلاكُ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ

(1)

:

ألَا أيُّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نفسَهُ

لشيءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْكَ

(2)

المقادرُ

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {بَاخِعٌ نَفْسَكَ} : قاتلٌ نفسَك.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} . [قال: قاتلٌ نفسَك

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ]

(4)

نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}. قال: لعلَّك من الحرصِ على إيمانِهم مُخْرِجٌ نفسَك

(1)

تقدم تخريجه في 15/ 149.

(2)

في م: "يديه".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 73، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

سقط من: م.

ص: 543

من جسدِك. قال: ذلك البَخْعُ

(1)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} : [قاتلٌ نفسَك]

(2)

عليهم حرصًا

(3)

.

و "أن" من قولِه: {أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} . في موضع نصبٍ بـ {بَاخِعٌ} . كما يقالُ: زرتُ عبدَ اللَّهِ أَنْ زارنى. وهو جزاءٌ. ولو كان الفعلُ الذي بعدَ "أن" مستقبَلًا، لكان وجهُ الكلامِ في "أن" الكسرَ، كما يقالُ: أزورُ عبدَ اللَّهِ إِنْ يَزُرْنى.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ

(4)}.

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ} الآية؛ فقال بعضُهم: معناه: فظلَّ القومُ الذين أُنْزِل عليهم من السماءِ آيةٌ خاضعةً أعناقُهم لها من الذِّلةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} . قال: فظلُّوا خاضعةً أعناقُهم لها.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{خَاضِعِينَ} . قال: لو شاء اللَّهُ لنزَّل عليه آيةً يذِلُّون بها، فلا يَلْوِى أحدٌ عنقَه

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2749 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

سقط من: م.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2748 معلقًا. ينظر تفسير ابن كثير 6/ 144.

ص: 544

إلى معصيةِ اللهِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ:{أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (2) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً} . قال: لو شاء اللهُ لأراهم أمرًا من أمرِه لا يعملُ أحدٌ منهم بعدَه بمعصيةٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} . قال: مُلْقين أعناقَهم

(2)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} . قال: الخاضُع الذليلُ

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلَّت سادتُهم وكبراؤُهم للآيةِ خاضعين. ويقولُ: الأعناقُ هم الكبراءُ من الناسِ.

واختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ تذكيرِ {خَاضِعِينَ} . وهو خبرٌ عن "الأعناق"؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: يزعُمون أن قولَه {أَعْنَاقُهُمْ} ، على الجماعاتِ، نحو: هذا عُنُقٌ من الناسِ كثيرٌ. أو ذُكِّر كما يُذَكَّرُ بعضُ المؤنثِ، كما قال الشاعرُ

(4)

:

تَمرَّزْتُها

(5)

والديكُ يَدْعو صباحَهُ

إذا ما بنو نَعْشٍ

(6)

دَنَوا فَتَصَوَّبُوا

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 73 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2750، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2750 من طريق أصبغ، عن ابن زيد

(4)

هو النابغة الجعدى، ديوانه (مجموع) ص 4.

(5)

تمززتها: أي: شربت الخمر قليلا قليلا. التاج (م ز ز).

(6)

قال: بنو نعش، ووجه الكلام: بنات نعش. وبنات نعش: سبعة كواكب، أربعة منها نعش؛ لأنها =

ص: 545

فجماعاتُ هذا أعناقٌ. أو يكونُ ذكَّره لإضافتِه إلى المذكَّرِ كما يؤنَّتُ الإضافتِه إلى المؤنثِ، كما قال الأعشى

(1)

:

وتَشْرَقَ

(2)

بالقولِ الذي قد أَذَعْتَهُ

كما شرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدمِ

وقال العجَّاجُ:

لما رأَى مَتْنَ السماءِ أَنْفَذَتْ

(3)

وقال الفرزدقُ

(4)

:

إذا القُنْبُضاتُ

(5)

السودُ طَوَّفْنَ بالضُّحى

رقَدْنَ عليهنَّ الحجالُ المُسجَّفُ

(6)

وقال الأعشى

(7)

:

وإنَّ امرَأً أَهْدى إليكِ ودُونَهُ

من الأرضِ يَهْمَاءُ وبَيْداءُ خَيْفَقُ

لَمَحْقوقةٌ أن تستجيبى لصوتهِ

وأن تَعْلَمى أنَّ المُعانَ الموفَّقُ

قال: ويقولون: بناتُ نَعْش، وبنو نَعْشٍ. ويقالُ: بناتُ عِرْسٍ، وبنو عِرْسٍ. وقالت امرأةٌ: أنا امرؤٌ لا [أكْثِرُ البشرَ]

(8)

. قال: وذُكر لرؤبةَ رجلٌ فقال: هو كان أحدَ

= مربعة، وثلاثةٌ بنات نعش. ينظر اللسان (ن ع ش).

(1)

ديوانه ص 123.

(2)

تشرق: تحمرّ. ينظر التاج (ش ر ق).

(3)

في م: "أبعدت"، وفى ف:"أتعدت".

(4)

ديوانه ص 552.

(5)

القنبضات: جمع قنبضة، وهى المرأة القصيرة. التاج (قنبض).

(6)

الحجال: جمع حجلة بالتحريك، وهى بيت كالقبة يستر بالثياب. والتسجيف إرخاء السَّجْفيِن، وهما سترا الباب. ينظر اللسان (ح ج ل، س ج ف).

(7)

ديوانه ص 223.

(8)

في م: "أخبر السر".

ص: 546

بناتِ مساجدِ اللَّهِ. يعنى الحَصَى.

وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ

(1)

: هذا بمنزلةِ قولِ الشاعرِ

(2)

:

ترى أرباقَهم

(3)

متقلِّديها

إذا صدِئَ الحديدُ على الكُماةِ

فمعناه عندَه: فظلَّت أعناقُهم خاضعيها. هم. كما يقالُ: يدُك باسطُها. بمعنى: يدُك باسطُها أنت. فاكْتُفِى بما ابتُدِئ به من الاسمِ أن يكونَ، فصار الفعلُ كأنه للأولِ، وهو للثاني، وكذلك قولُه:

* لمحقوقةٌ أن تستجيبى لصوتِه *

إنما هو: لمحقوقةٌ [أن تستجيبى لصوتِه]

(4)

أنتِ. والمحقوقةُ الناقةُ، إلا أنه عطَفه على المرءِ لما عاد بالذِّكْرِ.

وكان آخرُ منهم يقولُ

(5)

: الأعناقُ الطوائفُ، كما يُقالُ: رأيتُ الناسَ إلى فلانٍ عُنقًا واحدةٌ. فيجعَلُ الأعناقَ الطوائفَ والعُصَبَ. ويقولُ: يحتمِلُ أيضًا أن تكونَ الأعناقُ هم السادةَ والرجالَ الكبراءَ، فيكون كأنه قيل: فظلَّت رءوسُ القومِ وكبراؤُهم لها خاضعين. وقال: أحبُّ إليَّ من هذين الوجهين في العربيةِ أن يقالَ: إن الأعناقَ إذا خضَعت، فأربابُها خاضعون، فجعلتَ الفعلَ أولًا للأعناقِ، ثم جعَلتَ "خاضعين" للرجالِ، كما قال الشاعرُ:

(1)

هو الكسائي كما في معاني القرآن للفراء 2/ 277.

(2)

هو الفرزدق، والبيت تقدم في 1/ 179.

(3)

في م، ت 1، ف:"أرماحهم".

(4)

سقط من: م.

(5)

هو الفراء في معاني القرآن 2/ 277.

ص: 547

على قبضةٍ مرجوَّةٍ ظهرُ كفِّهِ

فلا المرءُ مُسْتَحْيٍ ولا هو طاعمُ

فأنَّث فعل الظهرِ؛ لأن الكفَّ تجمعُ الظهرَ وتكفى منه، كما أنك تكتفى بأن تقولَ: خضعتُ لك. من أن تقولَ: خضَعَتْ لك رقبتى. وقال: ألا ترى أن العربَ تقولُ: كلُّ ذى عينٍ ناظرٌ وناظرةٌ إليك؛ لأن قولَك: نظَرتُ إليك عينى، ونظَرتُ إليك. بمعنًى واحدٍ، فترَك "كُلَّ" وله الفعلُ وردَّه إلى العينِ، فلو قلتَ: فظلَّت أعناقهم لها خاضعةً. كان صوابًا.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ وأشبهُها بما قال أهلُ التأويلِ في ذلك، أن تكونَ الأعناقُ هي أعناقَ الرجالِ، وأن يكونَ معنى الكلامِ: فظلَّت أعناقُهم ذليلةً للآيةِ التي ينزِّلُها اللهُ عليهم من السماءِ. وأن يكونَ قولُه {خَاضِعِينَ} مذكَّرًا لأنه خبرٌ عن الهاءِ والميمِ في الأعناقِ، فيكونُ ذلك نظيرَ قولِ جريرٍ

(1)

:

أرى مَرَّ السنينَ أَخَذْنَ منِّي

كما أخَذ السّرارُ من الهلالِ

وذلك أن قولَه: مرَّ. لو أُسْقط من الكلامِ، لأدَّى ما بقِىَ من الكلامِ عنه، ولم يُفسِدْ سقوطُه معنى الكلامِ عما كان به قبلَ سقوطِه، وكذلك لو أُسْقِطت الأعناقُ من قولِه:{فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ} ، لأدَّى ما بقِىَ من الكلامِ عنها، وذلك أن الرجالَ إذا ذلُّوا، فقد ذَلَّت رقابُهم، وإذا ذَلَّت رقابُهم فقد ذَلُّوا. فإن قيل في الكلامِ: فظلُّوا لها خاضعين. كان الكلامُ غير فاسد لسقوطِ الأعناقِ، ولا مُتَغَيِّرٍ معناه عما كان عليه قبلَ سقوطِها، فصرَف الخبرَ بالخضوعِ إلى أصحابِ الأعناقِ، وإن كان قد ابتُدِئ بذكرِ الأعناقِ؛ لما قد جرَى به استعمالُ العربِ ذلك في كلامِهم، إذا كان الاسمُ المبتدأُ به وما أُضِيف إليه، يؤدِّى الخبرَ كلُّ واحدٍ منهما عن الآخرِ.

(1)

تقدم تخريجه في 5/ 658.

ص: 548

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَجِيءُ هؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك ويَجْحَدون ما أَتَيْتَهم به يا محمدُ من عندِ ربِّك؛ من تذكيرٍ

(1)

وتنبيهٍ على مواضعِ حُججِ اللهِ عليهم على صدقِك، وحقيقةِ ما تَدْعوهم إليه مما يُحْدِثُه اللهُ إليك ويُوحِيه إليك؛ لِتُذَكِّرَهم به - إلا أعْرَضوا عن استماعِه، وترَكوا إعمالَ الفكرِ فيه وتدبُّرَه.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فقد كذَّب يا محمدُ هؤلاء المشركون بالذكْرِ الذي أتاهم من عندِ اللهِ، وأَعْرَضوا عنه، {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. يقولُ: فسيأْتِيهم أخبارُ الأمرِ الذي كانوا به يَسْخَرون. وذلك وعيدٌ مِن اللهِ لهم أنه مُحِلٌّ بهم عقابَه على تَمادِيهم في كفرِهم، وتمرُّدِهم على ربِّهم.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أولم يَرَ هؤلاء المشركون المكذِّبون بالبعثِ والنَّشْر إلى الأرضِ، كم أنْبَتنا فيها بعد أن كانت ميتةً لا نباتَ فيها، {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} . يعنى بالكريمِ الحسنَ، كما يقالُ للنخلةِ الطيبةِ الحَمْلِ: كريمةٌ. وكما يقالُ للشاةِ أو الناقةِ إذا غَزُرَتا، فكثُرت ألبانُهما: ناقةٌ كريمةٌ، وشاةٌ كريمةٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"تذكيرهم".

ص: 549

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} . قال: من نباتِ الأرضِ، مما يأكُلُ الناسُ والأنعامِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه:{مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} . قال: حسنٍ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إنّ في إنباتِنا في الأرضِ مِن كلِّ زوجٍ كريمٍ {لَآيَةً} . يقولُ: لَدَلالةً لهؤلاء المشركين المكذِّبين بالبعثِ، على حقيقتِه، وأن القدرةَ التي بها أثْبَت اللهُ في الأرضِ ذلك النباتَ بعدَ جُدُوبها، لن يُعْجِزه أن يَنْشُرَ بها الأمواتَ بعدَ مماتِهم أحياءً مِن قبورِهم.

وقوله: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} . يقولُ: وما كان أكثرُ هؤلاء المكذِّبين بالبعثِ، الجاحِدِين نبوتَك يا محمدُ، بمُصَدِّقِيك على ما تَأْتِيهم به مِن عندِ اللَّهِ من

(1)

تفسير مجاهد ص 509، ومن طريقه ابن أبي حاتم 8/ 2750، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 73، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 82 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 550

الذكر. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقد سبَق في علمى أنهم لا يُؤْمنون، فلن يُؤْمِنَ بك أكثرُهم للسابقِ في علمِي فيهم.

وقولُه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} . يقولُ: وإن ربَّك يا محمدُ لَهو العزيزُ في نِقْمتِه، لا يَمْتَنِعُ عليه أحدٌ أراد الانتقامَ منه. يقولُ تعالى ذكرُه: وإني إن أحْلَلْتُ بهؤلاء المكذِّبين بك يا محمدُ، المعرِضِين عما تأتيهم مِن ذكرٍ مِن عندى - عقوبتي بتكذيبهم إياك، فلن يمْنَعَهم منى مانعٌ؛ لأنى أنا العزيزُ الرحيمُ. يعنى أنه ذو الرحمةِ بمن تاب مِن خلقه، من كفرِه ومعصيتِه، أن يُعاقِبَه على ما سلَف مِن جُرْمِه بعد توبتِه.

وكان ابن جريجٍ يقولُ في معنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كلُّ شيءٍ في "الشعراءِ" من قولِه: "عزيزٌ رحيمٌ". فهو ما أهْلَك ممَّن مضَى من الأممِ. يقولُ: عزيزٌ حينَ انْتقَم مِن أعدائِه، رحيمٌ بالمؤمنين حينَ أنجاهم مما أَهْلَك به أعداءَه

.

قال أبو جعفرٍ: وإنما اخْتَرْنا القولُ الذي اخْتَرْناه في ذلك في هذا الموضع؛ لأن قولَه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} . عَقِيبَ وَعِيدِ اللَّهِ قومًا مِن أهلِ الشركِ والتكذيبِ بالبعثِ، لم يكونوا أُهْلِكوا فيُوَجَّهَ إلى أنه خبرٌ مِن اللهِ فعلِه بهم وإهلاكِه. ولعل ابنَ جُريجٍ بقوله هذا أراد ما كان ذلك عقيبَ خبرِ اللَّهِ عن من إهلاكِه مَن أَهْلَك مِن الأممِ، وذلك إن شاء اللهُ إذا كان عقيبَ خبرهم، كذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)} .

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى المصنف.

(1)

ص: 551

يقولُ تعالى ذكرُه: واذكر يا محمدُ إذ نادى ربُّك موسى بنَ عمرانَ: {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . يعني: الكافرينَ، {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} . ونُصِب "القومُ" الثاني ترجمةً عن "القومِ" الأولِ.

وقوله: {أَلَا يَتَّقُونَ} . يقولُ: ألا يتقون عقابِ اللهِ على كفِرهم به.

ومعنى الكلامِ: قوم فرعونَ فقل لهم: ألا يتقون. وترَك إظهار "فقل لهم"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.

وإنما قيل: {أَلَا يَتَّقُونَ} بالياءِ، ولم يُقَل: ألا تتقون. بالتاءِ؛ لأن التنزيلَ كان قبلَ الخطابِ، ولو جاءت القراءةُ فيها بالتاءِ كان صوابًا، كما قيل:(قُل للذين كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ) و {سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران: 12].

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لربِّه: ربِّ إنِّي أخافُ من قومِ فرعونَ الذين أمَرتَنى أن آتيهم، أن يُكذِّبوني بقيلى لهم: إنك أرسلتني إليهم. ويَضِيقُ صدرى من تكذيبهم إِيَّايَ إن كذَّبوني.

ورُفع قوله: {وَيَضِيقُ صَدْرِي} . عطفًا به على {أَخَافُ} . وبالرفعِ فيه قرَأته عامةُ قرأةِ الأمصار، ومعناه: وإنى يضيقُ صدرى.

وقولُه: {وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي} . يقولُ: ولا ينطلقُ لساني بالعبارة عما تُرْسِلني به إليهم؛ للعلة التي كانت بلسانه.

وقوله: {وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي} . كلامٌ معطوفٌ به على {وَيَضِيقُ} .

ص: 552

وقوله: {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} . يعنى هارونَ أخاه. ولم يقلْ: فأرسِلْ إلى هارونَ لِيُؤَازرَني وليعينَني. إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ، وذلك كقولِ القائلِ: لو نزَلَت بنا نازلةٌ لفرِعنا إليك. بمعنى: لفزعنا إليك لتعينَنا.

وقولُه: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ} . يقولُ: ولقوم فرعونَ على دعوَى ذنبٍ أَذنَبتُ إليهم. وذلك قتلُه النفسَ التي قتَلها منهم.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} . قال: قتلُ النفسِ التي قتَل منهم

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قتلُ موسى النفسَ.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ} . قال: قتلُ النفسِ

(2)

.

وقولُه: {فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} . يقولُ: فأخافُ أن يقتلوني قَوَدًا بالنفسِ التي قتلتُ منهم.

(1)

تفسير مجاهد ص 509، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2752، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 73، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2752 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 553

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {كَلَّا} . أي: لن يقتُلَك قوم فرعونَ، {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا}. يقولُ: فاذهب أنت وأخوك {بِآيَاتِنَا} . يعنى: بأعلامنا وحججِنا التي أعطيناك عليهم.

وقوله: {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} : من قومِ فرعونَ ما يقولون لكم، ويجيبونكم به.

وقوله: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا} الآية. يقولُ: فأت أنت يا موسى وأخوك هارونُ فرعونَ، {فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. يقولُ: فقولا له: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إليك.

بـ {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} . وقال: {رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وهو يخاطبُ اثنين بقوله: {فَقُولَا} ؛ لأنه أُريِد به المصدرُ من: أَرْسَلتُ. يقالُ: أَرْسَلتُ رسالةً ورسولًا. كما قال الشاعرُ

(1)

:

لقد كذَب الواشون ما بُحْتُ عندَهم

بسوءٍ ولا أَرْسَلْتُهم برسولِ

يعني: برسالةٍ. وقال الآخرُ

(2)

:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي خُفافًا

رسولًا بيتُ أهْلِكَ مُنْتَهاها

يعني بقوله: رسولًا: رسالةً. فأنَّث لذلك الهاءَ.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ

(1)

هو كثير عزة، والبيت في ديوانه ص 110، وفيه: برسيل. بدلا من: برسول. وهما بمعنى.

(2)

هو عباس بن مرداس، والبيت في حماسة ابن الشجرى 1/ 133، واللسان (ر س ل)، والخزانة 4/ 367، وفى الحماسة والخزانة: ألوكا. بدلًا من: رسولًا.

ص: 554

سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)}

وفى هذا الكلامِ محذوفٌ اسْتغنى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو: فأتَيا فرعونَ فأبلَغاه رسالةَ ربِّهما إليه، فقال فرعونُ:{أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا} يا موسى، {وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}: وذلك مُكنُه عندَه قبلَ قتلِه القتيلَ الذي قتله من القبطِ، {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} . يعني قتلَه النفسَ التي قتَل من القِبْطِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} . قال: قتلُ النفسِ

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

وإنما قيل: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ} ؛ لأنها مرةٌ واحدةٌ، ولا يجوزُ كسرُ الفاءِ إذا أُرِيد بها هذا المعنى.

وذُكر عن الشعبيِّ أنه قرَأ ذلك: (وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ) بكسرِ الفاءِ

(2)

. وهي قراءةٌ

(1)

تفسير مجاهد ص 509 من طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2754، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

أخرجه الفراء في معاني القرآن 2/ 279 من طريق السرى بن إسماعيل، عن الشعبي. وذكرها ابن =

ص: 555

القراءةِ القرأةِ منِ أهلِ الأمصارِ مخالفةٌ.

وقولُه: {وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين باللهِ، على دينِنا.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} . يعني: على دينِنا هذا الذي تعيبُ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} . قال: ربَّيناك فينا وليدًا، فهذا الذي كافَأتَنا؛ أن قتَلت منا نفسًا، وكفَرت نعمتَنا

(2)

!

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} . يقولُ: كافرًا للنعمةِ؛ أنَّ فرعونَ لم يكنْ يعلمُ ما الكفرُ

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن فرعونَ لم

= خالويه في مختصر الشواذ ص 107، وأبو حيان في البحر المحيط 7/ 10.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2754 من طريق عمرو به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2754 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى المصنف.

ص: 556

يكنْ مُقرًّا اللهِ بالربوبيةِ، وإنما كان يزعُمُ أنه هو الربُّ، فغيرُ جائزٍ أن يقولَ لموسى - إن كان موسى عنده على دينِه يومَ قتل القتيلَ على ما قاله السُّديُّ -: فعلت الفَعْلةَ وأنت من الكافرين. و

(1)

الإيمانُ عندَه هو دينُه الذي كان عليه موسى عندَه. إلا أن يقولُ قائلٌ: إنما أراد: وأنت من الكافرين يومَئذٍ يا موسى، على قولِك اليومَ. فيكونُ ذلك وجهًا يتَوَجَّهُ.

فتأويلُ الكلامِ إذن: وقتَلْتَ الذي قتَلْتَ منا وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك وإحسانَنا إليك، في قتلك إيَّاه.

وقد قيل: معنى ذلك: وأنت الآنَ من الكافرين لنعمتي عليك، وتربيتى إيَّاك.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ: فعَلتُ تلك الفَعْلةَ التي فعَلتُ. أي: قتَلْتُ تلك النفسَ التي قتلتُ، {إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}. يقولُ: وأنا من الجاهلين قبلَ أن يأتيَنى من اللهِ وحىٌ بتحريمِ قتلهِ عليَّ.

والعربُ تضعُ الضلالَ موضعَ الجهلِ، والجهلَ موضعَ الضلالِ، فتقولُ: قد جهِل فلانٌ الطريقَ، وضلَّ الطريقَ. بمعنًى واحدٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

(1)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 557

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} . قال: من الجاهلين

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاج، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.

قال ابن جريجٍ: وفي قراءة ابن مسعودٍ: (وأنا من الجاهلين)

(2)

.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} . قال: من الجاهلين

(3)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} : فقال موسى: لم أكفُرْ، ولكن فعَلتُها وأنا من الضالِّين. وفى حرفِ ابن مسعودٍ:(فَعَلْتُها إذن وأنا مِنَ الجاهلينَ).

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} : قبلَ أن يأتيَنى من اللَّهِ شيءٌ، كان قتلى إيَّاه ضلالةَ خطأَ. قال: والضلالةُ هنهنا الخطأُ، لم يقلْ: ضلالةٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

تفسير مجاهد ص 509، ومن طريقه ابن أبي حاتم، 8/ 2754، 2755، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 180 عن حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 73 عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2755 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2755 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 558

أبيه، عن ابن عباسٍ:{قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} : يقولُ: وأنا من الجاهلين

(1)

.

وقولُه: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ} الآية. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ موسى لفرعونَ: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ} معشرَ الملأ من قومِ فرعونَ {لَمَّا خِفْتُكُمْ} أن تقتُلوني بقتلىَ القتيلَ منكم، {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا}. يقولُ: فوهَب لى ربي نبوَّةً، وهى الحكمُ.

كما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} . والحكم النبوَّة

(2)

.

وقوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} . يقولُ: وألحقنى بِعدادِ مَن أرسَله إلى خلقِه، مبلِّغًا عنه رسالتَه إليهم، بإرسالِه إيايَ إليك يا فرعونُ.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل نبيِّه موسى صلى الله عليه وسلم الفرعونَ: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} .

يعنى بقولِه: {وَتِلْكَ} : تربيةَ فرعونَ إياه. يقولُ: وتربيتُك إياىَ، وتركُك استعبادي كما استعبدْتَ بني إسرائيلَ - نعمةٌ منك تمُنُّها عليَّ بحقٍّ.

وفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه، وهو: وتلك نعمةٌ تمنُّها عليَّ أن عبَّدْتَ بنى إسرائيلَ وترَكتنى فلم تستعبِدْنى. فتَرك ذِكرَ: وتركتني؛ لدلالةِ

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2755 معلقًا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2755 من طريق عمرو به.

ص: 559

قولِه: {أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} . عليه، والعربُ تفعلُ ذلك اختصارًا للكلامِ. ونظيرُ ذلك في الكلامِ أن يستَحِقَّ رجلان من ذى سلطانٍ عقوبةً، فيعاقبَ أحدَهما ويعفوَ عن الآخرِ، فيقولُ المعفوُّ عنه: هذه نعمةٌ عليَّ من الأميرِ؛ أن عاقَب فلانًا وترَكنى. ثم حذَف "وتركنى"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.

ولـ {أَنْ} في قولِه: {أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وجهان

(1)

؛ أحدُهما، النصبُ؛ لتعلُّقِ {تَمُنُّهَا} بها. وإذا كانت نصبًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمُنُّها عليَّ لتعبُّدِك بني إسرائيلَ. والآخرُ، الرفعُ؛ على أنها ردٌّ على "النعمةِ". و

(2)

إذا كانت رفعًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمنُّها على تعبيدُك بني إسرائيلَ.

ويعنى بقولِه: {أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} : أن اتخذْتَهم عبيدًا لك، يقالُ منه: عَبَّدْتُ العبيدَ وأعبَدْتُهم. كما قال الشاعرُ

(3)

:

عَلامَ يُعْبِدُنى قومى وقد كَثرَتْ

فيهم

(4)

أباعِرُ ما شاءوا وَعُبْدانُ

وبنحوِ الذي قلنا في [تأويلِ قولِه: {أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}]

(5)

. قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ،، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:

(1)

في م: "وجهين".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف.

(3)

معاني القرآن للفراء 2/ 279. ونسبه في اللسان (ع ب د) إلى الفرزدق، وليس في ديوانه.

(4)

في م: "فيها".

(5)

في م، ت 2:"ذلك".

ص: 560

{تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} . قال: قهَرْتَهم واستعْمَلتَهم

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، [عن مجاهدٍ]

(2)

، قال: تمُنُّ

(3)

على أن عبدتَ بني إسرائيلَ. قال: قَهَرْتَ وغلبت واستعمَلْتَ بني إسرائيلَ.

حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} : وربَّيتنى قبلُ وليدًا.

وقال آخرون: هذا استفهامٌ كان من موسى لفرعونَ، كأنه قال: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ بني إسرائيلَ عبيدا؟

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} . قال: يقولُ موسى لفرعونَ: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ أنت بني إسرائيلَ عبيدًا؟

(4)

واختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ

(5)

: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} . فيقالُ: هذا استفهامٌ، كأنه قال: أَتَمْنُّها عليَّ؟ ثم فسَّر فقال: {أَنْ

(1)

تفسير مجاهد ص 510، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2756، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: م.

(3)

في ص، ت 2:"أتمن".

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 74، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2755 (15570) من طريق سعيد عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 83 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

هو الأخفش، كما في تهذيب اللغة 2/ 232.

ص: 561

عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}. وجعَله بدلًا من "النعمةِ".

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يُنكرُ هذا القولَ، ويقولُ

(1)

: هو غلَطٌ من قائلِه

(2)

، لا يجوزُ أن يكونَ همزُ

(3)

الاستفهامِ

(4)

يُلْقَى، وهو يُطْلَبُ، فيكونَ الاستفهامُ كالخبرِ. قال: وقد استُقبح

(5)

ومعه "أمْ"، وهي دليل على الاستفهامِ، [واستقبَحوا]

(6)

.

تَرُوحُ من الحيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ

وماذا يَضُرُّك لو تَنْتَظِرْ

قال: وقال بعضُهم: هو: أَتَرُوحُ من الحيِّ؟ وحذَف الاستفهامَ أوَّلًا اكتفاءً بـ "أم". وقال أكثرُهم: بل الأوّلُ خبرٌ، والثانى استفهامٌ، وكأنَّ "أم" إذا جاءت بعدَ الكلامِ فهى الألفُ، فأمَّا وليس معه "أم" فلم يقلْه إنسانٌ.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في ذلك ما قلْنا

(7)

. وقال: معنى الكلامِ: وفعَلْتَ فَعْلَتَك التي فعَلتَ وأنت من الكافرين لنعمتى. أي: لنعمة تربيتى لك. فأجابه فقال: نعم، هي نعمةٌ عليَّ أن عبَّدتَ الناس ولم تَسْتَعْبِدْنى.

وقولُه: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} . يقولُ: وأى شيءٍ ربُّ العالمين؟

{قَالَ} موسى: هو {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ومالكُهن، {وَمَا بَيْنَهُمَا}. يقولُ: ومالكُ ما بينَ السماواتِ والأرضِ من شيءٍ، {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ}. يقولُ: إن كنتم موقنين أنّ ما تُعاينونه كما تُعاينونه، فكذلك فأيقِنوا أن ربَّنا هو ربُّ

(1)

هو أبو العباس أحمد بن يح بن يحيى ثعلب. تهذيب اللغة 2/ 232.

(2)

في ت 1، ف:"تأويله".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"هو".

(4)

في ص، ت 1:"للاستفهام".

(5)

في ص، ت 1، ف:"استفتح".

(6)

في ص، ت 1، ف:"استفتحوا". والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص 154.

(7)

هو الفراء كما في تهذيب اللغة 2/ 232.

ص: 562

السماواتِ والأرضِ وما بينَهما.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)} .

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} : قال فرعونُ لمن حولَه من قومِه: أَلَا تَسْتَمِعون لما يقولُ موسى. فأخبرَ موسى عليه السلام القومَ بالجوابِ عن مسألةِ فرعونَ إياه وقيلَه له:

{وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} ؟ ليُفهِمَ بذلك قومَ فرعونَ مقالتَه لفرعونَ، وجوابَه إياه عما سأَله، إذ قال لهم فرعونُ: ألا تَسْتمعون إلى قولِ موسى.

فقال لهم: الذي دعَوتُه إليه وإلى عبادته {رَبُّكُمْ} الذي خلقَكم {وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} . فقال فرعونُ لما قال لهم موسى ذلك، وأخبرَهم عما يدعو إليه فرعونَ وقومَه:

{قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} . يقولُ: إنّ رسولكم هذا الذي يزعُمُ أنه أُرسِل إليكم، لمغلوبٌ على عقلِه؛ لأنه يقولُ قولًا [لا نعرِفُه ولا نفهَمُه]

(1)

وإنما قال ذلك، ونسَب موسى عدوُّ اللهِ إلى الجنَّةِ؛ لأنه كان عندَه وعندَ قومِه أنه لا ربَّ غيرُه يُعْبَدُ، وأن الذي يدعوه إليه موسى باطلٌ ليست له حقيقةٌ. فقال موسى عندَ ذلك مُحْتَجًّا عليهم، ومُعرِّفَهم ربَّهم بصفتِه وأدلتِه، إذ كان عندَ قومِ فرعونَ أن الذي يَعْرِفونه ربًّا لهم في ذلك الوقتِ هو فرعونُ، وأن [الذين يعرِفونهم]

(2)

لآبائِهم أربابًا، ملوكٌ أُخرُ كانوا قبلَ فرعونَ قد مضَوا، فلم يكنْ عندَهم أن موسى أخبرَهم

(1)

في ت 1، ف:"لا يعرفه ولا يفهمه"، وغير منقوطة في ص.

(2)

في م، ت 1:"الذي يعرفونه".

ص: 563

بشيءٍ له معنًى يَفْهَمونه ولا يَعْقِلونه، ولذلك قال لهم فرعونُ: إنه مجنونٌ؛ لأن كلامَه كان عندَهم كلامًا لا يَعْقِلون معناه: الذي أَدْعوكم وفرعونَ [إليه، عبادةُ]

(1)

ربِّ المشرقِ والمغربِ {وَمَا بَيْنَهُمَا} . يعنى: ملكَ مشرِقِ الشمسِ ومغربِها وما بينَهما من شيءٍ، لا إلى عبادةِ ملوكِ مصرَ الذين كانوا ملوكَها قبلَ فرعونَ لآبائِكم فمضَوا، ولا إلى عبادةِ فرعونَ الذي هو اليومَ

(2)

ملكُها، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}. يقولُ: إن كان

(3)

لكم عقولٌ تَعْقِلون بها ما يقالُ لكم، وتَفْهَمون بها ما تَسْمَعون مما تبيَّن

(4)

لكم. فلما أخبرَهم عليه السلام بالأمرِ الذي علِموا أنه الحقُّ الواضحُ، إذ كان فرعونُ ومَن قبلَه من ملوكِ مصرَ، لم يُجاوِزْ مُلكهم

(5)

عريشَ مصرَ، وتَبيَّن لفرعونَ ولمن حولَه من قومِه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادتِه، هو الملِكُ الذي يَمْلِكُ الملوكَ

- قال فرعونُ حينئذٍ؛ استكبارًا عن الحقِّ، وتماديًا في الغيِّ لموسى:{لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي} . يقولُ: لئن أقرَرتَ بمعبودٍ سواى، {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}. يقولُ: لأَسْجُنَنَّك مع من في السجنِ من أهلِه.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ لما عرَّفه ربَّه، وأنه ربُّ المشرقِ

(1)

في م: "إلى عبادته".

(2)

سقط من: م، ت 2.

(3)

في ص، ت 1، ف:"كانت".

(4)

في م: "يعين".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"ملكها".

ص: 564

والمغرب، ودعاه إلى عبادتِه وإخلاصِ الألوهةِ له،

وأجابه فرعونُ بقولِه: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} : أتجعَلُني من المسجونين وَلَوْ جِئْتُكَ بشيءٍ مُبِين يُبينُ لك صدقَ ما أقولُ يا فرعونُ، وحقيقةَ ما أَدْعوك إليه؟ وإنما قال ذلك له موسى

(1)

لأن من أخلاقِ الناسِ السكونَ [إلى الإنصافِ]

(2)

، والإجابةَ إلى الحقِّ بعد البيانِ، فلما قال موسى له ما قال من ذلك، قال له فرعونُ: فأتِ بالشيءِ المبيِّنِ حقيقةَ ما تقولُ، فإنَّا لن نَسْجُنَك حينئذٍ إن اتَّخَذْتَ إلهًا غيرى، {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

يقولُ: إن كنتَ مُحِقًا فيما تقولُ، وصادقًا فيما تَصِفُ وتخيرُ، {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ}. يقولُ جل ثناؤُه: فألقى موسى عصاه، فتحوَّلت ثعبانًا وهي الحيةُ الذَّكَرُ، كما قد بَيَّنْتُ فيما مضى قبلُ من صفتِه

(3)

.

وقولُه: {مُبِينٌ} . يقولُ: يبينُ لفرعونَ والملأَ من قومِه أنه ثعبانٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} . يقولُ: مُبِينٌ له خَلْقُ حيةٍ

(4)

وقولُه: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ} . يقولُ: وأخرج موسى يدَه من جيبِه، فإذا

(1)

سقط من: م.

(2)

في م: "للإنصاف".

(3)

ينظر ما تقدم في 10/ 343، 344.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 5 إلى المصنف إلى قوله: ويراها. الآتي.

ص: 565

هي بيضاءُ تَلْمَعُ، {لِلنَّاظِرِينَ}: لمن ينظُرُ إليها ويراها.

حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا الأعمش، عن المنهالِ، قال: ارتفَعت الحيةُ في السماءِ قدرَ ميلٍ، ثم سفَلت حتى صار رأسُ فرعونَ بينَ نابَيْها، فجعَلت تقولُ: يا موسى مُرْنى بما شئْتَ. فجعلَ فرعونُ يقولُ: يا موسى أَسْأَلُك بالذي أرسَلك. قال: فأخذَه بطنُه.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ

(1)

وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ لما أرَاه موسى [ما أراه]

(2)

من عظيمِ قدرةِ اللهِ وسلطانِه؛ حجةً عليه لموسى بحقيقةِ ما دعاه إليه، وصدقِ ما أتاه به من عندِ ربِّه، {لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ}. يعنى: لأشرافِ قومِه الذين كانوا حولَه: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} . يقولُ: إنّ موسى سحَر عصاه، حتى أراكموها ثعبانًا، {عَلِيمٌ}. يقولُ: ذو علمٍ بالسحرِ وبَصَرٍ به، {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ}. يقولُ: يُرِيدُ أن يُخرِجَ بنى إسرائيلَ من أرضِكم إلى الشامِ بقهرِه إياكم بالسحرِ.

وإنما قال: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ} . فجعَل الخطابَ للملأَ حولِه من القبطِ، والمعنيُّ به بنو إسرائيلَ؛ لأن القبطَ كانوا قد استعبَدوا بني إسرائيلَ، واتَّخَذوهم خدمًا لأنفسِهم ومُهَانًا، فلذلك قال لهم:{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ} . وهو يريدُ: أَن يُخرِجَ خدمَكم وعبيدَكم من أرضِ مصرَ إلى الشامِ.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"أرجئه". وينظر ما تقدم في 10/ 350.

(2)

سقط من: م.

ص: 566

وإنما قلتُ: معنى ذلك كذلك؛ لأن اللَّهَ إِنما أَرسَل موسى إلى فرعونَ يَأْمُرُه بإرسالِ بني إسرائيلَ معه، فقال له ولأخيه:{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 16، 17].

وقولِه: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} . يقولُ: فأَيُّ شيءٍ تَأْمُرُون في أمرِ موسى؟ وما به تُشِيرون من الرأيِ فيه؟ {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فأجاب فرعونَ الملأُ، حوله، بأن قالوا له: أخِّرْ موسى وأخاه وأنظِرْه، وابعَثْ في بلادِك وأمصارِ مصرَ حاشرين يحشُرون إليك كلَّ سحَارٍ عليمٍ بالسحرِ.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فجَمَع الحاشرون الذين بعَثهم فرعونُ لحشرِ

(1)

السحرةِ السحرةِ

(2)

، {لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}. يقولُ: لوقتٍ واعَد فرعونُ لموسى الاجتماعَ معه فيه من يومٍ معلومٍ، وذلك يومُ الزينةِ، وأن يُحْشَرَ الناسُ ضحًى.

وقيل للناسِ: هل أنتم مجتمعون؛ لتنظروا إلى ما يَفْعَلُ الفريقان، [ولمن تكونُ]

(3)

الغلبةُ؛ لموسى أو للسحرةِ؟ فلعلنا نَتَّبِعُ السحرة.

ومعنى "لعل" ههنا "كى". يقولُ: كى نَتَّبِعَ السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.

وإنما قلت: ذلك معناها؛ لأن قومِ فرعونَ كانوا على دينِ فرعونَ، فغيُر معقولٍ

(1)

في م: "بحشر".

(2)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ف.

(3)

في ص، ت 2، ف:"ولم يكن"، وفى ت 1:" يقول".

ص: 567

أن يقولَ من كان على دينٍ: أنظرُ إلى حجةِ مَن هو على خلافي، لعلى أتبعُ ديني. وإنما يقالُ: أنظرُ إليها كى أزدادَ بصيرةً بدينى، فأقيمَ عليه. وكذلك قال قومُ فرعونَ، فإياه

(1)

عَنَوا بقيلِهم: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} .

وذُكِر

(2)

أن اجتماعَهم للميقاتِ الذي اتَّعدَ للاجتماعِ فيه فرعونُ وموسى كان بالإسكندريةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} . قال: كانوا بالإسكندريةِ. قال: ويقالُ: بلغ ذنَبُ الحيةِ مَن وراءَ البحيرةِ يومئذٍ. قال: وهرَبوا، وأسلَموا فرعونَ، وهمَّت به، فقال: خُذْها يا موسى. قال: فكان

(3)

مما بُلى

(4)

النَّاسُ به

(5)

منه أنه كان لا يضَعُ على الأرضِ شيئًا. قال: فأحدث يومئذٍ تحتَه. قال: وكان إرسالُه الحيةَ في القبةِ الحمراءِ

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء السحَرةُ فرعونَ لوعدِ موسى

(7)

وموعدِ فرعونَ،

(1)

في م: "فإياها".

(2)

في م: "قيل".

(3)

بعده في م، ت 2:"فرعون".

(4)

في م: "يلى".

(5)

سقط من: م.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 84 إلى المصنف.

(7)

في م: "لموسى".

ص: 568

{قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا} بسحرِنا

(1)

قِبَلَك {إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} موسى؟

{قَالَ} فرعونُ لهم: {نَعَمْ} ، لكم الأجرُ على ذلك، {وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} منا. فقالوا عندَ ذلك لموسى: إما أن تُلْقِيَ وإما أن نكونَ نحن الملقين. وتُرِك ذكرُ قيلِهم ذلك؛ لدلالةِ خبرِ اللهِ عنهم أنهم قال لهم موسى: ألْقُوا ما أنتم ملقون - على أن ذلك معناه.

{قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} من حبالِكم وعِصيِّكم.

{فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} من أيديهم {وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ} يقولُ: أقسموا بقوة فرعونَ، وشدةِ سلطانه، ومَنعة مملكته، {إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} موسى.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (49)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فألقى موسى عصاه حينَ ألقت السحرةُ حبالهم وعِصيَّهم، {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}. يقولُ: فإذا عصا موسى تزدَرِدُ

(2)

ما يأتُون به من الفِرْيَةِ والسحرِ الذي لا حقيقةَ له، وإنما هو مخايلُ

(3)

وخُدْعةٌ.

{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} . يقولُ: فلما تبيَّن السحرةُ أن الذي جاءهم به موسى حقٌّ لا سحرٌ، وأنه مما لا يقدِرُ عليه غيرُ اللهِ الذي فطَر السماواتِ والأرضِ من غيرِ أصلٍ، خرُّوا لوجوههم سُجدًا للهِ، مُذْعنين له

(4)

بالطاعةِ، مقرِّين لموسى بالذي أتاهم به من عندِ

(1)

في ص، م، ف:"سحرنا"، وسقط من: ت 2.

(2)

الازدراد: الابتلاع. اللسان (ز ر د).

(3)

في م: "مخاييل".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"لله".

ص: 569

اللهِ أنه

(1)

هو الحقُّ.

وأن ما كانوا يعملونه من السحرِ باطلٌ، قائلين:{آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .

الذي دعانا موسى إلى عبادته دونَ فرعونَ وملئه، {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال فرعونُ للذين كانوا سحرتَه، فآمنوا: آمنتم لموسى بأن ما جاء به حقٌّ قبلَ أن أذنَ لكم في الإيمان بهِ؟

{إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} . يقولُ: إن موسى لرئيسُكم في السحرِ، وهو الذي علَّمكموه، ولذلك آمنتم به، {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [يقولُ: فلسوف تعلَمون]

(2)

عندَ عقابي إياكم وبالَ ما فعلْتم، وخطأَ ما صنعْتم من الإيمانِ به.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50)} .

يقولُ: لأقطِّعن أيديَكم وأرجلَكم، مخالفًا في قطعِ ذلك منكم بينَ قطعِ الأيدى والأرجلِ، وذلك أنْ أقطعَ اليدَ اليمنى والرِّجلَ اليسرى، ثم اليدَ اليسرى والرجلَ اليمنى، ونحوَ ذلك من قطعِ اليدِ من جانبٍ، ثم الرجلِ من الجانبِ الآخرِ، وذلك هو القطعُ من خِلافٍ، {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} . فوكَّد ذلك بـ {أَجْمَعِينَ} ؛ إعلامًا منه أنه غيرُ مُسْتَبقٍ منهم أحدًا، {قَالُوا لَا ضَيْرَ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قالت السحرةُ: لا ضيرَ علينا. وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد ضار فلانٌ فلانًا فهو يضيرُ ضَيْرًا. ومعناه: لا ضرَّ

(3)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

(2)

سقط من: م، ت 2.

(3)

في م: "ضرر"، وفى ت 1، ت 2، ف:"ضير".

ص: 570

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَا ضَيْرَ} . قال: يقولُ: لا يضُرُّنا

(1)

الذي تقولُ، وإن صنَعتَه بنا وصلَيتَنا، {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ}. يقولُ: إِنَّا إلى ربِّنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتِك إيانا، وثباتِنا على توحيدِه، والبراءةِ من الكفرِ به

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة: {إِنَّا نَطْمَعُ} : إِنا نَرْجو أن يصفَحَ لنا ربُّنا عن خطايانا التي سلَفت منا قبلَ إيمانِنا به، فلا يُعاقِبَنا بها

(3)

.

كما حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا} . قال: السحرَ والكفرَ الذي كانوا فيه.

{أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ: لأن كنا أولَ من آمن بموسى، وصدَّقه بما جاء به من توحيدِ اللهِ، وتكذيبِ فرعونَ في ادِّعائِه الربوبيةَ

(4)

في دهرِنا هذا وزمانِنا.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَنْ

(1)

في ت 2: "يضيرنا".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 84 إلى المصنف.

(3)

في ص، ت 2، ف:"به".

(4)

في ص، ت 2، ف:"بالربوبية".

ص: 571

كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}. قال: كانوا كذلك يومَئِذٍ أولَ من آمَن بآياتِه حينَ رَأوها

(1)

.

وقولِه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} . يقولُ: وأوحَينا إلى موسى إذ تمادى فرعونُ في غيِّه وأبَى إلا الثباتَ على طغيانِه بعدَما أريناه آياتنا، {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي}. يقولُ: أن سِرْ ببنى إسرائيلَ ليلًا من أرضِ مصرَ، {إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ}: إن فرعونَ وجندَه مُتَّبِعوك

(2)

وقومَك من بنى إسرائيلَ؛ ليحُولوا بينكم وبينَ الخروجِ من أرضِهم؛ أرضِ مصرَ.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فأرسل فرعون في المدائنِ مَن

(3)

يَحْشُرُ له جندَه وقومَه.

ويقولُ لهم: {إِنَّ هَؤُلَاءِ} . يعني بـ {هَؤُلَاءِ} بني إسرائيلَ، {لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} . يعنى بالشرذمةِ الطائفةَ والعصبةَ الباقيةَ، من: عصَب جبيرةً. وشرذمةُ كلِّ شيءٍ: بقيتُه القليلةُ. ومنه قولُ الراجز

(4)

:

جاءَ الشتاءُ وقميصى أخْلاقْ

شَرَاذِمٌ يَضْحَكُ منه التوَّاقْ

وقيل: {قَلِيلُونَ} ؛ لأن كلَّ جماعةٍ منهم كان يَلْزَمُها معنى القلةِ، فلما جمَع

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 84 إلى المصنف.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"متبعك".

(3)

سقط من: م.

(4)

تقدم في 14/ 41.

ص: 572

جمْعَ جماعاتِهم قيل: {قَلِيلُونَ} . كما قال الكُمَيتُ

(1)

:

فرَدَّ قَوَاصِيَ الأحياء منهم

فقد رجَعوا

(2)

كحَيٍّ واحِدينا

وذُكِر أن الجماعةَ التي سمَّاها فرعونُ شرذمةً قليلين، كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا.

‌ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ:{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} . قال: كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا

(3)

.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الشرذمةُ ستّمائةِ ألفٍ وسبعون ألفًا

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظَيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن شداد بن الهادِ، قال: اجتمع يعقوبُ وولدُه إلى يوسفَ وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى وهم ستّمائِة ألف، فقال فرعونُ:{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} . وخرَج فرعونُ على فرسٍ أدهمَ؛ حِصانٍ، على لونِ فرسِه في عسكرِه ثمانُمائةِ ألفٍ

(5)

.

(1)

ديوانه 2/ 122.

(2)

في م: "صاروا".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 542 - ومن طريقه أبو نعيم في الخلية 4/ 206، 207 - من طريق سفيان به.

(4)

تفسير مجاهد ص 510 من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 84 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2769، 2770 من طريق موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، =

ص: 573

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيد الجُرَيريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن قيسِ بن عبادٍ، قال: وكان من أكثرِ

(1)

الناسِ - أو أحدثِ الناسِ - عن بني إسرائيلَ، قال: فحدَّثنا أن الشرذمةَ الذين سمَّاهم فرعونُ من بني إسرائيلَ كانوا ستَّمائةِ ألفٍ. قال: وكان مُقدِّمةُ فرعونَ سبعَمائةِ ألفٍ، كلُّ رجلٍ منهم على حصانٍ، على رأسه بيضةٌ، و

(2)

في يدِه حربةٌ، وهو خلفَهم في الدُّهْمِ، فلما انتهى موسى بينى إسرائيلَ إلى البحرِ قالت بنو إسرائيلَ: يا موسى أينَ ما وعَدتَنا؟ هذا البحرُ بينَ أيدينا، وهذا فرعونُ وجنودُه قد دهَمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: انفلِقْ أبا خالدٍ. قال: لا، لن أَنْفَلِقَ لك يا موسى، أنا أقدَمُ منك خلقًا. قال: فنودىَ: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء: 63]. فضرَبه، فانفلَق البحرُ، وكانوا اثنَىْ عشرَ سِبْطًا. قال الجُرَيرِيُّ: فأَحْسَبُه قال: إنه كان لكلِّ سبط طريقٌ. قال: فلما انتهى أولُ جنودِ فرعونَ إلى البحرِ، هابتِ الخيلُ اللَّهَبَ

(3)

. قال: ومُثِّل الحصانٍ منها فرسٌ وَدِيقٌ

(4)

، فوجَد ريحَها، فاشتَدَّ، فاتَّبَعه الخيلُ. قال: فلما تنامَّ آخرُ جنودِ فرعونَ في البحرَ وخرَج آخرُ بني إسرائيلَ، أُمِر البحرُ فانصفَق عليهم، فقالت بنو إسرائيلَ: ما مات فرعونُ وما كان ليموتَ أبدًا. فسمِع اللهُ تكذبيِهم نبيَّه عليه السلام، قال: فرمى به على الساحلِ كأنه ثورٌ أحمرُ يتراءاه بنو إسرائيلَ

(5)

.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في

= عن عبد الله بن شداد، عن كعب الأحبار بنحوه مطولًا.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"أكبر".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.

(3)

اللهب: الغبار الساطع. اللسان (ل هـ ب).

(4)

الفرس الوديق: هي التي تشتهى الفحل. ينظر اللسان (و د ق).

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2772، 2773 من طريق ابن علية نحوه. إلى قوله: لكل سبط طريق.

ص: 574

قوله: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} : يعنى بنى إسرائيلَ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} . قال: هم يومَئِذٍ ستُّمائةِ ألفٍ، ولا يُحصَى عددُ أصحابِ فرعونَ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ}. قال: أَوْحى اللهُ إلى موسى أن اجمَعْ بني إسرائيلَ؛ كلَّ أربعةِ أبياتٍ في بيتٍ، ثم اذبَحوا أولادَ الضأْنِ، فاضرِبوا بدمائها على الأبوابِ، فإني سآمُرُ الملائكةَ أَلَّا تَدْخُلَ بيتًا على بابِه دمٌ، وسآمُرُهم بقتلِ أبكارِ

(3)

آلِ فرعونَ من أنفسِهم وأموالِهم، ثم اخبِزوا خُبزًا فَطيرًا، فإنه أسرعُ لكم، ثم أَسْرِ بعبادى، حتى تَنْتَهِىَ للبحرِ

(4)

، فيَأْتِيَك أمرى. ففعَل، فلما أصبحوا قال فرعونَ: هذا عملُ موسى وقومِه، قتَلوا أبكارَنا

(5)

من أنفسِنا وأموالِنا. فأرسَل في أثرِهم ألفَ ألفٍ، وخمسَمائةِ ألفٍ وخمسَمائِة ملِكٍ مُسَوَّرٍ، معَ كلِّ ملكٍ ألفُ رجلٍ، وخرَج فرعونُ في الكَرِشِ

(6)

العُظْمَى، وقال:{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} . قال: قطعةٌ. وكانوا ستَّمائةِ ألفٍ، مائتا ألفٍ منهم أبناءُ عشرين سنةً إلى أربعين

(7)

.

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 414.

(2)

تفسير مجاهد ص 510 من قول ابن أبي نجيحٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 85 إلى الفريابي وعبد بن حميد.

(3)

في ت 1، ف:"الكفار"، وفى ت 2:"أذكار".

(4)

في ص، ت 1، ف:"البحر"، وفى ت 2:"إلى البحر".

(5)

في ت 1: "أولادنا".

(6)

الكرش: الجماعة من الناس، والبطانة والمدد، وكَرَش الرجل كَرَشا: إذا صار له جيش. ينظر التاج (ك ر ش).

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 85 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 575

قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، [عن شهرِ]

(1)

بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان مع فرعونَ يومئذٍ ألفُ جبارٍ، كلُّهم عليه تاجٌ، وكلُّهم أميرٌ على خيلٍ

(2)

.

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال:[كان ثلاثون]

(3)

ملكًا ساقةً

(4)

خلَف فرعونَ، يحسَبون أنهم معهم، وجبريلُ، أمامَهم، يَرُدُّ أوائلَ الخيلِ على أواخرِها

(5)

، فأتبَعهم حتى انتهَى إلى البحرِ.

وقولُه: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} . يقولُ: وإن هؤلاء الشرذمةَ لنا لغائظون. فذُكِر أن غيظَهم إياهم كان قتلَ الملائكةِ من قتَلتْ من أبكارِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ}. يقولُ: بقتلِهم أبكارَنا من أنفسِنا وأموالِنا.

وقد يَحتمِلُ أن يكونَ معناه: وإنهم لنا لغائظون، بذَهابِهم منهم بالعواريِّ التي كانوا استعاروها منهم من الحُليِّ. ويَحتمِلُ أن يكونَ ذلك بفراقِهم إياهم، وخروجِهم من أرضِهم، بكُرهٍ لهم لذلك

وقولُه: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ

(1)

سقط من: م.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 13/ 101.

(3)

في م: كانوا ثلاثين"، وفى ت 2: "كانوا ثلاثون"

(4)

الساقة: جمع سائق، وهم الذين يسوقون الجيش؛ الغزاة، ويكونون من ورائهم. ينظر التاج (س و ق).

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"آخرها"

ص: 576

قرأةِ الكُوفةِ: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}

(1)

. بمعنى: أَنهم مُعِدُّون مُؤْدُون؛ ذَوُو أَداةٍ وقوَّةٍ وسلاحٍ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (وإنا لجميعٌ حَذِرُون) بغير ألفٍ

(2)

.

وكان الفراءُ يقولُ

(3)

: كأَنَّ الحاذرَ الذي يحذَرُك الآن، وكأن الحذِرَ المخلوقُ حَذِرًا، لا تلقاه إلا حَذِرًا.

ومن الحَذِرِ قولُ ابن أحمرَ

(4)

:

هل أُنْسَأَنْ يومًا إلى غيرِه

إني حواليٌّ وإنى حَذِرْ

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مستفِيضتانِ في قرأةِ الأمصارِ متقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيه.

وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، [قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ]

(5)

، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ الأسودَ بنَ يزيدَ يقرأُ: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} . قال: مُقْوون مُؤْدُون

(6)

.

(1)

وبها قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 471.

(2)

وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. المصدر السابق.

(3)

معاني القرآن 2/ 280.

(4)

اللسان (ح و ل)، قال: ويقال: للمرار بن منقذ العدوى.

(5)

سقط من ص، م، ت 1، ت 3.

(6)

تفسير سفيان ص 229، وهو تفسير مجاهد ص 510 من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 85 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

ص: 577

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي العرجاءَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ أنه كان يقرَأُ:{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} . يقولُ: مُؤْدُونَ

(1)

.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} . يقولُ: حذِرْنا. قال: جمَعْنا أمرَنا.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} . قال: مُؤدُون مُعِدُّون في السلاحِ والكُراعِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن أبي]

(2)

معشرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: كان معَ فرعونَ ستُّمائةِ ألفِ حِصانٍ أدهمَ، سوى ألوانِ الخيلِ.

[حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ، الضَّبِّيُّ، عن عاصمِ بن بَهْدلة، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}. قال: مُؤدُون مُقْوُون]

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فأخرَجْنا فرعونَ وقومَه من بساتينَ وعيونِ ماءٍ.

وكنوزِ ذهبٍ وفضةٍ، ومَقامٍ كريمٍ. قيل: إن ذلك المَقام الكريمَ: المَنابرُ.

وقولُه: {كَذَلِكَ} . يقولُ: هكذا أخرَجْناهم مِن ذلك كما وصَفْتُ لكم في

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 85 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، بلفظ: شاكي السلاح.

(2)

في ص، ت 1، ف:"أبى"، وفى م:"أبو". وتقدم في 1/ 555 وغيرها.

(3)

سقط من: ت 2.

ص: 578

هذه الآيةِ والتي قبلَها، {وَأَوْرَثْنَاهَا}. يقولُ: وأورَثْنا تلك الجناتِ التي أخرَجْناهم منها والعيونَ والكنوزَ والمَقامَ الكريمَ عنهم بهَلَاكِهم بني إسرائيلَ.

وقولُه: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} . يقولُ: فأَتْبَع فرعونُ وأصحابُه بني إسرائيلَ {مُشْرِقِينَ} . حينَ أشرقَتِ الشمسُ. وقيل: حينَ أصْبَحوا.

[وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك]

(1)

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} . قال: خرَج موسى ليلًا، فكسَف القمرُ، وأَظْلَمَتِ الأرضُ، وقال أصحابُه: إن يوسفَ أَخبرنا أَنَّا سَنُنَجَّى مِن فرعونَ، وأَخَذ علينا العهدَ لنَخْرُجنَّ

(2)

بعظامِه معنا. فخرَج موسى ليلتَه يسألُ ليلته يسألُ عن قبرِه، فوجَد عجوزًا بيتُها على قبرِه، فأخرجَته له بحَكَمِها

(3)

، وكان حَكَمُها - أو كلمةٌ تُشْبِهُ هذه - أن قالت: احمِلْني فأخرِجْني معك. فجعَل عظامَ يوسفَ في كِسائِه، ثم حملَ العجوزَ على كسائِه، فجعَله على رقبته، وخيلُ فرعونَ هي مِلءُ أَعِنَّتِها حُضْرًا

(4)

في أَعْيُنِهم ولا تبرحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا

(5)

.

(1)

سقط من ص، م، ت 1، ف.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"ولنخرجن".

(3)

حكمها: ميثاقها. ينظر اللسان (ح ك م).

(4)

حضرًا: عدوا. النهاية 1/ 398.

(5)

تفسير مجاهد ص 510، ومن طريقه ابن أبي حاتم 8/ 2768.

ص: 579

[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ}. قال: فرعونُ وأصحابُه، وخيلُ فرعونَ في مِلءِ أَعِنَّتِها في رَأْي عُيُونِهم، ولا تبرَحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا]

(1)

.

‌القول في تأويلِ قوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)} .

يقولُ تعالَى ذِكرُه: فلمَّا تناظَر الجمعانِ، جمعُ موسى وهم بنو إسرائيلَ، وجمعُ فرعونَ وهم القِبْطُ {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى} لموسى {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}. أي: إنا لمُلْحَقون، الآنَ يلحَقُنا فرعونُ وجنودُه فيَقْتُلوننا. وذُكر أنهم قالوا ذلك لموسى تَشاؤُمًا بموسى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} . قال: تَشاءَموا بموسى وقالوا: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}

(2)

[الأعراف:129].

حدَّثنا موسى، قال [حدَّثنا عمرٌو، قال]

(3)

: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {فَلَمَّا تَرَاءَى

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2770 من طريق المعتمر به.

(3)

سقط من: م، ت 2.

ص: 580

الْجَمْعَانِ}: فنظَرَت بنو إسرائيلَ إلى فرعونَ قد رَمَقَهم، قالوا: إنا لمُدركون.

قالوا: يا موسى {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} ، اليوم يدرِكُنا فرعونُ فيَقْتُلُنا، {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} . البحرُ من بين أيدينا، وفرعونُ من خلفِنا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا انتَهى موسى إلى البحرِ، وهاجَت الريحُ العواصفُ، فنظَر أصحاب موسى خلفَهم إلى الريحِ وإلى البحرِ أمامَهم قالُوا: يا مُوسَى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} . قال: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}

(2)

.

واختَلَفَتِ القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى الأعرج: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} . وقَرأه الأعرجُ: (إنا لمدَّرَكون)

(3)

. كما يقالُ: نُزِّلَت، وأُنزِلَت.

والقراءةُ عندَنا التي عليها قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها.

وقولُه: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} . [قال موسى لقومِه: ليس الأمرُ كما ذكرتُم، كلا لن تُدْرَكوا {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. يقولُ]

(4)

: سَيَهْدين لطريقٍ أنْجُو فيه مِن فرعونَ وقومِه.

كما حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن

(1)

تقدم في 1/ 660.

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 658.

(3)

وقرأ بها أيضا عبيد بن عمير. مختصر الشواذ لابن خالويه 108، والبحر المحيط 7/ 20.

(4)

سقط من: ت 2.

ص: 581

كعبٍ القُرَظِيّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: لقد ذُكر لى أنه خرَج فرعونُ في طلبِ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهم الخيلِ، سوى ما في جندِه من شِيَةِ الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ ولم يَكُنْ عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع فرعونُ في جندِهِ مِن خلفِهم {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. أي: للنجاةِ، وقد وَعَدنى ذلك، ولا خُلْفَ لمَوعودِه

(1)

.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} . يقولُ: سيَكْفِيني، وقال:{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}

(2)

[الأعراف: 129].

وقولُه: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} . ذُكر أن الله كان قد أمرَ البحرَ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بعَصاه.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: فتقدَّم هارونُ، فضرَب البحرَ، فأبَى أن ينفتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذي يضرِبُني؟ حتى أتاه موسى، فكَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانفلَق

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أوحَى اللهُ، فيما ذُكر، إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعصاه فانفلِقْ له. قال: فباتَ البحرُ يضربُ بعضُه بعضًا فَرَقًا مِن اللهِ، وانتظارَ أمره، وأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ. فضرَبه بها وفيها سلطانُ اللَّهِ الذي أعطاه، فانفلَق

(4)

(1)

تقدم في 1/ 655، 656.

(2)

تقدم في 1/ 660، 661.

(3)

تقدم في 1/ 661.

(4)

تقدم في 1/ 656.

ص: 582

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن

(1)

سليمانَ التيميِّ، عن أبي السليلِ، قال: لما ضرَب موسى بعصاه البحرَ، قال: إيهًا أبا خالدٍ. فأخَذه أَفْكَلٌ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ وغيره، قالوا: لمَّا انتهى موسى إلى البحرِ، وهاجَتِ الريحُ، والبحرُ يَرْمى بتَيَّارِه، ويموجُ مثلَ الجبالِ، وقد أوحَى اللهُ إلى البحرِ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بالعصا، فقال له يُوشَعُ: يا كليمَ اللَّهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟ قال: ههنا. قال: فجازَ البحرَ ما يُوارِى حافرَه الماءُ، فذهَب القومُ يصنَعون مثلَ ذلك، فلم يقدرِوا، وقال له الذي يَكْتُمُ إيمانَه: يا كليمَ اللهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟ قال: ههنا، فَكَبَح فرسَه بلِجَامِه حتى طارَ الزَّبَدُ مِن شِدْقَيه، ثم قَحَمه البحرُ، فأرسَب في الماءِ، فأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ. فضرَب بعصاه موسى البحرَ فانفلَقَ، فإذا الرجلُ واقفٌ على فرسِه، لم يبتلَّ سَرْجُه ولا لِبْدُه.

وقولُه: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فكان كلُّ طائفةٍ من البحرَ لمَّا ضرَبه موسى، كالجبلِ العظيمِ. وذُكر أنه انفلَق اثنتى عشْرةَ فَلْقةً، على عدِد الأسْباطِ، لكلِّ سِبْط منهم فِرْقٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ

(1)

في م: "ظن".

(2)

الأفكل: الرعدة الشديدة من الخوف. اللسان (ف ك ل).

ص: 583

كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}. يقولُ: كالجبلِ العظيمِ، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، [وكان الطريقُ كما

(1)

إذا انفلَقَتِ الجدرانُ، فقال كلُّ سِبْطٍ]

(2)

: قد قَتَل أصحابَنا. فلما رأى ذلك موسى دَعا الله، فجعَلها قَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخِرُهم إلى أوَّلهم حتى خرَجوا جميعًا

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللَّهِ وغيره، قالوا: انفلق البحرُ، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم، اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، وكان بنو إسرائيلَ اثني عشَرَ سِبطًا، وكانت الطُّرْقُ بجُدْران، فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا. فلما رأى ذلك موسى، دَعا اللهُ فجعَلها لهم بقَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ على أرضٍ يابسةٍ كأن الماءَ لم يُصِبْها قَطُ حتى عَبَر

(4)

.

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما انفلق البحرُ لهم صار فيه كُوًى ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} . أي: كالجبلِ على نَشَزٍ مِن الأرضِ

(5)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ف.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

تقدم في 1/ 661.

(4)

في ت 2: خرجوا جميعا".

(5)

تقدم في 1/ 656.

ص: 584

قوله: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} . يقولُ: كالجبلِ

(1)

[حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}. قال: كالجبلِ]

(2)

العظيمِ

(3)

.

ومنه قولُ الأسودِ بن يَعْفُرَ

(4)

:

حَلُّوا بأنْقرةٍ يَسِيلُ عليهمُ

ماءُ الفُراتِ يجيءُ مِن أَطْوَادٍ

يعنى بالأطوادِ جمعَ طَوْدٍ، وهو الجبلُ.

‌القول في تأويلِ قوله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)} .

يعني بقوله تعالى ذكرُه: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} : وقَرَّبْنا هنالك آلَ فرعونَ مِن البحرِ، وقَدَّمْناهم إليه. ومنه قولُه:{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90].

بمعنى: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ. ومنه قولُ العَجَّاجِ

(5)

:

طَيَّ الليالي زُلَفًا فَزُلَفا

سَماوةَ الهلال حتى احْقوقفَا

(1)

ذكره الحافظ في التغليق 4/ 273 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2773 من طريق أبي صالح به.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2773 معلقًا

(4)

معجم ما استعجم 1/ 204، وتفسير القرطبي 13/ 107، وهو في مجاز القرآن 2/ 86 بدون نسبة.

(5)

ديوانه ص 496.

ص: 585

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخَراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} . قال: قَرَّبْنا

(1)

.

[حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ}. قال: هم قومُ فرعونَ قَرَّبَهم اللهُ حتى أغرَقهم في البحرَ]

(2)

.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: دَنا فرعونُ وأصحابُه بعدَ ما قطَع موسى ببنى إسرائيلَ البحرَ، مِن البحرَ، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا قال: أَلَا تَرَوْن البحرَ فَرِقَ مِنِّى، قد تَفتَّح لى حتى أُدْرِكَ أَعْدائي فأقْتُلَهم؟ فذلك قولُ اللَّهِ:{وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} . يقولُ: قَرَّبْنَا. {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} هم آلُ فرعونَ. فلمَّا قامَ فرعونُ على أفواهِ

(3)

الطُّرْقِ، وأَبَتْ خِيلُه أن تقتحِمَ، فنزَل جبريلُ صلى الله عليه وسلم على ماديانةٍ، فتَشامَّتِ الحُصُنُ ريحَ الماديانة، فاقتَحَمَت في أثَرِها، حتى إذا هَمَّ أَوَّلُهم أن يخرجَ، ودخلَ آخِرُهم، أمَر البحرَ أن يأخُذَهم، فالتطَمَ عليهم، وتفرَّدَ جبريلُ بمَقْلَةٍ مِن مَقْل البحر

(4)

، فجعَل يَدُسُّها في فِيهِ

(5)

.

(1)

ينظر تفسير ابن كثير 6/ 154.

(2)

سقط من: ت 2.

والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 74، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2774 (15680) من طريق سعيد عن قتادة.

(3)

سقط من: م.

(4)

مقل البحر: مغاص البحر. النهاية 4/ 347.

(5)

تقدم تخريجه في 1/ 661.

ص: 586

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللهِ، قال: أقبَل فرعونُ، فلمَّا أشرَف على الماءِ قال أصحابُ موسى: يا مُكَلِّمَ اللهِ، إن القومَ يَتْبَعوننا في الطريقِ، فاضرِبْ بعصاك البحرَ فاخْلطه. فأرادَ موسى أن يفعلَ، فأوحَى اللهُ إليه أن {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا}. يقولُ: أَقرَّه

(1)

على سَكَناتِه، {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [الدخان: 24]. إنما أمكرُ بهم، فإذا سَلَكوا طريقَكم غَرَّقْتُهم، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرَ قال: ألَا تَرَون البحرَ فَرِقَ منى، حتى تَفَتَّحَ لي، حتى أُدِركَ أعدائي فأقتُلَهم؟ فلما وقَف على أفواهِ الطرقِ وهو على حصانٍ، فرأى الحصانُ البحرَ فيه أمثالُ الجبالِ هابَ وخافَ، وقال فرعونَ: أنا راجعٌ. فمكَر به جبريلُ عليه السلام، فأقبَل على فرسٍ أنثى، فأدْناها مِن حصانِ فرعونَ، فطَفِقَ فرسُه لا يَقَرُّ، وجعَل جبريلُ يقولُ: تَقَدَّم. ويقولُ: ليس أحدٌ أحقُّ بالطريقِ منك، فتَشامَّتِ الحُصُنُ الماديانةَ، فما مَلَكَ فرعونُ فرسَه أن وَلَجَ على أثَرِه، فلمَّا انتَهى فرعونُ إلى وسط البحرَ، أوحَى اللهُ: إلى البحر خُذْ عبدىَ الظالمَ وعبادىَ الظَّلَمةَ، سُلطاني فيك؛ فإني قد سَلَّطتك عليهم. قال: فتَغَطْمَطَتْ

(2)

تلك الفِرَقُ مِن الأمواج كأنها الجبالُ، وضرَب بعضُها بعضًا، فلما أدرَكه الغَرَقُ قال:{آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]. وكان جبريلُ صلى الله عليه وسلم شديدَ الأَسَفِ عليه؛ لِما رَدَّ مِن آيات اللهِ، ولطولِ علاجِ موسى إياه، فدخَل في أسفلِ البحرِ، فأخرَج طينًا، فحَشَاه في فَمِ فرعونَ لكيلا يقولَها الثانية، فتُدْرِكَه الرحمةُ. قال: فبعَث اللهُ إليه ميكائيلَ يُعَيِّرُه: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ؟ [يونس: 91]. وقال جبريلُ: يا محمدُ، ما أبغَضْتُ أحدًا من خلقِ اللَّهِ ما أَبغَضتُ اثنين؛ أحدُهما مِن الجنِّ، وهو إبليسُ، والآخرُ فرعون، قال: أنا ربُّكم الأعلى. ولقد رأيتُنى يا محمدُ وأنا أحْشُو في فِيهِ مخافةَ أن يقولَ كلمةً يرحمُه اللهُ بها.

(1)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"أمره".

(2)

التغطمط: صوت معه بحح. اللسان (غطمط).

ص: 587

وقد زعَم بعضُهم

(1)

أن معنى قولِه: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} : وجَمَعْنا. قال: ومنه ليلةُ المُزْدَلِفةِ. قال: ومعنى ذلك أنها ليلةُ جَمْعٍ. وقال بعضُهم: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ} : وأهْلكْنا.

وقولُه: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأنجْيَنا موسى [بما أشْقَيْنا]

(2)

به فرعونَ وقومَه مِن الغَرَقِ في البحرِ، ومَن مع موسى مِن بنى إسرائيلَ أجمعين.

وقولُه: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} . يقولُ: ثم أَغرَقْنا فرعون وقومَه مِن القِبْطِ في البحرِ، بعد أن أنجْيَنا موسى منه ومَن معه.

وقولُه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما فعلتُ بفرعونَ ومَن معه؛ مِن تَغْريِقي إياهم في البحرِ، إذ كَذَّبوا رسولى موسى، وخالَفوا أمرى بعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ - لدلالةً بينةً يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، على أن ذلك سُنَّتى في من سلَك سبيلَهم مِن تَكْذيبِ رُسُلى، وعظةً لهم وعبرةً - إنِ ادَّكروا واعتَبروا - أن يفعلوا مثلَ فعلِهم في تكذيبِك، مع البرهانِ والآياتِ التي قد أتَتْهم، فَيحِلُّ بهم من العقوبةِ نظيرُ ما حَلَّ بهم، ولك أيضًا آيةٌ في فعلى بموسى، وتَنْجيتي إياه - بعد طُولِ علاجِه فرعونَ - وقومَه منه، وإظْهارِى إياه، وتوريثِهِ وقومَه دورَهم وأرضَهم وأموالَهم، على أنِّى سالكٌ فيك سبيلَه إن أنت صبرتَ صبرَه، وقُمتَ مِن تبليغِ الرسالةِ إلى مَن أرسلتُك إليه قيامَه، ومُظْهرُك على مُكَذِّبيك، ومُعْليك عليهم، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} .

يقولُ: وما كان أكثر قومك يا محمدُ مؤمنين، بما أتاك اللهُ مِن الحقَّ المبينِ، فسابقٌ لهم في علمى أنهم لا يؤمنون،

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ

(1)

يقصد أبا عبيدة في مجاز القرآن 2/ 87.

(2)

في م، ت 1، ت 2:"مما أتبعنا"، وفي ت 2:"بما أتبعنا".

ص: 588

الْعَزِيزُ} في انتقامِه ممن كفرَ به وكذَّب رسلَه مِن أعدائِه، {الرَّحِيمُ} بَمَن أَنْجَى مِن رسلِه وأتباعِهم مِن الغرقِ والعذابِ الذي عذَّب به الكفرةَ.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واقصُصْ على قومِك من المشركين يا محمدُ، خبرَ إبراهيمَ، حينَ قال لأبيه وقومَه:

أَيَّ شيءٍ تعبُدون؟ قالوا له: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} . يقولُ: فنظلُّ لها خَدَمًا مقيمين على عبادتها وخدمتِها.

وقد بيَّنا مَعْنى "العكوفِ" بشواهدِه فيما مضى قبلُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(1)

.

وكان ابن عباسٍ فيما روى عنه يقولُ في مَعْنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} . قال: الصلاةُ لأصنامِهم

(2)

.

‌القول في تأويلِ قوله تعالى: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لهم: هل يسمَعُ دعاءَكم هؤلاء الآلهةُ إذ تَدْعُونَهم.

واختَلف أهلُ العربيةِ في مَعْنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءَكم؟ فحذَف الدعاءَ، كما قال زُهَيرٌ

(3)

:

(1)

ينظر ما تقدم في 2/ 534.

(2)

تقدم تخريجه في 2/ 536.

(3)

شرح ديوانه ص 49.

ص: 589

القائِدُ الخَيْلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُها

(1)

قد أُحْكِمَتْ حَكماتِ

(2)

القِدِّ والأبَقا

(3)

وقال: يريدُ: أَحْكِمت حَكَماتِ الأَبَقِ. فألْقَى الحَكَماتِ، وأقام الأبَقَ مُقامَها.

وقال بعضُ مَن أنكَر ذلك من قولِه من أهلِ العربيةِ: الفصيحُ مِن الكلامِ في ذلك هو ما جاء في القرآنِ؛ لأنَّ العرب تقولُ: سمعتُ زيدًا مُتكلِّمًا. يريدون: سمِعتُ كلام زيدٍ. ثم تَعلَمُ أن السمعَ لا يقعُ على الأناسيِّ، إنما يقعُ على كلامِهم، ثم يقولون: سمِعتُ زيدًا. أي: سمِعتُ كلامَه قال: ولو لم يُقَدَّمْ في بيتِ زهيرٍ "حكماتِ القدِّ" لم يَجُزْ أن يُنْسَقَ بـ"الأبق" عليها؛ لأنَّه لا يقالُ: رأيتُ الأبق. وهو يريدُ الحكمَةَ.

وقولُه: {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} . يقولُ: أو تنفَعُكم هذه الأصنامُ، فيَرزُقونكم شيئًا على عبادتِكموها، أو يضرُّونكم فيُعاقبونكم على تَرْككم عبادتَها، بأن يسلُبوكم أموالَكم، أو يُهْلِكوكم إذا هلَكتُم وأولادُكم {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} . وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدَلالةِ ما ذُكِرَ عما تُرِكَ، وذلك جوابُهم إبراهيمَ عن مسألتِه إياهم:{هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} . فكان جوابُهم إياه: لا، ما يَسْمَعوننا إذا دعَوناهم، ولا ينفَعوننا ولا يضرُّون. يدلُّ على أنَّهم بذلك أجابوه - قولُهم:{بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} . وذلك [أنَّ "بل"]

(4)

رجوعٌ عن مجحودٍ، كقولِ القائلِ: ما كان كذا بل كذا وكذا.

(1)

دابرة الحافر: مؤخَّرة، وقيل: هي التي تلى مؤخر الرسغ. اللسان (د ب ر).

(2)

حكمة اللجام: ما أحاط بحنكى الدابة. اللسان (ح ك م).

(3)

القد: السير الذي يقدمن الجلد، والأبق: الحبل من القنب، وهو ضرب من الكتان. اللسان (ق د د، أب ق، ق ن ب).

(4)

سقط من: م.

ص: 590

ومَعْنى قولِهم: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} : وجَدنا مَن قبلَنا

(1)

مِن آبائِنا يعبُدونها، ويعكُفون عليها لخدمتِها وعبادتِها، فنحن نفعلُ ذلك اقتداءً بهم، واتِّباعًا لمِنهاجِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)} .

يقولُ تعالَى ذكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: {أَفَرَأَيْتُمْ} أَيُّها القومُ {مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} مِن هذه الأصنامِ، {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} يعنى بالأَقْدَمِين: الأقْدَمِين مِن الذين كان إبراهيمَ يخاطبُهم، وهم الأوَّلون قبلَهم مِمَّن كان على مثلِ ما كان عليه الذين كلَّمهم إبراهيمُ من عبادةِ الأصنامِ، {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} .

يقولُ قائلٌ: وكيف يوصَفُ الخشبُ والحديدُ والنُّحاسُ بعداوةِ ابن آدمَ؟ فإن مَعْنَى ذلك: فإنهم عدوٌّ لى - لو عبدتُهم - يومَ القيامةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81، 82].

وقولُه: {إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} . نصبًا على الاستثناءِ.

و "العدوُّ" بمعنى الجمعِ، ووُحِّد لأنَّه أُخْرِج مُخرج المصدرِ، مثلَ القُعودِ والجلوسِ.

ومَعْنى الكلامِ: أفرأيتُم كلَّ معبودٍ لكم ولآبائِكم، فإنِّي منه برئٌ: لا أعبدُه، إلا ربَّ العالمين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ

(1)

بعده في م: "ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه، قولهم".

ص: 591

يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}.

يقولُ: فإنَّهم عدوٌّ لى إلا ربِّ العالمين، {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} للصوابِ من القولِ والعملِ، ويُسدِّدُنى للرَّشادِ، {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}. يقولُ: والذي يغذوني بالطعامِ والشرابِ، ويَرْزُقُنى الأرزاقَ،

{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} . يقولُ: وإذا سقِم جسمى واعتلَّ فهو يُبْرئُه ويُعافيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)} .

يقولُ: والذي يُميتُنى إذا شاء، ثم يُحييني إذا أراد بعدَ مماتى، {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} فَرَبِّي هذا الذي بيدِه نفعى وضرِّى، وله هذه

(1)

القدرةُ والسلطانُ، وله الدنيا والآخرةُ، لا الذي لا يسمَعُ إِذا دُعِى، ولا يَنفَعُ ولا يضُرُّ. وإنَّما كان هذا الكلامُ من إبراهيمَ احتجاجًا على قومِه، في أنَّه لا تصلُحُ الأُلوهةُ، ولا يَنبَغي أن تكونَ العبودةُ إلا لمن يفعلُ هذه الأفعالَ، لا لمن لا يُطيقُ نفعًا ولا ضرًّا.

وقيل: إِنَّ إبراهيم صلواتُ اللهِ عليه عَنَى بقوله: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} : والذي أرجو أن يغفرَ لى قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]. وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]. وقولى لسارة: إنها أُختى

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

سقط من: م.

ص: 592

في قولِ اللهِ: {أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} . قال: قولُه: {وإِنَّي سَقِيمٌ} . وقولُه: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} . وقولَه لسارةَ: إنها أختى. حينَ أراد فرعونٌ مِن الفراعنةِ أن يأخذَها

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} . قال: قولُه: {إنِّي سَقِيمٌ} . وقولُه: {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} . وقولُه لسارةَ: إنها

(2)

أختى. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ نحوَه.

ويَعْنى بقوله: {يَوْمَ الدِّينِ} : يومَ الحسابِ، يومَ المجازاةِ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن مسألة خليلِه إبراهيم إياه: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} . يقولُ: رَبِّ هَبْ لى نُبُوَّةً، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. يقولُ: واجْعَلني رسولًا إلى خلقِك، حتى تُلحِقَنى بذلك بعِدادِ مَن أرسلتَه من رسلِك إلى خلقِك، واتَّمنتَه على وحيِك، واصطَفيته لنفسك.

وقولُه: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} . يقولُ: واجْعَلْ لى في الناسِ

(1)

تفسير مجاهد ص 511. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2780. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 89 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ص، ف.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 157.

ص: 593

ذكرًا جميلا، وثناء حسنًا، باقيًا في من يجيءُ مِن القرونِ بعدِى.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ قوله:{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} . وقولُه: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت: 27]. قال: إِنَّ الله فضَّله بالخُلَّةِ حين اتخذَه خليلًا، فسألَ الله فقال:{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} حتى لا تكذَّبَنى الأممُ. فأعطاه اللهُ ذلك، فإنَّ اليهودَ آمَنتْ بموسى وكفَرتْ بعيسى، وإنَّ النصارَى آمنْتْ بعيسى وكفَرتْ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكلُّهم يتولَّى إبراهيمَ، قالت اليهودُ: هو خليلُ اللهِ وهو منَّا. فقطَع اللهُ ولا يتَهم منه بعدَ ما أقرُّوا له بالنبوّةِ وآمنوا به، فقال:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]. ثم الحق ولايتَه بكم فقال: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]. فهذا أجرُه الذي عُجِّل له، وهى الحسنةُ. إذ يقولُ:{وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 122]. وهو اللسانُ الصِّدْقُ الذي سألَ ربَّه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} . قال: اللسانُ الصِّدْقُ الذِّكْرُ الصدقُ، والثناءُ الصالحُ، والذِّكرُ الصالحُ في الآخِرين من الناسِ، مِن الأممِ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2781، 2782 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 594

كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}.

يَعْنى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ بقولِه: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} : أورِثْنى يا ربِّ من منازلِ مَن هلَك مِن أعدائِك المشركين بك، من الجنةِ، وأسكنِّى ذلك، {وَاغْفِرْ لِأَبِي} .

يقولُ: واصفحْ لأبي عن شركِه بك، ولا تعاقِبْه عليه؛ {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ}. يقولُ: إنه كان ممن ضَلَّ عن سبيلِ الهُدَى، فكفَر بك.

وقد بيَّنا المعنى الذي مِن أجلِه استغفَر إبراهيمُ لأبيه، واختلافَ أهلِ العلمِ في ذلك، والصوابَ عندَنا من القولِ فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(1)

.

وقولُه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} . يقولُ: ولا تُذِلَّني بعقابِك إيايَ يومَ تَبْعَثُ عبادَك مِن قبورِهم لمَوْقِفِ القيامةِ،

{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} . يقولُ: لا تُخْزنى يومَ لا ينفعُ مَنْ كَفَر بك وعصَاك في الدنيا مالٌ

(2)

كان له في الدنيا، ولا بنوه الذين كانوا له فيها، فيدفعُ ذلك عنه عقابَ اللَّهِ إِذا عاقبه، ولا يُنجِّيه منه.

وقولُه: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . يقولُ: ولا تُخْزنى يومَ يُبعثون، يومَ لا ينفعُ إلا القلبُ السليمُ.

والذي عُنِى به مِن سلامةِ القلبِ في هذا الموضعِ هو سلامةُ القلبِ من الشكِّ في توحيدِ اللهِ، والبعثِ بعدَ المماتِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

ينظر ما تقدم في 12/ 19.

(2)

في م: "ما".

ص: 595

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن عوفٍ

(1)

، قال: قلتُ لمحمدٍ: ما القلبُ السليمُ؟ قال: أن يعلمَ أنَّ الله حقٌّ، وأن الساعةَ قائمةٌ، وأنَّ الله يبعثُ مَن في القبورِ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . قال: لا شكَّ فيه

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله:{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . قال: ليس فيه شكٌّ في الحقِّ

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله:{بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . قال: سليمٌ من الشركِ

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . قال: سليمٌ من الشركِ، فأمَّا الذنوبُ فليس يَسْلَمُ منها أحدٌ

(6)

.

حدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميد الآمُليُّ، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن جُوَيبرٍ عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ:{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . قال: هو الخالصُ

(7)

.

(1)

في م: "عون".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2783 من طريق عوف به

(3)

تفسير سفيان ص 229، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2783 (15734).

وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 90 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2783 من طريق حجاج به.

(5)

تفسير عبد الرزاق 2/ 74. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 90 إلى عبد بن حميد.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2783 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2783 من طريق مروان بن معاوية به.

ص: 596

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)} .

يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} : وأُدْنِيتِ الجنةُ وقُرِّبَتْ للمتقين، الذين اتقَوْا عقابَ اللهِ في الآخرةِ، بطاعتِهم إياه في الدنيا،

{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} . يقولُ: وأُظْهِرت النارُ للذين غَوَوْا فَضَلُّوا عن سواءِ السبيلِ.

وقيل للغاوين: [أينَ الذين]

(1)

كنْتُم تَعْبدون من دونِ اللَّهِ من الأنداد؟

{هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ} اليومَ مِنَ اللهِ، فينقِذونكم من عذابِه، {أَوْ يَنْتَصِرُونَ} لأنفسِهم، فيُنَجُّونها مما يُرَادُ بها؟

وقولُه: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} . يقولُ: فرُمِى ببعضِهم في الجحيمِ على بعضٍ، وطُرح بعضُهم على بعضٍ، مُنْكَبِّين على وجوههِم.

وأَصلُ "تُبْكِبوا": كُبِّبُوا، ولكن الكاف كُرَّرَتْ كما قيل:{بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} [الحاقة: 6]. يَعْنى به: صِرَّ. ونَهْنَهنى يُنَهْنِهُنِي. يَعْنى به: نَهَّهَني.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولهَ:{فَكُبْكِبُوا} . قال: فدُهْوِروا

(2)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

(1)

في م: "أينما".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2785 من طريق حجاج به.

ودهوروا: دهور الحائط: دفعه فسقط، والدهورة: جمعك الشيء وقذفك به في مهواة. اللسان (د هـ ر).

ص: 597

قوله: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا} . يقولُ: فجُمِعوا فيها

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا} . قال: طُرِحوا فيها

(2)

فتأويلُ الكلام: فكُتبَ هؤلاءِ الأندادُ التي كانت تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ في الجحيمِ، والغاوون.

وذكر عن قتادةَ أَنَّه كان يقولُ: الغاوون في هذا الموضعِ الشياطينُ.

‌ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه:{فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} . قال: الغاوون الشياطينُ

(3)

.

فتأويلُ الكلامِ على هذا القولِ الذي ذكرْنا عن قتادةَ: فكُبْكِب فيها الكفارُ الذين كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ الأصنامَ، والشياطينُ.

وقولُه: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} . يقولُ: وكُبكب فيها مع الأندادِ والغاوِين جنودُ إبليسَ أجمعون. وجنودُه كلُّ مَن كان مِن تُباعِه؛ من ذرِّيته كان أو مِن ذرّيةِ آدمَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2785 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 90 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2785 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 74. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2786 من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 90 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 598

يقولُ تعالى ذِكرُه: قال هؤلاءِ الغاوون والأندادُ التي كانوا يَعبدونها مِن دونِ اللهِ وجنودُ إبليسَ، وهم في الجحيمِ يختصمون:

{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . يقولُ: تاللهِ لقد كنَّا في ذهابٍ عن الحقِّ

(1)

مُبِينٍ، يَبِينُ ذهابُنا ذلك عنه عن نفسِه، لمن تأمَّله وتدبَّره أنه ضلالٌ وباطلٌ.

وقولُه: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . يقولُ الغاوون للذين

(2)

يعبدونهم مِن دونِ اللَّهِ: تاللَّهِ إنْ كنَّا لفى ذهابٍ عن الحقِّ حينَ نعدِلُكم بربِّ العالمين، فنعبُدُكم مِن دونِه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: لتلك الآلهة.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاءِ الغاوين في الجحيمِ: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} . يَعْنى بالمجرمين إبليسَ وابنَ آدمَ الذي سَنَّ القتلَ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرِمةَ قولَه:{وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} . قال: إبليسُ وابنُ آدمَ القاتلُ

(3)

.

(1)

بعده في م، ت 2، ف:"إن كنا لفي ضلال"، وفى ت 1، ت 2:"بأن كنا لفي ضلال"

(2)

في ص، ت 1، ف:"الذين".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 599

وقولُه: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} . يقولُ: فليس لنا شافعٌ يشفَعُ لنا عندَ اللَّهِ مِن الأباعدِ فيعفوَ عنا ويُنجِّيَنا من عقابِه،

{وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} ، من الأقاربِ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بالشافعين وبالصديقِ الحميمِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالشافعين الملائكةُ، وبالصديقِ الحميم النَّسِيبُ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج:{فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} . قال: مِن الملائكةِ، {وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} قال: مِن الناسِ

(1)

. قال مجاهدٌ: {صَدِيقٍ حَمِيمٍ} . قال: شَفيقٍ

(2)

.

وقال آخرون: كلُّ هؤلاء من بني آدمَ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني زكَريا بنُ يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سعيد البصريُّ المِسْمَعيُّ، عن أخيه يحيى بن سعيدٍ المِسمَعيِّ، قال: كان قتَادةُ إذا قرَأ: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} . قال: يَعْلَمون واللهِ أنَّ الصديق إذا كان صالحًا نفَع، وأن الحميمَ إذا كان صالحًا شفَع

(3)

.

وقولُه: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} يقولُ: فلو أنَّ لنا رجعةً إلى

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

في م، ت 2، وتفسير ابن أبي حاتم:"شقيق".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2786 من طريق حجاج به.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 160.

ص: 600

الدنيا فنؤمنَ باللَّهِ، فنكونَ [بإيماننا به]

(1)

من المؤمنين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: إنَّ فيما احتجَّ به إبراهيمُ على قومِه من الحُجَجِ التي ذكَرنا له، لدَلالةً بينةً [وعبرةً]

(2)

واضحةً لمن اعتَبر، على أنَّ سنةَ اللَّهِ في خلقِه الذين يستَنُّون بسُنَّةِ قومِ إبراهيمَ من عبادةِ الأصنامِ والآلهةِ، ويقتَدون بهم في ذلك - ما سنَّ فيهم في الدارِ الآخرِة، من كَبْكَبَتِهم وما عبَدوا مِن دونِه مع جنودِ إبليسَ في الجحيمِ، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ} في سابقِ علمهِ {مُؤْمِنِينَ} ،

إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لهو الشديدُ الانتقامِ ممن عبَد من

(3)

دونَه، ثم لم يَتُبْ من كفرِه حتى هلَك، الرحيمُ بمن تاب منهم أن يعاقبَه على ما كان سلَف منه قبلَ توبته مِن إثمٍ وجُرمٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ قوم نوح رسلَ اللَّهِ الذين أرسلَهم إليهم لما قال لهم أخوهم نوحٌ:

ألا تتَّقون فتحذروا عقابَه على كفرِكم به، وتكذيبِكم رسلَه،

إنى لكم رسولٌ من الله، أمينٌ على وحيِه إليَّ، برسالتِه إياىَ إليكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110)} .

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"بإيمانه".

(2)

سقط من: م، ت 2.

(3)

سقط من: م، ت 2.

ص: 601

يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عِقَابَ اللَّهِ أَيُّها القومُ على كفرِكم به، وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم باتِّقائِه، {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}. يقولُ: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمرى إياكم باتِّقاءِ عقابِ اللهِ، بطاعتِه فيما أمرَكم ونهاكم - مِن ثوابٍ ولا جزاءٍ، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} دونَكم ودونَ جميعِ خلقِ اللهِ،

فاتقوا عقابَ اللهِ على كفرِكم به، وخافوا حلولَ سخطِه بكم، على تكذيبِكم رسلَه {وَأَطِيعُونِ}. يقولُ: وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم بإخلاصِ العبادةِ لخالقكِم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ نوحٍ له، مُجِيبيه عن قيلِه لهم:{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} . قالوا: أنؤمنُ لك يا نوحُ، ونُقِرُّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبَعَك منا الأَرْذَلون، دونَ ذوى

(1)

الشرفِ وأهلِ البيوتاتِ؟

{قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [قال نوحٌ لقومه: وما علمى بما كان أتباعى يعملون]

(2)

، إنَّما لى منهم ظاهرُ أمرِهم دونَ باطنِه، ولم أُكَلَّفْ عِلْمَ باطنهم، وإنما كُلِّفتُ الظاهرَ، فمن أظهر حسنًا، ظننتُ به حسنًا، ومن أظهر سيِّئًا، ظننتُ به سَيِّئًا،

{إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} . يقولُ: إن حسابُ باطنِ أمرِهم الذي خَفِى عنى إلا على ربِّي لو تشعرون، فإنَّه يعلم سر أمرهم وعلانيته.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ت 2، ف:"أهل".

(2)

سقط من: ت 2، ف.

ص: 602

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قولَه {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ}. قال: هو أعلمُ بما في نفوسِهم

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: وما أنا بطاردِ مَن آمن باللَّهِ وَاتَّبعنى على التصديقِ بما جئتُ به مِن عندِ اللهِ،

{إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} . يقولُ: ما أنا إلا نذيرٌ لكم مِن عندِ ربِّكم، أُنْذِرُكم بأسَه وسطوتَه على كفرِكم به، {مُبِينٌ}. يقولُ: نذيرٌ قد أبانَ لكم إنذارَه، ولم يكتُمْكم نصيحته.

{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} . يقولُ: قال لنوحٍ قومُه: لئن لم تَنْتَه يا نوحُ عما تقولُ وتدعو إليه وتَعِيبُ به آلهتنا، لتكونَنَّ مِن المشتومين. يقولُ: لنشتُمَنَّك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ: ربِّ إن قومى كذَّبوني فيما أتيتُهم به من الحقِّ مِن عندِك، وردُّوا عليَّ نصيحتي لهم،

{فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} . يقولُ: فاحكُمْ بينى وبينَهم حكمًا [من عندك]

(2)

، تُهلكُ به المُبطلَ، وتنتقمُ به ممَّن كفرَ بك، وجحَد توحيدَك، وكذَّب رسولَك.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى ابن المنذر

(2)

سقط من: ت 2، ف.

ص: 603

كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} . قال: فاقضِ بينى وبينَهم قضاءً

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} . قال: يقولُ: اقضِ بينى وبينَهم

(2)

.

{وَنَجِّنِي} : يقولُ: ونجنى من ذلك العذابِ الذي تأتى به حكمًا بيني وبينَهم، {وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. يقولُ: والذين معى مِن أهلِ الإيمانِ بك، والتصديقِ بي

(3)

.

وقولُه: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} . يقولُ: فأنجينا نوحًا ومَن معه مِن المؤمنين، حينَ فَتَحنا بينهم وبينَ قومِهم، وأنزَلْنا بأسَنا بالقومِ الكافِرِين، {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} يَعْنى: في السفينةِ المُوقَرةِ المملوءةِ.

وبنحوِ الذي قُلْنا في [تأويلِ قولِه: {الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}]

(4)

، قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} . قال: يَعْنى المُوقَرَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال:{الْمَشْحُونِ} :

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 74. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2790 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 91/ 5 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره معلقا 8/ 2790.

(3)

في م، ف:"لى"

(4)

في ت 2، ف:"ذلك".

ص: 604

الموقَرِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} . قال: المفروغِ منه المملوءِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الْمَشْحُونِ} : المفروغِ منه تحميلًا.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِ اللهِ:{الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} . قال: هو المُحَمَّلُ

(3)

.

وقولُه: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} [يقولُ: ثم أغْرَقْنا بعد إنجائناه والمؤمنين معه، الباقين]

(4)

مِن قومِه الذين كذَّبوه وردُّوا عليه النصيحةَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: إنّ فيما فعَلْنا يا محمدُ بنوحٍ ومَن معه مِن المؤمنين في الفلكِ المشحونِ، حينَ أنزَلْنا بأسَنا وسطوتَنا بقومِه الذين كذَّبوه - لآيةً لك ولقومِك المصدِّقيك منهم والمكذِّبيك، في أن سُنَّتَنا تنجيهُ رسلِنا وأتباعِهم، إذا نزَلت نقمتُنا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2791 من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 512. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2792. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير عبد الرزاق، 2/ 74، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى عبد بن حميد.

(4)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 605

بالمكذِّبين بهم مِن قومِهم

(1)

، وإهلاكُ المكذِّبين باللهِ، وذلك

(2)

سُنَّتى فيك وفى قومِك. {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} .

يقولُ: ولم يكنْ أكثرُ قومِك بالذين يصدِّقونك؛ لِما سبَق في قضاءِ اللهِ أنَّهم لن يؤمنوا. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} في انتقامِه ممن كفَر به وخالَف أمرَه، {الرَّحِيمُ} الله بالتائبِ منهم أن يعاقبَه بعدَ توبتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: كذَّبَت عادٌ رُسُلَ اللهِ إليهم،

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ} عقابَ اللهِ على كفرِكم به، إنى لكم رسولٌ مِن ربِّي، يأمُرُكم

(3)

بطاعتِه، ويُحذِّرُكم

(4)

على كفرِكم بأسَه،

أمينٌ على وَحْيِه ورسالتِه،

فاتَّقوا الله بطاعتِه والانتهاءِ إلى ما يأمُرُكم وَينْهاكم، وأطيعوني فيما آمُرُكم به مِن اتقاءِ اللهِ وتَحذيرِكم سَطُوتَه،

{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} . يقولُ: وما أطلُبُ منكم على

(5)

أمرِى إياكم باتِّقاءِ اللهِ جزاءً ولا ثوابًا، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}. يقولُ: ما جَزائى وثَوابى على نَصِيحتِى إياكم إلا على ربِّ العالمين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} . والرِّيعُ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"قومك".

(2)

في م: "كذلك".

(3)

في ت 1: "آمركم".

(4)

في ت 1: "أحذركم".

(5)

سقط من: ص، ت 2.

ص: 606

كلُّ مكانٍ مُشْرِفٍ مِن الأَرضِ مرتفعٍ، أو طريقٍ، أو وادٍ. ومنه قول ذى الرُّمَّةِ

(1)

:

طِرَاقُ

(2)

الخَوافي

(3)

مُشْرِفٌ فوقَ ريْعَةٍ

نَدَى لَيْلِه في رِيشِه يَتَرَقْرَقُ

(4)

وقولُ الأعْشَى

(5)

:

ويَهْمَاءَ

(6)

قَفْرٍ تَجَاوَزْتُها

إِذَا خَبَّ

(7)

فِي ريعِها آلُهَا

(8)

وفيه لغتانِ: رِيعٌ ورَيْعٌ، بكسرِ الراءِ وفتحِها

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} . يقولُ: بكلِّ شَرَفٍ

(9)

.

(1)

ديوانه 1/ 488، وفيه:"واقع" بدلا من: "مشرف".

(2)

طراق: أي بعضه على بعض. المصدر السابق.

(3)

الخوافي: ما دون القوادم من جناح الطائر. المصدر السابق ص 489. والقوادم: أربع ريشات في مقدم الجناح، وقيل غير ذلك. ينظر اللسان (ق د م).

(4)

يترقرق: يجئ ويذهب. الديوان ص 489.

(5)

ديوانه ص 163، وروايته هكذا:

وأبيض كالنجم آخيته

وبيداء مطرد آلها

قطعت إذا خب ريعانها

ونطق بالهول أغفالها

(6)

اليهماء: مفازة لا ماء فيها ولا يسمع فيها صوت. اللسان (ى هـ م).

(7)

خب: ارتفع وطال. اللسان (خ ب ب).

(8)

الآل: السراب. اللسان (أول).

(9)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2793 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى ابن المنذر.

ص: 607

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بِكُلِّ رِيعٍ} . قال: فَجٍّ

(1)

.

حَّدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} . قال: بكلِّ طريق

(2)

.

حدَّثني سليمانُ بنُ عُبَيدِ اللهِ الغَيْلانيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} . قال: الرِّيعُ الثَّنِيَّةُ الصغيرةُ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانٍ، عن مسلمٍ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عكرمةُ: {بِكُلِّ رِيعٍ} . قال

(4)

: فَجٍّ ووادٍ.

قال: وقال مجاهدٌ: {بِكُلِّ رِيعٍ} : بينَ جبلَين

(5)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 512 ومن طريقه الفريابي في تفسيره - كما في التغليق 4/ 272 - وابن أبي حاتم في تفسيره، 9/ 2793، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2793 عن محمد بن سعد به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2793 من طريق مسلم بن خالد به.

(4)

بعده في ت 2، ف:"بكل".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2793 من طريق حجاج به.

ص: 608

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} . قال: شَرَفٍ ومنظرٍ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{بِكُلِّ رِيعٍ} . قال: بكلِّ طريقٍ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِكُلِّ رِيعٍ} : بكلِّ طريقٍ

(2)

.

ويعنى بقولِه: {آيَةً} : بُنْيانًا، عَلَمًا.

وقد بَيَّنَّا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا أن الآيةَ هي الدلالةُ والعلامةُ، بالشواهدِ المُغْنِيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ

(3)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في ألفاظِهم في تأويلِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه:{بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً} . قال: الآيةُ عَلَمٌ

(4)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق، 2/ 74 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2793 من طريق همام عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 6/ 122.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 104، 2/ 29.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى المصنف.

ص: 609

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً} . قال: {آيَةً} : بنيانٌ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{آيَةً} : بنيانٌ.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه {بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً}. قال: بنيانُ الحمامِ.

وقولِه: {تَعْبَثُونَ} . قال: تلعَبون.

وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{تَعْبَثُونَ} . قال: تلعَبون

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {تَعْبَثُونَ} . قال: تلعَبون

(3)

.

وقولُه: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} . اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى المصانعِ؛ فقال بعضُهم: هي قصورٌ مُشَيَّدةٌ.

(1)

تقدم تخريجه في ص 608.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2794 من طريق محمد بن سعد به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى المصنف.

ص: 610

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} . قال: قصورٌ مُشَيَّدةٌ، وبنيانٌ مُخَلَّدٌ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{مَصَانِعَ} : قصورٌ مُشَيَّدةٌ وبنيانٌ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن مجاهدٍ، قال:{مَصَانِعَ} . يقولُ: حصونٌ وقصورٌ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانَ، عن مسلمٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدُونَ} . قال: أبْرِجةُ الحمامِ

(3)

.

وقال آخرون: بل هي مآخِذُ للماءٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مَصَانِعَ} . قال: مآخِذُ للماءِ

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 512 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2794. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 75.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2794 من طريق مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

(4)

تفسير عبد الرزاق، 2/ 74 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2795. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 611

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ: إن المصانعَ جمعُ مَصْنَعةٍ. والعربُ تُسَمِّى كُلَّ بناءٍ مَصْنَعةً، وجائزٌ أن يكونَ ذلك البناءُ كان قصورًا وحُصُونًا مُشَيَّدةً، وجائزٌ أن يكونَ كان مآخِذَ للماءِ، ولا خبرَ يَقْطَعُ العُذْرَ بأيِّ ذلك كان، ولا هو مما يُدْرَكُ مِن جهةِ العقلِ. فالصوابُ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ: إنهم كانوا يَتَّخِذون مصانعَ.

وقولُه: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} . يقولُ: كأنكم تخلُدُون فتَبْقَون في الأرضِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} يقولُ: كأنكم تَخْلُدون

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: في بعضِ الحروفِ: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}

(2)

.

وكان ابن زيدٍ يقولُ: {لَعَلَّكُمْ} في هذا الموضعِ استفهامٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2795 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 74. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2795 من طريق سعيد، عن قتادة وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 91 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 612

{وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} . قال: هذا استفهامٌ، يقول: لعلكم تخلُدون حينَ تَبْنُون هذه الأشياءِ

(1)

؟

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ

(2)

يزعُمُ أن {لَعَلَّكُمْ} في هذا الموضعِ بمعنى: "كيما".

وقولُه: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} . يقولُ: وإذا سَطَوْتُم سَطَوْتُم قتلًا بالسيوفِ، وضَرْبًا بالسِّياطِ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} . قال: القتلُ بالسيفِ والسِّياطِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)}

يقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه مِن عادٍ: اتَّقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ، بطاعتِكم إياه فيما أمَركم ونَهاكم، وانْتَهُوا عن اللَّهْوِ واللَّعِبِ وظُلْمِ الناسِ وقَهْرِهم بالغَلَبةِ والفسادِ في الأرضِ،

واحْذَروا سَخَطَ الذي أعْطاكم مِن عندِه ما تعلَمون،

وأعانَكم به؛ من بين المواشى والبنين

والبساتينِ والأنهارِ.

{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ} مِن اللهِ {عَظِيمٍ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2795 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(2)

هو الفراء في معاني القرآن 2/ 281.

ص: 613

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قالت عادٌ لنبيِّهم هودٍ عليه السلام: مُعْتَدِلٌ عندَنا وَعْظُك إيَّانا وتَرْكُك الوَعْظَ، فلن نؤمنَ لك، ولن نُصَدَّقَك على ما جِئْتَنا به.

وقولُه: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ سوى أبى جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ المتأخرِين منهم:{إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ}

(1)

. بضمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: ما هذا الذي تفعلُه إلا عادةُ الأولين مِن قبلِنا.

وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرِو بنُ العلاءِ: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ)

(2)

. بفتحِ الخاءِ وتسكينِ اللامِ، بمعنى: ما هذا الذي جئتَنا به إلا كَذِبُ الأَوَّلين وأحاديثُهم.

واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نحوَ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما هذا إلا دِينُ الأوَّلين وعادتُهم وأخلاقُهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . يقولُ: دِينُ الأوَّلين

(3)

.

(1)

وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة وخلف. النشر 2/ 252.

(2)

وبها قرأ ابن كثير والكسائى ويعقوب. المصدر السابق.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2797 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور=

ص: 614

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . يقولُ: هكذا خِلْقَةُ الأَوَّلين، وهكذا كانوا يَحْيَوْن ويَموتُون

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كَذِبُ الأوَّلين وأساطيرُهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . قال: أساطيرُ الأوَّلين

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . قال: كَذِبُهم

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . قال: إنْ هذا إلا أمرُ الأوَّلين، وأساطيرُ الأوَّلين اكْتَتَبَها، فهي تُمْلَى

= 5/ 91 إلى ابن المنذر.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 75، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2797.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2797 عن محمد بن سعد به.

(3)

تفسير مجاهد ص 512. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2797، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ابن المنذر.

ص: 615

عليه بكرةً وأصيلًا.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عَلْقمةَ، عن ابن مسعودٍ:{إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . يقولُ: إِنْ هذا إلا اختلاقُ الأوَّلين.

قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرأُ:{إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . ويقولُ: شيء اختَلَقوه

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قال علقمةُ: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . قال: اخْتلاقُ الأَوَّلين.

وأَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} بضَمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: إنْ هذا إلا عادةُ الأوَّلين ودينُهم. كما قال ابن عباسٍ؛ لأنهم إنما عُوتِبوا على البنيانِ الذي كانوا يَتَّخِذونه، وبَطْشِهم بالناسِ بطشَ الجبابرةِ، وقلةِ شُكْرِهم ربَّهم فيما أنعمَ عليهم، فأجابوا نبيَّهم بأنهم يفْعَلون ما يفْعَلون مِن ذلك، احْتذاءٍ منهم سُنَّةَ مَن قبلَهم مِن الأممِ، واقْتفاءً منهم آثارَهم، فقالوا: ما هذا الذي نَفْعَلُه، {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . يَعْنون بالخُلُقِ عادةَ الأَوَّلين. ويزيدُ ذلك بيانًا وتصْحيحًا لما اخْتَرْنا مِن القراءةِ والتأويلِ، قولُهم:{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} ؛ لأنهم

(1)

أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 5/ 91، 92 - ومن طريقه الطبراني (8676)، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2797 من طريق يزيد بن هارون به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 616

لو كانوا لا يُقِرُّون بأن لهم ربًّا يَقْدِرُ على تعذيبِهم، ما قالوا:{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} ، بل كانوا يقولون: إنْ هذا الذي جئتَنا به يا هودُ إلا خَلْقُ الأَوَّلين، وما لنا مِن مُعَذِّبٍ يُعذِّبُنا. ولكنهم كانوا مُقِرِّين بالصانعِ، ويعبُدون الآلهةَ على نحوِ ما كان مُشركو العرب يَعْبُدونها، ويقولون: إنها تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى. فلذلك قالوا لهودٍ وهم منكرون نُبُوَّتَه: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعلُه إلا عادةُ مَن قَبْلَنا وأخلاقُهم، وما اللهُ مُعَذِّبَنا عليه. كما أخبَرنا تعالى ذكرُه عن الأممِ الخاليةِ قبلَنا أنهم كانوا يقولون لرُسُلِهِم:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23].

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فكذَّبَت عادٌ رسولَ ربِّهم هُودًا. والهاءُ في قولِه: {فَكَذَّبُوهُ} مِن ذكرِ هودٍ {فَأَهْلَكْنَاهُمْ} . يقولُ: فَأَهْلَكْنا عادًا بتكْذيبِهم رسولَنا، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً}. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ فِي إِهْلاكِنا عادًا بتكذيبِها رسولَها، لعبرةً وعظةً

(1)

لقومِك يا محمدُ، المُكَذِّبِيك فيما أتيتَهم به مِن عندِ ربِّك، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}. يقولُ: وما كان أكثرُ مَن أهْلَكنا، بالذين يؤمِنون في سابقِ علمِ اللهِ،

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} في انتقامِه مِن أعدائِه، {الرَّحِيمُ} بالمؤمنين به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ

(1)

في م: "موعظة".

ص: 617

صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ ثمودُ رسلَ اللهِ،

إذ دعاهم صالحٌ أخوهم إلى اللهِ، فقال لهم: ألا تتَّقون عقابَ اللهِ يا قومِ على معصيتِكم إياه، وخلافِكم أمْرَه، بطاعتِكم أمرَ المفسدين في أرضِ اللهِ،

إنى لكم رسولٌ من اللهِ أرسلَنى إليكم بتحذيرِكم عقوبتَه على خلافكم أمرَه، أمينٌ على رسالتِه التي أرسلَها معى إليكم

(1)

.

فاتَّقوا الله أَيُّها القومُ، واحذرُوا عقابَه، وأطيعوني في تحذيرِى إيَّاكم، وأمرِ ربِّكم، باتباعِ طاعتِه، {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر} .

يقولُ: وما أسألُكم على نُصحى إيَّاكم وإنذارِكم، من جزاءٍ ولا ثوابٍ، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}. يقولُ: إِنْ جزائي

(2)

وثوابي إلَّا على ربِّ جميعِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، وما بينَهما من خلْقٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ

(3)

(149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150)}.

يقولُ تعالى ذكرُهُ مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: أيَتْركُكم يا قومِ ربُّكم في هذه الدنيا آمِنين، لا تخافون شيئًا،

{فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} . يقولُ: في بساتينَ وعيونِ ماءٍ،

{وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} : يعنى بالطَّلعِ الكُفُرَّى

(4)

.

(1)

في ص، ت 2:"إليهم".

(2)

في ت 2، ف:"أجرى".

(3)

في ت 1، ت 2:"فرهين". وهما قراءتان سيذكرهما المصنف في ص 621.

(4)

الكفرى: هو ما يبدو من ثمرة النخيل في أول ظهورها، وقشره. ينظر التاج (ط ل ع).

ص: 618

واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {هَضِيمٌ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: اليانعُ النضيجُ.

‌ذكرُ مَنْ قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} . يقولُ: أَيْنَعَ وبلَغ، فهو هضيمٌ.

وقال آخرون: بل هو المتَهشِّم المتفتِّتُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} . قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: تهشَّم هشيمًا. وقال الحارثُ: تهشَّم تهشُّمًا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عبد الكريمِ يقولُ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} . قال: حينَ تَطْلُعُ يَقْبِضُ عليه فيَهْضِمُه. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ:

(1)

في ت 1، ت 2، ف:"تهشيما".

والأثر في تفسير مجاهد ص 512، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 272 - وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2802. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى عبد بن حميد.

ص: 619

إذا مُسَّ تَهَشَّم وتفَتَّت. قال: هو مِن الرُّطَب هضيمٌ، تَقْبِضُ عليه فتَهْضِمُهُ

(1)

.

وقال آخرون: هو الرَّطَبُ الليِّنُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه:{وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} . قال: الهضيمُ الرَّطْبُ الليِّنُ

(2)

.

وقال آخرون: هو الراكبُ بعضُه بعضًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {طَلْعُهَا هَضِيمٌ} : إذا كثُر حَمْلُ النخلةِ، فركِب بعضُه

(3)

بعضًا، حتى نقَص بعضُه (2) بعضًا، فهو حينَئِذٍ هَضيمٌ

(4)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ الهضيمَ هو المُنْكَسِرُ من لينِه ورُطوبتِه، وذلك من قولِهم: هضَم فلانٌ فلانًا

(5)

حقَّه. إذا انْتَقَصه وتحَيَّفه، فكذلك الهَضْمُ في الطَّلْعِ، إنما هو التنقُّصُ منه مِن رطوبتِه ولينِه، إما بمسِّ الأيدى، وإما بركوبِ بعضِه بعضًا، وأصلُه "مفعولٌ"، صُرِف إلى "فعيلٍ".

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2802 من طريق حجاج به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2801 من طريق أبى الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى سعيد بن منصور.

(3)

في ص، م، ت 1:"بعضها".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2802 من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى عبد بن حميد.

(5)

سقط من: م.

ص: 620

وقوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وتَتَّخِذون مِن الجبالِ بيوتًا.

فاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {فَارِهِينَ} ؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: {فَارِهِينَ}

(1)

بمعنى: حاذِقين بنحتِها.

وقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (فَرِهِين) بغيرِ ألفٍ

(2)

، بمعنى: أَشِرِين بَطِرِين.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معنى {فَارِهِينَ} : حاذِقِين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ وعبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ:{وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} . قال أحدُهما: حاذِقين. وقال الآخرُ: يَتَجَبَّرون

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} . قال: حاذِقين بنحتِها.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَارِهِينَ} . يقولُ: حاذِقين

(4)

.

(1)

هي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد 472.

(2)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع. المصدر السابق.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2802 من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى الفريابي عن أبي صالح، وإلى الفريابي وعبد بن حميد عن عبد الله بن شداد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2802 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =

ص: 621

وقال آخرون: معنى {فَارِهِينَ} : مُسْتَفْرِهِين مُتَجَبِّرين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [قال: ثنا سفيانُ]

(1)

، عن السديِّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ في قولِه:{فَرِهِينَ} . قال: يَتَجَبَّرون.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ {فَارِهِينَ} .

وقال آخرون ممن قرَأه: {فَارِهِينَ} : معنى ذلك: كَيِّسِين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَارِهِينَ} . قال: كيِّسين

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، أنه قرأَ:{فَارِهِينَ} . قال: كيِّسِين.

وقال آخرون: (فَرِهين): أَشِرِين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} . قال: أَشِرِين، ويقالُ: كيِّسين

(3)

.

= 5/ 92 إلى ابن المنذر.

(1)

سقط من: ت 2، ف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2803 من طريق جويير، عن الضحاك.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2803 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور =

ص: 622

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{بُيُوتًا فَارِهِينَ} . قال: شَرِهين

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه.

وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياءُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِين). قال: الفَرِهُ القويُّ

(2)

.

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبّرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:(فَرِهين). قال: مُعْجَبِين بصنعتِكم

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن قراءةَ مَن قرَأه: {فَارِهِينَ} وقراءةَ من قرَأه: (فَرِهين) قراءتان معروفتان، مُسْتَفِيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في علماءِ القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

= 5/ 92 إلى عبد بن حميد.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2802 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره الطوسى في التبيان 8/ 45، والقرطبي في تفسيره 13/ 129.

(3)

في م، ت 1:"بصنيعكم".

والأثر في تفسير عبد الرزاق، 2/ 75، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2803 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 623

ومعنى قراءةِ منَ قرَأه: {فَارِهِينَ} : حاذِقين بنحتِها، مُتَخَيِّرين لمواضعِ نحتِها، كيِّسين. مِن الفَراهةِ.

ومعنى قراءةِ مَن قرَأه: (فَرِهين): مَرِحين أَشِرِين. وقد يَجوزُ أن يكونَ معنى "فارِهِ" و "فَرِهٍ" واحدًا، فيكونَ "فارهٌ"

(1)

مبنيًّا على بيانِه

(2)

، وأصلُه من "فَعِلَ""يَفْعَلُ"، ويكونَ "فَرِهٌ" صفةً، كما يقالُ: فلانٌ حاذقٌ بهذا الأمرِ، وحَذِقٌ. ومِن الفارهِ بمعنى المَرِحِ

(3)

قولُ الشاعرِ عديِّ بن وداعٍ

(4)

العُقَويَّ

(5)

مِن الأزْدِ

(6)

:

لا أَسْتَكِينُ إِذا ما أَزْمةٌ أَزَمَتْ

ولن تَرانى بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ

(7)

أي: مرحَ اللَّببِ

(8)

.

وقولُه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ على معصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَه، وأطِيعوني في نصيحتِي لكم، وإنذارى إياكم عقابَ اللهِ، تَرْشُدوا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153)}

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: لا تطيعوا أيُّها القومُ

(1)

في م: "فارما".

(2)

في م: "بنائه".

(3)

في ت 2: "الفره".

(4)

في م واللسان: "وادع". وينظر معجم الشعراء ص 85.

(5)

في م، واللسان:"العوفى". وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 88 العُقويّ من العقاة بن عمرو بن مالك بن فهم.

(6)

البيت في مجاز القرآن، 2/ 89، واللسان (ف ر هـ).

(7)

في م، واللسان:"الطلب".

(8)

في م: "الطلب".

ص: 624

أمرَ المسرفين على أنفسِهم، في تمادِيهم في معصيةِ اللهِ، واجترائِهم على سَخَطِه،

وهم الرهْطُ التسعةُ الذين كانوا يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، من ثمودَ، الذين وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقوله:{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [النمل: 48]. يقولُ: الذين يسعَون في أرضِ اللهِ بمعاصيه، {ولا يُصلِحون}. يقولُ: ولا يُصلِحون أنفسَهم بالعملِ بطاعةِ اللهِ.

وقولُه: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضهم: معناه: إنما أنت من المسحورين.

‌ذكرُ مَنْ قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} . قال: من المسحورين

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قوله:{إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} . قال: إنما أنت من المسحورين

(2)

.

وقال آخرون: معناه: من المخلوقين.

(1)

تفسير مجاهد ص 513، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 273، وابن أبي حاتم في تفسيره 280. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 75، ولفظه: الساحرين. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى عبد بن حميد.

ص: 625

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ

(1)

، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} . قال: من المخلوقين

(2)

.

واختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى معنى ذلك؛ فكان بعضُ أهل البصرةِ

(3)

يقولُ: كلُّ مَنْ أكَل مِن إنسٍ أو دابةٍ فهو مسحَّرٌ؛ وذلك لأنَّ له سَحْرًا يَقْرِى

(4)

ما أكَل فيه. واستَشهد على ذلك بقولِ لَبيدٍ

(5)

:

فإِنْ تَسْأَلينا فيمَ نَحْنُ فَإِنَّنا

عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأنامِ المُسَحَّرِ

وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين

(6)

نحوَ هذا، غيرَ أنه قال: أُخِذ من قولِك: انْتَفَخ سَحْرُك. أي: إِنَّك تأكلُ الطعامَ والشرابَ، فتُسَحَّرُ به وتُعَلَّلُ. وقال: معنى قولِ لبيدٍ: مِن هذا الأنامِ المسحَّرِ: من هذا الأنامِ المعلَّلِ المخدوعِ. قال: ويُروى أن السَّحْرَ

(7)

من ذلك؛ لأنه كالخديعةِ.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي ذكرتهُ عن ابن عباسٍ؛ أن معناه: إنما أنتَ من المخلوقين الذين يُعلَّلون بالطعامِ والشرابِ مثلَنا، ولستَ ربًّا ولا

(1)

في ص، ت 2، ف:"عمر"، وفى م:"عمرو "وفى ت 1، ت 3:"عمران". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 4/ 6.

(2)

أخرجه الخطيب في تاريخه 10/ 423، وابن عساكر في تاريخه 23/ 71 من طريق موسى بن عمير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 89، وينظر ما تقدم في 14/ 612، 613.

(4)

أي: يجمع.

(5)

تقدم هذا البيت في 14/ 612.

(6)

هو الفراء في معاني القرآن 2/ 282.

(7)

في ص، ت 1، ت 2:"الساحر".

ص: 626

ملَكًا فنُطيعك ونعلمَ أنك صادقٌ فيما تقولُ. والمسحَّرُ: المفعَّلُ من السَّحْرةِ، وهو الذي له سَحْرَةٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ ثمودَ لنبيِّها صالحٍ: {مَا أَنْتَ} يا صالحُ {إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} من بنى آدمَ، تأكلُ مما نأكل، وتَشْرَبُ مما نَشْربُ، ولستَ بربٍّ ولا ملَكٍ، فعلامَ نَتَّبِعُك؟ فإن كنتَ صادقًا في قيِلك، وأنَّ الله أَرسَلك إلينا، {فَأْتِ بِآيَةٍ}. يعنى: بدلالةٍ وحجةٍ على أنك محقٌّ فيما تقولُ، إن كنتَ ممن صدَقَنا في دعواه أن الله أرسَلَه إلينا.

وقد حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكِلابيُّ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى الفراتِ، قال: ثنا عِلباءُ بنُ أحمرَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، أن صالحًا النبي صلى الله عليه وسلم بعثَه اللهُ إلى قومِه، فآمَنوا به واتبَعوه، فمات صالحٌ، فرَجعوا عن الإسلامِ، فأتاهم صالحٌ فقال لهم: أنا صالحٌ. قالوا: إن كنتَ صادقًا فأتِنا بآيةٍ. فأتاهم بالناقةِ، فكذَّبوه وعقروها، فعذَّبهم الله

(1)

.

وقولُه: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} . يقول تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لثمودَ، لمَّا سألوه آيةً يعلَمون بها صِدْقَه، فأتاهم بناقةٍ أخرَجها من صخرةٍ أو هَضْبةٍ: هذه ناقةٌ يا قومِ، لها شِرْبُ يومٍ ولكم مِثْلُه شِرْبُ يومٍ آخر معلومٍ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1511 من طريق داود بن أبى الفرات به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 92 إلى ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت".

ص: 627

ما لكم مِن الشَّرْبِ ليس لكم في يومِ وِرْدِها أن تشربوا من شِرْبِها شيئًا، ولا لها أن تشربِ في يومِكم مما لكم شيئًا.

ويعنى بالشَّرْبِ الحظِّ والنصيبَ من الماءِ. يقولُ: لها حَظَّ مِن الماءِ، ولكم مِثْلُه. والشُّرْبُ والشَّرْبُ والشِّرْبُ مصادرُ كلُّها، بالضمِّ والفتحِ والكسرِ. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: آخِرُها أقلُّها شُرْبًا، وشِرْبًا

(1)

.

وقولُه: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} . يقولُ: لا تَمَسُّوها بما يُؤْذِيها مِن عَقْرٍ وقتلٍ ونحوِ ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه:{وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} : لا تَعْقِروها.

وقولُه: {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . يقولُ: فيَحِلَّ بكم مِن اللهِ عَذابُ يومٍ عظيمٍ عذابُه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فخالَفت ثمودُ أمرَ نبيِّها صالحٍ صلى الله عليه وسلم فعقروا الناقةَ التي قال لهم صالحٌ: لا تَمَسُّوها بسُوءٍ. فأصبَحوا نادِمِين على عَقْرِهموها، فلم يَنْفَعُهم

(1)

هذا مثلٌ، أصله في سقى الإبل؛ لأن المتأخر عن الورود ربما جاء وقد مضى الناس بعفوة الماء، أي صفوته، وربما وافق منه نفادا، فكن في أول من يُورد، فليس تأخير الورد إلا من العجز والذل. مجمع الأمثال 1/ 69.

ص: 628

نَدَمُهم، وأَخَذَهم عذابُ اللهِ الذي كان صالحٌ تَوَعَّدهم به، فأَهْلَكهم، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً}. يقولُ: إِنَّ في إهْلاكِ

(1)

ثمودَ بما فعَلَت مِن عَقْرِها ناقةَ اللهِ، وخلافِها أمرَ نبيِّ اللهِ صالحٍ - لَعِبْرة لمن اعْتَبَر به يا محمدُ مِن قومِك، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}. يقولُ: ولن يؤمنَ أكثرُهم في سابقِ علم اللهِ،

{وَإِنَّ رَبَّكَ} يا محمدُ {لَهُوَ الْعَزِيزُ} في انتقامِه مِن أعدائه، {الرَّحِيمُ} بمَن آمَن به مِن خَلْقِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت قومُ لوطٍ مَن أرسَله اللهُ إليهم مِن الرُّسُلِ،

حينَ قال لهم أخوهم لوطٌ: ألَا تَتَّقون الله أيُّها القومُ،

إنى لكم رسولٌ مِن ربِّكم، أمينٌ على وَحْيِه وتَبْليغِ رسالتِه،

فاتَّقوا الله في أنفسِكم، أن يَحِلَّ بكم عقابُه

(2)

على تَكْذيبِكم رسولَه، وأطيعوني فيما دعَوْتُكم إليه، أهْدِكم سبيلَ الرشادِ،

{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} . يقولُ: وما أسألُكم على نَصيحتى لكم ودعايتكم

(3)

إلى ربِّى، جزاءً ولا ثوابًا، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}. يقولُ: ما جَزائي على دعايتكم

(3)

إلى الله، وعلى نُصْحِى لكم، وتَبليغِ رسالاتِ اللَّهِ إِليكم، {إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)} .

يعنى بقولِه: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} : أتَنْكِحون الذُّكْرانَ مِن بني آدمَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف:"إهلاكهم".

(2)

في ت 2: "عذاب الله".

(3)

في ت 2: "دعايتكم".

ص: 629

في أدبارِهم.

وقولُه: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} . يقولُ: وتَدَعُون الذي خلَق لكم ربُّكم من أزْواجِكم مِن فُرُوجِهِنَّ، فأحَلَّه لكم. وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ:(وتَذَرُونَ ما أَصْلَحَ لكم رَبُّكُم مِنْ أَزْوَاجِكم)

(1)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} . قال: ترَكْتُم أَقبالَ النساءِ إلى أدْبارِ الرجالِ وأدبارِ النساءِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

وقولُه: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} . يقولُ: بل أنتم قومٌ تَتَجاوَزُون

(3)

ما أباحَ لكم ربُّكم وأحَلَّه لكم مِن الفُرُوجِ، إلى ما حرَّم عليكم منها.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} . قال: قومٌ مُعْتَدون

(4)

.

(1)

مختصر الشواذ لابن خالويه ص 109.

(2)

تفسير مجاهد ص 513، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2808، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 93 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر.

(3)

في ت 2، ف:"تجاوزون".

(4)

في ت 1: "تعتدون".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 93 إلى ابن المنذر.

ص: 630

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ لوطٍ له: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ} عن نَهْيِنا عن إتيانِ الذكرانِ، {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} مِن بين أَظْهُرِنا وبلدِنا،

{قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} . يقولُ لهم لوطٌ: إنى لعَمَلِكم الذي تعمَلونه؛ مِن إتْيانِ الذكرانِ في أدْبارِهم، {مِنَ الْقَالِينَ}. يعنى: مِن المُبْغِضِين، المُنْكِرِين فعلَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فاستغاث لوطٌ حينَ توعَّدَه قومُه

(1)

بالإخراجِ من بلدِهم، إن هو لم يَنْتَهِ عن نَهْيِهم عن ركوبِ الفاحشةِ، فقال:

ربِّ نجِّني وأهلي مِن عُقُوبَتِك إياهم على ما يعمَلون من إتْيانِ الذُّكْرانِ. فنجَّنياه وأهله مِن عُقُوبتِنا التي عاقَبْنا بها قومَ لوطٍ أجمعين،

{إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ} . يعنى: في الباقِين؛ لِطُولِ مرورِ السنينَ

(2)

عليها، فصارتْ هَرِمَةً، فإنها أُهْلِكت من بين أهلِ لوطٍ؛ لأنها كانت تدلُّ قومَها على الأضْيافِ.

وقد قيل: إنما قيل: {مِنَ الْغَابِرِينَ} [الأعراف:83]. لأنها لم تَهْلِكْ مع قومِها في قريتِهم، وأنها إنما أصابَها الحَجَرُ بعدَ ما خرَجَت من قريتِهم مع لوطٍ وابنتَيه، فكانت مِن الغابرِين بعدَ قومِها، ثم أهلَكها اللهُ بما أمطَر على بَقايا قومِ لوطٍ مِن الحجارةِ.

وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بشواهدِه المغْنِيةِ عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(3)

.

(1)

بعده في ت 1، ت 2، ت 3:"به".

(2)

في ص، ت 2:"الناس".

(3)

ينظر ما تقدم في 10/ 304 وما بعدها.

ص: 631

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)} .

يقولُ

(1)

تعالى ذكرُه: ثم أهلَكْنا الآخَرِين مِن قومِ لوطٍ بالتَّدْمِيرِ،

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} . وذلك إرسالُ اللهِ عليهم حجارةً من سجِّيلٍ من السماءِ، {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ}. يقولُ: فبئسَ ذلك المطرُ مطرُ القومِ الذين أنذَرهم نبيُّهم فكذَّبوه،

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إهْلاكِنا قومَ لوطٍ الهلاكَ الذي وصَفْنا؛ بتَكْذيبِهم رسولَنا، لعبرةً وعظةً

(2)

لقومِك يا محمدُ، يَتَّعِظون بها في تَكْذيبِهم إيَّاك، وردِّهم عليك ما جئتَهم به من عندِ ربِّك من الحقِّ، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} سابقِ علمِ اللهِ،

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} بمَنْ آمَن به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {كَذَّبَ أَصْحَابُ [الْأَيْكَةِ} . والأَيْكَةُ]

(3)

: الشَّجَرُ المُلتَفُّ، وهى واحدةُ الأَيْكِ، وكلُّ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ فهو عندَ العربِ أَيْكَةٌ، ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ

(4)

:

تَجْلُو بِقادِمَتَىْ حَمَامَةِ أَيْكَةٍ

بَرَدًا أُسِفَّ لِثَاتُه بالإثْمِدِ

وأصحابُ الأيْكةِ هم أهلُ مَدْيَنَ فيما ذُكِر.

(1)

في ص، ت 2:"يعني".

(2)

في م، ت 1:"موعظة".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"الغيطة و".

(4)

ديوانه ص 36.

ص: 632

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، [قال: ثنا أبو صالحٍ]

(1)

، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} . يقولُ: أصحابُ الغَيْضَةِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} . قال: الأَيْكَةُ مجمعُ الشجرِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} . قال: أهلُ مَدْيَنَ، والأيكةُ المُلْتَفُّ مِن الشجرِ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} . قال: الأيكةُ الشجرُ

(5)

، بعَث اللهُ إِليهم شُعَيْبًا؛ إلى قومِه

(6)

أهلِ مدينَ وإلى أهلِ الباديةِ. قال: وهم أصحابُ لَيْكَةِ، ولَيْكَةُ والأَيْكَةُ واحدٌ

(7)

.

وقولُه: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

في ص، ت 1، ت 2:"الغيطة".

والأثر ذكره في التغليق 4/ 273 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2810 من طريق أبي صالح به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2810 عن محمد بن سعد به.

(4)

ينظر ما تقدم تخريجه في 14/ 101.

(5)

بعده في ص، ت 1:"بعث الله إليهم شعيبا وكانوا أهل بادية".

(6)

بعده في م: "من".

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2810 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 633

قال لهم شعيبٌ: ألَا تَتَّقون عقابَ اللهِ على معصيتِكم ربَّكم،

إنى لكم مِن اللهِ رسولٌ أمينٌ على وَحْيِه،

فاتَّقُوا عقابَ اللهِ على خلافِكم أمرَه، وأطيعوني تَرْشُدُوا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وما أسألكم على نُصْحِى لكم مِن جَزاءٍ ولا ثوابٍ، ما جَزائي وثَوابى على ذلك إلَّا على ربِّ العالمين،

{أَوْفُوا الْكَيْلَ} . يقولُ: أَوْفُوا الناسَ حقوقَهم من الكَيْلِ، {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ}. يقولُ: ولا تَكونوا ممن يَنْقُصُهم حقوقَهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183)} .

يعنى بقولِه: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ} : وزِنُوا بالميزانِ المستقيمِ، الذي لا بَخْسَ فيه على مَن وَزَنتُم له،

{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} . يقولُ: ولا تَنْقُصوا الناسَ حقوقَهم في الكَيْلِ والوزنِ، {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. يقولُ: ولا تُكْثِروا في الأرضِ الفسادَ.

وقد بَّيَّنَّا ذلك كلَّه بشواهدِه، واختلاف أهلِ التأويلِ فيه، فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هضا الموضع

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187)} .

(1)

ينظر ما تقدم في 10/ 310 وما بعدها.

ص: 634

يقولُ تعالى ذكره: واتَّقوا أيُّها القومُ عقابَ ربِّكم الذي خَلَقَكم وخَلَق الجِبِلَّة الأَوَّلين يعنى بالجِبلَّةِ الخَلْقَ الأوَّلِين.

وفي الجِبِلَّةِ للعربِ لغتان؛ كسرُ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللامِ، وضَمُّ الجيمِ والباءِ وتشديدُ اللام، فإذا نُزِعَت الهاءُ من آخِرها كان الضمُّ في الجيمِ والباءِ أكثرَ، كما قال جلّ ثناؤُه:(ولقد أضَلَّ منكم جُبُلًا كَثِيرًا)

(1)

. وربما سَكَّنوا الباءَ من "الجبل"، كما قال أبو ذُؤَيبٍ

(2)

:

مَنايا يُقَرِّبْنَ الحُتُوفَ لِأَهْلِها

جهارًا ويَسْتَمْتِعْنَ بالأَنَسِ الجبْلِ

وبنحوِ ما قلنا في معنى "الجِبِلَّةِ" قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} . يقولُ: خَلْقَ الأَوَّلِين

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} . قال: الخَلِيقةَ

(4)

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالْجِبِلَّةَ

(1)

سيأتي الكلام عن هذه القراءة في 19/ 472.

(2)

ديوان الهذليين 1/ 38.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2813 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 93 إلى ابن المنذر.

(4)

تفسير مجاهد ص 513، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2813، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 93 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 635

الْأَوَّلِينَ}. قال: الخَلْق الأَوَّلين؛ الجِبِلَّةُ الخلقُ

(1)

.

وقولُه: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} . يقولُ: قالوا: إنما أنت يا شعيبُ مُعَلَّلٌ، تُعَلَّلُ بالطعامِ والشرابِ، كما نُعَلَّلُ بهما، ولستَ مَلَكًا،

{وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} تأكُلُ وتشربُ، {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ}. يقولُ: ومَا نَحسَبُك فيما تُخبِرُنا وتَدْعونا إليه، إلا ممن يَكْذِبُ فيما يقولُ، [فإن كنتَ صادقًا فيما تقولُ]

(2)

بأنك رسولُ اللهِ كما تزعُمُ،

(فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا

(3)

مِنَ السَّمَاءِ). يعنى: قِطَعًا مِن السماءِ. وهى جمعُ كِشفَةٍ، جُمِع كذلك كما تُجمَعُ تمرةٌ تَمْرًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{كِسَفًا} . يقولُ: قِطَعًا

(4)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} : جانِبًا مِن السماءِ

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} . قال: ناحيةً مِن السماءِ، عذابٌ، ذلك الكِسَفُ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2813 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

سقط من: ت 2، ف.

(3)

تقدم الكلام عن هذه القراءة وترجيح المصنف لسكون السين في 15/ 80.

(4)

تقدم تخريجه في 15/ 161، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 23/ 75، 76 من طريق آخر عن ابن عباس مطولًا.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2814 من طريق أبي معاذ به.

ص: 636

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} . يقولُ: بأعمالِهم، هو بها مُحِيطٌ، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم بها جزاءَكم، {فَكَذَّبُوهُ}. يقولُ: فَكَذَّبه قومُه، {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} . يعنى بالظُّلَّةِ سحابةً ظَلَّلَتْهم

(1)

، فلما تَتامُّوا تحتَها، الْتَهَبت عليهم نارًا وأَحْرَقَتْهم. وبذلك جاءتِ الآثارُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بن مُعاويةَ في قولِه:{فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} . قال: أصابَهم حَرٌّ أَقْلَقَهم في بُيُوتِهم، فنَشَأتْ لهم سحابةٌ كهيئةِ الظُّلَّةِ، فابْتَدَروها، فلما تَنامُّوا تحتَها أَخَذَتْهم الرَّجْفَةُ

(2)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ في قولِه:{عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} . قال: كانوا يَحْفِرون الأشرابَ ليَتَبَرَّدوا فيها، فإذا دخَلوها وجَدوها أشدَّ حرًّا من الظاهرِ، وكانت الظُّلَّةُ سَحابةً.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع قتادةَ يقولُ: بُعِث شعيبٌ إلى أُمَّتَين؛ إلى قومِه أهلُ مَدْيَنَ، وإلى أصحابِ الأَيْكَةِ،

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"ظلتهم".

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 23/ 77، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد، عن علقمة قوله. ثم أشار إلى رواية سفيان.

ص: 637

وكانت الأَيْكَةُ مِن شجرٍ مُلْتَفٍّ، فلما أرادَ اللهُ أَن يُعَذِّبَهِم بِعَثَ عليهم حرًّا شديدًا، ورفَع لهم العذابَ كأنه سحابةٌ، فلما دَنَتْ منهم خرَجوا إليها رجاءَ بَردِها، فلما كانوا تحتَها مطَرَت عليهم نارًا. قال: فذلك قولُه: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ}

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثني سعيدُ بنُ زيدٍ أخو حمادِ بنُ زيدٍ، قال: ثنا حاتمُ بنُ أبي صغيرةَ، قال: ثنى يزيدُ الباهليُّ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . فقال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: بعثَ اللهُ عليهم وَمَدَةً

(2)

وحَرًّا شديدًا، فَأَخَذ بأَنْفاسِهم، فدخَلوا البيوتَ، فدخَل عليهم أجوافَ البيوتِ، فأخَذ بأنْفاسِهم، فخرَجوا مِن البيوتِ هِرَابًا إلى البرِّيَّةِ، فبعَث اللهُ عليهم سحابةً، فأظَلَّتْهم مِن الشمسِ، فوجَدوا لها بَرْدًا ولَذَّةً، فنادى بعضُهم بعضًا، حتى إذا اجتمَعوا تحتَها، أرسَلها اللهُ عليهم نارًا. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: فذلك عذابُ يومِ الظَّلَّةِ، {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَوْمِ الظُّلَّةِ} . قال: إظْلالُ العذابِ إياهم

(4)

.

(1)

أخرجه الحاكم 2/ 569 من طريق ابن وهب به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2815 من طريق سعيد بن بشير، عن قتادةَ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 94 إلى عبد بن حميد.

(2)

الوَمَد والوَمَدَة: ندى يجئ في صميم الحر من قبل البحر مع سكون ريح. وهو ما يعبر عنه اليوم بالرطوبة. ينظر اللسان والمعجم الوسيط (و م د).

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 171 عن المصنف، وأخرجه الحاكم 2/ 568، 569 من طريق الحسن بن موسى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2815، وابن عساكر في تاريخه 23/ 76، 77 من طريق حاتم بن أبي صغيرة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2814، 2815 من طريق يزيد بن ضمرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 93، 94 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

تفسير مجاهد ص 513، ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح 8/ 497 - وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2816، والحاكم 2/ 569، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 94 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 638

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} . قال: أَظَلَّ العذابُ قومَ شُعَيبٍ.

قال ابن جُرَيجٍ: لمَّا أنزَل اللهُ عليهم أولَ العذابِ، أخَذهم منه حرٌّ شديدٌ، فرفَع اللهُ لهم غَمامةً، فخرَج إليها طائفةٌ منهم ليَسْتَظِلُّوا بها، فأصابَهم منها رَوْحٌ وبَرَدٌ وريحٌ طيبةٌ، فصَبَّ اللهُ عليهم مِن فوقِهم مِن تلك الغَمامةِ عذابًا، فذلك قولُه:{عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} .

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرِ بن راشدٍ، قال: ثنى رجلٌ من أصحابِنا، عن بعضِ العلماءِ، قال: كانوا عَطَّلوا حَدًّا، فوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، ثم عَطَّلوا حَدًّا، فَوَسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، فجعَلوا كلما عَطَّلوا حَدًّا وسَّع اللهُ عليهم في الرزقِ، حتى إذا أرادَ اللهُ إهْلاكَهم، سَلَّط عليهم حَرًّا، لا يستطيعون أن يَتَقارُّوا، ولا ينفعُهم ظلٌّ ولا ماءُ، حتى ذهَب ذاهِبٌ منهم فاستَظلَّ تحتَ ظُلَّةٍ، فوجَد رَوْحًا، فنادَى أصحابَه: هَلُمُّوا إلى الرَّوْحِ. فذهَبوا إليه سِراعًا، حتى إذا اجتمعوا أَلْهَبَهَا اللهُ عليهم نارًا، فذلك عذابُ

(1)

يومِ الظُّلَّةِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، [عن عامرٍ]

(3)

، عن ابن عباسٍ، قال: مَن حدَّثك مِن العلماءِ ما عذابُ يومِ الظُّلَّةِ فكَذَّبْه

(4)

.

(1)

في ص، ت 2، ف، ونسخة من تفسير عبد الرزاق:"عذابه".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 75 عن معمر به، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2817.

(3)

سقط من: م.

(4)

أخرجه الحاكم 2/ 569 من طريق أبي حمزة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2815 من طريق جابر به.

ص: 639

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} : قومُ شعيبٍ، حبَس اللهُ عنهم الظلَّ والريحَ، فأصابهم حرٌّ شديدٌ، ثم بعَث اللهُ لهم سحابةً فيها العذابُ، فلما رأَوُا السحابةَ انطلَقوا يؤمُّونها، زعموا يَستَظِلُّون، فاضْطَرمتْ

(1)

عليهم نارًا فأهلَكتهم

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . قال

(3)

: بعثَ اللهُ إليهم ظُلَّةً من سحابٍ، وبعَث إلى الشمسِ فأحرَقت ما على الأرضِ، فخرَجوا كلُّهم إلى تلك الظُّلةِ، حتى إذا اجتمعوا كلُّهم، كشَف اللهُ الظُّلةَ، وأحمَى عليهم الشَّمس، فاحتَرقوا كما يَحترِقُ الجرادُ في المِقلَى

(4)

.

وقولُه: {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن عذابَ يومِ الظُّلةِ كان عذابَ يومٍ لقومِ شُعيبٍ عظيمٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ في تعذيبِنا قومَ شُعيبٍ عذابَ يومِ الظلةِ؛ بتكذيبِهم نبيَّهم شُعيبًا، لآيةً لقومِك يا محمدُ، وعبرةً [لمن اعتبرَ]

(5)

، إِنِ اعْتبَرُوا أَنَّ سنَّتَنا فيهم بتكذيبِهم إيَّاك، سنتُنا في أصحابِ الأَيْكةِ، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ

(1)

في ت 2: "فأضرت".

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 23/ 74، 75 بسند جويبر، إلى الضحاك.

(3)

بعده في ت 2: "يوم".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2817 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(5)

سقط من: ت 2، ف.

ص: 640

مُؤْمِنِينَ} في سابقِ علِمنا فيهم،

{وَإِنَّ رَبَّكَ} يا محمدُ، {لَهُوَ الْعَزِيزُ} فِي نِقمتِه ممن انتَقَم منه مِن أعدائِه، {الرَّحِيمُ} بمن تاب مِن خلقِه، وأناب إلى طاعتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ربِّ العالمين.

والهاءُ في قولِه: {وَإِنَّهُ} . كنايةُ "الذكرِ" الذي في قولِه: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الشعراء: 5]

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَنْ قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: هذا القرآنُ

(1)

.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} . فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: {نَزَلَ بِهِ} . مخففةً، و {الرُّوحُ الْأَمِينُ} رفعًا

(2)

. بمعنَى: أَنَّ الروحَ الأمينَ هو الذي نزَل بالقرآنِ على محمدٍ، وهو جبريلُ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلُ الكوفةِ: (نَزَّلَ) مشددةَ الزايِ، (الرُّوحَ الأَمِينَ) نصبًا

(3)

. بمعنَى: أنَّ ربَّ العالمين نزَّل بالقرآنِ الروحَ الأمينَ، وهو جبريلُ عليه السلام.

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 76 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2817، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 94 إلى عبد بن حميد.

(2)

هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحفص. السبعة لابن مجاهد ص 473.

(3)

وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وأبى بكر. المصدر السابق.

ص: 641

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إنهما قراءتان مُسْتفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبنا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أن الروحَ الأمينَ إِذْ نزَل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم بالقرآنِ، لم ينزِلْ به إلا بأمرِ اللهِ إياه بالنُّزولِ، ولن يَجْهَلَ أن ذلك كذلك ذو إيمانٍ باللهِ، وأن الله إِذا أَنزَله به نزَل.

وبنحوِ الذي قلنا في أن المعنيَّ بالرُّوحِ الأمينِ في هذا الموضعِ جبريلُ، قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} . قال: جبريلُ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} . قال: جبريلُ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال:{الرُّوحُ الْأَمِينُ} : جبريلُ

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {الرُّوحُ الْأَمِينُ} . قال: جبريلُ

(4)

.

وقولُه: {عَلَى قَلْبِكَ} . يقولُ: نزَل به الرُّوحُ الأمينُ فتَلَاه عليك يا محمدُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 94 إلى المصنف.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 388، 2/ 76.

(3)

ينظر التبيان 8/ 56، وتفسير ابن كثير 6/ 171.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2817 معلقًا.

ص: 642

حتى وَعَيْتَه بقلبِك.

وقولُه: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} . يقولُ: لتكونَ مِن رُسُلِ اللهِ الذين كانوا يُنْذِرون مَن أُرْسِلوا إليه من قومِهم، فتُنْذِرَ بهذا التنزيلِ قومَك المكذِّبِين بآياتِ اللهِ.

وقولُه: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} . يقولُ: لتُنْذِرَ قومَك بلسانٍ عربيٍّ، {مُبِينٍ} يَبِينُ لمَن سمِعه أنه عربيٌّ، وبلسانِ العربِ نزَل.

والباءُ مِن قولِه: {بِلِسَانٍ} . من صلةِ قولِه: {نَزَلَ} . وإنما ذكَر تعالى ذكرُه أنه نزَّل هذا القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ في هذا الموضعِ، إعْلامًا منه مُشْرِكى قريشٍ أنه أنزَله كذلك؛ لئلا يقولوا: إنه نزَل بغيرِ لسانِنا، فنحنُ إِنما نُعرِضُ عنه ولا نسمعُه؛ لأنَّا لا نفهَمُه. وإنما هذا تقريعٌ لهم، وذلك أنه تعالى ذكرُه قال:{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]. ثم قال: لم يُعْرِضوا عنه

لأنهم لا يفهَمون مَعانيَه، بل يفهَمونها؛ لأنه تنزيلُ ربِّ العالمين، نزَّل به الروحُ الأمينُ بلسانِهم العربيِّ، ولكنهم أعرَضوا عنه تَكْذيبًا به واسْتكبارًا، {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الشعراء: 6]. كما أتَى هذه الأمم التي قَصَصْنا نبأَها في هذه السورةِ حينَ كَذَّبَت رُسُلَها، أنباءُ ما كانوا به يُكَذِّبون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201)} .

في م: "عنهم".

(1)

ص: 643

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا القرآنَ {لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} . يعنى: في كُتُبِ الأوَّلين. وخرَج مَخْرَجَ العمومِ، ومعناه الخصوصُ، وإنما هو: وإنَّ هذا القرآنَ لفى بعضِ زُبُرِ الأَوَّلين. يعنى أن ذكرَه وخبرَه في بعضِ ما أُنزِل من الكتبِ على بعضِ رُسُلِه.

وقولُه: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يكنْ لهؤلاء المُعْرِضين عمَّا يَأْتِيك يا محمدُ مِن ذكرٍ من ربِّك، دَلالةً على أنك رسولُ ربِّ العالمِين، أن يعلمَ حقيقةَ ذلك وصحَته علماءُ بنى إسرائيلَ.

وقيل: عُنِي بعلماءِ بنى إسرائيلَ في هذا الموضعِ، عبدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، ومَن أشْبَهَه، ممن كان قد آمَن برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن بني إسرائيلَ في عصرِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} . قال: كان عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ من علماءِ بنى إسرائيلَ، وكان مِن خيارِهم، فآمَن بكتابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقال لهم اللهُ:{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وخيارُهم

(1)

!

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2820 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 94 إلى ابن مردويه.

ص: 644

في قولِه: {عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} . قال: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه

(1)

مِن علمائِهم

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً} . قال: محمدٌ، {أَنْ يَعْلَمَهُ}. قال: يعرِفَه، {عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} .

قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: علماءُ بني إسرائيلَ: عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وغيرُه مِن علمائِهم.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} . قال: أوَ لم يكنِ النبيُّ

(3)

{آيَةً} : علامةً، أن علماءَ بنى إسرائيلَ كانوا يعلَمون أنهم كانوا يَجِدونه مكتوبًا عندَهم

(4)

!

وقولُه: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولو نزَّلنا هذا القرآنَ على بعضِ البهائمِ التي لا تَنْطِقُ.

وإنما قيل: {عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} . ولم يَقُلْ: على بعضِ الأعْجَمِيِّين؛ لأن العربَ تقولُ - إذا نَعَتَتِ الرجلَ بالعُجْمةِ، وأنه لا يُفصِحُ بالعربيةِ -: هذا رجلٌ

(1)

في ت 2: "غيرهم".

(2)

تفسير مجاهد ص 514، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2819، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 94 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "للنبي".

(4)

تفسير عبد الرزاق 2/ 76، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2820، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 94 إلى ابن المنذر.

ص: 645

أعْجَمُ. وللمرأةِ: هذه امرأةٌ عجماءُ. وللجماعةِ: هؤلاء قومٌ عُجْمٌ وأَعْجَمُون. وإذا أُريد به

(1)

هذا المعنى وُصِف به العربيُّ والأعْجَميُّ

(2)

؛ لأنه إنما يعنى أنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، وقد يكونُ كذلك وهو مِن العربِ. ومِن هذا المعنى قولُ الشاعرِ

(3)

:

مِن وَائِلٍ لا حَيَّ يَعْدِلُهم

مِن سُوقَةٍ عَرَبٌ ولا عَجَمُ

فأما إذا أُريدَ به نسبةُ الرجلِ إلى أصلِه من العَجَمِ، لا وصفُه بأنه غيرُ فصيحِ اللسانِ، فإنه يقالُ حينَئذٍ: هذا رجلٌ عَجَمِيٌّ، وهذان رَجُلان عَجَمِيَّان، وهؤلاء قومٌ عَجَمٌ. كما يقالُ: عربيٌّ، وعَرَبيَّان، وقومٌ عَرَبٌ. وإذا قيل: هذا رجلٌ أَعْجَميٌّ

(4)

. فإنما نُسِب إلى نفسِه كما يقالُ للأحمرِ: هذا أَحْمَرِيٌّ ضخمٌ. وكما قال العجاجُ

(5)

:

والدَّهْرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ

ومعناه: دَوَّارٌ. فَنَسَبه إلى فعلِ نفسِه.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى، قال: كنتُ واقفًا إلى جَنْبِ عبدِ اللهِ بن مُطِيعٍ بِعَرَفةَ، فتَلا هذه الآية:{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} . قال: لو نزَل على بَعِيرى هذا فتكلَّم به، ما آمَنوا به - لقالوا: لولا فُصِّلَتْ آيَاتُه، حتى يَفْقَهَه عربيٌّ

(1)

سقط من: ص، م، ف.

(2)

في ت 2: "العجمي".

(3)

التبيان 8/ 57.

(4)

في ت 2: "أعجم".

(5)

ديوانه ص 310.

ص: 646

وعجميٌّ - لو فعَلنا ذلك.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ مُطِيعٍ واقفًا بعرفةَ، فقرأ هذه الآيةَ:{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ} . قال: فقال: جَمَلِى هذا أعجمُ، فلو أُنزِل على هذا ما كانوا به مُؤمنين

(1)

.

ورُوِى عن قتادةَ في ذلك ما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ:{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} . قال: لو أنزَله اللهُ أعْجَمِيًّا، كانوا أخسَّ

(2)

الناسِ به؛ لأنهم لا يعرِفون العَجَميَّةَ

(3)

.

وهذا الذي ذكَرناه عن قتادةَ قولٌ لا وجهَ له؛ لأنه وجَّه الكلامَ إلى أن معناه: ولو نزَّلْناه أَعْجَمِيًّا. وإنما التنزيلُ: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} . يعنى: ولو نَزَّلْنا هذا القرآنَ العربيَّ على بهيمةٍ مِن العَجَمِ أو بعضِ ما لا يُفْصِحُ. ولم يَقُلْ: ولو نزَّلناه أعجميًّا. فيكونُ تأويلُ الكلامِ ما قالَه.

وقولُه: {فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ} . يقولُ: فقرَأ هذا القرآنَ على كفارِ قومِك يا محمدُ، الذين حَتَمْتُ عليهم ألَّا يؤمِنوا - ذلك الأعجمُ:{مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} . يقولُ: لم يكونوا ليؤمِنوا به؛ لِما قد جرَى لهم في سابقِ علمى مِن الشَّقاءِ. وهذا تَسْليةٌ مِن اللهِ نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن قومِه؛ لئلا يَشْتَدَّ وَجُدُه بإدْبارِهم

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2820 من طريق داود بن أبي هند به.

(2)

في م: "أخسر".

(3)

في م، ت 1:"بالعجمية".

والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 76، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2820 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 95 إلى عبد بن حميد.

ص: 647

عنه، وإعْراضِهم عن الاستماعِ لهذا القرآنِ؛ لأنه كان صلى الله عليه وسلم شديدًا حِرْصُه

(1)

على قَبُولِهم منه، والدُّخولِ فيما دَعاهم إليه، حتى عاتَبه ربُّه على شدَّةِ حِرْصِه على ذلك منهم، فقال له:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]. ثم قال مُؤْيِسَه مِن إيمانِهم، وأنهم هالِكون ببعضِ مَثْلَاتِه، كما هلَك بعضُ الأممِ الذين قَصَّ عليهم قَصَصَهم في هذه السورةِ:{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} يا محمدُ لا عليك، فإنك رجلٌ منهم، ويقولون لك: ما أنت إلا بشرٌ مِثْلُنا، وهَلَّا نزَل به مَلَكٌ. فقرَأ ذلك الأعجمُ عليهم هذا القرآنَ، ولم يَكُنْ لهم عِلَّةٌ يدفَعون بها أنه حقٌّ، وأنه تنزيلٌ مِن عندى ما كانوا به، مُصَدَّقين، فخَفَّضْ مِن حِرْصِك على إيمانِهم به. ثم وكَّد تعالى ذكرُه الخبرَ عما قد حَتَمَ على هؤلاء المشركين الذين آيَسَ نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم مِن إيمانِهم - من الشَّقاء والبَلاءِ، فقال: كما حَتَمْنا على هؤلاء أنهم لا يؤمِنون بهذا القرآنِ، {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} ، فقرَأه عليهم:{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ} التكذيبَ والكفرَ {فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} .

ويعنى بقولِه: "سَلَكْنا": "أدخَلْنا"

(2)

.

والهاءُ في قولِه: {سَلَكْنَاهُ} . كنايةٌ مِن ذكرِ قولِه: {مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} . كأنه قال: كذلك أدخَلْنا في قلوبِ المُجرمين تركَ الإيمانِ بهذا القرآنِ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:

(1)

في ت 2، ف:"حرصهم".

(2)

في ت 2، ف:"دخلنا".

ص: 648

{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ} . قال: الكفرَ {فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ}

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}

(2)

.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ

(3)

بنُ أبي الزَّرقاءِ، عن سفيانَ، عن حُمَيدٍ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ:{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} . قال: خَلَقناه.

قال: ثنا زيدٌ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن حُمَيدٍ، قال: سألتُ الحسنَ في بيتِ أبي خليفةَ عن قولِه: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} . قال: الشِّرْكَ، سَلَكه في قلوبِهم

(4)

.

وقولُه: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} . يقولُ: فعَلنا ذلك بهم لئلا يصدِّقوا بهذا القرآنِ حتى يَرَوُا العذاب الأليمَ في عاجلِ الدنيا، كما رأتْ ذلك الأممُ الذين قَصَّ اللهُ قصصَهم في هذه السورةِ.

ورُفِع قولُه: {لَا يُؤْمِنُونَ} ؛ لأن العربَ مِن شَأْنِها إذا وضَعَت في موضعٍ مثلَ هذا الموضعِ "لا"، ربَّما جزَمَت ما بعدَها، وربما رفَعَت. فتقولُ: رَبَطْتُ الفرسَ لا تَنْفَلِت، وأحكَمْتُ العِقْدَ لا يَنْحَلّ. جزمًا ورفعًا. وإنما تفعلُ ذلك لأن تأويلَ ذلك: إن لم أُحْكِمِ العِقْدَ انحلَّ. فجزْمُه على التأويلِ، ورفْعُه بأن الجازمَ غيرُ ظاهرٍ.

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 8/ 58.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2821.

(3)

في ت 2، ف:"يزيد".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 95 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 649

ومِن الشاهدِ على الجزمِ في ذلك قولُ الشاعرِ

(1)

:

لو كُنتَ إذ جئْتَنا حاولتَ رُؤْيتَنا

أو جِئْتَنا ماشِيًا لا يُعْرَفِ الفرسُ

وقولُ الآخرِ

(2)

:

لَطالَما حَلَّأْتُماها

(3)

لا تَرِدْ

فَخَلِّيْاها والسِّجالَ تَبْتَرِدْ

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فيأتي هؤلاء المُكذِّبين بهذا القرآنِ العذابُ الأليمُ {بَغْتَةً} . يعنى فجأةً، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}. يقولُ: لا يعلَمون قبلَ ذلك بمَجيئِه حتى يَفْجَأَهم بَغْتَةً،

{فَيَقُولُوا} حينَ يأتِيهم بَغْتَةً: {هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} . أي: هل نحن مُؤَخَّرٌ عَنَّا العذابُ، ومُنْسَأٌ في آجالِنا لنتوبَ ونُنِيبَ إِلى اللهِ مِن شِرْكِنا وكفرِنا باللهِ، فنُراجِعَ الإيمانَ به ونُنِيبَ إلى طاعتِه؟

وقولُه: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أفبعذابِنا هؤلاء المشركون يَسْتعجِلون، بقولِهم: لن نؤمنَ لك حتى تُسْقِطَ السماءَ كما زعمت علينا كِسَفًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم جاءَهم العذابُ الذي كانوا يُوعَدون على كفرِهم

(1)

البيت في معاني القرآن للفراء 2/ 284.

(2)

البيتان في اللسان (ب ر د، ح ل أ).

(3)

حلّأ الإبل والماشية عن الماء تحليئا وتحلئة: طردها أو حبسها عن الورود ومنعها أن ترده. اللسان (ح ل أ).

ص: 650

بآياتِنا، وتكْذيبِهم رسولَنا، {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ}. يقولُ: أَيَّ شيءٍ أغنَى عنهم التأخيرُ الذي أخَّرْنا في آجالِهم، والمتاعُ الذي مَتَّعْناهم به مِن الحياةِ، إذ

(1)

لم يُتوبوا مِن شِرْكِهم؟ هل زادَهم تَمتِيعُنا إياهم ذلك إلا خبالًا، وهل نَفَعهم شيئًا؟ بل ضَرَّهم بازديادِهم مِن الآثامِ واكْتسابِهم من الأجرامِ ما لو لم

(2)

يُمَتَّعوا لم يَكْتَسِبوه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} . إلى قولِه: {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} . قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومَا أَهْلَكْنا مِن أهلِ

(4)

قريةٍ من هذه القرى التي وَصَفت

(5)

في هذه السورةِ

(6)

، {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ}. يقولُ: إلا بعدَ إرسالِنا إليهم رسلًا يُنذِرونهم بأسَنا على كفرِهم، وسُخْطَنا عليهم. {ذِكْرَى}. يقولُ: إلا لها مُنذِرون يُنذِرونهم، تذكرةً لهم وتنبيهًا لهم على ما فيه النجاةُ لهم من عذابِنا.

ففى "الذكرى"

(7)

وجهان مِن الإعرابِ؛ أحَدُهما النَّصْبُ على المصدَرِ مِن

(1)

في ت 2، ف:"إن".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ق 2، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2823 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(4)

سقط من: م.

(5)

في ص، ت 1، ت 2:"وصف".

(6)

في م: "السور"، وبعده في ت 2:"يقول".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"الذكر".

ص: 651

الإنذارِ، على ما بيَّنتُ. والآخَرُ، الرفعُ على الابتداءِ، كأنه قِيلَ: ذكرى.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن مجاهدٍ: عن مجاهدٍ: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى} . قال: الرسلُ

(1)

.

قال ابن جريجٍ: وقولُه: {ذِكْرَى} . قال: الرسلُ.

وقولُه: {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} . يقولُ: وما كنا ظالِميهم في تعذيبِناهم وإهلاكِهم؛ لأنا إنما أهلَكناهم إذ عَتَوْا علينا، وكفَروا نعمتَنا، وعبَدوا غيرَنا، بعدَ الإعذارِ إليهم

(2)

والإنذارِ، ومتابعةِ الحُجَجِ عليهم بأن ذلك لا ينبغى لهم

(3)

أن يفعَلوه، فأَبَوْا إلا التماديَ في الغيِّ.

وقولُه: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما تَنَزَّلت بهذا القرآنِ الشياطينُ على محمدٍ، ولكنه يَنزلُ به الرُّوحُ الأمينُ. {وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ}. يقولُ: وما ينبغى للشياطينِ أن يَتنزَّلوا

(4)

به عليه، ولا يصلُحُ لهم ذلك، {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ}. يقولُ: وما يستطيعون أن يَتنزَّلوا به؛ لأنهم لا يَصِلون إلى استماعِه في المكانِ الذي هو به من السَّماءِ، {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2824 من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 95 إلى ابن المنذر.

(2)

في م، ت 1:"عليهم".

(3)

سقط من م.

(4)

في م: "ينزلوا".

ص: 652

يقولُ: إن الشياطينَ عن سمع القرآنِ مِن المكانِ الذي هو به من السماءِ لمعزولون، فكيف يستطيعون أن يتنزَّلوا به!

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} . قال: هذا القرآنُ.

وفي قولِه: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} . قال: عن سمعِ السماءِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه، إلا أنه قال: عن سمعِ القرآنِ.

والقرأةُ مجمعةٌ على قراءةِ: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} بالتاءِ

(2)

ورفعِ النونِ؛ لأنها نونٌ أصليةٌ. واحدُهم شيطانٌ، كما واحدُ البَساتِين بُسْتانٌ.

وذُكِر عن الحسنِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما تَنَزَّلَت به الشَّياطُونَ) بالواوِ

(3)

.

وذلك لحنٌ، ويَنْبَغى أن يكونَ ذلك إن كان صحيحًا عنه، أن يكونَ توَهَّم أن ذلك نظيرُ المسلمين والمؤمنين، وذلك بعيدٌ مِن هذا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)} .

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 77، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2824 من طريق سعيد، عن قتادة.

(2)

بعده في ف: "والنون".

(3)

وبها قرأ الأعمش وابن السميقع. تفسير القرطبي 13/ 142، والبحر المحيط 7/ 46.

ص: 653

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {فَلَا تَدْعُ} يا محمدُ، {مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} . أي

(1)

: لا تَعْبُدُ معه معبودًا غيرَه، {فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} . فَيَنْزِلَ

(2)

بك من العذابِ ما نزَل بهؤلاء

(3)

الذين خالَفوا أمرَنا وعبَدوا غيرَنا.

وقولُه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وأَنْذِرْ عشيرتَك من قومِك الأقرَبين إليك قرابةً، وحذِّرْهم مِن عذابِنا أن يَنْزِلَ بهم

(4)

بكفرِهم.

وذُكِر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت بدَأ ببنى جدِّه عبدِ المطلبِ وولدِه، فحذَّرهم وأَنْذَرَهم.

‌ذكرُ [الروايةِ بذلك]

(5)

حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يا صفيةُ بنتَ عبدِ المطلبِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، إنى لا أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، سَلُوني مِن مالى ما شئْتُم"

(6)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثني أَبِي ويونسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بنحوِه

(7)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"أن".

(2)

في ت 1: "فننزل"، وفى ف:"فنزل".

(3)

بعده في ت 2: "القوم".

(4)

في ت 2: "عليهم".

(5)

في ت 2، ف:"من قال ذلك".

(6)

أخرجه الترمذى (3184) عن أحمد بن المقدام به.

(7)

أخرجه أحمد 6/ 136، 187 (الميمنية)، ومسلم (205)، والنسائى (3650)، وأبو عوانة 1/ 295، =

ص: 654

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قام النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: "يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، ويا صفيةُ ابنةَ عبدِ المطلبِ". ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن المِقْدامِ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سَلَامةُ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثنى الزهريُّ، قال: قال سعيدُ بنُ المسيبِ و [أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ]

(2)

: إن أبا هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ أُنْزِل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} : "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، [لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ]

(3)

شيئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ، لا أُغْنِى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، [يا فاطمةُ بنتَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنى عنكِ مِن اللهِ شيئًا]

(4)

، سَلينى ما شِئْتِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا"

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا أبو اليَمانِ، قال: أخبَرنا شعيبٌ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ أُنْزِل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قال: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ". ثم ذكَر نحوَ حديثِ يونُسَ، عن

= وابن حبان (6548) وابن منده في الإيمان (945 - 947)، والبغوي (3743) من طريق وكيع - وعند بعضهم عن وكيع ويونس بن بكير - به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 95 إلى ابن مردويه.

(1)

ذكره الترمذى عقب الحديث (3184)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 95 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

(2)

في ت 2: "سلمة بنت عبد الرحمن".

(3)

سقطت من: ت 2.

(4)

سقط من: ت 1.

(5)

أخرجه أبو عوانة 1/ 94، 95، والطحاوى في شرح المعانى 3/ 285، 286، 4/ 388 عن يونس بن عبد الأعلى به.

ص: 655

سَلَامةَ، غير أنه زاد فيه: "يا

(1)

صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا". ولم يَذْكُرْ في حديثِه فاطمةَ

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: ثنا سَلَامةُ بنُ رَوْحٍ، قال: قال عُقَيْلٌ: ثني ابن شهابٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما أُنْزِل عليه:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . جمعَ قريشًا، ثم أتاهم، فقال لهم:"هل فيكم غريبُ؟ ". فقالوا: لا، إلا ابنَ أختٍ لنا، لا نَراه إلا منا. قال:"إنه منكم". فوعَظَهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثم قال لهم في آخرِ كلامِه:"لا أَعْرِفَنَّ ما ورَد عليَّ الناسُ يومَ القيامةِ يَسُوقون الآخرةَ، وجئُتُم إليَّ تَسُوقون الدنيا".

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ، عن ابن شهابٍ، أخبَرنى سعيدُ بنُ المسيبِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ أُنْزِل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} : "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَروا أنفسَكم مِن اللهِ، لا أُغْنى عنكم مِن الله شيئًا، يا بني عبدِ المطلبِ، لا أُغْنى عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِى عنك مِن اللهِ شيئًا، يا صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِى عنكِ مِن اللهِ شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، سَلِينى ما شئتِ، لا أُغْنى عنك مِن اللهِ شيئًا"

(3)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ الحجاجَ يُحَدِّثُ عن عبدِ الملكِ بن عميرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما أنْزَل اللهُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قال نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يا معشرَ قريشٍ،

(1)

سقط من: ت 2، ف.

(2)

أخرجه الدارمي 2/ 300، والبخارى (2753، 4771)، وابن منده في الإيمان (942)، والبيهقي في الدلائل 2/ 176، والبغوى (3744) من طريق أبي اليمان به، وأخرجه النسائي (3649) من طريق شعيب به.

(3)

أخرجه أبو عوانة 1/ 94، 95، والطحاوى في شرح المعانى 3/ 286، 4/ 388، وابن منده (941) من طريق يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه مسلم (206)، والنسائى (3648)، وابن حبان (6549)، والبيهقى في الشعب (7021) من طريق ابن وهب به.

ص: 656

أنْقِذوا

(1)

أنفسَكم من النار، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أَنْقِذى

(2)

نفسَك مِن النارِ، إلَّا أن لكم رحمًا سأَبُلُّها

(3)

ببِلالِها".

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . دَعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قريشًا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، يا معشرَ بني كعبِ بن لُؤَيٍّ، يا معشرَ بني عبدِ مَنَافٍ، يا معشرَ بني هاشمٍ، يا معشرَ بني عبدِ المطلبِ - يقولُ لكُلِّهم - أنْقِذُوا

(4)

أنفسَكم مِن النارِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أنْقِذى نفسَك مِن النارِ، فإني واللهِ ما أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، إلَّا أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِها"

(5)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمانَ، عن زُهَيرِ بن عمرٍو وقبِيصةَ بن مُخارقٍ، أنهما قالا: أنزَل اللهُ على نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . فحُدِّثْنا عن نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أنه عَلا صخرةً مِن جبلٍ، فَعَلا أَعْلَاها حَجَرًا، ثم قال: "يا آلَ عَبْدِ مَنَافَاهْ، يا صَبَاحَاهْ، إني نذيرٌ، إن مَثَلِى ومَثَلَكم مَثَلُ رجلٍ أتَى الجيشَ، فخَشِيَهم علَى

(1)

في ص، ت 2:"أبعدوا".

(2)

في ص، ت 2:"أبعدى".

(3)

في ص، ت 1، ف:"فأنا بالها"، وفى ت 2:"سأيلها". وسأبلها أي: أصِلُها. والبلال: الماء. ومعنى الحديث سأصِلُها. شُبهت قطيعةُ الرحم بالحرارة، ووصلُها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: بُلُّوا أرحامكم. أي: صِلُوها. صحيح مسلم بشرح النووى 3/ 80.

(4)

في ص، ت 2، ف:"أبعدوا".

(5)

أخرجه أحمد في المسند 14/ 341 (8726)، وأبو عوانة 1/ 94، وابن منده (937) من طريق زائدة به. وأخرجه أحمد 14/ 128 (8402)، والبخارى في الأدب (48)، ومسلم 204، والترمذى (3185)، والنسائى (3646)، والطحاوى في شرح المعانى 3/ 285، 4/ 387، وابن حبان (646)، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2825، والبيهقى في الدلائل 2/ 177، وابن منده (933 - 936، 938 - 940) من طريق عبد الملك به.

ص: 657

أهْلِه، فذهَب يَرْبَؤُهم

(1)

، فخَشِيَ أَن يَسْبِقوه إلى أَهْلِهِ، فَجَعَل يَهْتِفُ بهم: يا صَبَاحَاهُ". أو كما قال

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامة بن زُهَيرٍ، قال: بَلَغني أنه لمَّا نزَل على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} كما جاء فوضَع إصْبَعَه في أُذُنِه، ورفَع مِن صوتِه، وقال:"يا بني عبدِ منافٍ، وَاصَبَاحَاهُ"

(3)

.

قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن قَسَامَةَ بن زُهَيْرٍ، قال: أَظُنُّه عن الأشعريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوِه.

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا أبو زيدٍ الأنصاريُّ سعد بنُ أوسٍ، عن عوفٍ، قال: قال قَسَامةُ بنُ زُهَيرٍ: حدَّثنى الأشعريُّ، قال: لمَّا نزلَت. ثم ذكَر نحوَه، إلَّا أنه قال: وضَع إصْبَعَيه في أُذُنَيه

(4)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"يرباهم". ويربؤهم: يحفظهم ويتطلع لهم، ويقال لفاعل ذلك: ربيئة.

وهو العين والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلا يدهمهم العدو، ولا يكون في الغالب إلا على جبل أو شرف أو شيء مرتفع؛ لينظر إلى بُعد. صحيح مسلم بشرح النووى 3/ 82.

(2)

أخرجه مسلم (207)، والنسائى في الكبرى (10816)، وابن منده (955) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه النسائي في الكبرى (10815، 11379)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1446)، والطبراني 18/ 374 (956) من طريق معتمر به، وأخرجه مسدد كما في الدر المنثور 5/ 95 ومن طريقه الطحاوى 3/ 285، 12/ 387، وابن قانع 10/ 239، والطبراني (5305)، وابن منده (954)، وأحمد 25/ 255 (15914)، 5/ 60، ومسلم (207) 353، والنسائى (10815، 11379) في الكبرى، وأبو عوانة 1/ 92، 93، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2825، والبيهقى في الدلائل 2/ 178، وابن منده (953 - 956) من طريق سليمان التيمى به، وأخرجه ابن قانع 2/ 342 من طريق أبي عثمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى البغوي في معجمه والباوردى وابن مردويه.

(3)

أشار إليه الترمذى في السنن 5/ 317 عقب حديث (3186).

(4)

أخرجه الترمذى (3186) عن عبد الله بن أبي زياد به، وأخرجه أبو عوانة 1/ 94 من طريق عوف به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 95 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

ص: 658

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على الصَّفَا، ثم نادَى:"يا صَبَاحَاهُ". فاجتَمع الناسُ إليه، فبينَ رجلٍ يَجِيءُ، وبينَ آخَرَ يبعَثُ رسولَه، فقال:"يا بني هاشمٍ، يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، يا بنى فِهْرٍ، يا بَنِي، يا بَنِي، أرأَيْتَكُم لو أخبَرْتُكم أن خَيلًا بِسَفْحِ هذا الجبلِ تريدُ أن تُغِيرَ عليكم صَدَّقْتُموني؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تبًّا لكم سائرَ اليومِ، ما دَعَوْتُمونى إلا لهذا؟ فنزلَت:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}

(1)

[المسد: 1].

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صَعِد رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ الصَّفا، فقال:"يا صَباحَاهْ". فاجتَمعَت إليه قريشٌ فقالوا له: ما لَك؟ فقال: "أرأيْتَكُم إن أخْبَرْتُكم أن العدوَّ مُصَبِّحُكم أو مُمَسِّيكم، ألَا كنتُم تُصَدِّقونني؟ ". قالوا: بلى. قال: "فإنى نذيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ألهذا دَعَوْتَنا، أو جَمَعْتَنا؟ فأنزل اللهُ:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد: 1] إلى آخرِ السورةِ

(2)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: (وأنْذِرْ عشيرتَك

(1)

أخرجه البيهقى في الدلائل 2/ 181، 182 من طريق أبى كريب به، وأخرجه أحمد 5/ 17 (2801)، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2825، وابن منده في الإيمان (950) من طريق ابن نمير به.

(2)

أخرجه مسلم (208)، والنسائى في الكبرى (11714)، وابن منده (951) من طريق أبي كريب به، وأخرجه أحمد 4/ 329 (2544)، والبخارى (4801، 4972)، والترمذى (3363)، والبيهقي في الدلائل 2/ 182، والبغوى (3741) من طريق أبى معاوية به.

ص: 659

الأقربين. ورهْطَك منهم المُخْلَصين)

(1)

. خرَج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى صَعِدَ الصَّفا، فهَتَف:"يا صَبَاحاهْ". فقالوا: مَن هذا الذي يَهْتِفُ؟ فقالوا: محمدٌ. فاجتَمَعوا إليه، فقال:"يا بَنى فُلَانٍ، يا بَنِي فُلَانٍ، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ". فاجتَمعَوا إليه، فقال:"أَرَأَيْتَكم إن أَخْبَرْتُكم أن خَيْلًا تخرُجُ بِسَفْحِ هذا الجبلِ أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. قال: "فإني نذيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ما جَمَعْتَنا إلا لهذا؟ ثم قامَ فنزَلت هذه السورةُ:(تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وقَد تبَّ)

(2)

. كذا قرأ الأعمشُ إلى آخرِ السورةِ

(3)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن حبيبٍ، سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . خرَج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقامَ على الصَّفا، فقال:"يا صَبَاحاهْ".

قال: ثنا خالدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على الصَّفَا، فقال:"يا صَبَاحاهْ". فجعَل يُعدِّدُهم: "يا بَنِي فُلَانٍ، ويا بَنى فُلَانٍ، ويا بَنِي عبدِ مَنَافٍ"

(4)

.

(1)

قال الإمام النووى: ظاهر هذه العبارة أن قوله: (ورهطك منهم المخلصين). كان قرآنا أنزل ثم نسخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخارى. صحيح مسلم بشرح النووى 3/ 82. واستشكل ذلك القرطبي في تفسيره 3/ 143 ثم قال: فلم يثبت ذلك نقلا ولا معنى.

(2)

ينظر ما سيأتي في تفسيره هذه الآية من سورة "المسد".

(3)

أخرجه مسلم (208)، وابن منده (955) من طريق أبى كريب به، وأخرجه البخاري (4971)، وأبو عوانة 1/ 92، وابن حبان (6550)، وابن منده (949)، والبيهقى في الدلائل 2/ 181، والبغوى (3742) من طريق أبي أسامة به.

(4)

أخرجه الطبراني (12352)، وابن منده (952) من طريق سفيان به مختصرًا.

ص: 660

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، قال: لمَّا نزَلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قال: أَتَى جَبَلًا فجعَل يَهْتِفُ: "يا صَبَاحاهْ". فأتاه مَن خَفَّ مِن الناسِ، وأرسَل إليه المُتَثاقِلون مِن الناسِ رُسُلًا، فجعَلوا يَجِيئُون يَتَّبِعون الصوتَ، فلما انتهوا إليه قال:"إنَّ منكم مَن جَاءَ ليَنْظُرَ، ومنكم مَن أُرْسِل ليَنْظُرَ مَن الهاتِفُ". فلما اجتَمَعوا وكَثُروا قال: "أَرَأَيْتَكم

(1)

لو أخبَرْتُكم أن خَيْلًا مُصَبِّحتُكم مِن هذا الجبلِ، أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: نعم، ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. فقرَأ عليهم هذه الآياتِ التي أُنْزِلْنَ، وأَنْذَرَهم كما أُمِر، فجَعَل يُنَادِى:"يا قريشُ، يا بني هاشمٍ". حتى قال: "يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، إني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ"

(2)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمرٍو أنه كان يقرأُ:(وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، ورَهْطَكَ المُخْلَصين)

(2)

.

قال: ثنا سلَمَةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الغفارِ بن القاسمِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلِ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} دَعاني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال لي:"يا عليُّ، إِنَّ الله أَمَرَنِى أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرتى الأَقْرَبِين". قال: "فَضِقْتُ بذلك ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أني متى ما أُنادِهم بهذا الأمرِ أَرَ منهم ما أكرَهُ، فصَمَتُّ حتى جاء جبريلُ، فقال: يا محمدُ، إنك إلَّا تَفْعَلْ ما تُؤْمَرُ به يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ. فَاصْنَعْ لنا صاعًا مِن طعامٍ، واجْعَلْ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"أرأيتم".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 97 إلى المصنف.

ص: 661

عليه رِجْلَ شاةٍ، وامْلأْ لنا عُسًّا

(1)

من لبنٍ، ثم اجْمَعْ لى بني عبد المطلبِ حتى أُكَلِّمهم وأبلِّغَهم

(2)

ما أُمِرْتُ به". ففعَلْتُ ما أَمَرَنى به، ثم دعَوْتُهم له، وهم يومَئذٍ أربعون رجلًا، يَزِيدون رجلًا أو ينْقُصونه، فيهم أعمامُه؛ أبو طالبٍ، وحمزةُ، والعباسُ، وأبو لهبٍ، فلمَّا اجْتَمَعوا إليه دعانى بالطعامِ الذي صنَعْتُ لهم، فجئتُ به، فلما وضَعْتُه تَناوَل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِذْيةً

(3)

مِن اللحمِ، فشقَّها، بأسنانِه، ثم ألقاها في نَواحي الصَّحْفة، ثم قال: "خُذوا باسمِ اللهِ. فأكَل القومُ حتى ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، وما [أرَى إلا مواضعَ]

(4)

أيديهم، وايمُ اللهِ الذي نفسُ عليٍّ بيدِه، إن كان الرجلُ الواحدُ لَيَأْكُلُ ما قدَّمْتُ لجميعِهم، ثم قال:"اسْقِ الناسَ". فجئْتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، وايْمُ اللهِ إِن كان الرجلُ الواحدُ منهم لَيَشْرَبُ مثلَه، فلمَّا أراد رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يُكَلِّمَهم، بدَرَه أبو لهبٍ إلى الكلامِ، فقال: لَهَدَّ

(5)

ما سحَرَكم به صاحبُكم. فتفَرَّق القومُ، ولم يُكَلِّمْهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: "الغدَ يا عليُّ، إن هذا الرجلَ قد سبَقَنى إلى ما قد سمِعْتَ مِن القولِ، فتفَرَّق القومُ قبل أن أُكَلِّمَهم، فعدَّ

(6)

لنا مِن الطعامِ مثلَ الذي صنَعْتَ، ثم اجْمَعْهم لى". قال: ففَعَلْتُ، ثم جمَعْتُهم، ثم دعانى بالطعامِ، فقرَّبْتُه لهم، ففعَل كما فعل بالأمسِ، فأكَلوا حتى

(1)

العُس: القدح الكبير. النهاية 3/ 236.

(2)

في م: "بلغهم".

(3)

في ت 1: "جديه"، وفى ت 2:"جذبة"، والحذية هي القطعة الصغيرة. وقيل: ما قطع من اللحم طولًا. ينظر اللسان (ح ذ ى).

(4)

في ت 2: "أدرى إلا موضع".

(5)

في ت 1، ت 2:"لهذا". ولهد: كلمة يتعجب بها. النهاية 5/ 250.

(6)

في م: "فأعد".

ص: 662

ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، ثم قال:"اسْقِهم". فجئتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، ثم تكَلَّم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا بني عبدِ المطلبِ، إني واللهِ لي ما أَعْلَمُ شابًّا في العربِ جاء قومَه بأفضلَ مما جئْتُكم به، إني قد جئْتكم بخيرِ الدنيا والآخرةِ، وقد أمرَنى الله أن أَدْعُوكم إليه، فأيُّكم يُؤَازِرُني على هذا الأمرِ، على أن يكونَ أخى وكذا وكذا؟ ". قال: فأحْجَم القومُ عنها جميعًا، وقلتُ، وإنى لأَحْدَثُهم سنًّا، وأَرْمَصُهم

(1)

عينًا، وأعْظَمُهم بطنًا، وأَحْمَشُهم

(2)

ساقًا: أنا يا نبيَّ اللهِ أكونُ وزيرَك

(3)

. فأخَذ برقبتي، ثم قال:"إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسْمَعوا له وأَطِيعوا". قال: فقام القومُ يَضْحَكون، ويقولون لأبي طالبٍ: قد أمَرَك أن تَسْمَعَ لابنِك وتُطِيعَ

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ بن أبي الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْ

(1)

في ص: "أرمضهم"، وفى ت 1:"أومصهم"، وفى ت 2، ف:"أومضهم". وأرمصهم من الرمص، وهو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان. النهاية 2/ 263.

(2)

في ص، م، ف:"أخمشهم". وفى ت 1، ت 2:"أحمسهم". ورجل حمش الساقين. أي: دقيق الساقين. النهاية 1/ 440.

(3)

بعده في ص، ت 2:"عليه".

(4)

سيرة ابن إسحاق ص 126، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 478، عن المصنف، وأخرجه الطحاوي في شرح المعانى 3/ 284، 285، 4/ 387 مختصرًا، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (331) من طريق سلمة به، وأخرجه البيهقى في الدلائل 2/ 178 - 180 من طريق أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عمن سمع عبد الله بن الحارث به. وقال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم ابن مريم، عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2826 من طريق عبد الله بن الحارث عن علي. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 97 إلى ابن مردويه، وقال ابن كثير في تفسيره 6/ 180: تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه على بن المدينى وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة رحمهم الله.

ص: 663

عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالأبْطَحِ، ثم قال: "يا بني عبد المطلبِ، يا بني عبدِ مَنافٍ، يا بنى قُصَيٍّ - قال: ثم فخَّذ

(1)

قريشًا قبيلةً قبيلةً، حتى مرَّ على آخرهم - إنى أَدْعُوكم إلى اللهِ، وأُنْذِرُكم عذابَه".

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قال: أُمِر محمدٌ أن يُنْذِرَ قومَه ويَبْدَأَ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه، قال:{وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ}

(2)

[الأنعام: 66].

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا صفيةُ بنتَ عبد المطلبِ، اتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ"

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} : بدَأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لَما نزَلَت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} جمَع النبيُّ صلى الله عليه وسلم بنى هاشم، فقال: "يا بني هاشمٍ، ألا [لا أُلْفِيَنَّكم]

(4)

تأْتونى تحْمِلون الدنيا، ويَأتى الناسُ يَحْمِلون الآخرةَ، ألا إن أوليائى منكم المُتَّقون، فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ"

(5)

.

(1)

أي: ناداهم فخذًا فخذًا. وهم أقرب العشيرة إليه. النهاية 3/ 418.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 97 إلى ابن مردويه.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 77. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 95 إلى عبد بن حميد وابن مردويه بنحوه.

(4)

في ت 1: "لألفينكم"، وفى ت 2:"لفينكم".

(5)

تفسير عبد الرزاق 2/ 77.

ص: 664

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ بدأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه. قال: وشَقَّ ذلك على المسلمين، فأنْزَل اللهُ تعالى:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}

(1)

.

وقولُه: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} . يقولُ: وأَلِنْ جانبَك وكلامَكَ {لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: يقولُ: لِنْ

(2)

لهم

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن عصَتْك يا محمدُ عشيرتُك الأقْرَبون، الذين أمَرْتُك بإنذارِهم، وأبَوْا إلا الإقامةَ على عبادةِ الأوثانِ، والإشراكَ بالرحمنِ، فقلْ لهم:{إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} مِن عبادةِ الأصنامِ، ومعصيةِ بارئِ الأنامِ،

{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ} في نقمتِه مِن أعدائِه، {الرَّحِيمِ} بمَن أناب

(4)

إليه، وتاب

(5)

مِن مَعاصِيه، {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} .

[يقولُ: الذي يرَاك حينَ تقومُ]

(6)

إلى صلاتِك.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 98 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، ف، ت 1، ت 2، ف:"لين".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2827 من طريق أصبغ عن ابن زيد، ولفظه: ذلل لهم.

(4)

في ت 1: "تاب".

(5)

في ت 1: "أناب".

(6)

سقط من: ت 2.

ص: 665

وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} . قال: أينَما كنتَ

(1)

.

{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ويَرَى

(2)

تقلبَك في صلاتِك حينَ تقومُ، ثم حينَ

(3)

تَرْكَعُ، وحينَ تَسْجُدُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . يقولُ: قيامَك وركوعَك وسجودَك

(4)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعْتُ أبى وعليَّ بنَ بَذِيمةَ يُحَدِّثان عن عكرمة في قولِه: {يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: قيامَه وركوعَه وسجودَه

(5)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2827 من طريق حجاج به.

(2)

في 2: "نري".

(3)

سقط من: ص، م.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 98 إلى ابن مردويه.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2829 من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 98 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 666

قال عكرمةُ في قولِه: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: قائمًا و [راكعًا وساجدًا]

(1)

وجالسًا

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تقلُّبَك في المُصَلِّين، وإبصارَك منهم مَن خلفَك، كما تُبْصِرُ مَن هو بينَ يديك منهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال

(3)

: كان يَرَى مَن خلفَه، كما يَرَى مَن قُدَّامَه

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: المُصَلِّين، كان يَرَى مَن خلفَه في الصلاةِ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن

(1)

في ص، م، ف:"ساجدًا وراكعًا".

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 77.

(3)

سقط من: م.

(4)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 18/ 347 من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2829، والبيهقى في الدلائل 6/ 74 من طريق قيس، عن مجاهد، بزيادة: الصفوف.

(5)

تفسير مجاهد ص 514 ومن طريق الفريابي - كما في التغليق 4/ 273 - وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2829، وأخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور 5/ 98 - ومن طريقه الحميدي (962)، وابن عبد البر 18/ 347، عن ابن أبي نجيح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 667

مجاهدٍ قولَه: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: المصلِّين. قال: كان يَرَى في الصلاةِ مَن خلفَه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . أي

(1)

: تصرُّفَك معَهم

(2)

؛ في الجلوسِ والقيامِ والقعودِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، [قال: قال]

(3)

ابن جريجٍ: أخبَرني عطاء الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ، قال:{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: [يرَاك وأنت]

(4)

مع الساجدين تَقَلَّبُ وتقومُ وتَقْعُدُ معهم

(5)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: في المصلِّين

(6)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: هو {السَّاجِدِينَ} : المصلِّين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تصرُّفَك في الناسِ.

(1)

في ت 2: "أين".

(2)

في ت 2: "معك".

(3)

في ت 2: "عن".

(4)

في ت 2: "نراك".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 98 إلى المصنف وابن المنذر.

(6)

تفسير عبد الرزاق 2/ 77، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 98 إلى عبد بن حميد.

ص: 668

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال: في الناسِ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرُّفَك في أحوالِك، كما كانت الأنبياءُ من قبلك تَفْعَلُه. والساجدون في قولِ قائلِ هذا القولِ: الأنبياءُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{الَّذِي يَرَاكَ} الآية. قال: كما كانت الأنبياءُ

(2)

قبلَك

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بتأويلِه قولُ مَن قال: تأويلُه: ويَرَى تقلُّبَك مع الساجدين في صلاتِهم معك، حينَ تَقومُ معهم وتَرْكَعُ وتَسْجُدُ. لأن ذلك هو الظاهرُ من معناه.

فأما قولُ مَن وجَّهه إلى أن معناه: وتقلُّبَك في الناسِ. فإنه قولٌ بعيدٌ مِن المفهومِ بظاهرِ التلاوةِ، وإن كان له وجهٌ؛ لأنه وإن كان لا شيءَ إلا وظلُّه يَسْجُدُ للهِ، فإنه ليس المفهومُ مِن قولِ القائلِ: فلانٌ مع الساجدين، أو في الساجدين. أنه مع الناسِ أو فيهم، بل المفهومُ بذلك أنه مع قومٍ سجودٍ

(4)

السجودَ المعروفَ،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2829 من طريق يحيى به.

(2)

بعده في م: "من".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2829 من طريق أبى كريب وابن نمير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 98 إلى ابن المنذر.

(4)

في ف: "سجدوا".

ص: 669

وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأغلبِ أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ.

وكذلك أيضًا في قولِ مَن قال: معناه: تَتَقَلَّبُ في أبصارِ الساجدين. وإن كان له وجهٌ، فليس ذلك الظاهرَ مِن معانيه.

فتأويلُ الكلامِ إذن: وتوَكَّلْ على العزيزِ الرحيمِ، الذي يراك حينَ تقومُ إلى صلاتِك، ويَرَى تقلُّبَك في المُؤْتَمِّين بك فيها، بينَ قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ.

وقولُه: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك هو السميعُ تلاوتَك يا محمدُ، وذِكْرَك في صلاتِك ما تَتْلُو وتَذْكُرُ، العليمُ بما تَعْمَلُ فيها ويَعْمَلُ فيها مَن يَتَقَلَّبُ فيها معك، مُؤْتَمًّا بك. يقولُ: فرتِّلْ

(1)

فيها القرآنَ، وأقِمْ حدودَها، فإنك بمَرْأًى مِن ربِّكَ ومَسْمَعٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: هل أُنَبِّئُكم أيُّها الناسُ على مَن تَنَزَّلُ الشياطينُ مِن الناسِ؟

{تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ} . يعني: كذَّابٍ بَهَّاتٍ، {أَثِيمٍ}. يعنى: آثِمٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

في ت 1، ف:"قراءتك".

ص: 670

في قولِه: {كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} . قال: كلِّ كَذَّابٍ مِن الناسِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} . قال: كذَّابٍ مِن الناسِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} . قال: هم الكَهَنةُ؛ تَسْتَرِقُ الجنُّ السمعَ، ثم يَأْتون به إلى أوليائِهم مِن الإنسِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَدِيُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن وهبٍ، قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، فقيل له: إن المُخْتارَ يزعُمُ أنه يُوحَى إليه. فقال: صدَق، ثم تَلا:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}

(3)

.

وقولُه: {يُلْقُونَ السَّمْعَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يُلْقِى الشياطينُ {السَّمْعَ} ، وهو ما يسمَعون مما اسْتَرَقُوا سَمْعَه مِن حينَ حَدَث من السماءِ إلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ مِن أوليائِهم مِن بنى آدمَ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

تفسير مجاهد ص 514، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2830، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 2/ 78، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2830، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 97، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2830 من طريق إسرائيل، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 98 إلى عبد بن حميد.

ص: 671

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُلْقُونَ السَّمْعَ} . قال: الشياطينُ؛ ما سمِعتَه ألقَتْه على كلِّ أفَّاكٍ كذَّابٍ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{يُلْقُونَ السَّمْعَ} : الشياطينُ؛ ما سمِعَته أَلقَتْه على كلِّ أَفَّاكٍ. قال: {يُلْقُونَ السَّمْعَ} . قال: القولَ

(2)

.

وقولُه: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} . يقولُ: وأكثرُ من تَنزَّلُ

(3)

عليه الشياطينُ كاذِبون فيما يقولون ويُخْبِرون.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه:{وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} : عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الشياطينُ تَسْتَرِقُ السمعَ، فتَجِيءُ بكلمةِ حقٍّ، فيَقْذِفُها في أُذُنِ وَلِيِّه. قال: ويَزِيدُ فيها أكثرَ مِن مِائةِ كَذْبةٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي

(1)

تقدم أوله في الصفحة السابقة.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2830 من طريق حجاج به.

(3)

في ت 1، ف:"تتنزل".

ص: 672

كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: والشعراءُ يتَّبِعُهم

(1)

أهلُ الغَيِّ، لا أهلُ الرشادِ والهُدى.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين وُصِفوا بالغَيِّ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رُوَاةُ الشِّعْرِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحسينُ

(2)

بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن يَعْلَى، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، وحدَّثني أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن قيسٍ، و [حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيَّةَ، بن قيسٍ]

(3)

، عن يَعْلَى [بن النُّعْمانِ]

(3)

، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال: الرُّواةُ

(4)

.

وقال آخرون: هم الشياطينُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني

(1)

بعده في ت 1: "الغاوون يعني".

(2)

في النسخ: "الحسن". وتقدم في 2/ 296.

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 5/ 99 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2831 - عن قيس به.

ص: 673

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} : الشياطينُ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبَرنا]

(2)

مَعْمَرٌ، عن قتَادةَ في قولِه:{يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال: يَتَّبِعُهم الشياطينُ

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن عكرِمةَ في قولِه:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال: عُصَاةُ الجِنِّ

(4)

.

وقال آخرون: هم السُّفَهَاءُ. وقالوا: نزَل ذلك في رَجُلَين تَهاجَيَا على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

تفسير مجاهد ص 515، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2832، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 100 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"عن".

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 78، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 100 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 519 عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2831 من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 100 إلى الفريابي وعبد بن حميد.

ص: 674

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} إلى آخرِ الآيةِ. قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ من قومٍ آخَرين، وأنهما تَهاجَيَا، وكان مع كلِّ واحدٍ منهما غُوَاةٌ من قومِه، وهم السُّفَهَاءُ، فقال اللهُ تعالى:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ}

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ مِن قومٍ آخرين، تَهاجَيَا، مع كلِّ واحدٍ منهما غُواةٌ مِن قومِه، وهم السُّفَهَاءُ

(2)

.

وقال آخرون: هم ضُلَّالُ الجنِ والإنسِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال: هم الكفارُ، يَتَّبِعُهم ضُلَّالُ الجنِّ والإنسِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2833 عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى ابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2831 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 675

{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال: الغاوُون المُشْرِكون

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ جلّ ثناؤُه: إن شعراءَ المشركين يَتَّبِعُهم غُوَاةُ الناسِ، ومَرَدةُ الشياطينِ، وعُصاةُ الجنِّ. وذلك أن الله عَمَّ بقولِه:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} فلم يَخْصُصْ بذلك بعضَ الغُواةِ دونَ بعضٍ، فذلك على جميعِ أصْنافِ الغُواةِ التي دخَلَت في عُمُومٍ الآيةِ.

وقولُه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ {أَنَّهُمْ} . يعنى الشعراءَ، في كلِّ وادٍ يذهَبون، كالهائمِ على وَجْهِه على غيرِ قَصْدٍ، بل جائزًا

(2)

عن

(3)

الحقِّ وطريقِ الرَّشادِ وقَصْدِ السبيلِ. وإنما هذا مثَلٌ ضَرَبَه اللهُ لهم في افتنانِهم في الوُجُوهِ التي يَفْتَنُّون

(4)

فيها بغيرِ حَقٍّ، فَيَمْدَحون بالباطلِ، قومًا، ويَهْجُون آخَرِين كذلك، بالكَذِبِ والزُّورِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} . يقولُ: في كلِّ لَغْوِ يَخوضُون

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2832 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(2)

في ت 1، ت 2:"حايرا".

(3)

في ص، م:"على".

(4)

افتن الرجل في حديثه وفي خطبته، إذا جاء بالأفانين. والأفانين الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه. اللسان (ف ن ن).

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2833 من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في الصفحة السابقة.

ص: 676

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} . قال: في كلِّ فَنٍّ يَفْتَنُّون

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ} . قال: فَنٍّ، {يَهِيمُونَ}. قال: يقولون

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} . قال: يَمْدَحون قومًا بباطلٍ، ويَشْتُمون قومًا بباطلٍ

(3)

.

وقولُه: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} . يقولُ: وأن أكثرَ قِيلِهم باطلٌ وكَذِبٌ.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} . يقولُ: أكثرُ قولِهم يَكْذِبون

(4)

.

وعُنى بذلك شُعَرَاءُ المُشْرِكين.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ

(1)

تفسير مجاهد ص 515، وتقدم أوله في ص 675.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2833 من طريق حجاج به.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 78، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2833 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 100 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2833 من طريق أبي صالح به، وتقدم أوله في ص 675، 676.

ص: 677

زيدٍ: قال رجلُ لأبي: يا أبا أُسامةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} ؟ فقال له أبى: إنما هذا لشُعَراءِ المُشْرِكين، وليس شعراءَ المؤمنين، ألَا تَرَى أنه يقولُ:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إلى آخِرِه. فقال: فَرَّجْتَ عنى يا أبا أُسامةَ، فَرَّجَ اللهُ عنك

(1)

.

وقولُه: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . وهذا استثناءٌ مِن قولِه: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} ، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . وذُكر أن هذا الاستثناءَ نزَل في شعراءِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ كحسانَ بن ثابتٍ، وكعبِ بن مالكٍ، ثم هو لكلِّ مَن كان بالصفةِ التي وصَفه اللهُ بها.

وبالذي قُلنا في ذلك جاءتِ الأخبارُ.

‌ذكرُ الرواية بذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ

(2)

، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال: جاء حسانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ وكعبُ بنُ مالكٍ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهم يَبْكُون، فقالوا: قد علِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شُعراءُ. فتَلا النبيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2834 من طريق أصبغ، عن ابن زيد به

(2)

في ت 1، ت 2، ت، ف:"قسط".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 518، 519، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2834، 2835 من طريق =

ص: 678

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزلَت: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} إلى آخرِ السورةِ، في حسَّانَ بن ثابتٍ، وعبدِ اللهِ بن رَوَاحةَ، وكعبِ بن مالكٍ.

قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ وطاوسٍ، قالا: قال: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} ، فَنَسَخ من ذلك واسْتَثْنَى، فقال:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم استَثْنَى المؤمنين منهم، يعنى الشعراءَ، فقال:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ. فذكَر مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} . قال: هم الأنصارُ الذين هاجَوْا

(2)

مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

= ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2834، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف 2/ 480 - من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى ابن المنذر.

(2)

في النسخ: "هاجروا". والمثبت من مصدرى التخريج.

(3)

تفسير عبد الرزاق 2/ 78، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2836 من طريق سعيد، عن قتادة.

ص: 679

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزلَت: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن حُمَيدٍ، عن سَلَمةَ.

وقولُه: {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} . اختَلف أهلُ التأويلِ في حالِ الذكرِ الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المُسْتَثْنَين مِن الشعراءِ؛ فقال بعضُهم: هي حالُ منطقِهم ومُحاورتِهم الناسَ. وقالوا: معنى الكلامِ: وذكَروا الله كثيرًا في كلامِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} : فِي كلامِهم

(1)

.

وقال آخرون: بل ذلك في شِعْرِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} . قال: ذكَروا الله في شِعْرِهم

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2835 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 7/ 49.

ص: 680

الذين اسْتَثْناهم من شعراءِ المؤمنين بذِكْرِ اللهِ كثيرًا، ولم يَخُصَّ [ذِكْرَهم الله]

(1)

على حالٍ دونَ حالٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فصِفَتُهم أنهم يذكُرون الله كثيرًا في كلِّ أحْوالِهم.

وقولُه: {وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} . يقولُ: وانتَصَروا مِمَّن هَجَاهُم مِن شُعراءِ المُشْرِكين ظُلْمًا، بشِعْرِهم وهِجائِهم إيَّاهم، وإجابتِهم عما هَجَوْهم به.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} . قال: يَرُدُّون على الكفارِ الذين كانوا يَهْجُون المؤمنين

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَانْتَصَرُوا} : من المشركين، {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} .

وقيل: عنَى بذلك كلِّه الرَّهْطُ الذين ذَكَرْتُ.

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3:"الله ذكرهم".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2835 من طريق أبي صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 99 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 681

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا [سلمةُ و]

(1)

عليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . جاء حسَّانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بن رَوَاحةً وكعبُ بنُ مالكٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم يَبْكُون، فقالوا: قد عَلِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شعراءُ. فتَلا النبيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزَلت: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . ثم ذكَر نحوَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} . قال: عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ وأصحابُه

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} . قال: عبدُ اللهِ بن رَوَاحَةَ.

وقوله: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وسيعلمُ الذين ظلَموا

(1)

سقط من: م.

(2)

تقدم تخريجه في ص 679.

(3)

تفسير مجاهد ص 515، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2836. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 100 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 682

أنفسَهم بشِرْكِهم باللهِ من أهلِ مكةَ، {أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}. يقولُ: أَيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُون إليه، وأيَّ مَعادٍ يعودون إليه بعدَ مَماتِهم، فإنَّهم يصيرون إلى نارٍ لا يُطفأُ سعيرُها، ولا يَسْكُنُ لهبُها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البرَّادِ مولى تميمٍ الداريِّ:{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} : يعنى أهلَ مكةَ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} . قال: وسيعلمُ الذين ظلموا من المشركين، أيَّ منقَلَبٍ ينقلبون.

آخرُ تفسيرِ سورةِ الشعراءِ

(1)

تقدم تخريجه في ص 679.

ص: 683