المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌تفسيرُ سورةِ "والنجمِ" بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌ ‌ ‌القولُ في - تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي - جـ ٢٢

[ابن جرير الطبري]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌تفسيرُ سورةِ "والنجمِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى

(2)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بالنَّجمِ الثُّريَّا، وعُنِي بقولِه:{إِذَا هَوَى} : إذا سقَط. قالوا: وتأويلُ الكلامِ: والثُّريَّا إذا سقَطت.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} . قال: إذا سقَطَتِ الثُّريَّا مع الفجرِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} . قال: الثُّريَّا

(2)

. وقال مجاهدٌ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} . قال: سقوطُ الثُّريَّا.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} . قال: إذا انْصَبَّ

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 625، وأخرجه ابن عيينة في تفسيره - كما في الفتح 8/ 604 - وعنه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 250 عن ابن أبي نجيح به بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في تفسيره عن ابن مجاهد، عن أبيه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 121 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 417.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 121 إلى المصنف.

ص: 5

وقال آخرون: بل

(1)

معنى ذلك: والقرآنِ إذا نزَل.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحسَّانيُّ

(2)

أبو الخطابِ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} . قال: القرآنِ إذا نزَل

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} . قال: قال عُتْبةُ بنُ أبي لهبٍ: كَفَرتُ بربِّ النَّجمِ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أمَا تخافُ أن يأكُلَك كَلْبُ اللَّهِ". قال: فخرَج في تجارةٍ إلى اليمنِ، فبينا

(4)

هم قد عرَّسوا

(5)

، إذ سمِع صوتَ الأسدِ، فقال لأصحابِه: إنِّي مأكولٌ. فأحْدَقوا به، وضُرِب على أَصْمِخَتِهم

(6)

فناموا، فجاء حتى أَخَذَه، فما سَمِعوا إلَّا صوتَه

(7)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تلا:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} . فقال ابنٌ لأبي لَهبٍ - حَسِبتُه قال: اسمُه عُتبةُ -: إني

(8)

كفَرتُ بربِّ النَّجمِ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "احْذرْ لا يأْكُلْكَ

(1)

سقط من: م.

(2)

في الأصل: "الجنابي". وينظر تهذيب الكمال 9/ 523.

(3)

عزاه ابن حجر في الفتح 8/ 604، والسيوطي في الدر المنثور 6/ 121 إلى المصنف.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فبينما".

(5)

في ت 1: "عرشوا"، وفي ت 3:"سرعوا".

(6)

في الأصل: "أسمختهم". والصِّماخ: ثقب الأذن، والسماخ لغةٌ فيه. ينظر اللسان (ص م خ).

(7)

أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 2/ 339 من طريق سعيد به بنحوه.

(8)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 6

كَلْبُ اللَّهِ". قال: فضرَب هامتَه. قال: وقال ابنُ طاوسٍ عن أبيه: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "ألَا تخافُ

(1)

أن يُسَلِّطَ اللَّهُ عليك كلبَه؟ ". فخرَج ابنُ أبي لهبٍ مع ناسٍ في سفرٍ، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ سَمِعوا صوتَ الأسدِ فقال: ما هو إلا يُريدُني. فاجْتَمَع أصحابُه حولَه، وجعَلوه في وَسَطِهم، حتى إذا ناموا جاء الأسدُ

(2)

، فأخَذه من بينِهم

(3)

.

وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ

(4)

يقولُ: عُني بقولِه: {وَالنَّجْمِ} : والنُّجومِ. وقال: ذهَب إلى لفظِ الواحدِ وهو في معنى الجميعِ. واستَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ

(5)

راعي الإبلِ

(6)

:

فباتَت تَعُدُّ النَّجمَ في مُستَحِيرَةٍ

(7)

سريعٌ بأيدِي الآكِلِين جمودُها

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي ما قاله مجاهدٌ، مِن أنه عُنِي بالنجمِ في هذا الموضعِ الثُّريَّا، وذلك أن العربَ تدعوها النجمَ. والقولُ الذي قاله من حَكينا عنه من أهلِ البصرةِ قولٌ لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ التأويلِ قاله، وإن كان له وَجْهٌ؛ فلذلك ترَكْنا القولَ به.

وقولُه: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما جار

(8)

(1)

في الأصل: "تخف".

(2)

بعده في الأصل: "حوله".

(3)

أخرجه عبد الرزاق 2/ 250 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 121 إلى عبد بن حميد.

(4)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 235.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بقول".

(6)

ديوانه ص 112.

(7)

المستحيرة: الجفنة الودِكة، الكثيرة الوَدَك، وهو الشحم. ينظر التاج (و د ك).

(8)

في م: "حاد".

ص: 7

صاحبُكم محمدٌ أيُّها الناسُ عن الحقِّ، ولا زال عنه، ولكِنَّه على استقامةٍ وسَدادٍ.

ويعني بقولِه: {وَمَا غَوَى} : وما صار غَوِيًّا؛ ولكِنَّه رشيدٌ سديدٌ. يقالُ

(1)

: غَوَى يَغْوِي، من الغَيِّ، وهو غاوٍ، وغَوِيَ يَغْوَى من اللَّبنِ: إِذا بَشِم

(2)

.

وقولُه: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} : جوابُ قسمِ {وَالنَّجْمِ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وما ينطِقُ محمدٌ بهذا القرآنِ عن هَواه، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} .

يقولُ: ما هذا القرآنُ إلَّا وَحْيٌ مِن اللَّهِ يوحِيه إليه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه عز وجل:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} . أي: ما يَنطِقُ عن هَواه، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. قال: يُوحِي اللَّهُ تبارك وتعالى إلى جِبْريلَ، ويوحِي جبريلُ إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

وقيل: عُنِي بقولِه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} : بالهوى.

وقولُه: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: عَلَّم

(1)

في ت 2، ت 3:"يقول".

(2)

البَشَم: التخمة. اللسان (ب ش م).

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 122 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 8

محمدًا صلى الله عليه وسلم هذا القرآنَ جبريلُ عليه السلام.

وعُنِي بقولِه: {شَدِيدُ الْقُوَى} : شديدُ الأسبابِ. والقُوى جمعُ قوَّةٍ، كما الجُثَى جمعُ جُثْوةٍ، والحُبَى جمعُ حُبْوةٍ. ومن العربِ مَن يقولُ: القِوَى

(1)

. بكسرِ القافِ، كما تُجمَعُ الرِّشوةُ رِشًا، بكسرِ الراءِ، والحِبْوةُ حِبًا. وقد ذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: رُشوةٌ. بضمِّ الراءِ، ورِشوةٌ. بكَسرِها. فيجِبُ أن يكونَ جمعُ مَن جمَع ذلك رِشًا بكسرِ الراءِ على لغةِ مَن قال في

(2)

واحِدِها: رِشْوةٌ. [بكسرِ الراءِ]

(3)

. وأن يكونَ جَمْعُ مَنْ جَمَع ذلك بضمِّ الراءِ على

(4)

لغةِ مَن ضمَّ الراءَ في واحدِها. فإن جمَع بالكسرِ مَن كان مِن لغتِه الضمُّ في الواحدةِ، أو بالضمِّ مَن كان مِن لغتِه الكسرُ فإِنَّما هو حَمْلُ إحدى اللغتين

(5)

على الأُخْرَى.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ في قولِه: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} .

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} . يعني: جبريلُ

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} . قال: جبْريلُ

(7)

.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

سقط من: م، ت 2، ت 3.

(4)

في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2:"من".

(5)

في الأصل: "المعنيين".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 122 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 122 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 9

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه.

وقولُه: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} . اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {ذُو مِرَّةٍ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: ذو خَلْقٍ حسَنٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{ذُو مِرَّةٍ} : ذو مَنظَرٍ حسَنٍ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} : ذو خَلْقٍ طويلٍ حَسَنٍ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ذو قُوَّةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} . قال: ذو قُوَّةٍ؛ جبريلُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ:{ذُو مِرَّةٍ} . قال:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 45 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 396 - إلى ابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 122 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 625، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 322، والفتح 8/ 604 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 122 إلى عبد بن حميد.

ص: 10

ذو قُوَّةٍ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} . قال: ذو قُوَّةٍ. المِرَّةُ: القُوَّةُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} . قال: جبريلُ

(3)

.

وأَولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالمِرَّةِ صحةُ الجسمِ وسلامتُه من الآفاتِ والعاهاتِ. والجسمُ إذا كان كذلك

(4)

من الإنسانِ كان قوِيًّا. وإنما قُلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن المِرَّةَ واحدُ المِرَرِ، وإنما أُريدَ به: ذو مِرَّةٍ سَوِيَّةٍ. وإذا كانت المِرَّةُ صحيحةً، كان الإنسانُ صحيحًا. ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"لا تَحِلُّ الصَّدقَةُ لِغَنيٍّ، ولَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"

(5)

.

وقولُه جل ثناؤُه: {فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} . يقولُ: فاسْتَوى هذا الشديدُ القُوَى وصاحبُكم محمدٌ بالأُفُقِ الأعلى

(6)

. وذلك لمَّا أُسْرِي برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، اسْتَوى هو وجبريلُ عليهما السلام بمَطْلِعِ الشَّمسِ الأعلى. وعَطَف الأعلى. وعَطَف بقولِه:{وَهُوَ} . على ما في قولِه: {فَاسْتَوَى} من ذكرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، [وأكثرُ]

(7)

كلامِ العربِ إذا أرادوا العطفَ في مثلِ هذا الموضعِ أن

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 420.

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 420، وابن كثير في تفسيره 7/ 419.

(3)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (368) من طريق أبي جعفر به

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"ذلك".

(5)

تقدم تخريجه في 11/ 518.

(6)

قال ابن كثير في تفسيره 7/ 419: وقد قال ابن جرير ههنا قولا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد .. ولم يوافقه أحد على ذلك. وينظر فيه بقية كلامه على اختيار المصنف.

(7)

في ص، ت 2، ت 3:"وأكثر من"، وفي م:"والأكثر من"، وفي ت 1:"فأكثر من".

ص: 11

يُظهِروا كنايةَ المعطوفِ عليه، فيقولوا: اسْتَوى هو وفلانٌ. وقلَّما يقولون

(1)

: استوَى وفلانٌ. وقد ذكَر الفرَّاءُ

(2)

عن بعضِ العربِ أنَّه أنشَده:

ألم ترَ أنَّ النَّبعَ يصلُبُ

(3)

عودُه

ولا يَستَوِي والخِرْوعُ المتقصِّفُ

فرَدَّ "الخِرْوعَ" على ما في "يستوى" من ذكر "النَّبعِ"، ومنه قولُ اللَّهِ:{أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا} [النمل: 67]. فعطَف بالآباءِ على المُكنَّى في: {كُنَّا} من غيرِ إظهارِ

(4)

"نحنُ"، فكذلك قولُه:{فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ} .

وقد قيل: إن المسْتَوِيَ هو جبريلُ. فإن كان ذلك كذلك فلا مُؤْنةَ في ذلك؛ لأن قولَه: {وَهُوَ} . مِن ذكرِ اسمِ جبريلَ. وكأن قائلَ ذلك وجَّه معنى قولِه: {فَاسْتَوَى} . أي: ارْتَفَع واعْتَدَل.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع:{ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} : هو

(5)

جبريلُ عليه السلام.

وبنحوِ الذي قُلنا في [تأويلِ قولِه: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى}]

(6)

. قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في الأصل: "تقول"، وفي ت 3:"يقول".

(2)

في معاني القرآن 3/ 95.

(3)

في معاني القرآن: "يخلق".

(4)

بعده في الأصل كلمة غير واضحة ولعلها: "المكنى".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 12

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} : والأُفُقُ الذي يأتي منه النهارُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} . قال: بأُفقِ المَشرِقِ الأعلى بينَهما

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع:{وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} . يعني: جبريلُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} . قال: السماءِ الأعلى، يعني: جبريلُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم دنا جبريلُ من محمدٍ صلَّى اللَّهُ عليهما وسلَّم فتَدلَّى إليه، وهذا من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وإنما هو: ثم تَدَلَّى فدَنا

(4)

. ولكِنَّه حَسُن تقديمُ قولِه: {دَنَا} . إذ كان الدُّنوُّ يدلُّ على التَّدَلِّي، والتَّدَلِّي على الدُّنوِّ. كما يقالُ: زارنى فلانٌ فأحسَن، [وأَحْسَن]

(5)

إليَّ فزارني. و: شتَمني

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 88، وابن كثير في تفسيره 7/ 419.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 250 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى عبد بن حميد.

(3)

تقدم تخريجه في ص 11.

(4)

في الأصل: "فتدنى"، وفي ت 1:"قددنا".

(5)

سقط من: الأصل، ت 2، ت 3.

ص: 13

فأساء، وأساء فشَتَمني. لأن الإساءةَ هي الشَّتمُ، والشَّتمَ هو الإساءةُ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} . قال: جبريلُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} . يعني: جبريلُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} . قال: هو جبريلُ

(3)

.

وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم دنا الربُّ - جلَّ وعزَّ - مِن محمدٍ صلى الله عليه وسلم فتَدَلَّى.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأُمويُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن ابنِ عباسٍ:{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} . قال: دنا ربُّه فتَدَلَّى

(4)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 250 - ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (369) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 250، ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (369) - عن معمر، عن قتادة.

(3)

تقدم تخريجه في ص 11.

(4)

أخرجه الطبراني (11328) من طريق عطاء، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى ابن مردويه.

ص: 14

حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن شَريكِ بنِ أبي نَمِرٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُنا عن ليلةِ أُسْرِيَ

(1)

برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أنه عَرَج جبريلُ برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى السماءِ السابعةِ، ثم علا به فيما لا يعلمُه إِلَّا اللَّهُ، حتى جاء سِدْرةَ المُنتَهَى، ودنا الجبارُ ربُّ العِزَّةِ فتَدلَّى حتى كان منه قابَ قَوْسَين أو أدنى، فأوحَى اللَّهُ إليه ما شاء، فأوحَى اللَّهُ إليه فيما أَوْحَى خَمسين صلاةً على أمَّتِه كلَّ يومٍ وليلةٍ. ثم ذكَر الحديثَ

(2)

.

وقولُه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . يقولُ: فكان جبريلُ من محمدٍ صلى الله عليه وسلم على قدرٍ قَوْسَين أو أَدْنَى من ذلك. يعني: أو أقْرَبَ منه. يُقالُ فيه

(3)

: هو منه قابَ قَوْسَين، وقِيبَ قَوْسَين، وقِيدَ قَوْسَين، وقاد قَوْسَين، وقِدَى قَوْسَين. كلُّ ذلك بمعنى: قدرَ قَوْسَين.

وقيل: إن معنى قولِه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} : أنه كان منه حيثُ الوَتَرُ مِن القوسِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قَابَ قَوْسَيْنِ} . قال: حيثُ الوَتَرُ مِن القَوْسِ

(4)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"المسرى".

(2)

تقدم تخريجه في 14/ 420.

(3)

سقط من: م.

(4)

تفسير مجاهد ص 625، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (927)، وعزاه السيوطي في =

ص: 15

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} . قال: قِيدَ قَوْسَين. وقال ذلك قتادةُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} . قال: قِيدَ، أو قدرَ قَوْسَين

(2)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . [قال: دنا]

(3)

جبريلُ عليه السلام منه، حتى كان قدرَ ذِراعٍ أو ذِراعين

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزينٍ:{قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . قال: ليست بهذه القَوْسِ، ولكن قَدْرَ الذِّراعَيْن أو أدْنَى. [والقَابُ هو القِيدُ

(5)

.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} ]

(3)

؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ الذي قُلنا فيه.

= الدر المنثور 6/ 123 إلى الفريابي.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 250 عن معمر به، وقول الحسن عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى الطبراني في السنة، وقول قتادة عزاه إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى الطبراني في السنة.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

أخرجه الطبراني في الكبير (12603) من طريق إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى ابن المنذر.

(5)

تفسير مجاهد ص 625 من طريق عاصم به.

ص: 16

[ذكرُ مَن قال ذلك]

(1)

حدَّثنا ابنُ أبي الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، قال: ثنا زِرُّ بنُ حُبَيشٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ في هذه الآيةِ: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "رأيتُ جبريلَ له سِتُّمائةِ جَناحٍ"

(2)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ [بيانٍ السُّكَّريُّ]

(3)

، قال: ثنا خالدُ بنُ

(4)

عبدِ اللَّهِ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرٍّ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . قال: رأى جِبريلَ له ستُّمائةِ جناحٍ في صورتِه

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ ليثٍ الأسَديُّ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . قال: رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السلام له ستُّمائةِ جَناحٍ.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن أبي

(6)

الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان أوّلُ شأنِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه رأى في

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 422 عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (916) من طريق ابن أبي الشوارب به، وأخرجه ابن منده في الإيمان (743) من طريق عبد الواحد بن زياد به.

(3)

في الأصل: "بنان السكوني". وينظر تهذيب الكمال 16/ 413.

(4)

سقط من: م.

(5)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (501) من طريق خالد بن عبد الله به، وأخرجه الطيالسي (356)، وأحمد 6/ 320 (3780)، والبخاري (3232، 4856، 4857)، ومسلم (174)، والترمذي (3277)، والنسائي في الكبرى (11534)، وأبو يعلى (5337)، وابن خزيمة في التوحيد ص 132 - 134، والطبراني (9055)، وأبو الشيخ في العظمة (364)، والبيهقي في الأسماء والصفات (917، 918)، وفي الدلائل 2/ 366، 367، 371، وابن منده في الإيمان (342، 344، 345)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 122، 123 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3. وينظر تهذيب الكمال 20/ 15.

ص: 17

منامِه جبريلَ عليه السلام بأَجْيادَ

(1)

، ثم إنه خرَج ليقضِيَ حاجتَه، فصرَخ به جبريلُ: يا محمدُ، يا محمدُ. فنظَر رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يمينًا وشمالًا فلم يرَ شيئًا، ثلاثًا، ثم خرَج فرَآه، فدخَل في الناسِ، ثم خرَج، [فرآه، فدخَل في الناسِ، ثم خرَج]

(2)

، أو قال: ثم نظَر - [الطبريُّ يشكُّ]

(3)

- فرآه، فذلك قولُه:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} . قال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} إلى قولِه: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} جبريلُ إلى محمدٍ صلى اللَّهُ عليهما، {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}. يقولون: القَابُ نصفُ الإصبعِ. وقال بعضُهم: ذراعين كان بينَهما

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن ابنِ مسعودٍ:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . قال: له ستُّمائةِ جَناحٍ. يعني جبريلَ عليه السلام

(5)

.

حدَّثنا

(6)

إبراهيمُ بنُ سعيدٍ

(7)

، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا زكريا، عن ابنِ أشرعَ

(8)

، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: ما قولُه: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} ؟ فقالت: إنما ذلك جبريلُ، كان يأتِيه في صورةِ الرجالِ، وإنه أتاه هذه المرَّةَ في صورتِه، فسَدَّ أُفُقَ

(1)

في ت 2: "بأجناح". وأجياد: موضع بمكة يلي الصفا. معجم البلدان 1/ 138.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أنا أشك".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 7/ 422 - من طريق ابن وهب به، وأخرجه البيهقي في الدلائل 2/ 368 من طريق ابن لهيعة به.

(5)

أخرجه النسائي في الكبرى (11540)، والطبراني (9055) من طريق سفيان به.

(6)

في الأصل: "قال حدثنا".

(7)

في الأصل: "سعد". وتقدم في 2/ 278.

(8)

في الأصل، ت 2:"أسرع". وينظر تهذيب الكمال 14/ 32، 34/ 424.

ص: 18

السماءِ

(1)

.

وقال آخرون: بل الذي دنا فتدَّلى فكان قابَ قَوْسَين أو أَدْنى، جبريلُ من رَبِّه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} . قال: اللَّهُ مِن جبريلَ عليه السلام

(2)

.

وقال آخرون: بل

(3)

الذي كان قابَ قوسين أو أدنى محمدٌ مِن ربِّه.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى بنِ عُبَيدَةَ

(4)

الحميريِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، عن بعضِ أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: قُلْنا: يا نبيَّ اللَّهِ، هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال:"لَم أرَه بعَيْنِي، ورَأيتُه بفؤادِي مرَّتَين". ثم تَلا: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} "

(5)

.

حدَّثنا خلّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: أخبَرنا النَّضرُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرِو بنِ

(1)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (346) من طريق إبراهيم بن سعيد به، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (1426)، والبخاري (3235)، ومسلم (177)، وأبو عوانة 1/ 155، وابن منده في الإيمان (769)، والبيهقي في الأسماء والصفات (921)، وفي الدلائل 2/ 367، 368 من طريق أبي أسامة به.

(2)

تفسير مجاهد ص 625.

(3)

بعده في م: "كان".

(4)

في م: "عبيد". وينظر تهذيب الكمال 26/ 340.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 425 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 7/ 424 - من طريق موسى بن عبيدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 19

علقمةَ بنِ وقاصٍ اللَّيْثيُّ، عن كثيرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لما عُرِج بِي مضَى جبريلُ حتى جاء الجنةَ". قال: "فدخَلتُ فأُعطِيتُ الكَوْثَرَ، ثم مضَى حتى جاء سدرَةَ المُنتهَى، فدَنا رَبُّك فتدَلَّى، فكان قابَ قَوسَين أو أدْنَى، فأوحَى إلى عَبدِه ما أوحَى"

(1)

.

وقولُه: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} . اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأوحَى اللَّهُ إلى عبدِه محمدٍ وحْيَه. وجعَلوا قولَه: {مَا أَوْحَى} . بمعنى المصدرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه

(2)

: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} . قال: عبدِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

[وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأوحَى جبريلُ إلى عبدِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم]

(4)

ما أوحَى إليه ربُّه.

وقد يتوجَّهُ على هذا التأويلِ {مَا} لوجهين؛ أحدُهما: أن تكونَ بمعنى "الذي"، فيكونَ معنى الكلامِ: فأوحَى إلى عبدِه الذي أوحاه إليه ربُّه. والآخرُ: أن

(1)

أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 139، 140 من طريق محمد بن عمرو به، وتقدم في 14/ 415.

(2)

في الأصل: "قول أبي ذر".

(3)

أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 131 عن ابن بشار به، وأخرجه النسائي في الكبرى (11538) من طريق معاذ بن هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(4)

سقط من: م، ت 2، ت 3.

ص: 20

تكونَ بمعنى المصدرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} . قال: قال الحسنُ: جبريلُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} . قال: على لسانِ جبريلَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} . قال: أوحَى جبريلُ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما أوحَى اللَّهُ إليه

(3)

.

وأولى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأوحَى جبريلُ إلى عبدِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما أوحَى إليه ربُّه. لأن افتتاحَ الكلامِ جرَى في أوَّل السورةِ بالخبرِ عن محمدٍ وعن جبريلَ عليه السلام، وقولُه:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} في سِياقِ ذلكَ، ولم يأتِ ما يَدلُّ على انصرافِ الخبرِ عنهما فيوجَّهَ ذلك إلى ما صُرِف إليه.

وقولُه: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما كذَب فؤادُ

(1)

أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 131 عن ابن بشار به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (363) من طريق معاذ بن هشام به.

(2)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (368) من طريق أبي جعفر به.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 402.

ص: 21

محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا الذي رأى، ولكِنَّه صَدَقه.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي رآه فؤادُه فلم يَكْذِبْه؛ فقال بعضُهم: الذي رآه فؤادُه ربُّ العالمين. وقالوا: جعَل

(1)

بصَرَه في فؤادِه، فرآه بفؤادِه، ولم يَرَه بعينِه.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا سعيدُ بنُ يَحيى، قال: ثنى عمِّي

(2)

عبدُ الرحمنِ بنُ سعيدٍ، عن إسرائيلَ بنِ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: رآه بقلبِه صلى الله عليه وسلم

(3)

.

حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا عبّادٌ - يعني ابنَ منصورٍ - قال: و

(4)

سألتُ عكرِمةَ عن قولِه: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: أتريدُ أن أقولَ لك: قد رآه؟ نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه، حتى ينقطِعَ النَّفَسُ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ

(6)

، قال: سمِعتُ عكرِمةَ وسُئل: هل رأى محمدٌ ربَّه؟ فقال: نعم، قد رأى ربَّه.

(1)

في الأصل: "جعلوا".

(2)

بعده في م: "سعيد بن". وفي تهذيب الكمال 11/ 104 - ترجمة سعيد بن يحيى - روى عن

وعمِّه عبد الله بن سعيد الأموي. وينظر التاريخ الكبير 5/ 104.

(3)

أخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور - 6/ 124 - وعنه الترمذي (3281) - وابن خزيمة في التوحيد ص 131، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (911) من طريق إسرائيل به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 251، وابن منده في الإيمان (760) من طريق سماك به، وأخرجه الطبراني (12941) من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.

(4)

سقط من: م.

(5)

أخرجه عبد الله في السنة (221)، والآجري في الشريعة (1038)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (907) من طريق عباد بن منصور به.

(6)

في الأصل: "عبيدة". وينظر تهذيب الكمال 22/ 634.

ص: 22

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا سالمٌ مَولى معاويةَ، عن عكرِمةَ مثلَه.

حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى التميميُّ، قال: ثنى سليمانُ بنُ عمرَ

(1)

بنِ سيَّارٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بنِ زَرْبيٍّ

(2)

، عن عمرَ

(3)

بنِ سليمانَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال لي: يا محمدُ، هل تدرِي فيمَ يَختَصِمُ الملأُ الأعلَى؟ فقلتُ: لا يا ربِّ. فوضَع يدَه بينَ كَتِفَيَّ، فوجَدتُ بردَها

(4)

بينَ ثَدْيَيَّ، فعَلِمتُ ما في السماواتِ

(5)

والأرْضِ، فقلتُ: يا ربِّ، في الدَّرجاتِ والكفارات، ونَقْلِ الأقدامِ إلى الجُمُعاتِ، وانتظارِ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ. فقلتُ: يا ربِّ، إِنَّكَ اتخَذتَ إبراهيمَ خليلًا، وكلَّمتَ موسى تَكْلِيمًا، وفعَلتَ وفعَلتَ. فقال: ألم أشرَحْ لك صدرَكَ؟ ألم أضَعْ عنك وزرَك؟ ألم أفعَلْ بِك؟ ألم أفعَلْ؟ قال: فأفضَى إليَّ بأشياءَ لم يؤذَنْ لي أن أُحدِّثَكُموها. قال: فذلك قولُه في كتابِه يُحدِّثُكُموه

(6)

: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . فَجَعَل نورَ بَصري في فؤادِي، فنَظَرتُ إليه بفُؤَادِي"

(7)

.

(1)

في م، ت 2، ت 3:"عمرو". والمثبت موافق لما في مخطوط تفسير ابن كثير 7/ 426. وينظر ضعفاء العقيلي 3/ 171، وميزان الاعتدال 5/ 244.

(2)

في الأصل، ت 2، ت 3:"رزين".

(3)

في م، ت 2، ت 3:"عمرو".

(4)

في الأصل: "بردهما".

(5)

في الأصل، ص، م، ت 1:"السماء".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لحدثتكموه".

(7)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 426 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 124 إلى المصنف، وقال ابن كثير: إسناده ضعيف، وأصل الحديث بدون زيادة: "فقلت يا رب إنك اتخذت إبراهيم

" أخرجه أحمد 5/ 437 (3484) وغيره.

ص: 23

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ وأحمدُ بنُ هشامٍ، قالا: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: رآه مرَّتَين بفُؤادِه

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، عن قيسٍ، عن عاصمٍ الأحول، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللَّهَ اصطَفى إبراهيمَ بالخُلَّةِ، واصْطَفى موسى بالكلامِ، واصْطَفى محمدًا بالرؤيةِ، صلواتُ اللَّهِ عليهم

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن زيادِ بنِ الحُصَينِ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: رآه بفُؤادِه

(3)

.

قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: رأى محمدٌ ربَّه

(4)

.

قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} : فلم

(1)

أخرجه عبد الله في السنة (1062) من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى عبد بن حميد.

(2)

بعده في الأصل: "حدثنا أبو العالية عن ابن عباس: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}. قال: رآه بفؤاده".

والأثر أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 130. والآجري في الشريعة (686، 687، 1031)، وابن عساكر في تاريخه 6/ 216 من طريق قيس به، وأخرجه عبد الله في السنة (577) من طريق عاصم الأحول به، وأخرجه عبد الله أيضًا (578، 579)، والنسائي في الكبرى (11539)، وابن منده في الإيمان (762)، والحاكم 2/ 469، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (905) من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 124 إلى ابن مردويه.

(3)

أخرجه أحمد 3/ 425 (1956)، ومسلم (176)، وابن أبي عاصم في السنة (442)، وابن خزيمة في التوحيد ص 131، وابن منده في الإيمان (754 - 756)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (916، 917)، والبيهقي في الأسماء والصفات (926) من طريق الأعمش به.

(4)

أخرجه عبد الله في السنة (563)، والآجري في الشريعة (1032، 1033)، وابن خزيمة في التوحيد ص 130، 131 من طريق عكرمة، عن ابن عباس.

ص: 24

يَكْذِبْه، {مَا رَأَى}. قال: رأى ربَّه.

قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: رأى محمدٌ ربَّه بفُؤادِه.

وقال آخرون: بل الذي رآه فؤادُه فلم يَكْذبْه جبريلُ عليه السلام.

ذِكرُ مَن قال ذلك

[حدَّثني ابن بَزِيعٍ البغداديُّ]

(1)

قال: ثنا إسحاقُ

(2)

بنُ منصورٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ

(3)

، عن عبدِ اللَّهِ:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: رأى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه حُلَّتا رفرفٍ، قد ملأَ ما بينَ السماءِ والأرضِ

(4)

.

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "رأيتُ جبريلَ عندَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، له سِتُّمائةِ جَناحٍ، يَنفُضُ من رِيشِه التَّهاويلَ

(5)

؛ الدُّرَّ والياقوتَ"

(6)

.

(1)

سقط من الأصل، وينظر تهذيب الكمال 25/ 16.

(2)

في الأصل: "أبو إسحاق"، وينظر تهذيب الكمال 2/ 478.

(3)

في الأصل، ت 2:"زيد". وينظر تهذيب الكمال 18/ 13.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 423 عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الدلائل 2/ 367 من طريق إسحاق بن منصور به، وأخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 6/ 123 - ومن طريقه الطبراني (9050) - وأحمد 6/ 285، 7/ 81 (3740، 3971)، وعبد بن حميد - كما في الدر - وعنه الترمذي (3283) - والنسائي في الكبرى (11531)، وابن خزيمة في التوحيد ص 133، وأبو الشيخ في العظمة (343، 344)، وابن منده في الإيمان (751)، وأبو يعلى (5018)، وفي تفسير مجاهد ص 625، والحاكم 2/ 468، 469، والبيهقي في الأسماء والصفات (920) من طريق إسرائيل به، وأخرجه الطيالسي (321) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في دلائل النبوة.

(5)

التهاويل: الأشياء المختلفة الألوان. النهاية 5/ 283.

(6)

أخرجه أحمد 7/ 31، 404 (3915، 4396)، والنسائي في الكبرى (11542)، وابن خزيمة =

ص: 25

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ وإبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قالا: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، أن الحسينَ بنَ واقدٍ حدَّثه، قال: حدَّثني عاصمُ بنُ أبي النَّجودِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "رأيتُ جبريلَ عندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى، له سِتُّمائةِ جَناحٍ". زاد الرِّفاعيُّ في حديثِه: فسألتُ عاصمًا عن الأجنحةِ فلم يُخبِرْني، فسألتُ أصحابي فقالوا: كلُّ جناحٍ ما بينَ المَشْرِقِ والمَغرِبِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} . قال: رأى جبريلَ في صورتِه التي هي صورتُه. قال: وهو الذي رَآه نزلَةً أُخرى

(2)

.

واختَلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ: {كَذَبَ} بالتخفيفِ، غيرَ عاصمٍ الجَحْدَريِّ وأبي جعفرٍ القارئِ والحسنِ البصرىِّ، فإنهم قرءوه:(كذَّب) بالتشديدِ

(3)

، بمعنى أن الفؤادَ لم يُكذِّبِ الذي رَآه

(4)

، ولكِنَّه جعَله حقًّا وصدقًا. وقد

= في التوحيد (133، 134)، وأبو الشيخ في العظمة (502، 503)، وأبو يعلى (4993)، وفي تفسير مجاهد ص 626، والبيهقي في الدلائل 2/ 372 من طريق حماد به، وأخرجه الطبراني (9054)، وأبو الشيخ في العظمة (347) من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 123 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في دلائل النبوة.

(1)

أخرجه أحمد 6/ 410 (3862)، والطبراني (10423)، وأبو الشيخ في العظمة (356) من طريق زيد بن الحباب به، وأخرجه أحمد 6/ 294 (3748)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان 2/ 339 من طريق عاصم بن أبي النجود بنحوه.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 251 - ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة (370) - عن معمر به.

(3)

قراءة التخفيف هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم بن أبي النجود وحمزة والكسائي ويعقوب الحضرمي وخلف، وقراءة التشديد هي قراءة ابن عامر في رواية هشام وأبي جعفر المدني والحسن البصري وعاصم الجحدري. ينظر النشر 2/ 283، والبحر المحيط 8/ 159، وإتحاف فضلاء البشر ص 248.

(4)

في ص، م، ت 1:"رأى".

ص: 26

يحتَمِلُ أن يكونَ معناه إذا قُرِئَ كذلك: ما كذَّب صاحبُ الفؤادِ ما رأَى. وقد بيَّنا معنى مَن قرَأ ذلك بالتخفيفِ.

والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، والأُخرى غيرُ مدفوعةٍ [صحَّتُها؛ لصحَّةِ]

(1)

معناها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)} .

قال أبو جعفرٍ: اختَلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: {أَفَتُمَارُونَهُ} ؛ فقرَأ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ وعامَّةُ أصحابِه: (أفتَمْرُونه) بفتحِ التاءِ بغيرِ ألفٍ، وهي قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ

(2)

، ووجَّهوا تأويلَه إلى: أفتَجْحدونَه.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقرَأُ:(أَفَتَمْرُونَه)

(3)

. يقولُ: أفتَجحَدونه، ومَن قرَأ:{أَفَتُمَارُونَهُ} . قال: أفتُجادلونه

(4)

.

وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: {أَفَتُمَارُونَهُ} بضمِّ التاءِ والألفِ

(5)

، بمعنى: أفتُجادِلونه.

(1)

في ص، ت 1:"صحته لصحة"، وفي ت 2:"صحبة بصحة".

(2)

وهي قراءة حمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 283.

(3)

بعده في م: "بفتح التاء بغير ألف".

(4)

أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 6/ 124 - ومن طريقه الحافظ في التغليق 4/ 323، وعبد بن حميد - كما في التغليق - عن هشيم به بلفظ:"أفتجادلونه"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.

(5)

وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر. ينظر النشر 2/ 283.

ص: 27

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي

(1)

أنهما قراءتان معروفتان صَحيحَتا المعنى، وذلك أن المشرِكين قد جحَدوا أن يكونَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأَى ما أَراه اللَّهُ ليلةَ أُسْرِي به وجادَلوه في ذلك، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وتأويلُ الكلامِ: أفتُجادِلون أيها المُشرِكون محمدًا على ما يرَى مما أَراه اللَّهُ مِن آياتِه.

وقولُه: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . يقولُ: ولقد رآه مرَّةً أُخرى.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي رآه محمدٌ نَزْلةً أُخرَى نحوَ اختلافِهم في قولِه: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} .

ذكرُ بعضِ ما رُوِي في ذلك مِن الاختلافِ

وذِكرُ مَن قال فيه: رأَى جبريلَ عليه السلام

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثَّقفيُّ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، أن عائشةَ قالت: يا أبا عائشةَ، مَن زعَم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظَم الفِرْيةَ على اللَّهِ. قال: وكُنتُ متَّكِئًا فجلَستُ، فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، أنْظِريني ولا تُعجلِيني، أرأيتِ قولَ اللَّهِ:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23]؟ قالت: إنما هو جبريلُ؛ رآه مرَّةً على خَلْقِه وصورتِه التي خُلِق عليها، ورآه مرَّةً أخرى حين هبَط مِن السماءِ إلى الأرضِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِه ما بينَ السماءِ و

(2)

الأرضِ. قالت: أنا أَوَّلُ مَن سأَل

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "إلى".

ص: 28

النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيةِ، قال:"هو جبريلُ"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه

(2)

.

[حدَّثنا ابنُ المثنى، قال]

(3)

: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ. فذكَر نحوَه

(4)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت له: يا أبا عائشةَ، مَن زعَم أن محمدًا رأَى ربَّه فقد أعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّهِ، واللَّهُ يقولُ:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]. {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51]. قال: وكُنتُ متَّكِئًا فجلستُ، وقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، [انْتَظرِيني ولا تُعْجِليني]

(5)

، ألم يَقُلِ اللَّهُ:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} ؟ فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمَّةِ سألتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: "لم أرَ جبريلَ على صورته إلَّا هاتَينِ المرَّتينِ؛ رأيتُه

(6)

مُنهَبِطًا مِن السماءِ سادًّا

(1)

أخرجه مسلم (177)، والنسائي في الكبرى (11408) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أبو عوانة 1/ 154 من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه الترمذي (3068) من طريق داود به، وأخرجه أحمد 6/ 49 (الميمنية)، والبخاري (7380، 7531) من طريق عامر به.

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (11409) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد 6/ 241 (الميمنية)، وابن خزيمة في التوحيد ص 146 من طريق ابن أبي عدي به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه النسائي في الكبرى (11409) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد 6/ 236، وابن خزيمة في التوحيد ص 146، وأبو عوانة في مسنده 1/ 153، وابن منده في الإيمان (763)، والبيهقي في الأسماء والصفات (923) من طريق يزيد بن هارون به.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"انتظري ولا تعجلي".

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 29

عِظَمُ خَلْقِه ما بينَ السماءِ والأرضِ".

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: كنتُ متَّكِئًا عندَ عائشةَ، فقالت: يا أبا عائشةَ. ثم ذكَر نحوَه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ مسعودٍ:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . قال: رأى جبريلَ في رَفْرفٍ قد ملأَ ما بينَ السماءِ والأرضِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ وهبٍ، عن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ

(3)

: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . قال: رأى جبريلَ، في وَبَرِ رِجْلَيه كالدُّرِّ مثلُ القَطرِ على البَقْلِ

(4)

.

حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن وهبٍ، عن مرَّةَ في قولِه:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . ثم ذكَر نحوَه

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . قال: رأَى جبريلَ في صورتِه مرَّتين

(6)

.

(1)

أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 145، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (923) عن يعقوب بن إبراهيم به، وأخرجه ابن منده في الإيمان (765) من طريق ابن علية به.

(2)

تقدم تخريجه في ص 25، وأخرجه ابن منده في الإيمان (752) من طريق سفيان به.

(3)

بعده في ت 2: "وعن أبي مرة"، وفي ت 3:"عن أبي مرة".

(4)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (349، 350) من طريق محمد بن حميد به.

(5)

تفسير مجاهد ص 626 من طريق حصين بن عبد الرحمن عن مرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى عبد بن حميد.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 429.

ص: 30

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن مجاهدٍ، قال: رأَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم جبريلَ في صورتِه مرَّتَين.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . قال: جبريلَ

(1)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنِ نَوفَلٍ، عن قَوْلِ

(2)

كعبٍ أنه أخبَره أن اللَّهَ تبارك وتعالى قَسَم رؤيتَه وكلامَه بينَ محمدٍ وموسى، فكلَّمَه موسى مرَّتَين، ورآه محمدٌ مرَّتين. قال: فأتَى مسروقٌ عائشةَ، فقال: يا أمَّ المؤمنين، هل رأَى محمدٌ ربَّه؟ فقالت: سبحانَ اللَّهِ! لقد قَفَّ شَعَرِي لما قلتَ، أين أنتَ مِن ثلاثٍ مَن حدَّثكَ بهنَّ فقد كذَب؛ مَن أخبَرك أن محمدًا رأَى ربَّه فقد كذَب. ثم قرَأت:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]. {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51]. ومَن أخبَرك بما

(3)

في غدٍ فقد كذَب. ثم تلَت آخرَ سورةِ "لقمانَ": {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34]. ومن أخبَرك أن محمدًا كتَم شيئًا [مِن الوحْيِ]

(4)

فقد كذَب. ثم قرَأت: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67]. قالت: ولكِنَّه رأَى جبريلَ في صورتِه مرَّتين

(5)

.

(1)

تقدم تخريجه في ص 11.

(2)

سقط من: م.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ما".

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

أخرجه عبد الله في السنة (548)، والحاكم 2/ 575، 576، وابن مردويه - كما في الفتح 8/ 606، =

ص: 31

حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنى إسماعيلُ، عن عامرٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بن نَوْفَلٍ، قال: سمِعتُ كعبًا ثم ذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الحميدِ بنِ بَيانٍ، غيرَ أنه قال في حديثِه: فرآه محمدٌ مرَّةً، وكلَّمه موسى مرَّتين.

ذكرُ مَن قال فيه: إنه

(1)

رأَى ربَّه

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن

سِماكٍ، عن

(2)

عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} . قال: إن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه بقلبِه. فقال له رجلٌ عندَ ذلك: أليس: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} ؟ قال له عكرِمةُ: أليس ترَى السماءَ؟ قال: بلى. قال: أَفَكُلَّها تَرَى

(3)

؟

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللَّهِ:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} . قال: دنا ربُّه فتَدلَّى، {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}. قال: قال ابنُ عباسٍ: قد رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم

(4)

.

= 607 - من طريق إسماعيل به مقتصرًا على قول كعب، وأخرجه الترمذي (3278)، وابن خزيمة في التوحيد ص 132، 149 من طريق الشعبي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 124 إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وسقط ذكر عامر الشعبي من مستدرك الحاكم.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في م: "ابن".

(3)

أخرجه الآجري في الشريعة (627) من طريق عمرو بن حماد به، وأخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (910) - مقتصرًا على قول ابن عباس، وفي (920) مطولًا بنحوه - من طريق أسباط به، وأخرجه الترمذي (3279)، وابن خزيمة في التوحيد ص 130 من طريق عكرمة به بنحوه.

(4)

أخرجه الترمذي (3280)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (906)، والبيهقي في الأسماء =

ص: 32

وقولُه: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد رآه عندَ سدرةِ المُنتَهى. فـ {عِنْدَ} مِن صلةِ قولِه: {رَآهُ} . والسدرةُ: شجَرةُ النَّبْقِ.

وقيل لها: سدرةُ المُنتَهى - في قولِ بعضِ أهلِ العلمِ من أهلِ التأويلِ - لأنه يَنتَهِي إليها علمُ كلِّ عالمٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حَدِّثْني عن قولِ اللَّهِ عز وجل: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} . فقال كعبٌ: إنها سدرةٌ في أصلِ العرشِ، إليها يَنْتَهِي علمُ كلِّ عالمٍ؛ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، أو نبيٍّ مُرسلٍ، ما خَلْفَها غيبٌ، لا يعلمُه إِلَّا اللَّهُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأَل ابنُ عباسٍ كعبًا عن سِدرةِ المُنتَهى وأنا حاضرٌ، فقال كعبٌ: إنها سدرةٌ على رءوسِ حَمَلةِ العرشِ، وإليها يَنتَهِي علمُ الخلائقِ، ثم ليس لأحدٍ وراءَها علمٌ، فلذلك سُمِّيت سدرةَ المُنتَهَى، لانتهاءِ العلمِ إليها

(2)

.

= والصفات (933) من طريق سعيد بن يحيى به، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 131، وابن حبان (57)، والطبراني (10727)، والآجري في الشريعة (1032)، واللالكائي (913) من طريق محمد بن عمرو به.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 150 من طريق عكرمة، عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى المصنف.

ص: 33

وقال آخرون: قيل لها: سِدْرةُ المُنتَهى لانتِهاءِ

(1)

ما يَهبِطُ مِن فوقِها ويَصْعَدُ مِن تحتِها من أمرِ اللَّهِ إليها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزُّبيرِ بنِ

(2)

عديٍّ، عن طلحةَ الياميِّ

(3)

، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما أُسرِي برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْتُهِي به إلى سدرةِ المُنتَهَى، وهي في السماءِ السادسةِ، إليها يَنتَهِي مَن يَعرُجُ مِن الأَرضِ أو مِن تحتِها فيُقْبَضُ منها، وإليها يَنتهِي ما يَهبِطُ من فوقِها فيُقْبَضُ منها

(4)

.

حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ

(5)

، قال: ثنا يَعلَى، عن الأجلحِ، قال: قلتُ للضَّحاكِ: لم تُسمَّى سدرةَ المُنتَهَى

(6)

؟ قال: لأنه يَنتَهِي إليها كلُّ شيءٍ مِن أمرِ اللَّهِ لا يَعْدُوها

(7)

.

وقال آخرون: قيل لها: سِدرةُ المُنَتَهى لأنه إليها يَنتَهِي كلُّ مَن كان على سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ومِنهاجِه.

(1)

في م: "لأنها ينتهى".

(2)

في م: "عن". وينظر تهذيب الكمال 9/ 315.

(3)

في الأصل: "اليماني". وينظر تهذيب الكمال 13/ 434.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيها".

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 460، وأحمد 6/ 181 (3665)، ومسلم (173)، والترمذي (3276)، والنسائي (450)، وأبو يعلى (5303)، وابن منده في الإيمان (741)، والبيهقي في الدلائل 2/ 372، 373، 5/ 474 من طريق مالك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"المروزي". وتقدم في 1/ 508.

(6)

بعده في ت 2، ت 3:"سدرة المنتهى".

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 426 من طريق الأجلح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى عبد بن حميد.

ص: 34

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} . قال: إليها يَنْتَهِي كلُّ أحدٍ خَلا على سُنَّةِ محمدٍ

(1)

؛ ولذلك سُمِّيتِ المُنتَهَى

(2)

.

حدَّثني عليُّ بنُ سَهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، انتَهَى إلى السدرةِ، فقيل له: هذه السدرةُ يَنتَهِي إليها كلُّ أحدٍ خَلا مِن أُمَّتِكَ على سُنَّتِك

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن معنى المُنتَهى الانتهاءُ. فكَأنَّه قال

(4)

: عندَ سدرةِ

(5)

الانتهاءِ. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها

(6)

: سدرةُ المُنتَهَى. لانتهاءِ علمِ كلِّ عالمٍ مِن الخَلْقِ إليها، كما قال كعبٌ. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها ذلك لانتهاءِ ما يَصْعَدُ مِن تحتِها وينزلُ مِن فوقِها إليها، كما رُوِي عن عبدِ اللَّهِ. وجائزٌ أن يكونَ قيل ذلك كذلك لانتهاءِ كلِّ مَن خلا مِن الناسِ على سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إليها. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها ذلك لجميعِ ذلك، ولا خبرَ يَقطَعُ العذرَ بأنه قيل ذلك لها لبعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فلا قولَ فيه أصحُّ مِن القولِ الذي قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه، وهو أنَّها سِدْرةُ المُنتَهَى.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أحمد".

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 95.

(3)

تقدم تخريجه في 14/ 436 مطولًا.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قيل".

(5)

بعده في الأصل: "المنتهى".

(6)

في ت 2، ت 3:"له".

ص: 35

وبالذي قُلنا في أنها شجرةُ النَّبقِ تتابعتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقال أهلُ العلمِ.

ذكرُ ما في ذلك من الآثارِ وقولِ أهلِ العلمِ

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "انتَهَيْتُ إلى السدرةِ، فإِذا نَبقُها مثلُ الجِرَارِ، وإذا ورقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، فَلَمَّا غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تحوَّلت ياقوتًا وزُمُرُّدًا ونحوَ ذلك"

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بن صَعْصَعةَ، رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لما انتهَيتُ إلى السماءِ السابعةِ أتَيتُ على إبراهيمَ، فقلتُ: يا جبريلُ، مَن هذا؟ قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ. فسلَّمتُ عليه، فقال: مرحبًا بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالحِ. قال: ثم رُفِعتْ إليَّ سدرةُ المُنتَهَى". فحَدَّث نبيُّ اللَّهِ أن نَبْقَها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وأن ورقَها مثلُ آذانِ الفِيَلةِ.

وحدَّثنا ابنُ المثَّنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، رجلٍ من قومِه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوِه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال. فذكَر نحوَه

(1)

.

(1)

تقدم تخريجه في 14/ 415.

ص: 36

حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيجٍ

(1)

الرازيُّ

(2)

، قال: ثنا الفضلُ بنُ عنبَسةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"رَكِبتُ البُراقَ، ثم ذُهِب بي إلى سِدرةِ المُنتَهَى، فإذا ورقُها كآذانِ الفِيلَةِ، وإذا ثمرُها كالقِلالِ. قال: فلمَّا غشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تغَيَّرت، فما أحدٌ يَستطيعُ أن يَصِفَها مِن حُسنِها. قال: فأوحَى اللَّهُ إليَّ ما أوحَى"

(3)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو النَّضرِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المُغيرةِ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عرَج بي الملَكُ. قال: ثم انتهَيتُ

(4)

إلى السِّدرةِ وأنا أعرِفُ أنها سِدرةٌ، أعرِفُ ورَقَها وثمرَها. قال: فلما غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تحوَّلتْ، حتى ما يستطيعُ أحدٌ أن يصِفَها"

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا يونسُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مثلَه، إلَّا أنه قال:"حتى ما أستطيعُ أن أصِفَها".

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازِيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم انتَهَى إلى السِّدرةِ، فقيل له: هذه السِّدرةُ ينتَهِي إليها كلُّ

(1)

في الأصل، ت 1، ت 3:"شريح". وينظر سير أعلام النبلاء 14/ 269.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3.

(3)

أخرجه أحمد 19/ 485 (12505)، ومسلم (162)، وأبو يعلى (3450، 3499)، وأبو عوانة 1/ 126، والبيهقي في الدلائل 2/ 382 - 384، والبغوي في شرح السنة (3753)، من طريق حماد بن سلمة به

(4)

في الأصل: "أتيت".

(5)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 3/ 493 - 495 من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان، عن ثابت، عن أنس.

ص: 37

أحدٍ خَلا من أمَّتِك على سُنَّتِك. فإذا هي شجرةٌ يَخرُجُ من أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسنٍ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيرْ طَعمُه، وأنهارٌ مِن خَمْرٍ لذَّةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مُصَفًّى، وهي شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين عامًا لا يقْطَعُها، والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ

(1)

الأمةَ كلَّها

(2)

.

وحدَّثنا ابنُ حمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، أُراه عن هُزيلِ

(3)

بنِ شُرحبيلَ، عن ابنِ مسعودٍ:{سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} . قال: من صُبْرِ

(4)

الجنةِ عليها، أو عليه، فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ، أو جُعِلَ عليها فضولٌ

(5)

.

وحدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرَّةً أُخرى، عن مِهرانَ، فقال: عن الحسنِ العُرنيِّ، عن الهُزيلِ، عن ابنِ مسعودٍ - ولم يَشُكَّ فيه - وزاد في الحديثِ: فقال: صُبْرُ الجنَةِ يعني وسطَها. وقال أيضًا: عليها فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ.

وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، عن الهُزَيلِ بنِ شُرحبيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ في قولِه:{سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} . قال: صُبْرُ الجنةِ عليها السندسُ والإستبرقُ.

وحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"تغطية"، وفي م:"تغطى".

(2)

تقدم تخريجه في 14/ 436.

(3)

في م: "هذيل"، وفي ت 3:"الهذيل". وينظر الإكمال 7/ 407، وتهذيب الكمال 30/ 172.

(4)

في الأصل: "صبرة"، وفي ت 2:"عبر الحسنة"، وفي ت 3:"خبر"، وصُبْر الجنة: أي أعلى نواحيها، وصُبْر كل شيء أعلاه. النهاية 3/ 9.

(5)

أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 6/ 125 - ومن طريقه الطبراني (9056)، وابن أبي شيبة 13/ 97 من طريق سفيان به.

ص: 38

يحيى بنِ عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وذكَر سِدرةَ المُنتَهَى، فقال: "يَسيرُ في ظِلِّ الفَننِ

(1)

منها مائةُ راكبٍ - أو قال: يَستظِلُّ في الفَننِ منها مائةُ راكبٍ. شَكَّ يحيى - فيها فَرَاشُ الذَّهَبِ، كأَنَّ ثمرَهَا القِلالُ"

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} . قال: السِّدرةُ شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يقطَعُها

(3)

، وإن ورقةً منها غَشِيت

(4)

الأمةَ كلَّها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "رُفِعَت لي سِدرةٌ، مُنتَهاها

(5)

في السماءِ السابعةِ، نَبْقُها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وورَقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، يخرُجُ مِن ساقِها نَهرانِ ظاهِرانِ ونَهرانِ باطِنانِ. قال: قلتُ لجبريلَ: ما هذان النَّهرانِ أزواجٌ

(6)

؟ قال: أما النَّهرانِ الباطِنانِ ففي الجنَّةِ، وأما النَّهرانِ الظَّاهرانِ فالنيلُ والفراتُ"

(7)

.

(1)

الفَنَن: غُصْن الشجرة. النهاية 3/ 476.

(2)

أخرجه الترمذي (2541) عن أبي كريب به - ووقع فيه زيادة عائشة بين عباد بن عبد الله بن الزبير وأسماء وهو خطأ، وينظر تحفة الأشراف 11/ 242، وتحفة الأحوذي 3/ 328 - وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3141)، والطبراني 24/ 87، 88 (234)، والحاكم 2/ 469 من طريق يونس بن بكير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى ابن مردويه.

(3)

في الأصل: "يقطعه".

(4)

في م: "غشت".

(5)

في الأصل: "منتهى".

(6)

بعده في م، ت 2، ت 3:"أرواح".

(7)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 251 - ومن طريقه أحمد 20/ 107 (12673)، وأبو يعلى (3185)، والدارقطني 1/ 25، والحاكم 1/ 81 - عن معمر، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا.

ص: 39

وقولُه: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: عندَ سِدرةِ المنتَهى جنةُ مأْوَى الشهداءِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} . قال: هي عن

(1)

يمينِ العرشِ، وهي منزلُ الشهداءِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ:{عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} . قال: هو كقولِه: {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 19].

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} . قال: منازلُ الشهداءِ

(3)

.

وقولُه: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد رآه نَزْلةً أُخرَى، إذ يَغْشَى السِّدرةَ ما يَغْشَى. فـ {إِذْ} مِن صلةِ {رَآهُ} .

واختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي غَشِي

(4)

السِّدرةَ؛ فقال بعضُهم: غَشِيَها فرَاشُ الذهبِ.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 126 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 253 عن معمر به.

(4)

في م: "يغشى".

ص: 40

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن طلحةَ الياميِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ

(1)

.

وحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ أو طلحةَ - شكَّ الأعمشُ - عن مسروقٍ في قولِه:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: غَشِيَها فَرَاشٌ

(2)

من ذَهَبٍ.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "رأيتُها - يعنِي

(3)

سدرةَ المُنتَهَى - حتى اسْتَثبتُّها، ثم حالَ دونَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ"

(4)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "رأيْتُها حتى اسْتَثبَتُّها، ثم حالَ دونَه

(5)

فَراشُ الذهَبِ".

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ وإبراهيمَ في قولِه:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ.

(1)

جزء من الحديث المتقدم في ص 34.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

في م: "بعيني"

(4)

أخرجه أبو يعلى (2656) من طريق أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى الحكيم الترمذي.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"دونها"

ص: 41

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى - يعني ابنَ عُبَيدةَ - عن يعقوبَ بنِ زيدٍ، قال: سُئلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما رأيتَ يَغْشَى السِّدرةَ؟ قال: "رأيتُها يَغْشاها فَراشُ من ذَهَبٍ"

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: قيل له: يا رسول اللَّهِ، أيُّ شيءٍ رأيتَ يغْشَى تلك السِّدرةَ؟ [قال: "رأيْتُها]

(2)

يَغْشاها فَراشُ الذهَبِ، ورأيتُ على كلِّ ورقةٍ من ورقِها مَلَكًا قائمًا يُسبِّحُ اللَّهَ"

(3)

.

وقال آخرون: الذي غَشِيَها ربُّ العزَّةِ وملائكتُه.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: غَشِيَها اللَّهُ، فرأَى محمدٌ مِن آياتِ ربِّه الكُبْرى.

وحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: كان أَغْصَانُ السِّدرةِ لُؤلؤًا وياقوتًا وزَبَرْجَدًا، فرآها محمدٌ، ورأَى محمدٌ بقلبِه ربَّه

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 126 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 3/ 381 عن المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 429.

(4)

تفسير مجاهد ص 627، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (927).

ص: 42

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} . قال: غَشِيَها نورُ الربِّ وغَشِيَتها الملائكةُ مِن حُبِّ اللَّهِ مثلَ الغِربانِ حينَ يقَعْنَ على الشَّجرِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنحوِه.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازِيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم انتَهَى إلى السِّدرة، [فقيل له: هذه السدرةُ]

(2)

. قال: فغَشِيَها نورُ الخَلَّاقِ، وغَشِيَتها الملائكةُ أمثالَ الغِربانِ حينَ يقَعْنَ على الشجرِ. قال: فكَلَّمَه عندَ ذلك، فقال له: سَلْ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ما مال بصرُ محمدٍ فعَدَل

(4)

يمينًا ولا

(5)

شمالًا عما رأَى

(6)

، ولا جاوَز ما أُمِر به فطَغى. يقولُ: فارْتَفَع عن الحدِّ الذي حُدَّ له.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 96.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

تقدم تخريجه في 14/ 435.

وإلى هنا ينتهي الجزء السادس والأربعون من نسخة جامعة القرويين ويبدأ الجزء السابع والأربعون من نفس النسخة.

(4)

في ص، م، ت 2، ت 3:"يعدل".

(5)

سقط من: الأصل، م، ت 2، ت 3.

(6)

بعده في م: "أي".

ص: 43

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} . قال: ما زاغ يمينًا ولا شمالًا، {وَمَا طَغَى}: وما

(1)

جاوز ما أُمِر به

(2)

.

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ في قولِه: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}. قال: ما مَال وما ارتفَع]

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ:{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} . قال: رأى جبريلَ في صورةِ الملَكِ

(4)

.

قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن ابنِ عباسٍ:{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} . قال: {مَا زَاغَ} : ما

(5)

ذهَب يمينًا ولا شمالًا، {وَمَا

(6)

طَغَى}: ما جاوز.

وقولُه: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: لقد رأَى

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لا".

(2)

أخرجه الحاكم 2/ 469 من طريق سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 126 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومسلم البطين قال عنه أبو حاتم: لم يدرك ابن عباس، كان يروي عن سعيد بن جبير. المراسيل ص 218.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (370) من طريق موسى به.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

في ص، م، ت 3:"لا".

ص: 44

محمدٌ هنالك من أعلامِ ربِّه وأدلتِه، [الأعلامَ و]

(1)

الأدلةَ الكُبرى.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تلك الآياتِ الكُبرَى؛ فقال بعضُهم: رأَى رَفْرفًا أخضرَ قد سدَّ الأُفُقَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ:{لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} . قال: رَفْرفًا أخضرَ من الجنةِ قد سدَّ الأُفُقَ

(2)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ. فذكَر مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ:{مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} . قال: رَفْرفًا أخضرَ قد سدَّ الأُفُقَ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الأعمشِ، أن ابنَ مسعودٍ قال: رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم رَفرفًا أخضرَ من الجنةِ قد سدَّ الأُفُقَ.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 6/ 126 - ومن طريقه الطبراني (9053) عن أبي معاوية به، وأخرجه الطيالسي (276)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 253، والبخاري (3233)، وابن خزيمة في التوحيد ص 133، 134، وابن منده في الإيمان (746، 747، 749، 750)، والبغوي في تفسيره 7/ 407 من طريق الأعمش به.

(3)

أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 6/ 126 - ومن طريقه الطبراني (9051)، والبخاري (4858)، والنسائي في الكبرى (11543)، وابن منده في الإيمان (748)، والبيهقي في الدلائل 2/ 372 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.

ص: 45

وقال آخرون: رأى جبريلَ في صورتِه.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} . قال: رأَى جبريلَ في خَلْقِه الذي يكونُ به في السماوات، قدرَ قَوْسَين من رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فيما بينَه وبينَه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأيتم أيُّها المشركون اللاتَ. وهي من

(2)

"اللَّهِ"، أُلْحِقَت فيه التاءُ فأُنِّثَت، كما قيل: عمرٌو. للذَّكرِ، [ثم قيل]

(3)

للأنثَى: عَمْرةُ. وكما قيل للذَّكرِ: عباسٌ. ثم قيل للأنثَى: عَبَّاسَةُ. فكذلك سَمَّى المشركون أوثانَهم بأسماءِ اللَّهِ تعالى ذكرُه وتقَدَّست أسماؤُه، فقالوا مِن "اللَّهِ": اللاتَ. ومِن "العزيزِ": العُزَّى.

وزعَموا أنهن بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّهُ عما يقولون [وافْتَرَوْا؛ فقال جلَّ ثناؤُه لهم: أفرأيتم أيُّها الزاعمون أن اللاتَ والعُزَّى ومناةَ]

(4)

الثالثةَ الأخرى بناتُ اللَّهِ، {أَلَكُمُ الذَّكَرُ}. يقولُ: أتَخْتارون لأنفسِكم الذَّكرَ مِن الأولادِ وتَكْرَهون لها الأنثَى، وتَجْعَلون له الأنثَى التي لا تَرْضَوْنها لأنفسِكم، ولكنكم تَقْتُلونها؛ كراهةً منكم لهن.

واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {اللَّاتَ} ؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 98.

(2)

بعده في الأصل: "أمر".

(3)

في م: "و".

(4)

سقط من: الأصل.

ص: 46

بتخفيفِ التاءِ، على المعنى الذي وصَفْتُ.

وذُكِر أن اللاتَ بيتٌ كان بنَخْلةَ تَعْبُدُه قريشٌ. وقال بعضُهم: كان بالطائفِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} : أما اللاتُ فكانت

(1)

بالطائفِ

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} . قال: اللاتُ بيتٌ كان بنَخْلةَ، تَعْبُدُه قريشٌ

(3)

.

وقرَأ ذلك ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وأبو صالحٍ: (اللَّاتَّ). بتشديدِ التاءِ

(4)

، وجعَلوه صفةً للوَثَنِ الذي عبَدُوه. وقالوا: كان رجلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ

(5)

للحاجِّ، فلمَّا مات عكَفوا على قبرِه فعبَدُوه.

ذكرُ [الخبرِ عمن قاله]

(6)

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ والعُزَّى). قال: كان يَلُتُّ السَّوِيقَ للحاجِّ، فعُكِف

(1)

في م: "فكان".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 253 عن معمر، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 126، 127 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 407.

(4)

وهي قراءة رويس عن يعقوب وهو من العشرة، ورويت عن ابن كثير وطلحة وأبي الجوزاء. وقرأ الباقون (اللاتَ) بتخفيف التاء. النشر 2/ 283، والإتحاف ص 248.

(5)

السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق. ولت السويق: خلطه بسمن أو غيره. الوسيط (س و ق، ل ت ت).

(6)

في ص، م، ت 1:"الخبر بذلك عمن قاله"، وفي ت 2، ت 3:"من قال ذلك".

ص: 47

على قبرِه

(1)

.

وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ). قال: اللَّاتُّ كان يَلُتُّ السَّوِيقَ للحاجِّ.

وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:(اللَّاتَّ). قال: كان يَلُتُّ السَّوِيقَ لهم

(2)

، فمات، فعكَفوا على قبرِه فعبَدوه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:(اللَّاتَّ والعُزَّى). قال: رجلٌ يَلُتُّ للمشركين السَّويقَ، فمات فعكَفوا على قبرِه.

حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه:(اللَّاتَّ). قال: اللَّاتُّ الذي كان يَقومُ على آلهتِهم، ويَلُتُّ لهم السَّويقَ، وكان بالطائفِ

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن أبي الأشْهَبِ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان يَلُتُّ السويقَ للحاجِّ

(4)

.

وأولى القراءتين

(5)

بالصوابِ عندَنا في ذلك قراءةُ مَن قرَأَه بتخفيفِ التاءِ، على

(1)

أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 97، 98 من طريق منصور به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 126 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 98 من طريق أبي صالح، عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه البخاري (4859) من طريق أبي الأشهب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 126 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(5)

في الأصل: "القولين".

ص: 48

المعنى الذي وصَفْتُ لقارئِه كذلك؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه.

وأما العُزَّى فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيها؛ فقال بعضُهم: كانت شَجَراتٍ يَعْبُدونها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَالْعُزَّى} . قال: العُزَّى شُجَيْراتٌ

(1)

.

وقال آخرون: كانت العُزَّى حَجَرًا أبيضَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: العُزَّى حجرٌ أبيضُ

(2)

.

وقال آخرون: كان بيتًا بالطائفِ تَعْبُدُه ثقيفٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْعُزَّى} . قال: العُزَّى بيتٌ بالطائفِ تَعْبُدُه ثقيفٌ.

وقال آخرون: بل كانت ببطنِ نَخْلةَ

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 126 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 100.

(3)

بطن نخلة: موضع بين مكة والطائف. ينظر تاج العروس (ن خ ل).

ص: 49

ذكرُ مَن قال ذلك

[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْعُزَّى} . قال: أما العُزَّى فكانت ببطنِ نَخْلَةَ.

وأما مناةُ فإنها كانت فيما ذُكِر لخُزاعةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك]

(1)

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} . قال: أما مَناةُ فكانت بقُدَيْدٍ، آلهةٌ كانوا يَعْبُدونها. يعني اللاتَ والعُزَّى ومَناةَ

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} . قال: مناةُ بيتٌ كان بالمُشَلَّلِ

(3)

، يَعْبُدُه بنو كعبٍ

(4)

.

واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ الوقفِ على اللاتِ ومناةَ

(5)

؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: إذا سكَتَّ قلتَ: اللاتْ

(6)

. وكذلك مناهُ تقولُ: مَناه

(7)

. قال: وقال بعضُهم: اللَّاتُّ. فجعَله مِن اللتِّ الذي يَلُتُّ، ولغةٌ

(8)

للعربِ يَسْكُتون على ما فيه الهاءُ بالتاءِ، يقولون: رأيْتُ طَلْحَتْ.

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 253 عن معمر عن قتادة بنحوه.

(3)

المشلَّل: جبل يهبط منه إلى قديد. تاج العروس (ش ل ل).

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 408.

(5)

في ص، م، ت 1:"منات".

(6)

في الأصل: "اللاه".

(7)

في م: "منات".

(8)

في الأصل: "لغاة".

ص: 50

وكلُّ شيءٍ [في القرآنِ]

(1)

مكتوبٌ بالتاءِ

(2)

فإنما

(3)

تَقِفُ عليه بالتاء، نحوَ:{بِنِعْمَتِ رَبِّكَ} [الطور: 29]، و {شَجَرَتَ الزَّقُّومِ} [الدخان: 43].

وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ

(4)

يَقِفُ على {اللَّاتَ} بالهاءِ: (أفَرأيْتُمُ اللاه).

وكان غيرُه منهم يقولُ: الاختيارُ في كلِّ ما لم يُضَفْ أن يكونَ بالهاءِ: {رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} [الكهف: 98]. {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ} [المؤمنون: 20]. وما كان مضافًا فجائزٌ بالهاءِ والتاءِ، فالتاءُ للإضافةِ، والهاءُ لأنه يُفْرَدُ ويُوقَفُ عليه دونَ الثاني.

وهذا القولُ الثالثُ أَقْيَسُ

(5)

اللغاتِ، وأكثرُها في العربِ، وإن كان للأخرى وجهٌ معروفٌ. وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ

(6)

يقولُ: اللاتُ والعزَّى ومناةُ الثالثةُ أصنامٌ مِن حجارةٍ، كانت في جوفِ

(7)

الكعبةِ يَعْبُدونها.

وقولُه: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} . يقولُ: أتَزْعُمون أن لكم الذكرَ الذي تَرْضَوْنه، وللَّهِ الأُنثى التي لا تَرْضَوْنها لأنفسِكم، {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قِسْمتُكم هذه قسمةٌ جائزةٌ غيرُ مستويةٍ، ناقصةٌ غيرُ تامةٍ؛ لأنكم جعَلْتُم لربِّكم من الولدِ ما تَكْرَهون لأنفسِكم، وآثَرْتُم أنفسَكم بما تَرْضَوْنه. والعربُ تقولُ: ضِزْتُه حقَّه. بكسرِ الضادِ، وضُزْتُه، بضمِّها، فأنا أَضِيزُه، وأَضُوزُه. وذلك إذا نقَصْتَه حقَّه ومَنَعْتَه.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بالهاء".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فإنها".

(4)

هو الكسائي، كما في معاني القرآن للفراء 3/ 97.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أفشى".

(6)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 236.

(7)

في الأصل: "وجوه".

ص: 51

وحُدِّثْتُ عن معمرِ بنِ المثنى قال: أنْشَدَني الأخفشُ

(1)

:

فإن تَنْأَ عنا نَنْتَقِصْك

(2)

وإن تَغِبْ

فسهمُك مَضْئُوزٌ وأنْفُك راغمُ

ومِن العربِ مَن يقولُ: ضَيْزَى. بفتحِ الضادِ وتركِ الهمزِ منها

(3)

، ومنهم مَن يقولُ: ضَأْزَى. بالفتحِ والهمزِ، وضُؤْزَى. بالضمِّ والهمزِ، ولم يَقْرَأْ أحدٌ بشيءٍ من هذه اللغاتِ

(4)

. وأما الضِّيزَى بكسرِ الضادِ فإنها "فُعْلَى" بضمِّ الفاءِ، وإنما كُسِرَت الضادُ منها كما كُسِرَت مِن قولِهم: قومٌ بِيضٌ وعِينٌ. وهي فُعْلٌ

(5)

؛ لأن واحدَها بيضاءُ وعيناءُ، ليُؤَلِّفوا بين الجمعِ والاثنين والواحدِ، وكذلك كرِهوا ضمَّ الضادِ مِن ضِيزَى، فتقولُ: ضُوزَى. مخافةَ أن تَصيرَ بالواوِ، وهي من الياءِ.

وقال الفَرَّاءُ

(6)

: إنما قَضَيتُ على أولِها بالضمِّ؛ لأن النُّعوتَ للمؤنثِ تأتي إما بفتحٍ وإما بضمٍّ، فالمفتوحُ: سَكْرَى وعَطْشَى، والمضمومُ: الأُنثى والحُبْلَى، فإذا كان اسمًا ليس بنعتٍ كُسِر أولُه كقولِه:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]. كُسِر أولُها لأنها اسمٌ ليس بنعتٍ، وكذلك الشَّعْرَى، كُسِر أُولُها لأنها اسمٌ ليس بنعتٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: {قِسْمَةٌ ضِيزَى} قال أهلُ التأويلِ، وإن اختَلَفت ألفاظُهم بالعبارةِ عنها؛ فقال بعضُهم: قِسمةٌ عَوْجاءُ.

(1)

البيت في تهذيب اللغة 12/ 52، وفي اللسان وتاج العروس (ض أ ز) غير منسوب.

(2)

في الأصل، ت 1، ت 2:"نقتنصك"، وفي ص:"نقصك".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيها".

(4)

قرأ ابن كثير من السبعة: (ضِئْزَى)، وقرأ باقي السبعة بغير همز، وقرأ زيد بن علي:(ضَيْزَى). وهي قراءةٌ شاذة. ينظر حجة القراءات ص 685، 686، والبحر المحيط 8/ 162.

(5)

في الأصل، ت 2:"فعلى".

(6)

معاني القرآن 3/ 99.

ص: 52

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا]

(1)

عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} . قال: عَوجاءُ

(2)

.

وقال آخرون: قِسمةٌ جائرةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} . يقولُ: قسمةٌ جائزةٌ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قِسْمَةٌ ضِيزَى} . قال

(3)

: جائرةٌ

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بن حفصٍ أبو عُبيدٍ الوَصَّابيُّ

(5)

، قال: ثنا ابنُ حِمْيَرٍ

(6)

، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن ابنِ أبي

(7)

عَمْرةَ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} . قال: تلك إذن قسمةٌ جائرةٌ، لا حقَّ فيها

(8)

.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

تفسير مجاهد ص 627. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 322 - . وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 397 - إلى عبد بن حميد.

(3)

بعده في م، ت 2، ت 3:"قسمة".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى عبد بن حميد.

(5)

في م: "الوصائي". وينظر الأنساب 5/ 606.

(6)

في الأصل، م، ت 2، ت 3:"حميد" وهو محمد بن حمير السُّلَيْحي. ينظر تهذيب الكمال 25/ 116.

(7)

سقط من: م. وهو سلام بن أبي عمرة الخراساني. ينظر تهذيب الكمال 12/ 293.

(8)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى المصنف.

ص: 53

وقال آخرون: قِسمةٌ منقوصةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} . قال: منقوصةٌ

(1)

.

وقال آخرون: قِسمةٌ مُخالِفةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} . قال: جعَلوا للَّهِ تبارك وتعالى بناتٍ، وجعَلوا الملائكةَ للَّهِ بناتٍ، وعبَدوهم. وقرَأ:{أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [الزخرف: 16، 17]. وقرَأ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ} إلى آخرِ الآيةِ [النحل: 57]. وقال: دعَوْا للَّهِ ولدًا كما دعَتِ

(2)

اليهودُ والنصارى. وقرَأ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [البقرة: 118]. قال: والضِّيزى في كلامِ العربِ المخالَفةُ. وقرَأ: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ما هذه الأسماءُ

(3)

، وهي اللاتُ

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 427.

(2)

في الأصل: "زعمت".

(3)

بعده في م: "التي سميتموها".

ص: 54

والعُزَّى ومَناةُ الثالثةُ الأخرى، إلا أسماءٌ سمَّيتُموها أنتم أيُّها المشركون باللَّهِ، وآباؤكم مِن قبلِكم، {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا} . يعني بهذه الأسماءِ، [{مِنْ سُلْطَانٍ}. يقولُ: من حُجةٍ لكم بصحةِ ما افتَرَيتم من هذه الأسماءِ]

(1)

. يقولُ: لم يُبحِ اللَّهُ لكم ذلك، ولا أذِن لكم به.

كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: [{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ}: ما كذلكم قال اللهُ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا]

(2)

مِنْ سُلْطَانٍ} إلى آخرِ الآيةِ.

وقولُه: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَتَّبِعُ هؤلاء المشركون في هذه الأسماءِ التي سمَّوْا بها آلهتَهم إلا الظنَّ بأن

(3)

ما يقولون حقٌّ، لا اليقينَ، {وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ}. يقولُ: وهَوَى أنفسِهم؛ لأنهم لم يأْخُذوا ذلك عن وحيٍ جاءهم مِن اللَّهِ، ولا عن [رسولٍ للَّهِ]

(4)

أخبَرهم به، وإنما هو اختراقٌ اختَرَقوه

(5)

من قِبَلِ أنفسِهم، أو أَخَذوه عن آبائِهم الذين كانوا مِن الكفرِ باللَّهِ على مثلِ ما هم عليه منه.

وقولُه: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} . يقولُ: ولقد جاء هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن ربِّهم البيانُ فيما

(6)

هم منه على غيرِ يقينٍ، وذلك تسميتُهم اللاتَ والعُزَّى ومناةَ هذه الأسماءَ وعبادتُهم إيَّاها. يقولُ: لقد جاءهم مِن ربِّهم الهُدى في ذلك

(7)

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في قوله".

(3)

في ص: "كان".

(4)

في الأصل: "رسول الله"، وفي ص، ت 1، ت 2، ت 3:"رسوله".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مما".

(7)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"و".

ص: 55

البيانِ بالوحيِ الذي أوحَيْناه إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أن عبادتَها لا تَنْبَغِي [لأحدٍ، و]

(1)

لا تصلُحُ العبادةُ إلا للَّهِ الواحدِ القهارِ.

وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} : فما انتَفَعوا به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: أم اشتَهى محمدٌ ما

(2)

أعطاه اللَّهُ مِن هذه الكرامةِ التي أَكرَمه بها؛ من النبوَّةِ، والرسالةِ، وإنزالِ

(3)

الوحيِ عليه، وتمنَّى ذلك، فأعطاه إياه ربُّه.

فللهِ ما في الدارِ الآخرةِ والأُولى - وهى الدنيا - يُعطِي مَن يشاءُ

(4)

مِن خَلْقِه ما شاء، ويَحْرِمُ مَن يشاءُ

(4)

منهم ما شاء.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} . قال: وإن كان محمدٌ تَمَنَّى هذا، فذلك له؟

وقولُه: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} . يقولُ تعالى ذكرُه

(5)

: كثيرٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ لا تَنْفَعُ شفاعتُهم عندَ اللَّهِ لمن شَفَعوا له شيئًا، إلا أن

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"وأنه".

(2)

في الأصل: "بما".

(3)

في الأصل، م، ت 1:"أنزل".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"شاء".

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وكم من ملك في السماوات"، وفي م: "وكم من ملك في =

ص: 56

يَشْفَعوا له مِن بعدِ أنْ يأذنَ اللَّهُ لهم بالشفاعةِ لمن يشاءُ منهم أن يَشْفَعوا له، {وَيَرْضَى}. يقولُ: ومن بعدِ أنْ يَرْضَى لملائكتِه الذين يَشْفَعون له أنْ يَشْفَعُوا له، فتَنْفَعَه حينَئذٍ شفاعتُهم. وإنما هذا توبيخٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لعبدةِ الأوثانِ والملإِ مِن قريشٍ وغيرِهم، الذين كانوا يقولون:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]. فقال اللَّهُ عز وجل لهم: ما تَنْفَعُ شفاعةُ ملائِكتي الذين هم عندي لمن شَفَعوا له، إلا مِن بعدِ إذنِي لهم بالشفاعةِ

(1)

له ورِضائي، فكيف بشفاعةِ مَن دونَهم؟ فَأَعْلَمهم أن شفاعةَ ما يَعبُدون مِن دونِه غيرُ نافعتِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين لا يُصدِّقون بالبعثِ في الدارِ الآخرةِ - وذلك يومُ القيامةِ - ليُسَمُّون ملائكةَ اللَّهِ تسميةَ الإناثِ. وذلك أنهم كانوا يقولون: هم بناتُ اللَّهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: {تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا]

(2)

عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى} . قال: الإناثِ.

= السماوات لا تغنى".

(1)

بعده في الأصل: "لا".

(2)

سقط من: الأصل.

ص: 57

وقولُه: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهم بما يقولون مِن تسميتِهم الملائكةَ تسميةَ الأُنثى مِن حقيقةِ علمٍ، {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}. يقولُ: ما يتَّبِعون في ذلك إلا الظَّنَّ. يعني أنهم إنما يقولون ذلك ظنًّا بغيرِ يقينِ

(1)

علمٍ.

وقولُه: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} . يقولُ: وإِنَّ الظَّنَّ لا يَنْفَعُ مِن الحقِّ شيئًا فيقومَ مقامَه.

وقولُه: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فدَعْ مَن أدبَر يا محمدُ عن ذكرِ اللَّهِ، ولم يؤمِنْ به فيوحِّدَه.

وقولُه: {وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} . يقولُ: ولم يَطْلُبْ ما عندَ اللَّهِ في الدارِ الآخرةِ، ولكنه طلَب

(2)

الحياةَ الدنيا، والتَمس البقاءَ فيها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)} .

قال أبو جعفرِ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي يقولُه هؤلاء الذين لا يؤمِنون بالآخرةِ في الملائكةِ، من تسميتِهم إيَّاها تسميةَ الأُنثى، {مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}. يقولُ: ليس لهم علمٌ إلا هذا الكفرُ باللَّهِ والشركُ به، على وجْهِ الظَّنِّ بغيرِ يقينِ علمٍ.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا} إلى قوله: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} . قال: يقولُ: ليس لهم علمٌ إلا الذي هم فيه مِن الكفرِ [باللَّهِ وبرسولِه]

(3)

،

(1)

ليست في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"زينة".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"برسول الله صلى الله عليه وسلم".

ص: 58

ومُكابَرتُهم

(1)

لِمَا جاء مِن عندِ اللَّهِ. قال: وهؤلاء أهلُ الشركِ.

وقولُه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ ربَّك يا محمدُ هو أعلمُ بمن جار عن طريقِه - في سابقِ علمِه - فلا يؤمِنُ. وذلك الطريقُ هو الإسلامُ، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى}. يقولُ: وربُّك أعلمُ بمن أصاب طريقَه فسلَكه في سابقِ علمِه. وذلك الطريقُ أيضًا الإسلامُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وللَّهِ مُلكُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ من شيءٍ، وهو يُضِلُّ مَن يشاءُ [ويَهْدِي من يشاءُ]

(2)

، وهو أعلمُ بهم، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا}. يقولُ: ليَجْزِيَ الذين عَصَوه مِن خَلْقِه فأساءوا بمعصيتِهم إيَّاه، فيُثِيبَهم بها النارَ، {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}. يقولُ: وَلِيَجْزِيَ الذين أطاعوه فأحسَنوا بطاعتِهم إيَّاه في الدنيا بالحُسنى، وهي الجنةُ، فيُثيبَهم بها.

وقيل: عُنِي بذلك أهلُ الشركِ والإيمانِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال

(3)

زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا [بِالْحُسْنَى} : الذين أساءُوا المشركون، والذين أَحسَنوا] (2)

(1)

في ص، م:"مكايدتهم"، وفي ت 2، ت 3:"مكايدهم".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2:"ابن".

ص: 59

المؤمنون.

وقولُه: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ} . يقولُ: الذين يَبْعُدون

(1)

عن كبائرِ الإثمِ التي نهَى اللَّهُ عنها وحرَّمها عليهم فلا يقرَبونها. وذلك الشركُ باللَّهِ، وما قد بيَّناه في قولِه:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].

وقولُه: {وَالْفَوَاحِشَ} . وهي الزِّنى وما أشبَهه مما أوجَب اللَّهُ فيه حدًّا.

وقولُه: {إِلَّا اللَّمَمَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى: {إِلَّا} في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي بمعنى الاستثناءِ المنقطعِ. وقالوا: معنى الكلامِ: الذين يَجتَنِبُون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ، إلا اللَّمَمَ الذي ألمُّوا به من الإثمِ والفواحشِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، فإن اللَّهَ قد عفا لهم عنه، فلا يُؤاخِذُهم به.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . يقولُ: إلا ما قد سلَف

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: قال

(3)

المشركون: إنما كانوا بالأمسِ يَعْمَلون معنا. فأنزَل اللَّهُ عز وجل: {إِلَّا اللَّمَمَ} : ما كان منهم

(1)

في م: "يبتعدون".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

سقط من: م.

ص: 60

في الجاهليةِ. قال: واللَّمَمُ: الذي ألمُّوا به مِن تلك الكبائرِ والفواحشِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، وغفَرها لهم حين أسلَموا

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عياشٍ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: سأل رجلٌ زيدَ بنَ ثابتٍ عن هذه الآيةِ: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . فقال: حرَّم اللَّهُ عليك

(2)

الفواحشَ، ما ظهَر منها وما بطَن

(3)

.

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال:[أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ]

(4)

في قولِ اللَّهِ عز وجل: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: كبائرَ الشركِ. {وَالْفَوَاحِشَ} : الزِّنى؛ ترَكوا ذلك حينَ دخَلوا في الإسلامِ، فغفَر اللَّهُ لهم ما كانوا ألمُّوا به وأصابوا مِن ذلك قبلَ الإسلامِ

(3)

.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ

(5)

ممن يوجِّهُ تأويلَ {إِلَّا} في هذا الموضعِ إلى هذا الوجهِ الذي ذكَرْتُه عن ابنِ عباسٍ يقولُ في تأويلِ ذلك: لم يُؤذَنْ لهم في اللَّمَمِ، وليس هو مِن الفواحشِ، ولا مِن كبائرِ الإثمِ، وقد يُسْتَثْنى الشيءُ مِن الشيءِ وليس منه، على ضميرٍ قد كُفَّ عنه، فمجازُه: إلا أنْ يُلِمَّ مُلِمٌّ

(6)

بشيءٍ ليس مِن الفواحشِ ولا مِن الكبائرِ. قال الشاعرُ

(7)

:

وبَلْدَةٍ

(8)

ليس بِها أنيسُ

إلا اليعافيرُ وإلا العِيسُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى المصنف.

(2)

في الأصل: "عليكم".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف

(4)

في ت 2، ت 3:"قال ابن زيد"

(5)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 237.

(6)

سقط من: م.

(7)

هو جران العود النميري. وتقدم البيت في 7/ 483، 12/ 417.

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بلد".

ص: 61

واليعافيرُ الظباءُ، والعِيسُ الإبلُ، وليسا مِن الناسِ، فكأنه قال: ليس به أنيسٌ، غيرَ أنَّ به ظِباءً وإبِلًا. وقال بعضُهم: اليَعْفُورُ من الظباءِ الأحمرُ، والأعيسُ الأبيضُ.

وقال بنحوِ هذا القولِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: زنى العينين النظرُ، وزنى الشَّفَتَيْن التَّقْبِيلُ، وزنى اليدين البطْشُ، وزنى الرِّجلَين المشيُ، ويُصدِّقُ ذلك الفرجُ أو يُكذِّبُه، فإن تقدَّم بفرجِه كان زانيًا، وإلا فهو اللَّمَمُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وأخبَرنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: ما رأيتُ شيئًا أشبَهَ باللَّمَمِ مما قال أبو هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ اللَّهَ كتَب على ابنِ آدمَ حظَّه من الزِّنى أَدْرَكه ذلك لا محالةَ؛ فزنى العَيْنَينِ النظرُ، وزنى اللسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَتَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبُه"

(2)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قولِه:{إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: إن تقدَّم كان زنًى، وإن تأخَّر كان لَمَمًا

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا منصورُ بنُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 435 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255 - ومن طريقه الحاكم 2/ 470، والبيهقي في الشعب (7060) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه أبو داود (2152) من طريق محمد بن ثور به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 253 - ومن طريقه أحمد 3/ 152، 153 (7719)، والبخاري (6612)، ومسلم (2657)، والنسائي في الكبرى (11544)، وابن حبان (4420)، والبيهقي 7/ 89، 10/ 186، وفي الشعب (5427) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 435.

ص: 62

عبدِ الرحمنِ، قال: سألتُ الشَّعْبيَّ عن قولِه: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: [هو ما]

(1)

دونَ الزنى. ثم روَى

(2)

لنا عن ابنِ مسعودٍ، قال: زنى العينين ما نظَرَتْ إليه، وزنى اليدِ ما لَمَسَتْ، وزنى الرِّجْلِ ما مَشَت، والتحقيقُ بالفَرْجِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا وُهَيْبٌ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيْمِ بنِ عمرٍو القارِيُّ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ نافعٍ - الذي يقالُ له: ابنُ لبابةَ الطائفيُّ - قال: سألتُ أبا هريرةَ عن قولِ اللَّهِ عز وجل: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: القُبْلَةُ، والغَمْزَةُ، والنَّظْرَةُ، والمباشَرةُ، إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجَب الغسلُ، وهو الزنى

(4)

.

وقال آخرون: بل ذلك استثناءٌ صحيحٌ، ومعنى الكلامِ: الذين يَجْتَنِبون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ

(5)

إلا أن يُلِمَّ بها ثم يتوبَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ إسحاقَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بالفاحشةِ ثم يتوبُ. قال: وقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(6)

:

(1)

في الأصل: "إن تقدم كان زنى مما هو".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذكر".

(3)

ينظر تفسير ابن كثير 7/ 435.

(4)

أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (4123) - من طريق عبد الله بن عثمان به، وذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 436 عن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى ابن أبي حاتم.

(5)

بعده في م، ت 2:"إلا اللمم".

(6)

البيت لأمية بن أبي الصلت، ديوانه ص 58.

ص: 63

"إِنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمّا

وأَىُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا"

(1)

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال في هذه الآيةِ:{إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: الذي يُلِمُّ بالذنبِ ثم يدَعُه، وقال الشاعرُ:

إِنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِر جمّا

وأيُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا

(2)

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بزيعٍ، قال:[حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال]

(3)

: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، عن أبي هريرةَ، أُراه رفعَه، في:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: اللَّمةُ مِن الزنى، ثم يتوبُ ولا يعودُ، واللَّمةُ مِن السرقةِ، ثم يتوبُ ولا يعودُ، واللَّمةُ مِن شربِ الخمرِ، [إن شاء اللَّهُ]

(4)

، ثم يتوبُ ولا يعودُ. قال: فتلك الإلمامُ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: اللَّمةُ مِن الزنى، أو

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 436 عن المصنف، وأخرجه الترمذي (3284)، والبيهقي 10/ 185، وفي الشعب (7055)، والبغوي في تفسيره 7/ 128 من طريق أبي عاصم به. وأخرجه الحاكم 2/ 469، والبيهقي في الشعب (7056) من طريق زكريا بن إسحاق به. وأخرجه الحاكم 4/ 245 من طريق زكريا بن إسحاق به موقوفًا.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 436 عن المصنف، وأخرجه البيهقي 10/ 185، وفي الشعب (7057) من طريق شعبة عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

سقط من: م، ت 2، ت 3.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 436 عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (7058، 7059) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1095 - زيادات الحسين) من طريق يونس عن الحسن قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

ص: 64

السرقةِ، أو شربِ الخمرِ، ثم لا يعودُ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ}

(2)

. كان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقولون: هو

(3)

الرجلُ يُصيبُ اللَّمةَ مِن الزنى، واللَّمةَ مِن شربِ الخمرِ، فيُخْفِيها فيتوبُ منها

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ:{إِلَّا اللَّمَمَ} : يُلِمُّ بها في الحينِ. قلتُ: الزنى؟ قال: الزنى ثم يتوبُ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: كان الحسنُ يقولُ في اللَّممِ: تكونُ اللَّمةُ مِن الرجلِ بالفاحشةِ ثم يتوبُ

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: الزنى ثم يتوبُ

(7)

.

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن في قول الله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ}. قال: اللمة من الزنى أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود".

والأثر في تفسير مجاهد ص 627 من طريق عقبة الأصم، عن الحسن.

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال قد".

(3)

في م، ت 2، ت 3:"هذا".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 437. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 437. عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف وابن المنذر.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 256 عن معمر به.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 65

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ:{إِلَّا اللَّمَمَ} : قال: أَن يَقَعَ الوقعةَ ثم يَنتَهِيَ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال:{اللَّمَمَ} . الذي [يُلِمُّ المرَّةَ]

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ

(2)

، قال: أخبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن المُثنَّى بنِ الصَّباحِ، عن عمرٍو بنِ شعيبٍ، [أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ، قال: اللَّمَمُ ما دونَ الشركِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ]

(4)

، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ

(5)

، عن عبدِ اللَّهِ بنِ القاسمِ في قولِه:{إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: اللَّمةُ يُلِمُّ بها مِن الذنوبِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: الرجلُ يُلِمُّ بالذنبِ ثم يَنْزِعُ عنه. قال: وكان أهلُ الجاهليةِ يَطوفون بالبيتِ وهم يقولون:

إِنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا

وأيُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا

وقال آخرون ممن وجَّه معنى {إِلَّا} إلى الاستثناءِ المنقطعِ: اللَّمَمُ هو ما دونَ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ، قد تجاوز اللَّهُ عنه.

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"يلم المرأة"، وفي م:"تلم المرة".

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 437 عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (7056) من طريق عمرو به مطولًا بمعناه.

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال قال ابن زيد".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 437 عن المثنى بن الصباح وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف.

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مرة". وهو قرة بن خالد السدوسي. ينظر تهذيب الكمال 23/ 577.

ص: 66

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ الزبيرِ:{إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وعذابِ الآخرةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المُثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةُ، عن الحكمِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في اللَّمَمِ: ما دونَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا والآخرةِ.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ وقتادةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلهِ، إلا أنه قال: حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتَيْبةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: اللَّمَمُ ما دونَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: كلُّ شيءٍ بين

(3)

الحدَّين - حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ - تُكفِّرُه الصلواتُ وهو اللَّمَمُ، وهو دونَ كلِّ موجِبٍ، فأما حدُّ الدنيا فكلُّ حدٍّ فرَض اللَّهُ عقوبتَه في الدنيا، وأما حدُّ الآخرةِ فكلُّ شيءٍ ختَمه اللَّهُ بالنارِ وأخَّر عقوبتَه إلى الآخرةِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه:{إِلَّا اللَّمَمَ} . يقولُ: ما بينَ الحدَّين؛ كلُّ ذنبٍ ليس فيه حدٌّ في الدنيا

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 437 عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 127 إلى ابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه البغوي في الجعديات (272) من طريق شعبة به.

(3)

في الأصل: "من".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 437 عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى عبد بن حميد.

ص: 67

ولا عذابٌ في الآخرةِ فهو اللَّمَمُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} : واللَّمَمُ ما كان بينَ الحدَّين لم يَبْلُغْ حدِّ الدنيا ولا حدَّ الآخرةِ؛ موجِبةً قد أوجَب اللَّهُ لأهلِها النارَ، أو فاحشةً يقامُ بها

(1)

الحدُّ في الدنيا

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: قال بعضُهم: اللَّمَمُ ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اللَّمَمُ ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الضحاكُ: {إِلَّا اللَّمَمَ} . قال: كلُّ شيءٍ بينَ حدِّ الدنيا والآخرةِ فهو اللَّمَمُ، يَغْفِرُه اللَّهُ

(3)

.

وأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: {إِلَّا} بمعنى الاستثناءِ المنقطعِ. ووجَّه معنى الكلامِ إلى: الذين يَجتَنِبُون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ إلا اللَّمَمَ بما دونَ كبائرِ الإثمِ، ودونَ الفواحشِ الموجِبةِ الحدودَ

(4)

في الدنيا والعذابَ في الآخرةِ، فإن ذلك معفوٌّ لهم عنه. وذلك عندي نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]. فوعَد جلَّ ثناؤُه باجتنابِ الكبائرِ العفوَ عما

(5)

دونَها مِن

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، وفي م، والدر المنثور:"عليه".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 108، وابن كثير في تفسيره 7/ 437.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"للحدود".

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 68

السيئاتِ، وهو اللَّمَمُ الذي قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"العينان تَزنِيان، واليَدَان تَزنِيان، والرِّجلان تَزنِيان، ويُصدِّقُ ذلك الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه". وذلك أنه لا حدَّ فيما دونَ وُلُوجِ الفرجِ في الفرجِ يَجِبُ

(1)

، وذلك هو العفوُ من اللَّهِ في الدنيا عن عقوبةِ العبدِ عليه، واللَّهُ جلَّ ثناؤُه أكرَمُ من أن يعودَ فيما قد عفا عنه، كما رُوِي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

واللَّمَمُ في كلامِ العربِ المقاربةُ للشيءِ، ذكَر الفرّاءُ

(3)

أنه سمِع العربَ تقولُ: ضَرَبه ما لَمَم القتلَ. يريدون: ضَرْبًا مُقارِبًا للقتلِ. قال: وسمِعتُ مِن آخرَ: ألمَّ يفعَلُ. في معنى: كاد يفعَلُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: إنَّ ربَّك يا محمدُ {وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} : واسعٌ عفوُه للمُذْنِبين الذين لم تَبْلُغْ ذنوبُهم الفواحشَ وكبائرَ الإثمِ. وإنما أعلَم جلَّ ثناؤُه بقوله هذا عبادَه أنه يَغْفِرُ اللَّمَمَ - بما وصَفْنا مِن الذنوبِ - لمن اجتَنَب كبائرَ الإثمِ والفواحشَ.

كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} : قد غفَر

(4)

ذلك لهم.

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه أحمد 2/ 165 (775)، وعبد بن حميد (87)، وابن ماجه (2604)، والترمذي (2626)، وأبو يعلى (453) من حديث علي مرفوعًا، ولفظ أحمد: "

ومن أذنب ذنبًا في الدنيا، فستر الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه". وينظر تفسير ابن كثير 7/ 195.

(3)

في معاني القرآن 3/ 100.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"غفرت".

ص: 69

وقولُه: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ربُّكم أعلمُ بالمؤمنِ منكم مِن الكافرِ، والمحسنِ منكم مِن المسيءِ، والمطيعِ مِن العاصي، حينَ ابْتَدَعكم مِن الأرضِ فَأَحْدَثكم منها، بخلْقِ أبيكم آدمَ منها، وحينَ {أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}. يقولُ: وحينَ أنتم حَمْلٌ لم تُولَدوا، منكم بأنفسِكم

(1)

بعدما صِرْتم رجالًا ونساءً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} . قال: كنحوِ قولِه: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}

(2)

[الأنعام: 117، النحل: 125، القصص: 56، القلم: 7].

وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} . قال: حينَ خلَق آدمَ مِن الأرضِ، ثم خلَقكم مِن آدمَ. وقرَأ:{وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}

(3)

.

وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ معنى الجَنِينِ، ولِمَ قيل له: جَنِينٌ. بما أَغْنى عن إعادِته في هذا الموضعِ.

وقولُه: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلا تشهَدوا لأنفسِكم

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"فأنفسكم"، وفي م:"وأنفسكم". وهي متعلقة بقوله: ربكم أعلم بالمؤمن منكم

(2)

تفسير مجاهد ص 628.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف

ص: 70

بأنها زكيةٌ بريئةٌ مِن الذنوبِ والمعاصي.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} . يقولُ: فلا تُبرِّئوها

(1)

.

وقولُه: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وربُّك يا محمدُ أعلمُ بمن خاف عقوبةَ اللَّهِ فاجتَنَب معاصيَه مِن عبادِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتَ يا محمدُ الذي أدْبَر عن الإيمانِ باللَّهِ، وأعرَض عنه وعن دينِه، وأعطى صاحبَه قليلًا من مالِه، ثم منَعه [فبَخِل عليه فلم يُعْطِه]

(2)

.

وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في الوليدِ بنِ المغيرةِ؛ مِن أجْلِ أنه عاتَبه بعضُ المشركين، وكان قد اتَّبع رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على دينِه، فضَمِن له الذي عاتَبه إن هو أعطاه شيئًا مِن مالِه ورجَع إلى شِرْكِه، أن يَتَحمَّلَ عنه عذابَ الآخرةِ، ففَعَل، فأعطى الذي عاتَبه على ذلك بعضَ ما كان ضَمِن له، ثم بَخِل

(3)

، ومنَعه تمامَ ما ضَمِن له.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فلم يعطه فبخل عليه".

(3)

بعده في م، ت 2، ت 3:"عليه".

ص: 71

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَأَكْدَى} . قال: الوليدُ بن المغيرةِ أعطَى قليلًا ثم أَكْدَى

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} إلى: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} . قال: هذا رجلٌ أسلَم، فلقِيه بعضُ مِن يُعَيِّرُه، فقال: أتَرَكْتَ دينَ الأشياخِ وضَلَّلتَهم وزعَمتَ أنهم في النارِ؟ كان يَنْبَغِي لك أن تَنْصُرَهم، فكيف تَفْعَلُ

(2)

بآبائِك؟ فقال: إني خَشِيتُ عذابَ اللَّهِ. فقال: أَعطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليك عنك. فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْني. فتعاسَرا، حتى أعطاه شيئًا وكتَب له كتابًا وأشهَد له، فذلك قولُ اللَّهِ:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} : عاسَره، {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} . نزَلت فيه هذه الآيةُ

(3)

.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: {وَأَكْدَى} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ:{وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} . قال: أعطَى قليلًا ثم انقطَع.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} .

(1)

تفسير مجاهد ص 628، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(2)

في م: "يفعل".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى المصنف

ص: 72

يقولُ: أعطَى قليلًا ثم انقطَع

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} . قال: انقطَع فلا يُعْطِي شيئًا، ألم تَرَ إلى البئرِ يقالُ لها: أَكْدَتْ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَكْدَى} : انقطَع عطاؤُه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ وقتادةَ في قولِه:{وَأَكْدَى} . قال: أعطَى قليلًا، ثم قطَع ذلك

(3)

.

قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن عكرمةَ مثلَ ذلك

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَكْدَى} . أي: بَخِل وانقطَع عطاؤُه.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَكْدَى} . يقولُ: انقطَع عطاؤُه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(2)

تفسير مجاهد ص 628. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 322. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 254 عن معمر، عن قتادة

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 254 عن معمر، عن رجل، عن عكرمة.

ص: 73

{وَأَكْدَى} : عاسَره.

والعربُ تقولُ: حفَر فلانٌ فأَكْدى. وذلك إذا بلَغ الكُدْيَةَ، وهو أن يَحفِرَ الرَّجلُ في السَّهلِ، ثم يَسْتقبِلَه جبلٌ فيُكْدِيَ، يقالُ: قد أَكْدى يُكْدِي

(1)

كِداءً. و: كَدِيَتْ أظفارُه وأصابعُه كِدًى شديدًا. منقوصٌ، إِذا غَلُظَت. و: كَدِيَتْ أصابعُه. إذا كَلَّت فلم تَعْمَلْ شيئًا. و: كَدَأ النَّبْتُ. إذا قلَّ رَفْعُه

(2)

، يُهْمَزُ ولا يُهْمَزُ.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ

(3)

يقولُ: اشتُقَّ قولُه: {وَأَكْدَى} . مِن كُدْيةِ الرَّكِيَّةِ

(4)

، وهو أن يَحْفِرَ حتى يَيْأَسَ مِن الماءِ، فيُقالُ حينئذٍ: بلَغْنا كُدْيَتَها.

وقولُه: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: أعندَ هذا الذي ضَمِن له صاحبُه أنه يتَحمَّلُ عنه عذابَ اللَّهِ في الآخرةِ - علمُ الغيبِ، فهو يرى حقيقةَ قولِه، ووفائِه بما وعَده؟!

وقولُه: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: أم لم يُخْبَرْ هذا المضمونُ له أنه يُتحمَّلُ عنه عذابُ اللَّهِ في الآخرةِ - بالذي في صحفِ موسى بنِ عمرانَ صلواتُ اللَّهِ عليه.

وقولُه: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . يقولُ: وإبراهيمَ الذي وَفَّى مَن أُرسِل إليه ما أُرسِل به.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وَفَّى؛ فقال بعضُهم: وفَّاه

(5)

بما عَهِد إليه

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ريعه".

(3)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 238.

(4)

الركية: البئر التي لم تُطْو، أي: لم تبطن بالحجارة. ينظر اللسان (ر ك ى).

(5)

في م: "وفاؤه".

ص: 74

ربُّه مِن تبليغِ رسالتِه

(1)

، وهو:{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . قال: كانوا قبلَ إبراهيم يأخُذون الوليَّ بالوليِّ، حتى كان إبراهيمُ فبَلَّغ، {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}: لا يُؤاخَذُ أَحدٌ بذنبِ غيرِه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ و

(3)

عكرمةَ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . قالا

(4)

: فبلَّغ هذه الآياتِ، {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (2).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . قال: وَفَّى طاعةَ اللهِ، وبلَّغ رسالاتِ ربِّه إلى خَلْقِه. وكان عكرمةُ يقولُ: وَفَّى هؤلاءِ الآياتِ العشرَ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} حتى بلَغ: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 38 - 47].

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} : أَوْفَى

(5)

طاعةَ اللَّهِ ورسالتَه (1) إلى خَلْقِه

(6)

.

(1)

في م، ت 2، ت 3:"رسالاته".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى المصنف.

(3)

في م، ت 2:"عن".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قالوا".

(5)

سقط من: ت 2، وفي م، ت 3:"وفى".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 254 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى المصنف.

ص: 75

حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا أبو بَكرٍ

(1)

، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . قال: بلَّغ ما أُمِر به

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . قال: بلَّغ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . قال: {وَفَّى} : بلَّغ رسالاتِ ربِّه؛ بلَّغ ما أرسَله

(4)

به، كما يُبلِّغُ الرجلُ ما أَرْسَلْتَه

(5)

به.

وقال آخرون: بل وفَّى بما رأى في المنامِ مِن ذبحِ ابنِه. وقالوا: قولُه: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ. وقالوا: معنى الكلامِ: أم لم يُنَبَّأْ بما في صحفِ موسى، ألَّا تَزِرُ وازرةٌ وزرَ أخرى، وبما في صحف إبراهيمَ الذي وفَّى.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . يقولُ: إبراهيمُ الذي استَكْملَ الطاعةَ فيما فعَل بابنِه حينَ رأَى الرُّؤْيا، [والذي]

(6)

في صحفِ موسى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} إلى آخرِ الآيةِ

(7)

.

(1)

في م: "أبو بكير". وهو أبو بكر بن عياش، تقدم في 13/ 106.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 11/ 517 عن أبي بكر به.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 439.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أرسل".

(5)

في م، ت 2، ت 3:"أرسل".

(6)

في الأصل: "التي"

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى المصنف.

ص: 76

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ لهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن القُرَظيِّ، وسُئل عن هذه الآيةِ:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . قال: وفَّى

(1)

بذبحِ ابنِه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّه وَفَّى رَبَّه جميعَ شرائعِ الإسلامِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مصعبٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتُلِي بهذا الدينِ أحدٌ فأَقامه إلا إبراهيمُ، قال اللَّهُ:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . فكتَب اللهُ له براءةً مِن النارِ

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} : ما فُرِض عليه

(3)

.

وقال آخرون: وفَّى بما رُوي عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الخبرِ الذي حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى زَبّانُ

(4)

بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ معاذِ بنِ

(5)

أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سمَّى اللَّهُ إبراهيمَ خليلَه الذي وفَّى؟ لأنَّه كان يقولُ كلَّما أصبَح وكلَّما أمسى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ

(1)

سقط من: ت 2، وفي الأصل:"أوفى".

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 280. وأخرجه الحاكم 2/ 470 من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى ابن مردويه.

(3)

تفسير مجاهد ص 628، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 322 - . وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى عبد بن حميد.

(4)

في م: "زيان" وفي ت 1، ت 2، ت 3:"ريان". وتقدم على الصواب في 2/ 507.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن".

ص: 77

تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17]. حتى ختَم الآيةَ

(1)

.

وقال آخرون: بل وفَّى ربَّه عملَ يومِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} ". قال: "أتَدْرون ما وفَّى؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "وفَّى عملَ يومِه أربعَ رَكَعَاتٍ في النهارِ"

(2)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: وفَّى جميعَ شرائعِ الإسلامِ، وجميعَ ما أُمِر به مِن الطاعةِ. لأنّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عنه أنَّه وفَّى، فعَمَّ بالخبرِ عنه

(3)

عن تَوْفِيَتِه جميعَ الطاعةِ، ولم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ.

فإن قال قائلٌ: فإنه قد خَصَّ ذلك بقولِه: {وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . فإن ذلك مما أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في صحفِ موسى وإبراهيمَ، لا مما خَصَّ به الخبرَ عن أنه وفَّى، وأما التَّوْفيةُ فإنها على العمومِ، ولو صَحَّ الخبران اللَّذان

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 286. وأخرجه الطبراني 20/ 192 (428)، وابن عدي في الكامل 3/ 1011 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 6/ 212 - ، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 3/ 385 - من طريق رشدين بن سعد به. وأخرجه أحمد 24/ 388 (15624) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 6/ 211 - والطبراني 20/ 192 (427)، وابن عساكر في تاريخه 6/ 212 من طريق زبان به. وقد تقدم هذا الحديث في 2/ 507.

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 286، وأخرجه البغوي في تفسيره 7/ 415 من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 3/ 384 - ، وابن عساكر 6/ 213، 214 من طريق جعفر بن الزبير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 129 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد والشيرازي في الألقاب والديلمي. وضعف إسناده. وتقدم في 2/ 508.

(3)

سقط من: م.

ص: 78

ذكَرْناهما أو أحدُهما عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لم نَعْدُ

(1)

القولُ به إلى غيرِه، ولكن في إسنادِهما نظرٌ، يجِبُ التثبُّتُ فيهما مِن أَجْلِه.

وقولُه: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} : فـ "أنْ" من قولِه: {أَلَّا تَزِرُ} . على التأويلِ الذي تأوَّلناه في موضعِ خفضٍ، ردًّا على "ما" التي في قولِه:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} .

ويعني بقولِه: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} : [أَلَّا تَحْمِلُ حاملةٌ إثمَ حاملةٍ]

(2)

غيرِها؛ بل كلُّ آثمةٍ فإنما إثمُها عليها.

وقد بيَّنا تأويلَ ذلك باختلافِ أهلِ العلمِ فيه فيما مضى قبلُ

(3)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ الغِفاريِّ في قولِه:{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} إلى قولِه: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} . قال: هذا في صحفِ إبراهيمَ وموسى.

وإنما عَنَى بقولِه: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . الذي ضَمِن للوليدِ بنِ المغيرةِ أنْ يتحمَّلَ عنه عذابَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، يقولُ: ألم يُخْبَرْ قائلُ هذا القولِ وضامنُ هذا الضمانِ، بالذى في صحفِ موسى وإبراهيمَ مكتوبٌ؛ ألَّا تأْثمُ آثمةٌ إثمَ أخرى غيرِها، {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أَوَلم يُنَبَّأْ أنه لا يُجازَى

(1)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"يعد"، وغير منقوطة في ص.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ينظر ما تقدم في 14/ 526، 19/ 353، 354.

ص: 79

عاملٌ إلا بعملِه، خيرًا كان ذلك أو شرًّا.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} . وقرَأ: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4] قال: أعمالَكم.

وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قال: هذه الآيةُ منسوخةٌ.

[ذكرُ الرواية بذلك عنه]

(1)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} . قال: فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذا: (والذين آمَنوا و [أتْبَعناهم ذُرِّيَّاتِهم]

(2)

بإيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم) [الطور: 21]. فَأَدْخَل اللهُ الأبناءَ بصلاحِ الآباء الجنةَ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: قولُه جلّ ثناؤُه: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأنَّ عملَ كلِّ عاملٍ سوف يَراه يومَ القيامةِ مَن وَرَد القيامةَ، بالجزاءِ الذي يُجازَى عليه؛ خيرًا كان أو شرًّا، لا يُؤْخَذُ

(4)

بعقوبةِ ذنبٍ غيرُ عاملِه، ولا يُثابُ على صالحِ عملٍ

(5)

عاملٌ غيرُه. وإنما عَنَى بذلك الذي رجَع عن إسلامِه، بضمانِ

(1)

سقط من: م، ت 1، وفي ت 2، ت 3:"ذكر من قال ذلك".

(2)

في الأصل: "واتبعتهم ذريتهم". وينظر ما تقدم في 21/ 583، 584.

(3)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 689، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 476 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 130 إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.

(4)

في م، ت 3:"يؤاخذ".

(5)

في ص، م، ت 2، ت 3:"عمله".

ص: 80

صاحبِه له أن يَتَحمَّلَ عنه العذابَ، أن ضمانَه ذلك لا ينفعُه، ولا يُغنى عنه يومَ القيامةِ شيئًا؛ لأنَّ كلَّ عاملٍ فبعملِه مأخوذٌ.

وقولُه: {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم

(1)

يُثابُ بسَعْيِه ذلك الثوابَ الأَوْفى. وإنما قال جلّ ثناؤُه: {الْأَوْفَى} ؛ لأنه أَوْفى ما وعَد خَلْقَه عليه مِن الجزاءِ. والهاءُ في قولِه: {ثُمَّ يُجْزَاهُ} . مِن ذكرِ "السَّعْيِ"، وعليه عادَت.

وقولُه: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وأنّ إلى ربِّك يا محمدُ انتهاءَ جميعِ خَلْقِه ومرجِعَهم، وهو المُجازِي جميعَهم بأعمالِهم؛ صالحَهم وطالحَهم، ومُحسنَهم ومُسيئَهم.

وقولُه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأنّ ربَّك هو أَضْحَكَ أهلَ الجنةِ في الجنةِ؛ بدخولِهم إياها، وأَبْكى أهلَ النارِ في النارِ؛ بدخولِهموها، وأَضْحَك مَن شاء مِن أهل الدنيا، وأَبْكى من أراد أن [يُبْكيَه منهم]

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنه هو أمات مَن مات

(3)

مِن خَلْقِه، وهو أحيا مَن حَيِيَ

(4)

منهم.

وعَنى بقولِه: {وَأَحْيَا} نفخَ الرُّوحِ في النطفةِ المَيِّتةِ، فجعَلها حيةً بتصييرِه

(1)

سقط من: الأصل، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "يبكيهم معهم".

(3)

في ت 2، ت 3:"أمات".

(4)

في الأصل: "أحيا".

ص: 81

الروحَ فيها.

وقولُه: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . يقولُ جلّ ثناؤُه: وأنه ابْتدَع إنشاءَ الزوجينِ الذكرِ والأنثى، وجعَلهما زوجين. لأن الذكرَ زوجُ الأنثى، والأنثى له زوجٌ، فهما زوجان، يكونُ كلُّ واحدٍ منهما زوجًا للآخرِ.

وقولُه: {مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} . و {مِنْ} مِن صلةِ {خَلَقَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: خلَق ذلك مِن نطفةٍ إذا أمناه الرجلُ والمرأةُ.

وقولُه: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأنَّ على ربِّك يا محمدُ أنْ يخلُقَ هذين الزوجين بعدَ مماتِهم وبِلاهم في قبورِهم، الخلقَ الآخرَ، وذلك إعادتُهم أحياءً خَلْقًا جديدًا كما كانوا قبلَ مماتِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنَّ رَبَّك هو أَغنى مَن أَغنَى مِن خَلْقِه بالمالِ وأَقْناه، فجعَل له قُنْيةً أصولَ أموالٍ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم بالذي قلنا في ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، [قال: أخبَرنا إسرائيلُ]

(1)

، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ قولَه:{أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: أَغنى بالمالِ

(2)

، وأَقنى القُنْيةَ

(3)

.

(1)

سقط من: م.

(2)

في ص، م، ت 2، ت 3:"المال".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد.

ص: 82

وقال آخرون: عنى بقولِه: {وَأَقْنَى} : أَخْدَم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: {أَغْنَى} : موَّل، و {وَأَقْنَى}

(1)

: أَخْدَم

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: أَخْدَم

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: أَغْنَى وأَخْدَم

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: أَعطَى وأَرْضى وأَخْدَم.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك أَنه أَغْنَى مِن المالِ، وأَقْنَى

(5)

: رضَّى.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: فإنه أَغْنَى وأَرْضَى.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أغنى".

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 118، وابن كثير في تفسيره 7/ 442.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 254 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

في الأصل: "أنه".

ص: 83

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: {أَغْنَى} : موَّل، و {وَأَقْنَى}: رضَّى.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَغْنَى} . قال: موَّل، {وَأَقْنَى}. قال: رضَّى

(1)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} . يقولُ: أعطاه وأَرضاه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ ابنِ بشارٍ، عن عبد الرحمنِ، عن سفيانَ.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك أنه أَغْنَى نفسَه، وأَفْقَر خَلْقَه إليه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه:{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: زعَم حضرميٌّ أنه ذُكِر له أنه أَغْنى نفسَه، وأَفْقَر الخلائقَ إليه

(3)

.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك أنه أَغْنى مَن شاء مِن خَلْقِه، وأَفْقَر مَن شاء.

(1)

تفسير مجاهد ص 628. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 324، والإتقان 2/ 45 - من طريق أبي صالح به.

(3)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (176) من طريق ابن عبد الأعلى به.

ص: 84

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} . قال: {أَغْنَى} فأَكثَر، و {وَأَقْنَى} أقلَّ. وقرَأ:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ}

(1)

[العنكبوت: 62].

وقولُه: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} . يقولُ جل ثناؤُه: وأنَّ ربَّك يا محمدُ هو ربُّ الشِّعْرى. يعني بالشِّعْرى النَّجْمَ الذي يُسَمَّى هذا الاسمَ، وهو نَجْمٌ كان بعضُ أهلِ الجاهليةِ يعبدُه مِن دونِ اللَّهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} . قال: هو الكوكبُ الذي يُدعى الشِّعْرَى

(2)

.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} . قال: الكوكبُ الذي خَلْفَ الجوزاءِ، كانوا يعبُدونه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 118، والبغوي في تفسيره 7/ 419.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى المصنف.

(3)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (695) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد.

ص: 85

{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} . قال: نجمٌ

(1)

كان يُعْبَدُ في الجاهليةِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{رَبُّ الشِّعْرَى} . قال: مِرْزَمُ

(2)

الجوزاءِ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} : كان حيٌّ مِن العربِ يَعْبُدون الشِّعْرَى، هذا النَّجْمُ الذي رأَيتم. قال بشرٌ: قال يزيدُ

(4)

: النَّجْمُ الذي يَتْبَعُ الجوزاءَ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{رَبُّ الشِّعْرَى} . قال: كان ناسٌ في الجاهليةِ يعبُدون هذا النَّجْمَ الذي يُقالُ له الشِّعْرى

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} : كانت تُعبَدُ في الجاهليةِ، فقال: تعبُدون هذه وتَترْكون ربَّها! اعبُدوا ربَّها. قال: والشِّعْرَى النَّجْمُ الوَقَّادُ الذي يَتْبَعُ الجوزاءَ، يقالُ له: المِرْزَمُ

(6)

.

وقولُه: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} . يعني تعالى ذكرُه بعادٍ الأُولى: عادَ بنَ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

المرزمان: نجمان، وهما مع الشِّعْرَيين، فالذراع المقبوضة في إحدى المِرْزمين، ونظم الجوزاء أحد المِرْزمين، ونظمهما كواكب معهما، فهما مرزما الشعريين، والشعريان نجماهما اللذان معهما الذراعان يكونان معهما. اللسان (ر ز م).

(3)

تفسير مجاهد ص 628. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 322.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يريد".

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 254 عن معمر به. وعزاه الحافظ في الفتح 8/ 604 إلى عبد الرزاق. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

ينظر تفسير ابن كثير 7/ 442.

ص: 86

إرمَ بنِ عَوْصِ بن سامِ بنِ نوحٍ، وهم الذين أهلَكهم اللَّهُ بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ، وإيَّاهم عنَى بقولِه:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ} [الفجر: 6، 7].

واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ قرأَةِ البصرةِ: (عادًا لُّولَى) بتركِ الهمزِ، وجزمِ النونِ

(1)

، حتى صارت اللامُ في {الْأُولَى} كأنَّها لامٌ مُثقَّلةٌ، والعربُ تَفْعَلُ ذلك في مثلِ هذا، حُكِي عنها سماعًا منهم: قُمْ لَانَ عنا. يريدُ: قُمِ الآنَ. جزَموا الميمَ لما حُرِّكت اللامُ التي مع الأَلِفِ في "الآن". وكذلك تقولُ: صُمْ لِثْنَينِ. يريدون: صُمِ الإثنينِ. وأما عامةُ قرأَةِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين، فإنهم قرَءُوا ذلك بإظهارِ النونِ وكسرِها وهمزِ {الْأُولَى}

(2)

، على اختلافٍ في ذلك عن الأعمشِ، فرَوَى أصحابُه عنه - غيرَ القاسمِ بنِ مَعْنٍ - موافقةَ أهلِ بلدِه في ذلك. وأما القاسمُ بنُ مَعْنٍ فحُكِي عنه عن الأعمشِ أنه وافَق في قراءتِه ذلك قرأةَ

(3)

المدنيِّين

(4)

.

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما ذكَرْنا مِن قراءةِ الكوفيِّين؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، وأن قراءةَ مَن كان مِن أهلِ السَّلِيقةِ فعلى البيانِ والتفخيمِ، وأن الإدغامَ في مثلِ هذا الحرفِ وتركَ البيانِ، إنما يُوسَّعُ فيه لمن كان ذلك سجيَّتَه وطبعَه مِن أهلِ البوادِي. فأما المُوَلَّدون

(5)

فإِن حُكْمَهم أَن يَتَحَرَّوا أَفصحَ القراءاتِ وأعذبَها وأثبتَها، وإن كانت الأخرى جائزةً غيرَ مردودةٍ.

وإنما قيلَ لعادِ بنِ إِرمَ: {عَادًا الْأُولَى} . لأن بني لُقَيْمِ بنِ هَزَّالِ بنِ هُزَيلِ [بنِ عُتَيْلِ بنِ صَدِّ]

(6)

بنِ عادٍ الأكبرِ، كانوا أيامَ أَرْسَلَ اللَّهُ على عادٍ الأكبرِ عذابَه سُكَّانًا

(1)

وهي قراءة نافع وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. الإتحاف ص 249.

(2)

وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.

(3)

في م: "قراءة".

(4)

ينظر معاني القرآن 3/ 102.

(5)

المولد من الرجال: العربي غير المحض. الوسيط (و ل د)

(6)

في م: "عبيل بن ضد".

ص: 87

بمكةَ مع إخوانِهم مِن العمالقةِ، ولدِ عِمْليقَ بنِ لاوذَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، ولم يكونوا مع قومِهم مِن عادٍ بأرضِهم، فلم يُصِبْهم مِن العذابِ ما أصاب قومَهم، وهم عادٌ الآخرةُ، ثم هلكوا بعدُ.

وكان هلاكُ عادٍ الآخرةِ بِبَغْيِ بعضِهم على بعضٍ، فتفانَوا بالقتلِ، فيما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ

(1)

.

فلِما

(2)

ذكَرْنا قيل لعادٍ الأكبرِ الذي أهلَك اللهُ ذرِّيتَه بالريحِ: {عَادًا الْأُولَى} . لأنها أُهْلِكت قبلَ عادٍ الآخرةِ.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: إنما قيلَ لعادٍ: {الْأُولَى} . لأنها أوَّلُ الأممِ هلاكًا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} . قال: يقالُ: هي مِن أوَّلِ الأممِ

(3)

.

وقولُه: {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يُبْقِ اللهُ ثمودَ فيَتْرُكَها على طُغْيانِها وتمرُّدِها على ربِّها مقيمةً، ولكنه عاقَبها بكفرِها وعُتُوِّها فأهلَكها.

واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ [قولِه: {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى}]

(4)

فقرَأتْه عامةُ قرأَةِ الأمصارِ

(5)

؛ البصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: (وثَمُودًا فَمَا أبْقَى) بالإجراءِ

(6)

، اتِّباعًا [الخطِّ المصحفِ]

(7)

، إذ كانت الألِفُ مُثبَتةً فيه. وقرأه بعدُ

(8)

عامةُ الكوفيين بتركِ الإجراءِ

(9)

.

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 219.

(2)

في م: "فيما".

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 120.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وأبي جعفر وخلف. ينظر النشر 2/ 217.

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"للمصحف".

(8)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"بعض".

(9)

وهي قراءة يعقوب وحمزة وعاصم. النشر 2/ 217.

ص: 88

وذُكِر أنه في مصحفِ عبدِ اللَّهِ بغير أَلِفٍ

(1)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لصحتِهما في الإعرابِ والمعنى.

وقد بيَّنا قصةَ ثمودَ وسببَ هلاكِها فيما مضَى، بما أَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنه أهلَك قومَ نوحٍ قبلَ عادٍ وثمودَ، إنهم كانوا هم أشدَّ ظلمًا لأنفسِهم، وأعظمَ كفرًا بربِّهم، وأشدَّ طُغْيانًا وتمرُّدًا على اللَّهِ مِن الذين أهلَكهم مِن بعدِهم

(3)

مِن الأممِ.

وكان طُغْيانُهم الذي وصَفهم اللَّهُ به

(4)

أنهم كانوا بذلك أكثرَ طُغْيانًا [على ربِّهم]

(5)

مِن الأممِ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} : لم يكنْ قَبِيلٌ مِن الناسِ هم أظلمَ وأَطْغى مِن قومِ نوحٍ، دعاهم نبيُّ اللَّهِ نوحٌ عليه السلام ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، كلما هلَك قرنٌ نشَأ قرنٌ دعاهم نبيُّ اللهِ، حتى ذُكِر لنا أنَّ الرجلَ كان يأخُذُ بيدِ ابنِه فيمْشِي به فيقولُ: يا بُنيَّ، إنَّ أبي قد مَشَى بي إلى هذا وأنا مثلُك يومَئذٍ. تتايُعًا

(6)

في

(1)

المصاحف لابن أبي داود ص 71.

(2)

تقدم في 10/ 282، وما بعدها، 12/ 452 وما بعدها.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بعد".

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"و".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"من غيرهم".

(6)

التتايع: الوقوع في الشر من غير فكرة ولا روية والمتابعة عليه ولا يكون في الخير. النهاية 1/ 202.

ص: 89

الضلالةِ، وتكذيبًا بأمرِ

(1)

اللَّهِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} . قال: دعاهم

(3)

ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا

(4)

.

وقولُه: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: والمخسوفَ بها المقلوبَ أعلاها أسفلَها. وهي قريةُ سَدُومَ قومِ لوطٍ، أَهْوَى اللَّهُ بها

(5)

، فأمرَ اللَّهُ جبريلَ فرفَعها مِن الأرضِ السابعةِ بجَناحِه، ثم [أهوَى بها]

(6)

مقلوبةً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . قال: أهواها جبريلُ، قال: رفَعها إلى السماءِ ثم أهواها

(7)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي عيسى يحيى بنِ رافعٍ:{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . قال: قريةَ لوطٍ

(8)

أَهْوَى بها.

(1)

في الأصل: "لأمر".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

بعده في م: "نبي الله".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 254 عن معمر به.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أهواها".

(7)

تفسير مجاهد ص 629. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (371) من طريق أبي عاصم به، وأخرجه (372) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد.

(8)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حين".

ص: 90

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . قال: قريةَ لوطٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . قال: هم قومُ لوطٍ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . قال: قريةَ لوطٍ أهواها مِن السماءِ، ثم أَتْبَعها ذاك الصَّخْرَ؛ اقتُلِعت مِن الأرضِ، ثم هَوَى بها في السماءِ، ثم قُلِبت.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} . قال: المُكذِّبين أهلَكهم اللَّهُ.

وقولُه: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فغَشَّى اللَّهُ المؤتفكةَ مِن الحجارةِ المنضودةِ المُسوَّمةِ ما غشّاها، فأَمطَرها إيَّاه

(2)

مِن سِجِّيلٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} : غشّاها صخرًا منضودًا.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} . قال: الحجارةَ

(3)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 254 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255 عن معمر به. وهو تمام الأثر قبله.

ص: 91

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} . قال: الحجارةَ التي رماهم بها من السماءِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: قولُه عز وجل: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} . يقولُ جل ثناؤُه: فبأيِّ نَعْماءِ

(1)

ربِّكَ يا بنُ آدمَ التي أَنعَمها عليك، ترتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ.

والآلاءُ جمعُ إِلًى. وفي واحدِها لغاتٌ ثلاثٌ: أَلًى على مِثالِ "عَلًى"، وإِلْيٌ على مثالِ "عِلْيٌ"، وإلًى على مثالِ "عِلًى"

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ اللَّهِ تَتَمارى يا بنَ آدمَ

(3)

؟

وحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} . قال: بأيِّ نِعَمِ ربِّك تَتَمارى

(4)

.

وقولُه: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} ، وَوَصْفِه إيَّاه بأنه مِن النُّذُرِ

(1)

في م: "نعمات".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 3:"علا".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 443 بلفظ: فبأي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255 عن معمر به، وهو تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.

ص: 92

الأُولى، وهو آخِرُهم؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أنه نذيرٌ لقومِه كما

(1)

كانتِ النُّذُرُ الذين قبلَه نُذُرًا لقومِهم. كما يقالُ: هذا واحدٌ مِن بني آدمَ، وواحدٌ مِن الناسِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} . قال: أنْذَر محمدٌ صلى الله عليه وسلم كما أَنْذَرَتِ الرسلُ مِن قبلِه

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} : إنما بُعِث محمدٌ صلى الله عليه وسلم بما بُعِث به

(3)

الرسلُ قبلَه

(4)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ:{هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} . قال: [هو محمدٌ صلى الله عليه وسلم]

(5)

.

وقال آخرون: بل

(6)

معنى ذلك غيرُ هذا كلِّه. وقالوا: معناه: هذا الذي أَنْذَرتُكم به أيُّها القومُ مِن الوقائِع التي ذكرْتُ لكم أَنِّي أوْقَعْتُها بالأممِ قبلَكم، مِن النُّذُرِ التي أَنْذَرتُها الأممَ قبلَكم في صحفِ إبراهيمَ وموسى.

(1)

في م، ت 1:"و".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255 عن معمر به.

(3)

سقط من: م.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وفي المخطوطة المحمودية ص 398 عزاه إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

في الأصل: "في أم الكتاب". وينظر البحر المحيط 8/ 170.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 93

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ:{هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} . قال: مما أَنْذَرُوا به قومَهم في صحفِ إبراهيمَ وموسى

(1)

.

وهذا [القولُ الذي ذُكِر]

(2)

عن أبي مالكٍ أَشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ؛ وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه ذكَر ذلك في سياقِ الآياتِ التي أخْبَر عنها أنها في صحفِ إبراهيمَ وموسى نذيرٌ مِن النُّذُرِ الأولى، التي جاءتِ الأممَ قبلَكم كما جاءَتْكم، فقولُه:{هَذَا} ، بأن يكونَ

(3)

إشارةً إلى ما تقَدَّمَه

(4)

مِن الكلامِ، أَوْلَى وأشْبَهُ منه بغيرِ ذلك.

وقولُه: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} . يقولُ: دَنَتِ الدانيةُ. وإنما يعني: دنَتِ القيامةُ القريبةُ منكم أيُّها الناسُ. يقالُ منه

(5)

: أزِف رَحيلُ فلانٍ. إذا دنا وقرُب، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ

(6)

:

أَزِف التّرَحُّلُ غيرَ أن رِكابَنا

لمَّا

(7)

تَزُلْ برِحالِها

(8)

وكَأَن قَدِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى المصنف، بلفظ: محمد صلى الله عليه وسلم أنذر ما أنذر الأولون. وفي المخطوطة المحمودية ص 398 بلفظ: هذا في صحف إبراهيم وموسى.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الذي ذكرت".

(3)

في الأصل: "لكون"، وفي م، ت 1:"تكون".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تقدمها".

(5)

ليس في: الأصل.

(6)

ديوانه ص 30، وفيه:"أفِد" مكان "أزف". وهما روايتان بمعنًى.

(7)

في ص: "لم".

(8)

في الأصل: "برحالنا". وهما روايتان.

ص: 94

وكما قال كعبُ بنُ زُهَيْرٍ

(1)

:

بان الشبابُ وأَمْسَى الشَّيْبُ قد أزِفا

ولا أرَى لشبابٍ ذاهبٍ خَلَفَا

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} : من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّره عبادَه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} . قال: اقْتَرَبَت الساعةُ

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال

(4)

: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} . قال: الساعةُ، {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ}

(5)

.

وقولُه: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} . يقولُ: ليس للآزفةِ التي قد أزِفَت؛ وهي الساعةُ التي قد دَنَت، مِن دونِ اللَّهِ كشفٌ

(6)

. يقولُ: ليس تَنْكَشِفُ فتقومَ إلا بإقامةِ اللَّهِ إياها وكشْفِها دونَ مَن سِواه مِن خلقِه؛ لأنه لم يُطْلِعْ عليها مَلَكًا مُقَرَّبًا

(1)

شرح ديوانه ص 70.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى المصنف، دون قوله: "عظمه

إلخ".

(3)

تفسير مجاهد ص 629، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 322 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى عبد بن حميد.

(4)

في م: "قالا".

(5)

تقدم بنحوه في 20/ 301.

(6)

في م: "كاشف".

ص: 95

ولا نبيًّا مرسلًا.

[وقال: {كَاشِفَةٌ}. فأنَّثَ]

(1)

، وهي بمعنى الانكشافِ. كما قيل:{فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]. [بمعنى: فهل تَرَى لهم من بقاءٍ]

(2)

؟ وكما قيل: العاقبةُ. وما له من ناهيةٍ. وكما قال

(3)

: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2]. بمعنى: تكذيبٌ. {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} [المائدة: 13]. بمعنى: خيانةٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: أفمِن هذا القرآنِ أيُّها الناسُ تَعْجَبون، أن نَزَل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وتَضْحَكون منه اسْتِهزاءً به، ولا تَبْكُون مما فيه مِن الوعيدِ لأهلِ مَعاصي اللَّهِ، وأنتم مِن أهلِ مَعاصيه.

{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . يقولُ: وأنتم لاهُون عَمَّا فيه من العِبَرِ والذِّكْرِ، مُعْرِضون عن آياتِه. يقالُ للرجلِ: دَعْ عنا سُمودَك. يُرادُ به: دَعْ عنا لهوَك. يقالُ منه: سمَد فلانٌ يَسْمُدُ سُمُودًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اخْتَلَفَت ألفاظُهم بالعبارةِ عنهم

(4)

؛ فقال بعضُهم: [معناه: لاهون. وقال بعضُهم]

(5)

: غافلون. وقال

(1)

في ص، م، ت 1:"وقيل كاشفة. فأنثت"، وفي ت 2، ت 3:"وقيل: كاشفة. فأثبت".

(2)

سقط من: ت 2، ت 3. وفي الأصل:"بمعنى هل ترى لهم مَنْ بقى"، وينظر ما سيأتي في تفسير هذه الآية في موضعه من التفسير.

(3)

في م: "قيل".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عنه".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 96

بعضُهم: مُغَنُّون

(1)

. وقال بعضُهم: مُبَرْطِمون

(2)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{سَامِدُونَ} . قال: هو الغِناءُ، كانوا إذا سمِعوا القرآنَ تَغَنَّوْا ولعِبوا، وهي لغةُ أهلِ

(3)

اليمنِ، قال اليَمانيُّ: اسْمُدْ

(4)

.

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{سَامِدُونَ} . قال: لاهُون

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{سَامِدُونَ} . يقولُ: لاهُون.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هي يَمانيةٌ: اسْمُدْ لنا

(6)

؛ تَغَنَّ لنا

(7)

.

(1)

في الأصل: "مقيمون"، وفي ت 2:"مضون".

(2)

في الأصل: "مرطمون"، وفي ص، ت 1، ت 2، ت 3:"مترطمون". والبرطمة عبوس في انتفاخ وغيظ. والبرطمة: الانتفاخ من الغضب. اللسان (برطم).

(3)

ليس في: الأصل.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255 عن معمر عن إسماعيل بن شروس عن عكرمة به.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 45 - من طريق أبي صالح به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255، والطبراني (11722) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(7)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 205 عن عبد الرحمن بن مهدي به، ومن طريقه الحافظ في تغليق التعليق 4/ 323، وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (33)، والبزار (2264 - كشف)، والبيهقي 10/ 223 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 97

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأَشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو الغناءُ، وهي يَمانيةٌ، يقولون: اسْمُدْ لنا؛ تَغَنَّ لنا.

قال: ثنا [عبيدُ اللَّهِ]

(1)

الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن حَكيمِ بنِ الدَّيْلَمِ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: كانوا يَمُرُّون على النبيِّ صلى الله عليه وسلم شامخين، ألم تَرَوْا إلى الفَحْلِ في الإبلِ يَخْطِرُ

(2)

شامخًا

(3)

!

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: غافلون

(4)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: كانوا يَمُرُّون على النبيِّ صلى الله عليه وسلم غِضابًا مُبَرْطِمِين. وقال عكرمةُ: هو الغِناءُ بالحِمْيَرِيَّةِ.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ ووكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي البَرْطَمَةُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: البَرْطَمةُ.

(1)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"عبد الله".

(2)

في ص، م، ت 2، ت 3:"عطنا"، وفي ت 1:"عطبا". وخطَرَ الفَحْلُ بذَنَبه يَخْطِر، بالكسر: رفعه مرة بعد مرة وضرب به حاذَيْه، وهو ما ظهر من فخذَيْه، وقيل: ضرب به يمينًا وشمالًا. والفحل يخطِر بذَنَبه عند الوعيد من الخُيَلاء. ينظر تاج العروس (خ ط ر).

(3)

أخرجه أبو يعلى (2685) عن أبي كريب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 443.

ص: 98

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه:{سَامِدُونَ} . قال: البَرْطَمةُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن

(2)

عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ]

(3)

، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السامِدون: المُغَنُّون، بالحِمْيَريةِ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ

(4)

، قال: كان عكرِمةُ يقولُ: السامدون: يُغَنُّون؛ بالحِمْيَريةِ

(5)

. ليس فيه ابنُ عباسٍ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سَامِدُونَ} . أي: غافلون.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{سَامِدُونَ} . قال: غافلون

(6)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ

(1)

تفسير مجاهد ص 629، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 322 - ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 إلى عبد بن حميد وابن المنذر

(2)

في ص، م، ت 1، ت 3:"قال: ثنا".

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

بعده في م: "عن مجاهد".

(5)

تفسير مجاهد ص 629، وأخرجه ابن عيينة في تفسيره - كما في التغليق 4/ 322 - وعنه ابن أبي شيبة في مصنفه 10/ 471 - عن ابن أبي نجيح به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 323 من طريق إسماعيل بن شروس عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 إلى سعيد بن منصور.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 255 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 131، 132 إلى عبد بن حميد.

ص: 99

الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} : السُّمودُ اللهوُ واللَّعِبُ.

حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن فِطْرٍ، عن أبي خالدٍ الوالبيِّ، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: رآهم قيامًا يَنْتَظِرون الإمامَ، فقال: ما لكم سامِدين

(1)

!

[وحدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن فِطْرٍ، قال: حدَّثني زائدةُ بنُ نَشِيطٍ، عن أبي خالدٍ الراسِبيِّ

(2)

، قال: خَرَج علينا عليٌّ رحمةُ اللَّهِ عليه ونحن قِيامٌ، فقال: ما لكم سامدين]

(3)

!

حدَّثني ابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عمرانَ بنِ زائدةَ بنِ نَشِيطٍ، عن أبيه، عن أبي خالدٍ، قال: خرَج علينا عليٌّ رضي الله عنه ونحن قيامٌ، فقال: ما لي أراكم سامدِين!

[حدَّثنا ابنُ سنانٍ]

(4)

، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن فِطرٍ، عن زائدةَ، عن أبي خالدٍ بمثلِه.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، والدر المنثور:"سامدون".

والأثر أخرجه ابن سعد 6/ 128 من طريق فطر به.

(2)

كذا في الأصل: والمعروف من ترجمته أنه الوالبي، كما في الجرح والتعديل 9/ 120، وتهذيب الكمال 33/ 275. "فالراسبي" هذه إن لم تكن تصحيفا، فقد تكون نسبة غير مشهورة له. والله تعالى أعلم.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 405 من طريق فطر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.

(4)

ليس في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 100

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: قيامُ القومِ قبلَ أن يَجيءَ الإمامُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن عِمْرانَ الخَيَّاطِ، عن إبراهيمَ في القومِ يَنْتَظِرون الصلاةَ قيامًا، قال: كان يقالُ: ذاك السُّمودُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن ليثٍ والعَرْزَميِّ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: البَرْطَمةُ. [قلتُ: ما البرطمةُ؟ قال: الإعراضُ]

(2)

.

[حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ}. قال: البرطمةُ]

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: الغناءُ باليَمانيةِ؛ اسْمُدْ لنا.

حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} . قال: السامدُ الغافلُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يَكْرَهون أن يقوموا إذا أقام المؤذنُ الصلاةَ

(3)

وليس عندَهم الإمامُ، وكانوا يَكْرَهون أن

(1)

ذكره السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 مطولا من طريق سعيد به، وعزاه إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

والأثر ذكره البغوي في تفسيره 7/ 421.

(3)

في م: "للصلاة".

ص: 101

يَنْتَظِروه قيامًا، وكان يقالُ: ذلك

(1)

السُّمودُ، أو مِن السُّمودِ

(2)

.

وقولُه: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فاسْجُدوا للهِ أيُّها الناسُ في صلاتِكم دونَ مَن سِواه مِن الآلهةِ والأندادِ، وإياه فاعْبُدوا دونَ غيرِه، فإنه لا يَنْبَغي أن تكونَ العبادةُ إلا له، فأخْلِصوا له العبادةَ والسجودَ، ولا تَجْعَلُوا له شريكًا في عبادتِكم إياه.

آخِرُ تفسيرِ سورةِ "والنَّجمِ".

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، والدر المنثور:"ذاك".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 405 عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 من طريق منصور به، إلى عبد بن حميد.

ص: 102

بسم الله الرحمن الرحيم

‌تفسيرُ سورةِ اقتربتِ الساعةُ

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ

(2)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} : دنَت الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ.

وقولُه: {اقْتَرَبَتِ} : افْتَعَلتْ؛ مِن القُرْبِ. وهذا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إنذارٌ لعبادِه بدُنُوِّ القيامةِ، وقربِ فناءِ الدنيا، وأمرٌ لهم بالاستعدادِ لأهوالِ القيامةِ قبلَ هجومِها عليهم، وهم عنها في غفلةٍ ساهون.

وقولُه: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وانْفَلَق القمرُ. وكان ذلك فيما ذُكِر على عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وهو بمكةَ، قبلَ هجرتِه إلى المدينةِ، وذلك أن كفارَ أهلِ مكةَ سأَلوا آيةً، فأراهم صلى الله عليه وسلم انشقاقَ القمرِ؛ آيةً وحُجَّةً له على صدقِ قولِه وحقيقةِ نبوتِه، فلمَّا أراهم ذلك أعْرَضوا وكذَّبوا، وقالوا: هذا سحرٌ مستمرٌّ، سَحَرنا محمدٌ. فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه:{وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثارُ، وقال به أهلُ التأويلِ.

ذكرُ الأخبارِ المَرْوِيَّةِ والآثارِ بذلك عمَّن قاله مِن أهلِ التأويلِ

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أنسَ بنَ مالكٍ

ص: 103

حدَّثهم، أن أهلَ مكةَ سأَلوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يُرِيَهم آيةً، فأراهم انشقاقَ القمرِ مرَّتين

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن أنسٍ، قال: انْشَقَّ القمرُ فِرْقتين

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى والحسنُ بنُ أبي يحيى المُقَدَّمِيُّ

(3)

، قالا

(4)

: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، قال: سمِعْتُ أنسًا يقولُ: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(5)

.

[حدَّثني يعقوبُ الدَّوْرقيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ

(6)

، عن قتادةَ: سمِعْتُ أنسًا يقولُ. فذكَر مثلَه.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم]

(7)

مرتين

(8)

.

(1)

أخرجه البخاري (3637)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (1463)، والبيهقي في الدلائل 2/ 263 من طريق يزيد به.

(2)

أخرجه مسلم (2802/ 47) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد 21/ 369 (13918) عن محمد بن جعفر به.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"المقدسي".

(4)

في الأصل: "قال".

(5)

الطيالسي (2072)، ومن طريقه أحمد 21/ 370 (13919) ومسلم (2802)، والبيهقي في الدلائل 2/ 264.

(6)

في م، ت 3:"سعيد".

(7)

سقط من: ت 1.

(8)

أخرجه أحمد 21/ 369 (13918)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (1461) من طريق حجاج به، وأخرجه البخاري (4868)، والطحاوي في المشكل (708) من طريق شعبة به، وقوله: مرتين. ليس عند اللالكائي.

ص: 104

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن أهلَ مكةَ سأَلوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يُرِيَهم آيةً، فأراهم القمرَ شِقَّتَيْن حتى رأَوْا حِراءً بينَهما

(1)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْشَقَّ القمرُ ونحن مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمنًى حتى ذهَبَت منه فِرْقةٌ خلفَ الجبلِ، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اشْهَدوا"

(2)

.

حدَّثني إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُمَيْلٍ المازنيُّ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سمِعْتُ إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْفَلَق

(3)

القمرُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِرقَتين، فكانت فرقةٌ على الجبلِ، وفرقةٌ مِن ورائِه، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ اشْهَدْ"

(4)

.

حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ مثلَ حديثِ إبراهيمَ في

(1)

أخرجه البخاري (3868) من طريق بشر بن المفضل به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 257، وعبد بن حميد (1182) والترمذي (3286)، من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 132 إلى ابنُ المنذر وابن مردويه.

(2)

أخرجه أحمد 7/ 371 (4360)، ومسلم (44/ 2800)، وأبو يعلى (5196)، والطحاوي في مشكل الآثار (703)، وابن حبان (6495)، من طريق أبي معاوية به، وأخرجه البخاري (3869، 3871)، والترمذي (3285)، وأبو يعلى (5070) من طريق الأعمش به، وأخرجه الحاكم 2/ 471، والبيهقي في الدلائل 2/ 264، 465، 467 من طريق أبي معمر به.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تفلق". وفي مصادر التخريج: "انشق".

(4)

أخرجه أحمد 7/ 303 (4270)، والبخاري (4864)، ومسلم (45/ 2800)، والنسائي في الكبرى (11552)، والطحاوي في مشكل الآثار (669)، من طريق شعبة به، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 3/ 389 من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 133 إلى عبد بن حميد.

ص: 105

القمرِ

(1)

.

حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بنِ عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنى عمي يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: كنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمنًى فانْشَقَّ القمرُ، فأخَذَت فِرْقَةٌ خلفَ الجبلِ، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اشْهَدُوا، اشْهَدُوا

(2)

".

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد رأيْتُ الجبلَ مِن فَرْجِ

(3)

القمرِ حينَ انْشَقَّ

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ أبي

(5)

يحيى المُقَدَّميُّ

(6)

، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالت قريشٌ: هذا

(1)

أخرجه الطيالسي (2003)، ومسلم (2801)، والترمذي (2182، 3288)، والطحاوي في مشكل الآثار (700)، وابن حبان (6496)، والحاكم 2/ 472، وأبو نعيم في الدلائل (208)، والبيهقي في الدلائل 2/ 267، من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 133 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

والحديث ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 499 عن المصنف.

(3)

الفَرْج: الخَلَل بين الشيئين. تاج العروس (ف ر ج).

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 450 عن المصنف، وأخرجه الطيالسي (278)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 257، وأحمد 7/ 39 (3924)، والبزار (1541)، والطحاوي في مشكل الآثار (701)، والحاكم 2/ 471 من طريق سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 133 إلى عبد بن حميد وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل، وهو عند الطيالسي والبزار بنحوه.

(5)

سقط من: م. وتقدم ذكره في ص 104.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"المقدسي".

ص: 106

سحرٌ، و

(1)

ابنُ أبي كَبْشةَ سَحَرَكم، فاسألوا

(2)

السُّفَّارَ. فسأَلوهم، فقالوا: نعم قد رأَيْناه. فأنْزَل اللَّهُ تبارك وتعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ

(4)

، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قد مضَى انشقاقُ القمرِ.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: خمسٌ قد مضَيْن؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشةُ، والقمرُ، والرومُ

(5)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال:[أخبَرنا أيوبُ]

(6)

، عن محمدٍ

(7)

، قال: نُبِّئْتُ أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: قد انْشَقَّ القمرُ

(8)

.

[حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ]

(9)

، قال: أخبَرنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرنا

(1)

ليس في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 2، ت 3:"فسلوا".

(3)

أخرجه البزار (1971) من طريق يحيى بن حماد به، وأخرجه الطيالسي (293)، وأبو نعيم في الدلائل (211)، والبيهقي في الدلائل 2/ 266 من طريق أبي عوانة به، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (212)، والبيهقي في الدلائل 2/ 266، 267، من طريق المغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 133 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مغيرة". وجرير هو ابن عبد الحميد، يروي عن الاثنين؛ منصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم. ينظر تهذيب الكمال 4/ 540.

(5)

تقدم في 18/ 450، 21/ 15، 16.

(6)

سقط من: الأصل.

(7)

في الأصل: "عمر".

(8)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 450 عن المصنف، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة 4/ 41 عن ابن علية به مطولًا.

(9)

ليس في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 107

عطاءُ

(1)

بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: نَزَلْنا المدائنَ، فكنا منها على فَرْسَخٍ

(2)

، فجاءتِ الجمعةُ، فحضَر أبي، وحضَرْتُ معه، فخطَبَنا حذيفةُ، فقال: ألا إن اللهَ يقولُ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . ألا وإن الساعةَ قد اقْتَرَبَت، ألا وإن القمرَ قد انشَقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذَنَت بفِراقٍ، ألا وإن اليومَ المِضْمارَ وغدًا السباقَ. فقلتُ لأبي: أَيَسْتَبِقُ الناسُ غدًا؟ فقال: يا بُنيَّ، إنك لجَاهلٌ، إنما هو السباقُ بالأعمالِ. ثم جاءتِ الجمعةُ الأخرى، فحَضَرْنا، فخطَب حذيفةُ، فقال: ألا إن اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . ألا وإن الساعةَ قد اقْتَرَبَت، ألا وإن القمرَ قد انْشَقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذَنَت بفراقٍ، ألا وإن اليومَ المِضْمارَ وغدًا السباقَ، ألا وإن الغايةَ النارُ، والسابقَ مَن سبَق إلى الجنةِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: كنتُ مع أبي بالمدائنِ. قال: فخطَب أميرُهم، وكان عطاءٌ يَرَى

(4)

أنه حذيفةُ، فقال في هذه الآيةِ:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} : قد اقْتَرَبَت الساعةُ وانْشَقَّ القمرُ، قد اقتَرَبَت الساعةُ وانشَقَّ القمرُ، اليومَ المِضْمارُ، وغدًا السباقُ، والسابقُ مَن سبَق إلى الجنةِ، والغايةُ النارُ. قال: فقلتُ لأبي: غدًا السباقُ؟ قال: فأخْبَره

(5)

.

(1)

في الأصل: "عمر".

(2)

الفرسخ: مقياس قديم من مقاييس الطول بقدر بثلاثة أميال. الوسيط (فرسخ).

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 447 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 115 عن ابن علية به مختصرًا جدًّا، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (5285)، وابن أبي شيبة 13/ 378، والطحاوي في مشكل الآثار (706، 707)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 280، 281، من طريق عطاء به نحوه مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن مردويه بنحوه مختصرًا.

(4)

في م: "يروى".

(5)

في الأصل: "فأسره".

ص: 108

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن حُصَيْنٍ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه، قال: انشَقَّ القمرُ ونحن مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمكةَ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن الحُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ جُبيرٍ، عن أبيه:{وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . قال: انشَقَّ ونحن

(2)

بمكةَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ صالحٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الحكمِ، قالا: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ

(3)

، عن جعفرٍ بنِ ربيعةَ، عن عِراكٍ، عن [عبيدِ اللَّهِ]

(4)

بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انشَقَّ القمرُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(5)

.

حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، [قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عليِّ]

(6)

بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انشق القمرُ قبلَ الهجرةِ. أو قال: قد مضَى

(1)

أخرجه ابن حبان (6497) من طريق ابن فضيل به. وأخرجه أحمد 27/ 314، 315 (16750)، والترمذي (3289)، والبيهقي في الدلائل 2/ 268، من طريق حصين به مطولًا دون ذكر مكة فيه. وأخرجه الحاكم 2/ 472، والبيهقي في الدلائل 2/ 268، من طريق حصين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه محمد بن جبير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 133 مطولًا إلى عبد بن حميد وأبي نعيم.

(2)

في الأصل: "هو".

(3)

في الأصل: "نصر".

(4)

في الأصل: "عبد الله"، وفي ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عبيد".

(5)

أخرجه البخاري (4866)، ومسلم (2803)، والبيهقي في الدلائل 2/ 267، من طريق بكر بن مضر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 133 إلى ابن مردويه.

(6)

سقط من: الأصل.

ص: 109

ذاك

(1)

.

حدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عليٍّ

(2)

، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . قال: ذاك قد مضَى؛ كان قبلَ الهجرةِ، انْشَقَّ حتى رأَوْا شِقَّيْه

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} إلى قولِه: {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} . قال: قد مضَى، كان قد انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمكةَ، فأعْرَض المشركون وقالوا: سحرٌ مستمرٌّ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . قال مجاهدٌ: رأَوْه

(5)

مُنْشَقًّا

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ وليثٍ، عن

(1)

أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (4128) - من طريق داود به، بلفظ: مضى انشقاق القمر بمكة.

(2)

بعده في الأصل: "عن ابن أبي طلحة عن علي".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 448 عن المصنف.

(4)

ينظر تفسير ابن كثير 7/ 448.

(5)

في الأصل: "رآه".

(6)

أخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 327 - عن ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى عبد بن حميد.

ص: 110

مجاهدٍ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . قال: انْفَلَق القمرُ فِلْقَتين، فَثَبَتَتْ فِلْقَةٌ، وذهَبَت

(1)

فِلْقَةٌ مِن وراءِ الجبلِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"اشْهَدُوا".

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فصار فِرْقتين، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ:"اشْهَدْ يا أبا بكرٍ". فقال المشركون: سحَرَ القمرَ حتى انْشَقَّ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، قال: قدِم رجلٌ المدائنَ، فقام فقال: إن اللَّهَ تبارك وتعالى يقولُ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} . وإن القمرَ قد انْشَقَّ، وقد آذَنَت الدنيا بفِراقٍ، اليومَ المضْمارُ، وغدًا السباقُ، والسابقُ مَن سبَق إلى الجنةِ، والغايةُ النارُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} : يُحْدِثُ اللَّهُ في خلقِه ما يَشَاءُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: سأَل أهلُ مكةَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم آيةً، فانْشَقَّ القمرُ بمكةَ مرتين، فقال:" {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} "

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} : قد مَضَى، كان انْشَقَّ

(1)

في الأصل: "رست".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 450 عن ليث به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 257، وأحمد 20/ 118 (12688)، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور 6/ 132 - وعنه الترمذي (3286)، ومسلم (46/ 2802)، والنسائي في الكبرى (11554)، والبيهقي في الدلائل 2/ 263، من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 111

على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بمكةَ، فأعْرَض عنه المشركون، وقالوا: سِحرٌ مستمرٌّ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: مضَى، [وانْشَقَّ]

(2)

القمرُ بمكةَ.

وقولُه: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَرَ المشركون علامةً تَدُلُّهم على حقيقةِ نبوةِ نبيِّه

(3)

محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ودلالةً تَدُلُّهم على صدقِه فيما جاءَهم به [مِنْ عندِ]

(4)

ربِّهم - يُعْرِضوا عنها، [فتَوَلَّوْا مُنْكِرين لها، مُكَذِّبين]

(5)

أن تكونَ

(6)

حقًّا يقينًا، ويقولوا

(7)

تكذيبًا منهم بها، وإنكارًا لها أن تكونَ

(8)

حقًّا: هذا سحرٌ سحَرَنا به محمدٌ، حتَى

(9)

خَيَّل إلينا أنا نَرَى القمرَ مُنْفَلِقًا باثنين بسحرِه، وهو سحرٌ مستمرٌّ. يَعْني بقولِه

(10)

: {مُسْتَمِرٌّ} : ذاهبٌ. مِن قولِهم: قد مرَّ هذا السحرُ

(11)

. إذا ذهَب.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى ابن المنذر مطولًا.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"انشقاق".

(3)

ليست في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في ص، م، ت 2، ت 3:"عن"، وفي ت 1:"من".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيولوا مكذبين بها منكرين".

(6)

في م، ت 2، ت 3:"يكون".

(7)

في الأصل: "يقول".

(8)

في الأصل، ت 2، ت 3:"يكون".

(9)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حين".

(10)

في ص، م، ت 1:"يقول سحر".

(11)

في الأصل: "النبي".

ص: 112

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} . قال: ذاهبٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} . قال: إذا رأَى أهلُ الضلالةِ آيةً مِن آياتِ اللَّهِ قالوا: إنما هذا عملُ السحرِ، يُوشِكُ هذا أن يَسْتَمِرَّ ويَذْهَبَ

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} . يقولُ: ذاهبٌ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} : كما يقولُ أهلُ الشركِ إذا كُسِف القمرُ، يقولون: هذا عملُ السَّحَرَةِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه:{سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} . قال: حينَ انْشَق القمرُ بفِلْقتين؛ فِلْقةٍ مِن وراءِ الجبلِ، وبَقِيَتْ

(4)

فلقةٌ أخرى، فقال المشركون حينَ رأَوْا ذلك: سحرٌ مستمرٌّ.

(1)

تفسير مجاهد ص 633 من طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 327 - ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 257، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور 6/ 132 وعنه الترمذي (3286) - والنسائي في الكبرى (11554)، والبيهقي في الدلائل 2/ 263 من طريق معمر عن قتادة، عن أنس مرفوعًا. وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى ابن المنذر بنحوه مطولا.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ذهب"، وفي م:"ذهبت".

ص: 113

وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ [والعلمِ]

(1)

بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ

(2)

يُوَجِّهُ قولَه: {مُسْتَمِرٌّ} . إلى أنه مُسْتَفْعِلٌ من الإمرارِ

(3)

، من قولِهم: قد مرَّ الحبلُ. إذا قَوِي وصَلُب واشْتَدَّ، وأمْرَرْتُه أنا. إذا فَتَلْتَه فَتْلًا شديدًا. ويقولُ: ومعنى قولِه: {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} : سحرٌ شديدٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وكذَّب هؤلاء المشركون مِن قريشٍ بآياتِ اللَّهِ من بعدِ ما أتَتْهم حقيقتُها، وعايَنوا الدلالةَ على صحتِها [برؤيتِهم القمرَ مُنْفَلِقًا فِلْقتين]

(4)

، {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}. يقولُ: وآثَروا اتِّباعَ ما دَعَتْهم إليه أهواءُ أنفسِهم، مِن تكذيبِ ذلك، على التصديقِ [بما قد]

(5)

أيْقَنوا صحتَه مِن نبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وحقيقةِ ما جاءَهم به مِن ربِّهم.

وقولُه: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكلُّ أمرٍ مِن خيرٍ أو شرٍّ مُستَقِرٌّ قرارُه ومُتَناهٍ نهايتُه؛ فالخيرُ

(6)

مستقرٌّ بأهلِه في الجنةِ، والشرُّ مستقرٌّ بأهلِه في النارِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَكُلُّ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

هو الأخفش كما في تفسير القرطبي 17/ 127.

(3)

في الأصل: "الأمر أو".

(4)

في الأصل: "منهم متفلقًا فلقين".

(5)

في الأصل: "لما".

(6)

في الأصل: "في الخير".

ص: 114

أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ}. أي: بأهلِ الخيرِ الخيرُ، وبأهلِ الشرِّ الشرُّ

(1)

.

وقولُه عز وجل: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاء هؤلاء المشركين من قريش الذين كذَّبوا بآياتِ اللَّهِ واتَّبعوا أهواءَهم، مِن الأخبارِ عن الأممِ السالفةِ الذين كانوا من تكذيبِ رسلِ اللَّهِ على مثلِ الذي هم عليه، فأحَلَّ اللَّهُ بهم من عقوباتِه ما قصَّ في هذا القرآنِ - ما فيه لهم {مُزْدَجَرٌ}. يعني: ما يَرْدَعُهُم ويَرُدُّهم

(2)

عما عليه مُقيمون مِن التكذيبِ بآياتِ اللَّهِ. وهو "مُفْتَعَلٌ" مِن الزَّجْرِ.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مُزْدَجَرٌ} . قال: مُنْتَهًى

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} . أي: هذا القرآنُ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} . قال: المُزْدَجَرُ المُنْتَهَى.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يزجرهم".

(3)

في الأصل: "منتهاها"، وفي ص:"مساها"، وفي ت 1:"نياها"، وفي ت 2، ت 3:"متناهيا". والأثر في تفسير مجاهد ص 634 بلفظ: "يعني موعظة يعني منتهى"، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 327 - بلفظ "متناه"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 115

وقولُه: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} . يعني بالحكمةِ البالغةِ هذا القرآنَ. ورُفِعَت "الحكمةُ" ردًّا على {مَا} التي في قولِه: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} .

وتأويلُ الكلامِ: ولقد جاءهم مِن الأنباءِ النبأُ الذي فيه مُزْدَجَرٌ، حكمةٌ بالغةٌ.

ولو رُفِعَت الحكمةُ على الاستئنافِ كان جائزًا، فيكونُ معنى الكلامِ حينَئِذٍ: ولقد جاءهم من الأنباءِ النبأُ الذي فيه مزدجرٌ، ذلك حكمةٌ بالغةٌ. أو هو حكمةٌ بالغةٌ. فتكونُ و"الحكمةُ" كالتفسيرِ [لـ {مَا}]

(1)

.

وقولُه: {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} . وفي "ما" التي في قولِه: {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} . وجهان؛ أحدُهما، أن تكونَ بمعنى الجَحْدِ، فيكونَ - إذا وُجِّهتْ إلى ذلك - معنى الكلامِ: فليست تُغْنِي عنهم النُّذُرُ، ولا يَنْتَفِعون بها؛ لإعراضِهم عنها وتكذيبِهم بها. والآخَرُ، أن تكونَ بمعنى: أنَّى. فيكون معنى الكلامِ إِذا وُجِّهَت إلى ذلك: فأيَّ شيءٍ تُغْنِي عنهم النُّذُرُ.

والنُّذُرُ جمعُ نَذِيرٍ، كما الجُدُدُ جمعُ جديدٍ، والحُصُرُ جمعُ حَصِيرٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا

(2)

أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} : فأعْرِضْ يا محمدُ عن هؤلاء المشركين مِن قومِك، الذين إن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضوا ويقولوا: سحرٌ مستمرٌّ. فإنهم يومَ يَدْعو الداعي

(3)

؛ داعي اللَّهِ إلى موقِف القيامةِ، وذلك هو

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لها".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"خاشعا"، وهي قراءة كما سيأتي.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 116

الشيءُ النُّكُرُ، {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ}. يقولُ: ذليلةً أبصارُهم خاضعةً [لأمرِ ربِّها]

(1)

، {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} وهي جمعُ جَدَثٍ، وهي القبورُ. وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه بالخشوعِ الأبصارَ دونَ سائرِ أجسامِهم، والمرادُ به جميعُ أجسامِهم؛ لأن أثرَ ذِلةِ كلِّ ذليلٍ، وعِزةِ كلِّ عزيزٍ، تَتَبَيَّنُ في ناظِرَيه دونَ سائرِ جسدِه، فلذلك خصَّ الأبصارَ [بوصفِها بالخشوعِ]

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} . أي: ذليلةً أبصارُهم

(3)

.

واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {خُشَّعًا

(4)

أَبْصَارُهُمْ}؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ المكيين و

(5)

الكوفيين: {خُشَّعًا} بضمِّ الخاءِ وتشديدِ الشينِ

(6)

، بمعنى: خاشعٌ. وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ البصريين: (خاشِعًا أبصارُهم) بالألفِ على التوحيدِ

(7)

؛ اعتبارًا بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ:(خاشعةً أبصارُهم)

(8)

. وألْحَقوه وهو بلفظِ الاسمِ في التوحيدِ، إذ كان

(9)

صفةً،

(1)

في ص، م، ت 1، 2، ت 3:"خاشعة لا ضرر بها".

(2)

في الأصل: "بوصف هذا الخشوع".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى المصنف.

(4)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"خاشعا".

(5)

سقط من: م.

(6)

هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبي جعفرٍ. ينظر النشر 2/ 284.

(7)

وهي قراءة أبي عمرٍو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. المصدر السابق.

(8)

المصاحف لابن أبي داود من 72، ومعاني القرآن للفراء 3/ 105.

(9)

في الأصل: "جاء".

ص: 117

بحكمِ "فعَل" و"يَفْعَلُ" في التوحيدِ إذا تقَدَّم الأسماءَ، كما قال الشاعرُ

(1)

:

وشبابٍ حسنٍ أوجهُهم

من ايادِ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدّ

فوحَّد حسنًا وهو صفةٌ للأوجهِ وهي جمعٌ، وكما قال الآخرُ

(2)

:

يَرْمِي الفِجاجَ بها الركبانُ مُعْتَرِضًا

أعناقَ بُزَّلِهَا مُرْخًى لها الجُدُلُ

(3)

فوحَّد مُعْتَرِضًا، وهي

(4)

من صفةِ الأعناقِ، والجمعُ والتأنيثُ فيه جائزان على ما بيَّنا.

وقولُه عز وجل: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يَخْرُجون مِن قبورِهم، كأنهم في انتشارِهم وسعيِهم إلى موقفِ الحسابِ جرادٌ منتشرٌ.

وقولُه: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} . يقولُ: مُسْرِعين، نَظَرُهم

(5)

قِبَلَ داعِيهم إلى ذلك الموقفِ. وقد بيَّنا معنى الإهطاعِ بشواهدِه المغنيةِ عن الإعادةِ

(6)

، ونَذْكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْه فيما مضَى مِن الروايةِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عثمانَ بنِ يَسَارٍ، عن تَمِيمِ بنِ حَذْلَمٍ قولَه:{مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} . قال: هو التَّحْميجُ

(7)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ

(8)

، عن سفيانَ، [عن أبيه]

(9)

، عن أبي الضُّحَى:{مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} . قال: التَّحْمِيجُ (7).

(1)

البيت في ديوان أبي دؤاد الإيادي ص 305، ونسبه في العمدة 2/ 67، إلى الحارث بن دوس الإيادي.

(2)

معاني القرآن للفراء 3/ 105.

(3)

قال الفراء في معاني القرآن 3/ 106: الجدل جمع الجديل، وهو الزمام.

(4)

في الأصل: "هو".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بنظرهم".

(6)

ينظر ما تقدم في 13/ 704 - 707.

(7)

تقدم تخريجه في 13/ 705.

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"سفيان".

(9)

سقط من الأصل.

ص: 118

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} . [قال: هكذا، أبصارُهم شاخصةٌ إلى السماءِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} . أي]

(1)

: عامِدِين إلى الداعِ

(2)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مُهْطِعِينَ} . يقولُ: ناظِرِين

(3)

.

وقولُه: {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ الكافرون باللهِ يومَ يَدْعُ الداعي إلى شيءٍ نُكُرٍ: هذا يومٌ عَسِرٌ. وإنما وصَفه بالعُسْرِ لشدةِ أهوالِه وبَلْبالِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وهذا وعيدٌ مِن اللهِ عز وجل، وتهديدٌ للمشركين مِن أهلِ مكةَ وسائرِ مَن أرْسَل إليه رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم، على تكذيبِهم إياه، وتقدُّمٌ منه إليهم أنهم إن لم يُنِيبوا مِن تكذيبِهم إياه، أنه مُحِلٌّ بهم ما أَحَلَّ بالأممِ الذين قصَّ قصصَهم في هذه السورةِ مِن الهلاكِ والعذابِ، ومُنَجٍّ نبيَّه محمدًا والمؤمنين به، كما نجَّى مَن قبلَه مِن الرسلِ وأتباعِهم مِن نِقَمِه التي أحَلَّها بأممِهم، فقال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: كذَّبَت يا محمدُ قبلَ هؤلاء الذين كذَّبوك مِن قومِك، الذين إذا رأَوْا آيةً أعْرَضوا وقالوا: سحرٌ مستمرٌّ - قومُ نوحٍ، فكذَّبوا عبدَنا نوحًا إذ أَرْسَلْناه إليهم - كما كذَّبَتْك قريشٌ إذ أَتَيْتَهم بالحقِّ مِن عندِنا - وقالوا:[{مَجْنُونٌ}. يقولُ]

(4)

هو

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

تقدم في 13/ 705.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 22 من طريق أبي صالح به، وتقدم في 13/ 705.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 119

مجنونٌ وازْدُجِر. وهو

(1)

"افْتُعِل" من "زجَرْتُ"، وكذلك تَفعَلُ العربُ بالحرفِ إذا كان أولُه زايًا، صيَّروا تاءَ الافْتِعالِ منه دالًا؛ من ذلك قولُهم: ازْدُجِر. مِن زجَرْتُ، وازْدُلِف. مِن زَلَفْتُ، وازْدِيد. مِن زِدْتُ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي زجَروه

(2)

؛ فقال بعضُهم: كان زجرُهم إياه أن قالوا: استُطِير جنونًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} . قال: اسْتُطِير جُنونًا.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَازْدُجِرَ} . قال: اسْتُطِير جنونًا

(3)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ:{وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} . قال: اسْتُعِر

(4)

جنونًا

(5)

.

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال:

(1)

أي ازدُجِر.

(2)

في الأصل: "له زجره".

(3)

تفسير مجاهد ص 634، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 327 - ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى عبد بن حميد.

(4)

في الأصل: "استطر"، وفي ت 2، ت 3:"استطير".

(5)

أخرجه البغوي في الجعديات (257) من طريق شعبة به.

ص: 120

وأخبَرني شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: بل كان زجرُهم إياه وعيدَهم له بالشتمِ والرجمِ بالقولِ القبيحِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} . قال: اتَّهَموه وزجَروه وأوْعَدوه لئن لم يَفْعَلْ ليَكُونَنَّ مِن المرجومين. وقرَأ: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}

(1)

[الشعراء: 116].

وقولُه: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فدعا نوحٌ ربَّه: إن قومي قد غلَبوني، تمرُّدًا وعُتُوًّا، ولا طاقةَ لي بهم، فانْتَصِرْ منهم بعقابٍ مِن عندِك على كفرِهم بك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ففتَحْنا لما دعانا نوحٌ مستغيثًا بنا على قومِه، {أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} وهو المتدفِّقُ، كما قال امرؤُ القيسِ

(2)

في صفةِ غَيْثٍ:

راحَ تَمْرِيه الصَّبا ثم انْتَحَى

فيه شُؤْبُوبُ

(3)

جَنوبٍ

(4)

مُنْهَمِرْ

[يعني بالمنهمرِ: المتدفِّقَ المُنْصَبَّ]

(5)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 451.

(2)

ديوانه ص 145.

(3)

الشؤبوب: الدُّفعة من المطر. اللسان (ش أ ب).

(4)

في الأصل، ت 3:"صبوب".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 121

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

(1)

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} . قال: يَنْصَبُّ انصبابًا.

وقولُه: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَسَلْنا

(2)

الأرضَ [عُيُونًا بالماءِ]

(3)

.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه:{وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} . قال: فجَّرنا الأرضَ بالماءِ

(4)

، وجاء مِن السماءِ [ماءٌ، فالتقى الماءُ والماءُ.

وقولُه]

(5)

: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فالْتَقَى ماءُ السماءِ وماءُ الأرضِ على أمرٍ قد قدَّره اللهُ وقَضاه.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} . قال: ماءُ السماءِ وماءُ الأرضِ.

وإنما قيل: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} ، والالتقاءُ لا يكونُ مِن واحدٍ، وإنما يكونُ من اثنين فصاعدًا؛ لأن الماءَ قد يكونُ جمعًا وواحدًا، وأُرِيد به في هذا الموضعِ مياهُ السماءِ ومياهُ الأرضِ، فخرَج بلفظِ الواحدِ، ومعناه الجمعُ.

(1)

بعده في الأصل: "حدثنا مرة".

(2)

في الأصل: "وأمر"، وفي ص، ت 1:"وأرسلنا"، وفي ت 2، ت 3:"وأرسلت".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عيون الماء".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الماء".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 122

وقيل: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} . لأن ذلك كان أمرًا قد قَضاه اللهُ في اللوحِ المحفوظِ.

كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: كانت الأقواتُ

(1)

قبلَ الأجسادِ، وكان القدَرُ قبلَ البلاءِ. وتلا:{فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}

(2)

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وحَملْنا نوحًا إذ الْتَقَى الماءُ على أمرٍ قد قُدِر؛ على سفينةٍ ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ. والدُّسُرُ جمعُ دِسارٍ، وقد يقالُ في واحدِها: دَسِيرٌ. كما يُقالُ: [حَبِيكٌ وحِباكٌ]

(3)

. والدِّسارُ المسمارُ الذي تُشَدُّ به السفينةُ، يقالُ منه: دسَرْتُ السفينةَ. إذا شدَدْتَها بمساميرَ أو غيرِها

(4)

.

وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ الذي قلْنا فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال

(5)

: أَخْبَرَني ابنُ لَهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن القرظيِّ، وسُئِل عن هذه الآيةِ:{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} . قال: الدُّسُرُ المساميرُ

(6)

.

(1)

في الأصل: "الأبواب".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 134 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في الأصل: "حسر وحىار"، وفي ت 3:"حبيل وحبال".

(4)

بعده في الأصل: "فيه".

(5)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال ابن زيد".

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 452.

ص: 123

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} : حُدِّثنا أن دُسُرَها مساميرُها التي شُدَّت بها

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ

(2)

}. قال: مَعاريضُ السفينةِ. قال: {وَدُسُرٍ} . قال: دُسِرت بمساميرَ

(3)

.

حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَدُسُرٍ} . قال: الدُّسُرُ: المساميرُ التي دُسِرَت بها السفينةُ؛ ضُرِبَت فيها، شُدَّت بها

(4)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَدُسُرٍ} . يقولُ

(5)

: المساميرِ

(6)

.

وقال آخرون: بل الدُّسُرُ صَدْرُ السفينةِ. قالوا: وإنما وُصِف بذلك لأنه يَدْفَعُ الماءَ ويَدْسُرُه

(7)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} . قال: تَدْسُرُ الماءَ بصدرِها. أو قال:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى المصنف.

(2)

بعده في الأصل، ت 1:"ودسر".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 258 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى عبد بن حميد.

(4)

في الأصل: "فيها". وينظر تفسير ابن كثير 7/ 452.

(5)

سقط من: الأصل

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى المصنف وابن المنذر.

(7)

الدسر: الدفع الشديد، يقال: دسرت السفينة الماء بصدرها: عانَدَتْه. التاج (د س ر).

ص: 124

بجُؤْجُؤِها

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: {وَدُسُرٍ} : جُؤْجُؤُها تَدسُرُ به الماءَ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ أنه قال: تَدْسُرُ الماءَ بصدرِها

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَدُسُرٍ} . قال: الدُّسُرُ كَلْكَلُ

(3)

السفينةِ

(4)

.

وقال آخرون: بل الدُّسُرُ عَوارضُ السفينةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحُصَيْنِ، عن مجاهدٍ:{ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} . قال: ألواحِ السفينةِ، {وَدُسُرٍ}: عوارِضها.

وقال آخرون: الألواحُ جانباها، والدُّسُرُ طَرَفاها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} : أما الألواحُ فجانبا

(1)

جؤجؤ السفينة والطائر: صدرهما. اللسان (جأجأ).

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 258 عن معمر به.

(3)

الكلكل: الصدر من كل شيء. اللسان (ك ل ل).

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 125

السفينةِ، وأما الدُّسُرُ فطَرَفاها وأصلُها

(1)

.

وقال آخرون: بل الدُّسُرُ أضلاعُ السفينةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَدُسُرٍ} . قال: أضلاعِ السفينةِ

(2)

.

وقولُه: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: تَجْرِي السفينةُ التي حمَلْنا نوحًا فيها بمرأًى منا ومَنْظَرٍ.

وذُكِر عن سفيانَ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه:{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} . يقولُ: بأمرِنا

(3)

.

وقولُه: {جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} . اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فعَلْنا ذلك ثوابًا لمن كان كَفَر فيه. بمعنى: كفَر باللهِ فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى

(4)

عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: (لِمَن كانَ كَفَر

(5)

). قال: كفَر باللهِ.

(1)

في م: "أصلاها"، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 452.

(2)

تفسير مجاهد ص 634، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 327 - .

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 429.

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا". وليس في ص قوله: "جميعا".

(5)

بفتح الكاف والفاء، وهي قراءة شاذة، وقرأ بها يزيد بن رومان وقتادة وحميد. تفسير القرطبي 17/ 133.

ص: 126

وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:(جَزَاءً لِمَنْ كانَ كَفَر). قال: لمن كان كفَر فيه

(1)

.

ووجَّه آخرون معنى "مَن" إلى معنى "ما"

(2)

في هذا الموضعِ، وقالوا: معنى الكلامِ: جزاءً لمن

(3)

كان كُفر مِن أيادِي اللهِ ونعمِه، عندَ الذين أهْلَكَهم وغرَّقهم مِن قومِ نوحٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} . قال: لمن كان كفَر نعمَ اللهِ، وكفَر [بآلاءِ ربِّه]

(4)

وكتبِه ورسلِه، فإن ذلك جزاءٌ له.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي ما قاله مجاهدٌ، وهو أن معناه: ففتَحْنا أبوابَ السماءِ بماءٍ منهمرٍ، وفجَّرْنا الأرضَ عُيونًا، فغرَّقْنا قومَ نوحٍ ونجَّيْنا نوحًا؛ عقابًا مِن اللهِ وثوابًا للذي جحَد وكفَر - لأن معنى الكفرِ الجحودُ - وهو

(5)

الذي جحَد أُلُوهتَه ووحدانيتَه قومُ نوحٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ:{لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]. ومَن ذهَب به إلى هذا التأويلِ، كانت "مَن""اللهُ"، كأنه قيل:[غُرِّقتْ للهِ بكفرِهم به]

(6)

. وإن وَجَّه مُوَجِّهٌ "مَن"

(7)

إلى أنها مرادٌ بها نوحٌ عليه السلام والمؤمنون به كان مذهبًا، فيكونُ معنى

(1)

تفسير مجاهد ص 634، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 327.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بل".

(3)

في م: "ما".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 3:"بأياديه وآلائه"، وغير واضحة في ت 2.

(5)

سقط من: م، ت 3.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عوقبوا لله ولكفرهم به".

(7)

سقط من: م.

ص: 127

الكلامِ حينَئذٍ: فعَلْنا ذلك فِعْلَنا

(1)

جزاءً لنوحٍ، ولمن كان معه في الفُلْكِ. كأنه قيل: غرَّقْناهم لنوحٍ ولصنيعِهم بنوحٍ ما صنَعوا به مِن كفرِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد ترَكنا السفينةَ التي حَملْنا فيها نوحًا ومَن كان معه، {آيَةً}. يعني: عِبْرةً وعِظةً لمَن بعدَ قومِ نوحٍ مِن الأممِ؛ ليَعْتَبِرُوا بها ويَتَّعِظوا، فيَنْتَهُوا عن أن يَسْلُكوا مَسْلكَهم في الكفرِ باللهِ وتكذيبِ رسلِه، فيُصِيبَهم مثلُ ما أصابهم مِن العقوبةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . قال: أبْقاها اللهُ بباقِرْدَى

(2)

من أرضِ الجزيرةِ عبرةً وآيةً

(3)

، حتى نظَرَت إليها أوائلُ هذه الأمةِ نظرًا، وكم مِن سفينةٍ كانت بعدَها قد صارت رَمادًا

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً} . قال: ألْقَى اللهُ سفينةَ نوحٍ على الجُودِيِّ حتى أدْرَكها أوائلُ هذه الأمةِ

(5)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

باقردى: موضع بالجزيرة تقع شرقى دجلة بالقرب من جبل الجودي. معجم ما استعجم 1/ 222، ومعجم البلدان 1/ 466، 476.

(3)

في الأصل: "عظة".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 328 - من طريق سعيد به.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 258 وعنه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 328 - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى ابن المنذر.

ص: 128

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن مجاهدٍ، أن اللهَ حينَ غرَّق الأرضَ جعَلَت الجبالُ تَشْمَخُ، وتواضَع الجُودِيُّ، فرفعه اللهُ على الجبالِ، وجعَل قَرارَ السفينةِ عليه

(1)

.

وقولُه: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . يقولُ: فهل مِن [ذِي تَذَكُّرٍ يَتَذَكَّرُ]

(2)

ما قد فعَلْنا بهذه الأُمَّةِ

(3)

التي كفَرَت بربِّها، وعصَت رسولَه نوحًا وكذَّبَته فيما أتاهم به عن ربِّهم من النصيحةِ، فيَعْتَبِرَ بهم، ويَحْذَرَ أن يَحِلَّ به مِن عذابِ اللَّهِ بكفرِه به

(4)

، وتكذيبِه رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم، مثلُ الذي حَلَّ بهم، فيُنِيبَ إلى التوبةِ، ويُراجِعَ الطاعةَ.

وأصلُ {مُدَّكِرٍ} مُفْتَعِلٌ مِن "ذكَر"، اجْتَمَعَت فاءُ الفعلِ، وهي ذالٌ، وتاؤها

(5)

، وهي بعدَ الذالِ، فصُيِّرتا دالًا مشددةً، وكذلك تَفْعَلُ العربُ فيما كان أولُه ذالًا يَتْبَعُها تاءُ الافتعالِ، يَجْعَلونهما جميعًا دالًا مشددةً، فيقولون: ادَّكَرْتُ ادِّكارًا. وإنما هو: اذتكَرْتُ اذتِكارًا. وهل مِن مُذتَكِرٍ. ولكن قيل: ادَّكَرْتُ ومُدَّكِرٌ. لما ذَكَرَتُ. وقد ذُكِر عن بعضِ بني أسدٍ أنهم يقولون في ذلك: مُذَّكِرٌ. فيُغَلِّبون

(6)

الذال، ويَعْتَبِرون الدالَ والتاءَ ذالًا مشددةً. وذُكِر عن الأسودِ بنِ يزيدَ أنه قال: قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ، أو (مُذَّكِرٍ)؟ فقال: أقْرَأَني رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مُدَّكِرٍ}

(7)

. يعني: بدالٍ

(8)

مشددةٍ

(9)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 258 عن معمر، عن يونس بن خباب، عن مجاهد.

(2)

في الأصل: "حجة ذكر فيذكر".

(3)

في الأصل: "الأمم".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بربه".

(5)

في م: "تاء".

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيقلبون".

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2:"مذكر".

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2:"بالذال".

(9)

أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 107، وأحمد 6/ 298 (3755)، والبخاري (3345، 4869، 4870)، ومسلم (823)، وأبو داود (3994)، والترمذي (2937)، والنسائي في الكبرى (11555)، =

ص: 129

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . قال: المُدَّكِرُ الذي يَتَذَكَّرُ، وفي كلامِ العربِ: المُدَّكِرُ المُتَذَكِّرُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . قال: فهل مِن مُذَّكِرٍ.

وقولُه: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فكيف كان عذابي لهؤلاء الذين كفَروا بربِّهم من قومِ نوحٍ، وكذَّبوا رسولَه نوحًا، إذ تَمادَوْا في غَيِّهم وضلالِهم، وكيف كان إنْذاري بما فعَلْتُ بهم من العقوبةِ التي أحْلَلْتُ بهم، بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبِهم رسولَه نوحًا عليه السلام [من أنذرتُه به، وهذا سنةُ اللهِ عز وجل لمكذِّبي رسولِه]

(1)

صلى الله عليه وسلم مِن قومِه من قريشٍ، وتحذيرٌ منه لهم، أن يَحِلَّ بهم على تَمادِيهم في غيِّهم، مثلُ الذي حَلَّ بقومِ نوحٍ من العذابِ.

وقولُه: {وَنُذُرِ} . يعني: وإنذاري، وهو مصدرٌ.

وقولُه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سهَّلْنا القرآنَ بتَبيينِنَاه وتفصيلِناه للذكرِ، لمن أراد أن يَتَذَكَّرَ ويَعْتَبِرَ بِه ويَتَّعِظَ، وهَوَّنَّاه.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

= وابن حبان (6327)، والحاكم 2/ 249، 250، من طرق عن الأسود بن يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى عبد بن حميد، وابن مردويه، وينظر علل الدارقطني 5/ 39.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، وفي م:"وهو إنذار لمن كفر".

ص: 130

قولَه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} . [قال: هوَّنَّا

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} ]

(2)

. قال: يسَّرْنا، بيَّنَّا.

وقولُه: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . يقولُ: فهل مِن معتبِرٍ و

(3)

مُتَّعِظٍ يَتَذَكَّرُ فيَتعِظَ

(4)

بما فيه مِن العبرِ والذِّكْرِ.

وقد قال بعضُهم في تأويلِ ذلك: هل مِن طالبِ علمٍ أو خَيرٍ فيُعانَ عليه. وذلك قريبُ المعنى مما قلْناه، ولكنا اخْتَرْنا العبارةَ التي عبَّرْناها في تأويلِه؛ لأن ذلك هو الأغلبُ مِن مَعانيه على ظاهرِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . يقولُ: فهل مِن طالبِ خيرٍ يُعانُ عليه

(5)

.

حدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنى الحارثُ بنُ عبيدٍ الإياديُّ، قال: سمِعْتُ قتادةَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . قال: هل مِن طالبِ خيرٍ يُعانُ عليه.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ رَبيعةَ، أو أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، أو

(1)

في م: "هوناه".

والأثر في تفسير مجاهد ص 634، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (573)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيعتبر".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 131

كلاهما، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن مَطَرٍ في قولِه:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . قال: هل مِن طالبِ علمٍ فيُعانَ عليه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت أيضًا عادٌ نبيَّهم هودًا عليه السلام فيما أتاهم به عن اللهِ، كالذي كذَّبت قومُ نوحٍ، وكالذي كذَّبْتُم معشرَ قريشٍ نبيَّكم محمدًا صلَّى اللهُ عليه وعلى جميعِ رسلِه. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}. يقولُ: فانْظُروا معشرَ كفرةِ قريشٍ باللهِ كيف كان عذابي إياهم، وعقابي لهم على كفرِهم باللهِ وتكذيبِهم رسولَه هودًا، وإنذاري بفعلي بهم ما فعَلتُ مَن سلَك طرائقَهم، وكانوا على مثلِ ما كانوا عليه مِن التَّمادِي في الغَيِّ والضَّلالةِ.

وقولُه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا بعَثْنا على عادٍ، إذ تَمادَوْا في طُغْيانِهم وكفرِهم باللهِ، ريحًا صَرْصَرًا، وهي الشديدةُ العُصُوفِ في بردٍ، التي لصوتِها صَريرٌ، وهي مأخوذةٌ مِن شدةِ صوتِ هبوبِها، إذا سُمِع منها، كهيئةِ قولِ القائلِ: صَرْصَرَ

(2)

. فقيل منه: صَرْصَرٌ. كما قيل: {فَكُبْكِبُوا} [الشعراء: 94]. من "كُبُّوا"، ونَهْنَهْتُ مِن "نَهَّهتُ"

(3)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

أخرجه الدارمي 1/ 99، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 453 - وأبو نعيم في الحلية 3/ 76، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1945) من طريق ضمرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر، ووقع عند الدارمي: مطرف بدلا من: مطر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2:"صر".

(3)

في الأصل، ت 1، ت 3:"نهت"، وفي ت 2:"نهنه".

ص: 132

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} . [قال: ريحًا باردةً]

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} . قال: الصرصرُ: الباردةُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} . قال: الصرصرُ: الباردةُ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {رِيحًا صَرْصَرًا} : باردةً

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{رِيحًا صَرْصَرًا} . قال: شديدةً، والصرصرُ: الباردةُ.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {رِيحًا صَرْصَرًا} . قال: الصَّرصرُ: الشديدةُ

(4)

.

(1)

في الأصل: "والصرصر الباردة".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 258 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى عبد بن حميد.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 454.

(4)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 448.

ص: 133

وقولُه: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: في يومِ شرٍّ وشُؤْمٍ لهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: النَّحْسُ الشؤمُ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} . قال: النحسُ الشرُّ، {فِي يَوْمِ نَحْسٍ}: في يومِ شرٍّ.

وقد تأَوَّل ذلك آخرون بمعنى: شديدٍ. ومَن تأَوَّل ذلك كذلك، فإنه يَجْعَلُه مِن صفةِ اليومِ، ومَن جعَله مِن صفةِ اليومِ، فإنه يَنْبَغي أن يكونَ قراءتُه بتنوينِ اليومِ، وكسرِ الحاءِ مِن النَّحسِ، فيكونُ (في يومٍ نَحِسٍ). كما قال جلَّ ثناؤُه:{فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت: 16]. ولا أَعْلَمُ أحدًا قرَأ ذلك كذلك في هذا الموضعِ، غيرَ أن الروايةَ التي ذُكِرَت في تأويلِ ذلك عمن ذُكِرَت عنه، على ما وصَفْنا، تَدُلُّ على أن ذلك كان قراءتَه

(2)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فِي يَوْمِ نَحْسٍ} . قال: أيامٍ شِدادٍ

(3)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 258 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى عبد بن حميد.

(2)

وهي قراءة الحسن. مختصر الشواذ لابن خالويه ص 148، والبحر المحيط 8/ 179.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى المصنف.

ص: 134

وحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} : يومٍ شديدٍ.

وقولُه: {مُسْتَمِرٍّ} . يقولُ: في يومِ شرٍّ وشؤمٍ، استَمَرَّ بهم البلاءُ والعذابُ فيه إلى أن وافَى بهم جهنمَ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} : يَسْتَمرُّ بهم إلى نارِ جهنمَ

(1)

.

وقولُه: {تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} . يقولُ: تَقلَعُ

(2)

الناسَ وتَرْمِي بهم على رءوسِهم، فتَنْدَقُّ رقابُهم وتَبِينُ مِن أجسادِهم

(3)

.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما هاجَت الريحُ قام نفَرٌ من عادٍ سبعةٌ، [سُمِّي لنا]

(4)

منهم ستةٌ مِن أيِّدِ

(5)

عادٍ وأجسمِها، منهم عمرُو بنُ الحليِّ

(6)

، والحارثُ بنُ شدادٍ، والهِلْقامُ، [وابنا تيقنَ]

(7)

، وخَلَجَانُ بنُ سعدٍ

(8)

، فأَوْلَجوا

(9)

العِيالَ في شِعْبٍ بينَ جبلين، ثم اصْطَفُّوا على بابِ الشِّعْبِ ليَرُدُّوا الريحَ عمن بالشِّعْبِ من العيالِ، فجعَلَت الريحُ تَجْعَفُهم

(10)

رجلًا رجلًا،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تقتلع".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أجسامهم".

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"سمالنا"، وفي م، ت 1:"شماليا".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أشد"، والأيِّد: القوي. التاج (أ ي د).

(6)

في الأصل: "الحل".

(7)

غير واضحة في الأصل، وفي تفسير القرطبي:"تقن".

(8)

في م: "أسعد".

(9)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فأدلجوا".

(10)

في ص، م:"تخفقهم"، وجَعَفه: صَرَعه وضرب به الأرض. اللسان (ج ع ف).

ص: 135

فقالت امرأةٌ مِن عادٍ:

ذهَب الدهرُ بعمرِو بـ

ــنِ حليٍّ

(1)

والهَنِيَّاتِ

ثم بالحارثِ والهِلْـ

ــقامِ طَلَّاعِ الثَّنِيَّاتِ

والذي سَدَّ مَهَبَّ

(2)

الر

يحِ أيامَ البَلِيَّاتِ

(3)

حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ البَيْروتيُّ، قال: أخْبَرني أبي، قال: ثنى إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما هبَّت الريحُ قام سبعةٌ مِن عادٍ فقالوا: نَرُدُّ الريحَ. فأَتَوْا فمَ الشِّعْبِ الذي يَأتي منه الريحُ، فوقَفوا عليه، فجعَلَت الريحُ تَهُبُّ فتَدْخُلُ تحتَ واحدٍ منهم، تَقْتَلِعُه مِن الأرضِ، فتَرْمِي به على رأسِه، فتَنْدَقُّ رقبتُه، ففعَلَت ذلك بستةٍ منهم، وترَكَتْهم كما قال اللهُ: {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ

(4)

} [الحاقة: 7]. وبقِيَ الخَلَجانُ، فأتَى هودًا، فقال: يا هودُ، ما هذا الذي أَرَى في السَّحابِ كهيئةِ البَخَاتيِّ؟ قال: تلك

(5)

ملائكةُ ربي. فقال: ما لي إن أَسْلَمْتُ؟ قال: تَسْلَمُ. قال: أيُعيذُني

(6)

ربُّك إن أَسْلَمْتُ مِن هؤلاء؟ فقال: ويلك، أرأيْتَ مَلِكًا يُعيذُ

(7)

مِن جندِه

(8)

؟ فقال: وعزتِه لو فعَل ما رضِيتُ. قال: ثم مال إلى جانبِ الجبلِ، فأخَذ برُكنٍ منه فهزَّه، فاهْتَزَّ في يدِه، ثم جعَل يقولُ:

لم يَبْقَ إِلا الخَلَجانُ نفسُه

يا لك مِن يومٍ دهاني أمسُه

(1)

في الأصل: "خل".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، وفي م:"علينا".

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 136.

(4)

في م: "منقعر".

(5)

بعده في الأصل: "الملائكة".

(6)

في الأصل، م:"أيقيدني".

(7)

في الأصل، م:"يقيد".

(8)

في م: "جنوده".

ص: 136

بثابتِ الوَطْءِ شديدٍ وَطْسُه

لو لم يَجِئْني جئتُه أَجُسُّه

(1)

قال: ثم هبَّت الريحُ

(2)

فألْحَقَته بأصحابِه

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سيفٍ، عن الحسنِ، قال: لما أقْبَلَت الريحُ قام إليها قومُ عادٍ، [فأَخَذ بعضُهم بأيدي بعضٍ]

(4)

كما تَفْعَلُ الأعاجمُ

(5)

، فرَغَموا

(6)

أقدامَهم في الأرضِ، وقالوا: يا هودُ، مَن يُزِيلُ أقدامَنا عن الأرضِ إن كنتَ صادقًا؟ فأَرْسَل اللهُ عليهم الريحَ، [تَنْزِعُ الناسَ]

(7)

كأنهم أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ

(8)

.

حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا أشعثُ بنُ جابرٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: إن كان الرجلُ مِن قومِ عادٍ لَيَتَّخِذُ المِصْراعين مِن حِجارةٍ، لو اجْتَمَع عليها خمسُمائةٍ مِن هذه الأمةِ لم يَسْتَطِيعوا أن يَحْمِلوها، وإن كان الرجلُ منهم [ليَغْمِزُ قدمَه]

(9)

في الأرضِ فتَدْخُلُ في

(1)

في الأصل، ص:"أحتسه"، وفي ت 1:"أجتسه"، وفي ت 2، ت 3:"أحبسه"، وفي عرائس المجالس:"وحبسته"، والمثبت من تاريخ المصنف.

(2)

بعده في الأصل: "فحملته".

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 224 بنحوه مطولًا.

(4)

في الأصل: "فأخبر بعضهم بما يرى بعضهم".

(5)

بعده في الأصل كلمة غير واضحة.

(6)

في ص، ت 1، ت 3:"وعمروا"، وفي ت 2:"وعمرا"، وفي م:"وغمزوا". ورغم الشيءَ ألصقه في التراب. الوسيط (ر غ م).

(7)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، وفي الأصل:"فنزع الناس"، وفي م:"فصيرتهم"، والمثبت من الدر المنثور.

(8)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135، 136 إلى المصنف وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(9)

في الأصل: "ليعد قدميه"، وفي ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ليعمر قدميه".

ص: 137

الأرضِ

(1)

.

وقال

(2)

: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} . ومعنى الكلامِ: فتَرَكتْهم

(3)

كأنهم أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ. فترَك ذكرَ "فترَكتْهم"، استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه.

وقيل: إنما شبَّههم بأعجازِ نخلٍ مُنْقَعِرٍ لأن رءوسَهم كانت تَبِينُ من أجسادِهم

(4)

، فتَذْهَبُ لذلك رقابُهم، مِن

(5)

أجسادِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خَليفةَ، عن هلالِ بنِ خَبَّابٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} . قال: سقَطَت رءوسُهم كأمثالِ الأخْبِيةِ

(6)

، و [تفَرَّدَت، أو تفرَّقَت]

(7)

أعناقُهم - قال أبو جعفرٍ: أَنا أَشُكُّ - فشبَّهها بأعجازِ نخلٍ منقعرٍ

(8)

.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} . قال:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

في الأصل: "وقوله"، وفي ت 2:"قال".

(3)

في ص، ت 1:"فتتركهم"، وفي م:"فيتركهم"، وفي ت 2:"نتركهم"، وفي ت 3:"فنتركهم".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أجسامهم".

(5)

في ص، م، ت 1:"وتبقى"، وفي ت 2، ت 3:"وتبلى".

(6)

الأخبية جمع خباء، والخباء من الأبنية ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة. اللسان (خ ب ى).

(7)

في الأصل: "تفردت أو تعددت".

(8)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.

ص: 138

هم قومُ عادٍ حينَ صرَعَتهم الريحُ، كأنهم فِلْقُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ.

{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: [فانْظُروا معشرَ]

(1)

كفارِ قريشٍ، كيف كان عذابي قومَ عادٍ حين كفَروا بربِّهم وكذَّبوا رسولَه

(2)

، فإن ذلك سنةُ اللَّهِ عز وجل في أمثالِهم، وكيف كان إنذاري بهم مَن أَنْذَرْتُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سهَّلْنا القرآنَ وهوَّنَّاه لمن أراد التذكرَ به

(3)

والاتعاظَ، {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. يقولُ: فهل مِن مُتَّعِظٍ ومُنْزَجِرٍ بآياتِه.

وقولُه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت ثمودُ قومُ صالحٍ بنُذُرِ اللَّهِ التي أتَتْهم من عندِه، فقالوا تكذيبًا منهم لصالحٍ رسولِ ربِّهم عز وجل:

{أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} ، ونحن الجماعةُ الكبيرةُ، وهو واحدٌ؟

وقولُه: {إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} . يقولُ: قالوا إنا إذن باتباعِنا صالحًا إن اتَّبَعْناه، وهو بشرٌ منا واحدٌ، {لَفِي ضَلَالٍ}

(4)

. يَعْنون: لفي ذَهابٍ عن الصوابِ، وأخْذٍ على غيرِ استقامةٍ، {وَسُعُرٍ} . يعنون بالسُّعُرِ جمعَ سَعيرٍ.

وكان قتادةُ يقولُ: عُنِي بالسُّعُرِ العَناءُ.

(1)

في الأصل: "فانظر يا معشر"، وفي م:"فانظروا يا معشر".

(2)

في الأصل: "رسله".

(3)

بعده في ص: "للتذكر".

(4)

بعده في الأصل: "وسعر".

ص: 139

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} : في عَناءٍ وعذابٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} . قال: ضلالٍ وعَناءٍ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبرًا عن قيلِ مُكَذِّبي رسولِه عليه السلام مِن قومِه ثمودَ: أَأُلقِيَ عليه الذِّكرُ من بينِنا. يعنون بذلك: أَأُنْزِل الوحيُ عليه وخُصَّ بالنبوةِ من بينِنا، وهو واحدٌ منا؟ إنكارًا منهم أن يكونَ اللهُ عز وجل يُرْسِلُ رسولًا مِن بني آدمَ.

وقولُه: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} . [يقولُ: قالوا: ما ذلك كذلك، بل هو كذابٌ أشِرٌ]

(2)

. يعنون بالأشِرِ المَرِحَ ذا التَّجَبُّرِ والكبرياءِ. فالمَرَحُ مِن النشاطِ.

وقد حدَّثني الحسنُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ القرشيُّ، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي حمادٍ: ما الكذابُ الأَشِرُ؟ قال: الذي لا يُبالي ما قال.

وبكسرِ الشينِ مِن: {الْأَشِرُ} وتخفيفِ الراءِ قرَأَت قرأةُ الأمصارِ. وذُكِر عن مجاهدٍ أنه كان يَقْرَؤُه: (كذابٌ أَشُرٌ)

(3)

بضمِّ الشينِ وتخفيفِ الراءِ، وذلك في الكلامِ نظيرُ الحَذِرِ والحَذُرِ، والعَجِلِ والعَجُلِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 260، 261 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

وهي قراءة شاذة، ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 108، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص 148.

ص: 140

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندي ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه.

وقولُه: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لهم: ستَعْلَمون غدًا في القيامةِ مَن الكذابُ الأشِرُ؛ منكم معشرَ ثَمودَ ومِن رسولِنا صالحٍ، حينَ تَرِدون على ربِّكم. وهذا التأويلُ على قراءةِ من قرَأ قولَه:(ستَعْلَمون) بالتاءِ، وهي قراءةُ عامةِ أهلِ الكوفةِ سوى عاصمٍ والكِسائيِّ

(1)

. وأما تأويلُ ذلك على قراءةِ مَن قرَأه بالياءِ - وهي قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وعاصمٍ والكِسائيِّ

(2)

- فإنه: قال اللهُ: سيَعْلَمون غدًا من الكذَّابُ الأشِرُ. وتُرِك مِن الكلامِ ذكرُ: "قال اللهُ"؛ استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبُ؛ لتقارُبِ معنييهما، وصحتِهما في الإعرابِ والتأويلِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: إنا باعِثو الناقةِ التي سأَلَتها ثمودُ صالحًا، من الهَضْبةِ التي سأَلوه بَعْثتَها لهم منها، آيةً لهم، وحُجَّةً لصالحٍ على حقيقةِ نبوتِه وصدقِ قولِه.

وقولُه: هو {فِتْنَةً لَهُمْ} . يقولُ: ابْتلاءً لهم واختبارًا، هل يُؤْمنون باللهِ ويَتَّبِعون

(1)

وبها قرأ ابن عامر وحمزة. النشر 2/ 284.

(2)

وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو الكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف. المصدر السابق.

ص: 141

صالحًا، ويُصَدِّقونه بما دعاهم إليه

(1)

، من توحيدِ اللهِ [إذا أرْسَل الناقةَ، أم]

(2)

يُكذِّبونه ويَكْفرُون باللهِ؟!

وقولُه: {فَارْتَقِبْهُمْ} . يقولُ: قال اللهُ لصالحٍ: إنا مُرْسِلو الناقةِ فتنةً لهم، فانْتَظِرْهم، وتبَصَّرْ ما هم صانعوه بها، {وَاصْطَبِرْ}. يقولُ له: فاصبِرْ على ارتقابِهم، [فاصبِرْ على ارتِقابِهم]

(3)

، ولا تعجَلْ، وانتظِرْ ما يصنَعون بناقةِ اللهِ عز وجل.

وقيل: {وَاصْطَبِرْ} . وأصلُ الطاءِ تاءٌ، فجُعِلَت طاءً، وإنما هو "افْتَعِلْ" مِن الصبرِ.

وقولُه: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأخْبِرْهم أن الماءَ قسمةٌ بينَهم يومَ غِبِّ الناقةِ

(4)

. وذلك أنها كانت تَرِدُ الماءَ يومًا وتَغِبُّ يومًا، فقال جلَّ وعز لصالحٍ: أخْبِرْ قومَك مِن ثمودَ أن الماءَ يومَ غِبِّ الناقةِ قسمةٌ بينَهم. فكانوا يَقْتَسِمون ذلك يومَ غِبِّها، فيَشْرَبون منه ذلك اليومَ، ويَتَزَوَّدون فيه منه ليومِ وُرودِها.

وقد وجَّه تأويلَ ذلك قومٌ إلى أن الماءَ قسمةٌ بينَهم وبينَ الناقةِ؛ يومًا لهم ويومًا لها، وأنه إنما قيل:{بَيْنَهُمْ} . والمعنى ما ذكَرْتُه عندَهم؛ لأن العربَ إذا أرادت الخبرَ عن فعلِ جماعةِ بني آدمَ مُخْتَلِطًا بهم البهائمُ، جعَلوا الفعلَ خارجًا مخرجَ فعلِ

(1)

في الأصل: "إلى الله".

(2)

في الأصل: "إذا أرسل الناقة آية".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

يوم غبها: اليوم الذي لا تشرب فيه. وينظر التاج (غ ب ب).

ص: 142

جماعةِ

(1)

بني آدمَ، لتَغْليبِهم فعلَ بني آدمَ على فعلِ البهائمِ.

وقولُه: {كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ شِرْبٍ [مِن ماءٍ يومَ]

(2)

غِبِّ الناقةِ، ومِن لبنٍ يومَ وُرودِها، مُحْتَضَرٌ يَحْتَضِرُونه.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} . قال: يَحْضُرونهم

(3)

الماءَ إذا غابت، وإذا جاءت حضَروا اللبنَ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} . قال: يَحْضُرون هم

(3)

الماءَ إذا غبَّتْ، وإذا جاءت حضَروا اللبنَ

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: فنادَت ثمودُ صاحبَهم عاقِرَ الناقةِ قُدارَ بنَ سالفَ، لِعقْرِ الناقةِ؛ حضًّا له على ذلك.

وقولُه: {فَتَعَاطَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فتَناوَل الناقةَ بيدِه، فعقَرها.

وقولُه: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه لقريشٍ: فكيفَ كان عذابي إياهم معشرَ قريشٍ حينَ عذَّبْتُهم، ألم أُهْلِكْهم بالرَّجْفَةِ؟ {وَنُذُرِ} . يقولُ

(1)

في الأصل: "كالخبر عن".

(2)

في الأصل: "يوما بيوم".

(3)

في م: "يحضرون بهم".

(4)

تفسير مجاهد ص 635، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 327 - ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 135 إلى عبد بن حميد.

ص: 143

تعالى ذكرُه: وكيف كان إنذاري مَن أَنْذَرْتُ مِن الأممِ بعدَهم، بما فعَلْتُ بهم وأحْلَلْتُ بهم مِن العقوبةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} . قال: تَناوَلها بيدِه، {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}. قال: يقالُ: إنه ولدُ زِنْيةٍ. فهو مِن التسعةِ الذين كانوا يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون، وهم الذين قالوا لصالحٍ:{لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل: 49] فَتَقْتُلُهم

(1)

.

وقولُه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} . [يقولُ تعالى ذكرُه: إنا بعَثنا على ثمودَ صيحةً واحدةً]

(2)

. وقد بيَّنا فيما مضَى أمرَ الصيحةِ، وكيف أتَتْهم، وذكَرنا ما رُوِي في ذلك مِن الآثارِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(3)

.

وقولُه: {فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فكانوا بهلاكِهم بالصيحةِ بعدَ غضارتِهم

(4)

أحياءً، وحُسْنِهم قبلَ بَوارِهم، كيَبِيسِ

(5)

الشجرِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم مقتصرًا على شطره الأول بلفظ: فتعاطى قال: تناول. وينظر ما تقدم في 18/ 90.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ينظر ما تقدم في 10/ 302، 303.

(4)

في م: "نضارتهم"، وفي ت 1، ت 2، ت 3:"عصارتهم". والغضارة: النعمة والخير والسَّعة في العيش والخصب والبهجة. وغضارة العيش: طِيبُه ونَضرته. التاج (غ ض ر).

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كيبس".

ص: 144

الذي [حَظَرَه مُحْظِرُ حَظِيرتِه]

(1)

، بعدَ حسنِ نباتِه، وخضْرةِ ورقِه قبلَ يُبْسِه.

وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك العظامُ المحترقةُ. وكأنهم وجَّهوا معناه إلى أنه مثَّل هؤلاء القومَ بعدَ هلاكِهم وبِلَاهُم بالشيءِ الذي أحْرَقه مُحْرِقٌ في حَظيرتِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، قال: ثنا قابوسُ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . قال: كالعظامِ المحترقةِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . قال: المُحْتَرِقِ.

ولا بيانَ عندَنا في هذا الخبرِ عن ابنِ عباسٍ كيف كانت قراءتُه ذلك، إلا أنا وجَّهْنا معنى قولِه هذا على النحوِ الذي جاءنا مِن تأويلِه قولَه:{كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} إلى

(3)

أنه كان يَقْرَأُ ذلك كنحوِ قراءةِ الأمصارِ، وقد يَحْتَمِلُ تأويلُه ذلك كذلك، أن يكونَ قراءتُه كانت بفتحِ الظاءِ من (المحتظَرِ) على أن المُحْتَظَرَ نعتٌ لـ "الهشِيمِ"، ثم أُضِيف إلى نعتِه، كما قيل:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 95]، [كما قيل:{وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} [يوسف: 109]. والمعنى: وللدارُ الآخرةُ، ولهو الحقُّ اليقينُ]

(4)

.

(1)

في ص، ت 1:"حصرته محصر حصيرته"، وفي م:"حظرته بحظير حظرته"، وفي ت 2، ت 3:"حظرته فحظير حظيرته".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

في الأصل، ت 3:"إلا".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 145

وقد ذُكِر عن الحسنِ وقتادةَ أنهما كانا يَقْرآن ذلك كذلك

(1)

، ويَتَأَوَّلَانه هذا التأويلَ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ.

حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي

(2)

، [قال: ثنى أبي]

(3)

، عن الحسينِ

(4)

، قال: كان قتادةُ يَقْرَأُ: (كهشيمِ المُحْتظَرِ). يقولُ: المُحْتَرقِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (فكانوا

(5)

كهشيمِ المُحتظَرِ)، يقولُ: كهشيمٍ مُحْتَرقٍ.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الترابُ الذي يَتَناثَرُ مِن الحائطِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . قال: الترابُ الذي يَتَناثَرُ مِن الحائطِ

(6)

.

وقال آخرون: بل هو حَظيرةُ الراعي للغنمِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ وأسْنَده،

(1)

وبها قرأ أبو العالية وأبو حيوة وأبو السمال وأبو رجاء. ينظر تفسير القرطبي 17/ 142، والبحر المحيط 8/ 181.

(2)

بعده في الأصل: "بن عبد الوارث". وينظر ما تقدم في 9/ 546.

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحسن".

(5)

ليس في الأصل، وفي م:"فكأنه".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف وعبد بن حميد، وقال ابن كثير في تفسيره 7/ 455: هذا قول غريب.

ص: 146

قال: {الْمُحْتَظِرِ} : حظيرةُ الراعي للغنمِ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ قولَه: {كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} : المُحْتَظِرُ، الحظيرةُ تُتَّخَذُ للغنمِ فتَيْبَسُ، فتَصِيرُ [هشيمًا

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه]

(2)

: {كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . قال: هذا الشوكُ الذي تَحْظُرُ به العربُ حولَ مَواشِيها مِن السِّباعِ، والهشيمُ: يابسُ الشجرِ الذي فيه شوكٌ، ذلك الهشيمُ

(3)

.

وقال آخرون: بل عُنِي به هَشيمُ الخَيْمةِ، وهو ما تَكَسَّر مِن خشبِها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابنِ أبي نجيحٍ]

(1)

، عن مجاهدٍ في قولِه:{كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . قال: الرجلُ يَهْشِمُ الخَيْمةَ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} . [قال: كهشيمِ]

(4)

الخَيْمةِ

(5)

.

وقال آخرون: بل هو الورقُ الذي يَتَناثَرُ مِن خشبِ الحطبِ.

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 453.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 142، وابن كثير في تفسيره 7/ 455.

(4)

في م: "الهشيم".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد.

ص: 147

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{كَهَشِيمِ} . قال: الهَشيمُ، إذا ضرَبْتَ الحَظيرةَ بالعصا تهَشَّم ذاك الورقُ فيَسْقُطُ

(1)

.

والعربُ تُسَمِّي كلَّ شيءٍ كان رطبًا فيبِس هشيمًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ} : هوَّنَّا القرآنَ بتبيينِناه، {لِلذِّكْرِ}. يقولُ: لمن أراد أن يَتَذَكَّرَ به فيَتَّعِظَ، {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. يقولُ: فهل مِن مُتَّعِظٍ به ومُعْتَبرٍ يَعْتَبِرُ به، فيَرْتَدِعَ عما يَكْرَهُه اللهُ منه.

وقولُه: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَت قومُ لوطٍ بآياتِ اللهِ التي أَنْذَرَهم وذكَّرهم بها.

وقولُه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أَرْسَلْنا عليهم حجارةً.

وقولُه: {إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: غيرَ آلِ لوطٍ الذين صدَّقوه واتَّبَعوه على دينِه، فإنا نجَّيْناهم مِن العذابِ الذي عذَّبْنا به قومَه الذين كذَّبوه، والحاصبِ الذي حصَبْناهم به - بسَحَرٍ، {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}. يقولُ: نعمةً أَنْعَمْناها على لوطٍ وآلِه، وكرامةً أَكْرَمْناهم بها مِن عندِنا.

وقولُه: {كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} . يقولُ: كما أثَبْنا لوطًا وآلَه، وأَنْعَمْنا

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 142.

ص: 148

عليه، فأنْجَيْناهم مِن عذابنِا بطاعتِهم إيانا، كذلك نُثِيبُ مَن شَكَرَنا على نعمتِنا عليه، فأطاعَنا وانْتَهَى إلى أمرِنا ونهيِنا، مِن جميعِ خلقِنا.

وأُجْرِيَ قولُه {بِسَحَرٍ} ؛ لأنه نكرةٌ

(1)

. وإذا قالوا: فعَلْتُ هذا سحَرَ. بغيرِ باءٍ، لم يُجْرُوه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: {وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أَنْذَر لوطٌ قومَه بطشتَنا بهم التي بطَشْناها قبلَ ذلك، {فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ}. يقولُ: فكذَّبوا بإنذارِه ما أنْذَرهم مِن ذلك؛ شكًّا منهم فيه.

وقولُه: {فَتَمَارَوْا} . تَفاعَلوا، مِن المِرْيةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} : لم يُصَدِّقوه

(2)

.

وقولُه: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد راوَد لوطًا

(3)

قومُه عن ضيفِه الذين نزَلوا به، حينَ أراد اللَّهُ إهلاكَهم؛ [ليُخَلِّيَهم وفعْلَ ما كانوا يفعلون بمَن دخَل قريتَهم من الذُّكرانِ]

(4)

، {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ}. يقولُ: فطمَسْنا

(1)

الإجراء: الصرف. وينظر مصطلحات النحو الكوفي ص 98.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 259 عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في الأصل: "لوط".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 149

على أعينِهم، حتى صيَّرْناها كسائرِ الوجهِ، لا تَرَى لها شَقًّا

(1)

شُقَّ، فلم يُبْصِروا ضيفَه. والعربُ تقولُ: قد طمَسَت الريحُ الأعلامَ. إذا دفنَتْها بما تُسْفِي عليها مِن الترابِ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرٍ

(2)

:

مِن كُلِّ نَضَّاخةِ الذِّفْرَى إِذا عَرِقَت

(3)

عُرْضَتُها طامسُ الأعلاِم مجهولُ

يعني بقولِه: طامِسُ الأَعْلامِ: مُنْدَفِنُ الأعلامِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} . قال: عمَّى اللَّهُ عليهم الملائكةَ حينَ دخَلوا على لوطٍ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} : وذُكِر لنا أن جبريلَ عليه السلام اسْتَأْذن ربَّه عز وجل في عقوبتِهم ليلةَ أتَوْا لوطًا، وأنهم عالَجوا البابَ ليَدْخُلوا عليه، فصفَقهم بجناحِه، وترَكَهم عُمْيًا يَتَرَدَّدون

(4)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} . قال: هؤلاء قومُ لوطٍ حينَ راوَدُوه

(5)

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

تقدم في 4/ 11.

(3)

في م: "اعترقت".

(4)

تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة، وينظر ما تقدم في 12/ 517 - 519.

(5)

في الأصل، ت 3:"أرادوه".

ص: 150

عن ضيفِه، طمَس اللَّهُ أعينَهم، فكان يَنْهاهم عن عملِهم الخبيثِ الذي كانوا يَعْمَلون، فقالوا له: إنا لا نَتْرُكُ عملَنا، فإياك أن تُنْزِلَ أحدًا أو تُضِيفَه، أو تَدَعَه يَنْزِلُ عليك، فإنا لا [نَدَعُه بَتَّةً]

(1)

، ولا نَتْرُكُ عملَنا. قال: فلما جاءه المُرْسَلون، خرَجَت امرأتُه الشقيَّةُ مِن الشَّقِّ، فأتَتْهم فدعَتْهم، وقالت لهم: تعالَوْا، فإنه قد جاء قومٌ لم أرَ قومًا قطُّ أحسنَ وجوهًا، ولا أحسنَ ثيابًا، ولا أطيبَ أرْواحًا منهم. قال: فجاءوه يُهْرَعون إليه، فقال: إن هؤلاء ضيفي، فاتَّقوا اللَّهَ ولا تُخْزوني في ضيفي. قالوا: أوَ لم نَنْهَكَ عن العالَمين؟ أليس قد تقدَّمنا إليك وأعْذَرْنا فيما بينَنا وبينَك؟ قال: هؤلاء بناتي هنَّ أطهرُ لكم. فقال له جبريلُ عليه السلام: ما يَهُولُك مِن هؤلاء؟ قال: أما تَرَى ما يُريدون؟ فقال: إنا رُسُلُ ربِّك، لن يَصِلُوا إليك، لا تَخفْ ولا تَحْزَنْ، إنا مُنَجُّوك وأهلَك إلا امرأتَك، لتَصْنَعَنَّ هذا الأمرَ سرًّا

(2)

، وليكونَنَّ فيه بلاءٌ. قال: فنشَر جبريلُ عليه السلام جناحًا مِن أجنحتِه، فاخْتَلَس به أبصارَهم، فطمَس أعينَهم، فجعَلوا يَجولُ

(3)

بعضُهم في بعضٍ، فذلك قولُ اللَّهِ عز وجل:{فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} .

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ} : جاءت الملائكةُ في صُوَرِ الرجالِ، وكذلك كانت تَجِيءُ، فرآهم قومُ لوطٍ حينَ دخَلوا القريةَ. وقيل لهم

(4)

: نزَلوا بلوطٍ. فأقْبَلوا يُرِيدُونهم، فتلَقَّاهم لوطٌ يُناشِدُهم اللَّهَ ألَّا

(5)

يُخْزُوه في ضيفِه،

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"نتركه".

(2)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"شرا".

(3)

في الأصل، ص:"يحول"، وفي ت 2:"يجور". قال ابن الأثير: يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب، واجتال الشيءَ إذا ذهب به وساقه. والجائل: الزائل عن مكانه. ورُويَ بالحاء المهملة، والمشهور بالجيم. النهاية 1/ 317، 463.

(4)

في م: "إنهم".

(5)

في الأصل، ص، ت 1:"أن".

ص: 151

فأبَوْا عليه، وجاءوا إليه

(1)

ليَدْخُلوا عليهم

(2)

، فقالت الرسلُ للوطٍ: خَلِّ بينَهم وبينَ الدخولِ، فإنا رسلُ ربِّك، لن يَصِلُوا إليك. فدخَلوا البيتَ، وطمَس اللَّهُ على أبصارِهم، فلم يَرَوْهم. وقالوا: قد رأَيْناهم حينَ دخَلوا البيتَ، فأين ذهَبوا؟ فلم يَرَوْهم ورجَعوا

(3)

.

وقولُه: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فذُوقوا معشرَ قومِ لوطٍ مِن سَدُومَ

(4)

عذابي الذي حَلَّ بكم، وإنذاري الذي أَنْذَرْتُ به غيرَكم مِن الأممِ، مِن النَّكالِ والمَثُلاتِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد صُبِّح قومُ

(5)

لوطٍ بُكْرةً. ذُكِر أن ذلك كان عندَ طلوعِ الفجرِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{بُكْرَةً} . قال: عندَ طلوعِ الفجرِ.

وقولُه: {عَذَابٌ} . وذلك قلبُ الأرضِ بهم، وتصييرُ أعلاها أسفلَها بهم، ثم إتْباعُهم بحجارةٍ مِن سِجِّيلٍ مَنْضودٍ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عليه".

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 455 بنحوه مختصرا.

(4)

في م: "سذوم".

(5)

في الأصل: "قرية".

ص: 152

عَذَابٌ}. قال: حجارةٌ رُمُوا بها.

وقولُه: {مُسْتَقِرٌّ} . يقولُ: اسْتَقَرَّ ذلك العذابُ فيهم إلى يومِ القيامةِ، حتى يُوافُوا عذابَ اللَّهِ الأليمَ

(1)

الأكبرَ في جهنمَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} . يقولُ: صبَّحهم عذابٌ مستقرٌّ، اسْتَقَرَّ بهم إلى نارِ جهنمَ

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً} الآية. قال: ثم صبَّحَهم بعدَ هذا. يعني: بعدَ أن طمَس اللَّهُ أعينَهم، فهم في ذلك العذابِ إلى يومِ القيامةِ. قال: وكلُّ قومِه كانوا كذلك، ألا تَسْمَعُ قولَه حينَ يقولُ:{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78]؟.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{مُسْتَقِرٌّ} : اسْتَقَرَّ.

وقولُه: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه لهم: فذُوقوا معشرَ قومِ لوطٍ عذابي الذي أحْلَلْتُه بكم؛ بكفرِكم باللَّهِ وتكذيبِكم رسولَه، وإنذاري بكم الأممَ سِواكم، بما أَنْزَلْتُه بكم مِن العقابِ.

وقولُه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد سهَّلْنا القرآنَ للذكرِ، لمن أراد التذكرَ به، فهل من مُتَّعِظٍ ومُعْتَبرٍ به، فيَنْزَجِرَ به عما نهاه اللَّهُ عنه، إلى ما أمَرَه به وأَذِن له فيه.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

تمام الأثر المتقدم في ص 149.

ص: 153

‌[القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاء تباعَ فرعونَ وقومَه إنذارُنا بالعقوبةِ، بكفرِهم بنا وبرسولِنا موسى صلى الله عليه وسلم.

{كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: كذَّب آلُ فرعونَ بأدلتِنا التي جاءَتهم مِن عندِنا، وحُجَجِنا التي أتَتْهم بأنه لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه، كلِّها، {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ}. يقولُ تعالى ذكرُه: فعاقَبْناهم بكفرِهم باللَّهِ عقوبةَ شديدٍ لا يُغْلَبُ، مقتدرٍ على ما يَشاءُ، غير عاجزٍ ولا ضعيفٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} . يقولُ: عزيزٍ في نقمتِه إذا انْتَقَم]

(1)

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: أكفّارُ

(3)

قريشٍ الذين أَخْبَرَ اللَّهُ عنهم أنهم {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2]: أكفارُكم معشرَ قريشٍ خيرٌ مِن أولئكم الذين أحْلَلْتُ بهم نِقْمتي من قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

تقدم أوله في ص 149.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لكفار".

ص: 154

لوطٍ [وآلِ فرعونَ]

(1)

، فهم بذلك يأْمُلون أن يَنْجُوا من [عِقابي ونِقْمتي]

(2)

على كفرِهم بي وتكذيبِهم رسولي. يقولُ: إنما أنتم في كفرِكم باللَّهِ وتكذيبِكم رسولي

(3)

، كبعضِ هذه الأممِ التي وصَفْتُ لكم أمرَهم، وعقوبةُ اللَّهِ [بكم نازلةٌ]

(4)

على كفرِكم به، كالذي نزَل بهم إن لم [تَتُوبوا وتُنِيبوا]

(5)

.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} . أي: ممن مضَى

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ

(7)

، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ:{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} . يقولُ: أكفارُكم يا معشرَ قريشٍ خيرٌ من أولئكم الذين مضَوْا

(8)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} . قال: أكفارُكم خيرٌ من الكفارِ الذين عذَّبْناهم على مَعاصي اللَّهِ؛ أهؤلاء الكفارُ خيرٌ من أولئك؟! وقال: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} : أَسْتَبْقاها

(9)

؟

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عذابي ونقمي".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"رسوله".

(4)

في الأصل: "لكم فأنزله".

(5)

في الأصل: "يتوبوا وينيبوا".

(6)

تقدم أوله في ص 149.

(7)

في النسخ: "الحسن". وهو الحسين بن واقد. تقدم في 2/ 296، 463.

(8)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف.

(9)

في ص: "استنقاها"، وفي م:"استنفاها"، وفي ت 2، ت 3:"استفهاما". واستبقاها: صَفَح عن زَلَلِها. ينظر الوسيط (ب ق ى).

ص: 155

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} . يقولُ: ليس كفارُكم خيرًا مِن قومِ نوحٍ وقومِ لوطٍ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ:{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} . قال: أكفارُ هذه الأمةِ

(1)

.

وقولُه: {أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أم لكم براءةٌ مِن عقابِ اللَّهِ معشرَ قريشٍ، أن يُصِيبَكم بكفرِكم بما جاءكم من

(2)

الوَحْيِ مِن اللَّهِ، {فِي الزُّبُرِ} وهي الكتبُ.

كما حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [حدَّثنا عبيدٌ]

(3)

، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي الزُّبُرِ} . يقولُ: في الكتبِ

(4)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [يقولُ: في الكُتُبِ]

(5)

، في كتابِ اللَّهِ براءةٌ مما تَخافُون

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} . يعني: في الكتبِ

(6)

.

وقولُه: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أيقولُ هؤلاء الكفارُ مِن قريشٍ: نحن جميعٌ منتصرٌ ممن قصَدَنا [بسوءٍ ومكروهٍ]

(7)

، وأراد حربَنا

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"به".

(3)

في م: "أخبرنا أبو عبيد".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 136 إلى المصنف.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

ينظر البحر المحيط 8/ 182.

(7)

في الأصل: "بشر ومكر".

ص: 156

وتفريقَ جمعِنا. فقال اللَّهُ عز وجل:

{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} . يعني: جمعُ كفارِ قريشٍ، {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}. يقولُ: ويُوَلُّون أدبارَهم المؤمنين باللَّهِ، عندَ انهزامِهم عنهم.

وقيل: {الدُّبُرَ} فوحَّد، والمرادُ به الجمعُ، كما يقالُ:[ضرَبْنا منهم الرءوسَ. و: ضرَبْنا منهم الرأسَ]

(1)

. إذا كان الواحدُ يُؤَدِّي عن معنى جميعِه

(2)

. ثم إن اللَّهَ عز وجل صدَق وعدَه المؤمنين به، فهزَم جمعَ المشركين به مِن قريشٍ يومَ بدرٍ، وولَّوْهم الدبرَ.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، قال: لا أَعْلَمُه إلا عن عكرمةَ، [أن عمرَ]

(3)

قال: لما نزَلَت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} [جعَلْتُ أقولُ]

(4)

: أيُّ جمعٍ يُهْزَمُ؟ فلما كان يومُ بدرٍ رأَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَثِبُ في الدِّرعِ وهو يقولُ: " {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} "

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} . يعني: جمعُ بدرٍ، {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} .

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} . قال: يومَ بدرٍ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {سَيُهْزَمُ

(1)

في م: "شربنا منهم الرأس: أي ضربنا منهم الرءوس".

(2)

في م: "جمعه".

(3)

في الأصل: "رحمه الله".

(4)

في الأصل: "قلت أين".

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 259 - ومن طريقه ابن راهويه - كما في المطالب العالية (4127)، وابن مردويه - كما في تخريجه الكشاف للزيلعي 3/ 391 - عن معمر به وأخرجه ابن سعد 4/ 24، 25، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 457 - من طريق أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 137 إلى عبد بن حميدٍ وابن المنذر.

ص: 157

الْجَمْعُ} الآية: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال يومَ بدرٍ: "هُزِموا ووَلَّوْا الدبرَ"

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} . قال: هذا يومُ بدرٍ.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَثِبُ في الدِّرْعِ [يومَ بدرٍ]

(2)

ويقولُ: "هُزِم الجمعُ، وولَّوُا الدُّبُرَ"

(3)

.

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، [عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} : قد مضَى، كان يومَ بدرٍ

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا داودُ] (2)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآية:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} . قال: كان ذلك يومَ بدرٍ. قال: قالوا: نحن جميعٌ منتصرٌ. قال: فنزَلَت هذه الآيةُ

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمُ هؤلاء

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 137 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 357 عن ابن علية به.

(4)

تقدم تخريجه في 17/ 94.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 14/ 357 من طريق داود به، وينظر ما تقدم في 17/ 94.

ص: 158

المشركون مِن أنهم لا يُبْعَثون بعدَ مَماتِهم، بل الساعةُ نعِدُهم

(1)

للبعثِ والعقابِ، والساعةُ أدْهَى وأمَرُّ عليهم مِن الهزيمةِ التي يُهْزَمونها عندَ التقائِهم مع المؤمنين ببدرٍ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عمرِو بن مرةَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، قال: إِنْ هذه [الأمةُ بهلاكٍ]

(2)

، إِنَّمَا مَوْعِدُهُمُ السَّاعَةُ. ثم قرَأ:{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} إلى قولِه: {وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} .

وقولُه: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن المجرمين في ذَهابٍ عن الحقِّ، وأخْذٍ على غيرِ هُدًى، {وَسُعُرٍ}. يقولُ: في احْتراقٍ مِن شدةِ العَناءِ والنَّصَبِ في الباطلِ.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} . قال: في عَناءٍ

(3)

.

وقولُه: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يُسْحَبُ هؤلاء المجرمون في النارِ على وجوهِهم.

وقد تأَوَّل بعضُهم قولَه: {فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} : إلى النارِ. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (يومَ يُسْحَبون إلى النارِ على وجوهِهم)

(4)

.

وقولُه: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يُسْحَبون في النارِ على وجوهِهم، يقالُ لهم: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. وترَك ذكرَ "يقالُ لهم" استغناءً بدَلالةِ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"موعدهم".

(2)

في ص، م، ت 1:"إن هذه الآية نزلت بهلاك"، وفي ت 2، ت 3:"إن هذه الآية نزلت لهلاك"، و (الباء) في "بهلاك" بمعنى "إلى" أي: ليست هذه الأمة إلى هلاك. وينظر مغني اللبيب ص 98.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 260، 261 عن معمر به.

(4)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 110، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

ص: 159

الكلامِ عليه مِن ذكرِه.

فإن قال قائلٌ: وكيف [يُذاقُ مَسُّ سَقَرَ، أَوَ لَه طعمٌ فيُذاقَ]

(1)

؟ فإن ذلك مختلَفٌ فيه؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك كذلك على مجازِ الكلامِ، كما يقالُ: كيف وجَدْتَ طعمَ الضربِ؟ وهو مجازٌ. وقال آخرون: ذلك كما يقالُ: وجَدْتُ مسَّ الحُمَّى. يُرادُ به أولُ ما نالني منها، وكذلك يقالُ: وجَدْتُ طعمَ عفوِك

(2)

.

وأما "سَقَرُ" فإنها اسمُ بابٍ مِن أبوابِ جهنمَ، وتُرِك إجراؤُها لأنها اسمٌ لمؤنثٍ معرفةٍ.

وقولُه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خلَقْنا كلَّ شيءٍ بمقدارٍ قدَّرْناه وقضَيْناه. وفي هذا بيانٌ أن اللَّهَ عز وجل توعَّد هؤلاء المجرمين على تكذيبِهم بالقَدَرِ

(3)

مع كفرِهم به

(4)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن أبي ثابتٍ، عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: إني أَجِدُ في كتابِ اللَّهِ - جل وعز - قومًا يُسْحَبون في النارِ على وجوهِهم، يقالُ لهم:{ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} . لأنهم كانوا يُكَذِّبون بالقَدَرِ، وإني لا أراهم، فلا أَدْرِي أشيءٌ كان قبلَنا، أم شيءٌ فيما بقِي

(5)

؟

(1)

في الأصل: "يذاقوا مس سقر ولا طعم فيذاقوا".

(2)

بعده في الأصل: "اسرارها".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في القدر".

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 138 إلى المصنف.

ص: 160

حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن زيادِ

(1)

بنِ إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بنِ جعفرٍ، عن أبي هريرةَ، أن مشركي قريشٍ خاصَمَت النبيَّ صلى الله عليه وسلم في القَدَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .

حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى وأبو كريبٍ، قالوا: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، قال: ثنا سفيانُ، عن زيادِ بن إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بن جعفرٍ المخزوميِّ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء مشركو قريشٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُخاصِمونه في القَدَرِ، فنزَلَت:{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، عن زيادِ بنِ إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بن جعفرٍ المخزوميِّ، عن أبي هريرةَ بنحوِه.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَيْنٌ، عن سعدِ

(3)

بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلمَيِّ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ففيمَ العملُ؟ أفي شيءٍ نَسْتَأْنِفُه، أو في شيءٍ قد فُرِغ منه؟ قال: فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اعْمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ

(4)

؛ سنُيَسِّرُه

(1)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يزيد". وهو مما قيل فيه. وينظر تهذيب الكمال 9/ 429.

(2)

أخرجه الترمذي (2157، 3290) عن أبي كريب وابن بشار به، وأخرجه مسلم (2656) عن أبي كريب به، وأخرجه أحمد 15/ 459، 16/ 140، 141 (9736، 10164)، وابن ماجه (83)، وعبد الله بن أحمد في السنة (918)، والمزي في تهذيب الكمال 9/ 430 من طريق وكيع به، وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (104)، والفسوي في المعرفة 3/ 263، وابن أبي عاصم في السنة (946)، وابن حبان (6139)، واللالكائي في السنة (946، 947)، والبيهقي في الشعب (183) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 137 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(3)

في الأصل، ت 2:"سعيد". وينظر تهذيب الكمال 10/ 290.

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لما خلق له".

ص: 161

لليُسْرَى، وسنُيَسِّرُه للعُسْرَى"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ أبي الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيْفٌ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ يقولُ: لما تكَلَّم الناسُ في القَدَرِ نظَرْتُ، فإذا هذه الآيةُ أُنزِلَت فيهم:{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ ويزيدُ بنُ هارونَ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: ما نزَلَت هذه الآيةُ إلا تَعْيِيرًا لأهلِ القَدَرِ: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سالمِ بنِ أبي حَفْصةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ:{ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} . قال: نزَلَت تعييرًا

(3)

لأهلِ القَدَرِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن زيادِ بنِ إسماعيلَ السَّهْميِّ، عن محمدِ بنِ عبادِ بنِ جعفرٍ المخزوميِّ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء مشركو قريشٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُخاصِمونه في القَدَرِ، فنزَلَت:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 139 إلى المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (185) من طريق سعد عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، بنحوه مطولًا.

(2)

أخرجه الفريابي في القدر (409) من طريق عبد الواحد به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (919) من طريق خصيف به.

(3)

في الأصل: "معتبرا".

(4)

أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (941)، والفريابي في القدر (246)، والآجري في الشريعة (318، 486)، وأخره ابن عيينة في جامعه - كما في الدر المنثور 6/ 138 - ومن طريقه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (1260) عن عاصم بن محمد عن محمد بن كعب القرظي.

ص: 162

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ

(1)

، عن أسامةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ مثلَه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} . قال: خلَق اللَّهُ الخلقَ كلَّهم بقَدَرٍ، وخلَق لهم الخيرَ والشرَّ بقدرٍ، فخيرُ الخيرِ السعادةُ، وشرُّ الشرِّ الشقاءُ، وبئس الشرُّ الشقاءُ

(2)

.

واختَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: {كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نصَبَ {كُلَّ شَيْءٍ} في لغةِ مَن قال: عبدَ اللَّهِ ضربتُه. قال: وهي في كلامِ العربِ كثيرٌ. قال: وقد رُفِعَت (كلُّ) في لغةِ مَن رفَع، ورُفِعَت على وجهٍ آخرَ. قال:(إِنَّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

(3)

. فجعَل "خلقناه" مِن صفةِ الشيءِ.

وقال غيرُه: إنما نصَب {كُلَّ} لأن قولَه: {خَلَقْنَاهُ} . فعلٌ لقولِه: {إِنَّا} . وهو أولى بالتقديمِ إليه من المفعولِ، فلذلك اخْتِير النصبُ، وليس قبلَ:"عبدَ اللَّهِ" في قولِك: عبدَ اللَّهِ ضربتُه. شيءٌ هو أولى بالفعلِ، وكذلك: إنا طعامَك أكَلْناه. الاختيارُ النصبُ؛ لأنك تُرِيدُ: إنا أكَلْنا طعامَك. الأكلُ أولى بـ "إنا" مِن الطعامِ. قال: وأما قولُ مَن قال: "خَلْقناه" وصفٌ للشيءِ فبعيدٌ؛ لأن المعنى: إنا خلَقْنا كلَّ شيءٍ بقدرٍ.

وهذا القولُ الثاني أولى بالصوابِ عندي مِن الأولِ؛ للعللِ التي ذكَرْناها لصاحبِها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حازم" وتقدم على الصواب في: 26/ 172، 27/ 86.

(2)

أخرجه اللالكائي في السنة (949) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 138 إلى ابن المنذر.

(3)

قرأ بالرفع أبو السمال، وهي قراءة شاذة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص 148.

ص: 163

الزُّبُرِ (52)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وما أمرُنا للشيءِ إِذا أَمَرْنا وأَرَدْنا أن نُكَوِّنَه إلا قولةٌ واحدةٌ: كُنْ. فيَكونُ، لا مراجعةَ فيها ولا مُرادَّةَ، {كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فيُوجَدُ ما أمَرْناه وقلْنا له: كُنْ. كسرعةِ اللُّمْحِ بالبصرِ، لا يُبْطِئُ ولا يَتَأَخَّرُ.

وقولُه: [{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ}]

(1)

. يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ الذين كذَّبوا رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ولقد أهْلَكْنا أشياعَكم معشرَ كفارِ

(2)

قريشٍ مِن الأممِ السالفةِ والقرونِ الخاليةِ، على مثلِ الذي أنتم عليه مِن الكفرِ باللَّهِ، وتكذيبِ رسولِه

(3)

، {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. يقولُ: فهل منكم مُتَّعِظُ يتعِظُ (2) بذلك، ومُنْزَجِرٌ يَنْزَجِرُ به؟

كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} . قال: أشياعَهم

(4)

مِن أهلِ الكفرِ مِن الأممِ الماضيةِ، يقولُ: فهل مِن أحدٍ

(5)

يَتَذَكَّرُ

(6)

؟

وقولُه: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكلُّ شيءٍ فعَله

(7)

أشياعُكم الذين مضَوْا قبلَكم معشرَ كفارِ قريشٍ، {فِي الزُّبُرِ}. يعني: في الكتبِ التي كتَبَتْها الحَفَظةُ عليهم. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ مُرادًا به: في أمِّ الكتابِ.

(1)

سقط من: م.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"رسله".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أشياعكم".

(5)

في الأصل: "مدكر"، وفي ت 2:"واحد".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 138 إلى المصنف.

(7)

في الأصل: "فعلوا".

ص: 164

كما حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي الزُّبُرِ} . يقولُ: الكتبِ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} . قال: في الكتابِ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ [مُسْتَطَرٌ} : كلُّ صغيرٍ من الأشياءِ وكبيرٍ. يقولُ: وكلُّ: صغيرٍ وكبيرٍ منهم {مُسْتَطَرٌ} ]

(2)

. يقولُ: مُثْبَتٌ في الكتابِ مكتوبٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} . يقولُ: مكتوبٌ، فإذا أرادَ اللَّهُ أن يُنْزِلَ كتابًا نسَخَته السَّفَرةُ

(1)

.

[حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا مسلمٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في]

(3)

قولِه: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} . قال: مكتوبٌ

(4)

.

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 459.

(2)

في ص، ت 2، ت 3:"من الأشياء وكبير مستطر"، وفي م:"من الأشياء مستطر".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 138 إلى المصنف.

ص: 165

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ مُعاذٍ، عن أبيه، عن عِمْرانَ بنِ حُدَيْرٍ، عن عكرمةَ، قال: مكتوبٌ في كلِّ سطرٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مُسْتَطَرٌ} . قال: محفوظٌ مكتوبٌ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} . أي: محفوظٌ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مُسْتَطَرٌ} . قال: مكتوبٌ

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} . قال: مكتوبٌ. وقرَأ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6]. وقرَأ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]. إنما هو "مُفْتَعَلٌ" مِن: سَطَرْتُ. إِذا كتَبْتَ سطرًا

(4)

.

وقولُه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اتَّقَوْا عقابَ اللَّهِ؛ بطاعتِه وأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه، في بَساتينَ يومَ القيامةِ وأنهارٍ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 138 إلى المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 261 عن معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 138 إلى عبد بن حميد.

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 459.

(4)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 459 بنحوه مختصرا.

ص: 166

ووحَّد النهرَ في اللفظِ ومعناه الجمعُ، كما وحَّد الدُّبرَ ومعناه الأدبارُ في قولِه:{وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45].

وقد قيل: إن معنى ذلك: إن المتقين في سَعةٍ يومَ القيامةِ وضياءٍ. فوجَّهوا معنى قولِه: {وَنَهَرٍ} . إلى معنى النهارِ. وزعَم الفَرَّاءُ أنه سمِع بعضَ العربِ يُنْشِدُ

(1)

.

إن تَكُ لَيْلِيًّا فإني نَهِرُ

متى أتَى الصبحُ فلا أَنْتَظِرُ

فقولُه: {وَنَهَرٍ} . على هذا التأويلِ مصدرٌ مِن قولِهم: نهِرْتُ أَنْهَرُ نَهَرًا. وعنَى بقولِه: فإني نَهِرٌ. أي: إني لَصاحبُ نَهارٍ. أي: لستُ بصاحبِ ليلٍ

(2)

.

وقولُه: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} . يقولُ: في مجلسِ حقٍّ، لا لغوَ فيه ولا تأثيمَ، {عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}. يقولُ: عندَ ذي مُلْكٍ، مُقْتَدِرٍ على ما يَشاءُ، وهو اللَّهُ ذو القوةِ المتينُ، وتعالى عز وجل عما يقولُ الظالمون علوًّا كبيرًا.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "اقتربتِ الساعةُ"

(1)

معاني القرآن 3/ 111.

(2)

في م: "ليلة".

ص: 167

‌تفسيرُ سورةِ الرحمنِ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذِكرُه: الرحمنُ أيُّها الناسُ برحمتِه إيَّاكم علَّمكم القرآنَ، فأنعَمَ بذلك عليكم، إذ بصَّركم به ما فيه رضا ربِّكم، وعرَّفكم ما فيه سَخطُه، لتُطِيعوه باتِّباعِكم ما يُرضِيه عنكم، و [عمَلِكم بما]

(1)

أمرَكم به، وبتجنبِكم

(2)

ما يُسخِطُه عليكم، فتَستَوجِبوا بذلك جزيلَ ثوابِه، وتَنجوا به من أليمِ عقابِه.

ورُوي عن قتادةَ [في ذلك ما]

(3)

حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ العُقَيْليُّ، قال: أخبَرنا أبو العوامِ العِجْليُّ، عن قتادةَ أنه قال في تفسيرِ:{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} . قال: نعمةٌ واللَّهِ عظيمةٌ

(4)

.

وقولُه: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: خَلَق آدمَ. وهو الإنسانُ في قولِ بعضِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ

(5)

، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:

(1)

في الأصل: "علمكم ما".

(2)

في الأصل: "تجنبه".

(3)

في الأصل: "فيما".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 140 إلى المصنف، عبد بن حميد، وابن المنذر.

(5)

في الأصل: "ابنُ بشار".

ص: 168

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ} : والإِنسانُ: آدمُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ} . قال: الإنسانُ: آدمُ.

وقال آخرون: بل عُنِي به الناسُ جميعًا، وإنما وُحِّد في اللفظِ لأدائِه عن جنسِه، كما قيل:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2]. والقولان كلاهما غيرُ بعيدٍ من الصوابِ؛ لاحتمالِ ظاهرِ الكلامِ إيَّاهما.

وقولُه: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: علَّم الإنسانَ البيانَ

(2)

.

ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالبيانِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به بيانُ الحلالِ والحرامِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} : علَّمَه اللَّهُ بيانَ الدُّنيا والآخرةِ، بيَّن حلالَه وحرامَه؛ ليحتجَّ بذلك على خَلْقِه (1).

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} : الدُّنيا والآخرةِ؛ ليحتجَّ بذلك عليه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه:{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} . قال: بيَّن له الخيرَ والشرَّ، وما يأتي وما يدَعُ

(3)

.

(1)

جزء من الأثر المتقدم.

(2)

في ت 2، ت 3:"البين".

(3)

ذكره ابنُ كثير في تفسيره 7/ 464.

ص: 169

وقال آخرون: عُنِي به الكلامُ، أي أن اللَّهَ عز وجل علَّم الإنسانَ الكلامَ

(1)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} . قال: البيانُ الكلامُ

(2)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن معنى ذلك أن اللَّهَ علَّم الإنسانَ بيانَ

(3)

ما به إليه الحاجةُ من أمرِ دينِه ودنياه؛ من الحلالِ والحرامِ، والمعاشِ والمنطقِ، وغيرِ ذلك، مما به الحاجةُ إليه؛ لأنه عز وجل لم يَخصُصْ بخبرِه ذلك أنه علَّمه من البيانِ بعضًا دونَ بعضٍ، بل عمَّ فقال:{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} . فهو كما عمَّ جلَّ ثناؤُه.

وقولُه: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الشمسُ والقمرُ بحسابٍ

(4)

ومنازلَ لهما، يَجريان ولا يَعْدُوانِها

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . قال: بحسابٍ ومنازلَ يُرْسَلان

(5)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"البيان".

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 441، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 188.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في م، ت 2، ت 3:"بحسبان".

(5)

أخرجه إبراهيم الحربي في غريبه - كما في التغليق 3/ 492 - والحاكم 2/ 474 من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 140 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 170

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولَه:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . قال: يجريانِ بعددٍ وحسابٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . أي: بحسابٍ ومنازلَ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . أي: بحسابٍ وأَجَلٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . قال: يَجريان في حسابٍ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . قال: يُحسَبُ بهما الدهرُ والزمانُ؛ لولا الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ، لم يَدرِ

(4)

أحدٌ كيف يَحسُبُ شيئًا؟ لو كان الدهرُ ليلًا كلُّه كيف يُحسَبُ، أو نهارًا كلُّه كيف يُحسَبُ

(5)

؟

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 442.

(2)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (655) من طريق سفيان به، وأخرجه عبد بن حميدٍ - كما في التغليق 3/ 492 - من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 140 إلى ابن المنذر بنحوه.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 262 من طريق معمر به.

(4)

في م: "يدرك".

(5)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 442، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 188.

ص: 171

{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . قال: بحسابٍ وأجَلٍ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهما يجريان بقَدَرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ داودَ، عن أبي الصهباءِ، عن الضحاكِ في قولِه:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . قال: يجريان بقَدَرٍ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما يدوران في مثلِ قُطْبِ الرَّحا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثني ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{بِحُسْبَانٍ} . قال: كحسبانِ الرَّحا

(3)

.

قال

(4)

: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو يحيَى، عن مجاهدٍ في قولِه:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . قال: [يدوران في مثلِ قطبِ الرَّحا]

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

تقدم أوله في ص 168.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 140 إلى عبد بن حميد.

(3)

تفسير مجاهد ص 636، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 3/ 491.

(4)

ليس في الأصل.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كحسبان الرحا".

ص: 172

في قولِه عز وجل: {بِحُسْبَانٍ} . قال: كحُسْبانِ الرَّحا.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: الشمسُ والقمرُ يجريان بحسابٍ ومنازلَ. لأنَّ الحُسْبانَ

(1)

مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: حسَبتُه حُسْبانًا وحِسَابًا. مثلَ قولِهم: كَفَرْتُه كُفْرانًا، وغَفَرْتُه غُفْرَانًا. وقد قيل: إنه جمعُ حِسابٍ، كما الشُّهبانُ جمعُ شِهابٍ.

واختَلَفَ أهلُ العربيةِ فيما رُفِع به "الشمسُ" و"القمرُ"؛ فقال بعضُهم: رُفِعا بـ "حُسْبانٍ". أي: بحسابٍ. وأُضْمِر الخبرُ، وقال: أظُنُّ - واللَّهُ أعلمُ - أنه أراد

(2)

: يَجريان بحسابٍ.

وقال بعضُ مَن أنكَر هذا القولَ مِنهم: هذا غَلَطٌ، {بِحُسْبَانٍ} يُرَافِعُ "الشمسَ" و"القمرَ"، أي: هما بحسابٍ. قال: و"البيانُ" يأتي على هذا: علَّمه البيانَ أن الشمسَ والقمرَ بحُسْبانٍ. قال: ولا يُحذفُ الفعلُ ويُضمَرُ إِلَّا شَاذًّا في الكلامِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى النَّجْمِ في هذا الموضعِ، مع إجماعِهم على أن الشَّجَرَ ما قام على ساقٍ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بالنَّجمِ في هذا الموضعِ من النباتِ ما نجَم مِن الأرضِ، مما يَنْبَسطُ عليها، ولم يكنْ على ساقٍ، مثلَ البقلِ ونحوِه.

(1)

في ت 1: "الحساب".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال".

ص: 173

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَالنَّجْمُ} . قال: النَّجمُ ما يَنبَسِطُ على الأرضِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَالنَّجْمُ} . قال: النَّجمُ كلُّ شيءٍ ذهَب مع الأرضِ فَرْشًا. قال: والعرب تُسمِّي الثِّيلَ نَجْمةً

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجرَّاحِ، عن شَريكٍ، عن السديِّ:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قال: النَّجمُ نباتُ الأرضِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَالنَّجْمُ} . قال: النَّجمُ الذي ليس له ساقٌ

(3)

.

وقال آخرون: عُنِي بالنَّجمِ في هذا الموضعِ نجمُ السماءِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالنَّجْمُ} . يعني: نجومُ السماءِ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (1222)، والحاكم 2/ 474 من طريق عطاء، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 140 إلى ابن المنذر.

(2)

في م، ت 2:"نجما". والثيل: نبات يَفْرِش على شطوط الأنهار. التاج (ث ي ل).

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 140 إلى المصنف وابن المنذر، وأبي الشيخ.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 464.

(4)

تفسير مجاهد ص 636. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى ابن المنذر.

ص: 174

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَالنَّجْمُ} . يعني: نجمُ السماءِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قال: إنما يريدُ النجمَ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ بنحوِه

(2)

.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالنَّجم ما نَجَم من الأرضِ من نَبْتٍ، لعطفِ الشَّجَرِ عليه، فكان بأن يكونَ معناه لذلك: ما قام على ساقٍ وما لا يقومُ على ساقٍ يسجدان للَّهِ، بمعنى أنه تسجدُ له الأشياءُ المختلفةُ الهيئاتِ من خَلْقِه - أوْلى وأشْبَهَ بمعنى الكلامِ من غيرِه.

وأما قولُه: {وَالشَّجَرُ} : [فإنَّ الشجرَ ما قد]

(3)

وصَفتُ صِفتَه قبلُ.

وبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . [يقولُ: ما يَنْبُتُ]

(4)

على ساقٍ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَالشَّجَرُ} : كلُّ شيءٍ قام على ساقٍ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 262 عن معمر به.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 465.

(3)

في الأصل: "هو ما".

(4)

في م: "قال: الشجر كل شيء قام".

(5)

تقدم أوله في الصفحة السابقة.

ص: 175

حدَّثنا بشرٌ

(1)

، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَالشَّجَرُ} . قال: الشَّجرُ شَجَرُ الأرضِ.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قال: الشَّجرُ الذي له سُوقٌ.

وأما قولُه: {يَسْجُدَانِ} . فإنه عُنِي به سجودُ ظلِّهما. كما قال اللَّهُ - جلَّ وعزَّ -: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15].

كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا تميمُ بنُ عبدِ المؤمنِ، عن زِبْرِقانَ، عن أبي رَزينٍ وسعيدٍ:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قالا: ظلُّهما سجودُهما

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قال: ما [ترَك اللَّهُ]

(3)

شَيئًا مِن خَلْقِه إلا عَبَّدَه له طوعًا وكَرهًا.

[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}. قال: لم يَدَعِ اللَّهُ شيئًا إلا عبَّده له]

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ. وهو قولُ قتادةَ.

(1)

في الأصل، ت 2:"ابن حميد".

(2)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (1223) من طريق الزبرقان عن أبي رزين وحده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 400 - إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ما نزل الله من السماء".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 176

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: أخبَرنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . قال: يسجدُ بكرةً وعَشِيًّا

(1)

.

وقيل: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} فثنَّى وهو خبرٌ عن جَمعين. وقد زعَم الفراءُ

(2)

أن العرب إذا جمَعَتِ الجَمْعَين من غيرِ الناسِ، مثلَ السِّدرِ والنَّخلِ، جعَلوا فِعْلَهما واحدًا، فيقولون: الشاءُ والنَّعمُ قد أقبَل، والنَّخلُ والسِّدرُ قد ارْتَوَى. قال: وهذا أكثرُ كلامِهم، وتثنيتُه جائزةٌ.

وقولُه: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا} . يقولُ تعالى [ذكرُه: والسماءَ رفَعها فوقَ الأرضِ.

وقولُه: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} . يقولُ: ووضَع العدلَ بينَ خَلْقِه في الأرضِ.

وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وخَفَضَ المِيزَانَ)

(3)

. والخفضُ و

(4)

الوضعُ متقارِبا المعنى في كلامِ العربِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك]

(5)

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

تفسير مجاهد ص 636، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى ابن المنذر.

(2)

معاني القرآن 3/ 112.

(3)

ذكرها الفراء في معاني القرآن 3/ 112، وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(4)

في الأصل: "هو".

(5)

ما بين القوسين جاء في الأصل عقب الأثر التالي.

ص: 177

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} . قال: العدلَ

(1)

.

وقولُه: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ألَّا تَظلِموا وتبخَسُوا في الوزنِ

(2)

.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} : اعْدِلْ يا بنَ آدمَ كما تُحِبُّ أن يُعدَلَ عليك، وأَوْفِ كما تُحِبُّ أن يُوفَى لك؛ فإن بالعدلِ صلاحَ الناسِ

(3)

. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: يا معشرَ المَوالِي، إنكم قد وُلِّيتُم أمْرَين، بهما هَلَك من كان قَبْلَكم؛ هذا المكيالُ والميزانُ.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَروانُ بنُ معاويةَ، عن مغيرةَ بنِ

(4)

مسلمٍ، عن أبي المغيرةِ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في سُوقِ المدينةِ: يا معشرَ المَوالي، إنكم قد ابتُلِيتُم بأمْرَين أُهلِكَتْ فيهما أمَّتان من الأممِ؛ الكيلُ

(5)

والمِيزانُ

(6)

.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن مغيرةَ، قال: رأى ابنُ عباسٍ رجلًا يَزِنُ قد أَرْجَحَ، فقال: أَقمِ اللسانَ، أليسَ قد قال اللَّهُ عز وجل:{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}

(7)

؟

(1)

تفسير مجاهد ص 636، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص: "الرزق"، وفي ت 2:"الميزان".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف وابن المنذر. ينظر تفسير القرطبي 17/ 155.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن". ينظر تهذيب الكمال 28/ 395.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"المكيال".

(6)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 155.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 178

وقولُه: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} . يقولُ: وأقيموا لسانَ الميزانِ بالعدلِ.

وقولُه: {وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَنقُصوا الوزنَ إذا وزَنتُم للناسِ وتَظْلِموهم.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} . قال قتادةُ: قال ابنُ عباسٍ: يا معشرَ المَوالِي، إنكم قد وُلِّيتُم أمْرَين، بهما هَلَك من كان قبلَكم؛ اتَّقى اللَّهَ رجلٌ [عندَ مِيزانِه]

(1)

، اتَّقى اللَّهَ رجلٌ عندَ مِكيالِه، فإنما يعدلُه شيءٌ يسيرٌ، ولا يَنقصُه ذلك، بل يَزِيدُه اللَّهُ إِن شاء اللَّهُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} . قال: نَقْصُه، إذا نَقَصَه فقد خَسَره؛ تخسُّرُه: نَقْصُه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعني بقولِه تعالى ذكرُه: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} : وَطَّأها للخَلْقِ، وهم الأنامُ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في الأصل: "عندهم أنه".

ص: 179

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لِلْأَنَامِ} . يقولُ: للخَلْقِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} . قال: كلُّ شيءٍ فيه الرُّوحُ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّة، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} . قال: للخَلْقِ؛ الجنِّ والإنسِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لِلْأَنَامِ} . قال: للخلقِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لِلْأَنَامِ} . قال: للخَلْقِ

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} ، قال: الأنامُ الخَلقُ

(6)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى ابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

تفسير مجاهد ص 636.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 262 عن معمر به.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 465.

ص: 180

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} . قال: للخَلْقِ

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ مثلَه.

وقولُه: {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: في الأرضِ فاكهةٌ.

والهاءُ والألفُ في {فِيهَا} مِن ذِكْرِ الأرضِ.

{وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} . والأكمامُ جمعُ كِمٍّ، وهو ما تَكَمَّمتْ فيه.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك تَكمُّمُ النَّخلِ في الليفِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: {وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} . فقال: سَبيبةٌ

(1)

مِن لِيفٍ عُصِبتْ بها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ:{ذَاتُ الْأَكْمَامِ} : أكْمامُها لِيفُها

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَالنَّخْلُ ذَاتُ

(1)

في ص، م:"سعفة"، وفي ت 2:"سلعة"، والسبيبة: الثوب الرقيق، والجمع سبائب. ينظر اللسان (س ب ب).

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 262 عن معمر به.

ص: 181

الْأَكْمَامِ}: الليفُ الذي يكونُ عليها.

وقال آخرون: يعني بالأكمامِ الرُّفَاتَ

(1)

.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بن مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} . قال: أَكْمامُها رُفاتُها

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى الكلامِ: والنخلُ ذاتُ الطَّلعِ المتكَمِّمِ في أَكمامِه

(3)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} . وقيل له: هو الطَّلعُ؟ قال: نعم. قال: وهو في كِمٍّ منه حتى يَنفَتِقَ عنه. قال: والحبُّ أيضًا في أكْمامٍ. وقرَأ: {وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ

(4)

مِنْ أَكْمَامِهَا}

(5)

[فصلت: 47].

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ جلّ ثناؤُه وصَف النخلَ بأنها ذاتُ أكْمامٍ، وهي مُتَكَمِّمةٌ

(6)

في ليفِها، وطَلْعُها متَكمِّمٌ في جُفِّهِ

(7)

، ولم يخصُصِ اللَّهُ - جل وعز - الخبرَ عنها بتَكَمُّمِها في لِيفِها، ولا تَكَمُّمِ طَلْعِها فِي جُفِّه، بل

(1)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"الرقاب".

(2)

في الأصل، ت 1، ت 3:"رقابها"، وفي ت 2:"قلبها". وينظر تفسير ابن كثير 7/ 466.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كمامه".

(4)

في ت 1، ت 2، ت 3:"ثمرة". وهما قراءتان كما تقدم في 20/ 455.

(5)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 464، والبغوي في تفسيره 7/ 442، 443، والقرطبي في تفسيره 17/ 156.

(6)

في ت 2: "متكمنة"، وفي ت 3:"متمكنة".

(7)

الجف: غشاء الطلع. الوسيط (ج ف ف).

ص: 182

عمَّ الخبرَ عنها بأنها ذاتُ أكْمامٍ.

والصوابُ أن يقالَ: عُنِي بذلك أنَّها ذاتُ لِيفٍ، وهي فيه

(1)

مُتَكَمِّمةٌ، وذاتُ طَلْعٍ، وهو في جُفِّه مُتَكَمِّمٌ. فيُعَمَّ كما عَمَّ ذلك جلَّ ثناؤُه.

وقولُه: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} . يقولُ تعالى ذِكرُه: وفيها الحبُّ، وهو حبُّ الشعيرِ والبُرِّ ذو الورقِ؛ [التِّبنِ، و]

(2)

هو العَصْفُ، وإياه عنَى علقمةُ بنُ عَبَدَةَ

(3)

:

تَسْقِي مَذَانِبَ قَدْ مَالَتْ عَصِيفَتُها

حَدُورُها مِنْ أتِيِّ المَاءِ مَطْمومُ

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} . يقولُ: التَّبنُ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} . قال: العصفُ ورقُ الزرعِ الأخضرِ الذي قُطِع رءوسُه، فهو يسمَّى العَصْفَ إِذا يَبِس

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: {وَالْحَبُّ ذُو

(1)

سقط من: ت 2، ت 3، وفي ص، ت 1:"له"، وفي م:"به".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"والتبن".

(3)

ديوانه ص 55.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - والبيهقي في الدلائل 1/ 123 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 140، 396 إلى ابن المنذر

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف.

ص: 183

الْعَصْفِ}. قال: العصفُ البقلُ من الزَّرعِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} : وعصفُه تبنُه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: العصفُ التِّبنُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ:{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} . قال: الحبُّ البُرُّ والشَّعيرُ، والعَصْفُ التِّبنُ

(4)

.

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن المباركِ الخُراسانيُّ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ قولَه:{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} . قال: الحبُّ أوّلُ ما يَنبُتُ

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} . قال: [ورقُ الحنطة

(6)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {وَالْحَبُّ]

(7)

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 156.

(2)

في الأصل: "نبته".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 262، 397 عن معمر به.

(4)

أخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 329 - عن سفيان بلغني عن الضحاك، وعزاه الحافظ في الفتح 8/ 621 إلى ابن المنذر.

(5)

أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 329 - من طريق ابن المبارك بزيادة: "تسميه النبط هبورا".

(6)

تفسير مجاهد ص 636، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 329 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 396 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(7)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 184

[ذُو الْعَصْفِ}]

(1)

. قال: العصفُ الورقُ من كلِّ شيءٍ

(2)

. قال: يُقالُ للزرعِ إذا قطِع: عُصافةٌ

(3)

. قال: وكلُّ ورقٍ فهو عصافةٌ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنى أبو رَوْقٍ عطيةُ بنُ الحارثِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} . قال: العصفُ التِّبنُ

(4)

.

حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} . قال: العصفُ الزرعُ

(5)

.

وقال بعضُهم: العصفُ هو الحبُّ من البُرِّ والشَّعيرِ بعينِه

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} : أما العصفُ فهو البُرُّ والشَّعيرُ.

وأما قولُه: {وَالرَّيْحَانُ} . فإنَّ أهلَ التأويلِ اخْتَلفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الرزقُ

(6)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

بعده في الأصل: "قال قال ابن زيد في قوله: والحب ذو العصف. قال: العصف الورق من كل شيء".

(3)

العصافة: ما سقط من التبن. وقيل: هو الورق الذي ينفتح عن الثمرة، وقيل: هو رءوس سنبل الحنطة. التاج (ع ص ف).

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 443، وابن كثير في تفسيره 7/ 466.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الورق".

ص: 185

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني زيدُ بنُ أخزمَ الطائيُّ، قال: ثنا عامرُ بنُ مُدركٍ، قال: ثنا عتبةُ بنُ يقظانَ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ ريحانٍ في القرآنِ فهو الرزقُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالرَّيْحَانُ} . قال: الرزقُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ:{وَالرَّيْحَانُ} : الرزقُ، ومنهم من يقولُ: ريحانُنا

(3)

.

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَالرَّيْحَانُ} . قال: الرِّيعُ

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا أبو روقٍ عطيةُ بن الحارثِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالرَّيْحَانُ} . قال: الرزقُ والطعامُ

(5)

.

وقال آخرون: هو الريحانُ الذي يُشَمُّ.

(1)

أخرجه المحاملي - كما في التغليق 4/ 239 - ومن طريقه الحافظ - عن زيد بن أخزم به.

(2)

تفسير مجاهد ص 636، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 329.

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 465، والقرطبي في تفسيره 17/ 157.

(4)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"الريح".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف.

ص: 186

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال:{الرَّيْحَانُ} : ما أنْبتَتِ الأرضُ من الريحانِ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالرَّيْحَانُ} : أما الريحانُ، فما أنبتَتِ الأرضُ من ريحانٍ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ:{وَالرَّيْحَانُ} . قال: ريحانُكم هذا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالرَّيْحَانُ} : الرياحينُ التي توجدُ ريحُها

(2)

.

وقال آخرون: هو خضرةُ الزرعِ.

ذِكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالرَّيْحَانُ} . يقولُ: خضرةُ الزرعِ

(3)

.

وقال آخرون: هو ما قام على ساقٍ.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 157.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى ابن المنذر.

ص: 187

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال:{وَالرَّيْحَانُ} : ما قام على ساقٍ

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به الرزقُ، وهو الحَبُّ الذي يُؤكلُ منه.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أخبَر عن الحَبِّ أنَّه ذو

(2)

العَصْفِ، وذلك ما وصَفْنا من الورقِ الحادثِ منه والتِّبنِ إذا يَبِس، فالذي هو أولى بالريحانِ أن يكونَ حبَّه الحادثَ

(3)

منه؛ إذ كان من جنس الشيءِ الذي منه العَصْفُ، ومسموعٌ من العربِ تقولُ: خرَجْنا نطلبُ رَيْحَانَ اللَّهِ ورزقَه. ويقالُ: سبحانَك وريحانَك. أي: ورزقَك. ومنه قولُ النمِرِ بنِ تَوْلبٍ

(4)

:

سَلامُ الإلهِ وَرَيْحانُهُ

وجَنَّتُهُ

(5)

وسَماءٌ دِرَرْ

وذُكِر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: العصفُ: المأكولُ من الحبِّ، والريحانُ: الصحيحُ الذي [لم يُؤكَلْ]

(6)

.

واختَلَفتِ القَرأةُ في قراءةِ قوله: {وَالرَّيْحَانُ} ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ المكِّيين وبعضُ الكوفيين بالرفعِ

(7)

، عطفًا به على "الحبِّ"،

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 157.

(2)

في الأصل: "هو".

(3)

في م: "الحارث".

(4)

ديوانه ص 55.

(5)

في الديوان: "رحمته".

(6)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يؤكل". وينظر معاني القرآن للفراء 3/ 114.

(7)

وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر 2/ 284.

ص: 188

بمعنى: وفيها الحبُّ ذو العَصْفِ، وفيها الريحانُ أيضًا. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفيين:(والريحانِ) بالخفضِ

(1)

، عطفًا به على العَصْفِ، بمعنى: والحبُّ ذو العصفِ وذو الريحانِ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ

(2)

قراءةُ مَن قرَأَه بالخفضِ؛ للعلةِ التي بيَّنتُ في تأويلِه، وأنه بمعنى الرزقِ. وأما الذين قرءوه رفعًا، فإنهم وجَّهوا تأويلَه فيما أرَى إلى أنه الريحانُ الذي يُشَمُّ، فلذلك اخْتاروا الرفعَ فيه، وكونُه خفضًا بمعنى: وفيها الحبُّ ذو الورقِ والتبنِ، وذو الرزقِ المطعومِ - أولى وأحسنُ لما قد بيَّناه قبلُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} : فبأىِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ من هذه النعمِ تُكَذِّبان؟

كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سهلٌ السَّرّاجُ، عن الحسنِ:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . قال: فبأيِّ نعمةِ ربِّكما تُكذِّبان

(3)

؟

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . قال: لا بأيَّتِها يا ربِّ.

(1)

وبها قرأ حمزة والكسائي وخلف، ولم يذكر المصنف قراءة ابن عامر:(والحبَّ ذا العصفِ والريحانَ). بنصب الثلاثة. النشر 2/ 284.

(2)

القراءات الثلاثة متواترة.

(3)

ذكره الحافظ في التغليق 4/ 331 عن المصنف.

ص: 189

حدَّثنا محمدُ بن عبّادِ بنِ موسى وعمرُو بنُ مالكٍ البَصْرِيُّ

(1)

، قالا: ثنا يحيى بنُ سُليمٍ

(2)

الطائفيُّ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قرَأ سورةَ "الرحمنِ"، أو قُرِئت عندَه، فقال: "ما لي أسْمَعُ الجِنَّ أحسنَ جوابًا لرَبِّها

(3)

مِنكُم؟ ". قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "ما أتَيتُ على قولِ اللَّهِ عز وجل: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إِلَّا قالتِ الجِنُّ: لا بِشَيءٍ مِن نِعمةِ ربِّنا نُكذِّبُ"

(4)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: بأيِّ نعمةِ اللَّهِ تُكَذِّبان

(5)

؟

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ للجنِّ والإنسِ: فبأيِّ نِعَمِ اللَّهِ تُكَذِّبان

(6)

؟

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ [أو غيرِه]

(7)

، عن

(1)

في م، ص:"النضري". وينظر تهذيب الكمال 22/ 211.

(2)

بياض في الأصل، وفي ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"سليمان". وتقدم في 4/ 171، 10/ 87، وينظر تهذيب الكمال 31/ 372.

(3)

في ت 2، ت 3:"لردها".

(4)

أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر (68) عن محمد بن عباد بن موسى به، وزاد عمرو بن سعد بن العاص بين إسماعيل ونافع، وأخرجه البزار (2269 - كشف) من طريق يحيى به.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى ابن المنذر.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق 4/ 331 - من طريق سعيد به.

(7)

في م: "وغيره".

ص: 190

مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان إذا قرَأ:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قال: لا بأيتِها ربَّنا

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . قال: الآلاءُ القدرةُ، فبأيِّ آلائِه تكذِّبُ؟ خَلَقَكم كذا وكذا، فبأيِّ قُدرةِ اللَّهِ تُكذِّبان أيها الثَّقَلان، الجنُّ والإنسُ

(2)

؟

فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} فخاطَب اثنين، وإنما ذُكِر في أوَّلِ الكلامِ واحدٌ، وهو الإنسانُ؟ قيل: عاد بالخطابِ في قولِه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلى الإنسانِ والجانِّ، ويدلُّ على أن ذلك كذلك ما بعدَ هذا من الكلامِ، وهو قولُه:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . وقد قيل: إنما جُعِل الكلامُ خطابًا لاثنين وقد ابتُدِئ الخبرُ عن واحدٍ، لِما قد جرَى من فعلِ العربِ بمثلِ

(3)

ذلك، وهو أن يخاطبوا الواحدَ بفعلِ الاثنين، فيقولوا: ارْحلاها

(4)

يا غلامُ. وما أشْبَه ذلك مما قد بيَّناه في كتابِنا هذا في غيرِ موضعٍ

(5)

.

وقولُه: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: خلق اللَّهُ الإنسانَ وهو آدمُ، {مِنْ صَلْصَالٍ} وهو الطينُ اليابسُ الذي لم يُطْبَخْ، فله من يُبسِه صلصلةٌ إذا حُرِّك ونُقِر، {كَالْفَخَّارِ} . يعني أنه من يُبسِه وإن لم يكنْ مطبوخًا، كالذى قد طُبِخ بالنارِ، فهو يُصَلصِلُ كما يصلصلُ الفَخَّارُ. والفخارُ هو

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 466.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 159.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 3:"تفعل". وفي ت 2: "بفعل".

(4)

في م: "خلياها". وفي ت 1، ت 3:"خلاها".

(5)

ينظر ما تقدم في 1/ 383، 2/ 201، 3/ 531، 532، 607.

ص: 191

الذي قد طُبِخ مِن الطينِ بالنارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبيدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ الجُبَيْريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: ثنا مسلمٌ، يعني المُلائيَّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . قال: هو من الطينِ الذي إذا مطَرتِ السماءُ فيبِسَتِ الأرضُ كأنه خزفُ الرقاقِ

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خلَق اللَّهُ آدمَ من طينٍ لازبٍ، واللَّازبُ اللَّزِجُ الطيبُ، من بعدِ حمإٍ مسنونٍ مُنْتنٍ

(2)

. قال: وإنما كان حَمأً مسنونًا بعدَ الترابِ. قال: فخلَق منه آدمَ بيدِه. قال: فمَكَث أربعين

(3)

ليلةً جسدًا مُلْقًى، فكان إبليسُ يأتِيه فيضرِبُه برجلِه، فيُصَلْصِلُ فيصوِّتُ. قال: فهو قولُ اللَّهُ عز وجل: {كَالْفَخَّارِ} . يقولُ: كالشيءِ المنفرجِ الذي ليس بمُصمَتٍ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويَحيَى

(4)

بنُ سعيدٍ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ البطينِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصَّلصالُ الترابُ المدقَّقُ

(5)

.

(1)

تقدم تخريجه في 14/ 57، 58.

(2)

ينظر ما تقدم في 19/ 512.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أربعون".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"محمد"

(5)

في الأصل: "المرقوق".

والأثر تقدم تخريجه في 14/ 57. =

ص: 192

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . يقولُ: من الطينِ اليابسِ.

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . قال: الصَّلصالُ طينٌ قد خُلِط برملٍ فكان كالفَخّارِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . قال: [كما يصنعُ الفخارُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} ]

(2)

: والصلصالُ الترابُ اليابسُ الذي تُسمعُ له صلصلةٌ، وهو كالفخارِ كما قال اللَّهُ عز وجل

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . قال: من طينٍ له صلصلةٌ كان يابسًا، ثم خلَق الإنسانَ منه

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

= وبعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال ثنى معاوية، قال: ثنا علي عن ابن عباس، قال الصلصال التراب المدقق".

(1)

تفسير مجاهد ص 636، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 330.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

تقدم في 14/ 57.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 262، 263 عن معمر به، وتقدم في 14/ 57.

ص: 193

{مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . قال: يَبِس آدمُ في الطينِ في الجنةِ حتى صار كالصَّلْصالِ، وهو الفخارُ. والحمأُ المسنونُ المُنتنُ الريحِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوّامِ، عن قتادةَ:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . قال: من ترابٍ يابسٍ له صلْصلةٌ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ بشرٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} . قال: ما عُصِر فخرَج مِن بينِ الأصابعِ.

ولو وجَّه موجِّهٌ قولَه: {صَلْصَالٍ} إلى أنَّه فَعْلالٌ من قولِهم: صلَّ اللَّحمُ. إذا أَنْتَن وتَغيَّرتْ ريحُه. كما قيل مِن: صرَّ البابُ: صَرْصَرَ، و: كَبْكَب. من كَبَّ - كان وجْهًا ومذهَبًا.

وقولُه: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق الجانَّ من مارجٍ؛ وهو ما اخْتَلَط بعضُه ببعضٍ، من بينِ أحمرَ وأصفرَ وأخضرَ، من قولِهم: مَرِج أمرُ القومِ. إذا اختَلَط، ومن قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبدِ اللَّهِ بن عمرٍو

(2)

: "كيف بكَ إذا كنتَ في حُثالَةٍ مِن النَّاسِ قد مَرِجَتْ عُهودُهم وأماناتُهم"

(3)

.

- وذلك هو لَهبُ النَّارِ ولسانُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 451.

(2)

في الأصل: "عمر".

(3)

تقدم في 17/ 471.

ص: 194

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ الجُبيريُّ أبو حفصٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كَثيرٍ

(1)

، قال: ثنا مسلمٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: من أَوْسَطِها وأَحْسَنِها

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . يقولُ: خَلَقه من لَهبِ النَّارِ، من أحسنِ النَّارِ

(3)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . يقولُ: خالصُ النارِ

(4)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خُلِقتِ الجنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ، وهو لسانُ النارِ الذي يكونُ في طرفِها إذا أُلهبَت

(5)

.

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: {مِنْ

(1)

في الأصل: "جبير".

(2)

أخرجه هناد في الزهد (272) عن ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم من قول ابن عباس.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 467 عن العوفي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى ابن المنذر.

(5)

في الأصل: "التهبت".

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 467، عن الضحاك، عن ابن عباس.

ص: 195

مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}. قال: من [حيث تلتهبُ النارُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو بحرٍ البَكْراويُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ قيسٍ المكيُّ، عن عكرمةَ:{مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: من]

(1)

أحسنِ النارِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: اللهبُ الأصفرُ والأخضرُ الذي يعلو النارَ إذا أُوقِدَت

(2)

.

وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: والأحمرُ.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: هو اللَّهبُ المُنقطِعُ الأحمرُ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: من أحسنِ النارِ

(3)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: من لهبِ النارِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَخَلَقَ الْجَانَّ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

تفسير مجاهد ص 637، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 329 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى عبد بن حميد.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 467.

ص: 196

مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}. أي: من لهبِ النارِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: من لَهبِ النارِ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: المارِجُ اللَّهبُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العَوّامِ، عن قتادةَ:{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} . قال: من لهبٍ من نارٍ.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نعمةِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلَين من هذه النعمِ تُكذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ذلكم أيُّها الثَّقَلان {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ} . يعني بالمشرقين مشرقَ الشمسِ في الشتاءِ، ومشرقَها في الصيفِ.

وقولُه: {وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} . يعني: وربُّ مغربِ الشمسِ في الشتاءِ، ومغربِها في الصيفِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 141 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 262 عن معمر به.

ص: 197

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أبْزَى قولَه:{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} . قال: مشارقُ الصيفِ ومغاربُ الصيفِ، مَشْرقانِ تجرِي فيهما الشمسُ ستين

(1)

وثلاثَمائةِ يومٍ

(2)

في ستين وثلاثِمائةِ برجٍ، لكلِّ بُرْجٍ مَطْلِعٌ، لا تَطْلُعُ يومين من مكانٍ واحدٍ، وفي المغربِ ستون وثلاثُمائةِ بُرْجٍ، لكلِّ برجٍ مَغيبٌ، لا تغيبُ يومين في بُرْجٍ واحدٍ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} . قال: مشرقُ الشتاءِ ومغربُه، ومشرقُ الصيفِ ومغربُه

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} : فمَشرِقُها في الشتاءِ، ومَشرِقُها في الصيفِ، [ومغربُها في الشتاءِ، ومغربُها في الصيفِ]

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ،

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ستون".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (648) من طريق يعقوب به.

(4)

تفسير مجاهد ص 634، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 330 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد.

ص: 198

عن قتادةَ قولَه: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} . قال: مشرقُ الشتاءِ ومغربُه، ومشرقُ الصيفِ ومَغْربُه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} . قال: أقصرُ مَشْرقٍ في السنةِ، وأطولُ مشرقٍ في السنةِ، وأقصرُ مغربٍ في السنةِ، وأطولُ مغربٍ في السنةِ

(1)

.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ، من هذه النِّعَمِ التي أنعَم بها عليكم من تسخيرِه الشمسَ لكم في هذين المشرقَين والمغربَين تجرِي لكما دائبةً بمنافعِكما

(2)

ومصالحِ دنياكُما ومعايشِكُما، تُكَذِّبان؟.

وقولُه: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: مَرَج ربُّ المشرقين وربُّ المغربين البحرين يلتقيان. يعني بقولِه: {مَرَجَ} : أرسَل وخَلَّى، من قولِهم: مَرَج فلانٌ دابتَه. إذا خلَّاها وترَكَها.

كما

(3)

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} . يقولُ: أرسَل

(4)

.

واختَلَف أهلُ العلمِ في البحرين اللذين ذكَرهما اللَّهُ جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ، أيُّ بحرين هما؛ فقال بعضُهم: هما بحران؛ أحدُهما في السماء، والآخرُ في الأرضِ.

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 467.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بما فوقكما"، وفي م:"بمرافقكما".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى ابن المنذر.

ص: 199

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أبزَى:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . قال: بحرٌ في السماءِ، وبحرٌ في الأرضِ

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} . قال: بحرٌ في السماءِ، وبحرٌ في الأرضِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} . قال: بحرٌ في السماءِ والأرضِ، يلتقيان كلَّ عامٍ

(3)

.

وقال آخرون: عُنِي بذلك بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن زيادٍ مولى مصعبٍ، عن الحسنِ:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} . قال: بحرُ الرومِ وبحرُ فارسَ واليمنِ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} : فالبحران بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ

(1)

ينظر تفسير ابن كثير 7/ 468.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى المصنف.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 عن معمر، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 200

يَلْتَقِيَانِ}. قال: بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به بحرُ السماءِ وبحرُ الأرضِ. وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه قال: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} واللؤلؤُ والمَرجانُ إنما يخرجُ من أصدافِ بحرِ الأرضِ عن قَطْرِ ماءِ السماءِ، فمعلومٌ أن ذلك بحرُ الأرضِ وبحرُ السماءِ.

وقولُه: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: بينهما حاجزٌ وبُعْدٌ، لا يُفسِدُ أحدُهما صاحبَه، فيَبغِي بذلك علَيه. وكلُّ شيءٍ كان بين شيئين فهو بَرْزخٌ عندَ العربِ، وما بينَ الدنيا والآخرةِ بَرْزَخٌ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا جعفرٌ، عن ابنِ أَبْزَى:{بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . [يقولُ: بينهما بُعدٌ، {لَا يَبْغِيَانِ}]

(2)

؛ لا يَبغِي أحدُهما على صاحبِه.

وقال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فِطْرٌ، عن مجاهدٍ قولَه:{بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . قال: بينهما حاجزٌ من اللَّهِ، لا يَبغِي أحدُهما على الآخرِ

(3)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 201

قولَه: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . يقولُ: حاجزٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} : والبرزخُ هذه الجزيرةُ، هذا اليَبَسُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} ، قال: البرزخُ الذي بينَهما: الأرضُ التي بينَهما

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . قال: حَجَز المالحَ عن العذْبِ، والعذبَ عن المالحِ، والماءَ عن اليَبَسِ، واليَبَسَ عن الماءِ، فلا يَبغِي بعضُه على بعضٍ، بقُوَّتِه ولُطفِه وقُدرتِه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} . قال: منَعهما أن يَلْتَقيا بالبرزخِ الذي جَعَل بينهما من الأرضِ. قال: والبرزخُ بُعْدُ الأرضِ الذي جُعِل بينَهما

(3)

.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {لَا يَبْغِيَانِ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا يَبغِي أحدُهما على صاحبِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حَدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أبزَى: {لَا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق 4/ 333، والإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 عن معمر به.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 467.

ص: 202

يَبْغِيَانِ}: لا يَبغِي أحدُهما على صاحبِه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فِطْرٌ، عن مجاهدٍ مثلَه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العَوَّامِ، عن قتادةَ مثلَه

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما لا يَخْتَلِطان.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَا يَبْغِيَانِ} . قال: لا يَخْتَلِطان

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَبْغِيان على الناسِ

(4)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَبْغِيَانِ} : لا يبغيانِ على الناسِ

(4)

، وما أخَذ أحدُهما مِن صاحبِه فهو بَغْيٌ، فحجَز أحدَهما عن صاحبِه، بقدرتِه ولطفِه وجلالِه تبارك وتعالى

(5)

.

وقال آخرون: بل معناه: لا يَبْغِيان أن يَلْتَقِيا.

(1)

تقدم تخريجه في ص 201.

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 467.

(3)

تفسير مجاهد ص 637، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 330 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في م: "اليبس".

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 عن معمر، عن قتادة مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 203

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا يَبْغِيَانِ} . قال: لا يَبْغِي أحدُهما أن يَلْقى صاحبَه

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف البحرين اللذين ذكَرَهما في هذه الآيةِ أنهما لا يَبغيان، ولم يَخْصُصْ وصفَهما بذلك في شيءٍ دون شيءٍ، بل عمَّ الخبرَ عنهما بذلك، فالصوابُ أن يُعَمَّ كما عمَّ جلَّ ثناؤُه، فيقالَ: إنهما لا يَبْغِيان على شيءٍ، ولا يَبْغِي أحدُهما على صاحبِه، ولا يَتَجاوزان حدَّ اللَّهِ الذي حدَّه لهما.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، يقولُ تعالى ذكرُه: فبأىِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ، مِن هذه النعمِ التي أنْعَم عليكم مِن مَرْجِه البحرين، حتى جعَل لكم بذلك حِلْيَةً تَلْبَسونها - تُكذِّبان

(2)

؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: يَخْرُجُ مِن هذين البحرين اللذين مرَجَهما اللَّهُ، وجعَل بينَهما بَرْزَخًا - اللؤلؤُ والمَرْجانُ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ اللؤلؤِ والمرجانِ؛ فقال بعضُهم: اللؤلؤُ ما عظُم مِن الدُّرِّ، والمَرْجانُ ما صغُر منهما

(3)

.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 162.

(2)

في ص، م، ت 1:"كذلك".

(3)

في م: "منه".

ص: 204

ذكرُ مَن قال ذلك

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نُجَيٍّ

(1)

، عن عليٍّ، قال:{اللُّؤْلُؤُ} : العظامُ]

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ:{اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . قال اللؤلؤُ العظامُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} : أما اللؤلؤُ فعِظامُه، وأما المرجانُ فصِغارُه، وإن للَّهِ فيهما خِزانةً دُلَّ عليها عامةُ بني آدمَ، فأخْرَجوا متاعًا ومنفعةً وزِينةً، وبُلْغةً إلى أجلٍ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . قال: اللؤلؤُ الكِبارُ من اللؤلؤِ والمَرْجانُ الصِّغارُ منه

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ]

(4)

يقولُ في قولِه: {اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} : أما المرجانُ فاللؤلؤُ الصَّغارُ، وأما اللؤلؤُ فما عظُم منه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

في الأصل: "يحيى". وينظر ما تقدم في 3/ 282.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد

(4)

سقط من: الأصل.

ص: 205

أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . قال: اللؤلؤُ ما عظُم منه، والمرجانُ اللؤلؤُ الصغارُ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المرجانُ هو اللؤلؤُ الصِّغارُ.

حدَّثنا عمرُو بنُ سعيدِ بنِ يَسَارٍ

(2)

القرشيُّ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَيْسرةَ الحَرَّانيُّ، قال: ثنى شيخٌ بمكةَ مِن أهلِ الشامِ، أنه سمِع كعبَ الأحبارِ يُسْأَلُ عن المرجانِ، فقال: هو البُسَّذُ

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: البُسَّذُ

(3)

له شُعَبٌ ثلاثٌ

(4)

وهو جنسٌ

(5)

مِن اللؤلؤِ.

وقال آخرون: المَرْجانُ مِن اللؤلؤِ الكبارُ، واللؤلؤُ منه الصغارُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، أو قيسِ بنِ وهبٍ، عن مُرَّةَ، قال: المَرْجانُ اللؤلؤُ العِظامُ

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشْقَرُ، قال: ثنا زهيرٌ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نُجَيٍّ

(7)

، عن عليٍّ، وعن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى المصنف.

(2)

في م: "بشار". وتقدم في 20/ 653، وسيأتي في 24/ 379.

(3)

في الأصل، ص:"السبر"، وفي ت 1:"السير". والبُسَّذ: جوهر أحمر. ينظر اللسان (م ر ج).

وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر في المعرب للجواليقي ص 377 حاشية (3).

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في م: "أحسن".

(6)

ينظر تفسير ابن كثير 7/ 468.

(7)

في النسخ: "يحيى". تنظر الصفحة السابقة

ص: 206

قالا: المَرْجانُ عظامُ اللؤْلُؤِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالْمَرْجَانُ} . قال: ما عظُم من اللؤلؤِ.

وقال آخرون: المرجانُ جيدُ اللؤلؤِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال:[ثنا عبدُ الرحمنِ، قال]

(2)

: ثنا شَريكٌ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، قال: سأَلْتُ مُرَّةَ عن اللؤلؤِ والمرجانِ، قال: المرجانُ جيدُ اللؤلؤِ

(3)

.

وقال آخرون: المرجانُ حَجَرٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأوْديِّ، عن ابنِ مسعودٍ:{اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . قال: المرجانُ حَجَرٌ

(4)

.

(1)

قول علي في تفسير مجاهد ص 637 من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد.

وقول ابن عباس أخرجه هناد في الزهد (19) من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 من طريق موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه هناد (10، 11)، والترمذي (2534) من طريق عطاء به مطولًا، وعند هناد: الياقوت حجر. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 من طريق مسروق، عن ابن مسعود بلفظ: المرجان الخرز الأحمر.

ص: 207

والصوابُ مِن القولِ في اللؤلؤِ أنه هو الذي قد عرَفه الناسُ مما يَخْرُجُ مِن أصدافِ البحرِ مِن الحبِّ، وأما المرجانُ، فإني رأيتُ أهلَ المعرفةِ بلسانِ

(1)

العربِ لا يدافِعون

(2)

أنه جمعُ مَرْجانةٍ، وأنه الصغارُ من اللؤلؤِ، وقد ذكَرْنا ما فيه مِن الاختلافِ بينَ مُتَقَدِّمي أهلِ العلمِ، واللَّهُ أعلمُ بصوابِ ذلك.

وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ

(3)

أن اللؤلؤَ والمرجانَ يَخْرُجُ مِن أحد البحرين، ولكن قيل:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا} كما يقالُ: أكَلْتُ خبزًا ولبنًا. وكما قيل

(4)

:

ورأيْتِ زوجَك في الوَغَى

مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحَا

وليس ذلك كما ذهَب إليه، بل ذلك كما وصَفْتُ قبلُ مِن أن ذلك يَخْرُجُ مِن أصدافِ البحرِ عن قطرِ السماءِ، فلذلك قيل:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا} . يعني [به البحرين]

(5)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ الرازيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن السماءَ إذا أمْطَرَت فتَحَت الأصدافُ أفواهَها، فمنها اللؤلؤُ

(6)

.

(1)

في م: "بكلام".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يتدافعون".

(3)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 244.

(4)

تقدم تخريجه في 1/ 140.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"به البحران"، وفي م:"بهما البحران"، وفي ت 3:"به البحر".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 468 - من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 142 إلى ابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن المنذر.

ص: 208

حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الحِمَّانيُّ، قال: ثنا الأعمشُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا نزَل القطرُ مِن السماءِ تفَتَّحَت له الأصدافُ، فكان لؤلؤًا.

حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عمرٍو الغَزِّيُّ، قال: أخبرنا الفِرْيابيُّ، قال: ذكَر سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: إن السماءِ إذا أمْطَرَت تفَتَّحَت لها الأصدافُ، فما وقَع فيها

(1)

مِن مطرٍ فهو لؤلؤٌ.

حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّراريُّ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ سوّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سليمانَ الكوفيُّ، ابنُ أخي عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ، قال: ما نزَلت قطرةٌ من السماءِ في البحرِ إلا كانت بها لُؤْلؤةٌ، أو نَبَتَتْ بها عنبرةٌ. فيما يحسَبُ الطبريُّ

(2)

.

واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} ؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (يُخْرَجُ) على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه

(3)

. وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ المكيين: {يَخْرُجُ} بفتحِ الياءِ

(4)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ

(1)

في ص، ت 1، ت 3:"منها".

(2)

جاء هذا الأثر في الأصل قبل قوله: والصواب من القول. المتقدم في الصفحة السابقة باختلاف يسير عما في هذه النسخ، ومكانه هنا أوفق للسياق. وينظر تفسير ابن كثير 7/ 468.

(3)

وبها قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. النشر 2/ 284

(4)

وبها قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. ينظر المصدر السابق.

ص: 209

فمصيبٌ؛ لتقارُبِ معنييهما.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأىِّ نِعَمِ رَبِّكما معشرَ الثَّقَلِين، التي أنْعَم بها عليكم ربُّكم، فيما أخْرَج لكم مِن منافعِ هذين البحرين، تُكَذِّبان؟

وقولُه: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} . يقولُ جلّ وعزّ: ولِربِّ المشرقَيْن والمغربَيْن {الْجَوَارِ} . وهي السفنُ الجاريةُ في البحارِ.

وقولُه: {الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ} . اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (المُنْشِئات) بكسرِ الشينِ

(1)

، بمعنى: الظاهراتُ السَّيْرِ اللاتي يُقْبِلْنَ ويُدْبِرْنَ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ والمدينةِ وبعضُ الكوفيين: {الْمُنْشَآتُ} بفتحِ الشينِ

(2)

، بمعنى: المرفوعاتُ

(3)

القِلاعِ

(4)

، اللاتي تُقْبِلُ بهن وتُدْبِرُ.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى مُتَقارِبتاه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ

ذكرُ مَن قال في تأويلِ ذلك ما ذكَرْناه فيه

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: أخبَرنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

هي قراءة حمزة، والوجهان عن أبي بكر. النشر 2/ 284.

(2)

هي قراءة ابن كثير ونافع وحفص وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وأبى جعفر ويعقوب وخلف. المصدر السابق.

(3)

في الأصل: "المرفعات".

(4)

مفرد قلع وهو الشراع. الوسيط (ق ل ع).

ص: 210

قولَه: {الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ} . قال: ما رُفِع قِلْعُه من السفنِ فهي مُنْشَآتٌ، وإذا لم يُرْفَعْ قِلعُها فليست بمُنْشَأَةٍ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} . يعني: السفنُ

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} . يعني: السفنُ.

وقولُه: {كَالْأَعْلَامِ} . يقولُ: كالجبالِ، شبَّه السفنَ بالجبالِ، والعربُ تُسَمِّي كلَّ جبلٍ طويلٍ عَلَمًا، ومنه قولُ جَريرٍ

(3)

:

* إذا قطَعنا علَمًا بَدا علَمْ *

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنْعَمَها عليكم، بإجرائِه الجواريَ المُنْشَآتِ في البحرِ، جاريةً بمنافعِكم - تُكَذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ مَن على ظهرِ الأَرضِ مِن جِنٍّ وإنسٍ فإنه فانٍ هالكٌ،

ويَبْقَى وجهُ ربِّك يا محمدُ، {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .

(1)

تفسير مجاهد ص 637، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 330 - ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 143 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 143 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

ديوانه 1/ 512.

ص: 211

و {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} مِن نعتِ "الوجهِ"، فلذلك رُفِع {ذُو}. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بالياءِ:(ذِي الجلالِ)

(1)

على أنه مِن نعتِ "الربِّ" وصفتِه.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلَين مِن هذه النعمِ تُكَذِّبان؟

وقولُه: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يقولُ تعالى ذكرُه: إليه يَفْزَعُ بمسألةِ الحاجاتِ كلُّ مَن في السماواتِ والأرضِ؛ من مَلَكٍ وإنسٍ وجنٍّ وغيرِهم، لا غنَى بأحدٍ منهم عنه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} : لا يَسْتَغْنِي عنه أهلُ السماءِ ولا أهلُ الأرضِ؛ يُحْيِي حيًّا، ويُمِيتُ ميتًا، ويُرَبِّي صغيرًا، [ويفُكُّ أسِيرًا]

(2)

، وهو مَسْأَلُ

(3)

حاجاتِ الصالحين، ومُنْتَهَى شَكْواهم، وصَرِيخُ الأخيارِ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال: يعني مسألةَ عبادِه إياه الرزقَ والموتَ والحياةَ، كلَّ يومٍ هو في ذلك

(5)

.

وقولُه: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هو كلَّ يومٍ في شأنِ

(1)

معاني القرآن للفراء 2/ 116، والبحر المحيط 8/ 192.

(2)

في م: "ويذل كبيرا".

(3)

في الأصل: "يسل"، وفي ت 1:"سبيل"، وفي ت 3:"يسيل"، وفي الدر المنثور:"مرد".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 143 إلى المصنف وعبد بن حميد

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 143 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 212

خلقِه؛ فيُفَرِّجُ كربَ ذي كربٍ، ويَرْفَعُ قومًا، ويَخْفِضُ آخرين، ونحوِ ذلك مِن شئونِ خلقهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن يونُسَ بنِ خَبَّابٍ والأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال: يُجِيبُ داعيًا، أو يُعْطِي سائلًا، أو يَفُكُّ عانيًا

(1)

، أو يَشْفِي سقيمًا

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن، مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ في قولِه:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال: يَفُكُّ عانيًا، ويَشْفِي سقيمًا، ويُجِيبُ داعيًا.

وحدَّثني إسماعيلُ بنُ إسرائيلَ السَّلالُ

(3)

، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال: من شأنِه أن يُعْطِيَ سائلًا، ويَفُكَّ عانيًا، ويُجِيبَ داعيًا، ويَشْفِيَ سَقيمًا.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال: كلَّ يومٍ يُجِيبُ داعيًا، ويَكْشِفُ كرْبًا،

(1)

العاني: الأسير. الوسيط (ع ن ي).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 440، وأبو نعيم في الحلية 3/ 272، والبيهقي في الشعب (1103) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 143 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في الأصل: "اللآلى"، وفي ت 2:"الملال". وتقدم في 7/ 367، 9/ 48.

ص: 213

ويُجِيبُ مضطرًّا، ويَغْفِرُ ذنبًا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ]

(2)

: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} : يُجيبُ داعيًا، ويُعْطِي سائلًا، ويَفُكُّ عانيًا، ويَتُوبُ على قومٍ ويَغْفِرُ

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [محمدُ بنُ]

(4)

مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} . قال: يَخْلُقُ مخلقًا

(5)

، ويميتُ ميِّتًا، ويُحدِثُ أمرًا.

حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عمرٍو الغَزِّيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ بكرٍ السَّكْسَكيُّ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عَبْدةَ

(6)

بنِ رياحٍ

(7)

الغسانيُّ، عن أبيه عبدةَ

(6)

بنِ رياحٍ

(7)

، عن منيبِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأزديِّ، عن أبيه قال: تلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: " {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ". فقلْنا: يا رسولَ اللهِ، وما ذلك الشأنُ؟ قال

(8)

: "يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ أقوامًا، ويَضَعُ آخرين"

(9)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 638، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى المصنف وعبد بن حميد

(2)

في ت 2، ت 3:"قتادة".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263 عن معمر به.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3. وينظر تهذيب الكمال 26/ 387،

(5)

في ت 1، ت 2، ت 3:"خلقا".

(6)

في ت 2، ت 3، والآحاد، والكشف، والعظمة:"عبيدة". وكذا ذكره ابن ماكولا في الإكمال 6/ 50، والمثبت موافق لما في باقي مصادر التخريج، وقال المزي في التهذيب 21/ 550: والحارث بن عبدة، ويقال: ابن عبيدة.

(7)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، والآحاد، الكشف، والعظمة:"رباح". وغير منقوطة في الأصل، ص، والمثبت موافق لباقي مصادر التخريج، وينظر الإكمال 4/ 17.

(8)

بعده في الأصل: "أن".

(9)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 470 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2316)، =

ص: 214

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي حمزةَ الثُّماليِّ

(1)

، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: إن اللهَ خلَق لوحًا محفوظًا من درةٍ بيضاءَ، دفَّتاه ياقوتةٌ حمراءُ، قلمُه نورٌ، وكتابُه نورٌ، عرضُه ما بينَ السماءِ والأرضِ، يَنْظُرُ فيه كلَّ يومٍ ثلاثَمائةٍ وستين نظرةً، يَخْلُقُ بكلِّ نظرةٍ، ويُحيي ويُميتُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ

(2)

.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنعَم عليكم، من صرفِه إيَّاكم في مصالحِكم، وما هو أعلمُ به منكم، من تقليبِه إياكم فيما هو أنفعُ لكم - تُكذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: اختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} ؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ المكيِّين: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} بالنونِ

(3)

. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بعدُ: (سَيَفْرُغُ لَكُمْ) بالياءِ

= والبزار (2266 - كشف) ووقع فيه إبراهيم بن محمد بن عبد الملك، وابن قانع في معجم الصحابة (574)، والطبراني في الأوسط (6619)، وأبو الشيخ في العظمة (151) من طريق إبراهيم بن محمد، والحديث فيه عمرو بن بكر وهو متروك.

(1)

في ت 1: "اليماني". ينظر تهذيب الكمال 4/ 357.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 471 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 263، 264، وأبو الشيخ في العظمة (160)، والحاكم 2/ 474، 519 من طريق أبي حمزة الثمالي به، وأخرجه الطبراني (10605، 12511)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 325، 4/ 305، والضياء في المختارة 10/ 71 (62، 63) من طريق ابن جبيرٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 143 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر 2/ 283.

ص: 215

وفتحِها

(1)

، ردًّا على قولِه:{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . ولم يَقُلْ: يَسْأَلُنا مَن في السماواتِ والأرضِ. فأتْبَعوا الخبرَ الخبرَ.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أنهما قراءتان معروفتان مُتقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وأما تأويلُه، فإنه وعيدٌ من اللَّهِ لعبادِه وتَهدُّدٌ، كقولِ القائلِ الذي يتهدَّدُ غيرَه ويتوعَّدُه، ولا شغلَ له يَشغَلُه عن عقابِه: لأتَفَرَّغَنَّ لك، وسَأَتَفَرَّغُ لك. بمعنى: سآخُذُ

(2)

في أمرِك وأُعاقِبُك. وقد يقولُ القائلُ للذي لا شُغْلَ له: قد فرَغتَ لي، وقد فرَغتَ لشتمِي. أي: أخَذتَ فيه وأقبَلتَ عليه. وكذلك قولُه جلَّ ثناؤه: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} : سنُحاسِبُكم، ونأخُذُ في أمرِكم أيُّها الإنسُ والجنُّ، فنعاقِبُ أهلَ المعاصِي، ونُثِيبُ أهلَ الطاعةِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} . قال: وَعيدٌ من اللهِ للعبادِ، وليس باللهِ شغلٌ وهو فارغٌ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أنه تلا:

(1)

هي قراءة حمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.

(2)

في ص، م، ت 2، ت 3:"سأجد".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - والبيهقي في الأسماء والصفات (1027) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى ابن المنذر.

ص: 216

{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} . قال: دنا من اللَّهِ فراغٌ لخلقِه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ:{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} . قال: وعيدٌ

(2)

.

وقد يَحتمِلُ أن يُوجَّهَ معنى ذلك إلى: سنَفْرُغُ لكم من وعدِناكم ما وعَدْناكم من الثوابِ والعقابِ.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَمها عليكم؛ من ثوابهِ أهلَ طاعتِه، وعقابِه أهلَ معصيتِه - تُكَذِّبان؟

وقولُه: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن استطَعتُم أن تَجُوزوا أطرافَ السماواتِ والأرضِ، فتُعْجِزوا ربَّكم حتى لا يَقْدِرَ عليكم، فجُوزوا ذلك، فإنكم لا تَجُوزُونه إلا بسلطانٍ من ربِّكم. قالوا: وإنما هذا قولٌ يُقالُ لهم يومَ القيامةِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: سنَفْرُغُ لكم أيُّها الثقلانِ، فيُقالُ لهم:{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} .

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجلحِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ أمَر اللَّهُ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 464 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى المصنف عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 217

السماءَ الدنيا فتشقَّقتْ

(1)

بأهلِها، ونزَل مَن فيها من الملائكةِ، فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ، ثم يَنْزِلُ الملِكُ الأعلَى، على

(2)

مُجَنِّبتِه اليسرَى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ ندُّوا

(3)

، فلا يَأْتون قُطْرًا من أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ من الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ اللَّهِ عز وجل:{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} [غافر: 32، 33]. وذلك قولُه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [الفجر: 22، 23]. وقولُه: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . وذلك قولُه: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا}

(4)

[الحاقة: 16، 17].

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن تَنْفُذوا من أقطارِ السماواتِ والأرضِ، فانفُذوا هاربين من الموتِ، فإن الموتَ مُدْرِكُكم، ولا يَنْفَعُكم هربُكم منه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} : يعني بذلك أنه لا يُجيرُهم

(5)

(1)

سقط من: الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

بعده في الأصل: "مجنبى".

(3)

ندوا: تفرقوا. الوسيط (ن د د)

(4)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (354 - زوائد نعيم) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في الأهوال (203) - عن جويبر، عن الضحاك، وتقدم في 20/ 318، 319.

(5)

في الأصل: "يجزيهم".

ص: 218

أحدٌ من الموتِ، وأنهم مَيِّتون لا يَسْتَطيعون فرارًا منه، ولا مَحِيصَ

(1)

، ولو نفَذوا أقطارَ السماواتِ والأرضِ كانوا في سُلْطانِ اللَّهِ، ولأخذَهم اللَّهُ بالموتِ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن استَطَعتم أن تَعْلَموا ما في السماواتِ والأرضِ فاعلَموا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . يقولُ: إن استَطَعتم أن تَعْلَموا ما في السماواتِ والأرضِ فاعلَموه، ولن تَعْلَموه إلا بسلطانٍ. يعني البينةَ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه

(2)

.

وقال آخرون: معنى قولِه: {لَا تَنْفُذُونَ} : لا تَخْرُجون من سلطاني.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . يقولُ: لا تَخْرُجون من سُلطاني

(3)

.

وأما الأقطارُ فإنها جمعُ قُطْرٍ، وهي الأطرافُ.

كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"محيصا"

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 448

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى ابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات.

ص: 219

تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. قال: من أطرافِها. وقولُه: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا} [الأحزاب: 14]. يقولُ: من أطرافِها.

وأما قولُه: {إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا ببينةٍ. وقد ذكَرْنا ذلك قبلُ.

وقال آخرون: معناه: إلا بحجةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}. قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ "سلطانٌ" فهو حجةٌ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثَّني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{بِسُلْطَانٍ} . قال: بحُجةٍ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا بمِلْكٍ وليس لكم مِلكٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوامِ، عن قتادةَ:{فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . قال: لا تَنْفُذُون إلا بملِكٍ وليس لكم مِلكٌ

(3)

.

(1)

تقدم تخريجه في 7/ 619.

(2)

تفسير مجاهد ص 638.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 170.

ص: 220

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . قال: إلا بسلطانٍ من اللَّهِ؛ إلا بمَلَكةٍ

(1)

منه

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} . يقولُ: إلا بملكةٍ من اللَّهِ.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إلا بحُجةٍ وبيِّنةٍ. لأن ذلك هو معنى السلطانِ في كلامِ العربِ، وقد يَدْخُلُ الملكُ في ذلك؛ لأن الملكَ حجةٌ.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما مَعْشَرَ الثَّقَلَين، التي أنعَمتُ عليكم، من التسويةِ بيَن جميعِكم، [بأن جميعَكم]

(3)

لا يَقْدِرون على خلافِ أمرٍ أراده بكم - تُكَذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: يُرْسَلُ عليكما أَيُّها الثَّقَلانِ يومَ القيامةِ شُواظٌ من نارٍ، وهو لهبُها من حيثُ يَشْتَعِلُ ويَتأَجَّجُ بغيرِ دخانٍ كان فيه، ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ

(4)

:

إن لهم من وَقْعِنا أقياظَا

(1)

في ت 1: "تملكه"، وفي ت 2:"يملك".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 264 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى عبد بن حميد.

(3)

سقط من: م.

(4)

مجاز القرآن 2/ 244، وتفسير القرطبي 17/ 171، واللسان (ش و ظ).

ص: 221

ونارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} . يقولُ: لهبُ النارِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} . قال: الشواطُ لهبُ النارِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} . قال: لهبٌ من نارٍ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} . قال: لهبُ النارِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} . قال: الشواظُ اللَّهَبُ المنقطِعُ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسير 2/ 264 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى عبد بن حميد.

(3)

تفسير مجاهد ص 638.

(4)

أخرجه هناد في الزهد (270) من طريق سفيان به.

ص: 222

{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} . قال: الشواظُ الأخضرُ المنقطِعُ من النارِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} . قال: الشُّواظُ هذا اللهبُ الأخضرُ المنقطِعُ من النارِ

(1)

.

قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ في قولِه:{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} ، قال: الشواظُ اللهبُ الأخضرُ المنقطعُ من النارِ

(2)

.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ: الشُّواظُ اللَّهبُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} : أي: من لهبٍ من نارٍ.

وحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} . قال: الشواظُ اللهبُ، وأما النحاسُ فاللهُ أعلمُ بما أُريد به.

وقال آخرون: الشُّواظُ هو الدخَانُ الذي يَخْرُجُ من اللهبِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} : هو الدخانُ الذي يَخْرُجُ من اللهبِ، ليس بدخانِ الحطبِ

(3)

.

(1)

أخرجه الحافظ في التغليق 3/ 510 من طريق جرير به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق - من طريق منصور به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى ابن المنذر.

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 472.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 171.

ص: 223

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {شُوَاظٌ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ، غيرَ ابنِ أبي إسحاقَ:{شُوَاظٌ} بضمِّ الشينِ

(1)

. وقرَأ ذلك ابنُ أبي إسحاقَ وعبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: (شِوَاظٌ) بكسرِ الشينِ

(2)

، وهما لغتانِ مثلَ "الصِّوارِ" من البقرِ، و"الصُّوارِ"، بكسرِ الصادِ وضمِّها

(3)

. وأعجبُ القراءتين عندي ضمُّ الشينِ؛ لأنها اللغةُ المعروفةُ، وهى مع ذلك قراءةُ القرأةِ من أهلِ الأمصارِ.

وأما قولُه: {وَنُحَاسٌ} فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في المعنيِّ به؛ فقال بعضُهم: عُنِي به الدخانُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَنُحَاسٌ} . قال: النحاسُ الدخانُ

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَنُحَاسٌ} . يقولُ: دخانُ النارِ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَنُحَاسٌ} . قال: دخانٌ

(5)

.

وقال آخرون: عُنِي بالنُّحاسِ في هذا الموضِع الصُّفْرُ.

(1)

هي قراءة نافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 285.

(2)

المصدر السابق، وينظر البحر المحيط 8/ 195.

(3)

الصِّوار والصُّوار: القطيع من البقر. اللسان (ص و ر).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى ابن المنذر.

(5)

ينظر تفسير ابن كثير 7/ 472.

ص: 224

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{وَنُحَاسٌ} . قال: النحاسُ الصُّفْرُ يُعَذَّبونَ به

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ

(2)

، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَنُحَاسٌ} . قال: الصُّفْرُ يُذَابُ فيُصبُّ على رءوسِهم

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَنُحَاسٌ} . قال: يُذَابُ الصُّفْرُ فيُصَبُّ على رءوسِهم.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، [عن منصورٍ، عن مجاهدٍ]

(4)

: {وَنُحَاسٌ} . قال: يُذَابُ الصُّفْرُ من فوقِ رأسِه

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَنُحَاسٌ} . قال: توعَّدهما بالصُّفْرِ كما تَسْمَعون أن يُعَذِّبَهما به

(6)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} . قال: يُخَوِّفُهم بالنارِ وبالنحاسِ.

وأولى القولين في ذلك عندِي بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالنُّحاسِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى المصنف.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 3:"مهران عن سفيان"، وفي ت 2:"عن عمران، عن سفيان".

(3)

أخرجه الحافظ في التغليق 3/ 510 من طريق جرير به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (130، 246) من طريق منصور به.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

أخرجه هناد في الزهد (271) من طريق سفيان به.

(6)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 172 بمعناه.

ص: 225

الدخانُ. وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر أنه يُرْسَلُ على هذين الجنسين

(1)

[شُواظٌ من نارٍ]

(2)

، وهو النارُ المحضةُ التي لا يُخالِطُها دخانٌ.

والذي هو أولَى بالكلامِ إذ

(3)

توعَّدهم بنارٍ هذه صفتُها، أن يُتْبِعَ ذلك الوعيدَ

(4)

بما هو خلافُها من نوعِها من العذابِ، دونَ ما هو من غيرِ جنسِها، وذلك هو الدخانُ، والعرب تُسَمِّي الدخانَ نُحاسًا بضمِّ النونِ، ونِحاسًا بكسرِها، والقرأةُ مجمعةٌ على ضمِّها، ومن النُّحاسِ بمعنى الدخانِ قولُ نابغةِ بني جعدةَ

(5)

:

يُضيءُ

(6)

كضَوءِ سِراجِ السَّلِيـ

ــطِ لم يَجْعَل اللهُ فيه نُحاسا

يعني: دخانًا.

وقولُه: {فَلَا تَنْتَصِرَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فلا تَنْتَصِران أيُّها الجنُّ والإنسُ منه، إذا هو عاقَبكما هذه العقوبةَ، ولا تُسْتَنْقَذانِ منه.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَلَا تَنْتَصِرَانِ} . قال: يعني الجنَّ والإنسَ. [قال: وقولُه أيضًا: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. قال: الجنُّ والإنسُ]

(7)

.

وقولُه: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإذا انشقَّتِ السماءُ وتفطَّرت، وذلك يومَ القيامةِ، فكان لونُها لونَ البِرْذَونِ الوَرْدِ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحيين".

(2)

في الأصل: "شواظًا من النار".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أنه".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2:"الوعد".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذبيان". والبيت في ديوان النابغة الجعدي ص 81.

(6)

في م، ت 2، ت 3:"يضوء".

(7)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 226

أحمرَ

(1)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . قال: كالفَرَسِ الوَرْدِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . يقولُ: تغيَّر لونُها

(3)

.

حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويه

(4)

، قال: ثنا شهابُ بنُ عبادٍ الكوفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ حميدٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . قال: كلونِ البِرْذَونِ الوَرْدِ، ثم كانت بعدُ كالدِّهانِ

(5)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . يقولُ: تتغيَّرُ السماءُ، فيَصِيرُ

= والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 264 عن معمر به.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الأحمر". والورد من الفرس: ما بين الكميت والأشقر. ينظر حياة الحيوان الكبرى للدميري 2/ 414، والوسيط (و ر د).

(2)

سقط من: الأصل، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 474 عن أبي كدينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 474 عن العوفي به.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2:"حبويه"، وتقدم في 4/ 76، 81.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 474.

ص: 227

لونُها كلونِ الدابةِ الوَرْدةِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} : هي اليومَ خضراءُ كما تَرَوْنَ، ولونُها يومَ القيامةِ لونٌ آخرُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه:{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . قال: هي اليومَ خضراءُ، ولونُها يومَئذٍ الحمرةُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . قال: إنها اليومَ خضراءُ، وسيكونُ لها يومَئذٍ لونٌ آخرُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} : [قال: مُشرِقةً كالدهانِ]

(3)

.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {كَالدِّهَانِ} ؛ فقال بعضُهم: معناه كالدُّهنِ

(4)

؛ صافيةَ الحمرةِ مشرقةً.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 264 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

في الأصل: "كالدهان".

ص: 228

في قولِه: {وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} . قال: كالدُّهنِ

(1)

.

حُدَّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {كَالدِّهَانِ} . يقولُ: خالصةً

(2)

.

وقال آخرون: عُني بذلك: فكانت وردةً كالأديمِ. وقالوا: الدِّهانُ [واحدٌ، جِماعُه: أَدْهُنٌ ودُهُنٌ. وأما الذين قالوا: الدِّهانُ من الدُّهنِ. فإنهم قالوا: الدِّهان]

(3)

جماعٌ، واحدُها دُهْنٌ.

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به الدهنُ في إشراقِ لونِه. لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فبأيِّ قدرةِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ على ما أخبَركم بأنه فاعلٌ بكم - تُكَذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: فيومَئذٍ لا يَسْأَلُ الملائكةُ المجرِمين عن ذنوبِهم؛ لأن اللهَ تعالى قد حفِظها عليهم، ولا يَسْأَلُ بعضَهم عن ذنوبِ بعضٍ ربُّهم

(4)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

تفسير مجاهد ص 638، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 144 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 145 إلى المصنف وابن المنذر بلفظ: "صافية كصفاء الدهن".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

سقط من: الأصل.

ص: 229

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا أسألُهم عن أعمالِهم، ولا أسألُ بعضَهم عن بعضٍ. وهو مثلُ قولِه:{وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78]. ومثلُ قولِه لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}

(1)

[البقرة: 119].

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} . قال: حفِظ اللهُ عليهم أعمالَهم

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:[{لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ}. قال: كان مجاهدٌ يقولُ]

(3)

: لا تَسْأَلُ الملائكةُ عن المجرمِ؛ يُعْرَفون بسيماهم

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوّامِ، عن قتادةَ:{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} . قال: قد كانت مسألةٌ، ثم خُتِم على ألسنةِ القومِ، فتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يَعْمَلُون

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 145 إلى المصنف وابن مردويه.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 265 عن معمر، عن الحسن قوله.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

تفسير مجاهد ص 638، ومن طريقه البيهقي في الشعب (277)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 145 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 474، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 195.

ص: 230

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الثَّقلين التي أنعَم عليكم من عدلِه فيكم أنه لم يُعاقِبْ منكم إلا مُجِرمًا - تُكذِّبان

(1)

؟

وقولُه: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: تَعرِفُ الملائكةُ المجرمين {بِسِيمَاهُمْ} : بعلاماتِهم وسيماهم التي يُسَوِّمُهم

(2)

اللهُ بها، من اسودادِ الوجوهِ، وازرقاقِ العيونِ.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} . قال: يُعْرَفون باسودادِ الوجوهِ وزَرَقِ الأعينِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} . قال: زُرْقُ العيونِ، سودُ الوجوهِ

(4)

.

وقولُه: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فتأخُذُهم الزبانيةُ بنواصِيهم وأقدامِهم، فتَسْحَبُهم إلى جهنمَ وتَقْذِفُهم فيها.

{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأَيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنعَم عليكم بها؛ من تعريفِه ملائكتَه أهلَ الإجرامِ من أهلِ الطاعةِ منكم حتى خَصُّوا بالإذلالِ والإهانةِ المجرمين دونَ غيرِهم - تكذِّبان (1)؟

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "سواهم".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 265 عن معمر به.

(4)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 475، وابن كثير في تفسيره 7/ 474.

ص: 231

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهؤلاء المجرِمين الذين أخبَر جلَّ ثناؤُه أنهم يُعْرَفون يومَ القيامةِ بسِيماهم، حينَ يُؤْخَذُ بالنواصي منهم

(1)

والأقدامِ: هذه جهنمُ التي يُكَذِّبُ بها المجرِمون. فتَرَك ذكرَ "يُقالُ"؛ اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه منه.

وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (هذه جهنمُ التي كنتما بها

(2)

تُكذِّبان، تَصْليانها

(3)

لا تَموتان فيها ولا تحييان)

(4)

.

وقولُه: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يطوفُ هؤلاء المجرِمون الذين وصَف صفتَهم في جهنمَ بينَ أطباقِها، {وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}. يقولُ: وبينَ ماءٍ قد [سَخَن وغَلى]

(5)

، حتى انتَهى حرُّه، وأَنَى طبخُه. وكلُّ شيءٍ أَدْرَك وبلَغ فقد أنَى، ومنه قولُه:{غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53]. يعني: إدراكَه وبلوغَه، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ

(6)

:

وتُخْضَبُ لحيةٌ غدَرتْ وخانَتْ

بأحمرَ من نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ

يعني: مُدْرِكٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "بهما".

(3)

بعده في الأصل: "فيها".

(4)

معاني القرآن للفراء 3/ 117، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص 150.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أسخن وأغلى".

(6)

ديوانه ص 149.

ص: 232

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . يقولُ: انتَهى حرُّه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . يقولُ: غلَى حتى انتَهى غَلْيُه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . قال: قد بلَغ أَناه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: الآنِي الذي قد انتَهى حرُّه

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ

(5)

بشرٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . قال: الآنِي ما اشتدَّ غليانُه ونضجُه

(6)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 145 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

في ت 1: "حره".

(3)

تفسير مجاهد ص 638، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 365 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 145 إلى عبد بن حميد.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 145 إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ:"النحاس انتهى حره".

(5)

في م: "عن". ينظر تهذيب الكمال 12/ 359.

(6)

ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص 110 عن شبيب به.

ص: 233

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {حَمِيمٍ آنٍ} . قال: هو الذي انتَهى غَلْيُه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . قال: أَنَى طبخُها منذُ يومِ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . يقولُ: حميمٌ قد أَنَى طبخُه مُذْ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{حَمِيمٍ آنٍ} : قد أَنَى منتَهى حرِّه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{حَمِيمٍ آنٍ} . قال: قد انتَهى حرُّه (1).

وقال بعضُهم: عُنِي بالآني الحاضرُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . قال: يَطوفون بينَها وبينَ حميمٍ حاضرٍ. الآنِي: الحاضرُ (1).

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ

(1)

ينظر تفسير ابن كثير 7/ 475.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 145 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسير 2/ 265 عن معمر به.

ص: 234

والإنسِ التي أنعَمها عليكم بعقوبتِه أهلَ الكفرِ به، وتكريمِه أهلَ الإيمانِ به - تُكذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمن اتَّقى اللَّهَ من عبادِه، فخاف مقامَه بينَ يديه، فأطاعه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه - {جَنَّتَانِ} . يعني بُستانَينِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم في البيانِ عن تأويلِه، غيرَ أن معنَى جميعِهم يئُول

(1)

إلى هذا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: وعَد اللَّهُ المؤمنين الذين خافوا مقامَه فأدَّوا فرائضَه، الجنةَ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . يقولُ: خاف ثم اتقَى. والخائفُ مَن ركِب طاعةَ اللَّهِ وترَك معصيتَه

(3)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه:

(1)

في م: "يقول".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 146 إلى المصنف.

(3)

أخرجه البيهقي في البعث (307) من طريق محمد بن سعد به مطولًا.

ص: 235

{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: هو الرجلُ يَهُمُّ بالذنبِ، فيَذْكُرُ مقامَ ربِّه فيَنْزِعُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: الرجلُ يَهُمُّ بالذنبِ، فيَذْكُرُ مَقامَه بينَ يدي اللَّهِ فَيَتْرُكُه، فله جنتان.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: الرجلُ يَهُمُّ بالمعصيةِ فيذكرُ اللَّهَ عز وجل فيَدَعُها

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: في الذي إذا همَّ بمعصيةٍ ترَكها

(3)

.

حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسحاقُ، [عن سفيانَ، عن]

(4)

منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: هو الرجلُ يَهُمُّ بمعصيةِ اللَّهِ تعالى، ثم يَتْرُكُها مخافةَ اللَّهِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: يُذْنِبُ الذنبَ، فيَذْكُرُ مقامَ ربِّه فيَدَعُه.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن

(1)

أخرجه هناد في الزهد (900) من طريق الأعمش به.

(2)

أخرجه الطحاوي في المشكل 10/ 160 عقب ح (3993)، وأبو نعيم في الحلية 3/ 281 من طريق جرير به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 570، وهناد في الزهد (899) من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 146 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التوبة وابن المنذر.

(3)

أخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 331 عن سفيان به -.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بن".

ص: 236

منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: إذا أراد أن يُذْنِبَ أمسَك مَخافةَ اللَّهِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: إنَّ المؤمنين خافوا ذاكم المقامَ، فعمِلوا له ودانُوا له وتعبَّدوا بالليلِ والنهارِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}. قال: إِنَّ للَّهِ مَقامًا قد خافَه

(2)

المؤمنون.

حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ القرشيُّ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا سعيدٌ الجريريُّ، عن محمدِ بنِ سعدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ". قلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: "وإن زنَى وإن سرَق، وإن رغِم أنفُ أبي الدرداءِ"

(3)

.

وحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن محمدِ بنِ أبي حرملةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: أخبَرني أبو الدرداءِ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قرَأ يومًا هذه الآيةَ: " {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ". فقلتُ: وإن زنَى وإن سرق يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: " {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ". قال: فقلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: " {وَلِمَنْ خَافَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 146 إلى المصنف.

(2)

في الأصل: "خافته".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في تفسيره، وأحمد بن منيع، وأبو يعلى - كما في المطالب (4130، 4131) - والبخاري في التاريخ الكبير 4/ 296 من طريق الجريري به، والنسائي في الكبرى (11561)، وابن خزيمة في التوحيد ص 223 من طريق محمد بن سعد به.

ص: 237

مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ". قلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: "وإن

(1)

، رغِم أنفُ أبي الدرداءِ"

(2)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي بكر بنِ

(3)

أبي موسى، عن أبيه، قال حمادٌ: لا أعلمُه إلا رفَعه في قولِه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: "جنتان من ذهَبٍ للمقرَّبين - أو قال: للسابقين - وجنتان من ورِقٍ لأصحابِ اليمينِ"

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمِرٌ، عن أبيه، قال: ثنا سيارٌ

(5)

أنه قال: قيل لأبي الدرداء في هذه الآيةِ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . فقيل: وإن زنَى وإن سرَق؟ فقال: وإن زنَى وإن سرَق. وقال: إنه إن خاف مقامَ ربِّه لم يَزْنِ ولم يَسْرِقْ

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن ابنِ

(7)

المباركِ، عن سعيدٍ الجُرَيْرِيِّ، عن رجلٍ، عن أبي الدرداءِ:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . فقال أبو الدرداءِ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: نعَمْ، وإن رغِم أنفُ أبي الدرداءِ.

(1)

بعده في ص، م:"زنى وإن سرق".

(2)

أخرجه ابن مردويه - كما في التغليق 5/ 167 - والبيهقي في البعث (30) من طريق سعيد بن أبي مريم به، وأخرجه أحمد 14/ 311 (8683)، والنسائي في الكبرى (11560)، والطحاوي في شرح المشكل (3993)، والبغوي في تفسيره 7/ 451، 452 من طريق محمد بن أبي حرملة به، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير 4/ 297، وابن أبي حاتم، والطبراني - كما في الفتح 11/ 267 - من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 146 إلى الحكيم في نوادر الأصول وابن المنذر.

(3)

في م: "عن". وينظر تهذيب الكمال 33/ 144.

(4)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (242) من طريق مؤمل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 146 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

(5)

في الأصل: "سنان". وينظر تهذيب الكمال 12/ 6.

(6)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (924)، وابن حبان في الثقات 4/ 335 من طريق معتمر به، وأخرجه البزار - كما في الدر المنثور 6/ 46، ومن طريقه ابن في التمهيد 9/ 241، 242 - من طريق زيد بن وهب، عن أبي الدرداء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 146 إلى ابن المنذر.

(7)

سقط من: الأصل، ت 2.

ص: 238

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ الصلتِ، عن عمرِو بنِ ثابتٍ، عمن ذكَره، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: وإن زنَى وإن سرَق.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: جنَّتا السابقين. فقرَأ: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . فقرَأ حتى بلَغ: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 58]. ثم رجَع إلى أصحابِ اليمينِ، فقال:{وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62]. فذكَر فضلَهما وما فيهما.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} . قال: مقامَه حينَ يقومُ له العبادُ يومَ القيامةِ. وقرَأ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]. وقال: ذاك مقامُ ربِّك.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما أيُّها الثقلانِ، التي أنعَم عليكم بإثابتِه المحسنَ منكم، ما وصَف جل ثناؤُه في هذه الآياتِ - تُكَذِّبان؟

وقولُه: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . يقولُ: ذواتا ألوانٍ. واحدُها فَنٌّ، وهو من قولِهم: افتنَّ فلانٌ في حديثِه. إذا أخَذ في فنونٍ منه وضروبٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ

(1)

، عن عطاءِ

(1)

في الأصل: "حارث". وتقدم في 2/ 84، 86، 88.

ص: 239

ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . قال: ذواتا ألوانٍ

(1)

.

حدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ النعمانِ، عن عكرِمةَ:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . قال: ظلِّ الأغصانِ على الحيطانِ. قال: وقال الشاعرُ

(2)

:

ما هاج شوقَك من هديلِ

(3)

حمامةٍ

تَدْعو على فَننِ الغُصونِ حمامًا

تَدْعو أبَا فَرْخين صادَف ضارِيًا

ذا مِخْلَبَينِ من الصُّقورِ قَطاما

(4)

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . قال: ألوانٍ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ: قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . قال: ذواتا ألوانٍ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أنبأنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . يقولُ: ألوانٍ من الفواكهِ

(5)

.

وقال آخرون: ذواتا أغصانٍ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 477 - من طريق عبد السلام بن حرب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى ابن المنذر.

(2)

هو ثابت بن كعب الملقب بقطنة، والبيتان مع ثالث في الأغاني 14/ 262، والبيت الأول في اللسان (هـ د ل).

(3)

في الأصل، ص، ت 1، ت 3:"هدير"، وفي الأغاني:"بكاء". والهديل: صوت الحمام. اللسان (هـ د ل).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 7/ 477 - من طريق أبي قتيبة به، عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي بكر بن حبان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء.

(5)

في م: "الفاكهة".

والأثر أخرجه هناد في الزهد (43) من طريق أبي سنان، عن الضحاك.

ص: 240

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ، عن مجاهدٍ:{ذَوَاتَا أَفَنَانٍ} . قال: ذواتا أغصانٍ

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: ذواتا أطرافِ أغصانِ الشجرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . يقولُ: تتماشى

(2)

أطرافُ شجرِها، يعني: يَميسُ

(3)

بعضُها بعضًا كالمعروشاتِ، ويُقالُ: ذواتُ فضولٍ

(4)

عن كلِّ شيءٍ

(5)

.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك فضلُهما وسعتُهما على ما سِواهما.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} : يعني فضلَهما وسعتَهما على ما سِواهما.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} . قال: ذواتا فضلٍ على ما سِواهما

(6)

.

(1)

ذكره الحافظ في التغليق 3/ 505 عن المصنف.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيما بين".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يمس". وماس يميس ميسًا وميسانا: تبختر واختال، وغصن مياس: مائل. اللسان (م ي س).

(4)

في ت 2، ت 3، ومصدر التخريج:"فصول".

(5)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (307) من طريق محمد بن سعد به مطولًا.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 265 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى عبد بن حميد.

ص: 241

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَم عليكما بإثابتِه هذا الثوابَ أهلَ طاعتِه - تُكذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين عينا ماءٍ تَجْريان خلالَهما،

فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تُكذِّبان؟

وقولُه: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فيهما من كلِّ نوعٍ من الفاكهةِ ضَرْبان.

فبأيِّ آلاءِ ربِّكما التي أنعَم بها على أهلِ طاعتِه من ذلك - تُكذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمَن خاف مقامَ ربِّه جَنَّتان يَتَنَعَّمون فيهما، متكِئين على فُرُشٍ. بنصبِ {مُتَّكِئِينَ} على الحالِ من معنى الكلامِ الذي قبلَه - لأَن الذي قبلَه بمعنى الخبرِ عمَّن خاف مَقامَ ربِّه أنه في نَعْمةٍ وسرورٍ يَتَنعَّمون في الجنتين.

وقولُه: {عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: بطائنُ هذه الفُرْشِ من غليظِ الديباجِ. والإستبرقُ عندَ العربِ ما غلُظ من الديباجِ وخشُن

(1)

.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ

(2)

يقولُ: يُسَمَّى المتاعُ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"حسن".

(2)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 245.

ص: 242

الصِّينيُّ

(1)

الذي ليس في صفاقةِ

(2)

الديباجِ ولا خِفَّةِ الفِرِنْدِ

(3)

، إستبرقًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: قال لي سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ما الإستبرقُ؟ قال: قلت: ما غلُظ من الديباجِ وخشُن منه.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [عن ابنِ]

(4)

أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ في قولِه:{إِسْتَبْرَقٍ} . قال: الديباجِ الغليظِ

(5)

.

وحدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبيرةَ بنِ يَرِيمَ

(6)

، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه:{فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} . قال: قد أُخْبِرْتُم بالبطائنِ، فكيف لو أُخْبِرْتُم بالظواهرِ؟!

(7)

حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ اليمانِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن

(1)

سقط من: م.

(2)

أي كثافة. ينظر الوسيط (ص ف ق).

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"العرقة". والفرند: نوع من الحرير. ينظر المعرب للجواليقي ص 291، والتاج (فرند).

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بن".

(5)

أخرجه الحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (1534)، وابن أبي شيبة 13/ 137 عن يحيى به.

(6)

في ص، ت 1:"بريم"، وفي ت 2، ت 3:"مريم".

(7)

أخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 6/ 147 - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (158)، وأخرجه الحاكم 2/ 475، والبيهقي في البعث والنشور (339) من طريق سفيان الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه.

ص: 243

هُبَيرةَ، قال: هذه البطائنُ، فما ظنُّكم بالظواهرِ؟!

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قيل: هذه البطائنُ من إستبرقٍ، فما الظواهرُ؟ قال: هذا مما قال اللَّهُ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}

(1)

[السجدة: 17].

وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ

(2)

أن البطانةَ قد تكونُ ظِهارةً، والظِّهارةُ تكونُ بطانةً، وذلك أن كلَّ واحدٍ منهما قد يكونُ وجهًا. قال: وقد تقولُ العربُ: هذا ظهرُ السماءِ، وهذا بطنُ السماءِ؛ لظاهرِها الذي نراه.

وقولُه: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} . يقولُ: وثمرُ الجنتَيْنِ [التي تُجنى]

(3)

قريبٌ منهم؛ لأنهم لا يَتْعَبون بصعودِ نخلِها وشجرِها لاجتناءِ ثمرِها، ولكنهم يَجْتَنونها من قُعودٍ بغيرِ عناءٍ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} : ثمارُها دانيةٌ، لا يَرُدُّ أيديَهم عنه بُعْدٌ ولا شَوكٌ

(4)

. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيدِه، لا يَقْطَعُ رجلٌ ثمرةً من الجنةِ، فتَصِلَ إلى فيه، حتى يُبَدِّلَ اللَّهُ مكانَها خيرًا منها"

(5)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} . قال: لا يَرُدُّ يدَه بُعدٌ ولا شَوْكٌ

(6)

.

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 453، والقرطبي في تفسيره 17/ 179.

(2)

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 118.

(3)

في م، ت 1:"الذي يجتنى".

(4)

في م، ت 2، ت 3:"شرك".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 265 عن معمر به.

ص: 244

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} . قال: ثمارُها دانيةٌ

(1)

.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ آلاءِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلين، التي أنعَم عليكما مِن أن أثاب أهلَ طاعتِه منكم هذا الثوابَ، وأكرَمهم

(2)

هذه الكرامةَ - تُكَذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الفُرُشِ التي بطائنُها من إستبرقٍ {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} ؛ وهنَّ النساء اللاتي قد قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يَنْظُرْنَ إلى غيرِهم من الرجالِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبي، [وحدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ، جميعًا عن إسرائيلَ]

(3)

، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه:{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} . قال: قُصِر طرفُهن عن الرجالِ، فلا يَنْظُرْنَ إلا إلى أزواجِهن

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - والبيهقي في البعث (308) من طريق أبي صالح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 مطولًا إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في الأصل: "أكرمه".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه هناد في الزهد (17)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (329)، والبيهقي في البعث والنشور (388) من طريق منصور عن مجاهد بنحوه. وأخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 334 - من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد.

ص: 245

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} الآية. يقولُ: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} . قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجِهنَّ، تقولُ: وعزةِ ربي وجلالِه وجمالِه إن أَرى في الجنةِ شيئًا أحسَن منك، فالحمدُ للَّهِ الذي جعَلك زوجِي، وجعَلني زوجَك

(2)

.

وقولُه: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} . يقولُ: لم يَمَسَّهن إنسٌ

(3)

قبلَ هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهم - وهم الذين قال فيهم: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} - ولا جانٌّ. يُقالُ منه: ما طمَث هذا البعيرَ حبلٌ قطُّ، أي: ما [مسَّه حبلٌ]

(4)

.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيِّين

(5)

يقولُ: الطمثُ هو النكاحُ بالتَّدْمِيةِ. ويقولُ: الطَّمثُ هو الدمُ. ويقولُ: يقالُ: طمَثها، إذا دمَّاها بالنكاحِ.

وإنما عنَى في هذا الموضعِ بذلك أنه لم يُجامِعْهن إنسٌ قبلَهم ولا جانٌّ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (392) من طريق سعيد به، وعزاه ابن القيم في حادي الأرواح ص 169 إلى سعيد بن منصور في تفسيره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 7/ 453، وابن كثير في تفسيره 7/ 479.

(3)

بعده في الأصل: "قبلهم ولا جان".

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"مشطه حبل قط".

(5)

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 119، وينظر تهذيب اللغة 13/ 316.

ص: 246

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} . يقولُ: لم يُدْمِهِنَّ

(1)

إِنسٌ ولا جانٌّ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن عليٍّ:{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} . قال: [مذ خُلِقن]

(3)

.

حدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ، عن مغيرةَ بنِ مسلمٍ، عن عكرِمةَ، قال: لا تَقُلِ المرأةُ: إني طامثٌ؛ فإنَّ الطَّمْثَ هو الجماعُ، وإنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يقولُ:{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}

(4)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} . قال: لم يَمَسَّهن شيءٌ؛ إنسٌ ولا غيرُه

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَمْ يُطمِثْهُنَّ} . قال: لم يَمَسَّهن

(6)

.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ

(7)

، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عاصمٍ،

(1)

في ت 1: "يدميهن"، وفي ت 2:"يدمنهن"، وفي الإتقان:"يدني منهن".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - والبيهقي في البعث والنشور (377) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى ابن المنذر.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"منذ خلقهن".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى المصنف وابن المنذر.

(5)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 479.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(7)

في الأصل: "الأيلي".

ص: 247

قال: قلتُ لأبي العاليةِ: امرأةٌ طامثٌ. قال: ما طامثٌ؟ فقال رجلٌ: حائضٌ. فقال أبو العاليةِ: حائضٌ

(1)

؟! أليس يقولُ اللَّهُ عز وجل: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} ؟

فإن قال قائلٌ: وهل يُجامِعُ النساءَ الجنُّ فيقالَ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} ؟

فإن مجاهدًا رُوِي عنه ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَعْلَى الأسلميُّ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: إذا جامَع الرجلُ ولم يُسَمِّ، انطوَى الجانُّ على إحليله فجامَع معه، فذلك قولُه:{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}

(2)

.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ يَنْتَزِعُ بهذه الآيةِ في أن الجنَّ يَدْخُلون

(3)

الجنةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو حُمَيدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمصيُّ، قال: ثنى أبو حيوةَ شريحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ، قال: ثنى أرطاةُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ ضَمْرةَ

(4)

بنَ حبيبٍ: هل للجنِّ من ثوابٍ؟ قال: نعم. ثم نزَع بهذه الآيةِ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} . فالإنسياتُ

(5)

للإنسِ، والجنِّياتُ للجنِّ

(6)

.

(1)

سقط من: الأصل، ت 3.

(2)

ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ص 170، والحافظ في الفتح 9/ 229، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.

(3)

بعده في ت 1: "قبلهم".

(4)

في ت 2، ت 3:"حمزة".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فالإنسان".

(6)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (1162) من طريق أرطاة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى ابن المنذر.

ص: 248

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ آلاءِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ، من هذه النعمِ التي أنعَمها على أهلِ طاعتِه - تُكذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: كأن هؤلاء القاصراتِ الطرفِ اللواتي هنَّ في هاتيْنِ الجنتَيْن في صفائِهنَّ الياقوتُ الذي يُرَى السلكُ الذي فيه من ورائِه، فكذلك يُرَى مخُّ سوقِهن من وراءِ أجسامِهن - وفي حُسنِهن

(1)

المرجانُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقال به أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك والأثرِ الذي رُوِي عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

حدَّثني محمدُ بنُ حاتمٍ المُؤدِّبُ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ

(2)

حُمَيدٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"إن المرأةَ من أهلِ الجنةِ ليُرَى بياضُ ساقِها من وراءِ سبعينَ حلةً من حريرٍ، ومخُّها، وذلك أن اللَّهَ يقولُ: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}. فأما الياقوتُ فإنَّك لو أدخَلْتَ فيه سِلْكًا ثم استَصْفَيْتَه لرأيتَه من ورائِه"

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الياقوت و".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن". ينظر تهذيب الكمال 19/ 256.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 7/ 479 - من طريق محمد بن حاتم به، وأخرجه هناد في الزهد (11)، والترمذي (2533)، وابن حبان (7396) وأبو الشيخ في العظمة (586)، من طريق عبيدة بن حميد به.

ص: 249

عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: إن المرأةَ من نساءِ أهلِ الجنةِ لتَلْبَسُ سبعين حلةً من حريرٍ، يُرَى بياضُ ساقِها وحسنُ ساقِها من ورائِها، ذلكم بأن اللَّهَ يقولُ:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . ألَا وإنما الياقوتُ حجرٌ، فلو جعَلت فيه سلكًا ثم استَصْفَيْته لنظَرتَ إلى السلكِ من وراءِ الحجرِ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . [قال: صفاءُ الياقوتِ]

(2)

في بياضِ المرجانِ

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ أن المرأةَ

(4)

من أهلِ الجنةِ لتلْبَسُ سبعين حلةً من حريرٍ، فيُرَى بياضُ ساقِها وحسنُه، ومخُّ ساقِها من وراءِ ذلك، وذلك لأن اللَّهَ قال:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . ألَا ترَى أن الياقوتَ حجرٌ، فإذا أدخَلت فيه سلكًا، رأيتَ السلكَ من وراءِ الحجرِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: إن المرأةَ من الحورِ العينِ لتَلْبَسُ سبعين حلةً، فيُرَى مخُّ ساقِها كما يُرَى الشرابُ الأحمرُ في الزجاجةِ البيضاءِ

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 107، وهناد في الزهد (10)، والترمذي (2534) من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 147 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في الأصل: "امرأة".

(5)

أخرجه هناد في الزهد (12) من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (260 - زيادات نعيم)، وعبد الرزاق في مصنفه (20867)، والطبراني (8864) من طريق أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قوله.

ص: 250

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا المطلبُ بنُ زيادٍ، عن السديِّ في قولِه:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . قال: صفاءُ الياقوتِ وحسنُ المرجانِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . قال: صفاءُ الياقوتِ في بياضِ المرجانِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "مَن دخَل الجنةَ فله فيها زوجتان، يُرَى مخُّ سُوقِهما من وراءِ ثيابِهما".

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . [قال: شبَّه بهن صفاءَ الياقوتِ في بياضِ المرجان.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} ]

(2)

: في صفاءِ الياقوتِ وبياضِ اللؤلؤِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَأَنَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ} . قال: كأنهن الياقوتُ في الصفاءِ، والمرجانُ في [البياضِ؛ الصفاءُ صفاءُ الياقوتةِ، والبياضُ]

(4)

بياضُ اللؤلؤِ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . قال: في صفاءِ الياقوتِ وبياضِ المرجانِ.

وقولُه: {فَبِأَيِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكره: فبأيِّ نعمِ ربِّكما

(1)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (408) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي وأبي صالح.

(2)

سقط من: ت 1، ت 3.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"المرجان".

والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 265 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 148 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 479.

ص: 251

التي أنعَم عليكم معشرَ الثَّقلينِ؛ من إثابتِه أهلَ طاعتِه منكم بما وصَف في هذه الآياتِ - تُكَذِّبان؟

وقولُه: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هل ثوابُ خوفِ مقامِ اللَّهِ لمن خافه، فأحسَن في الدنيا عملَه وأطَاع ربَّه، إلا أن يُحْسِنَ إليه في الآخرةِ ربُّه؛ بأن يُجازِيَه على إحسانِه ذلك في الدنيا ما وصَف في هذه الآياتِ من قولِه:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]. إلى قولِه: {كَأَنهنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم بالعبارةِ عنه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} . قال: عمِلوا خيرًا فجُوزوا

(1)

خيرًا

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو

(3)

، قال: ثنا عبيدةُ بنُ بكارٍ الأزديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جابرٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ المنكدرِ يقولُ في قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} . قال: هل جزاءُ مَن أنعمتُ عليه بالإسلامِ إلا الجنةُ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} . قال: ألا تراه ذكَرهم وذكَر منازلَهم وأزواجَهم والأنهارَ التي أعدَّها لهم، ثم قال: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا

(1)

في ت 2، ت 3:"فجزوا".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 149 إلى المصنف.

(3)

بعده في الأصل: "بن علي".

(4)

أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (148) من طريق محمد بن عمرو به.

ص: 252

الْإِحْسَانُ}: حينَ أحسَنوا في هذه الدنيا، أحسَنَّا إليهم؛ أدخَلْناهم الجنةَ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سالمِ بنِ أبي حفصةَ، عن أبي يَعْلَى، عن محمدِ ابنِ الحنفيةِ:{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} . قال: هي مُسْجَلةٌ

(1)

للبَرِّ والفاجرِ

(2)

.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَم عليكم؛ من إثابتِه المحسنَ منكم بإحسانِه - تُكَذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ومن دونِ هاتين الجنتَينِ اللتين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهما؛ اللتين ذكَر أنهما لمن خاف مقامَ ربِّه - جنتان

(3)

.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {وَمِنْ دُونِهِمَا} . في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومن دونِهما في الدَّرَجِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا

(1)

أي: هي مرسلة مطلقة في الإحسان إلى كل أحد، برًّا كان أو فاجرًا، والمُسْجَل: المال المبذول. النهاية 2/ 344.

(2)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (130)، والبيهقي في الشعب (9153) من طريق سفيان به، وأخرجه البيهقي في الشعب (9152) من طريق سالم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 149 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سقط من: الأصل.

ص: 253

عمرُو بنُ أبي قيسٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن المنهالِ بنِ عمرِو، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]. قال: كان عرشُ اللَّهِ على الماءِ، ثم اتَّخَذ لنفسِه جنةً، ثم اتَّخَذ دونَها أُخْرَى، ثم أطبَقهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ، قال:{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} . قال: وهي التي لا تُعْلَمُ. أو قال: وهما التي {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]. قال: وهي التي لا تَعْلَمُ الخلائقُ ما فيها - أو ما فيهما - يَأْتِيهم كلَّ يومٍ منها - أو منهما - تحفَةٌ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن عنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ بنحوِه

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من

(3)

دونِهما في الفضلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} : هما أدنى

(4)

من هاتين، لأصحابِ اليمينِ.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَمَ عليكم؛ بإثابتِه أهلَ الإحسانِ ما وصَف من هاتينِ الجنتينِ - تُكَذِّبان؟

وقولُه: {مُدْهَامَّتَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: مُسْوَدَّتان من شدةِ خُضْرَتِهما.

(1)

تقدم تخريجه في 12/ 333.

(2)

تقدم تخريجه في 18/ 620.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ومن".

(4)

في الأصل: "إذا".

ص: 254

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{مُدْهَامَّتَانِ} . يقولُ: خَضْرَاوان

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: خَضْرَاوان من الرِّيِّ. ويُقالُ: ملتَفَّتان

(2)

.

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن جاريةَ

(3)

بنِ سليمانَ

(4)

المُسْليِّ

(5)

، قال: سمعتُ ابنَ الزبيرِ وهو يُفَسِّرُ هذه الآيةَ على المنبرِ، ويقولُ: هل تَدْرون ما: {مُدْهَامَّتَانِ} ؟ خَضْرَاوان من الرِّيِّ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن حارثةَ

(6)

بنِ سليمانَ - هكذا قال -: قال ابنُ الزبيرِ:

(1)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (308) من طريق أبي صالح به.

(2)

أخرجه البيهقي البعث والنشور (307) من طريق محمد بن سعد به مطولًا، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1531) من طريق عطية العوفي به.

(3)

في النسخ، ومصنف ابن أبي شيبة 13/ 131:"حارثة". والمثبت من التاريخ الكبير 2/ 238، والزهد لهناد (41)، والجرح والتعديل 2/ 520.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، والزهد:"سليم". وذكر البخاري في الموضع السابق أن الذي قال: سليم. إنما هو وكيع. وقال البخاري: وقال عبدة: سليمان، عن جارية.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2:"السلمي". وينظر الأنساب 5/ 297.

(6)

أثبتناه في هذا الموضع هكذا؛ لقول المصنف في هذا الإسناد: هكذا قال.

ص: 255

{مُدْهَامَّتَانِ} : خَضْرَاوان من الرِّيِّ.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن جاريةَ

(1)

بنِ سليمانَ، أن ابنَ الزبيرِ قال:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: هما خَضْرَاوان من الرِّيِّ

(2)

.

حدَّثنا الفضلُ بنُ الصباحِ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: خَضْرَاوان

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: خَضْرَاوان من الرِّيِّ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: خَضْرَاوان من الرِّيِّ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن عنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: علاهما [من الرِّيِّ]

(6)

السوادُ والخضرةُ.

(1)

في النسخ: "حارثة"، وينظر التعليق عليه في الصفحة السابقة.

(2)

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 2/ 283 من طريق مروان به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 13/ 131، وهناد في الزهد (41)، والبخاري في الموضع السابق عن وكيع - زاد ابن أبي شيبة: وعبدة -، عن إسماعيل به، وعند هناد والبخاري: جارية بن سليم، وعند ابن أبي شيبة: حارثة بن سليمان. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 149 إلى الفريابي وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 131، وهناد في الزهد (42)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 482 - من طريق ابن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 149 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 132 عن عبد الله بن إدريس به.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 149 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، "الري من".

ص: 256

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: خَضْرَاوان

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: مُسْودَّتان

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مُدْهَامَّتَانِ} . يقولُ: خَضْرَاوان من الرِّيِّ ناعمتان

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: خضراوان من الرَّيِّ، إذا اشْتدَّت الخضرةُ ضرَبت إلى السوادِ

(4)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: ناعمتان.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي

(5)

سنانٍ: {مُدْهَامَّتَانِ} . قال: مُسْوَدَّتان من الرِّيِّ

(6)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلِمَنْ

(1)

تفسير مجاهد ص 639 - ومن طريقه البيهقي في البعث (310) - من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 149 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير مجاهد ص 639 بنحوه، ومن طريقه الفريابي، وعبد بن حميد - كما في التغليق 3/ 505، 4/ 331 - والبيهقي في البعث والنشور (309).

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 266 عن معمر به.

(5)

في الأصل: "ابن أبي".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 132، وهناد في الزهد (43) من طريق أبي سنان، عن الضحاك.

ص: 257

خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]. قال: جنَّتا السابقين. فقرَأ حتى بلَغ: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} . ثم رجَع إلى أصحابِ اليمينِ فقال: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} . فذكَر فضلَهما وما فيهما، قال:{مُدْهَامَّتَانِ} : من الخضرةِ، من شدةِ خُضْرَتِهما حتى كادتا تكونان سَوْدَاوين.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مُدْهَامَّتَانِ} . قال: خَضْرَاوان.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم؛ بإثابتِه أهلَ الإحسانِ ما وصَف في هاتين الجنتين - تُكذبان؟

وقولُه: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين اللتين [مِن دونِ الجنَّتين اللتين]

(1)

هما لمن خاف مقامَ ربِّه - عينان [من ماءٍ]

(2)

{نَضَّاخَتَانِ} . يعني: فوَّارتان.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي تَنْضَخان به؛ فقال بعضُهم: تَنْضَخان بالماءِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . قال: فيّاضتان

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

(1)

سقط من: الأصل، وفي ص، ت 1، ت 2، ت 3:"من دون الجنتين".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه هناد في الزهد (97).

ص: 258

{نَضَّاخَتَانِ} . قال: تَنْضَخان بالماءِ.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . يقولُ: فيَّاضتان

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك أنهما مُمْتَلِئَتان.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . قال: مُمْتَلِئَتَان لا تَنْقَطِعان

(2)

.

وقال آخرون: تَنْضَخان بالماءِ

(3)

والفاكهةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . قال: بالماءِ والفاكهةِ

(4)

.

وقال آخرون: نَضَّاخَتان بألوانِ الفاكهةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ:{فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . قال: نضَّاختان بألوانِ الفاكهةِ

(5)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 3:"نضاختان بالماء"، وفي ت 2:"بالماء".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - والبيهقي في البعث والنشور (308) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 150 إلى ابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 482.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الماء".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 133 - وعنه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (71) - عن يحيى بن يمان به.

(5)

أخرجه الحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (1535)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 287 من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 150 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 259

وقال آخرون: نَضَّاخَتان بالخيرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} . يقولُ: نَضَّاختان بالخيرِ

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بذلك أنهما تَنْضَخان بالماءِ؛ [لأن ذلك]

(2)

المعروفُ [من العيونِ]

(3)

إذا

(4)

كانت عيونَ ماءٍ.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم؛ بإثابتِه مُحْسِنَكم هذا الثوابَ الجزيلَ - تُكَذِّبانِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين المدهامَّتَين

(5)

فاكهةٌ ونخلٌ ورمانٌ.

وقد اختُلف في المعنى الذي من أجلِه أُعيدَ ذكرُ النخلِ والرمانِ؛ وقد ذُكِر قبلُ أن فيهما الفاكهةَ؛ فقال بعضُهم: أُعِيد ذلك لأن النخلَ والرمانَ ليسا من الفاكهةِ.

وقال آخرون: هما من الفاكهةِ. وقالوا: قلْنا: هما من الفاكهةِ؛ لأن العربَ تَجْعَلُهما من الفاكهةِ. قالوا: فإن قيل لنا: فكيف أُعيدا وقد مضَى ذكرُهما مع ذكرِ

(1)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (307) من طريق محمد بن سعد به مطولًا.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لأنه".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بالعيون".

(4)

في م: "إذ".

(5)

في الأصل: "المدهامتان".

ص: 260

سائرِ الفواكهِ؟ قلْنا: ذلك كقولِه: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]. فقد أمرَهم بالمحافظةِ على كلِّ صلاةٍ، ثم أعاد العصرَ تشديدًا لها، كذلك أُعِيدَ النخلُ والرمَّانُ ترغيبًا لأهلِ الجنةِ. وقالوا: وذلك كقولِه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} . ثم قال: {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18]. وقد ذكَرهم في أوَّلِ الكلمةِ في قولِه: {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} .

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: نخلُ الجنةِ جذوعُها من ذهبٍ، وعروقُها من ذهبٍ، وكرانيفُها

(1)

من زُمُرُّدٍ، وسعفُها كسْوَةٌ لأهلِ الجنةِ، ورطبُها كالدلاءِ، أشدُّ بياضًا من اللبنِ، وألينُ من الزُّبدِ، وأحلَى من العسلِ، ليس له عَجَمٌ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن وهبٍ الذِّمَارِيِّ، قال: بلَغنا أن في الجنةِ نخلًا؛ جذوعُها من ذهبٍ، وكرانيفُها من ذهبٍ، وجريدُها من ذهبٍ، وسعفُها كسْوَةٌ لأهلِ الجنةِ، كأحسنِ حُللٍ رآها الناسُ قطُّ، وشماريخُها

(3)

من ذهبٍ، وعراجينُها

(4)

من ذهبٍ، وثفاريقُها

(5)

من ذهبٍ، ورُطَبُها أَمثالُ القِلالِ، أشدُّ بياضًا من اللبنِ والفضةِ، وأحلَى من العسلِ والسكرِ، وألينُ من السمنِ والزبدِ

(6)

.

(1)

في الأصل: "كرافيها": والكرانيف جمع كرنافة، وهي أصل السعفة الغليظة. النهاية 4/ 168.

(2)

العجم: النوى. ينظر اللسان (ع ج م).

والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 266 عن معمر به.

(3)

الشماريخ جمع شمراخ، وهو غصن العذق. النهاية 2/ 500.

(4)

العراجين جمع عرجون، وهو ما يحمل التمر. الوسيط (عرجن).

(5)

الثفاريق جمع تفروق، وهو شعبة من شمراخ العذق. النهاية 1/ 215.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 267 عن معمر، عن زيد بن أسلم قوله.

ص: 261

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَمها عليكم بهذه الكرامةِ التي أكرَم بها مُحْسِنَكم - تُكَذِّبان؟

وقولُه: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الجنانِ الأربعِ اللواتي اثنتان منهن لمن خاف مقامَ ربِّه، والأُخْرَيان من دونِهما المدهامَّتان - خَيْراتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} . يقولُ: في هذه الجنانِ

(1)

خَيْراتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} . قال: خَيراتٌ في الأخلاقِ، حِسانٌ في الوجوهِ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} . قال: الخيراتُ الحِسانُ الحورُ العِينُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} . قال: خَيْراتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بزَّةَ، عن أبي عبيدةَ

(3)

، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ:{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} . قال: في كلِّ خَيْمةٍ زوجةٌ

(4)

.

(1)

في الأصل: "الجنة".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 266 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 150 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عبيد".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 133، وسقط منه ذكر مسروق، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (320) من طريق وكيع به بنحوه.

ص: 262

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ الدمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هشامٍ

(1)

، عن ابنِ أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَخْبِرْني عن قولِه:{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} . قال: "خَيْرَاتُ الأخلاقِ، حِسانُ الوجوهِ"

(2)

.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم بما ذكَر - تُكَذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن هؤلاء الخَيْراتِ الحسانِ: {حُورٌ} . يعني بقولِه: {حُورٌ} : بيضٌ. وهي

(3)

جَمْعُ حوراءَ. والحوراءُ: البيضاءُ.

وقد بيَّنا معنى الحورِ فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ

(4)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا عبيدُ

(5)

اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ،

(1)

في م، ت 1:"هاشم". ينظر تهذيب الكمال 22/ 278.

(2)

أخرجه الطبراني 23/ 367 (870) من طريق عمرو بن هشام به مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 150 إلى ابن مردويه مطولًا.

(3)

في الأصل: "هو".

(4)

ينظر ما تقدم في 21/ 65، 66.

(5)

في الأصل: "عبد". وينظر تهذيب الكمال 19/ 164.

ص: 263

عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ:{حُورٌ} . قال: بيضٌ

(1)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، [عن ابنِ عباسٍ]

(2)

، {حُورٌ}. قال: بِيضٌ

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{حُورٌ} . قال: النساءُ

(4)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {حُورٌ} . الحوراءُ: العَيْناءُ الحسناءُ.

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: الحَوَرُ: سوادٌ في بياضٍ]

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{حُورٌ} . قال: الحورُ: البِيضُ؛ قلوبُهم وأنفسُهم وأبصارُهم.

وأما قولُه: {مَقْصُورَاتٌ} . فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إنهن قُصِرن على أزواجِهن، فلا يَبْغِين بهم بدلًا، ولا يَرْفَعن أطرافَهن إلى غيرِهم من الرجالِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا عبيدُ

(6)

اللَّهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي

(1)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (395) من طريق إسرائيل به مطولًا.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

أخرجه هناد في الزهد (17) عن وكيع به.

(5)

سقط من: الأصل.

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 130 عن وكيع به.

(6)

في الأصل: "عبد".

ص: 264

يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، قال:{مَقْصُورَاتٌ} . قال: قُصِر طرفُهن وأنفسُهن على أزواجِهن.

[حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {مَقْصُورَاتٌ}. قال: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم]

(1)

.

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن]

(2)

سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: قُصِرت أنفسُهن وأبصارُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ وابنُ اليمانِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{مَقْصُورَاتٌ} . قال: قصَرْنَ أنفسَهن وقلوبَهن وأبصارَهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم

(4)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ

(5)

: {مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم.

(1)

سقط من: الأصل.

والأثر أخرجه هناد في الزهد (17) عن وكيع.

(2)

في الأصل: "حدثنا أبو هشام قال حدثنا وكيع قال ثنا".

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 483.

(4)

بعده في الأصل: "حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عمرو عن منصور عن مجاهد في قوله: مقصورات. قال: قصرن أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم".

والأثر أخرجه هناد في الزهد (16) من طريق منصور به.

(5)

في الأصل: "عامر قوله".

ص: 265

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مَقْصُورَاتٌ} . قال: مقصوراتٌ على أزواجِهن، فلا يُرْدِنَ غيرَهم.

وقال آخرون: عُنِي بذلك أنهنَّ محبوساتٌ في الحِجالِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: محبوساتٌ في الخيامِ

(1)

.

حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ

(2)

، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بمثلِه.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن إسرائيلَ، [عن مسلمٍ]

(3)

، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ:{مَقْصُورَاتٌ} . قال: محبوساتٌ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: أخبَرنا أبو معشرٍ السنديُّ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: محبوساتٌ في الحِجالِ

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مَقْصُورَاتٌ} . قال: لا يَبْرَحْنَ الخِيامَ

(6)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 13/ 135 عن يحيى بن اليمان به.

(2)

في الأصل: "المروزي". وتقدم في 1/ 508، 7/ 708.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 135، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (334) من طريق ابن يمان به.

(6)

تفسير مجاهد ص 639 بنحوه.

ص: 266

حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا عثَّامُ بنُ عليٍّ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: عذارَى الجنةِ

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا عثَّامُ

(2)

بنُ عليٍّ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ مثلَه.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مَقْصُورَاتٌ} : المحبوساتُ في الخيامِ لَا يَخْرُجْنَ منها

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: محبوساتٌ، ليس بطوَّافاتٍ في الطرقِ

(4)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن اللَّهَ وصَفهن بأنهن حورٌ مقصوراتٌ في الخيامِ. والقَصْرُ هو الحبسُ، ولم يَخصُصِ اللَّهُ وصفَهن بأنهنَّ محبوساتٌ على معنًى من المعنيين اللذين ذكَرْنا دونَ الآخرِ، بل عمَّ وصفَهن بذلك. والصوابُ أن يُعَمَّ الخبرُ عنهن بأنهن مقصوراتٌ في الخيامِ على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم، كما عمَّ ذلك جلَّ ثناؤُه.

وقولُه: {فِي الْخِيَامِ} . يعني بالخيامِ البيوتَ. وقد تُسَمِّي العربُ هوادجَ النساءِ خيامًا، ومنه قولُ لبيدٍ

(5)

:

شاقَتك ظُعْنُ الحيِّ يومَ تَحمَّلوا

فتكنَّسوا قُطُنَّا تَصِرُّ خِيَامُها

وأما في هذه الآيةِ فإنه عُنِي بها البيوتُ.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 134، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (319) من طريق عثام به، كما أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 133 من طريق إسماعيل به.

(2)

في الأصل: "عثمان".

(3)

أخرجه هناد في الزهد (15)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (330) من طريق جويبر عن الضحاك.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

شرح ديوانه ص 300.

ص: 267

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ

(1)

سعيدٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبدُ الملكِ بنُ ميسرةَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: الدرِّ المجوَّفِ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.

حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ

(3)

، عن هشامٍ، عن محمدٍ، عن ابنِ عباسٍ

(4)

في قولِه: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: الخيمةُ. لؤلؤةٌ واحدةٌ، أربعةُ فراسخَ في أربعةِ فراسخَ، لها أربعةُ آلافِ مِصراعٍ من ذهبٍ

(5)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ:{فِي الْخِيَامِ} . قال: بيوتِ اللؤلؤِ

(6)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا إدريسُ الأَوْدِيُّ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن أبي الأحوصِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: أَتَدرون ما {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} ؟ الخيامُ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن".

(2)

أخرجه مسدد - كما في المطالب (4132) - عن يحيى بن سعيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 134 من طريق شعبة به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (71) من طريق عبد الملك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "عياش". ينظر تهذيب الكمال 23/ 281.

(4)

في الأصل: "عياش".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 484 - من طريق هشام به.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 268

درٌّ مجوَّفٌ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا مسعرٌ، [عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ، عن أبي الأحوصِ في قولِه:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: درٌّ مجوَّفٌ

(2)

.

وبه عن أبي الأحوصِ، قال: الخيمةُ درةٌ مجوفةٌ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ مصراعٍ من ذهبٍ.

قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الخيمةُ في الجنةِ من دُرةٍ مجوَّفةٍ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ مصراعٍ

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ أبي يُحدِّثُ عن قتادةَ، عن خُليدٍ العَصَريِّ، قال: لقد ذُكِر لي أن الخيمةَ لؤلؤةٌ مجوفةٌ، لها سبعون مِصراعًا، كلُّ ذلك من درٍّ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال:{الْخِيَامِ} : درٌّ مجوَّفٌ.

قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الْخِيَامِ} : درٌّ مجوفٌ]

(5)

(6)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (247 - زيادات نعيم) عن مسعر به.

(3)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (249 - زيادات نعيم)، ومن طريقه ابن أبي شيبة 13/ 133، 134، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (328)، والبيهقي في البعث والنشور (333) - عن همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (250 - زيادات نعيم)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (327) من طريق سليمان عن أبي الدرداء قوله.

(5)

سقط من: الأصل.

(6)

في ص، ت 1:"مجوفة".

ص: 269

[حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ و [يعلَى، عن]

(1)

منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فِي الْخِيَامِ} . قال: الدرِّ المجوَّفِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فِي الْخِيَامِ} . قال: خيامِ درٍّ مجوَّفٍ.

قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن [حربِ بنِ بشيرٍ]

(3)

، عن عمرِو بنِ ميمونٍ]

(4)

، قال:{الْخِيَامِ} : درةٍ مجوَّفةٍ

(5)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ بنِ نُبَيطٍ، عن الضحاكِ، قال: الخيمةُ درةٌ مجوفةٌ

(6)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ اليمانِ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ:{فِي الْخِيَامِ} : في الحجالِ

(7)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ

(8)

اللَّهِ وابنُ اليمانِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{فِي الْخِيَامِ} . قال: في الحجالِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرِو بنِ

(9)

أبي قيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فِي الْخِيَامِ} . قال: خيامِ اللؤلؤِ

(10)

.

(1)

في ت 1: "يعلى بن"، وفي ت 3:"معلى عن".

(2)

أخرجه هناد في الزهد (17)، وابن أبي شيبة 13/ 136 عن وكيع به.

(3)

في ت 2: "حزم بن بشر".

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 135 من طريق سفيان به.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 136 عن وكيع به.

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 135 عن يحيى بن يمان به.

(8)

في الأصل: "عبد".

(9)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عن".

(10)

أخرجه هناد في الزهد (16)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (329)، والبيهقي في البعث =

ص: 270

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي الْخِيَامِ} : الخيامُ اللؤلؤُ والفضةُ، كما يقالُ واللَّهُ أعلمُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} : ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: الخيمةُ درةٌ مجوَّفةٌ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ بابٍ من ذهبٍ

(2)

.

وقال قتادةُ: كان يقالُ: مسكنُ المؤمنِ في الجنةِ، يسيرُ الراكبُ الجوادَ فيه ثلاثَ ليالٍ، وأنهارُه وجنانُه

(3)

وما أعدَّ اللَّهُ له من الكرامةِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الخيمةُ درةٌ واحدةٌ مجوفةٌ، فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعةُ آلافِ بابٍ من ذهبٍ

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: يقالُ: خيامُهم في الجنةِ من لؤلؤٍ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: الخيامُ الدرُّ المجوفُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ

(6)

بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال:

= والنشور (388) من طريق منصور به.

(1)

تفسير مجاهد ص 639.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 135 من طريق قتادة به بنحوه.

(3)

في ت 1: "خيراته".

(4)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (393) من طريق سعيد به بنحوه.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 267 عن معمر به.

(6)

في الأصل: "محمد".

ص: 271

أخبَرني عمارةُ، عن أبي مجلَزٍ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال في قولِ اللَّهِ عز وجل:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} . قال: "دُرٍّ مُجوَّفٍ"

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: كان ابنُ

(2)

مسعودٍ يُحدِّثُ عن نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هي الدرُّ المجوَّفُ". يعني الخيامَ، في قولِه:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فِي الْخِيَامِ} . قال: خيامِ اللؤلؤِ

(4)

.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكما؛ من إكرامِه مُحْسِنَكم هذه الكرامةَ - تُكَذِّبان؟

وقولُه: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لم يَمَسَّهن إنسٌ قبلَهم بنكاحٍ فيُدمِيَهُن، ولا جانٌّ.

وقرأَت قرأةُ الأمصارِ: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} بكسرِ الميمِ في هذا الموضعِ وفي الذي قبلَه. وكان الكسائيُّ يَكْسِرُ إحداهما ويَضُمُّ الأخرى

(5)

.

والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لأنها اللغةُ الفصيحةُ والكلامُ المشهورُ من كلامِ العربِ.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 134 من طريق شعبة به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (248 - زيادات نعيم) عن سعيد، عن عمارة دون ذكر أبي مجلز.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(4)

أخرجه هناد في الزهد (16)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (329)، والبيهقي في البعث والنشور (388) من طريق منصور به.

(5)

ينظر تفصيل ذلك في النشر 2/ 285، 286.

ص: 272

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما التي أنعَم عليكم بها مما وصَف - تُكَذِّبان؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: يَنْعَمُ هؤلاء الذين أكرَمهم جلَّ ثناؤُه هذه الكرامةَ التي وصَفها في هذه الآياتِ في الجنتين اللتين وصَفهما - {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} .

واختلف أهلُ التأويلِ في معنى الرفرفِ؛ فقال بعضُهم: هي رياضُ الجنةِ، وهي جمعٌ واحدتُها رفرفةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ]

(1)

، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال في هذه الآيةِ:{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: رياضِ الجنةِ

(2)

.

حدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو نوحٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال:[ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن]

(3)

سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: الرفرفُ رياضُ الجنةِ

(4)

.

(1)

سقط من: م، ت 1.

(2)

أخرجه الطيالسي - كما في تفسير ابن كثير 7/ 484 - عن شعبة به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (270 - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة 13/ 136، وهناد في الزهد (81)، =

ص: 273

وقال آخرون: هي المحابِسُ

(1)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ} . يقولُ: المحابسِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ} . قال: الرفرفُ فضولُ المحابسِ والبُسطِ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: هي البسُطُ. أهلُ المدينةِ يقولُون: هي البسُطُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن رجلٍ يُقالُ له: غزوانُ: {رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: فضولِ المحابسِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ

(4)

عنترةَ، عن

= وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (162)، وتفسير مجاهد ص 639، والبيهقي في البعث والنشور (340) من طريق هشيم به.

(1)

في ت 1: "المجالس". وفي التاج (ر ف ف) أن الرفرف: ثياب خضر تتخذ منها المحابس، والمحابس جمع محبس كمقعد: ثوب يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه، وينظر القاموس (ح ب س).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - والبيهقي في البعث والنشور (338) من طريق أبي صالح به - بلفظ المجالس - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 152 إلى ابن المنذر بلفظ المحابس.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 137، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (163) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 152 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في م: "عن". ينظر تهذيب الكمال 30/ 100.

ص: 274

أبيه، [عن ابنِ عباسٍ]

(1)

، قال: فضولُ الفُرُشِ والمحابسِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن غزوانَ

(3)

في قولِه: {رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: فضولِ المحابسِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ} . قال: الرفرفُ المحابسُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: محابِسَ خضرٍ

(4)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: هي المحابسُ

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ} . قال: الرفرفُ المحابِسُ.

وقال آخرون: بل هي المرافِقُ.

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 137 من طريق سفيان به.

(3)

في م: "مروان".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 267 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 152 إلى عبد بن حميد.

(5)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (269 - زيادات نعيم)، وسقط سنده، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 136، وهناد في الزهد (82)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (164) من طريق جويبر، عن الضحاك.

ص: 275

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: الرفرفُ مرافِقُ خُضرٌ

(1)

.

وأما العبقريُّ فإنها الطنافِسُ الثخانُ، وهي جمعٌ، واحدتُها عبقريةٌ. وقد ذُكِر عن العربِ أنها تُسَمِّي كلَّ شيءٍ من البسطِ عَبْقَرِيًّا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال: الزَّرَابِيِّ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال: العبقريُّ الزرابيُّ الحسانُ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه:{وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال: العبقريُّ عِتاقُ الزرابيِّ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: العبقريُّ الزرابيُّ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ:

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 484.

(2)

الزرابي: البسط، أو كل ما بُسط واتُّكِئ عليه. التاج (ز ر ب).

والأثر أخرجه البيهقي في البعث والنشور (338)، (347) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 152 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

تقدم أوله في ص 273.

ص: 276

{وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال: الزرابيِّ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال: زرابيَّ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال: العبقريُّ الطنافِسُ

(2)

.

وقال آخرون: العبقريُّ الديباجُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ:{وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} . قال: هو الديباجُ

(3)

.

والقرَأَةُ في جميعِ الأمصارِ على قراءةِ ذلك: {عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} بغيرِ ألفٍ في كِلا الحرفين. وذُكِر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خبرٌ غيرُ محفوظٍ، ولا صحيحِ السندِ:(على رفارِفٍ خُضْرٍ وعبَاقِرِيٍّ) بالألفِ والإجراءِ

(4)

. وذُكِر عن زهيرٍ الفُرقُبيِّ

(5)

أنه كان يَقْرَأُ: (على رَفارِفَ خُضْرٍ) بالألفِ وتركِ الإجراءِ،

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 267 عن معمر به.

(2)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 199.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 137، وهناد في الزهد (83) من طريق سفيان، عن رباح بن أبي معروف - ولم يسمه هناد - عن مجاهد.

(4)

أخرجه أبو عمر الدوري في جزء فيه قراءات النبي صلى الله عليه وسلم (114)، والبزار (3673)، والحاكم 2/ 250 من طريق عاصم الجحدري، عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الذهبي: منقطع، وعاصم لم يدرك أبا بكرة.

(5)

في الأصل، والفهرست ص 103:"القرقبي". وفي معجم البلدان 3/ 881: فُرْقُب، بضم أوله وسكون ثانيه وقاف وباء موحدة، موضع. قال الفراء: ينسب إليه زهير الفرقبي من أهل القرآن، وقال الأزهري: الفرقبية ثياب بيض من كتان، والقرقبية كذلك. وذكره في التاج (فرقب) وسماه زهير بن ميمون =

ص: 277

(وعَبَاقِرِيَّ حِسانٍ) بالألفِ أيضًا وبغيرِ إجراءٍ

(1)

. وأما "الرفارفُ" في هذه القراءةِ، فإنها قد تَحْتَمِلُ وجهَ الصوابِ. وأما "العباقريُّ"، فإنه لا وجهَ له في الصوابِ عندَ أهلِ العربيةِ؛ لأن ألفَ الجماعِ لا يكونُ بعدَها أربعةُ أحرفٍ، ولا ثلاثةٌ صِحاحٌ.

وأما القراءةُ الأولى التي ذُكِرت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلو كانت صحيحةً لوجَب أن تكونَ الكلِمتان غير مُجْراتين.

وقولُه: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما التي أنعَم عليكم؛ من إكرامِه أهلَ الطاعةِ منكم هذه الكرامةَ - تُكذِّبان؟

وقولُه: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: تبارَك ذكرُ ربِّك يا محمدُ، {ذِي الْجَلَالِ}. يعني: ذى العظمةِ، {وَالْإِكْرَامِ}. يعني: ومَن له الإكرامُ من جميعِ خلقِه.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} . يقولُ: ذو العظمةِ والكبرياءِ

(2)

.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الرحمنِ" عز وجل

= ثم قال: أو هو بقافين. وينظر تهذيب اللغة 9/ 418.

(1)

ينظر المحتسب 2/ 305، والبحر المحيط 8/ 199.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 46 - من طريق أبي صالح به.

ص: 278

‌تفسيرُ سورةِ "الواقعةِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6)} .

قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ تعالى: يعنِي تعالى ذكرُه بقولِه: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} : إذا نزَلت صيحةُ القيامةِ، وذلك حين يُنفَخُ في الصورِ لقيامِ الساعةِ.

كما حدِّثْت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} . يعني: الصيحةُ.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه

(1)

: {الْوَاقِعَةُ} و {الطَّامَّةُ} [النازعات: 34] و {الصَّاخَّةُ} [عبس: 33]، ونحوُ هذا: من أسماءِ يومِ

(2)

القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّر

(3)

عبادَه

(4)

.

وقولُه: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} . يقولُ تعالى: ليس لوقعةِ الواقعةِ تكذيبٌ ولا مردودةٌ

(5)

ولا مثنويةٌ

(6)

. والكاذبةُ في هذا الموضعِ مصدرٌ، مثلَ العاقبةِ والعافيةِ.

(1)

بعده في م: "إذا وقعت الواقعة".

(2)

سقط من: م، ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في م، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"حذره".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان - 2/ 55 من طريق أبي صالح به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 372 من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(5)

في م: "مردويه".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"مبتوتة".

ص: 279

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} : أي ليس لها مَثْنويةٌ، ولا رَجعةٌ، ولا ارتدادٌ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} . قال: مَثْنويةٌ

(2)

.

وقولُه: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: الواقعةُ حينَئذٍ خافضةٌ أقوامًا كانوا في الدنيا أعزاءَ إلى نارِ اللَّهِ، وقولُه:{رَافِعَةٌ} . يقولُ: رفَعتْ أقوامًا كانوا في الدنيا وُضعاءَ إلى رحمةِ اللَّهِ وجنَّتِه. وقيل: خفَضت فأَسْمَعت الأدنى ورفَعت فأسْمَعت الأقصى

(3)

.

ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلْنا

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني العَتَكِيَّ - عن عثمانَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سراقةَ قَولَه: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} . قال: الساعةُ خفَضت أعداءَ اللَّهِ إلى النارِ، ورفَعت أولياءَ اللَّهِ إلى الجنةِ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 488.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 269 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الأخفض".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح 8/ 626 - من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة عن عمر بن الخطاب قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن سراقة عن عمر قوله.

ص: 280

{خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} . يقولُ: عَلَتْ

(1)

كلَّ سهلٍ وجبلٍ حتى أسمَعت القريبَ والبعيدَ، ثم رفَعت أقوامًا في كرامةِ اللَّهِ، وخفَضت أقوامًا في عذابِ اللَّهِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{خَافِضَةٌ رَافِعَةُ} . قال: أسمَعت القريبَ والبعيدَ، خافضةٌ أقوامًا إلى عذابِ اللَّهِ، ورافعةٌ أقوامًا إلى كرامةِ اللَّهِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه:{خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} . قال: خفَضت فأسمَعتِ الأدنى، ورفَعت فأسمَعتِ الأقصى. قال: فكان القريبُ والبعيدُ من اللَّهِ سواءً (2).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} : قال: أسمَعتِ القريبَ والبعيدَ

(4)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} : خفَضت فأسمَعتِ الأدنى، ورفَعت فأسمَعتِ الأقصى، فكان فيها القريبُ والبعيدُ سواءً (2).

وقولُه: {إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إذا زُلزِلت الأرضُ

(1)

في الأصل، ص، ت 1:"تحلت"، وفي م:"تخللت"، وفي ت 2، ت 3:"تجلب". ولعل المثبت هو الصواب.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 489 بنحوه.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 269 عن معمر به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 153 إلى المصنف وابن مردويه.

ص: 281

فحُرِّكت تحريكًا، من قولِهم: السهمُ

(1)

يَرْتَجُّ في الغرضِ. بمعنى: يَهْتَزُّ ويَضْطَرِبُ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التاويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا} . يقولُ: زَلْزَلها

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَ اللَّهِ:{رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا} . قال: زُلْزِلت

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا} . يقولُ: إذا زُلْزِلت زلزلةً.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا} . قال: زُلزِلت زِلزالًا

(4)

.

وقولُه: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فُتَّتِ الجبالُ فَتًّا، فصارت كالدقيقِ المبسوسِ، وهو المبلولُ، كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل: 14]. والبَسيسةُ عندَ العربِ: الدقيقُ أو

(5)

السَّوِيقُ يُلَتُّ ويُتَّخَذُ زادًا.

وذُكِر عن لصٍّ من غَطَفانَ أنَّه أراد أن يَخْبِزَ، فخاف أن يُعَجَّلَ عن الخُبزِ، فبَلَّ

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 489 بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 640، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 269 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى عبد بن حميد.

(5)

سقط من: الأصل، وفي م:"و". وينظر اللسان (ب س س).

ص: 282

الدقيقَ وأكَله عجينًا، وقال

(1)

:

لا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّا بَسَّا

مَلْسًا بِذَوْدِ الْحَلَسِيِّ مَلْسا

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . يقولُ: فُتِّتتْ فتًّا

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . قال: فُتِّتَتْ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [عن منصورٍ]

(4)

، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . قال: كما يُبَسُّ السَّوِيقُ

(5)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ

(6)

العَدَنِيُّ، عن الحكمِ بنِ أبانٍ، عن عكرمةَ:{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . قال: [فُتَّت فَتًّا]

(7)

(8)

.

(1)

معاني القرآن للفراء 3/ 121، واللسان (م ل س).

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى المصنف وابن المنذر، وفي 6/ 154 إلى ابن أبي حاتم.

(3)

تفسير مجاهد ص 640، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 334 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

تفسير مجاهد ص 640 من طريق منصور به بلفظ: يلت السويق.

(6)

في الأصل: "شمر"، وفي ت 2، ت 3:"عمرو".

(7)

في الأصل، ص، ت 1، ت 3:"رفتت رفتا". وفي ت 2: "فتت".

(8)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 489.

ص: 283

حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى ابنِ بنتِ السديِّ، قال: ثنا بشرُ بنُ الحكمِ الأحمسيُّ، عن سعيدِ بنِ الصَّلتِ، عن إسماعيلَ، عن

(1)

السديِّ وأبي صالحٍ: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . قال: فُتِّتت

(2)

فتًّا.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . قال: كما يُبَسُّ السَّوِيقُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . قال: صارت كَثِيبًا مَهيلًا كما قال - جلَّ وعزَّ -

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} . قال: فُتَّت فتًّا.

وقولُه: {فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فكانت الجبالُ هباءً.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الهباءِ"؛ فقال بعضُهم: هو شعاعُ الشمسِ الذي يَدْخُلُ من الكَوَّةِ كهيئةِ الغبارِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} . يقولُ: شعاعُ الشمسِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ:{هَبَاءً مُنْبَثًّا} . قال: شعاعُ الشمسِ حينَ يَدْخُلُ من الكَوَّةِ.

(1)

في الأصل: "بن"، وسقط من: م.

(2)

في الأصل: "فتت".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 489.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 284

قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} . قال: شعاعُ الشمسِ يَدْخُلُ من الكَوَّةِ، وليس بشيءٍ

(1)

.

وقال آخرون: هو رَهْجُ الدَّوابِّ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ:{هَبَاءً مُنْبَثًّا} : قال: رَهْجُ الدَّوَابِّ

(2)

.

وقال آخرون: هو ما تَطَايَر من شررِ النارِ الذي لا عَيْنَ له.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} . قال: الهباءُ الذي يَطِيرُ من النارِ إذا اضطَرَمت، يَطيرُ منه الشررُ فإذا وقَع لم يَكُنْ شيئًا

(3)

.

وقال آخرون: هو يَبِيسُ الشجرِ تَذْرُوه الرياحُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} : كيَبِيسِ الشجرِ، تَذْرُوه الرياحُ يمينًا وشمالًا

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 269 عن الثوري به، وتفسير مجاهد ص 640 من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 154 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 153 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 285

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{هَبَاءً مُنْبَثًّا} . قال: الهباءُ: ما تَذْرُوه الريحُ من حُطامِ الشجرِ

(1)

.

وقد بيَّنا معنى "الهباءِ" في غيرِ هذا الموضعِ بشواهدِه

(2)

، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ.

وأما قولُه: {مُنْبَثًّا} . فإنه يَعْني: مُتَفَرِّقًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وكنتم أيُّها الناسُ أنواعًا ثلاثةً وضروبًا.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} . قال: منازلُ الناسِ يومَ القيامةِ

(3)

.

وقولُه: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} . وهذا بيانٌ من اللَّهِ عن الأزواجِ الثلاثةِ، يقولُ - جلَّ وعزَّ -: وكنتم أزواجًا ثلاثةً؛ أَصحابُ الميمنةِ وأصحابُ المشأمةِ والسابقون. فجعَل الخبرَ عنهم مُغْنِيًا عن البيانِ عنهم على الوجهِ الذي ذكَرْنا؛ لدلالةِ الكلامِ على معناه، فقال:{فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} . يُعَجِّبُ نبيَّه

(4)

منهم، فقال: وأصحابُ اليمينِ الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 269 عن معمر به.

(2)

ينظر ما تقدم في 17/ 431 وما بعدها.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 269 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"محمدا".

ص: 286

اليمينِ إلى الجنةِ، أيُّ شيءٍ أصحابُ اليمينِ!

{وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأصحابُ الشمالِ الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشمالِ إلى النارِ. والعربُ تُسَمِّي اليدَ اليُسْرَى: الشُّؤْمَى، ومنه قولُ أعشى بني ثعلبةَ

(1)

:

فأَنْحَى على شُؤْمَى يَدَيْهِ فَذَادها

بِأَظْمَأَ من فَرْعِ الذُّؤَابَةِ أَسْحَما

وقولُه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} . وهم الزوجُ الثالثُ، وهم الذين سبَقوا إلى الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه، وهم المهاجِرون الأوَّلون.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني: العَتَكِيُّ - عن عثمانَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سُراقةَ قولَه: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} . قال: اثنان في الجنةِ وواحدٌ في النارِ. يقولُ: الحورُ العينُ للسابِقين، والعُرُبُ الأترابُ لأصحابِ اليمينِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} . قال: منازلُ الناسِ يومَ القيامةِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} . قال

(3)

: {ثُلَّةٌ

(1)

ديوانه ص 295.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 490 عن عبيد الله العتكي به.

(3)

في م: "إلى".

ص: 287

مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 39، 40]. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " [سوَّى بينَ]

(1)

أصحابِ اليمينِ من الأممِ الماضيةِ

(2)

، وبينَ

(3)

أصحابِ اليمينِ من هذه الأمةِ، وكان السابِقون من الأممِ أكثرَ من سابِقي هذه الأمةِ"

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} . أي: ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} . ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}. أي: من كلِّ أمةٍ

(5)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعِتُ ابنَ زيدٍ يقولُ: وجدتُ الهَوَى ثلاثةَ أَثلاثٍ؛ فالمرءُ يَجْعَلُ هواه علمَه، فيُدالُ

(6)

هواه على علمِه، ويَقْهَرُ هواه

(7)

عِلمَه، حتى إن العلمَ مع الهوى قبيحٌ ذليلٌ، فالعلمُ ذليلٌ والهَوى غالبٌ قاهرٌ، [فهذا الذي]

(8)

قد جعَل الهوى والعلمَ في قلبِه، فهذا من أزواجِ النارِ، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا استفَاق واستَنْبَه فإذا هو عونٌ للعلمِ على الهوى، حتى يُدِيلَ اللَّهُ العلمَ على الهوى، فإذا حَسُنت حالُ المؤمنِ واستقامت طريقتُه، كان الهوى ذليلًا وكان العلمُ غالبًا قاهرًا، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا ختَم عملَه بإدالةِ العلمِ، فتوفَّاه اللَّهُ حينَ توفَّاه، وعلمُه هو القاهرُ وهو العاملُ به، وهواه الذليلُ القبيحُ ليس له في ذلك

(1)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"من"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.

(2)

في م: "السابقة".

(3)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"من"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، من قول الحسن.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

في م: "فيديل"، وفي ت 1:"فيدلل"، وفي ت 2، ت 3:"فيدلك".

(7)

بعده في الأصل: "على".

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فالذي".

ص: 288

نصيبٌ ولا فعلٌ، والثالثُ الذي قبَّح اللَّهُ هواه بعلمِه، فلا يَطْمَعُ هواه أن يَغْلِبَ العلمَ، ولا أن يَكُونَ [له مع العلمِ]

(1)

نِصْفٌ ولا نَصيبٌ، فهذا الثالثُ، وهو خيرُهم كلِّهم، وهو الذي قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه في صورةِ الواقعةِ:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} . قال: فزَوْجان في الجنةِ، وزَوْجٌ في النارِ. قال: فالسابقُ الذي يَكُونُ العلمُ غالبًا للهوَى، والآخرُ الذي ختَم اللَّهُ له

(2)

بإدالةِ العلمِ على الهوَى. فهذان زَوْجانِ في الجنةِ، والآخرُ هواه قاهرٌ لعلمِه، فهذا زوجُ النارِ.

واختلَف أهلُ العربيةِ في رفعِ

(3)

"أصحابِ الميمنةِ وأصحابِ المشأمةِ"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: خبرُ قولِه: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} ، [وخبرُ قولِه]

(4)

: {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} . قال: ويَقُولُ: زَيدٌ ما زَيدٌ! يُرِيدُ: زَيدٌ شديدٌ. وقال غيرُه: قولُه: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} لا تكونُ الجملةُ خبرَه، ولكن الثاني عائدٌ على الأوَّلِ، وهو تَعَجُّبٌ، فكأنه قال: أصحابُ الميمنةِ ما هم! والقارعةُ ما هي! والحاقةُ ما هي! فكان الثاني عائدَ الأولِ، وكان تعجُّبًا، والتعجبُ بمعنى الخبرِ، ولو كان استفهامًا لم يَجُزْ أن يكونَ خبرًا للابتداءِ؛ لأن الاستفهامَ لا يكونُ خبرًا، والخبرُ لا يكونُ استفهامًا، والتعجبُ يكونُ خبرًا، فكان [خبرَ الابتداءِ]

(5)

. وقولُه: زيدٌ وما زيدٌ، لا يكونُ إِلَّا من كلامَيْنِ؛ لأنه لا تَدْخُلُ الواوُ في خبرِ الابتداءِ، كأنه قال: هذا زيدٌ وما هو: أي ما أشدَّه وما أعلمَه.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنِيِّين بقولِه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} ؛ فقال

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"له مع"، وفي م:"معه"، وفي ت 3:"له معه".

(2)

في الأصل: "به"، وسقط من: ص، م، ت 1، ت 2.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 3:"الرافع"، وفي ت 2:"الواقع".

(4)

سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"خبرًا للابتداء".

ص: 289

بعضُهم: هم الذين صلَّوا القبلَتَين

(1)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ

(2)

، عن خارجةَ، عن قُرَّةَ، عن ابنِ سيرينَ:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} : الذين صلَّوا القبلتين

(3)

.

وقال آخرون في ذلك ما

(4)

حدَّثني به عبدُ الكريمِ بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثنا عثمانُ بن أبي سودةَ، قال:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} : أوَّلُهم رواحًا إلى المساجدِ، وأسرَعُهم خفوقًا في سبيلِ اللَّهِ

(5)

.

والرفعُ في "السابقين" من وجهَيْنِ؛ أحدُهما: أن يكونَ الأولُ مرفوعًا بالثاني، ويكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: والسابقون الأوَّلون، كما يُقالُ: السابقُ الأولُ. والثاني: أن يكونَ مرفوعًا بقولِه: {أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} . [فيكونَ قولُه: {السَّابِقُونَ}

(6)

. الثانيةُ توكيدًا للأوَّلِ، تشديدًا له.

وقولُه: {أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} ]

(7)

. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أولئك الذين يُقَرِّبُهم اللَّهُ منه يومَ القيامةِ إذا أدخَلَهم الجنةَ.

(1)

في م، ت 1، ت 2:"للقبلتين".

(2)

بعده في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن سفيان"، وينظر ما تقدم في ص 86، وما سيأتي، في 30/ 151، 189.

(3)

في م: "للقبلتين". والأثر أخرجه ابن ماجه - كما في تفسير ابن كثير 7/ 491 - من طريق مهران به.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بما".

(5)

أخرجه هناد في الزهد (955) من طريق الأوزاعي أبي عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

في الأصل: "والسابقون".

(7)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 290

وقولُه: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} . يقولُ: في بساتينِ النعيمِ الدائمِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: جماعةٌ من الأممِ الماضيةِ.

وقليلٌ من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهم الآخِرون. وقيلَ لهم: الآخِرون، لأنهم آخرُ الأممِ، {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} .

يقولُ: فوقَ سُررٍ منسوجةٍ، قد

(1)

أُدْخِل بعضُها في بعضٍ، كما يُوضَنُ حَلَقُ الدرعِ بعضُها في

(2)

بعضٍ مُضاعَفةً، ومنه قولُ الأعشَى

(3)

:

ومِن نَسْجِ داودَ مَوْضُونةً

تُساقُ مع الحيِّ عِيرًا فعِيرَا

ومنه وضينُ الناقةِ، وهو البطانُ

(4)

من السيورِ إذا نُسِج بعضُه على بعضٍ مُضاعَفًا كالحلَقِ؛ حَلَقِ الدرعِ، وقيل: وضينٌ. وإنما هو موضونٌ، صُرِف من مفعولٍ إلى فعيلٍ، كما قيل: قَتِيلٌ. للمقتولِ، وحُكِي سماعًا من بعضِ العربِ: فإذا

(5)

الآجُرُّ موضونٌ بعضُه

(6)

على بعضٍ. يُرادُ: مُشَرَّجٌ صَفِيفٌ.

وقيل: إنما قيل لها: سُرُرٌ موضونةٌ، لأنها مُشَبَّكةٌ بالذهبِ والجوهرِ.

(1)

في الأصل: "فإذ".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فوق".

(3)

ديوانه ص 99.

(4)

في الأصل: "البطن".

(5)

في م: "أزيار".

(6)

في م: "بعضها".

ص: 291

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حصينٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ:{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . قال: مرْمولةٍ

(1)

بالذهبِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن مجاهدٍ:{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . قال: مَرْمولةٍ

(1)

بالذهبِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . قال: يَعْني الأسِرَّةَ المرَمَّلةَ

(4)

.

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حصينٍ، عن مجاهدٍ، قال: الموضونةُ المرَمَّلةُ

(4)

بالذهبِ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه:{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . قال: مُشَبَّكةٍ بالدرِّ والياقوتِ

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

في الأصل، ت 2، ت 3:"مزمولة". ورمل السرير والحصير يرمله رملا زينه بالجوهر ونحوه، اللسان (ر م ل).

(2)

أخرجه هناد في الزهد (77) من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 6/ 155 - ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (337، 346) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 139، وهناد في الزهد (76)، والبيهقي في البعث والنشور (336، 345) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى عبد بن حميد.

(4)

في الأصل، ت 2، ت 3:"المزملة".

(5)

زهد هناد (74).

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 495، وابن حجر في الفتح 6/ 322.

ص: 292

في قولِه: {مَوْضُونَةٍ} . قال: مَرْمولةٍ

(1)

بالذهبِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . قال: الموضونةُ: المرمولةُ

(3)

، وهي أَوْثَرُ السُّرُرِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو

(5)

هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مَوْضُونَةٍ} . قال: مَرْمولةٍ

(6)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، [عن قتادةَ]

(7)

في قولِه: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . قال: مُرَمَّلةٍ

(8)

مُشَبَّكةٍ

(9)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . الوضْنُ: التشبيكُ والنَّسجُ، يقولُ: وسطُها مُشَبَّكٌ مَنْسوجٌ

(10)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . قال: الموضونةُ المرمولةُ

(11)

بالجلدِ، ذاك الوضينُ، مَنْسوجةٌ.

(1)

في الأصل: "مزملة"، وفي ت 1، ت 2، ت 3:"مزمولة".

(2)

تفسير مجاهد ص 640.

(3)

في الأصل: "المزملة"، وفي ت 2، ت 3:"المزمولة".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

في الأصل: "ابن". وتقدم مرارًا.

(6)

في الأصل، ص، ت 2، ت 3:"مزمولة".

(7)

سقط من: ص، م، ت 1.

(8)

في الأصل: "مزمولة"، وفي ت 2، ت 3:"مزملة".

(9)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 270 عن معمر به.

(10)

عزاه ابن حجر في الفتح 6/ 322 إلى ابن أبي حاتم.

(11)

في الأصل، ت 2، ت 3:"المزمولة".

ص: 293

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنها مَصْفوفةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ} . يقولُ: مَصْفوفةٍ

(1)

.

وقولُه: {مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: مُتَّكِئين على السُّرُرِ الموضونةِ، مُتَقابِلين بوجوهِهم، لا يَنْظُرُ بعضُهم إلى قفا بعضٍ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47]. قال: لا يَنْظُرُ أحدُهم في قفا صاحبِه

(2)

.

وذُكِر أن ذلك في قراءةِ [ابنِ مسعودٍ]

(3)

: (مُتَّكئينَ عليها ناعمين)

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ، يعني ابنَ مسعودٍ:(متكئين عليها ناعمين)

(5)

.

وقد بيَّنا ذلك في غيرِ هذا الموضعِ، وذكَرْنا ما فيه من الروايةِ

(6)

.

وقولُه: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يَطوفُ على

(1)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (347) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى ابن المنذر.

(2)

تقدم تخريجه في 14/ 80.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عبد الله".

(4)

وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى المصنف.

(6)

ينظر ما تقدم في 14/ 80.

ص: 294

هؤلاءِ السابِقين الذين قرَّبهم اللَّهُ في جناتِ النعيمِ - [وِلْدانٌ مخلَّدون ثم

(1)

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {مُخَلَّدُونَ} ؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: أنهم]

(2)

وِلْدانٌ على سنٍّ واحدةٍ، لا يَتَغَيَّرون ولا يَمُوتون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مُخَلَّدُونَ} . قال: لا يَمُوتون

(3)

.

وقال آخرون: عُنِي بذلك أنهم مُقَرَّطون مُسَوَّرون.

والذي هو أولى بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معناه: إنهم لا يَتَغَيَّرون ولا يَمُوتون. لأن ذلك أظهرُ معنيَيْهِ، والعربُ تقولُ للرجلِ إذا كبِر ولم يَشْمَطْ: إنه لمخلَّدٌ. وإنما هو مُفَعَّلٌ من الخُلْدِ.

وقولُه: {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} . والأكوابُ جمعُ كوبٍ، وهو من الأباريقِ ما اتَّسَع رأسُه، ولم يَكُنْ له خرطومٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"و".

(2)

سقط من: م.

(3)

تفسير مجاهد ص 641، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 295

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{بِأَكْوَابٍ} . قال: الأكوابُ الجِرارُ من الفضةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا مؤمَّلٌ]

(2)

قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} . قال: الأباريقُ ما كان لها آذانٌ، والأكوابُ ما ليس لها آذانٌ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأكوابُ ليس لها آذانٌ

(4)

.

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئل الحسنُ عن الأكوابِ، قال: هي الأباريقُ التي يُصَبُّ لهم منها

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمعتُ أبي، قال: مرَّ أبو صالحٍ صاحبُ الكلبيِّ، قال: فقال أبي: قال [لي الحسنُ]

(6)

وأنا جالسٌ: سَلْه. فقلتُ: ما الأكوابُ؟ قال: جِرارُ الفضةِ المستديرةُ أفواهُها، والأباريقُ ذواتُ الخراطيمِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{بِأَكْوَابٍ} . قال: ليس لها عُرًى ولا آذانٌ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ

(7)

، عن قتادةَ قولَه: {بِأَكْوَابٍ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 22 إلى المصنف.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3. وتقدم مرارًا.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 570 من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه هناد في الزهد (69) من طريق سفيان به.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(6)

في الأصل: "أخي".

(7)

في الأصل: "سويد قال ثنا شعبة".

ص: 296

وَأَبَارِيقَ}. والأكوابُ التي يُغْتَرفُ بها ليست لها خراطيمُ، وهي أصغرُ من الأباريقِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} . قال: الأكوابُ التي دونَ الأباريقِ ليس لها عُرًى

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: الأكوابُ جرارٌ ليست لها عُرًى، وهي بالنبطية كوبا

(2)

.

وإياها عنى الأعشى بقولِه

(3)

:

صَرِيفِيَّةً طَيِّبًا طَعْمُها

لها زَبَدٌ بينَ كُوبٍ ودَنْ

وأما الأباريقُ فهي التي لها عُرًى.

وقولُه: {وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} . يقولُ: وكأسِ خمرٍ من شرابٍ معينٍ، ظاهرٍ للعيونِ، جارٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} . قال: الخمرُ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَكَأْسٍ مِنْ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 720 عن معمر به، وعزاه ابن حجر في الفتح 6/ 322 إلى عبد بن حميد.

(2)

في الأصل: "كوبتى"، وفي ص:"كوبار". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 22 إلى المصنف.

(3)

تقدم تخريجه في 20/ 644.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 297

مَعِينٍ}. أي: من خمرٍ جاريةٍ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} : الكأسُ: الخمرُ الجاريةُ

(1)

.

حدَّثنا أبو سنانٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} . قال: الخمرُ الجاريةُ.

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الضحاكُ: كلُّ كأسٍ في القرآنِ فهو خمرٌ]

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ نُبَيطٍ، عن الضحاكِ مثلَه.

وقولُه: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} . يقولُ: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم عن شُرْبِها فَتَسْكَرَ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى السديُّ، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} . قال: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم

(3)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

والأثر أخرجه هناد في الزهد (72) من طريق سلمة بن نبيط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 274 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. وينظر ما تقدم في 19/ 531.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 139، والحسين المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك (1480) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 298

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} : ليس لها وجعُ رأسٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ:{لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} . قال: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} . يقولُ: لا تُصَدَّعُ رءوسُهم

(2)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} . يعني وجَعَ الرأسِ.

وقولُه: {وَلَا يُنْزِفُونَ} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (يُنْزَفُونَ) بفتحِ الزايِ

(3)

، ووجَّهوا ذلك إلى أنه لا تُنْزَفُ عقولُهم. وقرَأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ:{وَلَا يُنْزِفُونَ} بكسرِ الزايِ

(4)

، بمعنى: ولا يَنْفَدُ شرابُهم.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مَعْروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ فيها الصوابَ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، على نحوِ اختلافِ القرَأةِ

(5)

فيه، وقد ذكَرْنا اختلافَ أقوالِهم في ذلك، وقد بيَّنا الصوابَ من القولِ فيه في سورةِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 496.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 139 من طريق حصين عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 547.

(4)

هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

(5)

في الأصل: "قراءة القرأة".

ص: 299

"الصافاتِ"

(1)

، فأغنَى ذلك، عن إعادتِه في هذا الموضِعِ، غيرَ أنَّا سنَذْكُرُ قولَ بعضِهم في هذا الموضعِ؛ لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أن معناه في هذا الموضعِ مخالفٌ معناه هنالك.

ذكرُ قولِ مَن قال منهم معناه: لا تُنزَفُ عقولُهم

حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ:{وَلَا يُنْزِفُونَ} . قال: لا تُنْزَفُ عقولُهم

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا يُنْزِفُونَ} . قال: لا تُنْزَفُ عقولُهم

(3)

.

وحدَّثنا به ابنُ حميدٍ مرةً أخرى فقال: ولا تَذْهَبُ عقولُهم.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ، ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَا يُنْزِفُونَ} . يقولُ: لا تُنْزَفُ عقولُهم.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47]. قال: [لا تغْلِبُهم على عقولِهم]

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ:

(1)

ينظر ما تقدم في 19/ 535.

(2)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (1480)، وابن أبي شيبة 13/ 139، والبغوي في الجعديات (2209)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 284 من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 155 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه هناد في الزهد (73) من طريق سفيان عن رجل عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 274 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لا يغلب على أحد على عقله". وينظر ما تقدم في 19/ 536.

ص: 300

{وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} . قال: لا تَغْلِبُ على عقولِهم.

وقولُه: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويطوفُ هؤلاء الولدانُ المخلدون على هؤلاء السابقينَ بفاكهةٍ من الفواكهِ التي يَتَخَيَّرونها من الجنةِ لأنفسِهم، وتَشْتَهِيها نفوسُهم.

{وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} . يقولُ: ويَطوفون أيضًا عليهم بلحمِ طيرٍ

(1)

من الطيرِ [التي تَشْتَهيها]

(2)

نفوسُهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)} .

اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: {وَحُورٌ عِينٌ} ؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ وبعضُ المدنيين: (وحُورٍ عِينٍ). بالخفضِ

(3)

، إتباعًا لإعرابِها إعرابَ ما قبلَها من الفاكهةِ واللحمِ، وإن كان ذلك مما لا يُطافُ به، ولكن لمَّا كان معروفًا معناه المرادُ

(4)

أُتبِع الآخرُ الأولَ في الإعرابِ، كما قال بعضُ الشعراءِ

(5)

:

إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يومًا

وزَجَّجنَ الحواجبَ والعُيُونَا

فالعيونُ تُكَحَّلُ ولا تُزَجَّجُ

(6)

، فرَدَّها في الإعرابِ على الحواجبِ؛ لمعرفةِ السامعِ لمعنى ذلك، وكما قال الآخرُ

(7)

:

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مما يشتهون".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الذي تشتهيه".

(3)

هي قراءة حمزة والكسائي. حجة القراءات ص 694، 695.

(4)

في الأصل: "أنه إذا".

(5)

البيت للراعي النميري، شعره ص 156.

(6)

بعده في ص، ت 2، ت 3:"الحواجب"، وفي م، ت 1:"إلا الحواجب".

(7)

البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 123، والخصائص 2/ 432.

ص: 301

تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنه لَغَطًا

ولليدَيْنِ جُسْأَةً وبَدَدَا

والجُسْأَةُ: غِلَظٌ في اليدِ، وهي لا تُسْمَعُ.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ بالرفعِ: {وَحُورٌ عِينٌ} . على الابتداءِ

(1)

، وقالوا: الحورُ العينُ لا يُطافُ بهن فيجوزَ العطفُ بهن في الإعرابِ على إعرابِ فاكهةٍ ولحمٍ، ولكنه مرفوعٌ، بمعنى: وعندَهم حورٌ عينٌ، أو: لهم حورٌ عينٌ.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَعْروفتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرَأةِ، مع تقاربِ معنَيَيْهما، فبأيِّ القراءتَيْنِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ.

والحورُ جماعةُ "حوراءَ"، وهي النقيةُ العينِ، الشديدةُ سوادِها. والعِينُ جماعةُ

(2)

"عيناءَ"، وهي النجلاءُ العينِ في حُسْنٍ.

وقولُه: {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} . يقولُ: هنَّ في صفاءِ بياضِهن وحُسْنِهن كاللؤلؤِ المكنونِ الذي قد صِينَ في كِنٍّ.

وقولُه: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثوابًا لهم من اللَّهِ بأعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا، وعِوضًا من طاعتِهم إياه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن ابنِ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن

(1)

وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. حجة القراءات ص 694، 695.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"جمع".

ص: 302

الحسنِ: {وَحُورٌ عِينٌ} . قال: شديدةُ

(1)

السوادِ؛ سوادِ العينِ، شديدةُ

(1)

البياضِ؛ بياضِ العينِ

(2)

.

قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ:{وَحُورٌ} . قال: بيضٌ

(3)

، {عِينٌ}. قال: عِظامُ الأَعْيُنِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عباسٍ الدُّوريُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحورُ: سُودُ الحَدَقِ

(5)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ الأسلميُّ، عن عبَّادِ بنِ منصورٍ الناجيِّ

(6)

، أنه سمِع الحسنَ البصريَّ يقولُ: الحُورُ: صوالحُ نساءِ بني آدمَ.

حدَّثنا ابنُ عرفةَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، قال: بلغني أن الحورَ العينَ خُلِقن من الزعفرانِ

(7)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: حدَّثتنا عائشةُ امرأةُ ليثٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: خُلِق الحُورُ العينُ من الزعفرانِ

(8)

.

(1)

في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"شديد".

(2)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (306) من طريق ابن عيينة، عن رجل، عن الحسن به.

(3)

في الأصل: "بياض".

(4)

أخرجه هناد في الزهد (26) من طريق جويبر عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 33 إلى عبد بن حميد.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 151 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(6)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"الباجي". وينظر تهذيب الكمال 14/ 156.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 33 إلى المصنف.

(8)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (302) من طريق ليث به.

ص: 303

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا [عثمانُ بنُ سعيدٍ]

(1)

، قال: سمِعتُ ليثًا، ثنى، عن مجاهدٍ، قال: حورُ العينِ خُلِقن من الزعفرانِ.

وقال آخرون: بل معنى قولِه: {حُورٌ} : أنهن يَحارُ فيهن الطرفُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ:{وَحُورٌ عِينٌ} . قال: يَحارُ فيهن الطرفُ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ} قال أهلُ التأويلِ، وجاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: ثنا محمدُ

(3)

بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ

(4)

الدِّمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هاشمٍ، عن ابنِ أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، عن أمِّه

(5)

، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْني عن قولِ اللَّهِ:{كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} . قال: "صفاؤُهنَّ كصفاءِ الدُّرِّ الذي في الأصدافِ، الذي لا تَمَسُّه الأيدي"

(6)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عمر بن سعد"، وفي م:"عمرو بن سعد". وينظر تهذيب الكمال 19/ 377.

(2)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (305) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 33 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أحمد". وينظر ما تقدم في 19/ 542.

(4)

في الأصل: "الكندي".

(5)

في الأصل: "أبيه".

(6)

أخرجه الطبراني (870)، وفي الأوسط (3141) مطولًا، وابن عدي 3/ 1112 مختصرًا من طريق عمرو بن هاشم به، وقال: وهذا أيضًا منكر.

ص: 304

وقولُه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا} . يقولُ: لا يَسْمَعون فيها باطلًا من القولِ {وَلَا تَأْثِيمًا} . يقولُ: ليس فيها ما يُؤْثِمُهم.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا} . والتأثيمُ لا يُسْمَعُ، وإنما يُسْمَعُ اللغوُ، كما قيل: أكلتُ خُبزًا ولبنًا. واللبنُ لا يُؤْكَلُ، فجازت إذ

(1)

كان معه شيءٌ يُؤْكَلُ.

وقولُه: {إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} . يقولُ: لا يَسْمَعون فيها من القولِ إلا: سلامًا

(2)

سلامًا. أي: اسلَمْ مما تَكْرَهُ.

وفي نصبِ قولِه: {سَلَامًا سَلَامًا} . وجهان؛ إن شِئْتَ جعَلته تابعًا للقِيلِ، ويكونُ السلامُ حينَئذٍ هو القيلَ، فكأنه قيل: لا يَسْمَعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا إلَّا: سلامًا سلامًا. ولكنهم يَسْمَعون: سلامًا سلامًا.

والثاني: أن يكونَ نصبُه بوقوعِ القيلِ عليه، فيكونَ معناه حينَئذٍ: إلا قيلَ سلامٍ سلامٍ، فإذا

(3)

نُوِّنَ القيلُ

(4)

نُصِب قولُه: {سَلَامًا سَلَامًا} . بوقوعِ "قيل" عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ} ، وهم الذين يُؤْخَذُ بهم يومَ القيامةِ ذاتَ اليمينِ، الذين أُعْطوا كتبَهم بأيمانِهم يا محمدُ، {مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} أيُّ شيءٍ هم، وما لهم؟ وماذا أعدَّ لهم من

(1)

في الأصل، ت 2، ت 3:"إذا".

(2)

في م: "قيلا"، وسقط من: ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في م: "فإن".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 305

الخيرِ؟ وقيل: إنهم أطفالُ المؤمنين.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ المخزوميُّ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ قيسٍ، أنه سمِع زاذانَ أبا عمرَ

(1)

يقولُ: سمِعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه يقولُ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} . قال: أصحابُ اليمينِ أطفالُ المؤمنين

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله:{وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} : أي ماذا لهم؟ وماذا أعدَّ لهم

(3)

؟

ثم ابتدَأ الخبرَ عمَّا

(4)

أعدَّ لهم في الجنةِ، وكيفَ يكونُ حالُهم إذا هم دخَلوها؟ فقال: هم {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . يعني: في ثمرِ سِدْرٍ مُوقَرٍ من حملِه

(5)

، قد ذهَب شوكُه.

وقد اختلَف في تأويلِه أهلُ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: يعني بالمخضودِ: الذي قد خُضِد من الشوكِ، فلا شوكَ فيه

(6)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

في م: "عمرو". ينظر تهذيب الكمال 9/ 263.

(2)

سيأتي تخريجه في 23/ 450.

(3)

تقدم تخريجه ص 288.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عماذا".

(5)

يقال: نخلة موقرة. إذا كثر حملها، والحمل ثمر الشجرة. ينظر اللسان (و ق ر)، (ح م ل).

(6)

في الأصل: "له".

ص: 306

في قولِه: {سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . [يقولُ: لا شوكَ فيه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال]

(2)

: خضَده وقرُه من الحملِ، ويقالُ: خُضِد حتى ذهب شوكُه، فلا شوكَ فيه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: زعَم محمدٌ أن

(4)

عكرِمةَ قال: لا شوكَ فيه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن عكرِمةَ في قولِه:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: لا شوكَ فيه

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن قَسامةَ بنِ زهيرٍ في قولِه:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: خُضِد من الشوكِ، فلا شوكَ فيه

(6)

.

حدَّثنا أبو حميدٍ الحمصيُّ أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُ

(7)

بنُ عمرِو بنِ عبدٍ

(8)

الأحموسيُّ، عن السَّفْرِ بنِ نُسَيرٍ

(9)

في قولِ اللَّهِ عز وجل: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: خُضِد شوكُه، فلا شوكَ فيه (6).

(1)

أخرجه الطستي، ومن طريقه السيوطي في الإتقان 2/ 88 من طريقه أبي بكر بن محمد عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 156 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه البيهقي في البعث والنشور (307) من طريق محمد بن سعد به.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بن".

(5)

أخرجه هناد في الزهد (109) من طريق سفيان به.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 3.

(7)

في الأصل: "عبيد"، وفي م:"عمرو". ينظر تهذيب الكمال 11/ 134، 135.

(8)

في م: "عبد الله".

(9)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بشير". وينظر تهذيب الكمال 11/ 134.

ص: 307

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: كنا نُحدَّثُ أنه الموقَرُ الذي لا شوكَ فيه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، [قال: ثنا أبو هلالٍ]

(2)

، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: ليس فيه شوكٌ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: لا شوكَ له

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن عكرِمةَ:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: لا شوكَ فيه.

وحدَّثني به ابنُ حميدٍ مرةً أخرى، عن مهرانَ بهذا الإسنادِ، عن عكرمةَ فقال: لا شوكَ له، وهو الموقَرُ.

وقال آخرون: بل عُنِي به أنه المُوقَرُ حَمْلًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: يقولون: هو

(4)

الموقَرُ حَمْلًا

(5)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 270 عن معمر عن قتادة بنحوه.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 3.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"هذا".

(5)

تفسير مجاهد ص 641، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (304)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 308

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: الموقَرُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: الموقَرُ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . يقولُ: مُوقَرٍ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} . قال: ثمرُها أعظمُ من القِلالِ.

وقولُه: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . أما القرأةُ فعلى قراءةِ ذلك بالحاءِ {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} وكذلك هو في مصاحفِ أهلِ الأمصارِ. ورُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، أنه كان يقرؤُه:(وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ). بالعينِ

(2)

.

حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا زكريا، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، [عن عليٍّ]

(3)

، قرَأها:(طَلْعٍ مَنْضُودٍ)

(4)

.

حدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأمويُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا مجالدٌ

(5)

، عن الحسنِ ابنِ سعدٍ، عن قيسِ بنِ عُبَادٍ

(6)

، قال: قرَأ رجلٌ عندَ عليٍّ: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . فقال

(1)

أخرجه هناد في الزهد (108) من طريق سفيان به.

(2)

ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 151.

(3)

في ص: "رضوان اللَّه عليه"، وفي، م، ت 1، ت 2، ت 3:"رضي الله عنه".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مجاهد". والمثبت من الأصل موافق لما في مصدر التخريج.

(6)

في النسخ: "سعد". والمثبت من تفسير القرطبي، وينظر تهذيب الكمال 24/ 64.

ص: 309

عليٌّ: ما شأنُ الطَّلحِ؟ إنما هو: (وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ). ثم قرَأ: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء: 148]. فقلْنا: أَوَ لا نُحوِّلُها؟ فقال: إن القرآنَ لا يُهاجُ اليومَ ولا يُحوَّلُ

(1)

.

وأما الطلحُ فإن معمرَ بنَ المُثَنَّى كان يقولُ

(2)

: هو عندَ العربِ شجرٌ عِظامٌ، كثيرُ الشوكِ. وأنشَد لبعضِ الحُداةِ:

بشَّرها دليلُها وقالا

غدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والحِبالا

(3)

وأما أهلُ التأويلِ من الصحابةِ والتابِعين فإنهم يقولون: إنه

(4)

المَوْزُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي سعيدٍ، مولي بني رَقاشٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الطلحِ، فقال: هو المَوْزُ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا سليمانُ التيميُّ، قال: ثنا أبو سعيدٍ الرَّقاشيُّ، أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: الطلحُ المنضودُ هو المَوْزُ.

حدَّثني يعقوبُ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا ابنُ عليةَ، عن سليمانَ، قال: ثنا أبو سعيدٍ الرَّقاشيُّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: ما الطلحُ المنضودُ؟ قال

(4)

: المَوْزُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو سعيدٍ الرَّقاشيُّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الطلحِ، فقال: هو المَوْزُ.

(1)

أخرجه أبو بكر الأنباري في المصاحف - كما في تفسير القرطبي 17/ 208 - من طريق مجالد به.

(2)

في مجاز القرآن 2/ 250.

(3)

في الأصل: "الجبالا".

(4)

بعده في م: "هو".

ص: 310

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن التيميِّ، عن أبي سعيدٍ الرَّقاشيِّ، عن ابنِ عباسٍ:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: المَوْزُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الكلبيِّ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ

(2)

، عن عليٍّ رضي الله عنه:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: المَوْزُ

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ في الطلحِ المنضودِ: هو المَوْزُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: موزُكم؛ لأنهم كانوا يُعْجَبون بِوَجٍّ

(4)

وظلالِه من طلحِه وسدرِه

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ في قولِه:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: المَوْزُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بنُ خليفةَ، عن عوفٍ، عن قَسامةَ، قال: الطلحُ المنضودُ هو المَوْزُ

(6)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 270، وهناد في الزهد (111) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(2)

في م: "سعيد". ينظر تهذيب الكمال 6/ 163.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 270، وهناد في الزهد (112) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه.

(4)

وَجّ، بفتح أوله وتشديد ثانيه: الطائف، وقيل: هو وادي الطائف.

(5)

تفسير مجاهد ص 642، ومن طريقه البيهقي في البعث (304)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى هناد وعبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 4.

ص: 311

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: الموزُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: الموزُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} : كنا نُحدَّثُ أنه الموزُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: اللَّهُ أعلمُ، إلا أنَّ أهلَ اليمنِ يُسَمُّون الموزَ الطلحَ

(2)

.

وقولُه: {مَنْضُودٍ} . يعني أنه قد نُضِدَ بعضُه على بعضٍ، وجُمِع بعضُه إلى بعضٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال: بعضُه على بعضٍ

(3)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} . قال موزُكم

(4)

؛ لأنهم كانوا

(5)

يُعْجَبون بوجٍّ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 270 عن معمر به، وأخرجه الطيالسي - كما في المطالب (4135) - من طريق خالد بن قيس عن قتادة.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 4.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى المصنف.

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"مراكم"، وفي م:"متراكم". وينظر ما تقدم في الصفحة السابقة.

(5)

سقط من: م.

ص: 312

وظلالِه من طلحِه وسدرِه

(1)

.

وقولُه: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} . يقولُ: وهم في ظلٍّ دائمٍ لا تَنْسَخُه الشمسُ فتُذْهِبَه، وكلُّ ما لا انقِطاعَ له فإنه ممدودٌ، كما قال لبيدٌ

(2)

:

غلَب البقاءُ وكنتُ غيرَ مُغلَّبِ

دهرٌ طويلٌ دائمٌ ممدودُ

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاءت الآثارُ، وقال به أهلُ العلمِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} . قال: خمسَمائةِ ألفِ سنةٍ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن زيادٍ مولى بني مخزومٍ، عن أبي هريرةَ، قال: إن في الجنةِ لشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ

(4)

، اقرَءُوا إن شِئتم:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} . فبلَغ ذلك كعبًا، فقال: صدَق والذي أنزَل التوراةَ على لسانِ موسى، والفرقانَ

(5)

على لسانِ

(6)

محمدٍ، لو أن رجلًا ركِب حِقَّةً أو جَذَعَةً، ثم دارَ بأصلِ تلك الشجرةِ ما بلَغها حتى يَسْقُطَ هَرَمًا، إن اللَّهَ عز وجل غرَسها بيدِه، ونفَخ فيها من روحِه، وإن أفنانَها لمن وراءِ سورِ الجنةِ، وما في الجنةِ نهرٌ إلَّا وهو يَخْرُجُ من أصلِ تلك الشجرةِ

(7)

.

(1)

تقدم ص 309.

(2)

شرح ديوان لبيد ص 36.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 6 عن المصنف.

(4)

في الأصل: "سنة"، وسقط من: ص.

(5)

في الأصل: "القرآن".

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(7)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 5 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 105، وهناد في الزهد (114)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (44) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.

ص: 313

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن زيادٍ مولًى لبني مخزومٍ، أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ، ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: وما في الجنةِ من نهرٍ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} . قال: مسيرةَ سبعين ألفَ سنةٍ

(1)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو يحيى بنُ سليمانَ، عن هلالِ بنِ عليٍّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنةِ شجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ سنةٍ، اقرَءُوا إِن شِئْتُم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} "

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [الحسينُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ]

(3)

، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: سمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إن في الجنةِ شجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها

(4)

مائةَ عامٍ، اقرَءوا إِن شِئْتُم:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} ".

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي الضَّحاكِ

(5)

، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنةِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 6 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 6 - ، وأبو نعيم في الحلية 4/ 149 - 150، والبيهقي في البعث والنشور (298) من طريق سفيان به، وأخرجه البيهقي في البعث والنشور (299) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 175 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه أحمد 16/ 180، 181 (10259)، والبخاري (3252) من طريق أبي يحيى فليح بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحسين بن محمد عن زياد"، ينظر تهذيب الكمال 25/ 217.

(4)

في الأصل: "ظل ساقها".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الضحى".

ص: 314

لشجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ شجرةَ الخلدِ"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا الضحاكِ يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"إن في الجنةِ لشجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين أو مائةَ عامٍ، هي شجرةُ الخُلْدِ"

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنةِ لشجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها"

(3)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَ ذلك.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَه

(4)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدةُ وعبدُ الرحيمِ

(5)

، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "في الجنةِ شجرةٌ يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ

(6)

لا يَقْطَعُها، واقرَءوا إن شِئْتُم قولَه: {وَظِلٍّ

(1)

أخرجه أحمد 16/ 34 (9950) عن عبد الرحمن به، وأخرجه الطيالسي (2670)، وعبد بن حميد (1455)، والدارمي 2/ 338، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (43، 63) من طريق شعبة به.

(2)

أخرجه أحمد 15/ 537 (9870) عن محمد بن جعفر به.

(3)

أخرجه الطبراني في الأوسط (2519) عن طريق عمران به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

أخرجه أحمد 16/ 93، 94 (10065) من طريق حماد به.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عبد الرحمن". والمثبت من الأصل موافق لما في سنن الترمذي عن عبد الرحمن بن سليمان، وقد جاء في سنن ابن ماجه "عبد الرحمن بن عثمان". وينظر تحفة الأشراف 11/ 8، 10.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"سنة".

ص: 315

مَمْدُودٍ} "

(1)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا فِرْدَوسٌ، قال: ثنا ليثٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنةِ شجرةً يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ سنةٍ"

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مثلَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال

(3)

: "في الجنةِ شجرةٌ يَسِيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها"

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. [وبمثلِه عن خِلَاسٍ]

(5)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا أبو حصينٍ، قال: كنا على بابٍ في موضعٍ ومعنا أبو صالحٍ وشقيقٌ، يعني الضبيَّ، فحدَّث أبو صالحٍ، فقال:

(1)

أخرجه الترمذي (3292) عن أبي كريب به، وأخرجه هناد في الزهد (113) عن عبدة به، وأخرجه ابن ماجه (4335) من طريق عبد الرحمن بن عثمان، عن محمد بن عمرو به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 101، 102، والدارمي 2/ 338، وأحمد 15/ 407 (9650)، والنسائي في الكبرى (11085)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 5 - من طريق محمد بن عمرو به.

(2)

أخرجه أحمد 15/ 517 (9832)، ومسلم (2826/ 6)، والترمذي (2523)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (42)، والنسائي في الكبرى (1165) من طريق الليث به.

(3)

بعده في م: "إن".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 6 عن عوف به.

(5)

في الأصل: "بمثله وعن خلاس"، وفي ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بمثله عن خلاس". والحديث أخرجه أبو الشيخ في العظمة (580) من طريق عوف، عن خلاس ومحمد بن سيرين به.

ص: 316

حدَّثني أبو هريرةَ، قال: إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين عامًا. فقال أبو صالحٍ: أَتُكَذِّبُ أبا هريرةَ؟ فقال: ما أُكَذِّبُ أبا هريرةَ، ولكني أُكَذِّبُك أنت

(1)

. قال: فشقَّ على القرَّاءِ يومَئذٍ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} . قال: فحُدِّثنا، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} . قال قتادةُ: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ، أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنةِ لشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها"

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها"

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ مثلَ ذلك أيضًا

(5)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 6 عن المصنف.

(3)

أخرجه البخاري (3251) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد 21/ 124 (13458) من طريق سعيد به.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 270، وفي المصنف (20876) - ومن طريقه أحمد 19/ 382، 20/ 111 (12390، 12677)، وعبد بن حميد (1183)، والترمذي (3293)، وأبو يعلى (3038)، والبيهقي في البعث والنشور (296) - عن معمر به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 271، وفي المصنف (20878) - ومن طريقه أحمد 20/ 111 (12677)، والبيهقي في البعث والنشور (295، 296) - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 317

وقولُه: {وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وفيه أيضًا ماءٌ مسكوبٌ، يعني: مصبوبٌ سائلٌ في غيرِ أخدودٍ.

كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ} . قال: يَجْرِي في غيرِ أخدودٍ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: قولُه عز وجل: يقولُ: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها فاكهةٌ كثيرةٌ لا يَنْقَطِعُ عنهم شيءٌ منها أرادوه في وقتٍ من الأوقاتِ، كما تَنْقَطِعُ فواكهُ الصيفِ في الشتاءِ في الدنيا، ولا يمنعُهُم منها ولا يَحُولُ بينَهم وبينَها شوكٌ على أشجارِها، أو بُعْدُها منهم، كما تَمْتَنِعُ فواكهُ الدنيا من كثيرٍ ممن أرادها، بِبُعْدِها على الشجرِ

(2)

منهم، أو بما على شجرِها من الشوكِ، ولكنها إذا اشتهاها أحدُهم وقَعت في فيه، أو دنَت منه حتى يتناولَها بيدِه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

وقد ذكَرنا الروايةَ فيما مضَى قبلُ

(3)

، ونَذْكُرُ بعضًا آخرَ منها.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 7.

(2)

في م: "الشجرة".

(3)

ينظر ما تقدم في 12/ 588 - 590.

ص: 318

في قولِه: {لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} . قال: لا يَمْنَعُه شوكٌ ولا بُعْدٌ

(1)

.

[وقولُه: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ولهم فيها فُرُشٌ مرفوعةٌ، طويلٌ بعضُها فوقَ بعضٍ]

(2)

. كما يُقالُ: بناءٌ مرفوعٌ.

وكالذي حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن درَّاجٍ أبي السمحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولِه:{وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} . قال: "إن ارتفاعَها لكَما بينَ السماءِ والأرضِ، وإن ما بينَ السماءِ والأرضِ لمسيرةَ خمسِمائةِ عامٍ"

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن درَّاجٍ عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:{وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} . "والذي نفسِي بيدِه إن ارتفاعَها

". ثم ذكَر مثلَه

(4)

.

وقولُه: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خلَقْناهنَّ خلقًا فأوجَدْناهن. قال أبو عبيدةَ

(5)

: يعني بذلك

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 8.

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه الترمذي (2540، 3294) عن أبي كريب به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (595) من طريق رشدين به، وأخرجه أيضًا (274) من طريق عمرو بن الحارث به، وأخرجه أحمد 18/ 247 (11719)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (157)، وأبو يعلى (1395) من طريق دراج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 157 إلى النسائي والروياني وابن مردويه. وقال ابن كثير في تفسيره 8/ 8: قال النسائي وأبو عيسى الترمذي: .... ثم ذكر الحديث. ولم يعزه المزي في التحفة ولا الحافظ في أطراف المسند إلى النسائي.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 8 - عن يونس به، وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 8 - وابن حبان (7405)، والبيهقي في البعث والنشور (342)، والضياء في صفة الجنة - كما في تفسير ابن كثير 8/ 8 - من طريق ابن وهب به.

(5)

في الأصل: "عبيد"، وينظر مجاز القرآن 2/ 251 مختصرًا.

ص: 319

الحُورَ العينَ اللاتي ذكَرهن قبلُ، فقال:{وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} ، {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً}. وقال الأخفشُ: أضمَر "هنَّ" ولم يَذْكُرْ "هنَّ" قبلَ ذلك.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} . قال: خلَقناهن

(1)

خَلقًا

(2)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن شيبانَ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن يزيدَ بنِ مرةَ، عن سلمةَ بنِ يزيدُ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في هذه الآيةِ:{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} . قال: من الثُّيَّبِ والأبكارِ

(3)

.

وقولُه: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} . يقولُ: فصيَّرناهن أبكارًا عذارَى، بعدَ إذ كنَّ

(4)

.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن يزيدَ بنِ أبانٍ الرقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} . قال: "عجائزَ كنَّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصًا"

(5)

.

(1)

في الأصل: "خلقهن".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 271 عن معمر به.

(3)

أخرجه الطيالسي (1403)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 9 - وابن قانع في معجم الصحابة 1/ 274، والطبراني (6322)، وتفسير مجاهد ص 622، والبيهقي في البعث والنشور (381) من طريق شيبان به، وأخرجه الطبراني (6321)، وابن الأثير في أسد الغابة 2/ 436 من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور كما في المخطوطة المحمودية ص 404 إلى ابن مردويه.

(4)

لعل المعنى: بعد إذ خلقن، أو لعله حذف خبر كان اعتمادًا على ما سيأتي، أي: بعد إذ كن عجائز.

(5)

أخرجه هناد في الزهد (21)، والترمذي (3296)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (287)، والبيهقي =

ص: 320

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيانَ]

(1)

، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن يزيدَ بنِ أبانٍ الرقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} ". قال: "نساءً

(2)

عجائزَكُنَّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصًا".

حدَّثنا عمرُ بنُ إسماعيلَ بنِ مجالدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ الكلابيُّ، عن موسى بنِ عُبيدةَ الرَّبَذِيِّ، عن يَزِيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في قولِه: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} . قال: "منهن العجائزُ اللاتي كُنَّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصًا".

حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ داودَ، عن موسى بنِ عُبَيدةَ الرَّبَذيِّ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم[بمثلِه، إلا أنه قال: عن العجائزِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن يزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم]

(3)

في قولِه: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} . قال: "هُنَّ اللواتي كُنَّ في الدنيا عجائزَ عُمْشًا رُمْصًا".

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ محرزٍ في قولِه:{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} . قال: منهنَّ

(4)

العُجُزُ

(5)

الرُّمْصُ.

= في البعث والنشور (380) من طريق موسى بن عبيدة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(1)

سقط من النسخ، وينظر الأثر السابق.

(2)

في م: "أنشأ".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في م: "فهن".

(5)

في الأصل: "العجائز".

ص: 321

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} : قال: إن منهن للعُجُزَ

(1)

الرُّجَّفَ، أنشَأهُنَّ اللَّهُ في هذا الخلقِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} . قال قتادةُ: كان صفوانُ بنُ محرزٍ يقولُ: إن منهن العُجُزَ الرُّجَّفَ، صيَّرهن اللَّهُ كما تَسْمَعون.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَبْكَارًا} . قال: يقولُ: عذارَى.

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ، الدِّمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هاشمٍ

(2)

، عن ابنِ أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ

(3)

حسانَ، عن الحسنِ، [عن أمِّه]

(4)

، عن أمِّ سلمةَ، زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْني عن قولِ اللَّهِ:{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ} . قال: "هُنَّ اللواتي قُبِضْنَ في الدنيا عجائزَ رُمْصًا شُمْطًا، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بعدَ الكِبَرِ، فجعَلهن عَذَارَى"

(5)

.

حدَّثنا أبو عبيدٍ الوَصَّابِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ

(6)

، قال: ثنا ثابتُ بنُ

(1)

في الأصل: "العجائز".

(2)

في الأصل: "مسلم". وينظر تهذيب الكمال 22/ 275.

(3)

في الأصل: "عن".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

أخرجه الطبراني (870)، وفي الأوسط (3141)، وابن مردويه - كما في تخريج الزيلعي 3/ 406 - من طريق عمرو بن هاشم به، وأخرجه الثعلبي - كما في تخريج الزيلعي 3/ 406 - من طريق الحسن عن أم سلمة به.

(6)

في الأصل: "جبير". وينظر تهذيب الكمال 25/ 116.

ص: 322

عجلانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، يُحدِّثُ عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا} . قال: هن من بني آدمَ، نساءٌ كنَّ في الدنيا، يُنْشِئُهن اللَّهُ أبكارًا عذَارَى أترابًا

(1)

عُرُبًا.

وقولُه: {عُرُبًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَلناهن أبكارًا غَنِجاتٍ

(2)

، مُتَحَبِّباتٍ إلى أزواجِهن، يُحْسِنَّ التَّبَعُّلَ، وهي جمعٌ، واحدُهن عَرُوبٌ، كما واحدُ الرسلِ رسولٌ، وواحدُ القُطْفِ قَطُوفٌ؛ ومنه قولُ لبيدٍ

(3)

:

وفي الحدُوجِ

(4)

عَروبٌ غيرُ فاحشةٍ

ريَّا الروادفِ يَعْشَى دونَها البصرُ

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ وإسماعيلُ بنُ صُبيحٍ، عن أبي أُويسٍ

(5)

، عن ثورِ بنِ

(6)

زيدٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{عُرُبًا أَتْرَابًا} . قال: المَلَقَةُ

(7)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

الغُنْج في الجارية: التكسُّر والتدلُّل. اللسان (غ ن ج).

(3)

شرح ديوان لبيد ص 61.

(4)

في الأصل، ص، ت 1:"الجزوع"، وفي ت 2، ت 3:"الخدوع". والحدوج: جمع حدج، وهو مركب تركبه النساء، نحو الهودج والمحفة. ينظر اللسان (ح د ج).

(5)

في م: "إدريس".

(6)

في الأصل: "عن".

(7)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 11، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريقه عكرمة عن ابن عباس.

ص: 323

قولَه: {عُرُبًا} ، يقولُ: عواشقَ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{عُرُبًا} . قال: العُرُبُ المتحبِّباتُ المتودِّداتُ إلى أزواجِهنَّ

(2)

.

حدَّثني سليمانُ

(3)

بنُ عبيدِ اللَّهِ الغَيْلانيُّ، قال: ثنا [أيوبُ، قال: أخبَرنا]

(4)

قرةُ، عن الحسنِ، قال: العُرُبُ العواشقُ

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ، أنه قال في هذه الآيةِ:{عُرُبًا} . قال: العُرُبُ المَغْنوجةُ

(6)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ، قال: هي المغنوجةُ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ أبي حفصةَ، عن عكرِمةَ في قولِه:{عُرُبًا} . قال: غَنِجاتٍ.

حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ

(7)

الأَزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن

(1)

أخرجه البيهقي في البعث (377) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى ابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى المصنف.

(3)

في الأصل: "محمد بن سليمان".

(4)

في الأصل: "أبو قتيبة قال ثنا".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"العاشق"، والأثر أخرجه هناد في الزهد (33) من طريق أشعث عن الحسن نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى عبد بن حميد.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(7)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحسن".

ص: 324

أبي إسحاقَ التيميِّ، عن صالحٍ بنِ حيانَ، عن ابنِ

(1)

بُرَيدةَ: {عُرُبًا} . قال: الشَّكِلةَ بلغةِ مكةَ، والمغنوجةَ

(2)

بلغةِ المدينةِ

(3)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ التيميَّ، يعني ابنَ الزَّبْرِقانِ، عن صالحٍ بنِ حيانَ، عن [ابنِ بريدةَ]

(4)

بنحوِه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عثمانَ بنِ بشارٍ، عن تَميمِ بنِ حَذْلَمٍ قولَه:{عُرُبًا} . قال: حُسْنَ تبعُّلِ المرأةِ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن عثمانَ بن بشارٍ، عن تَميمِ بنِ حَذْلَمٍ قولَه:{عُرُبًا} . قال: العَرِبةُ الحسَنةُ التبعُّلِ. قال: وكانت العربُ تقولُ للمرأةِ إذا كانت حسَنةَ التبعُّلِ: إنها العَرِبةُ

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أُسامةَ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه:{عُرُبًا} . قال: حَسَناتِ الكلامِ

(6)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ. قال: عواشقَ

(7)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شريكٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ مثلَه.

(1)

في الأصل، م:"أبى". ينظر تهذيب التهذيب 4/ 386.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الفنجة".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

في الأصل: "أبي بريدة"، وفي م:"أبي يزيد".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(7)

أخرجه هناد في الزهد (32) من طريق ليث عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 325

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن خُصَيفٍ

(1)

، عن مجاهدٍ في:{عُرُبًا} . قال: العُرُبُ المتحبِّباتُ

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ:{عُرُبًا} . قال: العُرُبُ العواشِقُ

(2)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن غالبٍ أبي الهذَيلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ:{عُرُبًا} . قال: هي المتحببةُ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن غالبٍ أبي الهذيلِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{عُرُبًا} . قال: العُربُ اللاتي يشتهين أزواجَهن

(3)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا بنُ يمانٍ، عن المباركِ بنِ فضالةَ، عن الحسنِ، قال: المشتَهيةُ لبُعولتِهن

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدٍ

(5)

، قال: العُرُبُ التي تَشْتَهي زوجَها

(6)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حصين".

(2)

أخرجه هناد في الزهد (30) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه هناد في الزهد (31) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى عبد بن حميد.

(4)

تفسير مجاهد ص 643، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (383) من طريق المبارك بن فضالة به بلفظ: المتعشقات لبعولتهن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عبيد اللَّه".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 326

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ بنِ عُميرٍ:{عُرُبًا} . قال: العَرِبةُ التي تَشْتَهي زوجَها، ألا ترى أن الرجلَ يقولُ للناقةِ: إنها لعَرِبةٌ؟

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{عُرُبًا} قال: عُشَّقًا لأزواجِهن

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{عُرُبًا} . قال: عُشَّقًا لأزواجِهن، يُحْببْنَ أزواجَهن حبًّا شديدًا.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: العُرُبُ المتحبِّباتُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{عُرُبًا} . قال: مُتحبِّباتٍ إلى أزواجِهن

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {عُرُبًا} . قال: العرُبُ الحسَنةُ الكلامِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سُئل

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 271 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 643، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (384)، وأخرجه سفيان بن عيينة في تفسيره - كما في التغليق 4/ 334 - عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 12.

ص: 327

الأوزاعيُّ عن: {عُرُبًا} . فقال: سمِعت يحيى يقولُ: هن العواشقُ

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفيُّ الدِّمياطيُّ، عن عمرِو بنِ هاشمٍ، عن ابنِ

(2)

أبي كريمةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَخبِرني عن قولِه:{عُرُبًا أَتْرَابًا} . قال: "عُرُبًا مُتَعشِّقاتٍ مُتَحبِّباتٍ، أترابًا على ميلادٍ واحدٍ"

(3)

.

حدَّثني محمدُ

(4)

بنُ حفصٍ أبو عبيدٍ الوصابيُّ، قال: ثنا [محمدُ بنُ حِمْيَرٍ]

(5)

، قال: ثنا ثابتُ بنُ عجلانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحَدِّثُ عن ابنِ عباسٍ: {عُرُبًا} . قال: العُربُ الشُّوْقُ.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ الكوفيين: {عُرُبًا} بضمِّ العينِ والراءِ

(6)

. وقرَأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ: (عُرْبًا) بضمِّ العينِ وتخفيفِ الراءِ، وهي لغةُ تميمٍ وبكرٍ

(7)

. والضمُّ في الحرفين أولى القراءتين بالصوابِ

(8)

؛ لما ذكَرتُ من أنها جمعُ "عَروبٍ"، وإن كان فَعولٌ أو فَعيلٌ أو فِعالٌ إذا جُمِع جُمِع على فُعُلٍ بضمِّ الفاءِ والعينِ، مذكَّرًا كان أو مؤنثًا، والتخفيفُ في العينِ جائزٌ، وإن كان الذي ذكَرت أقصى الكلامين عن وجهِ التخفيفِ.

وقولُه: {أَتْرَابًا} . يعني أنهن مُستوياتٌ على سنٍّ واحدةٍ، واحدتُهن تِرْبٌ،

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 11.

(2)

سقط من: م.

(3)

تقدم تخريجه ص 322.

(4)

ينظر ما تقدم في ص 53.

(5)

في الأصل: "أحمد بن حميد". وينظر ما تقدم في ص 322.

(6)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص. حجة القراءات ص 696.

(7)

هي قراءة حمزة وعاصم في رواية شعبة. حجة القراءات ص 696.

(8)

القراءتان كلتاهما صواب.

ص: 328

كما يُقالُ: شِبهٌ وأَشْباهٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ بنِ الحارثِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن سلمةَ بنِ سابورَ، عن عطيةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الأترابُ: المستوياتُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَتْرَابًا} . قال: أمثالًا

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَتْرَابًا} ، يعني: سنًّا واحدةً.

حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(3)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَتْرَابًا} . قال: الأترابُ المستوياتُ.

وقولُه: {لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أنشَأنا هؤلاء اللواتي وصَف صفتَهنَّ من الأبكارِ - للذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ اليمينِ من موقفِ الحسابِ إلى الجنةِ.

(1)

أخرجه البيهقي في البعث (377) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 643، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 271 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 158 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 329

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: الذين لهم هذه الكرامةُ، التي وصَف صفتَها في هذه الآياتِ، ثُلَّتان، وهي جَماعتان وأمَّتان وفِرْقتان:{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ} . يعني: جماعةٌ من الذين مضَوا قبلَ أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

{وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} . يقولُ: وجماعةٌ من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الآثارُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

(1)

.

ذكرُ الروايةِ بذلك

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الحسنُ: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ} : من الأممِ، {وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ}: أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو

(2)

، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ} . قال: أمةٌ

(3)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"وقال به أهل التأويل".

(2)

في ت 1، ت 2:"عمر".

(3)

تفسير مجاهد ص 643 ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح 8/ 626 - ، وعبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 335.

ص: 330

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، عن حديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: تحدَّثنا عندَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ حتى أَكْرَينا

(1)

في الحديثِ، ثم رجَعنا إلى أَهْلِينا، فلما أَصْبَحنا غدَوْنا على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عُرِضَتْ عليَّ الأنبياءُ الليلةَ بأتباعِها من أُمَمِها، فكان النبيُّ يَجِيءُ معَهُ الثُّلَّةُ من أُمَّتِه، والنبيُّ معَه العصابةُ من أُمَّتِه؛ والنبيُّ معَه النفرُ من أُمَّتِه، والنبيُّ معَه الرجلُ من أُمَّتِه، والنبيُّ ما معَه من أمتِه أحدٌ من قومِه، حتى أتَى عليَّ موسى بنُ عمرانَ في كَبْكبةٍ

(2)

من بني إسرائيلَ؛ فلما رأيتُهم أعجَبُوني، فقُلْتُ: أي ربِّ، مَن هؤلاء؟ قال: هذا أخوك موسى بنُ عمرانَ ومَن معَه من بني إسرائيلَ. فقلتُ: يا ربِّ، فأينَ أُمَّتي؟ فقِيل: انظر عن يمينِك، فإذا ظِرابُ

(3)

مكةَ قد سُدَّت بوجوهِ الرجالِ، فقلتُ: مَن هؤلاء؟ قِيل: هؤلاء أمَّتُك. فقيل: أَرضِيتَ؟ فقلتُ: ربِّ رضيتُ، ربِّ رضيتُ، قِيل: انظر عن يسارِك. فإذا الأفقُ قد سُدَّ بوجوهِ الرجالِ، فقلتُ: ربِّ مَن هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أُمَّتُك. فقِيل: أرضيتَ؟ فقلتُ: ربِّ رَضِيتُ. فقِيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا من أُمَّتِك، يدخُلون الجنةَ لا حسابَ عليهم". قال: فأنشَأ عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، رجلٌ من بني أسدِ بنِ خزيمةَ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، ادْعُ رَبَّك أن يَجْعَلَني منهم. قال:"اللَّهم اجْعَلْه منهم". ثم أنشَأ رجلٌ آخرُ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، ادْعُ رَبَّك أن يَجْعَلَني منهم. قال:"سبَقَك بها عُكَّاشةُ". فقال نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فِدًى لكم أَبي وأُمِّي، إن استَطَعتم أن تَكونوا من السَّبعينَ فكونوا، فإن عجَزتم وقصَّرتم، فكونوا من أهلِ الظِّرابِ، فإن

(1)

في الأصل: "أكثرنا"، وفي ت 1:"أكربنا"، وفي ت 2، ت 3:"أكرمنا" وأكرينا: أطلنا وأخرنا. ينظر النهاية 4/ 170.

(2)

كبكبة، بضم الكاف وفتحها: الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم. النهاية 4/ 144.

(3)

الظراب: واحدها ظرِب، وهو الجبل المنبسط أو الصغير. القاموس المحيط (ظ ر ب).

ص: 331

عجَزتم وقصَّرتم، فكونوا من أهل الأُفقِ، فإني رأيتُ ثَمَّ

(1)

أُناسًا يَتَهَرَّشون

(2)

كثيرًا - أو قال: - يَتَهَوَّشون

(3)

". قال: فتراجَع المؤمنون، أو قال: فتراجَعْنا على هؤلاءِ السبعينَ. فصار من أمرِهم أن قالوا: نراهم ناسًا وُلِدوا في الإسلامِ، فلم يَزَالوا يَعْمَلون به حتى ماتوا عليه. فنمَى حديثُهم ذاك إلى نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: "ليس كذاك، ولكنهم الذين لا يَسْتَرْقون، ولا يَكْتَوون، ولا يَتَطَيَّرون، وعلى ربِّهم يَتَوكَّلون". ذُكِر لنا

(4)

أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال يومَئذٍ: "إني لأَرْجو أن يكونَ مَن تَبِعني مِن أُمَّتِي رُبعَ أهلِ الجنةِ". فكَبَّرنا، ثم قال:"إني لأَرْجو أن تَكونوا الشطرَ". فكبَّرنا، ثم تلَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ:" {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} "

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بشرٍ البجليُّ، عن الحكمِ بنِ عبدِ الملكِ، عن قتادةَ، عن الحسنِ عن عمرانَ بنِ حصينٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: تحدَّثنا لَيْلةً عندَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حتى أكْرَينا - أو أَكثَرنا - ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال:"فإذا الظِّرابُ ظِرابُ مكةَ مَسدودةٌ بوجوهِ الرجالِ". وقال أيضًا: "فإني رأيتُ عندَه أناسًا يَتَهاوَشونَ كثيرًا". قال: فقلْنا: مَن هؤلاء السبعون ألفًا؟ فاتفَق رأيُنا على أنهم قومٌ وُلِدوا في الإسلامِ، ويَموتون عليه. قال: فذكَرْنا ذلك لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: "لا، ولكنهم قومٌ لا يَكْتَوون". وقال أيضًا: ثم قال

(1)

ليس في: الأصل، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل، ص، ت 1:"يتهوسون".

(3)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2:"يتهرسون".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

أخرجه الطبراني (9769) من طريق يزيد به، وأحمد 7/ 97 (3989)، وابن حبان (6431)، والطبراني (9768)، والحاكم 4/ 577 من طريق سعيد به، وأخرجه الحسن بن سفيان - كما في الدر المنثور 6/ 159 - ومن طريقه ابن عساكر 17/ 21 - ، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 14 - من طريق قتادة به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه. وصححه ابن كثير في تفسيره 2/ 8، والحافظ في الفتح 11/ 407.

ص: 332

رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إني لأرْجو أن تَكُونوا ربعَ أهلِ الجنةِ". فكبَّر أصحابُه، ثم قال:"إني لأَرْجو أن تَكونوا ثلثَ أهلِ الجنةِ". فكبَّر أصحابُه، ثم قال:"إني لأَرْجو أن تكونوا شطرَ أهل الجنةِ". ثم قرَأ: " {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} ".

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عوفٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ، قال: كلُّهم في الجنةِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه بلَغه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"أَتَرْضَون أن تكُونوا ربعَ أهلِ الجنةِ؟ ". قالوا: نعم. قال: "أَتَرْضَون أن تَكُونوا ثلثَ أهلِ الجنةِ؟ ". قالوا: نعم. قال: "والذي نفسي بيدِه، إني لأَرْجو أن تَكونوا شطرَ أهلِ الجنةِ". ثم تلا هذه الآيةَ: " {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} "

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن بُدَيلٍ، عن

(2)

كعبٍ أنه قال: "أهلُ الجنةِ عشرون ومائةُ صفٍّ، ثمانون صفًّا منها من هذه الأُمةِ"

(3)

.

وفي رفعِ: {ثُلَّةٌ} وجهان؛ أحدُهما: الاستئنافُ، والآخرُ: بقولِه: لأصحابِ اليمينِ ثُلَّتان. ثُلَّةٌ من الأوَّلين.

وقد روِي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خبرٌ من وجهٍ غيرِ

(4)

صحيحٍ، أنه قال:"الثُّلَّتان جميعًا من أُمَّتي".

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 271 عن معمر به، والمرفوع أخرجه أحمد 7/ 231 (4166)، والبخاري (6528)، ومسلم (221) / 376 وغيرهم من حديث ابن مسعود.

(2)

في ص، م:"بن". وينظر تهذيب الكمال 4/ 31.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 271 عن معمر عن بديل العقيلي عن عبد الله بن شقيق عن كعب.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عنه".

ص: 333

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبانِ بنِ أبي عيَّاشٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} . قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "هما جميعًا من أُمَّتي"

(1)

.

وقولُه: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} . يقولُ تعالى ذكرُه معجِّبًا نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم من أهل النارِ: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ} الذين يُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشمالِ، من موقفِ الحسابِ إلى النارِ {مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} ماذا لهم؟ وماذا أعدَّ لهم؟

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} : أي ماذا

(2)

لهم؟ وماذا أعدَّ لهم؟

(3)

وقولُه: {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} . يقولُ: هم في سمومِ جهنمَ وحميمِها.

وقولُه: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . يقولُ جلّ ثناؤه: وظلٍّ من دخانٍ شديدِ السوادِ. والعربُ تقولُ لكلِّ شيءٍ وصَفتْه بشدةِ السوادِ: أسودُ يَحمومٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ أبي الشواربِ، قال: ثنا [عبدُ الواحدِ]

(4)

بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 15 عن المصنف، وأخرجه ابن عدي في الكامل 1/ 378، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 3/ 404 - ، والبغوي في تفسيره 8/ 18 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 159 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في الأصل: "ما".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في الأصل: "عبد الرحمن". وينظر تهذيب الكمال 26/ 19.

ص: 334

الشيبانيُّ، قال: ثنى يزيدُ بنُ الأصمِّ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: هو ظلُّ الدخانِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ ليثٍ، عن الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الشيبانيَّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: هو الدخانُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: الدخانُ.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . يقولُ: من دُخانِ جهنَّمَ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: الدخانُ

(3)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في

(1)

أخرجه الحاكم 2/ 476 من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الفتح 8/ 626 - من طريق يزيد بن الأصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

في ص، م، ت 1:"حميم".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 15.

ص: 335

قولِه: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: دخانُ جهنَّمَ

(1)

.

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأمويُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: الدخانُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: من دخانِ جهنَّمَ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عباسٍ، ومنصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قالا: الدخانُ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: من دخانٍ

(5)

.

(1)

في ص، م، ت 1:"حميم". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه هناد في الزهد (238)، والحافظ في التغليق 4/ 335 من طريق منصور به.

(3)

في ص، م:"حميم". والأثر في تفسير مجاهد ص 643 ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح 8/ 626 - ، وعبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 335 - .

(4)

في ت 2، ت 3:"دخان خبهم".

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 272 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى عبد بن حميد.

ص: 336

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: كنا نحدَّثُ أنها ظلُّ الدخانِ.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} . قال: ظلُّ الدخانِ دخانِ جَهنمَ، زعَم ذلك بعضُ أهلِ العلمِ.

وقولُه: {لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ليس ذلك الظلُّ بباردٍ كبردِ ظلالِ سائرِ الأشياءِ، ولكنه حارٌ؛ لأنه دخانٌ من سعيرِ جَهنمَ، وليس بكريمٍ؛ لأنه مُؤْلِمُ مَن استظلَّ به. والعربُ تُتْبِعُ كلَّ منفيٍّ عنه صفةُ حمدٍ، نفيَ الكرمِ عنه، فتقولُ: ما هذا الطعامُ بطيبٍ ولا كريمٍ، وما هذا اللحمُ بسمينٍ ولا كريمٍ، وما هذه الدارُ بنظيفةٍ ولا كريمةٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا النضرُ، قال: ثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه:{لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} . قال: كلُّ شرابٍ ليس بعذبٍ فليس بكريمٍ

(1)

.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} . قال: لا باردِ المنزلِ، ولا كريمِ المنظرِ

(2)

.

وقولُه: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء الذين وصَف صفتَهم من أصحابِ الشمالِ، كانوا قبلَ أن يُصيبَهم من عذابِ اللَّهِ ما

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 15.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر.

ص: 337

أصابهم في الدنيا، {مُتْرَفِينَ} ، يعني: مُنَعَّمين.

كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ:{إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} . يقولُ: مُنَعَّمين

(1)

.

وقولُه: {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكانوا يُقيمون على الذنبِ العظيمِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يُصِرُّونَ} ، قال: يُدْمِنون

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ}]

(3)

. قال: يَذْهبون

(4)

، أو يُدْمِنون.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَكَانُوا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 47 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 643 ومن طريقه الفريابي - كما في الفتح 8/ 626، وعبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 335 - .

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد".

(4)

في ت 2، ت 3:"يدهنون"، وفي الفتح:"يديمون".

ص: 338

يُصِرُّونَ}. قال: لا يتُوبون ولا يَسْتَغْفِرون. والإصرارُ عندَ العربِ على الذنبِ الإقامةُ عليه، وتركُ الإقلاعِ عنه.

وقولُه: {عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} ، يعني: على الذنبِ العظيمِ، وهو الشركُ باللهِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . قال: على الذنبِ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَة، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه:{الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . قال: الشركِ

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . يعني الشركَ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . قال: الذنبِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . قال: الحنثُ العظيمُ الذنبُ العظيمُ. قال: وذلك الذنبُ العظيمُ

(1)

تفسير مجاهد ص 644.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 15.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 272، عن معمر به.

ص: 339

الشركُ؛ لا يَتُوبون ولا يَسْتَغْفِرون

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . هو الشركُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ]

(3)

، عن مجاهدٍ:{عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} . قال: الذنبِ العظيمِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وكانوا يقولون كفرًا منهم بالبعثِ، وإنكارًا لإحياءِ اللهِ خلقَه من بعدِ مماتِهم: أئذا كنا ترابًا في قبورِنا من بعدِ مماتِنا، وعظامًا نَخِرةً، أئنا لمبعوثون منها أحياءً كما كنا قبلَ المماتِ؟

{أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} [يقولُ تعالى ذكرُه: يقولون: أئنا لمبعُوثون، أوَيُبْعَثُ آباؤنا]

(4)

الذين كانوا قبلَنا وهم الأوَّلون؟ يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم:

قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ:

إن الأوَّلين من آبائِكم والآخرِين منكم ومن غيرِكم لمجموعون إلى ميقاتِ يومٍ معلومٍ، وذلك يومُ القيامةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53)} .

(1)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 209.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 15.

(3)

في ص، م، ت 1:"عن ابن جريج"، وفي ت 2، ت 3:"عن سفيان عن ابن جريج".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 340

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ الشمالِ: ثم إنكم أيُّها الضالون عن طريقِ الهدى، المكذِّبون بوعيدِ اللَّهِ ووَعْدِه، لآكلون من شجرٍ من زقومٍ.

وقولُه: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} . يقولُ: فمالئون من الشجرِ من

(1)

الزَّقومِ في بطونِهم.

واختلَف أهل العربيةِ في وجهِ تأنيثِ الشجرِ في قولِه: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا} ؛ [قال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قيل: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا]

(2)

الْبُطُونَ}: أي: من الشجرِ، {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} ؛ لأن "الشجرَ" تُؤنَّثُ وتُذَكَّرُ، وأنَّث لأنه حمَله على الشجرةِ؛ لأن الشجرةَ قد تدُلُّ على الجميعِ، فتقولُ العربُ: نبَتتْ قِبلَنا شجرةٌ مُرَّةٌ وبَقْلةٌ رديئةٌ. وهم يَعْنون الجميعَ

(3)

. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ

(4)

: {لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ} : وفي قراءة عبدِ اللَّهِ: (لآكِلون مِن شَجَرةٍ مِن زَقُّومٍ) على واحدةٍ

(5)

، [فمعنى "شَجَرٍ" و"شجرةٍ" واحدٌ؛ لأنك إذا قُلتَ: أَخَذتُ من الشاءِ. فإن نويتَ واحدةً]

(6)

أو أكثرَ من ذلك، فهو جائزٌ. ثم قال:{فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} : يريدُ: من الشجرة؛ ولو قال: (فمالئون منه

(7)

). إذا لم يُذَكِّرُ الشجرةَ كان صوابًا، يذهبُ إلى "الشجرِ" في "منه"، ويُؤَنِّتُ "الشجرَ"، فيكونُ {مِنْهَا} كنايةً عن الشجرِ، والشجرُ يُؤَنَّتُ ويُذَكَّرُ، مثلُ التمرِ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ.

(1)

سقط من: ص، م.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ينظر البحر المحيط 8/ 210.

(4)

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 127.

(5)

وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(6)

سقط من: الأصل.

(7)

بعده في الأصل: "البطون".

ص: 341

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا القولُ الثاني، وهو أن قولَه:{فَمَالِئُونَ مِنْهَا} . مرادٌ به: من الشجرِ. أنَّث للمعنى، وقال:{فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} . مذكَّرًا للفظِ الشجرِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: فشاربٌ أصحابُ الشمالِ على

(1)

الشجرِ من الزَّقومِ إذا أكَلوه فملَئوا منه بطونَهم، من الحميم الذي قد انتَهى غليُه وحرُّه. وقد قيل: إن معنى قوله: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} : فشارِبون على الأكلِ من الشَّجرِ من الزقومِ.

وقولُه: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والكوفةِ: {شُرْبَ الْهِيمِ} ، بضمِّ الشينِ

(2)

. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ والشامِ: (شَربَ الهِيم)[بفتحِ الشينِ]

(3)

؛ اعتلالًا بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأيامِ مِنًى: "إنها أيَّامُ أَكْلٍ وشَرْبٍ"

(4)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان؛ قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ مع تقارُبِ معنيَيْهما، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءتِه؛ لأن ذلك في فتحِه وضمِّه نظيرُ فتحِ قولِهم:"الضَّعف" و"الضُّعف" وضمِّه.

وأما الهِيمُ فإنها جمعُ "أَهْيَمَ"، والأنثى "هيماءُ"، والهِيمُ الإبلُ التي يُصِيبُها

(1)

في الأصل: "من".

(2)

هي قراءة نافع وعاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص 623.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي.

(4)

أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 127، 128 من حديث بديل بن ورقاء.

ص: 342

داءٌ فلا تَرْوَى من الماءِ. ومن العربِ مَن يقولُ: هائمٌ، والأنثى هائمةٌ، ثم يَجْمَعونه على "هُيَّم"، كما قالوا:[عائطٌ وعُيَّطٌ]

(1)

، وحائلٌ وحُوَّلٌ. ويُقالُ: إن الهِيمَ الرملُ. يعني أن أهلَ النارِ يَشْرَبون الحميمَ شُرْبَ الرملِ الماءَ

(2)

.

ذكرُ مَن قال: عنَى بالهِيمِ الإبلَ العِطاشَ

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{شُرْبَ الْهِيمِ} . يقولُ: شُرْبَ الإبلِ العطاشِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} . قال: الإبلِ الظِّماءِ

(4)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عمرانَ بنِ حُدَيرٍ، عن عكرِمةَ في قولِه:{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} . قال: هي الإبلُ المِراضُ، تَمُصُّ الماءَ مَصًّا ولا تَرْوَى

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يَحْيَى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا الحسينُ

(6)

، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} . قال: الإِبلُ يَأْخُذُها العُطاشُ، فلا تَزالُ تَشْرَبُ حتى تَهْلِكَ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرِمةَ:

(1)

في الأصل، ت 3:"غائط وغيط"، وفي ت 1:"غائظ وغيظ"، وفي ت 2:"غائط وغليط". والعائط: هي المرأة والناقة لم تحمل سنين من غير عقر. ينظر القاموس المحيط (ع ي ط).

(2)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 128.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 16.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(6)

في الأصل: "الحسن". وينظر تهذيب الكمال 32/ 23.

ص: 343

{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} . قال: هي الإبلُ يَأْخُذُها العُطاشُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الإبلُ العِطاشُ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{شُرْبَ الْهِيمِ} . قال: الإبلِ الهُيَّمِ

(3)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ، ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} : الهِيمُ الإِبلُ العِطاشُ، تَشْرَبُ فلا تَرْوَى؛ يَأْخُذُها داءٌ يُقالُ له: الهُيَامُ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال:[ثنا يزيدُ، قال]

(5)

: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} . قال: داءٌ بالإبلِ لا تَرْوَى معه

(6)

.

ذكرُ مَن قال: هي الرملةُ

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ

(7)

: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} . قال: السِّهْلةِ.

(1)

أخرجه هناد في الزهد (293) من طريق سفيان به، وأخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 335 من طريق خصيف به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

تفسير مجاهد ص 644، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 335 - .

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

سقط من: م، ت 1.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى عبد بن حميد.

(7)

في الأصل: "عيسى".

ص: 344

وقولُه: {هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفتُ لكم أيُّها الناسُ؛ أنَّ هؤلاءِ المكذِّبين الضَّالين يَأْكُلونه من شجرٍ من زَقُّومٍ، ويَشْرَبون عليه من الحميم - هذا نزلُهم الذي يُنْزِلُهم ربُّهم يومَ الدينِ. يعني: يومَ يَدِينُ اللَّهُ عبادَه.

وقولُه: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه لكفارِ قريشٍ والمكذِّبين بالبعثِ: نحن خلَقْناكم أيُّها الناسُ ولم تَكونوا شيئًا، فأوجدْناكم بشرًا، فهلَّا تُصَدِّقون مَن فَعَل ذلك بكم في قيلِه لكم: إنه يَبْعَثُكم بعدَ مماتِكم وبلاكم في قبورِكم، كهيئتِكم قبلَ مماتِكم؟!

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المكذِّبين بالبعثِ: أفرأَيتم أيُّها المُكذِّبون قُدرةَ اللَّهِ على إحيائِكم من بعدِ مماتِكم - النُّطَفَ التي تُمْنونها في أرحامِ نسائِكم؟

أءنتم تَخْلُقون النُّطفَ

(1)

أمْ نحن الخالِقون؟

وقولُه: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: نحن قدَّرْنا بينَكم أيُّها الناسُ الموتَ، فعجَّلناه لبعضٍ وأخَّرْناه عن بعضٍ إلى أجلٍ مسمًّى.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تلك".

ص: 345

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} . قال: المُستأخِرُ والمُستعجِلُ

(1)

.

وقولُه: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما نحن بمسبوقين]

(2)

أيُّها الناسُ في أنفسِكم وآجالِكم، فمُفْتَاتٌ

(3)

علينا فيها في

(4)

الأمرِ الذي قدَّرْناه لها من حياةٍ وموتٍ، بل لا يَتَقدَّمُ شيءٌ منها

(5)

أجلَنا، ولا يَتَأَخَّرُ عنه.

وقولُه: {عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} . يقولُ: على أن نُبَدِّلَ منكم أمثالَكم بعدَ مَهْلِكِكم، فنَجِيءَ بآخرِين من جنسِكم.

وقولُه: {وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} . يقولُ: ونُبَدِّلَكم عما تَعْلَمون من أنفسِكم، فيما لا تَعْلَمون منها من الصورِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَنُنْشِئَكُمْ} : في أيِّ خلقٍ شِئْنا

(6)

.

(1)

في الأصل: "المتعجل". والأثر في تفسير مجاهد ص 644، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160، إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

في الأصل: "فميقات".

(4)

في الأصل: "بين".

(5)

في م: "من".

(6)

تفسير مجاهد ص 644، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160، إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 346

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد علِمتم أيُّها الناسُ الإحداثةَ الأولى التي أحدَثناكموها، ولم تَكونوا من قبلِ ذلك شيئًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{النَّشْأَةَ الْأُولَى} . قال: إذ لم تَكونوا شيئًا

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} . يعني: خلقَ آدمَ، لستَ سائلًا أحدًا من الناسِ إلا أنبَأَك أن اللَّهَ خلقَ آدمَ من طينٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} . قال: هو خلقُ آدمَ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشيُّ

(3)

، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبا عمرانَ الجَوْنيَّ يَقْرَأُ هذه الآيةَ: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} . قال: هو

(1)

تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 272 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "الحرسي"، وفي ت 2:"الحزمي"، وفي ت 3:"الحرمي". وينظر تهذيب الكمال 26/ 528.

ص: 347

خلقُ آدمَ.

وقولُه: {فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا تَذَكَّرون أَيُّها الناسُ، فتَعْلَموا أن الذي أَنْشَأكم النشأةَ الأولى، ولم تكونوا شيئًا، لا يتعذَّرُ عليه أن يُعيدَكم من بعدِ مماتِكم وفنائِكم [لهيئتِكم قبلَ مماتِكم إذ كنتم]

(1)

أحياءً.

وقولُه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتم أيُّها الناسُ الحرثَ الذي تَحْرُثونه،

{أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} . يقولُ: أأنتم تُصَيِّرونه زرعًا، أم نحن نَجْعَلُه كذلك؟

وقد حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ القُرَشيُّ، قال: ثنا مسلمُ بنُ أبي مسلمٍ الجَرْميُّ

(2)

، قال: ثنا مَخْلَدُ بنُ الحسينِ، عن هشامٍ

(3)

، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُولَن: زرَعتُ. ولكن قُلْ: حرَثتُ". قال أبو هريرةَ: ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللَّهِ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}

(4)

؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: لو نشاءُ لجعَلْنا ذلك الزرْعَ الذي

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحرمي".

(3)

في الأصل: "هشام بن محمد"، وفي م، ت 1، ت 2:"هاشم". وينظر تهذيب الكمال 27/ 331، 332.

(4)

أخرجه البزار في مسنده (1289 - كشف)، وابن حبان (5723)، والطبراني في الأوسط (8024)، وأبو نعيم في الحلية 8/ 267، والبيهقي في شعب الإيمان (5217، 5218) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 160، 161 إلى ابن مردويه.

ص: 348

زرَعْناه حُطامًا، يعني: هشيمًا لا يُنْتَفَعُ به في مَطْعمٍ وغذاءٍ.

وقولُه: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فظَلتم تَتَعَجَّبون مما نزَل بكم في زرعِكم، من المصيبةِ باحتراقِه وهلاكِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . قال: تَعَجَّبون

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . قال: تعَجَّبون

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . قال: تعَجَّبون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظَلتم تَلاومون بينَكم، في تفريطِكم في طاعةِ ربِّكم، حتى نالكم بما نالكم به

(3)

من إهلاكِ زرعِكم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . يقولُ: تلاوَمون

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 272 عن معمر عن مجاهد.

(3)

ليس في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 20، وابن كثير في تفسيره 8/ 18.

ص: 349

[حدَّثنا ابنُ حُميدٍ]

(1)

، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ البَكريِّ، عن عكرِمةَ:{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . قال: تَلاومون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظَلتم تَنَدَّمون على ما سلَف منكم من

(2)

معصية اللهِ التي أوجبت

(3)

لكم عقوبتَه، حتى نالكم في زرعِكم ما نالكم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى ابنُ عليةَ، عن [أبي رجاءٍ]

(4)

، عن الحسنِ:{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . قال: تَنَدَّمون

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [عن قتادةَ]

(6)

قولَه: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . قال: تَنَدَّمون

(7)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظَلتم تَفَجَّعون

(8)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} . قال: تتفَجَّعون

(9)

حينَ صنَع بحرثِكم ما صنَع به. وقرَأ

(1)

ليس في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أوجب".

(4)

في الأصل: "ابن أبي رجاء". ينظر تهذيب الكمال 25/ 355.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(6)

سقط من: ص.

(7)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 272 عن معمر عن قتادة، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 18.

(8)

في م، ت 1، ت 2:"تعجبون". وهو خطأ.

(9)

في ص: "تفجعون قال: تتفجعون". وفي م: "تعجبون" وفي ت 1، ت 2:"تعجبون، قال: تتعجبون"، وفي ت 3:"تفجعون".

ص: 350

قولَ اللَّهِ عز وجل: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} . وقرَأ قولَ اللَّهِ: {وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ

(1)

} [المطففين: 31]. قال: هؤلاء ناعِمين. وقرَأ قولَ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: {[كَمْ تَرَكُوا]

(2)

مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}. إلى قوله: {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 25 - 27].

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى {فَظَلْتُمْ} : فأقمتم تَعَجَّبون مما نزَل بزرعِكم. وأصلُه من التفكُّهِ بالحديثِ إذا حدَّث الرجلُ الرجلَ بالحديثِ يُعْجَبُ منه، ويَلْهَى به، فكذلك ذلك. وكأن معنى الكلامِ: فأَقمتم تَتَعَجَّبون، يُعَجِّبُ بعضُكم بعضًا مما نزَل بكم.

وقولُه: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: إنا لمولَعٌ بنا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحبابِ، قال: أخبَرني الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنى يزيدُ النحويُّ، عن عكرِمةَ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه:{إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} . قال: إنا لمولَعٌ بنا

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} . أي: لمولَعٌ بنا

(4)

.

(1)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فاكهين". ينظر التيسير ص 179، وهي قراءة نافع وأبي بكر وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي، والمثبت قراءة حفص.

(2)

في النسخ: "فأخرجناهم". وهو خطأ، فهذه في سورة الشعراء: 57، ومحل الاستشهاد في سورة الدخان الآيات 25 - 27.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 20 مختصرًا.

(4)

أخرجه عبد الرزاق 2/ 273 عن معمر عن رجل عن مجاهد. وذكره البغوي في تفسيره 8/ 20.

ص: 351

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لمعذَّبون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} . أي: مُعذَّبون

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لمُلْقَون للشرِّ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} . قال: مُلْقَون للشرِّ

(2)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إنا لمعذَّبون، وذلك أنَّ الغرامَ عندَ العربِ: العذابُ، ومنه قولُ الأعشى

(3)

:

إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَامًا وإن

يُعْطِ جَزِيلًا فإنَّه لا يُبَالى

يعني بقولِه: يَكُن غرامًا: يَكُنْ عذابًا.

وفي الكلامِ متروكٌ اسْتُغْنيَ بدلالةِ الكلامِ عليه، وهو: فظَلتم تَفَكَّهون، تقولون: إنا لمُغْرَمون، فَتُرِك "تقولون" من الكلامِ لما وصَفْنا.

وقولُه: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} . يعني بذلك أنهم يَقولون: ما هلَك زرعُنا وأُصِبْنا

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 21.

(2)

تفسير مجاهد ص 644 ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 335 - ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تقدم تخريجه في 17/ 495.

ص: 352

به من أجلِ أنا لمغرمون، ولكنا قومٌ مَحْرومون. يعْنون: إنهم محدودون

(1)

، ليس لهم جَدٌّ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} . قال: مَحدودون

(3)

.

[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}: بل جُوزينا فحُرِمْنا]

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} . قال: أي مُحَارَفون

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتم أيُّها الناسُ الماءَ الذي تَشْرَبون؟

أأنتم أنزَلتموه من السحابِ فوقَكم إلى قرارِ الأرضِ، أم نحن مُنْزِلوه لكم؟

(1)

في ص: "مجدودون"، وفي م:"غير مجدردين". وينظر تفسير ابن كثير 8/ 18.

(2)

والجد: الحظ والسعادة والغنى. النهاية 1/ 244.

(3)

في ص، م، ت 3:"حورفنا فحرمنا"، ت 1:"جوزفنا"، ت 2:"حرزنا". والأثر في تفسير مجاهد ص 644، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 272 عن معمر به.

ص: 353

وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: {الْمُزْنِ} . قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مِنَ الْمُزْنِ} . قال: السحابِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} . أي: من السحابِ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} . قال: المزنُ السحابُ اسمُها. {أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} . قال: السحابِ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} . قال: المزنُ السماءُ والسحابُ

(3)

.

وقولُه: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: لو نشاءُ جعَلْنا ذلك الماءَ الذي أنْزَلْناه لكم مِن المُزْنِ مِلْحًا، وهو الأُجاجُ، والأُجاجُ مِن الماءِ ما اشْتَدَّت ملوحتُه. يقولُ: لو نَشاءُ فعَلْنا ذلك به، فلم تَنْتَفِعوا به في شُربٍ ولا غَرْسٍ ولا زَرْعٍ.

وقولُه: {فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا تَشْكُرُون ربَّكم على

(1)

تفسير مجاهد ص 645، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى عبد بن حميد.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 354

إعطائِه ما أعْطاكم مِن الماءِ العذبِ، لشربِكم ومنافِعكم، وصلاحِ مَعايشِكم، وتركِه أَن يَجْعَلَه أُجاجًا لا تَنْتَفِعون به

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأيْتُم أيُّها الناسُ النارَ التي تَسْتَخْرِجون مِن زَنْدِكم.

{أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا} . يقولُ: أأنتم أحْدَثْتُم شجرتَها، واخْتَرَعْتم أصلَها، {أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} يقولُ: أم نحن اخْتَرَعْنا ذلك وأحْدَثْناه.

وقولُه: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} . يقولُ: نحن جعَلْنا النار تَذْكرةً لكم، تَذْكُرون بها نارَ جهنمَ، فتَعْتَبِرون وتَتَّعِظون بها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{تَذْكِرَةً} . قال: تَذْكرةُ النارِ الكبرى

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا

(1)

تفسير مجاهد ص 645، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 355

تَذْكِرَةً}. [يقولُ: تذكرةً]

(1)

للنارِ الكبرى

(2)

. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إن نارَكم هذه التي تُوقِدون جزءٌ مِن سبعين جزءًا مِن نارِ جهنمَ". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن كانت لَكافيةً. قال: "قد ضُرِبَت بالماءِ ضَرْبَتَيْن، أو مرتين، لينتفعَ

(3)

بها بنو آدم، ويَدْنُوا منها"

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{تَذْكِرَةً} . قال: للنار الكبرى التي في الآخرةِ

(5)

.

وقولُه: {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى المُقْوِين؛ فقال بعضُهم: هم المسافرون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{لِلْمُقْوِينَ} . قال: للمسافرين

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} . قال: يعني: للمسافرين

(7)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} .

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى المصنف وعبد الرزاق.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ليستنفع".

(4)

أخرجه أحمد 12/ 280 (7327)، ومسلم (2843) وغيرهما من حديث أبي هريرة.

(5)

أخرجه هناد في الزهد (237) من طريق سفيان به

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 47 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(7)

في ص، م، ت 1، ت 3:"المسافرين".

ص: 356

قال: للمُرْمِلِ؛ المسافرِ.

حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لِلْمُقْوِينَ} . قال: للمسافرين

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} . قال: للمسافرين

(2)

.

وقال آخرون: عُنِي بالمُقْوِين: المُسْتَمْتِعون بها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} : للمُسْتَمْتِعين؛ الناسِ أجمعين

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} : للمُسْتَمْتِعين؛ المسافرِ والحاضرِ

(4)

.

حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبٍ الشَّهِيدُ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بشرٍ

(5)

، عن خُصَيْفٍ في قولِه:{وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} . قال: للخلقِ.

وقال آخرون: بل عُني بذلك الجائعون.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 273 عن معمر به

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 19.

(3)

تفسير مجاهد ص 645، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه هناد في الزهد (237) من طريق سفيان به.

(5)

في ص: "بسر"، وفي ت 2، ت 3:"بشير".

ص: 357

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} . قال: المُقْوِي الجائعُ. وفي كلامِ العربِ يقولُ: أَقْوَيْتُ منذُ كذا وكذا. ما أكَلْتُ منذُ

(1)

كذا وكذا شيئًا

(2)

.

وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُني بذلك المسافرُ الذي لا زادَ معه، ولا شيءَ له. وأصلُه من قولِهم: أقْوَت الدارُ. إذا خلَت مِن أهلِها وسكانِها، كما قال الشاعرُ

(3)

:

أَقْوَى وأَقْفَرَ مِن نُعْمٍ وغيَّرَها

هُوجُ الرياحِ بِهَابِي التُّرْبِ مَوَّارِ

يعني بقولِه: أقوَى. خلا مِن سُكَّانِه. وقد يكونُ المُقْوِي ذا الفرسِ القويِّ، وذا المالِ الكثيرِ، في غيرِ هذا الموضعِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فسبِّحْ يا محمدُ بذكرِ

(4)

ربِّك العظيمِ وتسميتِه.

وقولُه: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ

(1)

في م: "منه".

(2)

ينظر البحر المحيط 8/ 210.

(3)

البيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص 233.

(4)

في ت 2، ت 3:"بحمد".

ص: 358

قولِه: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بقولِه: {فَلَا أُقْسِمُ} : أُقْسِمُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جُريجٍ

(1)

، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ

(2)

: {فَلَا أُقْسِمُ} . قال: أُقْسِمُ

(3)

.

وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: معنى قولِه: {فَلَا} : فليس الأمرُ كما تقولون. ثم استُؤنِف القسمُ بعدُ، فقيل: أُقْسِمُ

وقولُه: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فلا أُقْسِمُ بمنازلِ القرآنِ. وقالوا: أُنْزِل القرآنُ على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نجومًا متفرقةً.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا حُصَيْنٌ، عن حكيمِ بنِ

(4)

حُبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ في ليلةِ القدرِ من السماءِ العليا إلى السماءِ الدنيا جملةً واحدةً، ثم فُرِّق في السنينَ بعدُ. قال: وتلا ابنُ عباسٍ هذه الآيةَ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . قال: نزَل متفرِّقًا

(5)

.

(1)

في الأصل، ت 2:"أبي نجيح".

(2)

بعده في ت 2، ت 3:"عن ابن عباس".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 20.

(4)

في الأصل: "عن".

(5)

أخرجه مجاهد في تفسيره ص 645 من طريق حكيم بن جبير به وقد تقدم تخريجه في 3/ 191.

ص: 359

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . قال: أَنْزَلَ اللَّهُ القرآنَ نجومًا؛ ثلاثَ آياتٍ وأربعَ آياتٍ وخمسَ آياتٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن عكرمةَ: أن القرآنَ نزَل جميعًا، فوُضِع بمواقعِ النجوم، فجعَل جبريلُ يأتى بالسورةِ، وإنما نزَل جميعًا في ليلةِ القدرِ.

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . قال: هو مُحْكَمُ القرآنِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} . قال: مُسْتَقَرِّ الكتابِ أولِه وآخرِه

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا أُقْسِمُ بمَساقطِ النجومِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ،

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 21.

(2)

أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (130) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى ابن نصر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى المصنف.

ص: 360

عن مجاهدٍ في قولِه: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . قال: في السماءِ. ويقالُ: مَطالعُها ومَساقطُها

(1)

.

حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . أي: مَساقطِها

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بمنازلِ النجومِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . قال: بمنازلِ النجومِ

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بانتثارِ النجومِ عندَ قيامِ الساعةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} . قال: قال الحسنُ: انكدارُها وانتثارُها يومَ القيامةِ (2).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فلا أُقْسِمُ بمَساقطِ النجومِ ومَغايبِها في السماءِ. وذلك أن المواقعَ جمعُ موقعٍ، والموقعُ المَفْعِلُ؛ مِن وقَع يَقَعُ مَوْقِعًا، فالأغلبُ مِن مَعانيه والأظهرُ من تأويلِه ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا: هو أوْلَى معانيه به.

(1)

تفسير مجاهد ص 645، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 161 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 273 عن معمر به.

ص: 361

واخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (بمَوْقِعِ) على التوحيدِ

(1)

. وقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: {بِمَوَاقِعِ} على الجماعِ

(2)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا القَسَمَ الذي أقْسَمْتُ لقسمٌ لو تَعْلَمون ما هو، وما قَدْرُه، قسمٌ عظيمٌ. وهو مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وإنما هو: وإنه لقسمٌ عظيمٌ لو تَعْلَمون عِظَمَه.

وقولُه: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فلا أُقْسِمُ بمَواقعِ النجومِ، إن هذا القرآن لقرآنٌ كريمٌ. والهاءُ في قولِه:{إِنَّهُ} . من ذكرِ القرآنِ.

وقولُه: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هو في كتابٍ مَصُونٍ عندَ اللَّهِ، لا يَمَسُّه شيءٌ مِن أَذًى؛ من غُبارٍ ولا غيرِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شَريكٌ، عن حَكيمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}

(3)

: الكتابَ الذي في السماءِ

(4)

.

(1)

هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 624.

(2)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 624.

(3)

بعده في الأصل: "قال المطهرون قال".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 21 عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص 646، ومن طريقه البيهقي في =

ص: 362

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} . قال: القرآنُ في كتابِه المكنونِ، الذي لا يَمَسُّه شيءٌ مِن ترابٍ ولا غُبارٍ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ]

(2)

في قولِه: [{فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} : هو عندَ رَبِّ العالمين

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} . قال: هو كتابٌ]

(4)

لا يَمَسُّهُ إلا المطَهَّرون؛ زعَموا أن الشياطينَ تَنَزَّلَت به على محمدٍ، فَأَخْبَرهم اللَّهُ أنها لا تَقْدِرُ على ذلك، ولا تَسْتَطِيعُه، وما يَنْبَغِي لهم أن يَنْزِلوا بهذا، وهو محجوبٌ عنهم. وقرَأ قولَ اللَّهِ:{وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}

(5)

[الشعراء: 211، 212].

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني: العَتَكيُّ - عن جابرِ بنِ زيدٍ وأبي نَهِيكٍ في قولِه: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} . قال: هو كتابٌ في السماءِ.

قولُه: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَمَسُّ ذلك

= معرفة السنن (108) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 للمصنف وآدم ابن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في المعرفة.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 508، وابن كثير في تفسيره 8/ 21.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 21.

ص: 363

الكتابَ المكنونَ

(1)

إلا الذين قد طهَّرَهم اللَّهُ مِن الذنوبِ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بقولِه: {إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أراد اللَّهُ أن يُنْزِلَ كتابًا نسَخَته السَّفَرَةُ، فلا يَمَسُّه إلا المُطَهَّرون. قال: يعني: الملائكةُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا

(3)

عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيعِ بنِ أبي راشدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: الملائكةُ الذين في السماءِ

(4)

.

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الربيعِ بنِ أبي راشدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. قال: الملائكةُ]

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن الربيعِ بنِ أبي راشدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: الملائكةُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني:

(1)

في ص: "المكتوب".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 21 عن العوفي به، وهو في تفسير مجاهد ص 646، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (108) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.

(3)

بعده بياض في الأصل بمقدار كلمتين.

(4)

أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص 187 من طريق رجل عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى عبد بن حميد وابن المنذر

(5)

ليس في: الأصل.

ص: 364

العَتَكيُّ - عن جابرِ بنِ زيدٍ وأبي نَهِيكٍ في قولِه: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . يقولُ: الملائكةُ

(1)

.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: الملائكةُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: الملائكةُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ

(3)

، عن أبي العاليةِ:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: الملائكةُ.

وقال آخرون: بل هم حملةُ التوراةِ والإنجيلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: حملةُ التوراةِ والإنجيلِ

(4)

.

وقال آخرون في ذلك: هم الذين قد طُهِّروا من الذنوبِ كالملائكةِ والرسلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 21.

(2)

تفسير مجاهد ص 646، ومن طريقه البيهقي في معرفة السنن 1/ 187 عقب الأثر (108)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في الأصل: "منصور".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 365

أبي العاليةِ الرِّياحيِّ في قولِه: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: ليس أنتم، أنتم أصحابُ الذنوبِ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: الملائكةُ والأنبياءُ والرسلُ التي تَنْزِلُ به مِن عندِ اللَّهِ مُطَهَّرةٌ، والأنبياءُ مُطَهَّرةٌ، فجبريلُ يَنْزِلُ به مُطَهَّرٌ، والرسلُ الذين تَجِيئُهم به مُطَهَّرون، فذلك قولُه:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . والملائكةُ والأنبياءُ والرسلُ من الملائكةِ، والرسلُ مِن بني آدمَ، فهؤلاء يَنْزِلون به مُطَهَّرون، وهؤلاء يَتْلُونه على الناسِ مُطَهَّرون. وقرَأ قولَ اللَّهِ:{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 15، 16]. قال: بأيدي الملائكةِ الذين يُحْصُون على الناسِ أعمالَهم.

وقال آخرون: عُنِي بذلك: أنه لا يَمَسُّه عندَ اللَّهِ إلا المُطَهَّرون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} : ذاكم عندَ ربِّ العالمين، فأما عندَكم فيَمَسُّه المشركُ النَّجِسُ، والمنافقُ الرَّجِسُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . قال: لا يَمَسُّه عندَ اللَّهِ إلا المُطَهَّرون، فأما في الدنيا فإنه يَمَسُّه المَجُوسيُّ النَّجِسُ والمنافقُ الرَّجِسُ. [وقال]

(3)

في حرفِ ابن مسعودٍ: (ما يَمَسُّه

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 548 عن مروان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى ابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"قام".

ص: 366

إلا المُطَهَّرون)

(1)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر أنه لا يَمَسُّ الكتابَ المكنونَ إلا المطَهَّرون، فعمَّ بخبرِه المُطَهَّرين، ولم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ، فالملائكةُ مِن المُطَهَّرين، والرسلُ والأنبياءُ مِن المُطَهَّرين، وكلُّ مَن كان مُطَهَّرًا مِن الذنوبِ فهو ممن استُثْنِي وعُنِي بقولِه:{إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} .

وقولُه: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . يقولُ: هذا القرآنُ تنزيلٌ مِن ربِّ العالمين، نزَّله مِن الكتابِ المكنونِ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ العَتَكيُّ، عن جابرِ بن زيدٍ وأبي نَهِيكٍ في قولِه:{تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: القرآنُ يَنْزِلُ مِن ذلك الكتابِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: أفبهذا القرآنِ الذي أنْبَأْتُكم خبرَه، وقصَصْتُ عليكم أمرَه أيُّها الناسُ، أنتم تُلِينون القولَ للمكذبين به؛ مُمالأةً منكم لهم على التكذيبِ به والكفرِ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم في ذلك نحوَ ما قلنا فيه.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف 8/ 21، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى المصنف والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف

ص: 367

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} . قال: تُرِيدون أن تُمالِئوهم فيه وتَرْكَنوا إليهم

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفبهذا الحديثِ أنتم مُكَذِّبون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} . يقولُ: مكذِّبون غيرُ مصدِّقين

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} . يقولُ: مُكَذِّبون

(3)

.

وقولُه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . يقولُ: وتَجْعَلون شكرَ اللَّهِ على رزقِه إياكم التكذيبَ، وذلك كقولِ قائلٍ لآخرَ: جعَلْتَ إحساني إليك إساءةً منك إليَّ. بمعنى: جعَلْتَ شكرَ إحساني، أو ثوابَ إحساني إليك، إساءةً منك إليَّ.

وقد ذُكِر عن الهيثمِ بن عديٍّ أن من لغةِ أَزْدِ شَنُوءَةَ: ما رزَق فلانٌ. بمعنى: ما شكَر.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 22.

ص: 368

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى عبدُ الأعلى الثعلبيُّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ رضي الله عنه:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . قال: شُكْرَكم

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن عبدِ الأعلى الثَّعْلبيِّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ رفَعه، قال:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قال: "شكرَكم؛ تقولون: مُطِرنا بنَوْءِ كذا وكذا، وبنجمِ كذا وكذا"

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكيرٍ

(3)

، عن إسرائيلَ، عن عبدِ الأعلى، عن أبي عبدِ الرحمنِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:" {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} ". قال: "شُكْرَكم أنكم تُكَذِّبون". قال: "يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا"

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن

(1)

ذكره الترمذي عقب الحديث (3295) عن سفيان به. وينظر الأثر القادم.

(2)

أخرجه البزار في مسنده (593) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه الإمام أحمد 2/ 97، 210 (677، 849، 850)، وأحمد بن منيع - كما في الدر المنثور 6/ 193 وعنه الترمذي (3295) - والضياء في المختارة (571)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (789)، من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 193 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بكير".

(4)

أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند 2/ 330 (1087) من طريق يحيى بن أبي بكير به.

ص: 369

سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما مُطِر قومٌ قطُّ إلا أصْبَح بعضُهم كافرًا، يقولون: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، وقرَأ ابنُ عباسٍ:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . ثم قال: ما مُطِر الناسُ ليلةً قطُّ، إلا أصْبَح بعضُ الناسِ مشركين؛ يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا. قال: وقال: وتَجْعَلون شُكْرَكم أنكم تُكَذِّبون.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} . قال: وتجعلون شكرَكم على ما أَنْزَلْتُ عليكم مِن الغَيْثِ والرحمةِ؛ تقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا. قال: فكان ذلك منهم كفرًا بما أنْعَم اللَّهُ عليهم

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، قال: أحْسَبُه أو غيرَه، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سمِع رجلًا، ومُطِروا، يقولُ: مُطِرْنا ببعضِ عَثانينِ الأسدِ. فقال: "كذَبْتَ، بل هو رزقُ اللَّهِ"

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْميِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّهَ لَيُصَبِّحُ القوم بالنعمةِ، أو يُمْسِيهم

(4)

بها، [فيُصْبِحُ بها قومٌ]

(5)

كافرين؛ يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا". قال محمدٌ: فذكَرْتُ هذا الحديثَ لسعيدِ بنِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 162، 163 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(2)

أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص 185 عن هشيم به.

(3)

تقدم تخريجه في 21/ 521.

(4)

في الأصل، ت 2:"يمسهم".

(5)

في الأصل: "فيصبحوا بها قوما".

ص: 370

المسيَّبِ، فقال: ونحن قد سمِعْنا مِن أبي هريرةَ، وقد أَخْبَرني مَن شهِد عمرَ بنَ الخطابِ، رضي الله عنه، وهو يَسْتَسْقي، فلما اسْتَسْقَى، الْتَفَتَ إلى العباسِ، فقال: يا عباسُ، يا عمَّ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كم بقِيَ مِن نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فقال: العلماءُ بها يَزْعُمون أنها تَعْتَرِضُ في الأفقِ بعدَ سقوطِها سبعًا. قال: فما مضَت سابعةٌ حتى مُطِروا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، عن أبي عبدِ الرحمنِ، عن عليٍّ:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . قال: كان يَقْرَؤُها: (وتَجْعَلون شكرَكم أنكم تُكَذِّبون)

(2)

[حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}]

(3)

. يقولُ: جَعَلْتُم رزقَ اللَّهِ بنَوْءِ النجمِ. وكان رزقُهم في أنفسِهم بالأنواءِ؛ أنواءِ المطرِ، إذا نزَل عليهم المطرُ قالوا: رُزِقْنا بنَوْءِ كذا وكذا، وإذا أُمْسِك عنهم كذَّبوا، فذلك تكذيبُهم.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ في قولِه:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . قال: كان ناسٌ يُمْطَرون فيقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا، مُطِرْنا بنَوْءِ كذا

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 23 عن المصنف، وأخرجه الحميدي (979) عن سفيان به، وأخرجه البيهقي 3/ 359 من طريق ابن إسحاق به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 163 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 273 عن معمر به.

ص: 371

قولَه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . قال: قولُهم في الأنواءِ: مُطِرْنا بنوءِ كذا ونوءِ كذا. يقولُ: قولوا: هو مِن عندِ اللَّهِ، وهو رزقُه

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} . يقولُ: جَعَل اللَّهُ رزقَكم في السماءِ، وأنتم تَجْعَلونه في الأنواءِ

(2)

.

حدَّثني أبو صالحٍ الصِّرَاريُّ

(3)

، قال: ثنا أبو جابرٍ محمدُ بنُ عبدِ الملكِ الأزديُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"ما مُطِر قومٌ مِن ليلةٍ إلا أصْبَح قومٌ بها كافرين". ثم قال: " {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}؛ يقولُ قائلٌ: مُطِرْنا بنجمِ كذا وكذا"

(4)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتَجْعَلون حظَّكم منه التكذيبَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} : أما الحسنُ فكان يقولُ: بئسما أخَذ قومٌ لأنفسِهم، لم يُرْزَقوا من كتابِ اللَّهِ إلا التكذيبَ به.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} : خسِر عبدٌ لا يكونُ حظُّه مِن كتابِ اللَّهِ

(1)

تفسير مجاهد ص 646، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 163 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 24.

(3)

في الأصل، ت 2، ت 3:"الضراري". ينظر الأنساب 3/ 532.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 24 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 163 إلى المصنف.

ص: 372

إلا التكذيبَ به

(1)

.

وقولُه: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا إذا بلَغَت النفوسُ عندَ خروجِها من أجسادِكم، أيُّها الناسُ، حَلاقِيمَكم.

{وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} . يقولُ: ومَن حضَرهم منكم مِن أهليهم حينَئذٍ إليهم يَنْظُرُ، وخرَج الخطابُ ههنا عامًّا للجميعِ، والمرادُ به مَن حضَر الميتَ مِن أهلِه وغيرِهم، وذلك معروفٌ من كلامِ العربِ، وهو أن يُخاطِبَ الجماعةَ بالفعلِ، كأنهم أهلُه وأصحابُه، والمرادُ به بعضُهم؛ غائبًا كان أو شاهدًا، فيقولُ: قتَلْتُم فلانًا. والقاتلُ منهم واحدٌ؛ إما غائبٌ وإما شاهدٌ.

وقد بيَّنا نظائرَ ذلك في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِنا هذا

(2)

.

يقولُ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} . يقولُ: ورسلُنا الذين يَقْبِضون رُوحَه أقربُ إليه منكم، {وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ}. [يقولُ: ولكن لا تبصِرونهم]

(3)

.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: قيل: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) [وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} . كأنه قد سمِع منهم، واللَّهُ أعلمُ: إنا نَقْدِرُ على أن لا نموتَ ونمتنعَ

(4)

. فقال]

(5)

: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} . ثم قال: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} . أي: غيرَ مَجْزِيِّين تَرْجِعون تلك النفوسَ، وأنتم تَرَوْن كيف تَخْرُجُ عندَ ذلك، إن كنتم صادقين بأنكم تَمْتَنِعون مِن الموتِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 273 عن معمر به.

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 404، 405.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

سقط من: م.

(5)

في الأصل: "بأنكم لمبعوثون على ألا يموت ويمنع فقال من الموت". هكذا مضطربة.

ص: 373

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا إن كنتم أيُّها الناسُ غيرَ مَدِينِين.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {غَيْرَ مَدِينِينَ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: غيرَ مُحاسَبِين.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} . يقولُ: غيرَ مُحاسَبِين

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{غَيْرَ مَدِينِينَ} . قال: مُحاسَبين

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} . أي: مُحاسَبين

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} . قال: كانوا يَجْحَدون أن يُدانوا بعدَ الموتِ، قال: وهو مالكُ يومِ الدينِ، يومَ يُدانُ الناسُ بأعمالِهم. قال: يُدانُون يُحاسَبون.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا أبو رَجاءٍ، عن الحسنِ في

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 646، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى عبد بن حميد.

ص: 374

قولِه: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} . قال: يعني: غيرَ مُحاسَبين

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ:{فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} . قال: غيرَ مَبْعُوثين، وغيرَ مُحاسَبين.

وقال آخرون: معناه: غير مَبْعوثين.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ:{فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} : غيرَ مَبْعوثين يومَ القيامةِ، تَرْجِعونها إن كنتم صادقين

(2)

.

وقال آخرون: بل معناه: غيرَ مَجْزِيِّين بأعمالِكم.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: غير مُحاسَبين فمَجْزِيِّين بأعمالِكم، مِن قولِهم: كما تَدِينُ تُدانُ. ومن قولِ اللَّهِ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .

وقولُه: {تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: تَرُدُّون تلك النفوسَ مِن بعدِ مَصيرِها إلى الحَلاقيمِ، إلى مستقرِّها من الأجسادِ إن كنتم صادقين، إن كنتم تَمْتَنِعون مِن الموتِ والحسابِ والمُجازاةِ، وجوابُ قولِه:{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} ، وجوابُ قولِه:{فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} - جوابٌ واحدٌ، وهو قولُه:{تَرْجِعُونَهَا} . وذلك نحوَ قولِه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]. جعَل جوابَ الجزاءين جوابًا واحدًا.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: {تَرْجِعُونَهَا} . قال أهلُ التأويلِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 375

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تَرْجِعُونَهَا} . قال: لتلك النفسِ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

وقولُه: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأما إن كان الميتُ مِن المُقَرَّبين الذين قرَّبهم اللَّهُ من جِوارِه في جِنانِه.

{فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} . [يقولُ: فله رَوْحٌ ورَيْحانٌ]

(1)

.

واختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ؛ {فَرَوْحٌ} بفتحِ الراءِ

(2)

، بمعنى: فله بَرْدٌ، {وَرَيْحَانٌ} ، يقولُ: ورزقٌ واسعٌ. في قولِ بعضِهم، وفي قولِ آخرين: فله راحةٌ ورَيْحانٌ. وقرَأ ذلك الحسنُ البصريُّ

(3)

: (فرُوحٌ) بضمِّ الراءِ، بمعنى: أن رُوحَه تَخْرُجُ في رَيْحانةٍ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه بالفتحِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليها

(4)

، بمعنى: فله الرحمةُ والمغفرةُ، والرزقُ الطيبُ الهَنِيُّ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فراحةٌ ومُسْتَراحٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

ينظر النشر 2/ 286، والإتحاف ص 253.

(3)

وقرأ بها يعقوب في رواية رويس وابن عباس وقتادة وغيرهم، ينظر البحر المحيط 8/ 215.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عليه".

ص: 376

عباسٍ: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} . يقولُ: راحةٌ ومُسْتَراحٌ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} . قال: يعني بالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِن الدنيا، {وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}. يقولُ: ومغفرةٌ ورحمةٌ

(2)

.

وقال آخرون: الرَّوْحُ الراحةُ، والرَّيْحانُ الرزقُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَرَوْحٌ} . قال: راحةٌ. وقولِه: {وَرَيْحَانٌ} . قال: الرزقُ

(3)

.

وقال آخرون: الرَّوْحُ الفرحُ، والريحانُ الرزقُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ

(4)

إدريسَ، قال: سمِعْتُ أبي، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه:{فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} . قال: الرَّوحُ الفرحُ، والريحانُ الرزقُ

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 47 - من طريق أبي صالح به بلفظ: "فروح: راحة".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى المصنف.

(3)

تفسير مجاهد ص 646، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 329 - بلفظ:"الريحان: الرزق"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى هناد وعبد بن حميد.

(4)

سقط من: م

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 26.

ص: 377

وأما الذين قرءَوا ذلك بضمِّ الراءِ؛ فإنهم قالوا: الرَّوحُ هي رُوحُ الإنسانِ، والريحانُ هو الريحانُ المعروفُ. وقالوا: معنى ذلك: أن أرواحَ المقرَّبين تَخْرُجُ مِن أبدانِهم عندَ الموتِ بريحانٍ تَشُمُّه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن الحسنِ:{فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} . قال: تَخْرُجُ رُوحُه [من جسدِه]

(1)

في رَيْحانةٍ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . قال: لم يَكُنْ أحدٌ مِن المقرَّبين يُفارِقُ الدنيا - والمقرَّبون السابقون - حتى يُؤْتَى بغصنٍ مِن رَيْحانِ الجنةِ فَيَشُمُّه، ثم يُقْبَضُ

(3)

.

وقال آخرون ممن قرَأ ذلك بفتحِ الراءِ: الرَّوحُ الرحمةُ، والريحانُ الريحانُ المعروفُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} . قال: الرَّوحُ الرحمةُ، والريحانُ يُتَلَقَّى به عندَ الموتِ

(4)

.

وقال آخرون منهم: الرَّوحُ الرحمةُ، والريحانُ الاستراحةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى المصنف والمروزي في الجنائز.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 26.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 26، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

ص: 378

الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} : الرَّوحُ المغفرةُ والرحمةُ، والريحانُ الاستراحةُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن منذرٍ الثوريِّ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . قال: هذا عندَ الموتِ، {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}. قال: يُجاءُ له من الجنةِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسنِ في قولِه:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} ، قال: ذلك في الآخرةِ. فقال له بعضُ القومِ، قال: أمَا واللَّهِ إنهم لَيَرَوْن عندَ الموتِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا قُرةُ، عن الحسنِ بمثلِه.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بالرَّوحِ الفرحُ والرحمةُ والمغفرةُ. وأصلُه من قولِهم: وجَدْتُ رَوْحًا. إذا وجَد نسيمًا [رَوْحًا يَسترِيحُ]

(4)

إليه من كربِ الحرِّ. وأما الريحانُ؛ فإنه عندي الريحانُ الذي يُتَلَقَّى به عندَ الموتِ، كما قال أبو العاليةِ والحسنُ، ومَن قال في ذلك نحوَ قولِهما؛ لأن ذلك الأغلبُ والأظهرُ مِن مَعانيه.

وقولُه: {وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} . يقولُ: وله مع ذلك بُستانُ نَعيمٍ يَتَنَعَّمُ فيه.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَجَنَّتُ

(1)

ينظر الدر المنثور 6/ 166.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 401 من طريق منذر الثوري به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166. إلى أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 166 إلى المصنف وعبد بن حميد وأبي القاسم بن منده في كتاب السؤال.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يستروح".

ص: 379

نَعِيمٍ}. قال: قد عُرِضَت عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ} الميتُ {مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} الذين يُؤْخَذُ بهم إلى الجنةِ مِن ذاتِ أيمانِهم {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} .

ثم اخْتُلِف في معنى قولِه: {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} ، فقال أهلُ التأويلِ فيه ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} . قال: سلامٌ منِ عذابِ

(1)

اللَّهِ، وسلَّمَت عليه ملائكةُ اللَّهِ

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} قال: سَلِم

(3)

مما يَكْرَهُ

(4)

.

وأما أهلُ العربيةِ، فإنهم اخْتَلَفوا في ذلك، فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ:{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} ، أي: فيُقالُ: سِلْمٌ

(3)

لك.

وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ

(5)

قولَه: {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} . أي:

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عند".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 28، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 167 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في الأصل: "سلام".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 28.

(5)

معاني القرآن للفراء 3/ 131.

ص: 380

فذلك مُسَلَّمٌ لك، أنك من أصحابِ اليمينِ، وأُلْقِيَت

(1)

"أن"، وهو

(2)

معناها، كما تقولُ: أنت مُصَدِّقٌ مسافرٌ عن قليلٍ. إذا كان قد قال: إني مسافرٌ عن قليلٍ. وكذلك يَجِبُ معناه أنك مسافرٌ عن قليلٍ. ومصدقٌ عن قليلٍ. قال: وقولُه: {فَسَلَامٌ لَكَ} . معناه: فسلامٌ لك أنت مِن أصحابِ اليمينِ. قال: وقد يكونُ كالدعاءِ له؛ كقولِه: فسَقْيًا لك مِن الرجالِ. قال: وإن رفَعْتَ السلامَ فهو دعاءٌ، واللَّهُ أعلمُ بصوابِه.

وقال آخرُ منهم قولَه: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . فإنه جمَع بينَ جوابين؛ ليُعْلَمَ أن "أما" جزاءٌ. قال: وأما قولُه: {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [فإن معناه: فسلامٌ لك أنك من أصحابِ اليمينِ]

(3)

، قال: وهذا أصلُ الكلمةِ: مُسَلَّمٌ لك هذا. ثم حُذِفَت "أن" وأُقِيم "مِن" مُقامَها. قال: وقد قيل: فسلامٌ لك، أنت مِن أصحابِ اليمينِ. فهو على ذاك، أي: سلامٌ لك. يقالُ: أنت مِن أصحابِ اليمينِ. وهذا كلُّه على كلامين. قال: وقد قيل: مُسَلَّمٌ، أي: كما تقولُ: فسلامٌ لك من القومِ. كما تقولُ: فسَقْيًا لك من القومِ. فتكونُ كلمةً واحدةً.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: معناه فسلامٌ لك، أنك مِن أصحابِ اليمينِ. ثم حُذِفَت أن

(4)

، واجْتُزِئ بدلالةِ "مِن" عليها منها، بمعنى: فسلِمْتَ مِن عذابِ اللَّهِ، ومما تَكْرَهُ؛ لأنك مِن أصحابِ اليمينِ.

وقولُه: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} .

(1)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2:"ألغيت"، وفي ت 3:"ألغت".

(2)

في م: "نوى".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 381

يقولُ تعالى ذكرُه: وأما إن كان الميتُ مِن المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ، الحائدين

(1)

عن سبيلِه، فله نُزُلٌ مِن حَميمٍ، قد أُغْلِي حتى انتهَى حرُّه، فهو شرابُه.

{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} يقولُ: وحريقُ النارِ يُحْرَقُ بها، والتصليةُ التَّفْعِلةُ مِن صَلَّاه اللَّهُ النارَ، فهو يُصَلِّيه تَصْلِيةً. وذلك إذا أحْرقَه بها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي أخْبَرْتُكم به أيُّها الناسُ من الخبرِ عن المقرَّبين وأصحابِ اليمينِ، وعن المكذِّبين الضالين، وما إليه صائرةٌ أمورُهم - {لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} يقولُ: لَهو الحقُّ مِن الخبرِ اليقينِ لا شكَّ فيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} قال: الخبرُ اليقينُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} حتى ختَم، إن اللَّهَ تعالى ليس تاركًا أحدًا مِن خلقِه حتى يُوقِفَه على اليقينِ

(1)

في الأصل، ص، م، ت 1:"الجائرين".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 168 إلى المصنف وعبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص 646 بلفظ:"الجزاء المبين".

ص: 382

مِن هذا القرآنِ؛ فأما المؤمنُ فأيْقَن في الدنيا فنفَعه ذلك يومَ القيامةِ. وأما الكافرُ فأيْقَن يومَ القيامةِ حينَ لا يَنْفَعُه.

واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ إضافةِ الحقِّ إلى اليقينِ، والحقُّ يقينٌ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ، قال:{حَقُّ الْيَقِينِ} . فأضاف الحقَّ إلى اليقينِ، كما قال:{وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]. أي: ذلك دينُ الملةِ القيمةِ، وذلك حقُّ الأمرِ اليقينِ. قال: وأما: هذا رجلُ السَّوْءِ، فلا يكونُ فيه: هذا الرجلُ السوءِ، كما يكونُ في الحقِّ اليقينِ؛ لأن السوءَ ليس بالرجلِ، واليقينَ هو الحقُّ. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: اليقينُ نعتٌ للحقِّ، كأنه قال: الحقُّ اليقينُ، والدينُ القيمُ. فقد جاء مثلُه في كثيرٍ من الكلامِ والقرآنِ؛ {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} [يوسف: 109]، {وَالدَّارُ الْآخِرَةُ} [الأعراف: 169]. قال: فإذا أُضِيف تُوُهِّم به غيرُ الأولِ.

وقولُه: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فسبِّحْ بتسميةِ ربِّك العظيمِ بأسمائِه الحسنى.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الواقعة"

(1)

(1)

هنا انتهى الجزء السابع والأربعون من مخطوطة جامعة القرويين التي يرمز لها بـ "الأصل"، وسيجد القارئ فيما يأتى أرقام مخطوطة "ت 1" بين معكوفين.

ص: 383

‌تفسيرُ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها "الحديدُ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

(2)}.

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أن كلَّ ما دونَه مِن خلقِه يُسَبِّحُه تعظيمًا له، وإقرارًا بربوبيتِه، وإذْعانًا لطاعتِه، كما قال جلَّ ثناؤُه:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].

وقولُه: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . يقولُ: ولكنه جل جلاله العزيزُ في انتقامِه ممن عصاه، فخالَف أمرَه مما في السماواتِ والأرضِ مِن خلقِه، الحَكيمُ في تَدبيرِه أمرَهم وتصريفِه إياهم فيما شاء وأحبَّ.

وقولُه: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: له سلطانُ السماواتِ والأرضِ وما فيهن، ولا شيءَ فيهن يَقْدِرُ على الامتناعِ منه، وهو في جميعِهم نافذُ الأمرِ

(1)

، ماضي

(2)

الحكمِ.

وقولُه: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} . يقولُ: يُحْيِي ما يَشاءُ مِن الخلقِ، بأن يُوجِدَه كيف يَشاءُ، وذلك بأن يُحْدِثَ من النُّطْفة الميتةِ حيوانًا بنفخِ الروحِ فيها، من بعدِ تاراتٍ يُقَلِّبُها فيها، ونحوَ ذلك مِن الأشياءِ، ويُمِيتُ ما يشاءُ مِن الأحياءِ بعدَ الحياةِ،

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أمره".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ماضٍ".

ص: 384

بعدَ بلوغِه أجلَه فيُفْنِيه، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وهو على كلِّ شيءٍ ذو قدرةٍ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده؛ من إحياءٍ وإماتةٍ، وإعزازٍ وإذلالٍ، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: هو الأولُ قبلَ كلِّ شيءٍ بغيرِ حدٍّ، {وَالْآخِرُ}. يقولُ: والآخِرُ بعدَ كلِّ شيءٍ بغيرِ نهايةٍ. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنه كان ولا شيءَ موجودٌ سواه، وهو كائنٌ بعدَ فناءِ الأشياءِ كلِّها، كما قال جلَّ ثناؤُه:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88].

وقولُه: {وَالظَّاهِرُ} . يقولُ: وهو الظاهرُ على كلِّ شيءٍ دونَه، وهو العالي فوق كلِّ شيءٍ، فلا شيءَ أعلى منه. {وَالْبَاطِنُ}. يقولُ: وهو الباطنُ جميعَ الأشياءِ، فلا شيءَ أقربُ إلى شيءٍ منه، كما قال:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقال به أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك والخبرُ الذي رُوِي فيه

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} : ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينَما هو جالسٌ في أصحابِه، إذ ثار عليهم سحابٌ، فقال: هل تَدْرُون ما هذا؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ.

ص: 385

[قال: "هذا العنانُ، هذه رَوَايا الأرضِ، يسوقُه اللَّهُ تبارك وتعالى إلى قومٍ لا يَشْكرُونه ولا يَدْعُونه". قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ]

(1)

. قال: "فإنها الرَّقِيعُ

(1)

؛ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وسقفٌ محفوظٌ". قال:"فهل تَدْرُون كم بينَكم وبينَها؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". قال: "فهل تَدْرُون ما فوق ذلك؟ ". فقالوا مثل ذلك. قال: "فوقَها سماءٌ أخرى، وبينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". قال: "هل تَدْرُون ما فوق ذلك؟ ". فقالوا مثلَ قولِهم الأولِ، قال:"فإن فوقَ ذلك العرشَ، وبينَه وبينَ السماءِ السابعةِ مثلَ ما بينَ السماءين". قال: "هل تَدْرُون ما التي تحتَكم؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "فإنها الأرضُ". قال: "فهل تَدْرُون ما تحتَها؟ ". قالوا له مثلَ قولِهم الأولِ، قال:"فإن تحتَها أرضًا أخرى، وبينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". حتى عدَّ سبعَ أَرَضِينَ، بينَ كلِّ أَرْضَيْن مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ، ثم قال:"والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لو دُلِّيَ أحدُكم بحبلٍ إلى الأرضِ الأخرى لهبَط على اللَّهِ". ثم قرَأ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

(2)

.

وقولُه: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وهو بكلِّ شيءٍ ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، فلا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا في كتابٍ مبينٍ.

(1)

سقط من النسخ. والمثبت مما سيأتي في 23/ 80، 81.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 33 عن المصنف، وقال: مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ. وقد أخرجه موصولًا أحمد 14/ 422، 423 (8828)، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور 6/ 170 - وعنه الترمذي (3298)، وابن أبي عاصم في السنة (578)، وأبو الشيخ في العظمة (203)، وتفسير مجاهد ص 647، والبيهقي في الأسماء والصفات (849)، وابن أبي حاتم والبزار - كما في تفسير ابن كثير 8/ 33 - من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 170 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 386

وقولُه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هو الذي أنْشَأ السماواتِ السبعَ والأرَضينَ، فدبَّرهن وما فيهن، ثم اسْتَوَى على عرشِه، فارْتَفع عليه وعلا.

وقولُه: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن صفتِه، وأنه لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن خلقِه:{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ} مِن خلقِه. يعني بقولِه: {يَلِجُ} يَدْخُلُ، {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} منهم

(1)

، {وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ} إلى الأرضِ مِن شيءٍ قطُّ، {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} فَيَصْعَدُ إليها مِن الأَرضِ، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}. يقولُ: وهو شاهدٌ لكم أيُّها الناسُ أينما كنتم يَعْلَمُكم، ويَعْلَمُ أعمالَكم ومُتَقَلَّبَكم ومَثْواكم، وهو على عرشِه فوقَ سماواتِه السبعِ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. يقولُ: واللَّهُ بأعمالِكم التي تَعْمَلونها مِن حسَنٍ وسَيِّئٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، ذو بصرٍ، وهو لها مُحْصٍ؛ ليُجازِيَ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه يومَ تُجزَى كلُّ نفسٍ بما كسَبت، وهم لا يُظلَمون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: له سلطانُ السماواتِ والأرضِ، نافذٌ في جميعِهنَّ وفي جميعِ ما فيهنَّ أمرُه، {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإلى اللَّهِ مصيرُ أمورِ جميعِ خلقِه، فيَقْضِي بينهم بحُكْمِه.

وقولُه: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} . يعني بقولِه: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} . يُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ الليلِ في النهارِ، فيَجْعَلُه زيادةً في ساعاتِه. {وَيُولِجُ

(1)

سقط من: م.

ص: 387

النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}. يقولُ: ويُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ في الليلِ، فيَجْعَلُه زيادةً في ساعاتِه

(1)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

وقد ذكَرنا الروايةَ بما قالوا فيما مضَى من كتابِنا هذا

(2)

، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ في قولِه:{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال: قِصَرُ هذا في طولِ هذا، وطولُ هذا في قِصَرِ هذا.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه:{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال: دخولُ الليلِ في النهارِ، ودخولُ النهارِ في الليلِ.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه:{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال: قِصَرُ أيامِ الشتاءِ في طولِ ليلِه، وقِصَرُ ليالي

(3)

الصيفِ في طولِ نهارِه.

وقولُه: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} . يقولُ: وهو ذو علمٍ بضمائرِ صدورِ عبادِه، وما عزَمَت عليه نفوسُهم من خيرٍ أو شرٍّ، أو حدَّثتْ بهما

(4)

أنفسُهم، لا يَخْفى عليه من ذلك خافيةٌ.

(1)

في م: "ساعات الليل".

(2)

ينظر ما تقدم في 5/ 305 - 307.

(3)

في ص: "ليال"، وفي م:"ليل".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بها".

ص: 388

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: آمِنوا باللَّهِ أيُّها الناسُ، فأَقِرُّوا بوحدانيتِه وبرسولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصَدِّقوه فيما جاءَكم به من عندِ اللَّهِ واتَّبِعوه، {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَنْفِقوا مما خوَّلكم اللَّهُ من المالِ الذي أورَثكم عمَّن كان قبلَكم، فجعَلكم خُلفاءَهم فيه - في سبيلِ اللَّهِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} . قال: المعَمَّرِين فيه بالرزقِ

(1)

.

وقولُه: {فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا} . يقولُ: فالذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه منكم أيُّها الناسُ وأنفَقوا - مما خوَّلهم اللَّهُ عمَّن كان قبلَهم، ورزَقهم من المالِ - في سبيلِ اللَّهِ، {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}. يقولُ: لهم ثوابٌ عظيمٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} : وما شأنُكم أيُّها الناسُ لا تُقِرُّون بوحدانيةِ اللَّهِ، ورسولُه محمدٌ صلى الله عليه وسلم يَدْعُوكم إلى الإقرارِ بوحدانيتِه، وقد

(1)

تفسير مجاهد ص 647، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 336 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 171 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 389

أتاكم من الحججِ على حقيقةِ ذلك ما قطَع عُذرَكم، وأزال الشكَّ من قلوبِكم، {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ}. قيل: عُنِي بذلك: وقد أخَذ منكم ربُّكم ميثاقَكم في صُلْبِ آدمَ، بأن اللَّهَ ربُّكم، لا إلهَ لكم سِواه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} . قال: في ظهرِ آدمَ

(1)

.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ غيرَ أبي عمرٍو: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} ، بفتحِ الألفِ من {أَخَذَ} ونصب "الميثاقِ"، بمعنى: وقد أخَذ ربُّكم ميثاقَكم. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (وقد أُخِذ ميثاقُكم) بضمِّ الألفِ ورفعِ الميثاقِ، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه

(2)

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كان فتحُ الألفِ من {أَخَذَ} ونصبُ "الميثاقِ" أعجبَ القراءتين إليَّ في ذلك؛ لكثرةِ القرَأةِ بذلك، وقلةِ القرَأةِ بالقراءةِ الأخرى.

وقولُه: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . يقولُ: إن كنتم تُرِيدون أن تُؤْمِنوا باللَّهِ يومًا من الأيامِ، فالآن أحرَى الأوقاتِ أن تُؤْمِنوا؛ لتتابُعِ الحُجَجِ عليكم بالرسولِ وأعلامِه، ودعائِه إيَّاكم إلى ما قد تقرَّرت صحتُه عندَكم بالأعلامِ والأدلةِ والميثاقِ المأخوذِ عليكم.

(1)

تفسير مجاهد ص 647، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 171 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر

(2)

ينظر حجة القراءات ص 697، 698.

ص: 390

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي يُنَزِّلُ على عبدِه محمدٍ {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . يعني: مُفصَّلاتٍ، {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ليُخْرِجَكم أيُّها الناسُ من ظُلمةِ الكفر إلى نورِ الإيمانِ، ومن الضلالِة إلى الهُدَى.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} . قال: من الضلالةِ إلى الهدى

(1)

.

وقولُه: {وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإن اللَّهَ بإنزالِه على عبدِه ما أنزَل عليه من الآياتِ البيِّناتِ لهدايتِكم وتبصيرِكم الرشادَ - لذو رأفةٍ يكم ورحمةٍ، فمن رأفتِه ورحمتِه بكم لكم

(2)

فعَل ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وما لكم أيُّها الناسُ ألا تُنْفِقوا مما رزَقكم اللَّهُ في سبيلِ اللَّهِ،

(1)

تفسير مجاهد ص 648، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 336 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 171، 172 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: م.

ص: 391

وإلى اللَّهِ صائرٌ أموالُكم إن لم تُنْفِقوها في حياتِكم في سبيلِ اللَّهِ؛ لأن له ميراثَ السماواتِ والأرضِ. وإنما حثَّهم جلَّ ثناؤُه بذلك على حظِّهم، فقال لهم: أَنْفِقوا أموالَكم في سبيلِ اللَّهِ؛ ليكونَ ذلك لكم ذُخْرًا عندَ اللَّهِ من قبلِ أن تَمُوتوا، فلا تَقْدِروا على ذلك، وتَصِيرَ الأموالُ ميراثًا لمن له السماواتُ والأرضُ.

وقولُه: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يَسْتَوِي منكم أيُّها الناسُ مَنْ آمَن قبلَ فتحِ مكةَ وهاجَر.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} . قال: آمَن فأَنفَق، يقولُ:[هاجَر، ليس من هاجَر كمن لم يُهاجِرْ]

(1)

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ} . يقولُ: مَن آمَن.

قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، قال: يقولُ

(3)

: غيرُ ذلك.

وقال آخرون: عنَى بالفتحِ فتحَ مكةَ، وبالنفقةِ النفقةَ في جهادِ المشركين.

(1)

في م: "من هاجر ليس كمن لم يهاجر".

(2)

تفسير مجاهد ص 648، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 172 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

بعده في ص، ت 1:"غيره".

ص: 392

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . قال: كان قتالان أحدُهما أفضلُ من الآخرِ، وكانت نفقتان إحداهما أفضلُ من الأخرى، كانت النفقةُ والقتالُ من قبلِ الفتحِ؛ فتحِ مكةَ، أفضلَ من النفقةِ والقتالِ بعدَ ذلك

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ} . قال: فتحِ مكةَ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في هذه الآيةِ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ} . قال: فتحِ مكةَ

(3)

.

وقال آخرون: عَنَى بالفتحِ في هذا الموضعِ صلحَ الحديبيةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: فصلُ ما بين الهجرتينِ فتحُ الحديبيةِ، يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الآية

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 172 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 275 عن معمر به.

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 521.

(4)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 521، وابن كثير في تفسيره 8/ 37.

ص: 393

حدَّثني حُميد بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، في هذه الآيةِ قولَه:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} قال: فتحِ الحديبيةِ. قال: [وكان فصلَ]

(1)

ما بين الهجرتين

(2)

فتحُ الحديبيةِ.

حدَّثني ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: فصلُ ما بينَ الهِجْرتَين فتحُ الحديبيةِ، وأُنزِلت:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ} إلى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} . فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، فتحٌ هو؟ قال:"نَعَمْ، عظِيمٌ".

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: فصلُ ما بينَ الهِجْرَتين فتحُ الحديبيةِ. ثم تلا هذه الآيةَ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ} الآية.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال لنا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبيةِ: "يُوشِكُ أن يَأْتِيَ قومٌ تَحْقِرُون أعمالَكم مع أعمالِهم". قلْنا: مَن هم يا رسولَ اللَّهِ، أقريشٌ هم؟ قال:"لا، ولكنْ أهلُ اليمنِ؛ أرَقُّ أفئدةً، وألينُ قلوبًا". قلْنا: هم خيرٌ منا يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: "لو كان لأَحدِهم جبلٌ من ذهبٍ فأنفَقه، ما أدرك مُدَّ أحدِكم ولا نصيفَه، ألا إن هذا فصلُ ما بينَنا وبينَ الناسِ، {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ}. إلى قولِه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} "

(3)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وكان فضل"، وفي م:"فصل".

(2)

في النسخ: "العمرتين". وهو تحريف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 38 - من طريق ابن وهب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 172 إلى ابن مردويه وأبي نعيم في دلائل النبوة.

ص: 394

حدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبَرني زيدُ بنُ أسلمَ، عن أبي سعيدٍ التمارِ، [عن أبي سعيدٍ الخدريِّ]

(1)

أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "يُوشِكُ أَن يَأْتِيَ قومٌ

(2)

تَحْقِرُون أعمالَكم مع أعمالِهم". فقلْنا: مَن هم يا رسولَ اللَّهِ، قريشٌ؟ قال: "لا، هم أرقُّ أفتدةً وألينُ قلوبًا". وأشار بيدِه إلى اليَمَنِ، فقال: "هم أهلُ اليَمَنِ، ألا إن الإيمانَ يمانٍ، والحكمةَ يمانيةٌ". فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، هم خيرٌ منا؟ قال:"والذي نفسي بيدِه لو كان لأحدِهم جبلُ ذهبٍ ينفقُه ما أدرَك مُدَّ أحدِكم ولا نصيفَه". ثم جمَع أصابعَه ومَدَّ خِنْصَرَه وقال: "ألَا إن هذا فصلُ ما بينَنا وبينَ الناسِ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}

(3)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي أن يُقالَ: معنى ذلك: لا يَسْتَوي منكم أيُّها الناسُ مَن أنفَق في سبيلِ اللَّهِ من قبلِ فتحِ الحُديبيةِ - للذي ذكَرْنا من الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، الذي رويناه عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ عنه - وقاتَل المشرِكين بمن أنفَق بعدَ ذلك وقاتَل. وترَك ذكرَ مَن أنفَق بعدَ ذلك وقاتَل؛ استغناءً بدلالةِ الكلامِ الذي ذُكِر عليه مِن ذِكْرِه.

{أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين أنفَقوا في سبيلِ اللَّهِ من قبلِ فتحِ الحديبيةِ، وقاتَلوا المشركِين - أعظمُ درجةً في الجنةِ عندَ اللَّهِ الذين أنفَقوا من بعدِ ذلك وقاتَلوا.

وقولُه: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ هؤلاء الذين

(1)

سقط من النسخ. والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر التاريخ الكبير 9/ 34، والجرح والتعديل 9/ 376.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أقوام".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 39 عن المصنف.

ص: 395

أنفَقوا من قبلِ الفتحِ وقاتَلوا، والذين أنفَقوا من بعدُ وقاتَلوا، وعَد اللَّهُ الجنةَ، بإنفاقِهم في سبيلِه، وقتالِهم أعداءَه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . قال: الجنةَ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . قال: الجنةَ

(3)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بما تعمَلون من النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، وقتالِ أعدائِه، وغير ذلك من أعمالِكم التي تعمَلون - خبيرٌ لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم على جميعِ ذلك يومَ القيامةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: مَن هذا الذي يُنْفِقُ في سبيلِ اللَّهِ في الدنيا مُحْتَسِبًا في

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"من الذين أنفقوا آمنوا"، وبعده في م:"من الذين أنفقوا وآمنوا".

(2)

تفسير مجاهد ص 648، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 172 إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 121 من طريق سعيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 294، وابن خزيمة في التوحيد ص 121 من طريق معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 221 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 396

نفقتِه، مُبْتَغِيًا ما عندَ اللَّهِ، وذلك هو القرضُ الحسنُ.

[وقولُه: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}]

(1)

. يقولُ: فيُضاعِفَ له ربُّه قرضَه ذلك الذي أقرَضه، بإنفاقِه في سبيلِه، فيَجْعَلَ له بالواحدةِ سبعَمائةٍ.

وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ في قولِه: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} . فهو كقولِ العربِ: لي عندَك قرضُ صدقٍ، وقرضُ سوءٍ. إذا فعَل به خيرًا، وأنشَد في ذلك بيتًا للشنْفَرَى

(2)

:

سَنَجْزِي سَلَامانَ بنَ مُفْرِجَ قَرْضَها

بما قَدَّمت أيديهِمْ فأزلَّتِ

{وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} . يقولُ: وله ثوابٌ وجزاءٌ كريمٌ. يعني بذلك الأجرِ الجنةَ. وقد ذكَرنا الروايةَ عن أهلِ التأويلِ في ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يومَ ترى المؤمنين والمؤمناتِ يُضِيءُ نورُهم بينَ أيديهم وبأيمانِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} الآية: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "من المؤمنين مَن

(1)

سقط من: م.

(2)

البيت في المفضليات ص 112.

(3)

ينظر ما تقدم في 14/ 511، 16/ 600، 17/ 239، 19/ 212.

ص: 397

يُضيءُ نورُه من المدينةِ إلى عدنِ أَبْيَن، فصنعاءَ، فدونَ ذلك، حتى إن من المؤمنين مَن لا يُضيءُ نورُه إِلا مَوضِعَ قدميهِ".

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي يَذْكُرُ عن المنهالِ ابنِ

(2)

عمرٍو، عن قيسِ بنِ سكنٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: يُؤْتَون نورَهم على قدرِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن يُؤتَى نورَه كالنخلةِ، ومنهم مَن يُؤتَى نورَه كالرجلِ القائمِ، وأدناهم نورًا [مَن نورُه]

(3)

على إبهامِه يُطْفَأُ مرةً ويَقِدُ مرةً

(4)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يوم ترَى المؤمنين والمؤمناتِ يَسْعَى إيمانُهم وهداهم بينَ أيديهم، وبأيمانِهم كتبُهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} : كتبُهم. يقولُ اللَّهُ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الانشقاق: 7]. وأما نورُهم فهُداهم

(5)

.

وأولَى القولين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكَرناه عن الضحاكِ، وذلك أنه لو عُنِي بذلك النورِ الضوءُ المعروفُ، لم يُخَصَّ عنه الخبرُ بالسعيِ بينَ الأيدي والأيمانِ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 275 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 172 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في النسخ: "عن". والمثبت من مصادر التخريج.

(3)

سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 299، والحاكم 2/ 478 من طريق ابن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 172 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(5)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 35، والقرطبي في تفسيره 17/ 243، وابن كثير في تفسيره 8/ 42.

ص: 398

دونَ الشمائلِ؛ لأن ضياءَ المؤمنين الذي يُؤْتَونه في الآخرةِ يُضِيءُ لهم جميعَ ما حولَهم، وفي خصوصِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن سعيِه بينَ أيديهم وبأيمانِهم دونَ الشمائلِ، ما يَدُلُّ على أنه معنيٌّ به غيرُ الضياءِ، وإن كانوا لا يَخْلُون من الضياءِ.

فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: وكلًّا وعَد اللَّهُ الحسنى يومَ تَرَون المؤمنين والمؤمناتِ يَسْعى ثوابُ إيمانِهم وعملِهم الصالحِ بينَ أيديهم، وفي أيمانِهم كتبُ أعمالِهم تَطايرُ.

ويَعْني بقولِه: {يَسْعَى} : يَمْضِي. والباءُ في قولِه: {وَبِأَيْمَانِهِمْ} . بمعنى "في"

(1)

. وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: الباءُ في قولِه: {وَبِأَيْمَانِهِمْ} : بمعنى على أيمانِهم. وقولُه: {يَوْمَ تَرَى} . من صلةِ {وَعَدَ} .

وقولُه: {بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: بِشارتُكم اليومَ أيُّها المؤمنون التي تُبَشَّرون بها جناتٌ تَجْرِي من تحتِها الأنهارُ، فأَبْشِروا بها.

وقولُه: {خَالِدِينَ فِيهَا} . يقولُ: ماكِثين في الجناتِ، لا يَنْتَقِلون عنها ولا يَتَحَوَّلون.

وقولُه: {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . يقولُ: خلودُهم في الجناتِ التي وصَفها هو النُّجْحُ العظيمُ الذي كانوا يَطْلُبونه بعدَ النجاةِ من عقابِ اللَّهِ ودخولِ الجنةِ خالدين فيها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ

(1)

ينظر معاني القرآن 3/ 132.

ص: 399

وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: هو الفوزُ العظيمُ في يومِ يقولُ المنافقون والمنافقاتُ - و"اليومُ" من صلةِ "الفوزِ" - للذين آمَنوا باللَّهِ ورسلِه: انظُرُونا.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {انْظُرُونَا} ؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: {انْظُرُونَا} . موصولةً، بمعنى: انتَظِرونا

(1)

. وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (أنْظِرُونا). مقطوعةَ الألفِ من "أَنظَرتُ"، بمعنى: أَخِّرُونا

(2)

. وذكَر الفراءُ أن العربَ تقولُ: أَنْظُرْني. وهم يُرِيدون: انتظِرْني قليلًا. وأنشَد في ذلك بيتَ عمرِو بنِ كُلثومٍ

(3)

:

أبا هِنْدٍ فلا تَعْجَلْ علينا

وأَنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا

قال: فمعنى هذا: انتَظِرْنا قليلًا نُخْبِرْك؛ لأنه ليس ههنا تأخيرٌ، إنما هو استماعٌ كقولِك للرجلِ: اسمَعْ

(4)

مني حتى أُخْبِرَك

(5)

.

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندِي الوصلُ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، إذا أُريد به: انتظِرْنا. وليس للتأخيرِ في هذا الموضعِ معنًى فيقالَ: أَنْظِرُونا. بفتحِ الألفِ وهمزِها.

وقولُه: {نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} . يقولُ: نَسْتَصْبِحْ من نورِكم. والقبَسُ: الشُّعْلةُ.

(1)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي. حجة القراءات ص 699، 700.

(2)

هي قراءة حمزة. المصدر السابق.

(3)

البيت في شرح القصائد السبع الطوال ص 387.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"استمع".

(5)

معاني القرآن للفراء 3/ 133.

ص: 400

وقولُه: {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فيجابون بأن يُقالَ لهم: ارجِعوا من حيثُ جئتُم، واطلُبوا لأنفسِكم هنالك نورًا، فإنه لا سبيلَ لكم إلى الاقتباسِ من نورِنا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولَه:{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} إلى قولِه: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . قال ابنُ عباسٍ: بينما الناسُ في ظُلْمةٍ، إذ بعَث اللَّهُ نورًا؛ فلما رأى المؤمنون النورَ توجَّهوا نحوَه، وكان النورُ دليلًا من اللَّهِ إلى الجنةِ؛ فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطَلَقوا تبِعوهم، فأظلَم اللَّهُ على المنافقين، فقالوا حينَئذٍ: انظُرُونا نَقْتَبِسْ من نورِكم، فإنا كنَّا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ارجِعوا من حيثُ جئتُم من الظلمةِ، فالتَمِسوا هنالك النورَ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا} الآية: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: بينَما الناسُ في ظلمةٍ. ثم ذكَر نحوَه

(2)

.

وقولُه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فضرَب اللَّهُ بينَ المؤمنين والمنافقين بسُورٍ؛ وهو حاجزٌ بين أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ.

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 35، وابن كثير في تفسيره 8/ 43، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 173 إلى المصنف وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 43، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 173 إلى ابن مردويه.

ص: 401

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} . قال: كالحجابِ في "الأعرافِ"

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} : السورُ: حائطٌ بينَ الجنةِ والنارِ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} . قال: هذا السورُ الذي قال اللَّهُ: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}

(3)

[الأعراف: 46].

وقد قيل: إن ذلك السورَ ببيتِ المقدسِ عندَ وادي جهنمَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بلالٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبَرنا أبو سنانٍ، قال: كنتُ مع عليِّ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ عندَ وادي جهنمَ، فحدَّث عن أبيه، أنه قال:{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} . فقال: هذا موضعُ السورِ عندَ وادي جهنمَ

(4)

.

(1)

سيأتي تخريجه في ص 405.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 43، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 43.

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 246، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد.

ص: 402

حدَّثني إبراهيمُ بنُ عطيةَ بنِ رُديحِ بنِ عطيةَ، قال: ثنى عمِّي محمدُ بنُ رُدَيحِ بنِ عطيةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن أبي العوَّامِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنه كان يقولُ:{بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} . قال: هذا بابُ الرحمةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدٍ، عن

(2)

عطيةَ بنِ قيسٍ، عن أبي العوامِ مُؤَذِّنِ بيتِ المقدسِ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ يقولُ: إن السورَ الذي ذكَره اللَّهُ في القرآنِ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} . هو السورُ الشرقيُّ، باطنُه المسجدُ، وظاهرُه وادي جهنمَ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا شريحٌ أن كعبًا كان يقولُ في البابِ الذي في بيتِ المقدسِ: إنه البابُ الذي قال اللَّهُ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}

(4)

.

وقولُه: {لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لذلك السورِ بابٌ؛ باطنُه فيه الرحمةُ، {وَظَاهِرُهُ} من قِبَلِ ذلك الظاهرِ، {الْعَذَابُ}. يعني: النارُ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 43.

(2)

في النسخ: "بن". والمثبت من المستدرك، وينظر تهذيب الكمال 10/ 539.

(3)

أخرجه الحاكم 4/ 601 من طريق سعيد بن عبد العزيز به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 36، وابن كثير في تفسيره 8/ 43.

ص: 403

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} . أي: النارُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} . قال: الجنةُ وما فيها

(2)

.

وقولُه: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: يُنادِي المنافقون المؤمنين - حينَ حُجِز بينَهم بالسورِ، فبقُوا في الظلمةِ والعذابِ، وصار المؤمِنون في الجنةِ -: ألم نَكُنْ معَكم في الدنيا نُصَلِّي ونصومُ، ونُناكِحُكم ونُوارِثُكم؟ {قَالُوا بَلَى}. يقولُ: قال المؤمنون: بلى، بل كنتُم كذلك، {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} ، فنافَقتُم. وفِتنتُهم أنفسَهم في هذا الموضعِ كانت النفاقَ.

وكذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} . قال: النفاقُ، وكان المنافقون مع المؤمنين أحياءً يُناكِحونهم، ويَغْشَونهم، ويُعاشِرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويُعْطَون النورَ جميعًا

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 246، وابن كثير في تفسيره 8/ 43.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 43.

ص: 404

يومَ القيامةِ، فيُطْفَأُ النورُ من المنافِقين إذا بلَغوا السورَ، ويُمازُ بينَهم حينَئذٍ

(1)

.

وقولُه: {وَتَرَبَّصْتُمْ} . يقولُ: وتلبَّثتم بالإيمانِ، ودافَعتم بالإقرارِ باللَّهِ ورسولِه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَتَرَبَّصْتُمْ} . قال: بالإيمانِ برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقرَأ:{فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52].

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَتَرَبَّصْتُمْ} . يقولُ: تربَّصوا بالحقِّ وأهلِه

(2)

.

وقولُه: {وَارْتَبْتُمْ} . يقولُ: وشكَكتم في توحيدِ اللَّهِ، وفي نبوَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَارْتَبْتُمْ} : شكُّوا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَارْتَبْتُمْ} : ارتابوا

(3)

: كانوا في شكٍّ من اللَّهِ

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 648، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (1016)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 44، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد.

(3)

سقط من: م.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد.

ص: 405

وقولُه: {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} . يقولُ: وخدَعتْكم أمانيُّ نفوسِكم، فصدَّتْكم عن سبيلِ اللَّهِ وأَضَلَّتْكم، {حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ}. يقولُ: حتى جاء قضاءُ اللَّهِ بمناياكم، فاجتاحَتْكم

(1)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} : كانوا على خُدْعةٍ مِن الشيطان، واللَّهِ ما زالوا عليها حتى قذَفهم اللَّهُ في النارِ

(2)

.

وقولُه: {وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} . يقولُ: وخدَعكم باللَّهِ الشيطانُ، فأَطْمَعَكم بالنجاةِ من عقوبتِه والسلامةِ من عذابِه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الْغَرُورُ} . أي: الشيطانُ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"فاجتاحكم".

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 36، وابن كثير في تفسيره 8/ 44، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد.

(3)

تقدم تخريجه في 18/ 583.

ص: 406

الْغَرُورُ}. أي: الشيطانُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} : الشيطانُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ المؤمنين لأهلِ النفاقِ، بعدَ أنْ مَيَّز بينَهم في القيامةِ:{فَالْيَوْمَ} أيُّها المنافقون، {لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ}. يعني: عوضًا وبدلًا، يقولُ: لا يُؤْخَذُ ذلك منكم بدلًا مِن عقابِكم وعذابِكم، فيُخلِّصَكم مِن عذابِ اللَّهِ، {وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}. يقولُ: ولا تُؤْخَذُ الفديةُ أيضًا مِن الذين كفَروا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . يعني: المنافقين، ولا مِن الذين كفَروا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} مِن المنافقين، {وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} معكم؛ {مَأْوَاكُمُ النَّارُ} .

(1)

تقدم تخريجه في 18/ 583.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 174 إلى عبد بن حميد.

ص: 407

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} ؛ فقرَأَت ذلك عامةُ القرأةِ بالياءِ: {يُؤْخَذُ}

(1)

، وقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ بالتاءِ

(2)

.

وأولى القراءتين بالصوابِ الياءُ، وإن كانت الأخرى جائزةً.

وقولُه: {مَأْوَاكُمُ النَّارُ} . يقولُ: مَثْواكم ومسكنُكم الذي تَسْكُنونه يومَ القيامةِ النارُ.

وقولُه: {هِيَ مَوْلَاكُمْ} . يقولُ: النارُ أَوْلى بكم.

وقولُه: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . يقولُ: وبئس مصيرُ مَن صار إلى النارِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)} .

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} : ألم يَحِنْ للذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه أن تَلِينَ قلوبُهم لذكرِ اللَّهِ، فتَخْضَعَ قلوبُهم له، ولِما نزَل مِن الحقِّ، وهو هذا القرآنُ الذي نَزَّله على رسولِه صلى الله عليه وسلم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} . قال: تُطِيعَ قلوبُهم.

(1)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. النشر 2/ 287.

(2)

وهي أيضًا قراءة ابن عامر ويعقوب. المصدر السابق.

ص: 408

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} الآية. ذُكِر لنا أنَّ شدَّادَ بنَ أَوْسٍ كَان يَرْوِي عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال:"إِنَّ أوَّلَ ما يُرْفَعُ مِن الناسِ الخُشُوعُ"

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان شدَّادُ بنُ أَوْسٍ يقولُ: أَوَّلُ ما يُرْفَعُ مِن الناسِ الخُشُوعُ

(3)

.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} ؛ فقرأَتْه عامةُ القرأةِ غيرَ شيبةَ ونافعٍ بالتشديدِ: (نزَّل)، وقرَأه شيبةُ ونافعٌ:{وَمَا نَزَلَ} بالتخفيفِ

(4)

، وبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لتقاربِ معنَيَيْهما.

وقولُه: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يأنِ لهم أن {وَلَا يَكُونُوا} يعني: الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم {كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ} . يعني: مِن بني إسرائيلَ، ويَعني بالكتابِ الذي أُوتُوه مِن قبلِهم التوراةَ والإنجيلَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 175 إلى عبد بن حميد بلفظ: ألم يحن للذين آمنوا. وفي مخطوطة مكتبة المحمودية ص 408: ألم يتبين للذين آمنوا.

(2)

أخرجه الطبراني (7183) من طريق قتادة عن الحسن عن شداد، وأخرجه ابن عدي في الكامل 2/ 840، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان 3/ 164، 165 بإسنادهما عن الحسن عن شداد، وعزاه في الدر المنثور 6/ 175 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 6/ 275 عن معمر به، وأخرجه أحمد 6/ 26، 27 (مبمنية)، وابن حبان (4572، 6720)، وابن عبد البر في الاستيعاب 2/ 534 من طريق جبير بن نفير عن شداد بن أوس بنحوه مطولًا.

(4)

قرأ بالتخفيف من السبعة نافع، وحفص عن عاصم. ينظر السبعة ص 626، والتيسير ص 169.

ص: 409

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيمَ، قال: جاء عِتْرِيسُ بنُ عُرْقُوبٍ إلى ابنِ مسعودٍ، فقال: يا عبدَ اللَّهِ، هلَك مَن لم يأْمُرْ بالمعروفِ ويَنْهَ عن المنكرِ. فقال عبدُ اللَّهِ: هلَك من لم يَعرِفْ قلبُه معروفًا، ولم يُنْكِرْ قلبُه منكرًا؛ إنَّ بني إسرائيلَ لما طال عليهم الأمدُ وقسَت قلوبُهم، اختَرَعوا كتابًا مِن بينِ أيدِيهم وأرجلِهم، اسْتَهوتْه قلوبُهم، واسْتَحْلَتْه ألسنتُهم، وقالوا: نَعْرِضُ بني إسرائيل على هذا الكتابِ، فمن آمن به تَرَكْناه، ومَن كفَر به قتَلْناه. قال: فجعَل رجلٌ منهم كتابَ اللَّهِ في قَرْنٍ

(1)

، ثم جعل القَرَنَ بينَ ثَنْدُوَتَيْه

(2)

، فلما قيل له: أتُؤْمِنُ بهذا؟ قال: آمنتُ به - ويُومِئُ إلى القَرَنِ الذي بين ثَنْدُوَتَيْه - وما لي لا أُومِنُ بهذا الكتابِ! فمِن خَيْرِ مِلَلِهم اليومَ مِلَّةُ صاحبِ القَرَنِ

(3)

.

ويعني بقولِه: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ} : [فطال عليهم أمدُ]

(4)

ما بينَهم وبينَ موسى صلى الله عليه وسلم، وذلك الأَمَدُ: الزمانُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

القرَن: الجعبة. اللسان (ق ر ن).

(2)

الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة. ينظر اللسان (ث ن د).

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 47 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 175 إلى سعيد بن منصور.

(4)

سقط من: م.

ص: 410

قولَه: {الْأَمَدُ} . قال: الدَّهْرُ

(1)

.

وقولُه: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} : [فقست قلوبهم]

(2)

عن الخيراتِ، واشتدَّت على السُّكونِ إلى معاصي اللَّهِ، {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكثيرٌ مِن هؤلاء الذين أوتُوا الكتابَ مِن قبلِ أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فاسقون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {اعْلَمُوا} أيُّها الناسُ، {أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ} المَيْتةَ التي لا تُنْبِتُ شيئًا، {بَعْدَ مَوْتِهَا}. يعني: بعد دُثُورِها ودُرُوسِها، يقولُ: وكما يُحْيي هذه الأرضَ المَيْتةَ بعدَ دُرُوسِها، كذلك يَهْدِي الإنسانَ الضَّالَّ عن الحقِّ إلى الحقِّ، فيوفِّقُه ويُسَدِّدُه للإيمانِ حتى يصيرَ مؤمنًا مِن بعدِ كفْرِه، ومهتديًا مِن بعدِ ضلالِه.

وقولُه: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} . يقولُ: قد بيّنّا لكم الأدلةَ والحججَ لتَعْقِلوا.

وقولُه: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} . اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا ابنِ كثيرٍ وعاصمٍ بتشديدِ الصادِ والدَّالِ، بمعنى: إن المتَصدِّقين والمتَصدِّقات. ثم تُدْغِمُ التاءَ في الصادِ، فتَجْعَلُها صادًا مشدَّدةً، كما

(1)

تفسير مجاهد ص 648 مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 175 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: م.

ص: 411

قيل: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1]. يعني: المُتَزمِّلُ

(1)

. وقرَأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ: (إِنَّ المُصَدِّقين والمُصَدِّقاتِ) بتخفيفِ الصادِ، وتشديدِ الدَّالِ، بمعنى: إنَّ الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه

(2)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان، صحيحٌ معنى كلِّ واحدةٍ منهما، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

فتأويلُ الكلامِ إذن على قراءةِ من قرَأ ذلك بالتشديدِ في الحرفين - أعنى في الصادِ والدَّال -: إن المتصدِّقين مِن أموالِهم والمتصدِّقاتِ، {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} بالنفقةِ في سبيلِه، وفيما أَمَر بالنفقةِ فيه، أو فيما نَدَب إليه - {يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}. يقولُ: يُضاعِفُ اللَّهُ لهم قروضَهم التي أَقْرَضوها إيَّاه، فيُوفِّيهم ثوابَها يومَ القيامةِ، {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}. يقولُ: ولهم ثوابٌ مِن اللَّهِ على صِدْقِهم وقُروضِهم إيَّاه - كريمٌ، وذلك الجنةُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللَّهِ وإرسالِه رسلَه، فصدَّقوا الرسلَ وآمَنوا بما جاءُوهم به مِن عندِ ربِّهم - أولئك هم الصِّدِّيقون.

وقولُه: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه

(3)

: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} منفصلٌ مِن الذي قَبلَه، والخبرُ عن الذين

(1)

هي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم. السبعة ص 626.

(2)

هي قراءة ابن كثير، وأبي بكر عن عاصم. المصدر السابق.

(3)

سقط من: م.

ص: 412

آمنوا باللَّهِ ورسلِه مُتَناهٍ عندَ قولِه: {الصِّدِّيقُونَ} ، و {الصِّدِّيقُونَ} مرفوعون بقولَه:{هُمُ} . ثم ابْتُدِئَ الخبرُ عن الشهداءِ فقيل: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} ، و {وَالشُّهَدَاءُ} في قولِهم مرفوعون بقولِه:{لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} .

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} . قال: هذه مفصولةٌ. {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ:{أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} . قال: هي للشهداءِ خاصةً

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، قال: هي خاصةً للشهداءِ.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي الضُّحى:{أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} ثم اسْتَأْنَف الكلامَ فقال: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ}

(3)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} : هذه

(1)

ذكرُه القرطبي في تفسيره 17/ 253، وابن كثير في تفسيره 8/ 47.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 276 عن الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى عبد بن حميد وابن المنذر

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 48.

ص: 413

مفصولةٌ، سمَّاهم اللَّهُ صِدِّيقين بأنهم آمنوا باللَّهِ وصدَّقوا رسلَه، ثم قال:{وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} . هذه مفصولةٌ

(1)

.

وقال آخرون: بل قولُه: {وَالشُّهَدَاءُ} . مِن صفةِ الذين آمَنوا باللَّهِ ورسلِه. قالوا: إنما تَناهى الخبرُ عن الذين آمَنوا عندَ قولِه: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} . ثم ابْتُدِئَ الخبرُ عمَّا لهم، فقيل:{لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} .

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنا أبو قيسٍ أنه سمِع هُزَيلًا يُحدِّثُ، قال: ذكَروا الشهداءَ، فقال عبدُ اللَّهِ: الرجلُ يُقاتِلُ للذِّكْرِ، والرجلُ يُقاتِلُ لِيُرَى مكانُه، والرجلُ يُقاتِلُ للدنيا، والرجلُ يُقاتِلُ للسُّمْعةِ، والرجلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ - قال شعبةُ شيئًا هذا معناه - والرجلُ يُقاتِلُ يُريدُ وجْهَ اللَّهِ، والرجلُ يموتُ على فراشِه وهو شهيدٌ. وقرَأ عبدُ اللَّهِ هذه الآية:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ وليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} . قال: كلُّ مؤمنٍ شهيدٌ. ثم قرَأها

(3)

.

حدَّثني صالحُ بنُ حربٍ أبو معمرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ يحيى، قال: ثنا ابنُ عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: سمِعتُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 48، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى ابن المنذر مختصرًا.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 276 عن سفيان عن ليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى عبد بن حميد.

ص: 414

يقولُ: "مُؤْمِنو أُمَّتِي شُهداءُ". قال: ثم تلا النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} . قال: بالإيمانِ على أنفسِهم باللَّهِ

(2)

.

وقال آخرون: الشهداءُ عندَ ربِّهم في هذا الموضعِ: النَّبيون الذين يَشْهَدون على أممِهم؛ مِن قولِ اللَّهِ عز وجل: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41].

والذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الكلامُ والخبرُ عن الذين آمَنوا مُتَناهٍ عندَ قولِه: {أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} ، وأنَّ قولَه:{وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} خبرٌ مُبْتدأٌ عن الشهداءِ.

وإنما قلنا: إنَّ ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك هو الأغلبُ مِن معانِيه في الظاهرِ، وأنَّ الإيمانَ غيرُ مُوجبٍ - في المتعارَفِ - للمؤمنِ اسمَ شهيدٍ إلَّا

(3)

بمعنى غيرِه، إلا أن يُرادَ به أنه

(4)

شهيدٌ على ما آمَن به وصدَّقه، فيكونَ ذلك وجْهًا، وإن كان فيه بعضُ البُعدِ؛ لأن ذلك ليس بالمعروفِ من معانِيه إذا أُطْلِق بغيرِ وصلٍ، فتأويلُ قولِه:{وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} إذنْ: والشهداءُ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللَّهِ، أو هلَكوا في سبيلِه، عندَ ربِّهم، لهم ثوابُ اللَّهِ إِيَّاهم في

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 48 عن المصنف.

(2)

تفسير مجاهد ص 649.

(3)

في م: "لا".

(4)

سقط من: م.

ص: 415

الآخرةِ ونورُهم.

وقولُه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: والذين كفروا باللَّهِ وكذَّبوا بأدلَّتِه وحجَجِه، أولئك أصحابُ الجحيمِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: اعلموا أيُّها الناسُ أنَّ متاعَ الحياةِ الدنيا المُعَجَّلةِ لكم، ما هي إلا {لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تَتَفَكَّهون به، {وَزِينَةٌ} تَتَزيَّنون بها، {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} ، يَفْخَرُ بعضُكم على بعضٍ بما أُولِيَ فيها من رِياشِها، {وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ويُباهِي بعضُكم بعضًا بكثرةِ الأموالِ والأولادِ، {كَمَثَلِ غَيْثٍ} ، [وذلك مطرٌ]

(1)

، {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يَبْبَسُ ذلك النباتُ، {فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} بعدَ أن كان أَخْضَرَ نَضِرًا.

وقولُه: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يكونُ ذلك النباتُ حُطامًا، يعني به أنه يكونُ نَبْتًا يابسًا متهشِّمًا، {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي الآخرةِ عذابٌ شديدٌ للكفارِ، {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} لأهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه.

كما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} الآية. يقولُ: صار الناسُ إلى هذين الحَرْفَين في

(1)

سقط من: م.

ص: 416

الآخرةِ

(1)

.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ

(2)

يقولُ في قولِه: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} . ذكَر ما في الدنيا، وأنه على ما وصَف، وأما الآخرةُ فإنَّها إما عذابٌ، وإما جنةٌ. قال: والوَاوُ فيه و"أَوْ" بمنزلةٍ واحدةٍ.

وقولُه: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما زينةُ الحياةِ الدنيا المُعَجَّلَةُ لكم أيُّها الناسُ، {إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .

حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الموصليُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنَّةِ خيرٌ مِن الدنيا وما فيها"

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: سابِقوا أيُّها الناسُ إلى عملٍ يُوجِبُ لكم مغفرةً من ربِّكم وجنةً عرضُها كعرضِ السماءِ والأرضِ، أَعِدَّت هذه الجنةُ {لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}. يعني: للذين وحَّدوا اللَّهَ وصدَّقوا رسلَه.

وقولُه: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: هذه الجنةُ التي

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

هو الفراء كما في معاني القرآن 3/ 135.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 101، 102، وأحمد 15/ 408 (9651)، والدارمي 2/ 332، 333، والترمذي (3013، 3292)، والنسائي في الكبرى (11085)، وابن حبان (7417)، والحاكم 2/ 299، والبيهقي في البعث (431)، من طريق محمد بن عمرو به مطولا.

ص: 417

عَرْضُها كعرضِ السماءِ والأرضِ، التي أعدَّها اللَّهُ للذين آمنوا باللَّهِ ورسلِه - فضلُ اللَّهِ تَفضَّل به على المؤمنين، واللَّهُ يؤتي فَضْلَه مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، وهو ذو الفَضْلِ العظيمِ عليهم، بما بَسَط لهم مِن الرزقِ في الدنيا، ووهَب لهم مِن النِّعمِ، وعرَّفهم موضعَ الشكرِ، ثم جزاهم في الآخرةِ على الطاعةِ ما وصَف أنه أعدَّه لهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما أصابكم أيُّها الناسُ من مصيبةٍ في الأرضِ؛ بجُدُوبِها وقُحُوطِها وذَهابِ زروعِها وفسادِها، ولا في أنفسِكم؛ بالأوصابِ والأوجاعِ والأسقامِ، {إِلَّا فِي كِتَابٍ}. يعني: إلا في أمِّ الكتابِ، {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}. يقولُ: من قبلِ أن نَبْرَأَ الأنفسَ، يعني: مِن قبلِ أن نخلُقَها. يقالُ: قد بَرَأ اللَّهُ هذا الشيءَ. بمعنى: خَلَقه، فهو بارئُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} . قال: هو شيءٌ قد فُرِغ منه مِن قبلِ أن نبرَأَ النفسَ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ} : أما مصيبةُ الأرضِ فالسِّنون، وأما في أنفسِكم فهذه الأمراضُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى المصنف.

ص: 418

والأوصابُ، {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}: مِن قبلِ أن نخلُقَها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ} . قال: هي السِّنون، {وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ}. قال: الأوجاعُ والأمراضُ. قال: وبلَغنا أنه ليس أحدٌ يُصِيبُه خَدْشُ عُودٍ، ولا نَكْبَةُ قدمٍ، ولا خَلَجَانُ عِرْقٍ - إلا بذنبٍ، وما يَعْفو اللَّهُ عنه أكثرُ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن منصورِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: كنتُ جالسًا مع الحسنِ، فقال رجلٌ: سَلْه عن قولِه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} . فسأَلْتُه عنها، فقال: سبحانَ اللَّهِ! ومَن يَشُكُّ في هذا؟ كلُّ مصيبةٍ بينَ السماءِ والأرضِ ففي كتابِ اللَّهِ، مِن قبلِ أن تُبْرَأَ النَّسَمَةُ

(2)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} . يقولُ: هو شيءٌ قد فُرِغ منه، {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}: مِن قبلِ أنْ نَبْرَأَ الأنفسَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: {فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} . قال: مِن قبلِ أنْ نخلُقَها. قال: المصائبُ والرزقُ والأشياءُ كلُّها مما تُحِبُّ وتَكْرهُ، فَرَغَ اللَّهُ مِن ذلك كلِّه قبلَ أَنْ يَبْرَأَ

(1)

أخرجه عبد الرزاق 2/ 275 في تفسيره عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 177 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 51 عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (9770) من طريق ابن علية به.

ص: 419

النفوسَ ويخلُقَها.

وقال آخرون: عُنِي بذلك: ما أصاب مِن مصيبةٍ في دينٍ ولا دنيا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} . يقولُ: في الدينِ والدنيا، إلا في كتابٍ مِن قبلِ أن نخلُقَها

(1)

.

واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى: {فِي} التي بعدَ قولِه: {إِلَّا} ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: يريدُ واللَّهُ أعلمُ بذلك: إلا هي في كتابٍ، فجاز فيه الإضمارُ. قال: وقد يقولُ: عندي هذا ليس إلَّا. يريدُ: ليس إلا هو.

وقال غيرُه منهم: قولُه: {فِي كِتَابٍ} . من صلةِ: {مَا أَصَابَ} ، وليس إضمارُ "هو" بشيءٍ. وقال: ليس قولُه: عندي هذا ليس إلا. مثلَه؛ لأن "إلا" تكفي مِن الفعلِ، كأنه قال: ليس غيرَه.

وقولُه: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِن خَلْقَ النفوسِ وإحصاءَ ما هي لاقيةٌ مِن المصائبِ، على اللَّهِ سهلٌ يسيرٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما أصابكم أيُّها الناسُ مِن مصيبةٍ في أموالِكم ولا في أنفسِكم، إلا في كتابٍ قد كُتِب ذلك فيه مِن قبلِ أن نخلُقَ نفوسَكم، {لِكَيْلَا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 47 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى ابن المنذر.

ص: 420

تَأْسَوْا}. يقولُ: لكيلا تَحْزنوا {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} مِن الدنيا، فلم تُدْرِكوه منها، {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} منها

(1)

.

ومعنى قوله: {بِمَا آتَاكُمْ} إذا مُدَّت الألفُ منها: بالذي أعطاكم منها ربُّكم ومَلَّككم وخوَّلكم. وإذا قُصِرَت الألفُ فمعناها: بالذي جاءكم منها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ:{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} مِن الدنيا، {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} منها.

حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ يزيدَ الطحانِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن قيسٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} . قال: الصبرُ عندَ المصيبةِ، والشكرُ عندَ النِّعمةِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سِماكٍ البَكْريِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} . قال: ليس أحدٌ إلا يَحْزنُ ويَفْرحُ، ولكن مَن أصابَتْه مصيبةٌ فجعَلَها صبرًا، ومَن أصابه خيرٌ فجعَلَه شكرًا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ

(1)

زيادة من: م.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 373، 374، والحاكم 2/ 479، والبيهقي في الشعب (9771)، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 176 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 421

عز وجل: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} . قال: لا تَأْسَوا على ما فاتكم مِن الدنيا، ولا تَفْرحوا بما آتاكم منها.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {بِمَا آتَاكُمْ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ: {بِمَا آتَاكُمْ} بمدِّ الألفِ

(1)

. وقَرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ: (بما أتاكُمْ) بقصرِ الألفِ

(2)

. وكأَنَّ مَن قرَأ ذلك بقصرِ الألفِ اختار قراءَتَه كذلك إذ كان الذي قبلَه: {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} ، ولم يَكُنْ:"على ما أفاتكم"، فَيَرُدَّ الفعلَ إلى اللَّهِ، فأَلْحَق قولَه:(بِمَا أتاكُمْ) به، ولم يردَّه إلى أنه خبرٌ عن اللَّهِ

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان صحيحٌ معناهما، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ أختارُ مدَّ الألفِ لكثرةِ قارئِي ذلك كذلك، وليس للذي اعتلَّ به منه مُعْتلُّو قارئِيه بقصرِ الألفِ كبيرُ معنًى؛ لأن ما جُعِل من ذلك خبرًا عن اللَّهِ، وما صُرِف منه إلى الخبرِ عن غيرِه - فغيرُ خارجٍ جميعُه عندَ سامعيه مِن أهلِ العلمِ أنه مِن فعلِ اللَّهِ تعالى، فالفائتُ مِن الدنيا مَن فاته منها شيءٌ، والمُدْرِكُ منها ما أَدْرك، عن تقدُّمِ اللَّهِ عز وجل وقضائِه، وقد بَيَّن ذلك جلَّ ثناؤُه لمن عقَل عنه بقولِه:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} . فأَخبَر أن الفائتَ منها بإفاتتِه إيَّاهم فاتهم، والمُدْرَكَ منها بإعطائِه إيَّاهم أَدْركوا، وأنَّ ذلك مخطوطٌ

(4)

لهم في كتابٍ مِن قبلِ أن يخلُقَهم.

وقولُه: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} . يقولُ: واللَّهُ لا يُحِبُّ كلَّ مُتكبِّرٍ بما أُوتِي مِن الدنيا، فخورٍ به على الناسِ.

(1)

هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. حجة القراءات ص 701، 702.

(2)

هي قراءة أبي عمرو. المصدر السابق.

(3)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 136.

(4)

في م: "محفوظ".

ص: 422

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ لا يُحِبُّ كلَّ مختالٍ فخورٍ؛ الباخلين بما أُوتوا في الدنيا، على اختيالِهم به وفَخْرِهم بذلك على الناسِ، فهم يَبْخلون بإخراجِ حقِّ اللَّهِ الذي أَوْجَبه عليهم فيه، ويَشِحُّون به، وهم مع بُخلِهم به أيضًا يأْمُرون الناسَ بالبُخْلِ.

وقولُه: {وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يُدْبِرْ مُعْرِضًا عن عظةِ اللَّهِ، {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يُدْبِرْ مُعْرِضًا عن عظةِ اللَّهِ، تاركًا العملَ بما دعاه إليه مِن الإنفاقِ في سبيلِه، فَرِحًا بما أُوتِي مِن الدنيا، مختالًا به فخورًا بخيلًا، فإنَّ اللَّهَ هو الغنيُّ عن مالِه ونفقتِه، وعن غيرِه مِن سائرِ خَلْقِه، الحميدُ إلى خَلْقِه بما أَنْعَم به عليهم مِن نِعَمِه.

واختلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ جوابِ قولِه: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} ؛ فقال بعضُهم: اسْتُغْنِي بالأخبارِ التي لأشْباهِهم ولهم في القرآنِ؛ كما قال: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31]. ولم يكنْ في ذا الموضعِ خبرٌ، واللَّهُ أعلمُ بما يُنَزِّلُ، هو كما أَنزَل أو كما أراد أن يكونَ.

وقال غيرُه مِن أهلِ العربيةِ: الخبرُ قد جاء في الآيةِ التي قبلَ هذه: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} . عطَف بجزاءين على جزاءٍ، وجعَل جوابَهما واحدًا؛ كما تقولُ: إِن تَقُمْ وإِن تُحْسِنْ آتِكَ. لا أنَّه حذَف الخبرَ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} ؛ فقرَأ ذلك

ص: 423

عامةُ قرأةِ المدينةِ: (فإِنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ) بحذفِ {هُوَ} من الكلامِ

(1)

، وكذلك ذلك في مصاحفِهم بغيرِ {هُوَ} وقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ:{فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} بإثباتِ {هُوَ} في القراءةِ

(2)

، وكذلك هو في مصاحفِهم.

والصوابُ مِن القولِ أنهما قراءتان معروفتان، فبأَيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لقد أَرسَلْنا رسُلَنا بالمُفَصَّلاتِ مِن البيانِ والدلائلِ، وأَنزَلْنا معهم الكتابَ بالأحكامِ والشرائعِ، والميزانَ بالعدلِ.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} . قال: الميزانُ: العدلُ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} : بالحقِّ. قال: الميزانُ: ما يَعْملُ النَّاسُ ويَتَعاطَوْن عليه في الدنيا مِن معايشِهم التي يَأخُذُون ويُعْطُون؛ يَأخُذون بميزانٍ، ويُعْطُون بميزانٍ، يَعْرِفُ ما يَأْخُذُ وما يُعْطِي. قال: والكتابُ فيه دِينُ الناسِ الذي يَعْملون ويَتْرُكون، فالكتابُ للآخرةِ، والميزانُ للدنيا

(4)

.

(1)

هي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر. النشر 2/ 287.

(2)

هي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وخلف ويعقوب الحضرمي. المصدر السابق.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 275 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 177 إلى ابن المنذر.

(4)

ذكر نحوه القرطبي في تفسيره 17/ 260.

ص: 424

وقولُه: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لِيعمَلَ الناسُ بينَهم بالعدلِ.

وقولُه: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنزَلْنا لهم الحديدَ، {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}. يقولُ: فيه قوَّةٌ شديدةٌ، {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} وذلك ما يَنْتَفِعون به منه عندَ لقائِهم العدوَّ، وغيرُ ذلك مِن منافعِه.

وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عِلْباءَ بنِ أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثلاثةُ أشياءَ نزَلت مع آدمَ صلواتُ اللَّهِ عليه؛ السَّنْدانُ

(1)

والكَلْبتان

(2)

، والمِيقَعَةُ

(3)

، والمِطْرَقَةُ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} . قال: البأْسُ الشديدُ: السُّيُوفُ والسلاحُ التي

(5)

يُقاتِلُ الناسُ بها، {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} بعدُ

(6)

؛ يَحْفِرون بها الأرضَ

(1)

السندان: ما يطرق الحداد عليه الحديد. الوسيط (س ن د).

(2)

الكلبتان: التي تكون مع الحداد يأخذ بها الحديد المُحْمَى. يقال: حديدة ذات كلبتين وحديدتان ذواتا كلبتين وحداد ذوات كلبتين. اللسان (ك ل ب)

(3)

الميقعة: المطرقة. ويقال: الميقعة: المِسَنُّ الطويل. التاج (و ق ع).

(4)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 130. وقوله: والميقعة والمطرقة. كذا؛ عدّ أربعة لا ثلاثة، وذلك مثل ما ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 261 عن الثعلبي من قول ابن عباس قال: "نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء

". ذكر منها الميقعة والمطرقة.

والأثر ذكره الطوسي في التبيان 9/ 532، بلفظ:"إن الله تعالى أنزل مع آدم العلاءة - يعني السندان والمطرقة والكلبتين - من السماء". والقرطبي في الموضع السابق عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: "

والميقعة وهى المطرقة". وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 54 بلفظ: "

والميقعة، يعني المطرقة". وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 56 إلى المصنف وابن أبي حاتم بلفظ: "

السندان والكلبتان والمطرقة". وينظر معاني القرآن للفراء 3/ 136، وتاج العروس (و ق ع).

(5)

في م: "الذي".

(6)

في ت 1: "فئوس".

ص: 425

والجبالَ وغيرَ ذلك.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} : جُنَّةٌ وسلاحٌ، وأنزَله لِيعلمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُه

(1)

.

وقولُه: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أَرْسَلْنا رسلَنا إلى خَلْقِنا، وأنزَلْنا معهم هذه الأشياءَ ليَعْدِلوا بينَهم، ولِيَعْلَمَ حزبُ اللَّهِ مَن يَنْصُرُ دينَ اللَّهِ ورسلَه بالغيبِ منه عنهم.

وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ اللَّهِ قويٌّ على الانتصارِ ممَّن بارزه بالمعاداةِ، وخالَف أمرَه ونهيَه، {عَزِيزٌ} في انتقامِه منهم، لا يَقْدِرُ أحدٌ على الانتصارِ منه ممَّا أحلَّ به مِن العقوبةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} أيُّها الناسُ {نُوحًا} نبيًّا

(2)

إلى خَلْقِنا، {وَإِبْرَاهِيمَ} خليلَه إليهم رسولًا، {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} . وكذلك كان

(3)

؛ كانت النبوَّةُ في ذرِّيتِهما، وعليهم أُنزِلت الكتبُ؛ التوراةُ، والإنجيلُ، والزبورُ، والفرقانُ، وسائرُ الكُتُبِ المعروفةِ، {فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ}. يقولُ:

(1)

تفسير مجاهد ص 649، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 336 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 177 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: م.

(3)

سقط من: م، ت 1.

ص: 426

فمن ذُرِّيتِهما مهتدٍ إلى الحقِّ مُستَبْصِرٌ، {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ}. يعني: من ذرِّيتِهما، {فَاسِقُونَ}. يعني: ضُلَّالٌ، خارِجون

(1)

عن طاعةِ اللَّهِ إلى معصيتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أَتْبَعْنا على آثارِهم برسلِنا الذين أرسَلناهم بالبيِّنات، و

(2)

على آثارِ نوحٍ وإبراهيمَ برسلِنا، وأَتْبَعْنا بعيسى ابنِ مريمَ، {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}. يعني: الذين اتَّبَعوا عيسى على منهاجِه وشريعتِه، و {رَأْفَةً} . وهو أشدُّ الرحمةِ

(3)

، {وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}. يقولُ: أحدَثوها، {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}. يقولُ: ما افتَرَضْنا تلك الرهبانيةَ عليهم، {إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ}. يقولُ: لكنهم ابتدَعوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} .

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين لم يَرْعَوا الرهبانيةَ حقَّ رِعايتِها؛ فقال بعضُهم: هم الذين ابْتَدَعوها، لم يَقوموا بها، ولكنهم بدَّلوا وخالَفوا دينَ اللَّهِ الذي بعَث به عيسى؛ فتَنَصَّروا وتَهَوَّدوا.

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"خروج".

(2)

سقط من: م.

(3)

في ص، ت 1، ت 3:"الرقة"، وفي ت 2:"الرأفة". وفي التاج (ر أ ف): الرأفة أشد الرحمة أو أرقّها.

ص: 427

وقال آخرون: بل هم قومٌ جاءوا مِن بعدِ الذين ابْتَدَعوها، فلم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها؛ لأنهم كانوا كفارًا، ولكنهم قالوا: نَفْعَلُ كالذي كانوا يفعلون من ذلك [أوَّليًّا. فهم]

(1)

الذين وصَف اللَّهُ بأنهم لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ هذه الأحرفِ إلى الموضعِ الذي ذكَرْنا أنَّ أهلَ التأويلِ فيه مختلِفون في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} . فهاتان مِن اللَّهِ. والرهبانيةُ ابْتَدَعها القومُ مِن أنفسِهم، ولم تُكتَبْ عليهم، ولكن ابْتَغُوا بذلك وأرادوا رِضْوانَ اللَّهِ، {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}: ذُكِر لنا أنهم رفَضوا النساءَ، واتَّخَذُوا الصَّوامِعَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} . قال: لم تُكتَبْ عليهم، ابْتَدَعُوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} . قال: فلِمَ؟ قال: ابْتَدَعوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ تَطَوُّعًا، فما رَعَوْها حقَّ رِعايتِها

(4)

.

(1)

في ت 2، ت 3:"أولياؤهم".

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 535، والقرطبي في تفسيره 17/ 263، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 276 عن معمر به.

(4)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 535.

ص: 428

ذكرُ مَن قال: الذين لم يَرْعَوُا الرهبانيةَ حقَّ رعايتِها كانوا غيرَ الذين ابْتَدَعوها، ولكنهم كانوا المُرِيدي الاقتداءِ بهم

حدَّثنا الحسينُ

(1)

بنُ الحُرَيثِ أبو عمارٍ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت ملوكٌ بعدَ عيسى بدَّلوا التوراةَ والإنجيلَ، وكان فيهم مؤمنون يقرَءون التوراةَ والإنجيلَ، فقيل لملكِهم: ما نجدُ شيئًا أَشدَّ علينا مِن شَتْمٍ يَشْتُمُناه

(2)

هؤلاء، إنهم يقرَءون:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]. هؤلاء الآياتُ

(3)

- مع ما يَعِيبوننا به في قراءتِهم، فادْعُهم

(4)

فليقرَءُوا كما نقرَأُ، ولْيُؤْمنوا كما آمنَّا به. قال: فدعاهم فجمَعهم، وعرَض عليهم القتلَ أو يتركوا قراءةَ التوراةِ والإنجيلِ إلا ما بدَّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ فدعُونا. قال: فقالت طائفةٌ منهم: ابْنُوا لنا أُسْطُوَانةً، ثم ارْفعونا إليها، ثم أَعْطُونا شيئًا نَرْفعُ به طعامَنا وشرابَنا، فلا نَرِدُ عليكم

(5)

. وقالت طائفةٌ منهم: دَعُونا نَسِيحُ في الأرضِ، ونَهِيمُ ونَشْرَبُ كما تَشْرَبُ الوحوشُ

(6)

، فإِنْ قَدَرْتم علينا بأَرْضِكم فاقتُلونا. وقالت طائفةٌ: ابْنُوا لنا دُورًا

(7)

في الفيافِي، ونَحْتَفِرُ الآبارَ، ونَحْترِثُ البقولَ، فلا نَرِدُ عليكم، ولا نَمُرُّ بكم. وليس أحدٌ مِن أولئك إلا وله حميمٌ فيهم، قال: ففعَلوا ذلك، فأنَزَل اللَّهُ جلّ ثناؤُه:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} : الآخِرون؛ قالوا: نتعبَّدُ كما تعبَّد فلانٌ، ونَسِيحُ كما ساح فلانٌ، ونتَّخِذُ دُورًا كما

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الحسن". وينظر تهذيب الكمال 6/ 358.

(2)

في ص، ت 1، ت 2:"يشتمنا".

(3)

قال السندي في حاشيته على المجتبى: "وهؤلاء الآيات" هو مبتدأ خبره محذوف أي من أشد الشتم. المجتبى 8/ 823.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فادعوهم".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عليهم".

(6)

في ت 2، ت 3:"الوحش".

(7)

في ت 2، ت 3:"دارًا". وفي الدر المنثور: "ديورًا".

ص: 429

اتَّخَذ فلانٌ. وهم على شِرْكِهم، لا علمَ لهم بإيمانِ الذين اقْتَدَوْا بهم، قال: فلمَّا بُعِث النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يَبْقَ منهم إلا قليلٌ، انحطَّ

(1)

رجلٌ من صَوْمعتِه، وجاء سائحٌ مِن سياحتِه، وجاء صاحبُ الدارِ مِن دارِه، وآمَنوا به وصدَّقوه، فقال اللَّهِ جلَّ ثناؤُه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . [الحديد: 28]. قال: أَجْرَيْن؛ لإيمانِهم بعيسى وتصديقِهم بالتوراةِ والإنجيلِ، وإيمانِهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وتَصْديقِهم به. قال:{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} : القرآنَ، واتِّباعَهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم. قال:{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

(2)

[الحديد: 29].

حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا داودُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا الصَّعِقُ بنُ حَزْنٍ، قال: ثنا عَقِيلٌ الجعديُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن سُويدِ بنِ غَفَلَةَ، عن عبد اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اخْتَلَفَ مَن كان قَبْلَنا على إِحْدَى وسَبْعِين فِرْقةً، نجا منهم ثلاثُ، وهلَك سائرُهم؛ فِرْقةٌ مِن الثلاثِ آزَتِ

(3)

المُلُوكَ وقاتَلَتْهم على دينِ اللَّهِ ودينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، فقَتَلَتْهم المُلُوكُ، وفِرْقةٌ لم تَكنْ لهم طاقةٌ بمُؤَازاةِ المُلُوكِ فأقاموا بينَ ظَهْرَانَيْ قومِهم يَدْعُونهم إلى دينِ اللَّهِ ودينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، فقَتَلَتْهم المُلُوكُ ونَشَرَتْهم بالمناشِيرِ، وفِرْقَةٌ لم تَكنْ لهم طاقةٌ بمُؤَازاةِ المُلُوكِ، ولا بالمُقامِ بينَ ظَهْرَانَيْ قومِهم يَدْعونهم إلى دينِ اللَّهِ ودينِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"إذ حط". وينظر مصادر التخريج.

(2)

أخرجه النسائي (5415)، وفي الكبرى (11567) عن الحسين به.

(3)

في م: "وازت". وآزى فلانًا، إذا حاذاه. وآزت الملوك: قاومتهم. يقال: فلان إزاء لفلان. إذا كان مقاومًا له. ينظر اللسان (أ ز ى).

ص: 430

عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، فلَحِقُوا بالبَرارِي والجبالِ، فَتَرَهَّبُوا فيها، فهو قولُ اللَّهِ عز وجل:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} . قال: ما فعَلُوها إلا ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}. قال: ما رعاها الذين من بعدِهم حقَّ رِعايتِها، {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}. قال: وهم الذين آمنوا بي وصدَّقوني. قال: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} . قال: فهم الذين جحَدوني وكذَّبوني"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} . قال: [الآخِرون ممَّن]

(2)

تَعَبَّد مِن أهلِ الشركِ، [وفُتِنَ مَن فُتِن]

(3)

منهم، يقولون: نتعبَّدُ كما تَعبَّد فلانٌ، ونَسِيحُ كما ساح فلانٌ، وهم في شِرْكِهم لا علمَ لهم بإيمانِ الذين اقْتَدَوْا بهم.

(1)

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (70)، وأبو يعلى - كما في تفسير ابن كثير 8/ 55 - ، والطبراني (10531)، والصغير 1/ 223، والأوسط (4479)، والحاكم 2/ 480، والبيهقي في الشعب (9509)، والبغوي في تفسيره 8/ 42، 43، من طريق الصعق بن حزن به بنحوه.

كما أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 54، 55 - ، والطبراني (10357)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 36/ 197، من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عبد الله بن مسعود. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 177 إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن مردويه.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"إلا من". وينظر ما تقدم في ص 429.

(3)

في م والدر المنثور: "وفنى من فنى".

ص: 431

ذكرُ مَن قال: الذين لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها الذين ابْتَدَعوها

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} إلى قولِه: {حَقَّ رِعَايَتِهَا} . يقولُ: ما أطاعوني فيها، وتكلَّموا فيها بمعصيةِ اللَّهِ. وذلك أنَّ اللَّهَ عز وجل كتَب عليهم القتالَ قبلَ أنْ يَبْعثَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فلما اسْتُخْرِج أهلُ الإيمانِ، ولم يَبْقَ منهم إلا قليلٌ، وكَثُر أهلُ الشركِ، وذهَب الرسلُ وقُهِرُوا، اعتزَلوا في الغِيرانِ

(1)

، فلم يَزَلْ بهم ذلك حتى كَفَرت طائفةٌ منهم، وتَرَكوا أمرَ اللَّهِ عز وجل ودينَه، وأَخَذوا بالبدعةِ وبالنصرانيةِ وباليهوديَّةِ، فلم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها، وثَبَتَتْ طائفةٌ على دينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، [حتى جاءتْهم البيناتُ]

(2)

، وبعَث اللَّهُ عز وجل محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا وهم كذلك، فذلك قولُه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} إلى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} . كان اللَّهُ عز وجل كتَب عليهم القتالَ قبلَ أنْ يَبْعَثَ محمدًا صلى الله عليه وسلم فلما اسْتُخرِج أهلُ الإيمانِ، ولم يَبْقَ منهم إلا القليلُ، وكثُر أهلُ الشركِ، وانقطَعت الرسلُ، اعتزَلوا الناسَ، فصاروا في الغِيرانِ، فلم يزالوا كذلك

(3)

حتى غيَّرت طائفةٌ منهم، فترَكوا دينَ اللَّهِ وأمرَه وعهدَه الذي عَهِده إليهم، وأخَذوا بالبدعِ، فابْتَدَعوا النصرانيةَ

(1)

الغيران: جمع غار. والغار كالكهف في الجبل، وقيل: شبه البيت فيه. اللسان (غ و ر).

(2)

في م: "حين جاءهم بالبينات".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بذلك".

ص: 432

واليهوديَّةَ، فقال اللَّهُ عز وجل لهم:{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} ، وثَبَتَت طائفةٌ منهم على دينِ عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، حتى بعَث اللَّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فآمَنوا به.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبي مريمَ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: إِنَّ اللَّهَ كتَب عليكم صيامَ رمضانَ، ولم يَكْتُبْ عليكم قيامَه، وإنما القيامُ شيءٌ ابْتَدَعتُموه، وإِنَّ قومًا ابْتَدَعوا بدعةً لم يَكْتُبْها اللَّهُ عليهم، ابْتَغَوا بها رِضْوانَ اللَّهِ، فلم يَرْعَوها حقَّ رِعايتِها، فعابَهم اللَّهُ بتَرْكِها، فقال:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ: إنَّ الذين وصَفهم اللَّهُ بأنهم لم يَرْعَوا الرهبانيةَ حقَّ رِعايتِها، بعضُ الطوائفِ التي ابْتَدَعتْها. وذلك أَنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤُه أَخبَر أنه آتَى الذين آمَنوا منهم أَجْرَهم؛ قال: فدلَّ بذلك على أن منهم مَن قد رعاها حقَّ رِعايتِها، فلو لم يكنْ منهم مَن كان كذلك لم يكنْ يستحِقُّ الأجرَ الذي قال جلّ ثناؤُه:{فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} . إلا أنَّ الذين لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها ممكِنٌ أنْ يكونوا كانوا على عَهْدِ الذين ابْتَدَعوها، وممكِنٌ أنْ يكونوا كانوا بعدَهم؛ لأنَّ الذين هم مِن أبنائِهم إذا لم يكونوا رَعَوْها فجائزٌ في كلامِ العربِ أن يقالَ: لم يَرْعَها القومُ. على العمومِ، والمرادُ منهم البعضُ الحاضرُ، وقد مضَى نظيرُ ذلك في مواضعَ كثيرةٍ من هذا الكتابِ

(2)

.

وقولُه: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فَأَعْطينا

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 264، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن مردويه وأخرجه الطبراني في الأوسط (7450) من طريق إسماعيل بن عمرو عن هشيم به مرفوعًا.

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 642، 643.

ص: 433

الذين آمنوا باللَّهِ ورسلِه مِن هؤلاءِ الذين ابْتَدَعوا الرهبانيةَ - ثوابَهم على ابتغائِهم رِضْوانَ اللَّهِ، وإيمانِهم به وبرسولِه في الآخرةِ، وكثيرٌ منهم أهلُ معاصٍ

(1)

، وخروجٍ عن طاعتِه والإيمانِ به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} . قال: الذين رعَوْا ذلك الحقَّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه مِن أهلِ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ، خافوا اللَّهَ بأداءِ طاعتِه واجتنابِ معاصيه، وآمِنوا برسولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} . يعني: الذين آمنوا مِن أهلِ الكتابِ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} . يعني: الذين آمنوا من أهلِ الكتابِ

(2)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"معاصي الله".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 57.

ص: 434

وقولُه: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} : يُعْطِكم ضِعْفين مِن الأجرِ؛ لإيمانِكم بعيسى صلى الله عليه وسلم والأنبياءِ قبلَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ثم إيمانِكم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم حينَ بُعِث نبيًّا.

وأصلُ الكِفلِ: الحظُّ، وأصلُه: ما

(1)

يَكْتَفِلُ به الراكبُ، فيَحْبِسُه ويَحْفَظُه عن السقوطِ؛ يقولُ: يُحَصِّنُكم هذا الكفلُ من العذابِ، كما يُحَصِّنُ الكِفلُ الراكبَ من السقوطِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو عمارٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . قال: أَجْرَين؛ لإيمانِهم بعيسى عليه السلام وتصديقِهم بالتوراةِ والإنجيلِ، وإيمانِهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وتصديقِهم به

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . قال: أَجْرَين؛ إيمانَهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإيمانَهم بعيسى صلى الله عليه وسلم والتوراةِ والإنجيلِ.

وبه عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، وهارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . [قال: أَجْرَين]

(3)

.

(1)

سقط من: ص، ت 2، ت 3.

(2)

تقدم مطولًا في ص 429، 430.

(3)

سقط من: ت 1.

ص: 435

[حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ}]

(1)

. يقولُ: ضِعْفَين

(2)

.

قال: ثنا مهرانُ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: بعَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم جعفرًا في سبعين راكبًا إلى النجاشيِّ يَدْعوه، فقدِم عليه، فدعاه فاستَجاب له وآمَن به، فلما كان عندَ انصرافِه قال ناسٌ ممن قد آمَن به من أهلِ مملكتِه، وهم أربعون رجلًا: ائذَن لنا، فنأتيَ هذا النبيَّ، فنُسلِمَ به، [[ونُجدِّفَ بهؤلاء]

(3)

في البحرِ، فإنَّا أعلمُ بالبحرِ منهم]

(4)

. فقدِموا مع جعفرٍ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد تَهَيَّأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لوقعةِ أُحُدٍ

(5)

، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخَصاصةِ وشدةِ الحالِ، استأذَنوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن لنا أموالًا، ونحن نَرَى ما بالمسلمين من الخصاصةِ، فإن أَذِنتَ لنا انصرَفْنا فجِئْنا بأموالِنا فواسَينا المسلمين بها. فأَذِن لهم فانصرَفوا، فأتَوا بأموالِهم فواسَوا بها المسلمين، فأنزَل اللَّهُ فيهم:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قولِه: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص: 52 - 54]. فكانت النفقةُ التي واسَوا بها المسلمين، فلما سمِع أهلُ الكتابِ - ممن لم يُؤْمِنْ - بقولِه:{يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 54]. فخَروا على المسلمين، فقالوا: يا معشرَ المسلمين، أمَّا مَن آمَن منا بكتابِكم وكتابِنا فله أجرُه مرَّتين، ومَن لم يُؤْمِنْ بكتابِكم فله أجرٌ كأجورِكم، فما فضلُكم علينا؟! فأنزَل اللَّهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ

(1)

سقط من: ت 1.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

في م: "ونساعد هؤلاء".

(4)

في ت 1: "قال".

(5)

قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص 419: وفي سياقه نكارة، وذلك أن جعفرًا إنما قدم بعد أحد بزمان، قدم عند فتح خيبر. انتهى بتصرف.

ص: 436

مِنْ رَحْمَتِهِ}. فجعَل لهم أجرَهم مرتين

(1)

، وزادهم النورَ والمغفرةَ، ثم قال: (لِكَيْلا

(2)

يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ). [وهكذا قرَأها سعيدُ بنُ جُبَيرٍ (لِكَيْلا

(3)

يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ]

(4)

أَلَّا يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ)

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . قال: ضِعْفين

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . قال: والكِفْلان أَجْران؛ بإيمانِهم الأولِ، وبالكتابِ الذي جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم

(7)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} . يعني: الذين آمَنوا من أهلِ الكتابِ، {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ}. يقولُ: أَجْرَين؛ بإيمانِكم بالكتابِ الأوّلِ، و

(8)

الذي جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم (7).

(1)

سقط من: ص، م، ت 1.

(2)

في ت 1: "لئلا"، وفي ت 2:"كيلا"، وفي ت 3:"لألا".

(3)

في ت 2، ت 3:"كيلا". وقوله: (لكيلا) وردت به الرواية عن ابن عباس وعبد اللَّه بن أبي سلمة لا عن ابن جبير، وورد أيضًا أن عبد اللَّه بن مسعود وابن جبير وعكرمة - كما في البحر المحيط - قرءوا:(لكي يعلم). وفي مختصر الشواذ ذُكر ابنُ عباس مكان ابن جبير في هذه الرواية. مختصر الشواذ ص 153، والبحر المحيط 8/ 229.

(4)

سقط من: ت 1.

(5)

ذكرُه الزيلعي في تخريج الكشاف 3/ 419 عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى ابن أبي حاتم، وقراءة سعيد بن جبير شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(6)

تفسير مجاهد ص 649، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى عبد بن حميد.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى عبد بن حميد.

(8)

سقط من: ص، ت 2، ت 3.

ص: 437

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . قال: أَجْرَين؛ أجرَ الدنيا، وأجرَ الآخرةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن سفيانَ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن أبي موسى:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . قال: الكِفْلان ضِعْفان من الأجرِ، بلسانِ الحبشةِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الشعبيِّ، قال: إن الناسَ يومَ القيامةِ على أربعِ منازلَ؛ رجلٌ كان مؤمنًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فله أجران، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى [فآمَن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فله أجرٌ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى]

(3)

فكفَر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فباء بغضبٍ على غضبٍ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى من مشرِكي العربِ فمات بكفرِه قبلَ محمدٍ فباء بغضبٍ.

حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: سألتُ سعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ عن الكِفْلِ؛ كم هو؟ قال: ثلاثُمائةٍ وخمسون حسنةً، والكِفْلان: سبعُمائةِ حسنةٍ. قال سعيدٌ: سأل عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه حبرًا من أحبارِ اليهودِ: كم أفضلُ ما ضُعِّفت لكم الحسنةُ؟ قال: كِفلٌ ثلاثُمائةٍ وخمسون حسنةً. قال: فحمِد اللَّهَ عمرُ على أنه أعطانا كِفْلين. ثم ذكَر سعيدٌ قولَ اللَّهِ عز وجل في سورةِ "الحديدِ": {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . فقلت له: الكِفْلان في الجمعةِ

(4)

مثلُ

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 266.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 5/ 92 - وتفسير مجاهد ص 649 من طريق أبي إسحاق به بنحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 471 من طريق أبي الأحوص به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

ورد مرفوعًا من حديث علي وأبي أمامة وغيرهما. ينظر مسند أحمد 2/ 125 (719)، والطبراني (7689).

ص: 438

هذا؟ قال: نَعَمْ

(1)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا معمرُ بنُ راشدٍ، عن فراسٍ، عن الشعبيِّ، عن أبي بُردةَ بنِ أبي موسى، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ يُؤْتَون أجرَهم مرَّتين؛ رجلٌ آمَن بالكتابِ الأولِ والكتابِ الآخِرِ، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فأدَّبها فأحسَن تأديبَها، ثم أعتَقها فتزوَّجها

(2)

، وعبدٌ مملوكٌ أحسَن عبادةَ ربِّه، ونصَح لسيدِه"

(3)

.

[حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: ثنى صالحُ بنُ صالحٍ الهمدانيُّ، عن عامرٍ، عن أبي بُرْدةَ بنِ أبي موسى، عن أبي موسى، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوِه

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن صالحِ بنِ صالحٍ، سمِع الشعبيَّ يُحدِّثُ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بنحوه]

(5)

(6)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 58 وعزاه إلى المصنف.

(2)

في ت 2: "وتزوجها"، وفي ت 3:"فزوجها".

(3)

أخرجه الطحاوي في المشكل (1973)، والخطيب في تاريخ بغداد 6/ 229 من طريق يعقوب به. وأخرجه أحمد 4/ 405 (ميمنية)، والبزار (2977)، وأبو نعيم في مسانيد فراس (28)، من طريق ابن علية به.

(4)

أخرجه النسائي (3344)، ومن طريقه الطحاوي في المشكل (1971) عن يعقوب به.

(5)

سقط من: ت 1.

(6)

أخرجه أبو داود الطيالسي (504)، وأحمد 4/ 402 (الميمنية)، ومسلم (154)، وأبو عوانة 1/ 103، والطحاوي في المشكل (1974)، وغيرهم من طرق عن شعبة به.

ص: 439

[حدَّثني محمدُ بنُ [عبدِ اللَّهِ بنِ]

(1)

عبدِ الحكمِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ الفراتِ، عن يحيى بنِ أيوبَ، قال: قال يحيى بنُ سعيدٍ: أخبَرنا نافعٌ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنما آجالُكم في آجالِ مَن خلَا من الأممِ كما بينَ صلاةِ العصرِ إلى مغربِ الشمسِ، وإنما مَثَلُكم ومَثَلُ اليهودِ والنصارَى كمثلِ رجلٍ استأجَر عُمَّالًا، فقال: مَن يَعْمَلُ من بُكرةٍ إلى نصفِ النهارِ على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعمِلت اليهودُ، ثم قال: من يعملُ من نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصرِ على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعمِلت النصارَى، ثم قال: مَن يَعْمَلُ من صلاةِ العصرِ إلى مغاربِ الشمسِ على قيراطين قيراطين؟ ألا فعمِلتم"]

(2)

(3)

.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، أنه سمِع ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مثَلُ هذه الأُمَّةِ - أو قال: أُمَّتي - ومثَلُ اليهودِ والنصارَى كمثَلِ رجلٍ قال: مَن يَعْمَلُ لي من غُدوةٍ إلى نصفِ النهارِ على قيراطٍ؟ قالت اليهودُ: نحن. فعمِلوا، قال: فمَن يَعْمَلُ من نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصرِ على قيراطٍ؟ قالت النصارَى: نحن. فعمِلوا، وأنتم المسلمون تَعْمَلون من صلاةِ العصرِ إلى الليلِ على قيراطين، فغضِبتِ اليهودُ والنصارَى، وقالوا: نحن أكثرُ عملًا وأقلُّ أجرًا. قال: هل ظلَمتُكم من أجورِكم

(1)

سقط من: م، ت 3.

(2)

سقط من: ت 1.

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 11، ومعمر بن راشد في جامعه (20565، 20911)، والطيالسي (1929)، وأحمد 8/ 100، 10/ 245 (4508، 6066)، والبخاري (2268، 3459)، وعبد بن حميد (771، 776)، وأبو يعلى (5838)، والطبراني في الأوسط (1619)، والرامهرمزي في الأمثال ص 59، والبيهقي 6/ 118، والبغوي (4017)، وفي تفسيره 8/ 46 من طرق عن نافع به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 179 إلى ابن مردويه.

ص: 440

شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فذاك فَضْلي أُوتيه مَن أشاءُ"

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني الليثُ وابنُ لَهيعةَ، عن سليمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي أُمامةَ الباهليِّ، أنه قال: شَهِدتُ خطبةَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومَ حجةِ الوداعِ، فقال قولًا كثيرًا حسنًا جميلًا، وكان فيها:"مَن أسلَم من أهلِ الكتابَيْنِ فله أجرُه مرَّتين، وله مثلُ الذي لنا، وعليه مثلُ الذي علينا، ومَن أسلَم من المشركين فله أجرُه، وله مثلُ الذي لنا، وعليه مثلُ الذي علينا"

(2)

.

وقولُه: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عُنِي به "النورُ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به القرآنُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو عمارٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} : القرآنُ

(3)

، واتِّباعُهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} . قال:

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 11 بنحوه، وأحمد 10/ 140 - 144 (5902، 5904، 5911) عن مؤمل به، وأخرجه أحمد 10/ 141 (5903)، والبخاري (5021)، من طريق سفيان به، وأخرجه البخاري (2269)، والترمذي (2871)، وابن حبان (6639)، من طريق ابن دينار به.

(2)

أخرجه الطحاوي في المشكل (2571) عن يونس به، وأخرجه أحمد 5/ 259 (الميمنية)، والروياني (1226)، من طريق ابن لهيعة به، وأخرجه الطبراني (7786) من طريق الليث به.

(3)

في م: "قال: الفرقان".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى عبد بن حميد.

ص: 441

الفرقانُ، واتِّباعُهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} . قال: القرآنُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثلَه

(1)

.

وقال آخرون: عُنِي بالنورِ في هذا الموضعِ: الهُدى.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{تَمْشُونَ بِهِ} . قال: هُدًى

(2)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه وعَد هؤلاءِ القومَ أنْ يجعلَ لهم نورًا يَمْشُون به، والقرآنُ مع اتِّباعِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نورٌ لمن آمن بهما وصدَّقهما، وهُدًى؛ لأن مَن آمن بذلك فقد اهْتَدى.

وقولُه: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} . يقولُ: ويَصْفَحْ لكم عن ذنوبِكم فيَسْتُرْها عليكم، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو مغفرةٍ ورحمةٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} .

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى ابن الضريس.

(2)

تفسير مجاهد ص 649، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 178 إلى عبد بن حميد.

ص: 442

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم مِن أهلِ الكتابِ: يفعلُ بكم ربُّكم هذا لكي يعلمَ أهلُ الكتابِ أنهم لا يَقْدِرون على شيءٍ مِن فضلِ اللَّهِ الذي آتاكم وخصَّكم به؛ لأنهم كانوا يَرَوْن أَنَّ اللَّهَ قد فضَّلهم على جميعِ الخَلْقِ، فأَعْلَمهم اللَّهُ جلّ ثناؤُه أنَّه قد آتَى أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِن الفضلِ والكرامةِ، ما لم يُؤْتِهم، وأنَّ أهلَ الكتابِ حسَدوا المؤمنينَ لمّا نزَل قولُه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} . فقال اللَّهُ عز وجل: فعَلْتُ ذلك ليعلمَ

(1)

أهلُ الكتابِ أنهم لا يَقْدِرون على شيءٍ مِن فضلِ اللَّهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} الآية. قال: لما نزَلت هذه الآيةُ حسَد أهلُ الكتابِ المسلمينَ عليها، فأنزَل اللَّهُ عز وجل:{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ} الآية. قال: ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "إِنَّما مَثَلُنا ومَثَلُ أهلِ الكتابَيْن قَبْلَنا، كمَثَلِ رجلٍ اسْتَأْجَر أُجَرَاءَ يَعْمَلُون إلى اللَّيلِ على قِيراطٍ، فلمَّا انْتَصَف النَّهارُ سَئِمُوا عَمَلَه وملُّوا، فحاسَبهم، فأَعْطاهم [نصفَ قيراطٍ، ثم استأجَر أجراءَ يعمَلون إلى الليلِ على قيراطٍ، فعمِلوا إلى صلاةِ العصرِ، ثم سَئِموا وملُّوا عملَه، فحاسَبهم، فأعطاهم]

(2)

على قَدْرِ ذلك، ثم اسْتَأْجَر أُجَراءَ إلى اللَّيلِ على قِيراطينِ يَعْمَلُون له بقيَّةَ عملِه، فقيل له: ما شأنُ هؤلاءِ أَقَلُّهم عملًا، وأَكْثَرُهم أَجْرًا؟ قال:

(1)

في ت 1: "لئلا يعلم".

(2)

سقط من: م.

ص: 443

مالي، أُعْطِي مَن شِئْتُ. فَأَرْجو أنْ نكونَ نحنُ أصحابَ القِيرَاطَيْنِ".

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} . قال: بلَغنا أنَّها حينَ نزَلت حسَد أهلُ الكتابِ المسلمين، فأنزَل اللَّهُ:{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}

(1)

.

حدَّثنا أبو عمارٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} : الذين يتَسَمَّعون، {أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} .

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.

وقيل: {لِئَلَّا يَعْلَمَ} . وإنما هو: لِيَعْلَمَ، وذُكِر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ:(لِكَيْ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ ألَّا يَقْدِرُون)

(2)

؛ لأنَّ العربَ تجعلُ "لا" صلةً في كلِّ كلامٍ دخَل في أوَّلِه أو

(3)

آخرِه جَحْدٌ غيرُ مُصَرَّحٍ، كقولِه في الجَحْدِ السابقِ الذي لم يُصَرِّحْ به:{مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]. وقولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] وقولِه: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} الآية [الأنبياء: 95]. ومعنى ذلك: أهلكناها أنهم يَرْجِعون.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 276 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 179 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 153، والبحر المحيط 8/ 229.

(3)

في ت 2، ت 3:"و". وينظر معاني القرآن للفراء 3/ 137.

ص: 444

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو هارونَ الغَنَويُّ، قال: قال خطابُ بنُ عبدِ اللَّهِ: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} .

قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ يقولُ: (لِكَيْلا

(1)

يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ)

(2)

.

وقولُه: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيعلَموا أن الفضلَ بيدِ اللَّهِ دونَهم، ودونَ غيرِهم من الخلقِ، {يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}. يقولُ: يُعْطى فضلَه ذلك من يشاءُ من خلقِه، ليس ذلك إلى أحدٍ سواه، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو الفضلِ على خلقِه، العظيمُ فضلُه.

آخِرُ تفسيرِ سورةِ "الحديدِ"

(1)

في الدر المنثور: "كي لا". وينظر ما تقدم في ص 437 حاشية "4".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 179 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 445

‌تفسيرُ سورةِ "المجادلَةِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

(1)}.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} يا محمدُ، {قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . والتي كانت تُجادِلُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في زوجِها امرأةٌ مِن الأنصارِ.

واختلَف أهلُ العلمِ في نَسَبِها واسمِها؛ فقال بعضُهم: خَوْلةُ بنتُ ثعلبةَ. وقال بعضُهم: اسمُها خُوَيْلةُ بنتُ ثعلبةَ. وقال آخرون: هي خُوَيْلةُ بنتُ خُوَيْلدٍ. وقال آخرون: هي خُوَيْلةُ بنتُ الصامتِ. وقال آخرون: هي خويلةُ بنتُ الدُّلَيْجِ.

وكانت مجادلتُها رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في زوجِها - وزوجُها أَوْسُ بنُ الصامتِ - مراجعتَها

(1)

إيَّاه في أمرِه، وما كان مِن قولِه لها: أنتِ عليَّ كَظَهْرِ أمِّي. ومحاورتَها إيَّاه في ذلك. وبذلك قال أهلُ التأويلِ، وتظاهَرت به الروايةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك، والآثارِ الواردةِ به

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ يقولُ: إِن خُوَيْلةَ ابنةَ الدُّلَيْجِ أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم وعائشةُ تَغْسلُ شِقَّ رأْسِه، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، طالتْ صُحْبَتي مع زوجي، ونَفَضتُ له بَطْنِي

(2)

، وظاهَر مِنِّي. فقال

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"و".

(2)

نفضت المرأة كرشها فهي نفوض: كثيرة الولد. اللسان (ن ف ض).

ص: 446

رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "حَرُمْتِ عليه". قالت: أَشْكُو إلى اللَّهِ فاقتي. ثم قالت: يا رسولَ اللَّهِ، طالَتْ صُحْبتي، ونَفَضْت له بَطْنِي. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"حَرُمْتِ عليه". فجعَل إذا قال لها: "حَرُمْتِ عليه". هَتَفَت وقالت: أشكو إلى اللَّهِ فاقتي. قال: فنَزَل الوحيُ، وقد قامَت عائشةُ تَغسِلُ شِقَّ رأسِه الآخرَ، فأَوْمأَت إليها عائشةُ أنِ اسْكُتي. قالت: وكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا نزَل عليه الوحيُ أخَذه مثلُ السُّبَاتِ، فلما قُضِي الوحيُ قال:"ادْعي زوجَك". فَتَلاها عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} إلى قولِه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . أي: يَرْجِعُ فيه، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ، "أَتَسْتَطِيعُ رَقَبَةً؟ ". قال: لا. قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} . قال: يا رسولَ اللَّهِ، إني إذا لم آكُلْ في اليومِ ثلاثَ مِرارٍ

(1)

خَشِيتُ أَنْ يَعْشُوَ بصرِي. قال: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} . قال: "أَتَستَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّين مِسْكينًا؟ ". قال: لا يا رسولَ اللَّهِ، إلا أنْ تُعِينَني. قال: فأَعانه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَطْعَم

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أنَّ خُوَيْلةَ ابنَةَ ثعلبةَ، وكان زوجُها أوسُ بنُ الصامتِ قد ظاهرَ منها، فجاءت تَشتكِي إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ظاهَر مِنِّي زوجي حينَ كَبِر سِنِّي ورَقَّ عَظْمِي. فأنزَل اللَّهُ فيها ما تَسْمعون: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} ، فقرَأ حتى بلَغ: {لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا

(1)

في م: "مرات".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 64 - والبيهقي 7/ 384 من طريق داود به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 182، 183 إلى عبد بن حميد وابن مردويه مطولا.

ص: 447

قَالُوا}. يُرِيدُ أنْ يَغْشَى بعدَ قولِه ذلك، فدعاه رسولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال له:"أَتَسْتَطِيعُ "أن تُحرِّرَ مُحَرَّرًا؟ ". قال: ما لي بذلك يَدانِ. أو قال: لا أَجِدُ. قال: "أَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصومَ شَهْرين متَتَابعَيْن؟ ". قال: لا واللَّهِ، إنه إذا أَخطأَه المأكلُ كلَّ يومٍ مِرارًا يَكِلُّ بصرُه. قال: "أَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّين مِسْكينًا؟ ". قال: لا واللَّهِ، إلا أن تُعِينَني منك بعونٍ وصَلاةٍ. قال بشرٌ: قال يزيدُ: يعني دعاءً. فأَعانه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بخمسةَ عشَرَ صاعًا، فجَمَع اللَّهُ له، واللَّهُ

(1)

رحيمٌ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} . قال: ذاك أوسُ بنُ الصامتِ، ظاهَر مِن امرأتِه خُوَيْلةَ ابنَةِ ثعلبةَ، قالت: يا رسولَ اللَّهِ، كَبِرت سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، وظاهَر مِنِّي زوجي. قال: فأنزل اللَّهُ: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} إلى قولِه: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . يريدُ أَنْ يَغْشى بعدَ قولِه، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ، فدعاه إليه نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:"هل تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ ". قال: لا. قال: "أَفَتَسْتَطِيعُ أنْ تصومَ شَهْرين متَتَابعَيْن؟ ". قال: إنه إذا أخطأَه أنْ يأْكُلَ كلَّ يومٍ ثلاثَ مرّاتٍ يَكِلُّ بصرُه. قال: "أَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّين مِسْكِينًا؟ ". قال: لا، إلا أَنْ يُعِينَني فيه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعونٍ وصلاةٍ. فأعانه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بخمسةَ عَشَر صاعًا، وجَمَع اللَّهُ له أمرَه، واللَّهُ غفورٌ رحيمٌ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي حمزةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الرجلُ إذا قال لامرأَتِه في الجاهليةِ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ

(1)

بعده في م، ت 2، ت 3:"غفور".

(2)

أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 305 من طريق قتادة عن أنس بنحوه.

ص: 448

أمي. حَرُمَت في الإسلامِ، فكان أوَّلَ مَن ظاهَر في الإسلامِ أوسُ بنُ الصامتِ، وكانت تحتَه ابنةُ عمٍّ له يقالُ لها: خُوَيْلةُ بنتُ خُوَيْلدٍ. وظاهَر منها، فأُسْقِط في يَدَيه، وقال: ما أَراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليَّ. وقالت له مثلَ ذلك. قال: فانطلِقي إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قال: فأَتَتْ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فوجَدَت عندَه ماشطةً تَمْشُطُ رأْسَه، فأخبرَتْه، فقال:"يا خُوَيْلةُ، ما أُمِرْنا في أَمْرِك بشيءٍ". فأنزَل اللَّهُ على رسولِه صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا خُوَيْلةُ، أبْشِري". قالت: خيرًا، قال: فقرَأ عليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى قولِه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . قالت: وأيُّ رقبةٍ لنا؟ واللَّهِ ما يجدُ رَقَبَةً غيري. قال: " {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} ". قالت: واللَّهِ لولا أنه يَشْرَبُ في اليومِ ثلاثَ مراتٍ لذهَب بصرُه. قال: " {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ". قالت: مِن أينَ؟ ما هي إلا أَكْلةٌ إلى مِثلِها. قال: فدعا

(1)

بشَطْرِ وَسْقٍ؛ ثلاثين صاعًا، والوَسْقُ ستُّون صاعًا، فقال:"ليُطْعِمْ ستِّين مِسْكينًا ولْيُراجِعْكِ"

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} إلى قولِه: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ؛ وذلك أن خَوْلةَ ابنةَ الصامتِ - امرأةٌ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فدعاه"، وفي م:"فرعاه". والمثبت من كشف الأستار وتفسير ابن كثير.

(2)

أخرجه البزار (1513 - كشف)، والنحاس في ناسخه ص 700، والبيهقي 7/ 382 من طريق عبيد الله بن موسى به بنحوه. وأخرجه الطبراني (11689) من طريق أبي حمزة به بنحوه مطولا، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 63، 64. قال البزار: وأبو حمزة لين الحديث، وقد خالف في روايته ومتن حديثه الثقات في أمر الظهار

وحديث أبي حمزة منكر، وفيه لفظ يدل على خلاف الكتاب؛ لأنه قال:"وليراجعك"، وقد كانت امرأته، فما معنى مراجعته امرأته ولم يطلقها، وهذا مما لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أُتِي هذا من رواية أبي حمزة الثمالي. اهـ.

ص: 449

مِن الأنصارِ - ظاهَر منها زوجُها فقال: أنتِ عليَّ مثلُ ظَهْرِ أمي. فأَتَت رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنَّ زوجي كان تَزوَّجني، وأنا أحَبُّ الناسِ

(1)

إليه

(2)

، حتى إذا كَبِرْتُ، ودَخَلْتُ في السِّنِّ قال: أنت عليَّ مثلُ ظهْرِ أمي. فتَرَكني إلى غيرِ أحدٍ، فإنْ كنتَ تجدُ لي رخصةً يا رسولَ اللَّهِ تَنْعَشُني

(3)

وإيَّاه بها فحدِّثْني بها. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما أُمِرْتُ في شَأْنِك بشيءٍ حتى الآنَ، ولكنِ ارْجِعي إلى بَيْتِك، فإِنْ أُومَرْ بشيءٍ لا أُعَمِّه

(4)

عليكِ إنْ شاء اللَّهُ". فَرَجَعَتْ إلى بيتِها، وأنزَل اللَّهُ على رسولِه صلى الله عليه وسلم في الكتابِ رُخْصَتَها ورخصةَ زوجِها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى قولِه: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: فأرسَل رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى زوجِها، فلما أتاه قال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما أرَدتَ إلى يَمينِك التي أَقْسَمْتَ عليها؟ ". فقال: وهل لها كفارةٌ؟ فقال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هل تَسْتَطِيعُ أَن تُعْتِقَ رقبةً؟ ". قال: إذًا يذهبُ مالي كلُّه؛ الرَّقَبَةُ غاليةٌ، وأنا قليلُ المالِ. فقال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فهل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصومَ شَهْرين متَتابِعَيْن؟ ". قال: لا واللَّهِ، لولا أني آكلُ في اليومِ ثلاثَ مراتٍ لكَلَّ بَصَرِي. فقال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هل تَسْتَطِيعُ أَن تُطْعِمَ سِتِّين مسكينًا؟ ". قال: لا واللَّهِ، إلا أنْ تُعِينَني على ذلك بعونٍ وصلاةٍ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إني مُعِينُك بخمسةَ عشرَ صاعًا، وأنا داعٍ لك بالبَرَكةِ". فأصلَح ذلك بينَهما. قال: وجعَل فيه تحريرَ رقبةٍ لمن كان مُوسِرًا، لا يُكفِّرُ عنه إلا تحريرُ رقبةٍ إذا كان مُوسِرًا، مِن قبلِ أن يَتَماسَّا، فإِنْ لم يكنْ مُوسِرًا فصيامُ شَهْرَين متَتابِعَيْنِ، لا يَصْلُحُ له الصومُ إلا إذا كان مُعْسِرًا، إلا أنْ لا يَسْتَطِيع،

(1)

سقط من النسخ، والمثبت من الدر المنثور.

(2)

سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.

(3)

نعش فلانا: تداركه من ورطة. الوسيط (ن ع ش).

(4)

في ص، م، ت 1:"أغممه".

ص: 450

فإن لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ ستِّين مِسْكينًا، وذلك كلُّه قبْلَ الجماعِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي مَعْشرٍ المدنيِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: كانت خَوْلةُ ابنَةُ ثعلبةَ تحتَ أَوْسِ بنِ الصامتِ، وكان رجلًا به لَمَمٌ

(2)

، فقال في بعضِ هِجراتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. ثم نَدِم على ما قال، فقال لها: ما أَظنُّكِ إلا قد حَرُمْتِ عليَّ. قالت: لا تَقُلْ ذلك، فواللَّهِ ما أحَبَّ اللَّهُ طلاقًا. قالت: ائتِ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فسَلْه. فقال: إني أجدُني أَسْتحْيِي منه أن أسأَلَه عن هذا. فقالت: فَدَعْنِي أن أسأَلَه. فقال لها: سَلِيه. فجاءت إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَوْسَ بنَ الصامتِ أبو ولدِي، وأَحبُّ الناسِ إليَّ، قد قال كلمةً والذي أنزَل عليك الكتابَ ما ذكَر طلاقًا، قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "ما أُرَاكِ إلا قد حَرُمْتِ عليه". قالت: لا تَقُلْ ذلك يا نبيَّ اللَّهِ، واللَّهِ ما ذكَر طلاقًا. فرادَّتِ

(3)

النبيَّ صلى الله عليه وسلم مِرارًا، ثم قالت: اللهمَّ إني أَشْكُو اليومَ شِدَّةَ حالي ووِحْدَتي، وما يَشُقُّ عليَّ مِن فِراقِه، اللهمَّ فأَنزِلْ على لسانِ نبيِّك. فلم تَرِمْ

(4)

مكانَها حتى أنزَل اللَّهُ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} إلى أن ذكَر الكفاراتِ، فدعاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال:"أَعْتِقْ رَقَبَةً". فقال: لا أَجِدُ. فقال: "صُمْ شَهْرين متَتابِعَيْن". قال: لا أستَطِيعُ، إني لأصومُ اليومَ الواحدَ فيشُقُّ عليَّ. قال:"أَطْعِمْ سِتِّين مِسْكينًا". قال: أما هذا فنَعم

(5)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . قال: نزَلت في امرأةٍ اسمُها خَوْلَةُ - وقال

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 180 إلى ابن مردويه.

(2)

اللمم: الجنون، أو طرف منه، يُلِمُّ بالإنسان ويعتريه. (ل م م).

(3)

رادَّه الكلامَ: راجعه إياه. الوسيط (ر د د).

(4)

رام المكان: بَرِحَه. الوسيط (ر ي م).

(5)

ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 3/ 423، 424 عن المصنف.

ص: 451

عكرمةُ: اسمُها خُوَيلةُ ابنَةُ ثعلبةَ، وزوجُها أَوْسُ بنُ الصامتِ - جاءت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت إنَّ زوجَها جعَلها عليه كظَهْرِ أُمِّه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أُرَاكِ إِلَّا قد حَرُمْتِ عليه". وهو حينَئذٍ يغسِلُ رأسَه، فقالت: انظرْ جُعلتُ فِداكَ يا نبيَّ اللَّهِ، فقال:"ما أُراكِ إِلَّا قد حَرُمْتِ عليه". فقالت: انظرْ في شأني يا رسولَ اللَّهِ. فجعَلت تجادلُه، ثم حوَّل رأسَه ليغسلَه، فتحوَّلت من الجانبِ الآخرِ، فقالت: انظرْ جعَلني اللَّهُ فِداكَ يا نبيَّ اللَّهِ. فقالت الغاسلةُ: أقْصِري حديثَك ومخاطبَتَكِ يا خَوْلةُ

(1)

، أمَا ترَين وجهَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم متربدًا

(2)

لِيُوحى إليه؟! فأنزَل اللَّهُ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . حتى بلَغ: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . قال قتادةُ: فحرَّمَها، ثم يريدُ أن يعودَ لها فيطأَها {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. حتى بلَغ:{بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

قال أيوبُ: أحسَبُه ذكَره عن عكرمةَ، أن الرجلَ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، ما أجِدُ رقبةً. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ما أنا بزائدِك". فأنزَل اللَّهُ عليه: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} . فقال: واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ، ما أُطِيقُ الصومَ، إني إذا لم آكُلْ في اليومِ كذا وكذا أَكلةً، لقِيتُ ولَقِيتُ. فجعَل يَشكو إليه، فقال:"ما أنا بِزَائِدِك". فنزَلت: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا}

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . قال: تُجَادِلُ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهي تَشتكي إلى اللَّهِ عندَ كِبَرِه وكِبَرِها، حين انتَقَض وانتَفَض رَحِمُها.

حدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن

(1)

في ص، م، ت 2، ت 3:"خويلة".

(2)

ارْبَدَّ وجهُه وتَرَبَّد: احمر حمرة فيها سواد عند الغضب. اللسان (ر ب د).

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 277، 278 - ومن طريقه الجصاص في أحكام القرآن 5/ 301، 302 - عن معمر به.

ص: 452

مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . قال: محمدًا في زوجِها قد ظاهَر منها، وهي تَشتكِي إلى اللَّهِ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَه.

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ: كتَبْتَ إليَّ تسأَلُني عن خُوَيْلَةَ ابْنَةِ أَوْسِ بنِ الصامتِ، وإنها ليست بابنةِ أَوْسِ بنِ الصامتِ، ولكنها امرأةُ أَوْسٍ، وكان أَوْسٌ امرأً به لَمَمٌ، وكان إذا اشتدَّ به لَمَمُه تظاهَر منها، وإذا ذهَب عنه لَمَمُه لم يَقُلْ من ذلك شيئًا، فجاءت رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَسْتَفْتِيه، وتشتَكِي إلى اللَّهِ، فأنزَل اللَّهُ فيها

(1)

ما سمِعتَ، وذلك شأنُهما

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ إسحاقَ يُحدِّثُ عن معمرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن يوسفَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، قال: حدَّثَتْنِي خُوَيْلةُ امرأةُ أَوْسِ بنِ الصامتِ، قالت: كان بيني وبينَه شيءٌ - تَعْني زوجَها - فقال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. ثم خرَج إلى نادِي قومِه، ثم رجَع فراوَدَني عن نفسِي، فقالت: كلا والذي نفسي بيده، حتى يَنْتَهِيَ أَمْري وأمرُك إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فيَقْضِيَ فيَّ وفِيك أمرَه. وكان شيخًا كبيرًا رقيقًا، فَغَلَبَتْه بما تَغْلِبُ به المرأةُ القويةُ الرجلَ الضعيفَ، ثم خرَجَتْ إلى جارةٍ لها، فاستعارَتْ ثيابَها، فأَتَتْ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى جلَسَتْ بينَ يديه، فذكَرتْ له أمرَه، فما بَرِحَتْ حتى أُنزِل الوحيُ على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم قلتُ

(3)

: لا يَقْدِرُ على ذلك، قال:"إنا سنُعِينُه على ذلك بفَرْقٍ مِن تمرٍ". قلتُ: وأنا أُعينُه بفَرْقٍ آخرَ. فَأَطْعَمَ سِتِّين مسكينًا

(4)

.

(1)

سقط من: م.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 270، وابن كثير في تفسيره 8/ 60.

(3)

في م: "قالت".

(4)

أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3258) من طريق وهب به، وأخرجه أحمد 6/ 410 =

ص: 453

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن تميمٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الحمدُ للَّهِ الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ، لقد جاءت المجادِلةُ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحيةِ البيتِ تشكو زوجَها، ما أَسمعُ ما تقولُ، فأنزَل اللَّهُ عز وجل:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى آخرِ الآيةِ

(1)

.

حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سلمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: تبارك الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ كلَّها، إن المرأةَ لتُناجِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم، أَسمعُ بعضَ كلامِها، ويَخْفى عليَّ بعضُ كلامِها، إذ أنزَل اللَّهُ:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن جَدِّه، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سلمةَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: قالت عائشةُ: تبارك الذي وَسِع سمعُه كلَّ شيءٍ، إني لأَسمعُ كلامَ خَوْلةَ ابنَةِ ثعلبةَ، ويَخْفى عليَّ بعضُه، وهي تَشْتَكِي زوجَها إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهي تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَل شَبابي، ونَثَرْتُ له بَطْنِي، حتى إذا كَبِرتْ سِنِّي، وانقَطَع ولَدي، ظَاهَرَ مِنِّي! اللهمَّ إني أَشكو إليك. قال: فما بَرِحَت حتى نزَل جبريلُ عليه السلام بهؤلاء الآياتِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . قال: وزوجُها أَوْسُ بنُ الصامتِ

(3)

.

= (الميمنية)، وأبو داود (2215)، وابن حبان (4279)، والطبراني 1/ 195، 24/ 247، 248، (616، 633، 634)، والبيهقي 7/ 391، والواحدي في أسباب النزول ص 306 من طريق محمد بن إسحاق به بنحوه.

(1)

أخرجه أحمد 6/ 46 (الميمنية)، وابن ماجه (188)، والبيهقي 7/ 382 وفي الأسماء والصفات (385) وفي الاعتقاد ص 85 من طريق أبي معاوية به.

(2)

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (625)، والآجري في الشريعة (662)، والواحدي في أسباب النزول ص 305 من طريق يحيى بن عيسى به.

(3)

أخرجه ابن ماجه (2063)، وأبو يعلى (4780)، والحاكم 2/ 481، والبيهقي 7/ 382، والواحدي في أسباب النزول ص 304 من طريق محمد بن أبي عبيدة المسعودي - جَدُّ يحيى بن إبراهيم - به.

ص: 454

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سلمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الحمدُ للَّهِ الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ؛ إِنَّ خَوْلَةَ تَشْتَكِي زوجَها إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فيَخْفى عليَّ أحيانًا بعضُ ما تقولُ. قالت: فأنزَل اللَّهُ عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}

(1)

.

حدَّثنا الربيعُ بن سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ جميلةَ كانت امرأةَ أَوْسِ بنِ الصامتِ، وكان امرأً به لَمَمٌ، وكان إذا اشتدَّ به لَمَمُه ظاهَر مِن امرأَتِه، فأَنزل اللَّهُ عز وجل آيةَ الظِّهار

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ بشيرٍ

(3)

القَرْقَسانيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُمَوِيُّ، قال: ثنا حُصَيْفٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان ظهارُ الجاهليةِ طلاقًا، فأوَّلُ مَن ظاهَر في الإسلامِ أَوْسُ بنُ الصامتِ، أخو عبادةَ بنِ الصامتِ، من امرأَتِه الخَزْرَجِيَّةِ، وهي خولةُ بنتُ ثعلبةَ بنِ مالكٍ؛ فلما ظاهَر منها حَسِبَتْ أنْ يكونَ ذلك طلاقًا، فأَتَتْ به نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أَوْسًا ظاهَر مِنِّي، وإنا إن افترَقْنا هلَكنا، وقد نَثَرَتْ بَطْنِي مِنه، وقَدُمَتْ صحبتُه. فهي تَشْكو ذلك وتَبْكِي، ولم يكنْ جاء في ذلك شيءٌ، فأنزَل اللَّهُ عز وجل:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا} إلى قولِه: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . فدعاه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: "أَتَقْدِرُ على رَقَبَةٍ تُعْتِقُها؟ " فقال: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليها. فجمَع له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى أَعتَق عنه، ثم راجَع أهلَه

(4)

.

(1)

أخرجه النسائي (3460)، والآجري في الشريعة (661) من طريق جرير به.

(2)

أخرجه أبو داود (2220)، والحاكم 2/ 481، والبيهقي 7/ 382 من طريق حماد به.

(3)

في م: "بشر".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 63 عن خصيف به.

ص: 455

وذُكِر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُحاوِرُكَ

(1)

فِي زَوْجِها).

وقولُه: {وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} . يقولُ: وتَشْتكِي المُجادِلةُ ما لديها مِن الهَمِّ بظِهارِ زوجِها منها إلى اللَّهِ، وتسألُه الفَرَجَ، {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}. يعني: تَحَاوُرَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم والمُجادِلةِ خَوْلةَ ابنَةِ ثعلبةَ، {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ اللَّهَ سميعٌ لما [تَتَجاوبانِه وتَتَحاورانِه]

(2)

، وغيرِ ذلك مِن كلامِ خَلْقِه، بصيرٌ بما تَعْملون

(3)

ويَعْمَلُ جميعُ عبادِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ

(2)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: الذين يُحرِّمون نساءَهم على أنفسِهم تحريمَ اللَّهِ عليهم ظهورَ أمهاتِهم، فيقولون لهن: أنتنّ علينا كظُهورِ أمهاتِنا. وذلك كان طلاقَ الرجلِ امرأتَه في الجاهليةِ.

كذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: كان الظهارُ طلاقًا في الجاهليةِ، الذي إذا تكلَّم به أحدُهم لم يَرْجِعْ في امرأتِه أبدًا، فأَنزَل اللَّهُ عز وجل فيه ما أنزَل

(4)

.

(1)

في م: "تحاولك"، وفي ت 1، ت 2:"تجادلك". وينظر مختصر الشواذ ص 154.

(2)

في م: "يتجاوبانه ويتحاورانه".

(3)

في م: "يعملون".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11578) - ومن طريقه الجصاص في أحكام القرآن 5/ 301 - من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 182 إلى عبد بن حميد.

ص: 456

واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ سوى نافعٍ، وعامةُ قرأَةِ الكوفةِ خلا عاصمٍ:(يَظَّاهَرُونَ) بفتحِ الياءِ وتشديدِ الظاءِ وإثباتِ الألفِ

(1)

، وكذلك قرَءوا الأخرى، بمعنى "يَتظاهَرون"، ثم أُدْغِمَت التاءُ في الظاءِ فصارتا ظاءً مشدَّدةً. وذُكر أنها في قراءةِ أُبَيٍّ:(يَتَظاهَرُونَ)

(2)

، وذلك تَصحيحٌ لهذه القراءةِ وتقويةٌ لها. وقرَأ ذلك نافعٌ وأبو عمرٍو كذَلك؛ بفتحِ الياءِ وتشديدِ الظاءِ، غيرَ أنهما قرَأاه بغيرِ أَلِفٍ:(يَظَّهَّرُون)

(3)

. وقرَأ ذلك عاصمٌ: {يُظَاهِرُونَ} بتخفيفِ الظاءِ وضمِّ الياءِ وإثباتِ الأَلِفِ

(4)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنّ كلَّ هذه القراءاتِ متقارباتُ المعاني؛ وأمّا (يَظَّاهَرُون) فهو مِن تَظَاهَر، فهو يتَظاهَرُ، وأمّا (يَظَّهَّرُون) فهو مِن تَظَهَّر فهو يَتظهَّرُ، ثم أُدغِمَتِ التاء في الظاءِ فقيل: يَظَّهَرُ، وأمَّا {يُظَاهِرُونَ} فهو مِن ظاهَر يُظاهِرُ، فبأيَّةِ هذه القراءاتِ الثلاثِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما نساؤُهم اللَّائي تَظَاهَروا

(5)

منهن بأُمهاتِهم، فيقولوا لهن: أنْتنّ علينا كظَهْرِ أمهاتِنا. بل هن لهم حلالٌ.

وقولُه: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} ، لا اللَّائي قالوا لهنّ ذلك.

وقولُه: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} . يقولُ جلّ ثناؤُه: وإن

(1)

بها قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. النشر 2/ 287.

(2)

ينظر مختصر الشواذ ص 154.

(3)

في م: "يظاهرون". والمثبت قراءة يعقوب ونافع وأبي عمرو وابن كثير. النشر 2/ 287.

(4)

ينظر المصدر السابق 2/ 287.

(5)

في م: "يظاهرون".

ص: 457

الرجالَ لَيَقولون مُنكرًا مِن القولِ الذي لا تُعْرَفُ صحتُه، {وَزُورًا}. يعني: كَذِبًا.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} . قال: الزُّورُ الكَذِبُ

(1)

.

{وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} . يقولُ جلّ ثناؤُه: وإن اللَّهَ لذو عفوٍ وصفْحٍ عن ذنوبِ عبادِه إذا تابوا منها وأَنابوا، غفورٌ لهم أنْ يعاقِبَهم عليها بعدَ التوبةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

(2)}

(2)

.

يقولُ جلّ ثناؤُه: والذين يقولون لنسائِهم: أنتُنّ علينا كظُهورِ أمهاتِنا.

وقولُه: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . اختلَف أهلُ العلمِ في معنى العَوْدِ لما قال المُظاهرُ

(3)

؛ فقال بعضُهم: هو الرُّجُوعُ في تحريمِ ما حرَّم على نفسِه مِن زوجتِه التي كانت له حلالًا قبلَ تَظاهُرِه، فيُحلُّها بعد تحريمِه إيَّاها على نفسِه، بعزمِه على غِشيانِها ووَطْئِها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . قال: يريدُ أن يَغْشَى بعدَ قولِه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 278 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 182 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وقوله {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} ".

(3)

في ص، ت 1:"المتظاهر".

ص: 458

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . قال: حرَّمها، ثم يريدُ أنْ يعودَ لها فيَطَأها

(1)

.

وقال آخرون نحوَ هذا القولِ، إلا أنَّهم قالوا: إمساكُه إيَّاها بعدَ تَظَهُّرِه

(2)

منها، وتَرْكُه فِراقَها، عَوْدٌ منه لما قال، عزَم على الوَطءِ أو لم يَعزِمْ. وكان أبو العالية يقولُ: معنى قولِه: {لِمَا قَالُوا} : فيما قالوا.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال: سمعتُ أبا العاليةِ يقولُ في قولِه: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . أي يَرْجِعُ فيه

(3)

.

واختلَف أهلُ العربية في معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ في ذلك المعنى: فتحريرُ رَقَبَةٍ مِن قبلِ أنْ يتماسّا، فمن لم يجدْ فصيامٌ

(4)

، فإطعامُ سِتِّين مِسْكينًا، ثم يعودون لما قالوا: إنا لا نفعلُه. فيَفْعلونه، هذا الظهارُ، يقولُ: هي عليَّ كظَهْرِ أمِّي. وما أَشبَه هذا مِن الكلامِ، فإذا عاد

(5)

أَعتَق رَقَبَةً أو أَطْعَم سِتِّين مِسْكينًا، عاد [لهذا الذي]

(6)

قد قال: هو عليَّ حَرامٌ. بفعلِه

(7)

، وكأنّ قائلَ هذا القولِ كان يَرى أنّ هذا من المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ.

وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ

(8)

: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} ، يصلُحُ فيها في

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11477) - ومن طريقه ابن حزم في المحلي 11/ 256، 257 - عن معمر به.

(2)

في م، ت 1، ت 2:"تظهيره".

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 51.

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"صيام"، وفي ت 1:"صام".

(5)

سقط من: م، وفي ت 2، ت 3:"أعاد".

(6)

في م: "لما".

(7)

في م، ت 1، ت 2:"يفعله".

(8)

معاني القرآن للفراء 3/ 139.

ص: 459

العربيةِ: ثم يعودون إلى ما قالوا: وفيما قالوا، يريدون النكاحَ، يريدُ: يَرْجِعون عمّا قالوا، وفي نَقْضِ

(1)

ما قالوا. قال: ويجوزُ في العربيةِ أنْ تقولَ: إن عاد لما فعَل. تريدُ: إنْ فعَل مرَّة أخرى. ويجوزُ إنْ عاد لما فعَل: إن نَقَض

(2)

ما فعَل. وهو كما تقولُ: حلَف أنْ يَضْرِبَك. فيكونُ معناه: حلَف لا يَضْرِبُك، وحلَف لَيَضْرِبنَّك.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنْ يقالَ: معنى اللامِ في قولِه: {لِمَا قَالُوا} . بمعنى "إلى" أو "في"؛ لأنّ معنى الكلامِ: ثم يعودون لنقْضِ

(3)

ما قالوا مِن التحريمِ فيُحلِّلونه. وإنْ قيل: معناه ثم يَعُودون إلى تحليلِ ما حرَّموا. أو: في تحليلِ ما حرَّموا. فصوابٌ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عَوْدٌ له. فتأويلُ الكلامِ: ثم يَعُودون لتحليلِ ما حرَّموا على أنفسِهم مما أَحلَّه اللَّهُ لهم.

وقولُه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . يقولُ: فعليه تحريرُ رَقَبَةٍ. يَعْني عِتْقَ رقَبةِ عبدٍ أو أمةٍ، مِن قبلِ أن يَماسَّ الرجلُ المُظاهِرُ امرأتَه التي ظاهَر منها أو تَماسَّه.

واختُلِف في المعنِيِّ بالمَسِيسِ في هذا الموضعِ نظيرَ اختلافِهم في قولِه: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 237]، وقد ذكَرنا ذلك هنالك

(4)

، وسنذكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْه هنالك.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بعض".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يقضي".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لبعض".

(4)

تقدم في 4/ 286، 287.

ص: 460

في قولِه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . فهو الرجلُ يقولُ لامرأَتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. فإذا قال ذلك، فليس يَحِلُّ له أن يَقْرَبَها بنكاحٍ ولا غيرِه، حتى يُكفِّرَ عن يمينِه بعِتْقِ رقبةٍ، فمن لم يجدْ فصيامُ شهرين متتابعَيْن مِن قبلِ أن يتماسّا. والمسُّ النكاحُ، فمن لم يَسْتطِعْ فإطعامُ سِتِّين مسكينًا، وإنْ هو قال لها: أنتِ عليَّ كظهرِ

(1)

أمِّي إن فَعَلْتِ كذا وكذا. فليس يقعُ في ذلك ظهارٌ حتى يَحْنَثَ، فإن حَنِث فلا يَقْرَبُها حتى يُكفِّرَ، ولا يقعُ في الظهارِ طلاقٌ.

حدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: ثنا أشعَثُ، عن الحسنِ أنه كان لا يَرَى بأسًا أنْ يَغْشَى المُظاهِرُ دونَ الفرجِ

(2)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: قال سفيانُ: إنما [نُهِي المظاهِرُ]

(3)

عن الجماعِ. ولم يَرَ بأْسًا أنْ يَقْضِيَ حاجتَه دونَ الفرجِ، أو فوقَ الفرجِ، أو حيث يشاءُ ويباشِرُ.

وقال آخرون: عُنِي بذلك كلُّ معاني المَسِيسِ. وقالوا: الآيةُ على العمومِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا وُهَيْبٌ، عن يونسَ، قال: بلَغني عن الحسنِ أنه كَرِه للمُظاهِرِ المَسِيسَ.

وقولُه: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} . يقولُ تعالى ذكره: أوجَب ربُّكم ذلك عليكم عظةً لكم تَتَّعِظون به، فتَنْتَهون عن الظهارِ وقولِ الزورِ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

(1)

في ص، ت 2، "مثل ظهر".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11498) من طريق هشام عن الحسن بمعناه.

(3)

في م: "الظاهرة".

ص: 461

خَبِيرٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم التي تعمَلونها أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، لا يَخْفى عليه شيءٌ منها، وهو مُجازِيكم عليها، فانْتَهوا عن قولِ المنكرِ والزورِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: فمن لم يجدْ منكم ممن ظاهَر مِن امرأَتِه رقبةً يُحرِّرُها، فعليه صيامُ شهرين متتابعَيْن مِن قبلِ أن يتماسّا. والشَهْران المتتابعان هما اللذان لا فصْلَ بينَهما بإفطارٍ في نهارِ شيءٍ منهما إلا مِن عذرٍ، فإنه إذا كان الإفطارُ بالعذرِ ففيه اختلافٌ بينَ أهلِ العلمِ؛ فقال بعضُهم: إذا كان إفطارُه لعذرٍ فزال العذرُ، بَنَى على ما مضَى مِن الصومِ.

وقال آخرون: بل يَسْتأنِفُ؛ لأن مَن أفطَر بعذرٍ

(1)

أو غيرِ عذرٍ لم يُتابِعْ صومَ شَهْرين.

ذكرُ مَن قال: إذا أفطَر بعذرٍ وزال العذرُ بنَى وكان مُتابِعًا

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه قال في رجلٍ صام مِن كفارةِ الظهارِ، أو كفارةِ القتلِ، فمَرِض فأفطَر، أو أفطَر من عذرٍ، قال: عليه أنْ يَقْضِيَ يومًا مكانَ يومٍ، ولا يَسْتقبِلُ صومَه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لعذر".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11513) من طريق قتادة به بنحوه.

ص: 462

المسيَّبِ بمثلِه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ في المُظاهِرِ الذي عليه صومُ شَهْرين متتابعَيْن، فصام شهرًا ثم أفطَر. قال: يُتمُّ ما بَقِي.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا

(1)

عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ في رجلٍ صام مِن كفارةِ الظهارِ شهرًا أو أكثرَ ثم مَرِض. قال: يَعْتدُّ بما مضى إذا كان له عذرٌ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا عمرُ

(2)

بنُ عامرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في الرجلِ يكونُ عليه الصومُ في قتلٍ أو نَذْرٍ أو ظهارٍ، فصام بعضَه ثم أفطَر. قال: إن كان معذورًا فإنه يَقْضِي

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: إن أفطَر مِن عذرٍ أتمّ، وإن كان مِن غيرِ عذرٍ استَأْنَف.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، قال: مَن كان عليه صيامُ شَهْرين متتابعَيْن فمَرِض فأفطَر. قال: يَقْضِي ما بَقِي عليه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ جريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ وعمرِو بنِ دينارٍ في الرجلِ يُفْطِرُ في اليومِ الغَيْمِ، يَظُنُّ أنَّ الليلَ قد دخَل عليه

(1)

بعده في م، ت 2، ت 3:"ابن"، وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال 16/ 359.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عمرو"، ينظر تهذيب الكمال 21/ 403.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11516) عن معمر عن الحسن وقتادة بنحوه.

ص: 463

في الشهرين المتتابعَيْن، أنه لا يزيدُ على أن يُبَدِّلَه، ولا يَأْتَنِفُ

(1)

شَهْرين آخرَيْن

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: إنْ جامَع المعتكفُ وقد بَقِي عليه أيامٌ مِن اعتكافِه. قال: يُتمُّ ما بَقِيَ، والمُظاهِرُ كذلك

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا كان شيئًا ابْتُلِي به بَنَى على صومِه، وإذا كان شيئًا هو فعَله استَأْنَف. قال سفيانُ: هذا معناه.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يزيد، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في رجلٍ ظاهَر، فصام شَهْرين متتابعَيْن إلا يومين ثم مَرِض. قال: يُتمُّ ما بَقِي

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ، عن الشَّعْبيِّ بنحوِه.

حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ، عن الشَّعْبيِّ في رجلٍ عليه صيامُ شَهْرين متتابعَيْن، فصام، فمَرِض، فأفطَر، قال: يَقْضِي ولا يَسْتأْنِفُ.

ذكرُ مَن قال: يَسْتَقبِلُ مَن أفطَر بعذرٍ أو غيرِ عذرٍ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في رجلٍ عليه صيامُ شَهْرين متتابعَيْن فأفطَر. قال: يَسْتأْنِفُ. والمرأةُ إذا

(1)

في م: "يستأنف"، وكلاهما بمعنى يبتدئ. ينظر الوسيط (أ ن ف).

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 542، والقرطبي في تفسيره 17/ 283، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 234.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (القسم المتمم من الجزء الرابع) ص 44 من طريق أشعث.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11517) من طريق إسماعيل به بنحوه.

ص: 464

حاضَتْ فأفطَرتْ تَقْضِي

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: إذا مَرِض فأفطَر اسْتأْنَف. يعني مَن كان عليه صومُ شَهْرين متتابعَيْن فمَرِض فأفطَر.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: يَسْتأْنِفُ

(2)

.

وأولى القولينِ عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: يَبْنِي المُفطِرُ بعذرٍ، ويستقبِلُ المُفطِرُ بغيرِ عذرٍ. لإجماعِ الجميعِ على أنَّ المرأةَ إذا حاضَتْ في صومِها الشهرين المتتابعَيْن بعذرٍ فمثلُه؛ لأنَّ إفطارَ الحائضِ بسببِ حيضِها بعذرٍ كان مِن قِبَلِ اللَّهِ. فكلُّ عُذرٍ كان من قبلِ اللَّهِ فمثلُه.

وقولُه: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فمن لم يَسْتطِعْ منهم الصيامَ فعليه إطعامُ سِتِّين مسكينًا. وقد بيَّنا وجْهَ الإطعامِ في الكفاراتِ فيما مضَى قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه

(3)

.

وقولُه: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} . يقولُ جلّ ثناؤُه: هذا الذي فَرَضْتُ على مَن ظاهَر منكم ما فَرَضْتُ في حالِ القدرةِ على الرَّقَبَةِ، ثم خَفَّفْتُ عنه مع العجزِ بالصومِ، ومع فقدِ الاستطاعةِ على الصومِ بالإطعامِ، وإنما فعَلْتُه كي يُقِرَّ الناسُ بتوحيدِ اللَّهِ ورسالةِ الرسولِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويُصدِّقوا بذلك ويَعْملوا به، ويَنْتهوا عن قولِ الزورِ والكذبِ، {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الحدودُ التي حدَّها اللَّهُ لكم، والفروضُ التي بيَّنها لكم، حدودُ اللَّهِ، فلا تَتَعدَّوْها أيُّها

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11511) من طريق مغيرة به بنحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم المتمم من الجزء الرابع) ص 34 من طريق حماد عن إبراهيم.

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 542.

(3)

ينظر ما تقدم في 8/ 624 - 638.

ص: 465

الناسُ، {وَلِلْكَافِرِينَ} بها، وهم جاحِدو هذه الحدودِ وغيرِها مِن فرائضِ اللَّهِ أن تكونَ مِن عندِ اللَّهِ - {عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يقولُ: عذابٌ مؤلِمٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين يُخالفون اللَّهَ في حدودِه وفرائضِه، فيجعلون حدودًا غيرَ حدودِه، وذلك هو المحادَّةُ للَّهِ ولرسولِه.

وأما قتادةُ فإنه كان يقولُ في معنى ذلك، ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . يقولُ: يعادُون اللَّهَ ورسولَه

(1)

.

وأما قولُه: {كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . فإنه يعني: غِيظُوا وأُخْزُوا كما غِيظ الذين من قبلِهم مِن الأممِ الذين حادُّوا اللَّهَ ورسولَه، وخُزُوا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : خُزوا كما خُزِي الذين مِن قبلِهم

(2)

.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: معنى {كُبِتُوا} أُهلِكوا.

وقال آخرُ منهم: يقولُ: معناه غِيظوا وأُخْزُوا يومَ الخندقِ، {كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 183 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح 8/ 628 - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 183 إلى عبد بن حميد.

ص: 466

مِنْ قَبْلِهِمْ}. يريدُ مَن قاتل الأنبياءَ مِن قبلِهم.

وقولُه: {وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} . يقولُ: وقد أنزَلْنا دلالاتٍ مُفَصَّلاتٍ، وعلاماتٍ مُحكَماتٍ، تدلُّ على حقائقِ حدودِ اللَّهِ.

وقولُه: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولجاحِدِي تلك الآياتِ البيِّناتِ التي أنزَلناها على رسولِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومُنكرِيها - عذابٌ يومَ القيامةِ، {مُهِينٌ}. يعني: مُذِلٌّ في جهنمَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)} .

يقولُ تعالى ذكره: وللكافرين عذابٌ مهينٌ في يومِ يَبعَثُهم اللَّهُ جميعًا

(1)

مِن قبورِهم لموقفِ القيامةِ، فَيُنبِّئُهم اللَّهُ بما عَمِلوا، {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}. يقولُ تعالى ذكرُه: أَحْصَى اللَّهُ ما عَمِلوا، فعدَّه عليهم وأَثْبَته وحَفِظه، ونَسِيه عامِلوه، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. يقولُ: وَاللَّهُ جلّ ثناؤُه على كلِّ شيءٍ عَمِلوه وغيرِ ذلك من أمرِ خَلْقِه {شَهِيدٌ} . يعني: شاهدٌ، يعلمُه ويُحيطُ به، فلا يَعْزُبُ عنه شيءٌ منه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)} .

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يوم يبعثهم الله جميعا"، وبعده في م:"وذلك يوم يبعثهم الله جميعا". وهو تكرار.

ص: 467

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم تَنْظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك فَترَى أن اللَّهَ يَعلمُ ما في السماواتِ وما في الأَرض مِن شيءٍ، لا يَخْفَى عليه صغيرُ ذلك وكبيرُه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فكيف يَخْفَى على مَن كانت هذه صفتَه أعمالُ هؤلاء الكافرين وعصيانُهم ربَّهم. ثم وصَف جلّ ثناؤُه قُرْبَه من عبادِه وسماعَه نجواهم، وما يَكتُمونه الناسَ مِن أحاديثِهم، فيَتَحَدَّثونه سرًّا بينَهم، فقال:{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} مِن خَلْقِه، {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} يَسمعُ سرَّهم ونجواهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أسرارِهم، {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ}. يقولُ: ولا يكونُ مِن نجوَى خمسةٍ إلا هو سادسُهم كذلك، {وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ}. يقولُ: ولا أقلَّ مِن ثلاثةٍ، {وَلَا أَكْثَرَ}. [يقولُ: ولا أكثرَ]

(1)

مِن خمسةٍ، {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} إذا تناجَوا {أَيْنَ مَا كَانُوا}. يقولُ: في أيِّ موضعٍ ومكانٍ كانوا.

وعُني بقولِه: {هُوَ رَابِعُهُمْ} . بمعنى: أنه مشاهدُهم بعلمِه وهو على عَرْشِه.

كما حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنى نصرُ

(2)

بنُ ميمونٍ المضروبُ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ معروفٍ، عن مقاتلِ بنِ حيانَ، عن الضحاكِ في قولِه:{مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} إلى قوله: {هُوَ مَعَهُمْ} . قال: هو فوقَ العرشِ، وعلمُه معهم {أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

(3)

.

(1)

سقط من: م، ت 2، ت 3.

(2)

كذا في النسخ، وهو خطأ، وصوابه نوح بن ميمون. ينظر تهذيب الكمال 30/ 62.

(3)

أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (592)، والآجري في الشريعة (655)، والبيهقي في الأسماء والصفات (909)، والاعتقاد من طريق نوح بن ميمون به.

ص: 468

وقولُه: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يُخبِرُ هؤلاء المتناجِين وغيرَهم بما عمِلوا مِن عملٍ مما يُحِبُّه أو يُسْخِطُه يومَ القيامةِ؛ {إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . يقولُ: إِنَّ اللَّهَ بنجواهم وأسرارِهم وسرائرِ أعمالِهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِهم وأمورِ عبادِه - عليمٌ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} ؛ فقرأَتْ قرأَةُ الأمصارِ ذلك: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى} بالياءِ، خلا أبي جعفرٍ القارئِ، فإنه قرَأه:(ما تَكُونُ) بالتاءِ. والياءُ هي الصوابُ في ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ عليها، ولصحتِها في العربيةِ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} مِن اليهودِ، {ثُمَّ يَعُودُونَ} فقد نَهى اللَّهُ عز وجل إيَّاهم عنها، {وَيَتَنَاجَوْنَ} بينَهم {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جمِيعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

ينظر النشر 2/ 287.

ص: 469

في قولِه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} . قال: اليهودُ

(1)

.

قولُه: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} . يقولُ جلّ ثناؤُه: ثم يَرْجِعون إلى ما نُهُوا عنه مِن النَّجوَى، {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويتناجَون بما حرَّم اللَّهُ عليهم مِن الفواحشِ والعدوانِ، وذلك خلافُ أمرِ اللَّهِ، ومعصيةُ الرسولِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَيَتَنَاجَوْنَ} . فقرأَتْ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين والبصريِّين: {وَيَتَنَاجَوْنَ} على مثالِ "يتفاعَلوْن"

(2)

. وكان يحيَى وحمزةُ والأعمشُ يقرَءُون: (ويَنْتَجُونَ) على مثالِ "يَفْتَعِلون"

(3)

. واعتَلّ الذين قرَءوه: {يَتَنَاجَوْنَ} . بقولِه: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} [المجادلة: 9]، ولم يقلْ: إذا انْتَجَيْتُم.

وقولُه: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وإذا جاءك يا محمدُ هؤلاءِ الذين نُهُوا عن النَّجوَى، الذين وصف اللَّهُ جلّ ثناؤُه صفتَهم، حَيَّوْك بغيرِ التحيةِ التي جعَلها اللَّهُ لك تحيةً. وكانت تحيتُهم التي كانوا يُحيُّونه بها - التي أخبَر اللَّهُ أنه لم يُحيِّه بها فيما جاءت به الأخبارُ - أنهم كانوا يقولون: السامُ عليكم

(4)

.

ذكرُ الروايةِ الواردةِ بذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 184 إلى ابن المنذر، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص 306.

(2)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي وأبي جعفر ويعقوب في رواية روح وخلف. ينظر النشر 2/ 288.

(3)

وبها قرأ يعقوب في رواية رويس. ينظر البحر المحيط 8/ 236.

(4)

في م: "عليك".

ص: 470

عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: جاء ناسٌ مِن اليهودِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السامُ عليك يا أبا القاسم. فقلتُ: السامُ عليكم، وفعَل اللَّهُ بكم وفعَل. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"يا عائشةُ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ". فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ألستَ تَرى ما يقولون؟! فقال:"ألستِ تَرَيْنَنِي أَرُدُّ عليهم ما يقولون؟ أقولُ: وعليكم". وهذه الآيةُ في ذلك نزَلت: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان اليهودُ يأتون النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيقولون: السامُ عليكم. فيقولُ: "وعليكم". قالت عائشةُ: فقلتُ

(2)

: السامُ عليكم وغَضَبُ اللَّهِ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحشَ المُتَفَحِّشَ". قالت: إنهم يقولون: السامُ عليكم! قال: "إني أقولُ: وعليكم". فنزَلت: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} الآية، قال: فإنَّ اليهودَ يأتون النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيقولون: السامُ عليكم

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ:{وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} . قال: كانت اليهودُ يأتون النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيقولون: السامُ عليكم.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 307 من طريق جرير به. وأخرجه أحمد 6/ 229 (الميمنية)، ومسلم (2165/ 11)، والنسائي في الكبرى (11571)، والبيهقي في الشعب (9098) من طريق الأعمش به.

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 442 - ومن طريقه ابن ماجه (3698) - من طريق الأعمش به بشطره الأول.

ص: 471

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} إلى: {فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . قال: كان المنافقون يقولون لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا حَيَّوه: سامٌ عليكم. فقال اللَّهُ: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} . قال: يقولون: سامٌ عليكم. قال: هم أيضًا يهودُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} . قال: اليهودُ كانت تقولُ: سامٌ عليكم

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ أنَّ عائشةَ فَطَنَت إلى قولِهم، فقالت: وعليكم السامةُ

(4)

واللعنةُ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مهلًا يا عائشةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ كلِّه". فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، ألم تسمعْ ما يقولون؟! قال:"أفلم تَسْمَعِي ما أَردُّ عليهم؟ أقولُ: وعليكم"

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 184 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 184 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 279 عن معمر به.

(4)

كذا في النسخ، قال صاحب اللسان: السامَّة: الموت، نادر، والمعروف "السامُ" بتخفيف الميم بلا هاء. اللسان (س م م).

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 279، وفي المصنف (19460)، وأحمد 6/ 199 (الميمنية)، وعبد بن حميد (1469)، والبخاري (6395)، ومسلم (2165/ 10)، والنسائي في الكبرى (10215)، وابن حبان (6441)، والبيهقي 9/ 203 من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة. وأخرجه الحميدي (248)، وأحمد 6/ 37، 85 (الميمنية)، والبخاري (6024، 6256، 6927)، ومسلم (2165/ 10)، والترمذي (2701)، والنسائي في الكبرى (10213، 10214، 10216، 11572)، وابن ماجه (3689) من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 184 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

ص: 472

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينما هو جالسٌ مع أصحابِه، إذ أتَى عليهم يهوديٌّ فسلَّم عليهم، فردُّوا عليه، فقال نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"هل تَدْرون ما قال؟ ". قالوا: سلَّم يا رسولَ اللَّهِ. قال: "بل قال: سأْمٌ عليكم". أي تَسْأَمون دينَكم. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَقُلْتَ: سأْمٌ عليكم؟ " قال: نعم. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إذا سلَّم عليكم أَحدٌ مِن أهلِ الكتابِ فقولوا: وعليك". أي: عليك ما قُلتَ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} . قال: هؤلاء يهودُ، جاء ثلاثةُ نَفَرٍ منهم إلى بابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتناجَوا ساعةً، ثم استأْذَن أحدُهم، فأَذِن له النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: السامُ عليك

(2)

. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم له

(3)

: "عليك". ثم الثاني. ثم الثالثُ. قال ابنُ زيدٍ: السامُ الموتُ.

وقولُه جلَّ ثناؤُه: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ مُحيُّوك بهذه التحيةِ من اليهودِ: هلّا يُعاقبنا اللَّهُ بما نقولُ لمحمدٍ عليه السلام، فَيُعَجِّلَ عقوبتَه لنا على ذلك. يقولُ اللَّهُ: حَسْبُ قائلي ذلك يا محمدُ جهنمُ، وكفاهم بها يَصْلَوْنها يومَ القيامةِ، فبِئْس المصيرُ جهنمُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)} .

(1)

أخرجه ابن حبان (503) من طريق يزيد بن زريع به. وأخرجه ابن أبي شيبة 8/ 442 - ومن طريقه ابن ماجه (3697) - والبزار (2010 - كشف) من طريق سعيد به. وأخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور 6/ 184 - وعنه الترمذي (3301)، ومسلم (2163/ 7)، وأبو داود (5207)، والواحدي في أسباب النزول ص 307 من طريق قتادة به، وأخرجه أحمد 19/ 14 (11948)، والبخاري (6258)، ومسلم (2163) من طريق عبيد الله بن أبي بكر عن أنس.

(2)

في م، ت 2، ت 3:"عليكم".

(3)

سقط من: م.

ص: 473

يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا تناجَيتم بينَكم فلا تتناجَوا بالإثمِ والعُدوانِ ومعصيةِ الرسولِ، ولكن تناجَوا {بِالْبِرِّ}. يعني: بطاعةِ اللَّهِ وما يُقَرِّبُكم منه، {وَالتَّقْوَى}. يقولُ: وباتقائِه بأَداءِ ما كلَّفكم مِن فرائضِه واجتنابِ معاصيه، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. يقولُ: وخافوا اللَّهَ الذي إليه مصيرُكم، وعندَه مُجْتَمَعُكم، في تَضْييعِ فرائضِه، والتقدُّمِ على معاصيه، أن يعاقبَكم عليه عندَ مصيرِكم إليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إنما المناجاةُ مِن الشيطانِ.

ثم اختلَف أهلُ العلمِ في النجوى التي أخبَر اللَّهُ أنها مِن الشيطانِ، أيُّ ذلك هو؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} : كان المنافقون يَتناجَون بينَهم، وكان ذلك يَغِيظُ المؤمنين ويَكْبُرُ عليهم، فأنزَل اللَّهُ في ذلك القرآنَ:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا} الآية

(1)

.

وقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} . قال: كان الرجلُ يأتي رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يسألُه الحاجةَ، ليُرِيَ الناسَ أنه قد ناجَى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قال: وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما لا يَمْنَعُ ذلك مِن أحدٍ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 184 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 474

قال: والأرضُ يومئذٍ حربٌ على أهلِ هذا البلدِ، وكان إبليسُ يأتي القومَ فيقولُ لهم: إنما يتناجَون في أمورٍ قد حضَرت، وجموعٍ قد جُمِعت لكم، وأشياءَ. فقال اللَّهُ:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} إلى آخرِ الآيةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، [عن قتادةَ]

(2)

، قال: كان المسلمون إذا رأَوُا المنافقين خَلَوا يَتَناجَون - يَشُقُّ عليهم، فنزَلت:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}

(3)

.

وقال آخرون: عُنِي بذلك أحلامُ النومِ التي يراها الإنسانُ في نومِه فتُحزِنُه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن داودَ البَلْخِيُّ، قال: سُئِل عطيةُ - وأنا أسمعُ - عن

(4)

الرُّؤْيا، فقال: الرُّؤْيا على ثلاثِ منازلَ؛ فمنها وسوسةُ الشيطانِ، فذلك قولُه:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} ، ومنها ما يُحدِّثُ نفسَه بالنهارِ فيراه [من الليلِ]

(5)

، ومنها كالأَخْذِ باليدِ.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُنِي به مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا بالإثمِ والعدوانِ. وذلك أنّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه تقدَّم بالنهيِ عنها بقولِه: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} . ثم عمَّا في ذلك مِن المكروهِ على أهلِ الإيمانِ، وعن سببِ نهيِه إيَّاهم عنه، فقال: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ

(1)

ينظر التبيان 9/ 546، والبحر المحيط 8/ 236.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 279 عن معمر به.

(4)

سقط من: م.

(5)

في م: "بالليل".

ص: 475

الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}. فَبِيِّنٌ بذلك إذ كان النهيُ عن رؤيةِ المرءِ في منامِه كان كذلك، وكان عَقِيبَ نهيِه عن النجوى بصفةٍ أنه مِن صفةِ ما نَهَى عنه.

وقولُه: {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وليس التناجي بضارِّ المؤمنين شيئًا إلا بإذنِ اللَّهِ. يعني بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه.

وقولُه: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ فلْيَتَوَكَّلْ في أمورِهم أهلُ الإيمانِ به، ولا يَحْزَنوا مِن تَناجِي المنافقين ومَن يَكيدُهم بذلك، وأنّ تناجِيَهم غيرُ ضارِّهم إذا حَفِظهم ربُّهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ

(1)

فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المجْلِسِ

(2)

). يعني بقولِه: {تَفَسَّحُوا} : توسَّعوا. من قولِهم: مكانٌ فَسِيحٌ. إذا كان واسِعًا.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المجلسِ الذي أمَر اللَّهُ المؤمنين بالتفسُّحِ فيه؛ فقال بعضُهم: ذلك كان مجلسَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصةً.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3 هنا وفيما سيأتي:"المجْلِس" على الإفراد، وهي القراءة التي اختارها المصنف كما سيأتي.

(2)

في م: "المجالس".

ص: 476

نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:(تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: مجلسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كان يُقالُ ذاك خاصةً.

حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ) الآية، كانوا إذا رأَوْا مَن جاءهم مُقبِلًا ضَنُّوا بمجلسِهم عندَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأمَرهم أن يَفسَحَ بعضُهم لبعضٍ

(2)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: كان هذا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ومَن حَوْلَه خاصةً، يقولُ: استوسِعوا حتى يصِيبَ كلُّ رجلٍ منكم مجلسًا مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وهي أيضًا مقاعدُ للقتالِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:(تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: كان الناسُ يتَنافسون في مجلسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقِيل لهم:(إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ فافْسَحُوا)

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ

(4)

فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال: هذا مجلسُ

(1)

تفسير مجاهد ص 650. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 184 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 184 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 279 عن معمر به.

(4)

في م: "المجالس".

ص: 477

رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كان الرجلُ يأتي فيقولُ: افسَحوا لي رحِمكم اللَّهُ. فيَضَنُّ كلُّ واحدٍ منهم بقُرْبِه مِن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأمَرهم اللَّهُ بذلك، ورأَى أنه خيرٌ لهم.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك في مجالسِ القتالِ إذا اصْطَفُّوا للحربِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال: ذلك في مجلسِ القتالِ

(1)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أمَر المؤمنين أن يَتَفَسَّحوا في المجلسِ، ولم يَخْصُصْ بذلك مجلسَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم دونَ مجلسِ القتالِ، وكلا الموضعين يقالُ له: مجلسٌ. فذلك على جميعِ المجالسِ مِن مجالسِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ومجالسِ القتالِ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ) على التوحيدِ، غيرَ الحسنِ البصريِّ وعاصمٍ؛ فإنهما قرَأا ذلك:{فِي الْمَجَالِسِ} على الجماعِ. وبالتوحيدِ قراءةُ ذلك عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه

(2)

.

وقولُه: {فَافْسَحُوا} . يقولُ: فوسِّعوا، {يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ}. يقولُ: يُوسِّعِ اللَّهُ منازلَكم في الجنةِ، {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا}. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 185 إلى المصنف.

(2)

ينظر الكشف 2/ 314، 315.

ص: 478

قيل: ارْتَفِعوا. وإنما يُرادُ بذلك وإذا قيل لكم: قُوموا إلى قتالِ عدوٍّ، أو صلاةٍ، أو عملِ خيرٍ، أو تفرَّقوا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فقوموا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} إلى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} . قال: إذا قيل: انشُزوا. فانشُزوا إلى الخيرِ والصلاةِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَانْشُزُوا} . قال: إلى كلِّ خيرٍ؛ قتالِ عدوٍّ، أو أمرٍ بالمعروفِ، أو حقٍّ ما كان

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة قولَه:{وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} . يقولُ: إذا دُعِيتُم إلى خيرٍ فأَجِيبوا. وقال الحسنُ: هذا كلُّه في الغزوِ

(2)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} : كان إذا نُودِي للصلاةِ تثَاقَل رجالٌ، فأَمَرهم اللَّهُ إذا نُودِي للصلاةِ أن يَرْتفِعوا إليها؛ يَقوموا إليها

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 650. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 185 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 280 عن معمر عن قتادة والحسن، وقول قتادة عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 185 إلى عبد بن حميد.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 58، والقرطبي في تفسيره 17/ 299.

ص: 479

وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} . قال: انشُزوا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قال: هذا في بيتِه، إذا قيل: انشُزوا. فارتفِعوا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فإن له حوائجَ، فأحبَّ كلُّ رجلٍ منهم أن يكونَ آخرَ عهدِه برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال اللَّهُ:{وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا}

(1)

.

وإنما اختَرْتُ التأويلَ الذي قلتُ في ذلك؛ لأن اللَّهَ عز وجل أَمَر المؤمنين إذا قيل لهم: انشُزوا. أَنْ يَنْشُزوا، فعمَّ بذلك الأمرِ جميعَ معاني النشوزِ مِن الخيراتِ، فذلك على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له.

واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ {فَانْشُزُوا} بضمِّ الشينِ. وقرأ ذلك عامةُ قرأَةِ الكوفةِ والبصرةِ بكسرِها

(2)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، بمنزلةِ يَعْكُفون ويَعْكِفون، ويَعْرُشون ويَعْرِشون، فبأَيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يرفعِ اللَّهُ المؤمنين منكم أيُّها القومُ بطاعتِهم ربَّهم فيما أَمَرهم به من التفسُّحِ في المجلسِ إذا قيل لهم: تفسَّحوا، أو بنُشُوزِهم إلى الخيراتِ إذا قيل لهم: انشُزوا إليها. ويرفعِ اللَّهُ الذين أوتوا العلمَ مِن أهلِ الإيمانِ على المؤمنين الذين لم يُؤْتَوُا العلمَ بفضلِ علمِهم درجاتٍ - إذا عمِلوا بما أُمِروا به.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَرْفَعِ اللَّهُ

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 17/ 299، وابن كثير في تفسيره 8/ 74.

(2)

قرأ نافع وعاصم وابن عامر بضم الشين والابتداء بضم الألف، وقرأ الباقون بكسر الشين والابتداء بكسر الألف. الكشف 2/ 315.

ص: 480

الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}: إن

(1)

بالعلمِ لأهلِه فضلًا، وإن له على أهلِه حقًّا، ولَعَمْرِي لِلحقِّ عليك أيُّها العالمُ فضلٌ، واللَّهُ مُعْطِي كلَّ ذي فضلٍ فضلَه.

وكان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ يقولُ: فضلُ العلمِ أحبُّ إليَّ مِن فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكم الوَرَعُ

(2)

.

وكان [عبدُ اللَّهِ بنُ مُطَرِّفٍ]

(3)

يقولُ: إنك لَتَلْقَى الرجلين؛ أحدُهما أكثرُ صومًا وصلاةً وصدقةً، والآخرُ أفضلُ منه بَوْنًا بعيدًا. قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدُّهما وَرَعًا للَّهِ عن محارمِه

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} : في دينِهم، إذا فعَلوا ما أُمِروا به.

وقولُه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، لا يَخْفى عليه المطيعُ منكم ربَّه مِن العاصي، وهو مُجازٍ جميعَكم بعملِه؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بالذي هو أهلُه، أو يَعْفو.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)} .

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أي".

(2)

أخرجه أحمد في الزهد ص 240 من طريق سعيد به. وأخرجه ابن سعد في الطبقات 7/ 142، والفسوي في المعرفة والتاريخ 2/ 82، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 116 (104) من طريق قتادة به.

(3)

كذا في النسخ. ولعل الصواب مطرف بن عبد الله كما في مصدر التخريج.

(4)

أخرجه أحمد في الزهد ص 240 من طريق سعيد به.

ص: 481

يقولُ تعالى ذكره: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا ناجَيتم رسولَ اللَّهِ، فقدِّموا أمامَ نجواكم صدقةً تتصدَّقون بها على أهلِ المسكنةِ والحاجةِ، {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: وتقديمُكم الصدقةَ أمامَ نجواكم رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خيرٌ لكم عندَ اللَّهِ، {وَأَطْهَرُ} لقلوبِكم مِن المآثمِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} . قال: نُهوا عن مناجاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى يتَصدَّقوا، فلم يُناجِه إلا عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، قدَّم دينارًا فتَصدَّق به، ثم أُنزِلت الرُّخصةُ في ذلك

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدِ بنِ محمدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا المطَّلِبُ بنُ زيادٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: إن في كتابِ اللَّهِ عز وجل لآيةً ما عمِل بها أحدٌ قبْلي، ولا يَعْمَلُ بها أحدٌ بعدِي:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} . قال: فُرِضت ثم نُسِخت.

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلِ بنِ عبَّادٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ

(1)

تفسير مجاهد ص 651. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 280 - ومن طريقه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 480 - من طريق سليمان الأحول عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 185 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 482

فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}. قال: نُهوا عن مناجاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى يتصدَّقوا، فلم يُناجِه إلا عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، قدَّم دينارًا صدقةً تَصدَّق به، ثم أُنزِلت الرُّخصةُ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريس، قال: سمعتُ ليثًا، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: آيةٌ مِن كتابِ اللَّهِ لم يَعْملْ بها أحدٌ قبْلي، ولا يَعْمَلُ بها أحدٌ بعدِي؛ كان عندِي دينارٌ فصَرَفْتُه بعَشَرةِ دراهمَ، فكنتُ إذا جئتُ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تصدَّقتُ بدرهمٍ، فَنُسِخت، فلم يَعْملْ بها أحدٌ قبْلي؛ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} . قال: سأل الناسُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوه بالمسألةِ

(2)

، فقَطَعهم

(3)

اللَّهُ بهذه الآيةِ، وكان الرجلُ تكونُ له الحاجةُ إلى نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيعُ أن يَقضِيَها حتى يُقدِّمَ بينَ يديه صدقةً، فاشتدَّ ذلك، عليهم، فأَنزَل اللَّهُ عز وجل الرخصةَ بعدَ ذلك؛ {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(4)

.

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 373، وابن أبي شيبة 12/ 81 عن ابن إدريس به. وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (4140) - وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 479 من طريق ليث به. وأخرجه الحاكم 2/ 482 من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 185 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

أحفى فلانا: ألح عليه في السؤال وجَهَده. الوسيط (ح ف ى).

(3)

في ص، ت 2، ت 3:"فعظمهم"، وفي م:"فوعظهم"، وفي ت 1:"فعصمهم". والمثبت من تفسير ابن كثير، وقطعهم بالآية: أي جعلهم يكفون عن المسألة.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 76.

ص: 483

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} . قال: إنها منسوخةٌ، ما كانت إلا ساعةً من نهارٍ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} إلى {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال: كان المسلمون يُقدِّمون بينَ يدَى النَّجوى صدقةً، فلما نَزَلت الزكاةُ نُسِخ هذا

(2)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} : وذاك أن المسلمين أَكْثَروا المسائلَ على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حتى شَقُّوا عليه، فأراد اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عن نبيِّه؛ فلما قال ذلك ضَنَّ

(3)

كثيرٌ مِن الناسِ، وكفُّوا عن المسألةِ، فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذا:{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} . فوسَّع اللَّهُ عليهم ولم يُضَيِّقْ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن عثمانَ بنِ أبي المغيرةِ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، عن عليِّ بنِ علقمةَ الأنماريِّ، عن عليٍّ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "ما تَرَى؟ دينارٌ؟ ". قال: لا يُطيقون. قال: "نِصْفُ دينارٍ؟ ". قال: لا يُطِيقون. قال: "ما تَرى؟ ". قال: شَعِيرةٌ. فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّك لزهيدٌ". قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: فبي خُفِّف

(5)

عن هذه الأمةِ؛ قولُه: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 280 - ومن طريقه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 480 - عن معمر به.

(2)

أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 480، 481 من طريق محمد بن سعد به.

(3)

في النسخ: "صبر"، وهو تحريف، والمثبت من مصدر التخريج.

(4)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 3/ 430 عن المصنف، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 371، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 3/ 430 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 185 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(5)

في م: "خفف الله".

ص: 484

بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} - فنَزَلت: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} : لئلَّا يُناجِيَ أهلُ الباطلِ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فيَشُقَّ ذلك على أهلِ الحقِّ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما نستطيعُ ذلك ولا نُطيقُه. فقال اللَّهُ عز وجل:{أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} . وقال: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114]: مَن جاء يُناجِيك في هذا فاقْبَلْ مناجاتَه، ومَن جاء يُناجِيك في غيرِ هذا فاقْطَعْ أنت ذاك عنه، لا تُناجِه. قال: وكان المنافقون ربما ناجَوا فيما لا حاجةَ لهم فيه، فقال اللَّهُ عز وجل:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} . قال: لأن الخبيثَ

(2)

يدخلُ في ذلك.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في المجادلةِ: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : فنَسَخَتْها الآيةُ التي بعدَها، فقال: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 81، وعبد بن حميد (90)، والترمذي (3300)، والبزار (668)، والنسائي في خصائص على (152)، وأبو يعلى (400)، وابن حبان (6941، 6942) والنحاس في ناسخه ص 701، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 478 من طريق سفيان الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 185 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

كذا في ص، م، ت 1. وفي ت 2، ت 3: "الحنث" ولعل المراد بالخبيث الشيطان، والله أعلم.

ص: 485

بِمَا تَعْمَلُونَ}

(1)

.

وقولُه: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإن لم تَجِدوا ما تتصدَّقون به أمامَ مناجاتِكم رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: فإِنَّ اللَّهَ ذو عفوٍ عن ذنوبِكم إذا تُبْتُم منها، رحيمٌ بكم أنْ يُعاقِبَكم عليها بعدَ التوبةِ، وغيرُ مُؤاخِذكم بمناجاتِكم رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قبْلَ أن تُقدِّموا بينَ يدَى نجواكم

(2)

إيَّاه صدقةً.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أَشَقَّ عليكم وخَشِيتُم أيُّها المؤمنون بأنْ تُقَدِّموا بينَ يَدَى نجواكم رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صدقاتٍ - الفاقةَ. وأصلُ الإشفاقِ في كلامِ العربِ الخوفُ والحذرُ. ومعناه في هذا الموضعِ: أَخَشِيتم بتقديمِ الصدقةِ الفاقةَ والفقرَ؟

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَأَشْفَقْتُمْ} . قال: شَقَّ عليكم تقديمُ الصدقةِ، فقد وُضِعَتْ عنكم. وأُمِروا بمناجاةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بغيرِ صدقةٍ حينَ شَقَّ عليهم ذلك

(3)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 76. وأخرج ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 479 من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس نحوه.

(2)

في ت 2، ت 3:"مناجاتكم".

(3)

تفسير مجاهد ص 651.

ص: 486

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أُسامة، عن شِبْلِ بنِ عبَّادٍ المكيِّ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} . فريضتان واجبتان لا رَجْعةَ لأحدٍ فيهما، فنَسَخَتْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أمرِ الصدقةِ في النجوى.

وقولُه: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإذ لم تُقَدِّموا بين يدَى نجواكم صدقاتٍ، ورَزَقكم اللَّهُ التوبةَ مِن تَرْكِكم ذلك، فأدُّوا فرائضَ اللَّهِ التي أوجَبها عليكم ولم يَضَعْها عنكم، مِن الصلاةِ والزكاةِ، وأَطِيعوا اللَّهَ ورسولَه فيما أَمَركم به وفيما نهاكم عنه.

{وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . يقولُ جل ثناؤُه: واللَّهُ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِكم، وهو مُحْصِيها عليكم؛ ليجازِيَكم بها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم تَنْظُرْ بعينِ قلبِك يا محمدُ، فتَرَى إلى القومِ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللَّهُ عليهم. وهم المنافقون تولَّوْا اليهودَ وناصَحوهم.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} . إلى آخرِ الآية، قال: هم المنافقون تولَّوُا اليهودَ وناصَحوهم.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {تَوَلَّوْا قَوْمًا

ص: 487

غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم}. قال: هم اليهودُ تولَّاهم المنافقون

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} . قال: هؤلاء كفرةُ أهلِ الكتابِ اليهودُ، والذين تولَّوهم المنافقون، تولَّوُا اليهودَ. وقرَأ قولَ اللَّهِ:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} حتى بلَغ: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11]، لئن كان ذلك لا يَفْعلون. وقال هؤلاءِ المنافقون قالوا: لا نَدَعُ حلفاءَنا وموالِيَنا، يكونون معنا

(2)

لنصرتِنا وعزِّنا، ومَن يَدْفعُ عنا؟ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائرةٌ. فقال اللَّهُ عز وجل:{فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [المائدة: 52] حتى بلغَ: {فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} [الحشر: 13]، وقرَأ حتى بلَغ: (أَوْ مِنْ ورَاءِ جِدَارٍ

(3)

) قال: لا يَبْرُزُون.

وقولُه: {مَا هُمْ مِنْكُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما هؤلاءِ الذين تولَّوا هؤلاءِ القومَ الذين غَضِب اللَّهُ عليهم - {مِنْكُمْ} . يعني: مِن أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم، {وَلَا مِنْهُمْ}: ولا هم مِن اليهودِ الذين غَضِب اللَّهُ عليهم. وإنما وصَفهم بذلك جلَّ ثناؤُه؛ لأنهم منافقون؛ إذا لَقُوا اليهودَ قالوا: إنا معكم، إنما نحْن مستهزِئون. وإذا لَقُوا الذين آمنوا قالوا: آمَنَّا.

وقولُه: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويَحْلِفون على الكذبِ؛ وذلك قولُهم لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نَشْهَدُ إنَّك لرسولُ اللَّهِ. وهم كاذبون غيرُ مصدِّقين به، ولا مؤمنين به. كما قال جلّ ثناؤُه: {وَاللَّهُ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 280 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 186 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "معا".

(3)

في م: "جدر". وسيأتي ذكر الاختلاف في هذه القراءة في سورة الحشر.

ص: 488

يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]. وقد ذُكر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في رجلٍ منهم عاتَبه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أَمْرٍ بلَغه عنه، فَحَلَف كَذِبًا.

ذكرُ الخبرِ الذي رُوي بذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَدْخُلُ عليكم رجلٌ يَنظُرُ بعين شيطانٍ، أو بعَيْنَى شيطانٍ". قال: فدَخَل رجلٌ أزرقُ، فقال له:"علامَ تَسُبُّني أو تَشْتُمُني؟ ". قال: فجعَل يَحْلِفُ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ التي في "المجادلةِ": {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، والآيةُ الأخرى

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللَّهُ لهؤلاءِ المنافقين الذين تولَّوُا اليهودَ عذابًا في الآخرةِ شديدًا، {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} في الدنيا؛ بغِشِّهم المسلمين، ونُصْحِهم لأعدائِهم مِن اليهودِ.

وقولُه: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} . يقولُ جلّ ثناؤُه: جعَلوا حَلِفَهم وأيمانَهم جُنَّةً يَسْتَجِنُّون بها مِن القتلِ، ويَدْفعون بها عن أنفسِهم وأموالِهم وذرارِيِّهم. وذلك أنهم إذا اطُّلِع منهم على النفاقِ، حلَفوا للمؤمنين باللَّهِ إنهم لمنهم، {فَصَدُّوا عَنْ

(1)

أخرجه البزار (2270 - كشف) عن ابن المثنى به. وأخرجه أحمد 4/ 48 (2147)، والطبراني (12309) من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه أحمد 4/ 231، 232، 5/ 316 (2407، 2408، 3277) والحاكم 2/ 482، والبيهقي في الدلائل 5/ 282، والواحدي في أسباب النزول ص 309، وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 3/ 432 من طريق سماك بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 186 إلى ابن المنذر.

ص: 489

سَبِيلِ اللَّهِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فصَدُّوا بأيمانِهم التي اتخَذُوها جُنَّةً المؤمنين عن سبيلِ اللهِ فيهم، وذلك أنهم كفرةٌ، وحكم اللهِ وسبيلُه في أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ القتلُ، أو أَخْذُ الجِزْيةِ، وفي عبدةِ الأوثانِ القتلُ، فالمنافقون يَصُدُّون المؤمنين عن سبيلِ اللهِ فيهم بأيمانِهم إنهم مؤمنون، وإنهم منهم، فيَحُولون بذلك بينَهم وبينَ قتلِهم، ويَمْتَنِعون به مما يَمْتَنِعُ منه أهلُ الإيمانِ باللهِ.

وقولُه: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} . يقولُ: فلهم عذابٌ مُذِلٌّ لهم في النارِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لن تُغْنِيَ عن هؤلاءِ المنافقين يومَ القيامةِ أموالُهم، فيَفْتَدُوا بها من عذابِ اللهِ المهين لهم، ولا أولادُهم، فيَنْصُروهم ويَسْتَنْقِذُوهم مِن اللهِ إذا عاقَبهم، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}. يقولُ: هؤلاءِ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللهُ عليهم - وهم المنافقون - {أَصْحَابُ النَّارِ} . يعني: أهلُها الذين [هم أهلُها]

(1)

، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. يقولُ: هم في النارِ ماكِثون إلى غيرِ نهايةٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين ذكَرهم اللهُ

(2)

أصحابُ النارِ، يومَ يَبْعَثُهم اللهُ جميعًا. فـ "يوم" من صلةِ {أَصْحَابُ النَّارِ}. وعُنِي بقولِه:{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} : [يومَ يَبْعَثُهم اللهُ جميعًا]

(3)

مِن قبورِهم أحياءً كهيئتِهم

(4)

قبلَ مماتِهم،

(1)

سقط من: م.

(2)

في ص، م، ت 1:"هم"، وبعده في ت 3:"هم".

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في م: "كهيئاتهم".

ص: 490

فيَحْلِفون له كما يَحْلِفون لكم كاذبين مُبْطِلين فيها.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فَيَحْلِفُونَ لَهُ} . قال: إن المنافقَ حلَف له يومَ القيامةِ كما حلَف لأوليائِه في الدنيا

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} الآية، واللهِ حالَف المنافقون ربَّهم يومَ القيامةِ كما حالَفوا أولياءَه في الدنيا.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ البكريِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ظِلِّ

(2)

حُجْرةٍ قد كاد يَقْلِصُ عنه الظِّلُّ، فقال: "إِنَّه سيأْتِيكم رجلٌ - أو يَطْلُعُ رجلٌ - بعينِ

(3)

شيطانٍ، فلا تُكلِّمُوه". فلم يَلْبَثْ أنْ جاء، فاطَّلَع فإذا رجلٌ أَزرقُ، فقال له: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أنتَ وفلانٌ [وفلانٌ]

(4)

؟ ". قال: فذهَب فدعا أصحابَه، فحلَفوا ما فعَلوا. فنزَلت:{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} .

وقولُه: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} . يقولُ: ويَظُنُّون أنهم في أيمانِهم وحَلِفِهم باللهِ كاذبين، على شيءٍ مِن الحقِّ، {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} فيما يَحْلِفون عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)} .

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} غلَب عليهم الشيطانُ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 281 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 186 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ت 2، ت 3:"يعني".

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 491

فأنساهم ذكرَ اللهِ، {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ}. يعني: جندُه وأتباعُه، {أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. يقولُ: ألَا إِنَّ جندَ الشيطانِ وأتباعَه هم الهالكون المَغْبونون في صَفْقَتِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين يخالفون اللهَ ورسولَه في حدودِه، وفيما فرَض عليهم

(1)

من فرائضِه فيُعادُونه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . يقولُ: يُعادُون اللهَ ورسولَه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . قال: يُعادون، يُشاقُّون

(3)

.

وقولُه: {أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين يُحادُّون اللَّهَ ورسولَه في أهلِ الذِّلةِ؛ لأن الغلبةَ للهِ ورسولِه.

(1)

زيادة من: م.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 281 عن معمر به.

(3)

تفسير مجاهد ص 651. ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 337.

ص: 492

وقولُه: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} . يقولُ: قضَى اللهُ وخطَّ في أمِّ الكتابِ لأغلبنَّ أنا ورسُلي من حادَّني وشاقَّني.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} الآية. قال: كتَب اللهُ كتابًا وأمضاه

(1)

.

وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} . يقولُ: إِنَّ اللهَ جلّ ثناؤُه ذو قوَّةٍ وقدرةٍ على كلِّ من حادَّه ورسولَه أنْ يُهلِكَه، ذو عزَّةٍ، فلا يَقْدِرُ أحدٌ أنْ يَنْتَصِرَ منه إذا هو أهلَك وليَّه، أو عاقَبه، أو أصابه في نفسِه بسوءٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)} .

يعني جلّ ثناؤُه بقولِه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : لا تجدُ يا محمدُ قومًا يُصدِّقون اللهَ، ويُقِرُّون باليومِ الآخرِ، يوادُّون من عادَى

(2)

اللهَ ورسولَه وشاقَّهما، وخالفَ أمرَ اللهِ ونهيَه، {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ}. يقولُ: ولو كان الذين حادُّوا اللهَ ورسولَه آباءَهم، أو أبناءَهم، أو

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 186 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في م: "حاد".

ص: 493

إخوانهم، أو عشيرتَهم. وإنما أخبرَ اللهُ جلّ ثناؤُه نبيَّه صلى الله عليه وسلم بهذه الآيةِ أنَّ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللهُ عليهم ليسوا مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ ولا باليومِ الآخرِ، فلذلك تولَّوُا الذين تولَّوْهم مِن اليهودِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . أي: مَن عادى اللَّهَ ورسولَه

(1)

.

وقولُه: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} . يقولُ جلّ ثناؤُه: هؤلاءِ الذين لا يُوادُّون مَن حادَّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءَهم، أو أبناءَهم، أو إخوانَهم، أو عشيرتَهم - كتب اللهُ في قلوبِهم الإيمانَ.

وإنما عُنِي بذلك: قضَى لقلوبِهم الإيمانَ. فـ "في" بمعنى اللامِ، وأخبَر تعالى ذكرُه أنه كتَب في قلوبِهم الإيمانَ لهم، وذلك لمَّا كان الإيمانُ بالقلوبِ، وكان معلومًا بالخبرِ عن القلوبِ أن المرادَ به أهلُها، اجْتُزِئَ بذكرِها مِن ذكرِ أهلِها.

وقولُه: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} . يقولُ: وقوَّاهم ببرهانٍ منه ونورٍ وهُدًى، {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: ويُدْخِلُهم بساتينَ تَجْرِي مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، {خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: ماكِثين فيها أبدًا، {رضي الله عنهم} بطاعتِهم إيَّاه في الدنيا، {وَرَضُوا عَنْهُ} في الآخرةِ بإدخالِه إيَّاهم الجنةَ، {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ}. يقولُ: أولئك الذين هذه صفتُهم جندُ اللهِ

(1)

تقدم تخريجه ص 466.

ص: 494

وأولياؤُه، {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ}. يقولُ: ألَا إن جندَ اللهِ وأولياءَه {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . يقولُ: هم الباقون المُنْجِحُون بإدراكِهم ما طلَبوا والتَمسوا، بتعبِهم

(1)

في الدنيا، وطاعتِهم ربَّهم.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "المجادلةِ" والحمدُ للهِ

(1)

في م: "ببيعتهم".

ص: 495

‌تفسيرُ سورةِ "الحَشْرِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

(1)}.

يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: {سَبَّحَ لِلَّهِ} : صلَّى للهِ، وسجَد له، {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} مِن خَلْقِه. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. يقولُ: وهو العزيزُ في انتقامِه مِمَّن انتقَم مِن خَلْقِه، على معصيتِه

(1)

إياه، الحكيمُ في تدبيرِه إيّاهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ

(2)}.

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} : اللهُ الذي أَخْرَج الذين جَحدوا نبوَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِن أهلِ الكتابِ، وهم يهودُ بني النَّضِيرِ مِن ديارِهم، وذلك خروجُهم عن منازلِهم ودُورِهم، حينَ صالَحوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أن يُؤَمِّنَهم على دمائِهم ونسائِهم وذَرارِيِّهم، وعلى أن لهم

(2)

ما

(3)

أَقلَّت الإبلُ مِن أموالِهم، ويُخَلُّوا له دُورَهم وسائرَ أموالِهم، فأَجابهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، فخرَجوا مِن ديارِهم؛ فمنهم مَن خرَج

(1)

في م: "معصيتهم".

(2)

في ت 3: "يؤمنهم على".

(3)

في ص، ت 3:"مما".

ص: 496

إلى الشامِ، ومنهم مَن خرَج إلى خيبرَ. فذلك قولُ اللَّهِ عز وجل:{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ} . قال: النَّضيرَ، حتى قولِه:{وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}

(1)

.

ذكرُ ما بَيَّن ذلك كلِّه فيهم

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} . قيل: الشامُ؛ وهم بنو النَّضيرِ - حيٌّ مِن اليهودِ - فأَجْلاهم نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن المدينةِ إلى خَيْبرَ، مَرْجِعَه مِن أُحُدٍ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ:{مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} . قال: هم بنو النَّضيرِ، قاتَلهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى

(3)

صالَحهم على الجلاءِ، فأَجْلاهم إلى الشامِ، وعلى أنَّ لهم ما أَقَلَّت الإبلُ مِن شيءٍ إلا الحَلْقَةَ، والحَلْقَةُ: السِّلاحُ، كانوا من سِبْطٍ لم يُصِبْهم جَلَاءٌ فيما مضَى، وكان اللَّهُ عز وجل

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 188 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 188 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ت 2، ت 3:"حين".

ص: 497

قد كتَب عليهم الجَلاءَ، ولولا ذلك عذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسِّباءِ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} . قال: هؤلاء النَّضيرُ حينَ أَجْلاهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: نزَل في بني النَّضيرِ "سورةُ الحشرِ" بأَسرِها، يُذْكَرُ فيها ما أَصابهم اللَّهُ عز وجل به مِن نِقْمَتِه، [وما]

(2)

سَلَّط عليهم به رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وما عَمِل به

(3)

فيهم. فقال: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} الآيات

(4)

.

وقولُه: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لأوَّلِ الجَمْعِ في الدنيا، وذلك حشرُهم إلى أرضِ الشامِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه:

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 554، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 282، وأبو عبيد في الأموال (18)، وابن زنجويه (57) من طريق معمر به، وأخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 176 من طريق عقيل عن الزهري.

(2)

سقط من: ص.

(3)

سقط من: ص.

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 192، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 84، وفي البداية والنهاية 5/ 538.

ص: 498

{لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} . قال: كان جَلاؤُهم أوَّلَ

(1)

الحشرِ في الدنيا إلى الشامِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ

(3)

: تَجِيءُ نارٌ مِن مَشْرِقِ الأرضِ، تَحْشُرُ الناسَ إلى مَغارِبِها، فتَبِيتُ معهم حيثُ باتُوا، وتَقِيلُ معهم حيثُ قالوا، وتأكلُ مَن تَخَلَّف

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لما أَجْلَى بني النَّضيرِ، قال: "امْضُوا فهذا أوَّلُ

(5)

الحَشْرِ، وأنا على الأَثَرِ"

(6)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} . قال: الشامِ حينَ ردَّهم إلى الشامِ. وقرَأ قولَ اللَّهِ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: 47]. قال: مِن حيثُ جاءت، أدبارُها أنْ رجَعت إلى الشامِ، مِن حيث جاءت رُدُّوا إليه

(7)

.

وقولُه: {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ما ظَنَنْتم أنْ يَخْرُجَ هؤلاء الذين أَخرَجهم اللَّهُ مِن ديارِهم مِن أهلِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بأول".

(2)

أخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 176، 177 من طريق عقيل عن الزهري.

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"قوله".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 282 عن معمر به.

(5)

في ص، ت 1:"أوان".

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 84 عن المصنف، وأخرجه ابن سعد في الطبقات 2/ 59، ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 84 - من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 187 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(7)

تقدم تخريجه في 7/ 114، 115.

ص: 499

الكتابِ، من مساكنِهم ومنازلِهم، {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} وإنما ظَنَّ القومُ - فيما ذُكِر - ذلك؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ وجماعةً مِن المنافقين بعَثوا إليهم

(1)

لمَّا حاصَرهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَأْمرونهم بالثباتِ في حُصونِهم، ويَعِدُونهم النَّصْرَ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، أنَّ رهطًا مِن بني عوفِ بنِ الخَزْرَجِ؛ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنِ سَلُولَ، ووديعةُ، ومالكُ [بنُ أبي قَوْقَلٍ]

(2)

، وسُويدٌ، وداعِسٌ، بعَثوا إلى بني النَّضيرِ؛ أن اثْبُتوا وتَمَنَّعوا، فإنا لن نُسْلِمَكم، وإن قُوتِلْتم قاتلْنا معكم، وإن أُخْرِجْتُم خَرَجْنا معكم. فَتَرَبَّصوا لذلك مِن نَصْرِهم، فلم يَفْعلوا، وكانوا قد تَحَصَّنوا في الحصونِ مِن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ نَزَل بهم

(3)

.

وقولُه: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} . [يقولُ تعالى ذكرُه: فأَتاهم أَمْرُ اللَّهِ مِن حيثُ لم يَحْتَسِبوا أنه يَأْتيهم، وذلك الأمرُ الذي أَتاهم مِن اللَّهِ مِن حيثُ لم يَحْتَسِبوا]

(4)

، قَذف في قلوبِهم الرعبَ بنُزُولِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بهم في أصحابِه. يقولُ جلَّ ثناؤُه:{وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} .

وقولُه: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} . يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} بني النَّضيرِ مِن اليهودِ، أنهم يُخْرِبون مساكِنَهم، وذلك أنهم كانوا يَنْظُرون إلى الخشبةِ - فيما ذُكِر - في منازلِهم مما يَسْتَحْسِنونه، أو العمودِ، أو

(1)

في ت 2، ت 3:"إليه".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2:"ابنا نوفل"، وفي ت 3:"أبناء نوفل". والمثبت من مصادر التخريج، ووديعة هو ابن ثابت أخو بني عمرو بن عوف. وينظر طبقات ابن سعد 3/ 548، والبداية والنهاية 5/ 14.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 191، وذكره المصنف في تاريخه 2/ 554 من قول ابن إسحاق.

(4)

سقط من: ت 2، ت 3.

ص: 500

البابِ، فيَنْزِعون ذلك منها بأيدِيهم وأَيْدِي المؤمنين.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} : جعَلُوا يُخْرِبونها مِن أجوافِها، وجعَل المؤمنون يُخْرِبونها مِن ظاهرِها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: لمَّا صالَحوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانوا لا يُعْجِبُهم خشبةٌ إلا أَخَذوها، فكان ذلك خرابَها

(1)

.

وقال قتادةُ: كان المسلمون يُخْرِبون ما يَليهم مِن ظاهرِها، ويُخرِبُها اليهودُ مِن داخلِها

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: احتَملوا مِن أموالِهم، يعني بني النَّضيرِ، ما اسْتَقَلَّت به الإبلُ، فكان الرجلُ منهم يَهدِمُ بيتَه عن نِجَافِ

(3)

بابه، فيضعُه على ظَهْرِ بعيرِه، فيَنْطَلِقُ به، قال: فذلك قولُه: {يُخْرِبُونَ

(4)

بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}

وذلك هدمُهم بيوتَهم عن نُجُفِ أبوابِهم إذا احتَملوها

(5)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 282، 283 عن معمر به، وأخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 176، 177 من طريق عقيل عن الزهري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 282، عن معمر عن قتادة، وذكره البغوي في تفسيره 8/ 70. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191، إلى عبد بن حميد.

(3)

النِّجاف: العتبة، وهي أُسْكُفَّةُ الباب. تاج العروس (ن ج ف).

(4)

في ص: "يخرّبون" بتشديد الراء، وهي قراءة كما سيأتي.

(5)

جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص 498.

ص: 501

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} . قال: هؤلاء النَّضيرُ، صالَحهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ما حَمَلت الإبلُ، فجعَلوا يَقْلَعون الأوتادَ؛ يُخْرِبون بيوتَهم

(1)

.

وقال آخرون: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأنهم كانوا يُخْرِبون بيوتهم، لِيَبْنوا بِنَقْضِها ما هدَم المسلمون مِن حصونِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} . قال: يعني بني النَّضيرِ، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا شيئًا مِن حصونِهم، جعَلوا يَنْقُضون بيوتَهم ويُخْرِبونها، ثم يَبنون ما يُخْرِبُ المسلمون، فذلك هلاكُهم

(2)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} . يعني أهلَ النَّضير، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا من حِصْنِهم، جعَلُوا يَنْقُضون بيوتَهم بأيدِيهم، ثم يَبنون ما خَرَّب المسلمون

(3)

.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأَةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقِ سوى

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 70، والقرطبي في تفسيره 18/ 4، وابن كثير في تفسيره 8/ 84.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 70، والقرطبي في تفسيره 18/ 4، ابن كثير في تفسيره 8/ 81 مختصرا.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 4.

ص: 502

أبي عمرٍو: {يُخْرِبُونَ} بتخفيف الراءِ، بمعنى يَخْرُجون منها، ويَتْرُكونها مُعَطَّلةً خَرابًا

(1)

. وكان أبو عمرٍو يقرَأُ ذلك: (يُخرِّبون) بالتشديدِ في الراءِ، بمعنى يُهَدِّمون بيوتَهم. وقد ذُكر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ

(2)

والحسنِ البصريِّ، أنهما كانا يقرأان ذلك نحوَ قراءةِ أبي عمرٍو

(3)

. وكان أبو عمرٍو فيما ذُكر عنه يزعُمُ أنه إنما اختار التَّشديدَ في الراءِ؛ لِما ذكرْتُ مِن أنَّ الإخرابَ إنما هو تركُ ذلك خرابًا بغيرِ ساكنٍ، وإنَّ بني النَّضيرِ لم يَتْرُكوا منازلَهم فيَرْتَحِلوا عنها، ولكنهم خَرَّبوها بالنقضِ والهدمِ، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتَّشديدِ.

وأَوْلى القراءتينِ في ذلك بالصوابِ عندي قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأةِ عليه. وقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يقولُ: التَّخْرِيبُ والإخرابُ بمعنًى واحدٍ، وإنما ذلك في

(4)

اختلافِ اللفظِ لا اختلافِ

(5)

المعنى.

وقولُه: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فاتَّعِظوا

(6)

يا مَعْشَرَ ذوي الأفهامِ بما أحلَّ اللَّهُ بهؤلاء اليهودِ، الذين قذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرعبَ وهم في حصونِهم، من نِقْمَتِه، واعلَموا أنَّ اللَّهَ وليُّ مَن والاه، وناصرٌ رسولَه على كلِّ مَن ناوأَه، ومُحِلٌّ مِن نِقْمَتِه به نظيرَ الذي أَحلَّ ببني النَّضيرِ. وإنما عُنِي بالأبصارِ في هذا الموضعِ أبصارُ القلوبِ؛ وذلك أنَّ الاعتبارَ بها يكونُ دونَ الإبصارِ بالعيونِ.

(1)

وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر الكشف عن وجوه القراءات 2/ 316، والتيسير ص 170.

(2)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 143.

(3)

وهي أيضًا قراءة قتادة والجحدري ومجاهد وأبي حيوة وعيسى. ينظر البحر المحيط 8/ 243، والإتحاف ص 255.

(4)

ليس في: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"في".

(6)

في ت 2، ت 3:"فانطلقوا".

ص: 503

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أنَّ اللَّهَ قضَى وكتَب على هؤلاءِ اليهودِ مِن بني النَّضير في أمِّ الكتابِ الجلاءَ، وهو الانتِقالُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وبلدةٍ إلى أُخرى.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} : خروجُ الناسِ مِن البلدِ إلى البلدِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} . والجلاءُ: إخراجُهم مِن أرضِهم إلى أرضٍ أُخْرى

(2)

.

قال

(3)

: ويقالُ: الجَلَاءُ: الفِرارُ. يقالُ منه: جَلَا القومُ مِن منازلِهم، وأجْلَيْتُهم أنا.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح 8/ 629 - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 3/ 359 من طريق محمد بن سعد به.

(3)

لعل هنا سقطًا، ولعل المصنف يعني بالقائل أبا عبيدة معمر بن المثنى، ينظر مجاز القرآن 2/ 256، وفتح الباري 8/ 629.

ص: 504

وقولُه: {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} مِن أرضِهم وديارِهم، لعذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسَّبيِ، ولكنه رفَع العذابَ عنهم في الدنيا بالقتلِ، وجعَل عذابَهم في الدنيا الجلاءَ، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} مع ما أحلَّ بهم مِن الخِزْيِ في الدنيا، بالجَلَاءِ عن أرضِهم ودورِهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: كان النَّضيرُ مِن سِبْطٍ لم يُصِبْهم جلاءٌ فيما مضَى، وكان اللَّهُ قد كتَب عليهم الجَلاءَ؛ ولولا ذلك عذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسِّباءِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ:{وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} : وكان لهم مِن اللَّهِ نِقْمَةٌ {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} . أي: بالسيفِ، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} مع ذلك

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه:{وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} . قال: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قد حاصَرهم حتى بلَغ منهم كلَّ مَبْلَغٍ، فأَعْطَوه ما أراد منهم، فصالَحهم على أن يَحْقِنَ لهم دماءَهم، وأنْ

(1)

تقدم تخريجه في ص 498.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 193.

ص: 505

يُخْرِجَهم مِن أرضِهم وأوطانِهم، ويُسَيِّرَهم إلى أَذْرِعاتِ الشامِ، وجعل لكلِّ ثلاثةٍ منهم بعيرًا وسِقاءً

(1)

.

حدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} : أهلِ النَّضِيرِ، حاصَرهم نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى بلَغ منهم كلَّ مَبْلَغٍ، فأَعْطَوا نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما أراد. ثم ذكَر نحوَه، وزاد فيه: فهذا الجَلَاءُ

(2)

.

وقولُه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل اللَّهُ بهؤلاءِ اليهودِ ما فعَل بهم؛ مِن إخراجِهم مِن ديارِهم، وقَذْفِ الرعبِ في قلوبِهم مِن المؤمنين، وجعَل لهم في الآخرةِ عذابَ النارِ - بما فعلوا هم في الدنيا؛ مِن مخالفتِهم اللَّهَ ورسولَه في أمرِه ونهيِه، وعصيانِهم ربَّهم فيما أمَرهم به مِن اتِّباعِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُخالِفِ اللَّهَ في أمرِه ونهيِه فإنَّ اللَّهَ شديدُ العقابِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما قَطَعتم مِن ألوانِ النَّخْلِ، أو تَرَكْتُموها قائمةً على أصولِها.

اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى اللِّينَةِ؛ فقال بعضُهم: هي جميعُ أنواعِ النَّخْلِ سوى العَجْوَةِ

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 553، والبيهقي في دلائل النبوة 3/ 359، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 188 إلى ابن مردويه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 85، كما ذكره البغوي في تفسيره 8/ 69 بنحوه.

ص: 506

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: النَّخْلةُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: اللِّينَةُ ما دونَ العَجْوةِ مِن النَّخْلِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ في قولِه:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: اللِّينَةُ ما خالَف العَجْوةَ مِن التَّمْرِ.

وحدَّثنا به مرَّةً أُخْرى فقال: مِن النَّخْلِ

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: النَّخْلُ كلُّه ما خلا العَجْوةَ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} : واللَّينَةُ ما خلا العَجْوةَ مِن النَّخْلِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} : ألوانِ النَّخْلِ كلِّها إلا العَجْوةَ

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 393 من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 193.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 283 عن معمر عن قتادة، وذكره البغوي في تفسيره 8/ 71.

(5)

أخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 177 من طريق عقيل عن الزهري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 507

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: النَّخْلَةِ دونَ العَجْوةِ

(1)

.

وقال آخرون: النَّخْلُ كلُّه لِينَةٌ؛ العَجْوةُ منه وغيرُ العَجْوةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: النَّخْلَةُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: نَخْلَةٍ. قال: نهَى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قَطْعِ النَّخْلِ، وقالوا: إنما هي مَغانمُ المسلمين. ونزَل القرآنُ بتصديقِ مَن نَهى عن قَطْعِه وتحليلِ مَن قطَعه مِن الإثمِ، وإنما قَطْعُه وتَرْكُه بإذنِه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: النَّخْلَةِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: اللِّينةُ النَّخْلةُ؛ عجوةً كانت أو غيرَها، قال اللَّهُ: {مَا

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 393 من طريق سماك عن داود به، بلفظ:"وهى النخلة"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر بلفظ:"وهي النخلة".

(2)

تفسير مجاهد ص 652، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 3/ 185.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى عبد بن حميد.

ص: 508

قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} للنخلِ

(1)

الذي قطَعوا مِن نَخْلِ النَّضيرِ حينَ غَدَرت النَّضِيرُ

(2)

.

وقال آخرون: هي لَونٌ مِن النَّخْلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: اللِّينَةُ لَونٌ مِن النَّخْلِ

(3)

.

وقال آخرون: هي كِرامُ النَّخْلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ في: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} . قال: من كِرامِ نَخْلِهم

(4)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ. وهي

(5)

مِن ألوانِ النَّخْلِ ما لم تَكنْ عَجْوةً، وإيَّاها عنَى ذو الرُّمَّةِ بقولِه

(6)

:

طِراقُ الخَوافي واقعٌ فوقَ لِينَةٍ

(7)

نَدَى لَيلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ

(1)

في م: "قال"، وفي ت 2:"للنخلة".

(2)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 244.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 72، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى المصنف.

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 72، والقرطبي في تفسيره 18/ 9، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 244.

(5)

في م: "هن".

(6)

تقدم البيت في 17/ 607.

(7)

في الديوان، وفيما تقدم:"ريعة".

ص: 509

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: اللِّينةُ مِن اللَّوْنِ، واللِّيانُ في الجماعةِ واحدُها اللِّينَةُ. قال: وإنما سُمِّيت لِينَةً لأنه فِعْلَةٌ

(1)

مِن فَعْلٍ، وهو اللَّونُ وهو ضَرْبٌ مِن النَّخْلِ، ولكن لمَّا انكسَر ما قبلَها انقلَبت إلى الياءِ. وكان بعضُهم يُنكِرُ هذا القولَ ويقولُ: لو كان كما قال لجمَعوه: اللِّوانُ لا اللِّيانُ.

وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ: جَمْعُ اللِّينَةِ لِينٌ.

وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ فيما ذُكر مِن أجْلِ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لما قطَع نخلَ بني النَّضيرِ وحرَّقها، قالت بنو النَّضيرِ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنك كنتَ تَنْهى عن الفسادِ وتَعِيبُه، فما بالُك تقطَعُ نَحْلَنا وتُحَرِّقُها؟ فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، فأخبَرهم أَنَّ ما قَطَع مِن ذلك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أو ترَك، فعن أَمْرِ اللَّهِ فعَل.

وقال آخرون: بل نزَل ذلك لاختلافٍ كان مِن

(2)

المسلمين في قَطْعِها وتَرْكِها.

ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك لقولِ اليهودِ للمسلمين ما قالوا

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: لما نزَل رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يعني ببني النَّضيرِ، تحصَّنوا منه في الحصونِ، فأَمَرَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحْرِيقِ فيها، فنادَوْه: يا محمدُ، قد كنتَ تَنْهى عن الفسادِ وتَعِيبُه على مَن صنَعه، فما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها؟ فأنزَل اللَّهُ:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}

(3)

.

(1)

في ت 2، ت 3:"من فعيلة".

(2)

في ت 2، ت 3:"بين".

(3)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 3/ 438 عن المصنف، والأثر في سيرة ابن هشام 2/ 191، وأخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 355 من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.

ص: 510

ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك لاختلافٍ كان بينَ المسلمين في أَمْرِها

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الآية. أي: لِيَعِظَهم، فقطَع المسلمون يومئذٍ النَّخْلَ، وأمسَك آخرون كراهيةَ أنْ يكونَ فسادًا، فقالت اليهودُ: آللَّهُ أَذِن لكم في الفسادِ؟! فأنزَل اللَّهُ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} . قال: نهَى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قَطْعِ النَّخْلِ، وقالوا: إنما هي مغانمُ المسلمين. ونزل القرآنُ بتصديقِ مَن نهَى عن قَطْعِه وتَحليلِ مَن قطَعه من الإثمِ، وإنما قَطْعُه وتَركُه بإذنِه

(2)

.

حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بنِ خالدٍ البرقيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قطَع رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَخْلَ بني النَّضيرِ، وفي ذلك نزَلت:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الآية. وفي ذلك يقولُ حسانُ بنُ ثابتٍ:

وهانَ على سَراةِ بني لُؤَيٍّ

حَرِيقٌ بالبُوَيْرةِ مُسْتَطِيرُ

(3)

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 191 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير مجاهد ص 652، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 3/ 185، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 198، 199 بإسناده عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 188 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2642)، ومسلم (1746)، والبيهقي 9/ 83، وفي الدلائل 3/ 184 من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الشافعي 2/ 241 (400)، والحميدي (685)، وأبو عبيد في الأموال (20)، وأحمد 8/ 128 (4532)، والبخاري (3021)، والنسائي في الكبرى (8609) من طريق موسى بن عقبة به، وأخرجه الدارمي 2/ 222، وأبو داود (2615)، والترمذي (1552)، وابن ماجه =

ص: 511

وقولُه: {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} . يقولُ: فبأَمْرِ اللَّهِ قطَعْتم ما قطَعْتم منها

(1)

، وتَرَكْتم ما تَرَكْتم، ولِيَغِيظَ بذلك أعداءَه، ولم يكنْ فسادًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ:{فَبِإِذْنِ اللَّهِ} . أي: فبأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَت، ولم يكن فسادًا، ولكن نِقْمَةً مِن اللَّهِ، ولِيُخْزِيَ الفاسقين

(2)

.

وقولُه: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} : ولَيُذِلَّ الخارجين عن طاعةِ اللَّهِ عز وجل، المخالفين أمرَه ونهيَه، وهم يهودُ بني النَّضيرِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذي ردَّه اللَّهُ على رسولِه منهم. يعني من أموالِ بني النَّضيرِ، يقالُ منه: فاء الشيءُ على فلانٍ، إذا رجَع إليه، وأَفأْتُه أنا عليه. إذا رَدَدْتُه عليه. وقد قيل: إنه عُنِي بذلك أموالُ قُريظةَ. {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . يقولُ: فما أَوْضَعْتم فيه مِن خيلٍ ولا إبلٍ. وهي الرِّكابُ. وإنما وصفَ جلَّ ثناؤه الذي أفاءَه على رسولِه منهم بأنَّه لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ؛ من أجْلِ أنَّ

= (2845)، من طريق نافع به.

(1)

سقط من: م.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 193.

ص: 512

المسلمين لم يَلْقَوا في ذلك حربًا، ولا كُلِّفوا فيه مُؤْنةً، وإنما كان القومُ معهم وفي بلدِهم، فلم يكنْ فيه إيجافُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} الآية. يقولُ: ما قطَعْتم إليها واديًا، ولا سِرْتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائطُ لبني النَّضيرِ طُعْمَةً أَطْعَمها اللَّهُ رسولَه. ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ:"أَيُّما قَرْيَةٍ أَعْطَتِ اللَّهَ ورسولَه فهي للَّهِ وَلِرَسولِه، وأيُّما قَرْيَةٍ فَتَحها المسلمون عَنْوةً فإنَّ للَّهِ خُمُسَه وَلِرَسولِه، وما بَقِي غنيمةٌ لِمن قاتل عليها"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه:{فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . قال: صالَح النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهلَ فَدَكَ وقرىً قد سمَّاها لا أحْفَظُها، وهو محاصِرٌ قومًا آخرين، فأرسَلوا إليه بالصُّلْحِ. قال:{فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . يقولُ: بغيرِ قتالٍ. قال الزهريُّ: فكانت بنو النَّضيرِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خالصةً، لم يَفْتَتِحوها عَنْوةً، بل

(2)

على صُلْحٍ، فقَسَمها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينَ المهاجرين، لم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئًا، إلا رَجُلَيْن كانت بهما حاجةٌ

(3)

.

(1)

أخرج المرفوع البيهقي 9/ 139 من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه أبو داود (2971)، والبيهقي 6/ 296 من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 283 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 192 إلى ابن المنذر.

ص: 513

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ:{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} . يعني بني النَّضيرِ، {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . قال: يُذَكِّرُهم ربُّهم أنه نصَرهم وكفاهم بغيرِ كُرَاعٍ

(2)

ولا عُدَّةٍ في قريظةَ وخيبرَ، ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من قُريظةَ جعَلَها لمُهاجِرةِ قريشٍ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . قال: أَمَر اللَّهُ عز وجل نبيَّه بالسيرِ إلى قريظةَ والنَّضيرِ، وليس للمسلمين يومئذٍ كثيرُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، فجعَل ما أصاب رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْكُمُ فيه ما أراد، ولم يكنْ يومئذٍ خيلٌ ولا رِكابٌ يُوجَفُ بها. قال والإيجافُ: أن يُوضِعوا السَّيْرَ، وهي لِرَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك خيبرُ وفَدَكُ وقرًى عَرَبِيةٌ، وأَمَر اللَّهُ رسولَه أن يُعِدَّ ليَنْبُعَ

(4)

، فأتاهَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فاحتواها كلَّها، فقال ناسٌ: هلَّا قَسَمها؟ فأنزَل اللَّهُ

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 193.

(2)

الكُراع: اسم يجمع الخيل والسلاح. اللسان (ك ر ع).

(3)

تفسير مجاهد ص 652.

(4)

يَنْبُع: هي بين مكة والمدينة، وهي من بلاد بني ضمرة. معجم ما استعجم 4/ 1402.

ص: 514

عز وجل عُذْرَه فقال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} . ثم قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الآية

(1)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . يعني يومَ قُريظةَ.

وقولُه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} . أَعْلَمك أنه كما سلَّط محمدًا صلى الله عليه وسلم على بني النَّضيرِ، يُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤُه أنَّ ما أفاء اللَّهُ عليه مِن أموالِ مَن

(2)

لم يُوجِفِ المسلمون بالخيلِ والرِّكابِ مِن الأعداءِ مما صالَحوه عليه - له خاصةً يعملُ فيه بما يَرى. يقولُ: فمحمدٌ

(3)

صلى الله عليه وسلم إنما صار إليه أموالُ بني النَّضيرِ بالصُّلْحِ لا عَنْوَةً فتَقَعَ فيها القِسْمَةُ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقولُ: واللَّهُ على كلِّ شيءٍ أراده ذو قدرةٍ، لا يُعْجِزُه شيءٌ، وبقدْرتِه على ما يشاءُ سلَّط نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم على ما سُلِّط عليه مِن أموالِ بني النَّضيرِ، فحازه عليهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)} .

يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} الذي ردَّ اللَّهُ

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 73 مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 192 إلى ابن مردويه.

(2)

سقط من: م، وفي ت 2، ت 3:"ما".

(3)

في ت 2، ت 3:"لمحمد".

ص: 515

عز وجل على رسولِه من أموالِ مشركي القُرى.

واختلَف أهلُ العلمِ في الذي عُنِي بهذه الآيةِ من الأموالِ

(1)

؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك الجِزْيةُ والخَرَاجُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن مالكِ بنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثان، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} حتى بلَغ: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]. ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} الآية [الأنفال: 41]. ثم قال: هذه الآيةُ لهؤلاءِ. ثم قرَأ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} حتى بلَغ: {لِلْفُقَرَاءِ} ، {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ} ، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ}. ثم قال: اسْتَوْعَبَت هذه الآيةُ المسلمين عامةً، فليس أحدٌ إلا له فيها

(2)

حقٌّ. ثم قال: لئن عِشتُ ليأْتِينَّ الراعيَ وهو [بِسَرْوِ حِمْيرَ]

(3)

نَصِيبُه، لم يَعْرَقْ فيها جَبِينُه

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ في قولِه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} . قال

(5)

: بلَغني أنها الجِزْيةُ

(1)

في م: "الألوان".

(2)

سقط من: م، وفي ت 1، ت 2:"منها".

(3)

في م، ت 2، ت 3:"يسير حمره". وسرو حمير: هو منازل حمير بأرض اليمن. معجم البلدان 3/ 86.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 99 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 283 عن معمر به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (41)، وابن زنجويه في الأموال (84، 762)، والبيهقي 6/ 352 من طريق أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 193 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.

(5)

في النسخ: "حتى". والمثبت من مصادر التخريج.

ص: 516

والخَرَاجُ؛ خَرَاجُ أهلِ القُرى

(1)

.

وقال آخرون: عُنِي بذلك الغنيمةُ التي يُصِيبُها المسلمون من عدُوِّهم مِن أهلِ الحربِ بالقتالِ عَنْوةً.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} : ما يُوجِفُ عليه المسلمون بالخيلِ والرِّكاب، وفُتِح بالحَرْبِ عَنْوةً {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. قال: هذا قَسْمٌ آخرُ فيما أُصِيب بالحَرْبِ بينَ المسلمين، على ما وضَعه اللَّهُ عليه

(2)

.

وقال آخرون: عُنِي بذلك الغنيمةُ التي أَوْجَف عليها المسلمون بالخيلِ والرِّكابِ، وأُخِذت بالغَلَبةِ

(3)

. وقالوا: كانت الغنائمُ في بُدوِّ الإسلامِ لهؤلاءِ الذين سمّاهم اللَّهُ في هذه الآياتِ دونَ المُوجِفين عليها، ثم نُسِخ ذلك بالآيةِ التي في سورةِ "الأنفالِ".

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 284 عن معمر به، وذكره القرطبي في تفسيره 18/ 12 بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 192 إلى ابن المنذر.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 194.

(3)

في ت 2، ت 3:"بالغيلة".

ص: 517

قولِه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} . قال: كان الفَيءُ في هؤلاءِ، ثم نُسِخ ذلك في سورةِ "الأنفالِ"، فقال:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41]. فنَسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها في سورةِ "الحَشْرِ"

(1)

، [وجُعِل الخُمُسُ لمن]

(2)

كان له الفَيءُ في سورةِ "الحشرِ"، وكانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماسٍ؛ [فأَرْبعةُ أخماسٍ]

(2)

لمن قاتل عليها، ويُقْسَمُ الخُمُسُ الباقي على خمسةِ أخماسٍ؛ فخُمُسٌ للَّهِ وللرسولِ، وخُمُسٌ لقرابةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في حياتِه، وخُمُسٌ لليتامى، وخُمُسٌ للمساكين، وخُمُسٌ لابنِ السبيلِ، فلما قضَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وجَّه أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما هذين السَّهْمين؛ سَهْمَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وسَهْمَ قرابتِه، فحمَلا عليه في سبيلِ اللَّهِ، صدقةً عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

وقال آخرون: عُنِي بذلك ما صالَح عليه أهلُ الحَرْبِ المسلمين من أمواِلهم. وقالوا: قولُه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآيات، بيانُ قَسْمِ المالِ الذي ذكَره اللَّهُ في الآيةِ التي قبلَ هذه الآيةِ، وذلك قولُه:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . وهذا قولٌ كان يقولُه بعضُ المُتفقِّهةِ مِن المتأخرين.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنَّ هذه الآيةَ حكمُها غيرُ حكمِ الآيةِ التي قبلَها، وذلك أنَّ الآيةَ التي قبلَها مالٌ جعَله اللَّهُ عز وجل لرسولِه صلى الله عليه وسلم خاصةً دونَ غيرِه، لم

(1)

في م، ت 1:"الأنفال".

(2)

سقط من: ت 2، ت 3.

(3)

تقدم تخريجه في 11/ 189، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 192، 193 إلى عبد بن حميد.

ص: 518

يَجْعَلْ لأحدٍ فيه نصيبًا، وبذلك جاء الأثرُ عن عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن مالكِ بن أَوْسِ بنِ الحَدَثانِ، قال: أَرْسَلَ إليَّ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه، فدخَلْتُ عليه، فقال: إنَّه قد حضَر أهلُ أبياتٍ مِن قومِك، وإنا قد أَمَرْنا لهم برَضْخٍ

(1)

، فاقْسِمه بينهم. فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، مُرْ بذلك غيري. قال: اقْبِضْه أيُّها المرءُ. فبينما أنا كذلك، إذ جاء يَرْفَأُ، مولاه، فقال: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، والزبيرُ، وعثمانُ، وسعدٌ يَسْتأْذِنون. فقال: ائذَنْ لهم. ثم مكَث ساعةً، ثم جاء فقال: هذا عليٌّ والعباسُ يَسْتأْذِنان. فقال: ائذَنْ لهما. فلما دخل العباسُ قال: يا أميرَ المؤمنين، اقْضِ بيني وبينَ هذا الغادِرِ الخائنِ الفاجرِ

(2)

. [وهما جاءا]

(3)

يَخْتصِمان فيما أفاء اللَّهُ على رسولِه من أعمالِ بني النَّضيرِ، فقال القومُ: اقْضِ بينهما يا أميرَ المؤمنين وأَرِحْ كلَّ واحدٍ منهما من صاحبِه، فقد طالَت خصومتُهما. فقال: أنشُدُكم اللَّهَ الذي بإذنِه تقومُ السماواتُ والأرضُ، أَتعلَمون أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"لا نُورَثُ، ما تَرَكْناه صَدَقَةٌ"؟ قالوا: قد قال ذلك. ثم قال لهما: أتعلَمان أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: نعم؛ قال: فسأُخْبِرُكم بهذا الفَيءِ؛ إِنَّ اللَّهَ خصَّ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بشيءٍ لم يُعْطِه غيرَه، فقال:{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . فكانت هذه لِرَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خاصةً، فواللَّهِ ما احتازها دونَكم، ولا استأْثَر بها دونَكم، ولقد قسَمها عليكم حتى بَقِي منها هذا المالُ، فكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ على أهلِه منه سَنَتَهم، ثم يَجْعَلُ ما بَقِي في مالِ اللَّهِ

(4)

.

(1)

الرّضْخ: العطية القليلة. النهاية 2/ 228.

(2)

في ص، ت 2، ت 3:"العاجز".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وهم أحسد".

(4)

أخرجه النسائي (11575) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه أبو داود (2984) من طريق ابن =

ص: 519

فإذا كانت هذه الآيةُ التي قبلَها مضَت، وذُكِر المالُ الذي خصَّ اللَّهُ به رسولَه صلى الله عليه وسلم، ولم يَجْعَلْ لأحدٍ معه شيئًا، وكانت هذه الآيةُ خبرًا عن المالِ الذي جعَله اللَّهُ لأصنافٍ شتَّى - كان معلومًا بذلك أن المالَ الذي جعَله لأصنافٍ مِن خَلْقِه غيرُ المالِ الذي جعَله للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصةً ولم يَجْعَلْ له شريكًا.

وقولُه: {وَلِذِي الْقُرْبَى} . يقولُ: ولذى قرابةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن بني هاشمٍ وبني المطلِبِ، {وَالْيَتَامَى} وهم أهلُ الحاجةِ مِن أطفالِ المسلمين الذين لا مالَ لهم، {وَالْمَسَاكِينِ} وهم الجامِعون فاقةً وذلَّ المسألةِ، {وَابْنِ السَّبِيلِ} وهم المُنْقَطَعُ بهم من المسافرين في غيرِ معصيةِ اللَّهِ عز وجل.

وقد ذكَرْنا الروايةَ التي جاءت عن أهلِ التأويلِ بتأويلِ ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا

(1)

.

وقولُه: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجعَلنا ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من أهل القُرى لهذه الأصنافِ؛ كيلا يكونَ ذلك الفَيْءُ دُولةً يَتَداوَلُه الأغنياءُ منكم بينهم؛ يَصْرِفُه هذا مرَّةً في حاجاتِ نفسِه، وهذا مرَّةً في أبوابِ البرِّ وسُبُلِ الخيرِ، فيَجْعَلون ذلك حيث شاءوا، ولكننا سَنَنّا فيه سنَّةً لا تُغَيَّرُ ولا تُبَدَّلُ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبي جعفرٍ

= ثور به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (17)، وأحمد 1/ 482 (425)، وأبو عوانة (6668)، وابن حبان (6608)، والبيهقي 6/ 298 من طريق معمر به، وأخرجه البخاري (4885)، ومسلم (1757)، وأبو داود (2963)، والترمذي (1610) من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 193 إلى عبد بن حميد.

(1)

ينظر ما تقدم في 2/ 192، 193، 3/ 82 - 84، 11/ 193 - 196، 509 - 516، 20/ 495 - 502.

ص: 520

القارئِ: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً} نصبًا على ما وصَفْتُ من المعنى، وأنَّ في {يَكُونَ} ذكرَ الفَيْءِ. وقولُه:{دُولَةً} . نَصْبٌ؛ خبرُ {يَكُونَ} . وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ القارئُ: (كَيْلا يَكُونَ دُولَةٌ) على رفعِ الدُّوْلةِ

(1)

، مرفوعةٌ بـ (يكون)، والخبرُ قولُه:{بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} . وبضمِّ الدَّالِ مِن: {دُولَةً} . قرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ، غيرَ أنه حُكِي عن أبي عبدِ الرحمنِ الفَتْحُ فيها

(2)

.

وقد اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ذلك إذا ضُمَّتِ الدَّالُ أو فُتِحَت؛ فقال بعضُ الكوفيِّين: معنى ذلك إذا فُتِحَت: الدَّوْلةُ، وتكونُ للجيشينِ

(3)

يَهْزِمُ هذا هذا، ثم يُهْزَمُ الهازِمُ، فيقالُ: قد رجَعت الدَّولةُ على هؤلاءِ. قال: والدُّولةُ برفعِ الدَّالِ: في المُلْكِ والسنين التي تُغَيَّرُ وتُبدَّلُ على الدَّهْرِ، فتلك الدُّولةُ والدُّولُ (2). وقال بعضُهم: فَرْقُ ما بينَ الضمِّ والفَتْحِ أنَّ الدُّولةَ هي اسمُ الشيءِ الذي يُتداوَلُ بعينِه، والدَّولةَ الفِعْلُ.

والقراءةُ التي لا أَسْتَجيزُ غيرَها في ذلك: {كَيْ لَا يَكُونَ} بالياءِ، {دُولَةً} بضمِّ الدَّالِ ونَصْبِ الدُّولةِ، على المعنى الذي ذكَرْتُ في ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ عليه

(4)

، والفَرْقُ بين الدُّولةِ والدَّولةِ بضمِّ الدَّالِ وفَتْحِها ما ذكَرْتُ عن الكوفيِّ في ذلك.

(1)

قراءة نصب {دولةً} وبالياء في {يكون} هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وقراءة رفع (دولةٌ) وبالتاء في (تكون) هي قراءة أبي جعفر المدني وحده. ينظر النشر 2/ 288.

(2)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 145.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 3:"للجيش".

(4)

القراءتان كلتاهما صواب؛ لأنهما متواترتان.

ص: 521

وقولُه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما أَعطاكم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مما أفاء اللَّهُ عليهِ مِن أهلِ القُرى فخُذُوه، {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} من الغُلُولِ وغيرِه مِن الأمورِ

(1)

، {فَانْتَهُوا} . وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ نحوَ قولِنا في ذلك، غير أنَّه كان يُوجِّهُ معنى قولِه:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} إلى: ما آتاكم مِن الغنائمِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . قال: يُؤتيهم الغنائمَ ويمنَعُهم الغُلُولَ

(2)

.

وقولُه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} . يقولُ: وخافوا اللَّهَ، واحْذَروا عقابَه في خلافِكم على رسولِه، بالتقدُّمِ على ما نهاكم ومعصيتِكم إيَّاه، {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ شديدٌ عقابُه لِمن عاقَبه من أهلِ معصيتِه لرسولِه صلى الله عليه وسلم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: كيلا يكونَ ما

(3)

أفاء اللَّهُ على رسولِه دُولةً بينَ الأغنياءِ منكم، ولكن يكونُ للفقراءِ المهاجرِين.

(1)

بعده في ص، ت 2، ت 3:"وغيره".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 495 من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 194 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"دولة".

ص: 522

وقيل: عُنِي بالمهاجرين مُهاجِرةُ قريشٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} : من قُريظةَ جعَلها لمُهاجِرةِ قريشٍ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وسعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، قالا: كان ناسٌ من المُهاجِرين لأَحدِهم الدارُ والزوجةُ والعبدُ والناقةُ يَحُجُّ عليها ويَغْزُو، فنَسَبهم اللَّهُ إلى أنهم فقراءُ، وجعَل لهم سهمًا في الزكاةِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} إلى قولِه: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} . قال: هؤلاء المهاجرون ترَكوا الديارَ والأموالَ والأَهْلِين والعشائرَ، خرَجوا حبًّا للَّهِ ولِرَسولِه، واختاروا الإسلامَ على ما فيه من الشِّدَّةِ، حتى لقد ذُكِر لنا أنَّ الرجلَ كان يَعْصِبُ الحجَرَ على بَطْنِه ليُقِيمَ به صُلْبَه من الجوعِ، وكان الرجلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرةَ في الشتاءِ ما لَه دِثارٌ غيرُها

(2)

.

وقولُه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} . ومَوْضِعُ {يَبْتَغُونَ} نَصْبٌ؛ لأنَّه في موضعِ الحالِ.

وقولُه: {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . يقولُ: ويَنْصُرون دينَ اللَّهِ الذي بَعث به

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 20.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 194 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 523

رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم.

وقولُه: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} . يقولُ هؤلاءِ الذين وصَف صِفتَهم مِن الفقراءِ المهاجرين هم الصادقون فيما يقولون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} . يقولُ: اتخَذوا المدينةَ مدينةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، فابْتَنَوها منازلَ، {وَالْإِيمَانَ} باللَّهِ ورسولِه، {مِنْ قَبْلِهِمْ}. يعني: مِن قبلِ المُهاجرِين، {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}: يُحِبُّونَ مَن تَرَكَ مَنْزِلَه وانتقَل إليهم مِن غيرِهم. وعُني بذلك: الأنصارُ يُحِبُّون المهاجرين.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . قال: الأنصارُ؛ نَعَتَ - قال محمدُ بنُ عمرٍو: سَفَاطَةَ أنفسِهم

(1)

. وقال الحارثُ: سَخاوةَ أنفسِهم - عند ما زُوِي

(2)

عنهم مِن ذلك، وإيثارَهم إيَّاهم، ولم يُصِبِ الأنصارَ مِن ذلك

(1)

السَّفيط: الطيب النفس. تاج العروس (س ف ط).

(2)

في النسخ وفي مخطوطة مكتبة المحمودية للدر المنثور: "رؤى"، والمثبت من تفسير مجاهد. وزوى عنه الشيء: صرفه ونحاه. الوسيط (ز و ى).

ص: 524

الفَيْءِ شيءٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} . يقولُ: مما أَعْطَوا إخوانَهم؛ هذا الحيُّ من الأنصارِ، أسلَموا في ديارِهم، فابْتَنَوا المساجدَ

(2)

قبل قُدُومِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ في ذلك، وهاتان الطائفتان الأُولتان مِن هذه الآيةِ

(3)

أَخَذتا بفَضْلِهما، ومضَتا على مَهْلِهما، وأَثْبَت اللَّهُ حظَّهما في الفَيءِ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . قال: هؤلاءِ الأنصارُ يُحِبُّون من هاجَر إليهم مِن المهاجِرين

(5)

.

وقولُه: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا يَجِدُ الذين تَبَوَّءوا الدارَ مِن قبلِهم، وهم الأنصارُ، {فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً}. يعني: حسدًا، {مِمَّا أُوتُوا}. يعني: ممَّا أُوتِي المهاجِرون مِن الفَيْءِ. وذلك لِما ذُكِر لنا من أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَسَم أموالَ بني النَّضيرِ بينَ المهاجرين الأوَّلين دونَ الأنصارِ، إلا رجلَيْن مِن الأنصارِ، أعطاهما لفقرِهما، وإنما فِعْلُ ذلك [لرسولِ اللَّهِ]

(6)

صلى الله عليه وسلم خاصةً.

(1)

تفسير مجاهد ص 652، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 195 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، بلفظ: "

ما رأى من ذلك

".

(2)

بعده في النسخ: "والمسجد". والمثبت من الدر المنثور.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الأمة".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 195 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 563، وابن كثير في تفسيره 8/ 95.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"رسول الله".

ص: 525

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إِسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ، أنه حدَّث أن بني النَّضيرِ خلَّوا الأموالَ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فكانت النَّضيرُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خاصةً، يضَعُها حيثُ يشاءُ، فقَسَمها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المهاجرِين الأوَّلين دونَ الأنصارِ، إلا أنَّ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ وأبا دُجَانَةَ سِمَاكَ بنَ خَرَشَةَ ذكَرا

(1)

فقرًا، فأعطاهما رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} : المهاجِرون. قال: وتكلَّم في ذلك - يعني: أموال بني النضيرِ - بعضُ مَن تكلَّم مِن الأنصارِ، فعاتَبهم اللَّهُ عز وجل في ذلك فقال:{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . قال: وقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لهم: "إِنَّ إخوانَكم قد تَرَكوا الأموالَ والأولادَ وخرَجوا إليكم". فقالوا: أموالُنا بينَهم

(3)

قطائِعُ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أوَ غيرَ ذلك"؟ قالوا: وما ذلك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "هم قومٌ لا يَعْرِفون العملَ، فتَكْفُونهم وتُقاسِمونهم الثَّمَرَ". فقالوا: نعم يا رسولَ اللَّهِ

(4)

.

وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا}

(1)

في م: "ذكر".

(2)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 3/ 442 عن المصنف، والأثر في سيرة ابن هشام 2/ 192. وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 554.

(3)

في تفسير ابن كثير: "بيننا".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 96.

ص: 526

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} . قال: الحسدَ

(1)

.

قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: حاجةً فِي صُدورِهم. قال: حسدًا في صدورِهم.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.

وقولُه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه وهو يَصِفُ الأنصارَ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرِين: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} . يقولُ: ويُعْطُون المهاجِرين أموالَهم، إيثارًا لهم بها على أنفسِهم، {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. يقولُ: ولو كان بهم حاجةٌ وفاقةٌ إلى ما آثَروا به مِن أموالِهم على أنفسِهم.

والخَصَاصَةُ مصدرٌ، وهي أيضًا اسمٌ، وهو كلُّ ما تخلَّلْته ببصرِك، كالكَوَّةِ والفُرْجةِ في الحائطِ، تُجْمَعُ: خَصاصاتٌ وخَصَاصٌ، كما قال الراجِزُ:

قد عَلِمَ المُقاتِلاتُ

(2)

كَفْحَا

(3)

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 94، وابن حجر في تغليق التعليق 4/ 337 من طريق شعبة به. وأخرجه عبد الرزاق - كما في فتح الباري 8/ 632 - ، وعنه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 337 - عن معمر عن قتادة عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 195 إلى ابن المنذر.

(2)

في ت 2، ت 3:"المقابلات"، وفي ص غير منقوطة.

(3)

في م، ت 1:"هجا"، وفي ت 2:"لفحا"، وفي ت 3:"لهحا". وكَفَحه كَفْحا: لقيه مواجهة. اللسان (ك ف ح).

ص: 527

والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْحَا

(1)

لَأَرْوينَّها

(2)

دَلْجًا أَوْ مَتْحَا

(3)

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَضِيفَه، فلم يكنْ عندَه ما يُضِيفُه، فقال:"أَلا رجلٌ يُضِيفُ هذا، رحمه الله"؟ فقام رجلٌ مِن الأنصارِ يقالُ له: أبو طَلْحةَ. فانطَلَق به إلى رَحْلِه، فقال لامرأتِه: أَكْرِمي ضيفَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفئِي المصباحَ، وأَرِيه بأنك تأْكُلِين معه، واتْرُكيه لِضَيْفِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَفعَلتْ، فنزَلت:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فُضَيْلِ بنِ

(5)

غَزْوانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ بات به ضَيْفٌ، فلم يكنْ عندَه إلا قوتُه وقوتُ صِبْيانِه، فقال لامْرأَتِه: نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفِئي المصباحَ، وقرِّبي للضيفِ ما عندَك. قال: فنزَلت هذه الآيةُ

(6)

.

(1)

في م: "لمجا".

(2)

في م: "لأورينها".

(3)

في م: "منجا"، وفي ت 1، ت 2، ت 3:"منحا". ومتح الماءَ: نزعه واستخرجه. والدَّلْج: أن يأخذ الدالج - وهو الساقي - الدلو من البئر ويمشي بها إلى الحوض فيفرغها فيه. ينظر الوسيط (د ل ج، م ت ح).

(4)

أخرجه مسلم (2054/ 173) عن أبي كريب به.

(5)

في م: "عن". وهو خطأ.

(6)

أخرجه مسلم (2054)، والترمذي (3304) عن أبي كريب به. وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 350، والنسائي في الكبرى (11582) من طريق وكيع به. وأخرجه البخاري (4889)، وأبو =

ص: 528

{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وقاه اللَّهُ شُحَّ نفسِه، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المُخَلَّدون في الجنةِ. والشُّحُّ في كلامِ العربِ: البُخْلُ ومَنْعُ الفَضْلِ من المالِ، ومنه قولُ عمرِو بنِ كُلثُومٍ

(1)

:

تَرَى اللَّحِزَ

(2)

الشَّحِيحَ إِذا أُمِرَّتُ

عليه لمالِه فيها مُهِينا

يعني بالشَّحِيحِ البَخِيلَ، يقالُ: إِنَّه لشَحِيحٌ بَيِّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ. وفيه شَحَّةٌ شديدةٌ وشَحَاحَةٌ.

وأما العلماءُ فإنهم يَرَوْن أنَّ الشُّحَّ في هذا الموضعِ إنما هو أَكْلُ أموالِ الناسِ بغيرِ حقٍّ.

[ذكرُ من قال ذلك]

(3)

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن أشعثَ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن أبيه، قال: أتى رجلٌ ابنَ مسعودٍ فقال: إني أخافُ أنْ أكونَ قد هلَكتُ. قال: وما ذاك؟ قال: أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} ، وأنا رجلٌ شَحِيحٌ، لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدِي شيءٌ. قال: ليس ذاك بالشُّحِّ الذي ذكَر اللَّهُ في القرآنِ

(4)

؛ الشُّحُّ أنْ تأكُلَ مالَ أخيك ظلمًا، ذلك البُخْلُ، وبئس

= إسحاق الحربي في إكرام الضيف (78)، والبيهقي في الأسماء والصفات (979) من طريق فضيل به مطولا، وأخرجه الحاكم 4/ 130 من طريق أبي حازم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 195 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(1)

شرح القصائد السبع الطوال ص 373.

(2)

اللحز: الضَّيِّق البخيل. وقيل: السيئ الخلق اللئيم. المصدر السابق.

(3)

سقط من: م.

(4)

بعده في م: "إنما".

ص: 529

الشيءُ البُخْلُ.

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن جامعٍ، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إني أخْشَى أنْ

(1)

تكونَ أصابَتْني هذه الآيةُ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، واللَّهِ ما أُعْطِي شيئًا أَسْتَطِيعُ مَنْعَه. قال: ليس ذلك بالشُّحِّ، إنما الشُّحُّ أنْ تأكلَ مالَ أخيك بغيرِ حقِّه، ولكن ذلك البُخْلُ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي الهَيَّاحِ الأَسَديِّ، قال: كنتُ أطوفُ بالبيتِ، فرأَيتُ رجلًا يقولُ: اللهمَّ قِني شُحَّ نفسي. لا يزيدُ على ذلك، فقلتُ له، فقال: إني إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسِي لم أَسْرِقْ، ولم أَزْنِ، ولم أَفعَلْ شيئًا. وإذا الرجلُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الدِّمَشْقِيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، قال: ثنا مُجَمِّعُ بنُ جاريةَ الأنصاريُّ، عن عمِّه يزيدَ بنِ جاريةَ الأنصاريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: "بَرِئَ مِن الشُّحِّ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ألا".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 98 من طريق الأعمش به. وأخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور 6/ 196 ومن طريقه الطبراني (9060) - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 98 - والحاكم 2/ 490، والبيهقي في شعب الإيمان (10841)، من طريق جامع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 196 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(3)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 41/ 283 (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق) من طريق سعيد بن جبير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 196 إلى ابن المنذر.

ص: 530

مَن أدَّى الزكاةَ، وقَرَى الضيفَ، وأَعْطَى في النائبةِ"

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا زِيادُ بنُ يونسَ أبو سلامةَ، عن نافعِ بنِ عمرَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو

(2)

، قال: إن نَجَوتُ مِن ثلاثٍ طَمِعْتُ أَن أَنْجُوَ. قال عبدُ اللَّهِ بنُ صفوانَ: ما هنَّ، أُنْبِيك فيهنَّ؟ قال: أُخْرِجُ المالَ العظيمَ، فأُحْرِزُه

(3)

صُرَرًا

(4)

، ثم أقولُ: أُقرِضُ ربي هذا

(5)

الليلةَ. ثم تَعُودُ نفسِي فيه، حتى أُعِيدَه مِن حيثُ أَخْرجْتُه، وإن نَجَوْتُ مِن شَأْنِ عثمانَ. قال ابنُ صفوانَ: أما عثمانُ [فقُتِل يومَ قُتِل وأنت تُحِبُّ قَتْلَه وتَرْضاه، فأنت ممَّن قتَله]

(6)

، وأما أنت فرَجُلٌ لم يَقِكَ اللَّهُ شُحَّ نفسِك. قال: صَدَقْتَ

(7)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} . قال: مَن وُقِيَ شُحَّ نفسِه فلم يأخُذْ مِن الحرامِ شيئًا ولم يَقْرَبُه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ أن يَحْبِسَ مِن الحلالِ شيئًا، فهو مِن المُفْلِحين، كما قال اللَّهُ عز وجل.

وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَنْ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 98 عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (10842) من طريق محمد بن إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 197 إلى ابن مردويه.

(2)

في م: "عمر".

(3)

في ص، ت 1:"فأحرنه"، وفي م، ت 2، ت 3:"فأخرجه". والصواب ما أثبتناه إن شاء الله.

(4)

في م: "ضرارا"، وفي ت 1، ت 2، ت 3:"ضررا".

(5)

في م، ت 2، ت 3:"هذه".

(6)

كذا في ص، م، وفي ت 2:"فقتل يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه ممن قتله"، وفي ت 3:"فقتل يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه". وعلى كلٍّ فالمتن فيه نكارة. ففي مصدرى التخريج: "إن كنت رضيت قتله فقد شركت في دمه". ويشهد لهذا المتن ما ورد في تاريخ دمشق 37/ 174، 175، 178 من قول عبد الله بن عمرو:"فلما كان يوم صفين أقسم عليّ - أي أبوه عمرو - فخرجت. أما والله، ما كثرت لهم سوادا، ولا اخترطت لهم سيفا، ولا طعنت، برمح، ولا رميت بسهم". وقال: "

فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطع أباك ما دام حيا، ولا تعصه". فأنا معكم - أي مع أبيه ومعاوية رضي الله عنهما ولست أقاتل".

(7)

أخرجه ابن سعد في الطبقات 4/ 266 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 37/ 182 (طبعة مؤسسة الرسالة) - من طريق ابن أبي مليكة بنحوه. =

ص: 531

يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}. قال: مَن لم يأْخُذْ شيئًا لشيءٍ نهاه اللَّهُ عنه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ على أنْ يمنعَ شيئًا من شيءٍ أمَره اللَّهُ به، فقد وقاه شُحَّ نفسِه، فهو مِن المُفْلِحين

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين جاءوا من بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرين الأوَّلين {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} . مِن الأنصارِ. وعُنِي بالذين جاءوا مِن بعدِهم المهاجرون، أنهم يَسْتَغْفِرون لإخوانِهم مِن الأنصارِ.

وقولُه: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} يعني: غِمْرًا

(2)

وضِغْنًا.

وقيل: عُنِي بالذين جاءُوا مِن بعدِهم: الذين أَسْلموا مِن بعدِ الذين تبوَّءُوا الدارَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} . قال: الذين أَسْلموا نُعِتوا أيضًا

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم ذكَر اللَّهُ الطائفةَ الثالثةَ، فقال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا

= والأمر الثالث والذي لم يذكر في رواية المصنف هو يوم صفين كما في مصدري التخريج.

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 78، والقرطبي في تفسيره 18/ 30.

(2)

الغِمْر: الحقد والغل. الوسيط (غ م ر)

(3)

تفسير مجاهد ص 653. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 198 إلى عبد بن حميد.

ص: 532

وَلِإِخْوَانِنَا}، حتى بلَغ:{إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} إنما أُمروا أن يَسْتَغْفِرُوا لأصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولم يُؤْمَروا بسَبِّهم. وذُكِر لنا أنَّ غلامًا لحاطبِ بن أبي بَلْتعةَ جاء نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطبٌ في حيِّ النارِ. قال:"كَذَبْتَ، إنه شَهِد بدرًا والحُدَيْبيةَ". وذُكِر لنا أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه أَغْلَظ لرجلٍ مِن أهلِ بدرٍ، فقال نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وما يُدْريك يا عمرُ؟ لَعَلَّه قد شَهِد مَشْهدًا اطَّلَع اللَّهُ فيه إلى أهلِه، فأَشْهَدَ ملائِكتَه: إنِّي قد رَضِيتُ عن عبادِي هؤلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا". فما زال بعدَها

(1)

مُنْقَبِضًا من أهلِ بدرٍ، هائبًا لهم. وكان عمرُ رضي الله عنه يقولُ: وإلى أهلِ بدرٍ تَهالك المُتَهالِكون. وهذا الحيُّ مِن الأنصارِ، أحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} . قال: لا تُورِثْ قلوبَنا غِلًّا لأحدٍ مِن أهلِ دينِك.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كان الناسُ على ثلاثِ منازِلَ؛ المهاجرون الأوَّلون، والذين اتَّبَعُوهم بإحسانٍ، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، وأحسَنُ ما يكونُ أنْ نكونَ

(3)

بهذه المَنْزِلَةِ

(4)

.

(1)

في م: "بعضنا".

(2)

حديث حاطب أخرجه عبد الرزاق في المصنف (20418) عن معمر، عن قتادة، عمن سمع الحسن، وابن أبي شيبة 12/ 155، وأحمد 23/ 89 (14771)، ومسلم (2195)، والترمذي (3864)، والنسائي في الكبرى (8296)، وابن أبي عاصم في السنة (236)، وابن حبان (4799)، والبيهقي في الدلائل 3/ 153 من حديث جابر بن عبد الله.

(3)

في م، ت 2، ت 3:"يكون"، وفي ص غير منقوطة.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1868 من طريق عبد الرحمن به.

ص: 533

وقولُه: {لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُهُ مُخْبِرًا عن قيلِ الذين جاءُوا مِن بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ أنَّهم قالوا: لا تَجْعَلْ في قلوبِنا غِلًّا لأحدٍ من أهلِ الإيمانِ بك يا ربَّنا.

وقولُه: {إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . يقولُ: إنك ذو رأْفةٍ بخلْقِك، وذو رحمةٍ بمن تاب واسْتَغْفَر مِن ذنوبِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم تَنْظُرْ بعينِ قلبِك يا محمدُ، فتَرَى إلى الذين نافَقوا، وهُم فيما ذُكِر؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ووَدِيعةُ، ومالكُ [بنُ أبي قَوْقلٍ]

(1)

، وسُويدٌ، وداعِسٌ، بَعَثوا إلى بني النَّضيرِ حينَ نزَل بهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم للحَرْبِ: أن اثْبُتُوا وتمنَّعوا، فإنا لن نُسْلِمَكم، وإنْ قوتِلْتم قاتَلْنا معكم، وإن أُخْرِجْتم

(2)

خرَجْنا معكم. فتربَّصوا لذلك مِن نصرِهم، فلم يَفْعَلوا، وقذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرعبَ، فسألوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يُجْلِيَهم

(3)

ويَكُفُّ عن دمائِهم، على أن لهم ما حمَلَت الإبلُ مِن أموالِهم إلا الحَلْقةَ.

حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ

(4)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"ابنا قوقل"، وفي م، ت 3:"ابنا نوفل". والمثبت مما تقدم في ص 500.

(2)

في م: "خرجتم".

(3)

في ت 2، ت 3:"يخليهم".

(4)

تقدم تخريجه في ص 498.

ص: 534

وقال مجاهدٌ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} . قال: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ، ورِفاعةُ أو رَافعةُ بنُ تابوتَ - وقال الحارثُ: رِفاعةُ بنُ تابوتَ، ولم يشكَّ فيه -، وعبدُ اللَّهِ بنُ نَبْتَلَ، وأَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} . يعني عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ وأصحابَه، ومن كان منهم على مِثلِ أَمْرِهم

(2)

.

وقولُه: {يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} . يعني بني النَّضيرِ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} . يعني بني النَّضيرِ

(2)

.

وقولُه: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} . يقولُ: لئِن أُخْرِجْتم مِن ديارِكم ومنازِلكم، وأُجْلِيتم عنها، {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} ، فنُجْلَى عن منازِلنا وديارِنا معكم.

(1)

تفسير مجاهد ص 653، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 199 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 199 إلى ابن مردويه، والأثر في سيرة ابن هشام 2/ 194، عن ابن إسحاق.

ص: 535

وقولُه: {وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا} . يقولُ: ولا نُطِيعُ أحدًا سأَلَنا خِذْلانَكم، وتَرْكَ نُصْرتِكم، ولكنا نكونُ معكم، {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ}. يقولُ: وإن قاتَلكم محمدٌ صلى الله عليه وسلم ومَن معه لنَنْصُرنَّكم معشرَ النَّضيرِ عليهم.

وقولُه: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} . يقولُ: واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ هؤلاء المنافقين الذين وعَدُوا بني النَّضيرِ النُّصْرةَ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {لَكَاذِبُونَ} في وَعْدِهم إيَّاهم ما وَعَدُوهم مِن ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لئن أُخرِج بنو النَّضيرِ مِن ديارِهم، فأُجْلُوا عنها لا يَخْرُجُ معهم المنافقون الذين وعَدُوهم الخروجَ من ديارِهم، ولئِن قاتَلهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم لا يَنْصُرُهم المنافقون الذين وعَدُوهم النَّصرَ، ولئِن نَصَر المنافقون بني النَّضيرِ ليُولُّنَّ الأدبارَ مُنْهَزِمين عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، هاربين منهم قد خَذَلوهم، {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ}. يقولُ: ثم لا يَنْصُرُ اللَّهُ بني النَّضيرِ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، بل يَخْذُلُهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ

(1)

بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)}.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لأَنْتُم أيُّها

(1)

هنا، وفيما يأتي، في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"جدار"، وهي قراءة كما سيأتي.

ص: 536

المؤمنون أشدُّ رهبةً في صدورِ اليهودِ مِن بني النَّضيرِ، {مِنَ اللَّهِ}. يقولُ: هم يَرْهَبُونكم

(1)

أَشدَّ مِن رَهْبتِهم مِن اللَّهِ، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: هذه الرهبةُ التي لكم في صدورِ هؤلاءِ اليهودِ، التي هي أشدُّ مِن رهبتِهم مِن اللَّهِ، مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَفْقَهون قدرَ عظمةِ اللَّهِ؛ فهم لذلك يَسْتَخِفُّون بمعاصيه، ولا يَرْهَبُون عقابَه، قدرَ رهبتِهم

(2)

منكم.

وقولُه: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يُقاتِلُكم هؤلاء - يهودُ بني النَّضيرِ - مُجْتمِعين، إلا في قرًى مُحصَّنةٍ بالحصونِ، لا يَبْرُزُون لكم بالبَرازِ، {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}. يقولُ: أو مِن خَلْفِ حيطانٍ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ والمدينةِ: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} على الجِماعِ، بمعنى الحيطانِ. وقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ:(مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ) على التوحيدِ، بمعنى الحائطِ

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ

وقولُه: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: عداوةُ بعضِ هؤلاءِ الكفارِ مِن اليهودِ بعضًا شديدةٌ، {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا} . يعني المنافقين وأهلَ الكتابِ، يقولُ: تَظُنُّهم مُؤْتلفِين مُجْتَمِعةً كلمتُهم، {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}. يقولُ: وقلوبُهم مختلفةٌ؛ لمعاداةِ بعضِهم بعضًا.

(1)

في م: "يرهبونهم".

(2)

في ص، م، ت 2، ت 3:"رهبته".

(3)

وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وبالجمع قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 705.

ص: 537

وقولُه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: هذا الذي وصَفْتُ لكم مِن أمرِ هؤلاءِ اليهودِ والمنافقين، وذلك تَشَتُّتُ أهوائِهم، ومعاداةُ بعضِهم بعضًا؛ مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَعْقِلون ما فيه الحظُّ لهم، مما فيه عليهم البَخْسُ والنَّقْصُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} . قال: تَجِدُ أهلَ الباطلِ مختلفةً شهادتُهم، مختلفةً أهواؤُهم، مختلفةً أعمالُهم، وهم مُجْتَمِعون في عداوةِ أهلِ الحقِّ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} . قال: المنافقون يُخالِفُ دينُهم دينَ النَّضيرِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} . قال: هم المنافقون وأهلُ الكتابِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 199 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

تفسير مجاهد ص 653. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 199 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 538

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، مثلَ ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ:{تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} . قال: المشركون وأهلُ الكتابِ

(1)

.

وذُكر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ)

(2)

، بمعنى: أشدُّ تَشَتُّتًا. أي: أشدُّ اختلافًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ هؤلاءِ اليهودِ مِن بني النَّضيرِ والمنافقين فيما اللَّهُ صانعٌ بهم، من إحلالِ عقوبتِه بهم، {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}. يقولُ: كَشَبَهِهم.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بالذين مِن قَبلِهم؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك بنو قَيْنُقَاعٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . يعني بني قَيْنُقاعٍ

(3)

.

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 9/ 569.

(2)

ذكرها القرطبي في تفسيره 18/ 36، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 250. وهي قراءة شاذة. مختصر الشواذ ص 155.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 101.

ص: 539

وقال آخرون: عُنِي بذلك مشركو قريشٍ ببدرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} . قال: كفارِ قريشٍ

(1)

.

وأولى الأقوال بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهَ عز وجل مَثَّل

(2)

هؤلاءِ الكفارَ مِن أهلِ الكتابِ - مما

(3)

هو مُذِيقُهم مِن نَكالِه - بالذين مِن قَبلِهم، مِن مُكذِّبي رسولِه صلى الله عليه وسلم، الذين أهلَكهم بسَخَطِه، وأمْرُ بني قَيْنُقاعٍ ووقْعَةُ بدرٍ كانا قبلَ جلاءِ بني النَّضيرِ، وكلُّ أولئك قد ذاقوا وبالَ أمرِهم، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ عز وجل منهم بعضًا في تمثيلِ هؤلاءِ بهم دونَ بعضٍ، وكلٌّ ذائقٌ وبالَ أَمرِه، فمن قَرُبَت مدَّتُه منهم قَبلَهم فهُم ممثَّلون بهم فيما عُنُوا به مِن المثَلِ.

وقولُه: {ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} . يقولُ: نالهم عقابُ اللَّهِ على كفرِهم به.

وقولُه: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . يقولُ: ولهم في الآخرةِ مع ما نالهم في الدنيا مِن الخزِي، {عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يعني: مُوجِعٌ.

وقولُه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ هؤلاءِ المنافقين الذين

(1)

تفسير مجاهد ص 653، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 199 إلى ابن المنذر.

(2)

بعده في ت 2، ت 3:"مثل".

(3)

في ت 2، ت 3:"بما".

ص: 540

وعَدوا اليهودَ من النَّضيرِ النُّصرةَ إنْ قُوتِلوا، أو الخُرُوجَ معهم إِنْ أُخْرِجُوا، ومَثَلُ النَّضيرِ في غرورِهم إيَّاهم بإخلافِهم الوعْدَ، وإسلامِهم إيَّاهم عندَ شدَّةِ حاجتِهم إليهم، وإلى نُصْرتِهم إيَّاهم - كمثَلِ الشيطانِ الذي غَرَّ إنسانًا، ووعَده على اتِّباعِه وكفرِه باللَّهِ، النُّصْرةَ عندَ حاجتِه

(1)

إليه، فكفَر باللَّهِ واتَّبَعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نصْرتِه أسلَمه وتبرَّأ منه، وقال له: إني أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين في نُصْرَتِك.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في الإنسانِ الذي قال اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه: {إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ} . أهو إنسانٌ بعينِه، أَمْ أُرِيد به المَثَلُ لمَن فعَل الشيطانُ ذلك به؟ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك إنسانٌ بعينِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ نَهِيكٍ، قال: سمِعتُ عليًّا رضي الله عنه يقولُ: إنَّ راهبًا تعبَّد سِتِّين سنةً، وإنَّ الشيطانَ أراده فأَعْياه، فعَمَد إلى امرأةٍ فأَجَنَّها، ولها إخْوةٌ، وقال لإخْوتِها: عليكم بهذا القِسِّ فيُداوِيَها. فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عندَه، فبينما هو يومًا عندَها إذ أَعْجَبَتْه، فأتاها فحَمَلت، فعَمَد إليها فقتَلها، فجاء إخوتُها، فقال الشيطانُ للراهبِ: أنا صاحبُك، إنك أَعْيَيْتَني، أنا صنَعْتُ بك هذا فَأَطِعْني أُنْجِك مما صنَعْتُ بك، اسْجُدْ لي سجدةً. فسجَد له، فلمَّا سجَد له، قال: إني بَرِيءٌ منك، إني أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين. فذلك قولُه:{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}

(2)

.

(1)

في م: "الحاجة".

(2)

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 5/ 213 من طريق النضر بن شميل به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره =

ص: 541

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ

(1)

، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في هذه الآيةِ:{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} . قال: كانت امرأةٌ تَرْعَى الغنمَ، وكان لها أربعةُ إخوةٍ، وكانت تَأْوِي بالليلِ إلى صومعةِ راهبٍ. قال: فنزَل الراهبُ، ففجَر بها، فحمَلَت، فأَتاه الشيطانُ، فقال له: اقْتُلْها ثم ادفِنْها، فإنك رجلٌ مُصَدَّقٌ يُسْمَعُ قولُك

(2)

. فقتَلها ثم دفَنها، قال: فأتى الشيطانُ إخوتَها في المنامِ، فقال لهم: إن الراهبَ صاحبَ الصومعةِ فجَر بأُخْتِكم، فلمَّا أَحْبَلها قتَلها، ثم دفَنها في مكانِ كذا وكذا. فلما أَصْبَحوا قال رجلٌ منهم: واللَّهِ لقد رأَيْتُ البارحةَ رُؤْيا ما أَدْرِي أَقُصُّها عليكم أم أترُكُ؟ قالوا: لا، بل قُصَّها علينا. قال: فقصَّها، فقال الآخرُ: وأنا واللَّهِ، لقد رأيتُ ذلك. قالوا

(3)

: فما هذا إلا لشيءٍ. فانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهم على ذلك الراهبِ، فأَتَوه، فأنزَلوه ثم انْطَلَقوا به، فلَقِيَه الشيطانُ فقال: إني أنا الذي أَوْقَعْتُك في هذا، ولن يُنْجِيَك منه غيري، فاسجُدْ لي سجدةً واحدةً وأنا أُنْجِيك مما أوْقَعْتُك فيه. قال: فسجَد له، فلما أَتَوا به مَلِكَهم تبرَّأ منه، وأُخِذ فقُتِل

(4)

.

= 2/ 285 من طريق أبي إسحاق عن نهيك بن عبد الله به، وعنه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب (4143) - والحاكم 2/ 484، والبيهقي في الشعب (5450)، وعندهم "حميد بن عبد الله" بدلا من "عبد الله بن نهيك". ينظر الجرح والتعديل 5/ 183، 8/ 497، وتهذيب الكمال 16/ 231، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 199 إلى أحمد - في الزهد - وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(1)

في م: "زيد". ينظر تهذيب الكمال 8/ 12.

(2)

في م: "كلامك".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"قال".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 200 إلى المصنف.

ص: 542

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ} إلى: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} . قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: كان راهبٌ مِن بني إسرائيلَ يعبُدُ اللَّهَ فيُحسِنُ عبادتَه، وكان يُؤْتَى مِن كلِّ أرضٍ فيُسْئلُ عن الفقهِ، وكان عالمًا، وإنَّ ثلاثةَ إخوةٍ كانت لهم أختٌ حسنةٌ مِن أحسنِ الناسِ، وإنَّهم أرادوا أن يُسافِروا، فكبُر عليهم أن يُخلِفوها ضائعةً، فجعَلوا يَأْتَمرون ما يفعَلون بها، فقال أحدُهم: أدُلُّكم على مَن تَتْرُكونها عندَه؟ قالوا: مَن هو؟ قال: راهبُ بني إسرائيلَ؛ إن ماتت [قام عليها]

(1)

، وإن عاشت حَفِظها حتى تَرْجِعوا إليه. فعَمَدوا إليه فقالوا: إنا نريدُ السفرَ، ولا نجدُ أحدًا أوثقَ في أنفسِنا، ولا أحفَظَ لما وُلِّي منك لما جُعِل عندك، فإِنْ رأَيْتَ أنْ نجعَلَ أُخْتَنا عندَك، فإنها ضائعةٌ شديدةُ الوَجَعِ، فإن ماتَتْ فقُمْ عليها، وإن عاشَتْ فأَصْلِحْ إليها حتى نرجِعَ. فقال: أَكْفِيكُم إن شاء اللَّهُ. فَانْطَلَقوا، فقام عليها فداواها حتى بَرَأَتْ، وعاد إليها حسنُها، فاطَّلَع إليها، فوجَدها مُتَصَنِّعةً، فلم يَزَلْ به الشيطانُ يُزَيِّنُ له أنْ يَقَعَ عليها حتى وقَع عليها، فحمَلَتْ، ثم ندَّمه الشيطانُ، فزَيَّن له قَتْلَها، قال: إنْ لم تَقْتُلُها افْتَضَحْتَ، وعُرِف شَبَهُك في الولدِ، فلم يكنْ لك معذرةٌ. فلم يَزَلْ به حتى قتَلها، فلما قَدِم إخوتُها [سأَلوه ما فعَلْتَ؟ قال: ماتت فدَفَنْتُها]

(2)

. قالوا: قد أَحْسَنْتَ. ثم جعَلُوا يَرَوْن في المنامِ، ويُخْبَرون أنَّ الراهبَ هو قتَلها، وأنها تحتَ شجرةِ كذا وكذا، فعَمَدوا إلى الشجرةِ، فوجَدوها تحتَها قد قُتِلَت، فعَمَدوا إليه فأَخَذوه، فقال له الشيطانُ: أنا زيَّنْتُ لك الزنا وقَتْلَها بعدَ الزنا، فهل لك أن أُنْجِيَك؟ قال: نعم. قال: أَفَتُطِيعُني؟ قال: نعم. قال: فاسْجُدْ لي سَجْدَةً واحدةً. فسجَد له ثم قُتِل. فذلك قولُه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي

(1)

في ص: "عليها"، وفي ت 1:"غسلها".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 543

بَرِيءٌ مِنْكَ} الآية

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان رجلٌ مِن بني إسرائيلَ عابدًا، وكان ربما داوى المجانينَ، فكانت امرأةٌ جميلةٌ، فأَخَذها الجنونُ، فجِيء بها إليه، فتُرِكَتْ عندَه، فأَعجَبَتْه، فوقَع عليها فحمَلت، فجاءه الشيطانُ فقال: إِنْ عُلِم بهذا افْتَضَحْتَ، فاقْتُلْها وادفِنْها في بيتِك. فقَتَلها ودفَنَها

(2)

، [فجاء أهلُها بعدَ ذلك بزمانٍ يسألونه، فقال: ماتَتْ. فلم يَتَّهِمُوه لصلاحِه فيهم، فجاءهم الشيطانُ]

(3)

فقال: إنها لم تَمُتْ، ولكنه وقَع عليها، فقتَلها ودفنَها في بيتِه، في مكانِ كذا وكذا. فجاء أهلُها، فقالوا: ما نَتَّهِمُك، فأَخْبِرْنا أين دفَنتَها، ومَن كان معك؟ فوجَدوها حيثُ دفَنها، فأُخِذ وسُجِن، فجاءه الشيطانُ فقال: إنْ كنتَ تريدُ أنْ أُخْرِجَك مما أنت فيه، فتخرُجَ، فاكْفُرْ بِاللَّهِ. فأَطاع الشيطانَ وكفَر باللَّهِ، فأُخِذ وقُتِل، فتبرَّأ الشيطانُ منه حينَئذٍ، قال: فما أَعْلَمُ هذه الآيةَ إلا نزَلت فيه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}

(4)

.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناسُ كلُّهم. وقالوا: إنما هذا مثلٌ ضُرِب للنَّضيرِ في غرورِ المنافقين إيَّاهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 199، 200 إلى ابن أبي حاتم.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 3:"وقال لأهلها قد ماتت".

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 284 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 200 إلى عبد بن حميد.

ص: 544

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ} : عامةُ الناسِ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فكان عُقْبى أمرِ الشيطانِ والإنسانِ الذي أطاعه، فكفَر باللَّهِ، أَنَّهما خالدان في النارِ، ماكثان فيها أبدًا، {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. يقولُ: وذلك ثوابُ اليهودِ مِن النضيرِ، والمنافقين الذين وعَدُوهم النصرةَ، وكلِّ كافرٍ باللَّهِ، ظالمٍ لنفسِه على كفرِه به، أنهم في النارِ مُخَلَّدون.

واختلَف أهلُ العربيةِ في وجْهِ نصبِ قولِه: {خَالِدَيْنِ فِيهَا} ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نُصِب على الحالِ، و {فِي النَّارِ}: الخبرُ، قال: ولو كان في الكلامِ لكان الرفعُ أجودَ في {خَالِدَيْنِ} . قال: وليس قولُهم: إذا جئتَ مرَّتين. فهو نصبٌ لشيءٍ، إنما فيها توكيدٌ، جئتَ بها أو لم تَجِئْ بها، فهو سواءٌ، إلا أنَّ العربَ كثيرًا ما تَجْعَلُه حالًا إذا كان فيها للتوكيدِ وما أشبهه في غيرِ مكانٍ، قال:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [البينة: 6]. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ

(2)

: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: (فَكَانَ عاقِبَتُهُمَا أَنَّهُمَا

(3)

خَالِدَان

(4)

[فِي النَّارِ)]

(5)

. قال: وفي {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ

(1)

تفسير مجاهد ص 653، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 201 إلى عبد بن حميد.

(2)

معاني القرآن للفراء 3/ 146.

(3)

بعد في م، ت 2:"في النار".

(4)

في النسخ: "خالدين". والمثبت من معاني القرآن 3/ 146، وينظر البحر المحيط 8/ 250.

(5)

في ت 2: "فيها". وقراءة ابن مسعود شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

ص: 545

فِيهَا}. نصبٌ؛ قال: ولا أَشْتَهِي الرفعَ وإن كان يجوزُ، فإذا رأيتَ الفعلَ بين صِفَتَيْن قد عادَت إحداهما على موضعِ الأخرى نَصَبْتَ، فهذا من ذلك. قال: ومثلُه في الكلامِ قولُكَ: مررتُ برجلٍ على بابِه

(1)

مُتَحَمِّلًا به. ومثلُه قولُ الشاعرِ

(2)

:

والزَّعْفَرانُ على تَرائِبِها

شَرِقًا به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ

لأنَّ الترائبَ هي اللَّبَّاتُ ههنا، فعادت الصفةُ باسمِها الذي وقَعَت عليه، فإذا اختلَفتِ الصفتان جاز الرفعُ والنصبُ على حُسْنٍ؛ مِن ذلك قولُك: عبدُ اللَّهِ في الدارِ راغبٌ فيك. ألا تَرَى أنَّ "في" التي في الدارِ مخالفةٌ لـ "في" التي تكونُ في الرغبةِ، قال: والحجةُ ما يُعرَفُ به النصبُ مِن الرفعِ أنْ لا تَرَى الصفةَ الآخرةَ تَتَقدَّمُ قبلَ الأولى؛ ألا تَرَى أنك تقولُ: هذا أخوك

(3)

[في يدِه درهمٌ قابضًا عليه. فلو قُلْتَ: هذا أخوك]

(4)

قابضًا عليه في يدِه درهمٌ. لم يَجُزْ، ألا تَرَى أنك تقولُ: هذا رجلٌ قائمٌ إلى زيدٍ في يدِه درهمٌ. فهذا يدُلُّ على

(5)

المنصوبِ إذا امتَنَع تقديمُ الآخرِ، ويدُلُّ على الرفعِ إذا سَهُل تقديمُ الآخرِ.

وقولُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدُوه، اتَّقوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه

وقولُه: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} . يقولُ: وليَنْظُرْ أحدُكم ما قدَّم ليومِ القيامةِ مِن الأعمالِ، أَمِن الصالحاتِ التي تُنْجِيه أم من السيئاتِ التي تُوبِقُه؟

(1)

في م: "نابه".

(2)

ذكره الفراء في معاني القرآن 3/ 146 غير منسوب، وينظر البحر المحيط 8/ 453.

(3)

بعده في ص، ت 1:"قابضا عليه".

(4)

سقط من: ت 2، ت 3.

(5)

بعده في م: "أن".

ص: 546

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} : ما زال ربُّكم يُقرِّبُ الساعةَ حتى جعَلها كغدٍ، وغدٌ يومُ القيامةِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} . يعني يومَ القيامةِ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} . يعني يومَ القيامةِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ قولَ اللَّهِ عز وجل:{وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} . يعني يومَ القيامةِ؛ الخيرَ والشرَّ، قال: والأمسُ في الدنيا، وغدٌ في الآخرِة. وقرَأ:{كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24]. قال: كأن لم تَكُنْ في الدنيا

(2)

.

وقولُه: {اتَّقُوا اللَّهَ} . يقولُ: وخافوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِكم خيرِها وشرِّها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مجازِيكم على جميعِها

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 285 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 201 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 250 مختصرًا.

ص: 547

أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تكونوا كالذين تَرَكوا أداءَ حقِّ اللَّهِ الذي أَوْجَبه عليهم {فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} . يقولُ: فأَنْساهم اللَّهُ حظوظَ أنفسِهم من الخيراتِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} . قال: نَسُوا حقَّ اللَّهِ، {فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}. قال: حظَّ أنفسِهم

(1)

.

وقولُه: {أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء الذين نَسُوا اللَّهَ، {هُمُ الْفَاسِقُونَ}. يعني: الخارجون من طاعةِ اللَّهِ إلى معصيتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَعْتَدِلُ أهلُ النارِ وأهلُ الجنةِ، أهلُ الجنةِ هم الفائزون، يعني أنَّهم المُدْرِكون ما طلَبوا وأرادوا، والناجون مما حَذِروا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)} .

وقولُه: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ

(1)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 251.

ص: 548

اللَّهِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لو أنزَلنا هذا القرآنَ على جبلٍ - وهو حجرٌ - لرأَيْتَه [يا محمدُ]

(1)

، {خَاشِعًا}. يقولُ: متذلِّلًا، {مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} على قساوتِه، حَذَرًا مِن ألا يُؤدِّيَ حقَّ اللَّهِ المُفْتَرَضَ

(2)

في تعظيمِ القرآنِ، وقد أُنزِل على ابنِ آدمَ، وهو بحقِّه مُستَخِفٌّ، وعنه و

(3)

عما فيه من العِبَرِ والذكْرِ مُعْرِضٌ، كأنْ لم يَسْمَعْها، كأَنَّ في أُذُنَيه وقرًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} إلى قولِه: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} . قال: يقولُ: لو أني أنزَلتُ هذا القرآنَ على جبلٍ حمَّلْتُه إِيَّاه، تَصَدَّع وخشَع مِن ثِقَلِه ومِن خشيةِ اللَّهِ. فأمَر اللَّهُ عز وجل الناسَ إذا أُنزِل عليهم القرآنُ، أنْ يأْخُذُوه بالخشيةِ الشديدةِ والتَّخَشُّعِ. قال: كذلِك يَضْرِبُ اللَّهُ الأمثالَ للنَّاسِ لَعَلَّهم يتفَكَّرون

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} الآية: يَعْذِرُ اللَّهُ الجبلَ الأصمَّ، ولم يَعْذِرْ شَقِيَّ ابنِ آدمَ، هل رأَيْتم أحدًا قطُّ تصدَّعَتْ

(1)

سقط من: ت 2، ت 3.

(2)

بعده في م: "عليه".

(3)

سقط من: م.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 104، عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه إلى المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 201 إلى المصنف وابن مردويه.

ص: 549

جوانِحُه

(1)

مِن خشيةِ اللَّهِ

(2)

؟!

[وقولُه]

(3)

: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأشياءُ تُشَبِّهُها للناسِ. وذلك تعريفُه جلَّ ثناؤُه إيَّاهم أنَّ الجبالَ أشدُّ تعظيمًا لحقِّه منهم مع [قساوتِها وصلابتِها]

(4)

.

وقولُه: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} . يقولُ: يضربُ اللَّهُ لهم هذه الأمثالَ ليتفكَّروا فيها، فيُنِيبوا وينقادوا للحقِّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)} .

يعني

(5)

تعالى ذكرُه: الذي يَتَصَدَّعُ مِن خشيتِه الجبلُ أيُّها الناسُ، هو المعبودُ الذي لا تَنْبغي العبادةُ والألوهةُ إلا له، عالمُ غيبِ السماواتِ والأرضِ، وشاهدُ ما فيها مما

(6)

يُرى ويُحَسُّ، {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}. يقولُ: هو رحمنُ الدنيا والآخرةِ، رحيمٌ بأهلِ الإيمانِ به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)} .

(1)

في ت 1: "جوارحه". والجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر. واحدته جانحة. القاموس المحيط (ج ن ح).

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 104.

(3)

سقط من: م.

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"قساوته وصلابته".

(5)

في م: "يقول".

(6)

في ت 2، ت 3:"ما".

ص: 550

يقولُ تعالى ذكرُه: هو المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، المَلِكُ الذي لا مَلِكَ فوقَه، ولا شيءَ إلا دونَه، {الْقُدُّوسُ}. قيل: هو المباركُ.

وقد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ معنى التقديسِ بشواهدِه، وذكرتُ اختلافَ المختلفِين فيه بما أَغْنى عن إعادتِه

(1)

.

ذكرُ مَن قال: عُنِي به المباركُ

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الْقُدُّوسُ} . أي: المباركُ

(2)

.

وقولُه: {السَّلَامُ} . يقولُ: هو الذي يَسْلَمُ خَلْقُه مِن ظُلْمِه. وهو اسمٌ مِن أسمائِه.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{السَّلَامُ} . اللَّهُ السلامُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، يعني العَتَكِيَّ، عن جابرِ بنِ زيدٍ قولَه:{السَّلَامُ} . قال: هو اللَّهُ.

وقد ذكرْتُ الروايةَ فيما مضى، وبيَّنتُ معناه بشواهدِه، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه

(4)

.

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 505 - 507.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 105. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (78) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 202 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 285 عن معمر به.

(4)

ينظر ما تقدم في 8/ 265، 12/ 153، 154.

ص: 551

وقولُه: {الْمُؤْمِنُ} . يعني بالمؤمنِ الذي يُؤمِّنُ خَلْقَه مِن ظُلْمِهِ.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الْمُؤْمِنُ} : آمن لقولِه أنه حقٌّ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْمُؤْمِنُ} : آمَن

(2)

لقولِه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{الْمُؤْمِنُ} . قال: المُصدِّقُ.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الْمُؤْمِنُ} . قال: المؤمنُ المُصَدِّقُ المُوقِنُ؛ آمن الناسُ بربِّهم

(4)

فسمَّاهم مؤمنين، وآمن الربُّ الكريمُ لهم بإيمانِهم؛ صدَّقهم أن يسمِّي بذلك الاسمِ

(5)

.

وقولُه: {الْمُهَيْمِنُ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: المهيمنُ: الشهيدُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (78) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

في م: "بقوله أنه حق". والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 285 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 202 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في ت 2، ت 3:"ربهم".

(5)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 87، وابن كثير في تفسيره 8/ 105.

ص: 552

في قولِه: {الْمُهَيْمِنُ} . قال: الشهيدُ

(1)

.

وقال مرَّةً أخرى: الأمينُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{الْمُهَيْمِنُ} . قال: الشهيدُ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الْمُهَيْمِنُ} . قال: أنزَل اللَّهُ عز وجل كتابًا فشَهِد عليه

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْمُهَيْمِنُ} . قال: الشهيدُ عليه

(5)

.

وقال آخرون: {الْمُهَيْمِنُ} : الأمينُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{الْمُهَيْمِنُ} : الأمينُ

(6)

.

وقال آخرون: {الْمُهَيْمِنُ} : المصدِّقُ.

(1)

تقدم تخريجه في 8/ 486.

(2)

تقدم تخريجه في 8/ 488.

(3)

تفسير مجاهد ص 654.

(4)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (78) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 285 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 202 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 105 بمعناه.

ص: 553

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الْمُهَيْمِنُ} . قال: المُصدِّقُ لكلِّ ما حدَث. وقرَأ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} . قال: فالقرآنُ مُصدِّقٌ على ما قبلَه مِن الكتبِ، واللَّهُ مصدِّقٌ في كلِّ ما حدَّث عما مضى مِن الدنيا، وما بَقِي، وما حدَّث عن الآخرةِ

(1)

.

وقد بيَّنتُ أولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فيما مضى قبلُ في سورةِ "المائدةِ"، بالعللِ الدالةِ على صحتِه، فأَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

وقولُه: {الْعَزِيزُ} : الشديدُ في انتقامِه، ممَّن انتقم مِن أعدائِه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الْعَزِيزُ}

(3)

: في نقمتِه إِذا انْتَقم.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْعَزِيزُ} : في نقمتِه إِذا انْتَقَم

(4)

.

وقولُه: {الْجَبَّارُ} . يعني: المُصْلِحُ أمورَ خَلْقِه، المُصرِّفُهم فيما فيه صلاحُهم. وكان قتادةُ يقولُ: جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ مِن أمرِه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْجَبَّارُ} . قال: جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ

(4)

.

(1)

تقدم تخريجه في 8/ 490.

(2)

ينظر ما تقدم في 8/ 485 - 491.

(3)

بعده في ص، م، ت 1:"أي".

(4)

جزء من أثر تقدم تخريجه في ص 552.

ص: 554

وقولُه: {الْمُتَكَبِّرُ} . قيل: عُنِي به أنه تكبَّر عن كلِّ شرٍّ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الْمُتَكَبِّرُ} . قال: تكبَّر عن كلِّ شرٍّ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إِنَّ اسمَ اللَّهِ الأعظمَ هو اللَّهُ، أَلم تَسْمَعْ يَقولُ:{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ}

(2)

.

[وقولُه]

(3)

: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . يقولُ: تبرئةً للَّهِ وتنزيهًا له عن شركِ المشركين به

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: هو المعبودُ الخالقُ، الذي لا معبودَ تصلُحُ له العبادةُ غيرُه، ولا خالقَ سِواه، البارئُ الذي بَرَأ الخلْقَ، فأوجَدهم بقدرتِه، المصوِّرُ خَلْقَه كيف شاء، وكيف يشاءُ.

(1)

جزء من أثر تقدم تخريجه في ص 552.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 49.

(3)

سقط من: م، ت 3.

ص: 555

وقولُه: {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ الأسماءُ الحسنى، وهي هذه الأسماءُ التي سمَّى اللَّهُ بها نفسَه، التي ذكَرها في هاتين الآيتين، {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. يقولُ: يسبِّحُ

(1)

له جميعُ ما في السماواتِ والأرضِ، ويسجُدون

(2)

له طوعًا وكرهًا، {وَهُوَ الْعَزِيزُ}. يقولُ: وهو الشديدُ الانتقامِ من أعدائِه، {الْحَكِيمُ} في تدبيرِه خَلْقَه، وصرفِهم فيما فيه صلاحُهم.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الحشرِ"

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يصلح".

(2)

في م: "يسجد".

ص: 556

‌تفسيرُ سورةِ "الممتحنةِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

(1)}.

قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم: يأيُّها الذين آمنوا لا تتخِذُوا عدوِّي مِن المشركين وعدوَّكم، {أَوْلِيَاءَ}. يعني: أنصارًا.

وقولُه: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: تُلْقون إليهم مودَّتَكم إيَّاهم. ودخولُ الباءِ في قولِه: {بِالْمَوَدَّةِ} ، وسقوطُها سواءٌ، [وهو]

(1)

نظيرُ قولِ القائلِ: أريدُ بأن تذهبَ. و: أريدُ أن تذهبَ. سواءٌ، وكقولِه:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} [الحج: 25]. والمعنى: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلمٍ. ومن ذلك قولُ الشاعرِ

(2)

:

فَلَمَّا رَجَتْ بالشُّربِ هزَّ لَها العَصَا

(3)

شَحِيحٌ له عندَ الإزاءِ نَهيمُ

بمعنى: فلما رَجَت الشُّرْبَ.

(1)

سقط من: م.

(2)

تقدم تخريجه في 16/ 506.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 557

{وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} . يقولُ: وقد كفَر هؤلاء المشركون الذين نهيتُكم أن تتَّخِذُوهم أولياءَ بما جاءكم من عندِ اللَّهِ من الحقِّ. وذلك كفرُهم باللَّهِ ورسولِه، وكتابِه الذي أنزَله على رسولِه.

وقولُه: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون رسولَ اللَّهِ وإيَّاكم. بمعنى: ويُخْرِجونكم أيضًا من ديارِكم وأرضِكم. وذلك إخراجُ مشركي قريشٍ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه مِن مكةَ.

وقولُه: {أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون الرسولَ وإيَّاكم من ديارِكم لأنْ آمنتم باللَّهِ.

وقولُه: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، ووجْهُ الكلامِ: يأيُّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا عدوِّي وعدوَّكم أولياءَ تُلْقون إليهم بالمودَّةِ، وقد كفَروا بما جاءكم من الحقِّ إن كنتم خرَجْتم جهادًا في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، يخرِجون الرسولَ وإياكم أن تؤمنوا باللَّهِ ربِّكم.

ويعني بقولِه تعالى ذكرُه: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي} : إن كنتم خرَجْتم مِن ديارِكم، فهاجَرْتم منها إلى مُهاجَرِكم للجهادِ في طريقي الذي شرعْتُه لكم، وديني الذي أمَرْتُكم به، والتماسِ مرضاتي.

وقولُه: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تُسِرُّون أيُّها المؤمنون بالمودَّةِ إلى المشركين باللَّهِ، {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ}. يقولُ: وأنا أعلمُ منكم بما أَخْفى بعضُكم مِن بعضٍ، فأَسرَّه منه، {وَمَا أَعْلَنْتُمْ}. يقولُ: وأعلمُ أيضًا منكم ما أَعْلَنه بعضُكم لبعضٍ، {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن يُسِرَّ منكم إلى المشركين بالمودَّةِ أيُّها المؤمنون {فَقَدْ ضَلَّ} . يقولُ: فقد جار عن قصدِ السبيلِ التي جعَلها اللَّهُ طريقًا

ص: 558

إلى الجنةِ ومحجةً إليها.

وذُكر أنَّ هذه الآياتِ مِن أوَّلِ هذه السورةِ نزَلت في شأنِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، وكان كتَب إلى قريشٍ بمكةَ يُطْلِعُهم على أمرٍ كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قد أَخْفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثارُ والروايةُ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وغيرِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهباريُّ والفضلُ بنُ الصباحِ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن حسنِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أخبَرني عبيدُ اللَّهِ بنُ أبي رافعٍ، قال: سمعتُ عليًّا رضي الله عنه يقولُ: بعثني رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنا والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ والمِقْدادَ - قال الفضلُ: قال سفيانُ: نفرٌ من المهاجرين - فقال: "انْطلِقوا حتى تأْتوا روضةَ خاخٍ، فإن بها ظَعينةً معها كتابٌ، فخذوه منها". فانْطلَقْنا تَتَعادى بنا خيْلُنا، حتى انتهَيْنا إلى الروضةِ، فوجَدْنا امرأةً، فقلنا: أَخْرِجِي الكتابَ. قالت: ليس معي كتابٌ. قلنا: لتُخْرِجنَّ الكتابَ، أو لنُلْقِيَّن الثيابَ. فَأَخْرَجَتْه مِن عِقاصِها، وأخَذْنا الكتابَ، فانطلقنا به إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى ناسٍ بمكةَ يخبرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يا حاطِبُ، ما هذا؟ ". قال: يا رسولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عليَّ، كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، ولم يكنْ لي فيهم قرابةٌ، وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قراباتٌ يَحْمون أهليهم بمكةَ، فأحْبَبْتُ إذ فاتني ذلك مِن النسبِ، أنْ أتَّخِذَ فيها يدًا يَحْمون بها قرابتي، وما فعَلتُ ذلك كفرًا ولا ارْتِدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفرِ بعدَ الإسلامِ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"قد صَدَقَكم". فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، دعني أضْرِبْ عنقَ هذا المنافقِ. فقال: "إنَّه قد شَهِد بدرًا، وما يُدْريك لعلَّ اللَّهَ

ص: 559

قد اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم، فقد غفَرْتُ لكم". زاد الفضلُ في حديثِه: قال سفيانُ: ونزَلت فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} إلى قولِه: {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَريِّ الطائيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: لما أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يأتيَ مكة، أسرَّ إلى ناسٍ من أصحابِه أنه يريدُ مكةَ، فيهم حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ، وأفشَى في الناسِ أنه يريدُ خيبرَ، فكتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يريدُكم. قال: فبعَثني النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبا مَرْثَدٍ، وليس منا رجلٌ إلا وعندَه فرسٌ، فقال:"ائتوا روضةَ خاخٍ، فإنكم ستَلْقَون بها امرأةً ومعها كِتابٌ، فخُذُوه منها". فَانْطَلَقْنا حتى رأَيْناها بالمكانِ الذي ذكَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقلنا: هاتي الكتابَ. فقالت: ما معي كتابٌ. فوضَعْنا متاعَها وفتَّشْنا، فلم نَجِدْه في متاعِها، فقال أبو مَرْثَدٍ: لعله ألا يكونَ معها. فقلتُ: ما كذَب النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا كُذِب. فقلنا لها

(2)

: أَخْرجِي الكتابَ، وإلا عرَّيْناكِ. قال عمرُو بنُ مرَّةَ: فَأَخْرَجَتْه من حُجْزَتِها. وقال حبيبٌ: أَخْرَجَتْه من قُبُلِهَا. فأتيْنا به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فإذا الكتابُ مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ، فقام عمرُ فقال: خان اللَّهَ ورسولَه، ائذَنْ لِي أَضْرِبْ عنقَه. فقال

(1)

أخرجه الشافعي 2/ 436 (703)، والحميدي (49)، وأحمد 2/ 37 (600)، والبخاري (3007، 4274، 4890)، ومسلم (2494)، وأبو داود (2650)، والترمذي (3305)، والبزار (530)، والنسائي في الكبرى (11585)، وأبو يعلى (394، 395، 398)، وابن حبان (6499)، والبيهقي 9/ 146، وفي الدلائل 5/ 16، 17، وفي الشعب (9371، 9372)، والواحدي في أسباب النزول ص 316، والبغوي في تفسيره 8/ 91 من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 202، 203 إلى عبد بن حميد وأبي عوانة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.

(2)

سقط من: م.

ص: 560

النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أليس قد شَهِد بدرًا؟ ". قال: بلى، ولكنه قد نكَث وظاهَر أعداءَك عليك. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "فلعل اللَّهَ قد

(1)

اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم". ففاضَتْ عينا عمرَ، وقال: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. فأَرْسَل إلى حاطبٍ، فقال: "ما حمَلك على ما صنَعْتَ؟ ". فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، وكان لي بها أهلٌ ومالٌ، ولم يكنْ مِن أصحابِك أحدٌ إلا وله بمكةَ مَن يمنَعُ أهلَه ومالَه، فكتبْتُ إليهم، فذلك، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ وبرسولِه. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "صدَق حاطبٌ، فلا تقولوا لحاطبٍ إلا خيرًا". فقال حبيبُ بنُ أَبي ثابتٍ: فأَنزَل اللَّهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} الآية

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى آخرِ الآيةِ: نزَلت في رجلٍ كان مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ مِن قريشٍ، كتَب إلى أهلِه وعشيرتِه بمكةَ يخبِرُهم وينذِرُهم أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سائرٌ إليهم، فأُخْبِر رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بصحيفتِه، فبعَث إليها عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه، فأتاه بها

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه مِن علمائِنا، قالوا: لما أجمَع رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السيرَ إلى مكةَ، كتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ كتابًا إلى قريشٍ يخبرُهم بالذي أَجْمَع عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن الأمرِ في السيرِ إليهم، ثم أَعْطاه امرأةً - يزعُمُ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

أخرجه أبو يعلى (397)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 110 - من طريق أبي سنان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 203 إلى ابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 203 إلى ابن مردويه.

ص: 561

محمدُ بنُ جعفرٍ أنَّها مِن مُزَيْنَةَ، وزعَم غيرُه أَنَّها سارَةُ؛ مولاةٌ لبعضِ بنِي عبدِ المطلبِ - وجعَل لها جُعْلًا على أن تُبلِّغَه قريشًا، فجعَلتْه في رأسِها، ثم فتَلتْ عليه قرونَها، ثم خرَجَتْ به، وأتى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الخبرُ مِن السماءِ بما صنَع حاطبٌ، فبعَث عليَّ بنَ أبي طالبٍ والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ رضي الله عنهما، فقال:"أَدْرِكا امرأةً قد كتَب معها حاطبٌ بكتابٍ إلى قريشٍ، يُحذِّرُهم ما قد اجْتَمَعْنا له في أَمْرِهم". فخرَجا حتى أَدْرَكاها بالحُليفةِ

(1)

؛ حُلَيفةِ ابنِ أبي أحمدَ، فاستَنْزَلاها، فالتمَسا في رَحْلِها، فلم يَجِدا شيئًا، فقال لها عليُّ بنُ أبى طالبٍ رضي الله عنه: إني أحلِفُ باللَّهِ ما كذب رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتُخْرِجِنَّ إليَّ هذا الكتابَ، أو لنَكْشِفَنَّكِ. فلمَّا رأَت الجِدَّ منه قالت: أَعْرِضْ عني. فأَعْرَض عنها، فحلَّتْ قرونَ رأسِها، فاسْتَخْرَجت الكتابَ، فدفعَتْه إليه، فجاء به إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فدعا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حاطبًا، فقال:"يا حاطبُ، ما حمَلك على هذا؟ ". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، ما غيَّرْتُ ولا بدَّلْتُ، ولكني كنتُ امرأً ليس لي في القومِ أصلٌ ولا عشيرةٌ، وكان لي بينَ أَظْهُرِهم أهلٌ وولدٌ، فصانَعْتُهم. عليهم

(2)

. فقال عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: دعْني يا رسولَ اللَّهِ، فلأضرِبَ عنقَه، فإِنَّ الرجلَ قد نافَق. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وما يُدْرِيك يا عمرُ، لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى

(3)

أصحابِ بدرٍ يومَ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم فقد غَفَرْتُ لكم". فأنزَل اللَّهُ عز وجل في حاطبٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} إلى قولِه:

(1)

في ت 2: "بالخليفة". وفي سيرة ابن هشام: "بالخليقة، خليقة". بضم الخاء المعجمة، ورواه الخشني بفتح الخاء المعجمة فيهما، وفي كتاب ابن إسحاق: بذي الحليفة، حليفة ابن أبي أحمد. بضم الحاء المهملة فيهما وبالفاء. وهو اسم موضع. ينظر شرح غريب السيرة 3/ 76.

(2)

في م: "عليه".

(3)

في ت 2، ت 3، ونسخة من تاريخ المصنف:"على".

ص: 562

{وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} [الممتحنة: 1 - 4] إلى آخرِ القصةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، قال: لما أُنزِلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} . في حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، كتَب إلى كفارِ قريشٍ كتابًا يَنْصَحُ لهم فيه، فأطلَع اللَّهُ نبيَّه عليه الصلاة والسلام على ذلك، فأَرْسَل عليًّا والزُّبيرَ، فقال:"اذهبَا فإنَّكما ستَجِدان امرأةً بمكانِ كذا وكذا، فأْتيا بكتابٍ معها". فانْطَلقا حتى أَدْرَكاها، فقالا: الكتابَ الذي معكِ. قالت: ليس معي كتابٌ. فقالا: واللَّهِ لا نَدَعُ عليك

(2)

شيئًا إلا فتَّشناه، أو تُخْرِجِينه. قالت: أوَ لستم مسلمَين؟ قالا: بلى، ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَخبَرنا أنَّ معكِ كتابًا قد أَيقَنَت أنفسُنا أنه معك. فلما رأَتْ جِدَّهما أخرَجَتْ كتابًا مِن بينِ قرونِها، فذهبا به إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى كفارِ قريشٍ. فدعاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: "أنت كتَبْتَ هذا الكتابَ؟ ". قال: نعم. قال: "ما حمَلك على ذلك؟ ". قال: أمَا واللَّهِ ما ارْتبْتُ في اللَّهِ منذُ أسلمتُ، ولكني كنتُ امرأً غريبًا فيكم أيُّها الحيُّ من قريشٍ، وكان لي بمكةَ مالٌ وبنونَ، فَأَرَدْتُ أن أدْفعَ بذلك عنهم. فقال عمرُ رضي الله عنه: ائذنْ لي يا رسولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عنقَه. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَهْلًا يا بنَ الخطاب، وما يُدريك لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتم فإني غافرٌ لكم". قال الزهريُّ: فيه نزَلت حتى: {غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(3)

[الممتحنة: 7].

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} . إلى قولِه: {بِمَا تَعْمَلُونَ

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 398، 399، وأخرجه المصنف في تاريخه 3/ 48، 49.

(2)

في م، ت 1:"معك".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 286، 287 عن معمر به.

ص: 563

بَصِيرٌ}: في مكاتبةِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ ومَن معه كفارَ قريشٍ يُحَذِّرُونهم

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} . حتى بلَغ: {سَوَاءَ السَّبِيلِ} : ذُكِر لنا أن حاطبًا كتَب إلى أهلِ مكةَ يُخْبِرُهم [سَيرورةَ نبيِّ اللَّهِ]

(2)

صلى الله عليه وسلم إليهم زمنَ الحديبيةِ، فأطلَع اللَّهُ عز وجل نبيَّه عليه الصلاة والسلام على ذلك. وذُكِر لنا أنهم وجَدوا الكتابَ مع امرأةٍ في قرنٍ من رأسِها، فدعاه نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما حمَلك على الذي صنَعتَ؟ ". قال: واللَّهِ ما شكَكتُ في أمرِ اللَّهِ، ولا ارتدَدتُ فيه، ولكنَّ لي هناك

(3)

أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعةَ قريشٍ على أهلي ومالي. وذكِر لنا أنه كان حليفًا لقريشٍ، لم يَكُنْ من أنفسِهم، فأنزَل اللَّهُ عز وجل في ذلك القرآنَ، فقال:{إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

(3)}

يقولُ تعالى ذكرُه: إن يَثقَفْكُم هؤلاء الذين تُسِرُّون أيُّها المؤمنون إليهم بالمودةِ، يكونوا لكم حربًا وأعداءً، ويَبْسُطوا إليكم أيديَهم بالقتالِ، وألسِنَتَهم بالسوءِ.

(1)

سقط من: ت 2، ت 3، وفي م:"يحذرهم".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 205 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "سير النبي".

(3)

في ص، ت 3:"هنالك".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 204 إلى عبد بن حميد، والحديث أخرجه ابن مردويه -كما في الفتح 8/ 636 - من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس.

ص: 564

وقولُه: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} . يقولُ: وتمنَّوا لكم أن تَكْفُروا بربِّكم فتكونوا على مثلِ الذي هم عليه.

وقولُه: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَدْعُوَنَّكم أرحامُكم وقراباتُكم وأولادُكم إلى الكفرِ باللَّهِ، واتخاذِ أعدائِه أولياءَ تُلْقُون إليهم بالمودةِ، فإنه لن تنفَعَكم أرحامُكم ولا أولادُكم عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، فتدفَعَ عنكم عذابَ اللَّهِ يومَئذٍ، إن أنتم عصَيْتُموه في الدنيا وكفَرْتم به.

وقولُه: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} . يقولُ جل ثناؤُه: يَفْصِلُ ربُّكم أَيُّها المؤمنون بينَكم يومَ القيامةِ، بأن يُدْخِلَ أهلَ طاعتِه الجنةَ، وأهلَ معاصِيه والكفرِ به النارَ.

واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ: (يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وفتحِها، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه

(1)

. وقرَأه عامةُ قرَأةِ الكوفةِ خلا عاصمٍ بضمِّ الياءِ وتشديدِ الصادِ وكسرِها

(2)

، بمعنى: يُفَصِّلُ اللَّهُ بينَكم أيُّها القومُ. وقرَأه عاصمٌ بفتحِ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وكسرِها

(3)

، بمعنى: يَفْصِلُ اللَّهُ بينَكم. وقرَأ بعضُ قرَأةِ الشامِ: (يُفَصَّلُ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الصادِ وتشديدِها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه

(4)

.

وهذه القراءاتُ متقارباتُ المعاني، صحيحاتٌ في الإعرابِ، فبأيتِها قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها

(1)

وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبي جعفر. ينظر النشر 2/ 289.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وضمها". وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.

(3)

وهي قراءة يعقوب أيضًا. المصدر السابق.

(4)

وهي رواية ابن ذكوان عن ابن عامر، واختلف عن هشام فروى عنه الحلواني كذلك، وروى عنه الداجوني (يُفْصَلُ). المصدر السابق.

ص: 565

الناسُ ذو علمٍ وبصرٍ، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، هو بجميعِها محيطٌ، وهو مُجازِيكم بها؛ إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، فاتَّقوا اللَّهَ في أنفسِكم واحذَرُوه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قد كان لكم أيُّها المؤمنون {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} . يقولُ: قدوةٌ حسنةٌ، {فِي إِبْرَاهِيمَ} خليلِ الرحمنِ، تَقْتَدون به، {وَالَّذِينَ مَعَهُ} من أنبياءِ اللَّهِ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} . قال: الذين معه الأنبياءُ

(1)

.

وقولُه: {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} . يقولُ: حينَ قالوا لقومِهم الذين كفَروا باللَّهِ وعبَدوا الطاغوتَ: أيُّها القومُ، إنا برآءُ منكم ومن الذين تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ من الآلهةِ والأندادِ.

وقولُه: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه مُخبِرًا عن قيلِ أنبيائِه لقومِهم الكفرةِ: كفَرْنا بكم؛ أنكَرْنا ما كُنتم عليه من الكفرِ باللَّهِ، وجحَدْنا عبادتَكم ما تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ أن تكونَ حقًّا، وظهَر بينَنا وبينَكم العداوةُ والبغضاءُ أبدًا على كفرِكم باللَّهِ،

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 56.

ص: 566

وعبادتِكم ما سِواه، ولا صُلْحَ بينَنا ولا مودَّةَ

(1)

، {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}. يقولُ: حتى

(2)

تُصَدِّقوا باللَّهِ وحدَه، فتوحِّدوه وتُفْرِدوه بالعبادةِ.

وقولُه: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: قد كانت لكم أُسوةٌ حسنةٌ في إبراهيمَ والذين معه في هذه الأمورِ التي ذكَرْناها؛ من مباينةِ الكفارِ ومعاداتِهم، وتركِ موالاتِهم، إلا في قولِ إبراهيمَ لأبيه:{لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} . فإنه لا أُسوةَ لكم فيه في ذلك؛ لأن ذلك كان من إبراهيمَ لأبيه عن موعدةٍ وعدَها إيَّاه، قبلَ أن يَتَبَيَّنَ له أنه عدوٌّ للَّهِ، فلما تَبَيَّن له أنه عدوٌّ للَّهِ تبرَّأ منه. يقولُ تعالى ذكرُه: فكذلك أنتم أيُّها المؤمنون باللَّهِ، فتبرَّءوا من أعداءِ اللَّهِ من المشرِكين به، ولا تتَّخِذوا منهم أولياءَ حتى يُؤْمِنوا باللَّهِ وحدَه، ويتَبرَّءوا من عبادةِ ما سِواه، وأَظْهِروا لهم العداوةَ والبغضاءَ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} . قال: نُهُوا أن يتأَسَّوا باستغفارِ إبراهيمَ لأبيه، فيستَغْفِروا للمشرِكين

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي جعفرٍ، عن مطرِّفٍ

(1)

في م: "هوادة".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

تفسير مجاهد ص 655، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 205 إلى عبد بن حميد.

ص: 567

الحارثيِّ، عن مجاهدٍ:{أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ} . إلى قولِه: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} . يقولُ: في كلِّ أمرِه

(1)

أسوةٌ، إلا

(2)

الاستغفارَ لأبيه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ} الآية. يقولُ: ائتَسُوا به في كلِّ شيءٍ، ما خلا قولَه لأبيه:{لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} . فلا تأتسُوا بذلك منه، فإنَّها كانت عن موعدةٍ وعدَها إياه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} . يقولُ: لا تأسَّوا بذلك، فإنه كان عليه موعدًا، وتأسَّوا بأمرِه كلِّه

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} . إلى قولِه: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} . قال: يقولُ: ليس لكم في هذا أُسوةٌ.

ويعني بقوله: {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} . يقولُ: وما أدفَعُ عنك من اللَّهِ من عقوبةٍ إنِ اللَّهُ عاقبَك على كفرِك به، ولا أُغْنِي عنك منه شيئًا.

وقولُه: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ إبراهيمَ وأنبيائِه صلواتُ اللَّهِ عليهم: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} . يعني: وإليك رجَعْنا بالتوبةِ مما تَكْرَهُ إلى ما تُحِبُّ وتَرْضَى، {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. يقولُ: وإليك مَصِيرُنا ومَرْجِعُنا يومَ تَبْعَثُنا من قبورِنا وتَحْشُرُنا في القيامةِ إلى موقفِ العَرْضِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا

(1)

في ت 2، ت 3:"أمر".

(2)

سقط من: ص، ت 2.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 287 عن معمر به.

ص: 568

إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)}.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ إبراهيمَ خليلِه والذين معه: يا ربَّنا، لا تَجْعَلْنا فتنةً للذين كفَرُوا بك؛ فجحَدوا وحدانيتَك، وعبَدوا غيرَك، بأن تُسلِّطَهم علينا، فيرَوا أنهم على حقٍّ، وأنَّا على باطلٍ، فتجعَلَنا بذلك فتنةً لهم.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه:{لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: لا تُعَذِّبْنا بأيديهم، ولا بعذابٍ من عندِك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حقٍّ ما أصابَهم هذا

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: يقولُ: لا تُظْهِرْهم علينا، فيَفْتتِنوا بذلك؛ يَرَون أنهم إنما ظَهَروا علينا لحقٍّ هم عليه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . يقولُ: لا تُسَلِّطْهم علينا فيَفْتِنونا

(2)

.

وقولُه: {وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا} . يقولُ: واستُرْ علينا ذُنوبنَا؛ بعفوِك لنا عنها

(1)

تفسير مجاهد ص 655، ومن طريقه الفريابي وعبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 337، 338، وأخرجه الحاكم 2/ 485 من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 205 إلى ابن المنذر.

ص: 569

يا ربَّنا، {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. يعني: الشديدُ الانتقامِ ممن انتقَم منه، {الْحَكِيمُ}. يقولُ: الحكيمُ في تدبيرِه خلقَه، وصرفِه إيَّاهم فيما فيه صلاحُهم.

وقولُه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لقد كان لكم أيُّها المؤمنون قدوةٌ حسنةٌ في الذين ذكَرهم؛ إبراهيمَ والذين معه من الأنبياءِ، صلواتُ اللَّهِ عليهم، والرسلِ، {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}. يقولُ: لمن كان منكم يرجو

(1)

ثوابَ اللَّهِ، والنجاةَ في اليومِ الآخرِ.

وقولُه: {وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتولَّ عمَّا أمَره اللَّهُ به وندَبه إليه، منكم ومن غيرِكم، فأعرَضَ عنه وأَدْبَر مُسْتَكبرًا، ووالَى أعداءَ اللَّهِ وأَلْقى إليهم بالمودةِ، فإن اللَّهَ هو الغنيُّ عن إيمانِه به، وطاعتِه إياه، وعن جميعِ خلقِه، الحميدُ عندَ أهلِ المعرفةِ بأيادِيه وآلائِه عندَهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: عسى اللَّهُ أيُّها المؤمنون أن يَجْعَلَ بينَكم وبينَ الذين عاديتم من أعدائي من مشرِكي قريشٍ مودةً. ففعَل اللَّهُ ذلك بهم، بأن أسلَم كثيرٌ منهم، فصاروا لهم أولياءَ وأضْرابًا

(2)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {عَسَى

(1)

بعده في م: "لقاء الله و".

(2)

في م: "أحزابًا".

ص: 570

اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً}. قال: هؤلاء المشرِكون، قد فعَل

(1)

، قد أدخَلهم في السِّلمِ، وجعَل بينَهم مودةً حينَ كان الإسلامُ حينَ الفتحِ

(2)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ قَدِيرٌ} . يقولُ: واللَّهُ ذو قدرةٍ على أن يجعلَ بينَكم وبينَ الذين عاديتُم من المشرِكين مودةً، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: واللَّهُ غفورٌ لخطيئةِ مَن ألقَى إلى المشرِكين بالمودةِ إذا تاب منها، رحيمٌ بهم أن يعذِّبَهم

(3)

بعد توبتِهم

(4)

منها.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ} : على ذلك، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: يغفرُ الذنوبَ الكثيرةَ، رحيمٌ بعبادِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لا ينهاكم اللَّهُ، أيُّها المؤمنون عن الذين لم يُقاتِلوكم في الدينِ من أهلِ مكةَ، {وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}. يقولُ: وتَعْدِلوا فيهم، بإحسانِكم إليهم وبِرِّكم بهم.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها الذين كانوا آمَنوا بمكة ولم يُهاجروا، فأذِن اللَّهُ للمؤمنين ببِرِّهم والإحسانِ إليهم.

(1)

بعده في ت 1: "الله ذلك".

(2)

ينظر التبيان 9/ 579.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يعذبه".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"توبته".

ص: 571

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} : أن تَسْتَغْفِروا لهم وتَبَرُّوهم وتُقْسِطوا إليهم. قال: وهم الذين آمَنوا بمكةَ ولم يُهاجِروا

(1)

.

وقال آخرون: عُنِي بها من غيرِ أهلِ مكةَ مَن لم يُهاجِرْ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطيُّ، قال: ثنا هارونُ بنُ معروفٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ السريِّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عمِّه عامرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، قال: نزَلت في أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، وكانت لها أمٌّ في الجاهليةِ يُقالُ لها: قُتَيلةُ

(2)

ابنةُ عبدِ

(3)

العُزَّى، فأتتها بهدايا؛ ضِبابٍ

(4)

وأقِطٍ

(5)

وسمنٍ

(6)

، فقالت: لا أقبلُ لكِ هديةً، ولا تَدْخُلي عليَّ حتى يَأْذَنَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فذكَرَت ذلك عائشةُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأنزَل اللَّهُ:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} إلى قولِه: {الْمُقْسِطِينَ}

(7)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 655، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 205 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في الكامل: "قيلة". وينظر فتح الباري 5/ 233.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في ص: "ىطى"، وفي م:"وصناب"، وفي الكامل:"بأطباق"، وفي ت 1، ت 2، ت 3:"مطى". والمثبت من بقية مصادر التخريج. والضباب جمع ضَبٍّ، وهو الحيوان المعروف، أما الصناب، فهو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. ينظر اللسان (ض ب ب، ص ن ب).

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"قرط". والأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل. اللسان (أ ق ط).

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"شيء". واختلفت المصادر في هذه الهدايا، ففي بعضها كالمثبت، وقيل: زبيب وسمن وقرظ. وقيل: قرط وأشياء.

(7)

أخرجه ابن عدي في الكامل 6/ 2359 من طريق بشر بن السرى به.

ص: 572

قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن المباركِ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عامرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، قال: قَدِمت قُتيلةُ بنتُ عبدِ

(1)

العزَّى بنِ أسعدَ من بني مالكِ بنِ حسْلٍ، على ابنتِها أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ. فذكَر نحوَه

(2)

.

وقال آخرون: بل عُنِي بها من مُشْرِكي مكةَ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنين ولم يُخْرِجُوهم من ديارِهم. قالوا: ونسَخ اللَّهُ ذلك بعدُ بالأمرِ بقتالِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسألتُه عن قولِ اللَّهِ عز وجل: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} الآية. فقال: هذا قد نُسِخ؛ نسَخه القتالُ، أُمِروا أن يَرْجِعوا إليهم بالسيوفِ ويُجاهِدوهم بها؛ يَضْرِبونهم، وضرَب اللَّهُ لهم أجلَ أربعةِ أشهرٍ؛ إما المذابحةُ وإما الإسلامُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} الآية. قال: نسَختها: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}

(4)

[التوبة: 5].

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 715، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة 1/ 126 من طريق إبراهيم بن الحجاج به، وأخرجه الطيالسي (1744)، وابن سعد 8/ 252، وأحمد 26/ 37 (16111)، والبزار (2208)، وأبو يعلى - كما في المطالب العالية (4151)، والحاكم 2/ 485، وابن بشكوال 1/ 126 من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 205 إلى الطبراني وابن مردويه.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 59.

(4)

أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 485 من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 287 - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص 711 - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 205 إلى ابن المنذر.

ص: 573

وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بذلك: لا يَنْهاكم اللَّهُ عن الذين لم يُقاتِلوكم في الدينِ من جميعِ أصنافِ المللِ والأديانِ، أن تبرُّوهم وتَصِلوهم وتُقْسِطوا إليهم. إِنَّ اللَّهَ عز وجل عمَّ بقولهِ:{الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} جميعَ مَن كان ذلك صفتَه، فلم يَخْصُصْ به بعضًا دونَ بعضٍ. ولا معنَى لقولِ مَن قال: ذلك مَنْسُوخٌ. لأن برَّ المؤمنِ من أهلِ الحربِ ممن بينَه وبينَه قَرابةُ نسبٍ

(1)

، أو ممن لا قَرابةَ بينَه وبينَه ولا نسبَ

(1)

- غيرُ محرَّمٍ ولا منهيٍّ عنه، إذا لم يَكُنْ في ذلك دلالةٌ له أو لأهلِ الحربِ على عورةٍ لأهلِ الإسلامِ، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سلاحٍ. وقد بينَّ صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ الزبيرِ في قصةِ أسماءَ وأمِّها.

وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . يقولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ المنصِفين الذين يُنصِفون الناسَ، ويُعْطونهم الحقَّ والعدلَ من أنفسِهم، فيَبرُّون مَن بَرَّهم، ويُحْسِنون إلى مَن أحسَن إليهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إنما ينهاكم اللَّهُ أيُّها المؤمِنون {عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} من كفارِ أهلِ مكةَ، {وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ}. يقولُ: وعاونوا مَن أخرَجكم من ديارِكم على إخراجِكم، أن تولَّوهم فتكونوا لهم أولياءَ ونصراءَ، {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ}. يقولُ: ومَن يَجْعَلْهم منكم أو من غيرِكم أولياء، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. يقولُ: فأولئك هم الذين تَوَلَّوا غيرَ الذي يجوزُ لهم أن يَتَولَّوهم، ووضَعوا ولا يتَهم في غيرِ موضِعِها، وخالَفوا أمرَ اللَّهِ في ذلك.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"سبب".

ص: 574

وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: {الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} . قال: كفارِ أهلِ مكةَ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يأيُّها الذين آمَنوا إذا جاءكم النساءُ المؤمناتُ مهاجراتٍ من دارِ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، فامْتَحِنوهن. وكانت محنةُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إيَّاهن إذا قَدِمن مهاجراتٍ.

كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن قيسِ بنِ الربيعِ، عن الأغرِّ بنِ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبي نصرٍ

(2)

الأسديِّ، قال: سُئل ابنُ عباسٍ: كيفَ كان امتحانُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النساءَ؟ قال: كان يَمتَحِنُهنَّ: "باللَّهِ ما خرَجتِ من بغضِ زوجٍ، وباللَّهِ ما خرَجتِ رغبةً عن أرضٍ إلى أرضٍ، وباللَّهِ ما خرَجتِ التماسَ دنيا، وباللَّهِ ما خرَجتِ إلا حبًّا للَّهِ ورسولِه؟ "

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 655، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 205 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"نصرة".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 118 عن المصنف، وأخرجه البزار (2272 - كشف)، والحارث بن أبي أسامة (721 - بغية) من طريق قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 208 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

ص: 575

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، عن قيسٍ، قال: أخبَرنا الأغرُّ بنُ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبي نصرٍ، عن ابنِ عباسٍ في:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} . قال: كانت المرأةُ إذا أتَت رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حلَّفها: "باللَّهِ ما خرَجتِ". ثم ذكَر نحوَه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن عائشةَ قالت: ما كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْتَحِنُ المؤمناتِ إلا بالآيةِ التي قال اللَّهُ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} . ولا، ولا

(2)

.

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: كان المؤمناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بقولِ اللَّهِ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} إلى آخرِ الآيةِ. قالت عائشةُ: فمن أقرَّ بهذا من المؤمناتِ فقد أقرَّ بالمحبةِ، فكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا أقرَرْن بذلك من قولِهنَّ قال لهنَّ:"انطلِقْنَ فقد بايعتُكنَّ". ولا واللَّهِ ما مسَّت يدُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قطُّ، غيرَ أنه يُبايِعُهُنَّ بالكلامِ. قالت عائشةُ: واللَّهِ ما أخَذ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على النساءِ قطُّ إلا بما أمَره اللَّهُ عز وجل، وكان يقولُ لهنَّ إذا أخذ عليهنَّ:"قد بايعتُكنَّ". كلامًا

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ}

(1)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 118.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 287 - ومن طريقه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور 6/ 209 وعنه الترمذي (3306)، والبخاري (7214) - عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة.

(3)

أخرجه مسلم (1866)، وابن ماجه (2875) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (2713)، وابن مردويه - كما في تغليق التعليق 4/ 339 - ، والبيهقي 9/ 228 من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.

ص: 576

إلى قولِه: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} : كان امتحانُهنَّ أن يَشْهَدْنَ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه

(1)

ورسولُه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَامْتَحِنُوهُنَّ} . قال: سَلُوهنَّ ما جاء بهنَّ، فإن كان جاء بهنَّ غَضَبٌ على أزواجِهنَّ، أو سخطةٌ، أو غيرُه، ولم يُؤْمِنَّ، فارجِعوهنَّ إلى أزواجِهنَّ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَامْتَحِنُوهُنَّ} . قال: كانت محنتُهنَّ أن يُسْتَحْلَفْنَ باللَّهِ: ما أَخْرَجَكُنَّ النشوزُ، وما أَخْرَجَكُنَّ إلا حبُّ الإسلامِ وأهلِه وحرصٌ عليه؟ فإذا قُلْن ذلك قُبِل ذلك منهنَّ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فَامْتَحِنُوهُنَّ} . قال: يَحْلِفْنَ ما خَرَجْنَ إلا رغبةً في الإسلامِ، وحبًّا للَّهِ ورسولِه

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، أو عكرِمةَ: {إِذَا جَاءَكُمُ

(6)

الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ}. قال: يقالُ: ما جاء بكِ إلا حبُّ اللَّهِ ورسولِه، ولا جاء بكِ عشقُ رجلٍ منَّا، ولا فرارٌ من زوجِك؟ فذلك قولُه:

(1)

في ص، ت 2:"عبد الله".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 207 إلى ابن مردويه.

(3)

تفسير مجاهد ص 655، 656، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 206 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 206، 207 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 288 عن معمر به.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"جاءك".

ص: 577

{فَامْتَحِنُوهُنَّ}

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كانت المرأةُ من المشرِكين إذا غضِبت على زوجِها وكان بينَه وبينَها كلامٌ قالت: واللَّهِ لأُهَاجِرَنَّ إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه. فقال اللَّهُ عز وجل: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} : أن كان الغضبُ أتَى بها فرُدُّوها، وإن كان الإسلامُ أتَى بها فلا تردُّوها

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن بكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: كان امتحانُهنَّ: إنه لم يُخْرِجْكِ إلا الدينُ.

وقولُه: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} . يقولُ: اللَّهُ أعلمُ بإيمانِ مَن جاء من النساءِ مهاجراتٍ إليكم.

وقولُه: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} . يقولُ: فإن أقْرَرنَ عندَ المحنةِ بما يَصِحُّ به عقدُ الإيمانِ لهنَّ والدخولُ في الإسلامِ، فلا تردُّوهنَّ عندَ ذلك إلى الكفارِ. وإنما قيل ذلك للمؤمنين؛ لأن العهدَ كان جرَى بينَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبينَ مُشْرِكي قريشٍ في صلحِ الحديبيةِ أن يرُدَّ المسلمون إلى المشرِكين مَن جاءهم مسلمًا، فأُبطِل ذلك الشرطُ في النساءِ إِذا جِئْنَ مؤمناتٍ مهاجراتٍ فامتُحِنَّ، فوجَدَهن المسلمون مؤمناتٍ، وصحَّ ذلك عندَهم بما قد ذكَرْنا قبلُ، وأُمِروا ألا يَرُدُّوهنَّ إلى المشرِكين إذا عُلِم أنهن مؤمناتٌ، وقال جلَّ ثناؤُه لهم: {فَإِنْ

(3)

عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. يقولُ: لا المؤمناتُ حلٌّ للكفارِ، ولا الكفارُ يَحِلُّون للمؤمناتِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاءت الآثارُ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 208 إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قوله.

(2)

عزاه الحافظ في الفتح 8/ 637 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"فإذا".

ص: 578

ذكرُ بعضِ ما رُوِي في ذلك من الأثرِ

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، قال: دخَلتُ على عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ وهو يَكْتُبُ كتابًا إلى ابنِ أبي هُنَيدٍ

(1)

صاحبِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ، وكتَب إليه يَسْأَلُه عن قولِ اللَّهِ عز وجل:{إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} إلى قولِه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . وكتَب إليه عُرْوةُ بنُ الزُّبيرِ: إن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان صالَحَ قريشًا عامَ الحديبية على أن يَرُدَّ عليهم من جاء بغيرِ إذنِ وليِّه، فلما هاجَر النساءُ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلامِ، أبَى اللَّهُ أن يُرْدَدْنَ إلى المشرِكين إذا هنَّ امتُحِنَّ محنةَ الإسلامِ، فعرفوا أنهن إنما جِئْن رغبةً فيه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)} .

وقولُه: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَعطوا المشرِكين الذين جاءكم نساؤُهم مؤمناتٍ - إذا علِمتُموهنَّ مؤمناتٍ، فلم تَرْجِعوهنَّ إليهم - ما أنفَقوا في نكاحِهم إيَّاهنَّ من الصداقِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

في سيرة ابن هشام: "هنيدة". والمثبت موافق لما في سنن البيهقي. وقال المزي في تهذيب الكمال 17/ 471: عبد الرحمن بن هنيدة، ويقال: ابن أبي هنيدة.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 326، وأخرجه البيهقي 9/ 228، 229 من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن سعد 8/ 12، 13 من طريق ابن أخي الزهري، عن الزهري.

ص: 579

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} إلى قولِه: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . قال: كان امتحانُهن أن يَشْهَدْن ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه. فإذا علِموا أن ذلك حقٌّ منهنَّ لم يَرْجِعوهُنَّ إلى الكفارِ، وأُعْطِيَ بعلُها من الكفارِ الذين عقَد لهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صداقَه الذي أصدَقها

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} : وآتُوا أَزواجَهن صَدُقاتِهن

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} حتى بلَغ: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} : هذا حكمٌ حكَمه اللَّهُ عز وجل بينَ أهلِ الهدَى وأهلِ الضلالةِ، كنَّ إذا فرَرْنَ من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه عهدٌ - إلى أصحابِ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فتزوَّجُوهن، بعَثوا مُهورَهنَّ إلى أزواجِهن من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ

(3)

نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عهدٌ، وإذا فرَرْن من أصحابِ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ فتزوَّجوا

(4)

بعَثوا بمهورِهن إلى أزواجِهن من أصحابِ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(5)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: نزَلت عليه وهو بأسفلِ الحُديبيةِ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم صالَحهم أنه مَن أتاه منهم ردَّه إليهم، فلما جاءَه النساءُ نزَلت عليه هذه الآيةُ، وأمَره أن يَرُدَّ الصداقَ إلى أزواجِهن، وحكَم

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 207 إلى ابن مردويه.

(2)

تفسير مجاهد ص 656، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 206 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أصحاب".

(4)

سقط من: م.

(5)

أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 490 من طريق سعيد به.

ص: 580

على المشرِكين مثلَ ذلك إذا جاءتهم امرأةٌ من المسلمين، أن يرُدُّوا الصداقَ إلى أزواجِهن، فقال:{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} : كان نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عاهَد من المشرِكين ومِن أهلِ الكتابِ، فعاهَدهم وعاهَدوه، وكان في الشرطِ أن يَرُدُّوا الأموالَ والنساءَ، فكان نبيُّ اللَّهِ إذا فاته أحدٌ من أزواجِ المؤمنين، فلحِق بالمعاهِدَةِ تاركًا لدينِه مختارًا للشركِ، ردَّ على زوجِها ما أنفَق عليها، وإذا لحِق بنبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أحدٌ من أزواجِ المشرِكين، امتحنَها نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فسأَلها:"ما أخرَجَكِ من قومِك؟ ". فإن وجَدها خرَجت تريدُ الإسلامَ قبِلها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وردَّ على زوجِها ما أنفَق عليها، وإن وجَدها فرَّت من زوجِها إلى آخرَ بينَها وبينَه قرابةٌ، وهي مُتَمَسِّكَةٌ بالشركِ، ردَّها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى زوجِها من المشرِكين.

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} الآية كلّها. قال: لما هادن رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المشرِكين كان في الشرطِ الذي شُرِط أن تَرُدَّ إلينا مَن أتاك منا، ونرُدَّ إليك مَن أتانا منكم، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَن أتانا منكم فنرُدُّه إليكم، ومن أتاكم منا فاختار الكفرَ على الإيمانِ فلا حاجةَ لنا فيهم". قال: فأبَى اللَّهُ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في النساءِ، ولم يَأْبَه للرجالِ، فقال اللَّهُ عز وجل:{إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} إلى قولِه: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} : أزواجَهن.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 288 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 208 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.

ص: 581

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: كان بينَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم والمشرِكين هدنةٌ في من فرَّ من النساءِ، فإذا فرَّت المشركةُ أعطى المسلمون زوجَها نفقتَه عليها، وكان المسلمون يَفْعَلون، وكان إذا لم يُعْطِ هؤلاء ولا هؤلاء، أخرَج المسلمون للمسلمِ الذي ذهَبت امرأتُه نفقتَها.

وقولُه: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا حرجَ عليكم أيُّها المؤمنون أن تَنْكِحوا هؤلاء المهاجراتِ اللاتي لحِقن بكم من دارِ الحربِ مفارِقاتٍ لأزواجِهن، وإن كان لهن أزواجٌ في دارِ الحربِ، إذا علِمتُموهن مؤمناتٍ، إذا أنتم أعطَيتُموهن أجورَهن. ويعني بالأجورِ: الصَّدُقاتِ.

وكان قتادةُ يقولُ: كنَّ إذا فرَرْن من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه عهدٌ - إلى أصحابِ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فتزوَّجُوهن، بعَثوا بمهورِهن إلى أزواجِهن من المشرِكين، الذين بينَهم وبينَ أصحابِ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ. حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ

(1)

.

وكان الزهريُّ يقولُ: إنما أمَر اللَّهُ بردِّ صداقِهنَّ إليهم إذا حُبِسن عنهم، إن هم ردُّوا على المسلمين صداقَ مَن حَبَسُوا عنهم من نسائِهم. حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} : ولها زوجٌ ثَمَّ؛ لأنه فرَّق بينَهما الإسلامُ إِذا استُبرِئَت

(3)

أرحامُهن.

(1)

تقدم في ص 580.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 326 من قول عروة.

(3)

في م: "استبرأتن".

ص: 582

وقولُه: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لا تُمْسِكوا أيُّها المؤمنون بحبالِ النساءِ الكوافرِ وأسبابِهن.

والكوافرُ جمعُ كافرةٍ، والعِصمُ جمعُ عِصْمَةٍ، وهي ما اعتصَم به من العقدِ والسببِ، وهذا نهيٌ من اللَّهِ للمؤمنين عن الإقدامِ

(1)

على نكاحِ النساءِ المشركاتِ من أهلِ الأوثانِ، وأمرٌ لهم بفراقِهن.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ ومروانَ بنِ الحكمِ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاءه نسوةٌ مؤمناتٌ بعدَ أن كتَب كتابَ القضيةِ بينَه وبينَ قريشٍ، فأنزَل اللَّهُ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} . حتى بلَغ: {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . فطلَّق عمرُ يومَئذٍ امرأتين كانتا له بالشركِ، فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرى صفوانُ بنُ أميةَ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: بَلَغنا أنَّ آيةَ المحنةِ التي مادَّ

(3)

فيها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كفارَ قريشٍ، مِن أجلِ العهدِ الذي كان بينَ كفارِ قريشٍ وبينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَردُّ إلى كفارِ قريشٍ ما

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"المقدام"، وفي ت 3:"القدام".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9720)، والطبراني 20/ 9 (13)، والبيهقي 7/ 171 من طريق معمر به، وينظر ما تقدم في 3/ 362، 363.

(3)

ماد فيها: أي: أطالها. النهاية 4/ 309.

ص: 583

أنفَقوا على نسائِهم اللاتي يُسْلِمْن ويهاجِرْنَ - وبعولتُهُنَّ كفارٌ - للعهدِ الذي كان بينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبينَهم، ولو كانوا حربًا ليست بينَهم وبينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مدَّةٌ وعقدٌ لم يردَّ عليهم شيئًا مما أنفَقوا، وحكَم اللَّهُ للمؤمنين على أهلِ المدَّةِ مِن الكفارِ بمثلِ ذلك، قال اللَّهُ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حتى بلَغ: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . فطلَّق المؤمنون حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ كلَّ امرأةٍ كافرةٍ كانت تحتَ رجلٍ منهم، فطلَّق عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه امرأتَه ابنةَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ مِن بني مخزومٍ، فتزوَّجها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، وابنةَ جَرْوَلٍ مِن خُزَاعةَ، فتزوَّجها أبو جهمِ بنُ حُذافةَ العدوِيُّ، وجعَل اللَّهُ ذلك حُكْمًا حكَم به بينَ المؤمنين والمشركين في هذه المدَّةِ التي كانت

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: وقال الزهريُّ: لما نزَلت هذه الآيةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ} إلى قولِه: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . كان ممن طلَّق عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه امرأتَه قُرَيبةَ ابنةَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ، فتزوَّجها بعدَه معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، وهما على شركِهما بمكةَ، وأمَّ كلثومٍ ابنةَ جَرْوَلٍ الخزاعيةَ، أمَّ عُبَيْدِ

(2)

اللَّهِ بنِ عمرَ، فتزوَّجها أبو جهمِ بنُ حُذافةَ

(3)

بنِ غانمٍ، رجلٌ مِن قومِه، وهما على شركِهما، وطلحةُ بنُ عبيدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ بنِ عمرٍو التيميُّ؛ كانت عندَه أرْوَى بنتُ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، ففرَّق بينَهما الإسلامُ حينَ نَهى القرآنُ عن التمسكِ بعِصمِ الكوافرِ، وكان طلحةُ قد هاجَر وهي بمكةَ على دينِ قومِها، ثم تزوَّجها في الإسلامِ بعدَ طلحةَ [خالدُ بنُ]

(4)

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 207 إلى ابن مردويه.

(2)

في النسخ: "عبد". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تاريخ المصنف 4/ 199، والإصابة 5/ 52، 8/ 292.

(3)

في سيرة ابن هشام، وغوامض الأسماء:"حذيفة". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف.

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"حابس".

ص: 584

سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسٍ، وكان ممن فرَّ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن نساءِ الكفارِ، ممن لم يكنْ بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ، فحبَسها وزوَّجها رجلًا مِن المسلمين، أميمةُ بنتُ بشرٍ الأنصاريةُ، ثم إحدى نساءِ بني أميةَ بنِ زيدٍ مِن

(1)

أوسِ اللَّهِ، كانت عندَ ثابتِ بن الدَّحداحةِ، ففرَّت منه - وهو يومَئذٍ كافرٌ - إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فزوَّجها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سهلَ بنَ حُنيفٍ، أحدَ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فولَدتْ عبدَ اللَّهِ بنَ سهلٍ

(2)

.

حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: قال اللَّهُ: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . قال الزهريُّ: فطلَّق عمرُ امرأتين كانتا له بمكةَ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . قال: أصحابُ محمدٍ، أُمِروا بطلاقِ نسائِهم؛ كوافرَ بمكةَ قعَدْن مع الكفارِ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} : مشركاتِ العربِ اللاتي يأبَيْن الإسلامَ، أُمِر أن يُخَلَّى سبيلُهنَّ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} : إذا كفَرت المرأةُ فلا تُمْسِكوها، خلُّوها، وقعَت الفرقةُ فيما بينَها وبينَ زوجِها حينَ كفَرت.

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3:"بن".

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 327، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 640، وأخرجه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة 2/ 717 من طريق سلمة به. وهو عندهم مختصر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 288 عن معمر به.

(4)

تفسير مجاهد 656، ومن طريقه الفريابي، وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 338 - والبيهقي 7/ 171، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 206 إلى ابن المنذر.

ص: 585

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجازِ والمدينةِ والكوفةِ والشامِ، {وَلَا تُمْسِكُوا} بتخفيفِ السينِ

(1)

. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (تُمَسِّكُوا) بتشديدِها

(2)

، وذُكر أنَّها قراءةُ الحسنِ

(3)

. واعتبر مَن قرَأ ذلك بالتخفيفِ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229].

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، محكيٌّ عن العربِ: أمسكتُ به، ومَسَكْتُ، وتمسَّكْتُ به.

وقولُه: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه لأزواجِ اللواتي لحِقْنَ مِن المؤمنين مِن دارِ الإسلامِ بالمشركين إلى مكةَ مِن كفارِ قريشٍ: واسألوا أيُّها المؤمنون الذين ذهبَتْ أزواجُهم فلحِقْنَ بالمشركين - ما أنفَقتم على أزواجِكم اللواتي لحِقْنَ بهم مِن الصداقِ، مَن تزوَّجهنَّ منهم، وليَسْألْكم المشركون منهم الذين لحِق بكم أزواجُهم مؤمناتٍ، إذا تزوَّجن فيكم، مَن تزوَّجها منكم، ما أنفقوا عليهنَّ مِن الصداقِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أقرَّ المؤمنون بحكمِ اللَّهِ، وأدَّوا ما أُمروا بهِ مِن نفقاتِ المشركين التي أنفقوا على نسائِهم، وأبَى المشركون أن يُقِرُّوا بحكمِ اللَّهِ فيما فُرِض عليهم مِن أداءِ نفقاتِ المسلمين

(4)

.

(1)

وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. ينظر النشر 2/ 289.

(2)

وبها قرأ يعقوب من العشرة. المصدر السابق.

(3)

وهي إحدى الروايات عن الحسن، وبها قرأ مجاهد بخلاف عنه وابن جبير والأعرج، وعن الحسن (تَمَسَّكوا). وبها قرأ ابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ. وعن الحسن (تمسِكوا) بكسر السين مضارع "مسك" ثلاثيا. البحر المحيط 8/ 257.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 121 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 207 إلى ابن مردويه.

ص: 586

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} . قال: ما ذهَب مِن أزواجِ أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى الكفارِ، فلْيُعْطِهم الكفارُ صَدُقَاتِهِنَّ، ولْيُمْسِكوهنَّ، وما ذهَب مِن أزواجِ الكفارِ إلى أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فمثلُ ذلك، في صلحٍ كان بينَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وبينَ قريشٍ

(1)

.

وقولُه: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الحكمُ الذي حكمتُ بينَكم مِن أمرِكم أيُّها المؤمنون بمسألةِ المشركين ما أنفَقتم على أزواجِكم اللاتي لحِقْنَ بهم، وأَمْرِهم بمسأَلتِكم مثلَ ذلك في أزواجِهنَّ اللاتي لحِقْنَ بكم - حكمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بينَكم فلا تَعْتَدُوه، فإنه الحقُّ الذي لا يُسْمعُ غيرُه. فانتهى المؤمنون مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فيما ذُكر، إلى أمرِ اللَّهِ وحكمِه، وامتَنع المشركون منه، وطلَبوا الوفاءَ بالشروطِ التي كانوا شارَطوها بينَهم في ذلك الصلحِ. وبذلك جاءت الآثارُ والأخبارُ عن أهلِ السِّيرِ وغيرِهم.

ذكرُ الروايةِ بذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: أما المؤمنون فأقرُّوا بحكمِ اللَّهِ، وأما المشركون فأبَوْا أن يُقرِّوا، فأنزَل اللَّهُ عز وجل:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} الآية

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، قال:

(1)

تفسير مجاهد ص 656، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 288 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 208 إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر.

ص: 587

قال اللَّهُ: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} ، فأمسَك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النساءَ، وردَّ الرجالَ، وسألَ الذي أمَرَه اللَّهُ أن يسألَ مِن صَدُقَاتِ النساءِ مَن حبسوا منهنَّ، وأن يردُّوا عليهم مثلَ الذي يردُّون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكَم اللَّهُ به مِن هذا الحكمِ، ردَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النساءَ كما ردَّ الرجالَ، ولولا الهدنةُ والعهدُ الذي كان بينَه وبينَ قريشٍ يومَ الحديبيةِ، أمسَك النساءَ ولم يَرْدُدْ إليهم صداقًا، وكذلك يصنعُ بمن جاءه مِن المسلماتِ قبلَ العهدِ

(1)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ ذو علمٍ بما يُصْلِحُ خلْقَه، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، حكيمٌ في تدبيرِه إيَّاهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)} .

يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وإن فاتكم أيُّها المؤمنون شيءٌ من أزواجِكم إلى الكفارِ فلحِق بهم.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الكفارِ الذين عُنُوا بقولِه: {إِلَى الْكُفَّارِ} مَن هم؟ فقال بعضُهم: هم الكفارُ الذين لم يكنْ بينهم وبينَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ. قالوا: ومعنى الكلامِ: وإن فاتكم شيءٌ مِن أزواجِكم إلى مَن ليس بينَكم وبينَهم عهدٌ مِن الكفارِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} : الذين ليس بينَكم وبينهم

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 326، 327 من قول عروة.

ص: 588

عهدٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} : إذا فرَرْن مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى كفارٍ ليس بينهم وبينَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} . قال: مَن

(3)

لم يكنْ بينَهم عهدٌ.

وقال آخرون: بل هم كفارُ قريشٍ الذين كانوا أهلَ هدنةٍ، وذلك قولُ الزهريِّ.

حدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ عنه

(4)

.

وقولُه: {فَعَاقَبْتُمْ} اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {فَعَاقَبْتُمْ} بالألفِ على مثالِ "فاعَلْتُم"، بمعنى: أصَبْتم منهم عُقْبى. وقرَأه حميدٌ الأعرجُ فيما ذُكر عنه: (فَعَقَّبْتُمْ). على مثالِ "فعَّلْتم"، مشدَّدة القافِ

(5)

. وهما في اختلافِ الألفاظِ بهما نظيرُ قولِه: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان: 18]. و (تُصاعِرْ) مع تقاربِ معانيهما

(6)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين عندي بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: {فَعَاقَبْتُمْ} بالألفِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.

وقولُه: {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} . يقولُ: فأَعْطوا

(1)

تفسير مجاهد ص 656، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 206 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سيأتي تخريجه في ص 592.

(3)

سقط من: م.

(4)

تقدم تخريجه في ص 586.

(5)

مختصر الشواذ لابن خالويه ص 156.

(6)

ينظر ما تقدم في 18/ 559.

ص: 589

الذين ذهبَت أزواجُهم منكم إلى الكفارِ مثلَ ما أنفَقوا عليهنَّ مِن الصداقِ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في المالِ الذي أُمِر أن يُعْطَى منه الذي ذهبَت زوجتُه إلى المشركين؛ فقال بعضُهم: أُمِروا أن يُعْطوهم من

(1)

صداقِ مَن لحِق بهم مِن نساءِ المشركين.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: أقرَّ المؤمنون بحكمِ اللَّهِ، وأدَّوا ما أُمِروا به من نفقاتِ المشركين التي أنفقوا على نسائِهم، وأبَى المشركون أن يُقِرُّوا بحكمِ اللَّهِ فيما فرَض عليهم مِن أداءِ نفقاتِ المسلمين، فقال اللَّهُ للمؤمنين:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} . فلو أنَّها ذهَبت بعد هذه الآيةِ امرأةٌ مِن أزواجِ المؤمنين إلى المشركين، ردَّ المؤمنون إلى زوجِها النفقةَ التي أنفَق عليها مِن العُقْبِ الذي بأيديهم، الذي أُمِروا أن يردُّوه على المشركين مِن نفقاتِهم التي أنفَقوا على أزواجِهم، اللاتي آمَنَّ وهاجَرْن، ثم رَدُّوا إلى المشركين فضلًا إن كان بقِي لهم. والعُقْبُ ما كان بأيدي المؤمنين مِن صداقِ نساءِ الكفارِ حينَ آمَنَّ وهاجَرْن

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: أنزَل اللَّهُ: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} . فأمَر اللَّهُ المؤمنين أن يردُّوا الصداقَ إذا ذهَبت امرأةٌ من المسلمين ولها

(1)

سقط من: م.

(2)

تقدم تخريجه في ص 586.

ص: 590

زوجٌ، أن يرُدَّ إليه المسلمون صداقَ امرأتِه، مِن صداقٍ إن كان في أيديهم مما أُمِروا أن يردُّوا إلى المشركين

(1)

.

وقال آخرون: بل أُمِروا أن يُعْطوه مِن الغنيمةِ أو الفَيءِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} . يعني: إن لحِقَتِ امرأةُ رجلٍ مِن المهاجرين بالكفارِ، أمَر له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَن يُعْطَى مِن الغنيمةِ مثلَ ما أنفَق

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، أنهم كانوا أُمِروا أن يردُّوا عليهم مِن الغنيمةِ. وكان مجاهدٌ يقرَأُ:{فَعَاقَبْتُمْ}

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَعَاقَبْتُمْ} . يقولُ: أصَبْتم مغنمًا مِن قريشٍ أو غيرِهم، {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 288 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 208 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 121 عن العوفي، عن ابن عباس.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 288 عن معمر به.

ص: 591

أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا}: صَدُقاتِهنَّ عِوَضًا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} . قال: مَن لم يكنْ بينَهم وبينَهم

(2)

عهدٌ فذهَبت امرأةٌ

(3)

إلى المشركين، فيُدْفَعُ إلى زوجِها مهرُ مثلِها، {فَعَاقَبْتُمْ} فأصبْتم غنيمةً، {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ}. قال: مَهْرُ مثلِها يُدْفَعُ إلى زوجِها

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} : كنَّ إذا فرَرْن مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى كفارٍ ليس بينَهم وبين نبيِّ اللَّهِ عهدٌ، فأصاب أصحابُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غنيمةً، أُعْطِي زوجُها ما ساق إليها مِن جميعِ الغنيمةِ، ثم يَقْتَسِمون غنيمتَهم

(5)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمِعتُ الكسائيَّ يخبِرُ عن زائدةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ أنه قرَأها:{فَعَاقَبْتُمْ} . وفسَّرها: فغنِمْتم

(6)

.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه:{فَعَاقَبْتُمْ} . قال: غنِمْتم

(7)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 656، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 206 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ص، ت 2، ت 3:"امرأته".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 363 من طريق سفيان، عن خصيف، عن مجاهد.

(5)

أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 490 من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 206، 207 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 363 من طريق الأعمش به.

(7)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 121.

ص: 592

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: سألْنا الزهريَّ عن هذه الآيةِ وقولِ اللَّهِ فيها: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} الآية. قال: يقولُ: إن فات أحدًا منكم أهلُه إلى الكفارِ، ولم تأْتِكم امرأةٌ تأخُذون لها مثلَ الذي يأخُذون منكم، فعوِّضوه مِن فَيْءٍ إِن أصبْتموه

(1)

.

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} . قال: خرَجت امرأةٌ مِن أهلِ الإسلامِ إلى المشركين ولم يَخْرُجْ غيرُها. قال: فأَتت امرأةٌ مِن المشركين، فقال القومُ: هذه عُقْبتُكم قد أتَتْكم. فقال اللَّهُ: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} : أمسَكْتم الذي جاءكم منهم مِن أجلِ الذي لكم عندَهم، {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} . ثم أخبَرهم اللَّهُ أنه لا جناحَ عليهم إذا فعَلوا الذي فعَلوا، أن يَنكِحوهنَّ إذا استُبْرِئ رحمُها. قال: فدعا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذهَبت امرأتُه إلى الكفارِ، فقال لهذه التي أتت من عندِ المشركين:"هذا زوج التي ذهَبتْ أُزوِّجُكِه؟ ". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، عذَر اللَّهُ زوجةَ هذا أن تَفِرَّ منه، لا واللَّهِ مالي به حاجةٌ. فدعا البَخْتَريَّ، رجلًا جسيمًا، قال:"هذا؟ " قالت: نعم. وهي ممن جاء مِن مكةَ.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ أن يقالَ: أمَر اللَّهُ عز وجل في هذه الآيةِ المؤمنين أن يُعْطوا مَن فرَّت زوجتُه مِن المؤمنين إلى أهلِ الكفرِ إذا هم كانت لهم على أهل الكفرِ عُقْبى؛ إما بغنيمةٍ يُصِيبونها منهم، أو بلحاقِ نساءِ بعضِهم بهم - مثلَ الذي أنفقوا على الفارَّةِ منهم إليهم، ولم يَخْصُصْ إيتاءَهم ذلك مِن مالٍ دونَ مالٍ، فعليهم أن يُعْطوهم ذلك مِن كلِّ الأموالِ التي ذكَرناها.

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 327.

ص: 593

وقولُه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} يقولُ: وخافوا اللَّهَ الذي أنتم به مصدِّقون أيُّها المؤمنون، فاتقوه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: يأيُّها النبيُّ إذا جاءك المؤمناتُ باللَّهِ {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} . يقولُ: ولا يأتين بكذبٍ يَكْذِبْنه في مولودٍ يوجَدُ بينَ أيدِيهنَّ وأرجلِهنَّ. وإنما معنى الكلامِ: ولا يُلْحِقْن بأزواجِهنَّ غيرَ أولادِهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} . يقولُ: لا يُلْحِقْن بأزواجِهنَّ غيرَ أولادِهم

(1)

.

وقولُه: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . يقولُ: ولا يَعْصِينك يا محمدُ في معروفٍ مِن أمرِ اللَّهِ عز وجل تأمرُهنَّ به. وذُكر أنَّ ذلك المعروفَ الذي شُرِط عليهنَّ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 47 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 210 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

ص: 594

ألا يَعْصِين رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيه، هو النياحةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . يقولُ: لا يَنُحْنَ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: النَّوْحِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: في نِياحةٍ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: النَّوْحِ.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: لا يَخْدِشْن وجهًا، ولا يَشْقُقْن جيبًا، ولا يدعُون ويلًا، ولا يَنْشُدْن شِعْرًا

(5)

.

(1)

تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة، وسقط بقيته من مطبوعة الدر المنثور، وهو بتمامه في المخطوطة المحمودية ص 415، ولم يرد هذا اللفظ عند ابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 12/ 237 من طريق سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص 657 من طريق منصور به.

(3)

أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (4147) - عن جرير به.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 127.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 390، وابن عبد البر في التمهيد 12/ 238 من طريق سفيان به.

ص: 595

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت محنةُ النساءِ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أمَر عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه فقال: "قلْ لهنَّ: إنَّ رسولَ اللَّهِ يُبايعْكنِّ على ألا تُشْرِكْنَ باللَّهِ شيئًا". وكانت هندُ بنتُ عتبةَ بنِ ربيعةَ التي شقَّت بطنَ حمزةَ رحمةُ اللَّهِ عليه مُتنكِّرةً في النساءِ، فقالت: إني إنْ أتكلَّمْ يعرفْني، وإن عرَفني قتَلني. وإنما تنكَّرَتْ فَرَقًا مِن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فسكَت النسوةُ اللَّاتي مع هندٍ، وأبَيْن أن يتكلَّمْن، قالت هندٌ وهي مُتنكِّرةٌ: كيف يَقْبَلُ من النساءِ شيئًا لم يَقْبَلْه مِن الرجالِ؟ فنظَر إليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقال لعمرَ: "قلْ لهنَّ: ولا يَسْرِقن". قالت هندٌ: واللَّهِ إني لأصيبُ مِن أبي سفيانَ الهَنَاتِ ما أدري أيُحِلُّهنَّ لي أم لا. قال أبو سفيانَ: ما أصبْتِ مِن شيءٍ مضَى أو قد بَقِي، فهو لك حلالٌ. فضحِك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعرَفها، فدعاها فأتَتْه، فأخَذتْ بيدِه فعاذت به، فقال:"أنتِ هندٌ؟ ". فقالت: عفا اللَّهُ عما سلَف، فصرَف عنها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:" {وَلَا يَزْنِينَ} ". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وهل تزني الحرَّةُ؟ قال:"لا واللَّهِ ما تزنِي الحرَّةُ". قال: " {وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} ". قالت هندٌ: أنتَ قتَلتَهم يومَ بدرٍ، فأنت وهم أبصرُ. قال:" {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} ". قال: منعهنَّ أنّ يَنُحْن، وكان أهلُ الجاهليةِ يُمزِّقْن الثيابَ، ويَخْدِشْن الوجوهَ، ويَقْطَعْن الشعورَ، ويدْعُون بالثُّبورِ والويلِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} حتى بلَغ: {فَبَايِعْهُنَّ} : ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذ عليهنَّ يومئذٍ النياحةَ: و"لا تُحدِّثْن الرجالَ، إلا رجلًا منكنَّ مَحْرَمًا". فقال عبدُ الرحمنِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 210 إلى المصنف وابن مردويه.

ص: 596

ابنُ عوفٍ: يا نبيَّ اللَّهِ إنَّ لنا أضيافًا، وإنا نَغِيبُ عن نسائِنا. قال: فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ليس أولئك عَنيتُ، ليسَ أولئك عَنيتُ"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: هو النَّوْحُ، أُخِذ عليهنَّ لا يَنُحْن، ولا يَخْلُونَّ بحديثِ الرجالِ إلا مع ذي مَحْرمٍ، قال: فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: إنا نَغِيبُ ويكونُ لنا أضيافٌ. قال: "ليس أولئك عنيتُ"

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: أخبَرنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: لا يُحدِّثْن رجلًا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ عياشٍ، عن سليمانَ بنِ سليمٍ

(3)

، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاءت أُميمةُ بنتُ رقيقةَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُبايعُه على الإسلامِ، فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أُبايعُكِ على ألا تُشْرِكي باللَّهِ شيئًا، ولا تسرِقي، ولا تزنِي، ولا تقتُلي ولدَك، ولا تأتِي ببهتانٍ تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرجَ الجاهليةِ الأولى"

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رقيقةَ، قالت: جاءت نسوةٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُبايِعْنَه، فقال:"فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ". فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحَمُ بنا منا بأنفسِنا

(5)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 127 عن المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 289 عن معمر به.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2:"سليمان"، وفي ت 3:"سلمان". والمثبت من مصدري التخريج، وتهذيب الكمال 11/ 439.

(4)

أخرجه ابن عساكر ص 55 - تراجم النساء - من طريق ابن وهب، به، وأخرجه أحمد 11/ 437 (6850)، ومن طريقه ابن عساكر ص 55 - تراجم النساء - من طريق ابن عياش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 209 إلى ابن مردويه.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9826)، وأحمد 6/ 357 (الميمنية)، والطبراني 24/ 186 (470) =

ص: 597

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، عن ابنِ المنكدرِ، أنَّ أُميمةَ أخبَرتْه أنَّها دخلَت على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في نسوةٍ، فقُلن: يا رسولَ اللَّهِ ابسُطْ يدَك نصافِحْك. فقال: "إني لا أُصافِحُ النساءَ، ولكن سآخُذُ عليكنَّ". فأخَذ علينا حتى بلَغ: " {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} ". فقال: "فيما أطَقْتُنَّ واسْتَطَعْتُنَّ". فقُلْن: اللَّهُ ورسولُه أَرْحَم بنا مِن أنفسِنا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن أمِّ عطيةَ الأنصاريةِ، قالت: كان فيما اشْترط علينا مِن المعروفِ حينَ بايَعْنا: ألا ننُوحَ. فقالت امرأةٌ [مِن بني فلانٍ]

(2)

: إنَّ بني فلانٍ أَسْعَدُوني

(3)

، فلا حتى أَجْزِيَهم، فانْطَلَقَت فأسعَدَتْهم، ثم جاءت فبايَعت. قال: فما وفى منهنَّ غيرُها وغيرُ أمِّ سليمٍ ابنةِ مِلْحانَ؛ أمِّ أنسِ بنِ مالكٍ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عمرُ

(5)

بنُ فروخَ القتابُ

(6)

،

= من طريق الثوري به.

(1)

أخرجه مالك 2/ 982، والطيالسي (1726)، والحميدي (341)، وابن سعد 8/ 5، وأحمد 6/ 357 (الميمنية)، وابن ماجه (2874)، والترمذي (1597)، والنسائي (4201)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3340، 3341)، وابن حبان (4553)، والطبراني 24/ 186 - 188 (471 - 474، 476) من طريق محمد بن المنكدر به.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

إسعاد النساء في المناحات: تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة. اللسان (س ع د).

(4)

أخرجه أحمد 6/ 408 (الميمنية)، والنسائي (4190) من طريق ابن سيرين به، وتفسير مجاهد ص 656، 657، وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 389، وأحمد 6/ 408 (الميمنية)، ومسلم (937)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3333)، وابن حبان (3145)، والبيهقي 6/ 488 من طريق عاصم، عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية به، وأخرجه البخاري (4892)، وسنيد - كما في التمهيد 12/ 240 - والبيهقي 4/ 62 من طريق حفصة عن أم عطية به.

(5)

في النسخ: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال 21/ 478.

(6)

في النسخ: "القتات".

ص: 598

قال: ثنا مصعبُ بنُ نوحٍ الأنصاريُّ، قال: أَدْرَكْتُ عجوزًا لنا كانت في من بايع رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قالت: فأتيتُه لأبايعَه، فأخَذ علينا فيما أخَذ:"ولا تَنُحْن". فقالت عجوزٌ: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ ناسًا قد كانوا أَسْعَدُوني على مصائبَ أصابتْني، وإنهم قد أصابَتْهم مصيبةٌ، فأنا أريدُ أنْ أُسْعِدَهم. قال:"فانْطَلِقي فكافِئيهم". ثم إنَّها أتت فبايعَتْه، قال: هو المعروفُ الذي قال اللَّهُ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ مولى الصهباءِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن أمِّ سلمةَ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في قولِه:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: "النَّوْحُ"

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رُقيقةَ التيميةِ، قالت: بايعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في نسوةٍ مِن المسلمين، فقلنا له: جئناك يا رسولَ اللَّهِ نبايعُك على ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا، ولا نسرِقَ، ولا نزنِيَ، ولا نقتلَ أولادَنا، ولا نأتيَ ببهتانٍ نفترِيه بين أيدينا وأرجلِنا، ولا نعصيك في معروفٍ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتُنَّ". فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحمُ بنا مِن أنفسِنا، فقلنا: بايِعْنا يا رسولَ اللَّهِ. فقال: "اذهبْنَ فقد بايعْتُكنَّ، إنما قَوْلي لِمائةِ امرأةٍ كقولِي لامرأةٍ واحدةٍ". وما صافح رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منا أحدًا

(3)

.

(1)

أخرجه ابن سعد 8/ 8، وأحمد 4/ 55 (الميمنية) من طريق عمر بن فروخ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 210 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 389، وأحمد 6/ 320 (الميمنية)، وابن ماجه (1579)، وابن عبد البر في التمهيد 12/ 238 من طريق وكيع به، وأخرجه ابن سعد 8/ 8، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور 6/ 210، وعنه الترمذي (3307) - من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3)

أخرجه الحاكم 4/ 71، وابن عساكر ص 53 - تراجم النساء - من طريق يونس به، وأخرجه أحمد 6/ 357 (الميمنية) من طريق ابن إسحاق به.

ص: 599

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن عيسى بن عبدِ اللَّهِ التميميِّ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ [بنتِ رقيقةَ]

(1)

خالةِ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: سمِعْتُها تقولُ: بايَعْنا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأخَذ علينا ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا. فذكَر مثلَ حديثِ محمدِ بن إسحاقَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رقيقةَ، قالت: أتيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في نساءٍ نُبايعُه، قالت: فأخَذ علينا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بما في القرآنِ: {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} الآية. ثم قال: "فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ". فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ ألَا تُصافِحُنا؟ فقال: "إني لا أُصافِحُ النساءَ، ما قَوْلِي لامرأةٍ واحدةٍ إلا كقولي لمائةِ امرأةٍ"

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زهيرٍ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أميمةَ بنتِ رُقيقةَ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بنحوِه

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} : والمعروفُ: ما اشْتَرط عليهن في البيعةِ أن يَتَّبِعْنَ أمرَه.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . فقال: إن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نبيُّه وخِيرتُه مِن خلقِه، ثم لم

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 3.

(2)

أخرجه النسائي (4192) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد 6/ 357 (الميمنية) من طريق عبد الرحمن به.

(3)

أخرجه سنيد - كما في التمهيد 12/ 240 - والطبراني 24/ 188 (475) من طريق موسى بن عقبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 209 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

ص: 600

يَسْتَحِلَّ له أمورَ أمرٍ إلا بشرطٍ، لم يَقُلْ:{وَلَا يَعْصِينَكَ} . ويتركَ، حتى قال:{فِي مَعْرُوفٍ} . فكيف يَنْبَغِي لأحدٍ أن يُطاعَ في غيرِ معروفٍ، وقد اشْتَرط اللَّهُ هذا على نبيِّه؟ قال: فالمعروفُ كلُّ معروفٍ أمَرهن به في الأمورِ كلِّها، ويَنْبَغي لهن ألا يَعْصِينَ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، [ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، ثنا إسحاقُ بنُ عثمانَ أبو

(2)

يعقوبَ]

(3)

، قال: ثنى إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عطيةَ، عن جَدَّتِه أمِّ عطيةَ، قالت: لما قدِم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، جمَع بينَ نساءِ الأنصارِ في بيتٍ، ثم أرْسَل إلينا عمرَ بنَ الخطابِ، فقام على البابِ فسلَّم علينا، فردَدْنَ، أو: فردَدْنا عليه، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إليكن. قالت: فقلنا: مرحبًا برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وبرسولِ رسولِ اللَّهِ. فقال: تُبايِعْنَ على ألا تُشْرِكْنَ باللَّهِ شيئًا، ولا تَسْرِقْنَ، ولا تَزْنِينَ؟ قالت: قلنا: نعم. قال: فمدَّ يدَه مِن خارجِ البابِ أو البيتِ، ومدَدْنا أيديَنا مِن داخلِ البيتِ، ثم قال: اللهمَّ اشْهَدْ. قالت: وأَمَرَنا في العيدين أن نُخْرِجَ فيه الحُيَّضَ والعَواتِقَ، ولا جمعةَ علينا، ونهانا عن اتِّباعِ الجنازةِ. قال إسماعيلُ: فسأَلْتُ جدتي عن قولِ اللَّهِ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قالت: النياحةُ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زهيرٍ في قولِ اللَّهِ:{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال: لا يَخْلُو الرجلُ بامرأةٍ.

وقولُه: {فَبَايِعْهُنَّ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: إذا جاءك المؤمناتُ يُبايِعْنك على

(1)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 127.

(2)

في م: "بن". وينظر تهذيب الكمال 2/ 459.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه ابن سعد 8/ 7، وابن أبي شيبة 3/ 390، وأحمد 6/ 408 (الميمنية)، وأبو داود (1139)، والبزار (252)، وأبو يعلى (226)، وابن حبان (3041)، والبيهقي 3/ 184، وفي الشعب (9317) وغيرهم من طريق إسحاق بن عثمان أبي يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 209 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

ص: 601

هذه الشروطِ، فبايِعْهن، {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ}. يقولُ: سَلْ لهن اللَّهَ أن يَصْفَحَ عن ذنوبِهن، ويَسْتُرَها عليهن، بعفوِه لهن عنها. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: إن اللَّهَ ذو سترٍ على ذنوبِ مَن تاب إليه من ذنوبِه، أن يُعَذِّبَه عليها بعدَ توبتِه منها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} مِن اليهودِ، {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} .

واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قد يئِس هؤلاء القومُ الذين غضِب اللَّهُ عليهم من اليهودِ، مِن ثوابِ اللَّهِ لهم

(1)

في الآخرةِ، وأن يُبْعَثوا، كما يئِس الكفارُ الأحياءُ مِن أمواتِهم الذين هم في القبورِ أن يَرْجِعوا إليهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الآية. يعني: مَن مات مِن الذين كفَروا، فقد يئِس الأحياءُ مِن الذين كفَروا أن يَرْجِعوا إليهم، أو يَبْعَثَهم اللَّهُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ بنِ

(1)

سقط من: م.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 112 إلى المصنف.

ص: 602

زاذانَ، عن الحسنِ

(1)

أنه قال في هذه الآيةِ: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} . قال: الكفارُ الأحياءُ قد يئِسوا من الأمواتِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ} . يقولُ: يئِسوا أن يُبْعَثُوا، كما يئِس الكفارُ أن يَرْجِعَ إليهم أصحابُ القبورِ الذين ماتوا

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ} الآية: الكافرُ لا يَرْجُو لقاءَ ميتِه ولا أجرَه

(4)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} . يقولُ: مَن مات مِن الذين كفَروا، فقد يئِس الأحياءُ منهم أن يَرْجِعوا إليهم، أو يَبْعَثَهم اللَّهُ (2).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قد يئِسوا من الآخرةِ أَن يَرْحَمَهم اللَّهُ فيها، أو يَغْفِرَ لهم، كما يئِس الكفارُ الذين هم أصحابُ قبورٍ قد ماتوا، وصاروا إلى القبورِ، مِن رحمةِ اللَّهِ وعفوِه عنهم في الآخرةِ؛ لأنهم قد أيْقنوا بعذابِ اللَّهِ لهم.

(1)

في م: "الحسين".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 129.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 289 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 212 إلى ابن المنذر، وزاد في أوله: اليهود قد .....

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 212 إلى عبد بن حميد.

ص: 603

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ:{قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} . قال: أصحابُ القبورِ الذين في القبورِ، قد يئِسوا من الآخرةِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} . قال: مِن ثوابِ الآخرةِ حينَ تَبَيَّنَ لهم عملُهم، وعايَنوا النارَ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ:{قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ} الآية. قال: أصحابُ القبورِ قد يئِسوا من الآخرةِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الكلبيُّ: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ} . يعني: اليهودُ والنصارى، يقولُ: قد يئِسوا مِن ثوابِ الآخرةِ وكرامتِها، كما يئِس الكفارُ الذين قد ماتوا، فهم في القبورِ - مِن الجنةِ، حينَ رأَوْا مقعدَهم مِن النارِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا} الآية. قال: قد يئِس هؤلاء الكفارُ مِن أن تكونَ لهم آخرةٌ، كما يئِس الكفارُ الذين ماتوا، الذين في القبورِ، مِن أن تكونَ لهم آخرةٌ؛ لِما عايَنوا من أمرِ

(1)

تفسير مجاهد ص 657، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 212 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 571، 572، وأبو نعيم في الحلية 3/ 335 من طريق شعبة به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 289 عن معمر به.

ص: 604

الآخرةِ، فكما يئِس أولئك

(1)

الكفارُ، كذلك يئِس هؤلاء الكفارُ. قال: والقومُ الذين غضِب اللَّهُ عليهم، يهودُ، هم الذين يئِسوا من أن تكونَ لهم آخرةٌ، كما يئِس الكفارُ قبلَهم من أصحابِ القبورِ؛ لأنهم قد علِموا كتابَ اللَّهِ، وأقاموا على الكفرِ به. وما صنَعوا وقد علِموا

(2)

؟

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ في قولِه:{قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ} الآية. قال: قد يئِسوا أن يكونَ لهم ثوابُ الآخرةِ، كما يئِس مَن في القبورِ مِن الكفارِ مِن الخيرِ، حينَ عايَنوا العذابَ والهَوانَ

(2)

.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: قد يئِس هؤلاء الذين غضِب اللَّهُ عليهم مِن اليهودِ، من ثوابِ اللَّهِ لهم في الآخرةِ وكرامتِه؛ لكفرِهم وتكذيبِهم رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم، على علمٍ منهم بأنه للَّهِ نبيٌّ، كما يئِس الكفارُ منهم الذين مضَوْا قبلَهم فهلَكوا، فصاروا أصحابَ القبورِ، وهم على مثلِ الذي هؤلاء عليه، من تكذيبِهم عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، وغيرَه مِن الرسلِ - من ثوابِ اللَّهِ وكرامتِه إياهم.

وإنما قُلنا: ذلك أولى القولين بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الأمواتَ قد يئِسوا مِن رجوعِهم إلى الدنيا، أو أن يُبْعَثوا قبلَ قيامِ الساعةِ، المؤمنون والكفارُ، فلا وجهَ لأن يُخَصَّ بذلك الخبرُ عن الكفارِ، وقد شَرِكهم في الإياسِ من ذلك المؤمنون.

آخرُ تفسيرِ سورةِ الممتحنةِ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 129.

ص: 605

‌تفسيرُ سورةِ الصفّ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ

(3)}.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: سبَّحَ للهِ ما في السماوات السبعِ، وما في الأرضِ من الخلقِ، مُذْعِنين له بالأُلوهةِ والربوبيةِ، وهو العزيزُ في نقمتِه ممن عصاه منهم، فكفَر به، وخالَف أمرَه، الحكيمُ في تدبيرِه إياهم.

وقولُه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين

(1)

صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لمَ تَقُولون القولَ الذي لا تُصَدِّقونه بالعملِ؟ فأعمالُكم مخالفةٌ، أقوالَكم، {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}. يقولُ: عظُم مقتًا عندَ ربِّكم قولُكم ما لا تَفْعَلون.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه أُنْزِلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أُنْزِلت توبيحًا مِن اللَّهِ لقومٍ من المؤمنين، تمنَّوْا معرفةَ أفضلِ الأعمالِ، فعرَّفهم اللَّهُ إياه، فلمَّا عرَفوا قصَّروا، فعُوتِبوا بهذه الآيةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} . قال: كان ناسٌ مِن المؤمنين قبلَ أن يُفْرَضَ الجهادُ يقولون: لَودِدْنا أن اللَّهَ دلَّنا على أحبِّ الأعمالِ إليه

(1)

بعده في ص، م:"آمنوا".

ص: 606

فنَعْمَلُ به، فأخْبَر اللَّهُ نبيَّه أن أحبَّ الأعمالِ إليه إيمانٌ باللَّهِ لا شكَّ فيه، وجهادُ أهلِ معصيتِه الذين خالَفوا الإيمانَ ولم يُقِرُّوا به، فلما نزَل الجهادُ كرِه ذلك أناسٌ من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمرُه، فقال اللَّهُ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} . قال: كان قومٌ يقولون: واللَّهِ لو أنا نَعْلَمُ ما أحَبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناه. فأنْزَل اللَّهُ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إلى قولِه: {بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]. فدلَّهم على أحبِّ الأعمالِ إليه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ جُحَادةَ، عن أبى صالحٍ، قال: قالوا: لو كنا نَعْلَمُ أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ وأَفضلُ؟ فنزَلَت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10]. فكرِهوا، فنزَلَت:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إلى قولِه: {مَرْصُوصٌ} . فيما بينَ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 132 عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 212 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 213 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن المبارك في الجهاد (2) عن سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 213 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 607

ذلك: في نفرٍ من الأنصارِ، فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ، قالوا في مجلسٍ: لو نَعْلَمُ أَيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بها حتى نموتَ. فأَنْزَل اللَّهُ هذا فيهم، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ: لا أزالُ حَبيسًا في سبيلِ اللَّهِ حتى أموتَ. فقُتِل شهيدًا

(1)

.

وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في توبيخِ قومٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كان أحدُهم يَفْتَخِرُ بالفعلِ مِن أفعالِ الخيرِ التي لم يَفْعَلْها، فيقولُ: فعَلْتُ كذا وفعلتُ

(2)

كذا. فعذَلهم اللَّهُ على افتخارِهم بما لم يَفْعَلوا كذبًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} . قال: بلَغَني أنها كانت في الجهادِ، كان الرجلُ يقولُ: قاتَلْتُ وفعَلْتُ. ولم يَكُنْ فعَل، فوعَظَهم اللَّهُ في ذلك أشدَّ الموعظةِ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} : يُؤْذِنُهم

(4)

ويُعْلِمُهم كما تَسْمَعون، {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} . وكانت رجالٌ تُخْبِرُ في القتالِ بشيءٍ لم يَفْعَلوه ولم يَبْلُغوه، فوعَظَهم اللَّهُ في ذلك موعظةً بليغةً، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إلى قولِه: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} .

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال:

(1)

تفسير مجاهد ص 658، وأخرجه عبد الله بن المبارك في الجهاد (2) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 28/ 90 - من طريق ابن جريج، عن مجاهد نحوه.

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 290 عن معمر به.

(4)

في ت 2، ت 3:"يوعظهم".

ص: 608

سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} : أنْزَل اللَّهُ هذا في الرجلِ يقولُ في القتالِ ما لم يَفْعَلْه مِن الضربِ والطعنِ والقتلِ.

قال اللَّهُ: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}

(1)

.

وقال آخرون: بل هذا توبيخٌ مِن اللَّهِ لقومٍ مِن المنافقين، كانوا يَعِدُون المؤمنين النصرَ، وهم كاذِبون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} : يقولون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه: لو خرَجْتُم خرَجْنا معكم، وكنا في نصرِكم، وفي، وفي. فأخْبَرهم أنه {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}

(1)

.

وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنِي بها الذين قالوا: لو عرَفْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لعمِلْنا به. ثم قصَّروا في العملِ بعدَ ما عرَفوا.

وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بها؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه خاطَب بها المؤمنين، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} . ولو كانت نزَلَت في المنافقين لم يُسَمَّوْا ولم يُوصَفوا بالإيمانِ، ولو كانوا وصَفوا أنفسَهم بفعلِ ما لم يكونوا فعَلوه، كانوا قد تعمَّدوا قِيلَ الكذبِ، ولم يكنْ ذلك صفةَ القومِ، ولكنهم عندي أمَّلوا بقولِهم: لو علِمْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ عمِلْناه. أنهم لو علِموا بذلك عمِلوه، فلمَّا علِموا ضعُفَت قُوَى قومٍ منهم عن القيامِ بما أمَّلوا القيامَ به قبلَ العلمِ، وقَوِي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضلُ والشرفُ.

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 108، وابن كثير في تفسيره 8/ 132.

ص: 609

واختَلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك، وفي وجهِ نصبِ قولِه:{كَبُرَ مَقْتًا} ؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ: قال: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} . أي: كبُر مقتُكم مقتًا. ثم قال: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} . أي

(1)

: قولُكم.

وقال بعضُ نحويي الكوفةِ

(2)

: قولُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} . كان المسلمون يقولون: لو نَعلمُ أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ لأتيناه ولو ذهَبت فيه أنفسُنا وأموالُنا. فلما كان يومُ أحدٍ نزَلوا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى شُجَّ وكُسِرَت رَباعِيَتُه، فقال:{لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} . ثم قال {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} : كبُر ذلك مقتًا. أي: فـ "أن" في موضعِ رفعٍ؛ لأن {كَبُرَ} . كقولِه: بئس رجلًا أخوك. وقولُه: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 35]. أُضْمِر في {كَبُرَ} اسمٌ يكونُ مرفوعًا.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن قولَه: {مَقْتًا} . منصوبٌ على التفسيرِ؛ كقولِ القائلِ: كبُر قولًا هذا القولُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه للقائلين: لو علِمْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لعمِلْناه حتى نموتَ: إنَّ اللَّهَ أَيُّها القومُ {يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا

(3)

}. يعني: في طريقِه ودينِه الذي دعا إليه، {صَفًّا} . يعني بذلك أنهم يُقاتِلون أعداءَ

(1)

في م، ت 2:"أذى".

(2)

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 153.

(3)

في م: "كأنهم"

ص: 610

اللَّهِ مُصْطَفِّين.

وقولُه: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} . يقولُ: يُقاتِلون في سبيلِ اللَّهِ صفًّا مُصْطَفًّا، كأنهم في اصطفافِهم هنالك حِيطانٌ مبنيةٌ، قد رُصَّ، فأُحْكِم وأُتْقِن، فلا يُغادِرُ منه شيئًا. وكان بعضُهم يقولُ: بُنِي بالرَّصاصِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} : ألم تَرَ إلى صاحبِ البُنيانِ كيف لا يُحِبُّ أن يَخْتَلِفَ بنيانُه، كذلك تبارك وتعالى لا يَخْتَلِفُ أمرُه، وإن اللَّهَ وصَف المؤمنين في قتالِهم وصْفَهم في صلاتِهم، فعليكم بأمرِ اللَّهِ، فإنه عِصْمةٌ لمن أخَذ به

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} . قال: والذين صدَّقوا قولَهم بأعمالِهم، هؤلاء. قال: وهؤلاء لم يُصَدِّقوا قولهم بالأعمالِ؛ لمَّا خرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم نكَصوا عنه وتخَلَّفوا.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: إنما قال اللَّهُ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} . ليدلَّ على أن القتالَ راجلًا أحبُّ إليه مِن القتالِ فارسًا؛ لأن الفُرسانَ لا يَصْطَفُّون، وإنما يَصْطَفُّ

(2)

الرَّجَّالةُ.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 134، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 213 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في م، ت 1:"تصطف".

ص: 611

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن أبي بكرِ بنِ أبي مريمَ، عن يحيى بنِ جابرٍ الطائيِّ، عن أبي بَحْريةَ، قال: كانوا يَكْرَهون القتالَ على الخيلِ، ويَسْتَحِبُّون القتالَ على الأرضِ، لقولِ اللَّهِ:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} . قال: وكان أبو بَحْريةَ يقولُ: إذا رأَيْتُموني الْتَفَتُّ في الصفِّ، فجَئُوا

(1)

في لَحْيي

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واذْكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى ابنُ عِمْرانَ لقومِه: يا قومِ لم تُؤْذونني وقد تَعْلمون حقًّا، أني رسولُ اللهِ إليكم.

وقولُه: {فَلَمَّا زَاغُوا} . يقولُ: فلمَّا عدَلوا وجارُوا عن قصدِ السبيلِ، {أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. يقولُ: أمال اللَّهُ قلوبَهم عنه.

وقد حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، قال: ثنا أبو غالبٍ، عن أبي أُمامةَ في قولِه:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} . قال: هم الخوارجُ

(3)

.

(1)

جَئُوا: من: وَجأ فلانا وَجْئًا ووِجاءً: دفعه بجُمْع كفه في الصدر أو العنق. الوسيط (و ج أ).

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 134 عن المصنف.

(3)

أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (1535)، والخلال في السنة (138) من طريق هشيم به.

ص: 612

{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} . يقولُ: واللَّهُ لا يُوَفِّقُ لإصابةِ الحقِّ القومَ الذين اختاروا الكفرَ على الإيمانِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ أيضًا يا محمدُ إذ قال عيسى ابنُ مريمَ لقومِه مِن بني إسرائيلَ: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} التي أُنْزِلَت على موسى، {وَمُبَشِّرًا} أُبَشِّرُكم {بِرَسُولٍ} للهِ

(1)

{يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} .

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن سعيدِ بن سُوَيْدٍ، عن عبدِ الأعلى بنِ هلالٍ السُّلَميِّ، عن عِرْباضِ بنِ ساريةَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إني عندَ اللَّهِ مكتوبٌ لخَاتمُ النبيين وإن آدمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينتِه، وسأُخْبِرُكم بأولِ ذلك؛ دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسى بي، والرُّؤيا التي رأَت أمي - وكذلك أمهاتُ النَّبيين يَرَيْن - إنها رأَت حينَ وضَعَتْني أنه خرَج منها نورٌ أضاءت منه قصورُ الشامِ"

(2)

.

{فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} يقولُ: فلما جاءهم أحمدُ بالبيناتِ، وهي الدلالاتُ التي آتاه اللَّهُ حججًا على نبوتِه، (قالُوا هَذَا ساحرٌ

(3)

مُبِينٌ) يقولُ: يُبِينُ (1) ما أتَى به

(1)

سقط من: م.

(2)

تقدم تخريجه في 2/ 573، 574.

(3)

في م: "سحر". وهما قراءتان كما تقدم في 9/ 115، 116.

ص: 613

غيرَ أنه

(1)

ساحرٌ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أشدُّ ظلمًا وعُدوانًا ممن اختَلَق على اللَّهِ الكذبَ، وهو قولُ قائلِهم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: هو ساحرٌ وما

(3)

جاء به سحرٌ. فكذلك افتراؤُه على اللَّهِ الكذبَ {وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ} . يقولُ: إذا دُعِي إلى الدخولِ في الإسلامِ قال على اللَّهِ الكذبَ وافْتَرَى عليه الباطلَ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. يقولُ: واللَّهُ لا يُوَفِّقُ القومَ الذين ظلَموا أنفسَهم بكفرِهم به لإصابةِ الحقِّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يريدُ هؤلاء القائلون لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: هذا ساحرٌ مبينٌ. {لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} . يقولُ: يُريدون ليُبْطلوا الحقَّ الذي بعَث اللَّهُ به محمدًا صلى الله عليه وسلم بأفواهِهم. يعني بقولِهم: إنه ساحرٌ وما جاء به سحرٌ. {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} . يقولُ: واللَّهُ مُعْلنٌ الحقَّ، ومظهرٌ دينَه، وناصرٌ محمدًا صلى الله عليه وسلم على مَن عاداه، فذلك إتمامُ نورِه. وعُنِي بالنورِ في هذا الموضعِ الإسلامُ.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: عُنِي به القرآنُ.

حدَّثني يونُس، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} . قال: نورَ القرآنِ.

(1)

في م: "أنني".

(2)

المعنى: يبين أنه لم يأتِ بما أتى به إلا لأنه ساحر. فـ "ما" نافية وليست موصولة.

(3)

في م: "لما".

ص: 614

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} ؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (مُتِمٌّ) بالتنوين

(1)

(نُورَهُ) بالنصبِ

(2)

. وقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ {مُتِمُّ} بغيرِ تنوينٍ {نُورِهِ} خفضًا

(3)

. وهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندَنا.

وقولُه: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} . يقولُ: واللَّهُ مظْهِرٌ دينَه، وناصرٌ رسولَه، ولو كرِه الكافرون باللَّهِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي أرسَل رسولَه محمدًا {بِالْهُدَى} . يعني: ببيانِ الحقِّ، {وَدِينِ الْحَقِّ}. يعني: وبدينِ اللَّهِ، وهو الإسلامُ.

وقولُه: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} . يقولُ: ليُظهِرَ دينَه الحقَّ الذي أرسَل به رسولَه على كلِّ دينٍ سِواه؛ وذلك عندَ نزولَ عيسى ابنِ مريمَ، وحينَ تصِيرُ الملَّةُ واحدةً، فلا يكونُ دينٌ غيرُ الإسلامِ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي المقدامِ ثابتِ بنِ هُرْمُزَ، عن أبي هريرةَ:{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} . قال: خروجُ عيسى ابنِ مريمَ

(4)

.

وقد ذكَرْنا اختلافَ المختلفِين في معنى قولِه: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} . والصوابَ لدينا مِن القولِ في ذلك بعللِه فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا

(1)

سقط من: م.

(2)

وهي قراءة نافع وأبي بكر وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. ينظر النشر 2/ 289.

(3)

وبها قرأ ابن كثير وحفص وحمزة والكسائي وخلف. المصدر السابق.

(4)

تقدم تخريجه في 11/ 423.

ص: 615

الموضعِ

(1)

.

وقد حدَّثني

(2)

عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا الأسودُ بنُ العلاءِ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ قالت: إنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "لا يَذْهبُ الليلُ والنهارُ حتى تُعبدَ اللَّاتُ والعُزَّى". فقالت عائشةُ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إن كنتُ لأظنُّ حِينَ أنزَل اللَّهُ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} الآية. أنَّ ذلك سيكونُ تامًّا. فقال: "إنه سيكونُ مِن ذلك ما شاء اللَّهُ، ثم يَبْعثُ اللَّهُ ريحًا طيبةً، فيتوفَّى مَن كان في قلْبِه مثقالُ حبةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن خيرٍ، فيَبْقى مَن لا خيرَ فيه، فيَرْجِعُون إلى دينِ آبائِهم"

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين آمنوا باللهِ، هل أدُلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ موجِعٍ؟ موجِعٍ، وذلك عذابُ جَهنَّمَ. ثم بين لنا جلَّ ثناؤه ما تلك التجارةُ التي تُنجِينا من العذابِ الأليمِ، فقال:{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} . وقد قيل لهم: {يَاأَيُّهَا

(1)

ينظر ما تقدم في 11/ 422، 423.

(2)

سقط من الإسناد شيخ المصنف وشيخ شيخه، فقد تقدم في 14/ 122: حدثنا أبو كريب، قال ثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر. وفي 15/ 25: حدثني موسى بن عبد الرحمن، ثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر. وفي 18/ 413: حدثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا أبو أسامة، ثنى عبد الحميد بن جعفر.

(3)

أخرجه مسلم (2907)، وأبو يعلى (4564)، والحاكم 4/ 446، 449، وأبو عمرو الداني في الفتن (426)، والبيهقي 9/ 181 من طريق عبد الحميد بن جعفر به.

ص: 616

الَّذِينَ آمَنُوا}. فوَصَفهم

(1)

بالإيمانِ؟ فإن الجوابَ في ذلك نظيرُ جوابِنا في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ} [النساء: 136]. وقد مضَى البيانُ عن ذلك في موضِعِه بما أغنَى عن إعادتِه

(2)

.

وقولُه: {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وتجاهدون في دينِ اللَّهِ وطريقِه الذي شَرَعه لكم، بأموالِكم وأنفسِكم، {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: إيمانُكم باللَّهِ ورسولِه وجهادُكم في سبيلِ اللَّهِ بأموالِكم وأنفسِكم، خيرٌ لكم من تضييعِ ذلك والتفريطِ، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} مضارَّ الأشياءِ ومنافعَها.

وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (آمِنُوا بِاللهِ) على وجْهِ الأمرِ

(3)

.

وبُيِّنتِ التجارةُ من قولِه: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ} . وفُسِّرت بقولِه: {تُؤْمِنُونَ} . ولم يقلْ: أن تُؤْمِنوا. لأن العربَ إذا فَسَّرت الاسمَ بفعلٍ، تُثبِتُ في تفسيرِه "أنْ" أحيانًا، وتَطْرَحُها أحيانًا؛ فتقولُ للرجلِ: هل لك في خيرٍ، تَقُومُ بنا إلى فلانٍ فنعودَه؟ هل لك في خيرٍ، أن تقومَ إلى فلانٍ فنعودَه؟ بـ "أن" وبطرحِها. ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعًا قولُه:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا} ، و (إنَّا) [عبس: 24، 25]. فالفتحُ في "أنّا" لغةُ مَن أدخَل في "تَقُومَ":"أن"، مِن قولِهم: هل لك في خيرٍ أن تقومَ؟ والكسرُ فيها لغةُ من يُلْقِي "أن" مِن "تَقُومَ". ومنه قولُه: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} ، و (إنّا دَمَّرْناهم) [النمل: 51]. على ما بيَّنا

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

(1)

في ص، م:"بوصفهم".

(2)

ينظر ما تقدم في 7/ 594، 595.

(3)

معاني القرآن للفراء 3/ 154، والبحر المحيط 8/ 263.

(4)

ينظر ما تقدم في 18/ 94، 95.

ص: 617

هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ} الآية: فلولا أن اللَّهَ بيَّنها، ودلَّ عليها المؤمنين، لتَلهَّفَ عليها رجالٌ أن يكونوا يَعْلَمونها، حتى [يَضِنُّوا بها]

(1)

، وقد دلَّكمُ اللَّهُ عليها، وأعْلَمَكم إيَّاها فقال:{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: الحمدُ للَّهِ الذي بَيَّنَها

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يستُرْ عليكم ربُّكم ذنوبَكم إذا أنتم فَعَلتُم ذلك، فيصفحُ عنكم ويعفو، {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: ويُدخِلْكم بساتينَ تجري من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}. يقولُ: ويُدْخِلْكم أيضًا مساكنَ طيبةً، {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. يعني: في بساتينِ إقامةٍ، لا ظَعْنَ عنها.

وقولُه: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . يقولُ: ذلك النَّجَاءُ العظيمُ مِن نَكالِ الآخرةِ وأهوالِها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ

(1)

في الدر المنثور: "يطلبوها".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 214 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 290 عن معمر به.

ص: 618

طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)}.

اختلَف أهلُ العربيةِ فيما نَعَتَت به قولُه: {وَأُخْرَى} ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: معنى ذلك: وتجارةٍ أُخْرى. فعلى هذا القولِ يجبُ أن تكونَ "أخرى" في موضعِ خفضٍ، عطفًا به على قولِه:{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} . وقد يَحْتَمِلَ أن يكونَ رفعًا على الابتداءِ.

وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ

(1)

يقولُ: هي في موضعِ رفعٍ. أي: ولكم أُخْرى في العاجلِ، مع ثوابِ الآخرةِ، ثم قال:{نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ} مفسِّرًا لـ "الأُخرى".

والصوابُ من القولِ في ذلك عندي القولُ الثاني، وهو أنَّه معنيٌّ به: ولكم أُخرى تُحبّونها، لأن قولَه:{نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} مبِينٌ عن أن قولَه: {وَأُخْرَى} في موضعِ رفعٍ، ولو كان جاء ذلك خفضًا، حَسُن أن يُجعَلَ قولُه:{وَأُخْرَى} عطفًا على قولِه: {تِجَارَةٍ} ، فيكونَ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ لو قُرِئ ذلك خفضًا: وعلى خَلَّةٍ أخرى تُحِبُّونها. فمعنى الكلامِ إذًا إذْ

(2)

كان الأمرُ كما وصَفتُ: هل أدلُّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليمٍ؟ تؤمنون باللَّهِ ورسولِه، يَغْفِرْ لكم ذنوبَكم، ويُدْخِلْكم جناتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ، ولكم خَلةٌ أخرى سوى ذلك في الدنيا تُحبُّونها؛ نصرٌ من اللَّهِ لكم على أعدائِكم، وفتحٌ قريبٌ يعجِّلُه لكم.

{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وبشِّرْ يا محمدُ المؤمنين بنصرِ اللَّهِ إيَّاهم على عدوِّهم، وفتحٍ عاجلٍ لهم.

وقولُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} . اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ: (كُونُوا أَنْصَارًا للَّهِ) بتنوينِ "الأنصارِ"

(3)

. وقرَأ

(1)

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 155.

(2)

سقط من: م.

(3)

وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر. ينظر النشر 2/ 289.

ص: 619

ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفةِ بإضافةِ "الأنصارِ" إلى {اللَّهِ}

(1)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك

(2)

أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. ومعنى الكلامِ: يأيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، كونوا أنصارَ اللَّهِ كما قال عيسى ابنُ مريمَ للحواريين:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} . يعني: مَن أنصارِي منكم إلى نُصْرةِ اللَّهِ لي؟

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} . قال: قد كانت للَّهِ أنصارٌ من هذه الأمةِ، تجاهدُ على كتابِه وحقِّه، وذُكِر لنا أنه بايعَه ليلةَ العقبةِ اثنان وسبعون رجلًا من الأنصارِ، ذُكِر لنا أن بعضَهم قال: هل تدرون علامَ تُبايعون هذا الرجلَ؟ إنَّكم تبايعون على محاربةِ العربِ كلِّها أو يُسلِموا. ذُكر لنا أن رجلًا قال: يا نبيَّ اللَّهِ، اشتَرط لربِّك ولنفسِك ما شِئْتَ. قال:"أَشْتَرطُ لربِّي أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأشْتَرطُ لنفسِي أن تمنَعوني مما منَعتم منه أنفسَكم وأبناءَكم". قالوا: فإذا فعَلنا ذلك فما لنا يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: "لكم النصرُ في الدنيا، والجنةُ في الآخرةِ". ففعَلوا، ففعَل اللَّهُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} . قال: قد كان ذلك

(1)

وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. النشر 2/ 289.

(2)

بعده في م: "عندي".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 214 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 620

بحمدِ اللَّهِ؛ جاءه سبعون رجلًا، فبايعوه عندَ العقبةِ، فنصَروه وآوَوْه، حتى أظهَرَ اللَّهُ دينَه. قالوا: ولم يُسَمَّ حيٌّ من السماءِ اسمًا لم يكُنْ لهم قبلَ ذلك غيرَهم

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: إن الحواريين كلَّهم من قريشٍ؛ أبو بكرٍ، وعمرُ، وعليٌّ، وحمزةُ، وجعفرٌ، وأبو عُبيدةَ، وعثمانُ بنُ مظعونٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وعثمانُ، وطلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ، والزبيرُ بنُ العوّامِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} . قال: من يَتْبَعُني إلى اللَّهِ؟

(3)

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن ميسرةَ، عن المِنهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، قال: سُئل ابنُ عباسٍ عن الحواريِّين، فقال: سُمُّوا لبياضِ ثيابِهم، كانوا صَيَّادي السمكِ

(4)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {الْحَوَارِيُّونَ} : هم الغسَّالون بالنَّبطيةِ، يقالُ للغسَّالِ: حوارِيٌّ

(5)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 290، وابن عبد البر في الاستيعاب 1/ 14 من طريق معمر به

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 290 عن معمر به.

(3)

تفسير مجاهد ص 658، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 340 - وابن أبي حاتم 2/ 659 (3565)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 214 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

تقدم تخريجه في 5/ 442.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 659 (3569) من طريق جويبر، عن الضحاك بمعناه.

ص: 621

وقد تقدَّم بيانُنا في معنى الحوارِيِّ بشواهدِه واختلافِ المُخْتلِفين فيه قبلُ فيما مضَى، فأغنَى عن إعادتِه

(1)

.

وقولُه: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} . يقولُ: قالوا: نحن أنصارُ اللَّهِ على ما بعَث به أنبياءَه من الحقِّ.

وقولُه: {فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فآمَنت طائفةٌ من بني إسرائيلَ بعيسى، وكفَرت طائفةٌ منهم به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المِنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أراد اللَّهُ أن يرفعَ عيسى إلى السماءِ، خرَج إلى أصحابِه - وهم في بيتٍ اثْنا عشرَ رجلًا - من عينٍ في البيتِ ورأسُه يَقْطُرُ مَاءً. قال: فقال: إن مِنكم من سيَكْفُرُ بي اثْنَتَي عشْرةَ مرَّةً بعدَ أن آمَن بي. قال: ثم قال: أيُّكم يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقْتَل مكاني، ويكونَ معي في درَجتي؟ قال: فقام شابٌّ من أحدثِهم سنًّا، قال: فقال: أنا. فقال له: اجْلِسْ. ثم أعاد عليهم، فقام الشابُّ، فقال: أنا. قال: نعم أنت ذاك. قال: فأُلقِيَ عليه شَبَهُ عيسى، ورُفِع عيسى مِن رَوْزَنَةٍ

(2)

في البيتِ إلى السماءِ. قال: وجاء الطَّلَبُ مِن اليهودِ، وأَخَذوا شَبَهَه، فقتَلوه وصَلَبوه، وكفَر به بعضُهم اثْنَتَي عشْرةَ مرَّةً بعد أن آمَن به، فتفرَّقوا ثلاثَ فرَقٍ؛ فقالت فرقةٌ: كان اللَّهُ فينا ما شاء، ثم صعِد إلى السماءِ. وهؤلاء اليعقوبيةُ،

(1)

ينظر ما تقدم في 5/ 442، 443.

(2)

الروزنة: الكُوَّة. اللسان (رزن).

ص: 622

وقالت فرقةٌ: كان فينا ابنُ اللَّهِ ما شاء اللَّهُ، ثم رفَعه إليه. وهؤلاء النُّسْطُوريةُ، وقالت فرقةٌ: كان فينا عبدُ اللَّهِ ورسولُه ما شاء اللَّهُ، ثم رفَعَه اللَّهُ إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهَرت الطائفتان الكافِرتان على المسلمةِ فقَتَلوها، فلم يَزَلِ الإسلامُ طامسًا حتى بعَث اللَّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم. {فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ} . يعني الطائفةَ التي كفَرت من بني إسرائيلَ في زمنِ عيسى، والطائفةَ التي آمَنت في زمنِ عيسى، {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} في إظهارِ محمدٍ دينَهم على دين الكفارِ، فأصبَحوا ظاهرين

(1)

.

وقولُه: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} . يقولُ: فقوَّينا الذين آمَنوا من الطائفتين من بني إسرائيلَ على عدوِّهم، الذين كفَروا منهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ لتصديقِه إيَّاهم أن عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه، وتكذيبِه مَن قال: هو إلهٌ. ومَن قال: هو ابنُ اللَّهِ. تعالى ذِكرُه. {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} : فأصبَحت الطائفةُ المؤمنون ظاهرين على عدوِّهم الكافرين مِنهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} . قال: قوَّيْنا.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ

(2)

، عن إبراهيمَ:

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 546، والنسائي في الكبرى (11591)، وابن أبي حاتم 4/ 1110 (6233)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 47/ 475 من طريق أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 238 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

(2)

في م: "سماك". وتقدم في 9/ 609، 610، 11/ 599.

ص: 623

{فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ} . قال: لما بعَث اللَّهُ محمدًا، ونزَل تصديقُ مَنْ آمَن بعيسى، أصبَحت حجةُ مَن آمَن به ظاهرةً.

قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ

(1)

، عن إبراهيمَ في قولِه:{فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} . قال: أُيِّدوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصدَّقهم وأخبرَ بحُجَّتِهم.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه:{فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} . قال: أصبَحت حجةُ مَن آمَن بعيسى ظاهرةً بتصديقِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم كلمةَ اللَّهِ ورُوحَه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} : مَن آمَن مع عيسى صلى الله عليه وسلم

(3)

.

آخرُ تفسيرِ سورةِ الصفِّ

(1)

في م: "سماك".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 214 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 658، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 214 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 624

‌تفسيرُ سورةِ الجُمُعةِ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

(1)}.

يقولُ تعالى ذِكرُه: يسبِّحُ للَّهِ كلُّ ما في السماواتِ السبعِ، وكلُّ ما في الأرضِ مِن خَلْقِه، ويُعظِّمُه طوعًا وكَرهًا، الملكِ القُدُّوسِ الذي له مُلْكُ الدنيا والآخرةِ وسلطانُهما، النافذِ أمرُه في السماواتِ والأرضِ وما فيهما، {الْقُدُّوسِ} وهو الطاهرُ مِن كلِّ ما يُضِيفُ إليه المشركون به، ويصِفونَه به مما ليس من صفاتِه، المباركُ، {الْعَزِيزِ} . يعني الشديدَ في انتقامِه من أعدائِه {الْحَكِيمِ} في تدبيرِه خَلْقَه، وتَصْرِيفِه إيَّاهم فيما هو أعلمُ به من مصالحِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

(2)}.

يقولُ تعالى ذِكرُه: اللَّهُ الذي بعَث في الأمِّيين رسولًا مِنهم. فقولُه: {هُوَ} . كنايةٌ من اسمِ اللَّهِ.

والأمِّيون هم العربُ. وقد بيَّنا فيما مضَى المعنى الذي من أجلِه قيل للأميِّ: أميٌّ

(1)

.

وبنحوِ الذي قُلنا في الأمِّيين في هذا الموضعِ قال أهلُ التأويلِ.

(1)

ينظر ما تقدم في 2/ 153، 154، 10/ 488 - 492.

ص: 625

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} . قال: العربُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ يُحدِّثُ، لا أعلمُه إلَّا عن مجاهدٍ، أنَّه قال:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} : العربُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} . قال: كان هذا الحيُّ من العربِ أمةً أمِّيَّةً، ليس فيها كتابٌ يقرَءونَه، فبعث اللَّهُ نبيَّه محمدًا رحمةً وهدًى يَهدِيهم به

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} . قال: كانت هذه الأُمةُ أمِّيَّةً لا يقرءُون كتابًا

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} . قال: إنما سُمِّيت أمَّةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم الأمِّيين؛ لأنه لم يُنزِّلْ عليهم كتابًا.

وقال جلَّ ثناؤُه: {رَسُولًا مِنْهُمْ} . يعني: مِن الأمِّيين. وإنما قال: {مِنْهُمْ} . لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان أمِّيًّا، وهو

(4)

من العربِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 291 عن معمر به.

(4)

في م: "ظهر".

ص: 626

وقولُه: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: يقرَأُ على هؤلاء الأمِّيين آياتِ اللَّهِ التي أنزَلها عليه، {وَيُزَكِّيهِمْ}. يقولُ: ويُطهِّرُهم من دَنَسِ الكُفْرِ.

وقولُه: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} . يقولُ: ويُعلِّمُهم كتابَ اللَّهِ، وما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه، وشرائعِ دينِه، {وَالْحِكْمَةَ} . يعني بالحكمةِ السُّنَنَ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} : أي السُّنَّةَ

(1)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: قال: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} أيضًا، كما عَلَّم هؤلاء، يُزكِّيهم بالكتابِ والأعمالِ الصالحةِ، ويُعلِّمُهم الكتابَ والحكمة كما صنَع بالأوَّلين. وقرَأ قولَ اللَّهِ عز وجل:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100]. ممن بَقِي من أهلِ الإسلام إلى أن تقوم الساعةُ. قال: وقد جعَل اللَّهُ فيهم سابقين. وقرَأ قولَ اللَّهِ عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10، 11]. وقال: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 13، 14]. فثُلَّةٌ من الأوّلين سابقون، وقليلٌ السابقون مِن الآخرين، [وقرأ:{وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} ]

(2)

. وقرَأ: {وَأَصْحَابُ

(1)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (90 - زوائد نعيم) عن معمر، عن قتادة، وأخرجه اللالكائي في الاعتقاد (71) من طريق شيبان، عن قتادة. وتقدم في 2/ 576.

(2)

سقط من: م، ت 3.

ص: 627

الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: 27]. حتى بلَغ: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 39، 40] أيضًا. قال: والسابقون من الأوّلين أكثرُ، وهم من الآخرين قليلٌ، وقرَأ:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الآية [الحشر: 10]. قال: هؤلاء [مَن كان]

(1)

مِن أهلِ الإسلامِ إلى أن تقومَ الساعةُ.

وقولُه: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . يقولُ تعالى ذِكره: وقد كان هؤلاء الأمِّيون من قبلِ أن يبعَثَّ اللَّهُ فيهم رسولًا مِنهم في جَوْرٍ

(2)

عن قصدِ السبيلِ، وأخْذٍ على غيرِ هدًى، {مُبِينٍ}. يقولُ: يبينُ لمَن تأمَّلَه أنه ضلالٌ وجَوْرٌ عن الحقِّ وطريقِ الرُّشْدِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: وهو الذي بعَث فى الأمِّيين رسولًا منهم، وفي آخَرين مِنهم. لمَّا يَلْحقوا بهم. فـ "آخَرون" في موضعِ خفضٍ عطفًا على "الأمِّيين"

وقد اخْتُلِف في الذين عُنوا بقولِه: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك العَجَمُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:

(1)

سقط من: م.

(2)

في ت 1: "حرز".

ص: 628

{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: هم الأعاجمُ

(1)

.

حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ طلحةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: هم الأعاجمُ.

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: هم الأعاجمُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: الأعاجمُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال

(2)

: سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ لا أعلمُه إلَّا عن مجاهدٍ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: العجمُ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عمر بنِ عبدِ الرحمنِ القاصِّ

(4)

، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عمرَ أنَّه قال له [أحدُ الأبناءِ]

(5)

: أما إن سورةَ "الجُمُعةِ" أُنزِلت فينا وفيكم، في قتلِكم الكذابَ، ثم قرَأ:{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} حتى بلَغ {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: فأنتم هم

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

بعده في ص، ت 2، ت 3:"قال ابن زيد في قوله"، وفي ت 1:"قال ابن زيد".

(3)

في ت 2، ت 3:"الأعاجم".

(4)

في ص، م:"بن العاص". وينظر التاريخ الكبير 5/ 329.

(5)

سقط من: م. والأبناء: قوم من أبناء فارس. اللسان (ب ن و).

(6)

ينظر تفسير البغوي 8/ 113.

ص: 629

{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا} . قال: الأعاجمُ.

حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ

(1)

، جميعًا عن ثورِ بن زيدٍ، عن [أبي الغيثِ]

(2)

، عن أبي هريرةَ، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزَلت عليه سورةُ "الجمعةِ"، فلما قرَأ:" {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} ". قال رجلٌ: مَن هؤلاءِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: فلم يُراجِعْه النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرَّةً أو مرَّتين أو ثلاثًا، قال: وفينا سلمانُ الفارسيُّ، فوضَع النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدَه على سلمانَ فقال:"لو كان الإيمانُ عندَ الثُّريَّا لنَاله رِجالٌ مِن هؤلاء"

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا عمي، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ المدنيُّ

(4)

، عن ثورِ بنِ زيدٍ

(5)

، عن سالمٍ أبي الغيثِ، عن أبي هريرةَ، قال: كنا جلوسًا عندَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فذكَر نحوَه.

وقال آخرون: إنما عُنِي بذلك جميعُ مَن دخَل في الإسلامِ مِن بعدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كائنًا مَن كان إلى يومِ القيامةِ.

(1)

في ت 2، ت 3:"هلال".

(2)

في ت 2، ت 3:"ابن الليث".

(3)

أخرجه أحمد 15/ 237 (9406)، والبخاري (4898)، ومسلم (2546/ 231)، والنسائي في الكبرى (8278، 18592)، وابن حبان (7308)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان 1/ 2، والبغوي في تفسيره 8/ 113 من طريق عبد العزيز بن محمد به، وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان 1/ 2 من طريق يونس به، وأخرجه البخاري (4897)، والبيهقي في الدلائل 6/ 333 من طريق سليمان به، وأخرجه الترمذي (3310، 3933)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان 1/ 2 من طريق ثور به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.

(4)

في ت 1، ت 2، ت 3:"المديني". وينظر تهذيب الكمال 11/ 372.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يزيد". وينظر تهذيب الكمال 4/ 416.

ص: 630

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: مَن رَدِف الإسلامَ مِن الناسِ كلِّهم

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال: هؤلاء كلُّ مَن كان بعدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى يومِ القيامةِ، كلُّ مَن دخَل في الإسلامِ مِن العربِ والعجمِ

(2)

.

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بذلك كلُّ لاحِقٍ لَحِق بالذين كانوا صَحِبوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في إسلامِهم مِن أيِّ الأجناسِ؛ لأنَّ اللَّهَ عز وجل عمَّ بقولِه: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} كلَّ لاحِقٍ بهم مِن "آخرين"، ولم يَخْصُصْ منهم نوعًا دونَ نوعٍ، فكلُّ لاحقٍ بهم فهو مِن الآخَرين الذين لم يكونوا في عِدادِ الأوَّلين الذين كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتْلو عليهم آياتِ اللَّهِ.

وقولُه: {لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . يقولُ: لم يَجِيئوا بعدُ وسَيَجِيئون.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَمَّا

(1)

تفسير مجاهد ص 659، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 114.

ص: 631

يَلْحَقُوا بِهِمْ}. يقولُ: لم يأْتوا بعدُ.

وقولُه: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . يقولُ: واللَّهُ العزيزُ في انتقامِه ممن كفَر به منهم، الحكيمُ في تدبيرِه خلْقَه.

وقولُه: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل تعالى ذكرُه مِن بِعْثتِه في الأمِّيين مِن العربِ وفي آخَرين

(1)

، رسولًا منهم يَتْلو عليهم آياتِه، ويَفعلُ سائرَ ما وصَف - فَضْلُ اللَّهِ، تفضَّل به على هؤلاء دونَ غيرِهم، {يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}. يقولُ: يُؤْتِي فضلَه ذلك مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، لا يستحقُّ الذمَّ ممن حرَمه اللَّهُ إيَّاه، لأنه لم يَمْنَعْه حقًّا كان له قبلَه، ولا ظلَمه في صَرْفِه عنه إلى غيرِه؛ ولكنه عَلِم مِن هو له أهلٌ، فأَوْدعه إيَّاه وجعَله عندَه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن شبيبٍ

(2)

، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} . قال: الفَضْلُ الدِّينُ

(3)

.

{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . يقولُ: واللَّهُ ذو الفَضْلِ على عبادِه؛ المحسنِ منهم والمسيءِ، والذين بَعث فيهم الرسولَ منهم وغيرِهم، العظيمُ الذي يَقِلُّ فضلُ كلَّ ذي فضلٍ عندَه.

(1)

بعده في ت 1، ت 2:"منهم".

(2)

في ت 2، ت 3:"شعيب".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى ابن المنذر.

ص: 632

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ الذين أُوتوا التوراةَ مِن اليهودِ والنصارى، فحُمِّلوا العملَ بها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}. يقولُ: ثم لم يَعْملوا بما فيها، وكذَّبوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وقد أُمِروا بالإيمانِ به فيها، واتِّباعِه والتصديقِ به، {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. يقولُ: كمثَلِ الحمارِ يحمِلُ على ظَهْرِه كتبًا مِن كتبِ العلمِ لا يَنتفِعُ بها، ولا يَعْقِلُ ما فيها، فكذلك الذين أُوتوا التوراةَ التي فيها بيانُ أمرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، مثلُهم إذا لم يَنْتَفِعوا بما فيها كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ أسفارًا فيها عِلْمٌ، فهو لا يَعْقِلُها ولا يَنْتَفِعُ بها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{يَحْمِلُ أَسْفَارًا} . قال: يَحْمِلُ كتبًا لا يَدْري ما فيها، ولا يَعْقِلُها

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} . قال: يحمِلُ كتابًا لا يَدْري ماذا عليه، ولا ماذا فيه.

(1)

تفسير مجاهد ص 659، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 633

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} . قال: كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ كتبًا، لا يَدْرِي ما على ظَهْرِه

(1)

.

حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} : كتبًا، والكتابُ بالنَّبَطيةِ يُسَمَّى سِفْرًا

(2)

، ضرَب اللَّهُ هذا مثلًا للذين أُعْطوا التوراةَ ثم كفَروا.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} : والأسفارُ الكتبُ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ الذي يقرَأُ الكتابَ ولا يَتَّبِعُ ما فيه، كمثلِ الحمارِ يحملُ كتابَ اللَّهِ الثقيلَ، لا يَدْرِي ما فيه، ثم قال:{بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} الآية.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} . قال: الأسفارُ: التوراةُ يحمِلُها الحمارُ على ظَهْرِه، كما تُحْمَلُ المصاحفُ على الدوابِّ، مثلُ الرجلِ يسافرُ فيحمِلُ مُصْحَفَه. قال:[فلا يَنْتَفِعُ]

(3)

الحمارُ بها حينَ يحمِلُها على ظَهْرِه، كذلك لم يَنْتفِعْ هؤلاء بها حينَ لم يَعْملوا بها وقد أُوتوها، كما لم يَنْتفِعْ بها هذا وهي على ظَهْرِه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} . يقول: كتبًا

(4)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 291 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 215 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ص، ت 2، ت 3:"سفارا"، وفي ت 1:"أسفارا".

(3)

في ص، ت 1:"فينتفع"، وفي ت 2، ت 3:"فلم ينتفع".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 215، 216 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 634

والأسفارُ جمعُ سِفْرٍ، وهي الكتبُ العِظامُ

وقولُه: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} . يقولُ: بئس هذا المثلُ مثلُ القومِ الذين كذَّبوا {بِآيَاتِ اللَّهِ} ، يعني: بأدلَّتِه وحججِه، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ لا يوفِّقُ القومَ الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بآياتِ ربِّهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لليهودِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ} سِواكم، {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في قيلِكم أنكم أولياءُ للَّهِ مِن دونِ الناسِ، فإن اللَّهَ لا يُعذِّبُ أولياءَه، بل يُكْرِمُهم ويُنْعِمُهم، وإن كنتم مُحِقِّين فيما تقولون، فتمنَّوا الموتَ لتَسْتريحوا مِن كَرْبِ الدنيا وهمومِها وغمومِها، وتَصيروا إلى رَوْحِ الجنانِ ونعيمِها بالموتِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا} : قُلْ يأيُّها الذين تابوا، لليهودِ؛ قال موسى:{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]: إنا تُبْنا إليك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} . يقولُ: ولا

ص: 635

يتمنَّى اليهودُ الموتَ أبدًا، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}. يعني: بما اكْتَسبوا في هذه الدنيا مِن الآثامِ، واجْتَرحوا مِن السيئاتِ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}. يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بمن ظلَم مِن خلْقِه نفسَه، فأَوْبَقها بكفرِه باللَّهِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا محمدُ لليهودِ: إن الموتَ الذي تَفِرُّون منه فتكرَهونه، وتأْبَون أن تتمنَّوه، فإنه مُلاقِيكُم ونازلٌ بكم، {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}. يقولُ: ثم يردُّكم ربُّكم مِن بعدِ مماتِكم إلى عالمِ الغيبِ والشهادةِ، عالمِ غيبِ السماواتِ والأرضِ، {وَالشَّهَادَةِ}. يعني: وما شُهِد فظهَر لرأْيِ العينِ، ولم يَغِبْ عن أبصارِ الناظرين.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} . فقال: إنَّ اللَّهَ أذلَّ ابنَ آدمَ بالموتِ. لا أعلمُه إلا رفَعه

(1)

.

{فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . يقولُ: فيخبرُكم حينئذٍ بما كنتم في الدنيا تعملون مِن الأعمال؛ سيِّئِها وحَسنِها؛ لأنه محيطٌ بجميعِها، ثم يجازيكم على ذلك؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ [بما هو أهلُه]

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 291 عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 203 - من طريق خليد، عن قتادة مرفوعا دون شك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 216 إلى ابن المنذر، وعزاه في 6/ 247 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ص: "بإساءته".

ص: 636

الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)}.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن عبادِه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} . وذلك هو النداءُ الذي

(1)

يُنادَى بالدعاءِ إلى صلاةِ الجمعةِ عند قعودِ الإمامِ على المنبرِ للخطبةِ. ومعنى الكلامِ: إذا نُودِي للصلاةِ، مِن صلاةِ يومِ الجمعةِ، {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. يقولُ: فامضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ، واعْملوا له. وأصلُ السعْيِ في هذا الموضعِ العملُ، وقد ذكَرْنا الشواهدَ على ذلك فيما مضى قبلُ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بن عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ مسلمٍ الخَوْلانيِّ في قولِ اللَّهِ:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . قال: فاسْعَوا في العملِ، وليس السعْيُ في المشيِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} : والسعْيُ يا بنَ آدمَ أن تسعى بقلبِك وعملِك، وهو المضيُّ

(3)

إليها

(4)

.

(1)

سقط من: م، ت 1.

(2)

ينظر ما تقدم في 3/ 581.

(3)

في ت 2، ت 3:"المصير".

(4)

أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2966) من طريق سعيد به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى عبد بن حميد.

ص: 637

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قيل لعمرَ رضي الله عنه: إنَّ أُبيًّا يقرَؤُها: {فَاسْعَوْا} . قال: أما إنه أَقْرؤنا وأعلمُنا بالمنسوخِ، وإنما هي:(فامْضوا)

(1)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّرِيُّ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، قال: ما سمِعتُ عمرَ يقرَؤُها قطُّ إلا (فامْضُوا)

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا حنظلةُ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان عمرُ رضي الله عنه يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حنظلةَ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قرَأها:(فامْضُوا)

(3)

.

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ الجُمَحيُّ، أنه سمِع سالمَ بنَ عبدِ اللَّهِ يحدِّثُ عن أبيه، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ يقرَأُ:(إِذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ).

(1)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 185، 186، وابن أبي شيبة 2/ 157 من طريق مغيرة عن إبراهيم عن خرشة، وصحح ابن حجر هذا الإسناد في الفتح 8/ 642. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف. وقراءة:(فامضوا) شاذة لمخالفتها رسم المصحف. ولعلها مما نُسخت تلاوته، أو كان قبل العَرضة الأخيرة، أو مما انعقد الإجماع على تركه؛ لإجماع الصحابة على اتباع مصحف عثمان.

(2)

أخرجه الشافعي في الأم 1/ 196، والدارقطني في العلل 2/ 253 (253)، وأبو نعيم في الحلية 9/ 29، والبيهقي 3/ 227 من طريق سفيان به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (5348) من طريق الزهري به - وهو عنده في التفسير 2/ 291 بنفس السند مِن قراءة ابن عمر - وأخرجه مالك 1/ 106 عن الزهري: كان عمر يقرأ

، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (5350) عن الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى عبد بن حميد.

ص: 638

قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنَّ عبَد اللَّهِ بنَ عمرَ قال: لقد توفَّى اللَّهُ عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه، وما يقرَأُ هذه الآية التي ذكَر اللَّهُ فيها الجمعةَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} . إلا

(1)

(فامْضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ). ويقولُ: لو قرأتُها: {فَاسْعَوْا} لسعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: لو كان السعْيُ لسعَيْتُ حتى يسقطَ رِدائي. قال: ولكنها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ). قال: هكذا كان يقرَؤُها.

حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ الأَزْدِيُّ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، أنه كان يقرَؤُها:(فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ)

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ أنه قرَأها:(فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ)

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، [عن ابنِ جريجٍ]

(4)

، عن عطاءٍ، قال: هي للأحرارِ.

(1)

ليست في: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 157 عن أبي معاوية به.

(3)

تفسير مجاهد ص 659 من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان أُبَيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود يقرآنها: (فامضوا إلى ذكر الله).

(4)

سقط من: ص، ت 3، وبعده في ت 1، ت 2:"عن سفيان".

ص: 639

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ، قال: عندَ الوقْتِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} . قال: الوقتِ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو عندَ العَزْمةِ، عندَ الخطبةِ، عندَ الذكرِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} . قال: النداءُ عندَ الذكرِ عزيمةٌ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} . قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: لو قرأْتُها: {فَاسْعَوْا} ، لسَعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي. وكان يقرَؤُها:(فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ)

(3)

.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن الشعبيِّ، عن ابنِ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (5219) عن الثوري به.

(2)

في م، ص:"عند الوقت".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (5349) - ومن طريقه الطبراني (9539) -، وابن عبد البر في التمهيد 20/ 232، من طريق سفيان عن الأعمش به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 186 من طريق المغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري.

ص: 640

مسعودٍ، قال: قرَأها: (فامْضُوا).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حيانَ، عن عكرمةَ:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . قال: السعْيُ العملُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . قال: إذا سمِعْتم الداعيَ الأوَّلَ، فأجِيبوا إلى ذلك وأسْرِعوا ولا تُبْطِئوا. قال: ولم يكنْ في زمانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أذانٌ إلا أذانانِ؛ أذانٌ حينَ يَجلِسُ على المنبرِ، وأذانٌ حينَ تُقامُ الصلاةُ. قال: وهذا الآخرُ شيءٌ أحدَثه

(2)

الناسُ بعدُ. قال: ولا يَحِلُّ له البيعُ إذا سَمِع النداءَ الذي يكونُ بينَ يدَيِ الإمامِ إذا قعَد على المنبرِ. وقرَأ: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} . قال: ولم يَأْمُرْهم يَذَرُون شيئًا غيرَه، حرَّم البيعَ، ثم أَذِن لهم فيه إذا فرَغوا مِن الصلاةِ. قال: والسعْيُ أن يُسْرِعَ إليها، أن يُقْبِلَ إليها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنَّ في حرفِ ابنِ مسعودٍ:(إذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ)

(3)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} : السعْيُ هو العملُ، قال اللَّهُ:{إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4].

وقولُه: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} . يقولُ: ودَعُوا البيعَ والشراءَ إذا نُودِي للصلاة عندَ الخطبةِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ت 1: "أخذ به".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (5346)، وفي التفسير 2/ 291 - ومن طريقه الطبراني (9540) عن معمر به.

ص: 641

وكان الضحاكُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ

(1)

، عن الضحاكِ، قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} . قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ.

حدَّثنا

(3)

مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان قومٌ يجلِسون في بقيعِ الزبيرِ، فيشترون ويَبِيعون إذا نُودِي للصلاةِ يومَ الجمعةِ، ولا يقومون، فنزَلت:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} .

وأما الذِّكْرُ الذي أمرَ اللَّهُ تبارك وتعالى بالسعْيِ إليه عبادَه المؤمنين، فإنه موعظةُ الإمامِ في خطبتِه فيما قيل.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} . قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ.

حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ، قال: أخبَرنا منصورٌ، رجلٌ مِن أهلِ الكوفةِ، عن موسى بنِ أبي كثيرٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . قال: فهي موعظةُ الإمامِ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ بعدُ

(4)

.

(1)

في ت 2، ت 3:"جرير".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (5223) عن الثوري به، وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 134 من طريق جويبر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى عبد بن حميد.

(3)

القائل هو ابن حميد.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 219 إلى ابن أبي شيبة.

ص: 642

وقولُه: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . يقولُ: سَعْيُكم إذا نُودِي للصلاةِ مِن يومِ الجمعةِ إلى ذكرِ اللَّهِ، وتَرْكُ البيعِ، خيرٌ لكم مِن البيعِ والشراءِ في ذلك الوقتِ، إن كنتم تعلمون مصالحَ أنفسِكم ومضارَّها.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} ؛ فقرَأتْ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {الْجُمُعَةِ} بضمِّ الميمِ والجيمِ، خلا الأعمشِ فإنه قرَأها بتخفيفِ الميمِ

(1)

.

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا قُضِيت صلاةُ الجمعةِ يومَ الجمعةِ، فانتشِروا في الأرضِ إن شِئْتم ذلك؛ رخصةً مِن اللَّهِ لكم في ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ. يعني قولَه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} .

حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} . قال:

(1)

وبها قرأ ابن الزبير وأبو حيوة وابن أبي عبلة ورواية عن أبي عمرو وزيد بن علي. البحر المحيط 8/ 267.

ص: 643

هذا إذنٌ مِن اللَّهِ، فمَن شاء خرَج، ومَن شاء جلَس.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أذِن لهم إذا فرَغوا من الصلاةِ، فقال:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} فقد أحْلَلْتُه لكم.

وقولُه: {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} . ذُكِر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في تأويلِ ذلك ما حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ المُعافَى بن يعقوبَ الموصليُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ الصائغُ

(1)

مِن الموصلِ، عن أبي خلفٍ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في قولِه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} قال: "ليس لطلبِ دُنْيَا، ولكن عيادةَ مريضٍ، وحضورَ جنازةٍ، وزيارةَ أخٍ في اللَّهِ"

(2)

.

وقد يَحتَمِلُ قولُه: {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} . أن يكونَ معنيًّا به: والْتَمِسوا مِن فضلِ اللَّهِ الذي بيدِه مفاتيحُ خَزائِنه لدنياكم وآخرتِكم.

وقولُه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . يقولُ: واذْكُرُوا اللَّهَ كثيرًا بالحمدِ له، والشكرِ على ما أنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لأداءِ فرائضِه، لتُفْلِحوا، فتُدْرِكوا طَلباتِكم عندَ ربِّكم، وتَصِلوا إلى الخلدِ في جنانِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأَى المؤمنون عيرَ تجارةٍ أو لهوًا، {انْفَضُّوا إِلَيْهَا} .

(1)

في ت 2، ت 3:"الصانع".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 220 إلى المصنف.

ص: 644

يعني: أسْرَعوا إلى التجارةِ، {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}. يقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: وترَكوك يا محمدُ قائمًا على المنبرِ. وذلك أن التجارةَ التي رأَوْها فانْفَضَّ القومُ إليها وترَكوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قائمًا، كانت زيتًا قدِم به دِحْيةُ بنُ خليفةَ مِن الشامِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: قدِم دحيةُ بنُ خليفةَ بتجارةِ زيتٍ من الشامِ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فلمَّا رأَوْه قاموا إليه بالبَقيعِ، خشُوا أن يُسْبَقوا إليه. قال: فنزَلَت: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن مرةَ

(2)

: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} . قال: جاء دِحْيةُ الكلبيُّ بتجارةٍ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قائمٌ في الصلاةِ يومَ الجمعةِ، فترَكوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وخرَجوا إليه، فنزَلَت:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} حتى ختَم السورةَ (1).

حدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الجمعةِ، فمرَّت عِيرٌ تَحْمِلُ الطعامَ. قال: فخرَج الناسُ إلا اثني عشَرَ رجلًا، فنزَلَت آيةُ الجمعةِ

(3)

.

(1)

ينظر فتح الباري 2/ 423.

(2)

في ص، ت 1، ت 2:"قرة". وينظر تهذيب الكمال 27/ 379.

(3)

أخرجه النسائي في الكبرى (11593)، والواحدي في أسباب النزول ص 320 من طريق أبي حصين =

ص: 645

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: إن أهلَ المدينةِ أصابهم جوعٌ وغَلاءُ سعرٍ، فقدِمت عِيرٌ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فسمِعوا بها، فخرَجوا والنبيُّ صلى الله عليه وسلم، قائمٌ، كما قال اللَّهُ عز وجل

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} . قال: جاءت تجارةٌ، فانْصَرفوا إليها، وترَكوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قائمًا، فإذا رأَوْا لهوًا ولعبًا، قُل:{مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} .

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} . قال: رجالٌ كانوا يقومون إلى نَواضحِهم

(2)

وإلى السفرِ يَبْتَغون التجارةَ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: بينما رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجمعةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويَقُومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال:"كم أنتم؟ ". فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشرَ رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثانيةِ فجعَل يَخْطُبُهم. قال سفيانُ: ولا أعْلَمُ إلا أن في حديثِه: ويَعِظُهم

= عبد الله بن أحمد به، وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 113، وأحمد 22/ 256، 23/ 228 (14356، 14978)، والبخاري (936، 2058، 2064، 4899)، ومسلم (863)، والواحدي ص 319 من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 220 إلى سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 292 عن معمر به.

(2)

نواضحهم: إبلهم. ينظر النهاية 5/ 69.

(3)

تفسير مجاهد ص 660.

ص: 646

ويُذَكِّرُهم. فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت عِصابةٌ، فقال:"كم أنتم؟ " فعَدُّوا أنفسَهم

(1)

، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثالثةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال:"كم أنتم؟ ". فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، فقال:"والذي نفسي بيدِه لو اتَّبَع آخرُكم أولَكم لَالتهَبَ عليكم الوادي نارًا". وأنْزَل اللَّهُ عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} . قال: لو اتَّبَع آخرُهم أولَهم لَالْتَهَب عليهم الوادي نارًا

(3)

.

قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ: لم يَبْقَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَئذٍ إلا اثنا عشرَ رجلًا، وامرأةٌ معهم

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن سالمٍ وأبي سفيانَ، عن جابرٍ في قولِه:{وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} . قال: قدِمَت عِيرٌ، فانْفَضُّوا إليها، ولم يَبْقَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشرَ رجلًا

(4)

.

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينٍ، عن سالمٍ،

(1)

في ت 2: "أنفسكم".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 221 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 292 عن معمر به.

(4)

أخرجه مسلم (863)، والترمذي (3311) بدون ذكر سالم، وابن حبان (6876، 6877)، من طريق هشيم به.

ص: 647

عن جابرٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَخْطُبُ قائمًا يومَ الجمعةِ، فجاءت عِيرٌ مِن الشامِ، فانْفَتل الناسُ إليها، حتى لم يَبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلًا. قال: فأُنزلَت هذه الآيةُ في "الجمعةِ": {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}

(1)

.

وأما اللهوُ، فإنه اخْتُلِف مِن أيِّ أجناسِ اللهوِ كان؛ فقال بعضُهم: كان كَبَرًا

(2)

ومَزاميرَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان الجواري إذا نُكِحوا، كانوا يَمُرُّون بالكَبَرِ والمزاميرِ ويَتْرُكون النبيَّ صلى الله عليه وسلم قائمًا على المنبرِ ويَنْفَضُّون إليها، فأنْزَل اللَّهُ:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا}

(3)

.

وقال آخرون: كان طَبْلًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللهوُ الطَّبْلُ

(4)

.

(1)

أخرجه مسلم (863)، وابن خزيمة (1823)، والبيهقي (19713) من طريق جرير به، وأخرجه الترمذي عقب الحديث (3311) من طريق حصين به.

(2)

الكبر: الطبل، وقيل: هو الطبل ذو الرأسين. وقيل: الطبل الذي له وجه واحد بلغة أهل الكوفة. التاج (ك ب ر).

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 221 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

تفسير مجاهد ص 660.

ص: 648

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ

(1)

، قال: ثنا ورقاءُ، قال: ذكَر عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ، أن اللهوَ هو الطَّبْلُ.

والذي هو أولى بالصوابِ في ذلك الخبرُ الذي روَيْناه عن جابرٍ؛ لأنه قد أدْرَك أمرَ القومِ شاهَدهم

(2)

.

وقولُه: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} . يقول جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ لهم يا محمدُ: الذي عندَ اللَّهِ مِن الثوابِ، لمن جلَس مُسْتَمِعًا خطبةَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وموعظتَه يومَ الجمعةِ إلى أن يَفْرُغَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منها - خيرٌ له مِن اللهوِ ومِن التجارةِ التي يَنفَضُّون إليها، {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. يقولُ: واللَّهُ خيرُ رازقٍ، فإليه فارْغَبوا في طلب أرزاقِكم، وإياه فاسْأَلوا أن يُوَسِّعَ عليكم مِن فضلِه دونَ غيرِه.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الجُمُعةِ"

(1)

في ت 2، ت 3:"الأشعث".

(2)

في م: "مشاهدهم".

ص: 649

‌تفسيرُ سورةِ "المنافقين"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ

(1)}.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} يا محمدُ، {قَالُوا} بألسنتِهم:{نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} . قال المنافقون ذلك أو لم يقولوه، {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. يقولُ: واللَّهُ يَشْهَدُ إن المنافقين لَكاذبون في إخبارِهم عن أنفسِهم أنها تَشْهَدُ إنك لرسولُ اللَّهِ، وذلك أنها لا تَعْتَقِدُ ذلك، ولا تُؤْمِنُ به، فهم كاذبون في خبرِهم عنها بذلك.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ

(1)

في قولِه: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} : إنما كذَّب ضميرَهم؛ لأنهم أضْمَروا النفاقَ، فكما لم يَقْبَلْ إيمانَهم وقد أظْهَروه، فكذلك جعَلهم كاذبين؛ لأنهم أضْمَروا غيرَ ما أظْهَروا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

(2)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: اتَّخَذ المنافقون أيمانَهم جُنَّةً، وهي حَلِفُهم.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} . أي: حلِفَهم جُنَّةً.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 158.

ص: 650

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} . قال: يَجْتَنُّون بها. قال: ذلك بأنهم آمَنوا، ثم كفَروا

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكُ يقولُ في قولِه: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} . يقولُ: حَلِفَهم باللَّهِ إنهم لمنكم، جُنَّةً

(2)

.

وقولُه: {جُنَّةً} . أي: سُتْرةً يَسْتَتِرون بها، كما يَسْتَتِرُ المُسْتَجِنُّ بِجُنَّتِه في حربٍ وقتالٍ، فيَمْنَعون بها أنفسَهم وذَراريَّهم وأموالَهم، ويَدْفَعون بها عنهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{جُنَّةً} : ليَعْصِموا بها دماءَهم وأموالَهم

(3)

.

وقولُه: {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . يقولُ: فأَعْرَضوا عن دينِ اللَّهِ الذي بعَث به نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وشريعتِه التي شرَعها لخلقِه، {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. يقولُ: إن هؤلاء المنافقين الذين اتَّخَذوا أيمانَهم جُنَّةً، ساء ما كانوا يَعْمَلون [في الدنيا]

(4)

في اتخاذِهم أيمانَهم جُنَّةً؛ لكذِبِهم ونفاقِهم، وغيرِ ذلك من أمورِهم.

(1)

تفسير مجاهد ص 661، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في فتح الباري 8/ 646.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 123.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 223 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(4)

ليست في: ص، م، ت 1، ت 2.

ص: 651

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

(3)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنما

(1)

ساء ما كانوا يَعْمَلون هؤلاء المنافقون الذين اتَّخَذوا أيمانَهم جُنةً؛ مِن أجلِ أنهم صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ثم كفَروا بشكِّهم في ذلك وتكذيبِهم به.

وقولُه: {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} . يقولُ: فجعَل اللَّهُ على قلوبِهم خَتْمًا بالكفرِ عن الإيمانِ، وقد بيَّنَّا في موضعٍ غير هذا صفةَ الطَّبْعِ على القلبِ بشواهدِها وأقوالِ أهلِ العلمِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

وقولُه: {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فهم لا يَفْقَهون صوابًا مِن خطإٍ، وحقًّا من باطلٍ؛ لطبعِ اللَّهِ على قلوبِهم.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} : أَقَرُّوا بلا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقلوبُهم مُنْكِرَةٌ تَأْبَى ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

(4)}.

يقولُ جلَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وإذا رأيْتَ هؤلاء المنافقين يا محمدُ تُعْجِبُك أجسامُهم؛ لاستواءِ خَلْقِها، وحُسنِ صُوَرِها، {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} .

(1)

في م، ت 1:"إنهم".

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 267.

ص: 652

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإن يَتَكَلَّموا تَسْمَعْ كلامَهم، يُشْبِهُ مَنْطِقُهم منطقَ الناسِ، {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ}. يقولُ: كأن هؤلاء المنافقين خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ، لا خيرَ عندَهم، ولا فقهَ لهم ولا علمَ، وإنما هم صورٌ بلا أحلامٍ، وأشباحٌ

(1)

بلا عقولٍ.

وقولُه: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: يَحْسَبُ هؤلاء المنافقون مِن خُبثِهم

(2)

وسوءِ ظنِّهم وقلةِ يقينِهم، كلَّ صيحةٍ عليهم؛ لأنهم على وَجَلٍ أن يُنْزِلَ اللَّهُ فيهم أمرًا يَهْتِكُ به أستارَهم ويَفْضَحُهم، ويُبِيحُ للمؤمنين قتلَهم وسَبْيَ ذَراريِّهم وأخْذَ أموالِهم، فهم مِن خوفِهمِ مِن ذلك، كلَّما نزَل بهم مِن اللَّهِ وحيٌّ على رسولِه، ظنُّوا أنه نزَل بهلاكِهم وعَطَبِهم. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: هم العدُوُّ يا محمدُ فاحْذَرْهم، فإن ألسنتَهم إذا لَقُوكم معكم، وقلوبَهم عليكم مع أعدائِكم، فهم عينٌ لأعدائِكم عليكم.

وقولُه: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} . يقولُ: أخْزاهم اللَّهُ، إلى أيِّ وجهٍ يُصْرَفون عن الحقِّ.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسمِعْتُه يقولُ في قولِ اللَّهِ:{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} الآية. قال: هؤلاء المنافقون.

واختلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ خلا الأعمشِ والكِسائيِّ: {خُشُبٌ} بضمِّ الخاءِ والشينِ

(3)

. كأنهم وجَّهوا ذلك إلى جمعِ الجمعِ، جمَعوا الخشبةَ خِشَابا، ثم جمعوا الخِشابَ خُشُبًا، كما جُمِعَت الثمرةُ ثِمارًا، ثم ثُمُرًا. وقد يَجوزُ أن يكونَ الخُشُبُ بضمِّ الخاءِ

(1)

في ت 2، ت 3:"أجسام".

(2)

في ت 1: "خبتهم".

(3)

هي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة. حجة القراءات ص 709.

ص: 653

والشينِ، إلى أنها جمعُ خَشَبةٍ، فتُضَمُّ الشينُ منها مرةً، وتُسَكَّنُ أخرى، كما جمَعوا الأَكَمةَ أُكُمًا وأُكْمًا، بضمِّ الألفِ والكافِ مرةً، وتسكينِ الكافِ منها مرةً، وكما قيل: البُدْنُ والبُدُنُ. بضمِّ الدالِ وتسكينِها لجمعِ البَدَنةِ. وقرَأ ذلك الأعمشُ والكِسائيُّ: (خُشْبٌ) بضمِّ الخاءِ، وسكونِ الشينِ

(1)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان فَصيحتان، وبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتسكينُ الأوسطِ فيما جاء مِن جمعِ فَعَلة على فُعْل في الأسماءِ، على ألسنِ العربِ أكثرُ، وذلك كجمعِهم البَدَنةَ بُدْنًا، والأَجَمةَ أُجْمًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالَوْا إلى رسولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لكم، {لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ}. يقولُ: حرَّكوها وهزُّوها؛ استهزاءً برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وباستغفارِه. وبتشديدِ الواوِ مِن {لَوَّوْا} قرَأَت القرأةُ، على وجهِ الخبرِ عنهم أنهم كرَّوا هزَّ رءوسِهم وتحريكَها وأكْثَروا، إلا نافعًا فإنه قرَأ ذلك بتخفيفِ الواوِ:(لوَوْا) على وجهِ أنهم فعَلوا ذلك مرةً واحدةً

(2)

.

والصوابُ مِن القول في ذلك قراءةُ مَن شدَّد الواوَ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. وقولُه: {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ورأيْتَهم يُعْرِضون عما دُعُوا إليه بوجوهِهم، {وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ}. يقولُ: وهم مُسْتَكْبِرون

(1)

وهي قراءة أبي عمرو أيضًا. ينظر حجة القراءات ص 709، ومعاني القرآن للفراء 3/ 158.

(2)

ينظر حجة القراءات ص 709.

ص: 654

عن المصيرِ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليستغفرَ لهم.

وإنما عُنِي بهذه الآياتِ كلِّها، فيما ذُكِر، عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ؛ وذلك أنه قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنْفَضُّوا. وقال: لئن رجعنَا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسمِع بذلك زيدُ بنُ أرقمَ، فأخبَر به رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فدعاه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فسأَله عما أُخْبِر به عنه، فحلَف: إنه ما قاله، وقيل له: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فسأَلْتَه أن يستغفِرَ لك. فجعَل يَلْوِي رأسَه، ويحرِّكُه استهزاءً، ويعني بذلك أنه غيرُ فاعلٍ ما أشاروا به عليه، فأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فيه هذه السورةَ، من أولِها إلى آخرِها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبار.

ذكرُ الرواية التي جاءت بذلك

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: خرَجْتُ مع عمي

(1)

في غَزاةٍ، فسمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ يقولُ لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنفَضُّوا، لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ. قال: فذكَرْتُ ذلك لعمي، فذكَره عمي لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأرْسَل إليَّ، فحدَّثْتُه، فأرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ عليًّا رضي الله عنه وأصحابِه، فحلَفوا: ما قالوا. فكذَّبني رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وصدَّقه. فأصابني همٌّ لم يُصِبْني مثلُه قطُّ، فدخَلْتُ البيتَ، فقال لي عمي: ما أردتَ إلى

(2)

أن كذَّبك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ومقَتَك. قال: حتى أنْزَل اللَّهُ عز وجل: {إِذَا جَاءَكَ

(1)

هنا وما سيأتي في ت 2، ت 3:"عمر".

(2)

في ت 1، ت 3:"إلا".

ص: 655

الْمُنَافِقُونَ}. قال: فبَعث إليَّ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقرَأها، ثم قال:"إِن اللَّهَ عز وجل قد صدَّقك يا زيدُ"

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ والقاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ أبى

(2)

بُكيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: الحكمُ أخْبَرني، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرظيَّ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ أرقمَ قال: لما قال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ ما قال: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ، وقال: لئن رجَعنا إلى المدينةِ. قال: سمِعْتُه، فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فذكَرْتُ ذلك، فلامَني ناسٌ مِن الأنصارِ. قال: وجاء هو، فحلَف: ما قال ذلك. فرجَعْتُ إلى المنزلِ فنِمْتُ. قال: فأتاني رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أو بلَغني - فأتَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"إن اللَّهَ تبارك وتعالى قد صدَّقك وعذَرك". قال: فنزَلَت الآيةُ: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هاشمٌ أبو النضرِ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ أرقمَ يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن

(1)

أخرجه أحمد في المسند 4/ 373 (الميمنية) من طريق يحيى ابن آدم به، وأخرجه عبد بن حميد (262)، والبخاري (4900، 4901، 4904)، والترمذي (3312)، والطبراني (5051) من طريق إسرائيل به، وأخرجه البخاري (4903)، ومسلم (2772)، والنسائي في الكبرى (11598)، والطبراني (5050) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 222 إلى ابن سعد وابن المنذر وابن مردويه.

(2)

سقط من ص، م. ينظر تهذيب الكمال 31/ 245.

(3)

أخرجه البخاري (4902)، والنسائي في الكبرى (11597)، والترمذي (3314)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند 4/ 370 - من طريق شعبة به.

(4)

أخرجه أحمد 4/ 370 (الميمنية) عن هاشم به.

ص: 656

الحكمِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ: لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال: فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأخبَرتُه، فحلَف عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ: إنه لم يكنْ شيءٌ مِن ذلك. قال: فلامني قومي وقالوا: ما أرَدْتَ إلى هذا؟ قال: فانطلَقتُ فنمْتُ كئيبًا - أو حزينًا - قال: فأرسَل إليَّ نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أو أتَيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:"إن اللَّهَ قد أنزَل عُذْرَك وصدَّقك". قال: ونزَلَت هذه الآيةُ: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} حتى بلَغ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، قال: أخْبَرني ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، قال: سمِعَها زيدُ بنُ أرقمَ، فرفَعها إلى وليِّه. قال: فرفَعها وليُّه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال: فقيل لزيدٍ: وفَت أذُنُك.

حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى بشيرُ بنُ مسلمٍ، أنه قيل لعبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ: يا أبا حُبابٍ، إنه قد أُنْزِل فيك آيٌ شِدادٌ، فاذهَبْ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يستغفِرْ لك. فلوَّى رأسَه، وقال: أمَرتموني أن أومِنَ فآمَنتُ، وأمَرتموني أن أُعطيَ زكاةَ مالي فأعطَيت، فما بقِي إلا أن أسجدَ لمحمدٍ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا} الآية كلها، قرَأها إلى:{الْفَاسِقِينَ} : أُنْزِلت في عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ؛ وذلك أن غلامًا مِن قرابتِه انطلَق إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فحدَّثه

(1)

أخرجه أحمد 4/ 368 (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (11597) من طريق محمد بن جعفر به.

ص: 657

بحديثٍ عنه وأمرٍ شديدٍ، فدعاه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يحلِفُ ويتبرأُ مِن ذلك، وأقبَلت الأنصارُ على ذلك الغلامِ، فلاموه وعذَلوه، وقيل لعبدِ اللَّهِ: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فجعَل يُلَوِّي رأسَه. أي: لستُ فاعلًا، وكذَب علي، فأَنْزَل اللَّهُ ما تَسْمَعون.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ} ، قال: عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، قيل له: تَعالَ يستغفرْ لك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فلوَّى رأسَه، وقال: ماذا قلتُ؟

(1)

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال له قومُه: لو أتَيْتَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فاستغفَر لك. فجعل يُلَوِّي رأسه، فنزَلَت فيه:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: سواءٌ يا محمدُ على هؤلاء المنافقين الذين قيل لهم: تعالَوْا يستغفرْ لكم رسولُ اللَّهِ. أستغفرت لهم ذنوبَهم، {أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}. يقولُ: لن يصفحَ اللَّهُ لهم عن ذنوبِهم، بل يُعاقِبُهم عليها، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}. يقولُ: إن اللَّهَ لا يُوفِّقُ

(1)

تفسير مجاهد ص 661، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 224 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 294 عن معمر به ومن طريقه ابن بشكوال في غوامض الأسماء 2/ 764، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 224 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 658

للإيمانِ القومَ الكاذبين

(1)

عليه، الكافرين به، الخارجين عن طاعتِه.

وقد حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} . قال: نزَلَت هذه الآيةُ بعدَ الآيةِ التي في سورةِ التوبةِ: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " [سوف أستغفرُ لهم]

(2)

زيادةً على سبعين مرةً". فأنْزَل اللَّهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ} . يعني المنافقين الذين يقولون لأصحابِهم

(4)

: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} مِن أصحابِه المهاجرين، {حَتَّى يَنْفَضُّوا}. يقولُ: حتى يتفرَّقوا عنه.

وقولُه: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . يقولُ: وللَّهِ جميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِن شيءٍ، وبيده مفاتيحُ خزائنِ ذلك، لا يقدرُ أحدٌ أن يُعْطِيَ أحدًا شيئًا إلا بمشيئتِه، {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} أن ذلك كذلك؛ فلذلك يقولون: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى ينفَضُّوا.

(1)

في ت 2، ت 3:"الظالمين".

(2)

سقط من: م.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 224 إلى المصنف.

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"لأصحابه".

ص: 659

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} . يقولُ: لا تُطْعِموا محمدًا وأصحابَه حتى تُصِيبَهم مَجاعةٌ فيَترُكوا نبيَّهم.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} قرَأها إلى آخرِ الآيةِ: وهذا قولُ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ لأصحابِه المنافقين: لا تُنْفِقوا على

(1)

محمدٍ وأصحابِه حتى يَدَعوه، فإنكم لولا أنكم تُنْفِقون عليهم لتَرَكوه وأجلَوْا عنه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} : إن عبدَ اللَّهِ بْنَ أبيٍّ قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ، فإنكم لو لم تُنْفِقوا عليهم قد انفَضُّوا

(2)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُوا} . يعني الرِّفْدَ والمعونةَ، وليس يعني الزكاةَ المفروضةَ، والذين قالوا هذا هم المنافقون.

حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي

(1)

بعده في ت 2: "من عند".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 293 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 225 إلى عبد بن حميد.

ص: 660

زائدةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: لمَّا قال ابنُ أبيٍّ ما قال أخبَرتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فجاء فحلَف، فجعَل الناسُ يقولون لي: تأتى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالكذبِ؟! حتى جلَسْتُ في البيتِ؛ مخافةَ إذا رأَوْني قالوا: هذا الذي يكذِبُ. حتى أُنْزِل: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المنافقون الذين وصَف صفتَهم قبلُ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} فيها، ويعني بالأعزِّ الأشدَّ والأقوى. قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} . يعني: الشدةُ والقوةُ، {وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} باللَّهِ، {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ذلك.

وذُكِر أن سببَ قيلِ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، كان مِن أجْلِ أن رجلًا مِن المهاجرين كسَع

(2)

رجلًا من الأنصارِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا زَمْعةُ

(3)

، عن عمرِو، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، قال: إن الأنصارَ كانوا أكثرَ مِن المهاجرين، ثم إن المهاجرين كَثُروا، فخرَجوا في غزوةٍ لهم، فكسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا مِن

(1)

أخرجه الطبراني (4979) من طريق أسد بن موسى به، وأخرجه النسائي في الكبرى (11594)، والطبراني (4979) من طريق يحيى به.

(2)

كسع: ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه. ينظر الوسيط (ك س ع).

(3)

في ت 2، ت 3:"ربعة".

ص: 661

الأنصارِ. قال: فكان بينَهما قتالٌ إلى أن صرَخ: يا معشرَ الأنصارِ، وصرَخ المهاجرُ: يا معشرَ المهاجرين. قال: فبلَغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما لكم ولِدَعْوةِ الجاهليةِ؟ ". فقالوا: كسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا مِن الأنصارِ. قال: فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "دَعُوها فإنها مُنْتِنَةٌ". قال: فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، دَعْني فأقتُلَه. قال: فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدثُ الناسُ أن رسولَ اللَّهِ يقتلُ أصحابَه"

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ} إلى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} . قال: قال ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ الأنصاريُّ رأسُ المنافقين وناسٌ معه مِن المنافقين.

حدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحكمِ، قال: ثنى أبي، عن عكرمةَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ كان له ابنٌ يقالُ له حُبابٌ. فسمَّاه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عبدَ اللَّهِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن والدي يُؤْذِي اللَّهَ ورسولَه، فذَرْني حتى أقتلَه. فقال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لا تَقْتُلْ أباك". ثم جاءه أيضًا فقال: يا رسولَ اللَّهِ، [إن والدي يُؤْذِي اللَّهَ ورسولَه، فذَرْني حتى أقتلَه. فقال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَقْتُلْ أباك". فقال: يا رسولَ اللَّهِ]

(2)

، توَضَّأْ حتى أَسْقِيَه مِن وَضوئِك؛ لعلَّ قلبَه

(1)

أخرجه أحمد 23/ 388 (15223)، والبخاري (4905، 4907)، ومسلم (2584/ 63، 64)، والنسائي في الكبرى (11599، 10813)، والترمذي (3315) من طريق عمرو به، وأخرجه مسلم (2584) من طريق جابر به.

(2)

سقط من: ت 1.

ص: 662

أن يَلِينَ. فتَوَضَّأَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأعطاه، فذهَب به إلى أبيه فسقاه، ثم قال له: هل تَدْرِي ما سقيتُك؟ فقال له والدُه: نعم، سقيتَني بولَ أمِّك. فقال له ابنُه: لا واللَّهِ، ولكن سقيتُك وَضوءَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قال عكرمةُ: وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ عظيمَ الشأنِ فيهم. وفيهم أُنْزِلَت هذه الآيةُ؛ في المنافقين: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} . وهو الذي قال: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} . قال: فلما بلَغوا المدينَة؛ مدينةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، ومَن معه، أخَذ ابنُه السيفَ، ثم قال لوالدِه: أنت تَزْعُمُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فواللَّهِ لا تدْخُلُها حتى يَأْذَنَ لك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أن رجلًا مِن المهاجرين كسَع رجلًا مِن الأنصارِ برجلِه، وذلك في أهلِ اليمنِ شديدٌ، فنادَى: يا لَلمهاجرين، ياللأنصارِ. قال: والمهاجرون يومَئذٍ أكثرُ مِن الأنصارِ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "دَعُوها فإنها مُنْتِنَةٌ". فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} .

حدَّثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، أن زيدَ بنَ أرقمَ أخبَره أن عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ قال: لا تنفِقوا على من عندَ رسولِ اللَّهِ حتى ينفضُّوا. وقال: لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال: فحدَّثني زيدٌ أنه أخْبَر رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بقولِ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ، قال: فجاء عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ فحلَف لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ما قال ذلك. قال أبو إسحاقَ: فقال لي زيدٌ: فجلَسْتُ في بيتي حتى أنْزَل اللَّهُ تصديقَ زيدٍ، وتكذيبَ

(1)

ذكره الحافظ في الفتح 8/ 650.

ص: 663

عبدِ اللَّهِ في: "إذا جاءك المنافقون".

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} ، قرَأ الآيةَ كلَّها إلى:{لَا يَعْلَمُونَ} . قال: قد قالها منافقٌ عظيمُ النفاقِ في رجلين اقْتَتَلا؛ أحدُهما غِفاريٌّ، والآخرُ جُهَنيٌّ، فظهَر الغِفاريُّ على الجُهَنيِّ، وكان بينَ جُهَيْنةَ والأنصارِ حِلْفٌ، فقال رجلٌ مِن المنافقين، وهو ابنُ أبيٍّ: يا بني الأوسِ، يا بني الخزرجِ، عليكم صاحبَكم وحليفَكم. ثم قال: واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكلْك

(1)

، واللَّهِ لئن رجعْنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسعَى بها بعضُهم إلى نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال عمرُ: يا نبيَّ اللَّهِ، مُرْ معاذَ بنَ جبلٍ أَن يَضْرِبَ عُنُقَ هذا المنافقِ. فقال:"لا يتحدثُ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه".

ذُكِر لنا أنه كان أُكثِرَ على رجلٍ من المنافقين عندَه. فقال: "هل يُصَلِّي؟ ". فقال: نعم، ولا خيرَ في صلاتِه. فقال:"نُهِيتُ عن المصلِّين، نُهِيتُ عن المصلِّين".

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: اقْتَتَل رجلان؛ أحدُهما من جُهينةَ، والآخرُ مِن غِفارٍ، وكانت جُهَيْنةُ حليفةَ

(2)

الأنصارِ، فظهَر عليه الغِفاريُّ. فقال رجلٌ منهم عظيمُ النفاقِ: عليكم صاحبَكم عليكم صاحبَكم، فواللَّهِ ما مثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكلْك، أما واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، وهم في سفَرٍ، فجاء رجلٌ ممن سمِعه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأخْبَره ذلك. فقال عمرُ: مُرْ مُعاذًا يضرِبْ عنقَه. فقال: "واللَّهِ

(1)

ويروى "أسْمِن"، وأول من قاله حازم بن المنذر الحماني. تنظر قصة هذا المثل في مجمع الأمثال 2/ 106.

(2)

في ص، م، ت 1:"حليف".

ص: 664

لا يتحدثُ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه". فنزَلَت فيهم: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ}

(1)

.

وقولُه: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} .

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، أن غلامًا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ يقولُ كذا وكذا. قال:"فلعلك غضِبْتَ عليه". قال: لا، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ لقد سمِعْتُه يقولُه. قال:"فلعلك أخْطَأ سمعُك؟ ". قال: لا واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ، لقد سمِعْتُه يقولُه. قال:"فلعله شُبِّه عليك". قال: لا واللَّهِ. قال: فأنْزَل اللَّهُ تصديقًا للغلامِ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} ، فأخَذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأُذُنِ الغلامِ، فقال:"وَفَتْ أُذُنُك، وفَت أذنُك يا غلامُ"

(2)

.

حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، في قولِ اللَّهِ:{لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} . قال: كان المنافقون يُسَمُّون المهاجرين الجَلابيبَ. وقال: قال ابنُ أبيٍّ: قد أمَّرْتُكم في هؤلاء الجلابيبِ

(3)

أمري. قال: قال هذا بينَ أَمَجَ

(4)

وعُسْفانَ

(5)

على الكَدِيدِ

(6)

؛ تَنازَعوا على الماءِ، وكان المهاجرون قد غلَبوا على الماءِ. قال: وقال ابنُ أبيٍّ أيضًا: أمَا واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 293 عن معمر به.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 294 عن معمر به.

(3)

جلابيب قريش: هو لقب لمن كان أسلم من المهاجرين، لقَّبهم بذلك المشركون. وأصل الجلابيب الأُزُر الغلاظ، واحدها جلباب، وكانوا يلتحفون بها، فلقَّبوهم بذلك. شرح غريب السيرة 3/ 40.

(4)

أمج: بلد من أعراض المدينة وهي من بلدان الحجاز الآن. ينظر جغرافية شبه جزيرة العرب لكحالة ص 139.

(5)

عسفان: قرية بين المدينة ومكة. السابق ص 30، 34، 170.

(6)

الكديد: موضع بالحجاز. ينظر معجم البلدان 4/ 245.

ص: 665

الأعزُّ منها الأذلَّ، لقد قلتُ لكم: لا تُنْفِقوا عليهم، لو ترَكْتُموهم ما وجَدوا ما يَأْكُلون، ولخرجوا وهربوا. فأتَى عمرُ بنُ الخطابِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألا تَسْمَعُ ما يقولُ ابنُ أبيٍّ؟ قال:"وما ذاك؟ ". فأخبَره، وقال: دَعْني أضرِبْ عنقَه يا رسولَ اللَّهِ. قال: "إذًا تَرْعُدَ له آنُفٌ كثيرةٌ بيثربَ". قال عمرُ: فإن كرِهْتَ يا رسولَ اللَّهِ أن يَقْتُلَه رجلٌ مِن المهاجرين، فمُرْ به سعدَ بنَ مُعاذٍ، ومحمدَ بنَ مَسْلَمةَ فيَقْتُلانه. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إني أَكْرَهُ أَن يَتَحَدَّثَ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه، ادْعُوا لي عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ". فدعاه له. فقال: "ألا تَرَى ما يقولُ أبوك؟ ". قال: وما يقولُ بأبي أنت وأمي؟ قال: "يقولُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ". فقال: فقد صدَق واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، أنت واللَّهِ الأعزُّ، وهو الأذلُّ، أمَا واللَّهِ لقد قدِمْتَ المدينةَ يا رسولَ اللَّهِ، وإن أهلَ يثربَ لَيعلَمون ما بها أحدٌ أبرَّ مني، ولئن كان يُرْضِي اللَّهَ ورسولَه أن آتيَهما برأسِه لآتِيَنَّهما به. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لا". فلما قدِموا المدينةَ قام عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ على بابِها بالسيفِ لأبيه، ثم قال: أنت القائلُ: لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ؟ أمَا واللَّهِ لتَعْرِفَنَّ العزةُ لك أو لرسولِ اللَّهِ، واللَّهِ لا يَأْوِيك ظلُّه، ولا تَأْوِيه أبدًا إلا بإذنٍ مِن اللَّهِ ورسولِه. فقال: يا للَخزرجِ، ابني يَمْنَعُني بيتي، يا لَلخزرجِ، ابني يَمْنَعُني بيتي. فقال: واللَّهِ لا تَأْوِيه أبدًا إلا بإذنٍ منه. فاجْتَمع إليه رجالٌ فكلَّموه. فقال: واللَّهِ لا يَدْخُلُه إلا بإذنٍ مِن اللَّهِ ورسولِه. فأتَوُا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخْبَروه. فقال: "اذْهَبوا إليه، فقولوا له: خَلِّه ومَسْكنَه". فأتَوْه. فقال: أمَا إذ

(1)

جاء أمرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فنعم.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ،

(1)

في م، ت 2، ت 3:"إذا".

ص: 666

عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، و

(1)

عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ، وعن محمدِ بن يحيى بنِ حَبَّانَ. قال: كلٌّ قد حدَّثني بعضَ حديثِ بني المُصْطَلِقِ، قالوا: بلَغ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن بني المُصْطَلِقِ يَجْمَعون له، وقائدُهم الحارثُ بنُ أبي ضِرارٍ، أبو جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارثِ زوجِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا سمِع بهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خرَج إليهم حتى لقِيهم على ماءٍ من مياهِهم، يقالُ له: المُرَيْسِيعُ، مِن ناحيةِ قُدَيْدٍ إلى الساحلِ، فتَزاحَف الناسُ فاقْتَتَلوا، فهزَم اللَّهُ بني المُصْطَلِقِ، وقتَل مَن قتَل منه، ونفَّل رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أبناءَهم ونساءَهم وأموالَهم، فأفاءهم اللَّهُ عليه، وقد أُصِيب رجلٌ مِن بني كلبِ بنِ عوفِ بنِ عامرِ بنِ ليثِ بنِ بكرٍ، يقالُ له: هشامُ بن صُبَابةَ، أصابَه رجلٌ مِن الأنصارِ مِن رَهْطِ عُبادةَ بنِ الصامتِ، وهو يَرَى أنه مِن العدوِّ، فقتَله خطأً، فبينا الناسُ

(2)

على ذلك الماءِ، ورَدَت واردةُ الناسِ، ومع عمرَ بنِ الخطابِ أجيرٌ له مِن بني غِفارٍ، يقالُ له:[جَهْجاهُ بنُ سعيدٍ]

(3)

يقودُ له فرسَه، فازْدَحم جَهْجاهٌ

(4)

وسِنانٌ الجُهَنيُّ حليفُ بني عوفِ بنِ الخزرجِ، على الماءِ، فاقْتَتَلا، فصرَخ الجُهَنيُّ: يا معشرُ الأنصارِ. وصرَخ جَهْجاهٌ

(4)

: يا معشرَ المهاجرين. فغضِب عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ، وعندَه رهطٌ مِن قومِه؛ فيهم زيدُ بنُ أرقمَ، غلامٌ حديثُ السنِّ، فقال: أوَقد فعَلوها؟ قد نافَرونا وكاثَرونا في بلادِنا، واللَّهِ ما أَعَدُّنا وجلابيبَ قريشٍ هذه إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يَأكلْك، أمَا واللَّهِ لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. ثم أقْبَل على مَن حضَره مِن قومِه، فقال: هذا ما فعَلْتُم بأنفسِكم؛ أحْلَلْتُموهم بلادَكم، وقاسَمْتُموهم أموالَكم، أمَا واللَّهِ لو أَمْسَكْتُم عنهم ما

(1)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

كذا في النسخ وفي مصدر التخريج: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"جهارة بن سعيد"، وفي مصدر التخريج:"جهجاه بن مسعود".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"جهارة".

ص: 667

بأيديكم، لَتحَوَّلوا إلى غيرِ بلادِكم. فسمِع ذلك زيدُ بن أرقمَ، فمشَى به إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وذلك عندَ فراغِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من عدوِّه

(1)

، فأخْبَره الخبرَ. وعندَه عمرُ ابنُ الخطابِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مُرْ به عَبَّادَ بنَ بشرِ بنِ وَقْشٍ فليَقتلْه. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فكيف يا عمرُ إذا تحَدَّث الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابَه، لا، ولكن أَذِّنْ بالرحيلِ" - وذلك في ساعةٍ لم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْتَحِلُ فيها - فارْتَحل الناسُ. وقد مشَى عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ بلَغه أن زيدَ بنَ أرقمَ قد بلَّغه ما سمِع منه، فحلَف باللَّهِ: ما قلتُ ما قال، ولا تكَلَّمْتُ به، وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ في قومِه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضَر رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن أصحابِه مِن الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ، عسَى أن يكونَ الغلامُ أوْهَم في حديثِه، ولم يَحْفَظْ ما قال الرجلُ، حَدَبًا

(2)

على عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ، ودفعًا عنه، فلما استقلَّ

(3)

رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وسار، لقِيه أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، فحيَّاه بتحيةِ النبوةِ وسلَّم عليه، ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، لقد رُحْتَ في ساعةٍ مُنْكَرةٍ ما كنتَ تَرُوحُ فيها. فقال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أوَ ما بلَغك ما قال صاحبُكم؟ ". قال: فأيُّ صاحبٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ". قال: وما قال؟ قال: "زَعم أنه إن رجَع إلى المدينةِ أخْرج الأعزُّ منها الأذلَّ". قال أُسَيْدٌ: فأنت واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ تُخْرِجُه إن شئتَ، هو واللَّهِ الذليلُ، وأنت العزيزُ. ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، ارْفُقْ به، فواللَّهِ لقد جاء اللَّهُ بك، وإن قومَه لَيَنْظِمون له الخَرَز ليُتَوِّجوه، فإنه لَيَرَى أنك قد اسْتَلَبْتَه مُلكًا. ثم مشَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالناسِ يومَهم ذلك حتى أمْسَى، وليلتَهم حتى أصْبَح، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتى آذَتْهم الشمسُ، ثم نزَل بالناسِ، فلم يَكُنْ إلا أن وجَدوا مسَّ الأرضِ {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)} وقَعوا نِيامًا، وإنما فعَل

(1)

في ص، م، ت 1:"غزوه".

(2)

في ص، ت 2، ت 3:"حذارا"، والحدب: التحنن والعطف. شرح غريب السيرة 3/ 40.

(3)

في ص، ت 2، ت 3:"استقبل".

ص: 668

ذلك ليَشْغَلَ الناسَ عن الحديثِ الذي كان بالأمسِ، مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ، ثم راح بالناسِ، وسلَك الحجازَ، حتى نزَل على ماءٍ بالحجازِ فُوَيْقَ النَّقيعِ

(1)

، يقالُ له: نقعاءُ

(2)

. فلمَّا راح رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هبَّت على الناسِ ريحٌ شديدةٌ آذَتْهم وتخَوَّفوها، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لا تخافوا فإنما هبَّت لموتِ عظيمٍ مِن عُظماءِ الكفارِ". فلمَّا قدِموا المدينةَ وجَدوا رفاعةَ بنَ زيدِ بنِ التابوتِ أحدَ بني قَيْنُقاعَ، وكان من عظماءِ، يهودَ، وكهفًا للمنافقين، قد مات ذلك اليومَ، نزَلَت السورةُ التي ذكَر اللَّهُ فيها المنافقين في عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ ابنِ سَلولَ، ومَن كان معه على مثلِ أمرهِ، فقال:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} ، فلمَّا نزَلَت هذه السورةُ أخَذ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بأذنِ زيدٍ فقال:"هذا الذي أَوْفَى اللَّهُ بأُذُنِه". وبلَغ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ الذي كان مِن أبيه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ أتَى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنه بلَغني أنك تُريدُ قتلَ عبدِ اللَّهِ بن أبيٍّ فيما بلَغك عنه، فإن كنتَ فاعلًا، فمُرْني به، فأنا أَحْمِلُ إليك رأسَه، فواللَّهِ لقد علِمَت الخزرجُ ما كان لها

(4)

رجلٌ أبرَّ بوالدِه مني، وإني أخْشَى أن تَأْمُرَ به غيري

(5)

فيَقْتُلَه، فلا تَدَعُني نفسي أن أَنْظُرَ إلى قاتلِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ يَمْشِي في الناسِ فأَقْتُلَه، فأَقْتُلَ مؤمنًا بكافرٍ، فأَدْخُلَ

(1)

النقيع: موضع بين مكة والمدينة. معجم ما استعجم 4/ 1323.

(2)

في ص، ت 2، ت 3، ومصدر التخريج:"بقعاء". ونقعاء موضع خلف المدينة فوق النقيع من ديار مزينة وكان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق. ينظر معجم البلدان 4/ 805.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 290 - 292.

(4)

في م، ت 1:"فيها".

(5)

في م، ت 2:"غيره".

ص: 669

النارَ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "بل [نَرْفُقُ به، ونُحْسِنُ]

(1)

صحبتَه ما بقِي معنا". وجعَل بعد ذلك اليومِ إذا أحْدَث الحَدَثَ كان قومُه هم الذين يُعاتِبونه، ويَأْخُذونه ويُعَنِّفونه ويتوعدونه، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لعمرَ بنِ الخطابِ حينَ بلَغه ذلك عنهم من شأنِهم: "كيف تَرَى يا عمرُ، أمَا واللَّهِ لو قتَلْتُه يومَ أمَرْتَني بقتلِه لَأَرْعَدَت له آنُفٌ، لو أمَرْتُها اليومَ بقتلِه لقتَلَتْه". قال: فقال عمرُ: قد واللَّهِ علِمْتُ لَأَمْرُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أعظمُ بركةً مِن أمري

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ} . يقولُ: لا تُوجِبْ لكم أموالُكم ولا أولادُكم اللهوَ عن ذِكْرِ اللَّهِ، وهو مِن: أَلْهَيْتُه عن كذا وكذا، فلَهَا هو يَلْهُو لَهْوًا، ومنه قولُ امرِئِ القيسِ

(3)

:

ومِثْلِكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ

فأَلْهَيْتُها عن ذي تَمائمَ مُحْوِلٍ

وقيل: عُنِي بذكرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ الصلواتُ الخمسُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} . قال:

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3:"ترفق به وأحسن".

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 292، 293.

(3)

تقدم تخريجه في 16/ 456.

ص: 670

الصلواتِ الخمسِ

(1)

.

وقولُه: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} يقولُ: ومَن يُلْهِه مالُه وأولادُه عن ذكرِ اللَّهِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. يقولُ: هم المَغْبونون حظوظَهم من كرامةِ اللَّهِ ورحمتِه تبارك وتعالى.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ

(2)

مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْفِقوا أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه مِن الأموالِ التي رزَقْناكم مِن قبلِ أن يأتيَ أحدَكم الموتُ فيقولَ إذا نزَل به الموتُ: يا ربِّ، هلَّا أخَّرْتَني، فتُمْهِلَ لي في الأجلِ إلى أجلٍ قريبٍ، {فَأَصَّدَّقَ}. يقولُ: فأُزَكِّيَ مالي، {وَأَكُنْ

(2)

مِنَ الصَّالِحِينَ}. يقولُ: وأَعْمَلْ بطاعتِك، وأُؤَدِّي فرائضَك.

وقيل: عُنِي بقولِه: {وَأَكُنْ

(2)

مِنَ الْصَّالِحِينَ}. وأَحُجَّ بيتَك الحرامَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ وسعيدُ بنُ الربيعِ، قال سعيدٌ: ثنا سفيانُ، وقال يونُسُ: أخبَرنا سفيانُ، عن أبي جَنَابٍ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما مِن أحدٍ يَموتُ، ولم يُؤَدِّ زكاةَ مالِه، ولم يَحُجَّ، إلا سأَل الكَرَّةَ. فقالوا: يا أبا عباسٍ، لا

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 129، والبغوي في تفسيره 8/ 134.

(2)

في ت 2، ت 3:"وأكون". وهي قراءة أبي عمرو وابن محيصن. كما سيأتي قريبًا. وينظر حجة القراءات ص 710، وفي السبعة أن القراءة بغير الواو هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي. وبالواو قراءة الباقين. ينظر السبعة ص 637.

ص: 671

تَزالُ تَأْتينا بالشيءِ لا نَعْرِفُه. قال: فأنا أَقْرَأُ عليكم في كتابِ اللَّهِ: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} . قال: أُؤَدِّيَ زكاةَ مالي، {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}. قال: أَحُجَّ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قال: ما يَمْنَعُ أحدَكم إذا كان له مالٌ يَجِبُ عليه فيه الزكاةُ أن يُزَكِّيَ، وإذا أطاق الحجَّ أن يَحُجَّ، مِن قبلِ أن يَأْتِيَه الموتُ، فيَسْأَلَ ربَّه الكَرَّةَ فلا يُعطاها. فقال رجلُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ، يَسْأَلُ المؤمنُ الكَرَّةَ؟ قال: نعم، أَقْرَأُ عليكم قرآنًا؟ فقرَأ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} . فقال الرجلُ: فما الذي يُوجِبُ عليَّ الحجَّ؟ قال: راحلةٌ تَحْمِلُه، ونفقةٌ تُبَلِّغُه

(2)

.

حدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ وفَضالةُ بنُ الفضلِ، قال عبادٌ: أخبَرنا بزيعٌ

(3)

أبو خازمٍ

(4)

مولى الضحاكِ. وقال فَضالةُ: ثنا بَزيعٌ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحمٍ في قولِه:{لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} . قال: فأَتَصدَّقَ بزكاةِ مالي، {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}. قال: الحجُّ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَا تُلْهِكُمْ} إلى آخرِ السورةِ: هو الرجلُ المؤمنُ ينزلُ به الموتُ، وله مالٌ كثيرٌ لم يُزَكِّه، ولم يَحُجَّ منه، ولم يُعْطِ منه حقَّ اللَّهِ، يَسْأَلُ الرَّجْعةَ عندَ الموتِ، فيُزَكِّي مالَه، قال اللَّهُ:{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} .

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

أخرجه الترمذي (3316) من طريق أبي جناب به، وأخرجه الطبراني مرفوعًا (12635) من طريق أبي جناب.

(2)

أخرجه الترمذي (3316)، والطبراني (12636) من طريق الثوري به.

(3)

في ص، م، ت 1:"يزيد"، وفي ت 3:"بزيغ".

(4)

في النسخ: "حازم"، والمثبت هو الصواب. ينظر التاريخ الكبير 2/ 130، والجرح والتعديل 2/ 420، والكنى والأسماء 10/ 296.

ص: 672

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} إلى {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} . قال: هو الرجلُ المؤمنُ إذا نزَل به الموتُ، وله مالٌ لم يُزَكِّه، ولم يَحُجَّ منه، ولم يُعْطِ حقَّ اللَّهِ فيه، فيَسْأَلُ الرَّجْعةَ عندَ الموتِ ليَتَصَدَّقَ مِن مالِه ويُزَكِّيَ، قال اللَّهُ:{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: {فَأَصَدَّقَ وَأَكُنْ

(2)

مِنَ الصَّالِحِينَ} قال: الزكاةُ والحجُّ.

واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ ابنِ مُحَيْصِنٍ وأبي عمرٍو: {وَأَكُنْ} جزمًا عطفًا بها على تأويلِ قولِه: {فَأَصَّدَّقَ} . إذ

(3)

لم تَكُنْ فيه الفاءُ، وذلك أن قولَه:{فَأَصَّدَّقَ} لو لم يَكُنْ فيه الفاءُ كان جزمًا. وقرَأ ذلك ابنُ مُحَيْصِنٍ وأبو عمرٍو: (وأَكُونَ) بإثباتِ الواوِ، ونصبِ:(وأكونَ) عطفًا به على قولِه: {فَأَصَّدَّقَ} . فنصَب قولَه: (وأكُونَ) إذ كان قولُه: {فَأَصَّدَّقَ} نصبًا.

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} . يقولُ: لن يُؤَجلَ اللَّهُ في أجلِ أحدٍ، فيَمُدَّ له فيه إذا حضَر أجلُه، ولكنه يَخْتَرِمُه، {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. يقولُ: واللَّهُ ذو خبرةٍ وعلمٍ بأعمالِ عبدِه، هو بجميعِها محيطٌ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، وهو مُجازِيهم بها؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "المنافقين"

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 226 إلى المصنف.

(2)

في ص، ت 2، ت 3:"أكون".

(3)

في م: "لو".

ص: 673