المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌ ‌ ‌تفسيرُ سورةِ "التغابنِ" ‌ ‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: - تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي - جـ ٢٣

[ابن جرير الطبري]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌تفسيرُ سورةِ "التغابنِ"

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

(1)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: يَسْجُدُ له ما في السماواتِ السبعِ وما في الأرضِ مِن خلقِه ويُعَظِّمُه.

وقولُه: {لَهُ الْمُلْكُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: له ملكُ السماواتِ والأرضِ وسلطانُهما

(1)

، ماضٍ قضاؤُه في ذلك كلِّه، نافذٌ فيه أمرُه.

وقولُه: {وَلَهُ الْحَمْدُ} . يقولُ: وله حمدُ كلِّ ما فيها مِن خلقٍ؛ لأن جميعَ مَن في ذلك من الخلقِ لا يَعْرِفون الخيرَ إلا منه، وليس لهم رازقٌ سواه، فله حمدُ جميعِهم، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقولُ: وهو على كلِّ شيءٍ ذو قدرةٍ. يقولُ: يَخْلُقُ ما يشاءُ ويُمِيتُ مَن يشاءُ، ويُغْنِي مَن أراد ويُفْقِرُ مَن يشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرةِ التامةِ التي لا يُعْجِزُه معها شيءٌ.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

(2)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ {الَّذِي خَلَقَكُمْ} أيُّها الناسُ، وهو مِن ذكرِ اسمِ اللَّهِ، {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}. يقولُ:[فمنكم كافرٌ بخالقِه وأنه خلَقَه، {وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}. يقولُ]

(2)

: ومنكم مُصَدِّقٌ به مُوقِنٌ أنه خالقُه وبارئُه، {وَاللَّهُ بِمَا

(1)

في النسخ: "سلطانه". والمثبت أنسب للسياق، وينظر ما سيأتي ص 118.

(2)

سقط من: ت 1.

ص: 5

تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. يقولُ: واللَّهُ الذي خلَقَكم بصيرٌ بأعمالِكم، عالمٌ بها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم بها، فاتَّقوه أن تُخالِفوه في أمرِه أو نهيِه، فيَسْطُوَ بكم.

حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا حسنُ بنُ موسى الأشْيَبُ

(1)

، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، قال: ثنا بكرُ بنُ سَوَادةَ، عن أبي تَميمٍ الجَيْشانيِّ

(2)

، عن أبي ذَرٍّ، قال: إن المَنِيَّ إذا مكَث في الرحمِ أربعين ليلةً، أتَى مَلَكُ النفوسِ، فعرَج به إلى الجبارِ في راحتِه، فقال: أيْ ربِّ، عبدُك هذا ذكرٌ أم أنثى؟ فيَقْضِي اللَّهُ إليه ما هو قاضٍ، ثم يقولُ: أيْ ربِّ، أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيَكْتُبُ ما هو لاقٍ. قال: وقرأ أبو ذرٍّ فاتحةَ "التَّغابُنِ" خمسَ آياتٍ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ

(3)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: خلَق السماواتِ السبعَ (*) والأرضَ بالعدلِ والإنصافِ، {وَصَوَّرَكُمْ}. يقولُ: ومثَّلكم فأحْسَن مَثلَكم. وقيل: إنه عُنِي بذلك تصويرُه آدمَ، وخلقُه إياه بيدِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

في ت 2، ت 3:"الأشعث". وينظر نزهة الألباب 1/ 78.

(2)

في ت 2، ت 3:"الخيشاني". وينظر الأنساب 2/ 144.

(3)

أخرجه الفريابي في القدر (123) من طريق ابن لهيعة به، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 25 من طريق ابن لهيعة به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(*) من هنا تبدأ قطعة من الجزء الثامن والأربعين من نسخة جامعة القرويين والمشار إليها بالأصل.

ص: 6

أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} . قال: يعني آدم؛ خلَقَه بيدِه.

وقولُه: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} . يقولُ: وإلى اللَّهِ مَرْجِعُ جميعِكم أيُّها الناسُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

(4)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: يَعْلَمُ رَبُّكم أيُّها الناسُ ما في السماواتِ السبعِ والأرضِ مِن شيءٍ، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك خافيةٌ، ويعلَمُ ما تُسِرُّون أيُّها الناسُ [في أنفسكم]

(1)

مِن قولٍ وعملٍ، وما تُعْلِنونَ مِن ذلك فتُظْهِرونه، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ ذو علمٍ بضمائرِ صدورِ عبادِه، وما تَنْطَوِي عليه نفوسُهم الذي هو أخْفَى من السرِّ، لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ مِن ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: احْذَرُوا أن تُسِرُّوا غيرَ الذي تُعْلِنون، أو تُضْمِروا في أنفسكم غير الذي تُبْدُونه، فإن ربَّكم لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، وهو مُحْصٍ جميعَه، وحافظٌ عليكم كلَّه.

‌القولُ في تأويل قولِه عز وجل: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: ألم يَأْتِكم أيُّها الناسُ خبرُ الذين كفَروا مِن قبلِكم؛ وذلك كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ إبراهيمَ وقومِ لوطٍ، {فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ}: فمسَّهم عذابُ اللَّهِ إياهم على كفرِهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ

(1)

في الأصل، ص، م، ت 1:"بينكم".

ص: 7

أَلِيمٌ}. يقولُ: ولهم عذابٌ مُوجِعٌ يومَ القيامةِ في نارِ جهنمَ، مع الذين أذاقهم اللَّهُ في الدنيا وبالَ كفرِهم.

وقولُه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: هذا الذي نال

(1)

الذين كفَروا من قبلِ (*) هؤلاء المشركين مِن وَبالِ كفرِهم، والذي أعَدَّ لهم ربُّهم يوم القيامةِ مِن العذابِ - مِن أجلِ أنه كانت تَأْتيهم رسلُهم بالبيناتِ، الذين أرْسَلَهم إليهم ربُّهم بالواضحاتِ مِن الأدلةِ والأعلامِ على حقيقةِ ما يَدْعُونهم إليه، فقالوا لهم:{أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} ؟! اسْتِكْبارًا منهم أن تكونَ رسلُ اللَّهِ إليهم بشرًا مثلَهم، واستكبارًا عن اتباعِ الحقِّ، من أجلِ أن بشرًا مثلَهم دعاهم إليه. وجمَع الخبرَ عن البشرِ، فقيل:{يَهْدُونَنَا} . ولم يُقَلْ: يَهْدِينا. لأن البشرَ وإن كان في لفظِ الواحدِ، فإنه بمعنى الجميعِ.

وقولُه: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا} . يقولُ: فكفَروا باللَّهِ، وجحَدوا رسالةَ رسلِه الذين بعَثهم اللَّهُ إليه استكبارًا، {وَتَوَلَّوْا}. يقولُ: وأدْبَروا عن الحقِّ فلم يَقْبَلوه، وأعْرَضوا عما دعاهم إليه رسلُهم، {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ}. يقول: واسْتَغْنَى اللَّهُ عنهم، وعن إيمانِهم به وبرسلِه، ولم تَكُنْ به إلى ذلك منهم حاجةٌ، {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}. يقولُ: واللَّهُ غنيٌّ عن جميعِ خلقِه، محمودٌ عندَ جميعِهم بجميلِ أياديه عندَهم، وكريمِ فِعالِه فيهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)} .

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"قال".

(*) من هنا يبدأ خرم في نسخة جامعة القرويين المشار إليها بالأصل ينتهي ص 22.

ص: 8

يقولُ تعالى ذكرُه: {زَعَمَ} الذين كفَروا باللَّهِ أن لن يَبْعَثَهم اللَّهُ إِليه مِن قبورِهم بعدَ مَماتِهم.

وكان ابنُ عمرَ يقولُ: {زَعَمَ} كُنْيةُ الكذبِ.

حدَّثني بذلك محمدُ بنُ نافعٍ البصريُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ، عن بعضِ أصحابِه، عن ابنِ عمرَ

(1)

.

وقولُه: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} . يقولُ لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ لهم يا محمدُ: بلى وربي لَتُبْعَثُنَّ مِن قبورِكم، {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ}. يقولُ: ثم لَتُخْبَرُنَّ بأعمالِكم التي عمِلْتُموها في الدنيا، {وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}. يقولُ: وبعثُكم مِن قبورِكم مِن بعدِ مماتِكم على اللَّهِ سهلٌ هيِّنٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فصدِّقوا باللَّهِ وبرسولِه أيُّها المشركون المكذِّبون بالبعثِ، وبإخبارِه إياكم أنكم مبعوثون مِن بعدِ مماتِكم وأنكم مِن بعدِ بلائِكم تُنْشَرون مِن قبورِكم، {وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا}. يقولُ: وآمِنوا بالنورِ الذي أنْزَلْنا، وهو هذا القرآنُ الذي أنْزَله اللَّهُ على نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، مُحيطٌ بها، مُحْصٍ جميعَها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازِيكم على جميعِها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى المصنف.

ص: 9

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بما تَعْمَلون خبيرٌ، {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ}: ليومِ تُجمَعُ الخلائقُ للعَرْضِ، {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}. يقولُ: الجمعُ يومَ غَبْنِ أَهلِ الجنةِ أهلَ النارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} . قال: هو غَبْنُ أهلِ الجنةِ أهلَ النارِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} : هو يومُ القيامةِ، وهو يومُ التغابنِ، يومُ غَبنِ أهلِ الجنةِ أهلَ النارِ

(2)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} : من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه وحذَّره عبادَه

(3)

.

وقولُه: {وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُصَدِّقْ باللَّهِ، ويَعْمَلْ بطاعتِه، ويَنْتَهِ إلى أمرِه ونهيهِ، {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ}. يقولُ: يَمْحُ

(1)

تفسير مجاهد ص 662، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 343، وابن أبي شيبة 13/ 509 من طريق آخر عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى الفريابي وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى عبد بن حميد.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 10

عنه ذنوبَه، {وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: ويُدْخِلْه بساتينَ تَجْري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ.

وقولُه: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} . يقولُ: لابثين فيها أبدًا، لا يموتون، ولا يَخرجون منها.

وقولُه: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . يقولُ: خلودُهم في الجناتِ التي وصَفْنا، النَّجاءُ العظيمُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين جَحَدوا وحدانيةَ اللَّهِ، وكذَّبوا بأدلتِه وحججِه وآيِ كتابِه الذي أنْزلَه على عبدِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: ماكثين فيها أبدًا، لا يموتون فيها، ولا يَخْرُجون منها، {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. يقولُ: وبئس الشيءُ الذي يُصارُ إليه جهنَّمُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لم يُصِبْ أحدًا من الخلقِ مصيبةٌ، {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}. يقولُ: إلا بقضاءِ اللَّهِ وتقديرِه ذلك عليه، {وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}. يقولُ: ومن يُصدِّقْ باللَّهِ فيَعْلَمْ أنه لا أحدَ تُصِيبُه مصيبةٌ إلا بإذنِ اللَّهِ بذلك، {يَهْدِ قَلْبَهُ}. يقولُ: يوفِّقِ اللَّهُ قلبَه بالتسليمِ لأمرِه، والرضا بقضائِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ص: 11

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} . يعني: يهدِ قلبَه لليقينِ، فيعلمْ أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئَه، وما أخْطأه لم يكنْ ليُصِيبَه

(1)

.

حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الوَشَّاءُ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنا عندَ علقمةَ، فقُرِئَ عنده هذه الآيةُ:{وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} . فسُئل عن ذلك، فقال: هو الرجلُ تُصِيبُه المصيبةُ، فيعلمُ أنَّها مِن عندِ اللَّهِ، فيُسلِّمُ لذلك

(2)

ويَرْضَى.

حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنتُ عند علقمةَ وهو يَعرِضُ المصاحفَ، فمرَّ بهذه الآيةِ:{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} . قال: هو الرجلُ. ثم ذكَر نحوَه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن علقمةَ في قولِه:{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} . قال: هو الرجلُ تُصِيبُه المصيبةُ، فيعلمُ أنَّها مِن اللَّهِ فيسلِّمُ لها ويَرْضَى

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

في ت 2: "لها".

(3)

أخرجه عبد بن حميد والفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 342 - من طريق سفيان الثوري به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 295، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 163 - والبيهقي في الشعب (9976) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى ابن المنذر.

ص: 12

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ مهديٍّ، عن الثوريِّ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن علقمةَ مثلَه، غيرَ أنه قال في حديثِه: فيعلمُ أنَّها مِن قضاءِ اللَّهِ، فيَرْضَى بها ويُسلِّمُ.

وقولُه: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . يقولُ: واللَّهُ بكلِّ شيءٍ ذو علمٍ، بما كان ويكونُ، وما هو كائنٌ مِن قبلِ أن يكونَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ} أيُّها الناسُ في أمرِه ونهيِه، {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} صلى الله عليه وسلم، {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ}: فإن أدْبَرْتم عن طاعةِ اللَّهِ وطاعةِ رسولِه، مُسْتَكْبرين عنها، فلم تُطِيعوا اللَّهَ ولا رسولَه، فليس على رَسُولِنا محمدٍ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ أنه بلاغٌ إليكم لما أرسَلْتُه به. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقد أعذَر إليكم بالإبلاغِ، واللَّهُ وليُّ الانتقامِ ممن عصاه، وخالَف أمرَه وتولَّى عنه.

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: معبودُكم أيُّها الناسُ معبودٌ واحدٌ، لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا معبودَ لكم سِواه، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ أيُّها الناسُ فليتوكَّلِ المُصدِّقون بوحدانيتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)} .

ص: 13

يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} يصُدُّونكم عن سبيلِ اللَّهِ، ويُثَبِّطونكم عن طاعةِ اللَّهِ، {فَاحْذَرُوهُمْ} أَنْ تَقْبلوا منهم ما يأمرُونكم به من تركِ طاعةِ اللَّهِ.

وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا أرادوا الإسلامَ والهجرةَ، فَثَبَّطهم عن ذلك أزواجُهم وأولادُهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدم وعبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأله رجلٌ عن هذه الآيةِ: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} . قال: هؤلاء رجالٌ أسلَموا، فأرادوا أن يأْتوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأبَى أزواجُهم وأولادُهم أن يَدَعُوهم يأتوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أَتَوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فرأَوُا الناس قد فَقِهوا في الدينِ، همُّوا أن يُعاقِبوهم، فأنزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ} الآية

(1)

.

حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} . قال: كان الرجلُ يريدُ أن يأتيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيقولُ له أهلُه: أين تذهبُ وتَدَعُنا؟ قال: وإذا أسْلَم وفَقِه، قال: لأَرْجِعنَّ إلى الذين كانوا يَنْهون عن

(1)

أخرجه الترمذي (3317)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 165 - والطبراني (11720)، والحاكم 2/ 490 من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

ص: 14

هذا الأمرِ، فلأفعلنَّ ولأفعلنَّ. فأنزلَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه:{وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} : كان الرجلُ إذا أراد أن يُهاجِرَ مِن مكةَ إلى المدينةِ تمنعُه زوجتُه وولدُه، ولم يألُوا يُثَبِّطوه عن ذلك؛ فقال اللَّهُ: إنَّهم عدوٌّ لكم فاحذَروهم، واسْمعوا وأطِيعوا، وامضُوا لشأنِكم. فكان الرجلُ بعد ذلك إذا مُنِع وثُبِّط مرَّ بأهلِه وأقسَم - والقسَمُ يمينٌ - ليفعلنَّ وليعاقِبنَّ أهلَه في ذلك؛ فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه:{وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: نزَلت سورةُ "التغابنِ" كلُّها بمكةَ، إلا هؤلاء الآياتِ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} . نزَلت في عوفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعيِّ، كان ذا أهلٍ وولدٍ، فكان إذا أراد الغزوَ بَكَوْا إليه ورقَّقُوه، فقالوا: إلى مَن تَدَعُنا؟ فيَرِقُّ ويقيمُ، فنزَلت:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} الآيةُ كلُّها بالمدينةِ في عوفِ بنِ مالكٍ، وبقيةُ الآياتِ إلى آخرِ السورةِ بالمدينةِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 142.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 228 إلى عبد بن حميد وابن مردويه، وينظر أسباب النزول ص 322.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 227 إلى المصنف وابن إسحاق.

ص: 15

في قولِه: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} . قال: إنهما يَحمِلانِه على قطيعةِ رحِمه، وعلى معصيةِ ربِّه، فلا يستطِيعُ مع حبِّه إلا أن يَقْطَعَه

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ

(2)

، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: فلا يستطِيعُ مع حبِّه إلا أن يُطِيعَهُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} الآية. قال: منهم مَن لا يأمرُ بطاعةِ اللَّهِ، ولا يَنْهَى عن معصيتِه، وكانوا يُبَطِّئون

(3)

عن الهجرةِ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وعن الجهادِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} . قال: يَنْهَون عن الإسلامِ، ويُبَطِّئون

(3)

عنه، وهم مِن الكفارِ، فاحْذَروهم

(4)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} الآية. قال: هذا في ناسٍ مِن قبائلِ العربِ كان يُسلِمُ الرجلُ أو النفرُ مِن الحيِّ، فيَخْرجون مِن عشائرِهم، ويَدَعون أزواجَهم وأولادَهم وآباءَهم، عامدِين إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتقومُ عشائرُهم وأزواجُهم وأولادُهم وآباؤُهم، فيناشِدونهم اللَّهَ ألّا

(1)

تفسير مجاهد ص 662، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 228 إلى عبد بن حميد.

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"جميعا".

(3)

في ت 1، ت 2، ت 3:"يثبطون".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 295 عن معمر به.

ص: 16

يفارِقوهم، ولا يُؤْثِروا عليهم غيرَهم، فمنهم من يَرِقُّ ويَرْجِعُ إليهم، ومنهم من يَمْضِي حتى يلحَقَ بنبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ ناجيةَ وزيدُ بنُ حُبابٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، جميعًا عن الحسينِ بنِ واقدٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ بريدةَ، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يخطُبُ، فجاء الحسنُ والحسينُ رضي الله عنهما، عليهما قَميصانِ أحمرانِ، يَعْثُران ويقومان، فنزَل رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأَخَذهما فرفَعهما، فوضَعهما في حِجْرِه، ثم قال:"صدَق اللَّهُ ورسولُه، إنما أموالُكم وأولادُكم فتنةٌ، رأيتُ هذين فلم أصْبِرْ". ثم أخَذ في خطبتِه. اللفظُ لأبي كريبٍ، عن زيدٍ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} ، قال: يقولُ: عدوًّا لكم في دينِكم، فاحْذَروهم على دينِكم

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ

(3)

بنِ عليٍّ المُقدَّميُّ، قال: ثنا أشعثُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ في قولِه: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا

(1)

أخرجه أبو داود (1109) عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن الحسين به، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 99، وابن خزيمة (1456، 1801)، وأحمد 5/ 354 (الميمنية)، وفي فضائل الصحابة 2/ 770 (1358)، وابن ماجه (3600)، وابن حبان (6038)، والبيهقي 6/ 165، من طريق زيد بن حباب عن الحسين بن واقد به. وابن خريمة (1456، 1802) من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح به، والترمذي (3774)، والنسائي في الكبرى (1731)، وابن حبان (6039)، والحاكم 1/ 287، والبيهقي في الشعب (11016)، من طريق الحسين بن واقد به

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 164.

(3)

في النسخ: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال 26/ 147.

ص: 17

لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}. قال: كان الرجلُ يُسْلِمُ، فيلومُه أهلُه وبنُوه، فنزَلت:{إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ}

(1)

.

وقولُه: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا} . يقولُ: وإن تعفوا أيُّها المؤمنون عمّا سلَف منهم مِن صدِّهم إيَّاكم عن الإسلامِ والهجرةِ، وتَصْفحوا لهم عن عقوبتِكم إيَّاهم على ذلك، وتَغْفِروا لهم غيرَ ذلك مِن الذنوبِ، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لكم ولمن

(2)

تاب مِن عبادِه مِن ذنوبِكم، {رَحِيمٌ} بكم أن يعاقِبَكم عليها من بعدِ توبتِكم منها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما أموالُكم أيُّها الناسُ وأولادُكم إلا فتنةٌ، يعني: بلاءٌ عليكم في الدنيا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} . يقولُ: بلاءٌ

(3)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . يقولُ: واللَّهُ عندَه ثوابٌ لكم

(1)

أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 322 من طريق محمد بن عمر به.

(2)

سقط من: ص، م.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 228 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 18

عظيمٌ، إذا أنتم خالفتم أولادَكم وأزواجَكم في طاعةِ اللَّهِ ربِّكم، فأطَعْتُم اللَّهَ عز وجل، وأدَّيْتُم حقَّ اللَّهِ في أموالِكم. والأجرُ العظيمُ الذي عندَ اللَّهِ: الجنةُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} : وهي الجنةُ

(1)

.

وقولُه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واحْذَروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون وخافوا عقابَه وتجنَّبوا عذابَه؛ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيه والعملِ بما يُقرِّبُ إليه ما أطَقْتم وبلَغه وُسْعُكم.

وذُكِر أنَّ قولَه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} نزل بعدَ قولِه: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]؛ تخفيفًا عن المسلمين، وأنَّ قولَه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ناسخٌ قولَه: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} .

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} : هذه رخصةٌ مِن اللَّهِ، واللَّهُ رحيمٌ بعبادِه، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنزَل قبلَ ذلك:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . وحقُّ تقاتِه أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ثم خفَّف اللَّهُ تعالى ذكرُه عن عبادِه، فأنزَل الرخصةَ بعدَ ذلك فقال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} فيما اسْتَطَعْتَ يا بنَ آدمَ، عليها بايَع رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على السمعِ والطاعةِ فيما اسْتَطَعْتم

(1)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 228 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 19

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . قال: نسَخَتْها: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(1)

.

وقد تقدَّم بيانُنا عن معنى الناسخِ والمنسوخِ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

، وليس في قولِه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . دَلالةٌ واضحةٌ على أنه لقولِه: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . ناسخٌ، إذ كان محتمِلًا قولُه:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : اتقوا اللَّهَ حقَّ تقاتِه فيما اسْتَطَعْتم، [ولم يكنْ بأنه له ناسخٌ]

(3)

عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ استعمالُهما جميعًا على ما يحتمِلان من وجوهِ الصحةِ.

وقولُه: {وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} . يقولُ: واسمعوا لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأطِيعوه فيما أمَركم به ونهاكم عنه، {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ}. يقولُ: وأنفِقوا مالًا مِن أموالِكم لأنفسِكم، تَستَنْقِذوها من عذابِ اللَّهِ. والخيرُ في هذا الموضعِ المالُ.

وقولُه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يَقِه اللَّهُ شُحَّ نفسِه، وذلك اتباعُ هواها فيما نهى اللَّهُ عنه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى أبو معاويةَ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} . يقولُ: هوى نفسِه حيثُ يتَّبِعُ هواه ولم يَقْبِل الإيمانَ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 295 عن معمر به.

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 388 - 403.

(3)

كذا بالنسخ، ولعلها:"ولم يكن بان له ناسخ".

ص: 20

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جامعِ بنِ شدَّادٍ، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، عن ابنِ مسعودٍ:{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} . قال: أَن يَعْمِدَ إلى مالِ غيرِه فيأكلَه

(1)

.

وقولُه: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . يقولُ: فهؤلاء الذين وُقُوا شُحَّ أنفسِهم، المُنجِحُون الذين أدْرَكوا طَلِباتِهم عندَ ربِّهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُنْفِقوا في سبيلِ اللَّهِ، فتُحسِنوا فيها النفقةَ، وتحْتَسِبوا بإنفاقِكم الأجرَ والثوابَ يُضاعِفْ ذلك لكم ربُّكم، فيجعلْ لكم مكانَ الواحدِ سبعَمائةِ ضعفٍ إلى أكثرَ من ذلك مما يشاءُ مِن التضْعيفِ، ويَغفِرْ لكم ذنوبَكم، فيَصفَحْ لكم عن عقوبِتكم عليها مع تضْعيفِه نفقتَكم التي تُنفقون في سبيلِه، {وَاللَّهُ شَكُورٌ}. يقولُ: واللَّهُ ذو شكرٍ لأهلِ الإنفاقِ في سبيلِه؛ بحسنِ الجزاءِ لهم على ما أنفَقوا في الدنيا في سبيلِه، {حَلِيمٌ}. يقولُ: حليمٌ عن أهلِ معاصيه؛ بترْكِ معاجلتِهم بعقوبتِه،

{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} . يقولُ: عالمُ ما لا تراه أعينُ عبادِه، ويغيبُ عن أبصارِهم، وما يشاهدونه فيَرَوْنه بأبصارِهم، {الْعَزِيزُ}. يعني: الشديدُ

(2)

انتقامُه ممن عصاه وخالَف أمرَه ونهيَه، {الْحَكِيمُ} في تدبيرِه خلْقَه، وصرفِه إيَّاهم فيما يُصلِحُهم.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "التغابنِ"

(1)

تقدم في 22/ 530.

(2)

بعده في م: "في".

ص: 21

بسم الله الرحمن الرحيم

‌تفسيرُ سورةِ "الطلاقِ"

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا

(3)}.

قال أبو جعفرٍ: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} : يقولُ: إذا طلَّقْتم نساءَكم فطلِّقُوهنَّ لطُهْرِهنَّ الذي يُحْصِينه مِن عِدَّتِهِنَّ، طاهرًا من غيرِ جماعٍ، ولا تُطلِّقوهنَّ بحيضِهنَّ الذي لا يَعْتَدِدْن به من قُرْئِهنَّ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الأعمشَ، عن مالكِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الطلاقُ للعِدَّةِ؛ طاهرًا مِن

(*) إلى هنا ينتهي خرم مخطوطة الأصل، والمشار إلى بدايته ص 8.

ص: 22

غيرِ جماعٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ الرحمن بن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: بالطُّهْرِ في غيرِ جماعٍ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ:{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}

(3)

. قال: الطُّهْرُ في غيرِ جماعٍ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن داودَ بنِ حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يَرى طلاقَ السُّنَّةِ طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، وفي كلِّ طُهْرٍ، وهي العِدَّةُ التي أمَر اللَّهُ بها.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نجيحٍ و

(5)

حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، أنَّ رجلًا سأل ابنَ عباسٍ، فقال إنه طلَّق امرأتَه مائةً. فقال: عَصَيْتَ ربَّك، وبانَت منك امرأتُك، ولم تتَّقِ اللَّهَ، فيجعلَ لك

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 1 عن ابن إدريس به.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (10927) عن سفيان به ومن طريقه الطبراني (9610)، وأخرجه سعيد بن منصور (1057)، والبيهقي 7/ 325 من طريق الأعمش به.

(3)

بعده في م: "يقول: إذا طلقتم".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 3، وابن ماجه (2020) من طريق آخر عن عبد الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 230 إلى عبد بن حميد.

(5)

في النسخ: "عن". وينظر مصادر التخريج الآتية. وينظر أيضًا تهذيب الكمال 7/ 384، 16/ 215.

ص: 23

مخرجًا. وقرَأ هذه الآيةَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . وقال: (يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ، فجاءه رجلٌ، فقال إنه طلَّق امرأتَه ثلاثًا. فسَكت حتى ظننَّا أنه رادُّها إليه

(2)

، ثم قال: يَنْطلِقُ أحدُكم فيركبُ الحَمُوقةَ

(3)

، ثم يقولُ: يابنَ عباسٍ يابنَ عباسٍ! وإن اللَّهَ عز وجل قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . وإنك لم تَتَّقِ اللَّهَ، فلا أجدُ لك مخرجًا؛ عصَيْتَ ربَّك، وبانَتْ منك امرأتُك، قال اللَّهُ عز وجل:(يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)]

(4)

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن

(1)

أخرجه الطبراني (11157) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 58، والدارقطني 4/ 13، والبيهقي 7/ 337 من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 230 إلى ابن مردويه.

(2)

في م: "عليه".

(3)

الحموقة: فعولة من الحمق، وهي الخصلة ذات حمق. التاج (ح م ق).

(4)

قوله: (في قبل عدتهن). قال أبو حيان: وما روى عن جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من أنهم قرءوا: (فطلقوهن في قُبُل عدتهن). وعن بعضهم: (في قُبْل عدتهن). هو على سبيل التفسير لا على أنه قرآن؛ لخلافه سواد المصحف. البحر المحيط 8/ 280.

(5)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 187، وأبو داود (2197)، والبيهقي 7/ 331 من طريق ابن علية به، وأخرجه الدارقطني 4/ 61 من طريق أيوب به، وأخرجه الطبراني (11139) من طريق عبد الله بن كثير به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (11352) عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 230 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

ص: 24

الحكمِ، قال: سمعتُ مجاهدًا يحدِّثُ عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال ابنُ عباسٍ: (في قُبُلِ عدَّتِهِنَّ)

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أُميةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، أنه قرَأ:(فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ)

(2)

.

حدَّثنا

(3)

العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: طاهرًا في غيرِ جماعٍ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، عن الحسنِ في قولِه:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: طاهرًا مِن غيرِ حيضٍ، أو حاملًا قد استبان حملُها

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عيسى بنِ يزيدَ بنِ دَأْبٍ، عن عمرٍو، عن الحسنِ وابنِ سيرينَ، فيمن أراد أن يُطلِّقَ ثلاثَ تَطْليقاتٍ، جميعًا في كلمةٍ واحدةٍ، أنه لا بأسَ به بعدَ أن يُطلِّقَها في قُبُلِ عِدَّتها، كما أمَره اللَّهُ عز وجل، وكانا يَكْرَهان أنْ يُطلِّقَ الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو تطليقتين أو ثلاثًا، إذا كان لغيرِ العِدَّةِ التي ذكَرها اللَّهُ

(6)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ، عن ابنِ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 2، والنسائي في الكبرى (5586) من طريق محمد بن جعفر به.

(2)

أخرجه الشافعي 2/ 67 (107)، وأبو عبيد في الفضائل ص 187، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 296، وسعيد بن منصور في سننه (1059)، والبيهقي 7/ 323، من طرق عن ابن جريج عن مجاهد به.

(3)

في الأصل: "قال حدثنا".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 3 من طريق آخر عن مجاهد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 230 إلى عبد بن حميد.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 2 من طريق آخر عن الحسن به.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 2 من طريق آخر عن الحسن وابن سيرين به.

ص: 25

سيرينَ، أنه قال في قولِه:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: يُطلِّقُها وهي طاهرٌ مِن غيرِ جماعٍ، أو حُبْلَى يَستبينُ حملُها

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} : قال: لطُهْرِهنَّ

(2)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: العِدَّةُ: القُرْءُ، والقُرْءُ: الحَيْضُ، والطاهرُ: الطاهرُ مِن غيرِ جماعٍ، ثم تَسْتقبلُ ثلاثَ حِيَضٍ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} : والعِدَّةُ: أن يُطِّلقَها طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، تطليقةً واحدةً

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: إذا طَهَرت من الحيضِ في غيرِ جماعٍ. قلتُ: كيف؟ قال: إذا طَهَرت تُطلِّقُها

(5)

مِن قبلِ أنْ تمسَّها، فإن بدا لك أن تُطلِّقَها أُخرى، ترَكْتَها حتى تَحِيضَ حيضةً أُخرى، ثم طلِّقْها إذا طَهَرت الثانيةَ، فإذا أردْتَ طلاقَها الثالثةَ أَمْهَلْتها حتى تَحيضَ، فإذا طَهَرت طلَّقَتها

(6)

الثالثةَ، ثم تعتدُّ حيضةً واحدةً، ثم

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1061) عن هشيم به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 230 إلى عبد بن حميد.

(3)

تقدم تخريجه في 4/ 88.

(4)

سقط من: الأصل. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 169.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فطلقها".

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"طلقها".

ص: 26

تُنكَحُ إن شاءت

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ

(2)

ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وقال ابنُ طاوسٍ: إذا أردْتَ الطلاقَ فطلِّقْها حينَ تَطْهُرُ، قبلَ أن تمسَّها، تطليقةً واحدةً، لا يَنْبغي لك أن تزيدَ عليها، حتى تخلوَ ثلاثةُ قُرُوءٍ، فإِنَّ واحدةً تُبِينُها

(3)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . يقولُ: فطلِّقْها طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: إذا طلَّقتَها للعِدَّةِ كان مِلْكُها بيدِك، ومَن طلَّق

(5)

للعِدَّةِ جعَل اللَّهُ له في ذلك فُسْحةً، وجعل له مِلْكًا إن أَراد أَنْ يَرْتجِعَ قبلَ أَن تَنْقَضِيَ العِدَّةُ ارْتَجَع

(6)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: طاهرًا في غيرِ جماعٍ، فإن كانت لا تَحِيضُ، فعندَ غُرَّةِ كلِّ هلالٍ

(7)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن عبيدِ

(8)

اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 296 عن معمر به.

(2)

في ص، ت 1:"أبو".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 296، وفي المصنف (10920) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 169.

(5)

في الأصل، ت 3:"طلقها".

(6)

ينظر التبيان 10/ 32.

(7)

ينظر التبيان 10/ 30.

(8)

في الأصل: "عبد". وينظر مصادر التخريج.

ص: 27

عمرَ، قال: طلَّقْتُ امرأتي وهي حائضٌ. قال: فأتى عمرُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فخبَّره ذلك، فقال:"مُرْه فلْيُراجِعْها حتى تَطْهُرَ ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إِنْ شَاء طلَّقها قبلَ أن يُجامِعَها، وإن شاء أمْسَكها، فإنها العِدَّةُ التي قال اللَّهُ عز وجل"

(1)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، [عن عبيدِ اللَّهِ]

(2)

، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بنحوِه عن النبيِّ - صلى الله عليه [وسلَّم -

(3)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ، فسأل عمرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال]

(4)

: "مُرْه فلْيُراجِعْها

(5)

، ثم لْيُمْسِكُها حتى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إنْ شاء أمْسَكها، فتلكَ العِدَّةُ التي أمَر اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لها النساءُ"

(6)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ

(7)

، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه طلَّق امرأتَه حائضًا، فأتى عمرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكَر ذلك له، فأمَره أنْ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 2، ومسلم (1471)، وابن ماجه (2019) من طريق ابن إدريس به، وأخرجه الطيالسي (1964)، وأحمد 10/ 61 (5792)، وابن الجارود (734)، وابن حبان (4263)، والدارقطني 4/ 7، والبيهقي 7/ 324 من طريق عبيد الله به.

(2)

سقط من النسخ، واستدركناه من مصادر التخريج.

(3)

أخرجه أحمد 9/ 153 (5164)، والنسائي (3389)، وفي الكبرى (5582)، وابن حبان (4263) من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع به.

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3. وفي الأصل:"فليرتجعها".

(6)

أخرجه أحمد 9/ 221 (5299) عن عبد الرحمن بن مهدي به، وأخرجه مالك في الموطأ 2/ 576، ومن طريقه الشافعي 2/ 65 (104)، وعبد الرزاق في المصنف (10952)، والبخاري (5251)، ومسلم (1471)، وأبو داود (2179)، والنسائي (3390)، وفي الكبرى (5583)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 53، والبيهقي 7/ 323.

(7)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن قتادة". وينظر تفسير عبد الرزاق ومصنفه.

ص: 28

يُراجِعَها، ثم يترُكَها، حتى إذا طَهَرت ثم حاضت [ثم طهَرت]

(1)

طلَّقها، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"فهي العِدَّةُ التي أمَر اللَّهُ أنْ يُطلَّقَ النساءُ لها". يقولُ: حينَ

(2)

يَطْهُرن

(3)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . يقولُ: لا تُطلِّقْها وهي حائضٌ، ولا في طُهْرٍ قد جامعتَها فيه، ولكن تترُكُها حتى إذا حاضت وطَهَرت طلِّقْها تطليقةً، فإن كانت تَحيضُ فعدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، وإن كانت لا تَحِيضُ فعدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ، وإن كانت حاملًا فعدَّتُها أن تضعَ حملَها

(4)

.

حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، سُئل عن قولِ اللَّهِ عز وجل:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . قال: طلاقُ السُّنةِ أن يُطلِّقَ الرجلُ امرأتَه وهي في قُبُلِ عِدَّتِها طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ واحدةً ثم يَدعَها، فإن شاء راجَعها قبلَ أن تغتسِلَ مِن الحَيْضةِ الثالثةِ، وإن أراد أن يُطلِّقَها ثلاثًا طلَّقها واحدةً في قُبُلِ عِدَّتِها وهي طاهرٌ مِن غيرِ جماعٍ، ثم يَدَعَها، حتى إذا حاضت وطَهَرت طلَّقها أُخرى، ثم يَدَعَها، حتى إذا حاضت وطَهَرت طلَّقها أُخرى

(5)

، ثم لا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه.

وذُكر أنَّ هذه الآيةَ أُنزِلت على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في سببِ طلاقِه حفصةَ.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1.

(2)

في ت 1، وتفسير عبد الرزاق:"حتى".

(3)

في الأصل: "تطهر". والأثر أخرجه عبد الرزاق في التفسير 2/ 297، وفي المصنف (10954) عن معمر به، وأخرجه أحمد 9/ 231 (5321)، ومسلم (1471)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 53 من طريق أيوب به.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 169.

(5)

بعده في الأصل: "ثم يدعها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى".

ص: 29

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ

(1)

عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: طلَّق رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حفصةَ بنتَ عمرَ تطليقةً، فأُنزِلت هذه الآيةُ:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . فقيل: راجِعْها، فإنها صوَّامةٌ قوَّامةٌ، وإنها مِن نسائِك في الجنةِ

(2)

.

وقولُه: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} . يقولُ: وأَحْصُوا عددَ

(3)

العِدَّةِ وأقرائِها واحْفَظُوها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه:{وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} . قال: احفظوا العِدَّةَ.

وقولُه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} . يقولُ: وخافوا اللَّهَ أيُّها الناسُ ربَّكم، فاحْذَروا معصيتَه وأن تَتَعدَّوا حدَّه، لا تُخْرِجوا مَن طلَّقتم مِن نسائِكم لعدَّتِهنَّ مِن بُيوتِهنَّ التي كنتم أسْكَنتموهنَّ فيها قبلَ الطلاقِ، حتى تَنْقضيَ عِدَّتُهنَّ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 3. وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى. ينظر تهذيب الكمال 16/ 359.

(2)

أخرجه ابن سعد في الطبقات 8/ 84 من طريق سعيد به.

(3)

في ص: "عدة". وفي م، ت 1:"هذه".

ص: 30

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه:{وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} : حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهنَّ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: إن أَذِن لها أن تعتدَّ في غيرِ بيتِه، فتعتدَّ في بيتِ أهلِها، فقد شارَكها إذنْ في الإثمِ. ثم تلا:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: قلتُ: هذه الآيةُ في هذه؟ قال: نعم

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا حَيْوةُ بنُ شُرَيحٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن نافعٍ، أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ في هذه الآيةِ:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: خروجُها قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ. قال ابنُ عَجْلانَ عن زيدِ بنِ أسلمَ: إذا أَتَتْ بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ

(2)

أُخْرِجت

(3)

.

وحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: ليس لها أنْ تَخْرُجَ إلا بإذنه، وليس للزوجِ أنْ يُخْرِجَها ما كانت في العِدَّةِ، فإن خرَجت فلا سُكْنى لها ولا نفقةَ

(4)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11009) عن ابن جريج به.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 72، والبيهقي 7/ 431، والحاكم 2/ 491 من طريق نافع به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11019) عن ابن جريج عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 231 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 202 من طريق جويبر به.

ص: 31

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} . قال: هي المطلَّقةُ، لا تخرُجُ مِن بيتِها ما دام لزوجِها عليها رَجْعَةٌ وكانت في عِدَّةٍ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} : وذلك إذا طلَّقها واحدةً أو اثنتين، ما لم يُطلِّقْها ثلاثًا.

وقولُه: {وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تُخْرِجوهنَّ إلا أنْ يأْتين بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ أنَّها فاحشةٌ لمن عايَنها أو عَلِمها.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الفاحشةِ التي ذُكرت في هذا الموضعِ، والمعنى الذي مِن أجلِه أَذِن اللَّهُ بإخراجِهنَّ في حالِ كونِهنَّ في العِدَّةِ من بُيوتِهنَّ؛ فقال بعضُهم: الفاحشةُ التي ذكر اللَّهُ عز وجل في هذا الموضعِ هي الزنى، والإخراجُ الذي أباح اللَّهُ هو الإخراجُ لإقامةِ الحدِّ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: الزنى: قال: فتُخْرَجُ ليُقامَ عليها الحدُّ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَه.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 231 إلى عبد بن حميد.

ص: 32

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن صالحِ بن مسلمٍ، قال: سألتُ عامرًا، قلتُ: رجلٌ طلَّق امرأتَه تطليقةً أيُخْرِجُها مِن بيتِها؟ قال: إن كانت زانيةً

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: إلا أنْ يزنين

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللَّهِ عز وجل:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} . قال: هؤلاء المحصناتُ، {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} الآية [النساء: 15]. قال: فجعَل اللَّهُ سبيلَهنَّ الرجْمَ، فهي لا يَنْبَغِي لها أَنْ تَخْرُجَ مِن بيتِها إلا أنْ تأتيَ بفاحشةٍ مبينةٍ، فإذا أتَتْ بفاحشةٍ مبينةٍ أُخْرِجَت إلى الحدِّ فرُجِمت، وكان قبلَ هذا للمحصنةِ الحبسُ، تُحْبِسُ في البيوتِ لا تُتْركُ أن تُنْكحَ، وكان للبِكْرَين الأذى، قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه:{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} : يا زانٍ، يا زانيةُ، {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 16]. قال: ثم نُسِخ هذا كلُّه، فجُعِل للمحصَنةِ والمحصَنِ الرجْمُ،

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11018) من طريق صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 231 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير مجاهد ص 663، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (11017) عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 231 إلى عبد بن حميد.

ص: 33

وجُعِل جلدُ مائةٍ للبِكْرَين، قال: ونُسِخ هذا.

وقال آخرون: الفاحشةُ التي عناها اللَّهُ عز وجل في هذا الموضعِ البَذَاءُ على أحمائِها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن ابنِ عباسٍ:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: الفاحشةُ المُبيِّنةُ أن تَبْدُوَ على أهلِها

(1)

.

وقال آخرون: بل هي كلُّ معصيةٍ للَّهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} : والفاحشةُ المبيِّنةُ

(2)

هي المعصيةُ

(3)

.

وقال آخرون: بل ذلك نشوزُها على

(4)

زوجِها، فيطلِّقُها على النشوزِ، فيكونُ لها التحوُّلُ حينئذٍ من بيتِها.

(1)

أخرجه الشافعي في الأم 5/ 217، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (11021، 11022)، والبيهقي 7/ 431 من طريق محمد بن عمرو به، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 71 من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 231 إلى ابن راهويه وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ينظر التبيان 10/ 31، وتفسير القرطبي 18/ 156.

(4)

في الأصل: "عن".

ص: 34

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال قتادةُ: إلا أنْ يُطلِّقَها على نشوزٍ، فلها أنْ تُحوَّلَ مِن بيتِ زوجِها

(1)

.

وقال آخرون: الفاحشةُ المُبيِّنةُ التي ذكر اللَّهُ عز وجل في هذا الموضعِ خروجُها مِن بيتِها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: خروجُها مِن بيتِها فاحشةٌ. وقال بعضُهم: خروجُها إذا أتت بفاحشةٍ؛ أن تُخْرَجَ فيُقامَ عليها الحدُّ

(2)

.

حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقيُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ الحكمِ بنِ أبي مريمَ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ في قولِه:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال: خروجُها قبلَ انقضاءِ عدتِها

(3)

فاحشةٌ

(4)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11020) عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 231 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 156.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"العدة".

(4)

تقدم في ص 31.

ص: 35

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي قولُ مَن قال: عُنِي بالفاحشةِ في هذا الموضعِ المعصيةُ. وذلك أنَّ الفاحشةَ هي كلُّ أمرٍ قبيحٍ تُعُدِّي

(1)

فيه حدُّه، فالزنى مِن ذلك، والسَّرَقُ والبَذَاءُ على الأحماءِ وخروجُها مُتَحوِّلةً عن منزلِها الذي يَلْزَمُها أنْ تعتدَّ فيه، منه، فأيَّ ذلك فعَلتْ وهي في عِدَّتِها، فلزوجِها إخراجُها مِن بيتِها، ذلك لإتيانِها بالفاحشةِ التي ركِبتْها.

وقولُه: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأمورُ التي بيَّنْتُها لكم مِن الطلاقِ للعِدَّةِ، وإحصاءِ العِدَّةِ، والأمرِ باتقاءِ اللَّهِ، وأنْ لا تُخْرَجَ المطلَّقةُ مِن بيتِها إلا أن تأتيَ بفاحشةٍ مبينةٍ - حدودُ اللَّهِ التي حدَّها لكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوها، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. [يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتجاوزْ حدودَ اللَّهِ التي حدَّها لخلْقِه، {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ]

(2)

. يقولُ: فقد أَكْسَب

(3)

نفسَه وِزْرًا، فصار بذلك لها ظالمًا، وعليها متعدِّيًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} . يقولُ: تلك طاعةُ اللَّهِ، فلا تَعْتَدُوها. قال: يقولُ: مَن كان على غيرِ هدًى

(4)

فقد ظلَم نفسَه

(5)

.

(1)

بعده في الأصل: "به".

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

في الأصل: "اكتسب".

(4)

في الأصل: "هذا"، وفي م:"هذه".

(5)

تقدم نحوه في 4/ 165.

ص: 36

وقولُه: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . يقولُ جل جلاله: لا تَدْرِي ما الذي يَحدُثُ، لعلَّ اللَّهَ يُحدِثُ بعدَ طلاقِكم إيَّاهنَّ رجعةً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، [عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ]

(1)

، أَنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ كانت تحتَ أبي [عمرِو ابنِ]

(2)

حفصٍ المخزوميِّ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّر عليًّا على بعضِ اليمنِ، فخرَج معه، فبعَث إليها بتطليقةٍ كانت بقِيتْ

(3)

لها، وأمَر عياشَ بن أبي ربيعةَ المخزوميَّ والحارثَ بنَ هشامٍ، أن يُنْفِقا عليها، فقالا: لا واللَّهِ ما لها علينا نفقةٌ، إلا أنْ تكونَ حاملًا. فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكَرت ذلك له، فلم يجعَلْ لها نفقةً إلا أنْ تكونَ حاملًا، واستأذنتْه في الانتقالِ، فقالت: أينَ أنتقِلُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "عندَ ابنِ أمِّ مكتومٍ". وكان أعمى، تضعُ ثيابَها عندَه، ولا يُبْصِرُها، فلم تَزَلْ هنالك حتى أنْكَحها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُسامةَ بنَ زيدٍ، حينَ مضت عِدَّتُها، فأرسَل إليها مَرْوانُ بنُ الحكمِ يسألُها عن هذا الحديثِ، فأخبَرتْه، فقال مَرْوانُ: لم نسمعْ هذا الحديثَ إلا مِن امرأةٍ، وسنأخذُ بالعصمةِ التي وجَدْنا الناسَ عليها. فقالت فاطمةُ: بيني وبينَكم الكتابُ، قال اللَّهُ عز وجل:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} حتى بلَغ: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . قالت: فأَيَّ أمرٍ يُحْدِثُ

(4)

بعدَ الثلاثِ؟! وإنما هو في مراجعة الرجلِ امرأتَه، وكيف

(1)

سقط من النسخ، واستدركناه من مصادر التخريج.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3. وفي الأصل:"بكر بن عمرو بن". والمثبت كما في جميع مصادر التخريج. وله ترجمة في الاستيعاب 4/ 1719.

(3)

سقط من: م.

(4)

في الأصل: "حدث".

ص: 37

تُحْبَسُ امرأةٌ بغيرِ نفقةٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . قال: هذا في مراجعةِ الرجلِ امرأتَه

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . أيْ: مراجعةً.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . قال: يُراجِعُها في بيتِها، هذا في الواحدةِ والثنتين، هو أبعدُ مِن الزنى. قال سعيدٌ: وقال الحسنُ: هذا في الواحدةِ والثنتين، وما يُحْدِثُ اللَّهُ بعدَ الثلاثِ

(3)

!

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ وعكرمةَ يقولان: المطلَّقةُ ثلاثًا، والمتوفَّى عنها زوجُها

(4)

، لا سُكْنى لها ولا نفقةَ. قال: فقال عكرمةُ: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . فقال: ما يُحْدِثُ بعدَ الثلاثِ

(5)

!

حدَّثنا عليُّ

(6)

بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (12024)، وفي التفسير 2/ 297، وأحمد 6/ 414 (الميمنية)، ومسلم (1480/ 41)، وأبو داود (2290) من طريق معمر به.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 298 عن معمر به.

(3)

في ت 3: "ذلك".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 262 عن ابن علية عن أيوب عن عكرمة - وحده - به.

(6)

سقط من: الأصل، ت 3.

ص: 38

المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . يقولُ: لعلَّ الرجلَ يراجعُها في عِدَّتِها

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} : هذا ما كان له عليها رجعةٌ.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . قال: الرَّجْعةَ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . قال: لعلَّ اللَّهَ يُحدِثُ في قلبِك تَرتجِعُ

(3)

زوجتَك. قال: ومَن طلَّق للعِدَّةِ جعَل اللَّهُ له في ذلك فُسْحةً، وجعل له مِلْكًا؛ إِنْ أَرادَ أَنْ يَرْتَجِعَ قبلَ أن تنقضِيَ العِدَّةُ ارْتجَع (2).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . قال: لعله يراجِعُها

(4)

.

وقولُه: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا بلَغ المطلَّقاتُ اللَّواتي هنَّ في عِدَّةٍ، أجلَهنَّ؛ وذلك حينَ قَرُب انقضاءُ عِدَدِهنَّ، {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. يقولُ: فأمسكوهنَّ برجْعةٍ تُراجعوهنَّ إن أردْتم ذلك، {بِمَعْرُوفٍ}. يقولُ: بما أمَر اللَّهُ به مِن الإمساكِ، وذلك بإعطائِها الحقوقَ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 262 من طريق جويبر به.

(2)

تقدم في ص 27.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تراجع".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 170.

ص: 39

التي أوجَبها اللَّهُ عليه لها مِن النفقةِ والكِسوةِ والمسكنِ وحُسنِ الصحبةِ، {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. يقولُ: أو اتْركوهنَّ حتى تنقضِيَ عِدَدُهنَّ فتَبِينَ منكم، {بِمَعْرُوفٍ}. يعني: بإيفائِها ما لها مِن حقٍّ قِبَلَه؛ من الصداقِ أو المتعةِ، على ما أوجَب اللَّهُ لها عليه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ قولَه:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} . يقولُ: إِذا انْقَضَتْ عدَّتُها قبلَ أنْ تغتسلَ مِن الحيضةِ الثالثةِ، أو ثلاثةُ أشهرٍ إنْ لم تكنْ تَحيضُ. يقولُ: فراجِعْ إن كنتَ تريدُ المراجعةَ قبلَ أن تنقضِيَ العِدَّةُ بإمساكٍ بمعروفٍ، والمعروفُ: أنْ تُحسِنَ صُحبتَها، {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، والتسريحُ بإحسانٍ: أنْ يدعَها حتى تمضِيَ عِدَّتُها، ويُعطيَها مهرًا، إنْ كان لها عليه، إذا طلَّقها، فذلك التسريحُ بإحسانٍ، والمتعةُ على قَدْرِ الميسرةِ

(1)

.

حدَّثنا محمدٌ، [48/ 9 ظ] * قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} . قال: إذا طلَّقها واحدةً أو ثنتين، يشاءُ أنْ يُمسِكَها بمعروفٍ، أو يُسرِّحَها بإحسانٍ.

وقولُه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} : وأشْهِدوا على الإمساكِ إنْ أمسَكْتموهنَّ، وذلك هو الرجعةُ، {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}: وهما اللَّذان يُرْضَى

(1)

تقدم في 4/ 134.

* سقطت اللوحة العاشرة من مخطوطة الأصل وهي تتضمن الورقتين [9 ظ، 10 و] كاملتين.

ص: 40

دينُهما وأمانتُهما.

وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى العَدْلِ بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وذكَرْنا ما قال أهلُ العلمِ فيه

(1)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنْ أراد مراجعتَها قبلَ أنْ تنقضِيَ عِدَّتُها، أَشْهَد رجلين كما قال اللَّهُ:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} : عندَ الطلاقِ وعندَ المراجعةِ، فإن راجَعها فهي عندَه على تطليقتين، وإن لم يُراجِعْها فإذا

(2)

انقضَت عِدَّتُها فقد بانَت منه بواحدةٍ، وهي أمْلكُ بنفسِها، ثم تتزوَّجُ مَن شاءت؛ هو أو غيرَه

(3)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} . قال: على الطلاقِ والرجْعةِ.

وقولُه: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} . يقولُ: واشْهَدُوا على الحقِّ إذا استُشْهِدتم، وأدُّوها على صحةٍ إذا أنتم دُعيتم إلى أدائِها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:

(1)

تقدم في 5/ 76، 81.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وإذا".

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 32.

ص: 41

{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} . قال: اشهَدوا على الحقِّ.

وقولُه: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أمَرْتُكم به وعرَّفْتُكم؛ مِن أمرِ الطلاقِ، والواجبِ لبعضِكم على بعضٍ عندَ الفِراقِ والإمساكِ - عظةٌ منا لكم، نعِظُ به مَن كان يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ، فيُصدِّقُ به.

وعُنِي بقولِه: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} : مَن كانت صفتُه الإيمانَ باللَّهِ، كالذي حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . قال: يؤمِنُ به.

وقولُه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: مَنْ يَخفِ اللَّهَ فيعملْ بما أمَره به، ويجْتَنِبْ ما نهاه عنه، يَجْعَلْ له من أمرِه مخرجًا، بأن يُعرِّفَه بأنَّ ما قضَى فلا بدَّ مِن أنْ يكونَ، وذلك أن المطلِّقَ إذا طلَّق، كما ندَبه اللَّهُ إليه للعِدَّة، ولم يُراجِعْها في العدةِ

(1)

حتى انقضتْ، ثم تَتَبَّعتْها

(2)

نفسُه، [جعَل اللَّهُ له مخرجًا فيما تَتْبعُها نفسُه]

(3)

، بأنْ جعل له السبيلَ إلى خِطْبتِها ونكاحِها، ولو طلَّقها ثلاثًا لم يكنْ له إلى ذلك سبيلٌ.

وقولُه: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . يقولُ: ويُسبِّبْ له أسبابَ الرزقِ مِن حيثُ لا يشعرُ ولا يعلَمُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. وذكَر بعضُهم أنَّ هذه الآيةَ نزَلت بسببِ عوفِ بن مالكٍ الأشجعيِّ.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عدتها".

(2)

في م: "تتبعها".

(3)

سقط من: الأصل.

ص: 42

ذكرُ

(1)

مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ صلتٍ، عن قيسٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: يعلَمُ أنه من عندِ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ هو الذي يُعْطِي ويمنعُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: المَخْرَجُ أَنْ يعلمَ أنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى لو شاء أعطاه، ولو

(3)

شاء منَعه، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. قال: من حيثُ لا يَدْرِي.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ بنحوِه

(4)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . يقولُ: يُنجِيه

(5)

مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدنيا والآخرةِ، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}

(6)

.

(1)

بعده في الأصل: "بعض".

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 151، وابن كثير في تفسيره 8/ 173، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 232 إلى ابن مردويه.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"إن".

(4)

سقط من: ت 3. وفي ص، م، ت 1، ت 2: "مثله".

والأثر أخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 6/ 232 - ومن طريقه البيهقي في الشعب (1286) عن أبي معاوية به.

(5)

في م: "نجاته"، وفي ت 1:"سبحانه".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 48 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 232 إلى ابن المنذر.

ص: 43

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيعِ بنِ المنذرِ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: مِن كلِّ شيءٍ ضاق على الناسِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: مَن طلَّق كما أمَره اللَّهُ عز وجل يَجْعلْ له مخرجًا

(2)

.

حدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}. قال: يعني بالمَخْرَجِ واليُسرِ؛ إذا طلَّق واحدةً، ثم سكَت عنها، فإنْ شاء

(3)

راجَعها بشَهادةِ رجلين عَدْلَين، فذلك اليُسرُ الذي قال اللَّهُ تبارك وتعالى، وإن مضَت عِدَّتُها ولم يُراجِعْها، كان خاطبًا من الخُطَّابِ، وهذا الذي أمَر اللَّهُ به، وهكذا طلاقُ السنَّةِ، فأمَّا مَن طلَّق عندَ كلِّ حيضةٍ تطليقةً

(4)

، فقد أخطأ السنَّةَ، وعصَى الربَّ عز وجل، وأخَذ بالعُسرِ

(2)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: يُطلِّقُ للسنَّةِ

(5)

، ويراجِعُ للسنَّةِ

(5)

، زُعِم أنَّ رجلًا مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقالُ له: عوفُ بنُ مالكٍ الأشجعيُّ. كان له ابنٌ، وأنَّ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 37، وأحمد في الزهد ص 334 من طريق الربيع بن المنذر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 233 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 151، وابن كثير في تفسيره 8/ 172.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

سقط من: م.

(5)

في الأصل: "لسنة". وينظر تفسير ابن كثير.

ص: 44

المشركين أسَرُوه، فكان فيهم، فكان أبوه يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيشكو إليه مكانَ ابنِه وحالَه التي هو بها وحاجتَه، فكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يأمرُه بالصبرِ، يقولُ له: "إِنَّ اللَّهَ سيجعلُ لك

(1)

مخرجًا". فلم يَلبَثْ بعدَ ذلك إلا يسيرًا [أن انفلَت]

(2)

ابنُه مِن أيدي العدوِّ، فمرَّ بغنمٍ مِن أغنامِ العدوِّ فاستاقها، فجاء بها إلى أبيه، وجاء معه بغِنًى قد أصابه من الغنمِ، فنزَلت فيه هذه الآيةُ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عمارِ بنِ

(4)

معاويةَ الدُّهْنِيِّ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: نزَلت في رجلٍ مِن أشجعَ جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو مجهودٌ، فسأله، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ". فقال: قد فعَلْتُ. فأتى قومَه، فقالوا: ماذا قال لك؟ قال: قال لي: "اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ". فقلتُ: قد فعَلْتُ. حتى قال ذلك ثلاثًا، فرجَع، فإذا هو بابنِه كان أسيرًا في بني فلانٍ مِن العربِ، فجاء معه بأعنُزٍ، فرجَع إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنَّ ابني كان أسيرًا في بني فلانٍ، وإنه جاءنا

(5)

بأعْنُزٍ، فطابت لنا؟ فقال:"نعم"

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن عمارٍ الدهنيِّ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ في قولِه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: نزَلت في

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"له".

(2)

في الأصل: "أن أفلت". وفي م: "إذ انفلت". وينظر تفسير ابن كثير.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 173.

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أبي". وهو عمار بن معاوية ويقال: ابن أبي معاوية. ويقال: ابن صالح. ويقال: ابن حيان. ينظر تهذيب الكمال 21/ 208.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"جاء".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 232 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

ص: 45

رجلٍ مِن أشجعَ أصابه الجَهْدُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال له:"اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ". فرجَع فوجَد ابنًا له كان أسيرًا، قد فكَّه اللَّهُ مِن أيديهم، وأصاب أَعْنُزًا، فجاء، فذكَر ذلك لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تَطيبُ لي يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: "نعم".

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ المنذرِ الثوريِّ، عن أبيه، عن الربيعِ بن خُثَيمٍ:{يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: من كلِّ شيءٍ ضاق على الناسِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ:{يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: يعلمُ أنَّ اللَّهَ إن شاء منَعه، وإن شاء أعطاه، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. يقولُ: من حيثُ لا يَدْرِي.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ:{يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} . قال: من شُبُهاتِ الأمورِ، والكربِ عندَ الموتِ، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}: من حيثُ لا يَرْجو ولا يؤمِّلُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} : من حيثُ لا يأملُ ولا يَرْجو.

وقولُه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . يقولُ تعالى ذكره: ومن يتقِ اللَّهَ في أمورِه، ويفوِّضْها إليه، فهو كافيه.

(1)

في ت 2، ت 3:"يأمل".

والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية 2/ 340 من طريق سلام عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 232 إلى عبد بن حميد.

ص: 46

[وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن اللَّهَ مُنفذٌ أمرَه، مُمضٍ في خلقِه قضاءَه]

(1)

.

وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} . منقطعٌ عن قولِه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . ومعنى ذلك: إنَّ اللَّهَ بالغُ أمرِه بكلِّ حالٍ؛ توكَّل عليه العبدُ أو لم يتوكَّلْ عليه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} : توكَّل عليه، أو لم يتوكَّلْ عليه، غيرَ أنَّ المتوكِّلَ عليه

(2)

يُكفِّرُ عنه سيئاتِه ويُعْظِمُ له أجرًا

(3)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ بنحوِه

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ صلتٍ، عن قيسٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . قال: ليس بمتوكِّلٍ الذي قد قُضيت حاجتُه، وجعَل فضلَ مَن توكّل عليه على مَن لم يتوكَّلْ عليه

(2)

، أنْ يكفِّرَ عنه سيئاتِه ويُعْظِمَ له أجرًا

(4)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه البيهقي في الشعب (1286) من طريق أبي معاوية به

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 234 إلى ابن مردويه.

ص: 47

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ

(1)

، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ:{إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} : إن توكَّل عليه أو لم يتوكّلْ، غيرَ أن المتوكِّلَ يُعْظِمُ له أجرَه ويكفِّرُ عنه سيئاتِه]

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، قال: تَجالسَ شُتيرُ بنُ شَكَلٍ ومسروقٌ، فقال شُتيرٌ: إمَّا أنْ تحدِّثَ ما سمِعتَ من ابنِ مسعودٍ فأصدِّقَك، وإما أنْ أُحدِّثَ فتصدِّقَني. قال: فقال

(3)

مسروقٌ: لا، بل حدِّثْ وأصدِّقُك. فقال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: إن أكبرَ آيةٍ في القرآنِ تفويضًا

(4)

: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . فقال مسروقٌ: صدَقتَ.

وقولُه: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: قد جعَل اللَّهُ لكلِّ شيءٍ مِن الطلاقِ والعِدَّةِ وغيرِ ذلك، حدًّا وأَجَلًا وقَدْرًا يُنتهَى إليه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ:{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} . قال: أجَلًا

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ:{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} . قال: مُنتهًى.

(1)

في الأصل: "ابن مهران".

(2)

سقط من: م.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في م: "تفوضًا".

(5)

هو من تمام الأثر المتقدم تخريجه ص 43، 47.

ص: 48

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ مثلَه.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} . قال: الحيضُ في الأجلِ [والعِدَّةِ]

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا

(4)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: والنساءُ اللَّاتي قد ارْتَفَع طمَعُهنَّ مِن

(2)

المَحيضِ، فلا يَرْجون أنْ يحِضْنَ مِن نسائِكم إن ارْتبتم.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن ارْتَبْتم بالدَّم الذي يظْهرُ منها لكِبَرِها؛ أمِن الحَيْضِ هو أم مِن الاسْتحاضَةِ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِنِ ارْتَبْتُمْ} : إنْ لم تعلموا التي قَعَدتْ مِن

(2)

[المحيضِ و]

(3)

التي لم تَحِضْ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ

(4)

.

(1)

سقط من: الأصل.

والأثر ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 161.

(2)

في م: "عن".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الحيضة أو"، وفي م:"الحيضة و".

(4)

تفسير مجاهد ص 663، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 343 - وعزاه السيوطي في =

ص: 49

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ:{إِنِ ارْتَبْتُمْ} . قال: في كِبَرِها أنْ يكونَ ذلك مِن الكِبَرِ، فإنها تَعْتَدُّ حِينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ، فأمَّا إذا ارتفَعتْ حَيْضةُ المرأةِ وهي شابَّةٌ، فإنه يُتَأَنَّى بها حتى يُنظَرَ: أحاملٌ هي، أم غيرُ حاملٍ؟ فإن اسْتَبَان حَمْلُها، فأجَلُها أنْ تضَعَ حملَها، فإن لم يَسْتَبِنْ حملُها، فحتى يَسْتَبِينَ بها، وأَقْصَى ذلك سَنَةٌ

(1)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} . قال: إن ارْتبْتَ أنها لا تحيضُ وقد ارْتفَعَتْ حيضتُها، أو ارْتاب الرجلُ

(2)

، و

(3)

قالت هي: تَرَكَتْني الحيضةُ. فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ إن ارتاب [فخاف أن تكون الحيضة قد انقطَعتْ]

(4)

، فلو كان الحملُ، انتظَر الحملَ حتى تَنقضِيَ تسعةُ أشهرٍ، فخاف وارتاب هو وهي أن تكون الحيضةُ قد انقطَعت، فلا ينبغي لمسلِمةٍ أنْ تُحْبسَ، فاعتدَّت ثلاثةَ أشهرٍ، وجعَله

(5)

اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أيضًا للتي لم تَحِضْ الصغيرةِ ثلاثةَ أشهرٍ

(6)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: أخبَرنا

= الدر المنثور 6/ 235 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 298، وفي مصنفه (11097) عن معمر به نحوه.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الرجال".

(3)

في م: "أو".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في م: "جعل".

(6)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 175 ـ

ص: 50

أبو مُعَيْدٍ

(1)

، قال: سُئل سليمانُ عن المرتابةِ، قال: هي المرأةُ

(2)

التي قد قَعَدت مِن الولدِ؛ تُطَلَّقُ، فتَحِيضُ حَيْضةً، فيأتي إبَّانُ

(3)

حيضتِها الثانيةِ، فلا تَحِيضُ. قال: تَعْتَدُّ حينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ مُستَقبَلةً. [قال: فإن حاضتْ حَيضَتَين، ثم جاء إبَّانُ الثالثةِ فلم تَحِضْ، اعتدَّتْ حينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ مستقبَلَةً]

(4)

، ولم تَعْتَدَّ

(5)

بما مضى.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن ارْتَبْتُم بحُكْمِهنَّ، فلم تَدْروا ما الحكمُ في عِدَّتِهِنَّ، فإنَّ عِدَّتَهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن عمرِو بنِ سالمٍ، قال: قال أبيُّ بنُ كعبٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إن عِدَدًا مِن عِدَدِ النساءِ لم تُذْكَرْ في الكتابِ؛ الصِّغارِ، والكِبارِ، وأُولاتِ الأحمالِ. فأنزَل اللَّهُ:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}

(6)

.

(1)

في النسخ: "معبد". وهو أبو مُعَيْد حفص بن غَيْلان الهَمْداني، وقيل: الرُّعَيْني الحِمْيَري. ينظر تهذيب الكمال 7/ 70.

(2)

في الأصل: "امرأة"، وفي م:"المرتابة".

(3)

إبَّانُ كلِّ شيءٍ، بالكسر والتشديد: وَقْتُه وحِينُه الذي يكون فيه. اللسان (أ ب ن).

(4)

سقط من: ت 1.

(5)

في م: "يعتد".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 298 عن ابن إدريس به، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية (4154) - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 175 - والحاكم 2/ 492، 493، والبيهقي 7/ 414، من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 234 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 51

وقال آخرون: معنى ذلك: إن ارتَبتُم بما

(1)

يظهَرُ منهنَّ مِن الدمِ، فلم تَدْروا أَدَمُ حيضٍ، أم دمُ اسْتِحاضةٍ

(2)

، مِن كِبَرٍ كان ذلك أو عِلَّةٍ؟

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: إنَّ مِن الرِّيبةِ المرأةَ المستحاضةَ، و

(3)

التي لا يَستقيمُ لها الحيضُ، تحيضُ في الشهرِ مرارًا، وفي الأشهُرِ مرَّةً، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ

(4)

. وهو قولُ قتادةَ

(5)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: عَنَى بذلك: إن ارتَبتُم فلم تَدْروا ما الحكمُ فيهنَّ. وذلك أنَّ معنى ذلك لو كان كما قاله مَن قال: إن ارْتَبتم بدمائِهِنَّ فلم تَدْروا أدمُ حيضٍ أو استحاضةٍ. لقيل: إن ارْتبْتُنَّ

(6)

؛ لأنهنَّ إذا أشكَل الدمُ عليهنَّ، فهنَّ المرتاباتُ

(7)

بدماءِ أنفسِهنَّ لا غيرُهنَّ. وفي قولِه: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} ، وخطابِه الرجالَ بذلك دونَ النساءِ، الدليلُ الواضحُ على صحةِ ما قلنا، مِن أنَّ معناه: إنِ ارْتبتم أنتم

(8)

أيُّها الرجالُ بالحُكمِ فيهنَّ. وأُخرى؛ وهو أنه جلَّ ثناؤه قال: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ} . واليائسةُ

(9)

مِن المحيضِ هي التي لا تَرْجو مَحِيضًا لكِبَرٍ

(10)

، ومحالٌ أنْ يقالَ: واللَّائي يَئِسن. ثم

(1)

في م: "مما".

(2)

في ص، م:"مستحاضة".

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11123) عن معمر عن قتادة به.

(5)

ينظر تفسير القرطبي 18/ 163.

(6)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ارتبتم".

(7)

في الأصل: "المرتاب".

(8)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(9)

في الأصل: "الآيسة".

(10)

سقط من: الأصل، وفي م:"للكبر".

ص: 52

يقالُ: إن ارْتَبْتُم بيأسِهنَّ

(1)

؛ لأنَّ اليأسَ

(2)

هو انقطاعُ الرجاءِ، والمُرْتابُ بيأسِها مَرْجُوٌّ لها، وغيرُ جائزٍ ارتفاعُ الرجاءِ ووجودُه في وقتٍ واحدٍ [في شخصٍ واحدٍ]

(3)

. فإذا كان الصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قلنا، فبيِّنٌ أنَّ تأويلَ الآيةِ: واللَّائي يئِسن مِن المحيضِ مِن نسائِكم، إنِ ارْتبتم بالحكمِ فيهنَّ وفي عِدَدِهنَّ، فلم تَدْروا ما هو

(4)

، فإن حُكْمَ عِدَدِهنَّ إِذا طُلِّقْن وهنَّ ممن قد دخَل بهنَّ أزواجُهنَّ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ. {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}. يقولُ: وكذلك عِدَدُ اللَّائي لم يَحِضْن مِن الجواري لصِغَرِهِنَّ

(5)

، إذا طلَّقهنَّ

(6)

أزواجُهنَّ بعدَ الدخولِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، [قال: حدَّثنا أحمدُ]

(7)

، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} . يقولُ: التي قد ارْتَفَع حيضُها، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ، {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}. قال: الجواري.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} : وهنَّ اللَّواتي قعَدْن مِن المحيضِ فلا يَحِضْن، {وَاللَّائِي لَمْ

(1)

في الأصل: "بإياسهن".

(2)

في الأصل: "الإياس".

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3. وفي ص:"في وقت واحد".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"هن".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لصغر".

(6)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"طلقن".

(7)

سقط من: م.

ص: 53

يَحِضْنَ}: هنَّ الأبكارُ التي لم يَحِضْن، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} الآية. قال: القواعدُ مِن النساءِ، {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}: لم يَبْلُغْن المحيضَ وقد مُسِسْن، عِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهُرٍ

(2)

.

وقولُه: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . [يقولُ تعالى ذكرُه: والنساءُ الحوامِلُ إذا طُلِّقْنَ؛ أَجَلُهُنَّ في انقضاءِ عِدَدِهِنَّ]

(3)

أَنْ يَضَعْنَ حملَهنَّ. وذلك إجماعٌ مِن جميعِ أهلِ العلمِ في المطلَّقةِ الحاملِ، وأمَّا المُتَوَفَّى عنها ففيها اختلافٌ بينَ أهلِ العلمِ.

وقد ذكَرْنا اختلافَهم فيما مضَى مِن كتابِنا هذا

(4)

، وسنذكرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذْكُر هنالك.

ذكرُ مَن قال: حكمُ قولِه: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ، عامٌّ في المطلَّقاتِ والمتوفَّى عنهنَّ.

حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أَبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنى ابنُ شُبْرُمَةَ الكوفيُّ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ بنِ

(5)

قيسٍ، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: مَن شاء لَاعَنْتُه؛ ما نَزَلَتْ: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 235 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في انقضاء عدتهن".

(4)

ينظر ما تقدم في 4/ 248 وما بعدها.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 3:"عن"، وفي ت 2:"قال عن".

ص: 54

يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} إلا بعدَ آيةِ المتوفَّى عنها زوجُها، وإذا وضَعَتِ المُتَوَفَّى عنها فقد حَلَّت. يريدُ بآيةِ المتوفَّى عنها:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}

(1)

[البقرة: 234].

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مالكٌ - يعني ابنَ إسماعيلَ - عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي عطيةَ، قال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن شاء قاسَمْتُه؛ نَزَلَت سورةُ النساءِ القُصْرَى بعدَها. يعني: بعدَ: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}

(2)

[البقرة: 234].

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: لقِيتُ أبا عطيةَ مالكَ بنَ عامرٍ فسألْتُه عن ذلك. يعني عن المُتَوَفَّى عنها زوجُها إذا وَضَعتْ قبلَ الأربعةِ الأشهرِ [والعَشْرِ]

(3)

، فأخَذ يُحدِّثني بحديثِ سُبَيْعةَ، قلتُ: لا، هل سمعتَ مِن عبدِ اللَّهِ في ذلك شيئا؟ قال: نعم، ذكرتُ ذاتَ يومٍ - أو ذاتَ ليلةٍ - عندَ عبدِ اللَّهِ، فقال: أرأيتَ إِنْ مَضَتِ الأربعةُ الأشهرُ والعشرُ ولم تَضَعْ، لقد

(4)

حَلَّت

(5)

؟ قالوا: لا. قال: فتَجْعلون

(6)

عليها التَّغْليظَ، ولا تَجْعلون لها الرَّخْصةَ! فواللَّهِ لَأُنْزِلَتِ النساءُ القُصْرى بعدَ الطُّولى

(7)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 177 عن المصنف، وأخرجه النسائي في الكبرى (5716)، والطبراني (9642)، والبيهقي في 7/ 430 من طريق سعيد بن أبي مريم به، وليس عند الطبراني قوله:"وإذا وضعت المتوفى عنها فقد حلت".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11715)، ومن طريقه الطبراني (9646) من طريق ابن سيرين به.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لقد".

(5)

في م: "أحلت".

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أفتجعلون".

(7)

أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ 2/ 618، 619، والطبراني (9648)، والبيهقي 7/ 430 من =

ص: 55

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: قال الشَّعْبِيُّ: مَن شاء حالفْتُه

(1)

، لَأُنزِلَتِ النساءُ القُصْرى بعدَ الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ، التي في سورةِ البقرةِ.

حدَّثني أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: ذُكِر [عندَ ابنِ]

(2)

مسعودٍ آخرُ الأجَلَيْن، فقال: مَن شاء قاسَمْتُه باللَّهِ أنَّ هذه الآية التي أُنزِلت في النساءِ القُصْرى نزَلت بعدَ الأربعةِ الأشهرِ. ثم قال: أجلُ الحاملِ أنْ تضعَ ما في بطنِها

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: قلتُ للشعبيِّ: ما أُصدِّقُ أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان يقولُ: آخرُ الأجلَيْن أنْ لا تتزوَّجَ المتوفَّى عنها زوجُها حتى يَمْضِيَ آخرُ الأجلين. قال الشعبيُّ: بلى فصَدِّقْ أشدَّ ما صَدَّقْتَ بشيءٍ قَطُّ. وقال عليٌّ رضي الله عنه: إنما قولُه: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ؛ المطلَّقاتُ. ثم قال: إنَّ عليًّا وعبدَ اللَّهِ كانا يقولان في الطلاقِ بحُلولِ أجلِها إذا وَضَعَتْ حملَها

(4)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا موسى بنُ داودَ، عن ابنِ لهيعةَ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ:

= طريق أيوب به، وأخرجه البخاري (4532)، والنسائي (3521) من طريق ابن عون عن ابن سيرين به.

(1)

في الأصل: "خالفته".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عبد الله بن".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 177 عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1513، 1515) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، والطبراني (9645) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1517) من طريق مغيرة به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى ابن المنذر.

ص: 56

{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، المتوفَّى عنها زوجُها والمطلَّقةُ؟ قال:"نعم"

(1)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن ابنِ عيينةَ، عن عبدِ الكريمِ بِن أبي المُخارِقِ، يُحَدِّثُ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . قال: "أجلُ كلِّ حاملٍ أنْ تَضَعَ ما في بطنِها"

(2)

.

حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . قال: للمرأةِ الحُبْلى التي طَلَّقَها

(3)

زوجُها وهي حاملٌ، فعِدَّتُها أنْ تضعَ حملَها.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} : فإذا وضَعت ما في رحِمها فقد انقضَت عِدتُها، ليس المحيضُ مِن أمرِها في شيءٍ إذا كانت حاملًا

(4)

.

وقال آخرون: ذلك خاصٌّ في المطلَّقاتِ، وأما المتوفَّى عنها فإنَّ عِدتَها آخرُ الأجلَين. وذلك قولٌ مَرْويٌّ عن عليٍّ وابنِ عباسٍ رضي الله عنهما.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 178 - من طريق ابن لهيعة به. وأخرجه أحمد 5/ 116 (الميمنية)، والدارقطني 4/ 39 من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب مرفوعًا نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 235 إلى ابن مردويه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 178 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11717) من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق به نحوه.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يطلقها".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 235 إلى عبد بن حميد.

ص: 57

وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنهما فيما مضَى قبلُ

(1)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا: أنه عامٌّ في المطلَّقاتِ والمتوفَّى عنهن؛ لأنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - عمَّ القولَ بذلك، فقال:{وَأَوَلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ} . ولم يَخْصُصْ بذلك الخبرَ عن مطلَّقةٍ دونَ متوفًّى عنها، بل عَمَّ الخبرَ به عن جميعِ أولاتِ الأحمالِ. فإِنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ قولَه:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في سياقِ الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ دونَ المتوفَّى عنهن؛ فهو بالخبرِ عن حكمِ المطلَّقةِ أولى [من الخبرِ]

(2)

عنهن، وعن المتوفَّى عنهن - فإن الأمرَ بخلافِ ما ظنَّ؛ وذلك أنَّ ذلك وإن كان في سياقِ الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ، فإنه منقطعٌ عن الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ، بل هو خبرٌ مُبْتدَأٌ عن أحكامِ عِدَدِ جميعِ أولاتِ الأحمالِ المطلَّقاتِ منهن وغيرِ المطلَّقاتِ، ولا دَلالةَ على أنه مرادٌ به بعضُ الحواملِ دونَ بعضٍ، من خبرٍ ولا عقلٍ، فهو على عمومِه لما بيَّنا.

وقولُه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن يَخَفِ اللَّهَ فرهِبه؛ فاجتنب معاصِيَه، وأدَّى فرائضَه، ولم يُخالِفْ إذنَه في طلاقِ امرأتِه - فإنه يجعلُ اللَّهُ له مِن طلاقِه ذلك يُسرًا؛ وهو أن يُسهِّلَ عليه إن أراد الرخصةَ، لاتِّباعِ نفسِه إيَّاها - الرَّجعةَ، ما دامت في عِدتِها، وإن انْقَضَتْ عِدتُها ثم دعَتْه نفسُه إليها قَدَر على خِطْبتها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ

(1)

ينظر ما تقدم في ص 54 - 56، والروايات التي ذكرها المصنف فيها قول علي وابن مسعود، ولم يذكر رواية لابن عباس، وقول ابن عباس أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1518)، وابن أبي شيبة 4/ 296 من طريق سليمان بن يسار، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 236 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بالخبر".

ص: 58

عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي بيَّنتُ لكم مِن حكمِ الطلاقِ والرَّجعةِ والعِدةِ، أمرُ اللَّهِ الذي أمَركم به، أنزَله إليكم أيها الناسُ، لِتَأْتَمِروا له وتَعْمَلوا به.

وقولُه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَخَفِ اللَّهَ فيَتَّقِه؛ باجتنابِ معاصِيه، وأداءِ فرائضِه، يَمْحُ اللَّهُ عنه ذنوبَه وسيئاتِ أعمالِه. {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}. يقولُ: ويُجْزِلْ له الثوابَ على عملِه ذلك وتقواه، ومِن إعظامِه

(1)

له الأجرَ عليه؛ أنْ يُدْخِلَه جنتَه فيُخَلِّدَه فيها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أَسكِنوا مُطلَّقاتِ نسائكم مِن الموضعِ الذي سكَنتم {مِنْ وُجْدِكُمْ} : يقولُ: مِن سَعَتِكم التي تَجِدون. وإنما أمَر الرجالَ أن يُعطوهن مَسكنًا يَسْكُنَّه مما يَجِدونه، حتى يَقْضِين عِدَدَهن.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

في الأصل: "إعطائه".

ص: 59

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} . يقولُ: من سَعَتِكم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مِنْ وُجْدِكُمْ} . قال: مِن سَعَتِكم

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} : فإن لم تَجِدْ إلا ناحيةَ بيتِك، فأَسْكِنْها فيه

(3)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} . قال: المرأةُ يُطَلِّقُها، فعليه أنْ يُسْكِنَها، ويُنفِقَ عليها.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ عز وجل:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} . قال: مِن مَقْدِرتِك حيثُ تَقْدِرُ، فإن كنتَ لا تجِدُ شيئًا وكنتَ في مَسْكَنٍ ليس لك، فجاء أمرٌ أَخْرَجك مِن المسكَنِ، وليس لك مسكنٌ تسكُنُ فيه، وليس تَجِدُ، فذاك، وإذا كان له

(4)

قوَّةٌ على الكِراءِ فذاك وُجْدُه، لا يُخْرِجُها مِن منزلِها، وإذا لم يَجِدْ وقال

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى المصنف.

(2)

تفسير مجاهد ص 663، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11026) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى عبد بن حميد.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"به".

ص: 60

صاحبُ المسكنِ: لا أَتْرُكُ

(1)

هذه في بيتي. فلا، وإذا كان يَجِدُ، كان ذلك عليه

(2)

.

وقولُه: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تُضارُّوهنَّ في المسكنِ الذي تُسْكِنونهنَّ فيه، وأنتم تَجِدون سَعَةً مِن المنازلِ؛ تَطْلُبون

(3)

التضييقَ عليهنَّ. فذلك قولُه: {لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} . يعني: لتُضيِّقوا عليهنَّ في المسكنِ مع وجودِكم السَّعَةَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} . قال: في المَسْكَنِ

(4)

.

حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه:{مِنْ وُجْدِكُمْ} . قال: مِن مِلْكِكم؛ مِن مَقْدِرَتِكم. وفي قولِه: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} . قال: لتُضيِّقوا عليهنَّ مساكنَهنَّ حتى يَخْرُجْن.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا

(1)

في م، ت 2، ت 3:"أنزل".

(2)

ينظر التبيان 10/ 36.

(3)

في ص، ت 2، ت 3:"أن تطلبون"، وفي م، ت 1:"أن تطلبوا".

(4)

تفسير مجاهد ص 663، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 61

عَلَيْهِنَّ}. قال: ليس يَنْبَغي له أن يُضارَّها، [ويُضيِّقَ عليها]

(1)

مكانَها، {حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}: هذا لمن يَملِكُ الرَّجعةَ، ولمن لا يَمْلِكُ الرَّجعةَ.

وقولُه: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإن كان نساؤُكم المطلقاتُ أولاتِ حملٍ، وكُنَّ بائِناتٍ منكم، فأَنْفِقوا عليهنَّ في عِدَّتِهنَّ منكم حتى يَضَعْن حملَهنَّ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} : فهذه المرأةُ يُطلِّقُها زوجُها، فيَبُتُّ طلاقَها وهي حاملٌ، فأمَره اللَّهُ أَنْ يُسكِنَها ويُنفِقَ عليها حتى تضَعَ، وإِنْ أَرْضَعَت فحتى تَفطِمَ، وإن بان طلاقُها وليس بها حَمْلٌ

(2)

، فلها السُّكْنَى حتى تنقضِيَ عِدَّتُها، ولا نفقةَ لها

(3)

، وكذلك المرأةُ يموتُ عنها زوجُها؛ فإن كانت حاملًا أُنفِق عليها مِن نصيبِ ذي بطنِها إذا كان لها ميراثٌ

(4)

، وإن لم يكن ميراثٌ أنْفَق عليها الوارِثُ حتى تَضَعَ وتَفْطِمَ ولدَها، كما قال اللَّهُ عز وجل:{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]، فإن لم تكنْ حاملًا [كانتْ نَفقتُها]

(5)

مِن مالِها.

(1)

في الأصل: "فيضيق".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حبل".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في الأصل: "تراث".

(5)

في م: "فإن نفقتها كانت".

ص: 62

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . قال: يُنْفَقُ على الحُبْلَى إذا كانت حاملًا تضَعَ حملَها.

وقال آخرون: عُنِي بقولِه: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} كلُّ مطلَّقَةٍ، مَلَك زوجُها رَجْعَتها أو لم يَمْلِكْ.

وممَن قال ذلك: عمرُ بنُ الخطابِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ - رَحِمهما اللَّهُ -.

ذكرُ الروايةِ عنهما بذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان عمرُ وعبدُ اللَّهِ يجعلان للمطلَّقةِ ثلاثًا السُّكْنَى والنفقةَ

(1)

، وكان عمرُ إذا ذُكر عندَه حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرها أنْ تَعْتَدَّ في غيرِ بيتِ زوجِها، قال: ما كنا لنُجِيزَ في دينِنا شهادةَ امرأةٍ

(2)

.

حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن عيسى بن قِرطاسٍ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ الحسينِ يقولُ في المطلَّقةِ ثلاثًا: لها السكنى، والنفقةُ، والمتعةُ، فإن خَرَجتْ مِن بيتِها، فلا سكنى لها

(3)

، ولا نفقةَ، ولا متعةَ.

حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال:[إذا طَلَّق الرجلُ امرأتَه]

(4)

ثلاثًا [فإنَّ لها]

(5)

السُّكْنَى

(1)

بعده في م: "والمتعة".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 146، 147 عن أبي معاوية به مختصرًا؛ دون قوله:"وكان عمر إذا ذكر. . . إلخ"، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1361) من طريق الأعمش به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"للمطلقة".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 63

والنفقةَ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا طلَّق الرجلُ ثلاثًا

(2)

فإنَّ لها السُّكْنَى والنفقةَ

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن لا نفقةَ للمَبْتوتَةِ، إلا أن تكونَ حاملًا؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه جعَل النفقةَ بقولِه:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} . للحواملِ دونَ غيرِهنَّ مِن البائناتِ مِن أزواجِهنَّ، ولو كان البوائنُ مِن الحواملِ وغيرِ الحواملِ في الواجبِ لهنَّ مِن النفقةِ على أزواجِهنَّ سواءٌ، لم يكنْ لخصوصِ أولاتِ الأحمالِ بالذكرِ في هذا الموضعِ وجهٌ مفهومٌ؛ إذ هنَّ وغيرُهنَّ في ذلك سواءٌ، وفي خُصوصِهنَّ بالذِّكرِ دونَ غيرِهنَّ أدلُّ الدليلِ على أن لا نفقةَ لبائنٍ إلا أن تكونَ حاملًا.

وبالذي قلنا في ذلك صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي كَثيرٍ، قال: ثنى أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أختُ الضحاكِ بنِ قيسٍ، أنَّ أبا عمرٍو المخزوميَّ، طلَّقها ثلاثًا، فأمَر لها بنفقةٍ، فاسْتَقَلَّتْها، وكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعَثه نحوَ اليمنِ، فانطلَق خالدُ بنُ الوليدِ في نفرٍ مِن بني مخزومٍ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو عندَ ميمونةَ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ: إنَّ أبا عمرٍو طلَّق فاطمةَ ثلاثًا، فهل لها مِن نفقةٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ليستْ

(4)

لها نفقةٌ". فأرسَل إليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أن

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 147 عن ابن فضيل به.

(2)

في الأصل، ت 1:"امرأته"، وسقط من: ص، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 148 عن شعبة به.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ليس".

ص: 64

انْتَقِلي إلى

(1)

أُمِّ شَريكٍ". وأرْسَل إليها: "أن لا تَسْبقِيني بنفسِك". ثم أرسل إليها: "إِنَّ أمَّ شريكٍ يأتيها المهاجرون الأوَّلون، فانْتَقِلي إلى ابنِ أمِّ مكتومٍ، فإنكِ إذا وضَعْتِ خِمارَك لم يَرَكِ". فزوَّجها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسامةَ بنَ زيدٍ

(2)

.

وقولُه: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن أَرضَع لكم نساؤُكم البوائنُ منكم أولادَهنَّ الأطفالَ منكم بأُجْرةٍ، فآتوهنَّ أُجورَهُنَّ على رَضاعِهنَّ إِيَّاهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ

(3)

، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحّاكِ أنه قال في الرَّضاعِ: إذا قام على شيءٍ فأُمُّ الصبيِّ أحقُّ به، فإن شاءتْ أَرْضَعَتْه، وإن شاءت تَرَكتْه، إلا أنْ لا يَقْبَلَ مِن غيرِها، فإذا كان كذلك أُجْبِرَتْ على رَضاعِه

(4)

.

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بيت".

(2)

أخرجه أبو داود (2286)، والنسائي (3405)، وفي الكبرى (5598) من طريق الأوزاعي به، وأخرجه مسلم (1480/ 38)، وأبو داود (2285)، والطبراني 4/ 370، 371 (920) من طريق يحيى بن أبي كثير به، وأخرجه مالك في الموطأ 2/ 580، 581، والشافعي 2/ 102 (176)، وأبو داود (2284)، والنسائي (3548)، وابن الأثير في أسد الغابة 6/ 227 من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 230، 231 إلى عبد بن حميد.

(3)

في الأصل: "هشام".

(4)

في الأصل: "رضاعته".

والأثر ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 169، والشوكاني في فتح القدير 5/ 245، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى عبد بن حميد، بلفظ:"إذا قام الرضاع على شيءٍ خُيِّرت الأم".

ص: 65

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} : هي أحقُّ بولدِها، أنْ تأخذَه بما كنتَ مُسْتَرْضِعًا به غيرَها

(1)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} . قال: ما تراضَوا عليه؛ على المُوسِعِ قَدَرُه، وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الصبيِّ: إذا قام على ثمنٍ، فأمُّه أحقُّ أنْ تُرْضِعَه، فإن لم يُوجَدْ

(2)

له مَن يُرْضِعُه، أُجْبِرتِ الأمُّ على الرَّضاعِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} . قال: إن أرضَعتُ لك بأجرٍ فهي أحقُّ مِن غيرِها، وإن هي أبَت أن تُرضِعَه ولم تُواتِك فيما بينَك وبينَها؛ عاسَرَتْكَ في الأجرِ، فاسترضِعْ له أُخرى

(3)

.

وقولُه: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وليقبَلْ بعضُكم أيُّها الناسُ مِن بعضٍ، ما [أمَر به بعضُكم]

(4)

بعضًا مِن معروفٍ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في م: "يجد".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (12189) عن سفيان به مختصرا بلفظ: "إذا قام أجره فأمه أحق به".

(4)

في الأصل: "أمر به بعضهم"، وفي ص، م، ت 1:"أمركم بعضكم به"، وفي ت 2، ت 3:"أمركم به".

ص: 66

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} . قال: اصنَعوا

(1)

المعروفَ فيما بينَكم.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} : حثَّ بعضَكم

(2)

على بعضٍ.

وقولُه: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} . يقولُ: وإن تَعاسَرَ الرجلُ والمرأةُ في رَضاعِ ولدِها منه، فامتنَعَتْ مِن رَضاعِه، فلا سبيلَ له عليها، وليس له إكراهُها على رَضاعِه

(3)

، ولكنَّه يستأجِرُ للصبيِّ مُرْضِعةً غيرَ أُمِّه البائنةِ منه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} . قال: إِن أَبَتِ الأمُّ أَنْ تُرْضِعَ ولدَها - إذا طلَّقها زوجُها

(4)

؛ أبوه - الْتَمسَ له

(5)

مُرْضِعةً أُخرى، والأمُّ أحقُّ إذا رَضِيت مِن

(1)

في الأصل: "تصنعوا".

(2)

في ص، م، ت 2، ت 3:"بعضهم".

(3)

في م: "إرضاعه".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2 ت 3.

(5)

في الأصل: "لها".

ص: 67

أجرِ الرضاعِ بما تَرْضَى به غيرُها، فلا ينبغي له أن يُنْزَعَ منها.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: إن هي أبَت أنْ تُرْضِعَه، ولم تُواتِك فيما بينَك وبينَها؛ عاسَرَتْك في الأجرِ، فاسْتَرْضِعْ له أُخرى

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِ اللَّهِ تبارك وتعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} ، {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}. قال: فرَض لها مِن قَدْرِ ما يَجِدُ، فقالت: لا أَرْضى هذا - قال: وهذا بعدَ الفِراقِ، فأما وهي زوجتُه فهي

(2)

تُرْضِعُ له

(3)

طائِعةً ومُكْرَهةً، إن شاءتْ وإنْ أبَتْ - فقال لها: ليس لي زيادةٌ على هذا، إن أحبَبْتِ أنْ تُرْضِعي بهذا فأَرْضِعي، وإن كرِهتِ استَرْضعتُ ولدي. فهذا قولُه:{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} .

وقولُه: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ليُنفِقِ الذي بانَتْ منه امرأتُه، إذا كان ذا سَعةٍ من المالِ وغِنًى، مِن سَعةِ مالِه وغناه، على امرأتِه البائنةِ، في أجرِ رَضاعِ ولدِه منها، وعلى ولدِه الصغير، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}. يقولُ: ومن ضُيِّق عليه رزْقُه، فلم يُوسَّعْ عليه، فليُنفِقْ مما أعطاه اللَّهُ، على قدرِ مالِه وما أُعطِي منه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

تقدم في ص 66.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فإنها".

(3)

في م: "لها".

ص: 68

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} . قال: من سَعَةِ مَوْجِدَتِهِ

(1)

، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}. قال: من قُتِر عليه رزْقُه.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} . يقولُ: مِن طاقتِه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} . قال: فرَض لها مِن قدْرِ ما يجدُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} . قال: على المطلَّقةِ إِذا أَرْضَعت له

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي سنانٍ، قال: سأل عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه عن أبي عُبيدةَ، فقيل له: إنه يَلْبَسُ الغليظَ مِن الثيابِ، ويأكلُ أخشنَ الطعامِ. فبعث إليه بألفِ دينارٍ، وقال للرسولِ: انظُرْ ما يصنعُ إذا هو أخَذها. فما لبِث أنْ لبِس ألْيَنَ الثيابِ، وأكَل أطْيَبَ الطعامِ، فجاء الرسولُ فأخبَره. فقال: رحمه الله، تَأَوَّلَ هذه الآيةَ: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ

(1)

في ص، ت 1:"موجده". وفي م، ت 2، ت 3:"موجدة".

(2)

تفسير مجاهد ص 663، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى عبد بن حميد.

ص: 69

رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}

(1)

.

وقولُه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا يُكلِّفُ اللهُ أحدًا من النفقةِ على مَن تلزمُه نفقتُه بالقرابةِ والرحمِ إلا

(2)

ما أعطاه؛ إن كان ذا سَعَةٍ فمن سَعَتِه، وإن كان مقدورًا عليه رزْقُه [فمما رزَقه اللهُ]

(3)

، على قدرِ طاقتِه، لا يكلِّفُ اللهُ

(4)

الفقيرَ نفقةَ الغنيِّ، ولا أحدًا

(5)

مِن خلْقِه إلا فَرْضَه الذي أوْجَبَه عليه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} . قال: يقولُ: لا يُكَلِّفُ الفقيرَ مثلَ ما يكلِّفُ الغنيَّ.

حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن هُشيمٍ:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} . قال: إلا ما افْتَرَض عليها.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} . يقولُ: إلا ما أطاقَتْ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 179 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى المصنف.

(2)

في م: "لا".

(3)

في الأصل: "فيما رزقه".

(4)

ليس في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في م: "أحد".

ص: 70

يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}. قال: لا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يَتَصَدَّقَ [وليس عندَه ما يَتصدَّقُ به، ولا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يُزَكِّيَ]

(1)

وليس عندَه ما يُزَكِّي.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: سيجعَلُ اللَّهُ للمُقِلِّ مِن المالِ، المقدورِ عليه رزقُه، {بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}. يقولُ: مِن بعدِ شدّةٍ رَخاءٌ، ومن بعدِ ضِيقٍ سَعَةً، ومِن بعدِ فقرٍ غنًى.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} : بعدَ الشدَّةِ الرخاءَ.

وقولُه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكم

(2)

مِن أهلِ قريةٍ طَغَوا عن أمرِ ربِّهم وخالفوه، وعن أمرِ رسلِ ربِّهم، فتَمادَوا في طُغْيانِهم وعُتُوِّهم، ولَجُّوا في كفرِهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كأين".

ص: 71

السُّديِّ في قولِه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} . قال: غَيَّرتْ وعَصَتْ.

حدَّثني يونسُ، قال أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا} . قال: العُتوُّ ههنا الكفرُ والمعصيةُ؛ عَتَوْا: [كفَروا. ترَكَتْ]

(1)

أمرَ ربِّها: [عَتَتْ عنه]

(2)

ولم تَقْبَلْه.

وقيل: إنهم كانوا قومًا خالفوا أمرَ ربِّهم في الطلاقِ، فَتَوَعَّد اللهُ بالخبرِ عنهم هذه الأمةَ، أن يفعَلَ بهم فِعْلَه بهم إن خالفوا أمرَه في ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ سليمانَ يقولُ في قولِه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} . قال: قريةٍ عُذِّبت في الطلاقِ.

وقولُه: {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا} . يقولُ: فحاسَبْناها على نعمتِنا عندَها وقِلَّةِ

(3)

شكرِها {حِسَابًا شَدِيدًا} . يقولُ: حسابًا استقْصَيْنا فيه عليهم، لم يُعْفَ لهم فيه عن شيءٍ، ولم يُتَجَاوَزْ فيه عنهم.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا} . قال: لم يُعْفَ

(4)

عنها، الحسابُ الشديدُ: الذي ليس

(1)

في م: "كفرًا وعتت عن".

(2)

في م: "تركته".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3.

(4)

في م: "نعف".

ص: 72

فيه مِن

(1)

العفوِ شيءٌ.

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا} . يقولُ: لم تُرْحَمْ

(2)

.

وقولُه: {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا} . يقولُ: وعذَّبْناها عذابًا عظيمًا مُنكَرًا. وذلك عذابُ جهنمَ.

وقولُه: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فذاقَتْ هذه القريةُ التي عَتَتْ عن أمرِ ربِّها ورسلِه، عاقبةَ ما عَمِلت وأتَت مِن معاصي اللهِ والكفرِ به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه:{فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} . قال: عقوبةَ

(3)

أمرِها.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} . قال: ذاقَت عاقبةَ ما عَمِلت مِن الشرِّ، الوبالُ العاقبةُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَذَاقَتْ وَبَالَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"في".

(2)

غير منقوطة في: ص، وفي م، ت 1:"نرحم"، وفي ت 2، ت 3:"يرحم".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 237 إلى المصنف.

(3)

جاءت هذه الكلمة في الأصل ناقصة الحرفين المتوسطين "قو".

ص: 73

أَمْرِهَا}. يقولُ: عاقبةَ أمرِها

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} . قال: جزاءَ أمرِها

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} . يعني بوبالِ أمرِها جزاءَ أمرِها الذي قد حلَّ.

وقولُه: {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكان الذي أَعْقَب أمرَهم، وذلك كفرُهم باللهِ وعصيانُهم إيَّاه، {خُسْرًا}. يعني: غَبْنًا. لأنَّهم باعوا نعيمَ الآخرةِ بخسيسٍ مِن الدنيا قليلٍ، وآثروا اتِّباعَ أهوائِهم، على اتِّباعِ أمرِ اللَّهِ عز وجل.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللَّهُ لهؤلاءِ القومِ الذين عَتَوا عن أمرِ ربِّهم ورسلِه عذابًا شديدًا. وذلك عذابُ النارِ الذي أعدَّه لهم

(3)

في القيامةِ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 238 إلى عبد بن حميد.

(2)

تفسير مجاهد ص 663، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 344 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 238 إلى ابن المنذر.

(3)

في الأصل: "الله".

ص: 74

الْأَلْبَابِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: فخافوا اللهَ واحْذَروا سَخَطَه، بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيهِ، يا أُولي العقولِ.

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} . قال: يا أُولي العقولِ.

وقولُه: {الَّذِينَ آمَنُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه

(1)

.

وقولُه: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالذكرِ والرسولِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: الذكرُ

(2)

القرآنُ، والرسولُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:{قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا} . قال: الذكرُ القرآنُ، والرسولُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا} . قال: القرآنُ روحٌ

(4)

مِن اللهِ. وقرَأ: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} إلى آخرِ الآيةِ [الشورى: 52]، وقرَأ:{قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا} . قال: القرآنُ. وقرَأ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا

(1)

في م، ت 1:"رسله".

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"هو".

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 39 مقتصرا على شطره الأول.

(4)

في الأصل: "وحي".

ص: 75

جَاءَهُمْ} [فصلت: 41]. قال: بالقرآنِ. وقرَأ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر: 9]. قال: القرآنُ. قال: وهو الذكرُ، وهو الروحُ

(1)

.

وقال آخرون: الذكرُ هو الرسولُ صلى الله عليه وسلم.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا، أنَّ الرسولَ ترجمةٌ عن الذكرِ، ولذلك

(2)

نُصِب؛ لأنَّه مردودٌ عليه على البيانِ عنه والترجمةِ.

فتأويلُ الكلامِ إذن: قد أنزَل اللهُ إليكم، يا أولي الألبابِ، ذِكرًا مِن اللهِ لكم يُذكِّرُكم به، ويُنبِّهُكم على حظِّكم مِن الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه؛ رسولًا يتلو عليكم آياتِ اللَّهِ التي أنزَلها عليه مُبيِّناتٍ

(3)

لمن سمِعها وتَدَبَّرها، أنَّها مِن عندِ اللهِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قد أنزَل اللهُ إليكم، أيُّها الناسُ، ذِكرًا؛ رسولًا، يتلو عليكم آياتِ اللهِ مبيناتٍ، كي يُخرِجَ الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ به وأطاعوه، {مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} . يعني مِن الكفرِ، وهي الظلماتُ، إلى النورِ. يعني إلى الإيمانِ.

وقولُه: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يُصدِّقْ

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 39 مختصرًا.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يقول". وبعده في م: "تقول".

ص: 76

باللهِ ويعمَلْ بطاعتِه، {يُدْخِلْهُ

(1)

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: يُدْخِلْه

(1)

بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}. يقولُ: ماكِثين مقيمين في البساتينِ التي تجري من تحتِها الأنهارُ أبدًا، لا يموتون، ولا يَخْرُجون منها أبدًا.

وقولُه: {قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وَسَّع اللهُ عليه

(2)

في الجناتِ رِزْقًا. يعني بالرِّزْقِ: ما رزَقه فيها مِن المَطاعمِ والمَشاربِ، وسائرِ ما أعدَّ لأوليائِه فيها، فطَيَّبَه لهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي خلَق سبعَ سماواتٍ، لا ما يَعْبُدُ المشركون مِن الآلهةِ والأوثانِ التي لا تقدِرُ على خَلْقِ شيءٍ.

وقولُه: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق مِن الأرضِ [سبعًا مثلَ السماواتِ السبعِ. وقد قِيل: إنَّما قِيل: {وَمِنَ الْأَرْضِ]

(3)

مِثْلَهُنَّ}؛ لما في كلِّ واحدةٍ منهنَّ مثلَ ما في السماواتِ مِن الخلْقِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا

(1)

في الأصل: "ندخله". وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. ينظر النشر 2/ 186، والإتحاف ص 258.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"له".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 77

شُعْبَةُ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} . قال عمرٌو: قال: في كلِّ أرضٍ مثلُ إبراهيمَ، ونحوُ ما على الأرضِ من الخلْقِ. وقال ابنُ المثنى [في حديثِه]

(1)

: في كلِّ سماءٍ إبراهيمُ

(2)

.

حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} . قال: لو حدَّثْتُكم بتفسيرِها لكَفَرْتم، وكفرُكم تكذيبُكم بها

(3)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: خلقَ اللهُ سبعَ سماواتٍ غِلَظُ كلِّ واحدةٍ مسيرةُ خَمْسِمائةِ عامٍ، وبينَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ خمسُمائةِ عامٍ، وفوقَ السبعِ السماواتِ الماءُ، واللهُ جلَّ ثناؤُه فوقَ الماءِ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن أعمالِ بني آدمَ. والأرضُ سَبعٌ، بينَ كلِّ أرضٍ

(4)

خَمسُمائةِ عامٍ، وغِلَظُ كلِّ أرضِ خَمسُمائةِ عامٍ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ سعدٍ القُمِّيُّ الأشْعَريُّ، عن جعفرِ بنِ أبي

(6)

المُغيرةِ الخُزاعيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال رجلٌ لابنِ عباسٍ:

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 183 عن المصنف، وأخرجه الحاكم 2/ 493، والبيهقي في الأسماء والصفات (832) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 238 إلى ابن أبي حاتم.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 183 عن المصنف، وأخرجه ابن الضريس في الفضائل (3) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 238 إلى عبد بن حميد.

(4)

في م: "أرضين".

(5)

أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 21، وابن خزيمة في التوحيد ص 70، والطبراني (8987)، وأبو الشيخ في العظمة (567)، والبيهقي في الأسماء والصفات (851) من طريق عاصم به.

(6)

سقط من: الأصل. وتنظر ترجمة جعفر في تهذيب الكمال 5/ 112.

ص: 78

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} الآية؟ فقال ابنُ عباسٍ: ما يُؤْمِنُك أنْ أُخْبِرَك بها

(1)

فتَكْفُرَ

(2)

!

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ

(3)

، عن عَنْبَسَةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذه الأرضُ إلى تلك الأرضِ

(4)

مِثلُ الفُسْطاطِ ضَرَبْتَه بأرضِ

(5)

فَلاةٍ، وهذه السماءُ إلى تلك السماءِ، مثلُ حَلْقةٍ رَمَيْتَ بها في أرضِ فَلاةٍ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: السماءُ أوَّلُها مَوْجٌ مَكْفوفٌ، والثانيةُ صَخْرَةٌ، والثالثةُ حديدٌ، والرابعةُ نُحاسٌ، والخامسةُ فِضَّةٌ، والسادسةُ ذهبٌ، والسابعةُ ياقوتةٌ

(6)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، قال: ثنى حميدُ بنُ قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذا البيتُ - الكعبةُ - رابعُ أربعةَ عشرَ بيتًا، في كلِّ سماءٍ بيتٌ، [كلُّ بيتٍ منها]

(7)

حَذْوَ صاحبِه، لو وقَع وقَع عليه، وإن هذا الحرمَ [حرَمٌ، بِناؤُه]

(8)

مِن السماواتِ السبعِ والأرضين السبعِ.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 183 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 238 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عباس".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في".

(6)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (564) من طريق حكام عن الربيع به.

(7)

سقط من: الأصل، ت 1. وفي ص، ت 2، ت 3: "في كل بيت".

(8)

في الأصل: "حرم منا"، وفي ص، ت 2، ت 3:"حرمى مناه"، وفي م:"حرمى بناؤه"، =

ص: 79

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} . خلَق سبعَ سماواتٍ وسبعَ أرضين؛ في كلِّ سماءٍ مِن سمائه، وأرضٍ مِن أرضِه، خَلْقٌ مِن خلْقِه، وأمرٌ مِن أمرِه، وقَضاءٌ مِن قضائِه.

[حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}. قال: في كلِّ سماءٍ وفي كلِّ أرضٍ، خَلْقٌ مِن خلقِه، وأمرٌ مِن أمرِه، وقضاءٌ مِن قضائِه]

(1)

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: بينا النبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسٌ مرَّةً مع أصحابِه، إذ مرَّت سَحائِبُ

(3)

، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أتَدْرون ما هذا؟ هذا العَنانُ، هذه روايا الأرضَ، يسوقُها اللَّهُ إلى قومٍ لا يعبدُونه". ثم قال: "أتَدْرون ما هذه السماءُ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "هذه السماءُ؛ مَوْجٌ مكفُوفٌ، وسَقْفٌ محفوظٌ". ثم قال: "أتَدْرون ما فوقَ ذلك"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "فوقَ ذلك سماءٌ أُخرى". حتى عَدَّ سبعَ سماواتٍ وهو يقولُ: "أتدرون ما بينَهما"؟ [ثم يقولُ: "بينَهما]

(4)

خمسُمائةِ سنةٍ". ثم قال: "أتَدْرون ما فوقَ ذلك"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "فوقَ ذلك العرشُ". قال: "أتدرون ما بينَهما"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "بينَهما خمسُمائةِ سنةٍ". ثم

= وفي ت 1: "حرمى بناه".

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 299 عن معمر عن قتادة.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"سحابة"، وفي مصدر التخريج:"سحاب".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 80

قال: "أتَدْرون ما هذه الأرضُ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "تحتَ ذلك أرضٌ". قال: "أتَدْرون ما

(1)

بينَهما؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. "قال: "بينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". حتى عدَّ سبعَ أرَضِينَ. ثم قال: "والذي نفسي بيدِه، لو دُلِّيَ رجلٌ بحبلٍ حتى يبلُغَ أسفلَ الأرضِ

(2)

السابعةِ، لَهَبَط على اللَّهِ". ثم قَرَأ:{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

(3)

[الحديد: 3].

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الْتَقَى أربعةٌ مِن الملائكةِ بينَ السماءِ والأرضِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: مِن أين جئتَ؟ قال أحدُهم: أَرْسَلَني ربي مِن السماءِ السابعةِ، وتركتُه ثَمَّ. و

(4)

قال الآخَرُ: أَرسَلَني ربى مِن الأرضِ السابعةِ وتركتُه ثَمَّ. و

(4)

قال الآخرُ: أرسَلني ربي مِن المشرقِ وتركتُه ثَمَّ. و

(4)

قال الآخرُ: أرسَلني ربي مِن المغربِ وتركتُه ثمَّ

(5)

.

وقولُه: {يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يتنزَّلُ أمرُ اللَّهِ بينَ السماءِ السابعةِ والأرضِ السابعةِ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كم".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الأرضين".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 299 عن معمر عن قتادة. وتقدم في 22/ 386.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 300 عن معمر عن قتادة.

ص: 81

قولَه: {يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} . قال: بينَ الأرضِ السابعةِ، إلى السماءِ السابعةِ

(1)

.

وقولُه: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يَتَنَزَّلُ

(2)

قضاءُ اللَّهِ وأمرُه بينَ ذلك، كي تَعْلموا أيها الناسُ كُنْهَ قُدْرتِه وسُلْطانِه، وأنه لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ عليه أمرٌ شاءَه، ولكنَّه على ما يشاءُ قديرٌ، {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِتَعْلَموا

(3)

أن اللَّهَ بكلِّ شيءٍ مِن خَلْقِه محيطٌ عِلمًا، لا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرُ مِن ذلك ولا أكبرُ. يقولُ جل جلاله: فخافوا أيها

(4)

المخالفون أمرَ ربِّكم عقوبتَه، فإنه لا يَمْنَعُه مِن عقوبتِكم مانعٌ، وهو على ذلك قادرٌ، ومحيطٌ أيضًا بأعمالِكم، فلا يَخْفَى عليه منها خافِيةٌ

(5)

، وهو مُحْصيها عليكم، ليُجازِيَكم بها، يومَ تُجْزى كلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ.

(1)

تفسير مجاهد ص 664، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 238 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في م: "ينزل".

(3)

بعده في ص، م، ت 2، ت 3:"أيها الناس".

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الناس".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"خاف".

ص: 82

‌تفسيرُ سورةِ التحريمِ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

(1)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: يأيُّها النبيُّ المحرِّمُ على نفسِه ما أحلَّ اللَّهُ له، يَبتغي بذلك مَرْضاةَ أزواجِه، لِمَ تُحرِّمُ على نفسِكَ الحلالَ الذي أحلَّه اللَّهُ لكَ؛ تلتمسُ بتحريمِكَ ذلك مرضاةَ أزواجِكَ؟

واختلف أهلُ العلمِ في الحلالِ الذي كان اللَّهُ عز وجل أحَلَّه لرسولِه، فحرَّمه على نفسِه ابتغاءَ مرضاةِ نسائِه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك ماريةَ مملوكتَه القبطيةَ؛ حرَّمها على نفسِه بيمينٍ أنه لا يَقْرَبُها، طلبًا بذلك رضا حفصةَ ابنةِ عمرَ زوجتِه؛ لأنها كانت غارتْ بأنْ خلا بها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في يومِها وفي حجرتِها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ

(1)

بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنى ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أصاب أمَّ إبراهيمَ في بيتِ بعضِ نسائِه، قال: فقالت: أي رسولَ اللَّهِ، في بيتي وعلى فراشي! فجعَلها عليه حرامًا، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف تحرِّمُ عليكَ الحلالَ؟ فحلَف لها باللَّهِ لا يُصيبُها، فأنزَل اللَّهُ عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} . قال زيدٌ: فقولُه: "أنتِ عليَّ حرامٌ". لغوٌ.

(1)

في الأصل: "عمر". ينظر تهذيب الكمال 25/ 503.

ص: 83

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: قال مسروقٌ: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حرَّم جاريتَه، وآلَى منها فجعَل [الحلالَ حرامًا]

(1)

، وقيل في اليمينِ:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2].

حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: آلَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وحرَّم، فعُوتِب في التحريمِ، وأُمِر بالكفارةِ في اليمينِ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ

(3)

، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: قال لها: "أنتِ عليَّ حرامٌ، وواللَّهِ لا أطَؤُكِ"

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} . قال: كان الشعبيُّ يقولُ: حرَّمها عليه، وحلَف لا يقربُها، فعُوتِب في التحريمِ، وجاءت الكفارةُ في اليمينِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعامرٍ الشعبيِّ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حرَّم جاريتَه. قال الشعبيُّ: حلَف بيمينٍ مع التحريمِ، فعاتَبه اللَّهُ في التحريمِ، وجعَل له الكفارةَ في اليمينِ

(5)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا

(1)

في الأصل، ص، ت 2، ت 3:"الحرام حلالا".

(2)

أخرجه ابن سعد 8/ 186 عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 227، والبيهقي 7/ 352 من طريق داود به.

(3)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال: قال ابن زيد".

(4)

أخرجه مالك - كما في المدونة الكبرى 2/ 395 - ومن طريقه ابن سعد 8/ 186.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 301 عن معمر به، وأخرجه ابن سعد 8/ 186 عن معمر عن قتادة وحده.

ص: 84

النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}: قال أبي

(1)

: وجَدَتِ امرأةٌ مِن نساءِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مع جاريتِه في بيتها، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أنَّى كان هذا الأمرُ، وكنتُ أهونَهن عليكَ؟ فقال لها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اسْكُتي، لا تَذْكُرِي هَذَا لأحَدٍ، هيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُها بَعْدَ هَذَا أبدًا". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وكيف تُحرِّمُ عليكَ ما أحلَّ اللَّهُ لك حين

(2)

تقولُ: "هي عليَّ حرامٌ

(3)

؟ " فقال: "واللَّهِ لا آتِيها أبَدًا". فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قد غَفَر اللهُ هذا لك، وقولُه

(4)

: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2].

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} : كانت الرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فتاةٌ، فَغَشِيَها، فبصُرت به حفصةُ، وكان اليومُ يومَ عائشةَ، وكانتا متظاهرتَينِ، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اكْتُمي عَليَّ، ولا تَذْكُرِي لعائشةَ ما رأيْتِ". "فذكرتْ حفصةُ لعائشةَ، فغضِبتْ عائشةُ، فلم تزلْ بنبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حتى حلَف ألَّا يَقرَبَها

(3)

، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، وأمَره أن يُكَفِّرَ عن يمينهِ، ويأتيَ جاريتَه

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، [عن عطاءٍ]

(6)

، عن عامرٍ في قولِه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} : في جاريةٍ له أتاها، فاطَّلعتْ عليه حفصةُ، فقال:

(1)

في م: "إنه".

(2)

في ت 1: "حتى".

(3)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أبدا".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قولك والله".

(5)

أخرجه ابن سعد 8/ 213، والبيهقي 7/ 353 من طريق آخر عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 240 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3. وينظر تهذيب الكمال 20/ 86.

ص: 85

"هي عليَّ حرامٌ، فاكتُمي ذلك ولا تخبري به أحدًا". فذكَرتْ ذلك.

وقال آخرون: بل حرَّم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جاريتَه، فجعَل اللَّهُ عز وجل تحريمَه إيَّاها بمنزلةِ اليمينِ، فأَوجَب فيها من الكفارةِ مثلَ الذي أوجَب في اليمينِ إذا حنِث فيها صاحبُها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} : أمر اللَّهُ عز وجل النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا حرَّموا شيئًا مما أحلَّ لهم أن يُكفِّروا أَيْمانَهم، بإطعامِ عشرةِ مساكينَ، أو كسوتِهم، أو تحريرِ رقبةٍ، وليس يَدخلُ ذلك في طلاقٍ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} إلى قولِه: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} . قال: كانت حفصةُ وعائشةُ متحابَّتَين، وكانتا زوجَ

(2)

النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فذهَبتْ حفصةُ إلى أبيها تتحدَّثُ عندَه، فأرسَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جاريتِه، فظلَّت معه في بيتِ حفصةَ، وكان اليومَ الذي يأتي فيه عائشةَ، فرجَعت حفصةُ، فوجَدتهما في بيتِها، فجعَلت تَنتظرُ خروجَهما، وغارت غَيرةً شديدةً، فأخرَج رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جاريتَه، ودخَلتْ حفصةُ فقالتْ: قد رأيتُ مَن كان عندَك، وواللَّهِ لقد سُؤْتَنِي. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"واللَّهِ لأَرْضِيَنَّكِ، فإِنِّي مُسِرٌّ إليكِ سِرًّا فاحْفَظِيه". قالت: ما هو؟ قال: "إني أُشْهِدُكِ أَنَّ سُرِّيَّتِي هذه

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 241 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 3:"زوجتي"، وفي ت 2:"زوجتا".

ص: 86

عليَّ حرامٌ رِضًا لكِ". وكانت حفصةُ وعائشةُ تَظَاهَران على نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فانطلقتْ حفصةُ إلى عائشةَ، فأسرَّت إليها أن أبشري، إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد حرَّم عليه فَتاتَه. فلما أَخبَرت بسِرِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أظهَر اللَّهُ عز وجل النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأنزَلَ اللَّهُ على رسولهِ لما تَظاهَرتا عليه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} إلى: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا هشامٌ الدستوائيُّ، قال: كتَب إليَّ يحيى يحدِّثُ عن يَعْلَى بنِ حكيمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقولُ في الحرامِ: يمينٌ يكفِّرُها. وقال ابنُ عباسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. يعني أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم حرَّم جاريتَه، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} إلى قولِه: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} . فكَفَّر يمينَه، فصيَّر الحرامَ يمينًا

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: أنبَأنا أبو عثمانَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخَل بيتَ حفصةَ، فإذا هي ليست ثَمَّ

(3)

، فجاءته فتاتُه، فألقَى عليها سِتْرًا، فجاءت حفصةُ فقَعَدت على البابِ حتى قَضى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حاجتَه، فقالت: واللَّهِ لقد سُؤْتَنِي، أَجامَعتَها في بيتي؟ أو كما قالت. قال: وحرَّمها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أو كما قال.

(1)

أخرجه ابن سعد 8/ 185 من طريق شعبة، عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 239 إلى ابن مردويه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 186 عن المصنف، وأخرجه الدارقطني 4/ 40، والبيهقي 7/ 350 من طريق يعقوب به، وأخرجه مسلم (1473) من طريق إسماعيل ابن علية به، وأخرجه الطيالسي (2757)، والبخاري (4911)، وابن ماجه (2073)، من طريق هشام به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (11363)، والبخاري (5266)، ومسلم (1473) من طريق يحيى به.

(3)

في ت 1: "فيه".

ص: 87

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قال: كان حرَّم فتاتَه القِبْطيةَ أمَّ ولدِه إبراهيمَ، يُقالُ لها: ماريةُ. في يومِ حفصةَ، وأسرَّ ذلك إليها، فأطلَعتْ عليه عائشةَ، وكانتا تَظَاهرانِ على نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأحلَّ اللَّهُ عز وجل له ما حرَّم على نفسِه، فأُمِر أن يكفِّرَ عن يمينِه، وعُوتِب في ذلك، فقال:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} . قال قتادةُ: وكان الحسنُ يقولُ: حرَّمها عليه، فجعَل اللَّهُ فيها كفارةَ يمينٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم حرَّمها، يعني جاريتَه، فكانت يمينًا

(2)

.

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطابِ: مَنِ المرأتان؟ قال: عائشةُ وحفصةُ. وكان بَدءُ الحديثِ في شأنِ أمِّ إبراهيمَ القبطيةِ، أصابها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بيتِ حفصةَ في يومِها، فوجَدته حفصةُ، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، لقد جئتَ إليَّ شيئًا فريًّا

(3)

، ما جئتَ إلى أحدٍ من أزواجِكَ، في يومِي، وفي دَورِي، وعلى فراشِي! قال:"أَلا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أَقْرَبَها؟ ". قالتْ: بلى. قال: فحرَّمها. وقال: "لا تَذْكُرِي ذلك لأَحَدٍ". فذكَرتْه لعائشةَ، فأظهَره اللَّهُ عز وجل عليه، فأنزَل اللَّهُ عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} . الآيات كلّها. فبلَغنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كفَّر يمينَه، وأصاب جاريتَه

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 240 إلى عبد بن حميد دون قول الحسن.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 301 عن معمر عن قتادة.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 186 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 239 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 88

وقال آخرون: بل كان ذلك شرابًا يشربُه، وكان يُعجِبُه ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في شرابٍ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} .

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ البغداديُّ عمرُو بنُ الهيثمِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، قال: نزَلت في شرابٍ.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: كان الذي حرَّمه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على نفسِه شيئًا كان اللَّهُ قد أحلَّه له. فجائزٌ أن يكونَ ذلك كان جاريتَه، وجائزٌ أن يكونَ كان شرابًا من الأشربةِ، وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك، غيرَ أنه أيَّ ذلك كان، فإنه تحريمُ شيءٍ كان له حلالًا، فعاتَبه اللَّهُ تعالى ذكرُه على تحريمِه على نفسِه ما كان قد أحلَّه، وبيَّن تَحِلَّةَ يمينِه، في يمينٍ كان حلَف بها مع تحريمِه ما حرَّم على نفسِه.

فإن قال قائلٌ: وما برهانُك على أنه صلى الله عليه وسلم كان حلَف مع تحريمِه ما حرَّم، فقد علِمتَ قولَ مَن قال: لم يكنْ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك غيرُ التحريمِ، وأن التحريمَ هو اليمينُ؟ قيل: إن البرهانَ على ذلك واضحٌ، وهو أنه لا يُعقلُ في لغةٍ عربيةٍ ولا أعجميةٍ، أن قولَ القائلِ لجاريتِه أو طعامٍ أو شرابٍ: هذا عليَّ حرامٌ. يمينٌ، فإذا كان ذلك غيرَ معقولٍ، فمعلومٌ أن اليمينَ غيرُ قولِ القائلِ للشيءِ الحلالِ له: هو عليَّ حرامٌ. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ ما قلنا، وفسَد ما خالَفه.

ص: 89

وبَعْدُ، فجائزٌ أن يكونَ تحريمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما حرَّم على نفسِه من الحلالِ الذي كان اللَّهُ عز وجل أحلَّه له بيمينٍ، فيكونَ قولُه:{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} معناه: لِمَ تحلفُ على الشيءِ الذي قد أحلَّه اللَّهُ ألَّا تقربَه، فتحرِّمَه على نفسِك باليمينِ؟

وإنما قلنا: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم حرَّم ذلك، وحلَف مع تحريمِه؛ لما حدَّثني الحسنُ بنُ قَزَعةَ، قال: ثنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: آلَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وحرَّم، فأُمِرَ [في الإيلاءِ]

(1)

بكفارةٍ، وقيل له في التحريمِ:{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}

(2)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: واللَّهُ غفورٌ [يا محمدُ]

(3)

لذنوبِ التائبين مِن عبادِه [من ذُنُوبِهم]

(4)

، وقد غفَر لك تحريمَكَ على نفسِكَ ما أحلَّه اللَّهُ لك، رحيمٌ بعبادِه أن يُعاقبَهم على ما قد تابوا منه من الذنوبِ بعدَ التوبةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

(2)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: قد بيَّن اللَّهُ عز وجل لكم تَحلَّةَ أيمانِكم، وحَدَّها لكم أيُّها الناسُ، {وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ}: يتولاكم بنصرِه أيُّها المؤمنون، وهو العَلِيمُ بمصالحِ خلقِه، الحَكِيمُ في تدبيرِه إياهم، وصرفِهم فيما هو أعلَمُ به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ

(1)

في الأصل: "بالإيلاء".

(2)

أخرجه ابن ماجه (2072)، والترمذي (1201)، وابن حبان (4278)، والبيهقي 7/ 352 من طريق الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 242 إلى ابن مردويه.

(3)

في الأصل: "رحيم".

(4)

سقط من: الأصل.

ص: 90

حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وإذ أسَرَّ النبيُّ محمدٌ إلى بعضِ أزْوَاجِه. وهو في قولِ ابنِ عباسٍ وقتادةَ وزيدِ بنِ أسلمَ وابنِه عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ والشعبيِّ والضحاكِ بنِ مزاحمٍ: حَفْصةُ. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك.

وقولُه: {حَدِيثًا} . والحديثُ الذي أسرَّ إليها في قولِ هؤلاءِ، هو قولُه لمن أسرَّ إليه ذلك من أزواجِه، تحريمُ فتاتِه، أو ما حرَّم على نفسِه، مما كان اللَّهُ عز وجل قد أحلَّه له، وحَلِفُه على ذلك في قولِه لها:"لا تَذْكُرِي ذلك لأحدٍ".

وقولُه: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أخبَرت بالحديثِ الذي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صاحبَتَها، {وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ}. يقولُ: وأَظْهَر اللَّهُ نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم على أنَّها قد أنبأت بذلك صاحبتَها.

وقولُه: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} . اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الكسائيِّ: {عَرَّفَ} بتشديدِ الراءِ

(1)

، بمعنى: عرَّف النبيُّ صلى الله عليه وسلم حفصةَ بعضَ ذلك الحديثِ، وأخبرَها به. وكان الكسائيُّ ذكَر عن الحسنِ البصريِّ وأبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ وقتادةَ، أنهم قرَءوا ذلك:(عَرَفَ) بتخفيفِ الراءِ

(2)

، بمعنى: عرَف لحفصةَ بعضَ ذلك الفعلِ الذي فعَلتْه من إفشائِها سرَّه وقد استكْتَمها إيَّاه. أي: غَضِب مِن ذلك عليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وجازاها عليه. من قول القائلِ لمن أساء إليه: لأعْرِفنَّ لك يا فلانُ ما فعَلْتَ. بمعنى:

(1)

وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو وحمزة وأبي جعفر ويعقوب وخلف، وقرأ الكسائي (عَرَف). ينظر النشر 2/ 290.

(2)

وبها قرأ طلحة وأبو عمرو في رواية هارون. البحر المحيط 8/ 290.

ص: 91

لأُجازينَّك عليه. وقالوا: وجازاها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على ذلك مِن فعلِها بأنْ طلَّقها.

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: {عَرَّفَ بَعْضَهُ} بتشديدِ الراءِ، بمعنى: عرَّف النبيُّ صلى الله عليه وسلم حفصةَ. يعني ما أَظْهَره اللَّهُ عليه مِن حديثِها صاحبتَها؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه

(1)

.

وقولُه: {وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} . يقولُ: وتَرَك أنْ يُخبِرَها ببعضِ ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} : قولُه لها: لا تَذْكُريه، {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} . وكان كريمًا عليه

(2)

.

وقولُه: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ} . يقولُ: فلما خبَّر حفصةَ نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بما أظهَره اللَّهُ عز وجل عليه مِن إفشائِها سرَّ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى عائشةَ، {قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا}. يقولُ: قالت حفصةُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَن أنبأك هذا الخبرَ وأخبَرك به؟ {قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: قال محمدٌ نبيُّ اللَّهِ لحفصةَ: خبَّرني به العليمُ الخبيرُ، العليمُ بسرائرِ عبادِه وضمائرِ قلوبِهم، الخبيرُ بأمورِهم، الذي لا يَخْفى عليه شيءٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَمَّا

(1)

القراءتان كلتاهما صواب.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"صلى الله عليه وسلم". والمراد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان كريمًا عليه.

ص: 92

نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا}: ولم تشكَّ أنَّ صاحبتَها أخبَرت عنها، قال:" {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} ".

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ

(4)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكرُه: إنْ تتوبا إلى اللَّهِ أيَّتُها المرأتان، فقد مالت قلوبُكما إلى محبةِ ما كرِهه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ مِن اجتنابِه جاريتَه وتحريمِها على نفسِه، أو تحريمِ ما كان له حلالًا مما حرَّمه على نفسِه بسببِ حفصةَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . يقولُ: زاغَت قلوبُكما. يقولُ: قد أَثِمت قلوبُكما

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن زُبَيدٍ

(2)

، عن مجاهدٍ، قال: كنا نرى أنَّ قولَه: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . [شيءٌ هيِّنٌ]

(3)

، حتى سمِعتُ قراءةَ ابنِ مسعودٍ:(إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُما)

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 241 إلى المصنف وابن مردويه.

(2)

في ت 1: "زيد".

(3)

في ت 1: "هي يمين"، وفي ت 2، ت 3:"شيء عنى".

(4)

تفسير مجاهد ص 665 من طريق محمد بن طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 241 إلى عبد بن حميد.

ص: 93

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . قال: مالت قلوبُكما.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . أي: قد مالت قلوبُكما

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . يقولُ: زاغَت.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ:{صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . قال: زاغت قلوبُكما.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللَّهُ: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . قال: سَرَّهما أنْ يجتنِبَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جاريتَه، وذلك لهما موافقٌ، {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} إلى أنْ سرَّهما ما كرِه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وقولُه: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه للتي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حديثَه، والتي أفشَت إليها حديثَه، وهما عائشة وحفصةُ رضي الله عنهما.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ثورٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم أزلْ حريصًا أن أسألَ عمرَ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 302 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 241 إلى عبد بن حميد.

ص: 94

عن المرأتين مِن أزواجِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اللَّتين قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . قال: فحجَّ عمرُ وحجَجْتُ معه، فلما كان ببعضِ الطريقِ عدَل عمرُ وعدَلْتُ معه بالإداوةِ، ثم أتاني فسكبْتُ على يدِه فتوضَّأ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، من المرأتان من أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّتان قال اللَّهُ لهما:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ؟ قال عمرُ: واعجبًا لك يا بنَ عباسٍ. قال الزهريُّ: وكرِه واللَّهِ ما سأله عنه ولم يكْتُمْ. قال: هي حفصة وعائشةُ. قال: ثم أخَذ يسوقُ الحديثَ، فقال: كنا معشرَ قريشٍ قومًا نَغلِبُ النساءَ، فلما قدِمنا المدينةَ. ثم ذكَر الحديثَ بطولِه

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أشهبُ

(2)

، عن مالكٍ، عن أبي النضرِ، عن عليِّ بنِ حسينٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه سأل عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتَين على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: عائشةُ وحفصةُ

(3)

.

حدَّثنا يونسُ، [قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ]

(4)

، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عُبيدِ بنِ حُنينٍ

(5)

أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: مكَثتُ سنةً وأنا أريدُ أن أسألَ عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتين فما أجدُ له موضعًا أسألُه فيه، حتى خرَج حاجًّا وصحِبْتُه، حتى إذا كان بمَرِّ الظَّهرانِ ذهَب لحاجتِه، وقال: أدْرِكْني بإداوةٍ مِن

(1)

أخرجه ابن سعد 8/ 182، وأحمد 1/ 346 (222)، ومسلم (1479/ 34)، والترمذي (3318)، وابن حبان (4268)، والبيهقي 7/ 37 من طريق معمر به، وأخرجه البخاري (2468)، والنسائي (2131)، والبغوي في تفسيره 8/ 165 من طريق الزهري به.

(2)

في الأصل: "ابن شهاب"، وفي م:"ابن أشهب". وينظر تهذيب الكمال 27/ 107.

(3)

أخرجه النسائي في الكبرى (11610) من طريق مالك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 239 إلى ابن المنذر.

(4)

سقط من: الأصل.

(5)

في الأصل: "حسن"، وفي ت 2، ت 3:"جبير". وينظر تهذيب الكمال 19/ 197.

ص: 95

ماءٍ. فلما قضَى حاجتَه ورجَع أتيتُه بالإداوةِ أصبُّها عليه، فرأيتُ موضعًا، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن المرأتان المتظاهرتان على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فما قضَيْتُ كلامي حتى قال: عائشةُ وحفصةُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عمرُ بنُ يونسَ، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا سماكٌ أبو زُمَيلٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، قال: ثنى عمرُ بنُ الخطابِ، قال: لما اعتزَل نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نساءَه، دخَلْتُ عليه وأنا أرى في وجْهِه الغضبَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما شقَّ عليك مِن شأنِ النساءِ، فلئن كنتَ طلَّقْتَهنَّ فإن اللَّهَ معك، وملائكتَه، وجبريلَ وميكائيلَ، وأنا وأبو بكرٍ معك، وقلَّما تكلَّمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلامٍ، إلا رجَوْتُ أن يكونَ اللَّهُ مصدِّقَ قولي، فنزَلت هذه الآيةُ؛ آيةُ التخييرِ:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5]، {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ} الآية. وكانت عائشةُ ابنةُ أبي بكرٍ وحفصةُ تظاهران على سائرِ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} . يقولُ: على معصيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأذاه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال ابنُ عباسٍ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، إني لأُريدُ أنْ أسألَك عن أمرٍ، وإني لأهابُك. قال: لا تهبْني

(3)

. فقال: مَن اللَّتان تظاهرتا على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال: عائشةُ وحفصةُ.

(1)

أخرجه ابن سعد 8/ 185، والبخاري (4915)، ومسلم (1479/ 33) من طريق سفيان به، وأخرجه مسلم (1479/ 31) من طريق ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى به.

(2)

أخرجه مسلم (1479/ 30)، والبغوي في تفسيره 8/ 167 من طريق عمر بن يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 242 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(3)

في الأصل: "تهابني".

ص: 96

وقولُه: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ} . يقولُ: فإنَّ اللَّهَ هو وليُّه وناصرُه [عليهما، وعلى كلِّ مَن بغاه سوءًا، {وَجبْرِيلُ}. يقولُ: وجبريلُ أيضًا وليُّه وناصرُه]

(1)

، {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}. يقولُ: وخيارُ المؤمنين أيضًا مولاه وناصرُه.

وقيل: عُنِي بصالحِ المؤمنين في هذا الموضعِ أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ

(2)

الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عبدِ الوهابِ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: عمرُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: خيارُ المؤمنين؛ أبو بكرٍ الصدِّيقُ وعمرُ

(4)

.

حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي

(5)

إسرائيلَ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى السِّينانيُّ

(6)

، مِن قريةٍ بمروٍ، يقالُ لها: سِيَنانُ

(7)

. عن عبيدِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: أبو بكرٍ وعمرُ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحسن".

(3)

في م: "وأبو بكر وعمر".

والأثر أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (305) من طريق يحيى بن يمان به. وينظر زاد المسير 8/ 310.

(4)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 192.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"الشيباني". ينظر تهذيب الكمال 23/ 254.

(7)

في ت 2، ت 3:"شيبان".

ص: 97

الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ: وخيارُ المؤمنين.

وقال آخرون: عُنِي بصالحِ المؤمنين الأنبياءُ صلواتُ اللَّهِ عليهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: هم الأنبياءُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: هم الأنبياءُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: الأنبياءُ

(2)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنَّ قولَه: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنه في معنى الجمعِ، وهو بمعنى

(3)

قولِه: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2]. فـ "الإنسانُ" وإنْ كان في لفظِ واحدٍ، فإنه بمعنى الجمعِ، ونظيرُ قولِ الرجلِ: لا يَقْرَيَنِّي

(4)

إلا قارئَ القرآنِ. فقارئُ القرآنِ وإن كان في اللفظِ واحدًا، فمعناه الجمعُ؛ لأنه قد أَذِن لكلِّ قارئٍ القرآنَ أن يقْرِيَه، واحدًا كان أو جماعةً.

وقولُه: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} . يقولُ: والملائكةُ مع جبريلَ وصالحِ المؤمنين لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أعوانٌ على مَن آذاه وساءَه وأراد مَساءتَه.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 302 عن معمر به.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 189.

(3)

بعده في الأصل: "نظير".

(4)

في م: "تقرين". يقال: الإنسان يقرى فلانًا بقوله، ويقترى سبيلًا، ويقروه، أي: يتبعه. اللسان (ق ر ى).

ص: 98

والظهيرُ في هذا الموضعِ بلفظِ واحدٍ في معنى جمعٍ، ولو أُخرِج بلفظِ الجمعِ لقيل: والملائكةُ بعدَ ذلك ظُهراءُ.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: وبدأ بصالحِ المؤمنين ههنا قبلَ الملائكةِ، قال:{وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: عسى ربُّ محمدٍ إِنْ طلَّقكنَّ معشرَ أزواجِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنْ يُبْدِلَه منكنَّ أزواجًا خيرًا منكنَّ.

وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تحذيرًا من اللَّهِ عز وجل نساءَه لمَّا اجتمَعْن عليه في الغَيرةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هشيمٌ

(1)

، قال: أخبَرنا حميدٌ الطويلُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: اجتمَع على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نساؤُه في الغَيرةِ، فقلتُ لهنَّ: عسى ربُّه إن طلَّقكم أنْ يُبْدِلَه أزواجًا خيرًا منكنَّ. قال: فنزَل كذلك

(2)

.

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن عمرَ، قال:

(1)

في الأصل: "هشام".

(2)

أخرجه النسائي (11611) عن يعقوب به، وأخرجه البخاري (4916) من طريق هشيم به.

ص: 99

بلَغني عن بعضِ أمهاتِنا، أمهاتِ المؤمنين، شدَّةٌ على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأذاهُنَّ إِيَّاه، فاستَقْريْتُهنَّ امرأةً امرأةً، أعظُها وأنهاها عن أذى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأقولُ: إن أبَيْتُنَّ أبدَله اللَّهُ خيرًا منكنَّ. حتى أتيتُ - حسِبتُ أنه قال: على زينبَ - فقالت: يا بنَ الخطابِ، أما في رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما يعِظُ نساءَه حتى تَعِظَهنَّ أنت؟ فأمسَكْتُ، فأنزَل اللَّهُ عز وجل هذه الآيةَ:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} .

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: بلَغني عن أمهاتِ المؤمنين شيءٌ، فاستَقْريْتُهنَّ أقولُ: لَتَكُفُّنَّ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أو ليُبْدِلَنَّه اللَّهُ أزواجًا خيرًا منكنَّ، حتى أتيتُ على إحدى أمهاتِ المؤمنين، فقالت: يا عمرُ، أما في رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما يَعِظُ نساءَه حتى تعِظَهنَّ أنت؟ فكفَفْتُ، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ} الآية

(1)

.

واختلفتِ القرأةِ في قراءةِ قولِه: {أَنْ يُبْدِلَهُ} ؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ بتشديدِ الدالِ: (يُبَدِّلَه أزواجًا) مِن "التبديل"

(2)

. وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: {يُبْدِلَهُ} بتخفيفِ الدالِ من "الإبدالِ"

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {مُسْلِمَاتٍ} . يعني: خاضِعاتٍ للَّهِ بالطاعةِ، {مُؤْمِنَاتٍ}. يعني:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 192 - من طريق حميد به.

(2)

قرأ بها نافع وأبو عمرو وأبو جعفر. ينظر النشر 2/ 236.

(3)

قرأ بها ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. ينظر المصدر السابق.

ص: 100

مصدِّقاتٍ باللَّهِ ورسولِه.

وقولُه: {قَانِتَاتٍ} . يقولُ: مطيعاتٍ للَّهِ عز وجل.

كما حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{قَانِتَاتٍ} . مطيعاتٍ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {قَانِتَاتٍ} . قال: مطيعاتٍ.

وقولُه: {تَائِبَاتٍ} . يقولُ: راجعاتٍ إلى ما يحبُّه اللَّهُ منهنَّ مِن طاعتِه عما يكرَهُه منهنَّ، {عَابِدَاتٍ}. يقولُ: مُتذلِّلاتٍ للهِ بالطاعةِ.

وقولُه: {سَائِحَاتٍ} . يقولُ: صائماتٍ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {سَائِحَاتٍ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: صائماتٍ

(2)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{سَائِحَاتٍ} . قال: صائماتٍ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سَائِحَاتٍ} . قال: صائماتٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال:

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 302 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 244 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ت 2، ت 3:"صادقات".

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 193، وابن كثير في تفسيره 8/ 193.

ص: 101

السَّائحاتُ الصائماتُ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {سَائِحَاتٍ} : يعني صائماتٍ

(2)

.

وقال آخرون: السائحاتُ المهاجراتُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ

(3)

الدراورديُّ، عن زيد بنِ أسلمَ، قال: السائحاتُ المهاجراتُ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {سَائِحَاتٍ} . قال: مهاجراتٍ، ليس في القرآنِ، ولا في أمةِ محمدٍ سياحةٌ إلا الهجرةُ، وهي التي قال اللَّهُ عز وجل:{السَّائِحُونَ}

(5)

[التوبة: 112].

وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ في معنى السائحين، فيما مضى قبلُ بشواهدِه، مع ذكْرِنا أقوالَ المختلفِين فيه، فكرِهْنا إعادتَه

(6)

.

وكان بعضُ أهلِ العربية

(7)

يقولُ: نرى أنَّ الصائمَ إنما سُمِّي سائحًا لأن السائحَ لا زادَ معه، وإنما يأكلُ حيثُ يجدُ الطعامَ، فكأنه أُخِذ من ذلك.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 302 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 244 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 193.

(3)

في الأصل: "عمر".

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 168، والقرطبي في تفسيره 18/ 193، وابن كثير في تفسيره 8/ 193.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 193.

(6)

ينظر ما تقدم في 12/ 10 - 15.

(7)

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 167.

ص: 102

وقولُه: {ثَيِّبَاتٍ} وهنَّ اللَّواتي قد افْتُرِعْنَ

(1)

وذهبَت عُذْرتُهنَّ، {وَأَبْكَارًا} وهنَّ اللَّواتي لم يُجامَعْن، ولم يُفْتَرَعْنَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: {قُوا أَنْفُسَكُمْ} . يقولُ: علِّموا بعضَكم بعضًا ما تَقُون به مَن تُعلِّمونه النارَ، وتدفعونها به عنه إذا عمل به من طاعةِ اللَّهِ، واعْملوا بطاعةِ اللَّهِ.

وقولُه: {وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} . يقولُ: وعلِّموا أهليكم مِن العملِ بطاعةِ اللَّهِ ما يَقُون به أنفسَهم مِن النارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ في قولِه:{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} . قال: علِّموهم، أدِّبوهم

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن

(1)

افتَرع البِكْرَ: اقْتضَّها، والفُرعة: دمها، وقيل له: افتراع؛ لأنه أول جماعِها. اللسان (ف ر ع).

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 303 عن سفيان به، وأخرجه الحاكم 2/ 494 من طريق سفيان عن منصور عن ربعي بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 244 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في المدخل من قول علي.

ص: 103

عليِّ بنِ أبي طالبٍ: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} . يقولُ: أدِّبوهم وعلِّموهم.

حدَّثني الحسينُ

(1)

بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ خُثَيْمٍ، عن محمدِ بنِ خالدٍ الضبيِّ، عن الحكمِ، عن عليٍّ مثلَه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} . قال: اعملوا بطاعةِ اللَّهِ، واتقوا معاصيَ اللَّهِ، ومروا أهليكم بالذكرِ، يُنْجِكم

(2)

اللَّهُ مِن النارِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ- جلَّ وعزَّ -:{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} . قال: اتقوا اللَّهَ، وأَوْصوا

(4)

أهليكم بتقوى اللَّهِ

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} . قال: قال: تقِيهم؛ أن تأمرَهم بطاعةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، وتَنهاهم عن معصيتِه، وأن تقومَ عليهم بأمرِ اللَّهِ، تأمرُهم به، ويساعدُهم عليه، فإذا رأيتَ للَّهِ عز وجل معصيةً قرَعْتَهم

(6)

عنها، وزجَرْتَهم عنها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {قُوا

(1)

في الأصل: "الحسن".

(2)

في م: "ينجيكم".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 244 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

في الأصل: "أرضوا".

(5)

تفسير مجاهد ص 665، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 345 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 244 إلى عبد بن حميد.

(6)

في م: "ردعتهم".

ص: 104

أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}. قال: مُرُوهم بطاعةِ اللَّهِ، وانهَوهم عن معصيتِه

(1)

.

وقولُه: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} . يقولُ: حطَبُها الذي يوقدُ على هذه النارِ، بنو آدمَ وحجارةُ الكِبْريتِ.

وقولُه: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ} . يقولُ: على هذه النارِ ملائكةٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ، غِلاظٌ على أهلِ النارِ، شِدادٌ عليهم، {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ}. يقولُ: لا يُخالِفون اللَّهَ في أمرِه الذي يأمرُهم به، {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. يقولُ: وينتَهون إلى ما يأمرُهم به ربُّهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِه

(2)

يومَ القيامةِ للذين جحَدوا وحدانيتَه في الدنيا: يأيُّها الذين كَفَروا باللَّهِ {لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} . يقولُ: يقالُ لهم: إنما تُثابون اليومَ، وذلك يومُ القيامةِ، وتُعطَون جزاءَ أعمالِكم التي كنتم في الدنيا تعملون، فلا تطلبوا المعاذيرَ منها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)} .

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 303 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 244 إلى عبد بن حميد.

(2)

في الأصل: "فعله".

ص: 105

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ} . يقولُ: ارْجِعوا من ذنوبِكم إلى طاعةِ اللَّهِ، وإلى ما يُرضِيه عنكم، {تَوْبَةً نَصُوحًا}. يقولُ: رجُوعًا لا تعودون فيه

(1)

أبدًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سُئل عمرُ عن التوبةِ النصوحِ، فقال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ الرجلُ مِن العملِ السيئِ، ثم لا يعودَ إليه أبدًا

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن عمرَ، قال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ ثم لا يعودَ فيه أبدًا، أو لا يريدَ أن يعودَ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بشيرٍ يخطُبُ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: يذنبُ الذنبَ ثم لا يَرْجِعُ فيه.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيها".

(2)

أخرجه هناد في الزهد (901)، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 279 عن أبي الأحوص به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 303 من طريق سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3)

أخرجه أحمد بن منيع في مسنده - كما في المطالب العالية (4158) - والحاكم 2/ 495، والبيهقي في الشعب (7034) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

ص: 106

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سألتُ عمرَ عن قولِه: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: هو العبدُ يتوبُ مِن الذنبِ ثم لا يعودُ فيه أبدًا.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ فلا يعودَ.

حدَّثنا به ابنُ حميدٍ مرَّةً أخرى، قال: أخبَرني عن عمرَ بهذا الإسنادِ، فقال: التوبةُ النصوحُ الذي يذنبُ ثم [لا يريدُ أن يعودَ]

(1)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ:{تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: يتوبُ ثم لا يعودُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: التوبةُ النصوحُ، الرجلُ يذنبُ الذنبَ ثم لا يعودُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: التوبةُ النصوحُ ألَّا يعودَ صاحبُها لذلك الذنبِ الذي يتوبُ منه، ويقالُ: توبتُه ألا يَرْجِعَ إلى ذنبٍ ترَكه

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

في الأصل: "لا يعود".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 300 من طريق سفيان، وهو في تفسير مجاهد ص 665 - ومن طريقه البيهقي في الشعب (7035) - من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى المصنف.

ص: 107

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: يستغفرون ثم لا يعودون

(1)

.

حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوديُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: النصوحُ أن يَتَحَوَّلَ عن الذنبِ ثم لا يعودَ له أبدًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: هي الصادقةُ الناصحةُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} . قال: التوبةُ النصوحُ الصادقةُ؛ يعلمُ أنها - صدقًا - ندامةٌ على خطيئتِه، وحبُّ الرَّجْعةِ إلى طاعتِه، فهذا النصوحُ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا عاصمٍ: {نَصُوحًا} بفتحِ النونِ على أنه مِن نعتِ التوبةِ وصفتِها

(3)

. وذُكر عن عاصمٍ

(4)

أنه قرَأه: (نُصُوحًا) بضمِّ النونِ، بمعنى المصدرِ مِن قولِهم: نصَح فلانٌ لفلانٍ نُصُوحًا.

وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ النونِ على الصفةِ للتوبةِ؛ لإجماعِ الحجةِ على ذلك

(5)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 665، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 568، وأبو نعيم 3/ 294 من طريق آخر عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

هي قراءة نافع وابن كثير وحفص وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 290.

(4)

في رواية أبي بكر عنه. المصدر السابق.

(5)

بل القراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما. ينظر حجة القراءات ص 714.

ص: 108

وقولُه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} . يقولُ: عسى ربُّكم أيُّها المؤمنون أن يمحوَ عنكم سيئاتِ أعمالِكم التي سلَفت منكم، {وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: وأن يُدْخِلَكم بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ} محمدًا صلى الله عليه وسلم، {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}. يقولُ: يسعى نورُهم أمامَهم، {وَبِأَيْمَانِهِمْ}. يقولُ: وبأيمانِهم كتابُهم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} إلى: {وَبِأَيْمَانِهِمْ} : يأخُذون كتابَهم فيه البشرى

(1)

.

{يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ المؤمنين يومَ القيامةِ، يقولون: ربَّنا أتمِمْ لنا نورَنا. يسألون ربَّهم أن يُبْقِيَ لهم نورَهم فلا يُطْفِئَه حتى يجوزوا الصراطَ، وذلك حينَ يقولُ المنافقون والمنافقاتُ للذين آمنوا:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13].

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} . قال: قولُ المؤمنين حينَ يُطْفَأُ نورُ المنافقين

(2)

.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 201.

(2)

تفسير مجاهد ص 666.

ص: 109

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ، قال: ليس أحدٌ إلا يُعْطَى نورًا يومَ القيامةِ؛ يُعْطَى المؤمنُ والمنافقُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، فيَخْشى المؤمنُ أنْ يُطْفَأَ نورُه، فذلك قولُه:{رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} .

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن يزيدَ بنِ شجرةَ، قال: كان يذكِّرُنا ويَبْكي، ويصدِّقُ قولَه فعلُه، يقولُ: يأيُّها الناسُ إنكم مكتوبون عندَ اللَّهِ عز وجل بأسمائِكم وسِيماكم ومجالسِكم ونجواكم وخَلائِكم، فإذا كان يومُ القيامةِ قيل: يا فلانَ بنَ فلانٍ، هاك نورَك، ويا فلانَ بنَ فلانٍ، لا نورَ لك

(1)

.

وقولُه: {وَاغْفِرْ لَنَا} . يقولُ: واسْتُرْ علينا ذنوبَنا، ولا تفضَحْنا بها بعقوبتِك إيَّانا عليها، {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقولُ: إنك على إتمامِ نورِنا لنا

(2)

، وغفرانِ ذنوبِنا عنا، وغيرِ ذلك من الأشياءِ - ذو قدرةٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: يأيُّها النبيُّ جاهِدِ الكفارَ بالسيفِ، والمنافِقين بالوعيدِ واللسانِ.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} . قال: أمَر اللَّهُ عز وجل نبيَّه عليه السلام أنْ يجاهدَ الكفارَ بالسيفِ، ويُغْلِظَ على المنافقين بالحدودِ

(3)

.

(1)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (133)، وعبد الرزاق في المصنف (9538)، والحاكم 3/ 494 من طريق منصور به

(2)

في الأصل: "لك".

(3)

تقدم تخريجه في 11/ 567.

ص: 110

{وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} . يقولُ: واشْدُدْ عليهم في ذاتِ اللَّهِ، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يقولُ: ومسكنُهم

(1)

جهنمُ، ومصيرُهم الذي يصيرون إليه نارُ جهنمَ، {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. يقولُ: وبئس الموضعُ الذي يُصارُ

(2)

إليه جهنمُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: مثَّل اللَّهُ مثلًا للذين كفروا باللَّهِ مِن الناسِ وسائرِ الخلقِ، امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ؛ كانتا تحتَ عبدَين مِن عبادِنا صالحَينِ؛ وهما نوحٌ ولوطٌ عليهما السلام فخانتاهما.

ذُكر أنَّ خيانةَ امرأةِ نوحٍ زوجَها أنها كانت كافرةً، وكانت تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ. وأنَّ خيانةَ امرأةِ لوطٍ لوطًا، أن لوطًا كان يُسِرُّ

(3)

الضيفَ، وتَدُلُّ عليه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمان بنِ قتةَ

(4)

، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَخَانَتَاهُمَا} . قال: كانت امرأةُ نوحٍ تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ. وكانت امرأةُ لوطٍ تَدُلُّ على الضيفِ

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عمرَ، قال: ثنا

(1)

في م: "مكثهم".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يصيرون".

(3)

يسر: يكتم، وهو الغالب، ويكون بمعنى يظهر، فهو من الأضداد. ينظر الأضداد لابن الأنباري ص 45.

(4)

في م: "قيس". وتقدم في 6/ 73، 12/ 430، 435.

(5)

تقدم تخريجه في 12/ 430، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى الفريابي وابن أبي الدنيا وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 111

سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بن قتةَ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ في قولِه: {فَخَانَتَاهُمَا} . قال: ما زَنَتا. ثم ذكَر نحوَه.

[حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ أنه كان يُسِرُّ ضيفَه وتَدلُّ عليهم.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ قال في هذه الآيةِ، ذكَر امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ {فَخَانَتَاهُمَا}. قال: ما زَنيا في هذه الآيةِ؛ أما امرأةُ نوحٍ فكانت تخبرُ عنه أنه مجنونٌ، وأما خيانةُ امرأةِ لوطٍ فكانت تدُلُّ على الضَّيفِ]

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ الهمْدانيِّ، عن الضحاكِ، [عن ابنِ عباسٍ]

(2)

: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} . قال: ما بغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، {فَخَانَتَاهُمَا}. قال: في الدِّينِ خانتاهما.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} . قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا على غيرِ دينِهما، فكانت امرأةُ نوحٍ تُطْلِعُ على سرِّ نوحٍ، فإذا آمن مع نوحٍ أحدٌ أخبَرت

(3)

الجبابرةَ مِن قومِ نوحٍ به، فكان ذلك مِن أمرِها؛ وأما امرأةُ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال في هذه الآية أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل عليه".

(2)

سقط من: م.

(3)

سقط من: الأصل.

ص: 112

لوطٍ فكانت إذا ضاف [لوطٌ أحدًا]

(1)

أخبَرت به أهلَ المدينةِ ممن يعمَلُ السوءَ، {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو أبي

(3)

سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ:{فَخَانَتَاهُمَا} . قال: في الدِّينِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه:{كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} . قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا مشركتين.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بن سليمانَ، عن الضحاكِ:{فَخَانَتَاهُمَا} . قال: كانتا مخالفتَين دينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كافرتين باللَّهِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البجليِّ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ: ما كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ وامرأةِ نوحٍ؟ فقال: أما امرأةُ لوطٍ فإنَّها كانت تدُلُّ على الأَضيافِ، وأما امرأةُ نوحٍ فلا عِلْمَ لي بها.

وقولُه: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} . يقولُ: فلم يُغْنِ نوحٌ ولوطٌ عن امرأتَيْهما مِن اللَّهِ لمَّا عاقَبَهما على خيانتِهما أزواجَهما شيئًا، ولم ينفَعْهما أن كانت أزواجُهما أنبياءَ.

(1)

في م: "لوطا أحد". وبعد كلمة لوط خرم في مخطوطة الأصل، ينتهي في ص 311، وسيجد القارئ أرقام النسخة ت 1 بين معكوفين.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 170، وابن كثير في تفسيره 8/ 198.

(3)

في م: "بن أبي". وينظر تهذيب الكمال 22/ 150.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 113

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} الآية: هاتان زوجتا نبيَّيِ اللَّهِ لمَّا عصَتا ربَّهما، لم تُغْنِ أزواجُهما عنهما مِن اللهِ شيئًا.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} الآية. قال: يقولُ اللَّهُ: لم يُغْنِ صلاحُ هذين عن هاتين شيئًا، وامرأةُ فرعونَ لم يضرَّها كفرُ فرعونَ

(1)

.

وقولُه: {وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} . وقال اللَّهُ لهما يومَ القيامةِ: ادْخُلا أيَّتُها المرأتان نارَ جهنمَ مع الداخلين فيها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وضرب اللَّهُ مثلًا للذين صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدوه امرأةَ فرعونَ، التي آمنت باللَّهِ ووحَّدته، وصدَّقت رسولَه موسى، وهي تحتَ عدوٍّ من أعداءِ اللَّهِ كافرٍ، فلم يضرَّها كفرُ زوجِها، إذ كانت مؤمنةً باللَّهِ، وكان مِن قضاءِ اللَّهِ في خلْقِه ألا تزِرَ وازرةٌ وزرَ أُخرى، وأنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسبَت، إذ قالت:{رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} ، فاستجاب اللَّهُ لها، فبنى لها بيتًا في الجنةِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 303 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 114

كما حدَّثني إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ

(1)

، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ

(2)

، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تُعذَّبُ بالشمسِ، فإذا انصرَف عنها

(3)

أظلَّتْها الملائكةُ بأجنحتِها، وكانت تَرى بيتَها في

(4)

الجنةِ

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، قال: قال سلمانُ: كانت امرأةُ فرعونَ. فذكَر نحوَه

(6)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تسألُ: مَن غلَب؟ فيقالُ: غلَب موسى وهارونُ. فتقولُ: آمنتُ بربِّ موسى وهارونَ. فأرسَل إليها فرعونُ، فقال: انظروا أعظمَ صخرةٍ تجِدونها، فإن مضَت على قولِها فألْقُوها عليها، وإنْ رجَعت عن قولِها فهي امرأتُه. فلما أتَوْها رفَعت بصرَها إلى السماءِ، فأَبصَرَت بيتَها في السماءِ، فمضَت على قولِها، فانْتَزَع

(7)

، روحَها، وأُلْقِيت الصخرةُ على جسدٍ ليس فيه روحٌ

(8)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَضَرَبَ اللَّهُ

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3:"الأيلي". وينظر تهذيب الكمال 3/ 62.

(2)

في ت 2، ت 3:"سليمان".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بها".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"من".

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 199 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 331، والحاكم 2/ 496، والبيهقي في الشعب (1637) من طريق سليمان التيمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 245 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 199 عن محمد بن عبيد به.

(7)

بعده في م: "لفظ الجلالة".

(8)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 199 عن المصنف.

ص: 115

مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ}: وكان أعتى أهلِ الأرضِ على اللَّهِ، وأبعَدَه مِن اللَّهِ، فواللَّهِ ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجِها حين أطاعت ربَّها، لتعلَموا أنَّ اللَّهَ حكَمٌ عدلٌ، لا يؤاخِذُ عبدَه إلا بذنبِه

(1)

.

وقولُه: {وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} . تقولُ: وأَنْقِذْني مِن عذابِ فرعونَ، ومِن أنْ أعملَ عملَه، وذلك كُفرُه باللَّهِ.

وقولُه: {وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} . تقولُ: وخلِّصْني وأنقِذْني مِن عملِ القومِ الكافرين بك ومِن عذابِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وضرَب اللَّهُ مثلًا للذين آمنوا مريمَ ابنةَ عمرانَ، {الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}. يقولُ: التي منَعت جيبَ دِرْعِها جبريلَ عليه السلام. وكلُّ ما كان في الدِّرْعِ مِن خَرْقٍ أو فَتْقٍ فإنه يُسمَّى فَرْجًا، وكذلك كلُّ صَدْعٍ وشَقٍّ في حائطٍ، أو فرجِ سقفٍ، فهو فرجٌ.

وقولُه: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} . يقولُ: فنفَخْنا فيه في

(2)

جَيْبِ درعِها، وذلك فرجُها، {مِنْ رُوحِنَا}: من جبريلَ، وهو الروحُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 199.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"من".

ص: 116

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} : فنَفَخنا في جَيْبِها مِن روحِنا

(1)

.

{وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} . يقولُ: وآمنت بعيسى، وهو كلمةُ اللَّهِ، {وَكُتُبِهِ}. يعني: التوراةِ والإنجيلِ، {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}. يقولُ: وكانت مِن القومِ المُطيعين.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مِنَ الْقَانِتِينَ} : مِن المطيعين

(1)

.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "التحريمِ"

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 303 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 246 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 117

‌تفسيرُ سورةِ "الملكِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ

(2)}.

يعني بقولِه تعالى ذكرُه: {تَبَارَكَ} : تعاظم وتعالى، {الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}: بيدِه مُلْكُ الدنيا والآخرةِ وسُلْطانُهما، نافذٌ فيهما أمرُه وقضاؤُه، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقولُ: وهو على ما يشاءُ فعلَه ذو قدرةٍ، لا يمنعُه مِن فعلِه مانعٌ، ولا يحولُ بينَه وبينَه عَجْزٌ.

وقولُه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} فأمات مَن شاء وما شاء، وأحيا مَن أراد وما أراد إلى أجلٍ معلومٍ، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. يقولُ: ليختبرَكم فينظرَ أيُّكم له أيُّها الناسُ أَطْوعُ، وإلى طلبِ رضاه أَسرعُ.

وقد حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} . قال: أذلَ اللَّهُ ابنَ آدمَ بالموتِ، وجعَل الدنيا دارَ حياةٍ ودارَ فناءٍ، وجعَل الآخرةَ دارَ جزاءٍ وبقاءٍ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ} : ذُكر أنَّ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "إنَّ اللَّهَ أذَلُّ ابنَ آدمَ بالموتِ"

(2)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 304 عن معمر به.

(2)

تقدم تخريجه في 22/ 636.

ص: 118

وقولُه: {وَهُوَ الْعَزِيزُ} . يقولُ: وهو القويُّ الشديدُ انتقامُه ممَّن عصاه وخالَف أمرَه، {الْغَفُورُ} ذنوبَ مَن أناب إليه وتاب مِن ذنوبِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن صفتِه: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} طَبَقًا فوقَ طَبَقٍ، بعضُها فوقَ بعضٍ.

وقولُه: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما تَرى في خلقِ الرحمنِ الذي خلَق؛ لا في سماءٍ ولا في أرضٍ، ولا في غيرِ ذلك - {مِنْ تَفَاوُتٍ}. يعني: مِن اختلافٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} : ما تَرى فيهم مِن اختلافٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مِنْ تَفَاوُتٍ} . قال: مِن اختلافٍ

(1)

.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 304 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 119

الكوفيِّين: {امِنْ تَفَاوُتٍ} بألفٍ

(1)

. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مِن تَفَوُّتٍ) بتشديدِ الواوِ، بغيرِ ألفٍ

(2)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، كما قيل:{وَلَا تُصَعِّرْ} و (لا تُصاعِرْ)

(3)

. وتَعهَّدتُ فلانًا وتعاهَدْتُه، وتَطَهَّرتُ وتظاهَرتُ، وكذلك التفاوتُ والتَّفوُّتُ.

وقولُه: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} . يقولُ: فرُدَّ البصرَ، هل ترَى فيه مِن صُدُوعٍ ووُهِيٍّ

(4)

؟ وهي مِن قولِ اللَّهِ: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} [الشورى: 5]. بمعنى يَتَشقَّقْن ويَتَصدَّعنَ. و"الفُطُورُ": مصدرُ فَطَر فُطُورًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} . قال: الفُطُورُ الوُهِيُّ

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} . يقولُ: هل تَرى مِن خَلَلٍ يابنَ آدمَ.

(1)

وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 291.

(2)

وبها قرأ حمزة والكسائي. المصدر السابق.

(3)

ينظر ما تقدم في 18/ 559.

(4)

الوُهِيُّ جمع وَهْى: وهو الشق. ينظر اللسان (و هـ ى).

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى المصنف.

ص: 120

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مِنْ فُطُورٍ} . قال: مِن خَلَلٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} . قال: مِن شُقُوقٍ

(2)

.

وقولُه: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم رُدَّ البصرَ يابنَ آدمَ كرَّتين؛ مرَّةً بعد أخرى، فانْظُرْ هل تَرى من فُطورٍ أو تفاوتٍ، {كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا}. يقولُ: يَرْجِعْ إليك بَصَرُك صاغرًا مُبْعَدًا، مِن قولِهم للكلبِ: اخْسَأْ. إذا طَرَدوه، أي: ابعُدْ صاغرًا، {وَهُوَ حَسِيرٌ}. يقولُ: وهو مُعْيٍ كالٌّ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} . يقولُ: هل تَرى في السماءِ مِن خَلَلٍ، {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} بسوادِ الليلِ.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} . يقولُ: ذليلًا. وقولِه: {وَهُوَ حَسِيرٌ} يقولُ: مرجفٌ

(3)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 304، 305 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 59، وابن كثير في تفسيره 8/ 203.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 121

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة قولَه:{يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا} . أي: حاسرًا، {وَهُوَ حَسِيرٌ}. أي: مُعْيٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{خَاسِئًا} . قال: صاغرًا، {وَهُوَ حَسِيرٌ}. يقولُ: مُعْيٍ، لم يَرَ خَلَلًا ولا تفاوُتًا

(1)

.

وقال بعضُهم: الخاسئُ والحسيرُ واحدٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} الآية. قال: الخاسئُ والحاسرُ واحدٌ؛ حَسُر طَرْفُه أَنْ يَرَى فيها فَطْرًا، فرجَع وهو حسيرٌ قبلَ أَنْ يَرى فيها فَطْرًا. قال: فإذا جاء يومُ القيامةِ انفطرتْ ثم انشقَّتْ، ثم جاء أمرٌ أكبرُ من ذلك، انكشَطَتْ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} وهي النُّجُومُ، وجعَلها مصابيحَ لإضاءتِها. وكذلك الصبحُ إنما قيل له: صبحٌ. للضوءِ الذي يُضِيءُ للناسِ مِن النهارِ، {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ}. يقول: وجعَلنا المصابيحَ التي زيَّنا بها السماءَ الدنيا رجومًا للشياطينِ تُرْجَمُ بها.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 305 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 122

وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه إنما خلَق هذه النجومَ لثلاثِ خصالٍ؛ خلَقها زينةً للسماءِ الدنيا، ورجومًا للشياطينِ، وعلاماتٍ يُهْتَدى بها، فمَن يتأوَّلُ فيها غيرَ ذلك فقد قال برَأْيِه، وأَخْطَأ حظَّه، وأضاع نصيبَه، وتكلَّف ما لا عِلْمَ له به

(1)

.

وقولُه: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَعْتَدْنا للشياطينِ في الآخرةِ عذابَ السعيرِ، تُسْعَرُ عليهم فَتُسْجَرُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} الذي خلَقهم في الدنيا، {عَذَابُ جَهَنَّمَ} في الآخرةِ، {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. يقولُ: وبِئْسَ المصيرُ عذابُ جهنمَ.

وقولُه: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا} . يعني: إذا أُلْقِي الكافرون في جهنمَ، {سَمِعُوا لَهَا} . يعني لجهنمَ، {شَهِيقًا} . يعني بالشَّهِيقِ الصوتَ الذي يَخْرُجُ مِن الجوفِ بشدَّةٍ كصوتِ الحمارِ، كما قال رُؤْبةُ في صفةِ حمارٍ

(2)

:

حَشْرَجَ في الجَوْفِ سَحِيلًا أَوْ شَهَقْ

حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ ومَا نَهَقْ

(1)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (706) من طريق يزيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2913 من طريق سعيد به، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق 3/ 489 - والخطيب البغدادي في كتاب النجوم - كما في الدر المنثور 3/ 34 - ومن طريقه الحافظ في التغليق 3/ 489 - من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق. وتقدم في 14/ 193.

(2)

تقدم في 12/ 576، 577.

ص: 123

وقولُه: {وَهِيَ تَفُورُ} . يقولُ: [وهي]

(1)

تَغْلِي.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ:{سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ} . يقولُ: تَغلِي كما يَغْلِي القِدْرُ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: تكادُ جَهنمُ {تَمَيَّزُ} . يقولُ: تَتَفرَّقُ وتَتَقَطَّعُ من الغيظِ على أهلِها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} . يقولُ: تَتَفرَّقُ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

سقط من: م.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 212 بمعناه.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الإتقان 2/ 48 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 425 - إلى ابن المنذر.

ص: 124

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} : تكادُ يُفارِقُ بعضُها بعضًا وتَنْفَطِرُ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} . يقولُ: تَفرَّقُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} قال: التَّميُّزُ التَّفَرُّقُ مِن الغيظِ على أهلِ معاصي اللَّهِ، غضبًا للَّهِ، وانتقامًا له

(2)

.

وقولُه: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: كُلما أُلْقِي في جهنَّمَ جماعةٌ، {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}. يقولُ: سأَل الفوجَ خَزَنَةُ جهنمَ، فقالوا لهم: أَلم يأْتِكم في الدنيا نذيرٌ يُنْذِرُكم هذا العذابَ الذي أنتم فيه؟ فأجابهم المساكينُ فقالوا: {بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ} يُنْذِرُنا هذا، فكذَّبْناه وقُلْنا له:{مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} . يقولُ: في ذَهابٍ عن الحقِّ بعيدٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الفَوْجُ الذي أُلْقِي في النارِ للخَزَنَةِ: {لَوْ كُنَّا} في الدنيا، {نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} مِن النُّذُرِ ما جاءونا به من النصيحةِ، أو نَعْقِلُ عنهم ما كانوا يَدْعوننا إليه، {مَا كُنَّا} اليومَ {فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} . يعني أهلَ النارِ.

وقولُه: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} . يقولُ: فَأَقرُّوا بذنبِهم.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى المصنف.

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 62، والقرطبي في تفسيره 18/ 212.

ص: 125

ووَحَّد "الذنبَ" وقد أُضِيف إلى الجَمْعِ؛ لأن فيه معنى فِعْلٍ، فأدَّى الواحدُ عن الجميعِ، كما يقالُ: خرَج عطاءُ الناسِ، وأَعْطِيَةُ الناسِ.

{فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} . يقولُ: فبُعْدًا لأهلِ النارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} . يقولُ: بُعْدًا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ: عن سعيدِ بن جبيرٍ: {فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} . قال: "سُحقًا" وادٍ في جهنَّمَ

(2)

.

والقرَأةُ على تخفيفِ الحاءِ مِن "السُّحْقِ"، وهو الصوابُ عندَنا؛ لأنَّ الفصيحَ مِن كلامِ العربِ ذلك، ومِن العربِ مَن يُحرِّكُها بالضمِّ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين يخافون ربَّهم بالغيبِ. يقولُ: وهم لم يَرَوْه،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 48 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 174، وابن أبي الدنيا في صفة النار (39)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 288 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

قراءة التخفيف بإسكان الحاء قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة. والقراءة بضم الحاء قراءة الكسائي، والقراءتان كلتاهما صواب. ينظر التيسير في القراءات السبع ص 172، والكشف عن وجوه القراءات 2/ 329.

ص: 126

{لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} يقولُ: لهم عفوٌ مِن اللَّهِ عن ذنوبِهم، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}. يقولُ: وثوابٌ مِن اللَّهِ لهم على خَشْيتِهم إيَّاه بالغيبِ جزيلٌ.

وقولُه: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَخْفُوا قولَكم وكلامَكم أيُّها الناسُ أو أَعْلِنوه وأَظْهِروه، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. يقولُ: إنه ذو علمٍ بضمائرِ الصدورِ التي لم يُتَكلَّمْ بها، فكيف بما نُطِق به وتكلِّم به، أُخْفى ذلك أو أُعْلِن؛ لأنَّ مَن لم تَخْفَ عليه ضمائرُ الصدورِ، فغَيْرُها أَحْرى ألا يَخْفى عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {أَلَا يَعْلَمُ} الربُّ جلَّ ثناؤُه، {مَنْ خَلَقَ}: مَن خَلَقه. يقولُ: كيف يَخْفى عليه خَلْقُه الذي خلَق، {وَهُوَ اللَّطِيفُ} بعبادِه، {الْخَبِيرُ} بهم وبأعمالِهم.

وقولُه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي جعَل لكم الأرضَ ذلولًا سهلًا، سهَّلها لكم، {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} .

واختلَف أهلُ العلمِ في معنى: {مَنَاكِبِهَا} ؛ فقال بعضُهم: مناكبُها جبالُها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فِي مَنَاكِبِهَا} . يقولُ: جبالِها

(1)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 127

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن بشيرِ بنِ كعبٍ أنه قرَأ هذه الآيةَ:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} . فقال لجاريةٍ له: إن دَرَيْتِ ما مناكبُها فأَنْتِ حُرَّةٌ لوجْهِ اللَّهِ. قالت: فإن مناكبَها جبالُها. فكأنما سُفِع في وجهِه، ورَغِب في جاريتِه، فسأَل؛ فمنهم من أمرَه، ومنهم مَن نهاه، فسأل أبا الدرداءِ، فقال: الخيرُ في طُمأْنينةٍ، والشرُّ في ريبةٍ، فذَرْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن بشيرِ بنِ كعبٍ بمثلِه سواءً.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} : جبالِها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فِي مَنَاكِبِهَا} ، قال: في جبالِها

(2)

.

وقال آخرون: {مَنَاكِبِهَا} : أطرافِها ونواحِيها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} . يقولُ: امشُوا في أطرافِها

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 157 عن عبد الأعلى به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 206 - من طريق قتادة، عن يونس بن جبير، عن بشير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 305 عن معمر به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى المصنف.

ص: 128

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، أن بشيرَ بنَ كعبٍ العدويَّ قرَأ هذه الآيةَ:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} فقال لجاريتِه: إن أَخْبَرتِني ما مناكبُها فأنتِ حرَّةٌ. فقالت: نواحِيها. فأراد أن يتزوَّجَها، فسأل أبا الدرداءِ، فقال: إن الخيرَ في طُمأنينةٍ، وإن الشرَّ في رِيبةٍ، فدَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} . قال: طُرُقِها وفِجاجِها

(1)

.

وأولى القولين عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فامْشُوا في نواحِيها وجوانبِها. وذلك أنَّ نواحيَها نظيرُ مناكبِ الإنسانِ، التي هي مِن أطرافِه.

وقولُه: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} . يقولُ: وكُلوا مِن رزقِ اللَّهِ الذي أخرَجه لكم مِن مناكبِ الأرضِ، {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى اللَّهِ نشرُكم مِن قبورِكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} أيُّها الكافرون، {أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}. يقولُ: فإذا الأرضُ تذهبُ بكم وتَجِيءُ وتَضْطَرِبُ،

{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وهو اللَّهُ، {أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} وهو الترابُ فيه

(1)

تفسير مجاهد ص 667، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 248 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 129

الحَصْباءُ الصِّغارُ، {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}. يقولُ: فستعلمون أيُّها الكفرةُ كيف عاقبةُ نذيرِي لكم، إذ كذَّبْتُم به، وردَدْتُموه على رسولِي.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كذَّب الذين مِن قبلِ هؤلاءِ المشركين مِن قريشٍ مِن الأممِ الخاليةِ - رسلَهم، {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}. يقولُ: فكيف كان نكيري تكذيبَهم إيَّاهم؟

{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} . يقولُ: أو لم يَرَ هؤلاء المشركون إلى الطيرِ فوقَهم صافاتٍ أجنحتَهنَّ؟ {وَيَقْبِضْنَ} . يقولُ: ويَقْبِضْنَ أجنحتهنَّ أحيانًا؟ وإنما عُنِي بذلك أنها تَصُفُّ أجنحتَها أحيانًا، وتَقْبِضُ أحيانًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{صَافَّاتٍ} . قال: الطيرُ يَصُفُّ جَناحَه كما رأيتَ، ثم يَقْبِضُه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} : بَسْطُهنَّ أَجْنِحتَهنَّ وقبْضُهنَّ

(2)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 305 عن معمر به.

(2)

تفسير مجاهد ص 667، ومن طريقه الفريابي وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 346 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى ابن المنذر.

ص: 130

وقولُه: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} . يقولُ: ما يُمسِكُ الطيرَ الصافاتِ فوقَكم إلا الرحمنُ. يقولُ: فلهم بذلك مُدَّكَرٌ إنِ ادَّكَرُوا، ومُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَروا، يَعْلمون به أنَّ ربَّهم واحدٌ لا شريكَ له، {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ بكلِّ شيءٍ ذو بَصَرٍ وخِبْرةٍ، لا يدخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ، ولا يُرى في خَلْقِه تفاوتٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به مِن قريشٍ: مَن هذا الذي هو جندٌ لكم أيُّها الكافرون به، يَنْصُرُكم مِن دونِ الرحمنِ إن أراد بكم سوءًا، فيدفعَ عنكم ما أراد بكم مِن ذلك؟ {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الكافرون باللَّهِ إلا في غرورٍ مِن ظنِّهم أنَّ آلهتَهم تقرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفَى، وأنَّها تَنْفعُ أو تَضُرُّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أمَّن هذا الذي يُطْعِمُكم ويَسْقِيكم ويأتي بأقواتِكم إن أَمْسَك ربُّكم رِزْقَه الذي يرزقُكم عنكم؟

وقولُه: {بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} . يقولُ: بل تمادَوْا في طغيانٍ ونفورٍ عن الحقِّ واستكبارٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

ص: 131

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} . يقولُ: في ضلالٍ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} . قال: كُفُورٍ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {أَفَمَنْ يَمْشِي} أيُّها الناسُ، {مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} لا يُبْصِرُ ما بينَ يدَيْه وما عن يمينِه وشمالِه، {أَهْدَى}. يقولُ: أشدُّ استقامةً على الطريقِ، وأهْدَى له، {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} مَشْيَ بني آدمَ على قَدَمَيه، {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. يقولُ: على طريقٍ لا اعْوِجاجَ فيه.

وقيل: {مُكِبًّا} . لأنه فِعلٌ غيرُ واقعٍ، وإذا لم يكنْ واقعًا أَدْخلوا فيه الألفَ، فقالوا: أَكبَّ فلانٌ على وجْهِه، فهو مُكِبٌّ. ومنه قولُ الأعشى

(3)

:

مُكِبًّا على رَوْقَيْهِ

(4)

يَحْفِرُ عِرْقَهَا

علَى ظَهْرِ عُرْيَانِ الطَّرِيقَةِ أَهْيَما

(5)

فقال: مُكِبًّا. لأنه فِعلٌ غيرُ واقعٍ، فإذا كان واقعًا حُذِفت منه الأَلفُ، فقيل: كبَبْتُ فلانًا على وجْهِه، وكبَّه اللَّهُ على وجْهِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى ابن أبي حاتم.

(2)

تفسير مجاهد ص 667، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 346 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى ابن المنذر.

(3)

ديوانه ص 295.

(4)

الروق: القرن من كل ذي قرن، والجمع أرواق. اللسان (روق).

(5)

الأهيم من الهيام من الرمل: ما كان ترابًا دقاقًا يابسًا لا تستطيع أن تمسك به لدقة ذراته. الوسيط (هـ ي م).

ص: 132

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . يقولُ: من يَمْشي في الضلالِة أهدى، أمن يمْشِي مهتديًا

(1)

؟

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} . قال: في الضلالةِ، {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. قال: حقٍّ مستقيمٍ

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} : يعني الكافرَ، {أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} المؤمنُ؟ ضرَب اللَّهُ مَثَلًا لهما.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أن الكافرَ يَحشُرُه اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه، فقال:{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} يومَ القيامةِ أَهْدَى أمَّن يَمْشِي سَوِيًّا يومئذٍ؟

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى} : هو الكافرُ، أكبَّ على معاصي اللَّهِ في الدنيا، حشَره اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه، فقيل: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحْشَرُ الكافرُ على وجْهِه؟ قال:"إِنَّ الذي أمشاه على رِجْليْه قادرٌ أن يَحْشُرَه يوم القيامةِ على وجْهِه".

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى ابن أبي حاتم.

(2)

تفسير مجاهد ص 667، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 133

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} . قال: هو الكافرُ يعملُ بمعصيةِ اللَّهِ، فيَحْشُرُه اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه. قال معمرٌ: قيل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: كيف يَمْشُون على وجُوهِهم؟ قال: "إِنَّ الذي أَمْشاهم على أَقْدَامِهم قادرٌ على أن يُمْشِيَهم على وُجُوهِهم"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . قال: المؤمنُ، عَمِل بطاعةِ اللَّهِ، فيحشُرُه اللَّهُ على طاعتِه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ للذين يُكذِّبون بالبعثِ مِن المشركين: اللَّهُ الذي أنشأَكم فخلقَكم، {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ} تَسْمعون به، {وَالْأَبْصَارَ} تُبْصِرون بها، {وَالْأَفْئِدَةَ} تَعْقِلون بها، {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}. يقولُ: قليلًا ما تشكرون ربَّكم على هذه النِّعمِ

(2)

التي أَنعَمها عليكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل يا محمدُ: اللَّهُ {الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} ، يقولُ: اللَّهُ الذي خلَقكم في الأرضِ، {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. يقولُ: وإلى

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 305 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم في 17/ 449.

(2)

في ت 2: "النعمة".

ص: 134

اللَّهِ تُحْشَرون، فتُجْمَعون مِن قبورِكم لموقفِ الحسابِ،

{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ المشركون: متى يكونُ ما تَعِدُنا مِن الحشرِ إلى اللَّهِ إن كنتم صادقين في وَعْدِكم إيَّانا ما تَعِدُوننا؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُسْتَعْجِليك بالعذابِ وقيامِ الساعةِ: إنما علمُ الساعةِ، ومتى تقومُ القيامةُ، عندَ اللَّهِ، لا يعلمُ ذلك غيرُه، {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ}. يقولُ: وما أنا إلا نذيرٌ لكم أُنْذِرُكم عذابَ اللَّهِ على كفرِكم به، {مُبِينٌ}: قد أبان لكم إنذارَه.

وقولُه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فلما رأى هؤلاء المشركون عذابَ اللَّهِ {زُلْفَةً} . يقولُ: قريبًا، وعايَنوه، {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا}. يقولُ: ساء اللَّهُ بذلك وجوهَ الكافرين.

وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: {زُلْفَةً} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} . قال: لما عايَنوه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} . قال: مُعايَنَةً.

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 70.

ص: 135

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} . قال: قد اقْتَرَب

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} : لِما عايَنَت مِن عذابِ اللَّهِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} . قال: لما رأَوْا عذابَ اللَّهِ زُلْفةً. يقولُ: سِيئَتْ وجوهُهم حينَ عايَنوا من عذابِ اللَّهِ وخِزْيهِ ما عايَنوا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} . قيل: الزُّلفةُ حاضرٌ، قد حضَرهم عذابُ اللَّهِ عز وجل

(3)

.

{وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ} . يقولُ: وقال اللَّهُ لهم: هذا العذابُ الذي كنتم به تَدْعُون ربَّكم أَنْ يُعَجِّلَه لكم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَقِيلَ

(1)

تفسير مجاهد ص 667، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 306 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 303.

ص: 136

هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ}. قال: استعجالُهم بالعذابِ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ} بتشديدِ الدالِ، بمعنى: تَفْتَعِلون، مِن الدعاءِ.

وذُكر عن قتادةَ والضحاكِ أنهما قرَأا ذلك: (تَدْعُونَ) بمعنى: تَفْعلون في الدنيا

(1)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنا أبانٌ العطارُ وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ أنه قرَأها:(الذي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ) خفيفةً، ويقولُ: كانوا يَدْعون بالعذابِ. ثم قرَأ: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].

والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأةِ عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ للمشركين مِن قومِك: {أَرَأَيْتُمْ} أيُّها الناسُ، {إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ} فأَماتني، {وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا}

(1)

وبها قرأ يعقوب من العشرة. النشر 2/ 291. وبها قرأ عصمة عن أبي بكر، والأصمعي عن نافع، وأبو رجاء والحسن وابن يسار عبد الله بن مسلم وسلام وابن أبي عبلة وأبو زيد. ينظر البحر المحيط 8/ 304.

ص: 137

فأخَّر في آجالِنا، {فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ} باللَّه من عذابٍ مُوجعٍ مؤلمٍ؟ وذلك عذابُ النارِ. يقولُ: ليس يُنْجِي الكفارَ من عذابِ اللَّهِ موتُنا وحياتُنا، فلا حاجةَ بكم إلى أن تَسْتَعْجِلوا قيامَ الساعةِ ونزولَ العذابِ، فإن ذلك غيرُ نافِعكم، بل ذلك بلاءٌ عليكم عظيمٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ: ربُّنا {الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ} . يقولُ: صدَّقْنا به، {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}. يقولُ: وعليه اعْتَمَدْنا في أُمورِنا، وبه وَثِقْنا فيها، {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. يقولُ: فستعلمون أيُّها المشركون باللَّهِ الذي هو في ذَهابٍ عن الحقِّ، والذي هو على غيرِ طريقٍ مستقيمٍ منا ومنكم، إذا صِرْنا إليه وحُشِرْنا جميعًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: {أَرَأَيْتُمْ} أيُّها القومُ العادلون باللَّهِ، {إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا}. يقولُ: غائرًا لا تنالُه الدِّلاءُ، {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}. يقولُ: فمن يَجِيئُكم بماءٍ مَعِينٍ. يعني بالمَعِينِ الذي تَراه العيونُ ظاهرًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

ص: 138

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} . يقولُ: بماءٍ عذبٍ

(1)

.

حدَّثنا [عبدُ الأعلى]

(2)

بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ هاشمٍ

(3)

البَزَّازُ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} : لا تنالُه الدِّلاءُ، {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}. قال: الظاهرِ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} . أي: ذاهبًا، {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}. قال: الماءُ المَعِينُ الجارِي

(5)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مَاؤُكُمْ غَوْرًا} : ذاهبًا، {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}: جارٍ

(6)

.

وقيل: {غَوْرًا} . فوصَف الماءَ بالمصدرِ، كما قيل: ليلةٌ غَمٌّ

(7)

. يرادُ: ليلةٌ غَامَّةٌ

(7)

.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الملكِ"

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "ابن عبد الأعلى". وتقدم في 8/ 96.

(3)

في م: "قاسم". وينظر الجرح والتعديل 6/ 5.

(4)

أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 14/ 403 من طريق شريك به.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى عبد بن حميد.

(6)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 72، والقرطبي في تفسيره 18/ 222.

(7)

في م: "عم"، وفي ت 2، ت 3:"غيم".

ص: 139

‌تفسيرُ سُورةِ "ن"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ

(3)}.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {ن} ؛ فقال بعضُهم: هو الحوتُ الذي عليه الأَرَضُون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شيءٍ القلمُ، فَجَرَى بما هو كائنٌ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، فخُلِقَت منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ، فبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النُّونِ، [فتحرَّك النونُ، فمادت الأرضُ]

(1)

، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإِنَّ الجبالَ لتَفْخَرُ على الأرضِ. قال: وقرَأ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}

(2)

.

حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي

(1)

في ص، م، ت 1، ت 3:"فتحركت الأرض فمادت"، وفي ت 2:"فتحركت الأرض فمادت الأرض". والمثبت من التاريخ.

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 33، 51، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 307، وابن أبي شيبة 14/ 101، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 210 - وأبو الشيخ في العظمة (900)، والآجري في الشريعة (183)، والحاكم 2/ 498، والخطيب في تاريخه 9/ 59 من طريق سليمان، وهو الأعمش، به، وهو في تفسير مجاهد ص 668 كذلك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 249 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة.

ص: 140

ظَبْيانَ، أو مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ففُتِقَتْ منه السماواتُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى سليمانُ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، قال: اكْتُبْ. قال: ما أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى بما يكونُ من ذلك اليومِ إلى قيامِ الساعةِ، ثم خُلِق النُّونُ، ورُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِقَتْ منه السماءُ، وبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النونِ، فاضطَربَ النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ

(2)

.

حدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شَيءٍ القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فقال: وما أَكْتُبُ يا ربِّ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى القلمُ بما هو كائنٌ من ذلك إلى قيامِ الساعةِ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِق منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ فدُحِيت الأرضُ على ظَهْرِه، فاضْطرَب النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ

(3)

.

حدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، أن إبراهيمَ بنَ

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 33، 51.

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 51.

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 33، 50.

(4)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 33، 51، كما أخرجه البيهقي في السنن 9/ 3، وفي الأسماء والصفات (804) من طريق وكيع به.

ص: 141

أبي بكرٍ أخبرَه عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: النُّونُ الحوتُ الذي تحتَ الأرضِ السابعةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: ثنا الأعمشُ، أنَّ ابنَ عباسٍ قال: إِنَّ أوَّلَ شيءٍ خُلِق القلمُ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ واصلٍ، عن ابنِ فُضَيلٍ، وزاد فيه: ثم قرَأ ابنُ عباسٍ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي الضُّحى مسلمِ بنِ صُبيحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إِنَّ أَوَّلَ شيءٍ خلَق ربي القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فكتَب ما هو كائنٌ إلى أنْ تقومَ الساعةُ، ثم خلَق النُّونَ فوقَ الماءِ، ثم كبَس الأرضَ عليه

(3)

.

وقال آخرون: {ن} حرفٌ مِن حروفِ الرحمنِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{الر} ، و {حم} ، و {ن}: حروفُ الرحمن مُقطَّعةٌ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا عيَّاشُ

(5)

بنُ زيادٍ الباهليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 34.

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 34، 51، 52، وأخرجه عبد الله في السنة (871) من طريق جرير به، وهو في تفسير مجاهد ص 668، وأخرجه الآجري في الشريعة (182) كلاهما من طريق عطاء به.

(4)

تقدم تخريجه في 12/ 103، 104.

(5)

في النسخ: "عباس". والمثبت مما تقدم.

ص: 142

أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{الر} ، و {حم} ، و {ن}. قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ

(1)

.

وقال آخرون: {ن} : الدَّواةُ، {وَالْقَلَمِ}: القلمُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا أخي عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ، عن ثابتٍ الثُّمَاليِّ

(2)

، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنَّ اللَّهَ خلَق النُّونَ وهى الدواةُ، وخلَق القلمَ فقال: اكْتُبْ. فقال: ما أكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ؛ من عملٍ مَعْمُولٍ، بِرٍّ أو فجورٍ، أو رزقٍ مقسومٍ، حلالٍ أو حرامٍ. ثم أَلْزَم كلَّ شيءٍ من ذلك شأْنَه، دخولَه في الدنيا، ومُقامَه فيها كم؟ وخروجَه منها كيف؟ ثم جعَل على العبادِ حَفَظَةً، وللكتابِ خُزَّانًا، فالحفظةُ يَنْسَخون كلَّ يومٍ مِن الخُزَّانِ عملَ ذلك اليومِ، فإذا فَنِي الرزْقُ وانقَطَع الأَثَرُ، وانقَضَى الأجلُ، أَتَتِ الحَفَظَةُ الخَزنةَ يَطْلُبون عملَ ذلك اليومِ، فتقولُ لهم الخَزَنةُ: ما نجدُ لصاحبِكم عندَنا شيئًا. فتَرْجِعُ الحفَظَةُ فيَجِدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابنُ عباسٍ: ألستم قومًا عَرَبًا تَسمعون الحَفَظَةَ يقولون: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]. وهل يكونُ الاسْتِنْساخُ إلا مِن أَصلٍ

(3)

؟

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه:{ن} . قال: هو الدواةُ

(4)

.

(1)

تقدم تخريجه في 1/ 208.

(2)

في م: "البناني"، وفي ت 1:"اليماني"، وفي ت 2:"التماني"، وفي ت 3:"الثماني".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 212 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 125 إلى المصنف وابن المنذر، وتقدم تخريجه في 21/ 104، 105.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 212 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250 إلى عبد الرزاق وابن المنذر.

ص: 143

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ، قال: النُّونُ الدَّواةُ.

وقال آخرون: {ن} : لَوْحٌ مِن نورٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ المُكْتِبُ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ الجَزَرِيُّ، عن فُراتِ بنِ أبي الفُراتِ، عن معاويةَ بنِ قرَّةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}: لَوْحٌ مِن نورٍ يَجْرِي بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ"

(1)

.

وقال آخرون: {ن} قَسَمٌ أقسَم اللَّهُ به.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} : يُقْسِمُ اللَّهُ بما شاء.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} . قال: هذا قَسَمٌ أقسَم اللَّهُ به

(2)

.

وقال آخرون: هي اسمٌ مِن أسماءِ السورةِ.

وقال آخرون: هي حرفٌ مِن حروفِ المُعْجَمِ. وقد ذكَرْنا القولَ فيما جانَس ذلك مِن حروفِ الهِجاءِ التي افْتُتِحَتْ بها أوائلُ السورِ، والقولُ في قولِه نظيرُ القولِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 212 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250، والإتقان 4/ 289 إلى المصنف.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 224.

ص: 144

في ذلك

(1)

.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ: {ن} ، فأَظْهَر النُّونَ فيها وفي:{يس} عامةُ قرأةِ الكوفةِ خلا الكِسائيَّ، وعامةُ قرأةِ البصرةِ؛ لأنَّها حرفُ هِجاءٍ، والهِجَاءُ مبنيٌّ على الوقوفِ عليه وإنِ اتَّصَل، وكان الكِسائيُّ يُدْغِمُ النُّونَ الآخرةَ منهما ويُخْفِيها بناءً على الاتصالِ

(2)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان فصيحتان، بأيَّتهما قرَأ القارئُ أصاب، غيرَ أَنَّ إِظْهَارَ النُّونِ أَفصحُ وأَشْهَرُ، فهو أَعْجَبُ إليَّ.

وأما القلمُ فهو القلمُ المعروفُ، غيرَ أنَّ الذي أَقسَم به ربُّنا مِن الأقلامِ القلمُ الذي خلَقه اللَّهُ تعالى ذكرُه، فأَمَره فجَرَى بكتابةِ جميعِ ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ.

حدَّثني محمدُ بنُ معاويةَ

(3)

الأَنماطيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ بنُ العوَّامِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ سليمٍ، قال: سمِعتُ عطاءً قال: سألتُ الوليدَ بنَ عُبادةَ بنِ الصامتِ: كيف كانت وصيةُ أبيك حينَ حضَره الموتُ؟ فقال: دعاني فقال: أي بنيَّ، اتقِ اللَّهَ، واعلمْ أنك لن تتقيَ اللَّهَ، ولن تبلُغَ العلمَ حتى تُؤمِنَ باللَّهِ وحدَه، والقدرِ خيرِه وشرِّه، إني سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ:"إنَّ أولَ ما خلَق اللَّهُ خلَق القلمَ، فقال له: اكْتُبْ. قال: يا ربِّ وما أكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القدرَ". قال: "فجَرَى القلم في تلك الساعةِ بما كان، وما هو كائنٌ إلى الأَبَدِ"

(4)

.

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 204 وما بعدها.

(2)

بالإدغام قرأ ورش والبزي وابن ذكوان وعاصم بخلف عنهم، وهشام والكسائي ويعقوب وخَلَفٌ عن نفسه، والباقون بالإظهار. وسكت على (ن) أبو جعفر. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 260.

(3)

في النسخ: "صالح". وتقدم على الصواب في 4/ 430.

(4)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 32، 33، وأخرجه الطيالسي (578)، والترمذي (3319)، والبغوي في الجعديات (3478)، من طريق عبد الواحد بن سليم به.

ص: 145

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شَقيقٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا رباحُ بنُ زيدٍ، عن عمرَ

(1)

بنِ حَبيبٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بزَّةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"أَوَّلُ شيءٍ خلَق اللَّهُ القَلَمُ، وأَمَره فكتَب كلَّ شيءٍ"

(2)

.

حدَّثنا موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا نُعيمُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ بإسنادِه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه

(3)

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن ناسًا يُكَذِّبون بالقَدَرِ. فقال: إنَّهم يُكَذِّبون بكتابِ اللَّهِ، لآخُذنَّ بشَعرِ أحدِهم [فَلَأَنْفُضَنَّ به]

(5)

. إِنَّ اللَّهَ كان على عَرْشِه قبل أن يخلُقَ شيئًا، فكان أوَّلَ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، فجَرَى بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، فإنما يَجْرِي الناسُ على أمرٍ قد فُرِغ منه

(6)

.

(1)

في م: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال 21/ 288.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 213 عن المصنف، وأخرجه المصنف في تاريخه 1/ 32 عن علي بن الحسن به.

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 32، وأخرجه الدارمي في الرد على المريسي ص 198 من طريق نعيم بن حماد به، وأخرجه عبد الله في السنة (854)، وابن أبي عاصم في السنة (108)، وأبو يعلى (2329)، والطبراني (12500)، وأبو نعيم في الحلية 8/ 181، والبيهقي 9/ 3، وفي الأسماء والصفات (803) من طريق ابن المبارك به

(4)

بعده في م: "حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه".

(5)

في م: "فلا يقصن"، وفي الرد على الجهمية، والشريعة:"فلأنصونه". ولأنفضن: لآخذنه بيدي أزعزعه وأحركه. ولأنصونه: لأخذن بناصيته. ينظر التاج (ن ف ض، ن ص و).

(6)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 34، 35، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 12، والآجري في الشريعة (351)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (1223) من طريق سفيان به.

ص: 146

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو هاشمٍ

(1)

سَمِع مجاهدًا، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ - لا يَدْرِي

(2)

ابنَ عمرَ أو ابنَ عباسٍ - قال: إِنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّهُ القلمُ، فجَرَى القلمُ بما هو كائنٌ، وإنما يَعْمَلُ الناسُ اليومَ فيما قد فُرِغ منه

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، وحدَّثني عبيدُ

(4)

بنُ آدمَ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أيوبَ بنِ زيادٍ، قال: ثنى عُبادةُ

(5)

بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ بن الصامتِ، قال: أخبَرني أبي، قال: قال أبي عُبادةُ بنُ الصامتِ: يا بُنيَّ، سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول:"إنَّ أوَّلَ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فجَرَى في تلك الساعةِ بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ"

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{ن وَالْقَلَمِ} . قال: الذي كُتِب به الذِّكْرُ

(7)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، أخبرَه

(1)

بعده في م: "أنه".

(2)

في م: "ندري".

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 35.

(4)

في النسخ: "عبد الله". والمثبت من التاريخ. وينظر تهذيب الكمال 19/ 183.

(5)

في النسخ: "عباد". والمثبت من التاريخ. وينظر تهذيب الكمال 14/ 198.

(6)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 32، وأخرجه أحمد 5/ 317 (الميمنية) من طريق الليث به، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 114، والبزار (2687)، والآجري في الشريعة (346) من طريق معاوية بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250 إلى ابن مردويه.

(7)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 213 عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 147

عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{ن وَالْقَلَمِ} . قال: الذي كُتِب به الذِّكْرُ.

وقولُه: {وَمَا يَسْطُرُونَ} . يقولُ: والذي يَخُطُّون ويكتُبون. إذا وُجِّه التأويلُ إلى هذا الوجهِ كان القَسَمُ بالخَلْقِ وأفعالِهم. وقد يَحْتَمِلُ الكلامُ معنًى آخرَ، وهو أنْ يكونَ معناه: وسَطْرِهم ما يَسْطُرون. فتكونُ "ما" بمعنى المصدرِ. وإذا وُجِّه التأويلُ إلى هذا الوجهِ كان القَسَمُ بالكتابِ، كأنه قيل: ن والقلمِ والكتابِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا يَسْطُرُونَ} . قال: وما يَخُطُّون.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَا يَسْطُرُونَ} . يقولُ: يكتُبون

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَمَا يَسْطُرُونَ} . قال: ما يكْتُبون

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَمَا

(1)

أخرجه الحاكم 2/ 498 من طريق أبي ظبيان، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250 إلى عبد بن حميد.

ص: 148

يَسْطُرُونَ}: وما يكتُبون

(1)

.

يقالُ منه: سَطَر فلانٌ الكتابَ، فهو يسطُرُ سَطْرًا. إذا كتَبه. ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العجَّاجِ:

إِنِّي وَأَسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا

(2)

وقولُه: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ما أنت بنعمةِ ربِّك بمجنونٍ. مكذِّبًا بذلك مشركي قريشٍ الذين قالوا له: إنك مجنونٌ.

وقولُه: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإن لك يا محمدُ لثوابًا مِن اللَّهِ عظيمًا، على صبرِك على أذى المشركين إيَّاك، غيرَ منقوصٍ ولا مقطوعٍ. من قولِهم: حبلٌ مَنِينٌ، إذا كان ضعيفًا، وقد ضَعُفَت مُنَّتُه، إِذا ضَعُفَت قوَّتُه.

وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{غَيْرَ مَمْنُونٍ} . قال: محسُوبٍ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 307 عن معمر به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح 13/ 523 - من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة.

(2)

تقدم تخريجه في 21/ 560.

(3)

تقدم تخريجه في 20/ 381، 382، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 250 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 149

وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)}.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وإنك يا محمدُ لعلى أدبٍ عظيمٍ، وذلك أدبُ القرآنِ الذي أدَّبه اللَّهُ به، وهو الإسلامُ وشرائعُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} . يقولُ: دينٍ عظيمٍ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} . يقولُ: إنك على دينٍ عظيمٍ، وهو الإسلامُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{خُلُقٍ عَظِيمٍ} . قال: الدينِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: سُئِلت

(4)

عائشةُ عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خُلُقُه القرآن. تقولُ: كما

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 214 عن العوفي به.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 187، وابن كثير في تفسيره 8/ 214.

(4)

في م، ت 1، ت 2:"سألت".

ص: 150

هو في القرآنِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} . ذُكِر لنا أن سعدَ

(2)

بنَ هشامٍ سأَل عائشةَ عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألسْتَ تَقْرَأُ القرآنَ؟ قال: قلتُ: بلى. قالت: فإِن خُلُقَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان القرآنَ

(3)

.

حدَّثنا عُبيدُ بنُ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا المباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، عن سعدِ (2) بنِ هشامٍ، قال: أتَيْتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين رحمةُ اللَّهِ عليها، فقلتُ: أخْبِريني عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فقالت: كان خلقُه القرآنَ، أَمَا تَقْرَأُ:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}

(4)

؟

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن أبى الزاهريةِ، عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ

(5)

، قال: حجَجْتُ فدخَلْتُ على عائشةَ، فَسَأَلْتُها عن خلقِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم القرآنَ

(6)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 214 عن معمر، عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 307، وفي المصنف (4714) - ومن طريقه أبو عوانة 2/ 321، وابن حبان (2551)، والحاكم 2/ 499 - عن معمر، عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة.

(2)

في النسخ: "سعيد". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 10/ 307.

(3)

أخرجه أحمد 6/ 53، 54 (الميمنية)، ومسلم (746)، وأبو عوانة 2/ 323، والبيهقي في الدلائل 1/ 308 من طريق سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام مطولًا.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 215 عن المصنف، وأخرجه أحمد 6/ 91 (الميمنية)، والآجري في الشريعة (1023) من طريق المبارك بن فضالة به.

(5)

في م: "نفيل".

(6)

أخرجه أحمد 6/ 188 (الميمنية)، والنسائي في الكبرى (11138) من طريق معاوية به.

ص: 151

حدَّثنا عُبيدُ بنُ أسْباطَ، قال: ثنى أبي، عن فُضيلِ بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} . قال: أدبِ القرآنِ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} . قال: على دينٍ عظيمٍ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} : يعني دينَه وأمْرَه الذي كان عليه، مما أمَرَه اللَّهُ

(3)

ووكَله إليه (2).

وقولُه: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فستَرَى يا محمدُ، ويَرَى مشركو قومِك الذين يَدْعُونك مجنونًا {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} . يقولُ: تَرَى ويَرَوْن.

وقولُه: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال

(1)

أخرجه البيهقي في الدلائل 1/ 310 من طريق أسباط بن محمد به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (678) - ومن طريقه الآجري في الشريعة (1024) - عن فضيل بن مرزوق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 214.

(3)

بعده في م: "به".

ص: 152

بعضُهم: تأويلُه: بأيِّكم المجنونُ. كأَنَّه وجَّه معنى الباءِ في قولِه: {بِأَيِّكُمُ} . إلى معنى "في"، وإذا وُجِّهَت الباءُ إلى معنى "في" كان تأويلُ الكلامِ: ويُبْصِرون في أيِّ الفريقين المجنونُ؟ في فريقِك يا محمدُ أو في فريقِهم؟ ويكونُ "المجنونُ" اسمًا مرفوعًا بالباءِ.

ذكرُ مَن قال: معنى ذلك: بأيِّكم المجنونُ

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} . قال: المجنونُ

(1)

.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ:{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} . قال: بأيِّكم المجنونُ.

وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: بأيِّكم الجنونُ. وكأن الذين قالوا هذا القولَ وجَّهوا المفتونَ إلى معنى الفتنةِ أو الفتونِ، كما قيل: ليس له معقولٌ ولا معقودُ رأىٍ

(2)

. بمعنى: ليس له عقلٌ ولا عقدُ رأيٍ. فكذلك وُضِع المفتونُ موضعَ الفُتُونِ.

ذكرُ مَن قال: المفتونُ بمعنى المصدرِ، وبمعنى الجنونِ

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} . قال: الشيطانُ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "أي".

ص: 153

الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} : يعني الجنونَ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: يقولُ: بأيِّكم الجنونُ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أيُّكم أولى بالشيطانِ. فالباءُ على قولِ هؤلاء زيادةٌ؛ دخولُها وخروجُها سواءٌ، ومثَّل هؤلاء ذلك بقولِ الراجزِ

(2)

:

نحن بنو جَعْدةَ أصحابُ الفَلَجْ

نَضْرِبُ بالسيفِ ونَرْجُو بالفَرَجْ

بمعنى: ونَرْجُو الفَرَجَ. فدخولُ الباءِ في ذلك عندَهم في هذا الموضعِ وخروجُها سواءٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} : يقولُ: أيُّكم أولى بالشيطانِ.

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} . قال: أيُّكم أولى بالشيطانِ

(3)

.

واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك نحوَ اختلافِ أهلِ التأويلِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: معنى ذلك: فستُبْصِرُ ويُبْصِرون أيُّكم المفتونُ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى المصنف.

(2)

تقدم تخريجه في 17/ 31، 32.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 308 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد.

ص: 154

وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ

: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} : المفتونُ

(2)

ههنا بمعنى الجنونِ، وهو في مذهبٍ الفُتُونُ، كما قالوا: ليس له معقولٌ ولا مجلودٌ

(3)

. قال: وإن شئتَ جَعَلْتَ {بِأَيِّكُمُ} : في أيِّكم؛ في أيِّ الفريقين المجنونُ. قال: وهو حينَئذٍ اسمٌ ليس بمصدرٍ.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: بأيِّكم الجنونُ. ووَجَّه المفتونَ إلى الفتونِ بمعنى المصدرِ؛ لأن ذلك أظهرُ معاني الكلامِ، إذا لم يُنْوَ إسقاطُ الباءِ، وجعَلْنا لدخولِها وجهًا مفهومًا. وقد بيَّنَّا أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في القرآنِ شيءٌ لا معنى له

(4)

.

وقولُه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمد هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلِه، كضلالِ كفارِ قريشٍ عن دينِ اللَّهِ وطريقِ الهدى، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. يقولُ: وهو أعلمُ بمَن اهْتَدَى، فاتَّبَع الحقَّ وأقَرَّ به، كما اهْتَدَيْتَ أنت فاتَّبَعْتَ الحقَّ. وهذا من مَعارِيضِ الكلامِ، وإنما معنى الكلامِ: إن ربَّك هو أعلمُ يا محمدُ بك، و [أنك لمهتدى]

(5)

، وبقومِك مِن كفارِ قريشٍ، وأنهم لضالُّون

(6)

عن سبيلِ الحقِّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)} .

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 173.

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: "معقود". وليس له مجلود، أي: ليس له جَلَد. اللسان (ف ت ن)، وينظر اللسان (ج ل د).

(4)

ينظر ما تقدم في 1/ 225، 226.

(5)

في م: "أنت المهتدى".

(6)

في م: "الضالون".

(1)

ص: 155

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فلا تُطِعْ يا محمدُ، المُكذِّبين بآياتِ اللَّهِ ورسولِه.

{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ودَّ المكذِّبون بآياتِ اللَّهِ لو تَكْفُرُ باللَّهِ يا محمدُ فيَكْفُرون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . يقولُ: وَدُّوا لو تَكْفُرُ فيَكْفُرون

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . قال: تَكْفُرُ فَيَكْفُرون

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . قال: تَكْفُرُ فيَكْفُرون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ودُّوا لو تُرَخِّصُ لهم فيُرخِّصون، أو تَلِينُ في دينِك فيَلينون في دينِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . يقولُ: لو تُرَخِّصُ لهم فيرَخِّصون

(3)

.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 230.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 192، والقرطبي في تفسيره 18/ 230.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 48 - من طريق أبي صالح به، وأخرجه ابن المنذر - كما في =

ص: 156

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . قال: لو تَرْكَنُ إلى آلهتِهم وتَتْرُكُ ما أنت عليه مِن الحقِّ فيُمالِئونك

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . يقولُ: وَدُّوا يا محمدُ لو أدْهَنْتَ عن هذا الأمرِ فأدْهَنوا معك.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . قال: ودُّوا لو يُدْهِنُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيُدْهِنون

(2)

.

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ودَّ هؤلاء المشركون يا محمدُ لو تَلِينُ لهم في دينِك بإجابتِك إياهم إلى الركونِ إلى آلهتِهم، فيَلِينون لك في عبادتِك إلهَك، كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 74، 75]. وإنما هو مأخوذٌ مِن الدُّهنِ، شبَّه التليينَ في القولِ بتليينِ الدُّهْنِ.

وقولُه: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} . يقولُ: ولا تُطِعْ يا محمدُ كلَّ ذي إكثارٍ للحلفِ بالباطلِ، {مَهِينٍ} وهو الضعيفُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أن بعضَهم وجَّه معنى المهينِ

= الفتح 8/ 662 - من طريق علي بن أبي طلحة به.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 308 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد

ص: 157

إلى الكذَّابِ، وأحْسَبُه فعَل ذلك لأنَّه رأَى أنه إذا وُصِف بالمَهانةِ، فإنما وُصِف بها لمهانةِ نفسِه، وكانت عليه، وكذلك صفةُ الكَذُوبِ، إنما يَكْذِبُ لمهانةِ نفسِه

(1)

عليه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} . والمهينُ الكذَّابُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{حَلَّافٍ مَهِينٍ} . قال: ضعيفٍ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} : وهو المِكْثارُ في الشرِّ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} . يقولُ: كلَّ مِكْثارٍ في الحلفِ، مَهينٍ ضعيفٍ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن الحسنِ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251، 252 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 308 عن الثوري، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 251 إلى ابن المنذر.

ص: 158

وقتادةَ: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} . قال: هو المكثارُ فى الشرِّ.

وقولُه: {هَمَّازٍ} . يعني: مُغتابٍ للناسِ يأكُلُ لحومَهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه:{هَمَّازٍ} : يعني الاغتيابَ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{هَمَّازٍ} : يَأْكُلُ لحومَ المسلمين

(2)

.

حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: {هَمَّازٍ} . قال: الهَمَّازُ الذى يَهْمِزُ الناسَ بيدِه ويَضْرِبُهم، وليس باللسانِ. وقرَأ:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1]. الذي يَلْمِزُ الناسَ بلسانِه. والهمزُ أصلُه الغمزُ، فقيل للمغتابِ: هَمَّازٌ. لأنه يَطْعُنُ فى أعراضِ الناسِ بما يَكْرَهون، وذلك غمزٌ عليهم

(3)

.

وقولُه: {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} . يقولُ: مَشَّاءٍ بحديثِ الناسِ بعضِهم في بعضٍ، يَنْقُلُ حديثَ بعضِهم إلى بعضٍ.

وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 252 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 231 مختصرًا.

ص: 159

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{هَمَّازٍ} : يَأْكُلُ لحومَ المسلمين، {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}: يَنْقُلُ الأحاديثَ مِن بعضِ الناسِ إلى بعضٍ.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} : يَمْشِى بالكذبِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبىِّ في قولِه:{مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} . قال: هو الأخنسُ بنُ شَرِيقٍ، وأصلُه مِن ثَقيفٍ، وعِدادُه فى بنى زُهْرةَ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} .

وقولُه: {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: بخيلٍ بالمالِ، ضَنينٍ به عن الحقوقِ.

وقولُه: {مُعْتَدٍ} . يقولُ: مُعْتَدٍ على الناسِ، {أَثِيمٍ}: ذى إثمٍ بربِّه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مُعْتَدٍ} . قال: مُعْتَدٍ فى عملِه، {أَثِيمٍ} بربِّه

(2)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 308 عن معمر به.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 252 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 160

وقولُه: {عُتُلٍّ} . يقولُ: وهو عُتُلٌّ، والعُتُلُّ الجافي الشديدُ في كفرِه، وكلُّ شديدٍ قوىٍّ فالعربُ تُسَمِّيه عُتُلًّا. ومنه قولُ ذى الإِصْبَعِ العَدْوانىِّ

(1)

:

*والدهرُ يَغْدُو مِعْتَلًا جَذَعَا*

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{عُتُلٍّ} : والعتلُّ: العاتلُ الشديدُ المنافقُ

(2)

.

حدَّثنى إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ العَقَدىُّ، قال: ثنا زُهَيرُ ابنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن وهبٍ الذِّمَارىِّ، قال: تَبْكِى السماءُ والأرضُ مِن رجلٍ أَتَمَّ اللهُ خَلْقَه، وأَرْحَب جوفَه، وأَعْطاه مَقْضَمًا

(3)

مِن الدنيا، ثم يَكونُ ظَلومًا للناسِ، فذلك العتلُّ الزَّنيمُ

(4)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن أبى الزبيرِ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: العُتُلُّ: الأَكُولُ الشَّروبُ القوىُّ الشديدُ، يُوضَعُ فى الميزانِ فلا يَزِنُ شَعيرةً، يَدْفَعُ المَلَكُ مِن أولئك سبعين ألفًا دُفْعةً فى جهنمَ

(5)

.

(1)

البيت فى مجاز القرآن 2/ 264.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3)

مقضمًا: قليلا. ينظر اللسان (ق ض م).

(4)

ذكره ابن رجب فى التخويف من النار ص 273.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 439، 440 عن ابن إدريس به.

ص: 161

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ في قولِه:{عُتُلٍّ} . قال: العتلُّ الشديدُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ فى قولِه:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال: العتلُّ الصحيحُ

(1)

.

حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن كثيرِ ابنِ الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن العُتلِّ الزنيمِ، قال:"الفاحشُ اللئيمُ"

(2)

.

قال معاويةُ: وثنى عِياضُ بنُ عبدِ اللهِ الفِهْرِيُّ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمثلِ ذلك.

حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال: فاحشُ الخُلُقِ، لئيمُ الضَّريبةِ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال الحسنُ وقتادةُ: هو الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{عُتُلٍّ} . قال: هو الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ

(5)

.

(1)

ذكره ابن رجب فى التخويف من النار ص 273.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في التخويف من النار ص 274 - من طريق معاوية بن صالح به.

(3)

الضريبة: الطبيعة والسجية. اللسان (ض ر ب).

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 252 إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة.

(5)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 308 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 252 إلى عبد بن حميد.

ص: 162

قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَبْكِى السماءُ مِن عبدٍ أَصَحَّ اللهُ جسمَه، وأَرْحَب جوفَه، وأعْطاه مِن الدنيا مَقْضَمًا، فكان للناسِ ظَلومًا، فذلك العتلُّ الزنيمُ"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ، قال: العتلُّ الصحيحُ الشديدُ.

حدَّثنى جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ، قال: ثنا أبو زكريا، وهو يحيى بنُ مصعبٍ، عن عمرَ بنِ نافعٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . فقال: ذلك الكافرُ اللئيمُ.

حدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ الأزْدىُّ، قال: ثنا يحيى -يعني ابنَ يمانٍ- عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ فى قولِه:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال: الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، قال: العتلُّ الزنيمُ الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عُتُلٍّ} . قال: شديدِ الأَشَرِ

(2)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 219 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 308 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 252 إلى ابن المنذر.

(2)

الأشر: المرح والبطر، اللسان (أ ش ر). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 163

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ: {عُتُلٍّ} . قال: العتلُّ الشديدُ.

{بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . ومعنى {بَعْدَ} في هذا الموضعِ معنى "مع"، وتأويلُ الكلامِ {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}. أى: مع العَتْلِ زنيمٌ.

وقولُه: {زَنِيمٍ} . والزنيمُ فى كلامِ العربِ الملصَقُ بالقومِ وليس منهم. ومنه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ

(1)

:

وأنت زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ

كما نِيطَ خلفَ الراكبِ القَدَحُ الفَرْدُ

وقال آخرُ

(2)

:

زَنيمٌ ليس يُعْرَفُ مَن أبوه

بَغِيُّ الأُمِّ ذو حَسَبٍ لَئِيمُ

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{زَنِيمٍ} . قال: والزنيمُ: الدَّعِىُّ. ويقالُ: الزنيمُ رجلٌ كانت به زَنَمةٌ

(3)

يُعْرَفُ بها. ويقالُ: هو الأخنسُ بنُ شَرِيقٍ الثقفىُّ حليفُ بنى زُهرةَ. وزعَم أُناسٌ مِن بنى زُهْرةَ أن الزنيمَ هو الأسودُ بنُ عبدِ يَغوثَ الزهرىُّ، وليس به

(4)

.

(1)

ديوانه ص 118.

(2)

البيت في تفسير القرطبى 18/ 234، وتفسير ابن كثير 8/ 220، وفتح البارى 8/ 663.

(3)

الزنمة: شيء يقطع من أذن البعير فيترك معلقًا. ينظر اللسان (ز ن م).

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 220 عن العوفى عن ابن عباس، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.

ص: 164

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: أخبَرنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن عكرمةَ، قال: هو الدَّعِيُّ.

حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى سليمانُ بنُ بلالٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْملةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنه سمِعه يقولُ في هذه الآيةِ:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال سعيدٌ: هو المُلْصَقُ بالقومِ ليس منهم

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ كما تُعْرَفُ الشاةُ بزَنَمتِها، المُلْصَقُ

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، [قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه زعَم أن الزنيمَ الملحقُ النَّسَبِ]

(3)

.

وقال آخرون: هو الذى له زَنَمةٌ كزَنَمةِ الشاةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى الزَّنيمِ، قال: نُعِت فلم يُعْرَفْ حتى قيل: {زَنِيمٍ} . قال:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 8/ 220 - عن يونس به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 252 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 220 عن الثورى به.

(3)

سقط من: م.

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 220 عن ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 251 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وفى 6/ 253 إلى المصنف.

ص: 165

وكانت له زَنَمةٌ فى عنقِه يُعْرَفُ بها

(1)

.

وقال آخرون: كان دَعِيًّا.

حدَّثنى الحسينُ بنُ علىٍّ الصُّدَائىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ عاصمٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال: نزَل على النبىِّ صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} . قال: فلم نَعْرِفْه حتى نزَل على النبىِّ صلى الله عليه وسلم: {بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال: فعرَفْناه؛ له زَنَمةٌ كزنمةِ الشاةِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أصحابِ التفسيرِ، قالوا: هو الذى يكونُ له زَنَمةٌ كزنمةِ الشاةِ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: الزنيمُ. يقولُ: كانت له زَنمةٌ في أصلِ أذنِه. يقالُ: هو اللئيمُ المُلْصَقُ فى النَّسبِ

(3)

.

وقال آخرون: هو المُرِيبُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا تَميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال: الزنيمُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 220 عن داود بن أبى هند به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 220 عن المصنف وفيه: ابن إدريس، عن أبيه.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 221.

ص: 166

المريبُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ

(2)

.

وقال آخرون: هو الظَّلومُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{زَنِيمٍ} . قال: ظلومٍ

(3)

.

وقال آخرون: هو الذى يُعْرَفُ بأُبْنةٍ

(4)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في الزنيمِ: الذي يُعْرَفُ بأُبْنةٍ. قال أبو إسحاقَ: وسمِعتُ الناسَ فى إمرةِ زيادٍ يقولون: العُتُلُّ الدَّعِيُّ.

وقال آخرون: هو الجِلْفُ الجافى.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال:

(1)

تفسير مجاهد ص 669، وأخرجه الحاكم 2/ 499 من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 253 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

تقدم تخريجه في ص 165.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان 2/ 48 - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف.

(4)

الأُبنة: العيب. الوسيط (أ ب ن).

ص: 167

سمِعْتُ شهرَ بنَ حَوْشَبٍ يقولُ: هو الجِلْفُ الجافى، الأَكولُ الشَّروبُ مِن الحرامِ

(1)

.

وقال آخرون: هو علامةُ الكفرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ، قال: الزنيمُ علامةُ الكفرِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ، قال: الزنيمُ علامةُ الكافرِ.

حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الزنيمُ يُعْرَفُ بهذا الوصفِ كما تُعْرَفُ الشاةُ

(3)

.

وقال آخرون: هو الذى يُعْرَفُ باللُّؤْمِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن حُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ باللُّؤْمِ، كما تُعْرَفُ الشاةُ بزَنَمَتِها

(4)

.

وقال آخرون: هو الفاجرُ.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 252 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 221.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 221، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 252 إلى عبد بن حميد.

(4)

ذكره القرطبى في تفسيره 18/ 234، وابن كثير في تفسيره 8/ 221.

ص: 168

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ فى قولِه:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} . قال: الزنيمُ الفاجرُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)} .

اخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {أَنْ كَانَ} . فقرَأ ذلك أبو جعفرٍ المَدَنىُّ وحمزةُ: (أ أن كان ذا مالٍ) بالاستفهامِ بهمزتين

(1)

، وتَتَوَجَّهُ قراءةُ مَن قرَأ ذلك كذلك إلى وجهين؛ أحدُهما: أن يكونَ مُرادًا به تَقْريعُ هذا الحلَّافِ المَهِينِ، فقيل: ألأن كان هذا الحَلَّافُ المهينُ ذا مالٍ وبنينَ {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ؟ وهذا أظهرُ وجهيه. والآخرُ: أن يكونَ مُرادًا به: ألأن كان ذا مالٍ وبنينَ تُطِيعُه؟ على وجهِ التوبيخِ لمن أطاعه. وقرَأ ذلك بعدُ سائرُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ} على وجهِ الخبرِ بغيرِ استفهامٍ بهمزةٍ واحدةٍ

(2)

، ومعناه إذا قُرِئ كذلك: ولا تُطِعْ كلَّ حلافٍ مهينٍ، أن كان ذا مالٍ وبنينَ. كأنه نهاه أن يُطِيعَه مِن أجلِ أنه ذو مالٍ وبنينَ.

وقولُه: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} . يقولُ: إِذا تُقْرَأُ عليه آياتُ كتابِنا قال: هذا مما كتَبه الأوَّلون. استهزاءً به، وإنكارًا منه أن يكونَ ذلك من عندِ اللهِ.

وقولُه: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال

(1)

وهى قراءة ابن عامر وأبى بكر ويعقوب كذلك. ينظر الإتحاف ص 260.

(2)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وحفص والكسائى وخلف. المصدر السابق.

ص: 169

بعضُهم: معناه: سنَخْطِمُه بالسيفِ، فَنَجْعَلُ ذلك علامةً باقيةً وسمةً ثابتةً فيه ما عاش.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} : فقاتَل يومَ بدرٍ، فخُطِم بالسيفِ فى القتالِ

(1)

وقال آخرون: بل معنى ذلك: سنَشِينُه شَينًا باقيًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} : شَيْنٌ لا يُفارِقُه آخرَ ما عليه

(2)

.

وقال آخرون: سِيما على أنفِه.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} . قال: سَنَسِمُ على أنفِه

(3)

.

وأولى القولين بالصوابِ في تأويلِ ذلك عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: سنُبَيِّنُ أمرَه بيانًا واضحًا حتى يَعْرِفوه، فلا يَخْفَى عليهم، كما لا تَخْفَى السِّمةُ على

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 221 عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 221، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 309 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253 إلى عبد بن حميد.

ص: 170

الخرطومِ. وقال: [معنى قولِ قتادةَ]

(1)

: شَيْنٌ لا يُفارِقُه آخرَ ما عليه. وقد يَحْتَمِلُ أيضًا أن يكونَ خُطِم بالسيفِ، فجُمِع له مع بيانِ عيوبِه للناسِ الخَطْمُ بالسيفِ.

ويعنى بقولِه: {سَنَسِمُهُ} : سنَكْوِيه.

وقال بعضُهم

(2)

: معنى ذلك: سَنَسِمُه سِمةَ أهلِ النارِ. أى: سنُسَوِّدُ وجهَه. وقال: إن الخرطومَ وإن كان خُصَّ بالسِّمةِ، فإنه فى مذهبِ الوجهِ؛ لأن بعضَ الوجهِ يُؤَدِّى عن بعضٍ، والعربُ تقولُ: واللهِ لأَسِمَنَّكَ وَسْمًا لا يُفارِقُك. يُرِيدون الأنفَ. قال: وأنشَدني بعضُهم

(3)

لأعْلُطَنَّه وَسْمًا لا يُفارِقُه

كما يُحَزُّ بحُمَّى المِيسَمِ البحِرُ

(4)

والبَحَرُ

(4)

داءٌ يَأْخُذُ الإِبلَ فتُكْوَى على أنفِها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)} .

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} . أى: بلَوْنا مُشركِي قريشٍ. يقولُ: امتحَنَّاهم فاختبَرناهم، {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}. يقولُ: كما امتحَنَّا أصحابَ البستانِ، {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}. يقولُ: إِذ حلَفوا ليَصْرِمُنَّ ثمرَها إذا أصبَحوا.

{وَلَا يَسْتَثْنُونَ} : ولا يَقولون: إن شاء اللهُ.

وبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في م: "قتادة معني ذلك".

(2)

هو الفراء في معانى القرآن 3/ 174.

(3)

البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 174، وتهذيب اللغة 5/ 42، واللسان (ب ح ر).

(4)

فى م: "النجر"، والمثبت موافق لما في معانى القرآن. قال الأزهرى تعقيبا على كلام الفراء بعد أن ساقه: قلت: الداء الذي يصيب البعير فلا يَرْوَى من الماء هو النجر بالنون والجيم، والبجر بالباء والجيم، وكذلك البقْر، وأما البَحَر فهو داء يورث السل.

ص: 171

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا هنادُ بنُ السرىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} [القلم: 24]. قال: هم ناسٌ من الحبشةِ كانت لأبيهم جنةٌ، كان يُطْعِمُ المساكينَ منها، فلما مات أبوهم، قال بنوه: واللهِ إن كان أبونا لأحمقَ حينَ يُطْعِمُ المساكينَ. فأقسَموا ليَصْرِمُنَّها مُصبِحين، ولا يَسْتَثنْون، ولا يُطْعِمون مسكينًا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} . قال: كانت الجنةُ لشيخٍ، وكان يَتَصَدَّقُ، فكان بنوه يَنْهَونه عن الصدقةِ، وكان يُمْسِكُ قوتَ سنتهِ، ويُنْفِقُ ويَتَصَدَّقُ بالفضلِ، فلما مات أبوهم غدَوا عليها فقالوا:{لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ}

(2)

.

وذُكِر أن أصحابَ الجنةِ كانوا أهلَ كتابٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا} الآية. قال: كانوا مِن أهلِ الكتابِ

(3)

.

والصَّرْمُ القطعُ.

وإنما عنَى بقولِه: {لَيَصْرِمُنَّهَا} : لَيَجُدُّنَّ

(4)

ثمرتَها. ومنه قولُ امرِئِ القيسِ

(5)

(1)

أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح -كما في الفتح 8/ 661 - عن عكرمة.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 309 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253 إلى عبد بن حميد.

(3)

عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 253 إلى ابن أبي حاتم.

(4)

جَدَّ الثمر يَجُدُّه جَدادًا وجِدادًا: قَطَعه. اللسان (ج د د).

(5)

ديوانه ص 230.

ص: 172

صَرَمَتْك بعدَ تواصُلٍ دَعْدُ

(1)

وبدَا لِدَعْدٍ بعضُ ما يَبْدُو

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فطرَق جنَّةَ هؤلاء القومِ ليلًا طارقٌ من أمرِ اللهِ وهم نائمون. ولا يكونُ الطائفُ فى كلامِ العربِ إلا ليلًا، ولا يكونُ نهارًا، وقد يقولون: أَطَفْتُ به نهارًا.

وذكَر الفرَّاءُ

(2)

أن أبا الجرَّاحِ أنشَده:

أطَفتُ بها

(3)

نهارًا غيرَ ليلٍ

وأَلْهَى رَبَّها طلبُ الرِّخالِ

والرِّخالُ

(4)

هى أولادُ الضأنِ الإناثُ.

وبنحوِ الذي قلْنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ

(5)

، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الطوفانِ: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ} . قال: هو أمرٌ من اللهِ

(6)

.

(1)

دَعْدٌ: اسم امرأة، ويقال إنه لقب أم حُبَيْنٍ. التاج (د ع د).

(2)

في معاني القرآن 3/ 175.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أيضا و".

(5)

فى م، ت 1:"كريب".

(6)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253 إلى المصنف، وتقدم في 10/ 381.

ص: 173

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} . قال: طاف عليها أمرٌ من اللهِ وهم نائمون.

وقولُه: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عُنِى بالصريمِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الليلُ الأسودُ. وقال

(1)

: معنى ذلك: فأصبَحت جنتُهم محترقةً سوداءَ كسوادِ الليلِ المظلمِ البهيمِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بنِ عسكرٍ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا شيخٌ لنا، عن شيخٍ من كَلْبٍ يُقالُ له: سليمانُ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} . قال: الصَّريمُ الليلُ

(2)

. قال: وقال في ذلك أبو عمرِو ابنُ العلاءِ رحمه الله

(3)

:

ألَا بَكَرَتْ وعاذِلَتي تَلُومُ

تُهَجِّدُنى وما انكَشَفَ الصَّرِيمُ

وقال أيضًا

(4)

:

تطاوَلَ ليلُك الجَوْنُ البَهِيمُ

فما يَنْجَابُ عن صبحٍ صرِيمُ

إذا ما قُلْتَ أَقْشَعَ أَو تَنَاهَى

جَرَتْ من كلِّ ناحيةٍ غيومُ

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأصبَحت كأرضٍ تُدْعى الصريمَ، معروفةٍ

(1)

بعده فى م: "بعضهم".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253، 254 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ:"الليل المظلم"، وينظر المعجم الكبير 10/ 307 (10597).

(3)

التبيان 10/ 80، وفيه: تجهلنى. مكان: تهجدنى. وينظر الأضداد لابن الأنباري ص 84.

(4)

التبيان 10/ 80، والبيت الأول فى اللسان (ص ر م).

ص: 174

بهذا الاسِم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ: قال: أخبرني تميمُ

(1)

بنُ عبدِ الرحمنِ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: هى أرضٌ باليمنِ يقالُ لها: ضَرَوانُ

(2)

. من صنعاءَ على ستةِ أميالٍ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فتنادَى هؤلاء القومُ وهم أصحابُ الجنةِ. يقولُ: نادى بعضُهم بعضًا، {مُصْبِحِينَ}. يقولُ: بعد أن أصبَحوا.

{أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ} . وذلك الزرعُ، {إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ}. يقولُ: إن كنتم حاصِدي زرعِكم،

{فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} . يقولُ: فمضَوا إلى حرثِهم وهم يتسارُّون

(4)

بينهم، {أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ}. يقولُ: وهم يتسارُّون

(5)

يقولُ بعضُهم لبعضٍ:

لا يَدْخُلَنَّ جنتَكم اليومَ عليكم مسكينٌ.

(1)

في النسخ: "نعيم". والمثبت من تفسير عبد الرزاق. وينظر الجرح والتعديل 2/ 442.

(2)

ينظر معجم ما استعجم 3/ 859، ومعجم البلدان 3/ 470.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 309 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 253 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يتشاورون".

(5)

في ص، ت 2:"يتساورون"، وفى ت 3:"يتشاورون".

ص: 175

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} . يقولُ: يُسِرُّون ألا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عليكم مسكينٌ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لما مات أبوهم غدوا عليها، فقالوا: لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عليكم مِسْكِينٌ

(2)

.

واختلف أهلُ التأويلِ في معنى "الحردِ" في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: معناه: على قدرةٍ في أنفسهم وجدٍّ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: ذو قدرةٍ

(3)

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ:{عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: على جِدٍّ قادِرين في أنفسهم

(4)

.

قال: ثنا ابنُ علية، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: على جهدٍ. أو قال: على جِدٍّ

(5)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى عبد بن حميد.

(2)

تقدم في ص 172.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(5)

ذكره البغوى فى تفسيره 8/ 196 بنحوه.

ص: 176

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} : غدا القومُ وهم مُحرِدون إلى جنتهم، قادرون عليها في أنفسهم

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: على جِدٍّ من أمرِهم

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} : على جِدٍّ قادِرين في أنفسهم

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وغدَوا على أمرٍ

(4)

قد أجمعوا عليه بينَهم، وأسَّسوه

(5)

، وأسرُّوه في أنفسِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: كان حرثٌ لأبيهم، وكانوا إخوةً، فقالوا: لا نُطْعِمُ مسكينًا منه حتى نَعْلَمَ ما يَخْرُجُ منه، {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ}: على أمرٍ قد أسَّسوه بينَهم

(6)

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

أخرجه عبد بن حميد -كما في التغليق 4/ 346 - من طريق شيبان عن قتادة.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 309 عن معمر به، وهو في تفسير مجاهد ص 669 من طريق شيبان عن قتادة.

(3)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 81.

(4)

فى م: "أمرهم".

(5)

فى م: "واستسروه"، وفى ت 1:"واستسره"، وفى ت 2:"واستثنوه"، وفى ت 3:"واستسنوه".

(6)

ذكره البغوى فى تفسيره 8/ 196 مختصرًا.

ص: 177

في قولِه: {عَلَى حَرْدٍ} . قال: على أمرٍ مُجْمَعٍ.

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: على أمرٍ مُجْمَعٍ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وغدَوا على فاقةٍ وحاجةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: على فاقةٍ

(2)

.

وقال آخرون: بل معني ذلك: على حَنَقٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} . قال: على حَنَقٍ

(3)

.

وكأن سفيانَ ذهَب فى تأويلِه هذا إلى مثلِ قولِ الأشهبِ ابنِ رُميلةَ

(4)

:

أُسُودُ شرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ

تَسَاقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأَساوِدِ

يعني: على غَضَبٍ.

وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ

(5)

يتأوَّلُ ذلك: وغَدوا

(1)

عزاه الحافظ فى الفتح 8/ 661 إلى سعيد بن منصور، وصحح إسناده.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 309 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما في المخطوطة المحمودية ص 426 - إلى عبد بن حميد.

(3)

ذكره البغوى في تفسيره 8/ 196.

(4)

البيت فى مجاز القرآن 2/ 266، والكامل للمبرد 1/ 52، 3/ 17، والبيان والتبيين 4/ 55، والحيوان 4/ 245.

(5)

هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن 2/ 265.

ص: 178

على منعٍ. ويُوجِّهه إلى أنه من قولِهم: حاردَتِ السنةُ. إذا لم يَكُنْ فيها مطرٌ، و: حاردَت الناقةُ. إذا لم يَكُنْ لها لبنٌ، كما قال الشاعرُ

(1)

:

فإذا ما حارَدَتْ أو بَكَأَتْ

فُتَّ عن حاجِبِ أُخرَى طِينُها

وهذا قولٌ لا نَعْلَمُ له قائلًا من مُتَقَدِّمى العلمِ قاله وإن كان له وجهٌ، فإذا كان ذلك كذلك وكان غيرُ جائزٍ عندَنا أن يتعدَّى ما أجمَعت عليه الحجةُ، فما صحَّ من الأقوالِ فى ذلك إلا أحدُ الأقوالِ التي ذكَرناها عن أهلِ العلمِ. وإذا كان ذلك كذلك وكان المعروفُ من معنى "الحرْدِ" في كلامِ العربِ القصدُ، من قولِهم: قد حرَد فلانٌ حرْدَ فلانٍ، إذا قصَد قصْدَه. ومنه قولُ الراجزِ

(2)

:

وجاء سَيْلٌ كان من أمرِ اللهْ

يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ

يَعنى: يَقْصِدُ قصْدَها - صحَّ أن الذى هو أولى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى قولِه: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} : وغدَوا على أمرٍ قد قصَدوه واعتمَدوه، واستسرُّوه بينَهم، قادِرين عليه في أنفسهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما صار هؤلاء القومُ إلى جنتِهم، ورأَوها محترقًا حرثُها، أنكَروها وشكُّوا فيها، هل هى جنتُهم أم لا، فقال بعضُهم لأصحابِه ظنًّا منه أنهم قد

(1)

البيت لعدى بن زيد، وهو في اللسان (ح ر د).

(2)

الرجز بدون عزو فى مجاز القرآن 2/ 266، والكامل 1/ 53، 2/ 86، وإصلاح المنطق 47، 266، واللسان (ح ر د)، والخزانة 10/ 356.

ص: 179

أغفَلوا طريقَ جنتِهم، وأن التى رأَوا غيرَها: إنا أيُّها القومُ لضالون طريقَ جنتِنا. فقال مَن علِم أنها جنتُهم، وأنهم لم

(1)

يُخطئوا الطريقَ: بل نحن أيُّها القومُ مَحْرُمون، حُرِمنا منفعةَ جنتِنا، بذهابِ حرثِها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} : أي: أضلَلْنا الطريقَ، {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}: بل حُورِفنا

(2)

فحُرِمْنا.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} . يقولُ قتادةُ: يقولون: أخطأنا الطريقَ، ما هذه بجنتِنا. فقال بعضُهم:{بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} : حُرِمنا جنتَنا

(3)

.

وقولُه: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . يعنى: أَعدَلُهم.

وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . قال: أعدلُهم. ويُقالُ: قال خيرُهم.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لن".

(2)

فى م: "جوزينا". وهما بمعنى. وينظر النهاية 1/ 370.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 309 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 180

وقال في "البقرة": {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]. قال: الوسَطُ العدلُ

(1)

.

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . يقولُ: أعدلُهم

(2)

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الفراتُ بنُ خلّادٍ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجرٍ، عن مجاهدٍ:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} : أَعدَلُهم.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . قال: أَعدَلُهم

(3)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . قال: أَعدَلُهم

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . أى: أعدَلُهم قولًا، وكان أسرَعَ القومِ فزعًا، وأحسنَهم رَجْعَةً:{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} .

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . قال: أَعدَلُهم

(5)

.

(1)

تقدم في 2/ 629 بنحوه.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان 2/ 48 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 254 إلى ابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى عبد بن حميد، وينظر ما تقدم في 2/ 628.

(4)

تقدم في 2/ 628.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 310 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى عبد=

ص: 181

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} . يقولُ: أَعدَلُهم

(1)

.

وقولُه: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} . يقولُ: هلَّا تَسْتَثْنون إذ قُلتم: لنَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. فتقولوا: إن شاءَ اللهُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ:{لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} . قال: بلغنى أنه الاستثناءُ

(1)

.

قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ:{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} . قال: يقولُ: تَسْتَثنون، فكان التسبيحُ فيهم الاستثناءَ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قال أصحابُ الجنةِ: سبحانَ ربِّنا إنّا كنّا ظالمين في ترْكِنا الاستثناءَ في قسَمِنا، وعزمِنا على تركِ إطعامِ المساكينِ من ثمرِ جنتِنا.

وقولُه: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ} . يقولُ جل ثناؤُه: فأقبَل بعضُهم على بعضٍ، يلومُ بعضُهم بعضًا على تفريطِهم فيما فرَّطوا فيه من الاستثناءِ، وعَزْمِهم على ما كانوا عليه من تركِ إطعامِ المساكينِ من جنتِهم.

= ابنُ حُميدٍ وابن المنذر، وينظر ما تقدم في 2/ 628.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 223.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 244.

ص: 182

وقولُه: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} . يقولُ: قال أصحابُ الجنةِ: يا ويلَنا إنا كنَّا مُبْعَدِين، مُخالِفين أمرَ اللهِ فى تركِنا الاستثناءَ والتسبيحَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيل أصحاب الجنة: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا} بتوبتِنا من خطأِ فعلنا الذى سبق منا - خيرًا من جنتِنا، {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ}. يقولُ: إنا إلى ربِّنا راغِبون فى أن يُبْدِلَنا من جنتِنا، إذ هلكت، خيرًا منها.

قولُه تعالى ذكرُه: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} . يقولُ جل ثناؤُه: كفعلِنا بجنةِ أصحابِ الجنةِ، إذ أصبَحت كالصريمِ بالذى أرسَلْنا عليها من البلاءِ والآفةِ المفسدةِ - فعَلنا بمن خالَف أمرَنا، وكفَر برسلِنا في عاجلِ الدنيا. {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ}. يعنى: عقوبةُ الآخرةِ بمن عصَى ربَّه وكفَر به، أكبرُ يومَ القيامةِ من عقوبةِ الدنيا وعذابِها.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} : يعنى بذلك عذابَ الدنيا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} . أى: عقوبةُ الدنيا، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ}. [أى: عقوبةُ الآخرةِ]

(1)

(1)

سقط من: م.

ص: 183

{أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}

(1)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} . قال: عذابُ الدنيا هلاكُ أموالِهم. أى: عقوبةُ الدنيا

(2)

.

وقولُه: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . يقولُ: لو كان هؤلاء المشرِكون يَعْلَمون أن عقوبةَ اللهِ لأهلِ الشركِ به أكبرُ من عقوبتهِ لهم في الدنيا، لارتَدَعوا وتابوا وأنابوا، ولكنهم بذلك جهالٌ لا يَعْلَمون.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)}

يقولُ تعالى ذكرُه: إن للمتَّقين الذين اتَّقَوا عقوبةَ اللهِ، بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيه، {عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}. يعنى: بساتينَ النعيمِ الدائمِ:

وقولُه: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أفنَجْعَلُ أَيُّها الناسُ فى كرامَتي ونعمتى فى الآخرة، الذين خضَعوا لي بالطاعةِ، وذلُّوا لى بالعبوديةِ، وخشَعوا لأمرِى ونهيى، كالمجرمين الذين اكتَسَبوا المآثمَ، وركِبوا المعاصِيَ، وخالَفوا أمرِى ونهيى؟ كلَّا، ما اللهُ بفاعلٍ ذلك.

وقولُه: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} : أَتَجعلون المطيعَ للهِ من عبيدِه، والعاصيَ له منهم، في كرامتِه سواءً؟ يقولُ جل ثناؤُه: لا تُسَوُّوا بينهما؛ فإنهما لا يَسْتَوِيان عندَ اللهِ، بل المطيعُ له الكرامةُ الدائمةُ، والعاصى له الهوانُ الباقي.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 245.

ص: 184

تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39)}.

يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به من قريشٍ: ألكم أيُّها القومُ بتسويتِكم بينَ المسلمين والمجرِمين في كرامةِ اللهِ - كتابٌ نزل من عندِ اللهِ أتاكم به رسولٌ من رسلِه، بأن لكم ما تَخَيَّرون، فأنتم تَدْرُسون فيه ما تقولون؟

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} . قال: فيه الذى تقولون، تَقْرَءُونه، تَدْرُسونه. وقرَأ:{أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ} [فاطر: 40] إلى آخرِ الآيةِ.

وقولُه: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن لكم في ذلك الذى تَخَيَّرون من الأمورِ لأنفسكم. وهذا أمرٌ من اللهِ توبيخٌ لهؤلاءِ القومِ، وتقريعٌ لهم فيما كانوا يقولون من الباطلِ، ويَتَمَنَّون من الأمانىِّ الكاذبة.

وقولُه: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . يقولُ: هل لكم أيمانٌ علينا تَنْتَهى بكم إلى يومِ القيامةِ، بأن لكم ما تَحْكُمون؟ أي: بأن لكم حكمَكم. ولكن الألفَ كُسِرت من {إِنَّ} لما دخَل في الخبرِ اللامُ، أي: هل لكم أيمانٌ علينا بأن لكم حُكْمَكم؟!

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: سلْ يا محمدُ هؤلاء المشرِكين: أيُّهم -

ص: 185

بأن لهم علينا أيمانًا بالغةً بحكمِهم إلى يومِ القيامة- {زَعِيمٌ} . يعني: كَفيلٌ به. والزعيمُ عندَ العربِ الضامنُ والمتكلمُ عن القومِ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} . يقولُ: أَيُّهم بذلك كَفِيلٌ

(1)

؟

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} . يقولُ: أيُّهم بذلك كَفيلٌ

(2)

؟

وقولُه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ألهؤلاء القومِ شركاءُ فيما يقولون ويَصِفون من الأمورِ التي يَزْعُمون أنها لهم؟ فليأتوا بشركائِهم في ذلك، إن كانوا -فيما يَدَّعون من الشركاءِ- صادِقين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال جماعةٌ من الصحابةِ والتابعين من أهلِ التأويلِ: يَبْدو عن أمرٍ شديدٍ

(3)

.

(1)

تقدم تخريجه في 13/ 253.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

هذه المسألة اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قائلًا: إني لم أجدهم -أى الصحابة- تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} فروى عن ابنِ عباس وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة فى الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدُّوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإنه قال:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} نكرة فى الإثبات، لم يضفها إلى الله تعالى، ولم يقل: عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل. . . مجموع الفتاوى 6/ 394، 395.

ص: 186

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن المباركِ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال: هو يومُ حربٍ وشدَّةٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ عباسٍ:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال: عن أمرٍ عظيمٍ، كقولِ الشاعرِ:

وقامتِ

(2)

الحربُ بنا على ساقٍ

(3)

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} : ولا يَبْقى مؤمنٌ إلا سجَد، ويَقْسُو ظهرُ الكافرِ فيكون عظمًا واحدًا. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: يُكْشَفُ عن أمرٍ عظيمٍ، ألا تَسْمَعُ قولُ العربِ:

وقامتِ (2) الحرب بنا على ساقٍ

(4)

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن

(1)

أخرجه ابن المبارك فى الزهد (361 - زوائد نعيم)، ومن طريقه الحاكم 2/ 499، 500، والبيهقى فى الأسماء والصفات (746)، وأخرجه ابن أبي الدنيا فى الأهوال (161) من طريق أسامة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، كلهم بلفظ: كرب. بدلا من: حرب.

(2)

فى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"شالت". وينظر العقد الفريد 4/ 418.

(3)

أخرجه البيهقى (750)، وابن منده في الرد على الجهمية (4) من طريق المغيرة به، وعندهما الشطر الأول يرويه إبراهيم عن ابن مسعود، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى الفريابي وسعيد بن منصور.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 225 عن المصنف، وقال فى آخر السند: عن ابن مسعود أو ابن عباس، الشك من ابن جرير، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 310 عن مغيرة به بنحوه، وفيه قول لابن مسعود.

ص: 187

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} يقولُ: حِينَ يُكْشَفُ الأمرُ، وتبدو الأعمالُ، وكشفُه دخولُ الآخرة، وكشفُ الأمرِ عنه

(1)

.

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} : هو الأمرُ الشديدُ المُفظِعُ من الهولِ يومَ القيامةِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا ابن المبارك، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال: شدةُ الأمرِ وجدُّه. قال ابنُ عباسٍ: هي أشدُّ ساعةٍ فى يوم القيامةِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال: شدةُ الأمرِ. قال ابنُ عباسٍ: هي أولُ ساعةٍ تكونُ في يومِ القيامةِ. غيرَ أن في حديثِ الحارثِ قال: وقال ابنُ عباسٍ: هي أشدُّ ساعةٍ تكونُ في يومِ القيامةِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمِ بنِ كليبٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: عن شدةِ الأمرِ

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: {يَوْمَ يُكْشَفُ

(1)

أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (749) من طريق محمد بن سعد به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان 2/ 49 - والبيهقي في الأسماء والصفات (747) من طريق أبي صالح به.

(3)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (362 - زوائد نعيم).

(4)

أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (6) من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 255 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 255 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 188

عَنْ سَاقٍ}. قال: عن أمرٍ فظيعٍ جليلٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال: يومَ يُكْشَفُ عن شدةِ الأمرِ

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . كان ابنُ عباسٍ يقولُ: كان أهلُ الجاهليةِ يقولون: شمَّرت الحربُ عن ساقٍ. يعنى [اللهُ تعالى]

(3)

: إقبالَ الآخرةِ، وذَهابَ الدنيا

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزعراءِ

(5)

، عن عبدِ اللهِ، قال: يَتَمَثَّلُ اللهُ للخَلقِ يومَ القيامةِ حتى يمُرَّ المسلمون، قال: فيقولُ: مَن تَعْبُدُون؟ فيقولون: نعبُدُ اللهَ لا نُشْرِكُ به شيئًا. فيَنْتَهِرُهم مرَّتين أو ثلاثًا، فيقولُ: هل تَعْرِفون ربَّكم؟ فيقولون: سُبحانه، إذا اعترَف إلينا عرَفناه

(6)

. قال: فعند ذلك يُكْشَفُ عن ساقٍ، فلا يَبْقَى مُؤمِنٌ إِلا خَرَّ للهِ ساجدًا، ويَبْقى المنافقون ظهورُهم طبَقٌ واحدٌ، كأنما فيها السفافيدُ

(7)

، فيقولون: ربَّنا. فيقولُ: قد كنتُم تُدْعَون إلى السجودِ وأنتم سالمون

(8)

.

(1)

عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 255 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 310، ومن طريقه ابن منده في الرد على الجهمية (7) عن معمر به.

(3)

سقط من: م.

(4)

أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (5) من طريق الضحاك به، بلفظ:"شدة الآخرة".

(5)

فى م: "الزهراء".

(6)

أي: إذا وصف نفسه بصفة نُحقِّقُه بها عرفناه. النهاية 3/ 217.

(7)

السفافيد: جمع سَفُّود، وهو حديدة ذات شعب مُعَقَّفة يُشوى بها. التاج (س ف د).

(8)

أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (282) عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 310 عن الثوري، عن سلمة، عن أبي صادق، عن عبد الله مختصرا، وتقدم مطولا في 3/ 34.

ص: 189

حدَّثنى يَحْيَى بنُ طلحةَ اليربوعىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن المِنهالِ ابنِ عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: يُنادِى منادٍ يومَ القيامةِ: أليس عدلًا من ربِّكم أنْ

(1)

خلقَكم، ثم صوَّركم، ثم رزَقكم، ثم تولَّيتُم غيرَه - [أن يولِّىَ كلَّ]

(2)

عبدٍ منكم ما تولَّى؟ فيقولون: بلى. قال: فيُمَثَّلُ لكلِّ قومٍ آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدُونها، فيَتْبَعُونها حتى تُورِدَهم النارَ، ويَبْقَى أهلُ الدعوةِ، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ماذا تَنْتَظِرون، ذهَب الناسُ

(3)

؟ فيقولون: نَنْتَظِرُ أن يُنادَى بنا. فيَجِيءُ إليهم في صورةٍ. قال: فذكَر منها ما شاء اللهُ، فيَكْشِفُ عما شاء اللهُ أن يَكْشِفَ. قال: فيَخِرُّون سُجدًا إلا المنافِقين، فإنه يَصِيرُ فِقارُ أصلابِهم عظمًا واحدًا، مثل صياصِي

(4)

البقرِ، فيُقالُ لهم: ارفَعوا رءوسَكم إلى نورِكم. ثم ذكَر قصةً فيها طولٌ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن المنهالِ، عن

(5)

قيسِ بنِ سكنٍ، قال: حدَّث عبدُ اللهِ وهو عندَ عمرَ: [{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]. قال: إذا كان يومُ القيامةِ. قال]

(6)

: يقومُ الناسُ بين يدى ربِّ العالمين أربعين عامًا، شاخصةً أبصارُهم إلى السماء، حُفاةً عُراةً، يُلْجِمُهم العرقُ، ولا يُكَلِّمُهم بشرٌ أربعين عامًا، ثم يُنادى منادٍ: يأيُّها الناسُ، أليس عدلًا من ربِّكم الذى خلَقكم وصوَّرَكم ورزَقكم، ثم عبَدتُم غيره، أن يُوَلِّيَ كُلَّ قومٍ ما تَوَلَّوا؟ قالوا: نعَمْ. قال: فيُرْفَعُ لكلِّ قومٍ ما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ. قال: ويُمَثَّلُ لكلِّ قومٍ، يعني: آلهتُهم، فيَتْبَعونها حتى تَقْذِفَهم فى النارِ، فيَبْقَى المسلمون والمنافِقون، فيُقالُ:

(1)

فى م: "الذي".

(2)

في م: "كل أن يولى"

(3)

فى ص، ت 2:"النار"، وفى ت 3:"أهل النار".

(4)

الصياصي: جمع صِيصِية وهى القرن. النهاية 3/ 67.

(5)

في ت 1، ت 2، ت 3:"بن". وينظر تهذيب الكمال 28/ 568.

(6)

سقط من ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 190

ألا تَذْهَبون، فقد ذهَب الناسُ؟ فيقولون: حتى يَأْتِيَنا ربُّنا، قال: وتَعْرِفُونه؟ فقالوا: إن اعترَف لنا. قال: فيَتَجَلَّى، فيَخِرُّ مَن كان يعبُدُه ساجدًا. قال: ويَبْقى المنافقون لا يَسْتَطِيعون، كأن فى ظهورِهم السفافيدَ. قال: فيُذهَبُ بهم فيُساقون إلى النارِ، فيُقْذَفُ بهم. ويَدْخُلُ هؤلاء الجنةَ. قال: فيُسْتَقْبَلون في الجنةِ بما يُسْتَقْبَلون به من الثوابِ والأزواجِ والحورِ العينِ، لكلِّ رجلٍ منهم في الجنةِ كذا وكذا، بينَ كلِّ جنةٍ كذا، بينَ

(1)

أدناها وأقصاها [كذا ألفَ]

(2)

سنةٍ، هو يرى أقصاها كما يرى أدناها. قال: ويَسْتَقْبِلُه رجلٌ حسنُ الهيئةِ، إذا نظَر إليه مُقْبِلًا حسِب أنه ربُّه، [فيهُمُّ أن يسجُد له]

(3)

، فيقولُ له: لا تَفْعَلْ، إنما أنا عبدُك وقهرَمانُك على ألفِ قريةٍ. قال: يقولُ عمرُ: يا كعبُ، ألا تَسْمَعُ مَا يُحَدِّثُ به عبدُ اللهِ؟

حدَّثنا ابنُ جَبَلةَ، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عوانةَ، قال: ثنا سليمانُ الأعمشُ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن أبي عبيدةَ وقيسِ بنِ سكنٍ، قالا: قال عبدُ اللهِ وهو يُحَدِّثُ عمرَ -قال: وجعَل عمرُ يقولُ: وَيْحَك يا كعبُ، ألا تَسْمَعُ ما يقولُ عبدُ اللهِ- إذا حُشِر الناسُ على أرجلِهم أربعين عامًا شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ، لا يُكَلِّمُهم بشرٌ، والشمسُ على رءوسِهم حتى يُلْجِمَهم العرقُ، كلَّ بَرٍّ منهم وفاجرٍ، ثم يُنادِى منادٍ من السماء: يأيُّها الناسُ، أليس عدلًا من ربِّكم الذى خلقَكم ورزَقكم وصوَّركم، ثم تولَّيتم غيرَه، أن يُوَلِّيَ كلَّ رجلٍ منكم ما تولَّى؟ فيقولون: بلى. ثم يُنادِى منادٍ من السماءِ: يأيُّها الناسُ، فلتَنْطَلِقْ كلُّ أمةٍ إلى ما كانت تَعْبُدُ. قال: ويُبْسَطُ لهم السرابُ. قال: فيُمَثَّلُ لهم ما كانوا يَعْبُدُون. قال: فيَنْطَلِقون حتى يَلِجُوا النار. فيُقالُ للمسلمين: ما يَحْبِسُكم؟ فيقولون: هذا مكانُنا

(1)

بعده في ت 1، ت 2، ت 3:"أيديهم".

(2)

في ت 1، ت 3:"ألف كذا".

(3)

سقط من: ص، م، ت 2.

ص: 191

حتى يَأْتِيَنا ربُّنا. فيُقالُ لهم: هل تَعْرِفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: إن اعترَف لنا عرَفناه

(1)

.

قال: وثنى أبو صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "حتى إن أحدَهم ليَلْتَفُّ

(2)

، فيُكشَفُ عن ساقٍ، فيَقَعون سجودًا، قال: وتُدْمَجُ أصلابُ المنافِقين حتى تكونَ عظمًا واحدًا، كأنها صياصي البقرِ. قال: فيُقالُ لهم: ارفَعوا رءوسَكم إلى نورِكم بقدرِ أعمالِكم. قال: فتَرْفَعُ طائفةٌ منهم رءوسَهم إلى مثلِ الجبالِ من النورِ، فيَمُرُّون على الصراطِ كطرفِ العين، ثم تَرْفَعُ أخرى رءوسَهم إلى أمثالِ القصورِ، فيَمُرُّون على الصراط كمرِّ الريحِ، ثم يَرْفَعُ آخرون بينَ أيديهم أمثالَ البيوتِ، فيَمُرُّون كحُضْرِ

(3)

الخيلِ، ثم يُرْفَعُ آخرون إلى نورٍ دون ذلك، فيَشِدُّون شدًّا

(4)

، وآخرون دونَ ذلك يَمْشُون مَشْيًا، حتى يَبْقَى آخر الناسِ رجلٌ على أنملةِ رجله مثلُ السراجِ، فيَخِرُّ مرةً، ويَسْتَقِيمُ أخرى، وتُصيبُه النارُ فتَشْعَثُ

(5)

منه، حتى يَخْرُجَ فيقولَ: ما أُعْطِيَ أَحدٌ ما أُعْطِيتُ -ولا يَدْرِى مما نجا- غيرَ أني وجَدتُ مسَّها، وإنى وَجَدْتُ حرَّها"

(6)

. وذَكَر حديثًا فيه طولٌ، اختصَرتُ هذا منه.

(1)

أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (279، 281) من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 155، والحاكم 2/ 376 من طريق المنهال عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود بنحوه.

(2)

في ت 1: "ليلفت"، وفى الإيمان لابن منده:"ينقلب"، ولعله الصواب؛ والمعنى: يكاد أحدهم ينصرف ويرجع عن الصواب للامتحان الشديد الذى جرى. والله أعلم. وينظر صحيح مسلم (183/ 302).

(3)

في م: "كمر"، وفي ت 2:"كجير"، وفى ت 3:"كجيد". والحضر: ارتفاع الفرس في عَدْوِه، وفرس مِحْضار: شديد العدو. التاج (ح ض ر).

(4)

الشد: العَدْو. اللسان (ش د د).

(5)

شَعِثْتُ من الطعام: أكلت قليلا. اللسان (ش ع ث).

(6)

أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (8) من طريق يحيى بن حماد به مختصرا، وفي الإيمان (811، 812) من طريق الأعمش به بنحوه.

ص: 192

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يومُ القيامةِ نادَى منادٍ: ألَا لتلحَقْ كلُّ أمةٍ بما كانت تَعْبُدُ. فلا يَبْقَى أحدٌ كان يَعْبُدُ صنمًا ولا وثنًا ولا صورةً إلا ذهَبوا حتى يَتَسَاقَطوا في النارِ، ويَبْقَى مَن كان يَعْبُدُ اللهَ وحدَه من برٍّ وفاجرٍ وغُبَّراتِ

(1)

أهلِ الكتابِ، ثم تُعْرَضُ جهنمُ كأنها سرابٌ يَحْطِمُ بعضُها بعضًا، ثم تُدْعَى اليهودُ، فيُقالُ لهم: ما كُنتم تَعْبُدُون؟ فيَقُولُون: عُزَيرًا ابنَ اللهِ. فيقولُ: كَذَبْتم، ما اتَخَذ اللهُ من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فماذا تُريدون؟ فيقولون: أى ربَّنا، ظمِئنا. فيقولُ: أفلا تِردون؟ فيَذْهَبون حتى يَتَساقطوا فى النارِ. ثم يُدْعَى النصارَى، فيقالُ: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيحَ ابنَ اللهِ. فيقولُ: كذَبتم، ما اتخذَ اللهُ من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فماذا تُرِيدون؟ فيقولون: أى ربَّنا، ظمِئنا اسقِنا. فيقولُ: أفلا تَرِدون؟ فيَذْهَبون فيَتَساقطون فى النارِ. فيَبْقَى مَن كان يَعْبُدُ اللهَ من برٍّ وفاجرٍ. قال: ثم يَتَبَدَّى اللهُ لنا فى صورةٍ غيرِ صورتِه التي رأَيْنَاه فيها أولَ مرةٍ، فيقولُ: أيُّها الناسُ، لحِقت كلُّ أمةٍ بما كانت تَعْبُدُ وبَقِيتم أنتم. فلا يُكَلِّمُه يومَئِذٍ إلا الأنبياءُ، فيقولون: فارَقْنا الناسَ في الدنيا، ونحن كنا إلى صحبتهم فيها أحوجَ، لحِقت كلُّ أمةٍ بما كانت تعبُدُ، ونحن نَنْتَظِرُ ربَّنا الذى كنا نَعْبُدُ. فيقولُ: أنا ربُّكم. فيقولون: نعوذُ باللهِ منك. فيقولُ: هل بينَكم وبينَ اللهِ آيةٌ تَعْرِفونها

(2)

؟ فَيَقُولون: نَعَمْ. فَيُكْشَفُ عن ساقٍ، فيَخِرُّون سُجَّدًا أجمعون، ولا يَبْقَى أحدٌ كان سجَد في الدنيا سُمْعةً ولا رياءً ولا نفاقًا، إلا صار ظهرُه طبقًا واحدًا، كلما أراد أن يَسْجُدَ خَرَّ على قفاه. قال:

(1)

غبرات: جمع غُبَّر، والغبر: جمع غابر، والغابر: الباقي. النهاية 3/ 338.

(2)

فى م: "تعرفونه بها"، وفى ت 3:"تعرفوها".

ص: 193

ثم يَرْجِعُ يَرْفَعُ برَّنا ومُسِيئَنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأَيناه فيها أوَّلَ مرةٍ، فيقولُ: أنا ربُّكم. فيقولون: نعَمْ أنت ربُّنا. ثلاثَ مرارٍ"

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبد الله بن عبدِ الحكمِ، قال: ثني أبي وشعيبُ

(2)

بنُ الليثِ، عن الليثِ، قال: ثنا خالدُ بن يزيدَ، عن ابنِ

(3)

أبي هلالٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ ابنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدرىِّ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"يُنادى مناديه فيقولُ: ليَلْحَقْ كلُّ قومٍ بما كانوا يَعْبُدون. فيَذْهَبُ أصحابُ الصليبِ مع صليبِهم، وأصحابُ الأوثانِ مع أوثانِهم، وأصحابُ كلِّ آلهةٍ معَ آلهتِهم، حتى يَبْقَى مَن كان يَعْبُدُ اللهَ من برٍّ وفاجرٍ وغُبَّراتِ أهلِ الكتابِ، ثم يُؤْتَى بجهنمَ تُعْرَضُ كأنها سرابٌ". ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال:"فإنا ننتظِرُ ربَّنا". فقال -إن كان قاله-: "فيأتيهم الجبارُ". ثم حدَّثنا الحديثَ نحوَ حديثِ المسروقيِّ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ المدنىِّ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"يَأْخُذُ اللهُ للمظلومِ من الظالمِ، حتى إذا لم يَبْقَ تَبِعةٌ لأحدٍ عندَ أحدٍ "جعَل اللهُ ملكًا من الملائكةِ على صورةِ عزيرٍ فتتبَعُه اليهودُ، وجعَل الله ملكًا من الملائكةِ على صورةِ عيسى فتَتْبَعُه النصارَى، ثم نادَى منادٍ أسمَع الخلائقَ كلَّهم، فقال: ألا ليَلْحَقْ كلُّ قومٍ بآلهتِهم وما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ. فَلَا يَبْقَى أَحدٌ

(1)

أخرجه مسلم (183/ 303)، وابن أبي عاصم في السنة (635) وعبد الله في السنة (429) مختصرا، وابن خزيمة في التوحيد ص 200، وأبو عوانة في مسنده 1/ 166 - 168، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (277)، وابن منده فى الإيمان (816)، وفي الرد على الجهمية (1)، والحاكم 4/ 582 - 584 من طريق جعفر بن عون به، وأخرجه أحمد 17/ 202 - 204 (11127)، والبخاري (4581)، ومسلم (183/ 302) من طريق زيد بن أسلم به.

(2)

في النسخ: "سعيد". والمثبت مما تقدم.

(3)

سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم

(4)

تقدم تخريجه في 15/ 603، 604.

ص: 194

كان يَعْبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا إلا مُثِّلَ له آلهتُه بينَ يَدَيه، ثم قادتْهم إلى النارِ، حتى إذا لم يَبْقَ إلا المؤمِنون فيهم المنافِقون، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: أيُّها الناسُ، ذهَب الناسُ، الحَقوا بآلهتِكم وما كنتم تعبُدُون. فيقولون: واللهِ ما لنا إلهٌ إلا اللهُ، وما كنا نعبُدُ إلهًا غيرَه. وهو اللهُ ثبَّتهم، ثم يقولُ لهم الثانيةَ مثل ذلك: الحَقوا بآلهتِكم وما كنتم تَعْبُدُون. فيَقُولون مثلَ ذلك، فيُقالُ: هل بينَكم وبينَ ربِّكم من آيةٍ تَعرِفُونها؟ فيَقُولون: نعم. فيتجلَّى لهم من عظمتِه ما يَعْرِفونه أنه ربُّهم، فيَخِرُّون له سُجَّدًا على وجوهِهم، ويَقَعُ كلُّ منافقٍ على قفاه، ويَجْعَلُ اللهُ أصلابَهم كصياصيِّ البقرِ"

(1)

.

وحدَّثني أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو سعدٍ

(2)

روحُ بنُ جَناحٍ، عن مولًى لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن أبي بُرْدةَ بنِ أبي موسى، عن أبيه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:" {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} ". قال: "عن نورٍ عظيمٍ، يَخِرُّون له سجَّدًا"

(3)

.

حدَّثنى جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِ اللهِ:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال: يُكْشَفُ عن الغطاءِ. قال: ويُدْعَون إلى السجودِ وهم سالمون

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} . قال: هو يومُ كربٍ وشدةٍ

(5)

(1)

تقدم تخريجه في 3/ 611.

(2)

فى م، ت 1، ت 2، ت 3:"سعيد". وهما قولان في كنيته. وينظر تهذيب الكمال 9/ 233.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 225 عن المصنف بزيادة "هارون بن عمر المخزومي" بين عمر بن شبة والوليد بن مسلم. وينظر الجرح والتعديل 6/ 116، 9/ 93، وأخرجه أبو يعلى (7283)، والبيهقي في الأسماء والصفات (752) وابن عساكر 52/ 333 من طريق الوليد بن مسلم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 254 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 255 إلى عبد بن حميد.

(5)

أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (751) من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عكرمة بنحوه، وعزاه =

ص: 195

وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (يَوْمَ تَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ)

(1)

بمعنى: يومَ تَكْشِفُ القيامةُ عن شدةٍ شديدةٍ. والعربُ تقولُ: كَشَف هذا الأمرُ عن ساقٍ. إذا صار إلى شدةٍ، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

كشَفتْ لهم عن ساقِها

وبدَا من الشَّرِّ البَرَاحْ

(3)

وقولُه: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} . يقولُ: ويَدْعوهم الكشفُ عن الساقِ إلى السجودِ للهِ تعالى فلا يُطِيقون ذلك.

وقولُه: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} . يقولُ: تَغْشَاهم ذِلَّةٌ من عذابِ اللهِ، {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}. يقولُ: وقد كانوا في الدنيا يَدْعونهم إلى السجودِ له وهم سالمون، لا يَمْنَعُهم من ذلك مانعٌ، ولا يحولُ بينهم وبينَه حائلٌ.

وقد قيل: السجودُ فى هذا الموضعِ الصلاةُ المكتوبةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيمىِّ:{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} . قال: إلى الصلاةِ المكتوبةِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} . قال: يَسْمَعُ المنادِى إلى

= السيوطى فى الدر المنثور 6/ 255 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 177، والبيهقى فى الأسماء والصفات (748) من طريق عمرو بن دينار، عن ابنِ عباسٍ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 255 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منده، وينظر الرد على الجهمية لابن منده ص 39.

(2)

البيت في معاني القرآن 3/ 177، والحماسة لأبي تمام 1/ 266، والأشباه والنظائر للخالديين 1/ 155.

(3)

فى م: "الصراح".

(4)

أخرجه أحمد في العلل 2/ 91 (531 - رواية عبد الله) من طريق سفيان به.

ص: 196

الصلاةِ المكتوبةِ فلا يُجيبُه

(1)

.

قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ التيميِّ:{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} . قال: الصلاةِ المكتوبةِ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} الآية. قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} . قال: هم الكفارُ، كانوا يُدْعَون في الدنيا وهم آمِنون، فاليومَ يَدْعوهم وهم خائفون. ثم أخبر اللهُ سبحانه أنه حال بينَ أهلِ الشركِ وبينَ طاعتِه فى الدنيا والآخرةِ؛ فأمَّا في الدنيا فإنه قال:{مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود: 20]. وأمَّا في الآخرةِ فإنه قال: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ}

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} : ذلكم واللهِ يومَ القيامةِ. ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يومَ القيامةِ فى السجودِ، فيَسْجُدُ المؤمنون، وبينَ كلِّ مؤمِنَيْنِ منافقٌ، فيَقْسُو ظهرُ المنافقِ عن السجودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سجودَ المؤمنين عليهم توبيخًا وذلًّا وصَغارًا، وندامةً وحسرةً". وقولَه: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} .

(1)

أخرجه أحمد في العلل 2/ 91 (531 - رواية عبد الله) من طريق أبي سنان به.

(2)

أخرجه أحمد في العلل 2/ 91 (531 - رواية عبد الله) من طريق سفيان به

(3)

أخرجه اللالكائى فى اعتقاد أهل السنة (984) من طريق أبي صالح به.

ص: 197

أى: فى الدنيا، {وَهُمْ سَالِمُونَ}. أي: في الدنيا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغني أنه يُؤْذَنُ للمؤمنين يومَ القيامةِ فى السجودِ، بين كلِّ مؤمنَيْنِ منافقٌ، يَسْجُدُ المؤمنون، ولا يَسْتَطِيعُ المنافقُ أن يَسْجُدَ. وأحسَبُه قال: تَقْسُو ظهورهم، ويكونُ سجودُ المؤمنين توبيخًا عليهم، قال:{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: كِلْ يا محمدُ أمرَ هؤلاء المكذِّبين بالقرآنِ إلىَّ. وهذا كقولِ القائلِ لآخرَ غيرِه يتوعَّدُ رجلًا: دَعْنى وإياه. و: خَلِّني وإياه. بمعنى أنه من وراءِ مَسَاءتِه.

و"مَن" فى قولِه: {وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} في موضعِ نصبٍ؛ لأن معنى الكلامِ ما ذكَرتُ، وهو نظيرُ قولِهم: لو تُرِكْتَ ورَأْيَك ما أَفْلَحتَ. والعربُ تَنْصِبُ "ورأيَك"؛ لأن معنى الكلامِ: لو وَكَلْتُك إلى رأيِك لم تُفْلِحْ.

وقولُه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: سَنَكِيدُهم من حيثُ لا يعلمون، وذلك بأن يُمَتِّعَهم بمتاعِ الدنيا، حتى يَظُنُّوا أنهم مُتِّعوا به بخيرٍ لهم عندَ اللهِ، فيَتَمادَوا فى طغيانِهم، ثم يَأْخُذُهم بغتةً وهم لا يَشْعُرون.

وقولُه: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأُنسِئُ في آجالِهم مُلاوةً من الزمانِ. وذلك برهة من الدهرِ على كفرِهم وتمرُّدِهم على اللهِ، لتتكامَلَ حُجَجُ اللهِ عليهم، {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. يقولُ: إن كيدى بأهلِ الكفرِ قوىٌّ شديدٌ.

(1)

أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (283) من طريق سعيد، عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 255 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 310 عن معمر به.

ص: 198

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: أَتَسْأَلُ يا محمدُ هؤلاء المشركين باللهِ على ما أَتَيْتَهم به من النصيحةِ، ودعوتَهم إليه من الحقِّ -ثوابًا وجزاءً؟ {فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ}. يعنى: من عِزَّةِ

(1)

ذلك الأجرِ مُثْقَلون، قد أَثْقَلهم القيامُ بأدائِه، فتحامَوا

(2)

لذلك قبولَ نصيحتِك، وتجنَّبوا لعظمِ ما أصابهم من ثِقَلِ الغُرْمِ الذى سأَلتهم على ذلك- الدخولَ في الذي دعوتَهم إليه من الدينِ.

وقولُه: {أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} . يقولُ: أعندَهم اللوحُ المحفوظُ الذى فيه نبأُ ما هو كائنٌ، فهم يَكْتُبون منه ما فيه، ويُجادِلونك به، ويَزْعُمون أنهم على كفرِهم بربِّهم أفضلُ منزلةً عندَ اللهِ من أهلِ الإيمانِ به؟!

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فاصبِرْ يا محمدُ لقضاءِ ربِّك وحُكمِه فيك وفي هؤلاء المشرِكين، بما أتيتَهم به من هذا القرآنِ وهذا الدينِ، وامضِ لما أمَرك به ربُّك، ولا يُثْنِيَنَّكَ عن تبليغِ ما أُمرْتَ بتبليغِه تَكْذِيبُهم إياك وأذاهم لك.

وقولُه: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} الذى حبَسه

(3)

في بطنِه، وهو يونسُ بنُ مَتَّى صلى اللهُ عليه، فيُعاقبَك ربُّك على تركِك تبليغَ ذلك، كما عاقبَه فحبَسه في بطنِه، {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ}. يقولُ: إذ نادَى وهو مغمومٌ، قد أثقَله الغمُّ وكظَمه.

(1)

فى م: "غرم"، وفى ت 3:"غرة"، وعزَّ الشيء يَعِزُّ عزًّا وعزة: قل فلا يكاد يوجد. التاج (ع ز ز).

(2)

تحامَوا: تجنَّبوا. الوسيط (ح م و).

(3)

فى ص، ت 2، ت 3:"حبسته".

ص: 199

كما حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} . يقولُ: مغمومٌ

(1)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه:{مَكْظُومٌ} . قال: مغمومٌ

(2)

.

وكان قتادةُ يقولُ فى قولِه: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} : لا تَكُنْ مثلَه فى العَجَلةِ والغضبِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} . يقولُ: لا تَعْجَلْ كما عجِل، ولا تُغاضِبُ

(3)

كما غضِب.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(4)

. وقولُه: {لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: لولا أن تدَارَك صاحبَ الحوتِ نعمةٌ من ربِّه، فرحِمه بها، وتاب عليه من مغاضبتِه ربَّه، {لَنُبِذَ

(1)

أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان 2/ 49 - من طريق أبى صالح به، وأخرجه ابن المنذر -كما فى الفتح 8/ 662 - من طريق علىِّ بن أبى طلحة به.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى عبد بن حميد.

(3)

فى م: "تغضب".

(4)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 310، 311 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى أحمد فى الزهد وابن المنذر.

ص: 200

بِالْعَرَاءِ}. وهو الفضاءُ من الأرضِ. ومنه قولُ قيسِ بنِ جعدةَ:

(1)

:

ورفَعتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها

ونبَذتُ بالبلدِ العَراءِ ثِيابى

{وَهُوَ مَذْمُومٌ} . اختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: {وَهُوَ مَذْمُومٌ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: وهو مُلِيمٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنى أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:{وَهُوَ مَذْمُومٌ} . يقولُ: مُليمٌ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهو مُذْنِبٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن بكرٍ:{وَهُوَ مَذْمُومٌ} . قال: هو مُذْنِبٌ

(3)

.

‌القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فاجتبَى صاحبَ الحوتِ ربُّه. يَعْنى أنه اصطَفاه واختاره

(1)

مجاز القرآن 2/ 266.

(2)

أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان 2/ 49 - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى ابن المنذر.

(3)

ذكره القرطبى فى تفسيره 18/ 254.

ص: 201

لنبوَّتِه، {فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}. يعنى: من المرسَلِين العامِلين بما [أمَرهم به ربُّهم، المنتَهين عما نهاهم]

(1)

عنه.

وقولُه: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويكادُ الذين كفَروا يا محمدُ يَنْفُذونك بأبصارِهم؛ من شدةِ عداوتِهم لك، ويُزيلونَك، فيرمُوا بك عندَ نظرِهم إليك، غيظًا عليك.

وقد قيل: إنه عنَى بذلك: وإن يَكادُ الذين كفَروا مما عانُوك

(2)

بأبصارِهم، لَيَرْمُون بك يا محمدُ ويَصْرَعونك. كما تقولُ العربُ: كاد فلانٌ يَصْرَعُنى بشدةِ نظرِه إلىَّ. قالوا: وإنما كانت قريشٌ عانُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليُصِيبُوه بالعينِ، فنظَروا إليه ليَعِينوه. وقالوا: ما رأَينا [ولا]

(3)

مثلَه. أو: إنه لمجنونٌ. فقال اللهُ لنبيِّه عندَ ذلك: وإن يَكادُ الذين كفَروا ليَرْمُونك بأبصارِهم لما سمِعوا الذكرَ ويقولون: إنه لمجنونٌ.

وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قولِه: {لَيُزْلِقُونَكَ} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} . يقولُ: يَنْفُذُونك بأبصارِهم، من شدةِ النظرِ. يقولُ ابنُ عباسٍ: يُقالُ للسهمِ: زهَق السهمُ أو زلَق

(4)

.

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أمره به ربه المنتهين عما نهاه".

(2)

عان الرجلَ يعينه عينًا: أصابه بالعين. ينظر اللسان (ع ى ن).

(3)

فى م: "رجلا".

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

ص: 202

قولَه: {لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} . يقولُ: ليَنْفُذُونك بأبصارِهم

(1)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} . يقولُ: ليُزْهِقُونك بأبصارِهم.

حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ

(2)

، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرَأُ:(وإن يَكادُ الذين كفَروا ليُزْهِقُونَك)

(3)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه:{لَيُزْلِقُونَكَ} . قال: ليَنْفُذُونك بأبصارِهم.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه:{لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} . قال: ليُزْهِقُونك. وقال الكَلْبىُّ: ليَصْرَعُونك

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} : ليَنْفُذُونك بأبصارِهم؛ معاداةً لكتابِ اللهِ ولذكرِ اللهِ

(5)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} . يقولُ:

(1)

أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان 2/ 49 - من طريق أبى صالح به بلفظ: يعانونك، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

فى النسخ: "معاوية". وتقدم على الصواب فى 1/ 555، 3/ 202.

(3)

أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص 187 عن هشيم به، وقراءة ابن عباس شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(4)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 311 عن معمر به.

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى عبد بن حميد.

ص: 203

يَنْفُذُونك بأبصارِهم؛ من العداوةِ والبغضاءِ.

واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: هو {لَيُزْلِقُونَكَ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ: (لَيَزْلُقُونَكَ) بفتحِ الياءِ

(1)

، من: زلَقتُه أَزَلُقُه زَلْقًا، وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ:{لَيُزْلِقُونَكَ} بضمِّ الياءِ

(2)

، من: أَزْلَقَه يُزْلِقُه (1).

والصوابُ من القولِ فى ذلك عندِى أنهما قراءتان مَعْرُوفتان، ولُغتان مَشْهُورتان فى العربِ، مُتقارِبتا المعنى، والعربُ تقولُ للذى يَحْلِقُ الرأسَ: قد أَزْلَقَه. و: زلَقه. فبأيتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} . يقولُ: لما سمِعوا كتابَ اللهِ يُتْلَى، {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ هؤلاء المشرِكون الذين وصَف صفتَهم: إن محمدًا لمجنونٌ، وهذا الذى جاءنا به من الهذَيان الذى يَهْذِى به فى جنونِه، {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}: وما محمدٌ إلا ذكرٌ ذَكَّر اللهُ به العالمين؛ الثَّقَلَين الجنَّ والإنسَ.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "ن والقلم"

(1)

وبها قرأ نافع وأبو جعفر. النشر 2/ 291.

(2)

وبها قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر المصدر السابق.

ص: 204

‌تفسيرُ سورةِ "الحاقةِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ

(4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: الساعةُ الحَاقَّةُ التى تَحُقُّ فيها الأمورُ، ويَجِبُ فيها الجزاءُ على الأعمالِ.

{مَا الْحَاقَّةُ} . يقولُ: أىُّ شيءٍ الساعةُ الحاقةُ. وذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: لما عرَف الحاقَّةَ منى

(1)

والحقَّةَ منى

(1)

هرَب

(2)

. وبالكسرِ بمعنًى واحدٍ فى اللغاتِ الثلاثِ، وتقولُ: قد حقَّ عليه الشئُ. إذا وجَب، فهو يَحُقُّ حُقوقًا.

و"الحاقةُ" الأولى مرفوعةٌ بالثانيةِ؛ لأن الثانيةَ بمنزلةِ الكنايةِ عنها، كأنه عجِب منها، فقال: الحاقةُ ما هى! كما يُقالُ: زيدٌ ما زيدٌ! و"الحاقة" الثانيةُ مرفوعةٌ بـ "ما"، و"ما" بمعنى "أى"، و"ما" رفعٌ بـ "الحاقةِ" الثانيةِ، ومثلُه فى القرآنِ:{وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: 27]. و {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: 1، 2]، فـ "ما" فى موضعِ رفعٍ بـ "القارعة" الثانيةِ، والأُولى بجملةِ الكلامِ بعدَها.

وبنحوِ الذى قلنا فى قولِه: {الْحَاقَّةُ} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

فى م، ت 2، ت 3:"متى".

(2)

سقط من: النسخ، والمثبت من معانى القرآن للفراء 3/ 179.

ص: 205

فى قولِه: {الْحَاقَّةُ} : من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ وحذَّره عبادَه

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال:{الْحَاقَّةُ} : القيامةُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الْحَاقَّةُ} . يعنى: الساعةُ، أحقَّت لكلِّ عاملٍ عملَه.

حدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْحَاقَّةُ} . قال: أحقَّت لكلِّ قومٍ أعمالَهم

(3)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {الْحَاقَّةُ} . يعنى: القيامةُ

(4)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ} ، و {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ} ، و {الْوَاقِعَةُ} [الواقعة: 1]، و {الطَّامَّةُ} [النازعات: 34]. و {الصَّاخَّةُ} [عبس: 33]. قال: هذا كلُّه يومُ القيامةِ، الساعةُ. وقرَأ قولَ اللهِ:{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} [الواقعة: 2، 3]. والخافضةُ من هؤلاء أيضًا، خفَضت أهلَ النارِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا أخفَضَ من أهلِ النارِ ولا أذلَّ ولا أخزَى، ورَفَعت أهلَ الجنةِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا أشرفَ من أهلِ الجنةِ ولا أكرمَ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى الإتقان 2/ 55 - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 671 من طريق جابر به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 312 عن معمر به، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (349 - زيادات نعيم) - ومن طريقه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (31) - عن محمد بن يسار عن قتادة، وذكره الحاكم 2/ 500 معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

ذكره الطوسى فى التبيان 10/ 93.

ص: 206

وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وأىُّ شيءٍ أدرَاك وعرَّفك أىُّ شيءٍ الحاقةُ؟

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: ما فى القرآنِ: {وَمَا يُدْرِيكَ} [الأحزاب: 63، الشورى: 17، عبس: 3]، فلم يُخْبِرْه، وما كان:{وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أخبَره

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} : تعظيمًا ليومِ القيامةِ كما تَسْمَعون

(2)

.

وقولُه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبت ثمودُ قومُ صالحٍ، وعادٌ قومُ هودٍ، بالساعةِ التى تَقْرَعُ قلوبَ العبادِ فيها بهجُومِها عليهم. والقارعةُ أيضًا اسمٌ من أسماءِ القيامةِ.

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} . أى: بالساعةِ

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} . قال: القارعةُ يومُ القيامةِ

(3)

.

‌القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ

(1)

ذكره القرطبى فى تفسيره 18/ 257 عن سفيان بن عيينة.

(2)

جزء من الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة.

(3)

ذكره البغوى فى تفسيره 8/ 207.

ص: 207

فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأمَّا ثمودُ قومُ صالحٍ فأهلَكهم اللهُ بالطاغيةِ.

واختلَف فى معنى الطاغيةِ التى أهلَك اللهُ بها ثمودَ، أهلُ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: هى طغيانُهم وكفرُهم باللهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ عز وجل:{فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} . قال: بالذنوبِ

(1)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} . فقرأ قولَ اللهِ: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} . [الشمس: 11] وقال: هذه الطاغيةُ طغيانُهم وكفرُهم بآياتِ اللهِ؛ الطاغيةُ طغيانُهم الذى طغَوا فى معاصى اللهِ وخلافِ كتابِ اللهِ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأُهْلِكوا بالصيحةِ التى قد حازتْ

(3)

مقاديرَ الصياحِ وطغَت عليها.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 258، 259 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 235 مختصرًا.

(3)

فى ص، ت 1، ت 2:"حارت"، وفى م:"جاوزت".

ص: 208

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} : بعَث اللهُ عليهم صيحةً فأَهْمَدتْهم.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{بِالطَّاغِيَةِ} . قال: أَرْسَل اللهُ عليهم صيحةً واحدةً فأَهْمَدتْهم

(1)

.

وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأُهْلِكوا بالصيحةِ الطاغيةِ.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ اللهَ إنما أخبَر عن ثمودَ بالمعنى الذى أهلَكها به، كما أخبَر عن عادٍ بالذى أهلَكها به، فقال:{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} . ولو كان الخبَرُ عن ثمودَ بالسببِ الذى أهْلَكها مِن أجلِه، كان الخبرُ أيضًا عن عادٍ كذلك؛ إذ كان ذلك فى سياقٍ واحدٍ، وفى إتباعِه ذلك بخبرِه عن عادٍ بأنَّ هلاكَها كان بالريحِ - الدليلُ الواضحُ على أنَّ إخبارَه عن ثمودَ إنما هو ما بيَّنتُ.

وقولُه: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأما عادٌ قومُ هودٍ فأهلَكهم اللهُ بريحٍ صَرْصَرٍ، وهى الشديدةُ العُصُوفِ مع شدَّةِ بَرْدِها، {عَاتِيَةٍ}. يقولُ: عتَتْ على خُزَّانِها فى الهُبوبِ، فتجاوَزَتْ فى الشدَّةِ والعُصُوفِ مقدارَها المعروفَ فى الهبوبِ والبردِ.

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره (2/ 312) عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 209

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} . يقولُ: بريحٍ مُهْلِكةٍ باردةٍ، عتَتْ عليهم بغيرِ رحمةٍ ولا بركةٍ، دائمةٍ لا تَفْتُرُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} : والصَّرْصَرُ الباردةُ، عتَتْ عليهم حتى نقَّبَت عن أفئدتِهم

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ المسَّيبِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أَرْسل اللهُ مِن ريحٍ قطُّ إلا بمكيالٍ، ولا أَنْزَل قطرةً قطُّ إلا بمثقالٍ، إلا يومَ نوحٍ ويومَ عادٍ، فإن الماءَ يومَ نوحٍ طغَى على خُزَّانِه فلم يكنْ لهم عليه سبيلٌ. ثم قرأَ:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11]. وإن الرِّيحَ عتَتْ على خُزَّانِها فلم يكنْ لهم عليها سبيلٌ. ثم قرَأ: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا أبو سنانٍ سعيدٌ، عن غيرِ واحدٍ، عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ كرَّم اللهُ وجَهه، قال: لم تَنْزِلْ قطرةٌ مِن ماءٍ إلا بكيلٍ على يَدَى مَلَكٍ، فلما كان يومُ نوحٍ أَذِن للماءِ دونَ الخُزَّانِ، فطغى الماءُ على الجبالِ فخرَج، فذلك قولُ اللهِ:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} . ولم يَنْزِلْ مِنَ الرِّيحِ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم فى 20/ 398.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (732، 806)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق 62/ 261 من طريق سفيان به مرفوعًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى الدارقطنى فى الأفراد وابن مردويه.

ص: 210

شيءٌ إلا بكيلٍ على يَدى مَلَكٍ، إلا يومَ عادٍ، فإنه أَذِن لها دونَ الخُزَّانِ فخرَجت، وذلك قولُ اللهِ:{بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة} . عَتَتْ على الخُزَّانِ

(1)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة} . قال: الصَرْصَرُ الشديدةُ، والعاتيةُ القاهرةُ التى عتَتْ عليهم فقَهَرتْهم

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{صَرْصَرٍ} . قال: شديدةٍ

(3)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} . يعنى: باردةٍ، {عَاتِيَةٍ}: عتَتْ عليهم بلا رحمةٍ ولا بركةٍ

(4)

.

وقولُه: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: سَخَّر تلكَ الرياحَ على عادٍ سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ حُسُومًا. [واختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: {حُسُومًا}]

(5)

؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: تِباعًا.

(1)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 237 عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى المصنف.

(2)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (812) من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (813) من طريق ورقاء به، وتقدم تخريجه فى 20/ 398.

(4)

ذكره القرطبى فى تفسيره 18/ 259، وابن كثير فى تفسيره 8/ 235، وينظر ما تقدم فى 20/ 398.

(5)

سقط من: النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق.

ص: 211

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . يقولُ: تِباعًا

(1)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{حُسُومًا} . قال: مُتَتابعةً

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن ابنِ مسعودٍ:{وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . قال: مُتَتابعةً.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن عبدِ اللهِ:{حُسُومًا} . قال: تِباعًا

(3)

.

قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماك بنِ حربٍ، عن عكرمةَ فى قولِه:{حُسُومًا} . قال: تِباعًا

(4)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (813) من طريق ورقاء به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 312 عن سفيان بن عيينة به، والطبرانى (9061)، والحاكم 2/ 500 من طريق سفيان الثورى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى عبد بن حميد.

ص: 212

حربٍ، عن عكرمةَ أنه قال فى هذه الآيةِ:{وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . قال: مُتَتابِعةً.

حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ:{وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . قال: متتابعةً ليس لها فَتْرةٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . يقولُ: متتابعةً ليس فيها تَفْتِيرٌ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه:{حُسُومًا} . قال: دائماتٍ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ عبدِ اللهِ بنِ سَخْبَرَةَ، عن ابنِ مسعودٍ:{أَيَّامٍ حُسُومًا} . قال: متتابعةً.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: {أَيَّامٍ حُسُومًا} . قال: تِباعًا.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{أَيَّامٍ حُسُومًا} . قال: متتابعةً، و {أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت: 16]. قال: مشَائِيمَ

(3)

.

وقال آخرون: عُنِى بقولِه: {حُسُومًا} . الرِّيحُ، وأنها تَحْسِمُ كُلَّ شيءٍ، فلا تُبْقى مِن عادٍ أحدًا. وجعَل هؤلاء

(4)

الحُسُومَ مِن صفةِ الريحِ.

(1)

ذكره البغوى فى تفسيره 8/ 208.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 312 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى عبد بن حميد.

(3)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 236.

(4)

فى م: "هذه".

ص: 213

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . قال: حسَمتهم لم تُبْقِ منهم أحدًا. قال: ذلك الحُسُومُ، مثلُ الذى يقولُ: احْسِمْ هذا الأَمر. قال: وكان فيهم ثمانيةٌ لهم خَلْقٌ يذهبُ بهم فى كلِّ مذهبٍ. قال: قال موسى بنُ عقبةَ: فلما جاءهم العذابُ قالوا: قوموا بنا نرُدَّ هذا العذابَ عن قومِنا. قال: فقاموا وصَفُّوا فى الوادى، فَأَوْحَى اللهُ إلى مَلَكِ الريحِ أنْ يَقْلَعَ منهم كلَّ يومٍ واحدًا. وقرَأ قولَ اللهِ:{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} . حتى بلَغ {نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} . قال: فإن كانت الريحُ لتمُرُّ بالظَّعينةِ فتَسْتَدْبرُها وحمولتَها، ثم تذهبُ بهم فى السماءِ، ثم تَكُبُّهم على الرءوسِ. وقرَأ قولَ اللهِ:{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} . قال: وكان أَمسَك عنهم المطرَ. فقرَأ حتى بلَغ: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 24، 25]. قال: وما كانت الريحُ تَقْلَعُ مِن أولئِك الثمانيةِ كلَّ يومٍ إلا واحدًا. قال: فلما عذَّب اللهُ قومَ عادٍ، أَبْقى اللهُ واحدًا يُنْذِرُ الناسَ. قال: فكانت امرأةٌ قد رأَتْ قومَها، فقالوا لها: أنتِ أيضًا؟ قالت: تَنَحَّيتُ على الجبلِ. قال: و

(1)

قيل لها بعدُ: أنتِ قد سَلِمْتِ وقد رأَيتِ، فكيف لا رأيتِ عَذابَ اللهِ؟ قالت: ما أَدْرِى غيرَ أَنَّ أسْلَمَ ليلةٍ ليلةَ لا ريحَ.

وأولى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بقولِه: {حُسُومًا} : متَتابعةً. لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ

(2)

يقولُ: الحُسُومُ التِّباعُ، إِذا تَتابَع الشئُ فلم يَنْقَطِعْ

(1)

بعده فى م: "قد".

(2)

هو الفراء فى معانى القرآن "3/ 180".

ص: 214

أوَّلُه عن آخرِه قيل فيه: حُسُومٌ. قال: وإنما أُخِذ -واللهُ أعلمُ- من: حَسَم الداءَ. إذا كُوِى صاحبُه؛ لأنه لحمٌ يُكْوَى بالمِكْوَاةِ، ثم يُتابِعُ عليه.

وقولُه: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} . يقولُ: فتَرى يا محمدُ قومَ عادٍ فى تلك السبعِ الليالى والثمانيةِ الأيامِ الحُسُومِ صرعى قد هلَكوا، {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}. يقولُ: كأنَّهم أصولُ نَخْلٍ قد خَوَتْ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} : وهى أصولُ النَّخْلِ

(1)

.

وقولُه: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فهل تَرى يا محمدُ لعادٍ قومِ هودٍ من بقاءٍ؟

وقيل: عُنِى بذلك: فهل تَرى منهم باقيًا؟

وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن البصريين

(2)

يقولُ: معنى ذلك: فهل تَرى لهم مِن بقيَّةٍ؟ ويقولُ: مجازُها مجازُ الطاغيةِ، مصدرٌ.

‌القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء فرعونُ مصرَ.

واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {وَمَنْ قَبْلَهُ} ؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 259 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.

(2)

هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن 2/ 267.

ص: 215

ومكةَ خلا الكِسائىِّ: {وَمَنْ قَبْلَهُ} بفتحِ القافِ وسكونِ الباءِ

(1)

، بمعنى: وجاء مَن قبلَ فرعونَ من الأممِ المكذِّبةِ بآياتِ اللهِ، كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ، بالخطيئةِ.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ والكِسائىُّ: (ومَن قِبَلَه) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ

(2)

بمعنى: وجاءَ مَن

(3)

مع فرعونَ مِن أهلِ بلدِه مصرَ مِن القِبْطِ.

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} . يقولُ: والقُرى التى ائْتَفكَت بأهلِها، فصار عاليها سافلَها، {بِالْخَاطِئَةِ}. يعنى: بالخطيئةِ. وكانت خطيئتُها إتيانَها الذكرانَ فى أَدبارِهم.

وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قولِه: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ [بِالْخَاطِئَةِ} : المؤتفكاتُ]

(4)

قريةُ لوطٍ، وفى بعضِ القراءةِ:(وجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ)

(5)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَجَاءَ

(1)

وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة وعاصم وأبى جعفر وخلف. ينظر النشر 2/ 291.

(2)

وبها قرأ أبو عمرو ويعقوب. المصدر السابق.

(3)

سقط من: م.

(4)

سقط من: م.

(5)

هى قراءة أُبىّ. معانى القرآن للفراء 3/ 180.

ص: 216

فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ}. قال: المؤتفكاتُ قومُ لوطٍ ومدينتُهم وزرعُهم. وفى قولِه: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم: 53]. قال: أهواها مِن السماءِ، رمَى بهم مِن السماءِ، أَوحى اللهُ إلى جبريلَ عليه السلام فاقْتَلَعها مِن الأرضِ، رَبَضَها

(1)

ومدينتَها، ثم هوَى

(2)

بها إلى السماءِ، ثم قلبَهم إلى الأرضِ، ثم أَتْبَعهم الصَّخْرَ حجارةً. وقرَأ قولَ اللهِ:{حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً} [هود: 82، 83]. قال: المُسوَّمةُ المُعَدَّةُ للعذابِ.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} . يعنى المكذِّبين.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} : هم قومُ لوطٍ، ائتفَكَتْ بهم أرضُهم

(3)

.

وبما قلنا فى قولِه: {بِالْخَاطِئَةِ} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِالْخَاطِئَةِ} . قال: الخطايا

(4)

.

(1)

الربض: مرابض البقر. وربض الغنم: مأواها.

(2)

هَوَى يهوِى هَوِيًا، بالفتح، إذا هبط، وهَوَى يهوِى هُوِيًّا، بالضم، إذا صعد. وقيل بالعكس. اللسان (هـ و ى).

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 312 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 217

وقولُه: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فعصى هؤلاء الذين ذكَرهم اللهُ، وهم فرعونُ ومَن قبلَه والمؤتفكاتُ، رسولَ ربِّهم.

وقولُه: {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً

(1)

}. يقولُ: فأخَذهم ربُّهم بتكذيبِهم رسلَه {أَخْذَةً رَابِيَةً} . يعنى: أَخْذَةً زائدةً شديدةً ناميةً، مِن قولِهم: أَرْبَيْتُ. إذا أَخَذ أكثرَ مما أَعْطَى، مِن الرِّبا، يقالُ: أَرْبَيْتَ فرَبا رِباك. و: الفضةُ والذهبُ قد رَبَوَا.

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَخْذَةً رَابِيَةً} . قال: شديدةً

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} . يعنى: أَخْذَةً شديدةً

(3)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} . قال: كما يكونُ فى الخيرِ رابيةٌ، كذلك يكونُ فى الشرِّ رابيةٌ. قال: رَبا عليهم. زاد عليهم. وقرَأ قولَ اللهِ عز وجل: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: 88]. وقرَأ قولَ اللهِ عزَّ

(1)

زيادة يقتضيها السياق.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور ص 428 - كما فى المخطوطة المحمودية- إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.

ص: 218

وجلَّ: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]. يقولُ: ربا لهؤلاء الخيرَ ولهؤلاء الشرَّ.

وقولُه: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا لما كَثُر الماءُ فتجاوز حدَّه المعروفَ كان له. وذلك زمنَ الطُّوفانِ.

وقيل: إنه زاد فعَلَا فوقَ كلِّ شيءٍ بقدرِ خمسَ عشرةَ ذراعًا.

ذكرُ مَن قال ذلك، ومَن قال فى قولِه:{طَغَا} مثلَ قولِنا

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} . قال: بلَغنا أنه طغَى فوقَ كلِّ شيءٍ خمسَ عشرةَ ذراعًا

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} : ذاكم زمنَ نوحٍ، طغَى الماءُ على كلِّ شيءٍ خمسَ عشرَةَ ذراعًا بقدرِ كلِّ شيءٍ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ فى قولِه:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} . قال: لم تَنْزِلْ مِن السماءِ قَطْرَةٌ إلا بعلمِ الخُزَّانِ، إلا حيثُ طَغَى الماءُ؛ فإنه قد غَضِب لغضبِ اللهِ، فطغَى على الخُزَّانِ، فخرَج ما لا يَعْلمون ما هو

(2)

.

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} : إنما يقولُ: لما كَثُر

(3)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 313 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (733) من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تغليق التعليق 4/ 348، والإتقان 2/ 49 - من طريق عبد الله بن صالح=

ص: 219

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} . يعنى: كَثُر الماءُ ليالىَ غرَّق اللهُ قومَ نوحٍ.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ} . قال محمدُ بنُ عمرٍو فى حديثِه: طما

(1)

. قال الحارث: ظهَر

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ فى قولِه:{لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} : كَثُر وارتفَع.

وقولُه: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} . يقولُ: حمَلْناكم فى السفينةِ التى تَجْرِى فى الماءِ.

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} : والجاريةُ السفينةُ

(3)

.

=به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ص 428 - إلى ابن المنذر.

(1)

طما الماء: ارتفع وعلا وملأ النهر. اللسان (ط م و).

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ص 428 - إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية ص 428 - إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.

ص: 220

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} : والجاريةُ سفينةُ نوحٍ التى حُمِلْتم فيها.

وقيل: {حَمَلْنَاكُمْ} . فخاطَب الذين نزَل فيهم القرآنُ، وإنما حمَل أجدادَهم نوحًا وولدَه؛ لأنَّ الذين خُوطِبوا بذلك ولدُ الذين حُمِلوا فى الجاريةِ، فكان حَمْلُ الذين حُمِلوا فيها مِن الأجدادِ حملًا لذرِّيتِهم، على ما قد بيَّنا من نظائرِ ذلك فى أماكنَ كثيرةٍ مِن كتابِنا هذا

(1)

.

وقولُه: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} . يقولُ: لنَجْعَلَ السفينةَ الجاريةَ التى حمَلْناكم فيها لكم {تَذْكِرَةً} . يعنى: عبرةً وموعظةً تَتَّعِظون بها.

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} : فَأَبْقاها اللهُ تذكرةً وعبرةً وآيةً، حتى نظَر إليها أوائلُ هذه الأمةِ، وكم مِن سفينةٍ قد كانت بعدَ سفينةِ نوحٍ قد صارَتْ رمادًا

(2)

.

وقولُه: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} . يعنى: حافظةٌ، عقَلت عن اللهِ ما سمِعَتْ.

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

ينظر ما تقدم فى 1/ 642، 643، 2/ 56، 57، 204، 205.

(2)

فى ص: "رمددا"، وفى ت 2:"ربدادا"، وفى ت 3:"ربددا".

والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 221

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} . يقولُ: حافظةٌ

(1)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} . يقولُ: سامعةٌ، وذلك الإعلانُ

(2)

.

حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} . قال: أُذُنٌ عقَلت عن اللهِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} : أُذُنٌ عقَلت عن اللهِ، فانْتَفَعَتْ بما سمِعَتْ مِن كتابِ اللهِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} . قال: أُذُنٌ سمِعَتْ، وعقَلت ما سمِعَت

(3)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} : سَمِعَتْها أُذُنٌ ووَعَت

(4)

.

حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن علىِّ بنِ حوشبٍ، قال: سمِعتُ مكحولًا يقولُ: قرَأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ".

(1)

أخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تغليق التعليق 5/ 380، والإتقان 2/ 49 - من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية 428 - إلى ابن المنذر.

(2)

بعده فى ص، م، ت 2، ت 3:"ذكر من قال ذلك".

والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما فى المخطوطة المحمودية 428 - إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 313 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد.

(4)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 237.

ص: 222

ثم الْتَفَت إلى علىٍّ، فقال:"سألتُ اللهَ أن يَجْعَلَها أُذُنَك". قال علىٌّ رضي الله عنه: فما سمِعتُ شيئًا مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فنَسِيتُه

(1)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنى بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ رستمَ، قال: سمِعتُ بُرَيدةَ يقولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ لعلىٍّ: "يا علىُّ، إِنَّ اللهَ أَمَرنى أنْ أُدْنِيَك ولا أُقْصِيَك، وأَنْ أُعَلِّمَك، وأَنْ تَعِىَ، وحَقٌّ على اللهِ أَنْ تَعِىَ". قال: فنزَلت: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ أبو يحيى التيمىُّ، عن فُضيلِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبى داودَ، عن بريدةَ الأَسلمىِّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ لعلىٍّ: "إنَّ اللهَ أَمَرنى أنْ أُعلِّمَك، وأنْ أُدْنِيَك ولا أَجْفُوَك ولا أُقْصِيَك". ثم ذكَر مثلَه

(3)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} . قال: واعيةٌ، يَحذَرُون معاصىَ اللهِ أنْ يُعذِّبَهم اللهُ عليها كما عذَّب مَن كان قبلَهم؛ تَسْمعُها فتعِيها، إنما تَعِى القلوبُ ما تَسمعُ الآذانُ من الخيرِ والشرِّ من بابِ الوَعْىِ.

‌القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ

(1)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 238 عن المصنف، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه 41/ 455 من طريق الوليد بن مسلم به، وأخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تفسير ابن كثير 8/ 238 - من طريق على بن حوشب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه، قال ابن كثير: وهو حديث مرسل.

(2)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 238 عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم -كما فى تفسير ابن كثير- وابن عساكر فى تاريخه 42/ 361، والواحدى فى أسباب النزول ص 329 من طريق بشر بن آدم به، وعندهم صالح ابن الهيثم بدلًا من عبد الله بن رستم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى ابن مردويه وابن النجارى.

(3)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 238 عن أبى داود به، وقال: ولا يصح أيضًا.

ص: 223

وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا نَفَخَ فى الصورِ إسرافيلُ نَفْخَةً واحدةً، وهى النفخةُ الأُولى، {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}. يقولُ: فزُلْزِلتا زلزلةً واحدةً.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} . قال: صارت غُبارًا

(1)

.

وقيل: {فَدُكَّتَا} . وقد ذكَر قبلُ الجبالَ والأرضَ، وهى جماعٌ، ولم يُقَلْ: فدُكِكْن. لأنه جعَل الجبالَ كالشئِ الواحدِ، كما قال الشاعرُ

(2)

:

هما سَيِّدَانَا يَزْعُمانِ وَإنما

يَسُودَانِنا أن يَسَّرَتْ غَنَماهما

وكما قيل: {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30].

{فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} . يقولُ جلّ ثناؤُه: فيومَئذٍ وَقَعَتِ الصيحةُ؛ الساعةُ، وقامَتِ القيامةُ.

‌القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وانْصَدعتِ السماءُ، {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}. يقولُ:[فهى يومَئذٍ]

(3)

مُنْشقَّةٌ مُتَصَدِّعةٌ.

(1)

ذكره الطوسى فى التبيان 10/ 98.

(2)

نسبه صاحب اللسان (ى س ر)، والشنقيطى فى الدرر اللوامع 1/ 135 إلى أبى أسيدة الدبيرى.

(3)

سقط من: م.

ص: 224

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأَجْلحِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ أَمَرَ اللهُ السماءَ الدنيا بأهلِها، ونزَل مَن فيها مِن الملائكةِ، فأَحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصَفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ، ثم نزَل المَلكُ الأعلى على مُجَنِّبَتِه اليسرى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ ندُّوا

(1)

، فلا يَأْتون قُطرًا مِن أقطارِ الأرضِ إلا وجدوا سبعةَ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذى كانوا فيه، فذلك قولُ اللهِ:{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ} [غافر: 32، 33]. وذلك قولُه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [الفجر: 22، 23]. وقولُه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33]. وذلك قولُه: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا}

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} . يعنى: مُتَمزِّقةٌ ضعيفةٌ.

{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: والمَلَكُ على أَطراف السماءِ

(1)

ندُّوا: أى هربوا.

(2)

تقدم تخريجه فى 22/ 218.

ص: 225

حين تَشَقَّقُ وحافَاتِها.

وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} . يقولُ: والمَلَكُ على حافَاتِ السماءِ حينَ تَشَقَّقُ، ويقالُ: على شقةِ كلِّ شيءٍ تَشَقَّقُ عنه

(1)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} . قال: أَطرافِها

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فى قولِه:{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} . قال: على حافَاتِ السماءِ

(3)

.

حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأَجْلَحِ، قال: قلْتُ للضحاكِ: ما أَرْجاؤُها؟ قال: حافَاتُها

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} : على حافَاتِها

(5)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ: {وَالْمَلَكُ عَلَى

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى المصنف والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد، وهو تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة.

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى عبد بن حميد.

ص: 226

أَرْجَائِهَا}. قال: بلَغنى أَنَّها أَقطارُها. قال قتادةُ: على نواحِيها

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} . قال: نواحِيها

(2)

.

حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: الأَرْجاءُ حافاتُ السماءِ.

قال: ثنا الأَشْيَبُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} . قال: على ما لم يَهِ

(3)

منها

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا حسينٌ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:{وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} . قال: على ما لم يَهِ منها

(5)

.

وقولُه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . اختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عُنِى بقولِه: {ثَمَانِيَةٌ} ؛ فقال بعضُهم: عُنى به ثمانيةُ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، لا يَعْلَمُ عِدَّتَهنَّ إلا اللهُ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 313 عن معمر به.

(2)

ذكره الطوسى فى التبيان 10/ 100.

(3)

الوهى: الشق فى الشئ. اللسان (و هـ ى).

(4)

تفسير مجاهد ص 671 من طريق أبى عوانة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى ابن المنذر بلفظ: على ما لم ينشق منها.

(5)

ذكره ابن كثير فى تفسيره 8/ 239، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 260 إلى المصنف والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم.

ص: 227

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن ابنِ

(1)

ظُهيرٍ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . قال: ثمانيةُ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلا اللهُ

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . قال: هى الصُّفُوفُ مِن وراءِ الصُّفُوفِ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . قال: ثمانيةُ صُفوفٍ مِن الملائكةِ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} : قال بعضُهم: ثمانيةُ صُفُوفٍ لا يَعْلمُ عِدَّتَهنَّ إلا اللهُ. وقال بعضُهم: ثمانيةُ أملاكٍ على خَلْقِ الوَعِلَةِ

(3)

.

وقال آخرون: بل عُنِى به ثمانيةُ أَملاكٍ.

(1)

سقط من: م. والحكم بن ظهير تقدم مرارًا، ينظر ما تقدم 1/ 228، 232.

(2)

أخرجه محمد بن عثمان بن أبى شيبة فى كتاب العرش (33) من طريق الحكم بن ظهير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 261 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.

(3)

الوعل: تيس الجبل، والجمع أوعال ووُعول ووُعُل ووَعِلة، والأنثى وَعِلة. ينظر اللسان (و ع ل). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 261 إلى عبد بن حميد.

ص: 228

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . قال: ثمانيةُ أملاكٍ

(1)

. وقال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَحْمِلُه اليومَ أَرْبَعَةٌ، ويومَ القيامةِ ثمانيةٌ"

(2)

. وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَقدامَهم لفى الأرضِ السابعةِ، وإنَّ مَناكِبَهم لخارِجةٌ من السماواتِ عليها العَرْشُ". قال ابنُ زيدٍ: الأربعةُ. قال: بلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "لمَّا خَلَقهم اللهُ قال: تَدْرُون لمَ خَلَقْتُكم؟ قالُوا: خَلَقْتَنا ربَّنا لما تشاءُ. قال لهم: تَحْمِلُون عَرْشى. ثم قال: سَلُونى مِن القُوَّةِ ما شِئْتُم أَجْعَلْها فيكم. فقال واحدٌ منهم: قد كان عَرْشُ ربِّنا على الماءِ، فاجْعَلْ فىَّ قوَّةَ الماءِ. قال: قَدْ جَعَلْتُ فيك قوَّةَ الماءِ. وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قوَّةَ السماواتِ. قال: قد جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السماواتِ. وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قُوَّةَ الأَرْضِ. قال: قد جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ الأرضِ والجبالِ. وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قُوَّةَ الرياحِ. قال: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ الرياحِ. ثم قال: احمِلُوا. فوضَعوا العرشَ على كواهِلِهم، فلم يَزولوا، قال: فجاء عِلْمٌ آخرُ، وإنما كان علمُهم الذى سأَلُوه القُوَّةَ، فقال لهم: قُولُوا: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ. فقالوا: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ. فجعَل اللهُ فيهم من الحَوْلِ والقُوَّةِ ما لم يَبْلُغْه عِلْمُهم، فحَمَلوا".

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: بلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "هم اليومَ أَرْبَعَةٌ -يعنى حَمَلةَ العَرْشِ- وإذا كان يومُ القيامةِ أَيَّدهم اللهُ بأَرْبعةٍ آخرين فكانوا ثمانيةً، وقد قال اللهُ: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} "

(3)

.

(1)

ذكره القرطبى فى تفسيره 18/ 266.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 261 إلى المصنف، وقال القرطبى فى تفسيره 18/ 266: خرجه الماوردى عن أبى هريرة.

(3)

ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف 4/ 84، 85 عن المصنف، وقال القرطبى فى تفسيره 18/ 266: ذكره الثعلبى.

ص: 229

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرةَ قولَه:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . قال: أَرْجُلُهم في التُّخُومِ لا يَسْتَطِيعون أنْ يَرْفعوا أبصارَهم مِن شُعاعِ النورِ

(1)

.

وقولُه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يومَئِذٍ أيُّها الناسُ تُعْرَضُون على ربِّكم. وقيل: تُعْرَضُون ثلاثَ عَرَضاتٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعةَ الباهليُّ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، قال: ثنا عليُّ بنُ عليٍّ الرفاعيُّ، عن الحسنِ، عن أبي موسى الأَشْعريِّ، قال: يُعْرَضُ الناسُ ثَلاثَ عَرَضاتٍ؛ فأَما عَرْضتان فجِدالٌ ومعاذيرُ، وأما الثالثةُ فعندَ ذلك تَطِيرُ الصُّحُفُ في الأيدى، فأخذٌ بيمينِه، وآخذٌ بشمالِه

(2)

.

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سَلِيمُ

(3)

بنُ حَيَّانَ، عَن مَرْوانَ الأَصفرِ

(4)

، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: يُعْرَضُ الناسُ يومَ القيامةِ ثلاثَ عَرَضاتٍ؛ عَرْضتان معاذيرُ وخصوماتٌ، والعَرْضةُ الثالثة تَطيرُ الصُّحُفُ في

(1)

أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (279)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة (30)، وأبو الشيخ في العظمة (482) من طريق جرير به، عن ميسرة عن زاذان، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 261 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (395 - زوائد نعيم)، وابن أبي الدنيا فى الأهوال (283) من طريق على بن على الرفاعي به، وأخرجه البزار (3073) عن الحسن بن قزعة به مرفوعا، وأخرجه أحمد 4/ 414 (الميمنية)، وابن ماجه (4277)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (282) من طريق وكيع به مرفوعًا. وعلقه الترمذي عقب الأثر (2425) عن على بن على الرفاعى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 261 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3)

في ص: "سلمان"، وفى، م، ت 1، ت 2، ت 3، وتفسير ابن كثير:"سليمان"، والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال 11/ 348.

(4)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"الأصغر".

ص: 230

الأَيدِى

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} : ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "يُعْرَضُ النَّاسُ ثلاثَ عَرَضاتٍ يومَ القيامةِ؛ فأَمَّا عَرْضتان ففيهما خصوماتٌ ومعاذيرُ وجِدَالٌ، وأَما العَرْضةُ الثالثةُ فتَطِيرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِى".

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه

(2)

.

وقولُه: {لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا تَخْفَى على اللهِ منكم خافيةٌ؛ لأنه عالمٌ بجميعِكم، مُحِيطٌ بكلِّكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا مَن أُعْطِى كتاب أعماله بيمينه، فيقولُ: تعالَوا

(3)

اقْرَءوا كتابِيَهْ.

كما حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} . قال: تعالَوا

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان بعضُ أهلِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 240 عن المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 314 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 261 إلى عبد حميد وابن المنذر.

(3)

فى م: "تعالى".

(4)

في ص: "تعال"، وفى ت 2، ت 3:"يقال". والأثر ذكره الطوسى فى التبيان 10/ 101، والقرطبي في تفسيره 18/ 269.

ص: 231

العلمِ يقولُ: وجَدْتُ أَكْيَسَ النَّاسِ مَن قال: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}

(1)

.

وقولُه: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} . يقولُ: إني عَلِمْتُ أنى ملاقٍ حسابِيَه، إذا وَرَدْتُ يومَ القيامةِ على ربِّى.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: {إِنِّي ظَنَنْتُ} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} . يقولُ: أَيقَنْتُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} : ظنَّ ظَنًّا يَقِينًّا، فنفعه اللهُ بظنِّه (1).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} . قال: إِنَّ الظَّنَّ مِن المؤمنِ يقينٌ، وإنَّ "عسى" مِن اللهِ واجبٌ، {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]. و: {فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص: 67].

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} . قال: ما كان من ظنِّ الآخرة فهو عِلْمٌ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال:

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 261 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان 2/ 49 - من طريق عبد الله بن صالح به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 315 عن معمر به.

ص: 232

كلُّ ظنٍّ في القرآنِ {إِنِّي ظَنَنْتُ} . يقولُ: إنى

(1)

علِمْتُ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فالذى وصَفْتُ أَمرَه، وهو الذي أُوتِيَ كتابَه بيمينِه، في عيشةٍ مُرْضِيةٍ، أو عيشةٍ فيها الرضا. فوُصِفَتِ العيشةُ بالرضا وهى مُرْضِيةٌ؛ لأن ذلك مدحٌ للعيشةِ. والعربُ تفعَلُ ذلك في المدحِ والذمِّ فتقولُ: هذا ليلٌ نائمٌ، وسرٌّ كاتمٌ، وماءٌ دافقٌ. فيُوجِّهون الفعلَ إليه، وهو في الأصلِ مفعولٌ لما يُرادُ من المدحِ أو الذمِّ، ومَن قال ذلك لم يَجُزْ له أنْ يقولَ للضاربِ: مضروبٌ. ولا للمضروبِ: ضاربٌ. لأنه لا مدحَ فيه ولا ذمَّ.

وقولُه: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} . يقولُ: في بستانٍ عالٍ رفيعٍ. و {فِي} من قولِه: {فِي جَنَّةٍ} . من صلةِ {عِيشَةٍ} .

وقولُه: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} . يقولُ: ما يُقْطَفُ مِن الجنة من ثمارِها دانٍ قريبٌ من قاطفِه.

وذُكر أنَّ الذى يريدُ ثمرَها يتناولُه كيف شاء، قائمًا وقاعدًا، لا يَمْنَعُه منه بُعْدٌ، ولا يَحُولُ بينَه شَوْكٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ،

(1)

في م: "أى".

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 101.

ص: 233

قال: سمِعتُ البَراءَ يقولُ فى هذه الآية: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} . قال: يتناولُ الرجلُ من فواكهِها وهو قائمٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} : دَنَتْ فلا يَرُدُّ أَيدِيَهم عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ

(2)

.

وقولُه: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} . يقولُ لهم ربُّهم جلَّ ثناؤُه: كُلوا معشرَ مَن رَضِيتُ عنه، فأَدْخَلْتُه جَنَّتَى، من ثمارِها وطيبِ ما فيها من الأطعمةِ، واشْربُوا من أَشرِبتِها، هنيئًا لكم، لا تتأَذَّون بما تَأْكلون، ولا بما تَشْربُون، ولا تَحْتاجون مِن أكلِ ذلك إلى غائطٍ ولا بَوْلٍ، {بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}. يقولُ: كُلوا واشْرَبُوا هنيئًا، جزاءً من الله لكم وثوابًا بما أَسْلَفْتم، أو على ما أَسْلَفْتم. أى: على ما قَدَّمتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة اللهِ، {فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}. يقولُ: فى أيامِ الدنيا التي خَلَتْ فمَضَتْ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} : إِنَّ أيَّامَكم هذه أيامٌ خاليةٌ؛ هى أيامٌ فانيةٌ، تؤدِّى إلى أيامٍ باقيةٍ، فاعمَلوا في هذه الأيامِ، وقدِّموا فيها خيرًا إِن اسْتَطَعْتم، ولا قُوَّةَ إلا باللهِ

(2)

.

(1)

في م: "نائم".

والأثر أخرجه ابن أبى شيبة 13/ 140 من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الحسين المروزي في زوائده على زهد ابن المبارك (1454) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 262 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 262 إلى عبد بن حميد.

ص: 234

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} . قال: أيامُ الدنيا، بما عَمِلوا فيها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وأَمَّا مَن أُعْطِى يومَئِذٍ كتابَ أعمالِه بشمالِه، فيقولُ: يا لَيْتَنى لم أُعْطَ كتابِيَه، {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} .

يقولُ: ولم أَدْرِ أَيَّ شيءٍ حسابِيَه.

وقولُه: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} . يقولُ: يا لَيْت الموتةَ التي مِتُّها في الدنيا كانت هي الفراغَ من كلِّ ما بعدَها، ولم يكن بعدها حياةٌ ولا بعثٌ. والقضاءُ هو الفَراغُ.

وقيل: إنه تمنَّى الموتَ الذي يَقْضِى عليه، فتَخْرُجُ منه نفسُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} : تمنَّى الموتَ، ولم يكن فى الدنيا شيءٌ أكرَهَ عندَه مِن الموتِ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} : الموتَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 262 إلى عبد بن حميد.

ص: 235

كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)}.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الذى أُوتى كتابَه بشمالِه: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ} . يعنى أنَّه لم يَدْفَعْ عنه ماله الذى كان يَمْلِكُه في الدنيا مِن عذابِ اللهِ شيئًا، {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}. يقولُ: ذهبَتْ عنى حُجَجِى وضَلَّت، فلا حُجَّةَ لى أَحْتَجُّ بها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} . يقولُ: ضَلَّت عَنِّى كلُّ بَيِّنَةٍ، فلم تُغْنِ عنِّى شيئًا

(1)

.

حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسود الطُّفَاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن النَّضْرِ ابن عربيٍّ، قال: سمعتُ عكرمةَ يقولُ: {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} . قال: حُجَّتى

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} . قال: حُجَّتى

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} : أمَا واللهِ ما كلَّ من دخَل النارَ كان أميرَ قريةٍ يَجبِيها؛ ولكنَّ اللهَ خلَقهم وسلَّطهم على أقرانِهم، وأَمرهم بطاعةِ الله ونهاهم عن معصيةِ اللهِ

(2)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 262 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 262 إلى عبد بن حميد.

ص: 236

حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} . يقولُ: بَينَتى ضَلَّت عنى.

وقال آخرون: عُنِى بالسلطانِ في هذا الموضعِ المُلْكُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال ابنُ زيدٍ في قولِه:{هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} . قال: سلطانُ الدنيا.

وقولُه: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه لملائكتِه مِن خُزَّانِ جهنمَ: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} . يقولُ:

ثم في نارِ جهنمَ أَوْرِدوه ليَصلَى فيها،

{ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} . يقولُ: ثم اسْلُكوه في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعون ذراعًا. بذراعٍ اللهُ أعلَمُ بقدرِ طولِها. وقيل: إنَّها تَدخُلُ في دُبُرِه، ثم تَخْرُجُ مِن مَنْخَرَيْه.

وقال بعضُهم: تَدْخُلُ في فِيهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن نُسَيْرِ

(1)

ابنِ ذُعْلُوقٍ، قال: سمعتُ نوفًا يقولُ: {فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا} . قال: كلُّ ذراعٍ سبْعون باعًا، الباعُ أَبْعَدُ ما بينَك وبينَ مكةَ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني نُسَيرٌ، قال: سمِعتُ نوفًا يقولُ في رَحْبَةِ الكوفةِ في إمارةِ مصعبِ بنِ الزبيرِ في قولِه: {فِي سِلْسِلَةٍ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بشير" وتقدم في 3/ 133.

ص: 237

ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا}. قال: الذراعُ سبعون باعًا، الباعُ أَبْعَدُ ما بينَك وبينَ مكةَ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن نُسَيْرِ بن ذُعْلُوقٍ أبى طُعمةَ، عن نوفٍ البِكَاليِّ:{فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا} . قال: كلُّ ذراعٍ سبْعون باعًا، كلُّ باعٍ أَبْعَدُ مما بينَك وبينَ مكةَ. وهو يومئذٍ في مسجدِ الكوفةِ

(1)

.

حدّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} . قال: بذراعِ المَلِكِ فاسْلُكُوه. قال: تُسْلَكُ في دُبُرِه حتى تَخْرُجَ مِن مَنْخَرَيْه، حتى لا يقومَ على رجلَيْه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يَعمرُ بنُ بشرٍ

(3)

المِنْقَريُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا سعيدُ بنُ يزيدَ، عن أبي السَّمْحِ، عن عيسى بنِ هلالٍ الصَّدَفيِّ، عن عبدِ اللهِ ابن عمرِو بنِ العاصِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لو أنَّ رصَاصَةً مِثْلَ هذه -وأشار إلى جُمْجُمَةٍ -أُرْسِلَت من السماءِ إلى الأرضِ، وهي مَسِيرَةُ خَمسِمائِةِ سَنةٍ، لبَلَغَتِ الأرضَ قبلَ الليلِ، ولو أنَّها أُرْسِلَت مِن رأْسِ السِّلْسِلَةِ لسارَتْ أربعينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ قبلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَها، أو أَصْلَها"

(4)

.

(1)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (288 - زوائد نعيم)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 315، وابن أبي الدنيا في صفة النار (59)، (138)، وهناد في الزهد (269) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 262 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه البيهقى فى البعث والنشور (594) عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 262 إلى ابن أبي حاتم.

(3)

فى م: "بشير"، وينظر الجرح والتعديل 9/ 313.

(4)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (290 - زوائد نعيم)، ومن طريقه أحمد 11/ 443، 444 (6856)، والترمذى (2588)، والبغوى في التفسير 8/ 213، وفى شرح السنة (4411)، وأخرجه الحاكم 2/ 438، والبيهقى فى البعث (581) من طريق سعيد به.

ص: 238

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ

(1)

، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{فَاسْلُكُوهُ} . قال: السَّلْكُ: أَنْ تَدخُلَ السِّلْسِلَةُ فِي فِيه، وتَخْرُجَ مِن دُبُرِه

(2)

.

وقيل: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} . وإنما تُسْلَكُ السِّلْسِلَةُ في فِيه، كما قالت العربُ: أَدْخَلْتُ رَأْسى فى القَلَنْسُوَةِ. وإِنما تَدْخُلُ القَلَنْسُوَةُ في الرأْسِ، وكما قال الأعشى

(3)

:

إذَا مَا السَّرابُ ارْتَدَى بالأَكَمْ

وإنما [يَرْتَدى الأَكَمُ]

(4)

بالسَّرابِ، وما أشبَه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفةِ السامعين معناه، وأنه لا يُشْكِلُ على سامعِه ما أراد قائلُه.

وقولُه: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ} . يقولُ: افْعَلوا ذلك به، جزاءً له على كفرِه باللهِ في الدنيا، إنه كان لا يُصَدِّقُ بوحدانيةِ اللهِ العظيمِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن هذا الشَّقيِّ الذى أُوتِي كتابَه بشمالِه: إنه كان في الدنيا لا يَحُضُّ الناسَ على إطعامِ أهل المسكنةِ والحاجةِ.

وقولُه: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فليس له اليومَ، وذلك يوم القيامةِ، {هَاهُنَا}. يعنى: فى الدار الآخرةِ، {حَمِيمٌ}. يعنى: قريبٌ يَدْفَعُ

(1)

بعده فى م: "عن ابن المبارك عن مجاهد".

(2)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 105.

(3)

ديوانه ص 37 وفيه:

*إذا ما ارتدى بالسراب الأكم*

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يريد كالأكم".

ص: 239

عنه ويُغِيثُه مما هو فيه مِن البلاءِ.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ} : القريبُ في كلامِ العربِ.

{وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا له طعامٌ كما كان لا يحُضُّ في الدنيا على طعامِ المسكينِ، إلا طعامٌ من غِسْلينٍ. وذلك ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهل النارِ.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ

(1)

يقولُ: كلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَه فخرَج منه شيءٌ، فهو غِسْلِينٌ؛ فِعْلِينٌ. مِن الغَسْلِ مِن الجرَاحِ والدَّبَرِ

(2)

.

وزِيد فيه الياءُ والنونُ، بمَنْزِلةِ "عِفْرِين"

(3)

.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ. عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} : صديدُ أهلِ النارِ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} . قال: ما يَخْرُجُ من لحومِهم

(5)

.

(1)

هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن 2/ 268.

(2)

الدَّبَرة: قَرحة الدابة والبعير، والجمع دَبَر. اللسان (د ب ر).

(3)

عِفْرِين وعِفِرِّين: خبيث منكر داهٍ شرير متشيطن، وعِفِرِّين: مأسدة، وليث عِفِرِّين: دابة، وليث عِفِرِّين: الرجل الكامل ابن الخمسين. ينظر التاج (ع ف ر).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان 2/ 49 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 263 إلى ابن المنذر.

(5)

في ص: "أحدهم"، وفى ت 2:"أحد منهم".

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 244، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 263 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس.

ص: 240

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} : شرُّ الطعامِ وأَخْبثُه وأَبْشعُه

(1)

.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} . قال: الغِسْلينُ والزَّقُّومُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو

(2)

.

وقولُه: {لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} . يقولُ: لا يَأْكُلُ الطعامَ الذى مِن غِسْلِينٍ إلا الخاطِئون. وهم المُذْنبون الذين ذُنُوبُهم كُفْرٌ باللهِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {فَلَا} : ما الأمرُ كما تقولون معشرَ أهلِ التكذيبِ بكتاب اللهِ ورسلِه، أُقسِمُ بالأشياءِ كلِّها؛ التي تُبْصرون منها، والتي لا تُبْصِرون.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} . قال: أَقْسَم بالأشياءِ، حتى أَقْسَم بما تُبْصِرون وما لا تُبْصِرون.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 273، وابن كثير في تفسيره 8/ 244.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 273.

ص: 241

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} . يقولُ: بما تَرَوْن وبما لا تَرَوْن

(1)

.

وقولُه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ هذا القرآنَ لقولُ رسولٍ كريمٍ، وهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم يَتْلُوه عليهم.

وقولُه: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما هذا القرآنُ بقولِ شاعرٍ؛ لأنَّ محمدًا لا يُحْسِنُ قِيلَ الشعرِ، فتقولوا: هو شِعرٌ، {قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ}. يقولُ: تُصدِّقون قليلًا به أنتم. وذلك خطابٌ من اللهِ لمشركي قريشٍ،

{وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} . يقولُ: ولا هو بقولِ كاهنٍ؛ لأنَّ محمدًا ليس بكاهنٍ، فتقولوا: هو مِن سَجْعِ الكُهَّانِ، {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}. يقولُ: تَتَّعظون به أنتم قليلًا، [وقليلًا]

(2)

ما تَعْتَبِرُون به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} : طهَّره اللهُ من ذلك وعصَمه، {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}: طهَّره اللهُ مِن الكَهانة، وعصَمه منها

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 263 إلى المصنف.

(2)

سقط من: م.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 263 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 242

الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنه تنزيلٌ من ربِّ العالمين نزَل عليه، ولو تَقَوَّل عليْنا محمدٌ بعضَ الأقاويلِ الباطلةِ، وتكذَّب علينا.

{لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} . يقولُ: لأَخَذْنا منه بالقوَّة منا والقدرةِ، ثم لقطَعْنا منه نِياطَ القلبِ.

وإنما يعنى بذلك أنه كان يُعاجِلُه بالعقوبةِ، ولا يُؤَخِّرُه بها.

وقد قيل: إن معنى قولِه: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} : لأَخَذْنا منه باليد اليمنى مِن يدَيه. قالوا: وإِنما ذلك مَثَلٌ، ومعناه: إِنَّا كنَّا نُذِلُّه ونُهِينُه، ثم نَقْطَعُ منه بعد ذلك الوتينَ. قالوا: وإنما ذلك كقولِ ذى السلطانِ إذا أراد الاستخفاف ببعضِ مَن بينَ يدَيه، لبعضِ أعوانِه: خُذْ بيدِه فَأَقِمْه، وافْعَل به كذا وكذا. قالوا: وكذلك معنى قولِه: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} . أى: لأَهنَّاه. كالذي يُفْعَلُ بالذى وصَفْنا حالَه.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: {الْوَتِينَ} . قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} . قال: نِياطَ القلبِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه.

(1)

أخرجه الفريابي، وابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق 4/ 347 - والحاكم 2/ 501 من طريق عطاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور -كما في المخطوطة المحمودية ص 429 - إلى عبد بن حميد وابن المنذر وسعيد بن منصور.

ص: 243

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الوتينُ نِياطُ القلبِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} . يقولُ: عِرْقَ القلبِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} : يعنى عِرْقًا في القلبِ، ويقالُ: هو حبلُ القلبِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الْوَتِينَ} . قال: حبلُ القلبِ الذى فى الظَّهْرِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 263 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 263 إلى عبد بن حميد، وأخرجه الحاكم 2/ 501 من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.

ص: 244

الْوَتِينَ}. قال: حبلَ القلبِ

(1)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} : وتينَ القلبِ؛ وهو عِرْقٌ يكونُ في القلبِ، فإذا قُطِع مات الإنسانُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} . قال: الوتينُ نِياطُ القلبِ، الذى القلبُ مُتعلقٌ به.

وإيَّاه عنى الشماخُ بنُ ضرارٍ التَّغْلِبيُّ بقولِه

(3)

:

إذا بلَّغتِنِي وحملت رَحْلِي

عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فما منكم أيُّها الناسُ مِن أحدٍ عن محمدٍ، لو تقوَّل علينا بعضَ الأقاويلِ، فَأَخَذْنا منه باليمينِ، ثم لقطَعْنا منه الوتينَ -حاجزين يَحْجِزوننا عن عقوبتِه وما نفْعَلُه به.

وقيل: {حَاجِزِينَ} . فجُمِع وهو فعلٌ لـ {أَحَدٍ} ، و {أَحَدٍ} في لفظِ

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 315 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 263 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره الطوسى فى التبيان 10/ 110، وابن كثير في تفسيره 8/ 245 بنحوه.

(3)

ديوانه ص 323.

ص: 245

واحدٍ ردًّا على معناه؛ لأنَّ معناه الجمعُ، والعربُ تَجعَلُ "أحدًا" للواحدِ والاثنينِ والجمعِ، كما قيل:{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285]. و"بين" لا تقعُ إلا على اثنين فصاعدًا.

وقولُه: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ هذا القرآنَ {لَتَذْكِرَةٌ} . يعني: عظةٌ يُتَذَكَّرُ به ويُتَّعظُ

(1)

، {لِلْمُتَّقِينَ} ، وهم الذين يتقون عقابَ اللهِ؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} . قال: القرآنُ

(2)

.

وقولُه: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا لنعلَمُ أَنَّ منكم مكذِّبين أيُّها الناسُ بهذا القرآنِ، {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ}. يقولُ جَلَّ ثناؤُه: وإِنَّ التكذيبَ به لحَسْرةٌ وندامةٌ على الكافرين بالقرآنِ يومَ القيامةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} : ذاكم يومَ القيامةِ

(2)

.

(1)

بعده في م: "به".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 263 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 246

{وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} . يقولُ: وإنَّه للحقُّ اليقينُ الذي لا شكَّ فيه أنَّه من عندِ اللهِ، لم يتقوَّلْه محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} . [يقولُ: فَسَبِّحْ]

(1)

بذكرِ ربِّك وتسميتِه العظيمِ، الذى كلُّ شيءٍ في عظمتِه صغيرٌ.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الحاقةِ"

(1)

سقط من: م.

ص: 247

‌تفسيرُ سورةِ سأل سائلٌ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)} .

قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {سَأَلَ سَائِلٌ} ؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: {سَأَلَ سَائِلٌ} بهمزِ {سَأَلَ سَائِلٌ}

(1)

. بمعني: سأَل سائلٌ مِن الكفارِ، عن عذابِ اللهِ، بمن هو واقعٌ. وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ:(سال سائلٌ)

(2)

فلم يَهْمِزْ "سال"، ووجَّهَه إلى أنه "فعَل" مِن السَّيْلِ.

والذي هو أولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بالهمزِ

(3)

؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على ذلك، وأن عامةَ أهلِ التأويلِ من السلفِ بمعنى الهمزِ تأوَّلوه.

ذكرُ مَن تأوَّل ذلك كذلك، وقال تأويلَه نحوَ قولِنا فيه

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} . قال: ذاك سؤالُ الكفارِ عن عذابِ اللهِ، وهو واقعٌ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {إِنْ

(1)

وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 291.

(2)

هي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. المصدر السابق.

(3)

القراءتان كلتاهما صواب.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 247 عن العوفي، عن ابن عباس.

ص: 248

كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية [الأنفال: 32]. قال: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} .

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ:{سَأَلَ سَائِلٌ} . قال: دعا داعٍ، {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. قال: يَقَعُ فى الآخرةِ. قال: وهو قولُهم: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ}

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} . قال: سأَل عذابَ اللهِ أقوامٌ، فبيَّن اللهُ على مَن يَقَعُ

(2)

، على الكافرين.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{سَأَلَ سَائِلٌ} . قال: سأَل عن عذابٍ واقعٍ. فقال اللهُ: {لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ}

(3)

.

وأما الذين قرَءوا ذلك بغير همزٍ، فإنهم قالوا: السائلُ: وادٍ مِن أوديةِ جهنمَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} . قال: قال بعضُ أهلِ العلمِ: هو وادٍ في جهنمَ يقالُ له:

(1)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 296 من طريق الأعمش عن مجاهد، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 247 عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 264 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

فى ت 2، ت 3:"تهيج".

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 316 عن معمر به.

ص: 249

سائلٌ

(1)

.

وقولُه: {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} . يقول: سأَل بعذابٍ للكافرين، واجبٍ لهم يومَ القيامةِ، واقعٍ بهم. ومعنى:{لِلْكَافِرِينَ} على الكافرين. كالذي حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} . يقولُ: واقعٍ على الكافرين.

واللامُ فى قولِه: {لِلْكَافِرِينَ} من صلةِ "الواقعِ".

وقولُه: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ

(2)

مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس للعذابِ الواقعِ على الكافرين مِن اللهِ دافعٌ يَدْفَعُه عنهم.

وقولُه: {ذِي الْمَعَارِجِ} . يعنى: ذى العُلُوِّ والدرجاتِ والفَواضل والنِّعمِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:{ذِي الْمَعَارِجِ} . يقولُ: العلوِّ والفَواضلِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ} : ذى الفَواضِلِ والنِّعمِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 248.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان 2/ 49 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 264 إلى ابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 264 إلى عبد بن حميد.

ص: 250

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ} . قال: معارجُ السماءِ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {ذِي الْمَعَارِجِ} . قال: اللهُ ذو المعارجِ.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{ذِي الْمَعَارِجِ} . قال: ذى الدرجاتِ

(2)

.

وقولُه: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: تَصْعَدُ الملائكةُ والروحُ، وهو جبريلُ عليه السلام، {إِلَيْهِ}. يعنى: إلى اللهِ جلَّ وعزَّ، والهاءُ فى قولِه:{إِلَيْهِ} عائدةٌ على اسمِ اللهِ، {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}. يقولُ: كان مقدارُ صعودِهم ذلك، في يومٍ لغيرِهم مِن الخلقِ، خمسينَ ألفَ سنةٍ، وذلك أَنَّها تَصْعَدُ مِن مُنْتَهَى أمرِه

(3)

من أسفلِ الأرضِ السَّابعةِ، إلى منتهى أمرِه من فوقِ السَّماواتِ السبعِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عُمرَ

(4)

بن معروفٍ، عن ليثٍ،

(1)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (568) من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 264 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 247.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في النسخ: "عمرو". والمثبت من الجرح 6/ 136، وتفسير ابن كثير 8/ 248.

ص: 251

عن مجاهدٍ: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} . قال: من مُنْتَهَى أَمرِه من أسفلِ الأرَضِين إلى مُنْتَهَى أمرِه مِن فوق السماواتِ مقدارُ خمسين ألفَ سنةٍ، و {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [السجدة: 5]: يعنى بذلك نزولَ الأمرِ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ومن الأرضِ إلى السماءِ، في يومٍ واحدٍ، فذلك مقدارُه ألفُ سنةٍ؛ لأن ما بينَ السماءِ إلى الأرضِ مسيرةُ خمسمائةِ عامٍ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تَعْرُجُ الملائكةُ والروحُ إليه في يومٍ يَفْرُغُ فيه من القضاءِ بينَ خلقِه، كان قدرُ ذلك اليومِ الذى فرَغ فيه من القضاءِ بينَهم قدرَ خمسين ألفَ سنةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ:{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} . قال: في يومٍ واحدٍ، يَفْرُغُ في ذلك اليومِ من القضاءِ، كقدرِ خمسين ألفَ سنةٍ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ:{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} . قال: يومِ القيامةِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ فى هذه الآيةِ:{خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} . قال: يومَ القيامةِ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 248 عن المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 316 عن سفيان به.

(3)

تفسير مجاهد ص 673 من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.

ص: 252

وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}: ذاكم يومَ القيامةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ -قال معمرٌ: وبلَغَنى أيضًا عن عكرمةَ فى قولِه: {مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} : لا يَدْرِى أحدٌ كم مضَى، ولا كم بقِى، إلا اللهُ

(2)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} : فهذا يومُ القيامةِ، جعَله اللهُ على الكافرين مقدارَ خمسين ألفَ سنةٍ

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} : يعنى يومَ القيامةِ

(4)

.

حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} . قال: هذا يومُ القيامةِ

(4)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن دَرّاجًا حدَّثه، عن أبي الهيثمِ، عن أبي

(5)

سعيدٍ أنه قال لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} : ما أطولَ هذا! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيدِه، إنه لَيُخَفَّفُ على المؤمنِ حتى يكونَ أخفَّ عليه مِن الصلاةِ المكتوبةِ يُصَلِّيها في

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 264 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 316 عن معمر به.

(3)

علقه البيهقى فى الشعب 1/ 324 عن على بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 264 إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 249.

(5)

سقط من: م، ت 1.

ص: 253

الدنيا"

(1)

.

وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في ذلك غيرُ القولِ الذى ذكَرْنا عنه، وذلك ما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، أن رجلًا سأَل ابن عباسٍ عن {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ

(2)

أَلْفَ سَنَةٍ} [السجدة: 5]، فقال: فما {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ؟ قال: إنما سأَلْتُك لتُخْبِرَني. قال: هما يومان ذكَرَهما اللهُ في القرآنِ، اللهُ أعلمُ بهما. فكرِه أن يقولَ في كتابِ اللهِ ما لا يَعْلَمُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن ابنِ أبى مُلَيْكَةَ، قال: سأَل رجلٌ ابنَ عباسٍ عن {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} . قال: فاتَّهَمه. فقيل له فيه. فقال: ما {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فقال: إنما سأَلْتُك لتُخْبِرَنى، فقال: هما يومان ذكَرَهما اللهُ جلَّ وعزَّ، اللهُ أعلمُ بهما، وأكْرَهُ أن أقولَ فى كتابِ اللهِ بما لا أَعْلَمُ

(3)

.

وقرَأَت عامةُ قرأةِ الأمصارِ قولَه: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} بالتاءِ

(4)

، خلا الكِسائيَّ، فإنه كان يَقْرَأُ ذلك بالياءِ؛ بخبرٍ كان يَرْوِيه عن ابنِ مسعودٍ أنه قرَأ ذلك كذلك

(5)

.

والصوابُ من قراءةِ ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارٍ، وهو بالتاءِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ عليه.

(1)

أخرجه ابن حبان (7334) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد 18/ 246 (11717)، وأبو يعلى (1390) من طريق دراج به.

(2)

بعده في ت 1: "خمسين".

(3)

تقدم تخريجه في 1/ 80.

(4)

وهى قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة ونافع. ينظر حجة القراءات 721.

(5)

أخرجه الفراء في معانى القرآن 3/ 184 من طريق أبي إسحاق، عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد.

ص: 254

وقولُه: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فاصْبِرْ [يا محمدُ]

(1)

{صَبْرًا جَمِيلًا} . يعنى: صبرًا لا جَزَعَ فيه. يقولُ له: اصْبِرْ على أذى هؤلاء المشركين لك، ولا يثْنِيك ما تَلْقَى منهم من المكروهِ عن تبليغِ ما أمرك ربُّك أن تُبَلِّغَهم من الرسالةِ.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} . قال: هذا حينَ كان يَأْمُرُه بالعفوِ عنهم، لا يُكافِئُهم، فلمَّا أُمِرَ بالجهادِ والغِلْظةِ عليهم، أمِر بالشدةِ والقتلِ حتى يَتْرُكوا، ونُسِخ هذا.

وهذا الذي قاله ابنُ زيدٍ أنه كان أُمِر بالعفوِ بهذه الآيةِ، ثم نُسِخ ذلك، قولٌ لا وجهَ له؛ لأنه لا دلالةَ على صحةِ ما قال، من بعضِ الأوجهِ التي تَصِحُّ منها الدَّعاوَى، وليس فى أمرِ اللهِ نبيَّه صلى الله عليه وسلم فى الصبرِ الجميلِ على أذى المشركين، ما يُوجِبُ أن يكونَ ذلك أمرًا منه له به فى بعضِ الأحوالِ، بل كان ذلك أمرًا مِن اللهِ له به فى كلِّ الأحوالِ؛ لأنه لم يَزَلْ صلى الله عليه وسلم مِن لَدُنْ بعَثَه اللهُ إلى أن اخْتَرَمه في أذًى منهم، وهو في كلِّ ذلك صابرٌ على ما يَلْقَى منهم من أذًى، قبل أن يَأْذَنَ اللهُ له بحربِهم، وبعدَ إذنِه له بذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ}

يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ هؤلاء المشركين يَرَوْن العذابَ الذي سأَلوا عنه، الواقعَ

(1)

سقط من: م.

ص: 255

عليهم، بعيدًا وقوعُه. وإنما أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنهم يَرَوْن ذلك بعيدًا؛ لأنهم كانوا لا يُصَدِّقون به، ويُنْكِرون البعثَ بعد المماتِ، والثوابَ والعقابَ.

فقال: إنهم يَرَوْنه غيرَ واقعٍ، ونحنُ نراه قريبًا؛ لأنه كائنٌ، وكلُّ ما هو آتٍ قريبٌ.

والهاءُ والميمُ من قولِه: {إِنَّهُمْ} . من ذكرِ الكافرين. والهاءُ من قولِه: {يَرَوْنَهُ} . من ذكرِ العذابِ.

وقولُه: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تكونُ السماءُ كالشيءِ المُذابِ. وقد بيَّنْتُ معنى المُهْلِ فيما مضَى بشواهدِه، واختلافَ المختلفين فيه، وذكَرْنا ما قال فيه السلفُ

(1)

، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كَالْمُهْلِ} . قال: كعَكَرِ الزيتِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} : تَتَحَوَّلُ يومَئِذٍ لونًا آخرَ؛ إلى الحمرةِ.

وقولُه: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} . يقولُ: وتكونُ الجبالُ كالصوفِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

ينظر ما تقدم في 15/ 248.

(2)

تقدم تخريجه في 15/ 249.

ص: 256

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كَالْعِهْنِ} . قال: كالصُّوفِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{كَالْعِهْنِ} . قال: كالصوفِ

(2)

.

وقولُه: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَسْأَلُ [قريبٌ قريبَه]

(3)

عن شأنِه لشغلِه بشأنِ نفسِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} : يُشْغَلُ كلُّ إنسانٍ بنفسِه عن الناسِ

(4)

.

وقولُه: {يُبَصَّرُونَهُمْ} . اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بالهاءِ والميمِ في قولِه: {يُبَصَّرُونَهُمْ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الأقْرِباءُ، أنهم يُعَرَّفون أقْرباءَهم، ويُعَرَّفُ كُلُّ إنسانٍ قريبَه، فذلك تَبْصيرُ اللهِ إياهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يُبَصَّرُونَهُمْ} . قال: يُعَرَّفُ بعضُهم بعضًا، ويَتَعارَفون بينَهم، ثم

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 317 عن معمر به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"قريبا قريبا".

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 257

يَفِرُّ بعضُهم مِن بعضٍ، يقولُ:{لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}

(1)

[عبس: 37].

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{يُبَصَّرُونَهُمْ} : يُعَرَّفونهم يُعَلَّمون، واللهِ لِيُعَرَّفَنَّ قومٌ قومًا، وأَناسٌ أناسًا

(2)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك المؤمنون أنهم يُبَصَّرون الكفارَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُبَصَّرُونَهُمْ} : المؤمنون يُبَصَّرون الكافرين

(2)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك الكفارُ الذين كانوا أتباعًا لآخرين في الدنيا على الكفرِ، أنهم يُعَرَّفون المَتْبوعين في النارِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يُبَصَّرُونَهُمْ} . قال: يُبَصَّرون الذين أضَلُّوهم فى الدنيا في

(3)

النارِ

(4)

.

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحة عندنا قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يَسْأَلُ حميمٌ حميمًا عن شأنِه، ولكنهم يُبَصَّرُونهم فيعْرِفونهم، ثم يَفِرُّ بعضُهم من بعضٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سقط من: م.

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 285.

ص: 258

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37].

وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلات بالصوابِ؛ لأن ذلك أشبهُها بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن قولَه:{يُبَصَّرُونَهُمْ} . تلا قولَه: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} . فلأن تكونَ الهاءُ والميمُ مِن ذكرِهم أشبهُ منها بأن تكونَ من ذكرِ غيرِهم.

واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {وَلَا يَسْأَلُ} . فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبي جعفرٍ القارئِ وشَيبةَ بفتحِ الياءِ، وقرَأه أبو جعفرٍ وشيبةُ:(ولا يُسْأَلُ). بضمِّ الياءِ

(1)

، يعني: لا يُقالُ لحميمٍ: أين حميمُك؟ ولا يُطْلَبُ بعضُهم مِن بعضٍ.

والصوابُ من القراءةِ عندَنا فتحُ الياءِ، بمعنى: لا يَسْأَلُ الناسُ بعضُهم بعضًا عن شأنِه؛ لصحةِ معنى ذلك، ولإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يَوَدُّ الكافرُ يومَئِذٍ ويَتَمَنَّى أنه يَفْتَدِى مِن عذابِ اللهِ إياه ذلك اليومَ ببَنِيه، وصاحبتِه، وهي زوجتُه، وأخيه، وفَصيلتِه، وهم عَشيرتُه.

{الَّتِي تُؤْوِيهِ} ، يعني: التي تَضُمُّه إلى رحلِه، وتَنْزِلُ فيه امرأتُه، لقرابةِ ما بينَها وبينَه، وبمَن في الأرضِ جميعًا من الخلقِ، ثم يُنْجِيه ذلك من عذابِ اللهِ إياه ذلك اليومَ. بدَأ جلَّ ثناؤُه بذكرِ البنينَ، ثم الصاحبةِ، ثم الأخِ، إعلامًا منه عبادَه أن الكافرَ من عظيمِ ما يَنْزِلُ به يومَئذٍ مِن البلاءِ يَفْتَدِى نفسَه، لو وجَد إلى ذلك سبيلًا، بأحبِّ الناسِ إليه

(1)

واختلف عن البزى، فعنه بضم الياء مثلهما، وعنه بالفتح كالباقين. النشر 2/ 292.

(2)

القراءة بضم الياء متواترة، قال أبو حيان: أي: لا يُسأل إحضاره، كل من المؤمن والكافر له سيما يعرف بها. وقال البنا الدمياطى فى الإتحاف ص 261: بضم الياء مبنيا للمفعول، ونائبه "حميم"، و "حميما" نصب بنزع الخافض "عن".

ص: 259

كان في الدنيا، وأقربِهم إليه نسبًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ} الأحبِّ فالأحبِّ، والأقربِ فالأقربِ من أهلهِ وعشيرتِه، لشدائدِ ذلك اليومِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ} . قال: قبيلتهِ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَصَاحِبَتِهِ} . قال: الصاحبةُ الزوجةُ، {وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ}. قال: فصيلتُه عشيرتُه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى} .

يقولُ تعالى ذكرُه: كلا، ليس ذلك كذلك، ليس يُنْجِيه مِن عذابِ الله شيءٌ. ثم ابْتَدَأ الخبرَ عما أعَدَّه له هنالك جلَّ ثناؤُه، فقال:{إِنَّهَا لَظَى} . ولظَى اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ، ولذلك لم يُجْرَ.

واخْتَلَف أهلُ العربية فى موضعِها؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: موضعها

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 260

نصبٌ على البدل من الهاءِ، وخبرُ "إِنَّ" {نَزَّاعَةً}. قال: وإِن شئتَ جَعَلْتَ {لَظَى} رفعًا على خبرِ "إِنَّ"، ورَفَعْت {نَزَّاعَةً} على الابتداءِ.

وقال بعضُ مَن أنكَر ذلك: لا يَنْبَغِى أن يَتْبَعَ الظاهرُ المَكْنىَّ إلا في الشذوذِ. قال: والاختيارُ {إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . {لَظَى} الخبرُ، و {نَزَّاعَةً} حالٌ. قال: ومَن رفَع اسْتَأْنَف؛ لأنه مدحٌ أو ذمٌّ، قال: ولا تكونُ ابتداءً إلا كذلك.

والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا أن {لَظَى} الخبرُ، و (نَزَّاعَةٌ) ابتداءٌ، فلذلك رُفِعَ، ولا يَجوزُ النصبُ فى القراءةِ؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ على رفعِها، ولا قارئَ قرأ كذلك بالنصبِ

(1)

، وإن كان للنصبِ فى العربية وجهٌ. وقد يَجوزُ أن تكونَ الهاءُ من قولِه:"إنها". عِمادًا، و "لظى" مرفوعةٌ بـ "نزاعةٌ"، و "نزاعةٌ" بـ "لظى"، كما يقالُ: إنها هندٌ قائمةٌ، وإنه هندٌ قائمةٌ. فالهاءُ عمادٌ في الوجهين.

وقولُه: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن "لظى" أنها تَنْزِعُ جلدةَ الرأسِ وأطرافَ البدن. والشَّوَى جمعُ شَواةٍ، وهي مِن جوارحِ الإنسانِ ما لم يَكُنْ مَقْتَلًا، يقالُ: رمَى فَأشْوَى. إذا لم يُصِبْ مَقْتَلًا، فربما وصَف الواصفُ بذلك جلدةَ الرأسِ، كما قال الأَعْشَى

(2)

:

قالت قتيلةُ ما لَهُ

قد جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهْ

وربما وصَف بذلك الساقَ، كقولِهم في صفةِ الفرسِ: عبلُ

(3)

الشَّوَى، نَهْدُ

(4)

الجُزارَةِ، يعنى بذلك قوائمَه. وأصلُ ذلك كلِّه ما وصَفْتُ.

(1)

قراءة النصب متواترة، وبها قرأ حفص عن عاصم. النشر 2/ 292.

(2)

البيت فى مجاز القرآن 2/ 269، واللسان (ش و ي).

(3)

العبل: الضخم من كل شيء. اللسان (ع ب ل).

(4)

فرس نهد: جسيم مشرف. اللسان (ن هـ د).

ص: 261

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . قال: تَنْزِعُ أمَّ الرأسِ

(1)

.

حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الصَّوَّافُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا يحيى بنُ مُهَلَّبٍ أبو كُدَيْنَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . قال: تَنْزِعُ الرأسَ.

حدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} : يعنى الجلودَ والهامَ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . قال: لجلودِ الرأسِ

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إبراهيمَ بنُ المُهاجِرِ، قال: سأَلْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن قولِه: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . فلم يُخْبِرْ، فسأَلْتُ عنها مجاهدًا، فقلتُ: اللحمُ دونَ العظمِ؟ فقال: نعم

(4)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى المصنف.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 252.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 252.

ص: 262

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . قال: لحمِ الساقِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ السُّوَائيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . قال: نَزاعةً للحمِ الساقين

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن قرة بنُ خالدٍ، عن الحسنِ:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . قال: للهامِ، تَحْرِقُ كلَّ شيءٍ منه، ويَبْقَى فؤادُه يَصيحُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ في قولِه:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . ثم ذكَر نحوَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . أى: نَزَّاعةً لهامتِه ومكارمِ خَلْقِه وأطرافِه

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحَاك يقولُ في قولِه: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} : تَبْرِى اللحمَ والجلدَ عن العظمِ حتى لا تَتْرُكَ منه شيئًا

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 168 من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في م: "نضيجًا".

والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 317 من طريق قرة به.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد الرزاق وعبد بنُ حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (135، 242) من طريق جويبر عن الضحاك.

ص: 263

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} . قال: الشَّوَى الآرابُ العظامُ، ذاك الشَّوَى

(1)

.

وقولُه: {نَزَّاعَةً} . قال: تَقْطَعُ عظامَهم كما تَرَى، ثم يُجَدَّدُ خَلقُهم وتُبَدَّلُ جلودُهم.

وقولُه: {تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} . يقولُ: تَدْعو لظَى إلى نفسِها، مَن أَدْبَر في الدنيا عن طاعةِ اللهِ، وتوَلَّى عن الإيمانِ بكتابهِ وبرسلِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} . قال: عن طاعةِ اللهِ، {وَتَوَلَّى}. قال: عن كتابِ اللهِ، وعن حقِّه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} . قال: عن الحقِّ

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} . قال: ليس لها سلطانٌ إلا على

(4)

مَن

(5)

كفَر وتولَّى وأدْبَر عن اللهِ، فأما

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 252.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

بعده في م: "هوان".

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أدبرو".

ص: 264

مَن آمَن باللهِ ورسولهِ فليس لها عليه سلطانٌ.

وقولُه: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} . يقولُ: وجمَعَ مالًا فجعله في وعاءٍ، ومنَع حقَّ اللهِ منه، فلم يُزَكِّ، ولم يُنْفِقْ فيما أوْجَب اللهُ عليه إنفاقَه فيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، الحارث، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه:{وَجَمَعَ فَأَوْعَى} . قال: جمَع المالَ

(1)

.

حدَّثنا محمد بنُ منصورٍ الطُّوسىُّ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا المسعودىُّ، عن الحكمِ قال: كان عبدُ اللهِ بنُ عُكَيمٍ

(2)

لا يَرْبُطُ كِيسَه، يقولُ: سَمِعْتُ اللهَ يقولُ: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى}

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَجَمَعَ فَأَوْعَى} : كان جَموعًا قَمُومًا للخَبِيثِ

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)} .

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد بنُ حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عظيم".

(3)

أخرجه ابن سعد 6/ 114 من طريق أبي قطن به.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 265 إلى عبد الرزاق وعبد بنُ حميد وابن المنذر.

ص: 265

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنسانَ الكافر خُلِق هَلُوعًا. والهَلَعُ شدَّةُ الجَزَعِ مع شدة الحرصِ والضَّجَرِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} . قال: هو الذي قال اللهُ: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} . ويقالُ: الهَلوعُ هو الجَزوعُ الحريصُ. وهذا في أهل الشركِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ بن إسحاقَ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيد بن جبيرٍ:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} قال: شَحيحًا جزوعًا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عكرمةَ:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} . قال: ضَجُورًا

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ} -يعنى الكافرَ- {خُلِقَ هَلُوعًا} يقولُ: هو بخيلٌ مَنوعٌ للخيرِ، جَزوعٌ إذا نزَل به البلاءُ، فهذا الهَلُوعُ

(2)

.

حدَّثنا يحيى بنُ حَبيبِ بنِ عَرَبيٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن حُصَيْنٍ. قال يحيى: قال خالدٌ: وسأَلْتُ أنا شعبةَ عن قولِه: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى ابن المنذر.

(2)

ذكره البغوى في تفسيره 8/ 223.

ص: 266

هَلُوعًا}. فحدَّثنا شعبةُ، عن حُصَيْنٍ أنه قال: الهَلُوعُ الحريصُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، قال: سأَلْتُ حُصَينًا عن هذه الآيةِ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} . قال: حريصًا.

حدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} . قال: الهَلوعُ الجَزوعُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{خُلِقَ هَلُوعًا} . قال: جَزوعًا

(2)

.

وقولُه: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} . يقولُ: إذا قلَّ مالُه وناله الفقرُ والعدمُ، فهو جَزوعٌ مِن ذلك لا صبرَ له عليه، {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}. يقولُ: وإذا كثُر مالُه ونال الغني، فهو مَنوعٌ لما في يدِه، بخيلٌ به، لا يُنفِقُه في طاعةِ اللهِ، ولا يُؤَدِّى حقَّ اللهِ منه.

وقولُه: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} .

يَقولُ: إِلا الذين يُطِيعون اللهَ بأداءِ ما افْتَرَض عليهم من الصلاة،

وهم على أداءِ ذلك مقيمون، لا يُضَيِّعون منها شيئًا، فإن أولئك غيرُ داخلين فى عِدادِ مَن خُلِق هَلُوعًا وهو مع ذلك بربِّه كافرٌ لا يُصَلِّى للهِ.

وقيل: عُنِى بقولِه: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} . المؤمنون الذين كانوا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقيل: عُنِى به كلُّ مَن صلَّى الخمسَ.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 317 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى ابن المنذر.

ص: 267

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ومُؤَمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} . قال: المكتوبةُ.

حدَّثني زريقُ بنُ السَّخْتِ

(1)

، قال: ثنا معاويةُ بن عمرٍو، قال: ثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} . قال: الصلواتُ

(2)

الخمسُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} . إلى قولِه: {دَائِمُونَ} : ذُكِر لنا أن دَانْيالَ نعَت أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم قال: يُصَلُّون صلاةً لو صلَّاها قومُ نوحٍ ما غرِقوا، أو عادٌ، ما أُرْسِلَت عليهم الريحُ العَقيمُ

(3)

، أو ثمودُ، ما أخَذَتْهم الصيحةُ، فعليكم بالصلاة فإنها خُلُقٌ للمؤمنين حسنٌ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} قال: الصلاةُ المكتوبةُ

(5)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} . قال: هؤلاء المؤمنون الذين مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، على صلاتِهم دائمون.

قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: أَخْبَرَنَا حَيْوةُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن

(1)

فى م: "السخب" وفى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"السحب". وتقدم على الصواب فى 7/ 282، 12/ 613.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الصلاة".

(3)

سقط من: ص، ت 2، ت 3.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 254، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 266 إلى عبد بن حميد.

ص: 268

أبي الخيرِ، أنه سأَل عقبةَ بنَ عامرٍ الجُهَنيَّ عن:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} قال: هم الذين إذا صلَّوا لم يَلْتَفِتوا خلفَهم، ولا عن أيمانِهم، ولا عن شمائِلِهم

(1)

.

حدَّثنى العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: ثنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثتنِى عائشةُ زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "خُذوا من العملِ ما تُطِيقون، فإن اللهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا". قالت: وكان أحبَّ الأعمالِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دُووِمَ عليه. قال: يقولُ أبو سلمةَ: إن اللهَ يقولُ: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإلَّا الذين في أموالِهم حقٌّ مؤقتٌ، وهو الزكاةُ، للسائلِ الذي يَسْأَلُه من مالِه، والمحرومِ الذى قد حُرِم الغِنَى، فهو فقيرٌ لا يَسْأَلُ.

واختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بالحقِّ المعلومِ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الزكاةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

أخرجه ابن حبان (353) من طريق الوليد بن مزيد البيروتي به، وأخرجه أحمد 6/ 84 (الميمنية)، وابن خزيمة (1283) من طريق الأوزاعى به، وأخرجه أحمد 6/ 189، 233، 244 (الميمنية)، والبخارى (1970)، ومسلم (782/ 177) من طريق يحيى بن أبي كثير به، وأخرجه أحمد 6/ 176، 180، والبخارى (6465) من طريق أبي سلمة به.

ص: 269

{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} . قال: الحقُّ المعلومُ الزكاةُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهُمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} . قال: الزكاةُ المفروضةُ.

وقال آخرون: بل ذلك حقٌّ سِوى الزكاةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} . يقولُ: هو سِوى الصدقةِ يَصِلُ بها رَحِمًا، أو يَقْرِى بها ضيفًا، أو يَحْمِلُ بها كَلًّا، أو يُعِينُ بها محرومًا

(2)

.

حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمنِ، عن شعبةَ، عن أبي يونسَ، عن رباحِ ابن عبيدةَ، عن قَزَعةَ، أن ابن عمر سُئِل عن قولِه:{فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} أهى الزكاةُ؟ فقال: إن عليك حقوقًا سوى ذلك

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا بيانٌ، عن الشعبيِّ قال: إن فى المالِ حقًّا سِوى الزكاةِ

(4)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: فى المالِ حقٌّ سِوى الزكاةِ

(5)

.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 18/ 291.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 113 إلى ابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف 3/ 191 من طريق أبي يونس به.

(4)

أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف 3/ 191 عن ابن فضيل به.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة فى المصنف 3/ 190 من طريق الأعمش به.

ص: 270

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ:{فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} قال: سِوى الزكاةِ

(1)

.

وأجمعوا على أن السائلَ هو الذي وَصَفْتُ صِفَتَه.

واختلَفوا أيضًا في معنى "المحرومِ" فى هذا الموضِع، نحو اختلافِهم فيه في "الذارياتِ"، وقد ذكَرْنا ما قالوا فيه هنالك، ودلَّلنا على الصحيحِ منه عندَنا

(2)

، غيرَ أنا نَذْكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرُ من الأخبارِ هنالك.

‌ذكرُ مَن قال: هو المحارَفُ

حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا الحجاجُ، عن الوليدِ ابن العَيْزارِ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال: المحرومُ هو المحارَفُ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مسلمُ بن خالدٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: المحرومُ المحارَفُ

(3)

.

حدَّثنا سهلُ بن موسى الرازىُّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بن كُركُمٍ، عن ابن عباسٍ قال: السائلُ والمحرومُ، المحارَفُ الذي ليس له في الإسلامِ نصيبٌ

(4)

.

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بن كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: المحرومُ المحارَفُ الذي ليس له في الإسلام سهمٌ

(4)

.

حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/ 191 من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 113 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ينظر ما تقدم في 21/ 511.

(3)

تقدم تخريجه فى 21/ 514.

(4)

تقدم تخريجه في 21/ 512، 513.

ص: 271

إسحاقَ، عن قيس بن كُركُمٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ:{لِلْسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} قال: السائلُ الذي يَسْأَلُ، والمحرومُ المحارَفُ

(1)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمعتُ أبا إسحاقَ يُحدِّثُ عن قيس بن كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ:{لِلْسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} قال: السائلُ الذى يَسْأَلُ، والمحرومُ المحارَفُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن قيس بن كُركُمٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِه: {لِلْسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} . قال: السائلُ الذى يَسْأَلُ، والمحرومُ المحارَفُ الذى ليس له في الإسلامِ سهمٌ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ المقدمىُّ، قال: ثنا قريشُ بنُ أنسٍ، عن سليمانَ، عن قتادةَ، عن سعيد بن المسيبِ: المحرومُ المحارَفُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا قريشٌ، عن سليمانَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيب مثلَه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن المحرومِ فلم يَقُلْ فيه شيئًا. قال: وقال عطاءٌ: هو المحدود المحارفُ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن قيسِ بنِ كُركُمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السائلُ الذي يَسْأَلُ النَّاسَ، والمحرومُ الذي لا سهمَ له في الإسلامِ، وهو محارَفٌ من الناسِ

(4)

.

(1)

تقدم تخريجه في 21/ 512.

(2)

تقدم تخريجه في 21/ 513.

(3)

تقدم تخريجه في 21/ 514.

(4)

تقدم تخريجه في 21/ 511

ص: 272

حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المحرومُ الذى لا يُهدَى له شيءٌ وهو محارَفٌ

(1)

.

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المحرومُ هو المحارَفُ الذي يَطْلُبُ الدنيا وتُدْبِرُ عنه، فلا يَسْأَلُ الناسَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال في المحرومِ: هو المحارَفُ الذى ليس له أحدٌ يَعْطِفُ عليه، أو يُعْطِيه شيئًا

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن إبراهيم قال: المحرومُ الذى لا فىْءَ له في الإسلامِ، وهو محارَفٌ في الناسِ

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أَخْبَرَنَا أيوبُ، عن نافعٍ: المحرومُ هو المحارَفُ

(4)

.

وقال آخرون: هو الذى لا سهمَ له في الغنيمةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، أن ناسًا قدِموا على عليٍّ، رضي الله عنه، الكوفةَ بعدَ وقعةِ الجملِ، فقال: اقسِموا لهم. وقال: هذا المحرومُ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: المحرومُ المحارَفُ الذي ليس له في الغنيمةِ شيءٌ.

(1)

تقدم تخريجه في 21/ 512.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 113 إلى ابن أبي حاتم.

(3)

تقدم في 21/ 513، 516.

(4)

تقدم تخريجه في 21/ 514

(5)

تقدم تخريجه في 21/ 516.

ص: 273

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانِ، عن قيسِ بن مسلمٍ الجدَلىِّ، عن الحسنِ بنِ محمدِ ابنِ الحنفيةِ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ سريةً فغنِموا وفُتِح عليهم، فجاء قومُ لم يَشْهَدوا، فنزَلت:{فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} يعنى هؤلاء

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيس بن مسلمٍ، عن الحسن بن محمدٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعث سريةً فغنِموا، فجاء قومٌ لم يَشْهَدوا الغنائمَ، فنزَلت:{فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدةَ، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ الجدلىِّ، عن الحسنِ بنِ محمدٍ، قال: بُعِثت سَرِيةٌ فغنِموا، ثم جاء قومٌ من بعدِهم. قال: فنزَلت: {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الحسنِ بن محمدٍ أن قومًا فى زمانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أصابوا غنيمةً، فجاء قومٌ بعدُ، فنزَلت:{فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}

(1)

.

وقال آخرون: هو الذي لا يَنْمِي له مالٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن حصينٍ، قال: سألتُ عكرِمةَ عن السائلِ والمحرومِ، قال: السائلُ الذي يَسْأَلُك، والمحرومُ الذى لا يَنْمِي له

(1)

تقدم تخريجه في 21/ 516.

ص: 274

مالٌ

(1)

.

وقال آخرون: هو الذي قد اجتيح مالُه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أَخْبَرَنَا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن أبي قلابةَ، قال: جاء سيلٌ باليمامةِ، فذهَب بمالِ رجلٍ، فقال رجلٌ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: هذا المحرومُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: {وَالْمَحْرُومِ} . قال: المحرومُ المصابُ ثمرُه وزرعُه. وقرأ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ} حتى بلَغ {مَحْرُومُونَ} [الواقعة: 63 - 67}. وقال أصحابُ الجنةِ: {إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [القلم: 26، 27].

وقال الشعبيُّ ما حدَّثني به يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: قال الشعبيُّ: أعياني أن أعلَمَ ما المحرومُ

(3)

؟

وقال قتادةُ ما حدَّثني به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} . قال: السائلُ الذي يَسْأَلُ بكفِّه، والمحرومُ المتعفِّفُ، ولكليهما عليك حقٌّ يابنَ آدمَ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لِلْسَّائِلِ

(1)

تقدم تخريجه في 21/ 517.

(2)

تقدم تخريجه في 21/ 513.

(3)

تقدم تخريجه في 21/ 518.

(4)

تقدم تخريجه 21/ 514، 515.

ص: 275

وَالْمَحْرُومِ}: وهو سائلٌ يَسْأَلُك فى كفِّه، وفقيرٌ متعفِّفٌ لا يَسْأَلُ الناسَ، ولكليهما عليك حقٌّ.

وقولُه: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} . يقولُ: وإِلَّا الذين يُقِرُّون بالبعثِ يومَ البعثِ والمجازاةِ.

وقولُه: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} . يقولُ: والذين هم في الدنيا من عذابِ ربِّهم وَجِلون أن يُعَذِّبَهم فى الآخرةِ، فهم من خشية ذلك لا يُضَيِّعون له فرضًا، ولا يَتَعَدُّون له حدًّا.

وقولُه: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} : أن ينالَ من عصاه وخالفَ أمرَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} يعنى: أقبالِهم. حافظون عن كلِّ ما حرَّم اللهُ عليهم وضْعَها فيه، إلا أنهم غيرُ ملومِين في تركِ حفظِها {عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من إمائِهم.

وقيل: {لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} . ولم يَتَقدَّمْ ذلك جحدٌ؛ لدلالةِ قولِه: {فَإنِّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} . على أن فى الكلامِ معنى جحْدٍ، وذلك كقولِ القائل: اعمَل ما بدا لك إلا على ارتكابِ المعصيةِ، فإنك معاقَبٌ عليه. ومعناه: اعمَلْ ما بدا لك إلا أنك معاقَبٌ على ارتكابِ المعصيةِ.

وقولُه: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} : فمن التمَس لفرجِه مَنكَحًا سوى زوجتِه أو مِلكِ يمينِه، ففاعِلو ذلك هم العادُون، الذين عدَوا ما أحلَّ اللهُ لهم إلى ما حرَّم عليهم، فهم الملومون.

ص: 276

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإلَّا الذين هم لأماناتِ الله التي اتَّمنَهم عليها من فرائضِه، وأمانات عبادِه التي اتُّمِنوا عليها، وعهودِه التى أخذها عليهم، بطاعتِه فيما أمَرهم ونهاهم، وعهودِ عباده التي أعطاهم، على ما عقَده لهم على نفسِه - راعون، يَرْقُبون ذلك، ويَحْفَظونه فلا يُضَيِّعونه، ولكنهم يُؤَدُّونها ويَتَعَاهَدونها على ما ألزَمهم اللهُ، وأوجَب عليهم حفظَها،

{وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} . يقولُ: والذين لا يَكْتُمون ما استُشْهِدوا عليه، ولكنهم يَقُومون بأدائِها حيثُ يَلْزَمُهم أداؤُها، غيرَ مُغَيَّرةٍ ولا مُبَدَّلةٍ.

{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} . يقولُ: والذين هم على مواقيتِ صلاتِهم التى فرضَها اللهُ عليهم، وحدودِها التى أوجبَها عليهم يُحافِظون، ولا يُضَيِّعون لها ميقاتًا ولا حدًّا.

وقولُه: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} . يقولُ عز وجل: هؤلاء الذين يَفْعَلُون هذه الأفعال في بساتينَ مُكْرَمون، يُكْرِمُهم اللهُ فيها بكرامتِه.

‌القولُ في تأويل قولِه تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فما شأنُ الذين كفروا باللهِ قِبَلَك يا محمدُ مُهْطِعِين؟! وقد بيَّنا معنى الإهطاعِ وما قال أهلُ التأويل فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ

(1)

، غيرَ أنَّا نذكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذكُرْه هنالِك.

(1)

تقدم فى 13/ 704، 22/ 118، 119.

ص: 277

فقال قتادةُ فيه ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} . يقولُ: عامِدين

(1)

.

وقال ابنُ زيدٍ فيه ما حدَّثنا يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} . قال: المهطِعُ الذى لا يَطْرِفُ.

وكان بعضُ أهل المعرفة بكلام العرب من أهلِ البصرةِ

(2)

يقولُ: معناه: مُسْرِعين.

ورُوِى فيه عن الحسن ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قولِه:{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} . قال: مُنْطَلِقين

(3)

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسنِ مثلَه.

وقولُه: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} . يقولُ: عن يمينك يا محمدُ، وعن شمالِك مُتَفَرِّقين حِلَقًا ومجالسَ، جماعةً جماعةً، مُعرِضين عنك وعن كتابِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} . قال: قِبَلَك يَنْظُرون، {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ السَّمَالِ عِزِينَ}. قال: العِزِينَ العُصَبُ

(4)

من الناسِ، عن يمينٍ

(1)

تقدم تخريجه في 13/ 705.

(2)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 270.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى عبد بن حميد.

(4)

العُصَب: جمع عصبة، وهى جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين. اللسان (ع ص ب).

ص: 278

وشمالٍ، مُعْرِضين عنه، يَسْتَهزِئون به

(1)

.

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} . قال: مجالِسَ مُجنِبِين

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} . يقولُ: عامِدين، {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}. أَى: فِرَقًا حولَ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لا يَرْغَبون فى كتابِ الله ولا فى نبيِّه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة قولَه:{عِزِينَ} . قال: العِزينَ الحِلَقُ، المجالسُ

(4)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {عِزِينَ} . قال: حِلَقًا ورُفَقًا.

حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} . قال: العِزِينَ المجلسُ الذي فيه الثلاثةُ والأربعةُ، والمجالسُ الثلاثةُ والأربعةُ، أولئك العِزُون.

حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى الفزارىُّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو الأحوصِ، عن عاصمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ يرفَعُه، قال:"مالي أراكم عِزِينَ"؟ والعِزِين

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 255 عن العوفي، عن ابنِ عباسٍ، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 266 إلى المصنف.

(2)

في ص: "مجنس"، وفى ت 1:"مجتنبين"، وفى ت 2:"مختلفين".

والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وفيه:"محتبين".

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 317 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى ابن المنذر.

ص: 279

الحِلَقُ المتفرِّقةُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان

(1)

، عن عبدِ الملكِ بن عميرٍ، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم خرَج على أصحابه وهم حِلَقٌ حِلَقٌ، فقال:"مالي أراكم عِزِينَ؟ ".

(2)

.

حدَّثني أبو حَصينٍ، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن المسيَّبِ بن رافعٍ، عن تميمِ بن طَرَفةَ الطائىِّ، عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: دخل علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونحن متفرِّقون، فقال:"مالهم عِزِينَ؟ "

(3)

.

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عمرٍو الغَزِّىُّ، قال: ثنا الفريابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافعٍ، عن تميم بن طَرَفةَ، عن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ناسٍ من أصحابه وهم جلوسٌ، فقال:"مالي أراكم عِزِينَ حِلَقًا؟ "

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المسيَّب بنِ رافعٍ، عن تميمِ بنِ طَرَفةَ، عن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ناسٍ مِن أصحابِه وهم جلوسٌ، فقال:"مالي أراكم عِزِينَ حِلَقًا؟ "

(4)

.

حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المسيَّبِ

(1)

في النسخ: "شقيق".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 256 عن المصنف، وأخرجه ابن حبان (1654) من طريق مؤمل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 لابن مردويه.

(3)

أخرجه النسائي في الكبرى (11622) عن أبي حصين به، وأخرجه مسلم (430)، وأبو داود (4823) والنسائي في الكبرى (11622)، والبيهقى 3/ 234، والطبراني (1830 - 1832) من طريق الأعمش به.

(4)

أخرجه الطبراني (1823)، والبغوى في شرح السنة (3337) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 267 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.

ص: 280

ابن رافعٍ، عن تميمِ بن طَرَفةَ الطائىِّ، قال: ثنا جابرُ بن سَمُرَةَ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرَج عليهم وهم حِلَقٌ، فقال:(مالي أراكم عِزِينَ؟). يقولُ: حِلَقًا. يعنى قولَه: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} .

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسن في قولِه:{عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} . قال: {عِزِينَ} : مُتفرِّقين، يَأْخُذون يمينًا وشمالًا، يقولون: ما قال هذا الرجلُ؟

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا قرةُ، عن الحسن مثلَه.

وواحدُ العِزِينَ عِزَةٌ، كما واحدُ الثُّبِينَ ثُبَةٌ، وواحدُ الكُرِينَ كُرَةٌ. ومن العِزينَ قولُ راعى الإبلِ

(2)

:

أخليفةَ الرحمنِ إنَّ عشيرتى

أمسَى سوامُهم عِزِينَ فُلُولا

وقولُه: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} . يقولُ: أيطمَعُ كُلُّ امرئ من هؤلاء الذين كفروا قِبَلك مهطعينَ أن يُدْخِلَهُ اللهُ {جَنَّةَ نَعِيمٍ} . أى: بساتين نعيمٍ يَنْعَمُ فيها.

واختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: {أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} ؛ فقرأت ذلك عامةُ قرَأةِ الأمصارِ: {يُدْخَلَ} بضمِّ الياء على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، غيرَ الحسنِ وطلحةَ ابنِ مُصَرِّفٍ، فإنه ذُكِر عنهما أنهما كانا يَقْرَأانه بفتحِ الياءِ

(3)

، بمعنى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امرئٍ منهم أن يَدْخُلَ كلُّ امرئٍ منهم جنةَ نعيمٍ.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 255 عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 266 إلى عبد بن حميد.

(2)

ديوانه ص 140.

(3)

وبها قرأ ابن يعمر وأبو رجاء وزيد بن على والمفضل عن عاصم، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط 8/ 336.

ص: 281

والصَّوابُ من القراءة فى ذلك عندنا ما عليه قرَأةُ الأمصارِ، وهى ضمُّ الياءِ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه.

وقولُه: {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} . يقولُ عز وجل: ليس الأمرُ كما يَطْمَعُ فيه هؤلاء الكفارُ من أن يُدْخَلَ كلُّ امرئٍ منهم جنةَ نعيمٍ.

وقولُه: {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} . يقولُ جلَّ وعزَّ: إنا خَلَقْناهم من مَنِىٍّ قذرٍ، وإنما يَسْتَوجِبُ دخولَ الجنةِ مَن يَسْتَوجِبُه منهم بالطاعةِ، لا بأنه مخلوقٌ، فكيفَ يَطْمَعون في دخول الجنة وهم عصاةٌ كفرةٌ؟!

وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} : إنما خُلِقتَ من قذَرٍ يا بنَ آدمَ، فاتَّقِ اللهَ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فلا أُقْسِمُ بربِّ مشارق الأرض ومغاربها، {إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ} .

يقول: إنا لقادرون على أن نُهْلِكَهم ونَأْتي بخيرٍ منهم من الخلقِ، يُطيعونني، ولا يَعْصُونني، {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}. يقول تعالى ذكرُه: وما يَفُوتُنا منهم أحدٌ بأمرٍ نُريدُه منه، فيُعجِزَنا هربًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى عبد بن حميد.

ص: 282

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوب بنْ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ علية، قال: أَخْبَرَنَا عمارةُ بنُ أبى حفصة، عن عكرمة، قال: قال ابن عباسٍ: إن الشمسَ تَطْلُعُ كُلَّ سنةٍ في ثلاثمائةٍ وستينَ كَوَّةً؛ تَطْلُعُ كلَّ يومٍ فى كَوَّةٍ، لا تَرْجِعُ إلى تلك الكوَّةِ إلى ذلك اليوم من العامِ المقبل، ولا تَطْلُعُ إلا وهى كارهةٌ، تقول: ربِّ لا تُطلعني على عبادك، فإني أراهم يَعْصُونك، يَعْمَلون بمعاصِيك أراهم. قال: أو لم تسْمعوا إلى قول أمية بن أبي الصلت

(1)

:

حتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ

قلتُ: يا مولاه، وتُجلد الشمس؟ فقال: عَضِضتَ بِهَنِ أَبيك، إنما اضطرَّه الرَّوِىُّ إلى الجلْدِ

(2)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابنُ عمارة، قال: أَخْبَرَنَا عمارة، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ:{بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} . قال: إِنَّ الشمسَ تَطْلُعُ مِن ثلاثمائةٍ وستِّين مَطْلِعًا؛ تَطْلُعُ كلَّ يومٍ مِن مَطلعِ لا تعودُ فيه إلى قابلٍ، ولا تَطْلُعُ إلا وهى كارهةٌ. قال عكرمة: فقلتُ له: قد قال الشاعرُ:

حتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ

قال: فقال ابنُ عباسٍ: عَضِضْتَ بِهَنِ أَبِيكَ، إنما اضْطَرَّه الرَّوِيُّ.

حدَّثنا خلَّادُ بن أسلم، قال: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قال: أَخْبَرَنَا شعبةُ، قال: أَخْبَرَنَا عمارةُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ في ثلاثمائةٍ وستِّين كوَّةً،

(1)

ديوانه ص 29 وروايته:

ليست بطالعة لهم في رسلها

إلا معذبة وإلَّا تجلدُ

(2)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (650) من طريق ابن علية به.

ص: 283

فإذا طَلَعت فى كوَّةٍ لم تَطْلُعْ منها حتى العام المقبلِ، ولا تَطْلُعُ إلا وهي كارهةٌ

(1)

.

حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} . قال: هو مَطْلِعُ الشمسِ ومغربُها، ومطلِعُ القمرِ ومغرِبُه

(2)

.

وقولُه: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} . يقولُ لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فذَرْ هؤلاءِ المشركين المُهْطِعين، عن اليمين وعن الشمال عزينٍ، يخوضوا في باطلهم، ويلعَبوا في هذه الدنيا، {حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ}. يقولُ: حتى يُلاقوا عذاب يوم القيامةِ الذى يُوعَدونه.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)} .

وقولُه: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ} . بيانٌ وتوجيهٌ عن اليوم الأوَّلِ الذي في قولِه: {يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} . وتأويل الكلام: حتى يُلاقوا يومهم الذى يُوعَدُونه {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} . وهى القبورُ، واحدُها جَدَثٌ، {سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} .

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا} . أى: من القبورِ سِراعًا

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(3)

.

وقد بيَّنا "الجَدَثَ" فيما مضى قبلُ بشواهدِه، وما قال أهلُ العلمِ فيهِ

(4)

.

(1)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (672) من طريق خلاد بن أسلم به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 267 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 318 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

ينظر ما تقدم في 19/ 454، 455.

ص: 284

وقولُه: {إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . يقولُ: كأَنَّهم إلى عَلَمٍ قد نُصِب لهم يَسْتَبِقون. وأجمعَتْ قرأةُ الأمصار على فتح النون من قولِه: (نَصْبٍ) غيرَ الحسنِ البصريِّ، فإنه ذُكر عنه أنه كان يضُمُّها مع الصادِ

(1)

، وكأَنَّ مَن فتحها يوجِّهُ النَّصْبَ إلى أنه مصدرٌ من قول القائل: نَصَبْتُ الشيء أَنصِبُه نَصْبًا. وكان تأويلُه عندَهم: كأنَّهم إلى صنمٍ مَنْصوبٍ يُسرعون سعيًا. وأمَّا من ضمَّها مع الصادِ فَإِنَّه يُوجِّهه إلى أنه واحدُ الأنْصاب، وهى آلهتهم التي كانوا يعبدونها.

وأمَّا قولُه: {يُوفِضُونَ} . فإنَّ الإيفاضَ هو الإسراعُ، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

لأَنْعَتَنَّ نَعَامةً ميفاضا

خَرْجاءَ تَغْدُو تطلُبُ الإِضَاضا

يقولُ: تَطْلُبُ مَلْجَأً تَلْجَأُ إليه، والإيفاضُ السرعةُ، وقال رُؤْبةُ

(3)

:

يُمْسى بنا الجِدُّ على أوْفاضِ

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن أبى العالية أنه قال فى هذه الآيةِ:{كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . قال: إلى علاماتٍ يَسْتَبِقون

(4)

.

حدَّثنا محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . قال: إلى

(1)

وهى أيضًا قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد 651.

(2)

البيتان بدون عزو في معانى القرآن للفراء 3/ 186 برواية: "ظلت تطلب"، واللسان (أ ض ض، و ف ض).

(3)

ديوانه ص 81.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى عبد بن حميد.

ص: 285

عَلَمٍ يَسْعَوْنَ

(1)

.

حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . قال: يَسْتَبِقُونَ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . قال: إِلى عَلَمٍ يَسْعَوْن.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . قال: إلى عَلَمٍ {يُوفِضُونَ} ، قال: يَسْعَونَ

(3)

.

حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: سمِعتُ أبا عمرٍو

(4)

يقولُ: سمِعتُ يحيى بن أبي كثيرٍ يقولُ: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . قال: إلى غايةٍ يَسْتبقون

(5)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} : إِلى عَلَمٍ يَنْطَلِقونَ

(5)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} . قال: إلى عَلَمٍ يَسْتَبِقُون.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَأَنَّهُمْ

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 318 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في النسخ: "عمر" وتقدم مرارًا.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 257.

ص: 286

إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}. قال: النُّصُبُ حجارةٌ كانوا يَعْبُدُونها؛ حجارةٌ طِوالٌ يقالُ لها: نُصُبٌ. وفى قولِه: {يُوفِضُونَ} . قال: يُسْرِعون إليه كما يُسْرعون إلى نُصُبٍ يُوفِضون. قال ابنُ زيدٍ: والأنصابُ التي كان أهل الجاهليةِ يَعْبُدونها ويَأْتونها ويُعَظِّمونها، كان أحدُهم يَحْمِلُه معه، فإذا رأَى أحسن منه أَخَذَه وأَلْقَى هذا، فقال له:{كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

(1)

[النحل: 76].

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن في قولِه: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ). قال: يَبْتَدِرون إلى نُصُبِهم، أَيُّهم يَسْتَلِمُه أولَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ مثلَه.

وقولُه: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} . يقولُ: خاضعةً أبصارُهم للذي هم فيه من الخزي والهَوانِ، {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}. يقولُ: تَغْشاهم ذلةٌ، {ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}. يقولُ عز وجل: هذا اليومُ الذى وصَفْتُ صفتَه، وهو يومُ القيامةِ الذى كان مشركو قريشٍ يُوعَدون فى الدنيا أنهم لاقُوه في الآخرةِ، وكانوا يُكَذِّبون به.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ذَلِكَ الْيَوْمُ} : يومُ القيامةِ، {الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}

(3)

.

آخر تفسيرِ سورةِ "سأل سائلٌ".

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 257.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في فتح البارى 3/ 226 - من طريق قرة به.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 287

‌تفسيرُ سورةِ نوحٍ صلى الله عليه وسلم

-

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويل قولِه تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

(4)}

يقولُ تعالى ذكرُه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} . وهو نوحُ بنُ لَمك، {إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يقولُ: أَرْسَلْناه إليهم بأن أَنْذِرْ قومك. و "أن" في موضع نصبٍ فى قول بعض أهل العربيةِ، وفي موضعِ خفضٍ في قولِ بعضهم. وقد بيَّنْتُ العلل لكلِّ فريقٍ منهم، والصواب عندنا من القول في ذلك، فيما مضَى من كتابنا هذا، بما أغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ

(1)

. وهي في قراءةِ عبد اللهِ فيما ذُكِر: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) بغيرِ "أن"

(2)

، وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول، فكأنه قيل: قلنا لنوحٍ: أَنذِرْ قومك من قبل أن يأتيَهم عذابٌ أليمٌ. وذلك العذاب الأليمُ هو الطُّوفانُ الذي غرَّقهم الله به.

وقولُه: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} . يقول تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه: يا قوم إني لكم نذيرٌ مبينٌ، أُنْذِرُكم عذابَ الله، فاحْذَرُوه أن يَنْزِلَ بكم على كفرِكم به، {مُبِينٌ}. يقولُ: قد أبَنْتُ لكم إنذارى إياكم.

وقولُه: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} . يقول تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ

(1)

ينظر ما تقدم في 7/ 726.

(2)

معاني القرآن للفراء 3/ 187، وتفسير القرطبى 18/ 298.

ص: 288

نوحٍ لقومِه: إني لكم نذيرٌ مبينٌ بأن اعْبُدوا اللهَ. يقولُ: إني لكم نذيرٌ أُنْذِرُكم، وآمُرُكم بعبادةِ اللهِ، {وَاتَّقُوهُ}. يقولُ: واتَّقُوا عقابَه، بالإيمانِ به والعملِ بطاعتِه، {وَأَطِيعُونِ}. يقولُ: وانْتَهوا إلى ما آمُرُكم به، واقْبَلُوا نَصيحتي لكم.

وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَنِ اعْبُدُوا الله وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} . قال: أرْسَل اللهُ المرسَلين بأن يُعْبَدَ اللهُ وحده، وأن تُتَّقَى محارمُه، وأن يطاعَ أمرُه

(1)

.

وقولُه: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} . يقولُ: يَغْفِرْ لكم ذنوبَكم.

فإن قال قائلٌ: أو ليست "مِن" دالةً على البعضِ؟ قيل: إن لها معنيين وموضعين؛ فأما أحد الموضعين فهو الموضعُ الذى لا يَصْلُحُ فيه غيرُها. وإذا كان ذلك كذلك لم تَدُلُّ إلا على البعض؛ وذلك كقولِك: اشْتَريْتُ مِن مماليكِك. فلا يَصْلُحُ فى هذا الموضع غيرُها، ومعناها البعضُ: اشْتَرَيْتُ بعضَ مماليكِك. و: من مماليكِك مملوكًا. والموضعُ الآخرُ هو الذى يَصْلُحُ فيه مكانَها "عن"، فإذا صلَحَت مكانَها "عن" دلَّت على الجميعِ؛ وذلك كقولِك: وجِع بطنى مِن طعامٍ طعِمْتُه. فإن معنى ذلك: أوْجَع بطنى طعامٌ طعِمْتُه. وتَصْلُحُ مكانَ "من""عن"، وذلك أنك تَضَعُ موضعَها "عن"، فيَصْلُحُ الكلامُ فتقولُ: وجِع بطنى عن طعامٍ طعِمْتُه. و: مِن طعامٍ طعِمْتُه. فكذلك قولُه: {يَغْفِرْ لَكُم مِنْ ذُنُوبِكُمْ} إنما هو: ويَصْفَحُ لكم، ويَعْفُو لكم عنها، وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه

(2)

: يَغْفِرْ لكم من ذنوبِكم ما قد وعَدَكم العقوبة عليه، فأمَّا ما لم يَعِدْكم العقوبةَ عليه،

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 267 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "معناها".

ص: 289

فقد تقدَّم عفوُه لكم عنها.

وقولُه: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . يقولُ: ويُؤَخِّرُ في آجالِكم فلا يُهْلِكْكم بالعذابِ، لا بغرقٍ ولا غيرِه، {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. يقولُ: إلى حينٍ كتَب أنه يُبْقِيكم إليه، إن أنتم أطَعْتُموه وعبَدْتُموه، فى أمِّ الكتابِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ:{إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . قال: ما قد خُطِّ من الأجَلِ، فإذا جاء أجلُ اللهِ لا يُؤَخِّرُ

(1)

.

وقولُه: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن أجَلَ اللهِ الذى قد كتَبه على خلقِه فى أمِّ الكتابِ، إذا جاء عندَه لا يُؤَخَّرُ عن مِيقاتِه، فيُنْظَرَ بعدَه، {لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. يقولُ: لو عَلِمتُم أن ذلك كذلك لأَنَبْتُم إلى طاعةِ ربِّكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)}

يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لمَّا بلَّغ قومَه رسالةَ ربِّه وأَنْذَرَهم ما أَمَرَه به أن

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 290

يُنْذِرَهموه، فعصَوْه وردُّوا عليه ما أتاهم به مِن عنده:{رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} إلى توحيدِك وعبادتِك، وحذَّرْتُهم بأسَك وسَطْوتَك.

{فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} . يقولُ: فلم يَزِدْهم دُعائى إياهم إلى ما دعَوْتُهم إليه من الحقِّ الذى أَرْسَلْتَنى به لهم، {إِلَّا فِرَارًا}. يقولُ: إلا إدبارًا عنه، وهرَبًا منه، وإعراضًا عنه.

وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} . قال: بلَغَنا أنهم كانوا يَذْهَبُ الرجلُ بابنِه إلى نوحٍ، فيقولُ لابنِه: احْذَرْ هذا لا يُغْوِيَنَّكَ، فأُرانى قد ذهَب بي أبى إليه وأنا مثلُك، فحذَّرَنى كما حذَّرْتُك

(1)

.

وقولُه: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} . يقولُ جلَّ وعزَّ: وإنى كلَّما دعَوْتُهم إلى الإقرارِ بوحدانيتِك، والعملِ بطاعتِك، والبراءةِ مِن عبادةِ كلِّ ما سِواك؛ لتَغْفِرَ لهم إذا هم فعَلوا ذلك، جعَلوا أصابعَهم في آذانِهم؛ لئلا يَسْمَعوا دُعائى إياهم إلى ذلك، {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ}. يَقولُ: وتَغَشَّوْا في ثيابِهم، وتغَطَّوْا بها؛ لئلا يَسْمَعوا دُعائى.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} : لئلا يَسْمَعوا كلامَ نوحٍ عليه السلام.

وقولُه: {وَأَصَرُّوا} . يقولُ: وثبَتوا على ما هم عليه من الكفرِ وأقاموا عليه.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 319 عن معمر به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 291

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَصَرُّوا} . قال: الإصرارُ إقامتُهم على الشركِ

(1)

والكفرِ.

وقولُه: {وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} . يقولُ: وتكَبَّروا فتَعاظَموا عن الإذعانِ للحقِّ وقبولِ ما دعوتُهم إليه من النصيحةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)} .

يقولُ: ثم إنِّى دَعَوْتُهم إلى ما أَمَرْتَنى أَن أَدْعُوَهم إليه، {جِهَارًا}: ظاهرًا في غيرِ خَفاءٍ.

كما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا} . قال: الجِهارُ الكلامُ المُعْلَنُ به

(2)

.

وقولُه: {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} . يقولُ: صَرَّحْتُ

(3)

لهم، وصِحْتُ بالذي أمَرْتني به مِن الإنذارِ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

في ص، م، ت 2، ت 3:"الشر".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "ضرخت".

ص: 292

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَعْلَنْتُ لَهُمْ} . قال: صِحْتُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ:{أَعْلَنْتُ لَهُمْ} . يقولُ: صِحْتُ بهم.

وقولُه: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} . يقولُ: وأَسْرَرْتُ لهم ذلك فيما بيني وبينَهم في خَفاءٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} . قال: فيما بينى وبينَهم

(1)

.

وقولُه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} . يقولُ: فقلتُ لهم: سَلُوا ربَّكم غُفْرانَ ذنوبِكم، وتُوبوا إليه من كفرِكم وعبادةِ ما سواه مِن الآلهةِ، ووحِّدوه وأخْلِصوا له العبادةَ، يَغْفِرْ لكم، إنه كان غفَّارًا لذنوبِ من أناب إليه، وتاب إليه من ذنوبِه.

وقولُه: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} . يقولُ: يُسْقِكم ربُّكم، إن تبْتُم ووحَّدْتُموه، وأَخْلَصْتُم له العبادةَ، الغَيْثَ، فيُرْسِلُ به السماء عليكم مدرارًا متتابِعًا.

وقد حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مُطَرَّفٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: خرَج عمرُ بنُ الخطابِ يَسْتَسْقِى، فما زاد على الاستغفارِ، ثم رجَع،

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 293

فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، ما رأَيْناك اسْتَسْقَيْتَ! فقال: لقد طلَبْتُ المطرَ بمَجاديحِ

(1)

السماء التى يُسْتَنْزَلُ بها المطرُ. ثم قرَأ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)} . وقرأ الآية التي في سورةِ "هودٍ"، حتى بلَغ:{وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}

(2)

[هود: 52].

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} .

وقولُه: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} . يقولُ: ويُعْطِكم مع ذلك ربُّكم أموالًا وبنينَ، فيُكَثِّرُها عندَكم، ويَزِيدُ فيما عندَكم منها، {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ} ، يقولُ: ويَرْزُقْكم بساتينَ، {وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} تَسقُون منها جناتِكم ومزارعَكم.

وقال ذلك لهم نوحٌ لأنهم كانوا -فيما ذُكر- قومًا يُحِبون الأموالَ والأولادَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا} إلى قولِه: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} . قال: رأى نوحٌ قومًا تجزَّعَت أعناقُهم حرصًا على الدنيا، فقال: هلُمُّوا إلى طاعةِ اللهِ، فإنَّ فيها دَرْكَ الدنيا والآخرةِ

(3)

.

وقولُه: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ما لكم لا تَرَوْنَ للهِ عظمةً؟!

(1)

المجاديح: جمع المِجْدَح، وهو عود مُجَنَّح الرأس تمزج بها الأشربة، وربما يكون له ثلاث شعب. والمجدح: نجم من النجوم. . . وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهًا بالأنواء، مخاطبة لهم بما يعرفونه، لا قولا بالأنواء. ينظر النهاية 1/ 243.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4902)، وابن أبي شيبة 2/ 474، والطبراني في الدعاء (964)، والبيهقى 3/ 352 من طريق سفيان به.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 294

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . يقولُ: عظمةً

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . قال: لا تَرَوْن للهِ عظمةً.

حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ وقيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . قال: لا تُبالُون للهِ عظمةً

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . قال: كانوا لا يُبالُون عظمةَ اللهِ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . يقولُ: عظمةً.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . قال: لا تُبالُون عظمةَ ربِّكم. قال: والرجاءُ الطمعُ والمَخافةُ

(3)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تُعَظِّمون اللهَ حقَّ عظمتِه.

(1)

أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (728) من طريق أبي صالح به.

(2)

أخرجه الفريابي -كما في التغليق 4/ 349 - من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

(3)

أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (730، 731) من طريق جرير به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 268 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

ص: 295

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . قال: ما لكم لا تُعَظِّمون اللهَ حقَّ عظمتِه

(1)

؟!

وقال آخرون: ما لكم لا تَعْلَمون للهِ عظمةً؟!

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . يقولُ: ما لكم لا تَعْلَمون للهِ عظمةً

(2)

؟!

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لكم لا تَرْجُون للهِ عاقبةً؟!

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . أى: عاقبةً.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . قال: لا تَرْجون للهِ عاقبةً

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 374، وابن أبي حاتم في تفسيره -كما في التغليق 4/ 348، 349 - من طريق أبي معاوية به.

(2)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (75)، والبيهقى فى شعب الإيمان (729) من طرق عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 319 عن معمر به.

ص: 296

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لكم لا تَرْجُون للهِ طاعةً؟!

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . قال: الوقارُ الطاعةُ.

وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ما لكم لا تَخافون للهِ عظمةً؟! وذلك أن الرجاءَ قد تَضَعُه العربُ إذا صَحِبه الجحدُ في موضعِ الخوفِ، كما قال أبو ذُؤَيْبٍ

(1)

:

إذا لسَعَتْه النحلُ

(2)

لم يَرْجُ لَسْعَها

وخالَفَها

(3)

في بيتِ نُوبٍ عَواسِلِ

يعني بقولِه: لم يَرْجُ: لم يَخَفْ

وقولُه: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} . يقولُ: وقد خَلَقكم حالًا بعدَ حالٍ؛ طَوْرًا نُطْفةً، وطَوْرًا عَلَقَةً، وطَوْرًا مُضْغَةً.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} . يقولُ: نُطْفَةً، ثم عَلَقَةً، ثم مُضْغَةً

(4)

.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي،

(1)

تقدم في 7/ 456.

(2)

كتب فوقها فى ص، ت 2:"الدبر". وهى رواية الديوان كما تقدم.

(3)

في ص: "حالفها". وهي رواية.

(4)

تقدم تخريجه في ص 295.

ص: 297

وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} . قال: مِن ترابٍ، ثم مِن نطفةٍ، ثم مِن عَلَقَةٍ، ثم ما ذكَر، حتى يَتِمَّ خَلْقُه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} : طَوْرًا نُطْفةً، وطَوْرًا عَلَقةً

(1)

، وطورًا عِظامًا، ثم كسا العظامَ لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخرَ، أَنْبَت به الشعرَ، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين.

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} قال: نطفةً، ثم علقةً، [ثم مُضْغةً]

(2)

، ثم خلقًا طورًا بعد طورٍ

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} . يقولُ: مِن نطفةٍ، ثم مِن علقةٍ، ثم مِن مضغةٍ.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} . قال: طورًا النطفةَ، ثم طورًا أمْشاجًا حينَ يَمْشُجُ

(4)

النطفةَ الدمُ، ثم يَغْلِبُ الدمُ على النطفةِ، فتكونُ علقةً، ثم تكونُ مضغةً، ثم تكونُ عِظامًا، ثم تُكْسَى العظامُ لحمًا

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَقَدْ

(1)

بعده فى ت 1: "وطورا مضغة".

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 319 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد.

(4)

مشَج الشيءَ: خلطه. الوسيط (م ش ج).

(5)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 260.

ص: 298

خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}. قال: نطفةً، ثم علقةً، شيئًا بعد شيءٍ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ صلواتُ اللهِ عليه لقومِه المشركين بربِّهم، مُحْتَجًّا عليهم بحُجج اللهِ فى وَحدانيتِه: ألم تَرَوْا أَيُّها القومُ فتَعتَبِروا، {كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} بعضَها فوقَ بعضٍ؟

والطِّباقُ مصدرٌ مِن قولِهم: طابَقْتُ مُطابَقةً وطِباقًا. وإنما عُنِى بذلك: كيف خلَق اللهُ سبَع سماواتٍ، سماءً فوقَ سماءٍ مُطابَقةً؟

وقولُه: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} . يقولُ: وجعَل القمرَ في السماواتِ السبعِ نورًا، {وَجَعَلَ الشَّمْسَ} فيهن {سِرَاجًا} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن قتادةَ:{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} : ذُكِر لنا أن عبدَ اللهِ بن عمرِو بنِ العاصِ كان يقولُ: إن ضوءَ الشمسِ والقمرِ نورُهما في السماءِ، اقْرَءُوا إن شئْتم:{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} إلى آخرِ الآيةِ

(2)

.

(1)

أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (730) من طريق جرير به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 319 من طريق منصور به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (617) من طريق معاذ بن هشام به.

ص: 299

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن عبدِ اللهِ ابنِ عمرٍو أنه قال: إن الشمسَ والقمرَ وجوهُهما قِبَلَ السماواتِ، وأقفيتُهما قِبَلَ الأرضِ، وأنا أَقْرأُ بذلك آيةً من كتابِ اللهِ:{وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} . يقولُ: خَلَق القمرَ يومَ خلَق سبعَ سماواتٍ.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: إِنما قيل: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} على المجازِ، كما يقالُ: أَتَيْتُ بني تَميمٍ. وإنما أتَى بعضَهم.

{وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} يقولُ: واللهُ أنْشَأكم من ترابِ الأرضِ، فخلَقَكم منه إنشاءً،

{ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا} . يقولُ: ثم يُعِيدُكم في الأرضِ كما كنتم ترابًا، فيُصَيِّرُكم كما كنتم من قبلِ أن يَخْلُقَكم، {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا}. يقولُ: ويُخْرِجُكم منها إذا شاء أحياءً -كما كنتم بشرًا من قبلِ أن يُعِيدَكم فيها فيُصَيِّركم ترابًا- إخراجًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه، مُذَكِّرَهم نِعَمَ رَبِّه: واللهُ جَعَل

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 319 عن معمر به. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (617) من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو، وهو فى تفسير مجاهد ص 675، 676 من طريق شهر ابن حوشب، عن عبد الله بن عمرو، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 300

لكم الأرضَ بساطًا تَسْتَقِرُّون عليها وتَمْتَهِدونها.

وقولُه: {لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} . يقولُ: لتَسْلُكوا منها طرقًا شِعابًا

(1)

متفرقةً. والفِجاجُ جمعُ فجٍّ، وهو الطريقُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} . قال: طُرُقًا وأعلامًا.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} . قال: طرقًا

(2)

.

حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} . يقولُ: طرقًا مختلفةً

(3)

.

وقولُه: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} . [يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ: ربِّ إن قومى عَصَوْني]

(4)

، فخالَفوا أمرى، وردُّوا علىَّ ما دعَوْتُهم إليه من الهدَى والرَّشادِ، {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا}. يقولُ: واتَّبَعوا في معصيتِهم إياى مَن دعاهم إلى ذلك ممن كثُر مالُه وولدُه فلم يَزِدْه كثرةُ مالِه وولدِه إلا خَسَارًا وبُعدًا مِن اللهِ، وذَهابًا عن مَحَجَّةِ الطريقِ.

واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {وَوَلَدُهُ} ؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ:

(1)

في م: "صعابا".

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 319 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 269 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره -كما في الإتقان 2/ 50 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 269 إلى ابن المنذر.

(4)

سقط من: م.

ص: 301

{وَوَلَدُهُ} بفتحِ الواوِ واللامِ، وكذلك قرَءوا ذلك في جميعِ القرآنِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بضمِّ الواوِ وسكونِ اللامِ، وكذلك كلُّ ما كان من ذكرِ الولدِ مِن سورةِ "مريمَ" إلى آخرِ القرآنِ. وقرَأ أبو عمرٍو كلَّ ما فى القرآن مِن ذلك بفتحِ الواوِ واللامِ

(1)

غيرَ هذا الحرفِ الواحدِ في سورةٍ "نوحٍ"، فإنه كان يَضُمُّ الواوَ منه

(2)

.

والصوابُ من القولِ عندَنا فى ذلك أن كلَّ هذه القراءاتِ قراءاتٌ معروفةٌ، مُتقارباتُ المعانى، فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} . يقولُ: ومكَروا مكرًا عظيمًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كُبَّارًا} . قال: عظيمًا

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} كبيرًا

(4)

، كهيئةِ قولِه:{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا}

(5)

[النبأ: 35].

والكُبَّارُ هو الكبيرُ، كما قال ابنُ زيدٍ. تقولُ العرب: أمرٌ عجيبٌ وعُجَابٌ،

(1)

بعده فى م: "فى".

(2)

أى يَضُم الواو ويُسكن اللام، وينظر ما تقدم في 15/ 619.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 269 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

فى م: "كثيرا".

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 261.

ص: 302

بالتخفيفِ، وعُجَّابٌ بالتشديدِ، ورجلٌ حُسَانٌ وحُسَّانٌ، وجُمَالٌ وجُمَّالٌ، بالتخفيفِ والتشديدِ، وكذلك كبيرٌ وكُبَّارٌ، بالتخفيفِ والتشديدِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن إخبارِ نوحٍ عن

(1)

قومِه: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . وكان هؤلاء نفرًا من بنى آدم -فيما ذُكِر عن آلهةِ القومِ الذين

(2)

كانوا يَعْبُدونها- وكان مِن خبرِهم، فيما بلَغَنا، ما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى، عن محمدِ بنِ قيسٍ:{وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . قال: كانوا قومًا صالحين من بنى آدمَ، وكان لهم تُبّاعٌ يَقْتَدُون بهم، فلما ماتوا قال أصحابُهم الذين كانوا يَقْتَدُون بهم: لو صوَّرناهم كان أشوقَ

(3)

لنا إلى العبادةِ إذا ذكَرْناهم. فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دبَّ إليهم إبليسُ فقال: إنما كانوا يَعْبُدُونهم، وبهم يُسْقَون المطرَ. فعبَدُوهم

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرِمةَ، قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عَشَرةُ قرونٍ

(5)

، كلُّهم على الإسلامِ

(6)

.

وقال آخرون: هذه أسماءُ أصنامِ قومِ نوحٍ.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

فى م: "التي".

(3)

في ص: "أسوق".

(4)

ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية 1/ 248، وفي التفسير 8/ 262 عن المصنف.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أقرن".

(6)

أخرجه ابن سعد 1/ 42، 53 من طريق سفيان الثورى به.

ص: 303

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . قال: كان وَدٌّ لهذا الحىِّ من كَلْبٍ بدُومَةِ الجَنْدَلِ، وكان

(1)

سُوَاعٌ لهُذَيلٍ برُهَاطٍ

(2)

، وكان يَغُوثُ لبنى غُطَيفٍ من مُرَادٍ بالجَوْفِ

(3)

من سبأٍ، وكان يَعُوقُ لهَمْدانَ ببَلْخَعَ. وكان نَسْرٌ لذى كَلاعٍ من حِمْيَرٍ. قال: وكانت هذه الآلهةُ يَعْبُدُها قومُ نوحٍ، ثم اتخذَها العربُ بعد ذلك، واللهِ ما عدا خشبةً أو طينةً أو حجرًا.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . قال: كانت آلهةً يَعْبُدُها قومُ نوحٍ، ثم عَبَدتها العربُ بعدَ ذلك. قال: فكان وَدٌّ لكَلْبٍ بدُومةِ الجَنْدَلِ، وكان سُوَاعٌ لهُذَيلٍ، وكان يَغُوثُ لبنى غُطَيفٍ من مُرَادٍ بالجَوفِ

(3)

، وكان يَعُوقُ لهَمْدانَ، وكان نَسْرٌ لذى الكَلاعِ من حِمْيَرٍ

(4)

.

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . قال: هذه أصنامٌ كانت تُعْبَدُ في زمانِ نوحٍ

(5)

.

(1)

فى م، ت 2، ت 3:"كانت".

(2)

في م: "برياط". ورهاط: قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة. معجم ما استعجم 2/ 678.

(3)

في م: "بالجرف". والجوف: أرض مراد باليمن ينظر معجم ما استعجم 2/ 404، 405.

(4)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 320 عن معمر به. وأخرج البخارى (4920) هذا الأثر عن ابن عباس بهذا المتن.

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 269 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 304

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . قال: هذه أصنامٌ، وكانت تُعْبَدُ في زمانِ نوحٍ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} : هي آلهةٌ كانت تكونُ باليمنِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} . قال: هذه آلهتُهم التي يَعْبُدُونَ

(1)

.

واختلَفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: {وَدًّا} ؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ: (وُدًّا) بضمِّ الواوِ، وقرَأته عامةُ قرَأةِ الكوفةِ والبصرةِ:{وَدًّا} بفتحِ الواوِ

(2)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان في قرَأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ نوحٍ: وقد ضلَّ بعبادةِ هذه الأصنامِ التي أُحدِثت على صورِ هؤلاءِ النفرِ المسمَّيْنَ فى هذا الموضعِ كثيرٌ من الناسِ. فنسَب الضَّلالَ، إذ ضلَّ بها عابدوها، إلى أنها المُضِلَّةُ.

وقولُه: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} . يقولُ: ولا تَزِد الظالمين أنفسَهم بكفرِهم

(3)

بآياتِنا {إِلَّا ضَلَالًا} ، إلا طبعًا على قلبِه، حتى لا يَهْتَدِى للحقِّ.

(1)

ينظر التبيان 10/ 141.

(2)

قرأ نافع وأبو جعفر بضم الواو، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر الإتحاف ص 262.

(3)

فى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"كفرهم".

ص: 305

‌القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ

(1)

أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)}.

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} : من خطيئاتِهم {أُغْرِقُوا} .

والعربُ تَجْعَلُ "ما" صلةً فيما نُوِى به مذهبُ الجزاءِ، كما يُقالُ: أينَما تَكُنْ أَكُنْ، وحيثما تَجْلِسْ أَجْلِسْ. ومعنى الكلامِ: من خطيئاتِهم ما

(2)

أُغْرِقوا.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} . قال: فبخطيئاتِهم {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} .

وكانت الباءُ هاهنا فصلًا فى كلامِ العربِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ قولَه:{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} . قال: بخطيئاتِهم أُغْرِقوا.

واختلَفت القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} ؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ الأمصارِ غيرَ أبي عمرٍو: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} بالهمزِ والتاءِ. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (ممَّا خَطاياهُمْ) بالألفِ بغيرِ همزٍ

(3)

.

والقولُ عندَنا أنهما قراءتان مَعْرُوفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصيبٌ.

وقولُه: {فَأُدْخِلُوا نَارًا} : جهنمَ، {فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا}:

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"خطاياهم". وهما قراءتان كما سيأتى.

(2)

سقط من: م.

(3)

ينظر النشر 2/ 292.

ص: 306

تَقْتَصُّ لهم ممن فعَل ذلك بهم، ولا تَحُولُ بينَهم وبينَ ما فُعِل بهم.

وقولُه: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} . [يقولُ تعالى ذكرُه: وقال نوحٌ ربِّ لا تَذَرْ على الأَرْضِ من الكافرين ديَّارًا]

(1)

. ويعنى بالدَّيَّارِ من يَدُورُ في الأرضِ، فَيَذْهَبُ ويَجِيءُ فيها، وهو فَيْعالٌ من الدورانِ "دَيْوارًا"، اجتمَعت الياءُ والواوُ، فسبَقت الياءُ الواوَ وهى ساكنةٌ، وأُدغِمت الواوُ فيها، وصُيِّرتا ياءً مشددةً، كما قيلَ: الحَىُّ القَيَّامُ. مِن: قُمْت، وإنما هو قَيْوَامٌ. والعربُ تقولُ: ما بها دَيَّارٌ، ولا عريبٌ، ولا دَوِّىٌّ

(2)

، ولا صافرٌ، ولا نافخُ ضَرَمةٍ

(3)

. تعنى بذلك كلِّه: ما بها أحدٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ في دعائِه إياه على قومِه: إنك يا ربِّ إن تَذَرِ الكافرين أحياءً على الأرضِ، ولم تُهْلِكْهم بعذابٍ من عندِك، يُضِلُّوا عِبادَك الذين قد آمنوا بك، فيصدُّوهم عن سبيلِك، ولا يَلِدوا إلا فاجِرًا في دينِك، كَفَّارًا لنعمتِك.

وذُكِر أن قيلَ نوحٍ هذا القولَ ودعاءَه هذا الدعاءَ، كان بعدَ أن أَوْحَى إليه ربُّه:{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36].

(1)

سقط من: م.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"دبي". والدَّوِّىُّ منسوب إلى الدَّوِّ، وهى الفلاة الواسعة، وهى أرض من أرض العرب بين البصرة واليمامة. وقولهم: ما بها دَوِّى. أى ما بها أحد ممن يسكن الدو. ينظر اللسان (د و و).

(3)

الضَّرَمة: النار. الوسيط (ض ر م).

ص: 307

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} : أمَا واللهِ ما دعا عليهم حتى أتاه الوحىُ من السماءِ. {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} . فعندَ ذلك دعا عليهم نبيُّ اللهِ نوحٌ فقال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} ، ثم دعا دعوةً عامةً فقال:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . إلى قولِه: {تَبَارًا} .

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} . ثم ذكَر نحوَه

(1)

.

وقولُه: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} . يقولُ: ربِّ اعفُ عنى، واستُرْ علىَّ ذُنوبي وعلى والدىَّ، {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا}. يقولُ: ولمن دخَل مسجِدِى ومُصلاىَ مُصَلِّيًا، {مُؤْمِنًا}. يقولُ: مصدِّقًا بواجبِ فرضِك عليه.

وبنحوِ الذي قلنا فى معنى قولِه: {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى سِنانٍ، [عن ثابتٍ]

(2)

، عن الضحاكِ:{وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} . قال: مسجِدِى

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ

(4)

، عن أبي سِنانٍ سعيدٍ، عن

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 320 عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 270 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: م. وثابت هو ابن جابان. تنظر ترجمته في الجرح والتعديل 2/ 450.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 264. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 270 إلى ابن المنذر.

(4)

بعده في النسخ: "عن أبي سلمة". وينظر ما تقدم في 13/ 212، 216، 217، 19/ 590.

ص: 308

الضحاكِ مثلَه.

وقولُه: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . يقولُ: وللمُصَدِّقين بتوحيدِك والمصدِّقاتِ.

وقولُه: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} . يقولُ: ولا تَزِدِ الظالمين أنفسَهم بكفرِهم إلا خسارًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِلَّا تَبَارًا} . قال: خسارًا

(1)

.

وقد بيَّنتُ معنى قولِ القائلِ: تَبَرتُ. فيما مضَى بشواهدِه وذكْرِ أقوالِ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَضْرِبون نوحًا حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاق قال: ربِّ اغْفِرْ لقومى فإنهم لا يَعْلَمون

(3)

.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "نوحٍ" صلى الله عليه وسلم

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 264. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 270 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ينظر ما تقدم فى 10/ 411، 412، 14/ 504، 505.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 320 عن معمر به.

ص: 309

‌تفسيرُ سورةِ الجنِّ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا

(3)}.

يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا محمدُ: أَوحَى اللهُ إلىَّ {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} هذا القرآنَ، {فَقَالُوا} لقومِهم لما سمِعوه:

{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} . يقولُ: يدُلُّ على الحقِّ وسبيلِ الصوابِ، {فَآمَنَّا بِهِ}. يقولُ:[فصدَّقنا به]

(1)

، {وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} من خلقِه.

وكان سببُ استماعِ هؤلاء النفرِ مِن الجنِّ القرآنَ، كما حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ، يعنى المخزومىَّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: ما قرَأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على الجنِّ ولا رآهم، انطلَق رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في نفرٍ من أصحابِه، عامِدين إلى سوقِ عُكاظٍ. قال: وقد حِيلَ بينَ الشياطينِ وبينَ خَبَرِ السماءِ، وأُرسِلت عليهم الشهُبُ، [فرجَعت الشياطيُن إلى قومِهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبينَ خبرِ السماءِ، وأُرسِلت علينا الشهُبُ]

(2)

. فقالوا: ما حال بينَكم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَث. قال: فانطلِقوا فاضرِبوا

(3)

مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فانظُروا ما هذا الذي حدَث.

(1)

في م: "فصدقناه".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يضربون".

ص: 310

قال: فانطلَقوا يَضْرِبون مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، يَتَتبَّعون ما هذا الذي حالَ بينَهم وبينَ خبرِ السماءِ. قال: فانطلَق النفرُ الذين توجَّهوا نحوَ تِهامةَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بنخلةَ

(1)

، وهو عامدٌ إلى سوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّى بأصحابِه صلاةَ الفجرِ. قال: فلما سمِعوا القرآنَ استمَعوا له، فقالوا: هذا واللهِ الذي حال بينَكم وبينَ خبرِ السماءِ. قال: فهنالِك (*) حينَ رجَعوا إلى قومِهم فقالوا: يا قومَنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} . قال: فأنزَل اللهُ إلى

(2)

نبيِّه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} ، وإنما أوحَى إليه قولَ الجنِّ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ

(4)

قال: قدِم رهطُ زَوْبَعةَ وأصحابُه مكةَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسمِعوا قراءةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم انصرَفوا، فذلك قولُه:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا} [الأحقاف: 29]. قال: كانوا تسعةً فيهم زَوْبَعةُ

(5)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} . هو قولُ اللهِ:

(1)

نخلة: موضع على ليلة من مكة وهى التى ينسب إليها بطن نخلة. معجم ما استعجم 4/ 1304.

(*) إلى هنا ينتهى الخرم فى الأصل، المشار إليه ص 113.

(2)

فى م: "على".

(3)

أخرجه أحمد 4/ 129 (2271)، والبخارى، (773، 4921)، ومسلم (449)، والترمذى (3323)، والنسائى فى الكبرى (11624)، وأبو يعلى (2369)، وابن حبان (6526)، والطبراني (12449)، والحاكم 2/ 503، والبيهقى فى الدلائل 2/ 225، 226 من طرق عن أبي عوانة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 270 إلى أبي نعيم فى الدلائل وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد.

(4)

فى م: "ورقاء"، وفي ت 2:"ذر".

(5)

تقدم تخريجه مختصرًا 21/ 165.

ص: 311

{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} . لم تُحرَسِ السماءُ في الفترةِ بينَ عيسى ومحمدٍ، فلما بعَث اللهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم حُرِست السماءُ الدنيا، ورُمِيت الشياطينُ بالشُّهُبِ، فقال إبليسُ: لقد حدَث في الأرضِ حَدَثٌ. فأمَر الجنَّ فتفرَّقت في الأرضِ لتأتيَه بخبرِ ما حدَث، فكان أولُ مَن بَعَث نفرًا مَن أهلِ نَصِيبين، وهى أرضٌ باليمنِ، وهم أشرافُ الجنِّ وساداتُهم، فبعثهم إلى تِهامةَ وما يلى اليمنَ، فمضَى أولئك النفرُ، فأتَوا على الوادى وادِى نخلةَ، وهو من الوادِى مَسيرةَ ليلتَيْنِ، فوجَدوا به نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى صلاةَ الغداةِ، فسمِعوه يَتْلُو القرآنَ، {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ} ، يعني: فُرِغ مِن الصلاةِ، {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29]. يقول

(1)

: مؤمِنين. لم يَعْلَمْ بهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولم يَشْعُرْ أنه صُرِف إليه أحدٌ، حتى أنزَلَ اللهُ عليه:{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} .

وقولُه: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فآمنا به ولن نُشْرِكَ بربِّنا أحدًا، وآمَنا بأنه تعالى أمْرُ ربِّنا وسلطانُه وقدرتُه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . يقولُ: فعلُه وأمرُه وقدرتُه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن

(1)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يعني".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان 2/ 50 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 271 إلى ابن المنذر.

ص: 312

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . يقولُ: تعالى أمرُ ربِّنا.

حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في هذه الآيةِ:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . يقولُ: أمرُ رَبِّنا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ

(2)

، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السدىِّ:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال: أمرُ ربِّنا

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} . قال: تعالى أمرُه أن يَتَّخِذَ -ولا يكُونُ الذى قالوا- صاحبةً أو

(4)

ولدًا، وقرَأ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ} [حتى ختَمَها]

(5)

[الإخلاص: 1، 2]. قال: لا يَكُونُ ذلك منه.

وقال آخرون: عُنِى بذلك جلالُ ربِّنا وذكرُه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال عكرِمةُ في قولِه تعالى: {جَدُّ رَبِّنَا} . قال: جلالُ ربِّنا

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمارة، قال: ثنى خالدُ بن يزيدَ، قال: ثنا أبو إسرائيلَ، عن

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 321 عن معمر عن قتادة.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عبد الرحمن"، وفى م:"بشار قال ثنا عبد الرحمن".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 265.

(4)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ولا".

(5)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد".

(6)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 321 عن المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 271 إلى عبد بن حميد.

ص: 313

فضيلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال: جلالُ رَبِّنا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيمِيِّ، قال: قال عكرمةُ: {تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} : جلالُ ربِّنا

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . أى: تعالى جلالُه وعظمتُه وأمرُه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال: تعالى أمرُ ربِّنا؛ تعالَت عظمتُه

(3)

.

وقال آخرون: معنى ذلك

(4)

: غِنَى ربِّنا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ فى قولِه: {تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال: غِنَى ربِّنا

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال: غِنَى ربِّنا

(6)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 265.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 321 من طريق سليمان التيمي به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 321 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 271 إلى عبد بن حميد.

(4)

بعده في ص، م، ت 1:"تعالى".

(5)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 321 عن المعتمر بن سليمان به.

(6)

أخرجه عبد بن حميد -كما في تغليق التعليق 2/ 335 - من طريق سفيان به. وهو في تفسير مجاهد ص 677 من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن.

ص: 314

حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قولِه:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال: غِنَى ربِّنا

(1)

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ وعكرِمةَ في قولِه:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال أحدُهما: غِناه. وقال الآخر: عظمتُه.

وقال آخرون: عُنِى بذلك الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ. وقالوا: ذلك كان [جَهْلَةً من كلامِ الجنِّ]

(2)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثني أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى سارةَ، عن أبيه، عن أبي جعفرٍ:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . قال: كان كلامًا

(3)

من جهلةِ الجنِّ

(4)

.

وقال آخرون: عُنِى بذلك ذِكْرُه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} قال: ذِكْرُه

(5)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: تعالَت عظمةُ ربِّنا وقدرتُه وسلطانُه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في فتح البارى 2/ 333 - من طريق أبي رجاء به.

(2)

فى م: "من كلام جهلة الجن". وفى ت 2: "جهل من كلام الجن".

(3)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"كلام".

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 8.

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 271 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 315

وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن للجَدِّ فى كلامِ العربِ معنَيَيْنِ؛ أحدُهما: الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ أو

(1)

أبو الأمِّ، وذلك غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ به هؤلاء النفَرُ، الذين وصَفهم اللهُ بهذه الصفةِ، وذلك أنهم قد قالوا:{فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} . ومَن وصَف اللهَ بأن له والدًا

(2)

أو جَدًّا، و

(3)

هو أبو الأبِ أو أبو الأمِّ، فلا شكَّ أنه مِن المشرِكين. والمعنى الآخرُ: الجَدُّ الذى هو

(4)

بمعنى الحَظِّ؛ يُقالُ: فلانٌ ذو جَدٍّ في هذا الأمرِ. إذا كان له حظٌّ فيه، وهو الذي يُقالُ له بالفارسيةِ: البَخْتُ. وهذا المعنى الذى قصَده هؤلاء النفَرُ مِن الجِنِّ بقيلِهم: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . إن شاء اللهُ، وإنما عَنَوا أن حَظْوتَه من المُلكِ والسلطانِ والقدرةِ والعظمةِ عاليةٌ، فلا تكونُ له صاحبةٌ ولا ولدٌ؛ لأن الصاحبةَ إنما تكونُ للضعيفِ العاجِزِ، الذى تَضْطَرُّه الشهوةُ الباعثةُ إلى اتخاذِها له

(5)

، وأن الولدَ إنما يكونُ عن شهوةٍ أزعَجته إلى البِضاعِ

(6)

الذى يحدُثُ منه الولدُ؛ فقال النفَرُ مِن الجنِّ: علا مُلكُ ربِّنا وسُلطانُه وقدرتُه وعظمتُه أن يكونَ ضعيفًا ضَعْفَ خلقِه الذين تَضْطَرُّهم الشهوةُ إلى اتخاذِ

(7)

صاحبةٍ، أو وِقاعِ شيءٍ يكونُ منه ولدٌ.

وقد بيَّن عن صحةِ ما قُلْنا فى ذلك إخبارُ الله عنهم أنهم [قالوا: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}، فأخبر جلَّ ثناؤه أنهم]

(8)

إنما نزَّهوا اللهَ عن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ

(1)

في الأصل: "و".

(2)

في م: "ولدًا"

(3)

سقط من: ت 1، ت 2.

(4)

سقط من: الأصل، ص، م، ت 1، ت 2.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

في م: "الوقاع". والبِضاع: المجامعة. التاج (ب ض ع).

(7)

في ت 2، ت 3:"إيجاد".

(8)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 316

بقولِه: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} . يُقال منه: رجُلٌ جَدِّىٌّ وجديدٌ ومَجْدودٌ. أى: ذو حظٍّ فيما هو فيه؛ ومنه قولُ حاتمٍ الطائيِّ

(1)

:

اغْزُوا بَنى ثُعَلٍ فَالغَزْوُ جَدُّكُمُ

عُدُّوا الرَّوايا

(2)

ولا تبْكُوا لمن قُتِلا

(3)

وقال آخرُ

(4)

:

ترَفَّعَ

(5)

جَدُّك إني امرؤٌ

سَقَتْني إليك الأعادى سِجَالا

وقولُه: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً} يعنى زوجةً {وَلَا وَلَدًا} .

واختلَفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: {وَأَنَّهُ تَعَالَى} . فقرَأ ذلك أبو جعفرٍ القارئُ وستةَ أحرفٍ أُخرَ بالفتحِ، منها:{أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ} ، {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} ، {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} ، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ} ، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} ، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ}

(6)

. وكان نافعٌ يَكْسِرُها كلَّها

(7)

إلا ثلاثةَ أحرفٍ؛ أحدُها: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} ، والثاني:{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا} ، والثالثُ:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}

(8)

. وأما قرَأةُ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ،

(1)

ديوانه ص 202.

(2)

فى م: "الروابي".

(3)

في الديوان: "نكلا".

(4)

البيت للحطيئة في ديوانه ص 222 بلفظ: "أعوذ بجدك إني امرؤ. . . .".

(5)

في ص: "ىرقع"، وفى م، ت 2:"يرفع"، وفى ت 1:"توقع".

(6)

قراءة أبي جعفر بفتح الهمزة في خمسة مواضع فقط وهى قوله تعالى: {أنه استمع} ، وقوله:{وأنه تعالى} ، وقوله:{وأنه كان يقول} . وقوله: {وأنه كان رجال} . وقوله: {وأن المساجد} ، وبقية المواضع يقرؤها بالكسر، وينظر النشر 2/ 293، والإتحاف ص 263.

(7)

سقط من: م.

(8)

قراءة نافع هي بكسر الهمزة في المواضع كلها إلا موضعين وهما {أنه استمع} . وقوله: {وأن المساجد} . ينظر المصدران السابقان.

ص: 317

فإنهم يَفْتَحون جميعَ ما في آخِر سورةِ "النَّجْمِ" وأوَّلِ سورةِ "الجنِّ"، إلا قولَه:{فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا} ، وقولَه: (قال

(1)

إنَّما أدعو ربي). وما بعدَه إلى آخرِ السورةِ، فإنهم يَكْسِرُون ذلك غيرَ قولِه:{لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} . وأما عاصمٌ فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها إلا قولَه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} . فإنه كان يَفْتَحُها

(2)

، وأما أبو عمرٍو فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها [مِن أولِها إلى]

(3)

قولِه: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} . فإنه كان يَفْتَحُ هذه وما بعدَها

(4)

. فأما الذين فتَحوا جميعَها إلا في موضعِ القولِ كقولِه: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا} . وقوله: (قال إنَّما أدْعُو رَبِّى)، ونحوِ ذلك، فإنهم عطَفوا "أنَّ" فى كلِّ السورةِ على قولِه:{فَآمَنَّا بِهِ} ، وآمنَّا بكلِّ ذلك. ففتَحوها بوقوعِ الإيمانِ عليها. وكان الفرَّاءُ يقولُ

(5)

: لا يَمنَعْك

(6)

أن تجدَ الإيمانَ يَقْبُحُ

(7)

في بعض ذلك -مِن الفتحِ، وإنَّ الذي [يَقْبُحُ مِن]

(8)

ظهورِ الإيمانِ قد يَحْسُنُ

(9)

فيه فعلٌ مضارعٌ للإيمانِ يُوجِبُ

(10)

فتحَ "أنَّ"، كما قالتِ العربُ

(11)

:

(1)

قراءة (قال) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي ويعقوب وخلف، وقراءة {قل} بغير ألف هي قراءة أبي جعفر وعاصم وحمزة. وينظر المصدران السابقان.

(2)

قراءة الفتح فى جميع المواضع هى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وخلف وعاصم في رواية حفص. المصدران السابقان.

(3)

في م، ت 1:"إلا"، وفى ص، ت 2، ت 3:"إلى".

(4)

قراءة أبي عمرو بالكسر في جميع المواضع إلا موضعين وهما: {أنه استمع} ، {وأن المساجد} . المصدران السابقان.

(5)

معانى القرآن للفراء 3/ 191.

(6)

فى ص، م، ت 2، ت 3:"يمنعنك".

(7)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"بفتح".

(8)

في الأصل، ت 1، ت 3:"يفتح من"، وفى ت 2:"بفتح من".

(9)

في الأصل: "يحصل".

(10)

في م: "فوجب".

(11)

تقدم فى 22/ 301.

ص: 318

إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يومًا

وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا

فنصَب العيونَ لإتْباعِها الحواجبَ، وهى لا تُزَجَّجُ، وإنما تُكْحَلُ، فَأَضْمَر لها الكَحْلَ، [كذلك يُضْمَرُ]

(1)

في الموضع الذى لا يَحْسُنُ فيه "آمنَّا": "صدَّقْنا"، و "أُلْهِمنا"، و "شهِدنا"

(2)

. قال: ويُقَوِّى

(3)

النصْبَ قولُه: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} . فينبَغِى لمن كسَر أَنْ يَحذِفَ "أن" مِن "لو"؛ لأنَّ "إِنَّ" إذا خُفِّفَت لم تكن في

(4)

حكايةٍ، ألا تَرَى أنك تقولُ: أقولُ

(5)

لو فعَلتَ لفعَلتُ. ولا تُدْخِلُ "أنْ". وأما الذين [كسَروا كلَّها]

(6)

وهم في ذلك يقولون: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا} . فكأَنَّهم أَضْمَروا يمينًا مع "لو"، وقطَعوها عن النَّسَقِ على أوَّلِ الكلامِ، فقالوا: واللهِ أنْ لو اسْتَقاموا. قال: والعربُ تُدْخِلُ "أنْ" فى هذا الموضعِ مع اليمينِ وتحذِفُها، قال الشاعرُ

(7)

:

فأُقْسِمُ لو شيءٌ أتانا رَسُولُه

سِواكَ ولَكِنْ لم نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا

[قال: وأنشَدني]

(8)

آخَرُ

(9)

:

أما واللهِ أنْ لو كنتَ حُرًّا

وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيقِ

فأَدْخَل "أنْ". ومن كسَر كلَّها ونصَب: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} . فإنه خصَّ

(1)

في الأصل: "كما تضمر".

(2)

في الأصل: "سددنا".

(3)

في ص، م:"بقول"، وفى ت 1، ت 3:"يقول"، وفي ت 2:"تقول".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

سقط من: الأصل.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"كسروها كلها"، وفى م:"كسروها كلهم".

(7)

تقدم في 12/ 362، 13/ 533.

(8)

في ص، ت 2، ت 3:"قالوا وأنشدني"، وفى م:"قالوا وأنشدنا".

(9)

البيت ذكره الفراء في معانى القرآن 2/ 44، 3/ 192، وينظر خزانة الأدب 4/ 141، 143 - 145.

ص: 319

ذلك بالوَحْيِ

(1)

، وجعَل:{وَأَلَّوِ} مضمرةً فيها اليمينُ على ما وصَفْتُ. وأما نافعٌ فإنَّ

(2)

ما فتَح مِن ذلك، فإنه ردَّه على قولِه:{أُوحِيَ إِلَيَّ} . وما كسَره فإنه جعَله مِن قولِ الجنِّ. وأحبُّ ذلك إلىَّ أن أقرَأَ به الفتحُ فيما كان وحيًا، والكسرُ فيما كان مِن قولِ الجنِّ؛ لأنَّ ذلك أفصحُها فى العربيةِ، وأبْيَنُها في المعنى، وإن كان للقراءاتِ الأُخَرِ وجوهٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ عز وجل مخبرًا عن قيلِ النفَرِ مِن الجنِّ الذين استمَعوا القرآن: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} : وهو إبليسُ

(3)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قولِه:{وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} . وهو إبليسُ.

حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ من المكيِّين، عن مجاهدٍ:{سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} . قال: هو إبليسُ. ثم قال سفيانُ: سمِعتُ أَنَّ الرجلَ إذا سجَد جلَس إبليسُ يَبكى يقولُ: يا ويلَه، أُمِر بالسجودِ فعصَى، فله النارُ،

(1)

في الأصل: "الوحى".

(2)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فإنه".

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 9، وابن كثير في تفسيره 8/ 266.

ص: 320

وأُمِر ابنُ آدمَ بالسجودِ فسجَد، فله الجنةُ

(1)

.

حدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} . فقال: عصاه واللهِ سفيهُ الجنِّ، كما عصاه [سفيهُ الإنسِ]

(2)

.

وأما الشَّطَطُ مِن القولِ، فإنه ما كان تعدِّيًا

(3)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} . قال: ظُلْمًا كبيرًا

(4)

.

وقولُه: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} . يقولُ: قالوا: وأنَّا حَسِبْنا

(5)

أن لن تقولَ بنو آدمَ والجنُّ على اللهِ كذبًا من القولِ. والظنُّ [في هذا الموضعِ]

(6)

بمعنى الشكِّ، وإنما أنكَر هؤلاء النفرُ مِن الجنِّ أن تكونَ عَلِمَت أن [يكونَ أحدٌ]

(7)

يَجْتِرئُ على الكذبِ على اللهِ لمَّا سمِعَت القرآنَ؛ لأنهم قبلَ أن يَسمعوه،

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 271 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، مختصرًا من غير ذكر قول سفيان.

(2)

سقط من: الأصل. والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 321 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 271 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ت 2، ت 3:"بعدها".

(4)

سقط من: م، وفى الأصل:"كثيرًا". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 266.

(5)

فى ص، م، ت 2، ت 3:"خشينا".

(6)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"هاهنا"

(7)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أحدًا".

ص: 321

وقبلَ أنْ يعلموا تكذيبَ اللهِ الزاعمين أن للهِ صاحبةً وولدًا وغيرَ ذلك من معانى الكفرِ -كانوا يَحْسَبون أنَّ إبليسَ صادقٌ فيما يَدْعو بني آدمَ إليه من صنوفِ الكفرِ، فلما سمِعوا القرآنَ أَيقَنُوا أنه كان كاذبًا فى كلِّ ذلك؛ فلذلك قالوا:{وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} . فسمَّوه سفيهًا.

وقولُه: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} . يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاءِ النفرِ: وأنه كان رجالٌ من الإنسِ يَسْتَجِيرون برجالٍ مِن الجنِّ في أسفارِهم إذا نزَلوا منازلَهم. وكان ذلك من فعلِهم فيما ذُكِر لنا، كالذى حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} . قال: كان رجالٌ مِن الإِنسِ يَبِيتُ (1) أحدُهم بالوادِى في الجاهليةِ، فيقولُ: أَعوذُ بعزيزِ هذا

(2)

الوادِى. فزادهم ذلك إثمًا

(3)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَوفٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} . قال: كان الرجلُ منهم إذا نزَل الوادىَ فبات به، قال: أعوذُ بعزيزِ هذا الوادى من شرِّ سفهاءِ قومِه

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ [فى قولِه: {وَأَنَّهُ كَانَ

(5)

رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ}. قال: كانوا إذا نزَلوا الوادىَ قالوا: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادى من شرِّ ما فيه. فتقولُ الجنُّ: ما نمْلِكُ لكم ولا

في الأصل: "يثبت".

(2)

سقط من: الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى المصنف وابن مردويه.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

سقط من: الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 322

لأنفسِنا ضرًّا ولا نفعًا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} . قال: كانوا في الجاهليةِ إذا نزَلوا بالوادى قالوا: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادِى [مِن شرِّ ما فيه]

(2)

. فيقولُ الجنِّيُّون: تَتَعوَّذون بنا ولا نَمْلِكُ لأنفسِنا ضرًّا ولا نفعًا!

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} . قال: كانوا يقولون إذا هبَطوا واديًا: نعوذُ بعظماءِ هذا الوادِى

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} . ذُكِر لنا أنَّ هذا الحىَّ مِن العربِ كانوا إذا نزَلوا بوادٍ قالوا: نعوذُ بأعزِّ أهلِ هذا المكانِ. قال اللهُ: {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . أى: إثمًا، وازْدادتِ الجنُّ عليهم بذلك جرأةً

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} : كانوا في الجاهليةِ إذا نزَلوا مَنْزِلًا يقولون: نعوذُ بأعزِّ أهلِ هذا المكانِ

(4)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 321 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى عبد بن حميد.

ص: 323

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} . قال: كانوا يقولون: فلانٌ مِن الجنِّ ربُّ هذا الوادى. فكان أحدُهم إذا دخل الوادى يعوذُ بربِّ ذلك

(1)

الوادِى من دونِ اللهِ، قال:[فيزدهم ذلك]

(2)

رَهَقًا، وهو الفَرَقُ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا نزَل بوادٍ قَبلَ الإسلامِ قال: إنى أعوذُ بكبيرِ هذا الوادِى. فلما جاء الإسلامُ عاذوا باللهِ، وترَكوهم.

وقولُه: {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فزاد الإنسُ الجنَّ باستعاذتِهم بعزيزِهم، جُرأةً عليهم، وازدادوا هم

(4)

بذلك إثمًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . فزادَهم ذلك إثمًا

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللهُ: {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . أى: إثمًا، وازْدادتِ الجنُّ عليهم بذلك جُرْأةً.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

فى م: "فيزيده بذلك".

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: م.

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى المصنف وابن مردويه.

ص: 324

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . يقولُ: خطيئةً

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . قال: فيزدادون عليهم جُرأةٌ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . قال: ازدادوا عليهم جُرأةً.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنَّ الكفارَ ازدادوا

(3)

بذلك طغيانًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . قال: زاد الكفارُ طغيانًا

(4)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: فزادوهم فَرَقًا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنسٍ:{فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . قال: فيزيدُهم ذلك رهقًا، وهو الفَرَقُ

(5)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 321 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ت 1: "جرة"، وفى ت 2، ت 3:"حسرة". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 266.

(3)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"زادوا".

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

تقدم في الصفحة السابقة.

ص: 325

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . قال: زادهم الجنُّ خوفًا

(1)

.

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فزاد الإنسُ الجنَّ بفعلِهم ذلك إثمًا، وذلك أنهم

(2)

زادوهم

(3)

استحلالًا لمحارمِ اللهِ. والرَّهَقُ في كلامِ العربِ: الإثمُ وغِشْيانُ المحارمِ، ومنه قولُ الأعشى

(4)

:

لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دونِ رُؤْيَتِها

هَلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ

(5)

مَا لَم يُصِبْ رَهَقَا

يقول: ما لم يغْشَ محرَّمًا.

‌القولُ في تأويل قولِه عز وجل: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)} .

قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاءِ النفرِ مِن الجنِّ: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)} . يعنى أنَّ الرجالَ من الجنِّ ظنُّوا كما ظنَّ الرجالُ من الإنسِ أنْ لن يَبْعَثَ اللهُ أحدًا رسولًا إلى خَلْقِه، يدعوهم إلى توحيدِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن الكلْبيِّ: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 10، وابن كثير في تفسيره 8/ 266.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

بعده فى ص، م، ت 1، ت 3:"به".

(4)

البيت في ديوانه ص 365.

(5)

الوِماق: محبة لغير رِيبة. اللسان (و م ق).

ص: 326

ظَنَنْتُمْ}: ظَنَّ كفارُ الجنِّ كما ظنَّ كفرةُ الإنسِ أنْ لن يبعثَ اللهُ رسولًا

(1)

.

وقولُه: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} . يقولُ عز وجل مخبرًا عن قيلِ هؤلاء النفرِ: وأنا طَلَبْنا السماءَ وأركانَها

(2)

، {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ}. يقولُ: فوجَدْناها قد

(3)

مُلِئَتْ {حَرَسًا شَدِيدًا} . يعني حفظةً

(4)

، {وَشُهُبًا} . وهى جمعُ شِهابٍ، وهى النُّجومُ التى كانت تُرْجَمُ بها الشياطينُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: كانت الجنُّ تستمِع، فلما رُجِموا قالوا: إنَّ هذا الذي حدَث في السماءِ لشيءٍ حدَث في الأرضِ. قال: فذهبوا يَطْلُبون حتى رأَوْا النبيَّ صلى الله عليه وسلم خارجًا من سوقِ عُكاظٍ يُصلى بأصحابِه الفجرَ، فذهَبوا إلى قومِهم مُنْذِرِينَ

(5)

.

‌القولُ في تأويل قولِه: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وأنا، معشرَ الجنِّ، كنا

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره، 19/ 11، وابن كثير في تفسيره 8/ 267.

(2)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أردناها".

(3)

سقط من: م.

(4)

في الأصل: "حفظها".

(5)

تقدم في 21/ 163.

ص: 327

نقعُدُ مِن السماءِ مقاعدَ نَستَمِعُ

(1)

ما يحدُثُ وما يكونُ فيها، {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ} فيها منا {يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا}. يعني: شِهابَ نارٍ قد رُصِد له

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} . إلى قولِه: {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} . كانتِ الجنُّ تسمعُ

(3)

سَمْعَ السماءِ، فلما بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، حُرِست السماءُ، ومُنِعوا ذلك، فتفقَّدَتِ الجنُّ ذلك مِن أنفسِها، وذُكر لنا أنَّ أشرافَ الجنِّ كانوا بنَصِيبِينَ، فطَلَبُوا ذلك، [وضرَبوا إليه]

(4)

، حتى سقطُوا على نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يُصلى بأصحابِه عامدًا إلى عُكاظٍ

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} حتى بلغ: {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} . فلما وجَدوا ذلك رجَعوا إلى إبليسَ، فقالوا: مُنِع منَّا السَّمْعُ. فقال لهم: فإن السماءَ لم تُحْرَثْ قطُّ إلا على أَحدِ أَمرَين: إما لعذابٍ يُريد اللهُ أَن يُنْزِلَه على أهلِ الأرضِ بغتةً، وإما نبىٍّ مرشِدٍ مُرسَلٍ

(6)

. قال: فذلك قولُ اللهِ: {وَأَنَّا لَا

(1)

في ص، ت 1:"نسمع"، وفي م:"لنسمع".

(2)

بعده فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"به".

(3)

في الأصل: "تستمع".

(4)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"وضربوا له"، وفى الدر المنثور:"وصوبوا النظر".

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 272، 273 إلى عبد بن حميد.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مصلح".

ص: 328

نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}.

وقولُه: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} . يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاء النفرِ مِن الجنِّ: وأنا لا نَدْرِى أعذابًا أراد اللهُ أنْ يُنْزِلَه بأهلِ الأرضِ، بمنعِه إيَّانا السَّمْعَ مِن السماءِ، ورجْمِه مَن اسْتَمَعَ منَّا فيها بالشُّهُبِ، {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}. يقولُ: أم أراد بهم ربُّهم الهُدَى بأن يَبْعَثَ فيهم

(1)

رسولًا مُرْشِدًا يُرْشِدُهم إلى الحقِّ.

وهذا التأويلُ على التأويلِ الذي ذكَرْناه عن ابنِ زيدٍ قبلُ.

وذُكِر عن الكَلْبيِّ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: ثنا سعيدٌ]

(2)

، عن الكلْبىِّ فى قولِه:{وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} ؛ أن يُطِيعُوا هذا الرسولَ فيُرشدهم أو يَعصوه فيُهلكهم.

وإنما قلنا القولَ الأوَّلَ لأنَّ قولَه: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} . عقيبُ قولِه: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} الآية، فكان ذلك بأن يكونَ مِن تمامِ قصةِ ما وَلِيَه وقَرُب منه أولَى

(3)

بأن يكونَ مِن تمامِ خبرِ ما [بَعُدَ منه]

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِهم: {وَأَنَّا مِنَّا

(1)

في م: "منهم".

(2)

سقط من النسخ؛ وقد تقدم على الصواب ص 326.

(3)

بعده فى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"منه".

(4)

فى م، ت 1:"بعد عنه"، وفى ت 2، ت 3:"تقدمه".

ص: 329

الصَّالِحُونَ}. وهم المسلمون العاملون بطاعةِ اللهِ، {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}. يقولُ: ومنا دونَ الصالحين، {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا}. يقولُ: قالوا

(1)

: كنا أهواءً مُخْتَلِفةً، وفِرَقًا شتَّى، منا المؤمنُ والكافرُ. والطرائِقُ: جمعُ طريقةٍ، وهي طريقةُ الرجلِ ومذهبُه. والقِدَدُ: جمعُ قِدَّةٍ، وهى الضروبُ والأجناسُ المختلفةُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ الرازىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، في قولِه:{طَرَائِقَ قِدَدًا} . يقولُ: أهواءً مُخْتلِفَةً.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} . يقولُ: أهواءً شتَّى، منا المسلمُ، ومنا المشركُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} . قال: كان القومُ على أهواءٍ شتَّى.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{طَرَائِقَ قِدَدًا} . قال: أهواءً مُختَلِفةً

(3)

.

(1)

في م، ت 1:"وأنا".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 273 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(3)

سقط من: م، والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 322 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

ص: 330

حدَّثني [محمدُ بنُ عمرٍو]

(1)

، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ؛ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} . قال: مسلمين وكافرين

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} . قال: شتَّى، مؤمنٌ وكافرٌ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} . قال: صالحٌ وكافرٌ. وقرَأ قولَ اللهِ: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} .

وقولُه: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ} . يقولُ: وأنا عَلِمْنا أَنْ لنْ نُعْجِزَ اللهَ فى الأرضِ إن أراد بنا سُوءًا، {وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا} إِن طَلَبَنا فنفوتَه. وإنما وصَفوا اللهَ بالقدرةِ عليهم حيثُ كانوا.

{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ} . يقولُ: قالوا: وأنَّا لمَّا سمِعْنا القرآنَ الذي [هدانا اللهُ به]

(3)

إلى الطريقِ المستقيمِ {آمَنَّا بِهِ} . يقولُ: صدَّقنا به، وأَقْرَرْنا أَنَّه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا}. يقولُ: فمن يُصدِّقْ بربِه {فَلَا يَخَافُ بَخْسًا} . يقولُ: فلا يخافُ أَنْ يُنْقَصَ مِن حسناتِه، فلا يُجازَى عليها، {وَلَا رَهَقًا}: ولا إثمًا يُحْمَلُ عليه مِن سيئاتِ غيرِه، أو سيئةً لم

(4)

يعملْها.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أبو عمرو"، وفى م:"ابن عمرو".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

(3)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يهدى".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 331

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} . يقولُ: لا يخافُ نَقْصًا من حسناتِه، ولا زيادةً في سيئاتِه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} . يقولُ: فلا يخافُ أن يُنقَصَ

(2)

مِن عملِه شيئًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَلَا يَخَافُ بَخْسًا} . أى: ظُلمًا؛ أنْ يُظْلَمَ مِن حسناتِه فيُنْقَصَ منها شيئًا، أو يُحْمَلَ عليه ذنبُ غيرِه، {وَلَا رَهَقًا}: ولا مأثمًا

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} . قال: لا يخافُ أنْ يُبْخَسَ مِن أجرِه شيئًا، {وَلَا رَهَقًا} ؛ فيُظْلَمَ ولا يُعطَى شيئًا

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الإتقان 2/ 50 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 274 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يبخس".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 269.

(4)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 152.

ص: 332

تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ النفرِ من الجنِّ: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ} الذين قد خضَعُوا للهِ بالطاعةِ، {وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} وهم الجائِرون عن الإسلامِ وقصدِ السبيلِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} . قال: العادِلون عن الحقِّ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الْقَاسِطُونَ} . قال: الظالمون

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال:{الْقَاسِطُونَ} : الجائِرون.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{الْقَاسِطُونَ} . قال: الجائِرون

(3)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 322 عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

ص: 333

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المُقْسِطُ: العادلُ، والقاسِطُ: الجائِرُ

(1)

. وذكَر بيتَ شعرٍ:

قَسَطْنَا على الأَمْلاكِ فِي عَهْدِ تُبَّعٍ

ومِنْ قَبْلِ مَا أَدْرَى

(2)

النُّفُوسَ عقابَها

وقال: هذا مثلُ التَّرِبِ والمُتْرِبِ. قال: والتَّرِبُ: المِسكينُ، وقرَأ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16]. قال: والمُتْرِبُ: الغنىُّ.

وقولُه: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} . يقولُ: قالوا

(3)

: فمن أَسْلَم للهِ وخضَع له بالطاعةِ، فأُولئك تعمَّدوا وتَوخَّوا

(4)

رَشَدًا في دينِهم، {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ}. يقولُ:[وأمّا]

(5)

الجائِرُون عن الإسلامِ، {فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} ، تُوقَدُ بهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ

(6)

عَذَابًا صَعَدًا (17)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنْ لو استقام هؤلاء القاسِطون على طريقةِ الحقِّ والاستقامةِ {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} . يقولُ: لوسَّعْنا عليهم في الرزقِ، [وبَسَطْنا لهم]

(7)

في الدنيا.

{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . يقولُ: لِنَخْتبرَهم فيه.

(1)

في الأصل: "الفاجر"، وفى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"العاجز".

(2)

في الأصل: "أردى".

(3)

في الأصل: "قال"، وسقط من: م، ت 1.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ترجو".

(5)

سقط من: م.

(6)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"نسلكه". وهى قراءة متواترة كما سيأتي.

(7)

في م: "بسطناهم".

ص: 334

واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} . يعنى بالاستقامةِ: الطاعةَ. فأمَّا الغَدَقُ فالماءُ الطاهرُ الكثيرُ، {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}. يقولُ: لِنَبْتَلِيَهم به

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} : طريقةِ الإسلامِ، {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}. قال: نافعًا كثيرًا، لأَعْطيناهم ماءً

(2)

كثيرًا؛ {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} : حتى يَرْجِعوا لما كتَبه

(3)

عليهم مِن الشقاءِ

(4)

.

حدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابىُّ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ ابنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} . قال: طريقةِ الحقِّ، {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}. يقولُ: ماءً (2) كثيرًا، {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} ، قال: لِنَبْتَلِيَهم به حتى يَرْجِعوا إلى ما كُتِب عليهم مِن الشقاءِ

(5)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 269 مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى المصنف.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مالًا".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كتب".

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

عزاء السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

ص: 335

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ

(1)

، عن علقمةَ بنِ مرْثَدٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} . قال: الإسلامِ، {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}. قال: الكثيرُ؛ {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . قال: لِنَبْتلِيَهم به

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبى سِنانٍ، عن غير واحدٍ، عن مجاهدٍ:{مَاءً غَدَقًا} . قال: المالُ

(3)

، والغَدَقُ: الكثيرُ؛ {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} : حتى يَرْجِعوا إلى عِلْمى فيهم

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} . قال: لأَعْطيناهم مالًا كثيرًا. وقولُه: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . قال: لنَبْتَلِيَهم.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن بعضِ أصحابِه، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ فى قولِه:{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} . قال: الدِّينِ، {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}. قال: مالًا كثيرًا؛ {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . قال: لنبتلِيَهم فيه

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا

(1)

بعده فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن ابن مجاهد، عن أبيه، مثله. قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان"

(2)

سقط من: م.

(3)

فى م، ت 2:"الماء".

(4)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 296 من طريق أبي سنان عن ليث عن مجاهد مختصرًا.

(5)

فى م: "به". والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 322 عن إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن سعيد ابن جبير.

ص: 336

عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}. قال: لو آمنوا كلُّهم لأَوْسَعْنا عليهم مِن الدنيا، قال اللهُ:{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . يقول: لِنبتلِيَهم بها

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} . قال: لو آمنوا

(2)

لوُسِّع عليهم في الرزْقِ؛ {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . قال: لنَبْتَلِيَهم فيه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ:{مَاءً غَدَقًا} . قال: عَيْشًا رَغَدًا

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} . قال: الغَدَقُ الكثيرُ، [ماءً كثيرًا]

(5)

{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} : لنختبِرهم فيه.

حدَّثنا عمروُ بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلىُّ، قال: ثنا المطَّلبُ بنُ زيادٍ، عن السديِّ

(6)

، قال: قال عمرُ، رضي الله عنه في قولِه:{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} . قال: أينما كان الماءُ كان المالُ، وأين كان المالُ كانتِ الفتنةُ

(7)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأن لو اسْتَقاموا على الضلالةِ

(8)

لأَعْطَيناهم سَعَةً

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

(2)

في ص، م، ت 1:"اتقوا".

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 322 عن معمر به.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

(5)

في ص، ت 2:"ماء كثير"، وفى م:"مال كثير".

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"التيمي".

(7)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى المصنف وعبد بن حميدٍ.

(8)

في الأصل: "الطريقة".

ص: 337

من الرزقِ لنَستَدرجَهم بها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عمرانَ بنَ حُدَيْرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا [عَلَى الطَّرِيقَةِ}. قال:]

(1)

على طريقةِ الضلالِة

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنْ لو اسْتَقاموا على طريقةِ الحقِّ فآمنوا، لَوَسَّعْنا عليهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} . قال: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ كقولِه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66]، وقولِه تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]. والماءُ الغَدَقُ يعنى المالَ

(3)

الكثيرَ؛ {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . لنبتَلِيَهم فيه

(4)

.

وقولُه: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} . يقولُ تعالى ذِكرُه: ومَن يُعْرِضُ عن ذكرِ ربه الذى ذكَّره به، وهو هذا القرآنُ؛ ومعناه: ومَن

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 270.

(3)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الماء".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 270 بنحوه.

ص: 338

يُعْرِضْ عن استماعِ القرآنِ واستعمالِه، يَسْلُكْه اللهُ {عَذَابًا صَعَدًا}. يقولُ: يَسْلُكْه اللهُ عذابًا شديدًا شاقًّا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} . يقولُ: شُقَّةً

(1)

مِن العذابِ يَصْعَدُ فيها

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَذَابًا صَعَدًا} . قال: مَشَقَّةً مِن العذابِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ:{عَذَابًا صَعَدًا} . قال: جَبَلٌ في جهنَّمَ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} . عذابًا لا راحةَ فيه.

(1)

فى م، ت 2، ت 3:"مشقة".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى المصنف.

(3)

أخرجه هناد في الزهد (280) عن وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه هناد في الزهد (279) عن وكيع به، والحاكم 2/ 504 من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 339

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{عَذَابًا صَعَدًا} . قال: صَعُودًا مِن عذابِ اللهِ، لا راحةَ فيه

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} . قال: الصَّعَدُ: العذابُ المُتعِبُ

(2)

.

واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: {يَسْلُكْهُ} ، فقرَأه بعضُ قرَأةِ مكةَ والبصرةِ (نَسْلُكْهُ) بالنونِ، اعتبارًا بقولِه

(3)

: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أنَّها بالنونِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفةِ بالياءِ، بمعنى: يَسْلُكْهُ اللهُ، ردًّا على الربِّ في قولِه:{وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ}

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} ، [وأُوحِيَ إِلَيَّ]

(5)

: {أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا} أيُّها الناسُ {مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ، ولا تُشْرِكوا به فيها شيئًا، ولكن أفرِدوا له التوحيدَ، وأخْلِصوا له العبادةَ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 322 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد.

(2)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"المنصب"، وهما بمعنى.

(3)

في الأصل: "بقراءته".

(4)

قراءة (نَسلُكْه) بالنون هى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر، وقراءة (يسلُكْه) بياء الغيبة هى قراءة الباقين وهم عاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر 2/ 293، وإتحاف فضلاء البشر ص 262، 263.

(5)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"و".

ص: 340

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} : كانت اليهودُ والنصارى إذا دخَلوا كنائسَهم وبِيَعَهم أشرَكوا باللهِ، فأَمَر اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يوحِّدَ

(1)

اللهَ وحدَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن محمودٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} . قال: قالت الجنُّ لنبيِّ اللهِ: كيف لنا نَأْتى المسجد

(2)

، ونحن ناءُون عنك؟ أو

(3)

: كيف نَشْهدُ معك الصلاةَ ونحنُ ناءُون عنك؟ فنزَلت: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} . قال: كانت اليهودُ والنصارى إذا دخَلوا كنائسَهم وبِيَعَهم أشركوا باللهِ، فأَمَر اللهُ نبيَّه أن يُخلِصَ الدعوةَ له إذا دخَل المسجدَ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ:

(1)

في الأصل: "يوحدوا".

(2)

في الأصل: "المساجد".

(3)

فى ص، م، ت 1، ت 3:"و".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 271 عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى المصنف.

(5)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 323 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 274 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 341

{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} . قال: المساجدَ كلَّها

(1)

.

وقولُه: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . يقولُ: وأنه لما قام عبدُ اللهِ. يقولُ: محمدٌ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يدعو اللهَ؛ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . يقولُ: كادوا يكونون على محمدٍ جماعاتٍ، بعضُها فوقَ بعضٍ. واحدُها لِبْدَةٌ، وفيها لغتانِ: كسرُ اللامِ "لِبْدَةٌ"، ومَن كسَرها جمَعها "لِبَدٌ"، وضمُّ اللامِ "لُبْدَةٌ"، ومَن ضمَّها جمَعها "لُبَدٌ" بضَمِّ اللَّامِ، و

(2)

لابِدٌ، ومَن جمَع لابدًا قال: لُبَّدًا. مثل راكعٍ ورُكَّعٍ، وقرأَةُ الأمصارِ على كسرِ اللَّامِ من لِبَدٍ، غَيرَ ابنِ مُحَيْصِنٍ، فَإِنَّه كان يَضمُّها

(3)

. وهما بمعنًى واحدٍ، غيرَ أنَّ القراءةَ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ أحبُّ إليَّ، والعربُ تَدْعو الجرادَ الكثيرَ الذى قد رَكِب بعضُه بعضًا: لِبْدَةً؛ ومنه قولُ عبدِ منافِ بنِ رِبْعٍ

(4)

الهذليِّ:

صَابُوا

(5)

بستَّةِ أَبْياتٍ وأَرْبعةٍ

حتى كأنَّ عليهمْ جابيًا لِبَدا

والجابي: الجرادُ الذي يَجْبى كُلَّ شَيءٍ يَأْكُلُه.

واختلَف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بقولِه: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} ؛ فقال

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 271 عن سفيان به.

(2)

في م: "أو".

(3)

قرأ هشام عن ابن عامر: (لُبَدا) بضم اللام، وقرأ الباقون بكسر اللام وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف. وأما قراءة ابن محيصن فهى بضم اللام وتخفيف الباء، وقرأ ابن محيصن أيضًا والأعرج والحسن وأبو العالية والجحدري بضم اللام وتشديد الباء:(لُبَّدًا). ينظر النشر 2/ 293، والإتحاف ص 263.

(4)

فى م: "ربعي"، وفى ت 2، ت 3:"رافع". والبيت فى ديوان الهذليين 2/ 40.

(5)

صابوا: وقعوا. التاج (ص و ب).

ص: 342

بعضُهم: عنَى بذلك الجنَّ أنَّهم كادوا يَرْكَبون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما سمِعوا القرآنَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . يقولُ: لما سمِعُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَتْلو القرآن [كادوا يَركبونَه من الحِرصِ لما سمِعوه يَتلو القرآنَ]

(1)

، ودَنَوا منه، فلم يَعلمْ بهم، حتى أتاه الرسولُ، فجعَل يُقرِئُه:{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ}

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} : كادوا يَرْكبُونه حرصًا على ما سمِعُوا منه مِن القرآنِ

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: ومن قال هذا القول جعَل قولَه: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} . مما أوحِيَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيكونُ معناه: قلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجنِّ، وأنه لمَّا قام عبدُ اللهِ يَدْعوه.

وقال آخرون: بل هذا مِن قولِ النَّفَرِ مِن الجنِّ، لما رجَعوا إلى قومِهم أَخْبَرُوهم بما رأَوْا مِن طاعةِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم له، [وائْتِمامِهم به]

(4)

في الركوعِ والسجودِ.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 275 إلى المصنف وابن مردويه.

(3)

ذكره أبو حيان فى البحر المحيط 8/ 353 بنحوه.

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"وائتمامهم له"، وفي ت 3:"وإيمائهم له".

ص: 343

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن معمرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ

(1)

، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قولُ الجنِّ لقومِهم: {لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . قال: لما رأَوْه يُصلِّى، وأصحابُه يَرْكعون بركوعِه، ويسجُدون بسجودِه. قال: عَجِبوا مِن طَوَاعيةِ أصحابِه له. قال: فقالوا لقومِهم: {لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه:{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . قال: كان أصحابُ نبىِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأْتَمُّون به، فيَرْكعون بركوعِه، ويسجُدون بسجُودِه

(3)

.

ومَن قال هذا القولَ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ وسعيدٍ، يفتَحُ

(4)

الألفَ مِن قولِه: {وَأَنَّهُ} . عطَف بها على قولِه: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . مفتوحةً، وجاز له كسْرُها على الابتداءِ.

وقال آخرون: بل ذلك مِن خبرِ اللهِ الذي أَوْحَى إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم، لعلمِه أنَّ الإنسَ والجنَّ تَظاهروا عليه، ليُبْطِلوا الحقَّ الذى جاءهم به، فأبى اللهُ إلا إتمامَه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مسلم"، وقد تقدم على الصواب ص 310.

(2)

أخرجه الترمذى (3323)، والضياء فى المختارة 10/ 74، 75 (66، 67) من طريق أبي عوانة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 275 إلى عبد بن حميد وابن مردويه. وتقدم أوله ص 310، 311.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 271.

(4)

فى م: "فتح"، وفى ت 1:"ففتح"، وفى ت 2 ت 3:"بفتح".

ص: 344

اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا}. قال: تلبَّدَتِ الجِنُّ والإنسُ على هذا الأمرِ ليُطْفِئُوه، فأبى اللهُ إلا أنْ يَنْصُرَه ويُمْضِيَه، ويُظْهِرَه على مَن ناوأَه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لِبَدًا} . قال: لما قام النبىُّ صلى الله عليه وسلم تَلَبَّدَتِ الجنُّ والإنسُ، فحَرَصوا على أَنْ يُطْفِئوا هذا النورَ الذى أنزَله اللهُ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . قال: تَظاهَروا عليه بعضُهم على بعضٍ، تَظاهَروا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

ومَن قال هذا القولَ فتَح الألفَ مِن قولِه: {وَأَنَّهُ} .

وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أَنَّ رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم لما قام يَدْعوه، كادتِ العربُ تكونُ عليه جميعًا في إطفاءِ

(3)

نورِ اللهِ.

وإنما قلنا ذلك أولَى التأويلاتِ بالصوابِ؛ لأنَّ قولَه: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} . عقيبَ قولِه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} . وذلك مِن اللهِ جلَّ وعزَّ خبرٌ، فكذلك قولُه:{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} . وأخرى أنَّه تعالى ذكرُه أتْبَع بذلك قولَه: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} . فمعلومٌ أن الذي

(4)

يَتْبَعُ ذلك الخبرُ عمَّا لَقِيَ المَأْمُورُ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 323 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 275 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 272.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"إظهار".

(4)

في الأصل: "الله".

ص: 345

بأن [لا يَدعوَ

(1)

مع اللهِ أحدًا]

(2)

- في ذلك، لا

(3)

الخبرُ عن

(4)

كثرةِ إجابةِ المَدْعُوِّين وسرعتِهم إلى الإجابةِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عَوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} . قال: لما قام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لا إلهَ إلا اللهُ". ويَدْعو الناسَ إلى ربِّهم، كادت العربُ تَلَبَّدُ

(5)

عليه جميعًا

(6)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه:{كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . قال: تَرَا كَبُوا

(7)

عليه

(8)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . قال: بعضُهم على بعضٍ.

حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . يقولُ: أعوانًا

(9)

.

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

(1)

في ت 2: "ندعوا"، وفى ت 3:"تدعوا".

(2)

في الأصل: "تدعوا معه أبدًا في طاعته إياه".

(3)

في الأصل: "إلا".

(4)

في الأصل: "في".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تكون".

(6)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 275 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(7)

في الأصل: "تراكموا".

(8)

ذكره بنحوه ابن كثير في تفسيره 8/ 272.

(9)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في التغليق 4/ 349 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 275 إلى ابن المنذر.

ص: 346

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} قال: جميعًا

(1)

.

[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا}. قال: جميعًا]

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . قال: واللُّبَدُ: الشيءُ الذي بعضُه فوق بعضٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ

(3)

إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: اختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي} ؛ [فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين على وجهِ]

(4)

الخبرِ: (قال) بالألفِ

(5)

. ومن قرَأ ذلك كذلك، جعَله خبرًا مِن اللهِ عن نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنه قال، فيكونُ معنى الكلامِ: وأنه لما قام عبدُ اللهِ يدعوه تلبَّدوا عليه، قال لهم: إنما أدعو ربي، ولا أشركُ به أحدًا.

وقرَأ ذلك بعضُ المدنيِّين وعامةُ قرأةِ الكوفةِ على وجهِ الأمرِ من اللهِ عز وجل لنبيِّه

(1)

ذكره بنحوه القرطبي في تفسيره 19/ 23.

(2)

سقط من: الأصل، والأثر ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 353.

(3)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"قال". وهما قراءتان كما سيأتى.

(4)

سقط من: ت 2 ت 3.

(5)

وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائى ويعقوب وخلف، ينظر النشر 2/ 293، والإتحاف ص 263.

ص: 347

محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ}

(1)

يا محمدُ للناسِ الذين كادوا يكونون عليك

(2)

لِبَدًا: إنَّما أَدْعُو ربِّى، ولا أُشْرِكُ به أحدًا.

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنَّهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل يا محمدُ لمشركى العربِ الذين ردُّوا عليك ما جئتَهم به مِن النصيحةِ: إني لا أمْلِكُ لكم ضَرًّا في دينكم ولا في دنياكم، ولا رَشَدًا أرشدُكم؛ لأن الذى يَمْلِكُ ذلك هو اللهُ الذى له مُلْكُ كلِّ شيءٍ.

وقولُه: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ} . [يقولُ له: قل يا محمدُ لهم: إنِّي لن يَمنَعَنى مِن اللهِ أحدٌ]

(3)

من خَلْقِه إذا

(4)

أراد بى أمرًا، ولا يَنْصُرُني منه ناصرٌ.

وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ أُنْزِلت على النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنَّ بعضَ الجنِّ قال: أنا أُجِيرُه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمىٌّ أنه ذُكِر له أنَّ جنِّيًّا مِن الجنِّ مِن أشرافِهم ذا تَبَعٍ قال: إنما يريدُ محمدٌ أن نُجيرَه، وأنا أُجِيرُه. فأنزَل اللهُ:{قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ}

(5)

.

(1)

وهى قراءة عاصم وحمزة وأبي جعفر. ينظر المصدران السابقان.

(2)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عليه".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في م: "إن".

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 275 إلى المصنف.

ص: 348

وقولُه: {وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . يقولُ: ولن أَجِدَ مِن دونِ اللهِ ملْجَأً

(1)

ألجأُ إليه.

كما

(2)

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا}

(3)

. أي: مَلْجَأً ونَصِيرًا

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مُلْتَحَدًا} . قال: مَلْجَأً

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . يقولُ: ناصِرًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل لمشركي العربِ: إنى لا أمْلِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَدًا، {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ}. يقولُ: إلا أنْ أُبْلِغَكم مِن اللهِ ما أمَرنى بتبليغِكم إيَّاه، وإلا رسالاتِه التي أَرْسَلني بها إليكم، فأَمَّا الرَّشَدُ والخِزْلانُ فبيدِ اللهِ، هو [مالكُ ذلك]

(6)

دونَ سَائِرِ خَلْقِه، يهدى مَن

(1)

في الأصل: "ملتحدا".

(2)

بعده في م: "حدَّثنا مِهْرانُ عن سفيان: {وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} . يقول: ولن أجد من دون الله ملجأ ألجأ إليه.

(3)

بعده في الأصل: "ألجأ إليه".

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 275 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 323 عن معمر به.

(6)

فى م: "مالكه".

ص: 349

يشَاءُ، ويَخْذُلُ مَن أراد

(1)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ} . فذلك الذى أمْلِكُ

(2)

بلاغًا مِنَ اللهِ ورسالاتِه

(3)

.

وقد يَحْتَمِلُ ذلك معنًى آخرَ، وهو أن تكونَ ["إلا" حرفين]

(4)

، وتكونَ "لا" مُنْقَطِعَةً مِن "إنْ"، فيكون معنى الكلامِ: قل: إني لن يُجِيرَني مِنَ اللهِ أحدٌ إِنْ لم أُبَلِّغْ رسالاتِه. ويكونَ نَصْبُ البلاغِ من إضمارِ فعلٍ من الجزاءِ، كقولِ القائلِ: إلا قيامًا فقُعُودًا، وإلا إعطاءً فردًّا جميلًا، بمعنى: إلا تَفْعَلِ الإعطاءَ فردًّا جميلًا.

وقولُه: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يعصِ اللهَ فيما أمَره ونهاه، [فكَذَّبَ به رسولَه]

(5)

، فجحَد رسالتَه

(6)

، فإنَّ له نارَ جهنمَ يَصْلاها، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}. يقولُ: ماكثين فيها أبدًا إلى غيرِ نهايةٍ.

وقولُه: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: حتى

(7)

إذا عايَنوا ما

(1)

في الأصل: "يشاء".

(2)

في الأصل: "يملكه".

(3)

جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص 349.

(4)

في الأصل: "الاحريين"، وفى ت 2، ت 3:"الاخروين".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ويكذب به ورسوله".

(6)

في م: "رسالاته".

(7)

سقط من: م.

ص: 350

يَعِدُهم ربُّهم من العذابِ وقيامِ الساعةِ، {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عدَدًا} ؛ أجُنْدُ

(1)

اللهِ الذى أشركوا به، أم هؤلاء المشركون به؟!

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ، عليه السلام: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ من قومِك: ما أدرى أقريبٌ ما

(2)

يَعِدُكم به ربُّكم من العذاب وقيام الساعةِ، {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا}. يعنى: غايةً معلومةً تَطُولُ مدَّتُها.

وقولُه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} . يعني جلَّ ذكرُه بعالمِ الغيبِ: عالمُ ما غاب عن أبصارِ خَلْقِه فلم يَرَوْه، فلا يُظهِرُ على غَيْبِه أحدًا، فيُعْلِمَه أو يُرِيَه

(3)

، إلا من ارتضى من رسولٍ، فإنه يُظهِرهُ على ما شاء من ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} . فأعلم الله سبحانه

(1)

في الأصل: "جند"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"أخير".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

بعده في ص، م، ت 1:"إياه"، وفي ت 2، ت 3:"يراه".

ص: 351

الرسلَ من الغيبِ الوحيَ، أظهرَهم

(1)

عليه، بما أَوْحَى إِليهم مِن غَيْبِهِ، وما يَحْكُمُ اللهُ، فإنه لا يَعلَمُ ذلك غيره

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} . فإنه يَصْطَفِيهم

(3)

، ويُطْلِعُهم على ما يشاءُ مِن الغيبِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} . قال

(4)

: يُظْهِرُه مِن الغيبِ على ما شاء إذا ارْتَضاه

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} . قال: يُنزِلُ مِن غَيْبه ما شاء على الأنبياءِ، أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الغيبَ القرآنَ، قال: وحدَّثنا فيه بالغيب، بما يكونُ يومَ القيامةِ.

وقولُه: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . يقولُ: فإنه يُرسِلُ مِن أمامه ومِن خَلْفِه حَرَسًا وحَفَظَةً يَحْفَظُونه.

[وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ]

(6)

.

(1)

في م: "وأظهرهم".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 275 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

في الأصل: "يصطنعهم".

(4)

في م: "فإنه".

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 323 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 276 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 352

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن الضحاك:{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا بُعِث إليه

(1)

المَلَكُ بالوَحْيِ

(2)

، بُعِث معه

(2)

ملائكةٌ يَحْرُسُونه من بين يديه ومن خَلْفِه، أن

(3)

يتشبَّه

(4)

الشيطانُ على صورةِ المَلَكِ

(5)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم:{مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . قال: ملائكةٌ يَحْفَظُونهم من بين أيديهم ومن خَلْفِهم

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن طلحةَ، يعني ابن مُصرِّفٍ، عن إبراهيم في قولِه:{مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . قال: الملائكةُ رَصَدٌ مِن بين يديه ومِن خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَه مِن الجنِّ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . قال: الملائكةُ يَحْفَظُونَه مِن بينِ يديه [ومن خَلْفِه]

(7)

من الجنِّ.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

سقط من: الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

بعده في الأصل: "لا".

(4)

في ت 2، ت 3:"يأتيه".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 276 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 275، 276 إلى ابن المنذر.

(7)

سقط من: الأصل.

ص: 353

حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . قال: هى مُعَقِّباتٌ مِن الملائكةِ يحفظُون النبيَّ صلى الله عليه وسلم من الشيطانِ، حتى يتبيَّنَ الذى أُرسِل به إليهم، وذلك حينَ يقولُ:{لِيَعْلَمَ} [أهلُ الشركِ]

(1)

{أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ}

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . [يَعْنِي رصَدًا مِن]

(3)

الملائكةِ

(4)

.

[القولُ في تأويل قولِه عز وجل]

(1)

: {لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ [وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وقولُه: {لَيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} ]

(1)

. اختلَف أهلُ التأويلِ في الذى عُنِى بقولِه: {لَيَعْلَمَ} ؛ فقال بعضُهم: عُني بذلك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقالوا: معنى الكلامِ: ليَعْلَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن قد أَبْلَغَتِ الرسلُ قبلَه عن ربِّها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} : ليَعْلَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن الرسلَ قبلَه قد بَلَّغَت

(5)

عن ربّها وحفِظَت (4).

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 275 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 276 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أبلغت".

ص: 354

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{ليَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهم} . قال: ليَعْلَمَ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد بلَّغَت عن الله، وأَنَّ الله حفظها ودفع عنها

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليَعْلَمَ المشركون أن الرسل قد بلَّغوا رسالاتِ ربِّهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} . قال: ليَعْلَمَ مَن كذَّب الرسلَ أن قد أبلغوا رسالاتِ ربِّهم

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليَعْلَمَ محمدٌ أن قد بلَّغت الملائكةُ رسالات ربِّهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ

(3)

في قولِه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . قال: أربعةُ حَفَظةٍ من الملائكة مع

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 323 عن معمر به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 276 إلى عبد بن حميد.

(3)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"عن ابن عباس". وتنظر مصادر التخريج.

ص: 355

جبْريل؛ {لِيَعْلَمَ} محمدٌ {أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَا} . قال: وما نزل جبريلُ بشيءٍ من الوحي، إلا ومعه أربعةُ حَفَظةٍ [من الملائكةِ]

(1)

.

وأولَى هذه الأقوال عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: ليَعْلَمَ الرسولُ

(2)

أن الرسلَ قبلَه قد بلَّغوا رسالاتِ ربِّهم؛ وذلك أن قولَه: {ليَعْلَمَ} . مِن سبب قوله: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . وذلك خبرٌ عن الرسول، فمعلومٌ

(3)

بذلك أن قوله: {لِيَعْلَمَ} . من سببه، إذ

(4)

كان ذلك خبرًا عنه.

وقولُه: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} . يقولُ: وعِلم بكلِّ ما عندهم، {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}. يقولُ: وعَلم عدد الأشياءِ كلِّها، فلم يَخْفَ عليه منها شيءٌ.

وقد حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنه قال في هذه الآية:{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [إلى قولِه]

(5)

: {وأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} : ليَعْلَمَ الرسل أن ربَّهم قد أحاط بهم، فيُبَلِّغوا [رسالات ربِّهم]

(6)

.

آخرُ تفسيرِ سورةِ الجن

(1)

سقط من: م. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 274 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 8/ 274 - وأبو الشيخ في العظمة (359) من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 275 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ت 2، ت 3:"الرسل".

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"إذا".

(5)

في الأصل: "يعنى من رسول".

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"رسالاتهم". والأثر ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 31.

ص: 356

‌تفسيرُ سورةِ "المزملِ"

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا

(4)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعني جل ثناؤُه بقوله: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} : [يأيُّها المتزمِّلُ]

(1)

، وهو المُلْتَفُّ بثيابه. وإنما عُنِي بذلك نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم.

واختلف أهل التأويل في المعنى الذى وصف الله به نبيَّه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية من التزَمُّلِ؛ فقال بعضُهم: وصَفَه أنه مُتَزَمِّلٌ في ثيابِه مثل

(2)

مُتَأَهِّبٍ للصلاةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} . أي: متزَمِّلٌ في ثيابه.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} : هو الذى تزَمَّل بثيابِه

(3)

.

وقال آخرون: وصَفه بأنه مُتَزَمِّلٌ النبوةَ والرسالةَ.

(1)

سقط من: الأصل، م، ت 2، ت 3، وفي ت 1:"يأيها المزمل و".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في الأصل: "في ثيابه"، وفي ص، ت 3:"ثيابه".

والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 324 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277 إلى عبد بن حميد وابن نصر.

ص: 357

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمد بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ في قولِه:{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} . قال: زُمِّلْتَ

(1)

هذا الأمرَ، فقُمْ به

(2)

.

والذى هو أولى القولين بتأويلِ ذلك عندنا ما قاله قتادةُ؛ لأنَّه قد عقَّبه بقولِه: {قُمِ اللَّيْلَ} . فكان ذلك بيانًا عن

(3)

أنه وصَفَه بالتزَمُّلِ بالثيابِ للصلاة. و

(4)

أن ذلك هو أظهرُ معنيَيه.

وقولُه: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: قُمِ الليلَ يا محمدُ كلَّه إلا قليلًا منه.

{نَصْفَهُ} . يقولُ: قُمْ نصفَ الليلِ، أوِ انْقُصْ [من نصفِه]

(5)

قليلًا.

{أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}

(6)

. خيَّره الله تعالى ذكرُه حينَ فرض عليه قيام الليل بين هذه المنازل، أيَّ ذلك شاء فعل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، فيما ذُكِر، يقومون الليل، نحو قيامهم في شهر رمضانَ، فيما ذُكر، حتى خَفَّف ذلك عنهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مِسْعَرٍ، قال: ثنا سماكٌ الحنفيُّ

(7)

،

(1)

بعده في ت 1: "في".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 14/ 295 عن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277 إلى ابن نصر.

(3)

في ت 3: "على".

(4)

في الأصل: "مع"، وسقط من: ص، ت 1، ت 3.

(5)

في م، ت 2:"منه".

(6)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يقول: أو زد عليه".

(7)

في ص، ت 1، ت 3:"الجعفي".

ص: 358

قال: سمِعْتُ ابن عباس يقولُ: لما نزل أولُ "المُزمِّل" كانوا يقومون نحو

(1)

قيامهم في رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنةٍ

(2)

.

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمد بن بشرٍ، عن مسْعَر، قال: ثنا سماك، أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ. فذكر نحوه. إلا أنه قال: نحوا من قيامهم في شهر رمضانَ، [أو مثل قيامهم في رمضانَ، فكان بين أولها وآخرها سنةٌ]

(3)

.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا [زيد بن حبابٍ]

(4)

، عن موسى بن عُبيدةَ، قال: ثنى محمدُ بنُ طَحْلاءَ مولى أمِّ سلمة، عن أبي

(5)

سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشةَ قالت

(6)

: كنتُ أَجْعَلُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَصيرًا يُصَلَّى عليه مِن الليل، فتَسامَع به الناسُ، فاجتمعوا، فخرَج كالمُغْضَبِ - وكان بهم رحيمًا، فخشِي أَن يُكْتَبَ عليهم قيام الليل - فقال: "يَاأيُّها الناسُ، اكْلَفُوا مِن الأعمالِ ما تُطِيقون، فإن اللَّهَ لا يَمَلُّ من الثوابِ حتى تَمَلُّوا من العملِ، وخيرُ الأعمالِ ما ديم

(7)

عليه". ونزل القرآنُ: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} حتى كان الرجلُ يَرْبُطُ الحبلَ ويَتَعَلَّقُ، فمكثوا بذلك ثمانية أشهرٍ، فرأَى الله تبارك وتعالى ما يَبْتَغُونَ مِن رِضوانِه، فرحِمهم، فردَّهم

(1)

في ص، م، ت،1، ت،2، ت 3:"نحوا من".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير - 8/ 280 - من طريق أبي أسامة به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 14/ 118، وأبو داود (1305)، والنحاس في ناسخه ص 752، والطبراني (12877)، والحاكم 2/ 505 - وعنه البيهقي 2/ 500 من طريق مسعر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 276 إلى عبد بن حميد وابن نصر.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في م: "يزيد بن حيان".

(5)

في ت 2، ت 3:"أم".

(6)

في م: "قال".

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"دمتم".

ص: 359

إلى الفريضةِ، وترَك قيامَ الليل

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن موسى بن عُبيدةَ الحِمْيَريِّ، عن محمدِ بن طَحْلاءَ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت: كنت أَشْتَرِى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرًا، فكان يقومُ عليه من

(2)

الليل، فتَسَمَّع الناسُ بصلاته، فاجْتَمَعَت جماعةٌ مِن الناسِ، فلما رأى اجتماعهم

(3)

كرِه ذلك، فخشِي أَن يُكْتَبَ عليهم، فدخل البيت كالمُغْضَبِ، فجعلوا يَتَنَحْنحون ويَتَسَمَّلون، حتى خرَج إليهم، فقال:"يأيُّها الناسُ، إن الله تبارك وتعالى لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا - يعنى من الثوابِ - فاكُلفوا من العملِ ما تُطِيقون، فإن خيرَ العملِ أدومُه وإن قلَّ". ونزَلَت عليه: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)} السورة. قال: فكتبت عليهم، وأُنْزِلَت بمنزلة الفريضة، حتى إن كان أحدهم ليَرْبُطُ الحبل فيَتَعَلَّقُ به، فلما رأى الله جلَّ وعزَّ ما [يَكْلَفون مما}

(4)

يَبْتَغون به وجهَ اللهِ ورضاه وضَع ذلك عنهم، فقال:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ} إلى: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} فردَّهم إلى الفريضةِ، ووضَع عنهم النافلةَ، إلا ما تطَوَّعوا به

(5)

.

حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قولِه: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 280 عن المصنف.

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أول".

(3)

في الأصل: "جماعتهم".

(4)

في الأصل: "يتكلفون فيما".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 280 - من طريق موسى به، وأخرجه أحمد 6/ 40 (الميمنية)، والبخارى (5861) من طريق أبي سلمة به دون ذكر نزول السورة.

ص: 360

وَرَتَّلِ القُرْءَان تَرْتِيلًا}: فأمر الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلًا، فشقَّ ذلك على المؤمنين، ثم خفَّف الله عنهم ورحمهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ بعد هذا:{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} إلى قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]. فوسَّع الله، وله الحمد، ولم يُضَيَّقْ

(1)

.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القميُّ، عن جعفر، عن سعيد، قال: لما أنزَل الله عز وجل على نبيِّه: {يَاأَيُّهَا الْمُزَمَلُ} . قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحالِ عشر سنين، يقومُ الليلَ كما أمَرَه الله، وكانت طائفةٌ من أصحابه يقومون معه، فأَنْزَل اللهُ عز وجل عليه

(2)

بعدَ عشر سنينَ: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} إلى قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ} . فخفَّف الله عنهم بعدَ عشرِ سنينَ

(3)

.

حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين

(4)

، عن يزيد، عن عكرمة والحسن، قالا: قال في سورة "المزمل": {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ الله أنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتَّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا} : نسَخَتها الآية التي فيها، فقال:{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}

(5)

.

حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} : قاموا حولًا أو حولين حتى انتَفَخَت سُوقُهم وأقدامُهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 281 عن علي بن أبي طلحة به.

(2)

ليس في: الأصل.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 281 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 281 - من طريق يعقوب القمي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 276 إلى عبد بن حميد.

(4)

في الأصل: "الحسن".

(5)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 286.

ص: 361

تخفيفَها بعد في آخر السورة

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيس بن وهبٍ. عن أبي عبد الرحمنِ قال: لما نزَلَت: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمَّلُ} ، قاموا بها حولًا، حتى ورِمَت أقدامُهم وسُوقُهم، حتى نزَلَت:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} . قال: فاسْتَراح الناسُ

(2)

.

حدَّثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جرير

(3)

بيَّاع الملاءِ، عن الحسنِ، قال: الحمدُ للهِ، تَطَوُّع بعد فريضةٍ

(4)

.

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مبارك، عن الحسنِ، قال: لما نزَلَت: {يَاأَيُّهَا المُزَّمِّلُ} الآية. قام المسلمون حولًا، فمنهم من أطاقه، ومنهم من لم يُطِقه، حتى نزَلَت الرُّخصةُ

(4)

.

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس يقولُ: لما نزلت أول "المزمل" كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهرِ رمضانَ، وكان بين أولها وآخرِها نحوٌ

(5)

مِن سنةٍ

(6)

.

وقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . يقول تعالى ذكره: وبَيِّنِ القرآن إذا قرَأْتَه

(7)

تبيينًا، وترسَّل فيه ترَسُّلًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 324 عن معمر به.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 280 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 276 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر.

(3)

مكانه بياض بالأصل.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى عبد بن حميد.

(5)

في ت 2، ت 3:"نحوا".

(6)

تقدم تخريجه ص 359.

(7)

بعده في الأصل: "في صلاتك".

ص: 362

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . قال: اقْرَأْه قراءةً بينةً

(1)

.

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . قال: بعضَه على أَثَرِ بعضٍ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المخزوميُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد:{وَرَتَّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} : [يقول تعالى ذكرُه: وبيِّنِ القرآن تبيينًا]

(3)

، بعضَه على أَثَرِ بعضٍ، [على تُؤَدةٍ]

(4)

.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَرَتَّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . قال: ترَسَّلْ

(5)

فيه ترَسُّلًا

(6)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ:{وَرَتَّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . [أي: بَيِّنْه تَبْيِينًا}

(7)

. قال: بعضَه على

(8)

أَثَرِ بعضٍ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه البيهقي في الشعب (2161) من طريق عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر.

(3)

في ص، م، ت 1، ت،2 ت 3:"فقال".

(4)

سقط من: ت 3.

(5)

في ت 1: "ترتيل".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(7)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في".

ص: 363

حدثني زكريا بن يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا حجاج بن محمدٍ، قال: قال ابن جريج، عن عطاء:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . قال: الترتيلُ: المدُّ

(1)

؛ الطَّرحُ.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ: عن قتادة: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . أي: بَيِّنْه تِبْيانًا

(2)

.

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مقسمٍ، عن ابن عباس:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . قال: بيِّنْه تِبْيانًا

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} . قال: بعضه على أَثَرِ بعضٍ

(4)

.

‌القولُ في تأويل قولِه عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: اخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل

(5)

قوله: {إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به: سَنُلْقِى عليك قولًا ثقيلًا العملُ به.

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"البدر" غير منقوطة، وفى م:"النبذ".

(2)

في م: "بيانا".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277 إلى عبد بن حميد.

(3)

في م: "بيانا".

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 520 عن وكيع به، وأخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (4167) - من طريق ابن أبي ليلى، عن مقسم، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277 إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 520 عن وكيع به.

(5)

سقط من: الأصل.

ص: 364

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قوله:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} . قال: العمل به ثقيل

(1)

. قال: إن الرجلَ لَيَهُذُّ

(2)

السورةَ، ولكنَّ العمل به ثقيلٌ

(3)

.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} . قال: ثقيل والله فرائضه وحدودُه.

حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة قولَه:{ثَقِيلًا} . قال: ثقيلٌ واللهِ فرائضُه وحدودُه

(4)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أن القول عينَه

(5)

ثقيلٌ مَحْمَلُه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أُوحى إليه وهو على ناقته، وضَعَت جرائها

(6)

، فما تَسْتَطِيعُ أَن تَتَحَرَّكَ حتى يُسَرَّى عنه

(7)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

الهذُّ: سرعة القطع في القراءة. النهاية 5/ 255.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 324 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 277، 278 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر.

(5)

في ت 2، ت 3:"عليه".

(6)

الجِرَان: باطن العنق. النهاية 1/ 263.

(7)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 324 عن معمر به، وأخرجه أحمد 6/ 118 (الميمنية) من طريق هشام عن أبيه، عن عائشة.

ص: 365

حدثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله جل وعزَّ: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} . قال: هو والله ثقيلٌ مُبارَكٌ، القرآنُ، كما ثَقُل في الدنيا ثَقُل في الموازين يومَ القيامةِ.

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا أن يقال: إن اللَّهَ جل جلاله وصفه بأنه قولٌ ثقيلٌ، فهو كما وصفه به ثقيلٌ مَحْمَلُه، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه.

وقوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} . يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ} : إن ساعاتِ الليلِ. وكلُّ ساعةٍ من ساعات الليل ناشئةٌ من الليلِ.

وقد اخْتَلَف أهل التأويل في ذلك؛ [فقال بعضُهم: الليل كلُّه ناشئةٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

(1)

حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا حاتمُ بن أبي صَغِيرةَ قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ بن أبى مُلَيْكَة: ألا تُحَدِّثُني أي الليل ناشئة؟ قال: على الثَّبَتِ سقَطْتَ، سَأَلْتُ عنها [ابن عباسٍ، فزعَم أن الليل كله ناشئةٌ، وسأَلْتُ عنها]

(2)

ابنَ الزبيرِ، فأَخْبَرَنى مثلَ ذلك

(3)

.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ} . قال: بلسانِ الحبشة

(4)

إذا قام

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "فيهما".

(3)

أخرجه البيهقي 3/ 19 من طريق عيسى بن محمد، عن ابن أبي مليكة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى الفريابي وابن أبي حاتم.

(4)

في الأصل، ص، ت 2، ت 3:"الحبش".

ص: 366

الرجلَ مِن الليل قالوا

(1)

: نشَأ

(2)

.

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [عبد الرحمن]

(3)

، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} : نشَأ: قام

(4)

.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، [عن أبي إسحاق]

(5)

، عن أبى ميسرة:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: نشَأ: قام

(6)

.

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ.

قال: إذا قام الرجلُ من الليل فهو ناشئة الليلِ.

حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماكٍ، عن عكرمة في قوله:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْل} . قال: هو الليل كلُّه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ} . قال: إذا قُمْتَ مِن الليلِ فهو ناشئةٌ

(7)

.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ بعدَ العِشاء فهو ناشئة.

(1)

ليس في الأصل.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.

(3)

في ت 2، ت 3:"ابن عبد الأعلى".

(4)

بعده في الأصل: "به".

والأثر أخرجه البيهقي 3/ 20 من طريق إسرائيل به.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر.

(7)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 278.

ص: 367

حدثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: قيام الليلِ. قال: وأيَّ ساعة من الليل قام فقد نشأ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: أيَّ الليل قُمْتَ فهو ناشئة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن خارجةَ، عن أبى يونُسَ حاتم بن أبى صَغِيرةً، عن ابن أبي مُلَيْكَةً، قال: سأَلْتُ ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليلِ، فقالا: كلُّ الليل ناشئة

(1)

، فإذا نشَأْتَ قائمًا، فتلك ناشئةٌ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، [وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا]

(2)

عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: أيَّ ساعة تهَجَّد فيها مُتَهَجِّدٌ مِن الليل

(3)

.

حُدَّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} : يعنى الليل كلَّه.

حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي عامرٍ الخَزَّازِ ونافعٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن ابن عباس في قوله:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: الليل كلَّه

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح

(5)

، عن

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى ابن المنذر وابن الضريس.

(5)

ت 1: "مليكة".

ص: 368

مجاهدٍ، قال: الليلَ كلَّه، إذا قام يُصَلَّى فهو ناشئةٌ.

وقال آخرون: بل ذلك ما كان بعدَ العشاءِ، فأما ما كان قبلَ العشاء فليس بناشئةٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلية، عن سليمان التيميِّ، عن أبى مِجْلزٍ في قوله:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: ما بعد العشاء ناشئة

(1)

.

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء في قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: ما بعد العشاءِ الآخرةِ.

[حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، قال: سُئل الحسن وأنا أسمعُ، فقال: ما كان بعد العشاءِ فهو ناشئة ناشئة]

(2)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: ناشئةُ الليلِ ما كان بعد العشاءِ فهو ناشئةٌ

(3)

.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادةُ في قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} . قال: كلُّ شيءٍ بعد العشاء فهو ناشئةٌ.

وقوله: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} . اختَلَفَت قرأة الأمصارِ في قراءة ذلك؛ فقرَأَته

(1)

أخرجه البيهقي 3/ 20 من طريق سليمان به.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

والأثر أخرجه البيهقي 3/ 20 من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد.

ص: 369

عامةُ قرأةِ مكة والمدينة والكوفة: {أَشَدُّ وَطْئًا} بفتح الواو وسكون الطاء

(1)

. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرة ومكة والشامِ: (وطاءً) بكسرِ الواوِ ومدِّ الألف

(2)

، على أنه مصدرٌ، مِن قول القائل: واطَأ اللسانُ القلب مواطأةً ووطاءً.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، صَحيحتا المعنى، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

ويعنى بقوله: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} : ناشئةُ الليلِ أشدُّ ثَباتًا مِن النهارِ، وأثبتُ في القلبِ، وذلك أن العملَ بالليلِ أثبتُ منه بالنهارِ. وحُكى عن العرب: وَطِئْنا الليلَ وَطْئًا. إذا ساروا فيه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال من أهل التأويل من قرأه بفتح الواو وسكونِ الطاءِ، وإن اخْتَلَفَت عباراتُهم في ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} . [أي: أثبتُ في الخير، وأحفظُ في الحفظ.

حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ:{هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} ]

(3)

. قال: القيام بالليل أشدُّ وَطْئًا. يقولُ: أثبتُ في الخير

(4)

.

(1)

هي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 658.

(2)

هي قراءة أبي عمرو وابن عامر. المصدر السابق.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

في الأصل، ت 2، ت 3:"الخبر".

والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 324، 325 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر.

ص: 370

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه:{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} . يقولُ: ناشئةُ الليلِ كانت صلاتهم أول الليلِ، {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا}. يقولُ: هو أجدرُ أن تُحصُوا ما فرَض الله عليكم

(1)

من القيام، وذلك أن الإنسانَ إذا نام لم يَدْرِ متى يَسْتَيْقِظُ

(2)

.

حدثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ جل وعزَّ: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} . قال: إن مُصَلِّيَ الليلِ القائم

(3)

بالليلِ {أَشَدُّ وَطْئًا} : طمأنينةً، أفرغ له

(4)

قلبًا، وذلك أنه لا تَعْرِضُ له حوائجُ ولا شيءٌ.

حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} . يقولُ: قراءة القرآن بالليل أثبتُ [منه بالنهار]

(5)

، وأشدُّ مُواطَأَةً بالليلِ منه بالنهارِ.

وأما الذين قرءوا: (وِطاءً) بكسر الواو ومدِّ

(6)

الألفِ، فقد ذكَرْتُ الذي عَنَوْا بقراءتِهم ذلك كذلك.

[ذكرُ مَن قال ذلك]

(7)

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن

(1)

في الأصل: "عليهم".

(2)

أخرجه البيهقي 2/ 500 من طريق عكرمة، عن ابن عباس.

(3)

في ت 2، ت:"القيام".

(4)

ليس في: الأصل.

(5)

في ص، ت: بالنهار، وفى ت 1، ت 2:"من النهار".

(6)

في الأصل: "فتح".

(7)

ليس في: الأصل.

ص: 371

مجاهدٍ: (أَشَدُّ وِطاءً). قال: أن تُواطِئَ قلبك وسمعك وبصرك

(1)

.

حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ:(إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيلِ هي أَشدُّ وِطاءً). قال: أنْ تُواطِئ سمعك وبصرك وقلبك.

حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، [وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا]

(2)

عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله:(أَشَدُّ وِطاءً). قال: مواطأة للقول، وفراغًا للقلب

(3)

.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية

(4)

، قال: سَمِعْتُ ابن أبي نجيح يقولُ في قوله: (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطاءً وأَقْوَمُ قِيلًا). قال: أجدر أن [يأْتَطِىَ لك سمعُك، أجدر

(5)

أن يأْتَطِيَ]

(6)

لك بصرُك.

حدثنا [أبو كريبٍ]

(7)

، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهد:(أشَدُّ وِطاءً). قال: أجدرُ أن تُواطِئَ سمعك وقلبَك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهد في قوله:(إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطاءً وأَقْوَمُ قيلًا). قال: أن يُواطِئَ سمعُك وبصرك وقلبُك بعضُه بعضًا.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 325 عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، ت 2، ت 3.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.

(4)

في ت 2، ت 3:"عطية".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2.

(6)

في م: "تواطئ".

(7)

في الأصل، م:"ابن حميد".

ص: 372

وقوله: {وَأَقومُ قِيلًا} . يقولُ: وأصوبُ قراءةً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا يحيى بنُ داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأعمشِ، قال: قرَأ أنس هذه الآيةَ: (إنَّ ناشِئةَ اللَّيْلِ هِىَ أشَدُّ وَطْئًا وأصْوَبُ قِيلًا)

(1)

. فقال له بعضُ القوم: يا أبا حمزة، إنما هي:{أَقْوَمُ قِيلًا} . قال: "أقومُ" و "أصوبُ" و "أهْيَأُ" واحدٌ

(2)

.

حدثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسْروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحمانيُّ، عن الأعمش قال: قرأ أنس: {وَأَقومُ قِيلًا} : (وأصوب قيلًا). قيل له: يا أبا حمزةَ، إنما هي {وَأَقْوَمُ قِيلًا}. قال أنسٌ:"أقومُ" و"أصوبُ" و "أهيأُ"

(3)

واحدٌ

(4)

.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن

(1)

وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. ينظر المحتسب 2/ 336.

(2)

أخرجه أبو يعلى (4022) من طريق أبي أسامة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى ابن نصر وابن الأنبارى في المصاحف، وتقدم هذا الأثر في 1/ 47.

قال أبو بكر الأنباري: وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب. واحتجوا بقول أنس هذا، وهو قول لا يُعرَّج عليه ولا يلتفت إلى قائله؛ لأنَّه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، لجاز أن يقرأ في موضع:{الحمد لله رب العالمين} : الشكر للبارى ملك المخلوقين

والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديث لا يصح عن أحد من أهل العلم؛ لأنَّه مبنى على رواية الأعمش عن أنس، فهو مقطوع ليس بمتصل فيؤخذ به، من قبل أن الأعمش رأى أنسا ولم يسمع منه. ينظر تفسير القرطبي 19/ 41، 42.

(3)

بعده في الأصل: "هاهنا".

(4)

أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 9/ 4 من طريق عبد الحميد به.

ص: 373

مجاهد [في قوله: {وَأَقوَمُ قِيلًا} . قال: وأثبت قراءةً

(1)

.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد]

(2)

مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَأَقْوَمُ قِيلًا} . يقولُ: أدْنَى مِن أن تفقهوا القرآنَ

(3)

.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة:{وَأَقْوَمُ قِيلًا} . قال: أحفظ للقراءةِ

(4)

.

حدثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَأَقْوَمُ قِيلًا} . قال: أقومُ قراءةً؛ لفراغه من الدنيا

(5)

.

وقوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} . يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: إن لك يا محمد في النهار فراغًا طويلا تَتَّسِعُ به وتَتَقَلَّبُ فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 325 عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في ق: "في القول".

والأثر أخرجه البيهقي 2/ 500 من طريق آخر عن ابن عباس.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 324، 325 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر.

(5)

ينظر التبيان 10/ 163.

ص: 374

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} : فراغًا طويلًا. يعني النومَ

(1)

.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهد قوله:{إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} . قال: متاعًا طويلًا

(2)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة [قوله:{إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} . يقولُ: فراغًا وبقيَّةً ومُتقَلَّبًا.

حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله]

(3)

: {سَبْحًا طَوِيلًا} . قال: فراغا طويلا.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} . قال: لحوائجك. قال: فافْرُغُ لدينك بالليل

(4)

.

قال

(5)

: وهذا حينَ كانت صلاة الليل فريضةً، ثم إن الله تبارك وتعالى مَنَّ على العبادِ، فخفَّفها ووضعها. وقرأ:{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} إلى آخر الآية [المزمل: 2].

(1)

أخرجه البيهقي 2/ 500 من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر، بلفظ:"فراغا".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت، ت 3.

والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 325 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الليل".

(5)

في م، ت 1:"قالوا".

ص: 375

ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} حتى بلغ: {فَاقْرَءُوا مَا تَيْسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] الليلَ، نصفه أو ثلثَه، ثم جاء أمرٌ أوسع وأفسحُ؛ وضَع الفريضة عنه وعن أمته، فقال:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79].

حُدِّثْتُ الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: [ثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ]

(1)

في قوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} : فراغا طويلا.

وكان يحيى بنُ يَعْمَرَ يَقْرَأُ ذلك بالخَاءِ

(2)

.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن غالبٍ الليثى، عن يحيى بن يَعْمَرَ، مِن [جَدِيلة قيسٍ]

(3)

، أنه كان يَقْرَأُ:(سَبْحًا طَوِيلًا). قال: وهو النومُ

(4)

.

قال أبو جعفر: والتسبيخُ توسيعُ القطن والصوفِ وتَنفيشُه، يقال للمرأة: سبِّخي قطنَك. أي: نفِّشِيه ووسِّعيه، ومنه قولُ الأخطلِ

(5)

:

فَأَرْسَلُوهن يُذرِين التراب كما

يُذْرِى سبائخَ قُطْنِ نَدْفُ أَوْتَارِ

وإنما عُنى بقوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} : إن لك في النهارِ سَعةً

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

هي أيضا قراءة عكرمة وابن أبي عبلة، وهى شاذة، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 164، والبحر المحيط 8/ 363.

(3)

في م: "جذيلة"، وفى ت 2 ت 3:"ابن حرملة".

(4)

ينظر تفسير القرطبي 19/ 42، 43.

(5)

شرح ديوان الأخطل ص 78.

ص: 376

لقضاء حوائجك ونومِك

(1)

. فالسَّبح والسَّبخُ قريبا المعنى في هذا الموضع.

‌القول في تأويل قوله عز وجل: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)} .

يقول تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمد اسم ربِّكَ فَادْعُه به، {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}. يقولُ: وانقَطع إليه انقطاعا لحوائجك وعبادتك، دون سائر الأشياء غيره. وهو من قولهم: تبتَّلْتُ هذا الأمر. [إذا قطعته]

(2)

، ومنه قيل لأم عيسى ابن مريم: البَتُولُ. لانقطاعها إلى اللَّهِ، ويقال للعابد المنقطع عن الدنيا وأسبابها إلى عبادةِ اللهِ: قد تبتّل. ومنه الخبرُ الذي رُوى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التبتُّلِ

(3)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أخلص له إخلاصًا

(4)

.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي نجيح، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباس:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أخْلِص له إخلاصًا.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قومك".

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه أحمد 3/ 100 (1514)، والبخارى (5074)، ومسلم (1402) من حديث سعد بن أبي وقاص.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى المصنف.

ص: 377

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهد:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أخلص له إخلاصًا

(1)

.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن مجاهد مثلَه، إلا أنه قال: أخلص إليه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أخلِصْ إليه إخلاصًا

(2)

.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي يحيى المكيِّ في قوله:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أخلِصْ إليه إخْلاصًا.

حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أخلص إليه المسألة والدعاءَ

(3)

.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن أشعثَ، عن الحسن في قوله:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: بَتِّلْ

(4)

نفسَك واجتهد

(5)

.

(1)

أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 349 - من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 569، والبيهقى في الشعب (6862) من طريق منصور به، وهو في تفسير مجاهد ص 680 من طريق شيبان، عن منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى ابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 280، ومن طريقه الحافظ في التغليق 4/ 349 من طريق جرير به.

(3)

أخرجه الفريابي وعبد بن حميد - كما في تعليق التعليق 4/ 350 - عن ورقاء به.

(4)

في ص، ت،2 ت 3:"أبتل".

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 281.

ص: 378

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . يقولُ: أخلص له العبادة والدعوةَ.

حدثنا ابنُ عبدِ ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوه

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أخْلِصْ إليه إخلاصًا

(2)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} . قال: أيْ: تفَرَّغ لعبادته. قال: {وَتَبَتَّلْ} : تعبَّد

(3)

؛ ذا

(4)

التبتل إلى اللهِ. وقرأ قولَ اللَّهِ: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح: 7]. قال: إذا فرَغْتَ من الجهاد فانْصَب في عبادةِ اللهِ، {وَإِلَى رَبَّكَ فَارْغَب}

(5)

[الشرح: 8].

وقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} . اختلَفَتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأة المدينة بالرفع

(6)

على الابتداء، إذ كان ابتداء آيةٍ بعد أخرى تامة

(7)

. وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة بالخفض

(8)

على وجه النعتِ والردِّ على الهاء التي في قوله جلَّ وعزَّ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ} .

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 325 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 278 إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 281.

(3)

سقط من: م.

(4)

سقط من: الأصل، وفى م:"فحبذا".

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 281 بنحوه.

(6)

هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 658.

(7)

في ت 2 ت: "ثانية".

(8)

هي قراءة أبي بكر عن عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

ص: 379

والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. ومعنى الكلام: ربُّ

(1)

أهلِ المشرقِ والمغربِ وما بينَهما من العالَمِ.

وقولُه: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . يقولُ: لا ينبغي أن يُعْبَدَ إلهٌ سوى اللهِ الذي هو ربُّ المشرقِ والمغربِ.

وقولُه: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} . [يقولُ: فاتَّخذه قيِّمًا بأمورك]

(2)

، وفوِّضْ إليه أسبابَك.

وقولُه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: اصْبَرْ يا محمدُ على ما يقولُ المشركون من قومك لك، وعلى أذاهم، واهْجُرُهم في اللَّهِ هَجْرًا جميلا. والهجرُ الجميلُ هو الهجرُ في ذاتِ اللَّهِ، كما قال عز وجل:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام: 68). وقيل: إن ذلك نُسخ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} : "براءة" نسخت ما ههنا، أُمِر بقتالِهم حتى يَشْهَدوا ألَّا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، لا يَقْبَلُ منهم غيرها

(3)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيما يأمرك".

(3)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 755 من طريق همام بن يحيى، عن قتادة.

ص: 380

‌القولُ في تأويل قوله عز وجل: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعنى تعالى ذكره بقوله: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} : ودعنى يا محمد والمكذِّبين بآياتي، {أُولِي النَّعْمَةِ}. يعنى: أهلَ التنعُّمِ في الدنيا، {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}. يقولُ: وأخِّرْهم بالعذابِ الذي بسَطْتُه

(1)

لهم قليلًا، حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجله.

وذُكِر أن الذي كان بين نزول هذه الآية وبينَ بدرٍ يسيرٌ

(2)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن محمد بن إسحاق، عن ابن عبادٍ

(3)

، عن أبيه

(4)

عبادِ بن

(5)

عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن عائشةَ قالت: لما نزلَت هذه الآية: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا} الآية. قالت

(6)

لم يَكُنْ إلا يسيرًا

(7)

حتى كانت

(8)

وقعةُ بدر

(9)

.

(1)

في الأصل، ص، ت:2: "يستبطئه"، وفي ت 1، ت 2:"تستبطئه".

(2)

في الأصل، ص، ت 1، ت، ت 2:"يسيرا".

(3)

في الأصل: "عباس".

(4)

بعده في ص، م، ت 2، ت 3:"عن".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن".

(6)

في النسخ: "قال".

(7)

في م: "يسير".

(8)

في الأصل: "وقعت".

(9)

أخرجه أبو يعلى (4578)، والحاكم 4/ 594، 595، والبيهقي في الدلائل 3/ 95، 96 من طريق محمد بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى ابن المنذر.

ص: 381

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ عز وجل: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا} . يقولُ: إن لله جل جلاله فيهم طَلِبةً وحاجةً

(1)

.

وقولُه: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن عندَنا لهؤلاء المكذِّبين بآياتنا {أَنْكَالًا} . يعنى قيودًا، واحدُها نِكْلٌ.

وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، [عن عكرمةَ أن]

(2)

الآيةَ التي قال اللهُ عز وجل: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا} إنها قيودٌ

(3)

.

حدَّثني عبيدٌ بنُ أسباطَ بن محمدٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ:{إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا} . قال: قيودًا.

[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عكرمةَ: {أَنْكَالًا}. قال: قيودًا]

(4)

.

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عمرٍو، عن عكرمة:{إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا} . قال: قيودًا.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

في ت 2: "قيودا".

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 571، 572، وأبو نعيم في الحلية 3/ 336 من طريق أبي عمرٍو به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: الأصل، ت 1.

ص: 382

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: وبلَغَنى عن مجاهدٍ، قال: الأنكالُ القيودُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، [قال: الأنكالُ القيودُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن حمادٍ مثله.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ حمادًا يقولُ: الأنكالُ القيودُ]

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا} . أي: قيودًا

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن مباركٍ، عن الحسن، و

(4)

عن سفيانَ، عن أبي [عمرٍو القاصِّ]

(5)

، عن عكرمةَ:{إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا} . قالا

(6)

: قيودًا

(7)

.

(1)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 298 من طريق منصور، عن مجاهد.

(2)

في الأصل: "مثله". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

سقط من: م، ت 1، ت 2.

(5)

في الأصل: "عمر القاص"، وفى ص، ت 1، ت، ت 3:"عمرو العاص"، وفي م:"عمرو بن العاص". وينظر تهذيب الكمال 25/ 608.

(6)

في الأصل، م، ت 2:"قال".

(7)

أخرجه هناد في الزهد (266) عن وكيع به، وسقط منه ذكر مبارك، وهو في تفسير مجاهد ص 680، وأخرجه البيهقى في البعث والنشور (595) من طريق مبارك به.

ص: 383

حدَّثنا أبو عبيد الوَصَّابِيُّ محمدُ بنُ حفصٍ، قال: ثنا ابنُ حِمْيَرٍ

(1)

، قال: ثنا الثوريُّ، عن حمادٍ في قوله:{إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا} . قال: الأنكالُ القيودُ.

حدَّثنا سعيدُ بنُ عَنْبَسةَ الرازيُّ، قال: مررتُ بابنِ السَّمَّاكِ وهو يَقُصُّ، وهو يقولُ: سَمِعْتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ: سمِعْتُ حمادًا يقولُ في [قولِ اللهِ: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا} . قال: قيودًا سوداءَ من نارِ جهنمَ

(2)

وقولُه: {وَجَحِيمًا} . يقولُ: ونارًا تَسَعَّرُ.

وقولُه: {وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ} . يقولُ: وطعامًا يَغَصُّ به آكلُه، فلا هو نازلٌ من

(3)

حلقِه، ولا هو خارجٌ منه.

كما حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ وابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ بشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ} . قال: شوكٌ يَأْخُذُ بالحَلقِ، فلا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ} . قال: شجرةَ الزَّقُّومِ

(5)

.

(1)

في الأصل: "حسر"، وفي ت 3:"حميد". ينظر ما تقدم في 5/ 387، وتهذيب الكمال 25/ 116.

(2)

في الأصل: "الأنكالُ القيودُ".

(3)

في م: "عن".

(4)

أخرجه الحاكم 2/ 504، 505، والبيهقي في البعث والنشور (605) من طريق أبي عاصم به، وابن أبي الدنيا في صفة النار (83) من طريق أبي عاصم، عن رجل، عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد.

ص: 384

وقولُه: {وَعَذَابًا أَلِيمًا} . يقولُ: وعذابًا مؤلمًا موجعًا.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمزةَ الزَّيَّاتِ، عن حُمْرانَ بن أَعْيَنَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرَأ:{إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ} ".

فصَعِق صلى الله عليه وسلم

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} .

قال أبو جعفر رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: إن لدينا لهؤلاء المشركين من قريش الذين يُؤْذُونك يا محمدُ، العقوباتِ التي وصَفَها جَلَّ ثناؤه، في يومٍ تَرْجُفُ الأرضُ والجبالُ. ورُجفانُ ذلك اضطرابُه بمن عليه، وذلك يومَ القيامة.

وقولُه: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت الجبالُ رملًا سائلًا متناثرًا. والمَهِيلُ مفعولٌ، من قول القائلِ: هِلْتُ الرمل، فأنا أُهِيلُه. وذلك إذا حُرِّك أسفلِّه، فانهال عليه مِن أعلاه، وللعرب في ذلك لغتان، تقولُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ. و: مَكِيلٌ ومَكْيُولٌ، ومنه قول الشاعرِ

(2)

:

قد كان قومُكَ يَحْسَبونك سيدًا

وإخالُ أنك سيدٌ مَعْيونُ

(3)

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائله ص 64، وأحمد في الزهد ص 27، وهناد في الزهد (267)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (86) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد وابن نصر، وعند أبي عبيد: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ.

(2)

البيت لعباس بن مرداس السلمي في الأغانى 6/ 342، واللسان (ع ى ن).

(3)

في ص، م، ت 3:"مغيون"، وفى ت 1، ت 2:"مغبون". والبيت مروى بهم جميعا.

ص: 385

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٍّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} . يقولُ: الرملُ السائلُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} . قال: الكثيبُ المهيلُ اللينُ

(2)

إذا مسَسْتَه تَتابَع.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{كَثِيبًا مَهِيلًا} . قال: يَنْهالُ.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّا أَرْسَلْنا إليكم أَيُّهَا النَّاسُ رَسُولًا شاهِدًا عليكم بإجابة مِن أجاب منكم دعوتى، وامتناع مِن امْتَنَع منكم مِن الإجابةِ، يومَ تَلْقَوْنى في القيامة، {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} .

يقولُ: مثلَ إرسالنا مِن قبلِكم إلى فرعونِ مصرَ رسولًا يدعوه

(3)

إلى الحقِّ، فعَصى فرعونُ الرسولَ الذي أَرْسَلْناه إليه، {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا}. يقولُ: فأخَذْناه أَحَدًا شديدًا؛ فأَهْلَكْناه ومَن معه جميعًا. وهو مِن قولهم: كَلَاٌ مُسْتَوْبَلٌ. إذا كان لا يُسْتَمْرَأُ، وكذلك الطعامُ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق 4/ 351، والإتقان 2/ 50 - مِن طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى ابن المنذر.

(2)

بعده في م: "الذي".

(3)

في ص، م، ت،1، ت،2، ت 3:"بدعائه".

ص: 386

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَخْذًا وَبِيلًا} . قال: شديدًا

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} . قال: شديدًا

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} . قال: شديدًا.

[حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {أَخْذًا وَبِيلًا}. قال: شديدًا]

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولَه: {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} . قال: الوبيلُ الشرُّ، والعربُ تقولُ لمن تَتابَع عليه الشرُّ: لقد أُوبل عليه الشرُّ

(4)

. وتقولُ: أَوْبَلْتَ على شرَّكَ. قال: [ولم]

(5)

يَرْضَ اللهُ بأن غُرِّق وعُذِّب، حتى

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق 4/ 351، والإتقان 2/ 50 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى ابن المنذر.

(2)

ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 282، 283.

(3)

سقط من: الأصل.

والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 325 عن معمر به.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في الأصل: "أولم".

ص: 387

أُقرَّ في عذابٍ مستقرٍّ، حتى يُبْعَثُ إلى النارِ يومَ القيامةِ. [يريدُ فرعونَ]

(1)

.

‌القولُ في تأويل قولِه عز وجل: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به: فكيف تخافون أيُّها الناسُ يومًا يَجْعَلُ الولْدانَ شيئًا إن كفَرْتُم بالله ولم تُصَدِّقوا به. وذُكِر أن ذلك كذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} : [لا كَيْفَ]

(3)

. يقولُ: كيف تتَّقون يومًا، وأنتم قد كفَرْتم به ولا تُصَدِّقون به.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ} . قال: والله لا يَتَّقِى مَن كفر بالله ذلك اليوم

(4)

.

وقولُه: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} . يعنى: يومَ القيامةِ، وإنما تَشِيبُ الوِلْدَانُ فيه مِن شدة هَوْلِه وكَرْبِه.

(1)

ليس في: الأصل.

(2)

معاني القرآن للفراء 3/ 198، وتفسير القرطبي 19/ 49، وتفسير ابن كثير 8/ 283، والقراءة هي:(فكيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم). وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 325 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 388

كما حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قولَه: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} : كان ابنُ مسعودٍ يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ دعا ربُّنا المِلكُ آدمَ، فيقولُ: يا آدمُ، قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النارِ. فيقولُ آدمُ: أَي ربِّ، لا علم لى إلا ما علَّمْتَنى. فيقولُ الله له: أَخْرِجْ مِن كُلِّ أَلفٍ تسعَمائةٍ وتسعةً وتسعين. فيُساقون إلى النارِ سُودًا

(1)

مُقَرَّنِين، زُرْقًا كالِحِينَ، فيَشِيبُ هنالك كلُّ وليد

(2)

.

حدَّثني يُونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولَه: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} . قال: تَشِيبُ

(3)

الصِّغارُ مِن كربِ ذلك اليومِ.

وقولُه: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: السماءُ مُثْقَلَةٌ بذلك اليوم، مُتَصَدَّعةٌ مُتَشَقِّقَةٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} : يعني تشقُّقَ السماءِ حينَ يَنْزِلُ الرحمنُ جلَّ وعزَّ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

في ت 2 ت 3: "سوقا".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 279 إلى ابن المنذر.

(3)

في ت 1: "لما يصيب".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى ابن أبي حاتم.

ص: 389

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مُنْفَطِرٌ بِهِ} . قال: مُثْقَلةٌ به

(1)

.

حدَّثنا أبو حفصٍ الجُبَيْريُّ

(2)

، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا أبو مودودٍ

(3)

، عن الحسنِ في قولِه:{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} . قال: مُثْقَلةٌ محزونةٌ

(4)

يومَ القيامةِ

(5)

.

حدَّثني علي بن سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا أبو مودودٍ بحرُ بنُ موسى، قال: سمِعْتُ الحسنَ

(6)

يقولُ في هذه الآية. ثم ذكَر مثلَه

(7)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ

(8)

، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} . قال: مُثْقَلَةٌ

(9)

به

(10)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا أبو رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولَه:{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} . قال: مُوقَرَةٌ مُثْقَلةٌ (5).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في الأصل، ص:"الخيبري"، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحيرى". وهو عبيد الله بن يوسف أبو حفص البصري، ينظر ما تقدم في 6/ 312.

(3)

في الأصل: "مورد". وينظر تهذيب الكمال 23/ 268.

(4)

في ت 2، ت 3:"مخزونة".

(5)

ذكره الحافظ في تغليق التعليق 4/ 350 عن المصنف.

(6)

في ص، م، ت 1، ت،2، ت:"ابن أبي على".

(7)

في ص، م، ت 1، ت،2، ت 3:"نحوه".

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحسن".

(9)

في الأصل، ص، ت 2، ت 3:"مثقل".

(10)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى عبد بن حميد.

ص: 390

بِهِ}. يقولُ: [مُثْقَلةٌ يوم القيامة]

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولَه: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} . قال: هذا يومَ القيامة، [يومَ يجعلُ]

(2)

الوِلْدَانَ شِيبًا، ويومَ تَنْفَطِرُ السماءُ. وقرأ:{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]. وقال: هذا كلُّه يومَ القيامةِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بن نُجَيٍّ

(3)

، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} . قال: مُمْتَلِئَةٌ به

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بن نُجَيٍّ

(3)

، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} . قال: ممتلئةٌ به، بلسانِ الحبشةِ.

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، ولم يَسْمَعْه، عن ابن عباسٍ: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ}. قال: ممتلئةٌ به]

(5)

.

وذُكِّرَت السماءُ في هذا الموضع؛ لأن العربَ تُذَكِّرُها وتُؤَنِّثُها، فمَن ذكَّرها وجَّهها إلى السقفِ

(6)

، كما يقالُ: هذا سماءُ البيتِ. لسَقْفِه. وقد يجوزُ أن يكونَ تذكيرُهم إياها لأنها مِن الأسماءِ التي لا فصلَ فيها بينَ مؤنَّثِها ومذكَّرِها، ومن

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مثقل به ذلك اليوم".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فجعل".

(3)

في النسخ: "يحيى".

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بلسان الحبشة".

(5)

سقط مِن: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى المصنف والفريابي وابن أبي حاتم.

(6)

في ت 2، ت 3:"الشفق".

ص: 391

التذكيرِ قولُ الشاعرِ

(1)

:

فلو رفَع السماءُ إليه قومًا

لحِقْنا بالسماءِ مع السَّحابِ

وقولُه: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: كان ما وعَد اللهُ مِن أمرٍ أن يَفْعَلَه مفعولًا؛ لأنه لا يُخْلِفُ وعدَه، ومما

(2)

وعَد أن يَفْعَلَه تكوينُه يومًا

(3)

تكونُ الولدان منه

(4)

شيئًا. يقولُ: فاحْذَروا ذلك اليوم أيُّها الناسُ، فإنه كائنٌ لا مَحالةَ.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعني تعالى ذكرُه بقولَه: [{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ}]

(5)

: إن هذه الآياتِ التي ذكَرَ فيها أمرَ القيامةِ وأهوالَها، وما هو فاعلٌ فيها بأهلِ الكفرِ، {تَذْكِرَةٌ}. يقولُ:[عِبرةٌ وعِظَةٌ لمن اعْتَبر بها واتَّعظ، {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}. يقولُ]

(6)

: فمن شاء

(7)

اتَّخذ إلى ربِّه طريقًا، بالإيمانِ

(1)

البيت غير منسوب في معاني القرآن للفراء 3/ 199، وفي اللسان (س م و)

(2)

في م، ت 1:"ما".

(3)

في م: "يوم".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فيه".

(5)

سقط من: م.

(6)

سقط من: الأصل:

(7)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"من الخلق".

ص: 392

به والعملِ بطاعتِه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} . يعنى: القرآنَ، {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}: بطاعةِ اللهِ.

وقولُه: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: إن ربَّك يا محمدُ يَعْلَمُ أنك تقوم أقربَ مِن ثلثَيِ الليلِ مُصَلَّيًا، ونصفَه وثلثَه.

واختَلَفَت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ بالخفضِ (ونصفِه وثلثِه)

(1)

. بمعنى: وأدنى مِن نصفِه وثلثِه. أي: إنكم لم تُطِيقوا العملَ بما افتَرَض عليكم مِن قيامِ الليلِ، فقوموا أدنى مِن ثلثى الليلِ ومن نصفه وثلثِه. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ بالنصبِ

(2)

. بمعنى: إنك

(3)

تقومُ أدنى مِن ثلثى الليلِ، وتقومُ نصفَه وثلثَه.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} . يعني: مِن أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا مؤمنين باللهِ حينَ فُرِضَ عليهم قيامُ الليلِ.

(1)

هي قراءة نافع وأبي عمرٍو وابن عامر. السبعة لابن مجاهدٍ ص 658.

(2)

هي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

(3)

في الأصل: "ذلك".

ص: 393

وقولُه: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} . [يقولُ تعالى ذكرُه: والله يقدِّرُ الليلَ والنهارَ]

(1)

بالساعاتِ والأوقاتِ.

وقولُه: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: علم ربُّكم أيُّها القومُ الذين فُرِض عليهم قيامُ الليلِ، أن لن تُطِيقوا قيامَه، {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} إِذ عَجَزْتُم وضعُفْتُم عنه، ورجَع لكم

(2)

إلى التخفيف عنكم.

وبنحوِ الذي قلنا في [معنى قولَه: {أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ}. قال أهلُ التأويلِ]

(3)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادِ بن راشدٍ، عن الحسنِ:{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} : [أَن لن]

(4)

تُطِيقوه

(5)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرني به عبادُ بن راشدٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: {أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} . [قال: لن](4) تُطِيقوه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، [عن جعفرٍ، عن سعيدٍ]

(6)

: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} . يقولُ: أن لن تُطِيقوه (5).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} . قال: أن لن تُطِيقوه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبيه، عن

(1)

سقط مِن: م، ت 1.

(2)

في م: "بكم".

(3)

في الأصل: "ذلك قال أهل العلم".

(4)

في الأصل: "أن لم".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

سقط من: الأصل.

ص: 394

عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَلَّتان لا يُحْصِيهما رجلٌ مسلمٌ إلا أدْخَلتاه الجنةَ، وهما يسيرٌ، ومَن يَعْمَلُ بهما قليلٌ؛ يُسَبِّحُ الله في دُبُرٍ كلِّ صلاةٍ عشرًا، وَيَحْمَدُه عشرًا، ويُكَبِّرُه عشرًا". قال: فأنا رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَعْقِدُها بيدِه، قال:"فتلك خمسون ومائةٌ باللسانِ، وألفٌ وخمسُمائةٍ في الميزانِ، وإذا أوَى إلى فراشِه سبَّح وحمِد وكبَّر مئةً". قال: "فتلك مائةٌ باللسانِ، وألفٌ في الميزانِ، فأَيُّكُم يَعْمَلُ في اليوم الواحدِ ألفين وخمسَمائةِ سيئةٍ؟ " قالوا: فكيف لا نُحْصِيهما؟ قال: "يأتى أحدَكم الشيطانُ وهو في صلاته فيقولُ: اذْكُرْ كذا، اذْكُرْ كذا. حتى يَنْفَتِلَ، ولعله أن

(1)

لا يفْعَلَ

(2)

، ويأتيه وهو في مضجعِه، فلا يزالُ يُنَوِّمُه حتى ينامَ"

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} : قيامُ الليلِ كُتِب عليكم، {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} .

وقولُه: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} . يقولُ: فاقْرَءوا مِن الليل ما تيَسَّر لكم مِن القرآنِ في صلاتِكم. وهذا تخفيفٌ مِن الله عز وجل عن عبادِه فرضَه الذي كان

(1)

سقط مِن: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في م: "يعقل".

(3)

أخرجه الترمذي (3410)، وابن ماجه (926)، وابن حبان (2012) مِن طريق ابن علية به، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 233، 234، وأبو داود (5065)، والنسائى (1347)، وفى الكبرى (1271)، وابن حبان (2012، 2018) من طريق عطاء به.

(4)

أخرجه الحميدى (583)، وعبد الرزاق في مصنفه (3189)، والنسائي في الكبرى (10655)، والبيهقي في الشعب (613) من طريق سفيان به.

ص: 395

فرَض عليهم بقولِه: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا} .

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى رَجاءٍ محمدٍ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٌ، ما تقولُ في رجلٍ قد اسْتَظْهَر القرآنَ كلَّه عن ظهرِ قلبِه فلا يقومُ به، إنما يُصَلِّي المكتوبةَ؟ قال: يَتَوَسَّدُ القرآنَ! لعَن اللهُ ذاك. قال: قال الله جلَّ ذكرُه للعبدِ الصالحِ: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68]. {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91]. قلتُ: يا أبا سعيدٍ، قال اللهُ:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} ! قال: [نعم، ولو خمسين آيةً]

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عثمانَ الهَمْدانيِّ، عن السديِّ في قولِه:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} . قال: مائة آيةٍ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ربيعٍ، عن الحسنِ، قال: من قرَأ مائةَ آيةٍ في ليلةٍ، لم يُحاجَّه القرآنُ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن كعبٍ، قال: مَن قرَأ في ليلةٍ مائة آيةٍ، كُتِب من القانتين

(3)

.

وقولُه: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: علم ربُّكم أيُّها المؤمنون أن سيكونُ منكم أهلُ

(1)

في الأصل: "لو مائة آية".

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 285 عن المصنف وفيه: خمس آيات.

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 53.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"العابدين".

والأثر أخرجه الدارمى 2/ 464 من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 507 من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 6/ 4 من طريق أبي راشد الحراني، عن كعب مطولًا.

ص: 396

مرضٍ قد أضْعَفه المرضُ عن قيامِ الليلِ، {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ} في سفرٍ

(1)

{يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} في تجارةٍ قد سافَروا الطلبِ المعاشِ، فأَعْجَزهم وأَضْعَفهم

(2)

عن قيامِ الليلِ، {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. يقولُ: وآخرون أيضًا منكم يُجاهِدون العدوَّ، فيقاتِلونهم في نُصرةِ دينِ اللهِ، فرحِمكم اللهُ، فخفَّف عنكم ووضَع عنكم فرضَ قيامِ الليلِ، {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}. يقولُ: فاقْرَءوا الآن، إذ خفَّف ذلك عنكم من الليل في صلاتِكم، ما تيَسَّر من القرآنِ.

والهاءُ في قولِه: {مِنْهُ} . من ذكرِ القرآنِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم أنْبَأ بخصالِ المؤمنين، فقال:{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} . [فَإِنَّ الله]

(3)

افْتَرَض

(4)

القيامَ في أولِ هذه السورةِ، فقام نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه حولًا، حتى انْتَفَخَت أقدامُهم، وأمْسَك اللهُ جل ثناؤه خاتمتَها

(5)

اثنَيْ عشرَ شهرًا في السماءِ، ثم أنزَل اللهُ عز وجل التخفيفَ في آخرِها، فصار قيامُ الليلِ تطوعًا بعدَ فريضةٍ

(6)

.

(1)

في الأصل: "سعه".

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أيضًا".

(3)

في م: "قال".

(4)

بعده في م: "الله".

(5)

في الأصل: "بخاتمتها".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى عبد بن حميد وابن نصر.

ص: 397

[وقولُه]

(1)

: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} . [يقولُ: وأقيموا]

(2)

الصلاةَ

(3)

المفروضةَ، وهى الصلواتُ الخمسُ في اليومِ والليلةِ، {وَآتُوا الزَّكَاةَ}. يقولُ: وأَعْطُوا الزكاةَ المفروضةَ في أموالِكم أهلَها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} : فهما فريضتان واجبتان، لا رُخصةَ لأحدٍ فيهما، فأدُّوهما إلى اللهِ تعالى ذكرُه

(4)

.

وقولُه: {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} . يقولُ: وأنفقوا في سبيلِ اللهِ مِن أموالِكم.

وكان ابنُ زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} . قال: القرضُ. النوافلُ سوى الزكاةِ.

وقولُه: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} . يقولُ: وما تُقَدِّموا أيُّها المؤمنون لأنفسِكم في دارِ الدنيا مِن صدقةٍ أو نفقةٍ تُنْفِقونها في

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

سقط من: الأصل، ت 1.

(3)

سقط من: الأصل، م، ت 1.

(4)

تقدم أوله في الصفحة السابقة.

ص: 398

سبيل الله؛ أو غير ذلك من [نفقةٍ في وجوه الخيرِ، أو عملٍ بطاعةِ اللهِ؛ من صلاةٍ أو صيامِ أو حجٍّ، أو غيرِ ذلك مِن]

(1)

أعمالِ الخيرِ

(2)

، طلبَ ما عندَ اللهِ، تَجِدوه عندَ اللهِ يومَ القيامةِ في معادِكم، هو خيرًا لكم مما قدَّمِتم في الدنيا، وأعظمَ منه ثوابًا. أي: ثوابُه أعظمُ مِن ذلك الذي قدَّمتموه، لو لم تكونوا قدَّمْتموه، {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: وسَلُوا الله غُفرانَ ذنوبِكم بصفحِه

(3)

لكم عنها، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: إن الله ذو مغفرةٍ لذنوبِ مَن تاب مِن عبادِه من ذنوبِه، وذو رحمةٍ، أن يُعاقِبَهم عليها مِن بعدِ توبتِهم منها.

آخرُ تفسيرِ سورةِ المزملِ

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

بعده في م: "في".

(3)

في م: "يصفح"

ص: 399

‌تفسيرُ سورةِ المدثرِ

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} : يأيُّها المُتَدَثِّرُ بثيابِه عندَ نومِه.

وذُكِر أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قيل ذلك له، وهو متدثرٌ بقَطيفةٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرة، عن إبراهيم:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} . قال: [كان متدثِّرًا]

(1)

في قَطيفةٍ

(2)

.

ذُكِر أن هذه الآيةَ أولُ شيءٍ نزَل من القرآنِ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنه قيل له:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} .

كما حدَّثنا يونُسَ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا يونُسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن جابرَ بن عبدِ اللهِ الأنصارى قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو يُحَدِّثُ عن فترة الوحي: "بيْنا أنا أمْشِي سمعتُ صوتًا من السماءِ، فرفَعْتُ رأسى، فإذا الملكُ الذي جاءني بحراء،

(1)

ليست في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاء السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 400

جالسٌ على كرسيٍّ بين السماءِ والأرضِ". قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فَجُثِثْتُ

(1)

منه فَرَقًا، وجئتُ

(2)

، فقلتُ: زَمِّلُوني زَمِّلُوني. فدثَّروني، فأَنْزِل اللهُ عز وجل:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّر} إلى قولِه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ". قال: "ثم تتابع الوحيُ"

(3)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: سألتُ أبا سلمةَ، فقلتُ: أَيُّ القرآنِ أُنْزِل قبلُ

(4)

؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}

(5)

.

[حدَّثنا ابنُ المثنى، [قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ بن فارسٍ]

(6)

، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المباركِ، عن يحيى، قال: سأَلتُ أبا سلمةَ: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ أُولَ؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ]

(7)

.

(1)

جثثت منه: فزعت منه وخفت. النهاية 1/ 239.

(2)

بعده في م: "أهلي".

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 306 عن يوسف بن عبد الأعلى به، ومسلم (161/ 255) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (4954) من طريق يونس به. وأخرجه الطيالسي (1799)، وعبد الرزاق في التفسير 2/ 327، وابن أبي شيبة 14/ 294، 295، والترمذي (3325)، والنسائي (11631 - كبرى)، وأبو عوانة 1/ 112، وأبو نعيم في الدلائل 1/ 215، والبيهقي في السنن 9/ 6 من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 280 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وابن الأنباري في المصاحف.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أول".

(5)

أخرجه أحمد 22/ 192 (14287)، ومسلم (161/ 257)، وأبو عوانة 1/ 115، وابن حبان (35)، والواحدى في أسباب النزول ص 329، من طريق الوليد بن مسلم به. وأخرجه النسائي (11632 - كبرى)، وأبو يعلى (1948)، والبيهقي في الدلائل 2/ 155، من طريق الأوزاعي به. وأخرجه الطيالسي (1793)، والبخاري (4924)، وابن الضريس في فضائله ص 37 (25) من طريق يحيى بن أبي كثير به.

(6)

سقط من: الأصل. والمثبت من صحيح مسلم وتاريخ الطبري.

(7)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 401

فقلتُ: يقولون: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1]. فقال أبو سلمةَ: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ: أَيُّ القرآنِ أُنْزِل أولَ؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} . فقلتُ: يقولون: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} . فقال: لا أُخبِرُك إلا ما حدَّثنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قال: "جاوَرْتُ في حِراءٍ، فلما قضَيْتُ جوارى هبَطْتُ، فاسْتَبْطَنْتُ الوادىَ، فنُودِيتُ، [فنظَرْتُ عن يميني وعن شمالي وخلفي وقُدَّامى، فلم أر شيئًا]

(1)

، فنَظَرْتُ فوق رأسى، فإذا هو جالسٌ على عرشٍ بينَ السماءِ والأرض، فخشِيتُ منه - هكذا قال عثمانُ بنُ عمرَ، إنما هو: فجُثِثْتُ منه ولقيتُ خديجةَ، فقلتُ: دَثِّروني. فدثَّروني، وصَبُّوا عليَّ ماءً، فأنْزَل اللهُ عليَّ:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} "

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عليٍّ بن المبارَكِ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: سألْتُ أبا سلمةَ عن أولِ [ما نزَل]

(3)

من القرآنِ، قال: نزلَت: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أولَ. قال: قلتُ: إنهم يقولون: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} . فقال: سأَلْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، فقال: لا أُحَدِّثُك إلا ما حدَّثنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال: "جاوَزْتُ بحِراءٍ، فلمَّا قضَيْتُ جِوارِي هبَطْتُ، فسمِعْتُ صوتًا، فنظَرْتُ عن يميني فلم أرَ شيئًا، [وعن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ أمامي فلم أر شيئًا]

(4)

، [ونظَرْتُ خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفَعْتُ رأسى، فرأيْتُ شيئًا]

(5)

، فأتيتُ خديجة، فقلتُ:

(1)

سقط من: الأصل، ت 1.

(2)

أخرجه مسلم (161/ 258)، والحسن بن سفيان في مسنده - كما في التغليق 4/ 354 - والمصنف في التاريخ 2/ 303 عن محمد بن المثنى به، وأبو عروبة في كتاب الأوائل - كما في الفتح 8/ 677 - من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه البخاري (4922) من طريق على بن المبارك الهنائي به.

(3)

في الأصل: "آية نزلت".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

سقط من: الأصل.

ص: 402

دَثِّروني، وصُبُّوا عليَّ ماءً

(1)

. [فدثَّرونى وصَبُّوا على ماءً باردًا]

(2)

، فنزَلَت:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} "

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: فتَر الوحيُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَترةً، فحزِن حزنًا، فجعَل يَغْدُو

(4)

إِلى شَواهِقِ رءوسِ الجبالِ ليتَرَدَّى منها، فكلما أوْفَى بذِرُوةٍ جبلٍ تبَدَّى له جبريلُ عليه السلام فيقولُ: إنك نبيُّ الله. فيَسْكُنُ لذلك

(5)

جأْشُه، و [ترجعُ إليه]

(6)

نفسُه، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ عن ذلك، قال: "فبينَما أنا أمْشِى يومًا [إذ رأيتُ]

(7)

المَلكَ الذي كان يأْتيني بحِراءٍ على كرسيٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، فجُثِثْتُ منه رعبًا، فرجَعْتُ إلى خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني". فرمَّلْناه، أي: فدَثَّرْناه، فَأَنْزَلَ اللهُ:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال الزهريُّ: فكان أولَ شيءٍ أُنزِل عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} حتى بلغ: {مَا لَمْ يَعْلَمْ}

(8)

.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يا أيُّها النائمُ في ثيابِه.

(1)

بعده في البخاري: "باردًا".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 304 عن أبي كريب به، وأحمد 22/ 192 (14287)، والبخاري (4922)، وأبو عوانة 1/ 114 من طريق وكيع به.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يعدو".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تسكن".

(7)

في الأصل: "أدركت".

(8)

أخرجه المصنف 2/ 305 عن محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 327 من طريق معمر به.

ص: 403

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} . قال: يا أَيُّها النائم

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} . يقولُ: المُتَدَثِّرُ في ثيابِه

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المدثرُ النبوةَ وأثقالَها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: وسُئِل داودُ عن هذه الآيةِ: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ، فقال عن عكرمةَ أنه قال: دُثِّرْتَ هذا الأمرَ، فقُمْ به

(3)

.

وقولُه: {قُمْ فَأَنْذِرْ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قُمْ مِن نومِك، فأنذِرْ عذابَ اللهِ قومَك الذين أشركوا بالله وعبَدوا غيرَه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قُمْ فَأَنْذِرْ} . أي: أنذِرْ عذابَ الله، ووقائعَه في الأممِ، وشدةَ نقمتِه (2).

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 295 عن عبد الأعلى به، والحاكم 2/ 506 من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس به.

ص: 404

وقولُه: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وربَّك يا محمد، فعظِّمْ بعبادتِه، والرغبةِ إليه في حاجاتِك دونَ غيرِه من الآلهةِ والأندادِ.

وقولُه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تَلْبَسُ ثيابك على معصيةٍ، ولا على غَدْرةٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ [إسماعيل الأحمسيُّ، قال: حدَّثنا غالبُ بنُ فائِدٍ، قال: حدَّثنا قاسم بن معن وموسى الأنصاريُّ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ]

(1)

، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: أما سمِعْتَ قولَ غَيْلَانَ بن سلمةَ:

وإني بحمد الله لا ثوبَ فاجرٍ

لبِسْتُ ولا من غَدْرِةٍ أَتَقَنَّعُ

(2)

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سَلَّامٍ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أتاه رجلٌ وأنا جالسٌ، فقال: أرأيْتَ قولَ اللهِ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: لا تَلْبَسْها على معصيةٍ، ولا على غَدْرةٍ. ثم قال: أما سمِعْتَ قولَ غَيْلانَ بن سلمةَ الثقفيِّ:

وإني بحمدِ اللهِ لا ثوبَ فاجرٍ

لبِسْتُ ولا من غَدْرة أتَقَنَّعُ

(2)

حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: لا تَلْبَسُها على غَدْرِةٍ ولا على فَجْرةٍ. ثم تَمَثَّل

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"سعد قال ثني أبي قال ثني عمي، قال ثني أبي عن أبيه".

(2)

أخرجه ابن حجر في الإصابة 5/ 336 من طريق القاسم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه. والبيت تقدم تخريجه في 14/ 623.

ص: 405

بشعرِ غَيْلانَ بن سَلَمةَ هذا

(1)

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأجلحِ بن عبدِ اللهِ الكِنْديِّ، عن عكرمةَ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: لا تَلْبَسُ ثيابك على معصيةٍ، ألم تَسْمَعْ قولَ غيلان بن سلمةَ الثقفيِّ:

وإني بحمدِ الله لا ثوبَ فاجرٍ

لبِسْتُ ولا من غَدْرةٍ أَتَقَنَّعُ

(1)

حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جريجٍ: أخبَرني عطاءٌ، أنه سمِع ابن عباسٍ يقولُ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: مِن الإثمِ. ثم قال: نقيُّ الثيابِ في كلامِ العربِ

(2)

.

حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأمويُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ القاضي، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في قولَه:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: في كلامِ العربِ نقيُّ الثوبِ

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} : من الذنوبِ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٌ، عن

(5)

ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، في:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: من الذنوبِ.

(1)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 22/ 236 من طريق سفيان عن الأجلح به.

(2)

أخرجه الحاكم 2/ 506، وابن عبد البر في التمهيد 22/ 235 من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الثياب".

(4)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 22/ 236 من طريق سفيان عن مغيرة به.

(5)

بعده في الأصل: "سفيان عن".

ص: 406

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: هي كلمةٌ من العربيةِ، كانت العربُ تقولُها: طهِّرْ ثيابَك، أي: مِن الذنبِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . يقولُ: طهِّرْها مِن المعاصى، فكانت العربُ تُسَمِّى الرجلَ إذا نكَث ولم يَفِ بعهدٍ، أنه لَدَنِسُ الثيابِ، وإذا وفَى وأصْلَح قالوا: إنه لمطهَّرُ الثيابِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: من الإثمِ

(2)

.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} .

قال: من الإثم.

حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . يقولُ: لا تَلْبَسُ ثيابَك على معصيةٍ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: من الإثمِ.

(1)

في ص، م، ت 1:"الذنوب".

والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 327، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه الحاكم 2/ 506 من طريق سفيان به.

(3)

ذكرُه ابن كثير 8/ 289.

ص: 407

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: من الإثمِ

(1)

.

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأجلحِ، سمِع عكرمةَ قال: لا تَلْبَس ثيابَك على معصيةٍ

(1)

.

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ وعطاءٍ، قالا: مِن الخَطايا

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَلْبَسُ ثِيَابَكَ مِنَ مَكْسَبٍ غَيرِ طيبٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله جلَّ وعزَّ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: لا تَكُنْ ثيابُك التي تَلْبَسُ من مَكْسَبٍ غيرِ طائبٍ. ويقالُ: لا تَلْبَسْ ثيابَك على معصيةٍ

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصْلِحْ عملَك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولَه:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: عملَك فأَصْلِحْ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 22/ 236 من طريق وكيع به.

(2)

بعده في الأصل: "حدَّثنا ابنُ حميدٍ قال حدَّثنا جرير عن منصور عن أبى رزين في قولَه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال عملك فأصلحه وكان الرجل إذا كان خبيث العمل قالوا فلان طاهر الثياب".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 81 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 408

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: عملَك فأصْلِحْه، وكان الرجلُ إذا كان خبيثَ العملِ قالوا: فلانٌ خبيثُ الثيابِ، وإذا كان حسنَ العملَ قالوا: فلانٌ طاهرُ الثيابِ

(1)

.

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: لستَ بكاهنٍ ولا ساحرٍ، فأعْرِضْ عما قالوا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغْسِلْها بالماء، وطهِّرْها من النجاسةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عباس بن أبي طالبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ عبد اللهِ بن جعفرٍ، عن أحمدَ بن موسى بن أبي مريمَ صاحبِ اللؤلؤَ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بن سيرينَ:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: اغْسِلْها بالماء

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} . قال: كان المشركون لا يَتَطَهَّرون، فأمر الله نبيَّه أن يَتَطَهَّرَ، ويُطَهِّرَ ثيابَه

(2)

.

وهذا القولُ الذي قاله ابن سيرينَ وابنُ زيدٍ في ذلك أظهرُ معانيه، والذي قاله

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 417، وابن عبد البر في التمهيد 22/ 235 من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 289.

ص: 409

ابنُ عباسٍ وعكرمةُ [ومن ذكرنا قولَه]

(1)

عليه أكثرُ السلفِ، من أنه عُنِى به جسمَك فطهِّرْ من الذنوبِ، واللهُ أعلمُ بمرادِه مِن ذلك.

وقولُه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . اختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: (والرَّجْزَ) بكسرِ الراءِ. وقرَأه بعضُ المكيين والمدنيين {وَالرُّجْزَ} بضمِّ الراءِ

(2)

، فمَن ضمَّ الراءَ وجَّهه إلى الأوثانِ، وقال: معنى الكلامِ: والأوثانَ فاهْجُرْ عبادتَها واتْرُكُ خدمتَها، ومَن كسرَ الراءَ وجَّهه إلى العذابِ، وقال: معناه: والعذابَ فاهْجُرْ، أي: ما أَوْجَب لك العذابَ مِن الأعمال فاهْجُرْ.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، والضمُّ والكسرُ في ذلك لغتان بمعنًى واحدٍ، ولم نجد أحدًا مِن مُتَقَدِّمي أهلِ التأويلِ فرَّق بينَ تأويلِ ذلك، وإنما فرَّق بين ذلك فيما بلَغنا الكسائيُّ.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى: {وَالرُّجْزَ} في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الأصنامُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . يقولُ: السُّخطَ، وهو الأصنامُ

(3)

.

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

(1)

في م، ت 1، 2، ت 3:"وابن زكريا قول".

(2)

قرأ أبو جعفر ويعقوب وحفص بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها. النشر 2/ 294.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

ص: 410

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . قال: الأوثانَ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، قال أبو جعفرٍ: أحْسَبُه أنا عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . قال: الأوثانَ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} : [إسافَ ونائلةَ]

(3)

، وهما صنمان كانا عنِد البيتِ، يَمْسَحُ وجوهَهما مَن أتَى عليهما، فأمَر الله نبيِّه صلى الله عليه وسلم أَن يَجْتَنِبَهما ويَعْتَزِلَهما

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . قال: هي الأوثانُ

(5)

.

حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . قال: الرُّجْزَ آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدون، أمَرَه أَن يَهْجُرَها، فلا يَأْتِيَها، ولا يَقْرَبَها

(6)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصيةَ والإثم فاهْجُرْ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر، كما في مخطوط المحمودية ص 434.

(2)

ذكره البغوي 8/ 265.

(3)

ليس في: الأصل.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 328 عن معمر به.

(6)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 265، وابن كثير في تفسيره 8/ 289.

ص: 411

{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . قال: الإثمَ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . يقولُ: اهْجُرِ المعصيةَ

(2)

.

وقد بيَّنَّا معنى الرُّجْز فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ

(3)

.

وقولُه: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولا تُعْطِ يا محمدُ عَطِيَّةٌ لِتُعْطَى أكثر منها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ عطيةً تَلْتَمِسُ بها أفضلَ منها

(4)

.

حدَّثنا أبو حميدٍ الحِمْصيُّ أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثني أبو حَيْوةً شُرِيحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ، قال: ثنى أَرْطاةُ، عن ضَمْرَةَ بن حَبيبٍ وأبى الأحوصِ في قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطَى أكثرَ منه

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 289.

(3)

تقدم في 1/ 729، 10/ 401.

(4)

أخرجه الطبراني (12672) من طريق آخر عن عطية العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 290.

ص: 412

حدثَّني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن عكرمةَ في قوله:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ شيئًا لتُعْطَى أكثرَ منه.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني مَن سمِع عكرمةَ يقولُ: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ العطية لِتريدَ أن تَأْخُذَ أكثرَ منها

(1)

.

حدثَّني يحيى بن طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فضيلٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ كيما تَزْدادَ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ شيئًا لتَأْخُذَ أكثرَ منه.

[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ، عن الضحاكِ: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}. قال: لا تُعْطِ لِتُعْطَى أكثرَ منه]

(2)

.

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ [لتأخذَ شيئًا]

(3)

أكثرَ منه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ شيئًا لتزداد

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 151 من طريق غندر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ليس في: الأصل.

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 151 من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لتعطى".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 151 من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى سعيد بن =

ص: 413

حدَّثنا أبو كريبٍ قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي رَوَّادٍ

(1)

، عن الضحاكِ، قال: هو الربا الحلالُ، كان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ما خاصَّةً

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى حُجيرةَ، عن الضحاكِ: هما رِبَوَانِ حلالٌ وحرامٌ؛ فأما الحلالُ فالهدايا، وأما الحرامُ فالرِّبا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . يقولُ: لا تُعْطِ شيئًا، إنما بك مُجازاة الدنيا ومعارضُها

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُعْطِ شيئًا لِتُثابَ أفضل منه. وقاله أيضًا طاوسٌ

(4)

.

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: [لا تُعْطِ]

(5)

مالًا مُصانعةً؛ رجاءَ أفضلَ منه من الثوابِ في الدنيا

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: لا تُعْطِ لِتُعْطَى أكثرَ منه

(7)

.

= منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

في الأصل: "سلمة".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 151 عن وكيع به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 218 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 328 عن معمر به.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3: تعطى".

(6)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 173.

(7)

في الأصل: "منها".

ص: 414

[قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}. قال: لا تُعْطِ لتَزداد]

(1)

.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: هي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصةً، وللناس عامةٌ مُوَسَّعٌ عليهم

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تَمْنُنْ عملَك على ربِّكَ تَسْتَكْثِرُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ

(3)

حسينٍ، عن الحسنِ فى قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تَمْنُنْ عملَك تَسْتَكْثِرُه على ربِّك

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تُمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ عملَك.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بن نافعٍ أبو غانمٍ، عن أبي سهلٍ كثير بنِ زيادٍ، عن الحسنِ:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . يَقولُ: لا تُمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ عملَك الصالح.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا يَكْثُرَنَّ عملَك في عينِك، فإنه فيما أَنْعَم اللهُ

(1)

ليس في: الأصل.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد.

(3)

في الأصل: "عن".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 152 عن يزيد به.

ص: 415

عليك وأعْطاك قليلٌ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَضْعُفْ [عن الخيرِ]

(2)

أن تَسْتَكْثِر منه

(3)

، ووجَّهوا معنى قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ} . أي: لا تَضْعُفْ، مِن قولهم: حبلٌ مَنِينٌ. إذا كان ضعيفًا.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثنا أبو حميدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمْصيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تَضْعُف أن تَسْتَكْثِرَ مِن الخيرِ. قال: تَمنُنُ في كلامِ العربِ: تَضْعُفُ

(4)

.

وقال آخرون في ذلك: لا تُمْنُنْ بالنبوة على الناسِ تَأْخُذُ عليه منهم أجرًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} . قال: لا تَمْنُنْ بالنبوةِ والقرآنِ الذي أرْسَلْناك به، تَسْتَكْثِرُهم به، تَأْخُذُ عليه عِوَضًا

(5)

مِن الدنيا

(6)

.

وأولى هذه الأقوالِ عندنا بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا تَمْنُنْ على ربِّكَ، مِن أن تَسْتَكْثِر عملَك الصالحَ.

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 265، وابن كثير في تفسيره 8/ 290.

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: من الخير.

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 265، وابن كثير في تفسيره 8/ 290، عن خصيف عن مجاهد.

(5)

في الأصل: "عرضا".

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 290.

ص: 416

وإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ذلك في سياق آياتٍ تقَدَّم فيهن أمرُ اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيِّه صلى الله عليه وسلم بالجِدِّ في الدعاءِ إليه، والصبرِ على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكونَ مِن نوعِ

(1)

تلك، أشبهُ منها بأن تكونَ مِن غيرها. وذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أن ذلك في قراءتِه:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}

(2)

.

وقولُه: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولربِّك فاصبِرْ على ما لقيتَ فيه من المكروهِ.

[واختلَفت عباراتُ أهلِ التأويلِ فيه؛ فقال بعضُهم فيه: هو الذي قلنا]

(3)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} : فاصبِرْ

(4)

على ما أُوذيتَ

(5)

.

حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} . قال: حُمِّل أمرًا عظيمًا؛ محاربةَ العربِ ثم العجمِ من بعدِ العربِ في اللهِ

(6)

.

(1)

في ص، م:"أنواع".

(2)

ينظر مختصر الشواذ ص 164.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل".

(4)

في ص، م:"قال".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:(أوتيت). والأثر ذكرُه البغوي في تفسيره 8/ 266، وابن كثير في تفسيره 8/ 290.

(6)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 266، والقرطبي في تفسيره 19/ 69.

ص: 417

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولرَبِّك فاصْبِرْ على عَطِيتِك.

‌‌

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرة، عن إبراهيمَ:{وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} . قال: اصْبِرْ على عطيتِك

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ، قال: اصْبِرْ على عطيتِك للهِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} . قال: عطيتَك اصْبِرْ عليها.

‌القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12)} .

قال أبو جعفرٍ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: فإذا نُفِخ في الصُّورِ.

فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ شديدٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ وأسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " كيف أنْعَمُ وصاحب القرنِ قد الْتَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 281 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 418

يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فيه". فقال أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كيف نقولُ؟ فقال: "تقولون: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ توَكَّلْنا"

(1)

.

حدثَّني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رَجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . قال: إذا نُفِخ في الصورِ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ الحكمُ بن عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رَجاءٍ، عن عكرمةَ مثلَه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . قال: إذا نُفِخ

(3)

في الصورِ

(4)

.

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . قال: في الصورِ. قال: هو شيءٌ كهيئة البوقِ حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . قال: هو يومُ يُنْفَخُ في الصورِ، [والناقورُ هو]

(5)

الذي يُنْفَخُ فيه. قال ابنُ عباسٍ: إن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرَج إلى أصحابِه، فقال: "كيف أنْعَمُ وصاحبُ القرنِ قد التَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه،

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 352، وأحمد 5/ 144 (3008)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 290، والطبرانى (12671) من طريق أسباط به وأخرجه الطبراني (12670)، والحاكم 4/ 559 من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى ابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد، وهو في تفسير مجاهد ص 683 من طريق شريك عن جابر عن عكرمة.

(3)

في الأصل: "نقر".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد.

(5)

سقط من: م، وفي ص:"هو".

ص: 419

ثم أقبل بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَةِ". فاشْتَدَّ ذلك على أصحابه، فأَمَرَهم أن يقولوا: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا.

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}. يقولُ: الصُّورِ، {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ}. يقولُ: شديدٌ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال الحسنُ:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . قال: إذا نفخ في الصُّورِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} .

والناقورُ الصُّورُ، والصورُ الخَلْقُ، {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ}. يقولُ: شديدٌ

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . يعنى الصُّورَ (2).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع قولَه:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . قال: الناقورُ الصُّورُ (2).

قال: حدَّثنا مِهْرانُ

(4)

، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه.

حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} . قال: الصُّورِ

(5)

(2).

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في التغليق 4/ 351 والإتقان 2/ 50 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 290.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 328 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 23 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ، وفى 6/ 282 إلى عبد بن حميد.

(4)

في الأصل: "ابن حميد قال: حدثنا حكام".

(5)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3: "وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني على قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} . يقولُ شديد، حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قال الله تعالى ذكره:{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} =

ص: 420

وقولُه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: كِلْ يا محمدُ أمرَ الذي خَلَقْتُه في بطنِ أمِّه وحيدًا لا شيءَ له من مالٍ ولا ولدٍ، إليَّ.

وذُكِر أنه عُنى بذلك الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أَنْزَلَ اللهُ عز وجل في الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميِّ قولَه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} ، وقولَه:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} .. إلى آخرِها

(1)

[الحجر: 92].

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} . قال: خلَقْتُه وحدَه، ليس معه مالٌ ولا ولدٌ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن محمدِ بن شَريكٍ، عن ابن أبي نَحِيحٍ

(3)

، عن مجاهدٍ:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} . قال: نزَلَت في الوليدِ بن المغيرةِ، وكذلك الخلقُ كلُّهم (2).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ

= فبين الله على من يقع على الكافرين غير يسير".

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى ابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

في الأصل: "يحيى".

ص: 421

وَحِيدًا}: [وهو الوليدُ بنُ المغيرةِ، أخْرَجه اللهُ مِن بطنِ أمِّه وحيدًا]

(1)

، لا مالَ له ولا ولدَ، فرزَقه اللهُ المالَ والولدَ والثروةَ والنَّماءَ

(2)

.

حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} إلى قولِه: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} حتى بلَغ: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} . قال: هذه الآياتُ أُنْزِلت في الوليدِ بن المُغيرةِ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} . يعنى الوليدَ بنَ المغيرةِ.

وقولُه: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هذا المالِ الذي ذكَره اللهُ، وأَخْبَر أنه جعَله للوحيدِ ما هو، وما مبلغُه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك دنانيرَ، ومبلغُها ألفُ دينارٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ:{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} . قال: كان مالُه ألفَ دينارٍ

(3)

.

حدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عمرانَ الكوفيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} . قال: ألفَ دينار

(4)

.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 329 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 296 من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 266.

ص: 422

وقال آخرون: كان أربعةَ آلافِ دينارٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} قال: بلَغَني أنه أربعةُ آلافِ دينارٍ.

وقال آخرون: كان ماله أرضًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ في قولِه:{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} . قال: الأرضَ

(1)

.

حدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ مثلَه.

وقال آخرون: كان ذلك غَلَّةَ شهرٍ بشهرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَلْبَسٌ إمامُ مسجدِ ابن عُليةً، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ رضي الله عنه في قولِه:{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} . قال: غلة شهرٍ بشهرٍ

(2)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى ابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى المصنف وابن أبي حاتم والدينوري في المجالسة.

ص: 423

حدثَّني أبو حفصٍ الجُبَيرِيُّ

(1)

، قال: ثنا حَلْبَسٌ الضُّبَعيُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يقلْ: عن عمرَ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا غالب بنُ حَلْبَسٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يَقُلْ: عن عمرَ

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا حَلْبَسُ بنُ محمدٍ العِجْليُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ مثلَه.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} ، وهو الكثيرُ، الممدود عدده أو مساحته.

‌القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْتُ له بنينَ شُهودًا. ذُكِر أنهم كانوا عشرةً.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ:{وَبَنِينَ شُهُودًا} . قال: كان بَنُوه عشرةً

(3)

.

وقولُه: {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وبسَطْتُ له في العيشِ

(1)

في الأصل: "الحميري"، وفى م:"الحيرى".

(2)

أخرجه ابن عدى في الكامل 2/ 863 من طريق غالب به.

(3)

تتمة الأثر تقدم تخريجه ص 422.

ص: 424

بَسْطًا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا} . قال: بُسِط له.

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا} . قال: من المالِ والولدِ

(1)

.

وقولُه: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يَأْمُلُ ويَرْجُو أَن أَزِيدَه مِن المالِ والولدِ، على ما أعْطَيْتُه، {كَلَّا} .

يقولُ: ليس ذلك كما يَأْمُلُ ويَرْجُو، مِن أن أزيدَه مالًا وولدًا وتمهيدًا في الدنيا، {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا}. يقولُ: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا كان لآياتِنا؛ وهى حُجَجُ الله على خلقِه، مِن الكتبِ والرسلِ، {عَنِيدًا} . يعنى مُعانِدًا للحقِّ مجانبًا له، كالبعير العنُودِ، ومنه قولُ القائلِ

(2)

:

إذا نزَلْتُ فَاجْعَلانِي وَسَطَا

إني كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} . يقولُ: لآيتِنا جَحودًا

(3)

.

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

البيتان في مجاز القرآن 1/ 291، 337، 2/ 275، واللسان (ع ن د)، وتقدم البيت الثاني في 12/ 452.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى المصنف وهناد في الزهد وعبد بن حميد.

ص: 425

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} . قال محمدُ بنُ عمرٍو: مُعانِدًا لها. وقال الحارثُ: معاندًا عنها، مُجانبًا لها

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَنِيدًا} . قال: مُعاندًا للحقِّ مُجانبًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: [{إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} كَفُورًا بآياتِ اللهِ، جَحودًا بها

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} ]

(3)

. قال: مُشاقًا، وقيل: عَنيدًا. وهو من عانَد مُعانَدَةً فهو مُعانِدٌ، كما قيل: عامٌ قابلٌ، وإنما هو مُقْبِلٌ.

وقولُه: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: سأكَلِّفُه مشقةً من العذاب، لا راحةَ له فيها

(4)

.

وقيل: إِن الصَّعودَ جبلٌ من

(5)

النارِ، يُكَلَّفُ أهلُ النارِ صعودَه.

‌ذكرُ الرواية بذلك

حدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدِ بن زائدةَ، قال:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد.

(3)

ليست في: الأصل.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"منها".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في".

ص: 426

ثنا شَريكٌ، عن [عمارٍ الدُّهنِيِّ]

(1)

، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:{سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} . قال: "هو جبلٌ في النارِ من نارٍ يُكَلَّفون أن يَصْعَدوه، فإذا وضَع يدَه ذابَت، فإذا رفَعها عادَت، فإذا وضَع رجلَه كذلك"

(2)

.

حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثُ، عن دَرَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الصَّعودُ جبلٌ مِن نارٍ، يَصْعَدُ فيه سبعين خَريفًا، ثم يَهْوى به كذلك منه أبدًا"

(3)

.

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:[{سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا}. قال: مشقةً من العذابِ]

(4)

.

حدثَّني الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} . أي: عذابًا لا راحةَ فيه

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: {سَأُرْهِقُهُ

(1)

في النسخ: "عمارة" والمثبت كما في مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 21/ 208.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 291 - والطبرانى في الأوسط (5573)، والبيهقي في البعث (539) من طريق شريك به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (335 - زوائد نعيم)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 331، وابن أبي الدنيا في صفة النار (30)، والبيهقي في البعث (538) من طريق عمار الدهني به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن مردويه.

(3)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (28)، والحاكم في المستدرك 2/ 507، والبيهقي في البعث (513) من طريق ابن وهب به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (334) - زوائد (نعيم) من طريق عمرو بن الحارث به، وأحمد 18/ 240 (11712)، والترمذى (3326)، والبيهقى في البعث (537) وغيرهم من طريق دراج به، وتقدم أوله 2/ 164.

(4)

في الأصل: "مثله". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282، 283 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"منه". والأثر ذكره ابن كثير 8/ 292.

ص: 427

صَعُودًا}. قال: مشقةً من العذابِ.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} . قال: تعبًا من العذابِ.

‌القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا، فكَّر فيما أنْزَل اللهُ

(1)

على عبدِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم من القرآنِ،

وقدَّر ما

(2)

يقولُ فيه.

{قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} . [يقولُ تعالى ذكرُه: فلُعِن كيف قدَّر ما هو قائلٌ فيه.

{ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} ]

(3)

. يقولُ: ثم لعن كيف قدَّر القولَ

(4)

فيه.

{ثُمَّ نَظَرَ} . يقولُ: ثم روَّى في ذلك.

{ثُمَّ عَبَسَ} . يقولُ: ثم قبَض ما بينَ عينيَه، {وَبَسَرَ}. يقولُ: كلَح [وكَرُه]

(5)

وجهُه، ومنه قولُ تَوْبةَ بن الحُمَيِّرِ

(6)

:

وقد رابَني منها صدودٌ رأيْتُه

وإعراضُها عن حاجتي وبُسُورُها

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبارُ عن الوحيدِ أنه فعَل.

(1)

سقط من: م.

(2)

في م: "فيما".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في م، ت:"النازل" وفى ت 2، ت 3:"ان زل".

(5)

سقط من: م.

(6)

البيت في مجاز القرآن 2/ 275، والأمالي 1/ 88.

ص: 428

‌ذكرُ [من قال ذلك]

(1)

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبادِ

(2)

بن منصورٍ، عن عكرمةَ، أن الوليدَ بنَ المغيرةِ جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقرَأ عليه القرآنَ، فكأنه رَقَّ له، فبلَغ ذلك أبا جهلٍ، فأتاه

(3)

، فقال:[أي عمِّ]

(4)

، إن قومَك يُريدون أن يَجْمَعوا لك مالًا. قال: لمَ؟ قال: يُعْطُونكه، فإنك أتيْتَ محمدًا تَتَعَرَّضُ لمَا قِبَلَه. قال: قد علِمَت قريشٌ أنى أكثرُها مالًا. قال: فقلْ فيه قولًا يَعْلَمُ قومُك أنك مُنْكِرٌ لما قال، وأنك كارهٌ له. قال: فماذا أقولُ فيه، فواللهِ ما منكم رجلٌ أعلمُ بالشعرِ منى، ولا أعلمُ برَجَزِه منى، ولا بقَصيده، ولا بأشعارِ الجنِّ، واللهِ ما يُشْبِهُ الذي يقولُ شيئًا مِن هذا، واللهِ إن لقولِه [الذي يقولُ]

(5)

لَحلاوةً، وإنه لَيَحْطِمُ ما تحتَه، وإِنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى. قال: واللهِ لا يَرْضَى قومُك حتى تقولَ فيه. قال: فدَعْنى حتى أُفَكِّر فيه. فلما فكَّر قال: هذا سحرٌ يَأْثُره عن غيرِه. فنَزَلت: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} . قال قتادةُ: خرَج من بطنِ أمِّه وحيدًا، فنَزَلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ {عَلَيْهَا تِسْعَةَ}

(6)

.

حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} إلى: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} . قال: دخَل الوليدُ بنُ المغيرةِ على أبى بكرِ بن أبي قُحافةَ رضي الله عنه، يَسْأَلُه عن

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الرواية بذلك".

(2)

في ت 1: "قتادة".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أزعم".

(5)

سقط من: م، ت 1.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 328 عن معمر عن رجل عن عكرمة، وأبو نعيم في الدلائل 1/ 234 من طريق آخر عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى ابن المنذر.

ص: 429

القرآنِ، فلمَّا أَخْبَره خرَج على قريشٍ، فقال: يا عَجَبًا لما يقولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فواللهِ ما هو بشعرٍ، ولا بسحرٍ، ولا بهَذيٍ من الجنونٍ، وإن قولَه لَمِن كلامِ اللهِ، فلمَّا سمَع بذلك النفرُ من قريشٍ ائْتَمروا، وقالوا: واللهِ لئن صبَأ الوليدُ، لتَصْبَأَنَّ قريشٌ. فلما سمِع بذلك أبو جهلٍ قال: أنا واللهِ أكْفِيكم شأنَه. فانْطَلَق حتى دخَل عليه بيتَه، فقال للوليد: ألم تَرَ قومَك قد جمَعوا لك الصدقةَ؟ قال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا؟ فقال له أبو جهلٍ: يَتَحَدَّثون أنك إنما تَدْخُلُ على ابن أبي قُحافةَ لتُصِيبَ مِن طعامِه. قال الوليدُ: قد [تَحدَّثَ بهذا]

(1)

عَشِيرتي، [فَلَايْمُ جَابِرِ بن قُصَيٍّ]

(2)

، لا أَقْرَبُ أبا بكرِ، ولا عمرَ ولا ابنَ أبى كبشةَ، وما قولُه إلا سحرٌ يُؤثر. فأنْزَل اللهُ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} إلى: {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ}

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} . زعَموا أنه قال: واللهِ لقد نظَرْتُ فيما قال هذا الرجلُ، فإذا هو ليس بشعرٍ، وإنَّ له لَحلاوةً، وإن عليه لَطَلاوةً، وإنه لَيعلو وما يُعْلَى، وما أَشُكُ أنه سحرٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل فيه:{فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} الآيةَ، ثمَّ عَبَسَ وَبَسَرَه: قبض ما بينَ عينيه وكلَح

(4)

.

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{فَكَّرَ وَقَدَّرَ} . قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ يومَ دارِ النَّدوةِ.

(1)

في ص، م، ت 1، ت،2، ت 3:"تحدثت به".

(2)

في م: "فلا يقصر عن سائر بني قصى". وليست في مصدرى التخريج.

(3)

أخرجه أبو نعيم في الدلائل 1/ 223 من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى ابن مردويه.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 282 إلى عبد بن حميد.

ص: 430

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} . يعنى: الوليدُ بنُ المغيرةِ، دعاه نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: حتى أَنْظُرَ. فَفَكَّر، {ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} ، فجعل اللهُ له سقَرَ.

حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} إلى قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} . قال: هذا الوليدُ بنُ المغيرةِ، قال: سأَبْتارُ

(1)

لكم هذا الرجلَ الليلةَ. فأتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فوجَده قائمًا يُصَلِّي ويَقْتَرِئُ، وأتاهم فقالوا: مَهْ. قال: سَمِعْتُ قولًا حُلْوًا أخضرَ مُثْمِرًا يَأْخُذُ القلوبَ. فقالوا: [هو شعرٌ]

(2)

. فقال: لا واللهِ، ما هو بالشعرِ، ليس أحدٌ أعلمَ بالشعرِ منى، أليس قد عرَضَت عليَّ الشعراءُ شعرَهم، نابغةُ وفلانٌ؟ قالوا: فهو كاهنٌ. فقال: لا واللهِ ما هو بكاهنٍ

(3)

، قد عرَفتُ

(4)

الكَهانَة. قالوا

(5)

: فهذا سحرُ الأَوَّلِين اكْتَتَبه. قال: لا أدرى، إن كان شيئًا فعسى، هو إذن سحرٌ يُؤْثَرُ. فقرأ:{فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} قال: قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بشعرٍ، ثم قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بكَهانةٍ.

وقولُه: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم ولَّى عن الإيمانِ بما أَنْزَل اللهُ من كتابِه والتصديقِ به، واسْتَكْبر عن الإقرارِ بالحقِّ.

فَقَالَ {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} . [يقولُ تعالى ذكرُه: فقال إن هذا الذي يتلوه محمدٌ، إلا سحرٌ]

(6)

(1)

هو من البتر، وهو استئصال الشيء قطعًا. التاج (ب ت ر).

(2)

في الأصل: "هذا شعر هو شاعر".

(3)

بعده في الأصل: "ولا هي بكهانة".

(4)

في م "عرضت علي".

(5)

في الأصل: "قال"، وفي ت 1:"فقالوا"

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، وفى م:"قال".

ص: 431

يَأْثُره عن غيره.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزِينٍ:{إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} . قال: يَأْخُذُه عن غيرِه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزينٍ:{إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} . قال: يَأْثُرُه عن غيرِه

(1)

.

وقولُه: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} . يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ الوحيدِ في القرآنِ: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} ما هذا الذي يَتْلُوه محمدٌ إلا قولُ البشرِ، يقولُ: ما هو إلا كلامُ ابن آدمَ، وما هو بكلامِ اللهِ.

‌القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} ، سَأُورِدُه بابًا مِن أبوابِ جهنَم، اسمُه سَقَرُ، ولم يُجْرَ {سَقَرَ} ؛ لأنه اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 432

وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأى شيءٍ أدْراك يا محمدُ، أَيُّ شيءٍ سَقَرُ؟ ثم بَين جلَّ وعزَّ ما سَقَرُ،

فقال: هي نارٌ، {لَا تُبْقِي} [مَن فيها حيًّا، {وَلَا تَذَر}]

(1)

من فيها ميتًا

(2)

، ولكنها تُحْرِقُهم كلما جُدِّد خَلْقُهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن

(3)

ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} . قال: لا تُمِيتُ ولا تُحيِى

(4)

.

حدثَّني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ

(5)

، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا [ابنُ أبي]

(6)

ليلى، عن مَزِيدةَ

(7)

في قولِه: {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} . قال: لا تُبْقِى منهم شيئًا أن تَأْكُلهم، فإذا خُلِقوا لها لا تَذَرُهم حتى تَأْخُذَهم فتَأْكُلهم.

وقولُه: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . يعنى جلَّ ثناؤُه: مُغَيَّرةٌ لبَشَرةِ أهلها، والدَّوَّاحةُ مِن نعتِ سَقَر، وبالردِّ عليها رُفِعَت، وحسُن الرفعُ فيها، وهى نكرةٌ وسَقَرُ معرفةٌ، لما فيها

(1)

في الأصل: "ولا تذر ولا تبقى من فيها ولا تذر".

(2)

في ت 2 ت 3: "حيا".

(3)

في الأصل: "وحدثني الحارث قال".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

بعده في الأصل، ت 2، ت 3:"جميعا".

(6)

في م: "أبو".

(7)

في م: "مرثد".

ص: 433

مِن معنى المدحِ

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . قال: الجِلْدِ

(1)

.

حدثَّني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ:{لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . قال: تَلْفَحُ الجُلْدَ لَفْحةً، فتَدَعُه أَشدَّ

(2)

سَوادًا مِن الليلِ.

حدثَّني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم

(3)

، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابن أبي هلالٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . أي: تُلَوَّحُ أجسادُهم عليها

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} .

أي: حَرَّاقةٌ للجلدِ

(5)

.

حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ

(6)

: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . يقولُ: تُحرِقُ بشَرةَ الإنسانِ

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت:"أسود".

(3)

في الأصل: "الجهم"

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 293.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 293، وابن رجب في التخويف من النار ص 190.

(6)

بعده في م: "قال: ثني عمي، قال: ثني أبي".

ص: 434

حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . قال: تُغَيِّرُ البَشَرَ، تُحرِقُ البَشَرَ، يقالُ: قد لاحَه استقبالُه السماءَ، ثم قال: و

(1)

النارُ تُغَيِّرُ ألوانَهم.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رزَينٍ:{لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} : غيَّرت جلودهم فاسْوَدَّت.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزينٍ، مثلَه

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . يعنى: بَشَرِ الإنسانِ، يقولُ: تُحْرِقُ بَشَرَه.

ورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . يقولُ: مُعَرِّضَةٌ

(3)

.

وأخْشَى أن يكونَ خبرُ عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ هذا، غَلَطًا، وأن يكونَ موضِعُ "مُعَرِّضة""مُغَيِّرة"، لكن صُحِّف فيه.

وقولُه: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: على سَقَرَ تسعةَ عَشَرَ مِن الخَزَنةِ.

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه هناد في الزهد (305) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 418، وابن أبي الدنيا في صفة النار (115) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى أحمد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 50 - من طريق أبي صالح به بلفظ: "مغيرة" بدلا من: "معرضة"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 283 إلى ابن المنذر.

ص: 435

وذُكرِ أن ذلك لما أُنْزِل على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهلٍ ما حدثَّني به محمدُ ابنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} إلى قولِه: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} فَلمَّا سمِع أبو جهلٍ بذلك قال لقريشٍ: ثكِلَتْكم أمَّهاتكم، أَسْمَعُ ابنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُم أَن خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ

(1)

، أفيَعْجِزُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يَبْطِشوا برجلٍ مِن خَزنةِ جهنمَ؟ فأوْحى [الله عز وجل]

(2)

إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يأتيَ أبا جهلٍ، فيَأْخُذ بيدِه في بَطْحَاءِ مكةَ، فيقولَ له:{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 35،34] فلما فعل ذلك به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال أبو جهلٍ: واللهِ لا تَفْعَلُ أنت وربُّك شيئًا. فأخزاه اللهُ يومَ بدرٍ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} .

ذُكر لنا أن أبا جهلٍ حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ قال: يا معشرَ قريشٍ، أما يَسْتطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أن يَغْلِبوا واحدًا مِن خَزَنَةِ النار وأنتم الدُّهُمُ؟ فصاحبُكم يحدِّثُكُم

(4)

أَنَّ عليها تسعةَ عَشَرَ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال أبو جهلٍ: يحدِّثُكم

(5)

محمدٌ أَنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عَشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ؛ ليَجْتَمِعُ كُلُّ عَشَرَةٍ على واحدٍ

(6)

.

(1)

الدهم: العدد الكثير. النهاية 2/ 145.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى المصنف.

(4)

في ت 1، ت 3:"يحدثكم".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يخبركم".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 329 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى عبد بن حميد.

ص: 436

حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} . قال: خَزَنَتُها تسعةَ عَشَرَ.

وقولُه: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَلْنا خَزَنَةَ النارِ إلا ملائكةٌ، يقولُ لأبي جهلٍ في قولِه لقريشٍ: أما يَسْتَطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أنْ تَغْلِبَ منهم

(1)

واحدًا؟ فمن ذا يَغْلِبُ خَزَنَةَ النارِ، وهم الملائكةُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} . قال: ما جعَلْناهم رجالًا، فيأخُذ كلُّ رجلٍ رجلًا، كما قال هذا.

وقولُه: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . يقولُ: وما جَعَلْنا عِدَّةَ هؤلاءِ الخَزَنةِ: {إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . [يقولُ: إلا بلاءً للذين كفَروا]

(2)

باللهِ مِن مُشركي قريشٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً} : إلا بلاءً.

(1)

في م: "منها".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2 ت 3.

ص: 437

وإنما جعَلَ الله جلَّ وعزَّ الخبَرَ عن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم فتنةً للذين كفروا؛ لتكذيبهم بذلك، وقولِ بعضِهم لأصحابِه: أنا أكْفِيكُموهم.

‌ذكرُ الخبر عمَّن قال ذلك

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{تِسْعَةَ عَشَرَ} . قال: جُعِلوا فتنةً، قال أبو الأشدِّ بنُ الجُمَحِيِّ: لا يبلغون رَتْوَتى

(1)

حتى أُجْهِضَهم عن جهنمَ

(2)

.

وقولُه: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لِيَسْتَيْقِنَ أَهلُ التوراةِ والإنجيلِ حقيقةَ ما في كُتُبهم من الخبرِ عن عدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم، إذا

(3)

وافَق ذلك ما أَنْزَل الله عز وجل في كتابِه على محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} . قال: وإنَّها في التوراةِ والإنجيلِ تسعَةَ عشَرَ. فأراد اللهُ أَنْ يَسْتَيْقِنَ أهل الكتابِ، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا

(4)

.

(1)

الرَّتْوة: أي رمية سهم. وقيل: بميل. وقيل: مدى البصر. النهاية 2/ 195.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 26/ 284 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "إذ".

(4)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 376، والطوسي في التبيان 10/ 182.

ص: 438

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} . قال: يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم، عِدَّةُ خَزَنَةِ أَهلِ النارِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : يُصَدِّقُ القرآن الكتب التي كانت قبلَه، فيها كلِّها؛ التوراةِ والإنجيلِ: أنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعَةَ عَشَرَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} . قال: لِيَسْتَيْفِنَ أهلُ الكتابِ حينَ وافَق عِدَّةُ خَزَنَةِ النارِ ما في كُتُبِهم

(3)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} قال: عِدَّةُ خَزَنَةِ جهنمَ تِسْعَةَ عَشَرَ في التوراةِ والإنجيلِ

(4)

.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : أَنك رسولُ اللهِ.

وقولُه: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَزْداد الذين آمنوا

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى عبد بن حميد

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 329 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى ابن المنذر.

(4)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 182.

ص: 439

باللهِ تصديقًا إلى تَصْدِيقِهم بالله وبرسوله، بتَصْدِيقِهِم بِعِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم.

وقوله: {وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} . يقولُ: ولا يَشُكُّ أهلُ التوراةِ والإنجيلِ في حقيقةِ ذلك، والمؤمنون باللهِ من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وقولُه: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَقُولُ الذين في قلوبِهم مرضُ النفاقِ، والكافرون باللهِ مِن مشركي قريشٍ:{مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} .

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} . أي: نفاقٌ

(1)

.

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} . [يقولون: حينَ]

(2)

يُخَوِّفُنا بهؤلاء التسعةَ عَشَرَ.

وقوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: كما أضَلَّ الله هؤلاء المنافقين والمشركين، القائلين في خبرِ اللهِ جَلَّ وعزَّ عَن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم: أيُّ شيءٍ أراد اللهُ بهذا الخبرِ مِن المَثَلِ حينَ يُخوِّفنا بذِكْرِ عِدَّتِهم. [وهَدى به المؤمنين]

(3)

، فازْدادوا بتَصْدِيقهم إلى إيمانِهم إيمانًا:{كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} من خلقِه فيَخْذُلُه عن إصابةِ الحقِّ: {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} منهم، فيُوفِّقُه لإصابةِ الصوابِ، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} مِن كَثْرَتِهم

(4)

، {إِلَّا هُوَ}. يعنى: الله.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في م: "يقول: حتى".

(3)

في ص، ت 2، ت:3 "ويهدى به المؤمنون"، وفى م، ت:1: "ويهتدى به المؤمنون".

(4)

بعده في الأصل: "أحد".

ص: 440

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} . أي: مِن كَثْرتِهم

(1)

.

وقولُه: {وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما النارُ التي وصَفْتُها إلا تذكرةٌ أُذَكِّرُ بها البَشَرَ، وهم بنو آدمَ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى [لِلْبَشَرِ} . يعنى النارَ]

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} . قال: النارُ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {كَلَّا} : ليس القولُ كما يقولُ مَن زعم أنه يَكْفِى أصحابَه المشركين خَزَنَةَ جهنَم [التسعةَ العشَرَ]

(4)

حتى

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في الأصل: "يعنى النار للبشر يعنى الناس". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 284 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: م.

ص: 441

يُجْهِضَهم عنها، ثم أَقْسَم ربُّنا جلَّ ذكرُه فقال:{وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} .

يقولُ: والليل إذا

(1)

ولَّى ذاهبًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} : إذا

(1)

ولَّى

(2)

.

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وَاللَّيْلِ [إِذا دَبَرَ]

(3)

) قال: دُبُورُه إظلامُه

(4)

.

واختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ

(5)

، وبعضُ قرَأَةِ مكةِ والكوفةِ:{إِذْ أَدْبَرَ}

(6)

. [وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ فيما ذُكِر عنه يقولُ: قريشٌ تقولُ: دبرَ الليلُ. وقرأ ذلك بعضُ قرَأَةِ مكةَ وبعضُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ: (إذا دَبَر)]

(7)

(8)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى،

(1)

في م: "إذ".

(2)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 378.

(3)

في م: "إذ أدبر"

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى ابن أبي حاتم.

(5)

بعده في م: "إذ أدبر".

(6)

هي قراءة نافع ويعقوب وحمزة وخلف وحفص. النشر 2/ 294.

(7)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(8)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وشعبة والكسائي وأبي جعفر المدني. النشر 2/ 294.

ص: 442

فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقد اختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ في ذلك؛ فقال بعضُ الكوفيِّين: هما لغتان، يقالُ: دَبَرَ النهارُ [وأَدْبَر]

(1)

، ودَبَرَ الصيفُ وأَدْبَر

(2)

. وكذلك: قَبَل وأَقْبَل. فإذا قالوا: أَقْبَل الراكبُ وأَدْبَر. لم يقولوه إلا بالألفِ. وقال بعضُ البصريِّين: (واللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ). يعنى: إذا دبَر النهارَ وكان في آخرِه، قال: ويقالُ: دبَرنى. إذا جاء خَلْفِى، وأَدْبَر. إذا ولَّى.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما لغتان بمعنًى؛ وذلك أنه مَحْكِيٌّ عن العربِ: قَبَح الله ما قَبَل منه وما دَبَر. وأخرى أنَّ أهل التفسيرِ لم يُمَيِّزوا في تفسيرِهم

(3)

بينَ القراءتين، وذلك دليل [على أنَّهم]

(4)

فعَلوا ذلك كذلك؛ لأنهما بمعنًى واحدٍ.

وقوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: والصبحِ

(5)

إذا أضاء.

[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ}: إذا أَضاء]

(6)

وأقبل

(7)

.

{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ جهنمَ لإحْدَى الكُبَرِ، يعنى

(8)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال".

(3)

في ت 2، ت 3:"تمييزهم".

(4)

في الأصل: "إنما".

(5)

بعده في الأصل: "إذا أسفر".

(6)

سقط من: الأصل.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(8)

في الأصل: "يقول تعالى ذكره يعنى إنها لإحدى"، وبعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"إنها".

ص: 443

الأمورَ العِظامَ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . [يعنى: جهنمَ]

(1)

.

[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ}. يعني: جهنمَ]

(2)

.

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُميع، عن أبى رَزِينٍ:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . قال: جهنمَ

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . قال: هذه النارُ.

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . قال: هي النارُ

(4)

.

(1)

في الأصل: "قال هي النار". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى عبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 418، وابن أبي الدنيا في صفة النار (128) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 330 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 444

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . يعنى: جهنمَ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . يعنى: جهنمَ

(1)

.

وقولُه: {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ النارَ لإحْدَى الكُبَرِ، نذيرًا لبنى آدمَ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ} ، وما الموصوفُ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك النارُ، وقالوا: هي صفةٌ للهاءِ التي في قولِه: {إِنَّهَا} ، وقالوا: هي النذيرُ، فعلى قولِ هؤلاءِ "النذير" نُصِب على القطعِ من "إحدى الكُبَرِ"؛ لأنَّ إحْدَى الكُبَرِ" معرفةٌ، وقوله:{نَذِيرًا} نكرةٌ، والكلامُ قد يَحْسُنُ الوقوفُ عليه دونَه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: والله ما أُنْذِرَ الناسُ بشيءٍ أَدهى منها، أو بداهيةٍ هي أَدْهى منها

(1)

.

وقال آخرون: بل هي مِن صفةِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه عن نفسِه، أنه نذيرٌ لخَلْقِه، وعلى هذا القولِ، يَجِبُ أن يكونَ نَصْبُ قوله:{نَذِيرًا} على الخروجِ مِن جملةِ الكلامِ المتقدَّمِ، فيكونُ معنى الكلامِ: وما جعَلْنا أصحابَ

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 10/ 183، 184.

ص: 445

النارِ إلا ملائكة نذيرًا للبشر، يعنى: إنذارًا لهم، فيكونُ قولُه:{نَذِيرًا}

(1)

. بمعنى: إنذارًا

(2)

، كما قال:[{فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}]

(3)

[الملك: 17]. بمعنى إنذارِى، ويكونُ أيضًا بمعنى: إنَّها لإحْدَى الكُبَرِ، صيَّرنا ذلك كذلك نذيرًا، فيكونُ قولُه:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} مؤدِّيًا عن معنى صَيَّرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قَصْدُ مَن قال ذلك إن شاء اللهُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينِ:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} . قال: جهنمَ، {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ}. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: أنا لكم منها نذيرٌ، فاتَّقُوها

(4)

وقال آخرون: بل ذلك مِن صفةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نُصِب "نذيرا" على الحالِ، مما في قولِه:{قُمْ} . وقالوا: معنى الكلامِ: قُم نذيرًا للبشرِ فَأَنْذِرْ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ} . قال: الخلْقِ، قال: بنو آدمَ البشرُ، فقيل له: محمدٌ النذيرُ؟ قال: نعم يُنْذِرُهم

(5)

.

وقوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: نذيرًا للبشرِ، لمن شاء منكم أيُّها الناسُ أنْ يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيةِ اللهِ.

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لهم".

(2)

بعده في م: "لهم".

(3)

في النسخ: "فكيف كان نذير". وصواب التلاوة ما أثبتنا.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 418، وابن أبي الدنيا في صفة النار (128) من طريق إسماعيل به، بدون ذكر "فاتقوها".

(5)

ذكره الطوسى في التبيان 10/ 184، والبغوى في تفسيره 8/ 272.

ص: 446

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} . قال: مَن شَاء اتَّبَع طاعةَ اللهِ، ومَن شاء تأخَّر عنها

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} : يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيتِه

(2)

.

‌القول في تأويلِ قولِه عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)} .

قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ نفسٍ مأمورةٍ منهيةٍ بما عَمِلت من معصيةِ الله في الدنيا، رهينةٌ في جهنمَ،

{إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} ؛ فإنَّهم غيرُ مُرْتَهَنين، ولكنَّهم

{فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ} .

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى عبد بن حميد.

ص: 447

أبيه، عن ابن عباسٍ:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} . يقولُ: مأخُوذَةٌ بعملِها

(1)

. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} . قال: غَلق

(2)

الناسُ كلُّهم إلا أصحابَ اليمينِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} . قال: لا يُحاسَبون

(4)

.

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} . قال: أصحابُ اليمينِ لا يُرْتَهَنُون بذنوبهم، ولكنْ يَغْفِرُها

(5)

اللهُ لهم. وقرَأ قول اللهِ جلَّ ثناؤُه: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 40] قال: لا يُؤاخِذُهم اللهُ بسَيِّئ أعمالِهم، ولكنْ يَغْفِرُها

(6)

لهم، ويتجاوزُها عنهم كما وعَدهم.

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} . قال: كلُّ نفسٍ سبَقَتْ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى المصنف.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"علق"

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى عبد بن حميد.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(5)

في الأصل: "يغفر".

(6)

في م: "يغفرها الله".

ص: 448

لها

(1)

كلمةُ العذاب، يَرْتَهنُها

(2)

اللهُ في النارِ، لا يَرْتَهِنُ الله أحدًا من أهلِ الجنةِ، ألم تَسْمَعْ أنه قال:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} . يقولُ: ليسوا رهينةً، {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ}

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} . قال: إن كان أحدهم سبقَتْ له كلمة العذابِ جُعِل مَنْزله في النارِ، يكونُ فيها رَهْنًا، وليس يُرْتَهِنُ أحدٌ مِن أهلِ الجنةِ، هم في جناتٍ يتساءلون.

واختلَف أهلُ التأويلِ في أصحابِ اليمينِ الذين ذكرَهم اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هم أطفالُ المسلمين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ فُضَيل، عن الأعمشِ، [عن عثمانَ]

(4)

، عن زاذانَ، عن عليٍّ رضي الله عنه في هذه الآيةِ:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} . قال: هم الولدانُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ أبي اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ في قولِه:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} إلَّا أَصْحَب اليمين. قال: أطفال المسلمين.

(1)

في الأصل، ص، م، ت 2، ت 3:"له".

(2)

في الأصل، ص، م، ت 2، ت 3:"يرتهنه".

(3)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 379.

(4)

سقط من: الأصل. ينظر تهذيب الكمال 9/ 263، 12/ 76.

ص: 449

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عثمانَ بن عميرٍ أبى اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ رضي الله عنه:{إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} . قال: أولادَ المسلمين

(1)

.

[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى اليقظانِ، عن زاذانَ، عن عليٍّ، رضي الله عنه: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}. قال: هم الولدانُ]

(2)

.

[وقال آخرون: هم الملائكةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك]

(2)

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: هم الملائكةُ

(3)

.

وإنما قال من قال: أصحابُ اليمينِ في هذا الموضعِ هم الولدانُ وأطفالُ المسلمين. ومن قال: هم الملائكةُ. لأنَّ هؤلاء لم يكنْ لهم ذنوبٌ، وقالوا: لم يكونوا ليَسْأَلوا المجرمين: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} ، إلا أنهم لم يَقْتَرِفوا في الدنيا مأثمًا

(4)

، ولو كانوا اقْتَرفوها وعرفوها، لم يكونوا ليَسْأَلوهم عما سلَكهم

(5)

في

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 270، 329، والحاكم 2/ 507 من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 285 من طريق الأعمش به، وهو في تفسير مجاهد ص 685 من طريق الأعمش عن زاذان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وتقدم تخريجه 22/ 305، 306.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

ذكرُه البغوي في تفسيره 8/ 272.

(4)

في م: "مآثم".

(5)

في ت 1، ت 2، ت 3:"سلككم".

ص: 450

سَقَرَ؛ لأنَّ كلَّ مَن دخل الجنةَ

(1)

من بنى آدمَ ممَّن بلَغ حدَّ التكليفِ ولزِمه فرضُ الأمرِ والنَّهْي، قد علمِ أنَّ أحدًا لا يُعاقَبُ إلا على المعصيةِ.

وقولُه: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} يقولُ: أصحاب اليمينِ في بساتينَ، يتساءلون عن المجرمين

(2)

الذين سُلِكوا في سَقَرَ: أيُّ شيءٍ

(3)

سلَككم في سَقَرَ؟

{قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} . يقولُ: قال المجرمون لهم: لم نَكُ في الدنيا من المصلِّين للهِ وحدَه

(4)

.

{وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} بُخْلًا بما خوَّلهم اللهُ، ومنْعًا له من حقِّه.

{وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} . يقولُ: وكنا نخوضُ في الباطلِ، وفيما يَكْرهُه اللهُ مع كلِّ

(4)

مَن يخوضُ فيه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} . قال: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَوْا

(5)

معه.

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} . قال: يقولون: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَيْنا معه

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)} .

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "المشركين".

(3)

سقط من: الأصل، ت 2.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"غوي".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 330 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 451

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وقولُه:

{وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وكنا نكذِّبُ بيومِ المجازاةِ والثوابِ والعقابِ

(1)

، فلا

(2)

نصدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ ولا حسابٍ،

{حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} . يقولُ: قالوا

(3)

: حتى أتانا الموتُ الموقَنُ به،

{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} . يقولُ: فما يَشْفَعُ لهم الذين شَفَّعهم اللهُ في أهلِ الذنوبِ مِن أهلِ التوحيدِ، فتنفعَهم شفاعتُهم. وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الله تعالى ذكرُه مُشَفَّعٌ بعضَ خَلْقِه في بعضٍ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها من

(4)

الشفاعةِ، قال: ثم تَشْفَعُ الملائكةُ والنبيون والشهداءُ والصالحون والمؤمنون، ويُشفِّعُهم اللهُ فيقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. فيُخْرِجُ مِن النارِ أكثرَ مما أُخرج مِن جميعِ الخلقِ من النارِ، ثم يقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. ثم قرَأ عبدُ اللهِ: يا أيُّها الكفارُ، {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} . وعقَد بيدِه أربعًا، ثم قال: هل تَرَوْن في هؤلاء من خيرٍ؟ ألا ما يُتْركُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ

(5)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"العذاب".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ولا".

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

في م: "في".

(5)

تقدم تخريجه في 3/ 34.

ص: 452

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عمِّي وإسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن أبي الزَّعراءِ، قال: قال عبدُ اللهِ: لا يَبْقى في النارِ إلا أربعةٌ، أو ذو الأربعةِ - الشكُّ مِن أبي جعفرٍ الطبريِّ - ثم يَتْلو:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} .

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ المؤمنين يومَ القيامةِ. ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "إِنَّ مِنْ أمتى رجلًا يُدْخِلُ الله بشفاعتِه الجنةَ أكثرَ مِن بني تميمٍ". قال الحسنُ: أكثرُ من ربيعةَ ومضرَ، كنا نُحدَّثُ أنَّ الشهيدَ يَشْفَعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} . قال: تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ بعضَهم في بعضٍ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ

(3)

ثورٍ، عن معمرٍ، و

(4)

أخبرَني مَن سمع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إنَّ الرجلَ ليَشْفَعُ للرجلين والثلاثةِ والرجلِ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى قال: ثنا ابنُ (1) ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبى

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 285 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 330 عن معمر به.

(3)

في ص، م، ت ت 1:"وأبو".

(4)

في الأصل: "عن قتادة".

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 330 - ومن طريقه البزار (3473) - كشف) - عن معمر، عن ثابت عن أنس مرفوعًا.

ص: 453

قلابةَ، قال: يُدْخِلُ اللهُ بشفاعةِ رجلٍ مِن هذه الأمةِ الجنةَ، مثلَ بني تميمٍ. أو قال: أكثرَ مِن بني تميمٍ

(1)

.

وقال الحسنُ: مثلُ ربيعةَ ومُضَرَ

(2)

.

وقولُه: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} . يقولُ: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرةِ اللهِ إيَّاهم بهذا القرآنِ مُعْرِضِين، لا يَسْتمِعون لها، فيتَّعِظوا ويَعْتَبِروا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي عن هذا القرآنِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: فما لهؤلاء المشركين باللهِ عن التذكرة مُعْرِضين.

مولِّين عنها توليةَ الحُمُرِ المستنفِرةِ {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} .

واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: {مُسْتَنْفِرَةٌ} ؛ فقرَأ ذلك [عامةُ قرأةِ المدينة: (مُسْتَتَفَرَةٌ) بفتحِ الفاءِ

(4)

، بمعنى مذعورةٌ قد ذعَرتها القسورةُ. وقرَأته]

(5)

عامهُ قرأَةِ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 330 عن معمر به.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 331 عن معمر به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

هي قراءة نافع وابن عامر. التيسير ص 176.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 454

الكوفةِ والبصرةِ بكسرِ الفاءِ، وهى

(1)

قراءةُ بعضِ المكيِّين أيضًا بمعنى نافرةٍ

(2)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وكان الفرَّاءُ يقولُ

(3)

: الفَتْحُ والكَسْرُ في ذلك كثيران في كلامِ العربِ؛ وأنشَد:

أمْسِكْ حِمارَكَ إنه مُسْتَنْفِرٌ

في إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّب

وقولُه: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القَسْوَرَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الرماةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس في قولِه:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: الرماةِ

(4)

.

حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيان، عن أبي موسى:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: الرماةِ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: هي الرماةُ

(6)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في".

(2)

هي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائى وأبى عمرو. التيسير ص 176.

(3)

في معاني القرآن 3/ 206.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(5)

أخرجه الحاكم 2/ 508 من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد.

ص: 455

[قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ]

(1)

، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قَسْوَرَةٍ} . قال: عُصْبَةِ قُنَّاصٍ [مِن الرماةِ]

(2)

. زاد الحارثُ في حديثِه قال: وقال بعضُهم في القَسْوَرَةِ: هو الأسَدُ. وبعضُهم: الرماةُ.

حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: القَسْوَرَةُ الرماةُ. فقال رجلٌ

(3)

لعكرمةَ: هو الأَسَدُ بلسان الحبشةِ؟ فقال عكرمة: اسمُ الأسدِ بلسانِ الحبشةِ عَنْبَسَةُ

(4)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . [قال: الرماةِ]

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ،

(1)

في الأصل: "حدثنا ابن حميد قال حدثنا يزيد".

(2)

في الأصل: "الرملة".

(3)

في الأصل: "الرجل".

(4)

أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 206 عن أبى الأحوص عن سعيد بن مسروق عن عكرمة.

(5)

سقط من: الأصل. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد.

ص: 456

عن [سليمِ بن عبدٍ]

(1)

السَّلُولِّي، عن ابن عباسٍ، قال: هي الرماةُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} وهم الرماةُ القُنَّاصُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: [قَسْوَرَةٌ النَّبْلُ

(3)

.

وقال]

(4)

آخرون: هم القُنَّاصُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . يعنى: رجالِ القَنْصِ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: هم القُنَّاصُ

(6)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2: سليمان بن عبد الله، وفى ت 2:" أبي سليمان بن عبد". ينظر تعجيل المنفعة 1/ 607، 608.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 332 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد.

(4)

في الأصل: "الفيل وقال: قسورة".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 28 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 28 إلى عبد بن حميد.

ص: 457

جبيرٍ، قال: هم القُنَّاصُ.

وقال آخرون: هم جماعةُ الرجالِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، فقال: ما أَعْلَمُه بِلُغَةِ أحدٍ مِن العرب الأسدَ، هي عُصَبُ الرجالِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ عبدِ الوارثِ، قال: سمِعتُ أبى يُحَدِّثُ، قال: ثنا داودُ، قال: ثنى عباسُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى بنى هاشمٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، قال: جَمْعُ الرجالِ، ألم تَسْمَعْ ما قالت فلانةُ في الجاهليةِ:

[يا بنتى كوني]

(2)

خَيْرةً لخيِّرَه

أخوالُها في الحيِّ أهلُ

(3)

القسورهْ

(4)

وقال آخرون: هي أصواتُ الرجالِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ

(1)

بعده في م: "حدثنا ابن المثنى، قال ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هي عصب الرجال". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

في م: "يا بنت لؤى"، وفى ت 2، ت 3:"فأتيت ذوى".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مثل".

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 89.

ص: 458

في: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: هو

(1)

رِكْزُ الناسِ

(2)

؛ أصواتهم

(3)

.

قال أبو كريبٍ، قال سفيانُ:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 98].

وقال آخرون: بل هو الأسدُ

‌‌

‌‌

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بن

(4)

سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبى هريرةَ:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: هو الأسدُ

(5)

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني هشام بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن سِيْلانَ، أن أبا هريرةَ كان يقولُ في قولِ اللهِ:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: هو الأسدُ

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ [معمرٍ، [عن عبدِ الملكِ بن عمرٍو]

(7)

(8)

، قال: ثنا هشامٌ، عن زيدٍ، [عن ابن سيلانَ، عن أبي هريرةَ في قولِه]

(9)

: {فَرَّتْ مِنْ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 1، ت 3.

(2)

في ت 1: "الرجال".

(3)

أخرجه سفيان بن عيينة - كما في فتح البارى 8/ 676، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 332، والحافظ في تغليق التعليق 4/ 352 - عن عمرو بن دينار به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى ابن المنذر.

(4)

في ص، ت،1، ت 2 ت 3:"عن".

(5)

أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 352 - من طريق هشام بن سعد به.

(6)

أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 352 - والبزار 2277 - كشف). من طريق عبد الملك بن عمرو عن هشام بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى ابن المنذر.

(7)

سقط من: النسخ. والمثبت من تغليق التعليق 4/ 352، وكشف الأستار (2277) وينظر تهذيب الكمال 26/ 485.

(8)

في الأصل: "عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى".

(9)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بن أسلم في قول الله".

ص: 459

قَسْوَرَةٍ} قال: الأسدِ.

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِ اللهِ عز وجل:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: هو الأسدُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قتيبةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن مهْرانَ، عن ابن عباسٍ أنه سُئل عن قولِه:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: هو بالعربية الأسدُ، وبالفارسيةِ شار، وبالنَّبَطِيَّة

(2)

أريا، وبالحبشية قسورةٌ

(3)

.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . يقولُ: الأسدِ.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي هريرةَ قال: الأسدِ.

حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . قال: القسورةُ الأسدُ

(4)

.

وقولُه: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين في إعراضِهم

(5)

عن هذا القرآنِ أنهم لا يَعْلَمون أنه من عندِ اللهِ،

(1)

ذكره الطوسى في التبيان 10/ 187، والبغوى في تفسيره 8/ 274.

(2)

في الأصل، ت 2:"القبطية".

(3)

ذكره الحافظ في التغليق 4/ 352 عن المصنف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى ابن أبي حاتم مختصرا.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 298.

(5)

في ص، ت 2، ت 3:"غير".

ص: 460

ولكن كلُّ رجلٍ منهم يريدُ أن يؤتَى كتابًا من السماءِ يَنْزِلُ عليه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً}. قال:[قد قال]

(1)

قائلون من الناسِ: يا محمد، إِنْ سَرَّك أن نَتَّبِعَك فَأتِنا بكتابٍ، خاصةً إلى فلانٍ وفلانٍ، نُؤْمَرُ فيه باتِّباعك. قال قتادةُ: يُريدون أن يُؤتوا براءةً بغير عملٍ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} . قال: إلى فلانِ [بن فلانٍ]

(3)

من ربِّ العالمين

(4)

.

وقولُه: {كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمون، من أنهم لو أوتوا صحفًا مُنَشَّرَةً صدَّقوا

(5)

، {بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ}. يقولُ: لكنهم لا يَخافون عقابَ

(6)

اللهِ، ولا يُصَدِّقون بالبعثِ والثوابِ والعقابِ،

(1)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

بعده في الأصل: "وقوله".

(6)

في الأصل: "عذاب".

ص: 461

فذلك الذي دعاهم إلى الإعراضِ عن تذكرةِ اللهِ، وهوَّن عليهم

(1)

تركَ الاستماعِ لوحيهِ وتنزيلِه.

وبنحوِ الذي قلْنا [في ذلك]

(2)

قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} إنما أفسَدهم أنهم كانوا لا يُصَدِّقون بالآخرةِ، ولا يَخافونَها، هو الذي أفسَدهم

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ

(4)

إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: {كَلَّا إِنَّهُ

(5)

تَذْكِرَةٌ}: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاءِ المشرِكون في هذا القرآن من أنه سحرٌ يُؤْثَرُ، وأنه قولُ البشرِ، ولكنه تذكِرةٌ من اللهِ لخلقِه، ذكَّرهم به.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"عليه".

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في الأصل: "تذكرون". وهى قراءة نافع. التيسير ص 176.

(5)

في ص، ت 2 ت 3:"إنها".

ص: 462

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} . أي: القرآنَ

(1)

.

وقولُه: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فمن شاء من عباد الله الذين ذكَّرهم اللهُ بهذا القرآنِ ذكرَه، [فاتَّعظ به واستعمَل]

(2)

ما فيه من أمرِ اللهِ ونهِيه، {وَمَا يَذْكُرُونَ

(3)

إِلَّا أَنْ يَشَاءَ}. يقولُ تعالى ذكرُه:

وما يَذْكُرون هذا القرآنَ فيتَّعِظون

(4)

به، ويَسْتَعْمِلون

(5)

ما فيه، إلا أن يَشَاءَ اللهُ أن يَذْكُرُوه

(3)

، لأنه لا أحدَ يَقْدِرُ على شيءٍ إلا بأن يَشَاءَ اللهُ أن يُقَدِّرَه عليه ويُعْطِيه القدرة عليه.

وقولُه: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى [وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} ]

(6)

. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ

(7)

أهلٌ أن يَتَّقِى عبادُه عقابَه على معصيتِهم إياه، فيَجْتَنِبوا معاصِيَه، ويُسَارعوا إلى طاعتِه، {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}. يقولُ: هو أهلٌ أن يَغْفِرَ ذنوبهم إذا هم فعَلوا ذلك، [ولا]

(8)

يُعاقبهم عليها مع توبتهم منها.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2،، ت 3:"فاتعظ فاستعمل".

(3)

في الأصل: "تذكروه".

(4)

في الأصل: "فتتعظون".

(5)

في الأصل: "تستعملون".

(6)

سقط من: الأصل.

(7)

ليس في: الأصل.

(8)

في الأصل: "فلا".

ص: 463

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} . ربُّنا محقوقٌ أن تُتَّقَى مَحارِمُه، وهو أَهلُ المغفرةِ يَغْفِرُ الذنوبَ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} . قال: أهلٌ أن تُتَّقَى محارمُه، وأهل المغفرةِ: أهلٌ أن يَغْفِرَ الذنوبَ

(2)

.

آخر تفسير سورة المدثر

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 286 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 332 عن معمر به.

ص: 464

بسم الله الرحمن الرحيم

‌[تفسيرُ سورةِ "القيامةِ"

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ

(4)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ:{لَا أُقْسِمُ} {لَا} مفصولةً من {أُقْسِمُ} ، سوى الحسنِ والأعرجِ، فإنه ذُكِر عنهما أنهما كانا يَقْرَآن ذلك:(لأُقْسِمُ بِيومِ القيامةِ) بمعنى: أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ، ثم أُدخِلَت عليها لامُ القسمِ

(1)

.

والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرها في هذ الموضعِ: {لَا} ، مفصولةً، {أُقْسِمُ} ، مبتدأةً، على ما عليه قرَأَةِ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القَرأةِ عليه.

وقد اختلَف الذين قرءَوا ذلك على الوجهِ الذي اختَرنا قراءتَه به في تأويلِه، فقال بعضُهم:{لَا} صلة، وإنما معنى الكلام: أُقسمُ بيومِ القيامة

(2)

.

(1)

وبها قرأ قنبل بغير ألف بعد اللام، وكذا روى النقاش عن أبي ربيعة عن البزى. التيسير ص 176.

(2)

سقط من: ص.

ص: 465

‌[ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن الحسنِ بن مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} . قال: أُقْسِمُ بيوم القيامةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{لَا أُقْسِمُ} . قال: أُقْسِمُ.

وقال آخرون منهم: بل دخَلت "لا" توكيدًا للكلامِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

سمِعتُ أبا هشام الرفاعيَّ يقولُ: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عيَّاشٍ يقولُ: قولُه: {لَا أُقْسِمُ} ]

(2)

: توكيدٌ للقسمِ، كقوله: لا واللهِ

(3)

.

وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: "لا" ردٌّ لكلامٍ قد مضَى من كلامِ المشركينِ الذين كانوا يُنْكرون الجنةَ والنارَ، ثم ابتُدِئ القسَمُ، فقيل: أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ، وكان يقولُ: كلُّ يمينٍ قبلَها ردٌّ لكلامٍ فلا بدَّ من تقديمِ "لا" قبلَها، ليُفَرَّقَ بذلك بينَ اليمينِ التي تكونُ جَحْدًا واليمينِ التي تُستأنَفُ. ويقولُ: ألا ترَى أنك تقولُ مُبتدئًا: والله إنَّ الرسول لحقٌّ. وإذا قُلْتَ: لا، واللهِ إنَّ الرسولَ لحقٌّ. فكأنك أكذَبتَ قومًا أنكَرُوه؟

(4)

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

سقط من: ص.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 279.

(4)

معاني القرآن للفراء 3/ 207.

ص: 466

واختلَفوا أيضًا في ذلك: هل هو قسَمٌ أم لا، فقال بعضُهم: هو قسَمٌ؛ أَقْسَم ربُّنا بيومِ القيامةِ، وبالنفسِ اللَّوامةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى الخيرِ بن تميمٍ عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: ممن أنت؟ فقلتُ: من أهلِ العراقِ. فقال: مِن

(1)

أيهم؟ قال: فقلتُ: من بني أسدٍ. فقال: مِن حَرُورِيَّتِهم

(2)

، أو ممن أنعَم اللهُ عليهم؟ فقلتُ: لا، بل ممن أنعَم اللهُ عليهم. فقال لي: سَلْ. فقلتُ: لا أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ؟ فقال: يُقْسِمُ ربُّك بما شاء مِن خَلْقِه

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . قال: أَقْسَم بهما جميعًا

(4)

.

وقال آخرون: بل أَقْسَم بيومِ القيامةِ، ولم يُقْسِم بالنفسِ اللوامةِ. وقال: معنى قوله: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} : ولستُ أُقْسِمُ بالنفسِ اللوَّامةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ:

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "حريّتهم". وفى ص: "حرسهم". وفى م، ت 2:"حريبهم". وفي ت 1، ت 3:"حزينهم"، والمثبت كما في مستدرك الحاكم.

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 508، 509 من طريق جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى ابن المنذر.

(4)

ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 300 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.

ص: 467

أَقْسَم بيوم القيامة، ولم يُقسِمْ بالنفسِ اللوامةِ

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ الله أَقْسَم بيومِ القيامةِ وبالنفسِ اللوَّامةِ. وجعَل "لا" ردًّا لكلامٍ قد كان تقدَّمه من قومٍ، وجوابًا لهم.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ؛ لأن المعروفَ من كلامِ الناسِ في محاوراتِهم إذا قال أحدُهم: لا واللهِ، لا فعَلْتُ كذا. أنه يَقْصِدُ بـ "لا" ردَّ الكلامِ، وبقولِه: واللهِ. ابتداءَ يمينٍ، وكذلك قولُهم: لا أُقْسِمُ بالله لا فعلَتُ كذا. فإذا كان المعروفُ من معنى ذلك ما وصَفنا، فالواجبُ أن يكونَ سائرُ ما جاء من نظائرِه جاريًا مَجْرَاه، ما لم يَخْرُجْ شيءٌ من ذلك عن المعروفِ بما يَجِبُ التسليمُ له. وبعدُ، فَإِنَّ الجميعَ من الحُجَّةِ مُجْمِعون على أنَّ قولَه:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} . قَسَمٌ، فكذلك قولُه:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . إلا أن تأتى حُجَّةٌ تدلُّ على أنَّ أحدهما قسَمٌ، والآخر خبرٌ. وقد دلَّلْنا على أنَّ قراءةَ من قرَأ الحرفَ الأوَّلَ:"لأقسم" بوصلِ اللامِ بـ "أُقْسِمُ" قراءةٌ غيرُ جائزةٍ

(2)

، بخلافِها ما عليه الحجةُ مجمعةٌ. فتأويلُ الكلامِ إذن: لا، ما الأمرُ كما تقولون أيُّها الناسُ، من أنَّ الله لا يَبْعَثُ عِبادَه بعد مماتهم أحياءً، أُقْسِمُ بيوم القيامةِ.

وكانت جماعةٌ تقول: قيامةُ كلِّ نفسٍ موتُها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ ومسعرٍ، عن زيادِ بن علاقةَ، عن

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 300.

(2)

ينظر ما تقدم في ص 465.

ص: 468

المغيرة بن شعبةَ، قال: يقولون: القيامةُ القيامةُ

(1)

. وإنما قيامةُ أحدِهم موتُه

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مسعرٍ وسفيانَ، عن أبي قيسٍ

(3)

، قال: شهِدتُ جنازةً فيها علقمةُ، فلما دفَن قال: أما هذا فقد قامت قيامتُه (2).

وقولُه: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {اللَّوَّامَةِ} : فقال بعضُهم: معناه: ولا أُقسِمُ بالنفسِ التي تَلُومُ على الخيرِ والشرِّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريج، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . قال: تلومُ على الخيرِ والشرِّ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . قال: تلومُ على الخيرِ والشرِ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخيرِ بن تميمٍ، عن سعيِد بن جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . قال: هي النفسُ اللئُومُ

(6)

.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 1/ 436.

(3)

في م: "قبيس". وهو أبو قيس الأودى، عبد الرحمن بن ثروان تهذيب الكمال 17/ 20.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 301 عن المصنف سندًا ومتنًا.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 300 - من طريق إسرائيل به.

(6)

تقدم أوله في ص 467.

ص: 469

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّها تلومُ على ما فات وتَنْدَمُ

(1)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . قال: تَنْدَمُ على ما فات، وتلومُ عليه

(2)

.

وقال آخرون: بل اللوامةُ: الفاجرةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . أي: الفاجرةِ

(3)

.

وقال آخرون: بل هي المذمومةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} . يقولُ: المذمومةِ

(3)

.

وهذه الأقوالُ التي ذكَرْناها عمن ذكَرْناها عنه، وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائليها، فمتقارِباتُ المعانى. وأشبهُ القولِ في ذلك بظاهرِ التنزيل أنَّها

(1)

في الأصل: "تدم".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى عبد بن حميد والمصنف.

(3)

في الأصل، ص، ت 2، ت 3:"مذمومة".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 470

تلومُ صاحبَها على الخيرِ والشرِّ، وتَنْدَمُ على ما فات. والقرَأَةُ كلُّهم مُجْمِعُون على قراءةِ هذه بفصلِ "لا" من "أُقْسِمُ".

وقوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أيظُنُّ ابنُ آدمَ أن لن نقْدِرَ على جمعِ عظامه بعد تَفَرُّقها؟! بلي قادِرين على أعظمَ من ذلك؛ أن نُسَوِّىَ بنانَه، وهى أصابعُ يدَيْهِ ورجلَيْهِ، فنجعَلَها شيئًا واحدًا كخفِّ البعيرِ، أو حافرِ الحمارِ، فكان لا يَأْخُذُ ما يَأْكُلُ إلا يفيه كسائرِ البهائمِ، ولكنَّه فرَق أصابعَ يديه يَأْخُذُ بها ويَتَنَاوَلُ، ويَقْبِضُ إذا شاء ويَبْسُطُ، فحسَّن خَلْقَه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخيرِ بن تميمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قال لى ابنُ عباسٍ: سَلْ. فقلتُ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} . قال: لو شاء لجعَله خُفًّا أو حافرًا

(1)

.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} . قال: أنا قادرٌ على أن أَجْعَلَ كفَّه

(2)

مُجَمَّرةً

(3)

مثلَ خفِّ البعير

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، عن إسرائيلَ، عن مغيرةَ، عمن حدَّثه،

(1)

تقدم أوله في ص 467.

(2)

في الأصل: "كفيه".

(3)

جمّر الشيء تجميرًا: جمَعه. التاج (ج م ر).

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 301.

ص: 471

عن سعيدِ بن جُبَيرٍ عن ابن عباسٍ: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} .

قال: أن نَجْعَلَه خفًّا أو حافرًا

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرِمةَ:{عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} . قال: على أن نَجْعَلَه مثلَ خفِّ البعيرِ، أو حافرِ الحمارِ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله:{بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} . قال: جعَلها يدًا، وجعَلها أصابعَ يَقْبِضُهنَّ ويَبْسُطُهنَّ، ولو شاء لجمَعهن، فأنقَيتَ

(3)

الأرضَ بفِيك، ولكن سوَّاكَ خَلْقًا حَسَنًا. قال أبو رجاءٍ: وسُئل عكرِمةُ فقال: لو شاء لجعَلها كخفِّ البعيرِ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} : رِجْلَيه، قال: كخفِّ البعيرِ، فلا يعملُ بهما شيئًا

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} : قادرٌ والله ربُّنا

(6)

على أن يجعلَ بنانَه كحافرِ الدابةِ، أو كخفِّ البعيرِ، ولو شاء لجعَله كذلك، وإنما يُنْقِى

(7)

طعامَه بفيه.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333 من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى عبد بن حميد.

(3)

في الأصل، ص:"فاتقيت" بدون نقط، وفى م:"فاتقيت". وأنقى الشيءَ وتنقّاه وانتقاه: اختاره. اللسان (ن ق ا).

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(7)

في الأصل، ص:"ـقى" بغير نقط. وفى ت 1، ت 2، ت 3:"يتقى".

ص: 472

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} . قال: لو شاء جعَل بنانَه مثلَ خفِّ البعيرِ، أو حافرِ الدابةِ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} . قال: البنانُ: الأصابعُ، يقولُ: نحن قادِرون على أن نجعلَ بنانَه مثلَ خفِّ البعيرِ

(2)

.

واختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ: {قَادِرِينَ} ؛ فقال بعضُهم: نُصِب لأنه واقعٌ موقعَ "نَفْعَلُ"، فلما رُدَّ إلى "فاعلٍ" نُصب. وقالوا: معنى الكلام: أَيَحْسَبُ الإنسانُ أن لن نَجْمَعَ عظامَه، بلى نَقْدِرُ

(3)

على أن نُسَوِّي بنانَه. ثم صُرِف "نَقْدِرُ" إلى {قَادِرِينَ} . وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: نُصب على الخروجِ من: "نجمع"، كأنه قِيل في الكلامِ: أَيَحْسَبُ أن لن نقوَى عليه؟ بلى قادِرين على أَقْوى منك. [يريدُ: بلى]

(4)

نَقْوَى مُقْتَدِرين على أكثرَ

(5)

من ذا. وقال: قولُ الناسِ: بلى نَقْدِرُ، فلما صُرِفت إلى قادرين نُصِبت - خطأٌ؛ لأن الفعلَ لا يُنْصَبُ بتحويلِه من "يَفْعَلُ" إلى "فاعلٍ". ألا ترَى أنك تقولُ: أتقومُ إلينا. فإن حوَّلتها إلى "فاعلٍ" قلت: أقائمٌ، وكان خطأً أن تقولَ: قائمًا. قال: وقد كانوا يَحْتَجُّون بقولِ الفرزدقِ

(6)

:

عَلَى قسَمٍ لا أَشْتُمُ الدهرَ مُسْلِمًا

ولا خارِجًا مِن فيَّ زورُ كلامِ

(1)

في ت: "الحمار". والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333 عن معمر به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى ابن المنذر.

(3)

في الأصل، ت 3:"قادرين".

(4)

في الأصل: (قوة)

(5)

في ص، ت 1، ت،2، ت 3:"أكبر".

(6)

ديوانه ص 769.

ص: 473

فقالوا: إنما أراد: لا أشْتُم، ولا يَخْرُجُ. فلما صرفها إلى "خارج" نصَبها، وإنما نصب لأنه أراد: عاهَدتُ

(1)

ربِّي لا شاتمًا أحدًا، ولا خارجًا من فيَّ زورُ كلام.

وقوله: لا أَشْتُم. في موضع نصبٍ

(2)

.

وكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: نُصِب على "نجمع": أي بل نَجمَعُها قادرين على أن نُسَوِّيَ بنانَه، وهذا القولُ الثاني

(3)

أشبه بالصحة على مذهب أهل

(4)

العربية.

‌القول في تأويل قوله عز وجل: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكره: ما يَجْهَلُ

(5)

ابنُ آدمَ أن ربَّه قادرٌ على أن يَجْمَعَ عظامه، ولكنه يريد أن يَمضِىَ أمامه قُدُمًا في معاصى الله، لا يُثنِيه عنها شيءٌ، ولا يتوبُ منها أبدًا، ويُسَوِّفُ التوبةَ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ

(6)

.

(1)

في الأصل: "عاقدت".

(2)

معاني القرآن للفراء 3/ 208.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

زيادة من: م.

(5)

في الأصل: "أجهل".

(6)

بعده في الأصل: "على اختلاف بين أهل التأويل معناه".

ص: 474

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخير بن تميم الضبيِّ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس في قوله:{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: يَمضِي قُدُمًا

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه:{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . يعنى الأملَ؛ يقولُ الإنسانُ: أعمَلُ ثم أتوبُ قبل يوم القيامةِ. ويقال

(2)

: هو الكفرُ بالحقِّ بينَ يدى القيامة

(3)

.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: يَمضِي أمامَه راكبًا رأسَه

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه:{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: قال الحسنُ: لا تَلْقَى ابن آدمَ إلا تَنْزِعُ نفسُه إلى معصيةِ اللهِ قدمًا قُدُمًا، إلا مَن قد عصم الله

(5)

.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287 إلى المصنف.

(2)

في الأصل: "قال". وينظر تفسير ابن كثير.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 301، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 475

{لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: قُدُمًا في المعاصى

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن إسماعيلَ السديِّ:{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: قُدُمًا.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضر، عن عكرِمةَ:{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: قُدُمًا لا يَنْزِعُ عن فُجورٍ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن جبير:{لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: سوف أتوبُ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يَرْكَبُ رأسه في طلب الدنيا دائبًا، ولا يَذْكُرُ الموت.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} : هو الأملُ، يأمُلُ

(3)

الإنسانُ؛ أعيش وأصيبُ من الدنيا، كذا، وأصيب كذا. ولا يَذْكُرُ الموت

(4)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل: يُرِيدُ الإنسانُ الكافرُ ليُكَذِّبَ بيومِ القيامة.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 281، وابن كثير في تفسيره 8/ 301.

(3)

في م: "يؤمل".

(4)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 281، والقرطبي في تفسيره 19/ 95.

ص: 476

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله:{بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . يقول: الكافرُ يُكَذِّبُ بالحسابِ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} . قال: يُكَذِّبُ بما أمامه؛ يوم القيامةِ والحسابِ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل يُرِيدُ الإنسانُ ليَكْفُرَ بالحقِّ بين يدي القيامةِ. والهاءُ على هذا القول في قوله: {أَمَامَهُ} . من ذكر القيامة، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك قبلُ.

وقوله: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يَسْأَلُ ابنُ آدمَ السائرُ دائبًا في معصيةِ اللهِ عز وجل قُدُمًا: متى يومُ القيامةِ؟ تشويفًا منه للتوبة، فبيَّن الله له ذلك فقال:{فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} الآية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عطية، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، [عن ابن عباس:{يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} . قال: يقولُ: سوف]

(3)

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 287، 288 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 28، والقرطبي في تفسيره 19/ 94، وابن كثير في تفسيره 8/ 301.

(3)

سقط من: ص، م، ت، ت 2 ت 3.

ص: 477

[أتوبُ. قال: فبيَّن له؛ {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ}

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ]

(2)

، عن قتادة قوله:{يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} . يقولُ: متى يومُ القيامة؟ قال: وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَن سأل

(3)

عن يوم القيامةِ فليَقرَأ هذه السورة

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} : متى يكون ذلك؟ فقرأ: ? {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} . قال: فكذلك يكونُ يومُ القيامة.

وقوله: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} . اختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأه أبو جعفرٍ القارئُ ونافعٌ وابن أبي إسحاقَ: (فإذَا بَرَقَ). بفتحِ الراء، بمعنى شخَص وفُتِح عندَ الموتِ؛ وقرأ ذلك شيبةُ وأبو عمرٍو وعامةُ قرأة الكوفة:{بَرِقَ} . بكسرِ الراءٍ، بمعنى: فزع وشقَّ

(5)

.

وقد حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن

(1)

تفسير مجاهد ص 686، وأخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 355 - والحاكم 2/ 509، والبيهقى في الشعب (7232) من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وينظر معناه في قصر الأمل لابن أبي الدنيا (205) من طريق أبي إسحاق به.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في م: "سئل". وينظر مصدر التخريج.

(4)

عزا السيوطي قول قتادة في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وعزا قول عمر بن الخطاب من طريق قتادة في الدر المنثور 6/ 287 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

قرأ المدنيان بفتح الراء وهى أيضًا قراءة زيد بن ثابت ونصر بن عاصم وعبد الله بن أبي إسحاق وأبى حيوة وابن أبي عبلة والزعفرانى وابن مقسم وزيد بن علي وأبان عن عاصم وهارون ومحبوب كلاهما عن أبي عمرو والحسن والجحدرى بخلاف عنهما بفتحها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف، كلهم بكسرها. ينظر النشر 2/ 294، وتفسير البحر المحيط 8/ 385.

ص: 478

هارونَ، قال: سألتُ أبا عمرو بن العلاء عنها، فقال:{بَرِقَ} له بالكسر، بمعنى: حارَ. قال: وسألتُ عنها عبد الله بن أبي إسحاق، فقال:(برق) بالفتح، إنما برق [الحَنْظَلُ اليابس، وما برق البصرُ؟! قال: فذكرتُ ذلك لأبى عمرٍو فقال: إنما يَبْرُقُ الحَنْظَلُ]

(1)

والنارُ والبرقُ. وأما البصرُ فبرق عند الموت. قال: فأخبرتُ بذلك أبا

(2)

إسحاق، فقال: أخَذتُ قراءتي عن الأشياخ؛ نصر بن عاصم وأصحابه. فذكرت ذلك لأبى عمرو، فقال: لكنى لا آخُذُ عن نصرٍ ولا عن أصحابه. كأنه يقولُ: آخُذُ عن أهل الحجاز

(3)

.

وأولى القراءتين في ذلك عندَنا بالصواب كسرُ الراء: {فَإِذَا بَرِقَ} . بمعنى: فَزِع فشُقَّ وفُتِح من هول يوم

(4)

القيامة وفزَع الموت. وبذلك جاءت أشعارُ العرب، أنشَدني بعض الرواة عن أبي عُبيدة للكلابيِّ

(5)

:

لما أتاني ابنُ صُبَيحٍ راغِبًا

أعطيتُه عيْساء

(6)

منها فبرق

وحُدِّثتُ عن أبي زكريا الفرَّاءِ، قال

(7)

: أنشدني بعضُ العرب

(8)

:

(1)

في ص، ت 1، ت،2 ت 3:"الحنظل". وفى م: "الخيطل". وينظر التبيان 10/ 192.

(2)

في ص، م، ت 1، ت،2 ت 3 "ابن أبي". وهو عبد الله بن أبى إسحاق، أبو إسحاق. تهذيب الكمال 14/ 305.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 302 مختصرًا إلى قوله: "حار".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في ص، ت 2:(الكلابى). وهو الأعور بن براء الكلابى، كما في تهذيب إصلاح المنطق ص 75، والبيت في مجاز القرآن 2/ 277 ورواية الشطر الثاني فيه:

أعطيته عيسًا صهابًا فبرق

وينظر تفسير القرطبي 19/ 96.

(6)

في الأصل: "عيناء".

(7)

معاني القرآن 3/ 209.

(8)

هو طرفة بن العبد. ديوانه (صلة الديوان) ص 181، 182.

ص: 479

نعاني حنانةُ

(1)

طُوبالةً

(2)

تَسَفُّ يَبِسًا من العِشرِقِ

(3)

فنفسَك فانْعَ ولا تَنْعَنى

وداو الكُلُوم ولا تَبْرَقِ

ففتح الراء. وفسَّره أنه يقولُ: لا تفزَع من هول الجراحِ التي بك. قال: وكذلك يَبْرَقُ البصرُ يومَ القيامةِ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} : يعنى ببرقِ البصر الموتَ، وبروقُ البصرِ هي الساعةُ

(4)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{بَرِقَ الْبَصَرُ} . [قال: عند الموتِ

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} ]

(6)

: شَخَص البصرُ

(7)

.

(1)

اسم راع. اللسان (ح ن ن).

(2)

الطوبالة: النعجة. ينظر اللسان (ط ب ل).

(3)

العشرق: شجر، وقيل: نبت. وقيل: هو شجر ينفرش على الأرض عريض الورق وليس له شوك. اللسان (ع ش ق).

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(6)

سقط من: الأصل.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 480

وقولُه: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} . يقولُ: ذهَب ضوء القمر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَخَسَفَ الْقَمَرُ} . [يقولُ: وذهب ضوء القمر]

(1)

فلا ضوءَ له.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسن:{وَخَسَفَ الْقَمَرُ} : [هو ضوءُه]

(2)

، يقولُ: ذهَب ضوءُه

(3)

.

وقوله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} . يقول تعالى ذكرُه: وجمع بينَ

(4)

الشمسِ والقمر في ذهاب الضوء، فلا ضوءَ لواحدٍ منهما. وهى في قراءة عبدِ اللهِ فيما ذُكِر لى:(وجُمِع بينَ الشمس والقمر)

(5)

. وقيل: إنهما يُجمعان ثم يكوَّران، كما قال جلَّ ثناؤه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]. وإنما قيل: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} . لما ذكرت من أن معناه: جُمع بينهما، وكان بعضُ نحويِّى الكوفة يقولُ: إنما قيل: {وَجُمِعَ} . على مذهبِ: وجمع النُّوران، كأنه قيل: وجُمع الضياءان. وهذا قولُ الكِسائيِّ

(6)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذهب ضوءه".

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

سقط من: ت 3.

(5)

ينظر تفسير القرطبي، 19/ 97، وتفسير البحر المحيط 8/ 302.

(6)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 209.

ص: 481

وبنحوٍ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} . قال: كُوِّرا يومَ القيامةِ

(1)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} . قال: جُمِعا فرُمي بهما في الأرضِ. وقرَأ

(2)

: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: كوِّرت في الأرض والقمرُ معها

(3)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني سعيدُ [بنُ أبى]

(4)

أيوب، عن أبى شيبةَ الكوفيِّ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنه تلا هذه الآية يومًا:{وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} . قال: يُجمعان يوم القيامةِ، ثم يُقْذَفان في البحرِ، فيكونُ نارُ الله الكبرى

(5)

.

وقولُه: {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} . و

(6)

بفتح الفاءِ قرأ ذلك قرَأَةُ الأمصارِ، لأن العينَ منه في "يفعل"

(7)

مكسورةٌ، وإذا كانت العينُ من "يَفْعَلُ" مكسورةً،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1، ت،2 ت 3:"وقوله".

(3)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 302.

(4)

في الأصل: "ابن". وفى ت 2: "عن أبى". وهو سعيد بن أبى أيوب. تهذيب الكمال 10/ 342.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وابن المنذر.

(6)

سقط من: م، ت 1، ت 3.

(7)

في ص، م، ت 1، ت،2 ت 3:"الفعل".

ص: 482

فإن العربَ تَفْتَحُها في المصدر منه، إذا نطقت به على "يَفْعِلُ"

(1)

، فتقولُ: فرَّ يَفِرُّ مَفَرًّا

(2)

. [بمعنى: فرارًا]

(3)

، كما قال الشاعرُ

(4)

:

يا لَبَكرٍ أنشروا لى كُلَيبا

يا لبكرٍ أين أينَ الفِرارُ

(5)

[فإذا أُريد بهذا]

(6)

، هذا المعنى من مفعل قالوا: أين المفرُّ؟ بفتح الفاء، وكذلك المدَبُّ من دبَّ يَدِبُّ، كما قال بعضُهم

(7)

.

كأن بقايا الأَثر

(8)

فوقَ متونِه

مَدَبُّ الدَّبَى

(9)

فوقَ النقَا

(10)

وهو سارحُ

وقد يُنْشَدُ بكسرِ الدالِ، والفتحُ فيها أكثرُ، وقد تَنْطِقُ العربُ بذلك، وهو مصدرٌ بكسر العين وزعَم الفرَّاءُ أنهما لغتان، وأنه سمع: جاء على مَدَبِّ السيل

(11)

، ومَدِبِّ السيلِ

(11)

، وما في قميصِه مَصَحٌّ ومَصِحٌّ.

فأما البصريون فإنهم في المصدرِ يَفْتَحون العين من "مَفْعَل" إذا كان الفعلُ على يَفْعِل، وإنما يُجيزون كسرها إذا أريد بالمفعل المكانُ الذي يُفَرُّ إليه، وكذلك

(1)

في ص، م، ت 1:"مفعل". وفى ت 2 ت:3 "فعل".

(2)

في ت 2 ت 3: "فرا".

(3)

في م: "يعني فرًّا". وفي ت:1: "يعني مفر". وفي ت،2 ت 3:"يعني فرار".

(4)

هو مهلهل بن ربيعة. والبيت في الكتاب 2/ 215، والأغانى 5/ 59، والعقد الفريد 5/ 220، 478، والخزانة 2/ 162.

(5)

في ص: "المفرا". وفى ت 1 ت 2، ت:"المفر".

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"إذا أريد".

(7)

البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 210، غير منسوب.

(8)

الأثر، بفتح فسكون: فِرِنْد السيف ورونقه. ويكسر، وبضمتين على "فُعُل"، وهو واحد ليس بجمع. التاج (أ ث ر).

(9)

الدَّبَى: الجراد قبل أن يطير، وقيل: الدبى أصغر ما يكون من الجراد والنمل. اللسان (د ب ى).

(10)

في ص، ت 1، ت،2 ت 3:"البنا". والنقا: الكثيب من الرمل. اللسان (ن ق ا).

(11)

في الأصل: "النسيل". ومدب السيل: مجراه. التاج (د ب ب).

ص: 483

المضرِبُ: المكانُ الذي يُضْرَبُ فيه، إذا كُسِرت الراءُ. ورُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك بكسر الفاءِ، ويقولُ: إنما المفِرُّ: مَفرُّ الدابةِ حيث تَفِرُّ

(1)

.

والقراءة التي لا أَسْتَجِيرُ غيرَها: الفتحُ في الفاء من: {الْمَفَرُّ} ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ عليها، وأنها اللغةُ المعروفةُ في العربِ، إذا أُريد بها الفرارُ، وهو في هذا الموضع بمعنى الفِرارِ. وتأويل الكلام: يقولُ الإنسانُ يومَ يُعايِنُ أهوال القيامة: أين الفرارُ

(2)

من هول هذا الذي قد نزَل. ولا فرارَ.

يقولُ الله جلَّ ذكرُه: {كَلَّا لَا وَزَرَ} . يقول جلَّ ثناؤه: ليس هنا

(3)

فِرارٌ يَنْفَعُ صاحبه؛ لأنه لا ينجيه فرارُه، ولا شيء يَلْجَأُ إليه من حصنٍ ولا جبلٍ ولا مَعْقِلٍ من أمر الله الذي قد حضر، وهو الوزَرُ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{كَلَّا لَا وَزَرَ} . يقولُ: لا حِرْزَ

(4)

.

حدثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{كَلَّا لَا وَزَرَ} . يعنى

(5)

: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأَ (4).

(1)

مختصر الشواذ لابن خالويه، وتفسير البحر المحيط 8/ 386.

(2)

في م: "المفر".

(3)

في ص، م، ت،1، ت 2 ت 3:"هناك".

(4)

ذكره الحافظ في التغليق 4/ 355 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

(5)

بعده في الأصل: "لا حرز".

ص: 484

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أدهمُ

(1)

بنُ طريفٍ، قال: سمِعتُ مُطَرِّفَ بنَ الشخِّيرِ يَقْرَأُ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، فلما أَتَى على:{كَلَّا لَا وَزَرَ} . قال: هو الجبَلُ، إن الناسَ إذا فرُّوا قالوا: عليك بالوزرِ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن شعبة

(3)

، عن أدهم، قال: سمعتُ مطرِّفًا يقولُ: {كَلَّا لَا وَزَرَ} . قال: كلَّا لَا جَبَلَ.

حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجهضَمِيُّ، قال: ثني أبى، عن خالدِ بن قيسٍ، عن قتادة، عن الحسن:{كَلَّا لَا وَزَرَ} . قال: لا جبَلَ

(4)

.

حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ علية

(5)

، عن أبى رجاءٍ، عن الحسن في قوله:{كَلَّا لَا وَزَر} . قال: كانت العربُ تُخِيفُ بعضها بعضًا، قال: كان الرجلان يَكُونان في ماشيتِهما فلا يَشْعُرَان بشيءٍ، حتى تَأْتِيهما الخيلُ، فيقولُ أحدُهما لصاحبه: يا فلان، الوزَرَ الوزَرَ. الجبَلَ الجبَلَ

(6)

.

حدَّثنى أبو حفصٍ الجُبَيريُّ

(7)

، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا أبو مودودٍ، عن الحسنِ في قوله:{كَلَّا لَا وَزَر} . قال: لا جبَلَ.

حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ،

(1)

في م: "إبراهيم". وهو أدهم بن طريف السدوسي. ينظر الجرح والتعديل 2/ 348، والثقات 6/ 88.

(2)

أخرجه يحيى بن معين في تاريخه 4/ 300 عن ابن علية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(3)

في الأصل: "سعيد بن جبير".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(5)

في الأصل: "مجاهد".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وابن المنذر.

(7)

في الأصل: "الحنيرى". وفى ص: "الحبيرى"، وفى م:"الحيرى". وتقدم في 6/ 312.

ص: 485

عن أبي مودود، قال: سمعتُ الحسنَ. فذكَر نحوَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{لَا وَزَرَ} : مَلْجَأَ ولَا جبَلَ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَلَّا لَا وَزَرَ} : لا جبَلَ ولا حِرْزَ ولا مَنْجَى. قال الحسنُ: كانت العربُ في الجاهليةِ إذا خَشُوا عدوًّا قالوا: عليكم الوزرَ. أي: عليكم الجبلَ.

حدَّثنا محمدُ بن عبيد [النَّحاسُ المحاربيُّ]

(2)

، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ

(3)

، عن أبى قلابةَ في قوله:{كَلَّا لَا وَزَرَ} ، قال: لا حِصنَ

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بن هشامٍ، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا سفيان، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبى قلابةَ بمثلِه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ، مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ طَهمانَ، عن قتادة في قوله:{كَلَّا لَا وَزَرَ} . يقول: لا حِصْنَ

(5)

.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{لَا وَزَرَ} .

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت،2 ت 3. وينظر تهذيب الكمال 26/ 70.

(3)

في الأصل: "شعيب". وينظر التاريخ الكبير 4/ 232، والجرح والتعديل 4/ 358.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(5)

ذكره ابن حبان في ثقاته 7/ 446 عن يحيى بن واضح به.

ص: 486

قال: لا جبَلَ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن مولًى للحسن

(2)

، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{لَا وَزَرَ} : لا حِصْنَ

(3)

.

[حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ: {لَا وَزَرَ}: لا حصن]

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي حُجَيرٍ

(5)

، عن الضحاك: لا حصن

(6)

.

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {كَلَّا لَا وَزَرَ} : يعنى: الجبل، بلغةِ حمير

(7)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {كَلَّا لَا وَزَرَ} . قال: [لا مُتَغَيَّبَ يُتَغَيَّبُ]

(8)

فيه من ذلك الأمر

(9)

الذي لا منجَى له منه.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(2)

في الأصل: "للحيى". وفى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"للحى".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

في الأصل: "يحيى". وينظر علل أحمد 1/ 129، ولسان الميزان 7/ 32.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف.

(8)

في الأصل: "متغيث يتغيث".

(9)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 487

وقوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} . يقولُ تعالى ذكره: إلى ربِّكَ أَيُّها الإنسانُ يومئذٍ الاستقرارُ، وهو الذي يُقِرُّ جميع خلقه مَقَرَّهم.

واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحو الذي قلْنا فيه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} . قال: استقَرَّ أهلُ الجنةِ في الجنة، وأهلُ النارِ في النارِ، وقرَأ قول الله:{وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].

وقال آخرون: عُنِى بذلك: إلى ربِّك المنتهى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} . أي: المنتهى

(1)

.

‌القول في تأويل قوله عز وجل: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره: يُخَبَّرُ الإِنسانُ يومَئِذٍ، يعنى يومَ يُجْمَعُ الشمس والقمرُ، فيُكَوَّران - بما قدَّم وأخَّر.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: بما قدَّم من عمل خير أو شرٍّ أمامه؛ مما عمله في الدنيا قبل مماته، وما أخَّر بعدَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 488

مماته من

(1)

حسنةٍ أو سيئةٍ، فيُعْمَلُ بها من بعده.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله:{يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} . يقولُ: ما عمِل قبلَ موتِه، وما سنَّ فعمل به بعد

(2)

موته

(3)

.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبد الكريم الجزريِّ، عن زياد بن أبي مريم، عن ابن مسعود قال:{بِمَا قَدَّمَ} : من عمله، {وَأَخَّرَ}: من سُنَّةٍ عُمل بها، من خيرٍ بعدَه أو شرٍّ

(4)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنَبَّأُ الإنسان يومئذٍ بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} . يقولُ: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعةِ، فَيْنبَأُ بذلك

(5)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنبَّأُ بِأَوَّلِ عمله وآخره.

(1)

بعده في ص، ت 1 ت:2: "سيئة". وبعده في م: (سيئة و).

(2)

في الأصل: "وبعد".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف.

ص: 489

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ:{يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} . قال: بأوَّلِ عملِه وآخرِه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، [عن منصور]

(1)

عن مجاهدٍ مثله.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثله.

وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيم مثله

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك {بِمَا قَدَّمَ} من طاعةِ اللهِ، {وَأَخَّرَ} مِن حقوقِ الله التي ضيَّعها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} . يقولُ: بما قدَّم من طاعةِ اللهِ، وأَخَّر مما ضَيَّع مِن حقوق الله.

حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ:{بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} . قال: بما قدَّم من طاعتِه، وأَخَّر مِن حقِّ اللهِ عز وجل

(3)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 552 عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى عبد بن حميد.

ص: 490

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بما قدَّم من خيرٍ أو شرٍّ مما عَمِله، وما أخَّر مما ترَك من عملِه من طاعةِ اللهِ عز وجل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} . قال: ما: أخَّر ما ترَك من العملِ لم يَعْمَلُه، ما ترك من طاعةِ اللهِ لم يَعْمَلْ به، وما قدَّم: ما عمل من خيرٍ أو شرٍّ

(1)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا، أنَّ ذلك خبرٌ مِنَ اللهِ أنَّ الإنسانَ يُنبأُ بكلِّ ما قدَّم أمامه، [مما عَمِل مِن خير أو شرٍّ في حياته]

(2)

، وأَخَّر بعده، مِن سُنَّةٍ حسنةٍ أو سيئةٍ مما قدَّم وأخَّر، وكذلك ما قدَّم من عملٍ عَمِله من خيرٍ أو شرٍّ، وأخَّر بعده من عملٍ كان عليه فضيَّعه، فلم يَعْمَلْه مما قدَّم وأخَّر، ولم يَخْصُص اللهُ عز وجل مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ ذلك مما يُنبأُ به الإنسانُ يومَ القيامةِ.

وقوله: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . يقول جلَّ وعزَّ: بل للإنسان على نفسه من نفسه رُقَبَاءُ يَرْقُبُونه بعمله، ويَشْهَدون عليه به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . يقولُ: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 283 والطوسى في التبيان، 10/ 195، والقرطبى في تفسيره 19/ 91.

(2)

سقط من: الأصل.

ص: 491

وجوارحُه

(1)

.

والبصيرةُ على هذا التأويل: ما ذكره ابن عباسٍ من جوارح ابن آدم، وهى مرفوعةٌ بقوله:{عَلَى نَفْسِهِ} ، والإنسان مرفوع بالعائد من ذكره في قوله:{نَفْسِهِ} .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل الإنسان شاهدٌ على نفسِه وحدَه، ومَن قال هذا القولَ جعَل البصيرة خبرًا للإنسان، ورفع الإنسانَ بها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . يقول: الإنسانُ شاهدٌ على نفسه وحده

(2)

.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . قال: شاهدٌ عليها بعملها

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} : إذا شئت والله رأيته بصيرًا بعيوبِ الناسِ وذنوبِهم، غافلًا عن ذنوبه، كان يقالُ: إِنَّ في الإنجيل مكتوبًا: يا بن آدم، تُبْصِرُ القَذَاةَ في عين أخيك.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333 من طريق مجاهد عن ابن عباس بنحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 492

ولا تُبْصِرُ الجذلَ

(1)

المعترضَ في عينك

(2)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . قال: هو شاهدٌ على نفسِه، وقرَأ:{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14].

ومن قال هذه المقالة يقولُ: أُدخلت الهاء في قوله: {بَصِيرَةٌ} وهى خيرٌ للإنسان، كما يقالُ للرجل: أنت حجةٌ على نفسِك. وهذا قولُ بعض نحويِّى البصرة. وكان بعضُهم يقولُ: أُدْخِلت هذه الهاءُ في: {بَصِيرَةٌ} وهى صفةٌ للذكَرِ، كما أُدخلت في "راويةٍ"

(3)

و"علَّامة"

(4)

.

وقوله: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} : اختلَف أهلُ التأويل

(5)

في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: بل للإنسان على نفسه شهودٌ مِن نفسِه، ولو اعتذَر بالقول مما قد أتى من المأثم، ورَكِب من المعاصي، وجادَل بالباطل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس:{وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} . يعنى: الاعتذارَ، ألم تَسْمَعْ أنه قال:{لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} [غافر: 52]. وقال الله: {وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ

(1)

الجذل: واحد الأجذال وهى أصول الحطب العظام. اللسان (ج ذ ل).

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ت 2، ت 3:"نسابة".

(4)

ينظر مجاز القرآن 2/ 277.

(5)

في م: "الرواية".

ص: 493

السَّلَمَ} [النحل: 87]. وقوله: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} [النحل: 28].

وقولهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}

(1)

[الأنعام: 23].

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ في قوله:{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . قال: شاهدٌ على نفسه ولو اعتذَر

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} : ولو جادل عنها، فهو بصيرةٌ عليها

(3)

.

حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عمرانَ بن حُدَيْرٍ، قال: سألتُ عكرمةَ، عن قوله:{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} . قال: فسكت. قال: فقلتُ له: إنَّ الحسن يقولُ: ابن آدمَ، عملُك أولى بك. قال: صدَق

(3)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} . قال: معاذيرُهم التي يعتذرون بها يوم القيامة، فلا ينتَفِعون بها. قال: قومٌ

(4)

لا يُؤذنُ لهم فيعتذرون، وقومٌ

(4)

يُؤذنُ لهم فيعتذرون، فلا ينفَعُهم، ويعتذرون بالكذبِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 333، 334 من طريق آخر عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 540،541 عن أبي أحمد به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يوم".

ص: 494

وقال آخرون: بل معنى ذلك: [بل للإنسان]

(1)

على نفسه من نفسه بصيرةٌ ولو تَجرَّد.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنى أبى، عن خالد بن قيس، عن قتادةً، عن زُرَارَةَ بن أَوْفَى، عن ابن عباسٍ في قوله:{وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} . قال: لو تجرَّد

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو أَرْخى السُّتُور، وأَغْلق الأبواب.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادٌ، عن أبي حمزةَ، عن السديِّ في قوله:{وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} : ولو أَرْخى السُّتُورَ، وأَغْلَق الأبواب

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} لم تُقْبَلْ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثني أبي، عن خالد بن قيسٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قوله:{وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} : لم تُقْبَلْ معاذيرُه

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَلَوْ أَلْقَى

(1)

سقط من: الأصل. وفى ص، ت 1، ت 2:"بل الإنسان".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 283، والطوسى في التبيان 10/ 195.

(4)

ينظر تفسير ابن كثير 8/ 303.

ص: 495

مَعَاذِيرَهُ}، قال: لو اعتذَر [يومئذ بباطل ما قُبل منه يوم القيامة

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} . قال: ولو اعتذر

(2)

.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ولو اعتذر؛ لأنَّ ذلك أشبهُ المعانى بظاهر التنزيل؛ وذلك أنَّ الله جلَّ ثناؤه أخبر عن الإنسانِ أَنَّ عليه شاهدًا من نفسه بقوله: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . فكان الذي هو أَوْلى أن يَتبع ذلك: ولو جادَل عنها بالباطلِ، واعتذَر بغير الحقِّ. فشهادةُ نفسه عليه به أحقُّ وأولى من اعتذاره بالباطل.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} .

قال أبو جعفر رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لا تُحرِّك يا محمدُ بالقرآنِ لسانَك لِتَعْجَلَ به.

واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} ؛ فقال بعضُهم: قيل له ذلك لأنه كان إذا نزل عليه منه شيءٌ عَجِل به، يريدُ حفظه، من حبِّه إيَّاه، فقيل له: لا تَعْجَلْ به، فإِنَّا سَنَحْفَظُه عليك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا سفيانُ بن عيينةَ، عن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه القرآنُ تَعَجَّل يريدُ حِفْظه،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 496

فقال الله تعالى ذكرُه: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} . وقال ابن عباس: هكذا. وحرَّك

(1)

شَفَتَيْه

(2)

.

حدَّثى عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ

(3)

ويونسُ قالا: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن سعيد بن جبير، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه القرآنُ تَعَجَّل به، يريدُ حِفْظه، وقال يونسُ: يحرِّكُ شَفَتَيْه ليَحْفَظَه، فأنزل الله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}

(4)

.

حدثني عبيدُ بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ

(3)

، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي عائشة، سمع سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس مثله، وقال:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} . قال: هكذا. وحرَّك سفيانُ فاه

(5)

.

حدَّثنا سفيان بن

(6)

وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قال: كان النبيُّ إذا نزل عليه جبريلُ بالوحى، كان مما

(7)

يحرِّكُ به لسانَه وشَفْتَيْه، فيشتدُّ عليه، فكان يُعْرَفُ ذلك، فأنزل الله هذه الآية في "لا أقسم بيوم القيامة": {لَا تُحَرِّكْ

(1)

في الأصل: "خرجت".

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (11636) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.

(3)

في الأصل: "الهنادى".

(4)

أخرجه الحميدى (528)، وسعيد بن منصور - كما في الفتح 8/ 681 - عن سفيان به.

(5)

أخرجه الحميدى (527)، وأحمد 3/ 393 (1910)، والبخارى (4927) وفى خلق أفعال العباد (278) والترمذى (3329) كلهم من طريق سفيان به.

(6)

في الأصل: (عن).

(7)

سقط من: م.

ص: 497

بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}

(1)

.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآنُ، حرَّك شَفَتَيْه، فيُعْرَفُ بذلك. فحاكاه سعيدٌ، فقال:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: لتَعْجَلَ بأَخْذِه.

حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشة، قال: سمعتُ سعيد بن جبير يقولُ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: كان جبريل عليه السلام يَنزِلُ بالقرآنِ، فيُحرِّكُ به لسانه؛ يَسْتَعْجِلُ به، فقال:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} .

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا رِبْعِيُّ بنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ في هذه الآية:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: كان إذا نزل عليه الوَحْىُ عَجِل يتكلَّمُ به؛ مِن حُبِّه إيَّاه، فنزل:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}

(2)

.

حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: لا تَكلَّم بالذي أَوْحَيْنا إليك حتى يُقْضَى إليك

(3)

وَحْيُه، فإذا قَضَيْنا إليك وَحْيَه فتكلَّم به.

حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ

(1)

أخرجه البخاري (4929، 5044)، وفى خلق أفعال العباد (276)، ومسلم (448/ 147) والبيهقى في الدلائل 7/ 56 من طريق جرير به. وأخرجه الطيالسى (2750)، والطبرانى (12297) وغيرهما من طرق عن موسى بن أبى عائشة به.

(2)

ذكره ابن حجر في الفتح 1/ 30، 8/ 682. وينظر تفسير القرطبي 19/ 106.

(3)

في الأصل: "الله".

ص: 498

الضحاك يقولُ في قوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: كان نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه من القرآنِ شيءٌ حرَّك به لسانَه؛ مخافةَ أن يَنْساه

(1)

.

وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله قيل له ذلك؛ أنه كان يُكْثِرُ تلاوةَ القرآن؛ مخافة نسيانه. فقيل له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . إِنَّ علينا أن نَجمَعَه لك، ونُقرئكه، فلا تنسى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: كان لا يَفْتُرُ من القرآن

(2)

؛ مخافةَ أنْ يَنْساه، فقال الله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . إِنَّ علينا أنْ نَجمَعَه لك. {وَقُرْآنَهُ} : أَنْ نُقْرِئَك فلا تنسى

(3)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} . قال: كان يَسْتذكرُ القرآن؛ مخافة النسيان، فقال له: كَفَيْناكه يا محمدُ

(4)

.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرنا أبو رجاءٍ، عن الحسن في قوله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحرِّك به لسانه ليَسْتَذْكِرَه، فقال الله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} ؛ إنا

(1)

ينظر التبيان 10/ 195، وتفسير ابن كثير 8/ 304.

(2)

في الأصل: "القراءة".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وابن مردويه.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 499

سنَحْفَظه عليك

(1)

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: كان نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم الله يُحرِّكُ به لسانه؛ مخافةَ النسيان، فأنزل اللهُ ما تَسْمَعُ

(2)

.

حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} . قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرأُ القرآنَ فيُكْثِرُ؛ مخافةَ أنْ يَنْسى

(3)

.

وأشبهُ القولينِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل القولُ الذي ذُكر عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، وذلك أن قولَه:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} . يُنْبِئُ

(4)

أَنَّه إنما نُهى عن تحريكِ اللسان به مُسْتَعْجِلًا فيه قبلَ جمعِه، ومعلومٌ أنَّ دراستَه للتذكُّرِ إنما كانت تكونُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم من بعدِ جمعِ اللهِ له ما يَدْرسُ مِن ذلك.

وقوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ علينا جمعَ هذا القرآنِ في صَدْرِك يا محمد حتى نُثَبِّتَه فيه، {وَقُرْآنَهُ}. يقول: وقرآنَه حتى تقرَأه بعد أن جَمَعْناه في صَدْرِك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الفتح 8/ 682 - من طريق أبى رجاء به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334 عن معمر به.

(4)

في الأصل: "يعني".

ص: 500

سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} . قال: في صَدْرِك. {وَقُرْآنَهُ} . قال: تَقْرَؤُه بعد.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} : أَنْ نَجمَعَه لك، {وَقُرْآنَهُ}: أَن نُقْرِئَك فلا تَنْسى

(1)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} . يقولُ: علينا أن نَجْمَعَه لك حتى نُثَبِّتَه في قلبك

(2)

.

وكان آخرون يتأوَّلون قوله: {وَقُرْآنَهُ} : وتأْليفَه. وكأن معنى الكلامِ عندَهم: إنَّ علينا جمعَه في قلبك حتى تَحْفَظَه، وتأليفَه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} . يقولُ حِفْظَه وتأليفَه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ:{جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} . قال: حفظه وتأليفه

(4)

وكأنَّ قتادةَ وجَّه معنى القرآنِ إلى أنه مصدرٌ، من قولِ القائلِ: قد قَرَأَتُ هذه

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وابن مردويه.

(2)

تفسير الطوسى 10/ 196.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334 عن معمر به.

ص: 501

الناقةُ في بَطْنِها جَنِينًا. إذا ضَمَّتْ رَحِمَها على ولدٍ، كما قال عمرُو بنُ كُلثومٍ

(1)

:

ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ

هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا

يعنى بقوله: "لم تقرأْ جنينا": لم تضمَّ رحمَها على ولدٍ.

وأما ابنُ عباسٍ والضحاكُ فإنهما وجَّها ذلك إلى أنه مصدرٌ، مِن قولِ القائل: قرَأْتُ أقرَأُ قُرْآنًا وقِراءَةً.

وقوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} . اختلَف أهل التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فإذا أنزَلناه إليك فاسْتَمِعْ قرآنَه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ

(2)

، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} : فإذا أنزَلناه إليك، {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}. قال: فاسْتَمِعْ قرآنَه.

حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن موسى بن أبي عائشةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} : فإذا أنزَلناه إليك فاسْتَمِعْ له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا تُلِي عليك فاتَّبِعْ ما فيه مِن الشرائعِ والأحكامِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} . يقولُ: إذا تُلِى عليك فاتَّبِعْ ما

(1)

تقدم تخريجه في 1/ 91.

(2)

في م: "منصور وابن أبي عائشة"، وفى ص، ت 1:"منصور ابن أبي عائشة".

ص: 502

فيه

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} . يقولُ: اتَّبِعْ حلالَه، واجْتَنِبْ حرامَه

(2)

.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ

فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}. يقولُ: فاتَّبِعْ حلالَه، واجْتَنِبْ حرامَه

(3)

.

حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} . يقولُ: اتَّبِعْ ما فيه

(4)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا بيَّناه فاعْمَلْ به.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} . [يقول: بيَّنَّاه]

(5)

، {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}. يقولُ: اعْمَلْ به

(6)

.

وأولى الأقوالِ عندى بالصوابِ في ذلك قولُ من قال: فإذا تُلِى عليك فاعْمَلْ بما فيه من الأمرِ والنَّهْي، واتَّبِعْ ما أُمرت به فيه، لأنه قيل له: إنَّ علينا جمعَه في صَدْرِك وقرآنه. وقد دَللْنا على أن معنى قولِه: {قُرْآنَهُ} : وقراءَتَه، فقد بيَّن ذلك عن معنى قولِه:{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} .

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334 عن معمر به.

(4)

ينظر تفسير الطوسى 10/ 196.

(5)

سقط من: ص، م.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 51 - من طريق أبي صالح به.

ص: 503

وقوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إنَّ علينا بيانَ ما فيه مِن حلالِه وحرامِه وأحكامِه لك مفصلةً.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} . يقولُ: حلالَه وحرامَه، فذلك بيانُه

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ:{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} : بيانَ حلالِه، واجتنابَ حرامِه، ومعصيتَه وطاعتَه

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم إن علينا تِبْيانَه بلسانِك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} . قال: تِبْيانَه بلسانِك.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه المخاطَبين بهذا القرآنِ، المُؤْثِرين زينةَ الحياةِ الدنيا على الآخرةِ: ليس الأمرُ كما تقولون أيُّها الناسُ مِن أنكم لا

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى المصنف وابن مردويه.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 504

تُبْعَثُون بعدَ مماتِكم، ولا تُجازَوْن بأعمالِكم، ولكنَّ الذي دعاكم إلى قيل ذلك محبتُكم الدنيا العاجلةَ، وإيثارُكم شهواتِها، على آجلِ الآخرة ونعيمها، فأنتم تُؤْمِنون بالعاجلةِ، وتُكذِّبون بالآجلةِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} . اختار أكثرُ الناسِ العاجلة، إلا مَن رَحِمَ اللهُ وعصَم

(1)

.

وقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} . يعني: يومَ القيامةِ، {نَاضِرَةٌ}. يقولُ: حسنةٌ جميلةٌ من النعيمِ. يقال من ذلك: نَضُر وجهُ فلانٍ. إذا حَسُن مِن النَّعْمةِ، ونضَّر الله وجْهَه. إذا حسَّنه كذلك.

واختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم بالذي قلنا فيه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ

(2)

، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا المباركُ، عن الحسن:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: حسنةٌ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: نَضْرةُ الوجوهِ: حُسْنُها

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 289 إلى عبد بن حميد.

(2)

في الأصل: "المحاربي". ينظر تهذيب الكمال 24/ 430.

(3)

تفسير مجاهد ص 687، ومن طريقه البيهقي في الاعتقاد ص 133. وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (479) وابن خزيمة في التوحيد ص 121، والآجرى في الشريعة (585)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (800) كلهم من طريق المبارك بن فضالة.

(4)

أخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (802) من طريق الوليد بن عبد الله عن مجاهد.

ص: 505

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: الناضرةُ: الناعمةُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: الوجوهُ الحسنةُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: مِن السرورِ والنعيمِ والغبطةِ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّها مسرورةٌ.

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: مسرورةٌ

(3)

.

وقولُه: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . اختلَف أهل التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أنَّها تَنْظُرُ إلى ربِّها

(4)

.

(1)

تفسير البغوي 8/ 284.

(2)

أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (480) من طريق منصور به بلفظ: "ضاحكة".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 290 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي.

(4)

وهو اعتقاد الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام المعروفين بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة. ينظر شرح العقيدة الطحاوية 1/ 208، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 3/ 137، 140، 6/ 431 - 435.

ص: 506

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، وإبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قالا: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ بن شقيقٍ، قال: ثنا الحسينُ

(1)

بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} : قال: تَنْظُرُ إلى ربِّها نَظَرًا

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقول: أخبرَني الحسينُ

(3)

بنُ واقدٍ في قولِه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} ؛ مِن النعيمِ، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. قال: أخبَرني يزيدُ النحويُّ، عن عكرمةَ وإسماعيلَ بن أبي خالدٍ، وأشياخٍ مِن أهلِ الكوفةِ، قال: تَنْظُرُ إلى ربِّها نَظَرًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ

(4)

، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا المباركُ، عن الحسنِ في قولِه:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: حسنةٌ، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. قال: تَنْظُرُ إلى الخالقِ، وحُقَّ لها أن تَنْضُرَ وهي تَنْظُرُ إلى الخالقِ.

حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بن عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَرْفَجَةَ، عن عطيةَ العوفيِّ في قولِه:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قال: هم يَنْظُرون إلى اللهِ عز وجل، لا تُحيطُ أبصارُهم به مِن عظمتِه، وبصرُه محيطٌ بهم، فذلك قولُه:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [الأنعام: 103].

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أَنَّها تَنْتَظِرُ الثوابَ من ربِّها.

(1)

في ت 1: "الحسن".

(2)

أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 53، والآجرى في الشريعة (587) من طريق محمد بن منصور به، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (803) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهرى به، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (481)، والآجرى في الشريعة (586) من طريق على بن الحسن به.

(3)

في ت 1، ت 2:"الحسن".

(4)

في الأصل: "المحاربي".

ص: 507

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ

(1)

بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قال: تَنْتَظِرُ منه الثوابَ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ من ربِّها

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ

(2)

.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ من ربِّها، لا يراه مِن خَلْقِه شيءٌ

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: نَضِرَةٌ مِن النعيمِ، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. قال: تَنْتَظِرُ رِزْقَه وفَضْلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أناسٌ يقولون في حديثِ: "فَيَروْن ربَّهم". فقلتُ لمجاهد: إنَّ ناسًا يقولون إنه

(1)

في الأصل: "عمرو".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف، وقال ابن عبد البر: "فإن قيل: فقد روى سفيان الثورى عن منصور عن مجاهد في قول الله عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} قال: حسنة {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال: تنظر الثواب. ذكره وكيع وغيره عن سفيان. فالجواب. أنا لم ندَّع الإجماع في هذه المسألة. ولو كانت إجماعًا ما احتجنا فيها إلى قول، ولكن قول مجاهد هذا مردود بالسُّنَّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور ومجاهد وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل اثنين [آيتين] هما مهجوران عند العلماء مرغوب عنهما أحدهما هذا، والآخر قوله في قوله عز وجل:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}

" ينظر التمهيد 7/ 157، 158.

ص: 508

يُرى. [قال: يَرى]

(1)

ولا يَراه شيءٌ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قال: تَنْتَظِرُ مِن ربِّها ما أمَر لها.

حدَّثني أبو الخطابِ الحسَّانيُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيرٍ

(2)

، [عن سفيان]

(3)

، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قوله:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . قال: تَنْتَظِرُ الثوابَ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ثُوْيرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمرَ، قال: إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً لَمَن يَنظُرُ إلى مُلْكِه وسُرُرِه وخَدَمِه مسيرةَ ألفِ سنةٍ، يَرى أقصاه كما يَرى أدْناه، وإنَّ أرفعَ أهلِ الجنةِ منزلةٌ لَمَن يَنْظُرُ إلى وجْهِ اللهِ بُكرةً وعشيةً

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا شيخٌ

(6)

، عن أبي الصهباءِ المَوْصليِّ، قال: إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً من يَرى سُرُرَه وخَدَمَه ومُلْكَه في مسيرةِ ألفِ سنةٍ، فيَرى أقصاه كما يَرى أدناه، وإنَّ أَفضلَهم منزلةً مَن يَنْظُرُ إِلى وَجْهِ اللهِ غُدْوةً وعشيةً

(7)

.

وأولى القولينِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن الحسن

(1)

سقط من الأصل، ص، ت 1.

(2)

سقط من ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، وينظر تهذيب الكمال 27/ 145.

(3)

سقط من: الأصل. وفي ص، ت 1:"بن".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 544 من طريق إسماعيل به.

(5)

أخرجه الترمذى (2553، 3330) عن أبي كريب به.

(6)

في م: (أشجع).

(7)

ذكره ابن حجر في الفتح 13/ 424.

ص: 509

وعكرمةَ، مِن أنَّ معنى ذلك: أنها تَنْظُرُ إلى خالقِها؛ وبذلك جاء الأثر عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنى عليٌّ بنُ الحسينِ بن الحُرِّ

(1)

، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ بنُ يونسَ، عن ثُويْرٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَدْنى أَهلِ الجنَّةِ مَنْزِلَةٌ لَمَن يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَى سنةٍ". قال: "وإِنَّ أَفضلَهم مَنْزِلَةً لَمَن يَنْظُرُ في وجْهِ اللهِ كلَّ يومٍ مرَّتينِ". قال: ثم تلا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} . قال: "بالبياض والصفاءِ، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. قال: "تَنْظُرُ كلَّ يومٍ في وجْهِ اللهِ عز وجل"

(2)

.

وقوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} . يقول تعالى ذكره: ووجوهٌ يومئذٍ مُتَغَيِّرةُ

(3)

الألوانِ، مُسْوَدَّةٌ كالحةٌ. يقالُ: بَسَرْتُ

(4)

وجْهَه أَبْسُرُه بَسْرًا: إذا فعلت ذلك

(5)

، وبَسَر وجهَه فهو باسرٌ بَيِّنُ البُسُور.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ص، م:"أبجر". وينظر ما تقدم 21/ 457.

(2)

أخرجه الإمام أحمد 9/ 229 (5317)، والترمذى (2553، 3330)، وأبو يعلى (5712)، والآجري في الشريعة (620)، والحاكم، 2/ 509، والبيهقى في البعث (477) كلهم من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 111 وأحمد 8/ 240 (4623)، وأبو يعلى (5729)، وأبو الشيخ في العظمة (606) واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (841)، والبيهقى في البعث (478) من طريق ثوير به.

(3)

في الأصل: (مسفرة).

(4)

في ص، ت 1:"بسر".

(5)

بعده في الأصل: "به".

ص: 510

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{بَاسِرَةٌ} . قال: كاشرةٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} . أي: كالحةٌ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {بَاسِرَةٌ} . قال: عابسةٌ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{بَاسِرَةٌ} . قال: عابسةٌ (2).

وقولُه: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: تعلم أنه يُفْعَلُ بها داهيةٌ. والفاقِرةُ: هي الداهيةُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق 2/ 334 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.

(3)

تفسير ابن كثير 8/ 306.

ص: 511

قوله: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} . قال: داهيةٌ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} . أي: شرٌّ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} . قال: تَظنُّ أنها ستَدْخُلُ النارَ، قال: تلك الفاقرةُ

(3)

.

وأصلُ الفاقرةِ: الوَسْمُ الذي يُفْقَرُ به على الأَنفِ

(4)

.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)} .

قال أبو جعفر رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ كما يظنُّ هؤلاء المشركون مِن أنَّهم لا يُعاقبون على شركِهم ومعصيتِهم ربَّهم، بلى إذا بلَغتْ نفسُ أحدِهم التراقِىَ عندَ مماتِه وحَشْرَج بها.

وقال ابنُ زيدٍ: التراقي: نفسُه.

حدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} . قال: التراقي: نفسه.

{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وقال أهلُه: مَن راقٍ

(5)

يَرْقِيه؛ يَشْفِيه مما قد نزَل به؟ وطلَبوا له الأطباءَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

ذكره القرطبي 29/ 110، وابن كثير 8/ 306.

(4)

في الأصل: "الإبل".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2:"ذا".

ص: 512

والمُداوِين، فلم يُغْنُوا عنه مِن أمرِ الله الذي قد نزَل به شيئًا

(1)

.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: {مَنْ رَاقٍ} ؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا في ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ:{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . قال: هل مِن راقٍ يَرْقِى؟

(2)

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قِلابةَ:{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . قال: هل مِن طبيبٍ شافٍ؟

(3)

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قِلابةَ مثلَه.

[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ مثلَه]

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن أبى بسطامٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . قال: هو الطبيبُ

(5)

.

(1)

ينظر التبيان 10/ 200، وتفسير ابن كثير 8/ 307.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.

ص: 513

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في:{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . قال: هل من مُداوٍ؟

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} .

أي: التَمَسوا له الأطباءَ فلم يُغْنُوا عنه مِن من قضاءِ الله شيئًا

(1)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . قال: أين الأطباءُ والرُّقاةُ، مَن يَرْقِيه من الموتِ؟

(2)

.

وقال آخرون: بل هذا مِن قول الملائكةِ بعضِهم لبعضٍ؛ يقولُ بعضُهم لبعضٍ: مَن يَرْقَى بنفسِه فَيَصْعَدْ بها؟

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن عمرِو بن

(3)

مالكٍ، عن أبى الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ:{كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . قال: إذا بلَغتْ نفسُه تراقيَه

(4)

، قالتِ الملائكةُ: مَن يَصْعَدُ بها؛ ملائكةُ الرحمةِ أو ملائكةُ العذابِ؟

(5)

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه في قوله:{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} . قال: بلَغنى عن أبي قِلابةَ، قال: هل مِن طبيبٍ؟ قال: وبلَغنى عن أبى الجوزاءِ أنه قال: قالت الملائكةُ بعضُهم لبعضٍ: مَن يَرْقَى؛ ملائكةُ الرحمةِ، أو ملائكةُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

تفسير ابن كثير 8/ 307.

(3)

في الأصل: "عن".

(4)

في ص، ت 1:"ترقابه"، وفى م:"يرقى ربها"، وفي ت 3:"ترقاته".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 307 - من طريق عمرو بن مالك به.

ص: 514

العذابِ؟

(1)

وقولُه: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأَيْقَن الذي قد نزَل ذلك به أنه فِراقُ الدنيا والأهلِ والمالِ والولدِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌[ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} .

أي: اسْتَيْقَن أنه الفِراقُ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} . قال: ليس أحدٌ مِن خَلْقِ اللهِ يَدفعُ الموتَ، ولا يُنْكِرُه، ولكن لا يَدْرى يموتُ مِن ذلك المرضِ أو مِن غيرِه، فالظنُّ كما هاهنا هذا.

وقولُه: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والتَفَّتِ شِدَّةُ أمر الدنيا بشدَّةِ أمرِ الآخرةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبى الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: الدنيا بالآخرةِ شِدَّةٌ]

(3)

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 307 - من طريق عمرو بن مالك به.

ص: 515

[حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . يقولُ: آخرُ يومٍ من الدنيا، وأوَّلُ يومٍ مِن الآخرةِ، فتَلْتَقِى الشدَّةُ بالشدَّةِ، إلا مَن رَحِم اللهُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} .

يقولُ: والتَفَّتِ الدنيا بالآخرة، وذلك شأنُ

(2)

الدنيا والآخرة، ألم تَسْمَعْ أنه يقولُ:{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} ؟

(3)

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: الْتَفَّ أمرُ الدنيا بأمرِ الآخرةِ عندَ الموتِ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ [وأبو هشامٍ، قال]

(5)

: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: آخرُ يومٍ من الدنيا، وأوَّلُ يومٍ مِن الآخرةِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: قال الحسنُ: ساقُ الدنيا بالآخرةِ]

(6)

(7)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 51 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، م:"ساق".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(5)

في ت 1: "قال".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى عبد بن حميد.

(7)

سقط من: الأصل.

ص: 516

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن مجاهدٍ، قال: هو أمرُ الدنيا والآخرةِ عندَ الموتِ.

حدَّثنى عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ في قوله:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: أهلُ الدنيا يُجهِّزون الجَسَدَ، وأهلُ الآخرةِ يُجَهِّزون الروحَ

(1)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاكِ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ، قال: اجْتَمَع عليه أمران: الناسُ يُجَهِّزون جَسَدَه، والملائكةُ يُجَهِّزون روحَه]

(2)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: ساقُ الدنيا بساقِ الآخرةِ

(3)

.

[حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: الدنيا بالآخرةِ]

(4)

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه وزاد: ويقالُ: الْتِفافُهما عند الموتِ.

حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن فضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال:

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3.

ص: 517

الدنيا والآخرة.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن عبدِ الوهابِ بن

(1)

مجاهدٍ، عن أبيه، قال: أمرُ الدنيا بأمرِ الآخرةِ.

[حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}. قال: أمرُ الدنيا بأمرِ الآخرةِ]

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: الشدَّةُ بالشدَّةِ، ساقُ الدنيا بساقِ الآخرة

(3)

.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، فقال: عملُ الدنيا بعمل الآخرةِ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ، عن الضحاكِ، قال: هما الدنيا والآخرةُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: العلماءُ يقولون فيه قولَين؛ منهم مَن يقولُ: ساقُ الآخرةِ بساقٍ الدنيا. وقال آخرون: قَلَّ ميتٌ يموتُ إلا التَفَّتْ إحدى ساقَيه بالأخرى.

قال ابنُ زيدٍ: غيرَ أنَّا لا نشكُّ أَنَّها ساقُ الآخرةِ. وقرَأ: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} . قال: لما الْتَفَّتِ الآخرةُ بالدنيا، كان المَسَاقُ إلى اللهِ عز وجل، قال:

(1)

في الأصل، ص، ت 3:"عن".

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334 عن معمر به.

(4)

ينظر البحر المحيط 8/ 390.

ص: 518

وهو أكثرُ قولِ مَن يقولُ ذلك.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الْتَفَّتْ ساقا الميتِ إذا لُفَّتا في الكَفنِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا بشيرُ

(1)

بنُ المهاجرِ، عن الحسنِ في قولِه:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: لفُّهما في الكَفنِ

(2)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وابنُ اليمانِ، عن بشيرِ بن المهاجرِ، عن الحسنِ، قال: هما ساقاك إذا لُفَّتا في الكفنِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن بشيرِ بن المهاجرِ، عن الحسنِ مثلَه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: التفافُ ساقَيْ الميتِ عندَ الموتِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: ساقا الميتِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ وعبدُ الأعلى، قالا: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: الْتَفَّت ساقاه عند الموتِ.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثني ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ مثلَه.

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ بنحوِه.

(1)

في الأصل: "بشر". ينظر تهذيب الكمال 4/ 176.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 519

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: عندَ الموتِ

(1)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: التفافُ ساقيكَ عندَ الموتِ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . لفَّهما أمرُ اللهِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ساقا ابن آدمَ عندَ الموتِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ

(3)

، عن أبي مالكٍ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: هما ساقاه إذا ضُمَّت إحداهما بالأخرى.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال قتادةُ: أما رأَيْتَه إذا ضرَب برجلِه رجلَه الأخرى؟

(4)

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} : ماتت رجلاه فلا يَحْمِلانه إلى شيءٍ، فقد كان عليهما جوَّالًا

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334 عن معمر به.

(3)

في 1، ت 2، ت 3:"النسوى".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى ابن المنذر.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 295 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 520

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: ساقاه عندَ الموت.

وقال آخرون: عُنى بذلك يُبْسُهما عندَ الموتِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: يُبْسُهما عندَ الموتِ.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ

(1)

، عن السديِّ مثلَه.

وقال آخرون: معنى ذلك: والتَفَّ أمرٌ بأمرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا ابنُ أبى خالدٍ، عن أبي عيسى:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} . قال: الأمرُ بالأمرِ.

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: والْتَفَّ بلاءٌ ببلاءٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى: عن مجاهدٍ، قال: بلاءٌ ببلاءٍ

(2)

.

(1)

في الأصل: "شقيق".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد بن حميد.

ص: 521

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: ذلك: والْتَفَّتْ ساقُ الدنيا بساقِ الآخرة، وذلك شدَّةُ كربِ الموتِ، بشدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، والذي يَدُلُّ على أنَّ ذلك تأويلهُ، قوله:{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} . والعرب تقولُ لكلِّ أمرٍ اشتدَّ: قد شمَّر عن ساقه

(1)

، وكشَف عن ساقه. ومنه قولُ الشاعر

(2)

:

فإِذ

(3)

شَمَّرَتْ لكَ عَن سَاقِها

فَوَيْهًا

(4)

رَبِيعَ ولا تَسْأَمِ

وعنى بقوله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} : الْتَصَقَت إحدى الشدَّتين بالأخرى، كما يقالُ للمرأة إذا الْتَصَقَت إحدى فَخِذَيْها بالأخرى: لفَّاءٌ.

وقولُه: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} . يقول: إلى ربِّك يا محمدُ يومَ التفافِ الساقِ بالساقِ مساقُه.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)} .

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: فلم يُصَدِّقُ بكتابِ اللهِ، ولم يُصلِّ له صلاةٌ، ولكنه كذَّب بكتابِ اللهِ، وتولَّى فَأَدْبَر عن طاعةِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في الأصل: "شاقه".

(2)

هو قيس بن زهير. والبيت في اللسان (و ى هـ). وفى الأغانى 17/ 200 من قطعة مرفوعة القافية.

(3)

في م: (إذ)، وفى ت 1:"فإذا".

(4)

في النسخ: "فرنها"، صوابه المثبت من مصدر التخريج، وينظر التبيان 10/ 87.

ص: 522

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} : لا صدَّق بكتابِ اللهِ، ولا صلَّى للهِ.

{وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} : كذَّب بكتابِ اللهِ، وتولَّى عن طاعةِ اللهِ

(1)

.

وقولُه: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم مضَى إلى أهلِه مُنصَرفًا إليهم، يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} . أي: يَتَبَخْتَرُ.

حدَّثني سعيدُ بن عمرو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن مُبَشِّرِ

(2)

بن عبيدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قوله:{ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} . قال: يَتَبَخْتَرُ، قال: هي مِشْيةُ بني مخزومٍ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عبيدةَ، عن إسماعيلَ بن أميةَ، عن مجاهدٍ:{ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} . قال: رأى رجلًا مِن قريشٍ يَمْشِى، فقال: هكذا كان يَمْشِى كما يَمْشِي هذا، كان يَتَبَخْتَرُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 3:"ميسرة": ينظر تهذيب الكمال 27/ 194.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 308.

ص: 523

{يَتَمَطَّى} . قال: يَتَبَخْتَرُ؛ وهو أبو جهلِ بن هشامٍ، كانت مِشْيَتَه

(1)

.

وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلت في أبي جهلٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَتَمَطَّى} . قال: أبو جهلٍ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} . قال: هذا في أبي جهلٍ مُتَبَخْتِرًا.

وإنما عُنِى بقولِه: هو {يَتَمَطَّى} : يَلْوِى مَطَاه تَبَخْتُرًا، والمَطَا: هو الظَّهرُ، ومنه الخبرُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إذا مَشَتْ أمتى المُطَيْطَاءَ

(3)

"وذلك أن يُلْقِيَ الرجلُ بيدَيه ويَتَكفَّأُ

(4)

.

وقولُه: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} . هذا وعيدٌ مِن اللهِ عز وجل على وعيدٍ لأبي جهلٍ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: {أَوْلَى لَكَ

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 334، 335 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره القرطبي 29/ 114.

(3)

أخرجه الترمذى (2261)، وابن المبارك في الزهد (187) زيادات نعيم بن حماد من حديث ابن عمر.

(4)

وجاء في النهاية: والمطيطاء بالمد والقصر: مشية فيها تبختر ومد اليدين. ويقال: مطوت ومططت، بمعنى مددت، وهى من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر. ينظر النهاية 4/ 340.

ص: 524

فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}:

وعيدٌ على وعيدٍ، كما تَسْمعون، زعَم أَنَّ هذا أُنزِل في عدوِّ اللهِ أبي جهلٍ. ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخذ بمجامِع ثيابِه فقال:{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} . فقال عدوُّ اللهِ أبو جهلٍ: أيُوعِدُنى محمدٌ، واللهِ ما تَسْتَطِيعُ لى أنت ولا ربُّك شيئًا، واللهِ لأنا أعزُّ مَن مَشَى بين جَبَلَيْها

(1)

.

حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: أَخَذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده، يعنى بيدِ أبي جهلٍ، فقال:{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} ". فقال: يا محمدُ ما تَسْتَطِيعُ أنت وربُّك فيَّ شَيْئًا، إني لأعزُّ مَن

(2)

بين جَبَلَيْها، فلما كان يومُ بدرٍ أَشْرَف عليهم، فقال: لا يُعْبَدُ اللهُ بعدَ هذا اليومِ أبدًا فضرَب الله عنقَه، وقتَله شرَّ قِتْلةٍ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبِ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} . قال: قال أبو جهلٍ: إِنَّ محمدًا ليُوعِدُنى، وأنا أعزُّ أهلِ مكةَ والبطحاءِ. وقرَأ:{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)} [العلق: 17 - 19].

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جبيرِ: أشيءٌ قاله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن قِبْل نفسِه، أَم أَمَرَه اللهُ عز وجل به؟ قال: بل قاله مِن قِبَلِ نفِسه، ثم أنزَل اللهُ عز وجل:{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 308 - من طريق سعيد به.

(2)

بعده في م، ت 3:"مشي".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 335 عن قتادة به، وعزاء السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 335، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 308 - من =

ص: 525

وقوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} . يقولُ تعالى ذكرُه: أَيَظُنُّ هذا الإنسانُ الكافرُ باللهِ أن يُتْرَكَ هَمَلًا؛ [أي: لا]

(1)

يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى، ولا يُتَعَبَّدُ بعبادةٍ؟!

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌‌

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} . يقولُ: هَمَلًا

(2)

.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،

وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} . قال: لا يُؤْمَرُ، ولا يُنهى

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} . قال: السُّدَى؛ الذي لا يُفْتَرَضُ عليه عملٌ، ولا يَعْمَلُ

(4)

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ

= طريق إسرائيل عن موسى به.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2:"ألا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 51 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى ابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 308.

ص: 526

فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)}.

قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يكُ هذا المنكرُ قدرةَ اللهِ عز وجل على إحيائِه مِن بعدِ مماتِه، وإيجادِه من بعدِ فنائه - {نُطْفَةً}. يعني: ماءً قليلًا في صلبِ الرجلِ من مَنِيٍّ.

واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: {يُمْنَى} ؛ فقرَأه عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: (تُمنَى) بالتاءِ

(1)

، بمعنى: تُمْنَى النطفةُ، وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ:{يُمْنَى} بالياءِ، بمعنى: يُمْنَى المَنِيُّ.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ.

وقوله: {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم كان دمًا مِن بعدِ ما كان نطفةً [من مَنِيٍّ. {فَخَلَقَ فَسَوَّى}. يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَقه اللهُ إنسانًا من بعدِ ما كان نطفةً]

(2)

، ثم عَلَقةً، ثم سَوَّاه بشرًا سَوِيًّا ناطقًا سميعًا بصيرًا.

{فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَل مِن هذا الإنسان بعدَ ما سَوَّاه خَلْقًا سَوِيًّا - أولادًا له؛ ذكورًا وإناثًا.

{أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: أليس الذي فعَل ذلك، فخلَق هذا الإنسانَ مِن نطفةٍ، ثم من علقة، حتى صيَّره إنسانًا سَوِيًّا، له أولادٌ ذكورٌ وإناثٌ - بقادرٍ على أن يُحيِيَ الموتى مِن بعدِ مماتِهم، فيُوجِدَهم كما كانوا مِن قبلِ مماتِهم؟! يقولُ: معلومٌ أَنَّ الذي قَدَر على خَلْقِ الإنسانِ مِن نطفةٍ من منيٍّ يُمْنى، حتى صيَّره بشرًا سَوِيًّا - لا يُعْجِزُه إحياءُ مِيتٍ مِن

(1)

هي قراءة الباقين غير حفص فقد قرأها بالياء. ينظر حجة القراءات ص 737.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3.

ص: 527

بعدِ مماتِه. وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا قرَأ ذلك قال: "بَلى".

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} : ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان إذا قرَأها قال: "سبحانك وبَلَى

(1)

.

آخرُ تفسيرِ سورةِ القيامةِ

(1)

في ت: "بكى". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 296 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.

ص: 528

‌تفسيُر سورةِ [هل أَتى على الإنسانِ]

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا

(2)}.

قال أبو جعفر: يعنى جلَّ ثناؤهُ بقولِه: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} قد أتى على الإنسانِ، و {هَلْ} في هذا الموضعِ خبرٌ لا جَحْدٌ، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ يُقَرَّرُه: هل أكرمتُك؟ وقد أَكْرَمه، أو: هل زُرْتُك؟ وقد زاره، وقد تكونُ جحدًا في غيرِ هذا الموضعِ، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ: هل يفعلُ مثلَ هذا أحدٌ؟ بمعنى: أنه لا يَفْعَلُ مثلَ ذلك أحدٌ. والإنسانُ الذي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} هو آدمُ صلى الله عليه وسلم كذلك.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ} . والإنسانُ: آدمُ عليه السلام أتى عليه حينٌ مِن الدهرِ، {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} إنما خُلِقَ الإنسانُ هاهنا حديثًا، ما يُعلم من خليقةِ

(2)

اللهِ كانت بعدَ الإنسانِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: {هَلْ

(1)

في الأصل: "الأمشاج".

(2)

في ت 1: "خليفة".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 297 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

ص: 529

أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}. قال: كان آدمُ النبيُّ

(1)

صلى الله عليه وسلم آخرَ ما خلَق الله من الخَلْقِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} . قال: آدم

(3)

.

وقولُه: {حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في قَدْرِ هذا الحين الذي ذكَره اللهُ عز وجل في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو أربعون سنةً. وقالوا: مكَثَتْ طينةُ آدمَ صلى الله عليه وسلم مُصَوَّرَةً لا تُنْفَخُ فيها الرُّوحُ أربعينَ عامًا، فذلك قَدْرُ الحينِ الذي ذكَره اللهُ عز وجل في هذا الموضعِ. قالوا: ولذلك قيل: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} ؛ لأنه أتى عليه وهو جسمٌ مُصَوَّرٌ لم تُنْفَخُ فيه الرُّوحُ أربعونَ عامًا، فكان شيئًا غيرَ أنه لم يكن شيئًا مذكورًا. قالوا: ومعنى قولِه: {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} لم يكن شيئًا له نباهةٌ

(4)

ولا رِفعةٌ ولا شَرَفٌ، إنما كان طينًا لازِبًا وحمأً مسنونًا.

وقال آخرون: لا حدَّ للحينِ في هذا الموضعِ. وقد يَدْخُلُ هذا القولُ مِن أنَّ الله جلَّ ثناؤه أخبَر أنه أتى على الإنسانِ حينٌ مِن الدهرِ، وغيرُ مفهومٍ في الكلامِ أنْ يقالَ: أتى على الإنسانِ حينٌ قبلَ أن يُوجَدَ، وقبلَ أنْ يكونَ شيئًا. وإذا أُريد ذلك قيل: أتى حينٌ قبلَ أَنْ يُخْلَقَ. ولم يقلْ: أتى عليه. وأما الدهرُ في هذا الموضعِ فلا حدَّ له يُوقَفُ عليه.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 336 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 297 إلى ابن المنذر.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 119.

(4)

في ت 1: "باه"، وفى ت،2، ت 3:"بناهد".

ص: 530

وقولُه: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خَلَقْنا ذريةَ آدمَ مِن نطفةٍ. يعنى: مِن ماءِ الرجلِ وماءِ المرأَةِ. والنطفةُ: كلُّ ماءٍ قليلٍ في وعاءٍ؛ كان ذلك رَكيَّةً

(1)

أو قِرْبةً أو غيرَ ذلك، كما قال عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ

(2)

:

هل أنتِ إلا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ

وقوله: {أَمْشَاجٍ} . يعنى: أخلاطٍ، واحدُها: مَشِجٌ ومَشِيجٌ، مِثلُ خِدْنٍ وخَدِينٍ، ومثلُه قولُ رُؤْبةَ بن العجاجِ

(3)

:

يَطْرَحْنَ

(4)

كُلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجِ

لم يُكْسَ جِلدًا في دَمٍ أَمْشَاجِ

يقالُ منه: مَشَجْتُ هذا بهذا. إذا خَلَطْتَه به، وهو ممشوجٌ

(5)

به ومَشِيجٌ، أي: مخلوطٌ به، كما قال أبو ذؤيبٍ

(6)

:

كأنَّ الريشَ والفُوقَين مِنه

خلافَ

(7)

النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الأمشاجِ التي

(8)

عُنِى بها في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو اختلاطُ ماءِ الرجلِ بماءِ المرأةِ.

(1)

في الأصل: "ركيا".

(2)

ديوانه ص 153.

(3)

ديوانه ص 32

(4)

في الديوان: "يقذفن".

(5)

في الأصل: "منسوج".

(6)

البيت من شعر عمر بن الداخل كما في ديوان الهذليين 3/ 104، وشرحه 2/ 619.

(7)

في م: "خلال".

(8)

في م: "الذي".

ص: 531

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ:{أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} . قال: ماءُ الرجلِ وماءُ المرأةِ يُمْشَجُ أحدهما بالآخرِ

(1)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ

(2)

يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ، قال: ماءُ الرجلِ وماءُ المرأةِ يَخْتلِطان

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا زكريا، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ يُمْشَجان

(4)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ: قال: ثنا عبيدُ الله، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عمن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، قال: ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ يَخْتَلِطان

(5)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: إذا اجتَمع ماءُ الرجلِ وماءُ المرأةِ فهو أمشاجٌ

(6)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا المباركُ

(7)

، عن الحسنِ، قال: مُشِج ماءُ المرأةِ مع ماءِ الرجلِ

(8)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 688 من طريق سعيد بن مسروق عن عكرمة.

(2)

في الأصل: "أبو". وينظر تهذيب الكمال 32/ 55.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 210.

(4)

في الأصل، ت 2، ت 3:"المشيجان".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 297 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى عبد بن حميد.

(7)

في الأصل: "ابن المبارك". وينظر تهذيب الكمال 27/ 180.

(8)

تفسير مجاهد ص 688 من طريق مبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى عبد بن حميد.

ص: 532

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا عثمانُ بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: خلَق اللهُ عز وجل الولد مِن ماءِ الرجل وماءِ المرأةِ، وقد قال اللهُ عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى}

(1)

[الحجرات: 13].

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، قال: خُلِق مِن تاراتِ ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ

(2)

.

وقال آخرون: إنما عُنِي بذلك: إنا خلَقْنا الإنسانَ مِن نطفةٍ ألوانٍ ينتقلُ إليها، يكونُ نطفةً، ثم يَصِيرُ علقةً، ثم مضغةً، ثم عظمًا، ثم يُكسى لحمًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} . الأمشاجُ: خَلْقٌ مِن ألوانٍ؛ خَلْقُ مِن ترابٍ، ثم مِن ماءِ الفرجِ والرحمِ، وهي النطفةُ، ثم [علقةٍ، ثم مضغةٍ]

(3)

، ثم عظمٍ، [ثم من لحمٍ]

(4)

، ثم أنشَأه خلقًا آخرَ، فهو ذلك

(5)

.

حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، في هذه الآيةِ:{أَمْشَاجٍ} . قال: نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظمًا

(6)

.

(1)

تقدم في 22/ 383، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 310.

(2)

في الأصل: "الرحم". وينظر ابن كثير 8/ 310.

(3)

في الأصل، ت 2، ت 3:"مضغة ثم علقة".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 121.

(6)

تقدم تخريجه في 20/ 163، 164.

ص: 533

حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ ويعقوبُ

(1)

الحَضْرميُّ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، قال: نطفةً، ثم علقةً.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} : أطوارُ الخَلْقِ؛ طورًا نُطْفَةً، وطورًا علقةً، وطورًا مُضْغَةً، وطورًا عظامًا، ثم كسا اللهُ العظامَ لحمًا، ثم أنشَأه خلقًا آخرَ، أَنْبَت له الشعرَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} . قال: الأمشاجُ: اختلاطُ الماءِ والدمِ، ثم كان علقةً، ثم كان مُضْغَةً

(3)

.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك اختلافُ ألوانِ النطفةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} . يقولُ: مختلفةِ الألوانِ

(4)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ اليمانِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ألوانِ النطفةِ.

(1)

في الأصل: "يعقوب بن".

(2)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 121.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 336 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى ابن المنذر، وزاد عزوه في 5/ 322 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 51 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى ابن المنذر.

ص: 534

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

، قال: أيُّ الماءين سبَق أشبَهَ عليه أعمامَه أو أخوالَه.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} . قال: ألوانُ النطفةِ؛ نطفةُ الرجلِ بيضاءُ وحمراءُ، ونطفةُ المرأةِ حمراءُ وخضراءُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

وقال آخرون: بل هي العروقُ التي تكونُ في النطفةِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن عبدِ اللهِ بن المُخارقِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ، قال: أمشاجُها: عروقُها

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا أُسامةُ بنُ زيدٍ، عن أبيه، قال: هي العُروقُ التي تكونُ في النطفةِ

(4)

.

وأشبَهُ هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: {مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} . نطفةِ الرجلِ ونطفةِ المرأةِ؛ لأنَّ الله عز وجل وصَف النطفةَ بأنها أمشاجٌ،

(1)

بعده في الأصل: في قوله: {أَمْشَاجٍ} قال: ألوان. حدثنا أبو هشام، قال حدثنا أبو اليمان، قال حدثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 297 إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى ابن المنذر.

ص: 535

وهى إذا انْتَقَلَت فصارَت علقةً، فقد اسْتَحالَتْ عن معنى النطفةِ، فكيف تكونُ نطفةً أمشاجًا وهى علقةٌ؟ وأما الذين قالوا: إن نطفةَ الرجلِ بيضاءُ وحمراءُ، فإنَّ المعروفَ مِن نطفةِ الرجلِ أنها سَحْرَاءُ

(1)

[على ألوانٍ، وهى]

(2)

لونٌ واحدٌ، وهى بيضاءُ تَضْرِبُ إلى الحمرةِ، وإذا كانت لونًا واحدًا لم تكن ألوانًا مختلِطةً

(3)

، وأحسَبُ أنَّ الذين قالوا: هي العروقُ التي في النطفةِ، قصدوا هذا المعنى.

وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عطاءِ بن أبى رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما خُلِق الإنسانُ مِن الشيءِ القليلِ مِن النطفةِ. ألا تَرى أنَّ الولدَ إذا [انتكَث يُرى]

(4)

له مثلُ الرَّيرِ

(5)

؟ وإنما خُلِقَ ابْنُ آدمَ مِن مثلِ ذلك مِن النطفة؛ {أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} .

وقولُه: {نَبْتَلِيهِ} : نَخْتَبِرُه. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ

(6)

: المعنى: جعَلْناه سميعًا بصيرًا لِنَبْتَلِيَه، فهى مُقدَّمةٌ معناها التأخيرُ، إنما المعنى خلَقْناه وجعَلْناه سميعًا بصيرًا لِنَبْتَلِيَه. ولا وجهَ عندى لما قال يَصِحُّ؛ وذلك أنَّ الابتلاءَ إنما هو بصحةِ الآلاتِ، وسلامةِ العقلِ من الآفاتِ، وإنْ عُدِمَ السمعُ والبصرُ، وإنما إخْبارُه

(7)

إيَّانا أنه جعَل لنا أسماعًا وأبصارًا في هذه الآيةِ - تذكيرٌ منه لنا بنعمهِ، وتَنْبِيهٌ على موضِع الشُّكْرِ، فأما الابتلاءُ فالخَلْقُ مع صحةِ الفطرةِ وسلامةِ العقلِ مِن الآفةِ، كما قال:

(1)

في الأصل: "سحر" والسحر: البياض يعلو السواد، ويقال: بالسين، والصاد. ينظر التاج (س ح ر).

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

في الأصل، م:"مختلفة".

(4)

في م: "أسكت ترى".

(5)

في الأصل: "الزيبر" وفى ص: "الزبير"، وفى ت 2 ت "الزير" والرير: الماء يخرج من فم الصبى. التاج (ر ى ر).

(6)

هو الفراء. ينظر معاني القرآن 3/ 214.

(7)

في الأصل: "أحراه"، وفي ت 2، ت 3:"إحباؤه".

ص: 536

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وقوله: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَلْناه ذا سمعٍ يَسْمَعُ به، وذا بصرٍ يُبْصِرُ به؛ إنعامًا مِن الله على عباده بذلك، ورأفةً منه بهم، وحجةً له عليهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا

(4)} (*).

يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} . إنا بيَّنا له طريقَ الجنةِ، وعرَّفْناه سبيلَه، إنْ شكَر أو كفَر. وإذا وُجِّهَ الكلامُ إلى هذا المعنى، كانت "إما وإما" في معنى الجزاءِ. وقد يَجُوزُ أنْ يكونَ "إما وإما" بمعنًى واحدٍ، كما قال:{إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106]، فيكونَ قولُه:{إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} حالًا مِن الهاءِ التي في: {هَدَيْنَاهُ} . فيكونَ معنى الكلامٍ إذا وُجِّه ذلك إلى هذا التأويلِ: إنا هدَيْناه السبيلَ؛ إما شقيًّا وإما سعيدًا. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ ذلك، كما قال:{إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ} [مريم: 75]. كأنك لم تَذْكُرْ إما، قال: وإِن شِئْتَ ابْتَدَأْتَ ما بعدَها فرفعتَه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(*) إلى هنا ينتهى الجزء الثامن والأربعين من مخطوط خزانة القرويين والمشار إليه بالأصل وسيجد القارئ أرقام النسخة [ت 1] بين معكوفين بين صفحات التحقيق.

ص: 537

قولَه: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} . قال: الشِّقْوةَ والسَّعادة

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا} : للنعمِ، وَإِمَّا كَفُورًا: لها.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} ، إلى:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} . قال: نَنْظُرُ أَيَّ شيءٍ يَصْنَعُ، أيَّ الطريقين يَسلُكُ، وأيَّ الأَمرَين يأخذُ، قال: وهذا الاختبارُ

(2)

.

وقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أعتَدْنا لمن كفَر نِعَمَنا، وخالَف أمرَنا، سلاسلَ يُسْتَوْثَقُ بها منهم شدًّا في الجحيمِ، {وَأَغْلَالًا}. يقولُ: وتشدُّ بالأغلالِ فيها أيدِيهم إلى أعناقِهم.

وقولُه: {وَسَعِيرًا} . يقولُ: ونارًا تُسَعَّرُ عليهم فتتوقَّدُ.

‌القول في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين بَرُّوا بطاعتِهم ربَّهم في أداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، {يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} ؛ وهو كلُّ إناءٍ كان فيه شرابٌ، {كَانَ مِزَاجُهَا}. يقولُ: كان مِزاجُ ما فيها مِن الشرابِ، {كَافُورًا}. يعني: في طيبِ رائحتِها كالكافورِ. وقد قيل: إن الكافورَ اسمٌ لعَينِ ماءٍ في الجنةِ، فمن قال ذلك؛ جعَل نصْبَ العينِ على الردِّ على الكافورِ تِبْيانًا عنه، ومن جعَل الكافورَ صفةٌ للشرابِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 311.

ص: 538

نصَبها على

(1)

العين؛ على الحالِ، وجعَل خبرَ "كان" قولَه:{كَافُورًا} . وقد يَجُوزُ نصْبُ العينِ مِن وجهٍ ثالثٍ؛ وهو نصْبُها بإعمالِ {يَشْرَبُونَ} فيها، فيكونُ معنى الكلام: إنَّ الأبرارَ يشربون عينًا يشربُ بها عبادُ اللهِ مِن كأسٍ كان مزاجُها كافورًا. وقد يَجُوزُ أيضًا نصبُها على المدحِ، فأمَّا عامةُ أهلِ التأويلِ فإنهم قالوا: الكافورُ صفةٌ للشرابِ على ما ذكرتُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مِزَاجُهَا كَافُورًا} . قال: تُمْزَجُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} . قال: قومٌ تُمزَجُ لهم بالكافورِ، ويُخْتَمُ لهم بالمسكِ

(3)

.

وقولُه: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: كان مِزاجُ الكأسِ التي يَشْرَبُ بها هؤلاءِ الأبرارُ، كالكافورِ في طيبِ رائحتِه، مِن عينٍ يَشْرَبُ بها عبادُ اللهِ الذين يُدْخِلُهم الجنةَ. والعينُ على هذا التأويلِ نصْبٌ على الحالِ مِن الهاءِ التي في:{مِزَاجُهَا} . ويعنى بقولِه: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} . يُرْوَى بها ويُنْتَفَعُ

(4)

، وقيل: يَشْرَبُ بها ويَشْرَبُها بمعنًى واحدٍ. وذكَر الفرّاءُ أن بعضَهم أنشَده

(5)

:

(1)

في م: "أعنى".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى المصنف، وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 298 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في ص، ت:2: "ينقع"، وفي ت 1:"تنفع".

(5)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 315 والبيت لأبي ذؤيب الهذلى في ديوان الهذليين 1/ 51، 52.

ص: 539

شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ

مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ

(1)

وعنى بقولِه: "متى لحجٍ" من

(2)

، ومثلُه: إنه ليتَكلَّمُ بكلامٍ حسنٍ، ويتكلمُ كلامًا حسنًا.

وقوله: {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: يُفَجِّرون تلك العينَ التي يَشْربُون بها كيف شاءوا وحيثُ شاءوا مِن منازِلهم وقصورِهم تفجيرًا، ويعنى بالتفجيرِ: الإسالةَ والإجراءَ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} . قال: يُعدِّلونها حيثُ شاءوا

(3)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} . قال: يَقُودونها

(4)

حيثُ شاءوا

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} .

قال: مُسْتَقِيدٌ

(6)

ماؤها لهم، يُفَجِّرونها حيثُ شاءوا.

(1)

رواية البيت في الديوان:

"تروت بماء البحر ثم تنصبت

على حبشيات لهن نئيج

(2)

لأن "متى" معناها "من" في لغة هذيل. والمعنى أي من لجج، أخرجت الماء من البحر. ولهن نئيج: مرٌّ سريع. ينظر شرح أشعار الهذليين 1/ 129.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 313.

(4)

في ت 2: "يتعودونها".

(5)

ذكره القرطبي في تفسيره 8/ 126.

(6)

في ت 1، ت 2، ت 3:"مستقبل" ومستقيد: مذلل. الوسيط (ق) و (5).

ص: 540

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} . قال: يَصْرِفُونها حيثُ شاءوا

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)} .

يقولُ تعالى ذكره: {إِنَّ الْأَبْرَارَ} الذين {يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} برُّوا بوفائِهم للهِ بالنذورِ التي كانوا يَنْذُرُونها في طاعةِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} . قال: إذا نَذَرُوا في حقِّ اللهِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} . قال: كانوا يَنْذُرُون طاعةَ الله؛ مِن الصلاةِ والزكاةِ، والحجِّ والعمرةِ، وما افْتَرَض عليهم، فسمَّاهم اللهُ بذلك الأبرارَ، فقال:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} .

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {يُوفُونَ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 313.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 268 إلى عبد بن حميد.

ص: 541

بِالنَّذْرِ}. قال: بطاعةِ اللهِ، وبالصلاةِ والحجِّ والعمرةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} . قال: في غيرِ معصيةٍ.

وفي الكلامِ محذوفٌ اجْتُزِئَ بدلالةِ الكلامِ عليه منه، وهو كان ذلك، وذلك أن معنى الكلامِ: إنَّ الأبرارَ يشربون من كأسٍ كان مزاجُها كافورًا، كانوا يُوفُون بالنذرِ، فَتُرِك ذكرُ "كانوا"، لدلالةِ الكلامِ عليها، والنذرُ: هو كلُّ ما أَوْجَبه الإنسانُ على نفسِه مِن فعلٍ؛ ومنه قولُ عنترةَ

(2)

:

الشَّاتِمَىْ عِرْضِى ولم أَشْتِمُهُما

والنَّاذرَينِ إذا لَقيتُهما دَمى

وقولُه: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويَخافون عقابَ اللهِ بتَرْكِهم الوفاءَ بما نَذَرُوا اللهِ مِن بِرٍّ، في يومٍ كان شرُّه مُسْتَطِيرًا؛ ممتدًّا طويلًا فاشِيًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} : استطار واللهِ شرُّ ذلك اليومِ، حتى ملأ السمواتِ والأرضَ، وأمَّا رجلٌ يقولُ عليه نَذْرٌ أَلَّا يَصِل رحمًا، ولا يتصدَّقَ، ولا يَصْنَعَ خيرًا، فإنه لا يَنْبَغِي أَنْ يُكَفِّرَ عنه، ويأبى

(3)

ذلك.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 336 عن معمر به.

(2)

شرح ديوانه ص 129.

(3)

في ص، م، ت 2، ت 3:"يأتي". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 268 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

ص: 542

ومنه قولُهم: اسْتَطَار الصَّدْعُ في الزجاجةِ، واسْتَطَال: إذا امتدَّ، ولا يقالُ ذلك في الحائطِ؛ ومنه قولُ الأعشى

(1)

:

فبَانَتْ وقَدْ أَثْأَرَتْ فِي الفُؤَا

دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيها

(2)

مُسْتَطِيرًا

يعني: ممتدًّا فاشِيًا.

وقولُه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: كان هؤلاء الأبرارُ يُطْعِمُون الطعامَ على حبِّهم إيَّاه، وشَهْوَتِهم له.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} . قال: وهم يَشْتَهُونه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو العُرْيانِ، قال: سألتُ سليمانَ بن قيسٍ، أبا مقاتلِ بنَ سليمانَ، عن قولِه:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} . قال: على حُبِّهم للطعامِ.

وقوله: {مِسْكِينًا} . يعنى جلَّ ثناؤه: ذوى الحاجةِ الذين قد أذلَّتهم الحاجةُ، {وَيَتِيمًا} . وهو الطفلُ الذي قد مات أبوه ولا شيءَ له، {وَأَسِيرًا} . وهو الحربيُّ مِن أهل دارِ الحربِ يُؤْخَذُ قهرًا بالغَلَبَةِ، أو مِن أَهلِ القبلةِ يُؤْخَذُ فَيُحْبَسُ

(1)

تقدم في 1/ 103.

(2)

في ت 1، ت 2، ت 3:"بأنها".

(3)

أخرجه هناد في الزهد (633) عن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى عبد الرزاق عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان.

ص: 543

بحقٍّ

(1)

، فأَثْنى الله على هؤلاءِ الأبرارِ، بإطعامِهم هؤلاءِ تقرُّبا بذلك إلى اللهِ، وطلبَ رضاه، ورحمةً منهم لهم.

واختلف أهلُ العلم في الأسيرِ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} . قال: لقد أمَر اللهُ بالأُسَراءِ أن يُحْسَنَ إليهم، وإنَّ أَسْرَاهم يومئذٍ لأهلُ الشركِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَأَسِيرًا} .

قال: كان أسراهم يومئذٍ المشركَ، وأخوك المسلمُ أحقُّ أنْ تُطْعِمه

(3)

.

قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، أن عكرمةَ قال في قوله:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} . زعَم أنه قال: كان الأَسْرى في ذلك الزمانِ المشركَ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا أشعثُ، عن الحسنِ:{وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} . قال: ما كان أُسَراؤهم إلا المشركين

(4)

.

وقال آخرون: عُنِي بذلك: المسجونُ مِن أهلِ القبلةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ،

(1)

في ت 3: "لحق".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 336 عن معمر به.

(4)

في ص، ت 1، ت،2، ت 3:"المشركون". والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 178 من طريق عثمان البتى عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 9/ 299 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.

ص: 544

عن مجاهدٍ، قال: الأسيرُ: المَسْجُونُ

(1)

.

حدَّثني أبو شيبةَ بنُ أبي شيبةَ، قال: ثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: ثني أبي، عن حجاجٍ، قال: ثني عمرُو بنُ مرَّةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ:{مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} : مِن أهلِ القبلةِ وغيرِهم، فسألتُ عطاءً، فقال مثلَ ذلك

(2)

.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى - يعني ابنَ عيسى

(3)

-، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَسِيرًا} . قال: الأسيرُ هو المحبوسُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاءِ الأبرارَ، بأنَّهم كانوا في الدنيا يُطْعِمُون الأسير، والأسيرُ الذي قد وصَفْتُ صفتَه، واسمُ الأسيرِ قد يَشْتَمِلُ على الفريقين، وقد عمَّ الخبرَ عنهم أنهم يُطْعِمُونهم، فالخبرُ على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يجب التسليمُ له. وأما قولُ مَن قال: لم يكنْ لهم أسيرٌ يومئذٍ إلا أهلَ الشركِ، فإن ذلك وإنْ كان كذلك، فلم يُخصَصْ بالخبرِ المُوفون بالنذرِ يومئذٍ، وإنما هو خبرٌ مِن الله عن كلِّ مَن كانت هذه صفتَه يومئذٍ، وبعدَه إلى يومِ القيامةِ، وكذلك الأسيرُ معنِيٌّ به أسيرُ المشركين والمسلمين يومئذٍ، وبعد ذلك إلى قيامِ الساعةِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 336 عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 3/ 177.

(3)

في ت 3: "عيسى".

ص: 545

وقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يقولون: إنما نُطْمِعُكم، إذا هم أَطْعَمُوهم، لوجهِ اللهِ. يَعْنُون طلبَ رضا اللهِ والقُرْبةِ إليه، {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. يقولون للذين يُطْعِمُونهم ذلك الطعامَ: لا نُريدُ منكم أيُّها الناسُ، على إطعامِناكم، ثوابًا ولا شُكُورًا.

وفى قولِه: {وَلَا شُكُورًا} وجهان مِن المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ جمعَ الشُّكْرِ كما الفُلوسُ جمعُ فَلْسٍ، والكُفُورُ جمعُ كَفْرٍ. والآخرُ: أَن يكون مصدرًا واحدًا في معنى جمعٍ، كما يقالُ: قَعَد قُعُودًا، وخرَج خُرُوجًا.

وقد حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} . قال: أما إنَّهم ما

(1)

تكلَّموا به، ولكن عَلِمه اللهُ مِن قلوبِهم، فأَثْنى به عليهم؛ ليَرْغَبَ في ذلك راغبٌ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن أبى الوضاحِ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} . قال: أما واللهِ ما قالوه بألسنتِهم، ولكن عَلِمه اللهُ من قلوبِهم، فأَثْنى عليهم؛ ليَرْغَبَ في ذلك راغبٌ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن هؤلاءِ القومِ الذين وصَف صفتَهم، أنَّهم يقولون لمن أَطْعَمُوه مِن أهلِ الفاقةِ والحاجةِ: ما نُطْعِمُكم طعامَا نَطْلُبُ منكم عِوضًا على

(1)

سقط من: ت 2 ت 3.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 314، والبغوي 8/ 295.

ص: 546

إطعامِناكم

(1)

ولا شُكُورًا؛ ولكنا نُطْعِمُكم رجاءً منا أَنْ يُؤَمِّنَنَا رَبُّنَا مِن عقوبتِه في يومٍ شديدٍ هَوْلُه، عظيمٍ أَمرُه، تَعْبِسُ فيه الوجوهُ مِن شدَّةِ مكارهِه، ويطولُ بلاءُ أهلِه ويشتدُّ. والقَمْطَرِيرُ: هو الشديدُ، يقالُ: يومٌ قَمْطَرِيرٌ، أو يومٌ قُماطرٌ، ويومٌ عصيبٌ، وعَصَبْصَبٌ، وقد اقمَطَرَّ اليومُ يَقْمَطِرُّ اقمِطْرارًا، وذلك أَشدُّ الأيامِ، وأطولُه في البلاءِ والشدَّةِ؛ ومنه قولُ بعضِهم

(2)

:

بنى عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بلاءَنا

عليكم إذا ما كان يومٌ قُماطِرُ

وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في العبارةِ عن معناه؛ فقال بعضُهم: هو أنْ يُعَبِّسَ أحدُهم، فيقبضَ بين عيْنَيه، حتى يسيلَ مِن بين عيْنَيه مثلُ القَطِرانِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بن سلامٍ التميميُّ، عن سعيدٍ

(3)

، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} . قال: يَعْبِسُ الكافِرُ يومئذٍ، حتى يسيلَ من بين عيْنَيه عَرَقٌ مثلُ القَطِرانِ

(4)

.

حدَّثنى عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله:{يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} . قال: القَمْطَرِيرُ: المُقَبِّضُ بينَ عَيْنَيه

(5)

.

(1)

بعده في م: "جزاء".

(2)

البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 216، واللسان (قمطر).

(3)

في ت 1، ت 3:"سعد".

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 135.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 547

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلتِ، قال: ثنا أبو كُدينةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِه: {قَمْطَرِيرًا} . قال: يُقَبِّضُ ما بينَ العينين.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} . قال: يُقَبِّضُ ما بينَ العينين.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} . قال: يومَ يُقَبِّضُ فيه الرجلُ ما بينَ عيْنَيه ووجهَه

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} : عَبَسَتْ فيه الوجوهُ، وقَبَضَتْ ما بينَ أَعْيُنِها كراهيةَ ذلك اليومِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قَمْطَرِيرًا} .

قال: تُقبَّضُ الجِبِاهُ، وقومٌ يقولون: القَمْطَرِيرُ: الشديدُ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: المُقَبضُ ما بينَ العينين.

قال: ثنا وكيعٌ، عن عمرَ

(4)

بن ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: هو المُقَبِّضُ ما بينَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 314.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 337 عن معمر به إلى قوله: "الجباه"، وباقى الأثر من قول معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى عبد بن حميد.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عمرو". ينظر تهذيب الكمال" 21/ 334.

ص: 548

عيْنَيه.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: القَمْطَرِيرُ: ما يَخْرُجُ مِن جباهِهم مثلَ القَطِرانِ، فيسيلُ على وجُوهِهم.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{قَمْطَرِيرًا} . قال: يُقَبِّضُ الوجْهَ بالبُسُورِ

(1)

.

وقال آخرون: العَبُوسُ: الضَّيِّقُ، والقَمْطَرِيرُ

(2)

: الطويلُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{عَبُوسًا} . يقولُ: ضَيِّقًا. وقولُه: {قَمْطَرِيرًا} . يقولُ: طويلًا

(3)

.

وقال آخرون: القَمْطَرِيرُ: الشديدُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} . قال: العَبُوسُ: الشرُّ، والقَمْطَريرُ: الشديدُ

(4)

.

وقولُه: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} . يقولُ جلَّ ثناؤه:

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 314.

(2)

في ص، ت 2 ت:"القمطر".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 51 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى ابن المنذر.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 314.

ص: 549

فدفَع اللهُ عنهم ما كانوا في الدنيا يَحْذَرُون، من شرِّ اليومِ العَبُوسِ القَمْطَرِيرِ بما كانوا في الدنيا يعملون، بما يُرْضِي عنهم ربَّهم، ولقَّاهم نَضْرَةً في وجُوهِهم، وسرورًا في قلوبِهم.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله:{وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} . قال: نَضْرَةً في الوجُوهِ، وسرورًا في القلوبِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} . نَضْرَةً في وجوهِهم، وسرورًا في قلوبِهم

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} . قال: نعمةً وسرورًا.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13)} .

يقول تعالى ذكرُه: وأثابهم بما صبَروا لله في الدنيا على طاعتهِ، والعملِ بما يُرْضِيه عنهم، جنةً وحريرًا.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً

(1)

أخرجه سحنون في المدونة 6/ 408، وعبد بن حميد - كما في الفتح 6/ 321، وتفسير مجاهد ص 688 من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى عبد بن حميد.

ص: 550

وَحَرِيرًا}. يقولُ: وجزاهم بما صبَروا على طاعةِ اللهِ، وصبَروا عن معصيتِه ومحارمِه، جنةً وحريرًا

(1)

.

وقولُه: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} . يقولُ: مُتَّكئِين في الجنةِ على السُّرُرِ في الحِجالِ؛ وهى الأرائكُ، واحدَتُها أريكةٌ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه، وما فيه من أقوالِ أهلِ التأويلِ فيما مضى

(2)

، بما أَغْنى عن إعادتِه، غيرَ أنا نذكرُ في هذا الموضعِ مِن الرواية بعضَ ما لم نَذْكُرْه إِن شاء اللهُ تعالى قبلُ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} . يعنى: الحِجالِ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} : كنا نُحَدَّثُ أَنَّها الحِجالُ فيها الأسِرَّةُ (1).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن مجاهدٍ:{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} . قال: السُّرُرِ في الحِجالِ

(4)

.

ونَصْبُ: {مُتَّكِئِينَ} [على: وجزاهم بما صبَروا جنةً مُتَّكِئين]

(5)

فيها؛ على الحالِ مِن الهاءِ والميمِ.

وقوله: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَرَوْن فيها

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى عبد بن حميد.

(2)

ينظر ما تقدم في 15/ 243، 19/ 465، 466.

(3)

تقدم تخريجه في 19/ 465، 466، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 22 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 141، وهناد في الزهد (74، 75) من طريق حصين به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح 6/ 321 - من طريق منصور عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح أيضًا - من طريق حصين عن مجاهد عن ابن عباس، وذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 407 عن الثوري به بذكر ابن عباس.

(5)

سقط من: م. ينظر معاني الفراء 3/ 216.

ص: 551

شمسًا

(1)

فيُؤذِيَهم حرُّها، ولا زَمُهرِيرًا؛ وهو البردُ الشديدُ، فيُؤْذِيَهم بَرْدُها.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحسانيُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، قال: الزمهريرُ: البَرْدُ المُفْظِعُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال الله: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} : يَعْلَمُ اللهُ أن شدَّةَ الحرِّ تُؤْذِى، وشدَّةَ القرِّ تُؤْذِى، فوقاهم اللهُ أذاهما

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن مرَّةَ بن

(4)

عبدِ اللهِ، قال في الزمهريرِ: إنه لونٌ مِن العذابِ، قال اللهُ:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا}

(5)

[النبأ: 24].

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن أبى سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"اشْتَكَتِ النَّارُ إِلى رَبِّها، فقالت: ربَّ أَكَلَ بعضِي بعضًا، فَنَفِّسْنِي، فأذِن لها في كلِّ عامٍ بَنَفَسَيْن، فَأَشدُّ ما تَجِدُون من البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِ جَهَنم، وأشدُّ ما تَجِدُون مِن الحَرِّ مِن حرَّ جَهَنَم"

(6)

.

(1)

في ص: "شيئا".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 300 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 299 إلى عبد بن حميد.

(4)

كذا في النسخ. صوابه: مرة عن عبد الله. يروى عن ابن مسعود يروى عنه السدى. ينظر تهذيب الكمال 27/ 379.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 300 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وذكره القرطبي في تفسيره 19/ 138.

(6)

أخرجه الشافعي 1 / (154)، والحميدى (942)، وأحمد 12/ 189 (7247)، والبخاري (537) وابن حبان (7466) من طريق الزهرى به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 158، وابن ماجه (4319)، والترمذى (2592) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 300 إلى ابن مردويه.

ص: 552

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15)} .

يعنى تعالى ذكره بقوله: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا} : وقَرُبَت منهم ظلالُ أشجارِها.

ولنصبِ {وَدَانِيَةً} أوجُهٌ؛ أحدُها: العَطْفُ بها على قولِه: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} . والثانى: العَطْفُ به على موضِع قولِه: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا} ؛ لأَنَّ مَوضِعَه نَصْبٌ، وذلك أنَّ معناه: مُتَّكِئين فيها على الأرائكِ، غيرَ رائين فيها شمسًا. والثالثُ: نَصْبُه على المدحِ، كأنه قيل: مُتَّكِئين فيها على الأرائكِ، ودانيةً بعدُ عليهم ظلالُها، كما يقالُ: عندَ فلانٍ جاريةٌ جميلةٌ، وشابةً بعدُ طَريَّةً، تُضْمِرُ مع هذه الواوِ فعلًا ناصبًا للشابَّةِ، إذا أُريد به المدحُ، ولم يُرَدُّ به النَّسَقُ، وأُنِّثَتْ {وَدَانِيَةً}؛ لأَنَّ الظلالَ جمعٌ. وذُكر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ بالتذكير:(وَدَانِيًا عَلَيْهِمْ ظِلالُها)

(1)

، وإنما ذُكِّر لأنه فعلٌ متقدِّمٌ، وهى في قراءةٍ فيما بلَغنى:(وَدَانٍ)

(2)

؛ رفعًا على الاسْتِئنافِ.

وقولُه: {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} . يقولُ: وذُلِّل لهم اجتناءُ ثمرِ شجرِها، كيف شاءوا قُعُودًا وقيامًا ومُتَّكِئين.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

(1)

وهي شاذة لمخالفتها رسم المصحف، ينظر تفسير القرطبي 19/ 139، وفى البحر المحيط 8/ 396 أنه قرأ بها الأعمش.

(2)

هي قراءة أُبى. ينظر تفسير القرطبي والبحر المحيط في الموضعين السابقين ومختصر الشواذ ص 167.

ص: 553

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} . قال: إذا قام ارْتَفَعَتْ بقَدْرِه، وإِن قَعَد تَدَلَّتْ

(1)

حتى ينالَها، وإن اضْطَجَع تدلَّتْ حتى ينالَها، فذلك تذليلُها

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} . قال: لا يَرُدُّ أيديَهم عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} [الحاقة: 23]. قال: الدانيةُ: التي قد دَنَتْ عليهم ثمارُها.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} .

قال: يتناولُها كيف شاء جالسًا ومُتَّكِئًا.

وقولُه: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويُطافُ على هؤلاءِ الأبرارِ بآنيةٍ مِن الأوانى التي يشربون فيها شرابَهم؛ هي مِن فضةٍ كانت قواريرَ، فجعَلها فضةً،، وهى في صفاءِ القواريرِ، فلها

(4)

بياضُ الفضةِ، وصفاءُ الزجاجِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ت،2، ت 3:"نزلت".

(2)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (229) - زوائد نعيم)، وسعد بن منصور - كما في الدر المنثور 6/ 300 - ومن طريقه البيهقى في البعث (314)، وابن أبي شيبة 13/ 95، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (116) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.

(3)

عزاه الحافظ في الفتح 8/ 685 إلى سعيد بن منصور، وذكره القرطبي في تفسيره 19/ 139، وابن كثير في تفسيره 8/ 316.

(4)

في ت 2، ت 3:"كأنها".

ص: 554

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} . يقولُ: آنيةٌ من فضةٍ، وصفاؤُها وتهييئُها

(1)

كصفاءِ القواريرِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ:{مِنْ فِضَّةٍ} .

قال: فيها رِقَّةُ القواريرِ في صفاءِ الفضةِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} . قال: صفاءُ القواريرِ؛ وهي مِن فضةٍ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ} . أي: صفاءُ القواريرِ في بياضِ الفضةِ

(5)

.

وقولُه: {وَأَكْوَابٍ} . يقولُ: ويُطافُ مع الأوانى بجِرارٍ ضِخامٍ فيها الشرابُ، وكلُّ جَرَّةٍ ضخمةٍ لا عُرُوةَ لها فهى كوبٌ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَكْوَابٍ} . قال: ليس لها آذانٌ

(6)

.

(1)

في م: "تهيؤها"، وفى ت:1: "بهجتها"، وفى مصدر التخريج:"وهيئتها".

(2)

أخرجه البيهقي في البعث (343) من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 300 إلى ابن المنذر.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 316.

(4)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (143) من طريق ابن أبي نجيح به.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 300 إلى عبد بن حميد.

(6)

أخرجه هناد في الزهد (69) من طريق سفيان به.

ص: 555

وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ بهذا الحديثِ بهذا الإسنادِ، عن مجاهدٍ، فقال: الأكوابُ: الأَقْداحُ

(1)

.

وقوله: {كَانَتْ قَوَارِيرَا} . يقولُ: كانت هذه الأوانى والأكوابُ قواريرَ، فحوَّلها الله فضةً. وقيل: إنما قيل: ويُطافُ عليهم بآنيةٍ مِن فضةٍ. ليَدُلُّ بذلك على أنَّ أَرضَ الجنةِ فضةٌ؛ لأنَّ كلَّ آنيةٍ تُتَّخَذُ فإنما تُتَّخَذُ مِن تربةِ الأرضِ التي فيها، فدلّ جلّ ثناؤه بوصفِه الآنيةَ التي يُطافُ بها

(2)

على أهلِ الجنةِ أنها مِن فضةٍ؛ ليُعلمَ عبادَه أن تُرْبةَ أرضِ الجنةِ فضةٌ.

واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: {قَوَارِيرَا} و {سَلَاسِلا} ؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ والكوفةِ غيرَ حمزةَ: (سلاسلًا) و (قواريرًا). بإثباتِ الألف والتنوينِ، وكذلك هي في مصاحفِهم، وكان حمزةُ يُسْقِطُ الألفاتِ مِن ذلك كلِّه، ولا يُجْرِى شيئًا منه، وكان أبو عمرٍو يُثْبِتُ الألفَ في الأولى مِن {قَوَارِيرَا} ، ولا يُثْبِتُها في الثانيةِ

(3)

.

وكلُّ ذلك عندَنا صوابٌ، غيرَ أن الذي ذكرْتُ عن أبي عمرٍو أَعْجَبُهما إليَّ؛ وذلك أنَّ الأوَّلَ مِن القوارير رأسُ آيةٍ، والتوفيقُ بين ذلك وبين سائرِ رءُوسِ آياتِ السورةِ، أعجبُ إليَّ، إذ كان ذلك بإثباتِ الألفاتِ في أكثرِها.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قواريرَ في صفاءِ الصفاءِ مِن فضةِ الفضةِ، من البياضِ.

(1)

أخرجه هناد في الزهد (68) من طريق منصور به.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ينظر حجة القراءات ص 737، 738، والسبعة ص 663 وكتاب التيسير في القراءات السبع ص 176، 177.

ص: 556

كما حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاء، قال: قال الحسن في قوله: {كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} . قال: صفاءُ القواريرِ في بياضِ الفضةِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ:{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} . قال: بياضُ الفضةِ في صفاءِ القواريرِ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} . قال: كان ترابُها مِن فضةٍ

(2)

.

وقولُه: {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} ، قال: صفاءُ الزجاجِ في بياضِ الفضةِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه:{قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} . قال: لو احتاج أهلُ الباطلِ أن يَعْمَلُوا إناءً مِن فضةٍ، يُرى ما فيه مِن خَلْفِه كما يُرى ما في باطنِ

(3)

القواريرِ، ما قَدَرُوا عليه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} . قال: هي مِن فضةٍ، وصفاؤُها صفاءُ القواريرِ وبياضُ الفضةِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} . قال: على صفاءِ القواريرِ وبياضِ الفضةِ.

وقولُه: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . يقولُ: قدَّروا تلك

(5)

الآنيةَ التي يُطافُ عليهم بها

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 316.

(2)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (144) من طريق مروان بن معاوية به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 337 عن معمر به.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".

ص: 557

تقديرًا على [قَدْرِ رِيِّهم]

(1)

، لا تزيد ولا تَنْقُصُ عن ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله:{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . قال: قُدِّرتْ لرِيِّ القومِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . قال: [قَدْرَ ريِّهم]

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . قال: لا تَنْقُصُ ولا تَفِيضُ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . قال: لا تَتْرَعُ

(4)

فتُهَرَاقَ، ولا يَنقُصُون [مِن مائِها]

(5)

فتَنْقُصَ، فهي مَلْأَى.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} : قدَّروها لرِيِّهم

(6)

.

(1)

في ت 2، ت 3:"قدرتهم".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"قدرتهم". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 316.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 570، وهناد في الزهد (68) من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى عبد بن حميد.

(4)

تترع: تمتلئ. الوسيط (ت ر ع).

(5)

في ت 1: "عن ملئها".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 337 عن معمر به.

ص: 558

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} .

قال: قُدِّرَتْ على رِيِّ القومِ

(1)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . قال: قدَّروها لريِّهم على قَدْرِ شُرْبِهم؛ أهلُ الجنةِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . قال: مُمْتَلِئةٌ لا تُهَراقُ، وليست بناقصةٍ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قَدَّروها على قَدْرِ الكفِّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} . قال: قُدِّرَتُ للكفِّ

(3)

.

واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {قَدَّرُوهَا} بفتح القافِ، بمعنى: قدَّرها لهم السُّقاةُ الذين يَطُوفون بها عليهم. ورُوِى عن الشعبيِّ وغيرِه من المتقدمين، أنَّهم قرءَوا ذلك بضمِّ القافِ:(قُدِّروها)

(4)

بمعنى: قُدِّرَتْ عليهم، فلا زيادةَ فيها ولا نُقْصَانَ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 300 إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 316.

(3)

أخرجه البيهقى في البعث (343) من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 300 إلى ابن المنذر.

(4)

القراءة شاذة، وقرأ بها أيضًا على وابن عباس والسلمى وابن أبزى وقتادة وزيد بن علي والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير وأبو حيوة وعباس عن أبان، والأصمعي عن أبي عمرو، وابن عبد الخالق عن يعقوب. ينظر البحر المحيط 8/ 397، 398.

ص: 559

والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها فتحُ القافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأَةِ عليه.

قولُه: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويُسْقَى هؤلاء الأبرارُ في الجنةِ كأسًا؛ وهى كلُّ إناءٍ كان فيه شرابٌ، فإذا كان فارغًا مِن الخَمْرِ لم يُقَلْ له: كأس. وإنما يقالُ له: إناءٌ. كما يقالُ للطَّبَقِ الذي تُهْدَى فيه الهديةُ: المِهْدَى. مقصورًا، ما دامت عليه الهديةُ، فإذا فَرَغ مما عليه كان طَبَقًا أو خِوَانًا ولم يكنْ، مِهْدًى، {كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا}. يقولُ: كان مِزاجُ شرابِ الكأسِ

(1)

التي يُسْقَون منها زَنْجَبِيلًا.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يُمْزَجُ لهم شرابُهم بالزَّنْجَبِيلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} . قال: تُمْزَجُ بِالزَّنْجَبِيلِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} . قال: يَأْثُرُ

(3)

لهم ما

(4)

كانوا يشربون في الدنيا. زاد

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الناس".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 338 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ت 2، ت 3:"يأمر". ويأثر: يروى. ينظر اللسان (أ ث ر).

(4)

في ت 1، ت 3:"كما".

ص: 560

الحارثُ في حديثهِ: فيُحَبِّبُه إليهم

(1)

.

وقال بعضُهم: الزَّنْجَبِيلُ: اسمٌ للعينِ التي منها مِزاجُ شرابِ الأبرارِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} : رفيعةً

(2)

يَشْرَبُها المُقَرَّبون صِرْفًا، وتُمْزَجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ.

وقولُه: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: عينًا في الجنةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا. قيل: عُنِى بقولِه: {سَلْسَبِيلًا} : سَلِسَةٌ مُنْقادًا ماؤُها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} : عينًا سَلِسَةٌ مُسْتَقِيدًا ماؤُها

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ:{تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} ، قال: سَلِسَةٌ يَصْرِفونها حيثُ شاءُوا

(4)

.

وقال آخرون: عُنِى بذلك أنَّها شديدةُ الجرْيَةِ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "رقيقة".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 317.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 338 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى عبد بن حميد.

ص: 561

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} . قال: حديدةَ الجِرْيَةِ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: سَلِسَةَ الجِرْيَةِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} : حديدةَ الجِرْيَةِ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى السَّلْسبِيل وفي إعرابِه؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إنَّ "سلسبيل" صفةٌ للعين بالتَّسَلْسُلِ

(3)

. وقال بعضُهم: إنما أراد عينًا تُسَمَّى سلسبيلًا؛ أي تُسَمَّى مِن طِيبِها

(4)

السلسبيلَ، أي تُوصفُ للناسِ، كما تقولُ: الأَعْوَجِيُّ

(5)

والأَرْحبيُّ

(6)

والمَهْرِيُّ

(7)

من الإبلِ، وكما تُنْسَبُ الخيلُ إذا

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 338، وهناد في الزهد (96) من طريق الثوري به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 6/ 301 - ومن طريقه البيهقى في البعث (321) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

في ت 1: "بالسلسبيل".

(4)

في ت 2، ت 3:"طينها".

(5)

الأعوجيات: ضرب من جياد الخيل تنسب إلى أعوج؛ حصان لبنى هلال. الوسيط (ع و ج).

(6)

نسبة إلى بطن من همدان، تنسب إليهم النجائب الأرحبية. اللسان (ر ح ب).

(7)

المهرية: إبل بين الوحشية والأهلية. ينظر الحيوان للجاحظ 1/ 154.

ص: 562

وُصفت إلى هذه الخيلِ المعروفةِ المنسوبةِ، كذلك تُنْسَبُ العينُ إلى أنَّها تُسَمَّى؛ لأن القرآنَ نزَل

(1)

على كلامِ العربِ، قال: وأنشَدني يونسُ:

صَفْراءُ مِن نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُها

مِنْ طُولِ ما صَرَعَ الصُّبُودَ الصَّيِّبُ

(2)

فرفع "الصَّيِّب"؛ لأنه لم يُرِدْ أنْ يُسَمَّى بالصَّيِّبِ، إنما الصَّيِّبُ مِن صفةِ الاسمِ والسهمِ. وقولُه:"يسمى سهمها". أي يُذْكَرُ سَهْمُها. قال: وقال بعضُهم

(3)

: لا، بل هو اسمُ العينِ، وهو معرفةٌ، ولكنه لما كان رأسَ آيةٍ وكان مفتوحًا، زِيدَتْ فيه الألفُ، كما قال:{كَانَتْ قَوَارِيرَا} . وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: السلسبيلُ نعتٌ، أراد: سَلِسٌ في الحَلْقِ، فلذلك حَرِيٌّ أن تُسَمَّى بسلاستِها.

وقال آخرُ منهم

(4)

: ذكَروا أنَّ السلسبيلَ اسمٌ للعينِ، وذكَروا أنه صفةٌ للماءِ لسَلَسِه

(5)

وعُذُوبتِه. قال: ونرى أنه لو كان اسمًا للعينِ، لكان تركُ الإجراءِ فيه أكثرَ، ولم نَرَ أحدًا ترَك إجراءَها، وهو جائزٌ في العربيةِ؛ لأنَّ العرب تُجْرِى ما لا يُجْرَى في الشعرِ، كما قال مُتمِّمُ بنُ نُوَيْرةَ

(6)

:

فما وَجُدُ أَظْآرٍ

(7)

ثَلاثٍ رَوَائِمٍ

رَأَيْنَ مَجَرًّا

(8)

مِن حُوارٍ ومَصْرَعًا

فأجرَى "روائم" وهى مما لا يُجْرَى.

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3:"يدل".

(2)

البيت في التبيان 10/ 215.

(3)

هو الزجاج. ينظر تهذيب اللغة 13/ 156.

(4)

هو الفراء في معاني القرآن 3/ 217 والنص هنا مختصر عما هناك.

(5)

في ت 2، ت 3:"لسلسله". والسلس: السهل اللين المنقاد. ينظر القاموس المحيط (س ل س).

(6)

ديوان مالك ومتمم ابنى نويرة ص 116.

(7)

أظار: جمع ظئر وهي التي تعطف على غير ولدها وترضعه من الناس والإبل. ينظر اللسان (ظ أر).

(8)

في م: "مخرا".

ص: 563

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ قولَه: {تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} صفةٌ للعينِ، وُصِفَتْ بالسَّلاسةِ في الحَلْقِ، وفى حال الجَرْي، وانقيادِها لأهلِ الجنةِ، يُصَرِّفونها حيثُ شاءُوا، كما قال مجاهدٌ، وقتادةُ. وإنما عُنِى بقولِه:{تُسَمَّى} : تُوصَفُ.

وإنما قلتُ ذلك أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن قولَه: {سَلْسَبِيلًا} صفةٌ لا اسمٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ويطوفُ على هؤلاء الأبرارِ وِلدانٌ، وهم الوُصَفَاءُ، مُخَلَّدون.

اختلَف أهلٌ التأويلِ في معنى قولِه: {مُخَلَّدُونَ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أنَّهم لا يموتون.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} . أي: لا يموتون.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(1)

.

وقال آخرون: عُنِى بذلك: {وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} : مُسَوَّرُون.

وقال آخرون: بل عُنِى به أنهم مُقَرَّطون. وقيل: عُنِى به أنَّهم دائمٌ شبابُهم، لا

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 338 عن معمر عن قتادة به.

ص: 564

يَتَغَيَّرون عن تلك السنِّ.

وذُكر عن العربِ أنَّها تقولُ للرجلِ إذا كَبِر وثَبَت

(1)

سوادُ شَعْرِه: إنه لمُخْلِدٌ. وكذلك إذا كَبِر وثَبَتَتْ

(2)

أضراسُه وأسنانُه، قيل: إنه لمُخْلِدٌ

(3)

. يرادُ به أنه ثابتُ الحالِ، وهذا تصحيحٌ لِما قال قتادةُ من أن معناه: لا يموتون

(4)

؛ لأنهم إذا ثَبَتُوا على حالٍ واحدةٍ، فلم يَتَغَيَّروا بهَرَمٍ ولا شَيْبٍ ولا موتٍ، فهم مُخَلَّدون. وقيل: إنَّ معنى قولِه: {مُخَلَّدُونَ} : مُسَوَّرون، بلغةِ حِمْيَرَ، ويُنْشَدُ لبعضِ شعرائِهم

(5)

:

ومُخَلَّداتِ باللُّجَينِ كأَنما

أَعْجَازُهُنَّ أَقَاوِرُ الكُثْبانِ

وقولُه: {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إذا رأيت يا محمدٌ هؤلاء الولدانَ مجتمعين أو مفترقين، تحسبُهم في حُسْنِهم، ونقاءِ بياضِ وجُوهِهم، وكثرتِهم، لُؤْلُؤًا مبدَّدًا، أو مجتمعًا مصبوبًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنٌ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} . قال: من كثرتِهم وحُسْنِهم

(6)

.

(1)

في ت 2، ت 3:"نبت".

(2)

تصحفت في معاني القرآن إلى: "نبتت".

(3)

يقال للرجل إذا لم تسقط أسنانه من الهرم: إنه لمُخْلِد. التاج (خ ل د)

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"يموتوا".

(5)

البيت في اللسان (خلد، قوز)، وأقاوز: جمع قوز وهو الصغير المستدير من الرمل، تشبه به أرداف النساء. اللسان (ق و ز).

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 338 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى عبد بن حميد.

ص: 565

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ} مِن حُسْنِهم وكثرتِهم {لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} .

وقال قتادةُ عن أبي أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: ما مِن أهلِ الجنةِ من أحدٍ إلا ويَسْعَى عليه ألفُ

(1)

غلامٍ، كلُّ غلامٍ على عملٍ ما عليه صاحبُه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه:{حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} .

قال: في كثرةِ اللُّؤْلُؤُ، وبياضِ اللُّؤْلُؤِ.

وقولُه: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وإذا نظَرْت ببصرِك يا محمدٌ، ورَمَيْت بطَرْفك فيما أَعْطَيتُ هؤلاءِ الأبرارَ في الجنةِ مِن الكرامةِ. وعُنِى بقولِه:{ثَمَّ} : الجنةُ، {رَأَيْتَ نَعِيمًا} . وذلك أَن أَدْناهم منزلةً مَن يَنْظُرُ في مُلْكِه، فيما قيل، في مسيرةِ أَلْفَى عامٍ، يَرَى أقصاه كما يَرَى أَدْناه.

وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في السببِ الذي من أجلِه لم يُذْكَرُ مفعولُ: {رَأَيْتَ} الأولُ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما فعَل ذلك؛ لأنه يريدُ رُؤْيةً لا تَتَعَدَّى، كما تقولُ: ضَنَنْتُ في الدارِ. أخبرَ بمكانِ ظنِّه، فأخبَر بمكانِ رؤْيتِه. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما فعَل ذلك؛ لأن معناه: وإذا رأَيْت ما ثَمَّ رأَيْت نعيمًا. قال: وصلُح إضمارٌ "ما" كما قيل: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94]. يريدُ: ما بينَكم. قال: ويقالُ: إذا رأيت ثَمَّ. يريدُ: إذا نظَرْتَ ثُمَّ، إِذا رمَيْت ببصرِك هناك رأَيْت نعيمًا.

(1)

بعده في ت 1: "خادم".

(2)

أخرجه هناد في الزهد (174)، وابن المبارك في الزهد (1580 - زوائد الحسين)، والبيهقي في البعث (412) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى عبد بن حميد.

ص: 566

وقوله: {وَمُلْكًا كَبِيرًا} . يقولُ: ورأيت مع النعيمِ الذي تَرى لهم ثَمَّ، مُلْكًا كبيرًا. وقيل: إنَّ ذلك الملكَ الكبيرَ تسليمٌ الملائكةِ عليهم واستئذانُهم عليهم.

‌[ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني مَن سمِع مجاهدًا يقولُ: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} . قال: تسليمَ الملائكةِ

(1)

.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: {وَمُلْكًا كَبِيرًا} .

قال: بلغَنا أنه تسليمُ الملائكةِ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ في قولِه: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} . قال: فسَّرها سفيانُ، قال: تستأذنُ الملائكةُ عليهم.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} . قال: استئذانُ الملائكةِ عليهم]

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فوقَهم. يعنى: فوقَ هؤلاءِ الأبرارِ ثيابُ سُنْدُسٍ. وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يتأوَّلُ قولَه: {عَالِيَهُمْ} : فوقَ حِجالهم المبنيةِ

(4)

عليهم، {ثِيَابُ سُنْدُسٍ} . وليس ذلك بالقولِ المدفوعِ؛ لأنَّ ذلك إذا كان فوقَ حِجالٍ هم فيها، فقد

(1)

أخرجه البيهقى في البعث (446) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: استئذان الملائكة عليهم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى المصنف.

(3)

سقط من: ت 1.

(4)

في م: "المثبتة".

ص: 567

علَاهم، فهو عالِيَهم.

وقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ وبعضُ قرَأَةِ مكةَ: (عالِيهمْ) بتسكينِ الياءِ

(1)

. وكان عاصمٌ وأبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ يقرَءُونه بفتحِ الياءِ، فمن فتَحها جعَل قولَه:{عَالِيَهُمْ} اسمًا مرافعًا للثيابِ، مثلَ قولِ القائلِ: ظاهرُهم ثيابُ سُنْدُسٍ.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: {ثِيَابُ سُنْدُسٍ} . يعني: ثيابُ ديباجٍ رقيقٍ حسنٍ. والسُّنْدُسُ: هو ما رَقَّ مِن الديباجِ.

وقولُه: {خُضْرٌ} . اختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ وأبو عمرٍو

(2)

برفعِ: {خُضْرٌ} على أنها نعتٌ للثيابِ، وخفضِ:{وَإِسْتَبْرَقٌ} ، عطفًا به على السُّنْدُسِ، بمعنى: وثيابُ إِسْتَبْرَقٍ. وقرَأ ذلك عاصمٌ وابنُ كثيرٍ: (خُضْرٍ) خفضًا، {وَإِسْتَبْرَقٌ} رفعًا

(3)

، عطفًا بالإستبرقِ على الثيابِ، بمعنى: عالِيهم إستبرقٌ، وتَصْيِيرًا

(4)

للخُضْرِ نعتًا للسُّنْدُسِ. وقرَأ ذلك نافعٌ: {خُضْرٌ} رفعًا، على أنَّها نعتٌ للثيابِ، {وَإِسْتَبْرَقٌ} رفعًا، عطفًا به على الثيابِ. وقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ:(خُضْرٍ وإِسْتَبْرَقٍ) خفضًا كلاهما

(5)

. وقرَأ ذلك ابنُ مُحَيْصِنٍ بتركِ إجراءِ الإستبرقِ: (وإِسْتَبْرَقَ) بالفتحِ

(6)

، بمعنى: وثيابُ إستبرقٍ، وفتح ذلك؛

(1)

قرأ بها نافع وحمزة. ينظر حجة القراءات ص 739.

(2)

وكذلك قرأ بها ابن عامر. ينظر الحجة ص 740.

(3)

ينظر حجة القراءات، الموضع السابق.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"تفسيرا".

(5)

هي قراءة حمزة والكسائي. ينظر الحجة ص 740.

(6)

وهي شاذة.

ص: 568

لأنه وجَّهه إلى أنه اسمٌ أعجميٌّ، ولكلَّ هذه القراءاتِ التي ذكرناها وجهٌ ومذهبٌ، غيرُ الذي ذكرْنا عن ابن مُحَيْصِنٍ؛ فإنها بعيدةٌ من معروفِ كلامِ العربِ، وذلك أَنَّ الإسْتَبْرَقَ نكرةٌ، والعربُ تُجْرِى الأسماءَ النكرةَ وإنْ كانت أعجميةً. والإسْتَبْرَقُ: هو ما غَلُظَ مِن الدِّيباجِ. وقد ذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في ذلك، فيما مضى قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادته ههنا

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الإستبرقُ الدِّيباجُ الغليظُ

(2)

.

وقولُه: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} . يقولُ: وحَلَّاهم ربُّهم أَساوِرَ، وهي جمعُ أَسْوِرَةٍ، مِن فضةٍ.

وقولُه: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وسَقى هؤلاءِ الأبرارَ ربُّهم شرابًا طهورًا. ومِن طُهْرِه أنه لا يَصِيرُ بولًا نَجَسًا، ولكنه يصيرُ رَشْحًا مِن أبدانِهم كرَشْحِ المسكِ.

كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيميِّ:{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} . قال: عَرَقٌ يَفيضُ مِن أعراضِهم مثلَ ريحِ المسكِ

(3)

.

حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيميِّ مثلَه.

قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: إِنَّ الرجلَ مِن أهل الجنةِ

(1)

ينظر ما تقدم في 15/ 255، 21/ 64، 22/ 241.

(2)

ينظر ما تقدم في 21/ 64.

(3)

أخرجه هناد في الزهد (61) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 569

يُقْسَمُ له شهوةُ مائةِ رجلٍ مِن أهلِ الدنيا، وأَكْلُهم وهِمَّتُهم، فإِذا أَكَل سُقِى شرابًا طهورًا، فيَصِيرُ رَشْحًا يَخْرُجُ مِن جِلْدِه أطيبَ ريحًا مِن المسكِ الأَذْفَرِ، ثم تعودُ شهوتُه

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{شَرَابًا طَهُورًا} له. قال: ما ذكِر من الأشربةِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانٍ، عن أبي قِلابةَ: إنَّ أهلَ الجنةِ إذا أكلوا وشَرِبوا ما شاءوا، دَعَوا بالشرابِ الطهورِ فيشربونه، فتطهُرُ بذلك بطونُهم، ويكونُ ما أكلوا وشَرِبوا رَشْحًا وريحَ مِسْكٍ، فتَضْمُرَ لذلك بطونُهم

(3)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: صَعِد جبريلُ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسْرى به إلى السماءِ السابعةِ، فاسْتَفْتَح، فقيل له: مَن هذا؟ فقال: جبريلُ. قيل: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أَوَ قَدْ أُرسل إليه

(4)

؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ وخَليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المَجِيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ أَشْمَطَ

(5)

جالسٍ على

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 124 عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 301 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 338 عن معمر به.

(4)

زيادة من: م، ت 1.

(5)

الأشمط: المختلط سواد شعره ببياض. الوسيط (ش م ط).

ص: 570

كرسيٍّ عند بابِ الجنةِ، وعندَه قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجُوه أمثالُ القراطيسِ، وقومٌ في ألوانِهم شيءٌ، فقام الذين في ألوانِهم شيءٌ، فدخَلوا نَهَرًا فاغْتَسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خَلَص مِن ألوانِهم شيءٌ، ثم دخلوا نَهَرًا آخرَ فاغْتَسلوا فيه، فخرَجوا وقد خَلَصَتْ ألوانُهم، فصاروا مثلَ ألوانِ أصحابِهم، فجاءوا فجلَسوا إلى أصحابِهم، فقال: يا جبريلُ من هذا الأَشْمَطُ؟ ومَن هؤلاءِ البيضُ الوجوهُ؟ ومَن هؤلاءِ الذين في ألوانِهم شيءٌ؟ وما هذه الأنهارُ التي اغْتَسلوا فيها؟ فجاءوا وقد صَفَتْ ألوانُهم، قال: هذا أبوك إبراهيمُ، أَوَّلُ مَن شَمِط على الأرضِ، وأما هؤلاء البيضُ الوجوهُ، فقومٌ لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلمٍ. وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيءٌ، فقومٌ خَلَطُوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، فتابوا، فتاب اللهُ عليهم. وأما الأنهارُ، فأوَّلُها رحمةٌ، والثاني نعمةٌ، والثالثُ سقاهم ربُّهم شرابًا طهورًا

(1)

.

‌القول في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهؤلاءِ الأبرارِ حينئذٍ: إِنَّ هذا الذي أَعْطَيناكم مِن الكرامةِ كان لكم ثوابًا على ما كنتم في الدنيا تعملون مِن الصالحاتِ، {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا}. يقولُ: وكان عملُكم فيها مَشْكُورًا، حَمِدكم عليه ربُّكم، ورَضِيه لكم، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامةِ عليه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} : غفَر لهم الذنبَ، وشكَر لهم الحَسَنَ

(2)

.

(1)

تقدم مطولا في 14/ 424 - 435.

(2)

ذكره القرطبي 19/ 147.

ص: 571

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ

(1)

: {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} . قال: لقد شكَر اللهُ سعيًا قليلًا

(2)

.

وقولُه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدِ صلى الله عليه وسلم: إنا نحنُ نزَّلنا عليك يا محمدُ هذا القرآنَ تنزيلًا، ابتلاءً منَّا واختبارًا.

{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} . يقولُ: اصْبِرْ لما امتَحَنك به ربُّك من فرائضِه، وتبليغِ رسالاتِه، والقيامِ بما أَلْزَمك القيامَ به في تنزيلِه الذي أَوْحاه إليك، {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}. يقولُ: ولا تُطِعْ في معصيةِ اللهِ من مشركي قومِك {آثِمًا} . يريدُ: برُكُوبِه معاصيَه، {أَوْ كَفُورًا} . يعني جحودًا لنعمِه عندَه وآلائِه قِبَلَه، فهو يكفُرُ به، ويعبُدُ غيرَه.

وقيل: إنَّ الذي عُنِي بهذا القولِ أبو جهلٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} . قال: نزَلت في عدوِّ اللهِ أبى جهلٍ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه بلَغه أن أبا جهلٍ قال: لئِن رأَيْتُ محمدًا يُصلِّي لأطأَنَّ على

(4)

عنُقِه. فَأَنزَلَ اللهُ: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}

(5)

.

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 3:"قال: تلا قتادة".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 338 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى ابن المنذر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(4)

سقط من: م.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 339 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 572

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} . قال: الآثِمُ: المُذْنبُ الظالمُ، والكفورُ، هذا كلُّه واحدٌ. وقيل:{أَوْ كَفُورًا} . والمعنى: ولا كفورًا.

قال الفرَّاءُ

(1)

: "أو" ههنا بمنزلةِ ["لا"، و "أو"]

(2)

في الجحدِ والاستفهامِ والجزاءِ تكونٌ بمعنى "لا"، فهذا مِن ذلك من ذلك مع الجحدِ، ومنه قولٌ الشاعرِ

(3)

:

لا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ وَلا

وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ

(4)

أَوْ وَجْدُ شَيْخٍ أَضَلَّ نَاقَتَهُ

يَوْمَ تَوَافَى

(5)

الحَجِيجُ فَانْدَفَعُوا

أراد: ولا وَجْدُ شيخٌ، قال: وقد يكونُ في العربيةِ: لا تُطِيعنَّ منهم من أَثِم أو كفَر، فيكونُ المعنى في "أو" قريبًا من معنى "الواوِ"، كقولك للرجلِ: لأُعْطِينَّك سألتَ أو سكتَّ. معناه: لأُعْطِينَّك على كلِّ حالٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27)} .

يقولُ تعالى ذكره: واذكر يا محمدُ اسم ربِّكَ فادْعُه به بكرةً في صلاةِ الصبحِ، وعشيًّا في صلاةِ الظهرِ والعصرِ، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ} .

يقولُ: ومن الليلِ فاسْجُدْ له في صلاتِك، {وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا}. يعنى: أكثرَ

(1)

معاني القرآن 3/ 219، 220.

(2)

في م: "الواو".

(3)

هو مالك بن عمرو. وينظر الكامل للمبرد 2/ 85، 86.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"رفع".

(5)

في ص، ت 2:"تولى".

ص: 573

الليلِ، كما قال جلَّ ثناؤُه:{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} .

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} . يعنى: الصلاةَ والتسبيحَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} . قال: بُكْرةً صلاةَ الصبحِ، وأصيلًا صلاةَ الظُّهرِ؛ الأصيلُ.

وقولُه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} . قال: كان هذا أوَّلَ شيءٍ فرضَه

(1)

. وقرَأ: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ} ، ثم قال:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} إلى قولِه: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} إلى آخرِ الآيةِ. قال: ثم مُحِى هذا عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعن الناسِ، وجعله نافلةً، فقال:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]. قال: فجعَلها نافلةً.

وقولُه: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ هؤلاءِ المشرِكين باللهِ يُحِبُّون العاجلةَ، يعنى الدنيا، يقولُ: يُحِبُّون البقاءَ فيها، وتُعْجِبُهم زينتُها، {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا}: يقولُ: ويَدعون خلفَ ظُهُورِهم العملَ

(1)

في م: "فريضة".

ص: 574

للآخرة، وما لهم فيها النجاةُ من عذابِ اللهِ يومَئِذٍ، وقد تأوَّله بعضُهم بمعنى: ويَذَرُون يومًا ثقيلًا، وليس ذلك قولًا مَدْفوعًا، غيرَ أن الذي قلناه أشبهُ بمعنى الكلمةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} . قال: الآخرة.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: نحنُ خَلَقْنا هؤلاءِ المشركين باللهِ، المخالفين أمرَه ونهيَه، {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}: وشَدَدْنا خَلْقَهم، من قولِهم: قد أُسِر هذا الرجلُ فأُحْسِن أَسْرُه. أسره. بمعنى: قد خُلِق فأُحسِن خَلْقُه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} . يقولُ: شَدَدْنا خَلْقهم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى المصنف.

ص: 575

قولَه: {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} . قال: خَلْقَهم

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} . وأَسْرَهم: خَلْقَهم.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(2)

.

وقال آخرون: الأَسْرُ المفَاصِلُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: سمِعْتُه - يعني خلَّادًا - يقولُ: سمِعتُ أبا سعيدٍ، وكان قد قرَأ القرآنَ على أبي هريرةَ، قال: ما

(3)

قرَأتُ القرآنَ إلا على أبي هريرةَ، هو أقْرَأني، وقال في هذه الآيةِ:{وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} . قال: هي المَفاصِلُ

(4)

.

وقال آخرون: بل هو القُوَّةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} . قال: الأسرُ القُوَّةُ.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 319.

(2)

ذكره الحافظ في التغليق 4/ 356 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 339، وعنه عبد بن حميد - كما في التغليق 4/ 356 - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى ابن المنذر.

(3)

بعده في م: "قال".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى المصنف.

ص: 576

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي اخْتَرْناه، وذلك أَنَّ الأَسْرَ هو ما ذكرتُ عندَ العربِ، ومنه قولُ الأَخْطَلِ

(1)

:

مِنْ كلِّ مُجْتَنَبٍ شديدٍ أَسْرُهُ

سَلِسِ القِيادِ تخالُهُ مُخْتالا

ومنه قولُ العامةِ: خُذْه بأَسْرِه. أي هو لك كلُّه.

وقولُه: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} . يقولُ: وإذا نحنُ شِئْنا أهلَكْنا هؤلاءِ وجِئْنا بآخرين سِواهم من جنسِهم، أمثالِهم مِن الخلقِ، مخالِفين لهم في العملِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} . قال: بنى آدمَ الذين خالَفوا طاعته. قال: وأمثالَهم من بني آدمَ.

وقولُه: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} . يقولُ: إِنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ لمن تذكَّر واتَّعَظ واعْتَبَر.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} . قال: إنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ

(2)

.

(1)

شرح ديوانه ص 388.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 339 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 302 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 577

وقولُه: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} . يقولُ: فمن شاء أيُّها الناسُ اتَّخَذ إلى رضا ربِّه بالعمل بطاعتِه، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومَا تَشاءُونَ اتخاذَ السبيلِ إلى ربِّكم أَيُّهَا الناسُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ذلك لكم؛ لأنَّ الأمرَ إليه لا إليكم، وهو في قراءة عبدِ اللهِ فيما ذُكر:(وما تَشاءُونَ إِلَّا ما شاءَ اللهُ)

(1)

.

وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} . فلن يَعْدُو منكم أحدٌ ما سبَق له في علمِه بتدبيرِكم.

وقولُه: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ} . يقولُ: يُدْخِلُ ربُّكُم مَن يَشاءُ منكم رحمتِه، فيتوبُ عليه حتى يموتَ تائبًا من ضلالتِه، فيغفرُ له ذنوبَه، ويُدْخِلُه جنَّتَه، {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}. يقولُ: الذين ظلَموا أنفسَهم، فماتوا على شركِهم، أعدَّ لهم في الآخرةِ عذابًا مؤلمًا مُوجِعًا، وهو عذابُ جهنمَ. ونُصِب قولُه:{وَالظَّالِمِينَ} ؛ لأنَّ الواوَ ظرفٌ لـ: {أَعَدَّ} ، والمعنى: وأعدَّ للظالمين عذابًا أليمًا. وذكر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: {ولِلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ)

(2)

بتكريرِ اللَّام، وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك، ويُنْشَدُ لبعضِهم

(3)

:

أقولُ لَها إذا سألَتْ طَلَاقًا

إلامَ تُسارعين إلى فِرَاقي

(1)

ينظر مختصر الشواذ ص 167.

(2)

وهي شاذة، ينظر البحر المحيط 8/ 402.

(3)

معاني القرآن للفراء 3/ 221.

ص: 578

ولآخرَ

(1)

:

فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَه عَن بِمَا بِهِ

أَصَعَّدَ في غاوى الهَوَى أَم تَصَوَّبَا؟

بتكريرِ الباءِ، وإنما الكلامُ: لا يسأَلْنه عمَّا به.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الإنسان"

(1)

هو الأسود بن يعفر كما في شرح التصريح 2/ 130 وينظر معاني القرآن للفراء 3/ 221 والخزانة 9/ 527 واللسان (ص ع د).

ص: 579

بسم الله الرحمن الرحيم

‌تفسيرُ سورةِ "والمُرْسلاتِ"

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللهِ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والرياحُ المرسلاتُ يَتْبَعُ بعضُها بعضًا. قالوا: والمُرْسَلاتُ هي الرياحُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، أنه سأل ابنَ مسعودٍ، فقال:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: الريحِ

(1)

.

حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شميلٍ

(2)

، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، فذكَر نحوَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. فذكَر نحوَه

(3)

.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . يعنى: الريحِ

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 691 من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

في ت 2 ت 3: "سهيل".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321 عن الثورى به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321.

ص: 580

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ

(1)

السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحبِ الكَلْبيِّ في قولِه:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: هي الرياحُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدِ:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: الريحِ

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ عن: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: الريحِ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: هي الريحُ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(6)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: والملائكةِ التي تُرْسَلُ بالعُرْفِ.

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 3:"عن".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321.

(3)

سقط هذا الأثر من: ت 2، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321.

(4)

تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

(5)

في ت 2، ت 3:"الرياح".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 340 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 581

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: كان مسروقٌ يقولُ في المرسلاتِ: هي الملائكةُ

(1)

.

حدَّثنا إسرائيلُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سمعتُ أبا الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: الملائكةِ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ ووكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: هي الرسلُ تُرْسَلُ بالعُرْفِ

(2)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السكرىيُّ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . قال: هي الرسلُ تُرْسَلُ بالمعروفِ

(2)

.

قالوا: فتأويلُ الكلامِ: والملائكةِ التي أُرْسِلَتْ بأَمرِ اللهِ ونهيِه، وذلك هو العُرْفُ.

وقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: {عُرْفًا} : متتابعًا كعُرْفِ الفرسِ، كما قالت العربُ: الناسُ إلى فلانٍ عُرْفٌ واحدٌ. إذا توجَّهوا إليه فأكثَرُوا

(3)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدِّثتُ عن داودَ بن الزبرقان، عن صالحٍ، [عن ابن]

(4)

بُريدةَ في قولِه: {عُرْفًا} . قال: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ في العظمة وابن المنذر.

(3)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 221.

(4)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"بن". وينظر تهذيب الكمال 14/ 328.

ص: 582

والصوابُ من القول في ذلك عندَنا أن يقالَ: إنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالمرسلاتِ عُرْفًا، وقد تُرْسَلُ عُرْفًا الملائكةُ، وتُرْسَلُ كذلك الرياحُ، ولا دَلالة تدُلُّ على أنَّ المَعْنِيَّ بذلك أحدُ الجنسين

(1)

دونَ الآخرِ، وقد عمَّ جَلَّ ثناؤُه بإقسامِه بكلِّ ما كانت صفتُه ما وصَف، فكلُّ مَن كانت صفتُه كذلك، فداخلٌ في قَسَمِه ذلك؛ مَلَكًا أو ريحًا أو رسولًا مِن بنى آدمَ مُرْسَلًا.

وقولُه: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} . يقولُ جلَّ ذكرُه: فالرياحِ العاصفاتِ عصفًا، يعني الشديداتِ الهبوبِ السريعاتِ المرِّ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن

(3)

عرعرَةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ رضي الله عنه، فقال: ما العاصفاتُ عصفًا؟ قال: الريحُ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَيْن، أنه سأل عبدَ اللهِ بن مسعودٍ، فقال: ما العاصفاتُ عصفًا؟ قال: الريحُ

(5)

.

حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ،

(1)

في م: "الحزبين".

(2)

في م، ت 1، ت 3:"الممر"، وفي ت 2:"المسير".

(3)

في م: "عن". وينظر ما تقدم في 2/ 561، 4/ 468، 5/ 590.

(4)

أخرجه البيهقى في الشعب (3991) من طريق أبى الأحوص به. وتفسير مجاهد ص 691 من طريق سماك به.

(5)

تفسير مجاهد ص 691 من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 583

عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، عن عبدِ اللهِ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن مسعودٍ. فذكر مثلَه

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ. فذكَر مثله.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال:{فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} . قال: الريحِ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} . قال: هي الرياحُ

(4)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} . قال: هي الرياحُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بن معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحبِ الكَلْبيِّ في قولِه:{فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} . قال: هي الرياحُ.

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ وسعيدُ بنُ محمدٍ، عن إسماعيلَ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قوله: {فَالْعَاصِفَاتِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321 عن الثورى به.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ في العظمة وابن المنذر، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321.

ص: 584

عَصْفًا}. قال: هي الريحُ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ مثلَه.

قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، عن عليٍّ رضي الله عنه:{فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} . قال: الريحِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} . قال: الرياحِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه

(2)

.

وقولُه: {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} . اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بالناشراتِ نَشْرًا الريحُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن أنه سأل ابن مسعودٍ عن {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا}. قال: الريح

(3)

.

حدَّثنا خلَّاد بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بن شميلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ،

(1)

أخرجه الحاكم 2/ 511 من طريق إسرائيل به، وأخرجه إسحاق - كما في المطالب العالية (4172) - والبيهقي في الشعب (3991)، وتفسير مجاهد ص 691، والضياء في المختارة (438) من طريق سماك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 340 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 691 من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 585

عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، عن ابن مسعودٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. فذكَر مثلَه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلم البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ. فذكَر مثلَه.

قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} . قال: الريحِ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحب الكَلْبيِّ في قولِه:{وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} . قال: هي الرياحُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} . قال: الرياحِ

(2)

.

وقال آخرون: هي المطرُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 340 عن معمر به.

ص: 586

سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} . قال: المطرُ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} . قال: هي المطرُ.

قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحِ مثلَه.

وقال آخرون: بل هي الملائكةُ التي تَنْشُرُ الكتبَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ:{وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} . قال: الملائكةِ تَنْشُرُ الكتبَ

(2)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندنا بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالناشراتِ نَشْرًا، ولم يَخْصُصْ شيئًا من ذلك دونَ شيءٍ، فالرياحُ تَنْشُرُ السحابَ، والمطَرُ يَنْشُرُ الأرضَ، والملائكةُ تَنْشُرُ الكتب، ولا دَلالةَ مِن وجهٍ يجبُ التسليمُ له، على أنَّ المرادَ من ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فذلك على كلِّ ما كان ناشرًا.

وقولُه: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الملائكةُ التي تُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرٌ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} . قال: الملائكةِ

(2)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ في العظمة وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 587

[قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا}. قال: الملائكةِ]

(1)

.

قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} . قال: الملائكةِ

(2)

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك القرآنُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} .

يعنى القرآنَ، ما فرَّق اللهُ فيه بين الحقِّ والباطلِ

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقال: أَقْسَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالفارقاتِ، وهى الفاصلاتُ بين الحقِّ والباطلِ، ولم يخْصُصْ بذلك منهنَّ بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك قَسَمٌ بكلِّ فارقةٍ بين الحقِّ والباطل؛ مَلَكًا كان أو قرآنًا، أو غيرَ ذلك.

وقولُه: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} . يقولُ: فالمبلِّغاتِ وحيَ اللهِ رسلَه، وهى الملائكةُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

سقط من: ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف، وذكره البغوي في تفسيره 8/ 303، والقرطبي في تفسيره 19/ 155، وابن كثير في تفسيره 8/ 321.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وذكره القرطبي في تفسيره 19/ 155 بلفظ:"الفرقان".

ص: 588

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} . يعنى: الملائكةِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} . قال: هي الملائكةُ تُلْقى الذكرَ على الرسلِ وتبلِّغُه.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قوله:{فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} . قال: الملائكةُ تُلْقى القرآنَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} . قال: الملائكةِ

(3)

.

وقولُه: {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فالملقياتِ ذكرًا إلى الرسلِ، إعذارًا مِن اللهِ إلى خَلْقِه، وإنذارًا منه لهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} . قال: عذرًا من اللهِ، ونذرًا منه إلى خلقِه (2).

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 340 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 321.

ص: 589

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} : عذرًا للهِ على خلقِه، ونذرًا للمؤمنين يَنْتَفِعون به، ويَأْخُذُون به

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} . يعني: الملائكةَ.

واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ وبعضُ المكيين وبعضُ الكوفيِّين: {عُذْرًا} بالتخفيفِ، (أو نُذُرًا) بالتثقيلِ

(2)

. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ البصريين بتخفيفِهما

(3)

. وقرَأه آخرون من أهل البصرةِ بتثقيلِهما

(4)

، والتخفيفُ فيهما أعجبُ إليَّ وإن لم أدفَعْ صحةَ التثقيلِ؛ لأنهما مَصدَران بمعنى الإعذارِ والإنذارِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)}

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} ، إن الذي تُوعَدون أيُّها الناسُ من الأمورِ لواقعٌ، وهو كائنٌ لا محالةَ، يعنى بذلك يومَ القيامةِ، وما ذكر اللهُ أنه أعدَّ لخلقِه يومئذٍ من الثوابِ والعذابِ.

وقولُه: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} . يقولُ: فإذا النجومُ ذَهَب ضياؤُها، فلم يكن يَكنْ

(1)

في ت 2، ت 3:"منه".

(2)

قرأ بها نافع وابن عامر وابن كثير وأبو بكر عن عاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 666.

(3)

أي: بالتحريك، وقرأ بها أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. المصدر السابق.

(4)

هي قراءة الأعمش. ينظر الحجة ص 742.

ص: 590

لها نورٌ ولا ضوءٌ، {وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ}. يقولُ: وإذا السماءُ شُقِّقت وصُدِّعت،

{وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} . يقولُ: وإذا الجبالُ نُسِفت من أصلِها، فكانت هباءً منبثًّا،

{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} . يقول تعالى ذكره: وإذا الرسلُ أُجِّلت للاجتماعِ لوقتِها يومَ القيامةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} . يقولُ: جُمِعت

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

(2)

في قولِ اللَّهِ: {أُقِّتَتْ} . قال: أُجِّلت

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} . قال: أُجِّلت.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} . قال: أُوعِدت

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: {وَإِذَا

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 322. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

(2)

بعده في ت 2، ت:"مثله".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى عبد بن حميد.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 439 - إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 591

الرُّسُلُ أُقِّتَتْ}. قال: أُقِّتت ليوم القيامةٍ. وقرأ: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} [المائدة: 109]. قال: والأجلُ الميقاتُ. وقرأ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ

(1)

} [البقرة: 189]، وقرأ:{إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: 50]. قال: إلى يومِ القيامةِ. قال: لهم أجَلٌ إلى ذلك اليومِ حتى يَبْلُغوه

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} . قال: وُعِدت.

واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ غيرَ أبي جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ:{أُقِّتَتْ} بالألف وتشديدِ القافِ. [وقرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ بالواوِ وتشديدِ القافِ]

(3)

: (وُقِّتَت)

(4)

. وقرَأه أبو جعفرٍ: (وُقِتَتْ) بالواوِ وتخفيفِ القافِ

(5)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ، ولغاتٌ مشهوراتٌ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِها قرأ القارئُ فمصيبٌ، وإنما هو "فُعِّلت" من الوقتِ، غيرَ أن من العرب من يَسْتَثْقِلُ ضمةَ الواوِ، كما يَسْتَثْقِلُ كسرةَ الباءِ في أولِ الحرفِ، فيَهْمِزُها، فيقولُ: هذه أُجُوهٌ حسانٌ. بالهمزِ، ويُنْشِدُ بعضُهم

(6)

:

يَحِلُّ أُحَيْدَه

(7)

ويُقالُ بَعْلٌ

ومِثلُ تَموُّلٍ

(8)

منه افتِقارٌ

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"الشهور".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 322.

(3)

سقط من: ت 2 ت 3.

(4)

هي قراءة أبي عمرو. ينظر حجة القراءات ص 742، والكشف عن وجوه القراءات 2/ 357.

(5)

ينظر الكشف 2/ 357، وإتحاف فضلاء البشر ص 265، 266.

(6)

هو مجنون ليلى قيس بن الملوح، والبيت في ديوانه ص 123 ورواية الشطر الأول:

• فمثل تأيُّمٍ منه نكاح•

والبيت في معاني القرآن للفراء 3/ 223 بدون نسبة.

(7)

وحيده: مثله ونظيره. الوسيط (و ح د). ومن يستثقل ضمة الواو يهمزها كما في هذا البيت.

(8)

تموَّل: نما له مال. الوسيط (م و ل).

ص: 592

وقولُه: {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} . يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا عبادَه من هولِ ذلك اليومِ وشدتِه: لأيِّ يومٍ أُجِّلت الرسلُ فوُقِّتت؟ ما أعظمَه وأهولَه! ثم بيَّن ذلك وأيُّ يومٍ هو؟ فقال: {أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ} .

يقولُ: ليومٍ يَفْصِلُ اللهُ فِيه بينَ خلقِه القضاءَ، فيأخذُ للمظلومِ من الظالمِ، ويَجْزِى المحسن بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ:{لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ} : يومٍ يُفْصَلُ فيه بينَ الناسِ بأعمالهم؛ إلى الجنةِ وإلى النارِ

(1)

.

وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وأى شيءٍ أدراك يا محمدُ ما يومُ الفصلِ؟ مُعظِّمًا بذلك أمرَه وشدةَ هولِه.

كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} : تعظيمًا لذلك اليومِ

(1)

.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: الوادى الذي يَسيلُ في جهنمَ من صديدِ أهلِها: للمُكذِّبين بيوم الفصلِ [يومَ الفصلِ]

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: م، ت 1.

ص: 593

لِلْمُكَذِّبِينَ}: ويلٌ واللهِ طويلٌ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ألم نُهْلِكِ الأممَ الماضين الذين كذَّبوا رُسُلى وجحَدوا آياتي، من قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ،

ثم نُتبِعُهم الآخرِين بعدَهم ممن سلَك سبيلَهم في الكفرِ بي وبرسلى، كقومِ إبراهيمَ وقومِ لوطٍ وأصحابِ مدينَ، فنُهْلِكُهم كما أهلَكنا الأوَّلين قبلَهم،

{كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} . يقولُ: كما أهلَكنا هؤلاء بكفرِهم بي وتكذيبِهم برسُلى، كذلك سُنتى في أمثالِهم من الأممِ الكافرةِ، فنُهْلِكُ المجرِمين بإجرامِهم إذا طَغَوا وبغَوا،

{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذبين بأخبارِ اللهِ التي ذكَرها في هذه الآيةِ، الجاحدين قدرتَه جلَّ ثناؤُه على ما يشاءُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ} أَيُّها الناسُ، {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} . يعنى من نطفةٍ ضعيفةٍ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} . يعنى بالمهينِ الضعيفَ

(2)

.

وقولُه: {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} . يقولُ: فجعلنا الماءَ المهينَ في رحمٍ استقرَّ فيها فتمكَّن.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف.

ص: 594

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} . قال: الرحمِ

(1)

.

وقولُه: {إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ} . يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ لخروجِه من الرَّحم عندَ اللهِ،

{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (فقدَّرنا) بالتشديدِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ الكوفةِ والبصرةِ بالتخفيفِ

(2)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مَعروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ أُوثِرُ

(3)

التخفيفَ؛ لقولِه: {فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} . إذ كانت العربُ قد تَجمَعُ بينَ اللغتين، كما قال:{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 17].

فجمَع بينَ التشديدِ والتخفيفِ، و

(4)

كما قال الأعشى

(5)

:

وأنكَرَتْني وما كان الذي نكِرَت

من الحوادِثِ إلا الشيبَ والصَّلَعا

وقد يجوزُ أن يكونَ المعنى في التشديدِ والتخفيفِ واحدًا، فإنه محكيٌّ عن العرب: قُدِر عليه الموتُ وقُدِّر. بالتخفيفِ والتشديد

(6)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 691.

(2)

قراءة التشديد هي قراءة نافع والكسائي، وقرأ بالتخفيف ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر حجة القراءات ص 743.

(3)

في ص، ت 1، ت 2 ت:"تؤثر".

(4)

سقط من: م، ت 3.

(5)

تقدم في 12/ 472.

(6)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 223، 224.

ص: 595

وعُنى بقولِه: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} . ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} . قال: فملَكنا فنعمَ المالِكون

(1)

.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بأن الله خلَقهم من ماءٍ مَهِينٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مُنبِّهًا عبادَه على نعمه عليهم: أَلَمْ نَجْعَلْ أَيُّها الناسُ الأَرْضَ لكم {كِفَاتًا} . يقولُ: وِعاءً، يُقالُ: هذا كِفتُ هذا وكَفِيتُه. إذا كان وعاءَه. وإنما معنى الكلامِ: ألم نَجْعَلِ الأرضَ كِفاتَ أحيائِكم وأمواتِكم؛ تَكْفِتُ أحياءَكم في المساكنِ والمنازلِ، فتضُمُّهم فيها وتجمعُهم، وأمواتَكم في بطنِها في القبورِ، فيُدْفَنون فيها.

وجائزٌ أن يكونَ عُنى بقولِه: {كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} : تَكْفِتُ أذاهم في حالِ حياتِهم، وجِيَفَهم بعدَ مماتِهم

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} . يقولُ: كِنًّا

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 303 إلى المصنف بلفظ: "فخلقنا فنعم المالكون".

(2)

ينظر معاني القرآن للفراء 2243.

(3)

في ت 2 ت 3: "كفاء". وبهذا اللفظ أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 51 - =

ص: 596

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا خالدٌ، عن مسلمٍ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن الربيعِ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أنه وجَد قملةً في ثوبِه، فدفَنها في المسجدِ، ثم قال:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا}

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا مسلمٌ الأعورُ، عن زاذانَ، عن ربيعِ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ليثٍ، قال: قال مجاهدٌ في الذي يرى القملةَ في ثوبِه، وهو في المسجد، ولا أدرى قال: في صلاةٍ أم لا: إن شئتَ فألقِها، وإن شئتَ فَوَارِها؛ {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} .

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} . قال: بطنُها لأمواتِكم، وظهرُها لأحيائِكم

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} . قال: تكْفِتُ أذاهم، {أَحْيَاءً}: تواريه، {وَأَمْوَاتًا}: يُدفَنون تكْفِتُهم.

وقد حدَّثني به ابنُ حميدٍ مرةً أخرى، فقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} . قال: تَكْفِتُ أذاهم وما يَخْرُجُ منهم، {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا}. قال: تَكْفِتُهم في الأحياءِ والأمواتِ

(3)

.

= من طريق أبي صالح به.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (1747)، وابن أبي شيبة 2/ 368، والبيهقى 2/ 294، من طريق مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره الجصاص 5/ 370، 371، وابن كثير في تفسيره 8/ 323.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد بمعناه.

ص: 597

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} . قال: أحياءً يكونون فيها. قال محمدُ بنُ عمرٍو: يَغيبون فيها ما أرادوا. وقال الحارثُ: ويَغيبون فيها ما أرادوا. وقولُه: {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} . قال: يُدْفَنون فيها

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} الآية: يَسْكُنُ فيها حيُّهم، ويُدْفَنُ فيها ميتُهم.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ قتادةَ:{أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} . قال: أحياءً: فوقَها على ظهرِها، وأمواتًا: يُقْبَرون فيها

(2)

.

واختلَف أهلُ العربيةِ في الذي نصَب: {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ

(3)

: نُصِب على الحالِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ

(4)

: بل نُصِب ذلك بوقوعِ الكِفاتِ عليه، كأنك قلتَ: ألم نَجْعَلِ الأَرضَ كِفاتَ أحياءٍ وأمواتٍ. فإذا نوِّنت نصَبتَ، كما يَقْرَأُ مَن يَقْرَأُ:{أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد: 14، 15]. وهذا القولُ أشبهُ عندى بالصوابِ.

وقولُه: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا في الأرضِ جبالًا ثابتاتٍ فيها، باذخاتٍ شاهقاتٍ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} . يعنى: الجبالَ.

(1)

تفسير مجاهد ص 691.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 340 عن معمر به.

(3)

ينظر البحر المحيط 8/ 406.

(4)

ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 224.

ص: 598

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} . يقولُ: جبالًا مُشْرِفاتٍ

(1)

.

وقولُه: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} . يقولُ: وأسقَيْناكم ماءً عَذْبًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} . يقولُ: عَذْبًا

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مَاءً فُرَاتًا} . قال: عَذْبًا

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} . أي: ماء عذبًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} . قال: من أربعةِ أنهارٍ؛ سَيْحان، وجَيْحانَ، والنيلِ، والفراتِ، وكلُّ ماءٍ يَشْرَبُه ابنُ آدمَ فهو

(3)

من هذه الأنهارِ، وهي تَخْرُجُ من تحتِ صخرةٍ من عندِ بيتِ المقدسِ؛ وأما سَيْحانُ فهو ببلخٍ

(4)

، وأما جَيحانُ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 51، 52 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير مجاهد ص 692.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فهي".

(4)

في ص، ت،2، ت 3:"نهر بلخ"، وفي ت 1:"بلخ".

ص: 599

فدجلةُ، وأما الفراتُ ففراتُ الكوفةِ، وأما النيلُ [فهو نيلُ مصرَ]

(1)

(2)

.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بهذه النعمِ، التي أنعمتُها عليكم، من خلقى الكافرين بها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ

(3)

لهؤلاء المكذِّبين بهذه النِّعمِ والحججِ التي احتجَّ بها عليهم يومَ القيامةِ: انطلِقوا إلى ما كنتم بِهِ في الدنيا تكذِّبون من عذابِ اللهِ لأهلِ الكفرِ به،

{انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} . يعنى تعالى ذكرُه: إلى ظلِّ دخانٍ ذى ثلاثِ شُعَبٍ، {لَا ظَلِيلٍ} ، وذلك أنه يَرْتَفِعُ من وقودِها الدخانُ فيما ذُكِر، فإذا تصاعدَ تفرَّقَ شُعَبًا ثلاثا، فذلك قولُه:{ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} .

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} . قال: دخانِ جهنمَ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} . قال: هو كقولِه: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29].

(1)

في ص، ت 2، ت 3:"فنهر مصر"، وفى م:"فهو بمصر".

(2)

أخرجه ابن حبان في المجروحين 3/ 24، وابن عدى في الكامل 6/ 2316، والخطيب في التاريخ 1/ 57 من طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا.

(3)

ليست في: ص، م، ت 1.

(4)

تفسير مجاهد ص 692 ومن طريقه البيهقى في البعث ص 285، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 600

قال: والسُّرادقُ: دخانُ النارِ. فأحاطَ بهم سرادقُها، ثم تفرَّق، فكان ثلاثَ شُعَب، فقال:{انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} ؛ شُعبةٍ ههنا، وشُعْبةٍ ههنا، وشُعْبةٍ ههنا، {لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}

(1)

.

وقولُه: {لَا ظَلِيلٍ} . يقولُ: لا هو يُظِلُّهم مِن حرِّها، {وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}: ولا [يُكِنهم من لهبِها]

(2)

.

وقولُه: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . يقولُ تعالى ذكره: إن جهنم تَرْمى بشررٍ كالقَصْرِ. فقرَأ ذلك قرأةُ الأمصارِ: {كَالْقَصْرِ} بجزمِ الصادِ.

واختلَف الذين قرءُوا ذلك كذلك في معناه؛ فقال بعضُهم: هو واحدُ القصورِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . يقولُ: كالقصرِ العظيمِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال: ذكَر القصرَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يزيدُ بنُ يونسَ، عن أبي صخرٍ في قولِ اللهِ:{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال: كان القُرَظِيُّ يقولُ: إن

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف.

(2)

في ت 2: "يكفهم من لهبها".

(3)

أخرجه البيهقي في البعث (571) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

ص: 601

على جهنمَ سورًا، فما خرَج من وراءِ السور مما يَرْجِعُ فيها في عِظَمِ القصرِ، ولونِ القارِ

(1)

.

وقال آخرون: بل هو الغليظُ من الخشبِ، كأصولِ النخلِ وما أشبهَ ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبد الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِه: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال: القصْرُ خشبٌ كنا ندَّخِرُه للشتاءِ ثلاثَ أذرعٍ، وفوقَ ذلك، ودونَ ذلك، كنا نُسمِّيه القصرَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ ابنَ عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال: القصرُ: خشبٌ كان يُقْطَعُ في الجاهلية ذراعًا أقلَّ أو أكثرَ، يُعْمَدُ

(3)

به.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال: كنا نَقْصُرُ في الجاهليةِ ذراعين أو ثلاثَ

(4)

أذرعٍ، وفوقَ ذلك ودونَ ذلك، نُسَمِّيه القَصْرَ.

(1)

ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص 115.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في التفسير 2/ 341، والبخارى (4932)، والحاكم 2/ 511، والبيهقي في البعث (572) من طريق سفيان به، وابن مردويه - كما في فتح البارى 8/ 688 - من طريق عبد الرحمن بن عابس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ت 2، ت 3:"يعمل".

(4)

في ت 2، ت 3:"ثلاثة"، والذراع مؤنثة، وزعم البعض أنه يذكر ويؤنث. ينظر خلق الإنسان في اللغة. ص 130.

ص: 602

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . فالقَصْرُ: الشجرُ المُقَطَّعُ، ويقالُ: القَصْرُ: النخلُ المقطوعُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كَالْقَصْرِ} . قال: حُزَمِ الشجرِ، يعنى الحُزمةَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، و

(3)

ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [عن ابن عباسٍ]

(4)

في هذه الآية: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال: مثلَ قَصْرِ النخلةِ

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} : أصولِ الشجرِ، وأصولِ النخلِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . قال: كأصلِ الشجرِ

(6)

.

حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} : القَصْرُ: أصولُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 323.

(2)

تفسير مجاهد ص 692 ومن طريقه البيهقى في البعث (575)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى عبد بن حميد.

(3)

في النسخ: "قال: ثنا". والمثبت مما سيأتي ص 607.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف وابن المنذر.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 340 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولا.

ص: 603

الشجرِ العظامِ، كأَنَّها أجوازُ الإبلِ الصُّفرِ. وَسَطُ كلِّ شيءٍ جَوْزُه، وهى الأجوازُ

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمٌ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: قرَأها الحسنُ: {كَالْقَصْرِ} . وقال: هو الجَزْلُ مِن الخشبِ. قال: واحدتُه: قَصْرَةٌ وقَصْرٌ، مثلَ: جمرةٌ وجمرٌ، وتمرةٌ وتمرٌ

(2)

.

وذُكر عن ابن عباسٍ أنه قرَأ ذلك: (كالقَصَرِ) بتحريكِ الصادِ

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرني حسينٌ المُعَلِّمُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها:(كالقَصَرِ) بفتحِ القافِ والصادِ

(4)

.

قال: وقال هارونُ: أخبَرنى أبو عمرٍو أنَّ ابن عباسٍ قرَأها: (كالْقَصَرِ)، وقال: قَصَرُ النخلِ، يعنى الأعناقَ.

وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندَنا ما عليه قرَأَةُ الأمصار، وهو سكونُ الصادِ، وأولى التأويلاتِ به أنه القَصْرُ مِن القصورِ؛ وذلك لدَلالةِ قوله:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . على صحتِه، والعربُ تُشَبِّهُ الإبلَ بالقصورِ المَبْنيَّةِ، كما قال الأخطلُ في صفةِ ناقةٍ

(5)

:

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 306، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف.

(3)

وهى قراءة شاذة، ينظر مختصر الشواذ ص 167.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف وابن المنذر.

(5)

تقدم في 17/ 484.

ص: 604

كأنَّها بُرْجُ رُومِيٌّ يُشَيَّدُهُ

لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأَحْجارِ

وقيل: {بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . ولم يُقَلْ: كالقصورِ. والشَّررُ جماعٌ، كما قيل:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]. ولم يُقَل: الأدبارُ. لأنَّ الدبرَ بمعنى الأدبار، وفُعِل

(1)

ذلك توفيقًا بين رؤوسِ الآياتِ ومقاطعِ الكلامِ؛ لأنَّ العربَ تفعلُ ذلك كذلك، وبلسانِها نزل القرآنُ. وقيل:{كَالْقَصْرِ} . ومعنى الكلامِ: كعِظَمِ القصرِ، كما قيل:{تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19]. ولم يُقَلْ: كعُيونِ الذي يُغْشَى عليه. لأنَّ المرادَ في التشبيهِ الفعلُ لا العينُ

(2)

.

كما حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بن السائبِ، أنه سأل الأسودَ عن هذه الآيةِ:{تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} . فقال: مثلَ القصرِ.

وقولُه: {جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كأَنَّ الشَّررَ الذي ترمى به جهنمُ كالقصرِ جمالاتٌ سودٌ؛ أي أَيْنُقٌ

(3)

(*) سودٌ، وقالوا: الصُّفرُ في هذا الموضعِ بمعنى السودِ. قالوا: وإنما قيل لها: صفرٌ. وهى سودٌ؛ لأنَّ ألوانَ الإِبلِ السودِ تَضْرِبُ إلى الصفرةِ؛ ولذلك قيل لها: صفرٌ. كما سُمِّيت الظباءُ أُدْمًا؛ لما يَعْلُوها في بياضِها مِن الظلمةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ

(1)

في ت 2، ت 3:"وقيل".

(2)

ينظر معاني القرآن 3/ 224.

(3)

الأينق: جمع ناقة وهى الأنثى من الإبل. الوسيط (ن و ق).

(*) من هنا خرم في ت 2 ينتهى عند قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} .

ص: 605

راشدٍ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الحسنِ:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: الأَيْنُقُ السودُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} : كالنُّوقِ السودِ الذي رأيتم

(2)

.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{جِمَالَتٌ صُفْرٌ} قال: نوقٌ سودٌ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: هي الإبلُ

(4)

.

قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: كالنُّوقِ السودِ الذي رأيتم (2).

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك قُلُوسُ

(5)

السفن، شبه بها الشَّررَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 323.

(2)

في ت 1، ت 3:"رآهم".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 340 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص 115، وابن كثير في تفسيره 8/ 323.

(5)

قلوس: جمع قَلْس، وهو حبل ضخم من ليف. تاج العروس (ق ل س).

ص: 606

أبيه، عن ابن عباسٍ:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} : فالجِمالاتُ الصفرُ: قُلُوسُ السفنِ، التي تُجمَعُ فتُوثَقُ بها السفنُ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولهِ: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: قُلُوسُ سفن البحرِ، يُجْمَلُ

(2)

بعضُها إلى بعضٍ حتى تكونَ كأوساطِ الرجالِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبد الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ سُئل عن: {جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . فقال: حبالُ السفنِ، يُجْمَعُ بعضُها إلى بعضٍ حتى تكونَ كأوساطِ الرجالِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: ثنا عبدُ الملك بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا هلالُ بن خبابٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: قُلُوسُ الجِسْرِ.

حدَّثني [حوثرةُ بنُ محمدٍ المنْقَرِيُّ]

(5)

، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ اللهِ القطانُ، قال: ثنا هلالُ بن خبابٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: الحبالُ

(6)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 324.

(2)

في ص، ت 1، ت 3:"يحمل". وجمل الشيء: جمعه عن تفرق. الوسيط (ج م ل).

(3)

في ص: "الرحال".

(4)

تتمة الأثر المتقدم تخريجه ص 602.

(5)

في ص، م، ت 1:"محمد بن حويرة بن محمد المنقرى"، وفى ت 3:"محمد بن جويرة بن محمد المنقرى". والمثبت مما تقدم، وقد تقدم على الصواب مرارا. ينظر مثلا 10/ 107، 16/ 196، وينظر كذلك تهذيب الكمال 7/ 460.

(6)

ذكره البغوي في تفسيره 8/ 307، وابن كثير في تفسيره 8/ 324.

ص: 607

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: قُلُوسُ سفنِ البحرِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . قال: حبالُ الجسورِ

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنه قِطَعُ النُّحاسِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} . يقولُ: قِطَعُ النُّحاسِ

(2)

.

وأولى الأقوال عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بالجمالاتِ الصفرِ الإبلُ السودُ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، وأنَّ الجِمالاتِ جمعُ جمالٍ، نظيرُ رِجالٍ ورِجالاتٍ، وبُيُوتٍ وبُيُوتاتٍ.

وقد اختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (جِمالاتٌ)

(3)

، بكسرِ الجيمِ، والتاءِ، على أنَّها جمعُ جمالٍ، وقد يجوزُ أن يكونَ أُريد بها جمعُ جمالةٍ، والجِمالةُ جمعُ جَمَلٍ، كما الحجارةُ جمعُ حَجَرٍ،

(1)

تفسير مجاهد ص 692، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 356 - والبيهقي في البعث (575).

(2)

أخرجه البيهقي في البعث (571) من طريق أبي صالح به.

(3)

هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى بكر عن عاصم. ينظر السبعة ص 666.

ص: 608

والذِّكارةُ جمعُ ذَكَرٍ. وقرَأ ذلك عامة قرأةِ الكوفيِّين: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ} بكسرِ الجيمِ

(1)

، على أنَّها جمعُ جَمَلٍ، جُمِع على جِمالةٍ، كما ذكَرْتُ مِن جمعِ حَجَرٍ حِجَارةٌ.

ورُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (جُمالاتٌ)، بالتاءِ وضمِّ الجيمِ

(2)

، كأنه جمعُ جُمالةٍ، مِن الشيءِ المجملِ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن الحسينِ المُعَلِّمِ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ

(3)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنَّ لقارئ ذلك اختيارَ أيِّ القراءتين شاء، مِن كسرِ الجيمِ وقراءتِها بالتاءِ، وكسرِ الجيمِ وقراءتِها بالهاءِ التي تَصِيرُ في الوصلِ تاءً؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرَأةِ الأمصارِ، فأما ضمُّ الجيمِ فلا أستجيزُه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأَةِ على خلافِه.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومَ القيامةِ للمكذَّبين. هذا الوعيدُ الذي توعَّد اللهُ به المكذِّبين مِن عبادِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المكذِّبين بثوابِ اللهِ وعقابِه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُ أَهلُ التكذيبِ بثوابِ اللهِ وعقابِه.

وَلا يُؤذَنُ لهم فيعتذرونَ مما اجْتَرموا في الدنيا من الذنوبِ.

(1)

وهى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. ينظر المصدر السابق.

(2)

وقرأ بها أيضًا السلمى والأعمش وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ورويس. ينظر البحر المحيط 8/ 407، والنشر 2/ 297.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 304 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 609

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} . وقد عَلِمْتَ بخبرِ اللهِ تعالى عنهم أنَّهم يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} [المؤمنون: 107]. وأنَّهم يقولون: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11]. في نظائرِ ذلك، مما أخبرَ اللهُ ورسولُه عنهم أنَّهم يقولونه؟ قيل: إنَّ ذلك في بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ.

وقولُه: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} . يُخْبِرُ عنهم أنَّهم لا يَنْطِقُون في بعضِ أحوالِ ذلك اليومِ، لا أنَّهم لا يَنطِقون ذلك اليومَ كلَّه.

فإن قال: فهل مِن بُرْهانِ يُعْلَمُ به حقيقةُ ذلك؟ قيل: نعم، وذلك إضافةُ يومٍ إلى قولِه:{لَا يَنْطِقُونَ} . والعربُ لا تُضِيفُ اليوم إلى "فعلَ"، "يفعل"، إلا إذا أرادَتِ الساعةَ من اليومِ، والوقْتَ منه، وذلك كقولِهم: آتيك يومَ يَقْدَمُ فلانٌ. وأَتيتُك يومَ زارك أخوك. فمعلومٌ أن معنى ذلك: أَتَيْتُك ساعةً زارك، أو آتِيك ساعةً يَقْدَمُ، وأنه لم يكنْ إتيانُه إيَّاه اليوم كلَّه؛ لأنَّ ذلك لو كان أخذ اليوم كلَّه لم يُضَفِ اليومُ إلى "فعل" و "يفعل"، ولكن فُعِل ذلك إذا كان اليومُ بمعنى "إذْ" و "إذا" اللَّتين يطْلبان الأفعالَ دونَ الأسماءِ.

وقولُه: {فَيَعْتَذِرُونَ} رُفع عطفًا على قولِه: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ} . وإنَّما اخْتِير ذلك على النصب وقبلُه جحدٌ؛ لأنه رأسُ آيةٍ، قُرِن بينَه وبينَ سائرِ رءُوسِ الآياتِ التي قبلَها، ولو كان جاء نصبًا كان جائزًا، كما قال:{لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} [فاطر: 36]. وكلُّ ذلك جائزٌ فيه، أعْنِى الرفعَ والنصبَ، كما قيل:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة: 245]. رفعًا ونصبًا.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بخبرِ اللهِ عن هؤلاءِ القومِ، وما هو فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ.

ص: 610

وقولُه: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المكذِّبين بالبعثِ يومَ يُبْعثون: هذا يومُ الفصلِ الذي يَفْصِلُ اللهُ فيه بالحقِّ بينَ عبادِه، {جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ}. يقولُ: جمَعْناكم فيه لموعدِكم الذي كنا نَعِدُكم في الدنيا الجمعَ فيه بينَكم وبينَ سائرِ مَن كان قبلَكم من الأممِ الهالكةِ، فقد وفَّيْنا لكم بذلك،

{فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} . يقولُ: واللهُ مُنْجِرٌ لكم ما وعَدكم في الدنيا من العقابِ على تكذيبِكم إيَّاه، بأنكم مَبْعوثون لهذا اليومِ، إن كانت لكم حيلةٌ تَحْتالونها في التخلُّصِ مِن عقابِه اليومَ فاحتالوا.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بهذا الخبرِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين اتقَوا عقابَ اللهِ، بأداءِ فرائضِه في الدنيا واجتنابِ معاصِيه، في ظلالٍ ظليلةٍ، وكِنٍّ كَنِينٍ، لا يُصِيبُهم أذى حرٍّ ولا قرٍّ، إذ كان الكافرون باللهِ في ظلٍّ ذى ثلاثِ شُعَبٍ، لا ظليلٍ ولا يُغْنِى مِن اللَّهَبِ، {وَعُيُونٍ}: أنهارٍ تجرى خلالَ أشجارِ جناتِهم،

{وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} : يأْكُلون منها كلما اشْتَهوا، لا يخافون ضرَّها، ولا عاقبةً مكروهِها.

وقولُه: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: كُلُوا أَيُّها القومُ مِن هذه الفواكهِ، واشرَبوا من هذه العيونِ كلَّ ما اشْتَهيتم {هَنِيئًا}. يقولُ: لا تَكْديرَ عليكم ولا تَنْغِيصَ فيما تَأْكُلونه وتشرَبون منه، ولكنَّه لكم دائمٌ لا يزولُ، ومَرِئٌ لا يُورِثُكم أذًى في أبدانِكم.

ص: 611

وقولُه: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: يقالُ لهم: هذا جزاءٌ بما كنتم في الدنيا تَعْملون من طاعةِ اللهِ، وتَجْتهدون فيما يُقرِّبُكم منه.

وقولُه: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} . يقولُ: إنا كما جَزَيْنا هؤلاء المتقين، بما وصَفْنا من الجزاءِ، على طاعتِهم إيَّانا في الدنيا، كذلك نَجْزِى ونُثِيبُ أهلَ الإحسانِ في طاعتِهم إيَّانا، وعبادتِهم لنا في الدنيا على إحسانِهم، لا نُضِيعُ في الآخرةِ أجرَهم.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ: ويلٌ للذين يُكذِّبون خبَرَ اللهِ عمَّا أخبَرهم به مِن تكريمِه هؤلاءِ المتقين بما أكرَمهم به يومَ القيامةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)} .

يقولُ تعالى ذكرُه تهدُّدًا ووعيدًا منه للمكذِّبين بالبعثِ: كُلُوا في بقيةِ آجالِكم، وتمتَّعوا ببقيةِ أعمارِكم، إنكم مجرمون، مَسْنُونٌ بكم سنةَ من قبلَكم مِن مُجْرِمى الأممِ الخاليةِ، التي مُتِّعت بأعمارِها إلى بلوغِ كتبِها آجالَها، ثم انتَقَمِ اللهُ منها بكفرِها، وتكذيبِها رسلَها.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} . قال: عُنِى به أهلُ الكفرِ

(1)

.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين الذين كذَّبوا خبَرَ اللهِ الذي أخبَرهم به عمَّا هو فاعلٌ بهم في هذه الآيةِ.

وقولُه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 305 إلى المصنف.

ص: 612

لهؤلاءِ المجرمين المكذِّبين بوعيدِ اللهِ أهلِ التكذيبِ به: ارْكَعوا. لا يَرْكعون.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الحينِ الذي يقالٌ لهم فيه؛ فقال بعضُهم: يقالُ لهم ذلك في الآخرةِ حينَ يُدْعَون إلى السجودِ فلا يستطِيعون.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} . يقولُ: يُدْعَون يومَ القيامةِ إلى السجودِ فلا يَسْتَطِيعون السجودَ. من أجلِ أنهم لم يكونوا يَسْجُدون للهِ في الدنيا

(1)

.

وقال آخرون: بل قيل ذلك لهم في الدنيا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} : عليكم بحسنِ الركوعِ، فإنَّ الصلاةَ مِنَ اللهِ بمكانٍ. وقال قتادةُ عن ابن مسعودٍ أنه رأى رجلًا يصلِّى ولا يَرْكَعُ، وآخرُ يَجُرُّ إزارَه، فَضَحِك، قالوا: ما يُضْحِكُك؟ قال: أَضْحَكِنى رجلان؛ أما أحدُهما فلا يَقْبلُ اللهُ صلاتَه، وأما الآخرُ فلا يَنْظُرُ اللهُ إليه

(2)

.

وقيل: عُنِى بالركوعِ في هذا الموضعِ الصلاةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 305 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 305 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 613

الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} . قال: صلُّوا

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ ذلك خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن هؤلاءِ القومِ المجرمين، أنَّهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيِه؛ لا يأْتِمرون لأمرِه، ولا يَنْتَهون عمَّا نهاهم عنه.

وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ: ويلٌ للذين كذَّبوا رسلَ اللهِ، فردُّوا عليهم ما بلَّغوا مِن أَمرِ اللهِ إِيَّاهم ونهيهِ لهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)} .

يقولُ تعالى ذكره: فبأيِّ حديثٍ بعد هذا القرآن. [أي: أنتم]

(2)

أيُّها القومُ كذَّبتم به مع وضوحِ برهانِه وصحةِ دلائلِه، أنه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، (تؤمنون). يقولُ: تُصدِّقون؟

وإنما أعلَمهم اللهُ تعالى ذكرُه أنَّهم إن لم يُصدِّقوا بهذه الأخبارِ التي أخبرَهم بها في هذا القرآنِ، مع صحةِ حُجَجِه على حقيقتِه، لم يُمْكِنْهم الإقرارُ بحقيقةِ شيءٍ مِن الأخبارِ

(3)

التي لم يُشاهِدوا المُخْبَرَ عنه ولم يُعايِنوه، وأنهم إن صدَّقوا بشيءٍ مما غاب عنهم لِدليلٍ قام عليه، لَزِمهم مثلُ ذلك في أخبارِ هذا القرآنِ، واللهُ أعلمُ.

آخرُ تفسيرِ سورةِ "والمرسلاتِ"

(1)

تفسير مجاهد ص 693، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 305 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(2)

في ص، ت 1:"أرايتم".

(3)

بعده في ص: "لم يمكنهم الإقرار بحقيقة شيء من الأخبار". وكتب في هامشها: كذا بالأصل.

ص: 614