الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "عَمَّ يَتساءلون"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: عن أيِّ شيءٍ يتساءلُ هؤلاء المشرِكون باللهِ ورسولِه من قريشٍ يا محمدُ؟ وقيل ذلك له صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشًا جعَلت - فيما ذُكِر عنها - تَخْتَصِمُ وتتجادلُ في الذي دعاهم إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ من الإقرارِ بنبوَّتِه، والتصديقِ بما جاء به من عندِ اللهِ، والإيمانِ بالبعثِ، فقال اللهُ لنبيِّه: فيم يتساءلُ هؤلاء القومُ ويَخْتَصِمون؟ و "في" و "عن" في هذا الموضعِ بمعنًى واحدٍ.
ذكرُ مَن قال ما ذكَرْتُ
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، عن مِشعرٍ، عن محمدِ بن جُحَادةَ، عن الحسنِ، قال: لما بُعثِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم جعَلوا يتساءلون بينَهم، فأنزَل اللهُ:{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} . يعنى: الخبرِ العظيمِ
(1)
.
قال أبو جعفرٍ: ثم أخبرَ اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن الذي يَتَساءلونه، فقال: يَتَساءلون {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} . يعنى: عن الخبرِ العظيمِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ
(2)
بالنبأِ العظيم؛ فقال بعضُهم: أُريد به القرآنُ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 305 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
بعده في ص: "الذي".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} . قال: القرآنِ
(1)
.
وقال آخرون: عُنِى به البعثُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} : وهو البعثُ بعدَ الموتِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} . قال: النبأُ العظيمُ: البعثُ بعدَ الموتِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} . قال: يومِ القيامةِ. قال: قالوا: هذا اليومُ الذي تَزْعُمون أنَّا نحيَا فيه وآباؤُنا. قال: فهم فيه مختلِفون، لا يؤمِنون به، فقال اللهُ: {قُلْ
(3)
هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 68، 69]. يومُ القيامةِ لا يُؤمِنون به.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ
(4)
يقولُ: معنى ذلك: عمَّ يَتَحَدَّثُ
(5)
به قريشٌ في
(1)
تفسير مجاهد ص 694، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 305 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 326.
(3)
في النسخ: "بل".
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 227.
(5)
في ت 1، ونسخة من معاني القرآن:"تتحدث".
القرآن. ثم أجاب، فصارت {عَمَّ} كأنها في معنى: لأيِّ شيءٍ يَتَساءلون عن القرآنِ؟! ثم أخبرَ فقال: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} . بينَ مصدِّقٍ ومكذِّبٍ، فذلك اختلافُهم.
وقولُه: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: الذي صاروا هم فيه مُختلِفون فرِيقَينِ؛ فريقٌ به مصدِّقٌ، وفريقٌ به مكذِّبٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: فتساؤلُهم بينَهم في النبأِ الذي هذه صفتُه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: عن النبأِ الذي هم فيه مختلِفون: البعثِ بعدَ الموتِ، فصار الناسُ فيه فريقَينِ؛ مصدِّقٌ ومكذِّبٌ، فأما الموتُ فقد أقرُّوا به؛ لمعاينَتِهم إياه، واختلَفوا في البعثِ بعد الموتِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} : صار الناسُ فيه رجلَيْنِ؛ مصدِّقٌ ومكذَّبٌ، فأما الموتُ فإنهم أقرُّوا به كلُّهم؛ لمعاينتِهم إياه، واختلَفوا في البعثِ بعدَ الموتِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} . قال: مصدِّقٌ ومكذِّبٌ
(2)
.
وقولُه: {كَلَّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمُ هؤلاء المشرِكون
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 305 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 342 عن معمر به.
الذين يُنكرون بعثَ اللهِ إياهم أحياءَ بعدَ مماتِهم. وتوعَّدهم جلَّ ثناؤُه على هذا القولِ منهم، فقال:{سَيَعْلَمُونَ} . يقولُ: سيعلَمُ هؤلاء الكفارُ المُنكِرون وعيدَ اللهِ أعداءَه ما اللهُ فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ. ثم أكَّد الوعيدَ بتكريرٍ آخرَ، فقال: ما الأمرُ كما يَزْعُمون من أن الله غيرُ محيِيهم بعدَ مماتهم، ولا مُعاقبهم على كفرِهم به، سيَعْلَمون أن القولَ غيرُ ما قالوا إذا لقُوا الله، وأَفْضَوا إلى ما قدَّموا من سيِّئِ أعمالِهم.
وذُكِر عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ:{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} : الكفارُ، {ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}: المؤمنون
(1)
. وكذلك كان يَقْرَؤُها
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)} .
يقولُ تعالى ذكرُه معدِّدًا على هؤلاء المشرِكين نِعَمَه وأيادِيَه عندَهم، وإحسانَه إليهم، وكفرانَهم ما أنعَم به عليهم، ومتوعِّدَهم بما أعدَّ لهم عندَ ورودِهم عليه، من صنوفِ عقابِه، وأليمِ عذابِه، فقال لهم: ألم نَجْعَلِ الأَرضَ لكم مِهَادًا تَمْتَهدونها وتَفْتَرشونها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} . أي: بِساطًا.
(1)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 311، والقرطبي في تفسيره 19/ 170، 171، وأبو حيان في تفسيره 8/ 411، وذكر أن الضحاك قرأ الأولى بالتاء والثانية بالياء. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 إلى المصنف.
{وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} . يقولُ: والجبال للأرضِ أوتادًا أن تَميدَ بكم،
{وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا} : ذُكرانًا وإناثًا، وطوالًا وقِصارًا، أو ذوى دَمامةٍ [وجمالٍ. مثلَ]
(1)
قولِه: {الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22]. يَعْني به ضُرَباءَهم
(2)
، {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا}. يقولُ: وجعَلنا نومَكم لكم راحةً ودَعةً، تهدَءون به وتَسْكُنون، كأنكم أمواتٌ لا تَشْعُرون، وأنتم أحياءٌ لم تُفَارِقْكم الأرواحُ.
والسَّبتُ والسُّباتُ هو السكونُ. ولذلك سُمِّى السبتُ سبتًا؛ لأنه يومُ راحةٍ ودعَةٍ،
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا الليلَ لكم غِشاءَ يَتَعَشَّاكم سوادُه، وتُغَطِّيكم ظلمتُه، كما يُغَطِّى الثوبُ لابسَه؛ لتسكُنوا فيه عن التصرُّف لِمَا كنتم تتصرَّفون له نهارًا، ومنه قولُ الشاعرِ
(3)
:
فلما لَبِسنَ الليلَ أو حينَ نَصَّبَتْ
…
له من خَذا آذانِها وهْوَ جانحُ
(4)
يعنى بقولِه: لبِسن الليلَ: أُدْخِلْنَ في سوادِه فاستتَرْنَ به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن قتادةَ:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} . قال: سكَنًا
(5)
.
وقولُه: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} . يقولُ: وجعَلْنا النهارَ لكم ضياءً؛ لتنتَشِروا
(1)
في ص، ت 1:"جمالة من".
(2)
في م: "صيرناهم".
(3)
تقدم في 1/ 344، 12/ 239.
(4)
في م: "دالج".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 327.
فيه لمعايشِكم
(1)
، وتتصرَّفوا فيه لمصالحِ دنياكم، وابتغاءَ فضلِ اللهِ فيه.
وجعَل جلَّ ثناؤُه النهارَ - إذ كان سببًا لتصرُّفِ عبادِه لطلبِ المعاشِ فيه - معاشًا، كما في قولِ الشاعرِ:
وأخو الهُمومِ إذا الهُمومُ تَحضَّرَت
…
جُنْحَ الظلامِ وِسادُه لا يَرْقُدُ
فجعل الوسادَ هو الذي لا يَرْقُدُ، والمعنى لصاحبِ الوسادِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{النَّهَارَ مَعَاشًا} . قال: يَبْتَغون فيه من فضلِ اللهِ
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ} : وسَقَّفْنا فوقَكم. فجعَل السقفَ بناءً، إذ كانت العربُ تُسَمِّى سقوفَ البُيوتِ
(3)
- وهى سماؤُها - بناءً، وكانت السماء للأرضِ سُقُفًا، فخاطَبهم بلسانِهم، إذ كان التنزيلُ بلسانِهم، وقال:{سَبْعًا شِدَادًا} . إذ كانت وِثاقًا محكَمةَ الخلقِ، لا صُدوع فيهنَّ ولا فُطورَ، ولا يُبْلِيهن مَرُّ الليالي والأيامِ.
وقولُه: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا} . يعنى بالسراجِ الشمسَ. وقولُه: {وَهَّاجًا} . يعنى: وقَّادًا مُضيئًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
في م: "لمعاشكم".
(2)
تفسير مجاهد ص 694، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
في م: "البيت".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} . يقولُ: مُضيئًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} . يقولُ: سراجًا منيرًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولُه:{سِرَاجًا وَهَّاجًا} . قال: يتلألأُ
(2)
.
حدَّثنا ابن عبدُ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{سِرَاجًا وَهَّاجًا} . قال: الوهَّاجُ المنيرُ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{سِرَاجًا وَهَّاجًا} . قال: بتلألأُ ضوءُه.
وقولُه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالمعصراتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الرياح التي تَعْصِرُ في هبوبِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 359، والإتقان 2/ 53 - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 إلى ابن المنذر.
(2)
تفسير مجاهد ص 694، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 342 عن معمر به.
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} : فالمعصراتُ الريحُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةً أنه كان يَقْرَأُ:(وأنزَلْنا بالمعصراتِ). يعنى: الرياحِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {مِنَ الْمُعْصِرَاتِ}. قال: الريحِ]
(3)
.
وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ
(4)
، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: هي في بعضِ القراءةِ: (وَأَنْزَلْنا بالمعصِراتِ)
(5)
: الرياحِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} . قال: المعصراتُ الرياحُ. وقرَأ قولَه: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} إلى آخرِ الآيةِ
(6)
[الروم: 48].
وقال آخرون: بل هي السحابُ التي تتحلَّبُ بالمطرِ ولمَّا تُمْطِرْ، كالمرأةِ المعصِرِ
(1)
أخرجه أحمد في مسائله (484، 485 - رواية صالح)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 327 - من طرق عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 603 إلى عبد بن حميد وأبي يعلى والخرائطي.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 327، وقراءة عكرمة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(3)
سقط من: ت 1.
والأثر في تفسير مجاهد ص 694، وأخرجه أحمد في مسائله (480 - رواية صالح)، من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"جميعا".
(5)
وهى قراءة شاذة، وبها قرأ ابن الزبير وابن عباس وأخوه الفضل وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة. البحر المحيط 8/ 411.
(6)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 327.
التي قد دنا أوانُ حيضِها ولم تَحِضْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} . قال: المعصراتُ السحابُ
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} . يقولُ: من السحابِ
(2)
.
قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{الْمُعْصِرَاتِ} : السحابِ
(3)
.
وقال آخرون: بل هي السماءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} . قال: من السماءِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا
(4)
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} . قال: من السماواتِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} . قال: من السماءِ
(5)
.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 327.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 52 - من طريق أبي صالح به.
(3)
ينظر تفسير البغوي 8/ 312، وتفسير ابن كثير 8/ 327.
(4)
سقط من: م.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 342 - ومن طريقه أحمد في مسائله (483 - رواية صالح)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (558 - منتقى) - عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 =
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله أخبرَ أنه أنزَل من المعصِراتِ - وهى التي قد تحلَّبت بالماءِ من السحابِ - ماءً.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن القولَ في ذلك على أحد الأقوالِ الثلاثةِ التي ذكَرْتُ، والرياحُ لا ماءَ فيها فيَنْزِلَ منها، وإنما يَنْزِلُ بها، وكان يَصِحُّ أن تكونَ الرياحَ
(1)
لو كانت القراءةُ: (وأنزلنا بالمعصِراتِ). فلما كانت القراءةُ: {مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} عُلِم أن المعنيَّ بذلك ما وصَفتُ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن "الباءَ" قد تَعْقُبُ في مثلِ هذا الموضعِ "مِن". قيلَ: ذلك وإن كان كذلك، فالأغلبُ من معنى "مِن" غيرُ ذلك، والتأويلُ على الأغلبِ من معنى الكلامِ. فإن قال: فإن السماءَ قد يجوزُ أن تكونَ مرادًا بها. قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن الأغلبَ من نزولِ الغيثِ من السحابِ دونَ غيرِه.
وأما قولُه: {مَاءً ثَجَّاجًا} . يقولُ: مَاءً مُنْصَبًا يَتْبَعُ بعضُه بعضًا. كتَجِّ دماءِ البُدْنِ، وذلك سفكُها.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{مَاءً ثَجَّاجًا} . قال: مُنْصَبًّا
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
= إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(1)
بعده في م: "و".
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 52 - من طريق أبي صالح به.
أبيه، عن ابن عباس:{مَاءً ثَجَّاجًا} : ماءً من السماءِ مُنْصَبًّا.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مَاءً ثَجَّاجًا} . قال: مُنْصَبًّا
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مَاءً ثَجَّاجًا} . قال: الثَّجَّاجُ المنصَبُّ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ عن الربيعِ:{مَاءً ثَجَّاجًا} . قال: مُنْصَبًّا
(3)
.
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{مَاءً ثَجَّاجًا} . قال: مُتَتَابِعًا
(3)
.
وقال بعضُهم: عُنِى بالثجَّاجِ الكثيرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، [قال: قال ابنُ زيدٍ]
(4)
: {مَاءً ثَجَّاجًا} . قال: كثيرًا.
ولا يُعرَفُ في كلامِ العربِ من صفة الكثرة الثجُّ، وإنما الثجُّ الصبُّ المتتابعُ، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أفضلُ الحجِّ العجُّ
(5)
والثجُّ"
(6)
. يَعْنى بالثجِّ صبَّ دماءِ الهدايا
(1)
تفسير مجاهد ص 694، وأخرجه أحمد في مسائله (482 - رواية صالح)، من طريق ابن أبي نجيح.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 342 عن معمر به.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 327.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1.
(5)
العج: رفع الصوت بالتلبية. ينظر اللسان (ع ج ج).
(6)
أخرجه الترمذى (827)، وابن ماجه (2924)، وأبو يعلى (117) من حديث أبي بكر. وأخرجه =
والبُدْنِ بذبحِها. يُقالُ منه: ثجَجْتُ، دمَه، فأنا أثجُّه ثجًّا، وقد ثَجَّ الدمُ، فهو يَثِجُّ ثُجوجًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: لنُخْرِجَ بالماء الذي تُنْزِلُه من المعصِراتِ إلى الأرضِ حبًّا. والحبُّ كلُّ ما تَضَمَّنَه كِمامُ الزرعِ التي تُحْصَدُ، وهي جمعُ حبةٍ، كما الشعيرُ جمعُ شعيرةٍ، وكما التمرُ جمعُ تمرةٍ. وأما النباتُ فهو الكلأُ الذي يُرْعَى من الحشيشِ والزروعِ.
وقوله: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . يقولُ: ولنُخْرِجَ بذلك الغيثِ جناتٍ، وهى البساتينُ. وقال:{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . والمعنى: وثمرَ جَنَّاتٍ. فترَك ذكرَ الثمرِ استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه من ذكرِه.
وقولُه: {أَلْفَافًا} . يعنى: ملتفةً مجتمعةً.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . قال: مجتمِعةً
(1)
.
= ابن أبي شيبة ص 437 (القسم الأول من الجزء الرابع)، والترمذي (2998)، وابن ماجه (967) من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو يعلى (5086) من حديث عبد الله بن مسعود.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 52 - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 إلى ابن المنذر.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . يقولُ: جناتٍ التفَّ بعضُها ببعضٍ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . قال: مُلتفةً
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . قال: التفَّ بعضُها إلى بعضٍ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . قال: التفَّ بعضُها إلى بعضٍ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . قال: ملتفةً.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} . قال: هي الملتفةُ بعضُها فوقَ بعضٍ.
واختلف أهلُ العربيةِ في واحدِ الألفافِ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: واحدُها: لِفٌّ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: واحدُها: لِفٌّ ولفيفٌ. قال: وإِن شِئْتَ كان الألفافُ جمعًا، واحدُه جمعٌ أيضًا، فتقولُ: جنةٌ لَفَّاءُ، وجناتٌ لَفَاءُ
(4)
. ثم يُجْمَعُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف.
(2)
تفسير مجاهد ص 694.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 342 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 306 إلى عبد بن حميد.
(4)
في م: "لف".
اللِّفُّ ألفافًا.
وقال آخرُ منهم: لم نَسْمَعْ بـ: شجرةٌ لَفَّةٌ. ولكنَّ واحدَها لَفَّاءُ، وجمعَها لِفٌّ، وجمعَ لِفٍّ ألفافٌ، فهو جمعُ الجمعِ.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن الألفافَ جمعُ لِفٍّ أو لفيفٍ، وذلك أن أهلَ التأويلِ مُجْمِعون على أن معناه: ملتفةٌ. واللَّفَّاءُ هي الغليظةُ، وليس الالتفافُ من الغِلَظ في شيءٍ، إلا أن يُوَجَّهَ إلى أنه غِلَظُ الالتفاف، فيكون ذلك حينَئذٍ وجهًا.
وقولُه: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن يومَ يَفْصِلُ اللهُ فيه بينَ خلقِه، فيأخُذُ فيه من بعضِهم لبعضٍ، كان ميقاتًا لما أنفَذ اللهُ لهؤلاءِ المكذِّبين بالبعثِ، ولضُربائِهم من الخلقِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} : وهو يومٌ عظَّمه اللهُ، يَفْصِلُ اللهُ فيه بينَ الأوَّلين والآخِرين بأعمالِهم
(1)
.
وقولُه: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} . تَرْجَمَ بـ: {يَوْمَ يُنْفَخُ} . عن يومِ الفصل، فكأنه قيل: يومُ الفصلِ كان أجلًا لما وعَدْنا هؤلاءِ القومَ، يومَ يُنْفَخُ في الصورِ.
وقد بيَّنتُ معنى الصورِ فيما مضَى قبلُ، وذكرتُ اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ
(2)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
ينظر ما تقدم في 9/ 339، 340، 15/ 416 - 419.
وهو قَرْنٌ يُنفَخُ فيه عندَنا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أسلمَ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"الصُّورُ قَرْنٌ"
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} : والصُّورُ الخَلْقُ
(2)
.
وقولُه {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} . يقولُ: فتجِيئون زُمَرًا زُمَرًا، وجماعةً جماعةً.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{أَفْوَاجًا} . قال: زُمَرًا زُمَرًا
(3)
.
وإنما قيل: {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} ؛ لأن كلَّ أمةٍ أرسل اللهُ إليها رسولًا تأتى مع الذي أُرسِل إليها، كما قال:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ} [الإسراء: 71].
وقولُه: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وشُقِّقت السماءُ فصُدِّعت، فكانت طُرُقًا، وكانت من قبلُ شِدادًا لا فُطُورَ فيها ولا صُدُوعَ.
وقيل: معنى ذلك: وفُتِحت السماءُ فكانت قِطعًا كقطعِ الخشبِ المشقَّقةِ لأبوابِ الدورِ والمساكنِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: وفُتِحت السماءُ فكانت قِطعًا
(1)
تقدم تخريجه في 15/ 416، 417.
(2)
تقدم تخريجه في 18/ 134، 23/ 420.
(3)
تفسير مجاهد ص 694. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
كالأبوابِ. فلما أُسْقِطت الكافُ صارت الأبوابُ الخبرَ. كما يُقالُ في الكلامِ: كان عبدُ اللهِ أسدًا: كالأسدِ.
وقولُه: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} . يقولُ: ونُسِفت الجبالُ فاجتُثَّت من أصولِها، فصُيِّرت هباءً مُنبثًّا لعينِ الناظرِ، كالسرابِ الذي يَظُنُّ مَن يَراه من بُعدٍ ماءً، وهو في الحقيقةِ هباءٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {إِنَّ جَهَنَّمَ [كَانَتْ مِرْصَادًا} : إن جهنَّمَ كانت]
(1)
ذاتَ رصدٍ لأهلِها الذين كانوا يُكَذِّبون في الدنيا بها، وبالمعاد إلى الله في الآخرةِ، ولغيرِهم من المصدِّقين بها. ومعنى الكلامِ: إن جهنمَ كانت ذاتَ ارتقابٍ، تَرْقُبُ من يجتازُها وتَرْصُدُهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ بن بكرِ بن عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، قال: كان الحسنُ إذا تلا هذه الآية: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} . قال: ألا إن على البابِ الرَّصَدَ، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يَجِئْ بجوازٍ احتبَس
(2)
.
(1)
سقط من: م.
(2)
أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (901) من طريق عبد الله بن بكر به.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} . قال: لا يَدْخُلُ الجنةَ أحدٌ حتى يجتاز النارَ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} : تَعَلَّمُن
(2)
أنه لا سبيلَ إلى الجنةِ حتى تَقْطَعَ النارُ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} قال: عليها ثلاثُ قناطرَ
(4)
.
وقولُه: {لِلطَّاغِينَ مَآبًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن جهنمَ للذين طغَوا في الدنيا فتجاوزوا حدودَ اللهِ، استكبارًا على ربِّهم، كانت منزِلًا ومرجعًا يَرْجِعون إليه، ومصيرًا يَصيرون إليه يَسْكُنونه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لِلطَّاغِينَ مَآبًا} .
أي: منزلًا ومأوًى.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ عن سفيانَ: {مَآبًا} . يقولُ: مَرْجِعًا ومَنْزِلًا.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
في م: "يعلمنا".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف.
وقولُه: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . يقولُ تعالى ذكره: إن هؤلاء الطاغين في الدنيا لابِثون في جهنمَ، فماكثون فيها أحقابًا.
واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {لَابِثِينَ} ؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأة الكوفةِ: {لَابِثِينَ} . بالألفِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (لَبِثِين). بغيرِ ألفٍ
(1)
. وأفصحُ القراءتينِ وأصحُّهما مخرجًا في العربيةِ قراءةُ من قرَأ ذلك بالألفِ؛ وذلك أن العرب لا تكادُ تُوقِعُ الصفةَ إذا جاءت على "فَعِل"، فتُعْمِلَها في شيءٍ وتَنْصِبَه بها، لا يكادون أن يقولوا: هذا رجلٌ بَخِلٌ بمالِه. ولا: عَسِرٌ علينا. ولا: هو خَصِمٌ لنا. لأن "فَعِل" لا يأتى صفةً إلا مدحًا أو ذمًّا، فلا يَعْمَلُ المدحُ والذمُّ في غيرِه، وإذا أرادوا إعمالَ ذلك في الاسمِ أو غيرِه جعَلوه فاعلًا، فقالوا: هو باخلٌ بمالِه، وهو طامعٌ فيما عندنَا. فلذلك قلتُ: إن: {لَابِثِينَ} . أصحُّ مخرجًا في العربيةِ وأفصحُ. ولم أُحِلْ قراءة من قرَأ: (لَبِثينَ). وإن كان غيرُها أفصحَ؛ لأن العربَ ربما أعمَلت المدحَ في الأسماءِ، وقد يُنْشَدُ بيتُ لبيدٍ
(2)
:
أوْ مسحَلٌ عَمِلٌ عِصَادَةَ سَمْحَجٍ
…
بسَراتِها نَدَبٌ له وكُلُومُ
(3)
فأَعْمَل "عَمِلٌ" في "عِضادةَ"، ولو كانت "عامِلًا" كانت أفصحَ.
(1)
قرأ حمزة وروح: (لَبثين) بغير ألف، وقرأ الباقون {لَابِثِينَ} بألف. ينظر النشر 2/ 297.
(2)
شرح ديوانه ص 125، وفيه: سَنِق، مكان: عمل. وكرواية المصنف في معاني القرآن للفراء 3/ 228.
(3)
المسحل: الفحل من الحُمُر، وسحيله: صوته. وعضادة سمحج: أحد شقيها. والسمحج: الأتان الطويلة الظهر. وسراتها: أعلى ظهرها والندب: خدوش وآثار، جمع نَدَبة. والكلوم: جراحات من عضه
إياها. شرح ديوان البيد ص 125.
ويُنشَدُ أيضًا
(1)
:
* وبالفأسِ ضَرّابٌ رءوسَ الكَرانفِ
(2)
*
ومنه قولُ عباسِ بن مِرْداسٍ
(3)
:
أَكَرَّ وأَحْمَى للحقيقةِ منهمُ
…
وأَضْرَبَ منا بالسيوف القَوانِسا
(4)
وأما الأحقاب فجمعُ حِقَبٍ، والحِقَبُ جمعُ حِقْبَةٍ، كما قال الشاعرُ
(5)
:
عِشْنا
(6)
كنَدْمَانَيْ جَدِيمَةً حِقْبَةً
…
من الدهرِ حتى قيل لن نَتَصَدَّعا
فهذه جمعُها حِقَبٌ. ومن الأحقابِ التي [هي جمعُ]
(7)
حُقُبٍ قولُ اللهِ: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف: 60] فهذا واحدُ الأحقابِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ مدةِ الحقبِ؛ فقال بعضُهم: مدتُه
(8)
ثلاثُمِائةِ سنةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى القزازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيدٍ، عن بُشَيْرِ بن كعب في قوله:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . قال:
(1)
عجز بيت في معاني القرآن للفراء 2283، واللسان (ز ع ب) غير منسوب، وصدره كما في اللسان:
* من الزعب لم يضرب عدوا بسيفه *
(2)
الكرانف: جمع الكرناف والكرنافة، بضم الكاف وكسرها وهى أصل السعفة الغليظة في جذع النخلة. ينظر اللسان (كرنف).
(3)
البيت في الأصمعيات ص 205، والحماسة لأبي تمام 1/ 246، وخزانة الأدب 7/ 10، 8/ 319، 321.
(4)
القوانس: جمع قونس، وهو مقدم الرأس. الوسيط (ق ن س).
(5)
هو متمم بن نويرة يرثى أخاه مالكا، ديوان مالك ومتمم ابنى نويرة ص 111.
(6)
رواية الديوان: "وكنا"، والبيت من بحر الطويل وعلى الرواية ههنا بدون الواو يكون في البيت خرم، وهو حذف أول متحرك من الوتد المجموع في أول البيت. الكافي في العروض والقوافي ص 27.
(7)
في النسخ: "جمعها". وينظر ما تقدم في 15/ 309.
(8)
في م: "مدة".
بلغني أن الحقبَ ثلاثُمِائةِ سنةٍ، كلُّ سنةٍ ثلاثمائةٍ وستون يومًا، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ
(1)
.
وقال آخرون: بل مدةُ الحقبِ الواحدِ ثمانون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: ثني عمارٌ الدُّهْنيُّ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، قال: قال عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه لهلالٍ الهَجَريِّ: ما تَجِدونَ الحقبَ في كتابِ اللهِ المنزلِ؟ قال: نَجِدُه ثمانين سنةً، كلُّ سنةٍ اثنا عشرَ شهرًا، كلُّ شهرٍ ثلاثون يومًا، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ
(2)
.
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصر، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ أنه قال: الحقبُ ثمانون سنةً، والسنةُ ستون وثلاثُمِائةِ يومٍ، واليومُ ألفُ سنةٍ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن أبي سنانٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: الحقبُ ثمانون سنةً (1).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِه:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . قال: الحقبُ ثمانون سنةً، السنةُ ثلاثُمِائةٍ وستون يومًا، اليومُ سنةٌ أو ألفُ سنةٍ (1). الطبريُّ يَشُكُّ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف.
(2)
أخرجه هناد في الزهد (220) من طريق سفيان به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 342 من طريق عمار الدهنى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه هناد في الزهد (219)، وتفسير مجاهد ص 695 من طريق عاصم بن أبي النجود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} : وهو ما لا انقطاعَ له، كلما مضَى حقبٌ جاء حُقُبٌ بعدَه، وذُكِر لنا أن الحقبَ ثمانون سنةً
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{أَحْقَابًا} . قال: بلَغَنا أن الحقبَ ثمانون سنةً مِن سِنِى الآخرةِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} : لا يَعْلَمُ عِدَّةَ هذه الأحقابِ إلا اللهُ، ولكنَّ الحقبَ الواحدَ ثمانون سنةً، والسنةُ ثلاثمائةٍ وستون يومًا، كلُّ يومٍ من ذلك ألفُ سنةٍ
(3)
.
وقال آخرون: الحقبُ الواحدُ سبعون
(4)
ألفَ سنةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثني عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زُهيرٍ، سالم، قال: سمِعْتُ الحسن يُسْأَلُ عن قولِ اللهِ: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . قال: أما الأحقابُ فليس لها عِدَّةٌ إلا الخلودُ في النارِ، ولكن ذكَروا أن الحقبَ الواحدَ سبعون ألفَ سنةٍ، كلُّ يومٍ من تلك الأيامِ السبعين ألفًا، كألفِ سنةٍ مما تَعُدُّون
(5)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 342 عن معمر به.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.
(4)
في ص، ت 1:"أربعون".
(5)
في ص، ت 1:"نعده".
والأثر ذكره ابنُ كثير في تفسيره 8/ 330 عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص 695 من طريق المبارك ابن فضالة، عن الحسن بمعناه.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قولِه:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . قال: أما الأحقابُ فلا يَدْرِى أحدٌ ما هي، وأما الحقبُ الواحدُ فسبعون ألفَ سنةٍ، كلُّ يومٍ كألفِ سنةٍ
(1)
.
ورُوِى عن خالدِ بن مَعْدانَ في هذه الآيةِ أنها في أهلِ القبلةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عامرِ بن جَشِيبٍ
(2)
، عن خالدِ بن مَعْدانَ في قوله:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . وقولِه: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 108]: إنهما في أهل التوحيدِ مِن أهل القبلةِ
(3)
.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في هذا الحديثِ؟ قيل: الذي قاله قتادةُ و
(4)
الربيعُ بنُ أنسٍ في ذلك أصحُّ. فإن قال: فما للكفارِ عندَ اللهِ عذابٌ إلا أحقابًا؟ قيل: إن قتادةَ والربيعَ قد قالا: إن هذه الأحقابَ لا انقضاءَ لها ولا انقطاعَ.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معنى ذلك: لابثين فيها أحقابًا في هذا النوعِ مِن العذابِ، وهو أنهم {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} ، فإذا انْقَضَت تلك الأحقابُ صار لهم من العذاب أنواعٌ غيرُ ذلك، كما قال جلَّ ثناؤُه في كتابِه: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا
(1)
أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (118) من طريق هشام بن حسان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى عبد بن حميد.
(2)
في ص، ت 2، ت:"حسنة"، وفى م:"جشب"، وفى ت 1:"حسيب". والمثبت مما تقدم في 12/ 581.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 330، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 307 إلى المصنف، وينظر ما تقدم في 12/ 581.
(4)
في النسخ: "عن". والمثبت هو الصواب، ويشير المصنف بذلك إلى الأثرين المرويين عن قتادة والربيع في الصفحة السابقة، وسيأتي ذلك في السطر التالى.
فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص: 55 - 58]. وهذا القولُ عندى أشبهُ بمعنى الآيةِ.
وقد رُوِى عن مُقاتلِ بن حَيَّانَ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سلمةَ، قال: سأَلْتُ أبا معاذٍ الخُراسانيَّ عن قولِ اللهِ: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . فأخْبرَنا عن مقاتلِ بن حَيانَ، قال: منسوخةٌ، نسخَتها:{فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا}
(1)
.
ولا معنى لهذا القولِ؛ لأن قولَه: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} . خبرٌ، والأخبارُ لا يكونُ فيها نسخٌ، وإنما النسخُ يكونُ في الأمرِ والنهي.
وقولُه: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا} . يقولُ: لا يَطْعَمون فيها بردًا يُبَرِّدُ حرَّ السَّعيرِ عنهم إلا الغَسَّاقَ، ولا شرابًا يَروِيهم من شدةٍ العطشِ الذي بهم إلا الحميمَ.
وقد زعم بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ
(2)
أن البردَ في هذا الموضعِ النومُ، وأن معنى الكلامِ: لا يذوقون فيها نومًا ولا شرابًا. واسْتَشْهد لقيله ذلك بقول الكِنْديِّ
(3)
:
بَرَدَتْ مراشِفُها عليَّ فصَدَّني
…
عنها وعن قُبُلاتِها البَرْدُ
يعنى بالبردِ النُّعاسَ.
والنومُ إن كان يُبَرِّدُ غليل العطش، فقيل له من أجلِ ذلك: البردُ. فليس هو باسمِه المعروفِ، وتأويلُ كتابِ اللهِ على الأغلبِ من معروفِ كلام العربِ دونَ غيرِه.
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 315، وابن كثير في تفسيره 8/ 330.
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 228.
(3)
هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص 231.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعٍ:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} : فاستَثْنَى مِن الشرابِ الحميمَ، ومِن البردِ الغَسَّاقَ
(1)
.
وقوله: {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَذُوقون فيها بردًا ولا شرابًا، إلا حميمًا قد أُغْلِى حتى انْتَهَى حرُّه، فهو كالمُهْلِ يَشوِى الوجوهَ، ولا بردًا إلا غَسَّاقًا.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الغَسَّاقِ؛ فقال بعضُهم: هو ما سال مِن صَديدِ أهلِ جهنمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ ابنُ سعدٍ في قولِه:{حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . قال: هو الذي يَسِيلُ مِن جلودِهم
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: زعَم عكرمةُ أنه حدَّثهم في قولِه: {وَغَسَّاقًا} . قال: ما يَخْرُجُ مِن أبصارِهم من القَيْحِ والدمِ
(3)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 330 عن الربيع، وأخرجه هناد في الزهد (292) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى عبد بن حميد عن أبي العالية أيضا.
(2)
أخرجه هناد في الزهد (289) عن ابن إدريس به.
(3)
ينظر فتح البارى 6/ 331.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيم وأبى رَزينٍ:{إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . قالا: غُسالة أهلِ النارِ. لفظُ ابنُ بشارٍ، وأما ابنُ المثنى فقال في حديثه: ما يَسِيلُ من صديدِهم
(1)
.
وحدَّثنا ابنُ بشارٍ مرةً أُخرى، عن عبدِ الرحمنِ، فقال كما قال ابنُ المثنى.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ:{وَغَسَّاقًا} . قال: ما يَسِيلُ مِن صديدِهم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، [عن أبي رَزِينٍ و]
(2)
إبراهيمَ مثلَه
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَغَسَّاقًا} : كنا نُحَدَّثُ أن الغساقَ ما يَسِيلُ مِن بين جلدِه ولحمِه
(4)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن سفيانَ أنه قال: بلَغَني أنه ما يَسِيلُ مِن دموعِهم.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{وَغَسَّاقًا} . قال: ما يسيلُ من صديدهم من البردِ. قال سفيانُ: وقال غيرُه: الدموعُ.
(1)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (297 - زيادات نعيم بن حماد) من طريق سفيان به.
(2)
في النسخ: "وأبى رزين عن". والمثبت هو الصواب، وهو ما يناسب ما مضى وما سيأتي من أسانيد عن منصور عن أبي رزين وإبراهيم، وكذلك فإن سفيان ليست له رواية عن أبي رزين مسعود بن مالك. ينظر تهذيب الكمال 11/ 154، 27/ 477.
(3)
أخرجه هناد في الزهد (291)، وابن أبي شيبة 13/ 419 عن وكيع به، وليس عند ابن أبي شيبة قول إبراهيم، وقول أبي رزين عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 318 إلى عبد بن حميد.
(4)
تقدم تخريجه في 20/ 128.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . قال: الحميمُ دموعُ أعينِهم في النارِ، يَجْتَمِعُ في خنادقِ النارِ فيُسْقَوْنه، والغساقُ: الصديدُ الذي يَخْرُجُ من جلودهم مما تَصْهَرُهم النارُ في حياضٍ يجتمعُ فيها فيُسْقَوْنه
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . قال: الغساقُ ما يُقَطَّعُ
(2)
من جلودِهم، وما يَسِيلُ مِن نَتْنِهم
(3)
.
وقال آخرون: الغساقُ الزَّمْهَرِيرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . يقولُ: الزمهريرُ
(4)
.
حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ وابنُ المثنى، قالوا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ ليثًا، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . قال: الذي لا يَسْتَطيعون أن يَذُوقوه من بردِه
(5)
.
قال
(6)
: ثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} . قال: الذي لا يَسْتَطيعونه مِن بردِه.
(1)
شطره الأول ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص 152، وتقدم شطره الثاني في 20/ 128.
(2)
في م: "يقطر".
(3)
تقدم تخريجه في 20/ 128.
(4)
أخرجه البيهقي في البعث والنشور (567) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 318، 6/ 308 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
تقدم تخريجه في 20/ 130، وأيضًا عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى عبد الرزاق وابن المنذر، وزاد عزوه في المخطوطة المحمودية ص 440 إلى عبد بن حميد.
(6)
أي: المصنف.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: الغساقُ الذي لا يُسْتطاعُ من بردِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: الغساقُ الزَّمْهَرِيرُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: الغساقُ الزمهريرُ
(1)
.
وقال آخرون: هو المُنْتِنُ، وهو بالطُّخاريةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن المسيبِ بن شَريكٍ، عن صالحِ بن حَيَّانَ، عن عبدِ اللهِ بن بُرَيدةَ قال: الغساقُ بالطُّخاريةِ هو المُنْتِنُ
(2)
.
والغَسَّاقُ عندى هو الفَعَّالُ، من قولِهم: غسَقَتْ عينُ فلانٍ. إذا سالَت دموعُها، وغسَقَ الجُرْحُ. إذا سال صديدُه، ومنه قولُ اللهِ:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفلق: 3]. يعنى بالغاسقِ الليلَ إذا لبِس الأشياءَ وغطَّاها، وإنما أُرِيد بذلك هجومُه على الأشياءِ هجومَ السيلِ السائلِ، فإذ كان الغساقُ هو ما وصَفْتُ من الشيءِ السائلِ، فالواجبُ أن يقالَ: الذي وعَد اللهُ هؤلاء القومَ، وأخْبَر أنهم يَذُوقونه في الآخرةِ مِن الشرابِ، هو السائلُ من الزَّمهريرِ في جهنمَ، الجامعُ مع شدةِ بردِه النَّتْنَ.
كما حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا
(1)
تقدم أوله في ص 28.
(2)
تقدم تخريجه في 20/ 130، وفيه: عن المسيب، عن إبراهيم النكرى، عن صالح بن حيان، عن أبيه .... وقوله: عن أبيه. وجاء هكذا في المطبوعة، لم يرد في النسخة ص، ت،1، والصواب حذفه كما في هذه النسخ، وكما ثبت عندنا هنا. ينظر الكامل لابن عدى 4/ 1371.
رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن دَلْوًا مِن عَسَّاقِ يُهَرَاقُ إلى الدنيا، لأنْتَنَ أهلُ الدنيا"
(1)
.
حُدِّثْتُ محمدِ بن حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبي قَبِيلٍ، عن أبي مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو أنه قال: أتَدْرُون أيُّ شيءٍ الغَسَّاقُ؟ قالوا: اللهُ أعلمُ. قال: هو القَيْحُ الغليظُ، لو أن قطرةً منه تُهَراقُ بالمغربِ لأَنْتَن أَهلُ المشرقِ، ولو تُهَراقُ بالمشرقِ لأنْتَن أهلُ المغربِ
(2)
.
فإن قال قائلٌ: فإنك قد قلتَ: إن الغساقَ هو الزمهرير، والزمهريرُ هو غايةُ البردِ، فكيف يكونُ الزمهريرُ سائلًا؟ قيل: إن البردَ الذي لا يُسْتطاعُ ولا يُطاقُ يكونُ صفةً في السائلِ من أجسادِ القومِ بين
(3)
القيحِ والصديدِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)}
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا العقابُ الذي عُوقِب به هؤلاء الكفارُ في الآخرةِ، فعله بهم ربُّهم {جَزَاءً}. يعني: ثوابًا لهم على أفعالِهم وأقوالِهم الرديئةِ التي كانوا يَعْمَلونها في الدنيا. وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: وافَق هذا العقابُ هذا العملَ وفاقًا.
(1)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (316 - زوائد نعيم بن حماد) - ومن طريقه الترمذى (2584) - عن رشدين بن سعد به. وتقدم في 20/ 130.
(2)
تقدم تخريجه في 20/ 129.
(3)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"من".
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه:{جَزَاءً وِفَاقًا} . يقولُ: وافَق أعمالَهم
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{جَزَاءً وِفَاقًا} : وافق الجزاءُ أعمالَ القومِ؛ أعمالَ السَّوْءِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{جَزَاءً وِفَاقًا} . قال: بحسَبِ أعمالِهم.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه:{جَزَاءً وِفَاقًا} . قال: ثوابٌ وافَق أعمالَهم.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {جَزَاءً وِفَاقًا} . قال: عمِلوا شرًّا فجُزُوا شرًّا، وعملوا حسنًا فجُزُوا حسنًا. ثم قرَأ قولَ اللهِ:{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى} [الروم: 10].
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{جَزَاءً وِفَاقًا} . قال: جزاءً وافَق أعمالَ القومِ
(3)
.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 52 - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى ابن المنذر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر به.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{جَزَاءً وِفَاقًا} . قال: وافَق الجزاءُ العملَ
(1)
.
وقولُه: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء الكفارَ كانوا في الدنيا لا يَخافون محاسبةَ اللهِ إياهم في الآخرةِ على نِعَمهِ عليهم، وإحسانِه إليهم، وسوءِ شكرِهم له على ذلك.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَا يَرْجُونَ حِسَابًا} . قال: لا يُبالُون فيُصَدِّقون بالغيبِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا} . أي: لا يَخافون حسابًا.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا} . قال: لا يُؤْمنون بالبعثِ ولا بالحسابِ، وكيف يَرْجو الحسابَ مَن لا يُوقِنُ أنه يَحْيَا، ولا يُوقِنُ بالبعثِ. وقرأ قولَ اللهِ:{بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} إلى: {أَسَاطِيرُ
(1)
تفسير مجاهد ص 695، ومن طريقه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 359 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.
الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 81 - 83]. وقرَأ: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} إلى قولِه: {جَدِيدٍ} [سبأ: 7]، فقال بعضُهم لبعضٍ: ما له، {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8]: الرجلُ مجنونٌ حينَ يُخْبِرُنا بهذا؟
وقولُه: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكذَّب هؤلاءِ الكفارُ بحُججِنا وأدلتِنا تكذيبًا. وقيل: {كِذَّابًا} . ولم يُقَلْ: تكذيبًا. تصديرًا على فعلِه.
وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: قيل ذلك لأن "فعَّل" منه على أربعةٍ، فأراد أن يجعلَه مثلَ بابِ "أفْعَلْتُ"، ومصدرُ "أفْعَلْتُ" إفْعالًا، فقال:{كِذَّابًا} . فجعَله على عددِ مصدرِه. قال: وعلى هذا القياسِ تقولُ: قاتَل قِتّالًا. قال: وهو من كلامِ العربِ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ
(1)
: هذه لغةٌ يمانيَةٌ فصيحةٌ، يقولون: كذَّبْتُ به كِذَّابًا، وخرَّقْتُ القميصَ خِرَّاقًا. وكلُّ (فعَّلت)، فمصدرُها "فِعَّالٌ" في لغتِهم مشدَّدةً. قال: وقال لى أعرابيٌّ مرةً على المروةِ يَسْتَفْتِيني: آلحَلْقُ أحبُّ إليك أم القِصَّارُ؟ قال: وأَنْشَدنى بعضُ بني كلابٍ
(2)
:
لقد طال ما ثبَّطْتَني عن صَحابتي
…
وعن حِوَجٍ قِضّاؤُها
(3)
من شِفائِيَا
وأجْمَعَت القرأةُ على تشديد الذالِ مِن الكِذَّابِ في هذا الموضعِ، وكان الكسائيُّ خاصةً يُخَفِّفُ الثانيةَ، وذلك في قوله:{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} .
(1)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 229.
(2)
معاني القرآن للفراء 3/ 229، واللسان (ك ذ ب، ح و ج، ق ض ى) غير منسوب.
(3)
الحِوَج: جمع الحاجة. وقضاؤها: مصدر من قَضَّى، أو يعنى: اقتضاؤها. ينظر اللسان (ح و ج، ق ض ى).
ويقولُ: هو مِن قولِهم: كاذَبْتُه كِذَابًا ومُكاذَبةً. ويُشَدِّدُ هذه، ويقولُ: قولُه: {وَكَذَّبُوا} يُقَيِّدُ الكِذَّابَ بالمصدرِ
(1)
.
وقولُه: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكلُّ شيءٍ أَحْصَيْناه فكتَبْناه كتابًا؛ كتَبْنا عددَه ومبلغَه وقدرَه، فلا يَعْزُبُ عنا علمُ شيءٍ منه.
ونصَب {كِتَابًا} ؛ لأن في قولِه: {أَحْصَيْنَاهُ} مصدرَ "أَثْبَتْنَاه وكتَبْناه"، فكأنه قيل: وكلَّ شيءٍ كتَبْناه كتابًا.
وقولُه: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} . يقولُ جلَّ ثناؤه: يقالُ لهؤلاء الكفارِ في جهنمَ إذا شرِبوا الحميمَ والغَسَّاقَ: ذُوقوا أيُّها القومُ مِن عذابِ اللهِ الذي كنتم به في الدنيا تُكَذِّبون، فلن نَزيدَكم إلا عذابًا على العذابِ الذي أنتم فيه، لا تخفيفًا منه ولا تَرَفُّهًا.
وقد حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي أيوب الأزديِّ، عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: لم تَنْزِلْ على أهلِ النارِ آيةٌ أَشدُّ مِن هذه: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} . قال: فهم في مزيدٍ من العذابِ أبدًا
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} . قال: فهم في مزيدٍ من العذابِ أبدًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} : ذُكِر لنا أن عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو كان يقولُ: ما نزلَت على أهلِ النارِ آيةٌ أشدُّ منها: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} . فهم في مزيدٍ من اللهِ أبدًا.
(1)
ينظر الكشف 2/ 359، والنشر 2/ 297.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 331 عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35)} .
يقولُ: إن للمتقين مَنْجًى مِن النارِ إلى الجنةِ، ومَخْلَصًا منها لهم إليها، وظَفَرًا بما طلَبوا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} . قال: فازوا بأن نجَوْا من النارِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} : إى واللهِ، مفازًا مِن النارِ إلى الجنةِ، ومن عذابِ اللهِ إلى رحمتِه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} . قال: مفازًا مِن النارِ إلى الجنةِ
(2)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} . يقولُ: مُتَنزَّهًا
(3)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 696. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه ابنُ أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 52 - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى البيهقي في البعث.
وقولُه: {حَدَائِقَ} . والحدائقُ ترجمةٌ وبيانٌ عن المفازِ، وجاز أن يُتَرْجَمَ بها عنه؛ لأن المفازَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: فاز فلانٌ بهذا الشيءِ. إذا طلَبه فظفِر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظَفَرًا بما طلَبوا من حدائقَ وأعنابٍ.
والحدائقُ جمعُ حديقةٍ، وهى البساتينُ من النخلِ والأعنابِ والأشجارِ المحوطِ عليها الحيطانُ المُحْدِقةُ بها؛ ولإحداقِ الحيطانِ بها تُسَمَّى الحديقةُ حديقةً، فإن لم تكنِ الحيطانُ بها مُحْدِقةً، لم يُقَلْ لها: حديقةٌ. وإحداقُها بها اشتمالُها عليها.
وقولُه: {وَأَعْنَابًا} . يعنى: وكُرُومَ أعنابٍ. واستُغْنِى بذكرِ الأعنابِ عن ذكرِ الكُرُومِ.
وقولُه: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} . يقولُ: ونَواهِدَ في سنٍّ واحدةٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَكَوَاعِبَ} . يقولُ: ونَواهِدَ. وقولَه: {أَتْرَابًا} . يقولُ: مُسْتَوِياتٍ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} : يعنى النساءَ المستوياتِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق 3/ 501 - والبيهقي في البعث والنشور (377) من طريق أبي صالح به.
{وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} . قال: نواهِدَ، {أَتْرَابًا}. يقولُ: سنٌّ واحدةٌ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ثم وصَف ما في الجنةِ قال: {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} : يعنى بذلك النساءَ، {أَتْرَابًا}: لسنٍّ واحدةٍ.
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنُ جريجٍ، قال: الكواعبُ النَّواهدُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} . قال: الكواعبُ التي قد نهَدَت، وكعَب ثديُها. وقال:{أَتْرَابًا} : مستوياتٍ، فلانةُ ترْبةُ فلانةَ. قال: الأترابُ اللِّدَاتُ.
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سليمانَ، عن ابنُ جريجٍ، عن مجاهدٍ:{وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} : لِدَاتٍ.
وقولُه: {وَكَأْسًا دِهَاقًا} . يقولُ: وكأسًا مَلْأَى مُتَتابعةً على شاربيها بكثرةٍ وامتلاءٍ. وأَصْلُه مِن الدَّهقِ، وهو متابعةُ الضغطِ على الإنسانِ بشدةٍ وعنفٍ، وكذلك الكأسُ الدِّهَاقُ، متابعتُها على شارِبيها بكثرةٍ وامتلاءٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: ثنا أبو يزيدَ يحيى بنُ مَيْسرةَ، عن مسلمِ بن نِسْطاسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ لغلامِه: اسْقِنى دِهاقًا. قال: فجاء بها
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر به. وتقدم في 22/ 328، 329.
الغلامُ مَلْأَى، فقال ابنُ عباسٍ: هذا الدِّهاقُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عُميرٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: مَلْأَى
(1)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أَخْبَرنى سليمانُ بنُ بلالٍ، عن جعفرٍ بن محمدٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابنُ عباسٍ يُسْأَلُ عن: {وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: دِراكًا. قال يونُسُ: قال ابنُ وهبٍ: الذي يَتْبَعُ بعضُه بعضًا.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . يقولُ: ممتلئًا
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا حميدٌ الطويلُ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرةَ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: دَمادُمَ
(3)
.
قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أبو رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: مَلْأَى
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن يونُسَ، عن الحسنِ:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: المَلْأَى.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه البيهقى في البعث والنشور (357) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 308 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى المصنف وعبد بن حميد. قال السيوطي بعد إيراده هذا الأثر: فارسي بمعنى متتابعة. وينظر المعجم الذهبي ص 276.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: مَلْأَى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: مُتْرَعةً مَلْأَى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: الدِّهاقُ المَلْأَى المُتْرَعةُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: الدِّهاقُ الممتلئةُ
(2)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: الدِّهاقُ المملوءةُ.
وقال آخرون: الدِّهاقُ الصافيةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى الأزديُّ وعباسُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: صافيةً
(3)
.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 332.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر به.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى المصنف
وقال آخرون: بل هي المتتابعةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في قولِه: {وَكَأْسًا دِهَاقًا} : المتابعةَ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: المتتابعَ
(2)
.
حدَّثنا عمرٍو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصين، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: المَلْأَى المتتابعةَ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَكَأْسًا دِهَاقًا} . قال: المتتابعةَ.
وقولُه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَسْمَعون في الجنةِ {لَغْوًا} . يعنى: باطلًا من القولِ، {وَلَا كِذَّابًا}. يقولُ: ولا مُكاذَبةً.
أي: لا يَكْذِبُ بعضُهم بعضًا.
وقرَأَتِ القرأة في الأمصارِ بتشديدِ الذالِ على ما بيَّنْتُ في قولِه: {وَكَذَّبُوا
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر به.
(2)
تفسير مجاهد ص 696، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى عبد بن حميد.
(3)
أخرجه عبد بن حميد - كما في تعليق التعليق 3/ 501 - والحاكم 2/ 512، والبيهقي في البعث والنشور (358) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وأخرجه البخارى (3839) من طريق حصين، عن عكرمة قوله.
بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} سوى الكِسائيِّ، فإنه خفَّفها لما وصَفْتُ قبلُ
(1)
، والتشديدُ أحبُّ إليَّ من التخفيفِ، وبالتشديدِ القراءةُ، ولا أرَى قراءةَ ذلك بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِه
(2)
، ومن التخفيفِ قولُ الأعشى
(3)
:
فصدَقْتُها وكذَبْتُها
…
والمرءُ يَنْفَعُه كِذَابُهْ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} . قال: باطلًا وإثمًا
(4)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} . قال: وهى كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كِذَّابٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)} .
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ} : أعْطَى اللهُ هؤلاء المتقين ما وصف في هذه الآياتِ؛ ثوابًا مِن ربِّك بأعمالهم على طاعتِهم إياه في الدنيا.
وقولُه: {عَطَاءً} . يقولُ: تفضُّلًا مِن اللهِ عليهم بذلك الجزاءِ. وذلك أنه
(1)
ينظر ما تقدم في ص 35، 36.
(2)
القراءتان كلتاهما صواب.
(3)
البيت في الكامل للمبرد 2/ 210.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
جَزاهم بالواحدِ عشْرًا في بعضٍ، وفى بعضٍ بالواحدِ سبعَمائةٍ، فهذه الزيادةُ، وإن كانت جزاءً، فعطاءٌ مِن اللهِ.
وقولُه: {حِسَابًا} . يقولُ: مُحاسَبةً لهم بأعمالِهم لله في الدنيا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} . قال: عطاءً منه، حسابًا لِما عمِلوا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} : أي: عطاءً كثيرًا، فجزاهم بالعملِ اليسيرِ الخيرَ الجسيمَ الذي لا انقطاعَ له.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{عَطَاءً حِسَابًا} . قال: عطاءً كثيرًا. وقال مجاهدٍ: عطاءً مِن اللهِ، حسابًا بأعمالهم
(2)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سَمِعْتُ ابنُ زيدٍ يقولُ في قولِ اللهِ: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} . فقرأ: هو {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} إلى: {عَطَاءً حِسَابًا} . قال: فهذا
(3)
جزاءً بأعمالهم،
(1)
تفسير مجاهد ص 696، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر به.
(3)
في م: "فهذه".
عطاءٍ الذي أعْطاهم، عملوا له واحدةً، فجزاهم عشرًا. وقرأ قولَ اللهِ:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]. {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261]. قال: يَزيدُ مَن يَشَاءُ، كان هذا كلُّه عطاءً، ولم يكنْ أعمالًا يَحْسُبُه لهم، فجزاهم به، حتى كأنهم عملوا له. قال: ولم يَعْمَلُوا، إنما عمِلوا عشرًا فأعطاهم مائةً، وعملوا مائةً فأعطاهم ألفًا، هذا كلُّه عطاءٌ، والعملُ الأولُ، ثم حسَب ذلك حتى كأنهم عمِلوا، فجزَاهم كما جزَاهم بالذي عمِلوا.
وقولُه: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: جزاءً مِن ربِّك ربِّ السماوات السبعِ والأرضِ وما بينَهما مِن الخلقِ.
واختَلَف القرأةُ في قراءة ذلك، فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينة:(ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما الرحمنُ) بالرفع في كليهما
(1)
. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ الكوفيين: {رَبِّ} خفضًا، [و {الرَّحْمَنِ} كذلك خفضًا
(2)
. وقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ربِّ) خفضًّا]
(3)
، و (الرحمنُ) رفعًا
(4)
. ولكلِّ ذلك عندَنا وجهٌ صحيحٌ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن الخفضَ في "الربِّ" القريه مِن قولِه:{جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ} . أعجبُ إليَّ، وأما (الرحمنُ) بالرفعِ، فإنه أحسنُ؛ لبعدِه مِن ذلك.
وقولُه: {الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} يقولُ تعالى ذكرُه:
(1)
وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر. ينظر النشر 2/ 297.
(2)
وهى قراءة ابن عامر وعاصم ويعقوب. المصدر السابق.
(3)
سقط من: م.
(4)
وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.
الرحمنُ لا يَقْدِرُ أَحدٌ مِن خلقه خطابه يومَ القيامة، إلا مِن أذن له منهم، وقال صوابًا
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدِّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} . قال: كلامًا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} : أي: كلامًا.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} . قال: لا يَمْلِكون أن يُخاطبوا الله، والمخاطِبُ المُخاصِمُ الذي يُخاصِمُ صاحبه.
وقولُه: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} . اخْتَلَف أهلُ العلم في معنى الروحِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو مَلَكٌ مِن أعظمِ الملائكة خَلْقًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجَرَّاحِ، عن أبي حمزةَ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الرُّوحُ مَلَكٌ في السماءِ الرابعةِ، هو
(1)
تفسير مجاهد ص 696. وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 359 - من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
أعظمُ مِن السماواتِ، ومِن الجبال، ومن الملائكةِ، يُسَبِّحُ الله كلَّ يومٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلفَ تسبيحةٍ، يَخْلُقُ اللهُ مِن كلِّ تسبيحةٍ مَلَكًا مِن الملائكةِ، يَجِيءُ يومَ القيامةِ صفًّا وحدَه
(1)
.
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ} . قال: هو ملكٌ أعظمُ الملائكةِ خَلْقًا
(2)
.
وقال آخرون: هو جبريلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} . قال: جبريلُ عليه السلام
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاِك:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} . قال: الروحُ جبريلُ عليه السلام.
حدَّثنا محمدُ بنُ خلف العسقلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجَرَّاح، عن أبي حمزةَ، عن الشعبيِّ:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} . قال: الروحُ جبريلُ عليه السلام
(4)
.
وقال آخرون: هو خَلْقٌ مِن خلق الله في صورة بني آدم.
(1)
ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 333 عن المصنف، وقال: وهذا قول غريب جدا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى المصنف.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (413)، والبيهقى في الأسماء والصفات (780) من طريق أبي صالح به.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر ما تقدم في 15/ 71.
(3)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (416) من طريق أبى سنان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى عبد بن حميد.
(4)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 333.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الروحُ خلقٌ على صورةِ بنى آدمَ، يَأْكُلون ويَشْرَبون
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرُّوحُ خلقٌ لهم أيدٍ وأرجلٌ - وأُراه قال: ورءوس - يَأْكلون الطعامَ، ليسوا ملائكةً
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ
(3)
، قال: يُشبهون الناس، وليسوا بالناسِ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: الرُّوحُ خَلْقٌ كخلقِ آدمَ
(5)
.
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ في قولَه:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} . قال: الروحُ خلقٌ مِن خلقِ اللهِ، يَضْعُفون على الملائكة أضعافًا، لهم أيدٍ وأرجلٌ
(6)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 344 وأبو الشيخ في العظمة (414) من طريق سفيان به. وأخرجه أبو الشيخ (425) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 344 عن سفيان به.
(3)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عن أبي خالد".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 344، وأبو الشيخ في العظمة (415) من طريق سفيان به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (789) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 309 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (783) من طريق شعبة به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (424) من طريق الأعمش به.
(6)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 333.
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمان، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئ:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ} . قال: الروحُ خلقٌ كالناسِ، وليسوا بالناس.
وقال آخرون: هم بنو آدمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} . قال: هم بنو آدمَ. وهو قول الحسنِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنُ في قولَه:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} . قال: الروحُ بنو آدمَ. وقال قتادةَ: هذا مما كان يَكْتُمُه ابنُ عباسٍ
(2)
.
وقال آخرون: قيل: ذلك أرواحُ بني آدمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ} . قال: يعنى حينَ تقوم أرواحُ الناسِ مع الملائكةِ فيما بين النفختين، قبلَ أن تُردَّ الأرواحُ إلى
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 343 عن معمر عن قتادة، وليس فيه: وهو قول الحسن.
(2)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (209) من طريق خليد بن دعلج، عن الحسن. وليس فيه قول قتادة وأخرج عبد الرزاق في تفسيره 2/ 344 عن معمر عن قتادة عن ابن عباس: هم على صورة بني آدم. وينظر ما تقدم في 15/ 71.
الأجسادِ
(1)
.
وقال آخرون: هو القرآنُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان أبي يقولُ: الروحُ القرآنُ. وقرأ: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ}
(2)
[الشورى: 52].
والصوابُ مِن القولِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر أَن خَلْقَه لا يملكون منه خطابًا يومَ يقومُ الروحُ، والروحُ خلقٌ مِن خلقه، وجائزٌ أن يكونَ بعضَ هذه الأشياءِ التي ذَكَرْتُ، والله أعلمُ أيُّ ذلك هو، ولا خبر بشيءٍ مِن ذلك أنه المعنيُّ به دونَ غيره يَجِبُ التسليمٌ له، ولا حجةَ تَدُلُّ عليه، وغيرُ ضائرٍ الجهلُ به.
وقيل: إنه يقومُ
(3)
سِماطان
(4)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخبَرنا منصورٍ بنُ عبدِ الرحمن، عن الشَّعْبيِّ في قولَه:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} . قال: هما [سِيماطا ربِّ]
(5)
العالمين يومَ القيامةِ؛ سِماطٌ مِن الرُّوحِ، وسِماطٌ مِن الملائكةِ
(6)
.
(1)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (784) مِن طريق محمد بن سعد به.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 333.
(3)
في م: (يقول).
(4)
السماط: الصف. الوسيط (س م ط).
(5)
في ص، ت 1، ت 2 ت:"سماطان رب"، وفى م:"سماطان لرب". والمثبت من مصدر التخريج.
(6)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (417) من طريق ابن علية به.
وقولُه: {لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} ، قيل: إنهم يُؤْذَنُ لهم في الكلامِ حينَ يُمَرُّ
(1)
بأهلِ النارِ إلى النارِ، وبأهلِ الجنةِ إلى الجنةِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرٍو الذي يَقُصُّ في طَيِّئ، عن عكرِمةَ، وقرَأ هذه الآية:{إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} . قال: يُمَرُّ بأُناسٍ مِن أهلِ النارِ على ملائكةٍ، فيقولون: أين تَذْهَبون بهؤلاءِ؟ فيقالُ: إلى النارِ. فيقولون: بما كسَبَت أيديهم، وما ظَلَمَهم اللهُ. ويُمرُّ بأناسٍ مِن أهلِ الجنةِ على ملائكةٍ، فيقال: أين تَذْهبون بهؤلاءِ؟ فيقولون: إلى الجنةِ. فيقولون: برحمةِ اللهِ دخَلْتُم الجنةَ. قال: فيُؤْذَنُ لهم في الكلامِ. أو نحوَ ذلك.
وقال آخرون: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} بالتوحيدِ، {وَقَالَ صَوَابًا} في الدنيا، فوحَّد الله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه:{إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} . يقولُ: إلا مِن أذن له الربُّ بشهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ، وهى مُنْتَهَى الصوابِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَقَالَ صَوَابًا} . قال: قال حقًّا في الدنيا وعمل به
(3)
.
(1)
في م: "يؤمر".
(2)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (206) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى ابن المنذر.
(3)
تفسير مجاهد ص 696، وأخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 359 - عن ورقاء به، وعزاه =
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} . قال: لا إله إلا اللهُ
(1)
.
قال أبو حفصٍ: فحدَّثْتُ به يحيى بن سعيدٌ، فقال: أنا كتَبْتُه عن عبدِ الرحمنِ بن مهديٍّ، عن أبي معاويةَ، حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} . قال: لا إله إلا اللهُ
(2)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَر عن خلقِه أنهم لا يَتَكَلَّمون يومَ يقومُ الروحُ والملائكةُ صفًا إلا مَن أذِن له منهم في الكلامِ الرحمنُ وقال صوابًا. فالواجبُ أن يقالَ كما أخْبَر، إذ لم يُخْبِرْنا في كتابِه، ولا على لسان رسولِه، أنه عنَى بذلك نوعًا مِن أنواع الصوابِ، والظاهرُ مُحْتَمِلٌ جميعَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {ذَلِكَ الْيَوْمُ} . يعنى يومَ القيامةِ، وهو يومَ يقومُ الروحُ والملائكةُ صفًا، {الْحَقُّ}. يقولُ: حقٌّ أنه كائنٌ، لا شكَّ فيه.
وقولُه: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} . يقولُ: فمن شاء مِن عبادِهِ اتَّخَذ
= السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى عبد بن حميد.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 334.
(2)
أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (205) من طريق حفص بن عمر، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى عبد بن حميد.
بالتصديقِ بهذا اليومِ الحقِّ، والاستعدادِ له، والعملِ بما فيه النَّجَاءُ
(1)
له مِن أهوالِه - {مَآبًا} . يعنى: مَرْجِعًا، وهو مَفْعِلٌ، مِن قولهم: آب فلانٌ مِن سفره. كما قال عَبِيدٌ
(2)
:
وكلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ
…
وغائبُ الموتِ لا يَئُوبُ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} قال: اتَّخَذوا إلى اللهِ مآبًا بطاعتِه وما يُقَرِّبُهم إليه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} . قال: سبيلًا
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{مَآبًا} . يقولُ: مَرْجِعًا، مَنْزِلًا.
وقولُه: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} . يقولُ: إنا حذَّرناكم أيُّها الناسُ عذابًا قد دنا منكم وقرُب، وذلك {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ} المؤمِنُ {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} مِن خيرٍ اكْتَسَبه في الدنيا، أو شرٍّ [سَلَف منه]
(4)
، فيرجو ثوابَ اللهِ على صالحٍ أعمالِه، ويَخافُ عقابه على سيِّئِها.
(1)
في م: (النجاة). وكلاهما بمعنى.
(2)
تقدم تخريجه في 14/ 562.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 344 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى عبد بن حميد.
(4)
في م: "سلفه".
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ:{يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} . قال: المرءُ المؤمنُ يَحْذَرُ الصغيرةَ ويَخافُ الكبيرةَ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن جُحَادةَ، عن الحسنِ:{يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} . قال: المرء المؤمنُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن جُحَادةَ، عن الحسنُ في قولِه:{يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} . قال: المرءُ المؤمنُ.
وقولُه: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ الكافرُ يومَئِذٍ تَمنيًا؛ لما يَلْقَى مِن عذاب الله الذي أعَدَّه لأصحابِه الكافرين به: يا ليتَني كنتُ ترابًا، كالبهائمِ التي جُعِلَت تُرابًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أَبي عَدِيٍّ، قالا: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ الله بن عمرٍو، قال: إذا كان يومُ القيامةِ [مُدَّتِ الأرضُ]
(2)
مدَّ الأديم، وحُشِر الدوابُّ والبهائمُ والوحشُ، ثم يُجْعَلُ
(3)
القِصاصُ بينَ
(1)
أخرجه ابنُ أبي الدنيا في الأهوال (211) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
سقط من النسخ، والمثبت من المستدرك.
(3)
في م: "يحصل".
الدوابِّ؛ يُقْتَصُّ للشاةِ الجَمَّاءِ مِن الشاةِ القَرْناءِ نطَحَتْها، فإذا فُرِغ مِن القصاصِ بينَ الدوابِّ، قال لها: كونى ترابًا. قال: فعندَ ذلك يقولُ الكافر: يا ليتني كنتُ ترابًا
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وحدَّثني جعفرُ بنُ برقان، عن يزيدُ بن الأصمِّ، عن أبي هريرةَ، قال: إن الله يَحْشُرُ الخلق كلَّهم، كلَّ دابةٍ وطائرٍ وإنسانٍ، يقولُ للبهائمِ والطيرِ: كونوا ترابًا. فعندَ ذلك يقولُ الكافر: يا ليتني كنتُ ترابًا
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمنُ بن محمدٍ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدُ بن زيادٍ، عن محمدُ بنُ كعب القُرَظِيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"يَقْضِى الله بين خلقه؛ الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، وإنه ليُقِيدُ يومَئِذٍ الجَمَّاءَ مِن القَرْناءِ، حتى إذا لم تَبْقَ تَبِعَةٌ عندَ واحدةٍ لأخرى، قال اللهُ: كونوا ترابًا. فعند ذلك يقولُ الكافرُ: يا ليتنى كنتُ ترابًا"
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه:{يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} : وهو الهالكُ المُفرِّطُ العاجزُ، وما يَمْنَعُه أن يقولَ ذلك وقد راج عليه عوْراتُ عملِه، وقد استَقبَلَ الرحمنَ وهو عليه غضبانُ، فتَمَنَّى الموتَ يومئذٍ، ولم يكنْ في الدنيا شيءٌ أكره عنده من الموتِ
(4)
.
(1)
أخرجه ابنُ أبي الدنيا في الأهوال (224)، والحاكم 4/ 575 من طريق عوف به بنحوه، واقتصر في الأهوال على الشطر الثاني من الأثر: إذا فرغ
…
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 344 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور.
(3)
جزء من حديث طويل تقدم تخريجه في 3/ 613.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى عبد بن حميد وابن شاهين في العجائب والغرائب.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن أبي الزنادِ عبدِ اللهِ بن ذَكْوانَ *، قال: إذا قُضى بينَ الناس، وأُمِر بأهلِ النارِ إلى النارِ، قيل لمؤمنى الجنِّ ولسائر الأمم سوى ولدِ آدمَ: عُودوا ترابًا. فإذا نظر الكفارُ إليهم قد عادوا ترابًا، قال الكافرُ: يا ليتني كنتُ ترابًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه:{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} . قال: إذا قيل للبهائمِ: كونوا ترابًا. قال الكافر: يا ليتني كنتُ ترابًا.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "عم يتساءلون"
* من هنا خرم في ت 2، وينتهي في ص 66.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "النازعات"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9)} .
أقْسَم ربُّنا جل جلاله بالنازعاتِ، واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ ما هي، وما تَنْزِعُ؟ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ التي تَنْزِعُ نفوس بنى آدمَ، والمنزوعُ نفوسُ الآدميين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بن شُميلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سَمِعْتُ أبا الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: الملائكةُ
(1)
.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، أنه كان يقولُ في النازعات: هي الملائكةُ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يوسفُ بن يعقوبَ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، في النازعاتِ، قال: حينَ تَنْزِعُ نفسه.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (493) من طريق أبى معاوية به.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولِه:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: تَنْزِعُ الأنفس.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: نُزعت أرواحُهم، ثم غُرِّقت، ثم قُذف بها في النارِ
(1)
.
وقال آخرون: بل هو الموتُ يَنْزِعُ النفوس.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: الموتُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله
(2)
.
وقال آخرون: بل هي النجومُ تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ.
حدَّثنا الفضلُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، قال: ثنا أبو العَوَّامِ، أنه سمع الحسنُ في:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: النجومُ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 335.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (464) مِن طريق ابن مهدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد.
(3)
أخرجه مجاهد في تفسيره ص 701، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 345 كلاهما من طريق آخر عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى ابن المنذر.
{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: النجومُ
(1)
.
وقال آخرون: هي القِسِيُّ تَنْزِعُ بالسهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلِ بن السائبِ، عن عطاءٍ:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: القِسِيُّ
(2)
.
وقال آخرون: هي النفس حين تُنْزَعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن السديِّ:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال: النفسُ حينَ تَغْرَقُ في الصَّدْرِ
(3)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالنازعات غرقًا، ولم يَخْصُص نازعةً دونَ، نازعةٍ، فكلُّ نازعةٍ غَرْقًا فداخلةٌ في قَسَمه، مَلَكًا كان، أو موتًا، أو نجما، أو قوسا، أو غير ذلك. والمعنى: والنازعات إغراقًا. كما يَغْرَقُ النازعُ في القوسِ.
وقولُه: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ أيضًا فيهنَّ؛ ما هن، وما الذي يَنْشِطُ؟ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ، تَنشِط نفس المؤمن فتَقْبِضُها، كما يُنشَط العِقالُ مِن البعير إذا حُلَّ عنها
(4)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 345 عن معمر عن قتادة بلفظ: هذه النفوس. وأخرج عبدِ الرزاق في تفسيره 2/ 345 عن معمر عن الحسن: هذه كلها نجوم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310، 311 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
في م: "عنه".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ:{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} . قال: الملائكةُ وكان الفراء يقولُ
(1)
: الذي سمِعتُ مِن العرب أن يقولوا: أنشطتُ. و: كأنما أُنْشِط مِن عقالٍ. وربطها نشَطها، والرابطُ الناشِطُ. قال: وإذا ربَطتَ الحبلَ في يدِ البعيرِ فقد نشَطتَه تَنْشِطه، وأنت ناشِطٌ، وإذا حلَلْته فقد أَنْشَطته.
وقال آخرون: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} : هو الموتُ؛ يَنشِطُ نفس الإنسان.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ. عن مجاهدٍ:{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} . قال: الموتُ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يوسف بن يعقوبَ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابنُ عباسٍ:{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} . قال: حينَ تَنْشِطُ نفسَه
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن السديِّ: {وَالنَّاشِطَاتِ
(1)
معاني القرآن 3/ 230.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (464) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310 إلى ابن أبي حاتم.
نَشْطًا}. قال: نشطُها حينَ تُنْشَطُ مِن القدمين
(1)
.
وقال آخرون: هي النجومُ تَنْشِطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولِه وَ {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا}. قال: النجومُ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} .
قال: هن النجومُ.
وقال آخرون: هي الأوهاقُ
(3)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلِ بن السائبِ، عن عطاءٍ:{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} . قال: الأوهاقُ
(4)
.
والصوابُ مِن القولُ في ذلك عندى أن يقال: إِنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أقْسَم بالناشِطات نَشْطًا، وهى التي تَنْشِطُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، فتَذْهَبُ إِليه، ولم يَخْصُصِ الله بذلك شيئًا دونَ شيءٍ، بل عمَّ القسم بجميع الناشطاتِ، والملائكةُ تَنْشِطُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وكذلك الموتُ، وكذلك النجومُ، والأوهاقُ، وبقرُ الوحشِ أيضًا تَنْشِطُ، كما قال الطَّرِمَّاحُ
(5)
:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 310، 311 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد، وينظر ما تقدم في ص 58، 59.
(3)
الوَهَقْ: الحبل المغار يرمى فيه أنشوطة فتؤخذ فيه الدابة والإنسان. اللسان (و هـ ق).
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(5)
ديوانه ص 292.
وهل بحَليفِ الخيلِ ممن عهِدْتَه
…
بهِ غيرُ أُحْدانِ النَّواشِطِ رُوعُ
يعنى بالنواشطِ بقرَ الوحشِ؛ لأنَّها تَنْشِطُ مِن بلدةٍ إلى بلدةٍ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ
(1)
.
تَنَشَّطَتْه كُل مِغْلاةِ الوَهَقُ
والهمومُ تَنْشِطُ صاحبها، كما قال هميانُ بن قُحافةَ
(2)
:
أمْسَت همومى تَنْشِطُ المَنَاشِطَا
…
الشامَ بي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا
فكلُّ ناشِطٍ فداخلٌ فيما أقْسَم به، إلا أن تقوم حجةٌ يَجِبُ التسليم لها بأن المعنَّى بالقسمِ مِن ذلك، بعضٌ دونَ بعضٍ.
وقولُه: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: واللواتي تَسْبَحُ سَبْحًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في التي أقْسَم بها جلَّ ثناؤُه مِن السابحات؛ فقال بعضُهم: هي الموتُ تَسْبَحُ في نفسِ ابن آدمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} . قال: الموتُ. هكذا وجَدْتُه في كتابي.
وقد حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} قال: الملائكةُ
(3)
. وهكذا وجَدْتُ
(1)
ديوانه (مجموعة أشعار العرب) ص 104.
(2)
اللسان (ن ش ط)، والبحر المحيط 8/ 417.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
هذا أيضًا في كتابي، فإن يَكُنْ ما ذكَرْنا عن ابن حميدٍ صحيحًا، فإن مجاهدًا كان يَرَى أن نُزول الملائكةِ مِن السماءِ سباحةٌ، كما يقالُ للفرسِ الجَوَادِ: إِنه لَسابحٌ. إذا مرَّ يُسْرِعُ.
وقال آخرون: هي النجومُ تَسْبَحُ في فلكها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} .
قال: هي النجومُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه
(1)
.
وقال آخرون: هي السُّفُنُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلِ بن السائبِ، عن عطاءٍ:{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} . قال: السفنُ
(2)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أَقْسَم بالسابحاتِ سَبْحًا مِن خلقه، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك كلُّ سابح؛ لما وصفنا قبلُ في "النازعات".
وقولُه: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ فقال بعضُهم: هي الملائكةُ.
(1)
تقدم تخريجه في ص 59، 61.
(2)
ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 335.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أَبِي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} . قال: الملائكةُ
(1)
.
وقد حدَّثنا بهذا الحديث أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} . قال: الموتُ
(2)
.
وقال آخرون: بل هي الخيلُ السابقةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصل بن السائبِ، عن عطاءٍ:{فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} . قال: الخيلُ
(2)
.
وقال آخرون: بل هي النجومُ يَسْبِقُ بعضُها بعضًا في السيرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} .
قال: هي النجومُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه
(3)
.
والقولُ عندنا في هذه مثلُ القولُ في سائر الأحرفِ الماضية.
وقولُه: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} . يقولُ: فالملائكةِ المَدبِّرةِ ما أُمِرَت به مِن أمرِ اللهِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبدِ بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ
(2)
ذكره ابنُ كثير في تفسيره 8/ 335.
(3)
تقدم تخريجه في ص 59، 61
وكذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} .
قال: هي الملائكةُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه
(1)
.
وقولُه: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ تَرجُفُ الأرضُ والجبالُ للنفحة الأولى، {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}: تَتْبَعُها أخرى بعدَها، وهى النفخةُ الثانيةُ التي ردِفَت الأولى، لبعث يومِ القيامةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علي، عن ابنُ عباسٍ قولِه:{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} . يقولُ: النفخةُ الأولى.
وقولُه: {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} . يقولُ: النفخةُ الثانيةُ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولِه:{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} . يقولُ: تَتْبَعُ الآخرةُ الأولى، والرَّاجِفةُ النفخةُ الأولى، والرَّادِفةُ النفخةُ الآخرةُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنُ قولِه: {يَوْمَ
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 345 عن معمر به.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، والبيهقى في البعث والنشور كما في تغليق التعليق 5/ 180 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى ابن المنذر.
تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}. قال: هما النَّفْختان؛ أما الأولى فتُمِيتُ الأحياء، وأما الثانيةُ فتُحْيي الموتى. ثم تلا الحسنُ:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}
(1)
[الزمر: 68].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} . قال: هما الصَّيحتان؛ أما الأولى فتُمِيتُ كلَّ شيءٍ بإذنِ اللَّهِ، وأما الأخرى فتُحْيِي كلَّ شيءٍ بإذنِ اللَّهِ، إن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ:"بينَهما أربعون". قال أصحابُه: واللهِ ما زادنا على ذلك. وذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "يُبْعَثُ في تلك الأربعين مطرٌ، يقال له: الحياةُ. حتى تَطِيبَ الأَرضُ وتَهْتَزَّ، وتَنْبُتُ أجسادُ الناسِ نباتَ البَقْلِ، ثم تُنْفَخُ النفخةُ الثانيةُ، فإذا هم قيامٌ ينظرون"
(2)
.
حدَّثنا أبو * كريبٍ، قال: ثنا عبدِ الرحمنِ بنُ محمد المحارِبيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المَدَنيِّ، عن يزيدُ بن أبى زيادٍ، عن رجلٍ، عن محمدِ بن كعب القُرظيِّ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وذكر الصُّورَ، فقال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الصُّورُ؟ قال:"قَرْنٌ". قال: فكيف هو؟ قال: "قرنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فيه ثلاثُ نَفَحاتٍ؛ الأولى نفخة الفَزَعِ، والثانيةُ نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ نفخةُ القِيامِ، فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأَرضِ إِلا مَن شاء الله، ويَأْمُرُ اللَّهُ فيديمها، ويُطَوِّلُها، ولا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد.
(2)
الجزء الموقوف منه عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد.
* إلى هنا ينتهى الخرم في مخطوطة ت 2 المشار إليه في ص 56.
مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} [ص: 15]. فيُسَيِّرُ الله الجبالَ فتكونُ سَرابًا، وتُرَجُّ الأَرضُ بأهلها رَجًّا، وهى التي يقولُ اللَّهُ:{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} "
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن الطُّفَيْلِ بن أُبَيٍّ، عن أبيه، قال: قرَأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} . فقال: "جاءت الراجفةُ تَتَّبَعُها الرادفة، جاء الموتُ بما فيه"
(2)
.
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} : النفخةُ الأولى، {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}: النفخةُ الأخرى
(3)
.
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} . قال: تَرْجُفُ الأَرضُ والجبالُ، وهى الزَّلْزِلَةُ. وقولُه: هو {الرَّادِفَةُ} . قال: هو قولِه: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1]، {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}
(4)
[الحاقة: 14].
وقال آخرون: تَرْجُفُ الأرضُ، والرادفةُ الساعةُ.
(1)
جزء مِن حديث الصور الطويل، وينظر ما تقدم في 3/ 613، 15/ 419.
(2)
أخرجه أحمد 5/ 136 (الميمنية) عن وكيع به، وأخرجه الترمذى (2457)، والحاكم 2/ 513، وأبو نعيم في الحلية 1/ 256، والبيهقى في الشعب (517) كلهم مِن طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 336.
(4)
تفسير مجاهد ص 702، ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور - كما في تغليق التعليق 5/ 180 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} : الأرضُ. وفى قولِه: {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} . قال: الرَّادِفةُ الساعةُ.
واختَلَف أهلُ العربية في موضعٍ جواب قولِه: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قولِه {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قَسَمٌ، واللهُ أعلمُ، على:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26]. وإن شئت جعلتها على: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} ، {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} . وهو كما قال اللهُ وشاء أن يكون في كلِّ هذا وفى كلِّ الأمورِ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ
(1)
: جواب القسم في "النازعات" مما تُرك؛ المعرفةِ السامعين بالمعنى، كأنه لو ظهر كان: لتُبْعَثُنَّ ولَتَحاسَبُنَّ. قال: ويَدُلُّ على ذلك: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً} . ألا ترى أنه كالجواب لقوله: لَتُبْعَثنَّ. إذ قال: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً نُبعثُ
(2)
؟! وقال آخرُ منهم نحوَ هذا، غيرَ أنه قال: لا يَجوزُ حذفُ اللامِ في جواب اليَمينِ؛ لأنها إذا حُذِفَت لم يُعْرَف موضعُها، وذلك أنها تلى كلِّ كلامٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن جوابَ القسمِ في هذا الموضعِ، مما اسْتُغْنى عنه بدلالة الكلام، فترك ذكرُه.
وقولُه: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: قلوبُ خلقٍ مِن خلقِه يومئذٍ خائفةٌ مِن عظيم الهَوْلِ النازل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن
(1)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 231.
(2)
سقط من: م.
عباسٍ: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} . يقولُ: خائفةٌ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ:{وَاجِفَةٌ} : خائفةٌ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في:{وَاجِفَةٌ} . قال: خائفةٌ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه:{قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} . يقولُ: خائفةٌ، وجَفَت مما عاينت يومَئِذٍ
(3)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} . قال: الواجفةُ الخائفةُ.
وقولُه: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} . يقولُ: أبصارُ أصحابها ذليلةٌ مما قد علاها مِن الكآبةِ والحزنِ، مِن الخوفِ والرعبِ الذي قد نزَل بهم مِن عظيمِ هَوْلِ ذلك اليومِ.
كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} . قال: خاشعةٌ للذُّلِّ الذي قد نزل بها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه:{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} . يقولُ: ذَليلةٌ
(4)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا
(1)
ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 336.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 345 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311 إلى عبد بن حميد.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311، 312 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 311، 312 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 345 عن معمر عن قتادة.
عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)}.
يقولُ تعالى ذكره: يقولُ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ مِن مشركي قريشٍ إذا قيل لهم: إنكم مَبْعوثون من بعدِ الموتِ: أئنا لَمَرْدودون إلى حالِنا الأولى قبلَ المماتِ فراجِعون أحياءً كما كنا قبلَ هلاكِنا وقبل مماتِنا؟! وهو من قولِهم: رجع فلانٌ على حافرته. إذا رجَع من حيثُ جاء، ومنه قولُ الشاعرِ
(1)
:
أحافِرةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ
…
معاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وطَيْشِ
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{الْحَافِرَةِ} . يقولُ: الحياةِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} . يقولُ: أَئِنَّا لَنَحْيا بعدَ موتنا، ونُبْعَثُ مِن مكانِنا هذا؟
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ يقولُ:{أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} : أئِنَّا لمَبعوثون خلْقًا جديدًا
(3)
؟
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {فِي
(1)
البيت في اللسان (ح ف ر)، والبحر المحيط، 8/ 417 غير منسوب. والرواية فيهما: من سفه وعار.
(2)
أخرجه ابن حجر في تغليق التعليق 4/ 360 من طريق أبي صالح به.
(3)
جزء من الأثر المتقدم في الصفحة السابقة حاشية (3).
الْحَافِرَةِ}. قال: أي: مَرْدُودون خلقًا جديدًا
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ أو محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ:{أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} . قال: في الحياةِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ:{أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} . قال: في الحياةِ
(2)
.
وقال آخرون: الحافرةُ: الأرضُ المحفورةُ التي حُفِرَت فيها قبورُهم. فجعَلوا ذلك نظيرَ قولِه: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6]. يعنى: مدفوقٍ. وقالوا: الحافرةُ بمعنى المحفورة. ومعنى الكلامِ عندهم: أثنا لَمَرْدُودون في قبورِنا أمواتًا؟
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{الْحَافِرَةِ} . قال: الأرضِ، نُبْعَثُ خلقًا جديدًا. قال: البعثُ
(3)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} . قال: الأرض، نُبْعَثُ خلقًا جديدًا.
وقال آخرون: الحافرةُ النارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُ ابن زيدٍ يقولُ في قولِ اللهِ: {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} . قال: الحافرةُ النارُ. وقرَأ قول الله: {تِلْكَ
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 345 عن معمر به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 336.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 336 عن مجاهد بلفظ: "القبور". بدل "الأرض". وينظر تفسير مجاهد ص 702.
إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}. قال: ما أكثر أسماءَها! هي النارُ، وهي الجحيمُ، وهي سَقَرُ، وهى جهنمُ، وهى الهاويةُ، وهي الحافرةُ، وهي لَظَى، وهى الحُطَمةُ
(1)
.
وقولُه: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً} . اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ: {نَخِرَةً}
(2)
. بمعنى: باليةً. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ناخِرَةً) بألفٍ
(3)
، بمعنى: أنها مُجَوَّفَةٌ، تَنْخِرُ الرياحُ في جوفها إذا مرَّت بها. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيين يقولُ
(4)
: الناخرةُ والنَّخِرةُ سواءٌ في المعنى، بمنزلةِ الطامعِ والطَّمِعِ، والباخلِ والبخلِ. وأفصحُ اللغتين عنَدنا، وأشهرُهما عندَنا:{نَخِرَةً} بغيرِ ألفٍ، بمعنى: باليةً، غيرَ أن رءوسَ الآيِ قبلَها وبعدَها جاءت بالألفِ، فأعْجَبُ إلى لذلك أن تُلْحَق (ناخرة) بها؛ ليَتَّفِقَ هو وسائر رءوسِ الآياتِ، لولا ذلك كان أعجبَ القراءتين إليَّ حذف الألفِ منها.
ذكرُ مَن قال: {نَخِرَةً} : باليةً
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً} : فالنَّخِرَةُ: الفانيةُ الباليةُ
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 336.
(2)
وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. النشر 2/ 297.
(3)
وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف ورويس وأبى بكر عن عاصم. النشر 2/ 297.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 231، 232.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 336.
{عِظَامًا نَخِرَةً} . قال: مَرْفوتةٌ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا} : تكذيبًا بالبعث، (ناخرةً): باليةً
(2)
.
{قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه عن قبلِ هؤلاء المكذِّبين بالبعث: {قَالُوا تِلْكَ} . يَعْنون: تلك الرَّجْعةُ أحياءً بعدَ المماتِ، {إِذًا} .
يعنون: الآن، {كَرَّةٌ}. يعنون: رجعةٌ، {خَاسِرَةٌ}. يعنون: غابنةٌ.
وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} : أي: رجعةٌ خاسرةٌ
(3)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه:{تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} . قال: وأيُّ كرةٍ أخسرُ منها، أُحْيُوا ثم صاروا إلى النارِ، فكانت كرَّةَ سَوْءٍ.
وقولُه: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإنما هي صيحةٌ واحدةٌ، ونفحةٌ تُنْفَخُ في الصُّورِ، وذلك هو الزَّجْرةُ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
الرفات: ما بَلِى فتفتت. التاج (رف ت).
والأثر في تفسير مجاهد ص 702.
(2)
جزء من الأثر المتقدم في ص 69 حاشية (2).
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى عبد بن حميد.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} . قال: صيحةٌ
(1)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} . قال: الزَّجْرةُ: النفخةُ في الصُّورِ.
وقولُه: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ، المُتَعَجِّبون مِن إحياء اللهِ إياهم مِن بعدِ مماتهم تكذيبًا منهم بذلك، {بِالسَّاهِرَةِ}. يعنى: بظهرِ الأرضِ. والعرب تُسَمِّى الفَلاةَ ووجه الأرضِ ساهرةً، وأراهم سَمَّوا ذلك بها؛ لأن فيه نوم الحيوانِ
(2)
وسَهَرَها، فوصف بصفة ما فيه، ومنه قولُ أمية بن أبي الصَّلْتِ
(3)
:
وفيها لحمُ ساِهرةٍ وبحرٍ
…
وما فاهُوا به لهمُ مُقيم
ومنه قولُ أخى نَهْمٍ يومَ ذى قارٍ لفرسه
(4)
:
أَقْدِم "محاج" إنَّها الأساوِرَهْ
…
ولا يَهُولَنَّكَ رِجْلٌ نَادِرَهْ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 337.
(2)
الحيوان: اسم يقع على كل شيء حي. اللسان (ح ى ا).
(3)
ديوانه ص 52.
(4)
الأبيات للهمدانى في اللسان (ن خ ر)، باختلاف، والأول والثانى في اللسان (خ ذ م) منسوبين لحاتم بن حَيّاش باختلافٍ، والأبيات في البحر المحيط 8/ 417 بدون عزوٍ، باختلاف.
فإنَّما قَصْرُك تُرْبُ السَّاهِرَة
…
ثم تعودُ بعدها في الحافِرَة
مِن بعدِ ما كنتَ عِظامًا ناخِرَة
واختلف أهلُ التأويلِ في معناها؛ فقال بعضُهم مثل الذي قلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: على الأرضِ. قال: فذكَر شعرًا قاله أُميةُ بن أبى الصَّلْتِ
(1)
، فقال: عندنا صيدُ بحرٍ وصيدُ ساهِرَةٍ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزيعٍ، قال: ثنا أبو مِحْصَنٍ، عن حُصَيْنٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: الساهرةُ الأرضُ، أما سمِعْتَ: لهم صيدُ بحرٍ وصيدُ ساهرةٍ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} : يعنى الأَرضَ.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، قال: ثنا عُمارة بن أبي حفصةَ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: فإذا هم على وجه الأرضِ، قال: أوَ لم تَسْمَعوا ما قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:
(1)
يريد بيت أمية المتقدم في الصفحة السابقة.
(2)
أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 232 من طريق آخر عن ابن عباس بنحوه.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 337.
وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٍ
(1)
حدَّثنا عُمارةُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث بن سعيدٍ، قال: ثنا عُمارةَ، عن عكرمةَ في قولِه:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: فإذا هم على وجهِ الأرضِ، قال أميةُ:
* وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٍ *
حدَّثنا يعقوب، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} : فإذا هم على وجهِ الأرضِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{بِالسَّاهِرَةِ} . قال: المكانُ المستوى
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما تَباعَد البعثُ في أعينِ القومِ قال اللهُ {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . يقولُ: فإذا هم بأعلى الأرضِ، بعد ما كانوا في جوفِها (2).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{بِالسَّاهِرَةِ} . قال: فإذا هم يَخْرُجون من قبورهم فوقَ الأرضِ، والأرضُ الساهرةُ، قال: فإذا هم يَخْرُجون
(4)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 12 إلى عبد بن حميد.
(3)
تفسير مجاهد ص 702.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 346 عن معمر به.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ وأبى الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: بالأرضِ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حُصَيْنٍ، عن عكرمةَ مثلَه.
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكُ يقولُ في قولِه: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} : وجهِ الأرضِ
(1)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: الساهرةُ ظهرُ الأرضِ؛ فوقَ ظهرِها
(2)
.
وقال آخرون: الساهرةُ اسمُ مكان مِن الأرضِ بعينِه معروفٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، عن عثمانَ بن أبى العاتكةِ قولَه:{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: بالصُّقْعِ
(3)
الذي بينَ جبلِ حَسَّانَ
(4)
وجبلِ أَرِيحاء
(5)
، يَمُدُّه اللهُ كيف يشاءُ
(2)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى عبد بن حميد.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 337.
(3)
الصقع: ناحية الأرض. اللسان (ص ق ع).
(4)
حسان: بلدة بين واسط ودير العاقول على شاطئ دجلة. معجم البلدان 2/ 266، والتاج (ح س س).
(5)
أريحا: مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام. معجم البلدان 1/ 227.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: أرضٌ بالشام.
وقال آخرون: هو جبلٌ بعينِه معروفٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بلالٍ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبَرنا أبو سِنانٍ، عن وهبٍ بن مُنَبِّه، قال في قولِ اللَّهِ:{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: الساهرةُ جبلٌ إلى جنبِ بيتِ المقدسِ
(1)
.
وقال آخرون: هي جهنَّمُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مَرْوانَ العُقَيْليُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ عن قتادةَ: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . قال: في جهنمَ
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: هل أتاكَ يا محمدُ حديثُ موسى بن عِمْرانَ.
وهل سمِعْتَ خبرَه حينَ ناجاه ربُّه، {بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ}: يعنى بالمقدَّسِ المطهَّرَ المبارك. وقد ذكرنا أقوال أهلِ العلمِ في ذلك فيما مضَى
(3)
، فأغْنَى عن إعادته
(1)
تفسير مجاهد ص 703 من طريق حمادٍ به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 337.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى ابن المنذر.
(3)
ينظر ما تقدم في 16/ 26.
في هذا الموضع، وكذلك بيَّنا معنى قولِه:{طُوًى} . وما قال فيه أهلُ التأويلِ، غيرَ أَنَّا نَذْكُرُ بعضَ ذلك ههنا.
وقد اختلف أهلُ التأويلِ في قولِه: {طُوًى} ؛ فقال بعضُهم: هو اسمُ الوادى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{طُوًى} : اسمُ الوادى
(1)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه:12]. قال: اسم المقدَّسِ طُوًى
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} : كنا نُحَدَّثُ أنه قُدِّس مرتين، واسمُ الوادى طُوًى
(3)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: طَأ الأرضِ حافيًا.
ذكرُ بعض مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جَريجٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} . قال: طَأَ الأَرضَ بقدمك
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في 16/ 28.
(2)
تقدم في 16/ 28، 29.
(3)
تقدم تخريجه في 16/ 28،27.
(4)
ينظر ما تقدم في 16/ 29.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ الوادى قُدِّس طُوًى، أي: مرَّتين، وقد بيَّنا ذلك كلَّه ووجوهَه فيما مضى
(1)
، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ.
وقرَأ ذلك الحسنُ بكسر الطاءِ
(2)
، وقال: ثبتَتْ فيه البركة والتقديسُ مرتين. حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنُ
(3)
.
واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامة قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (طُوَى). بالضمِّ، ولم يُجرُوه
(4)
. وقرَأ ذلك بعض أهلُ الشام والكوفةِ: {طُوًى} . بضمِّ الطاءِ والتنوينِ
(5)
.
وقولُه: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: نادى موسى ربُّه أن اذْهَبْ إلى فرعونَ. فحُذِفت "أن"، إذ كان النداء قولًا، فكأنه قيل: قال لموسى ربُّه: اذْهَبْ إلى فرعونَ. وقولُه: {إِنَّهُ طَغَى} . يقولُ: عَتَا وتَجاوَز حدَّه في العدوانِ والتكبُّرِ على ربِّه.
وقولُه: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} . يقولُ: فقل له: هل لك إلى أن تَتَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكفر، وتُؤْمِنَ بربِّك؟
كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} . قال: إلى أن تُسْلِمَ. قال: والتَّزَكِّي في القرآن كلِّه الإسلامُ. وقرَأ قولَ اللهِ: {وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 76]. قال: مَن أَسْلَم.
(1)
ينظر 16/ 28.
(2)
البحر المحيط 6/ 231. وهى قراءة شاذة؛ لأنها لم تثبت تواترًا.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 345، 346 عن معمر عن الحسن، قال: المقدس قدس مرتين.
(4)
تقدم تخريجها في 16/ 29.
(5)
تقدم تخريجها في 16/ 30.
وقرَأ: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس: 3]. قال: يُسْلِمُ. وقرَأ: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} [عبس: 7]: أن لا يُسْلِمَ.
حدَّثني سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ: قولَ موسى لفرعونَ: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} : هل لك إلى أن تقول: لا إلهَ إلا اللهُ
(1)
.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {تَزَكَّى} ؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (تزَّكَّى) بتشديدِ الزايِ
(2)
. وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: {إِلَى أَنْ تَزَكَّى} بتخفيفِ الزايِ
(3)
. وكان أبو عمرٍو يقولُ، فيما ذُكرِ عنه:(تَزكَّى) بتشديدِ الزايِ، بمعنى: تَتَصَدَّقُ بالزكاةِ، فتقولُ: تَتَزَكَّى. ثم تُدْغِمُ، وموسى لم يَدْعُ فرعونَ إلى أن يَتَصَدَّقَ، وهو كافرٌ، إنما دعاه إلى الإسلام، فقال: تَزَكَّى. أي: تكون زاكيًا مؤمنًا. والتخفيفُ في الزايِ هو أفصح القرَاءتين في العربية.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه موسى: قلْ لفرعونَ: هل لك إلى أن أُرْشِدَك إلى ما يُرْضى ربَّك عنك، وذلك الدينُ القَيَّمُ، {فَتَخْشَى}. يقولُ: فتَخْشَى عقابه بأداءِ ما أَلْزَمَك مِن فرائضه، واجتناب ما نهاك عنه من معاصيه.
(1)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (205) من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
وهى قراءة نافع وابن كثير. حجة القراءات ص 749.
(3)
وهى قراءة أبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.
وقولُه: {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأَرَى موسى فرعونَ {الْآيَةَ الْكُبْرَى} . يعنى الدلالةَ الكبرى على أنه للهِ رسولٌ أرْسلَه اللهُ، فكانت تلك الآيةُ يدَ موسى إذ أخْرجها بيضاءَ للناظرين، وعصاه إذ تَحوَّلت ثعبانًا مبينًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا مسلمٍ بنُ إبراهيمَ، عن محمدِ بن سيفٍ أبى رَجاءٍ - هكذا هو في كتابي، وأَظُنُّه عن نوحِ بن قيسٍ، عن محمدِ بن سيفٍ قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ في هذه الآية: {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} . قال: يدَه وعصاه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} . قال: عصاه ويدَه
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه:{فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} . قال: رأى يدَ موسى وعصاه، وهما آيتان.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{الْآيَةَ الْكُبْرَى} . قال: عصاه ويدَه
(2)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} . قال: العصا والحية.
(1)
تفسير مجاهد ص 703، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 346 عن معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى عبد بن حميد.
وقولُه: {فَكَذَّبَ وَعَصَى} . يقولُ: فكذَّب فرعون موسى فيما أتاه مِن الآياتِ والمُعْجِزةِ، وعصاه فيما أمَرَه به من طاعته ربَّه، وخشيتِه إياه.
وقولُه: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} . يقولُ: ثم ولَّى مُعْرِضًا عما دعاه إليه موسى مِن طاعتِه ربَّه، وخشيته وتوحيده، {يَسْعَى}. يقولُ: يَعْمَلُ في معصية اللهِ، وفيما يُسْخطه عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} . قال: يَعْمَلُ بالفسادِ
(1)
.
وقولُه: {فَحَشَرَ فَنَادَى} . يقولُ: فجمع قومَه وأتباعَه، فنادَى فيهم، {فَقَالَ} لهم:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} الذي كلُّ ربٍّ دونى. وكذَبَ الأحمقُ.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَحَشَرَ فَنَادَى} . قال: صرَخ وحشَر قومه، فنادَى فيهم، فلمَّا اجْتَمعوا قال: أنا ربُّكم الأعلى. فأخَذه اللهُ نكال الآخرةِ والأولى.
القول في تأويلِ قوله تعالى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً
(1)
تفسير مجاهد ص 703، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28)}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ} : فعاقبه اللهُ، {نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى}. يقولُ: عقوبةَ الآخرةِ من كلمتيه؛ وهي قولُه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . والأُولى قولِه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال [جماعةٌ من]
(1)
أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمِعْتُ أبا بكرٍ، وسُئِل عن هذا، فقال: كان بينَهما أربعون سنةً؛ بين قولِه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} . وقولُه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . قال: هما كلِمتاه، {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى}. قيل له: مَن ذكرُه؟ قال: أبو حصين، فقيل له: عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ؟ قال: نعم
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: أما الأُولى فحينَ قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} . وأما الآخِرةُ فحين قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوَضَّاحِ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال:
(1)
سقط من: م، ت 1، ت 2.
(2)
أخرجه العقيلي في الضعفاء 2/ 189 من طريق أبي بكر به، وهو في تفسير مجاهد ص 709 من طريق أبي حصين به.
هو قولُه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} . وقولُه: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . وكان بينَهما أربعون سنةً.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانَة، عن إسماعيلَ الأسديِّ، عن الشعبيِّ بمثلِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن زكريا، عن عامرٍ:{نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: هما كَلِمتاه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} و: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} ؛ {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} . والآخِرةُ
(2)
قولِه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}
(3)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أخبرني من سمِع مجاهدًا يقولُ: كان بينَ قولِ فرعونَ: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} . وبين قولِه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . أربعون سنةً.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} : أما الأُولى فحين قال فرعون: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} . وأما الآخِرةُ فحين قال: {أَنَا رَبُّكُمُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد.
(2)
بعده في م: "في".
(3)
تفسير مجاهد ص 703، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى الفريابي.
الْأَعْلَى}. فأخَذه اللهُ بكلمتَيْه كلتيهما، فأَغْرَقه في اليَمِّ
(1)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: اختلفوا فيها، فمنهم من قال: نَكَالَ الآخرةِ مِن كلمتيه والأولى؛ قولُه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} ، وقولُه:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . وقال آخرون: عذابَ الدنيا، وعذاب الآخرةِ، عجَّل اللهُ له الغرقَ، مع ما أعَدَّ له من العذابِ في الآخرةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن خَيْثمةَ الجُعْفيِّ، قال: كان بين كلِمتىْ فرعونَ أربعون سنةً؛ قولِه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . وقولُه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن ثُوَيْرٍ، عن مجاهدٍ، قال: مكَث فرعونُ في قومِه بعدَ ما قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . أربعين
(3)
سنةً.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك: فأَخَذَه اللهُ نَكالَ الدنيا والآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: الدنيا والآخرة.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: {فَأَخَذَهُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 346 عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى ابن المنذر.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أربعون".
اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى}. قال: عقوبةَ الدنيا والآخرة
(1)
.
وهو قولُ قتادةَ
(2)
.
وقال آخرون: الأُولى: عصيانه ربَّه وكفره به، والآخرةُ: قولِه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزِينٍ:{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: الأُولى: تكذيبُه وعِصيانُه، والآخرةُ: قولِه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . ثم قرأ: {فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . فهى الكلمةُ الآخِرةُ
(3)
.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه أخذه بأوّلِ عملِه وآخرهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ:{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: أول عمله وآخره
(4)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: أول أعمالِه وآخرِها.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 347 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 312 إلى عبد بن حميد.
(3)
ذكره ابن الجوزى في زاد المسير 9/ 21.
(4)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 302.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ:{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} ، قال: نكالَ الآخرةِ مِن المعصية والأولى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهدٍ قولِه:{نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . قال: عمله للآخرةِ والأولى.
وقولُه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن في العقوبة التي عاقَب اللهُ بها فرعونَ في عاجلِ الدنيا، وفى أخْذِه إياه نكالَ الآخرةِ والأولى، عِظةً ومُعْتَبَرًا لمن يَخافُ اللَّهَ ويَخْشَى عقابه.
وأخْرَج نكالَ الآخرةِ مصدرًا مِن قولِه: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ} ؛ لأن قولِه: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ} : نكَّل اللهُ
(2)
به، فجعَل:{نَكَالَ الْآخِرَةِ} مصدرًا مِن معناه، لا مِن لفظِه.
وقولُه: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه للمكذِّبين بالبعثِ مِن قريشٍ، القائلين:{أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} : أأنتم أيُّها الناسُ أشدُّ خلقا، أم السماءُ بناها ربُّكم؟! فإن مَن بَنَى السماءَ فرفَعَها سقفًا، هَيِّنٌ عليه خلقُكم وخلقُ أمثالِكم، وإحياؤُكم بعدَ مَماتِكم، وليس خلقُكم بعدَ ممَاتِكم بأشدَّ مِن خلقِ السماءِ.
وعُنِى بقولِه: {بَنَاهَا} : رفَعها فجعلها للأرضِ سقفًا.
وقولُه: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فسوَّى السماءَ، فلا شيءَ أرفعُ مِن شيءٍ، ولا شيءَ أخفضُ مِن شيءٍ، ولكنَّ جميعها [مُسْتَوٍ في]
(3)
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 346 عن معمر به.
(2)
سقط مِن: م، ت 1.
(3)
في م: "مستوى".
الارتفاعِ والامتدادِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه:{رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} . يقولُ: رفع بناءَها فسوَّاها
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{رَفَعَ سَمْكَهَا} . قال: رفَع بناءَها بغيرِ عَمَدٍ
(2)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه:{رَفَعَ سَمْكَهَا} . يقولُ: بُنيانها
(3)
.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32)} .
وقولُه: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأَظْلَم ليلَ السماءِ. فأضاف الليلَ إلى السماءِ؛ لأن الليلَ غروبُ الشمسِ وغروبُها وطلوعُها فيها، فأُضيف إليها لمَّا كان فيها، كما قيل: نجومُ الليل. إذ كان فيه الطلوعُ والغروبُ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
تفسير مجاهد ص 703، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح 6/ 294 - من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح 6/ 294 - من طريق على بن طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى ابن المنذر.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه:{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . يقولُ: أَظْلَم ليلها
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . يقولُ: أَظْلَم ليلَها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . قال: أَظْلَم
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه:{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . قال: أظْلَم ليلها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . قال: أظْلَم
(3)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . قال: الظُّلمةُ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ
(1)
تفسير مجاهد ص 704، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تفسير مجاهد ص 704.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 347 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . يقولُ: أَظْلَم ليلها.
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ، عن عكرمةَ:{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} . قال: أظْلَم ليلَها
(1)
.
وقولُه: {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} . يقولُ: أَخْرَج ضياءَها. يعنى: أبْرَز نهارَها فأظْهَره، ونوَّر ضُحاها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} : نَوَّرَها
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه:{وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} . يقولُ: نوَّر ضياءَها
(3)
.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} . قال: نهارَها
(4)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {وَأَخْرَجَ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 339.
(2)
تفسير مجاهد ص 704.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 347 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
في ت 1: "هو النهار"، وفى ت 2 ت 3:"نورها".
ضُحَاهَا}. قال: ضوءَ النهارِ ..
وقولُه: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {بَعْدَ ذَلِكَ} ؛ فقال بعضُهم: دُحِيَت الأرضُ مِن بعدِ خلْقِ السماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه، حيث ذكَر خلقَ الأرضِ قبل السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبل الأرضِ: وذلك أن الله خلَق الأرضِ بأقواتِها مِن غيرِ أن يَدْحُوها قبل السماءِ، ثم استوى إلى السماءِ فسوَّاهنَّ سبع سماواتٍ، ثم دحا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} . يعنى: أن الله خلق السماواتِ والأرضَ، فلما فرغ مِن السماواتِ قبلَ أن يَخْلُقَ أقواتَ الأرضِ [بثَّ أقوات الأرضِ]
(2)
فيها بعدَ خلقِ السماءِ، وأَرْسَى الجبالَ، يعنى بذلك: دحْوَها
(3)
، ولم تَكُنْ تَصْلُحُ أقواتُ الأرضِ ونباتُها إلا بالليلِ والنهارِ، فذلك قولُه:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . أَلم تَسْمَعْ أنه قال: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}
(4)
؟
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 48. وتقدم في 1/ 464.
(2)
سقط من النسخ، والمثبت مِن تاريخ المصنف.
(3)
بعده في النسخ: "الأقوات"، والمثبت مِن تاريخ المصنف.
(4)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 48.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: وضَع البيتَ على الماءِ على أربعةِ أركانٍ قبلَ أن يَخْلُقَ الدنيا بألفَى عامٍ، ثم دُحِيَت الأرضُ مِن تحتِ البيتِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن بُكَيْرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: خلق اللهُ البيتَ قبلَ الأرضِ بألَفْى سنةٍ، ومنه دُحِيَت الأرضُ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: والأرضَ مع ذلك دحاها. وقالوا: الأرضُ خُلِقَت ودُحِيَت قبل السماءِ، وذلك أن الله قال:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29]. قالوا: فأَخْبَر الله أنه سوَّى السماواتِ بعدَ أن خلَق ما في الأرضِ جميعًا
(3)
. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لقولِه:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} إلا ما ذكَرْنا، مِن أنه: مع ذلك دحاها. قالوا: وذلك كقولِ اللَّهِ عز وجل: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 13]. بمعنى: مع ذلك زنيمٌ. وكما يقالُ للرجل: أنت أحمقُ، وأنت بعدَ هذا لئيمُ الحَسَبِ. بمعنى: مع هذا. وكما قال جلَّ ثناؤه: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء: 105]. أي: مِن قبل الذِّكْرِ. واسْتَشْهَد بقول الهُذَليِّ
(4)
:
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 49، وينظر ما تقدم تخريجه 2/ 553.
(2)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 49، وأخرجه البيهقى في الشعب (3983) من طريق مجاهد به.
(3)
في ت 1، ت،2 ت 3:"جميعها".
(4)
هو أبو خراش الهذلي. والبيت في ديوان الهذليين 2/ 157.
حَمِدْتُ إلهى بعد عروةَ إذ نجا
…
خِراشٌ وبعضُ الشرِّ أهونُ مِن بعضِ
وزعَموا أن خِراشًا نجا قبلَ عروةَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . قال: مع ذلك دحَاها.
حدَّثني ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، أنه قرَأ
(1)
: (والأرضَ عندَ ذلك دحَاها)
(2)
حدَّثنا عبد الرحمن بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . قال: مع ذلك دحَاها.
حدَّثني محمدُ بنُ خلف العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجَرَّاحِ، عن أبي حمزةَ، عن السديِّ في قولِه:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . قال: مع ذلك دحَاها.
والقولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ مِن أن الله تعالى خلَق الأرضَ، وقدَّر فيها أقواتَها، ولم يَدْحُها، ثم اسْتَوَى إلى السماءِ فسوَّاهن سبعَ سماواتٍ، ثم دحَا الأرضَ بعد ذلك، فأَخْرَج منها ماءَها ومرعاها، وأرْسَى جبالها - أَشْبَهُ بما دلَّ عليه ظاهر التنزيلِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه قال:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . والمعروفُ مِن معنى "بعد" أنه خلافُ معنى "قبل"، وليس في دحوِ اللَّهِ الأَرضَ بعدَ تسويته السماواتِ السبعَ، وإغطاشه ليلَها، وإخراجه ضُحاها، ما يُوجِبُ أن تكونَ الأرضُ خُلِقَت بعدَ خلقِ السماواتِ؛ لأن الدحوَ إنما هو البسطُ في كلامِ العرب والمدُّ، يقالُ منه: دحَا يَدْعُو دَحْوًا، ودحَيْتُ أَدْحَى دَحْيًا. لغتان،
(1)
في م: "قال".
(2)
هي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
ومنه قولُ أميةَ بن أبي الصَّلْتِ
(1)
:
دارٌ دحَاها ثم أَعْمَرَنا بها
…
وأقام بالأخرى التي هي أَمْجَدُ
وقولُ أوس بن حجرٍ في نعتِ غيثٍ
(2)
:
يَنْفِي الحَصَى عن جديدِ الأَرضِ مُبْتَرِكٌ
…
كأنه فاحصٌ أو لاعبٌ داحِي
وبنحوِ الذي قلنا في [معنى قولِه: {دَحَاهَا}]
(3)
. قال أكثرُ
(4)
أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . أي: بسطها
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا رَوَّادٌ، عن أبي حمزةَ، عن السديِّ:{دَحَاهَا} . قال: بسَطَها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ: {دَحَاهَا} بسَطَها.
وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {دَحَاهَا} . قال: حرَثها؛ شقَّها. وقال: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} . وقرَأ: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} ، حتى بلَغ: {وَفَاكِهَةً
(1)
ديوانه ص 63.
(2)
ديوانه ص 16، وهو أيضًا في ديوان عبيد بن الأبرص ص 35.
(3)
في م: "ذلك".
(4)
سقط من: م، ت 2.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وَأَبًّا} [عبس: 26 - 31]. وقال: حينَ شقَّها أنْبَت هذا منها. وقرَأ: {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ}
(1)
[الطارق: 12].
وقولُه: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا} . يقولُ: فجَّر فيها الأنهارَ، {وَمَرْعَاهَا} .
يقولُ: أَنْبَت نباتَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذِ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَمَرْعَاهَا} : ما خلَق اللهُ فيها من النباتِ، {مَاءَهَا}: ما فجَّر فيها من الأنهارِ.
وقولُه: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} . يقولُ: والجبالَ أثْبَتها فيها. وفي الكلامِ متروكٌ اسْتُغْنِى بدلالةِ الكلامِ عليه من ذكرهِ، وهو "فيها"، وذلك أن معنى الكلامِ: والجبالَ أرْساها فيها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} : أي: أَثْبَتَها لا تَمِيدُ بأهلِها
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: لما خلَق الله الأرضَ قمَصَت، وقالت: تَخْلُقُ عليَّ آدمَ وذريتَه يُلْقُون عليَّ نتْنَهم، ويَعْمَلون عليَّ بالخطايا. فأرْساها اللهُ، فمنها ما تَرَوْن، ومنها ما لا
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 205 مختصرًا.
(2)
تقدم تخريج أوله في الصفحة السابقة.
تَرَوْن، فكان أولُ قرارِ الأرضِ كلحمِ الجَزَورِ إِذا نُحِر يَختلِجُ لحُمها.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36)} .
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} . أنه خلَق هذه الأشياءَ، وأَخْرَج مِن الأرضِ ماءَها ومرعاها منفعةً لنا، ومتاعًا إلى حينٍ.
وقولُه: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} . يقولُ تعالى ذكره: فإذا جاءت التي تَطِمُّ على كلِّ هائلةٍ من الأموِر، فتَغْمُرُ ما سواها بعظيمٍ هَوْلِها.
وقيل: إنها اسمٌ من أسماءِ يومِ القيامةِ
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} : من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن القاسم بن الوليدِ في قولِه:{فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} . قال: سِيق أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ، وأهلُ النارِ إلى النارِ
(2)
.
وقولُه: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى} . يقولُ: إذا جاءت الطامَّةُ يومَ يَتَذَكَّرُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 558 من طريق مالك بن مغول به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 313 إلى ابن المنذر.
الإنسانُ ما عمل في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ، وذلك سعيُه، {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ} ، يقولُ: وأُظْهِرت الجحيمُ، وهي نارُ اللهِ، لمن يَرَاها. يقولُ: لأبصارِ الناظرين.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: فأَما مَن عَتَا على ربِّه، وعصَاه واستكْبَر عن عبادتِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{طَغَى} . قال: عصَى
(1)
.
وقولُه: {وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} . يقولُ: وآثَر متاعَ الحياةِ الدنيا على كرامةِ الآخرةِ وما أعدَّ اللَّهُ فيها لأوليائِه، فعمل للدنيا وسعَى لها، وترَك العملَ للآخرةِ،
{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} . يقولُ: فإن نارَ اللَّهِ التي اسمُها الجحيمُ، هي مَنزِلُه ومَأواه، ومصيرُه الذي يصيرُ إليه يومَ القيامةِ.
وقولُه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} . يقولُ: وأما مَن خاف مسألةَ اللَّهِ إيَّاه عند وقوفِه يومَ القيامةِ بينَ يديه، فاتقاه؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}. يقولُ: ونهى نفسَه عن هواها، فيما يكرَهُه الله ولا يَرْضاه منها، فزجَرها عن ذلك، وخالَف هواها إلى ما أمَره به ربُّه،
{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} . يقولُ: فإن الجنةِ هي مأواه ومنزِلُه يومَ القيامةِ.
(1)
تفسير مجاهد ص 704.
وقد ذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في معنى قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [الرحمن: 46]. فيما مضى، بما أغْنى عن إعادته في هذا الموضعِ
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)} .
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: يسألُك يا محمد هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ عن الساعةِ التي يُبْعَثُ فيها الموتى مِن قبورهم أيَّان مُرْساها، متى قيامُها وظهورُها.
وكان الفرَّاءُ يقولُ
(2)
: إنْ قال القائلُ: إنما الإرساءُ للسفينةِ والجبالِ الراسيةِ وما أشبَههنَّ، فكيف وُصِفت الساعةُ بالإرْساء؟. قلتُ: هي بمنزلة السفينة إذا كانت جاريةً فرَسَت، ورسوُّها قيامُها. قال: وليس قيامُها كقيامِ القائمِ، إنما هي كقولِك: قد قام العدْلُ، وقام الحقُّ. أي: ظهَر وثبت.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ اللهُ لنبيِّه: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} . يقولُ: في أيِّ شيءٍ أنت مِن ذكر الساعةِ والبحثِ عن شأنِها.
وذُكِر أنَّ رسولَ الله ما كان يُكْثِرُ ذكر الساعةِ، حتى نزَلت هذه الآيةُ حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: لم يزَلِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يسألُ عن الساعةِ، حتى أنزَل اللهُ عز وجل:{فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا}
(3)
(1)
ينظر ما تقدم في 22/ 235 - 239.
(2)
في معاني القرآن 3/ 234.
(3)
أخرجه البزار (2279 - كشف)، وأبو نعيم 7/ 314 من طريق يعقوب به، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 4/ 151 - والحاكم 2/ 513، والخطيب في تاريخه 11/ 321.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يزالُ يذكُرُ شأنَ الساعةِ، حتى نزَلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} إلى: {مَنْ يَخْشَاهَا}
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} . قال: الساعةِ
(2)
.
وقولُه: {إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} . يقولُ: إلى ربِّك منتهى علمِها. أي: إليه ينتهِى علمُ الساعةِ، لا يعلَمُ وقتَ قيامِها غيرُه.
وقولُه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: إنما أنت رسولٌ مبعوثٌ بإنذارِ الساعةِ مَن يخافُ عقابَ اللهِ فيها على إجرامِه، ولم تُكلَّفْ علمَ وقتِ قيامِها. يقولُ: فدَعْ ما لم تُكلَّفْ علمَه، واعملْ بما أُمِرتَ به؛ مِن إنذارِ مَن أُمِرتَ بإنذارِه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} ؛ فكان أبو جعفرٍ القارئُ وابنُ مُحَيْصِنٍ يقرَأان: (مُنْذِرٌ) بالتنوينِ. بمعنى أنه منذِرٌ مَن يخشاها. وقرَأ ذلك سائرُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ بإضافةِ: هو {مُنْذِرُ} إلى: {مَنْ}
(3)
.
= من طريق ابن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 347، وابن مردويه وسعيد بن منصور في تفسيريهما - كما في تخريج الكشاف 4/ 152 - من طريق ابن عيينة به مرسلًا، بدون ذكر عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 314 إلى ابن المنذر.
(1)
أخرجه النسائي في الكبرى (11645)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 4/ 151 - والطبراني (8210) من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 314 إلى عبد بن حميد.
(2)
تفسير مجاهد ص 704.
(3)
وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وأبي عمرو ويعقوب وخلف وابن عامر. ينظر =
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: كأنَّ هؤلاء المكذِّبين بالساعةِ، يومَ يَرَوْن أن الساعةَ قد قامت، مِن عظيمِ هولِها، لم يَلْبَثوا في الدنيا إلا عشيةَ يومٍ، أو ضُحى تلك العشيةِ. والعربُ تقولُ: آتيك العشيةَ أو غَدَاتَها، وآتيك الغَداةَ أو عشيتَها. فيجعَلون معنى الغَدَاةِ بمعنى أوَّلِ النهارِ، والعشيةَ: آخرَ النهارِ، فكذلك قولُه:{إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} . إنما معناه: إلا آخرَ يومٍ أو أوَّلَه، ويُنشَدُ هذا البيتُ
(1)
:
نحنُ صَبَحنا عامِرًا في دارِها
…
عشيةَ الهلالِ أو سَرارِها
يعني: عشيةَ الهلالِ، أو عشيةَ سَرارِ العشيةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} : وقتُ الدنيا في أعينِ القومِ حينَ عاينوا الآخرةَ
(2)
.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "النازعات"
= إتحاف فضلاء البشر ص 267.
(1)
البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 235، وتفسير القرطبي 19/ 210 منسوبًا إلى بعض بني عقيل.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 314 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
تفسير سورةِ "عبَس"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى
(4)}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {عَبَسَ} : قبَضَ وَجْهَه تكرُّهًا، {وَتَوَلَّى}. يقولُ: وأَعْرَض، {أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}. يقولُ: لأنْ جاءه الأعمى.
وقد ذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه كان يُطوِّلُ الألفَ ويمدُّها من: {أَنْ جَاءَهُ} . فيقولُ: (أآنْ جاءَهُ)
(1)
. وكأنَّ معنى الكلام كان عندَه: أَ أَنْ جاءه الأعمى عبَس وتولَّى؟ كما قرَأ مَن قرَأ: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: 14]. بمدِّ الألفِ مِن "أنْ"، وقصرِها
(2)
.
وذُكِر أنَّ الأعمى الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ هو ابنُ أمِّ مكتومٍ، عُوتِب النبيُّ صلى الله عليه وسلم بسببِه.
ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك
حدَّثنا سعيد بن يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروةَ مما عرَضه عليه، عن
(3)
عروةَ، عن عائشةَ، قالت: أُنزِلت: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} به في ابن أمِّ مكتومٍ. قالت: أتَى إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فجعَل يقولُ: أرْشِدْني، قالت: وعندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن عظماءِ المشركين. قالت: فجعَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْرِضُ عنه، ويُقْبِلُ على الآخرِ،
(1)
هي قراءة زيد بن علي والحسن وأبى عمران الجونى وعيسى، وهى قراءة شاذة. البحر المحيط 8/ 427.
(2)
ينظر ما تقدم في 23/ 169.
(3)
سقط من: م.
ويقولُ: "أَتَرى بما أقولُه بأسًا؟ "، فيقولُ: لا. ففى هذا أُنزِلت: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} . قال: بينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُناجي عتبةَ بنَ ربيعةَ وأبا جهلِ بنَ هشامٍ والعباسَ بنَ عبدِ المطلبِ، وكان يتصدَّى لهم كثيرًا، وجَعَل
(2)
عليهم أنْ يؤمنوا، فأقبَل إليه رجلٌ أعمَى، يقال له: عبدُ اللَّهِ ابنُ أمِّ مكتومٍ. يمشِى، وهو يناجيهم، فجعَل عبدُ اللَّهِ يستقرئُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم آيةً مِن القرآنِ، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، علِّمني مما علَّمك اللَّهُ. فأعرَض عنه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وعبَس في وجههِ وتولَّى، وكرِه كلامَه، وأقبَل على الآخرِين، فلما قضى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأخَذ ينقلِبُ إلى أهلِه، أمسَك اللَّهُ بعضَ بصرِه، ثم خَفَق برأسِه، ثم أنزَل اللَّهُ:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} . فلما نزَل فيه أكرَمه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وكلَّمه، وقال له:"ما حاجتُك، هل تريدُ مِن شيءٍ؟ ". وإذا ذهَب مِن عندِه قال له: "هل لك حاجةٌ في شيءٍ؟ " وذلك لما أنزَل اللَّهُ: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى}
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، قال: نزَلت في ابن أمِّ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 343 عن المصنف، وأخرجه الترمذى (3331)، وأبو يعلى (4848) - ومن طريقه الواحدى في أسباب النزول ص 332 - والحاكم 2/ 514 من طريق سعيد به، وأخرجه ابن حبان (535) من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 314 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(2)
في م: "يحرص". والمثبت من النسخ موافق لما في مصادر التخريج، و"جعل": لفظ عام في الأفعال كلها. ينظر التاج (ج ع ل).
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسيريهما - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 4/ 155، 156 - عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 442 - إلى ابن المنذر، وقال ابن كثير في تفسيره 8/ 343: وفيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.
مكتومٍ: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: هو {أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} . قال: رجلٌ مِن بنى فِهْرٍ، يقالُ له: ابنُ أمِّ مكتومٍ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} : عبدُ اللَّهِ بنُ زائدةَ، وهو ابنُ أمِّ مكتومٍ، وجاءه يسْتَقرِئُه، وهو يناجِي أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ - رجلٌ مِن عليةِ قريشٍ - فأعرَض عنه نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأَنزَلَ اللَّهُ فيه ما تسمعون:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} . إلى قوله: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} . ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم استخلَفه بعدَ ذلك مرَّتين على المدينةِ، في غزوتين غزاهما، يصلِّى بأهلِها
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ أنه رآه يومَ القادسيةِ معه رايةٌ سوداءُ، وعليه، وعليه دِرْعٌ له
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: جاء ابنُ أمِّ مكتومٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يكلِّمُ أُبيَّ بنَ خلَفٍ، فأعرَض عنه، فأنزَل اللَّهُ عليه:{عَبَسَ وَتَوَلَّى} . فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعدَ ذلك يُكرِمُه. قال أنسٌ: فرأَيتُه يومَ القادسيةِ عليه دِرْعٌ، ومعه رايةٌ سوداءُ
(5)
.
(1)
أخرجه مالك، 1/ 203، وابن سعد 4/ 208 من طريق هشام به.
(2)
تفسير مجاهد ص 705، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 215 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
ينظر تخريج الكشاف للزيلعي 4/ 156.
(4)
أخرجه ابن سعد 4/ 212، والنسائى في الكبرى (8605) من طريق يزيد به، وأخرجه ابن أبي عاصم (826، 926) من طريق سعيد به، وأخرجه أحمد 19/ 349 (12344)، والحارث (659 - بغية)، وأبو يعلى (3110، 3138)، وابن الجارود (310)، والبيهقى 3/ 88 من طريق قتادة به.
(5)
أخرجه ابن أبي عاصم (827) من طريق ابن ثور به مقتصرا على قول أنس، وأخرجه عبد الرزاق في=
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} : تصدَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرجلٍ من مشركي قريشٍ كثيرِ المالِ، ورجَا أن يؤمِنَ، وجاء رجلٌ مِن الأنصارِ أعمَى، يقالُ له: عبدُ اللَّهِ ابنُ أُمِّ مكتومٍ. فجعَل يسألُ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فكرِهه نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وتولَّى عنه، وأقبَل على الغنيِّ، فوعَظ اللَّهُ نبيَّه، فأكْرَمه نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، واستخْلَفه على المدينةِ مرَّتين، في غزوتين غزاهما
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللَّهِ عز وجل:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} . قال: جاء ابنُ أمِّ مكتومٍ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقائدُه يُبْصِرُ وهو لا يُبْصِرُ. قال: ورسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما يشِيرُ إلى قائدِه يَكُفَّ، وابنُ أمِّ مكتومٍ يدفَعُه ولا يُبْصِرُ. قال: حتى عبَس رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فعاتَبه اللَّهُ في ذلك، فقال:{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} . إلى قولِه: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}
(2)
.
قال ابنُ زيدٍ: كان يقالُ: لو أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كتَم مِن الوحيِ شيئًا كتَم هذا عن نفسه. قال: وكان يتصدَّى لهذا الشريفِ في جاهليتِه رجاءَ أَنْ يُسلِمَ، وكان عن هذا يتلهَّى
(3)
.
وقولُه: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وما
= تفسيره 2/ 348 - ومن طريقه أبو يعلى (3123) - وابن سعد 4/ 212 من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 314 إلى عبد بن حميد.
(1)
أخرجه ابن سعد 4/ 209 من طريق عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 315 إلى ابن المنذر.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 344.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 315 إلى ابن أبي حاتم.
يُدْريك يا محمدُ، لعلَّ هذا الأعمى الذي عبَسْتَ في وَجْهِهِ {يَزَّكَّى}. يقولُ: يتطهَّرُ مِن ذنوبِه.
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} : يُسلِمُ.
وقولُه: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} . يقولُ: أو يتذكَّرُ فتنفعَه الذكرى. يعني: يعتبِرُ فينفَعَه الاعتبارُ والاتعاظُ.
والقراءةُ على رفعِ: (فتَنْفَعُه)
(1)
عطفًا به على قولِه: {يَذَّكَّرُ} . وقد رُوِى عن عاصمٍ النصبُ فيه والرفعُ
(2)
؛ والنصبُ على أن تجعلَه جوابًا بالفاءِ لـ "لعل"؛ كما قال الشاعرُ
(3)
:
عَلَّ صُروفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها
يُدِلْننا اللَّمَّةَ مِن لمَّاتِها
فتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْرَاتِها
وتُنْقَع الغُلَّةُ
(4)
مِن غَلَّاتِها
(5)
و (تنقع) يُروى بالرفعِ والنصبِ.
(1)
هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 672.
(2)
قرأ عاصم بالنصب، ولم يذكر أحدٌ الرفع عنه غير ما قاله أبو حيان في البحر المحيط 8/ 427 حيث قال: وقرأ الجمهور (فتنفعه) برفع العين، عطفًا على {أو يذكر} وعاصم في المشهور والأعرج وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني بنصبهما.
(3)
الأبيات في شرح شواهد الشافية 4/ 129، وتقدمت في 3/ 32 دون البيت الرابع.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"العلة". والغلة: شدة العطش وحرارته. اللسان (غ ل ل).
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"علاتها".
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: أما مَن استغْنَى بمالِه، فأنت له تتعرَّضُ رجاءَ أن يُسلِمَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} . قال: نزَلت في العباسِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} . قال: عتبةُ بنُ ربيعةَ وشيبةُ بنُ ربيعةَ
(1)
.
{وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} . يقولُ: وأيُّ شيءٍ عليك ألا يتطهَّرَ مِن كفرِه فيُسلِمَ؟
{وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى} . يقولُ: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيًا،
وهو يخْشى اللَّهَ، ويتقِيه،
{فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} . يقولُ: فأنت عنه تُعْرِضُ، وتَشاغَلُ عنه بغيرِه وتَغَافَلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {كَلَّا} : ما الأمرُ كما تفعلُ يا محمدُ مِن أنْ تعبِسَ في وجْهِ مَن جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدَّى لمن استغْنى، {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}. يقولُ: إنَّ هذه العظةَ وهذه السورةَ {تَذْكِرَةٌ} . يقولُ: عظةٌ وعبرةٌ، {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} .
(1)
تفسير مجاهد ص 705، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 315 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
يقولُ: فمن شاء من عبادِ اللهِ {ذَكَرَهُ} . يقولُ: ذكَر تنزيلَ اللَّهِ ووحيَه.
والهاءُ في قولِه: {إِنَّهَا} . للسورةِ، وفى قولِه: هو {ذَكَرَهُ} . للتنزيلِ والوحى.
{فِي صُحُفٍ} . يقولُ: إنَّها تذكرةٌ في صُحُفٍ مكرَّمةٍ،
{مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} .
يعنى: في اللَّوحِ المحفوظِ؛ وهو المرفوعُ المطهَّرُ عندَ اللهِ.
وقولُه: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} . يقولُ: الصحفُ المكرَّمةُ بأيدى سَفَرةٍ. [وهو]
(1)
جمعُ سافرٍ.
واختلَف أهلُ التأويلِ فيهم؛ ما هم؟ فقال بعضُهم: هم كَتَبةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} . يقولُ: كَتَبةٍ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} . قال: الكَتَبةِ
(3)
.
وقال آخرون: هم القراءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: {فَمَنْ شَاءَ
(1)
سقط من: م.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 360، 361 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 315 إلى ابن المنذر.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 348 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 315 إلى عبد بن حميد.
ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ}. قال: هم القرَّاءُ
(1)
.
وقال آخرون: هم الملائكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} : يعنى الملائكةَ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} . قال: السَّفَرَةُ الذين يُحْصُون الأعمالَ (1).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هم الملائكة الذين يَسفِرون بينَ اللَّهِ ورسلِه بالوحي، وسفيرُ القومِ الذي يسعى بينَهم بالصلحِ، يقالُ: سَفَرتُ بينَ القومِ، إذا أصلَحتَ بينَهم. ومنه قولُ الشاعرِ
(3)
:
وما أدَعُ السَّفارةَ بينَ قومي
…
وما أمشى بغشٍّ إِنْ مَشَيْتُ
وإذا وُجِّه التأويلُ إلى ما قلنا، احتمَل الوجهَ الذي قاله القائلون: هم الكتبةُ. والذي قاله القائلون: هم القرَّاءُ؛ لأنَّ الملائكةَ هي التي تقرأُ الكتبَ، وتَسْفِرُ
(4)
بينَ اللَّهِ وبينَ رسلِه.
وقولُه: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} . والبَرَرةُ جمع بارٍّ، كما الكَفَرةُ جمعُ كافرٍ،
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 344.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 315 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.
(3)
البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 236، وتفسير القرطبي 19/ 216، والبحر المحيط 8/ 425.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"تسفره".
والسَّحَرةُ جمعُ ساحرٍ، غيرَ أن المعروفَ مِن كلامِ العربِ إذا نطَقوا بواحِدِهِ أنْ يقولوا: رجلٌ بَرٌّ، وامرأَةٌ برَّةٌ. وإذا جمَعوا ردُّوه إلى جمعِ فاعلٍ، كما قالوا: رجلٌ سَرِيٌّ. ثم قالوا في جمعِه: قومٌ سَراةٌ. وكان القياسُ في واحدِه أنْ يكونَ "ساريًا"، وقد حُكِى سماعًا مِن بعضِ العربِ: قومٌ خَيَرَةٌ بَرَرَةٌ. وواحدُ الخَيَرةِ: خَيْرٌ، والبَرَرَةِ: بَرٌّ.
وقولُه: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لُعِن الإنسانُ الكافرُ، ما أكفَره!
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال مجاهدٌ.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: ما كان في القرآنِ: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ} ، أو فعِل بالإنسانِ، فإنما عُنِى به الكافرُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} : بلَغني أنه الكافرُ.
وفى قولِه: {أَكْفَرَهُ} . وجهان؛ أحدُهما: التعجُّبُ مِن كفرِه، مع إحسانِ اللَّهِ إليه، وأياديه عندَه. والآخرُ: ما الذي أكْفَره؟ أي: أيُّ شيءٍ أكْفَره؟
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)} .
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 315 إلى ابن المنذر.
يقولُ تعالى ذكرُه: مِن أيِّ شيءٍ خلَق الإنسانَ الكافرَ ربُّه حينَ
(1)
يَتَكبَّرُ ويَتَعاظَمُ
(2)
عن طاعةِ ربِّه والإقرارِ بتوحيدِه؟ ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه الذي منه خلَقَه؛ فقال: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} أحوالًا؛ نطفةً تارةً، ثم عَلَقةً أُخرى، ثم مُضْغَةً، إلى أن أتَتْ عليه أحوالُه وهو في رحمِ أمِّه،
{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . يقولُ: ثم يسَّره للسبيلِ، يعني: للطريقِ.
واختلف أهلُ التأويلِ في السبيلِ الذي يسَّره لها
(3)
؛ فقال بعضُهم: هو خروجُه مِن بطنِ أمِّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} : يعنى بذلك: خروجَه مِن بطنِ أمَّه يسَّره له
(4)
.
حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: سبيلَ الرَّحِمِ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: خروجَه مِن بطنِ أُمِّه
(6)
.
(1)
في م: "حتى". وينظر شرح شواهد التوضيح والتصحيح ص 72، 73.
(2)
في م: "يتعظم".
(3)
في ت 3: "له".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى المصنف.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى ابن المنذر.
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 345.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: خروجَه مِن بطنِ أمِّه
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: أخرَجه مِن بطنِ أمِّه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريقَ الحقِّ والباطلِ بيَّناه له وأعلَمْناه، وسهَّلنا له العملَ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: هو كقولِه: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: على نحوِ {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: سبيلَ الشقاءِ والسعادةِ، وهو كقولِه:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ}
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 348 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد.
(2)
تفسير مجاهد ص 705.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 348 عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
الحسنُ في قولِه: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: سبيلَ الخيرِ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال: هداه للإسلامِ [والدِّينِ]
(2)
، يسَّره له وأعلَمه به، والسبيلُ سبيلُ الإسلامِ
(3)
.
وأولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: ثم [لطريقِ الخروجِ]
(4)
مِن بطنِ أمِّه يسَّره.
وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأنه أشبهُهما بظاهرِ الآيةِ، وذلك أنَّ الخبرَ مِن اللَّهِ قبلها وبعدَها عن صفةِ خلْقِه، وتدبيرِه جسمَه، وتصريفِه إيَّاه في الأحوالِ، فالأولى أنْ يكونَ أوسطُ ذلك نظيرَ ما قبلَه وبعدَه.
وقولُه: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} . يقولُ: ثم قبَض رُوحَه، فأماته بعدَ ذلك. يعنى بقولِه:{فَأَقْبَرَهُ} : صيَّره ذا قبرٍ. والقابرُ هو الدافِنُ الميتَ بيدِه، كما قال الأعشى
(5)
:
لو أَسْنَدتْ مَيْتًا إلى نحْرِها
…
عاش ولم يُنْقَل إلى قابِرِ
والمُقْبِرُ هو اللَّهِ الذي أمَر عبادَه أنْ يُقْبِرُوه بعدَ وفاتِه، فصيَّره ذا قبرٍ. والعربُ تقولُ فيما ذُكر لي: بَتَرْتُ ذَنَبَ البعير، واللهُ أبْتَره، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثور، واللهُ أَعْضَبه، وطردتُ عنى فلانًا، اللهُ أطْرَده: صيَّره طرِيدًا.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 348 عن معمر به.
(2)
في ص، ت 2:"والذين"، وفى م:"الذي"، وسقط من: ت 1.
(3)
ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 345.
(4)
في م: "الطريق وهو الخروج".
(5)
ديوانه ص 139.
وقولُه: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} . يقولُ: ثم إذا شاء اللَّهِ أنشَره بعدَ مماتِه وأحياه.
يقالُ: أنشَر اللهُ الميتَ. بمعنى: أحياه، ونشَر
(1)
الميتُ، بمعنى: حَيِى هو نفسُه.
ومنه قولُ الأعشى
(2)
:
حتى يقولَ الناسُ ممَّا رأَوْا
…
يا عَجَبًا للمَيِّتِ النَّاشِرِ
وقولُه: {كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: كلا، ليس الأمرُ كما يقولُ هذا الإنسانُ الكافرُ؛ من أنه قد أدَّى حقَّ اللَّهِ عليه في نفسِه ومالِه، {لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ}: لم يؤدِّ ما فرَض عليه مِن الفرائضِ ربُّه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} . قال: لا يقضى أحدٌ أبدًا ما افْتُرِض عليه. وقال الحارثُ: كلَّ ما افْتَرَض عليه
(3)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30)} .
(1)
بعده في ص، ت 1:"الله".
(2)
تقدم في 4/ 618، 17/ 466، 20/ 555، 556.
(3)
تفسير مجاهد ص 705، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 360 - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 346 - من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلينظُرْ هذا الإنسانُ الكافرُ المُنكِرُ توحيدَ اللَّهِ إلى طعامِه كيف دبَّره؟
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} وشرابِه. قال: إلى [مأْكلِه ومشربِه]
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} : آيةً لهم.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} ؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ بكسرِ الألفِ مِن (إِنَّا)
(2)
، على وجْهِ الاستئنافِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ {أَنَّا} بفتحِ الألفِ
(3)
. بمعنى: فلينظُرِ الإِنسانُ إلى "أَنَّا"، فيجعلُ "أنَّا" في موضع خفضٍ على نيةِ تكريرِ الخافضِ. وقد يجوزُ أنْ يكونَ رفعًا إذا فُتِحت، بنيَّةِ: طعامُه
(4)
صبُّنا
(5)
الماءَ صبًّا.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} . يقولُ: أنا أنزَلنا الغيثَ مِن السماء إنزالًا،
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"مدخله ومشربه"، وفى الدر المنثور:"مدخله ومخرجه".
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد.
(2)
هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 672.
(3)
هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"طعامنا".
(5)
في م: "أنا صبينا".
وصَببْناه عليها صبًّا، {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا}. يقولُ: ثم فتَقْنا الأرضَ، وصدَّعْناها بالنباتِ،
{فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} . يعنى: حبَّ الزرعِ، وهو كلُّ ما أَخرَجَتْه الأرضُ مِن الحبوبِ؛ كالحنطة والشعيرِ وغيرِ ذلك،
{وَعِنَبًا} . يقولُ: وكرْمَ عنبٍ، {وَقَضْبًا} . يعنى بالقَضبِ الرَّطْبةَ، وأهلُ مكةَ يُسمُّون القَتَّ القَضْب.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَقَضْبًا} . يقولُ: الفِصْفِصةَ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَقَضْبًا} . قال: والقَضْبُ الفَصافِصُ
(2)
.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: الفِصْفِصةُ الرَّطْبةُ.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَقَضْبًا} . يعنى: الرَّطْبةَ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه:{وَقَضْبًا} . قال: القَضْبُ العَلَفُ
(2)
.
وقولُه: {وَزَيْتُونًا} . وهو الزَّيتون الذي منه الزَّيْتُ، {وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا} .
وقد بيَّنا أنَّ الحديقةَ البستانُ المحوطُ عليه.
وقولُه: {غُلْبًا} . يعني: غِلاظًا.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 347.
وعنِى
(1)
بقولِه: {غُلْبًا} : أشجارٌ
(2)
في بساتينَ غِلاظٌ. والغُلْبُ جمعُ أغْلَبَ، هو الغليظُ الرقبة مِن الرجالِ، ومنه قولُ الفرزدقِ
(3)
:
عَوَى فَأَثار أَغْلَبَ ضَيْغَمِيًّا
…
فَوَيْلَ ابْنِ المَرَاغَةِ مَا اسْتَثارا
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في البيانِ عنه؛ فقال بعضُهم: هو ما التفَّ مِن الشجرِ واجتمَع.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن عاصمِ بن كُلَيبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} . قال: الحدائقُ ما التفَّ واجتمَع
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} . قال: ملتفةً
(5)
.
وقال آخرون: الحدائقُ نَبْتُ الشجرِ كلِّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبيه:{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} : الحدائقُ نبْتُ الشجرِ كلِّها.
(1)
في م: "يعني".
(2)
في م: "أشجارا".
(3)
ديوانه ص 443.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
في م، ت 1:"طيبة".
والأثر في تفسير مجاهد ص 705، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} . قال: الشجرَ يُستَظَلُّ به في الجنةِ
(1)
.
وقال آخرون: بل الغُلْبُ الطِّوالُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} . يقولُ: طِوالًا
(2)
.
وقال آخرون: هو النخلُ الكرامُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} : والغُلْبُ النخلُ الكِرامُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} . قال: النخلَ الكِرامَ
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} عِظامَ النَّخْلِ، العظيمةَ الجِذْعِ. قال: والغُلْبُ مِن الرجالِ العِظامُ الرقابِ، يقالُ: هو أَغْلَبُ الرقبةِ؛ عظيمُها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 348 عن معمر به.
{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} . قال: عظامَ الأوساطِ
(1)
.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {وَفَاكِهَةً} . ما يأكلُه الناسُ مِن ثمارِ الأشجارِ.
والأبُّ ما تأكلُه البهائمُ مِن العُشبِ والنباتِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ:{وَفَاكِهَةً} .
قال: ما يأكلُ ابنُ آدمَ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَفَاكِهَةً} . قال: ما أكلَ الناسُ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَفَاكِهَةً} . قال: أما الفاكهةُ فلكم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 347.
(2)
تفسير مجاهد ص 706 من طريق المبارك به.
(3)
تفسير مجاهد ص 706.
{وَفَاكِهَةً} . قال: الفاكهةُ لنا.
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا حميدٌ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ: قرَأ عمرُ: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} حتى أتَى على هذه الآية: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} قال: قد علِمنا ما الفاكهةُ، فما الأبُّ؟ ثم أحسبُه - شكَّ الطبريُّ - قال: إن هذا لهو التكلفُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} . فلما أتى على هذه الآية: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} . قال: قد عرَفنا الفاكهةَ، فما الأبُّ؟ قال: لعمرُك يا بنَ الخطابِ، إن هذا لهو التكلفُ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن موسى بن أنسٍ، عن أنسٍ، قال: قرَأ عمرُ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} . ومعه عصًا في يدِه، فقال: ما الأبُّ؟ ثم قال: بحسبِنا ما قد علِمنا. وألقَى العصا مِن يدِه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن خليدِ بن جعفرٍ، عن أبي إياسٍ معاويةَ بن قُرةَ، عن أنسٍ، عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلفُ.
قال: وحدَّثني قتادةُ، عن أنسٍ، عن عمرَ، بنحوِ هذا الحديثِ كلِّه.
(1)
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 227، وسعيد بن منصور في سننه (43 - تفسير)، وابن أبي شيبة 10/ 512، 513، والحاكم 2/ 290، 514، والبيهقى في الشعب (2281) من طريق حميد به، وأخرجه ابن سعد 3/ 327، وعبد بن حميد - كما في الفتح 13/ 271 من طريق أنس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 317 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 348 عن المصنف.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ ويعقوبُ، قالوا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عاصمَ بنَ كُلَيبٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: عدَّ سبعًا؛ جعَل رزقَه في سبعةٍ، وجعَله مِن سبعةٍ، وقال في آخرِ ذلك: الأبُّ ما أنبَتتِ الأرضُ، مما لا يأكلُ الناسُ
(1)
.
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الأبُّ نبتُ الأرضِ مما تأكلهُ الدوابُّ ولا يأكلُه الناسُ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: عدَّ ابنُ عباسٍ، وقال: الأبُّ ما أنبَتتِ الأرضُ للأنعامِ. وهذا لفظُ حديثِ أبي كريبٍ. وقال أبو السائبِ في حديِثه: قال: ما أنبَتت الأرضُ مما يأكلُ الناسُ وتأكلُ الأنعامُ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الأبُّ الكلأُ والمرعى كلُّه
(4)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ، قال: الأبُّ النباتُ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ مثلَه.
(1)
أخرجه ابن خزيمة (2173) من طريق ابن إدريس به.
(2)
أخرجه ابن خزيمة (2172)، وابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 3/ 490 - والبيهقي 4/ 313، وفى الشعب (3686) من طريق ابن فضيل به.
(3)
أخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح 13/ 271 - من طريق سعيد بن جبير به.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 348 عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى المصنف.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 317 إلى المصنف.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أو غيرِه، عن مجاهدٍ، قال: الأبُّ المَرْعَى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: {وَأَبًّا} : المَرعَى.
حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ:{وَأَبًّا} . قال: الأبُّ ما تأكلُ الأنعامُ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{وَأَبًّا} . قال: الأبُّ ما أكَلَت الأنعامُ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: أما الأبُّ فلأنعامِكم، نعمٌ مِن اللَّهِ متظاهرةٌ (1).
حدَّثنا
(4)
بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه:{وَأَبًّا} . قال: الأبُّ العشبُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثور، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه:{وَأَبًّا} . قال: هو ما تأكلُه الدوابُّ
(5)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 348.
(2)
تفسير مجاهد ص 706 من طريق المبارك به.
(3)
تفسير مجاهد ص 706.
(4)
بعده في م: "ابن".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 349 عن معمر به.
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَبًّا} : يعنى المَرعَى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَأَبًّا} . قال: الأبُّ لأنعامِنا. قال: والأبُّ ما ترعَى. وقرَأ: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} .
قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ وعمرُو بنُ الحارثِ، عن ابن شهابٍ، أن أنسَ بنَ مالكٍ حدَّثه، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه يقولُ: قال اللَّهُ: {وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} : كلُّ هذا قد علِمناه، فما الأبُّ؟ ثم ضرَب بيدِه، ثم قال:[لعمرُ اللَّهِ]
(1)
، إن هذا لهو التكلفُ
(2)
، واتَّبِعوا ما يتبينُ لكم في هذا الكتابِ. قال عمرُ: وما يتبينُ فعليكم به، وما لا فدعُوه
(3)
.
وقال آخرون: الأبُّ الثمارُ الرَّطبةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَبًّا} . يقولُ: الثمارَ الرطبةَ
(4)
.
وقولُه: {مَتَاعًا لَكُمْ} . يقولُ: أنبَتْنا هذه الأشياءَ التي يأكلُها بنو آدمَ متاعًا لكم أيُّها الناسُ، ومنفعةً تتمتَّعون بها وتنتفِعون، والتي يأكلُها الأنعامُ، لأنعامِكم.
(1)
في م: "لعمرك".
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"التكليف".
(3)
أخرجه عبد بن حميد - كما في الفتح 13/ 271 - والحاكم 2/ 514، والخطيب في تاريخ بغداد 11/ 468، البيهقي في الشعب (2281) من طريق ابن شهاب به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 349 عن الزهري عن عمر به.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 316 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وأصلُ الأنعامِ الإبلُ، ثم تستعملُ في كلِّ راعيةٍ.
وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، و
(1)
[قال: ثنا يونسُ]
(2)
، عن الحسنِ في قولِه:{مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} . قال: متاعًا لكم الفاكهةُ، ولأنعامِكم العشبُ.
وقولُه: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} . ذُكِر أنها اسمٌ مِن أسماءِ القيامةِ، وأحسبُها مأخوذةً من قولِهم: صاخ فلانٌ لصوتِ فلانٍ، إذا استمَع له، إلا أن هذا يقالُ منه: هو مُصِيخٌ له. ولعلَّ الصوتَ هو الصاخُّ، فإن يكنْ ذلك كذلك، فينبغي أن يكونَ قيل ذلك لنفخةِ الصورِ.
ذكرُ مَن قال: هو اسمٌ مِن أسماءِ يومِ
(3)
القيامةِ
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} . قال: هذا مِن أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّره عبادَه
(4)
.
وقولُه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} . يقولُ: فإذا جاءت الصاخةُ في هذا اليومِ الذي يفرُّ فيه المرءُ مِن أخيه.
ويعنى بقولِه: يفرُّ مِن أخيه: يفرُّ عن أخيه، وأمِّه وأبيه،
(1)
سقط من: النسخ.
(2)
سقط من: م.
(3)
سقط من: م.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 317 إلى المصنف وابن المنذر.
{وَصَاحِبَتِهِ} . يعني زوجتَه التي كانت زوجتَه في الدنيا، {وَبَنِيهِ} ؛ حذَرًا من مطالبتِهم إياه بما بينَه وبينَهم مِن التَّبِعاتِ والمظالِمِ.
وقال بعضُهم: معنى قولِه: {يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} : يفرُّ عن أخيه؛ لئلا يراه وما ينزلُ به.
{لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ} . يعنى: من الرجلِ وأخيه وأمِّه وأبيه، وسائرِ مِن ذُكِر في هذه الآيةِ، {يَوْمَئِذٍ}. يعنى: يومَ القيامةِ؛ إذا جاءت الصاخَّةُ يومَ القيامةِ، {شَأْنٌ يُغْنِيهِ}. يقولُ: أمرٌ يغنيه، ويشغَلُه عن شأنِ غيرِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} : أفضى إلى كلِّ إنسانٍ ما يشغلُه عن الناسِ.
حدَّثنا أبو عمارٍ
(1)
المَرْوَزِيُّ الحسينُ بنُ حُريثِ، قال: ثنا الفضلُ بن موسى، عن عائذِ
(2)
بن شريحٍ، عن أنسٍ، قال: سألتْ عائشةُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول اللَّهِ، بأبى أنت
(3)
وأمى، إنى سائلتُك عن حديثٍ أخبِرني أنت به، قال:"إن كان عندى منه عِلمٌ". قالت: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحشرُ الرجالُ؟ قال:"حُفاةً عُراةً". ثم انتظَرت ساعةً، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحشرُ النساءُ؟ قال:"كذلك حُفاةً عُراةً". قالت: واسَوْءَتاه مِن يومِ القيامةِ! قال: "وعن ذلك تسأليني، إنه قد نزَلت عليَّ آيةٌ لا يضرُّكِ كان عليكِ ثيابٌ أم لا". قالت: أيُّ آيةٍ هي يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: " {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} "
(4)
.
(1)
في النسخ: "عمارة"، وتقدم في 8/ 348، 13/ 289.
(2)
في ت 3، وتفسير ابن كثير:"عائد". وينظر التاريخ الكبير 7/ 60.
(3)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 350 - من طريق الفضل بن موسى به، وأخرجه الحاكم 4/ 564 من طريق عروة، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 317 إلى ابن مردويه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} . قال: شأنٌ قد شغَله عن صاحبِه.
وقولُه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وجوهٌ يومَئذٍ مشرقةٌ مضيئةٌ. وهى وجوهُ المؤمنين الذين قد رضي الله عنهم، يقالُ: أسفَر وجهُ فلانٍ: إذا حَسُن، ومنه: أسفَر الصبحُ، إذا أضاء. وكلُّ مضئٍ فهو مُسْفِرٌ. وأما "سَفَر" بغيرِ ألفٍ، فإنما يقالُ للمرأةِ إذا ألقَتْ نقابَها عن وجهِها أو برقعَها، يقالُ: قد سَفَرتِ المرأةُ عن وجهِها. إذا فعَلَت ذلك، فهو سافرٌ. ومنه قولُ تَوْبَةَ بن الحُمَيِّرِ
(1)
:
وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ
…
فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُها
يعني بقولِه: سفورُها: إلقاءَها برقعَها عن وجهِها.
{ضَاحِكَةٌ} . يقولُ: ضاحكةٌ مِن السرورِ بما أعطاها اللَّهُ مِن النعيمِ والكرامةِ، {مُسْتَبْشِرَةٌ} لما ترجو من الزيادةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: {مُسْفِرَةٌ} قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{مُسْفِرَةٌ} . يقولُ: مشرقةٌ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} . قال: هؤلاء أهلُ الجنةِ.
(1)
الشعر والشعراء 1/ 445، والأغانى 11/ 205، والأمالي 1/ 88.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 317 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.
وقولُه: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: {وَوُجُوهٌ} . وهى وجوهُ الكفارِ، {يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} . ذُكِر أن البهائمَ التي يُصَيرُها اللَّهِ ترابًا يومَئِذٍ بعدَ القضاءِ بينَها، يُحوَّلُ ذلك الترابُ غَبَرَةً في وجوهِ أهلِ الكفرِ،
{تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} . يقولُ: يغشَى تلك الوجوهَ قَتَرَةٌ؛ وهي الغَبَرَةُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} . يقولُ: تغشاها ذلةٌ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} . قال: هذه وجوهُ أهلِ النارِ. قال: والقَتَرةُ مِن الغَبَرةِ. قال: وهما واحدٌ. قال: فأما في الدنيا فإن القترةَ ما ارتفَع فلحِق بالسماءِ ورفعَته الريحُ، تسميه العربُ القترةَ؛ وما كان أسفلَ في الأرضِ فهو الغبرةُ.
وقولُه: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم يومَ القيامةِ هم الكفرةُ باللهِ، كانوا في الدنيا الفجرةَ في دينِه
(2)
، لا يبالون ما أتَوا به من معاصى اللَّهِ، وركِبوا مِن محارمِه، فجزاهم اللَّهُ بسوءِ أعمالِهم ما أخبر به عبادَه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "عبس"
(1)
تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.
(2)
في م: "دينهم".
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيُر سورةِ "إذا الشمسُ كُوِّرَتْ"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ
(4)}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إذا الشمسُ ذهَب ضَوءُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ الحريثِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ
(1)
بن واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثنى أبيُّ بنُ كعبٍ، قال: ستُّ آياتٍ قبلَ يومِ القيامةِ؛ بينا الناسُ في أسواقِهم، إذ ذهَب ضَوْءُ الشمسِ، فبينَما هم كذلك، إذ تناثَرت النجومُ، فبينَما هم كذلك، إذ وقَعتِ الجبالُ على وجْهِ الأرضِ، فتحرَّكت واضطرَبت واحترَقت، وفزِعتِ الجنُّ إلى الإنسِ، والإنسُ إلى الجنِّ، واختلَطت الدوابُّ والطيرُ والوحشُ، وماجوا بعضُهم في بعضٍ، {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}. قال: اختلَطَت، {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}. قال: أهمَلها أهلُها، {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}. قال: قالت الجنُّ للإنسِ: نحن نأتيكم بالخبرِ. قال: فانطلَقوا إلى البحارِ، فإذا هي نارٌ تأجَّجُ. قال: فبينما هم كذلك إذ تصدَّعتِ الأرضُ صَدْعةً واحدةً إلى الأرضِ السابعةِ السفلى وإلى السماءِ السابعةِ العليا. قال: فبينما هم
(1)
في ت 1: "الحسن".
كذلك إذ جاءتهم الريحُ فأماتَتهم
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . يقولُ: أَظْلَمَت
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . يعني: ذهَبت
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، حدَّثنى عبيد اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: اضمحَلَّت وذهَبت
(4)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ [في هذه الآيةِ:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: ذهَب ضوءُها
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ]
(6)
في قولِه: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: ذهَب ضوءُها فلا ضوءَ لها.
(1)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (23) عن الحسين بن الحريث به. وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 352، 353 عن الربيع بن أنس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 53 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 351.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350 عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(6)
سقط من: م.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُميُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: غُوِّرتْ
(1)
، وهى بالفارسيةِ: كُور تكور
(2)
.
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} : أما تكويرُ الشمسِ فذَهابُها
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال
(4)
: كور
(5)
، بالفارسيةِ
(3)
.
وقال آخرون: معنى ذلك: رُمِيَ بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ
(6)
بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ
(7)
، عن أبي صالحٍ في قولِه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: نُكِّسَت
(3)
.
(1)
في ص، ت 1، ت 3:"عورت".
(2)
كذا في النسخ، وفى المعرب للجواليقى: وهو بالفارسية "كؤبُور". وفى اللسان (ك و ر): وهو بالفارسية "كُورْبِكِرْ". والأثر ذكره البغوي في تفسيره 8/ 345، وابن كثير في تفسيره 8/ 351، ولم يذكر فيهما المعنى بالفارسية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد.
(4)
بعده في م: "كورت".
(5)
في ص، م، ت 1، ت 3:"كورا". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.
(6)
في ت 2، ت 3:"غنام".
(7)
في ت 2: "صالح".
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ، سمِع أبا صالحٍ في قولِه: هو {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: أُلِقيَت
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلَى، عن ربيعِ بن خُثيمٍ
(2)
: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: رُمِيَ بها
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (2) مثلَه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: {كُوِّرَتْ} . كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه. والتكويرُ في كلامِ العربِ جمعُ بعضِ الشيءِ إلى بعضٍ، وذلك كتكويرِ العمامةِ، وهو لفُّها على الرأسِ، وكتكويرِ الكارةِ، وهى جمعُ الثيابِ بعضها إلى بعضٍ ولفُّها، وكذلك قولُه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . إنما معناه: جُمِع بعضُها إلى بعضٍ، ثم لُفَّت فرُمِيَ بها، وإذا فُعِل ذلك بها ذهَب ضوءُها. فعلى التأويلِ الذي تأوَّلناه وبيَّناه، لكلا القولين اللذين ذكَرتُ عن أهلِ التأويلِ وجهٌ صحيحٌ، وذلك أنها إذا كُوِّرت ورُمِيَ بها ذهَب ضوءُها.
(1)
ذكره ابنُ كثير في تفسيره 8/ 351.
(2)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"خيثم".
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350، 351، عن سفيان عن أبيه عن الربيع، وأخرجه هناد في الزهد (336)، من طريق سعيد بن مسروق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
وقولُه: {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} . يقولُ: وإذا النجومُ تناثَرَت من السماءِ فتساقَطَت. وأصلُ الانكدارِ الانصبابُ، كما قال العجَّاجُ
(1)
:
أبصَر خِرْبانَ فضاءٍ فانكدَرْ
يعني بقولِه: انكدَر: انصبَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خثيمٍ
(2)
: {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} . قال: تناثَرَت.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خثيمٍ
(2)
مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن [أبي يحيى]
(3)
، عن مجاهدٍ:{وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} . قال: تناثَرَت
(4)
.
حدَّثني
(5)
موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} . قال: انتثَرَت
(6)
.
(1)
ديوانه ص 29.
(2)
في ت 1، م:"خيثم".
(3)
في ت 1: "أبى تحيحرة"، وفى م:"ابن أبي نجيح".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(5)
بعده في م: "محمد بن".
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 353.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} . قال: تساقَطَت وتهافَتَت
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} . قال: رُمِى بها من السماءِ إلى الأرضِ.
وقال آخرون: انكَدَرت: تغيَّرَت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} . يقولُ: تغيَّرَت
(2)
.
وقولُه: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} . يقولُ: وإذا الجبالُ سيَّرها اللهُ، فكانت سرابًا وهباءً منبثًّا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ
(3)
، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ:{وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} . قال: ذهَبت
(4)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350، عن معمر، عن قتادة بلفظ: تناثرت، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه ابنُ أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 53 - من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.
(3)
في ت 2، ت 3:"إسماعيل".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وقولُه: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . والعشارُ جمعُ عُشَرَاءَ، وهي التي قد أتَى عليها عشرة أشهرٍ من حملِها.
يقول تعالى ذكرُه: وإذا هذه الحواملُ التي يَتنافسُ أهلُها فيها أُهمِلت فتُرِكت من شدةِ الهولِ النازلِ بهم، فكيف بغيرِها؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ الحريثِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . قال: إذا أهمَلَها أهلُها
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ
(2)
: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . قال: خلَا منها أهلُها، لم تُحلَبْ ولم تُصَرَّ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ (2):{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . قال: لم تُحلبْ ولم تُصَرَّ، وتخلَّى منها أربابُها.
(1)
تقدم تخريجه في ص 129.
(2)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"خيثم".
(3)
ناقة مُصِرَّة: لا تَدِرّ. التاج (ص ر ر).
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 21، وأحمد في الزهد ص 334 من طريق سعيد بن مسروق به، وتقدم تمام تخريجه في ص 131.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ:{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . قال: سُيِّبَت، تُرِكَت
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . قال: عِشارُ الإبلِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ:{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} قال: سيَّبَها أهلُها فلم تُصَرَّ ولم تُحلَبْ، ولم يكنْ في الدنيا مالٌ أعجبَ إليهم منها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . قال: عشارُ الإِبل سُيِّبَت
(3)
.
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} . يقولُ: لا راعىَ لها (1).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10)} .
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ؛ فقال
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 353.
(2)
تفسير مجاهد ص 707، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
بعضُهم: معنى ذلك: ماتت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ:{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} . قال: حَشْرُ البهائمِ موتُها، وحَشْرُ كلِّ شيءٍ الموتُ، غيرَ الجنَّ والإنسِ، فإنهما يُوقَفان يومَ القيامةِ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ
(2)
: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} قال: أتَى عليها أمرُ اللهِ. قال سفيانُ: قال أبي: فذكرتُه لعكرمةَ، فقال: قال ابنُ عباسٍ: حَشْرُها موتُها
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خُثيمٍ (2) بنحوِه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا الوحوشُ اختلَطتْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بن حُريثٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ،
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 354 عن المصنف، وأخرجه الحاكم 2/ 515 من طريق عباد بن العوام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(2)
في ت 1، ت 2، ت 3، م:"خيثم".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 354 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي شيبة، بغير قول عكرمة.
عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} . قال: اختلَطتْ
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: جُمعت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} : إنَّ هذه الخلائقَ موافيةٌ يومَ القيامةِ، فيقضِى اللهُ فيها ما يشاءُ
(2)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى {حُشِرَتْ} : جُمعت فأُميتَتْ؛ لأنَّ المعروفَ في كلامِ العربِ مِن معنى الحشرِ الجمعُ، ومنه قولُ الله:{وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} [ص: 19]. يعنى: مجموعةً. وقولُه: {فَحَشَرَ فَنَادَى} [النازعات: 23]. وإنما يُحملُ تأويلُ القرآنِ على الأغلبِ الظاهرِ مِن تأويلِه، لا على الأنكرِ المجهولِ.
وقولُه: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وإذا البحارُ اشتَعلَت نارًا وحَمِيَت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ حُريثٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . قال: قالت الجنُّ للإنسِ: نحن نأتيكم بالخبرِ. فانطلَقوا إلى البحارِ فإذا هي تأجَّجُ نارًا (1).
(1)
تقدم تخريجه في ص 129.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 354، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه لرجلٍ مِن اليهودِ: أين جهنمُ؟ فقال: البحرُ. فقال: ما أُراه إلا صادقًا، {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6]. {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . مخففةً
(1)
.
حدَّثني حَوْثرةُ
(2)
بنُ محمدٍ المِنْقَريُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا مجالدٌ، قال: أخبَرني شيخٌ من بَجِيلةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: كوَّر اللهُ الشمسَ والقمرَ والنجومَ في البحرِ، فيَبْعثُ عليها ريحًا دبورًا، فتَنْفخُه حتى يصيرَ نارًا، فذلك قولُه:{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . قال: إنها توقدُ يومَ القيامةِ، زعَموا ذلك التسجيرَ في كلامِ العربِ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ في قولِه:{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6]. قال: بمنزلِة التنُّورِ المسجورِ، {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} مثلُه.
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} قال: أُوقِدت.
وقال آخرون: معنى ذلك: فاضتْ.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 354 عن المصنف، وتقدم تخريجه في 21/ 568، وستأتى القراءة بعد قليل.
(2)
في ت 2: "حوير" وفى ت 3: "جويير". وينظر تهذيب الكمال 7/ 460.
(3)
أخرجه هناد في الزهد (334)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 352 - من طريق أبي أسامة به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (645)، من طريق بيان، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى ابن أبي الدنيا في الأهوال.
(4)
تقدم تخريجه في 21/ 568.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ
(1)
: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . قال: فاضَتْ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن ربيعٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ في قولِه:{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . قال: مُلِئت، ألا ترَى أنه قال:{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}
(2)
!
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . يقولُ: فُجِّرَت
(3)
.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه ذهَب ماؤُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . قال: ذهَب ماؤُها فلم يبقَ فيها قطرةٌ
(4)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَإِذَا
(1)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"خيثم".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350 عن معمر به، وذكره البغوي في تفسيره 8/ 347.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 355 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الفتح - 8/ 693 - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد.
الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}. قال: غار ماؤُها فذهَب
(1)
.
حدَّثني [الحسينُ بنُ محمدٍ الذارعُ]
(2)
، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن الحسنِ
(3)
في هذا الحرفِ: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . قال: يبِسَت
(4)
.
حدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ بمثلِه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} . قال: يبِسَت.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: مُلئت حتى فاضَتْ، فانفجَرت وسَالتْ. كما وصَفها اللهُ به في الموضعِ الآخرِ، فقال:{وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار: 3]. والعربُ تقولُ للنهرِ أو للرَّكيِّ المملوءِ ماءً: مسجورٌ.
ومنه قولُ لبيدٍ
(5)
:
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا
…
مسجُورةً مُتَجاوِرًا
(6)
قُلَّامُها
ويعنى بالمسجورةِ: المملوءةَ ماءً.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: {سُجِّرَتْ}
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350 عن معمر به.
(2)
في ت 1: "الحسين بن محمد الزارع". وفى ت 2، ت 3:"محمد بن الحسين الذارع".
(3)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحسين".
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 347، وابن كثير في تفسيره 8/ 355.
(5)
تقدم في 15/ 510.
(6)
في شرح الديوان: "متجاوزا".
بتشديدِ الجيمِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ بتخفيفِ الجيمِ
(1)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: أُلحِق كلُّ إنسانٍ بشكلهِ، وقُرِن بينَ الضُّرَباءِ والأمثالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ رضي الله عنه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ الواحدَ يدخلان به الجنةَ، ويدخُلان به النارَ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ، فيدخُلان به الجنةَ. وقال:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22]. قال: ضُرباءَهم
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بن حربٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ، يدخُلان به الجنةَ أو النارَ.
(1)
قراءة التشديد قرأ بها نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقراءة التخفيف قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. التيسير ص 179.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350 عن سفيان الثورى به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 355 - والحاكم 2/ 515، 516 من طريق سماك به.
(3)
تقدم تخريجه في 19/ 519.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، أنه سمِع النعمانَ بن بشيرٍ يقولُ: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ وهو يَخْطُبُ، قال:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 7 - 11]. ثم قال: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: أزواجٌ في الجنةِ، وأزواجٌ في النارِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، قال: سُئِل عمرُ رضي الله عنه عن قولِ اللهِ: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: يُقْرَنُ بينَ الرجلِ الصالحِ مع الرجلِ الصالحِ في الجنةِ، وبينَ الرجلِ السوءِ مع الرجلِ السوءِ في النارِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصبَّاحِ الدُّولابيُّ، عن الوليدِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والنعمانِ، عن
(2)
عمرَ، وقال: قال " {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} ". قال: "الضُّرَباءُ، كلُّ رجلٍ مع كلِّ قومٍ كانوا يعمَلون عملَه؛ وذلك أن الله يقولُ: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 7 - 10]. قال: "هم الضُّربَاءُ"
(3)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 279، والحافظ في تغليق التعليق 4/ 362 من طريق أبى الأحوص به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 351، وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 362 - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 355 - وابن مردويه - كما في تغليق التعليق 4/ 361 - من طريق سماك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ابن".
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 355 - من طريق محمد بن الصباح به.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى ابن مردويه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: ذلك حينَ يكونُ الناسُ أزواجًا ثلاثةً
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: أُلحِق كلُّ امرئ بشيعتِه
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: الأمثالُ من الناسِ جُمِع بينَهم
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: لحِق كلُّ إنسانٍ بشيعتِه؛ اليهودُ باليهودِ، والنصارى بالنصارى
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ
(5)
: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: يُحشرُ المرءُ مع صاحبِ عملِه
(6)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 231، وابن كثير في تفسيره 8/ 355.
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 347، والقرطبي في تفسيره 19/ 232.
(3)
تفسير مجاهد ص 708. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 347 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(5)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"خيثم".
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350، 351 عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
الربيعِ، قال: يجئُ المرءُ مع صاحبِ عملِه.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أن الأرواحَ رُدَّت إلى الأجسادِ فزُوِّجت بها. أي: جُعِلت لها زوجًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي أبيه، عن أبي
(1)
عمرٍو، عن عكرمةَ:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: الأرواحُ تَرْجِعُ إلى الأجسادِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال في هذه الآيةِ:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: زُوِّجت الأجسادَ فرُدَّت الأرواحُ في الأجسادِ
(3)
.
حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بن محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن عكرِمةَ:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: رُدَّت الأرواحُ في الأجسادِ.
حدَّثني الحسنُ بنُ زُريقٍ
(4)
الطُّهَويُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن أبيه، عن عكرمةَ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ في قولِه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . قال: زوِّجت الأرواحُ الأجسادَ.
(1)
في ت 2، ت 3:"ابن". وينظر تهذيب الكمال 25/ 608، 609.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 443 - إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى ابن المنذر.
(4)
في ت 1: "وربق"، وفي ت 2:"دريق"، وفى ت 3:"رويق". وتقدم في 6/ 702.
وأولى التأويلين في ذلك بالصحة الذي تأوَّله عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه؛ للعلةِ التي اعتَلَّ بها، وذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} . وقولُه: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} . وذلك لا شكَّ الأمثالُ والأشكالُ في الخيرِ والشرِّ، وكذلك قولُه:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} . بالقُرنَاءِ
(1)
والأمثالِ في الخيرِ والشرِّ.
وحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضبيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ القَسْمَلِيُّ
(2)
، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . قال: سيأتي أوَّلُها والناسُ ينظرون، وسيأتي آخرُها إِذا النفوسُ زُوِّجت
(3)
.
وقولُه: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} . اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو الضحى مسلمُ بنُ صُبيحٍ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}
(4)
. بمعنى: سألتِ الموءودةُ الوائدينَ بأيِّ ذنبٍ قتَلوها
(5)
.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ في قولِه:(وإذا المَوءُودةُ سأَلتْ). قال: طلَبت بدمائِها
(6)
.
(1)
في ت 2، ت 3:"بالضرباء".
(2)
في ت 1: "السلمي"، وفى ت 2، ت 3:"الشملي". وتقدم في 13/ 642، 15/ 452.
* من هنا خرم في النسخة "ت 2"، وينتهي في ص 155.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن المنذر مطولا.
(4)
وبها قرأ ابن مسعود وعلى وابن عباس وجابر بن زيد ومجاهد، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط 8/ 433.
(5)
في ص، ت 1، ت 3:"قتلوهم".
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العنبريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن الأعمشِ، قال: قال أبو الضحى: (وإذا الموءودةُ سأَلتْ). قال: سأَلت قتَلَتَها.
ولو قرَأ قارئٌ ممن قرَأ: (سأَلَتْ): (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)
(1)
كان له وجهٌ، وكان يكونُ معنى ذلك معنى مَن قرَأ:(بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ) غيرَ أنه إذا كان حكايةً جاز فيه الوجهان، كما يقالُ: قال عبدُ اللهِ: بأيِّ ذنبٍ ضُرِب
(2)
، وضُرِبتُ
(3)
كما قال عَنترةُ
(4)
:
الشَّاتَمِيْ عِرْضى ولم أشْتمْهما
…
والنَّاذِرَين إذا لقِيتُهما دَمى
وذلك أنهما كانا يقولان: إذا لَقِينا عنترةَ لنقتلنَّه. فحكَى عنترةُ قولَهما في شعرِه. وكذلك قولُ الآخرِ
(5)
:
رَجْلانِ مِن ضَبَّةَ أَخْبَرانا
…
إِنَّا رأَيْنا رَجُلًا عُرْيانا
بمعنى: أخبَرانا أنَّهما. ولكنه جرَى الكلامُ على مذهبِ الحكايةِ.
وقرَأ ذلك بعدُ
(6)
عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} . بمعنى: سُئلت الموءودةُ بأيّ ذنبٍ قُتِلَتْ. ومعنى {قُتِلَتْ} : قُتلْتُ. غيرَ أن ذلك رُدَّ إلى الخبرِ على وجْهِ الحكايةِ على نحوِ القولِ الماضي قبلُ. وقد يَتوجَّهُ معنى
(1)
وبها قرأ أُبي - وعن ابن مسعود - والربيع بن خثيم وابن يعمر. البحر المحيط 8/ 433.
(2)
في ص: "ضُربتُ".
(3)
سقط من النسخ، وينظر معاني القرآن للفراء 3/ 240.
(4)
تقدم في 23/ 542.
(5)
تقدم في 20/ 143.
(6)
في م: "بعض".
ذلك إلى أنْ يكونَ: وإذا الموءودةُ سُئلت قتلَتُها ووائدُوها بأيِّ ذنبٍ قتلوها. ثم رُدَّ ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعلُه، فقيل:{بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} .
وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: {سُئِلَتْ} بضمِّ السينِ، {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} على وجْهِ الخبرِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
والموءودةُ المدفونةُ حيةً. وكذلك كانت العربُ تفعَلُ ببناتِها، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ
(1)
:
ومِنَّا الذي أحْيا الوَئيدَ وغالبٌ
(2)
…
وعمرٌو ومنا حامِلونَ ودَافِعُ
يقالُ: وأَده فهو يَئِدُه وأْدًا، ووأْدةً.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} : هي في بعضِ القراءاتِ: (سألتْ بأَيِّ ذنبٍ قُتِلْتُ)
(3)
. لا بذنبٍ؛ كان أهلُ الجاهليةِ يَقْتُلُ أحدُهم ابنتَه ويَغْذُو كلْبَه، فعاب اللهُ ذلك عليهم
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: جاء قيس بنُ عاصمٍ التميميُّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنى وأَدْتُ ثمانيَ بناتٍ في الجاهلية. قال: "فأعتِقْ عن كلِّ واحِدَةٍ بَدَنَةً"
(5)
.
(1)
البيت ملفق من بيتين من قصيدة في ديوانه ص 517.
(2)
في م، ت 1، ت 3:"غائب".
(3)
وهى قراءة شاذة لم ترد عن أحد من القراء العشرة.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 351 عن معمر به، وأخرجه البزار (238)، وابن أبي حاتم كما في=
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ
(1)
: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} . قال: كانتِ العربُ مِن أفعلِ الناسِ لذلك
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن ربيعِ بن خُثيْمٍ بمثلِه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} . قال: البناتُ التي كانت طوائفُ العربِ يَقْتلونهنَّ. وقرَأ: {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} .
وقولُه: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا صُحفُ أعمالِ العبادِ نُشِرتْ لهم، بعدَ أن كانت مطويةً على ما فيها مكتوبٌ مِن الحسناتِ والسيئاتِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} : صحيفتُك يا بنَ آدمَ، يُملى ما فيها، ثم تُطْوَى، ثم تُنْشَرُ عليك
= تفسير ابنُ كثير 8/ 357، وابن منده - كما في الإصابة 5/ 485 - والبيهقى 8/ 116 من طريق عمر بن الخطاب، عن قيس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى الحاكم في الكني، وفي هذه المصادر:"فأعتق عن كل واحدة رقبة" قال: إنى صاحب إبل. قال: "فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة".
(1)
في م، ت 1، ت 3:"خيثم".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
يومَ القيامةِ
(1)
.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: {نُشِرَتْ} بتخفيفِ الشينِ، وكذلك قرَأه أيضًا بعضُ الكوفيِّين، وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ بتشديدِ الشينِ
(2)
. واعتلَّ من اعتلَّ منهم لقراءتهِ ذلك كذلك بقولِ اللهِ: {أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} [المدثر: 25]. ولم يقلْ: منشورةً. وإنما حسُن التشديدُ فيه لأنه خبرٌ عن جماعةٍ، كما يقالُ: هذه كِباشٌ مُذَبَّحةٌ. ولو أخبرَ عن الواحدِ بذلك كانت مخفَّفةً، فقيل: مذبوحةٌ. فكذلك قولُه: منشورةٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا السماءُ نُزِعت وجُذبت ثم طُوِيت.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{كُشِطَتْ} . قال: جُذِبت
(3)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 358، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318، 319 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
قراءة التخفيف قرأ بها نافع وابن عامر وعاصم، وقراءة التشديد قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وحمزة. حجة القراءات ص 751.
(3)
تفسير مجاهد ص 708، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قُشِطَتْ) بالقافِ
(1)
، والقَشْطُ والكَشْطُ بمعنًى واحدٍ، وذلك تحويلٌ مِن العربِ الكافَ قافًا؛ لتقارُبِ مخرَجَيْهما، كما قيل للكافور: قافورٌ. وللقُسْطِ: كُسْطٌ. وذلك كثيرٌ في كلامِهم، إذا تقارَب مخرجُ الحرفين، أبدَلوا مِن كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، كقولِهم للأَثافيِّ: أثاثيُّ. وثوبٌ فُرقُبيٌّ وثُرْقُبيٌّ
(2)
.
وقولُه: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الجحيمُ أُوقِد عليها فأُحْمِيت.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} : سعَّرها غضبُ اللهِ وخطايا بني آدمَ
(3)
.
واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: {سُعِّرَتْ} بتشديدِ عينِها، بمعنى: أُوقِد عليها مرَّةً بعدَ مرَّةٍ. وقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ بالتخفيفِ
(4)
.
والقولُ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الجنةُ قُرِّبت وأُدْنِيَت.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
معاني القرآن للفراء 3/ 241، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص 169.
(2)
الثياب الثرقبية والفرقبية: ثياب بيض من كتان، وقيل: من ثياب مصر. التاج (ثرقب، فرقب).
(3)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 235، وابن كثير في تفسيره 8/ 358.
(4)
قراءة التشديد قرأ بها نافع وابن عامر وحفص وأبو عمرو. وقراءة التخفيف قرأ بها أبو بكر وابن كثير والكسائى وحمزة. ينظر حجة القراءات ص 751.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ
(1)
: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} . قال: إلى هذين ما جرى الحديثُ؛ {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}
(2)
[الشورى: 7].
حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ:{وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} . قال: إلى هاتين
(3)
ما جَرى الحديثُ؛ فريقٌ إلى الجنةِ، وفريقٌ إلى النارِ.
يعني الربيعُ بقولِه: إلى هذين ما جَرى الحديثُ. أنَّ ابتداءَ الخبرِ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] إلى قولِه: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} . إنما عُدِّدت الأمورُ الكائنةُ التي نهايتُها أحدُ هذين الأمرين؛ وذلك المصيرُ إما إلى الجنةِ، وإما إلى النارِ.
وقولُه: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: عَلِمت نفسٌ عندَ ذلك ما أحضَرت مِن خيرٍ فتصيرُ به إلى الجنةِ، أو شرٍّ فتصيرُ به إلى النارِ. يقولُ: يتبيَّنُ له عندَ ذلك ما كان جاهلًا به، وما الذي كان فيه صلاحُه مِن غيرِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا
(1)
في م، ت 1، ت 3:"خيثم".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 350، 351 عن سفيان، عن أبيه، عن الربيع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 319 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
في م: "هذين".
أَحْضَرَتْ}: من عملٍ. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: وإلى هذا جرَى الحديثُ
(1)
.
وقولُه: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} . جوابٌ لقولِه: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وما بعدَها، كما يقالُ: إذا قام عبدُ اللهِ قعَد عمرٌو.
وقولُه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} .
اختلَف أهلُ التأويلِ في الخُنَّسِ الجوارِ الكُنَّسِ؛ فقال بعضُهم: هي النجومُ الدراريُّ الخمسةُ، تَخْنِسُ في مجراها فترجِعُ، وتكْنِسُ فتَسْتَتِرُ في بيوتِها، كما تكْنِسُ الظباءُ في المغارِ. والنجومُ الخمسةُ؛ بَهْرَامُ، وزُحَلُ، وعُطارِدُ، والزَّهَرَةُ، والمُشْتَرِى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ رضي الله عنه، فقال: ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} ؟ قال: هي الكواكبُ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا عليه السلام وسُئل عن: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، وتكنِسُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 318، 319 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه البيهقى في الشعب (3991) من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه الحاكم 2/ 516 من طريق سماك به، وأخرجه سعيد بن منصور - كما في الفتح 8/ 694 - بإسناد حسن عن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن راهويه والبيهقي في البعث.
بالليلِ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن إسرائيلَ]
(2)
، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: النجومُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من مُرادٍ، عن عليٍّ أنه قال: هل تدرون ما الخُنَّسُ؟ هي النجومُ، تجرِى بالليلِ وتخنِسُ بالنهارِ
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع الحسنَ
(4)
يُسألُ، فقيل: يا أبا سعيدٍ، ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}؟ قال: النجومُ
(5)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بن خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ في قولِه:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: هي النجومُ الدراريُّ التي تجرِى تستقبلُ المشرقَ
(6)
.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: هي النجومُ
(6)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن رجلٍ مِن
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 359 نقلا عن المصنف.
(2)
سقط من: م.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 359 - من طريق سفيان الثورى به.
(4)
في ص، ت 3:"الحسين".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 359.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.
مُرادٍ، عن عليٍّ بن أبى طالبٍ رضي الله عنه:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: يعنى النجومَ؛ تكنِسُ بالنهارِ، وتبدو بالليلِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: هي النجومُ؛ تبدو بالليلِ، وتخنِسُ بالنهارِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، و {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}: سَيرُهنَّ إذا غبْن
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: الحُنَّسُ والجوارى الكُنَّسُ: النجومُ الحُنَّسُ؛ إنها تخنِسُ؛ تتأخَّرُ عن مَطالِعها
(3)
، هي تتأخُرُ كلَّ عامٍ، لها في كلِّ عامٍ تأخُّرٌ عن تعجيلِ ذلك الطلوعِ تخنِسُ عنه، والكُنَّسُ: تكنِسُ بالنهارِ فلا تُرى. قال: والجوارى: تجرى بعدُ، فهذا الخُنَّسُ الجوارى الكُنَّسُ
(4)
.
وقال آخرون: هي بقرُ الوحشِ التي تكنِسُ في كِناسِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، عن زكريا بن أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ السبيعيِّ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه قال لأبى
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 352 عن معمر به.
(3)
في ص، م، ت 1:"مطلعها".
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 349.
ميسرةَ: ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} ؟ قال: فقال: بقرُ الوحشِ. قال: فقال: وأنا أُرى ذلك
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:{الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: بقرُ الوحشِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: يا عمرُو، ما {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. أو: ما تراها؟ قال عمرٌو: أُراها البقَرَ. قال عبدُ الله: وأنا أُراها البقَرَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: سألتُ عنها عبدَ الله. فذكَر نحوَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، قال: ثنى الحجاجُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ أبا الشَّعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ عن: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: هي البقَرُ إذا كنَست كوانسُها
(3)
. قال يونسُ: قال لى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ: هي البقَرُ إذا فرَّت مِن الذئابِ، فذلك الذي أراد بقولهِ: كنَست كوانسُها *.
(1)
أخرجه الحاكم 2/ 516 من طريق زكريا بن أبي زائدة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 351، 352، وابن سعد 6/ 106 من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.
(2)
أخرجه الطبراني (9063)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 142 من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.
(3)
أخرجه البخارى في التاريخ الكبير 2/ 374 من طريق جرير به بلفظ: البقر والظباء الوحشية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.
* إلى هنا ينتهى الخرم الموجود بالنسخة "ت 2" المشار إليه في ص 145.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال جريرٌ: وحدَّثنى الصلتُ بنُ راشدٍ، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك
(1)
.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه:{الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: هي بقَرُ الوحشِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: سُئل مجاهدٌ ونحنُ عندَ إبراهيمَ عن قولِه: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: لا أدْرى. فانتَهره إبراهيمُ وقال: لِمَ لا تَدْرى؟ فقال: إنهم يَرْوُون عن عليٍّ رضي الله عنه، وكنا نسمَعُ أَنَّها البقَرُ. فقال إبراهيمُ: هي البقرُ الجوارى، الكُنَّسُ: حُجْرةُ
(2)
بقرِ الوحشِ التي تأْوِى إليها، والخُنَّسُ الجوارى: البَقرُ.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ أنهما تذاكرا هذه الآيةَ:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . فقال إبراهيمُ لمجاهدٍ: قلْ فيها ما سمعتَ. قال: فقال مجاهدٌ: كنا نسمعُ فيها شيئًا، وناسٌ يقولون: إنها النجومُ
(3)
. قال: فقال إبراهيمُ: إنهم يَكْذِبون على عليٍّ رضي الله عنه، هذا كما رَوَوْا عن عليٍّ رضي الله عنه، أنه ضمَّن الأسفلَ الأعلى، والأعلى الأسفلَ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، [عن سفيانَ]
(5)
، عن المغيرةِ، قال: سُئل
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد.
(2)
في م، ت 3:"جحرة". والحجرة: حظيرة الحيوان. الوسيط (ح ج ر).
(3)
بعده في تفسير ابن كثير: "قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 360 عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الفتح 8/ 694 - من طريق مغيرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى عبد بن حميد. وينظر مصنف ابن أبي شيبة 9/ 335.
(5)
سقط من: ت 2، ت 3.
مجاهدٌ [عندَ إبراهيمَ]
(1)
عن الجوارى الكُنَّسِ، قال: لا أدرى، يزعمون أنَّها البقَرُ. قال: فقال إبراهيمُ: ما
(2)
تَدْرى؟ هي البَقرُ. قال: يذكُرون عن عليٍّ رضي الله عنه أنها النجومُ. قال: يَكْذِبون على عليٍّ رضي الله عنه.
وقال آخرون: هي الظباءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . يعنى: الظباءِ
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ بن إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} . قال: الظباءِ
(4)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . قال: كنا نقولُ؛ أظنُّه قال: الظباءِ. حتى زعمَ سعيدُ بنُ جبيرٍ أنه سأل ابنَ عباس عنها، فأعاد عليه قراءتَها
(5)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
(1)
سقط من: م، ت 1.
(2)
بعده في: ص، م، ت 1، ت 2:"لا".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 360 عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 320 إلى المصنف.
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 349، وابن كثير في تفسيره 8/ 360.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 360.
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} . يعنى: الظباءِ
(1)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أقسَم بأشياءَ تخنِسُ أحيانًا؛ أي تغيبُ، وتجرى أحيانًا وتكنِسُ أخرى، وكنوسُها: أن تأوِىَ في مكانسِها، والمكانسُ عندَ العربِ هي المواضعُ التي تأوِى إليها بقرُ الوحشِ والظباءُ، واحدُها مَكْنَسٌ وكِنَاسٌ، كما قال الأعشى
(2)
:
فلمَّا لَحِقْنا الحَيَّ أَتْلَعَ
(3)
أُنَّسٌ
…
كَمَا أَتَلَعَتْ تَحْتَ المَكَانِسِ رَبْرَبُ
(4)
فهذه جمعُ مَكْنَسٍ، وكما قال في الكِناسِ طَرَفةُ بنُ العبدِ
(5)
:
كأَنَّ كِنَاسَىْ ضَالَةٍ
(6)
يَكْنُفَانِها
…
وَأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ
وأما الدَّلالةُ على أن الكِناسَ قد يكونُ للظباءِ، فقولُ أُوسِ بن حَجَرٍ
(7)
:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مُزْنَةً
…
وَعُفْرُ الظِّبَاءِ في الكِناسِ تَقَمَّعُ
فالكِناسُ في كلامِ العربِ ما وصفتُ، وغيرُ مُنكَرٍ أن يُستعارَ ذلك في المواضعِ التي تكونُ بها النجومُ مِن السماءِ، فإذْ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أن
(8)
المرادَ بذلك النجومُ دونَ البقرِ، ولا البقرُ دونَ الظباءِ، فالصوابُ أنْ يُعَمَّ بذلك كلُّ ما كانت صفتُه الخُنوسَ أحيانًا، والجَرْىَ أخرى، والكُنوسَ بآناتٍ، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه مِن صفتِها.
(1)
ينظر البحر المحيط 8/ 434، وتفسير ابن كثير 8/ 360.
(2)
ديوانه ص 201.
(3)
تلع الظبي والثور من كناسه: أخرج رأسه وسَمَا بجيده، وأتلع رأسه: أطلعه فنظر، اللسان (ت ل ع).
(4)
الربرب: القطيع من بقر الوحش، وقيل: من الظباء ولا واحد له. اللسان (ر ب ب).
(5)
ديوانه ص 16.
(6)
الضال: السدر البرى. اللسان (ض و ل).
(7)
ديوانه ص 57.
(8)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)}
أقسم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالليلِ إذا عَسْعس. يقولُ: وأُقسِمُ بالليلِ إذا عسعس واختلَف أهلُ التأويلِ في قولِه: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: {إِذَا عَسْعَسَ} : إذا أدْبَر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} . يقولُ: إِذا أَدْبَر
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} . يعنى: إذا أدْبَر
(2)
.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ اليشكريُّ
(3)
، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ، عن رجلٍ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنتُ أتَّبِعُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه وهو خارجٌ نحوَ المشرقِ، فاستقبَل الفجْرَ، فقَرَأ هذه الآيةَ:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن سعدِ
(5)
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 53 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 321 إلى ابن المنذر.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 360 عن العوفي، عن ابن عباس.
(3)
في ت 2، ت 3:"السكرى".
(4)
أخرجه البيهقي في 2/ 479 من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.
(5)
في ت 1، ت 2، ت 3:"سعيد". وينظر تهذيب الكمال 10/ 290.
ابن عبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: خرَج عليٌّ رضي الله عنه مما يلى بابَ السوقِ، وقد طلَع الصبحُ أو الفجرُ. قال: فقرَأ: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} . أين السائلُ عن الوترِ؟ نعم، ساعةُ الوترِ هذه
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17)} . قال: إقبالُه، ويقالُ: إدبارُه
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} : إِذا أَدْبَرَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِذَا عَسْعَسَ} . قال: إذا أدْبَر
(3)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِذَا عَسْعَسَ} : إِذا أَدْبَرَ
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرَج عليٌّ رضي الله عنه بعدَ ما أذَّن المؤذِّنُ بالصبحِ، فقال:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} . أين السائلُ عن الوترِ؟ قال: نعم،
(1)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 3/ 18، والبيهقى 2/ 479 من طريق أبي عبد الرحمن به، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 340 من طريق عبد خير، عن علي.
(2)
تفسير مجاهد ص 708، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 321 إلى عبد بن حميد.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 352 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 321 إلى عبد بن حميد
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 360.
ساعةُ الوترِ هذه
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17)} . قال: {عَسْعَسَ} : تولَّى. وقال: تنفَّس الصبحُ مِن ههنا. وأشار إلى المشرقِ؛ اطِّلاعِ الفجرِ
(2)
.
وقال آخرون: عُنِى بقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17)} : إذا أقبَل بظلامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} . قال: إذا غَشِي الناسَ
(3)
.
حدَّثنا الحسينُ بن عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضيلِ، عن عطيةَ:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17)} . قال: أشار بيدِه إلى المغربِ (2).
وأَولى التأويلينِ في ذلك بالصواب عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: إذا أدْبَر؛ وذلك لقولِه: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} . فدلَّ بذلك على أن القسمَ بالليل مُدبرًا، وبالنهارِ مُقْبلًا، والعربُ تقولُ: عسْعَس الليلُ، وسَعْسَع الليلُ، إِذا أَدْبَرَ ولم يَبْقَ منه إلا اليسيرُ. ومن ذلك قولُ رُؤْبةَ بن العجاجِ
(4)
:
يا هِنْدُ ما أَسْرَعَ مَا تَسَعْسَعا
…
ولوْ رجَا تَبَعَ الصِّبَا تَتَبَّعا
(1)
أخرجه الطبراني في الأوسط (1451)، والحاكم 2/ 516 من طريق أبي حصين به.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 360
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 352 عن معمر به.
(4)
ديوانه ص 88.
فهذه لغةُ مَن قال: سَعْسَع. وأما لغةُ مَن قال: عَسْعَسَ. فقولُ علقمةَ بَنِ قُرْطٍ
(1)
:
حتَّى إذا الصُّبْحُ لها
(2)
تَنَفَّسا
وانْجاب عنها ليلُها وعَسْعَسا
يعني: أدْبَر.
وقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يزعُمُ أن عَسْعَس: دنا مِن أوَّلِه وأَظْلَم.
وقال الفرَّاءُ
(3)
: كان أبو البِلادِ النحويُّ
(4)
يُنشِدُ بيتًا:
عَسْعَسَ حتى لو يشاءُ ادَّنا
…
كان له مِن ضَوْئِه مَقْبَسُ
يريدُ: لو يشاءُ إِذْ دَنا. ولكنه أَدْغَم الذالَ في الدَّالِ. قال الفرَّاءُ: فكانوا يَرَوْن أنَّ هذا البيتَ مصنوعٌ.
وقولُه: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} . يقولُ: وضوءِ النهارِ إذا أقبَل وتبيَّن.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} . قال: إذا نشَأ
(5)
.
(1)
مجاز القرآن 2/ 288.
(2)
في ص، ت 2، ت 3:"له".
(3)
في معاني القرآن 3/ 242.
(4)
مولى لعبد الله بن غطفان، كان في زمن جرير والفرزدق، من العلماء والرواة الكوفيين. ينظر المزهر في علوم اللغة 2/ 407.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 361.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} : إذا أضاء وأقبَل
(1)
.
وقولُه: هو {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ {رَسُولٍ كَرِيمٍ} . يعني جبريلَ، نزَّله على محمدِ بن عبدِ اللهِ.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه كان يقولُ:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)} : يعني جبريلَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{رَسُولٍ كَرِيمٍ} . قال: هو جبريلُ
(2)
.
وقولُه: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)} . يقولُ تعالى ذكره: {ذِي قُوَّةٍ} . يعني جبريلَ، على ما كُلِّف مِن أمرٍ غيرُ عاجزٍ عنه
(3)
، {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}. يقولُ: هو مكينٌ عندَ ربِّ العرشِ العظيمِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
(4)
(24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)}.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 361، وتقدم أوله في ص 160.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 352 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 321 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
سقط من: م، ت 1، ت 2.
(4)
في ص، ت 2:"بظنين". وهما قراءتان كما سيأتي في ص 167.
يقولُ تعالى ذكرُه: {مُطَاعٍ ثَمَّ} . يعني جبريلَ عليه السلام، {مُطَاعٍ} في السماءِ، تُطِيعُه الملائكةُ، هو {أَمِينٍ}. يقولُ: أمينٍ عندَ اللهِ على وحيِه ورسالتِه، وغيرِ ذلك مما اتَّمَنه عليه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا عمر بنُ شبيبٍ المُسْليُّ
(1)
، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} . قال: جبريلُ عليه السلام، أمينٌ على أن يدْخُل سبعينَ سُرادِقًا مِن نورٍ بغيرِ إذنٍ
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ شبيبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، قال: لا أعلمُه إلا عن أبي صالحٍ، مثلَه.
حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ الأقطعُ، قال: ثنى أبي عمرُ بنُ خالدٍ، عن معقلِ بن عبيدِ اللهِ الجَزَريِّ، قال: قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ في قولِه: {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} . قال: ذاكم جبريلُ عليه السلام
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
في ت 1: "المبتلى". وينظر تهذيب الكمال 21/ 390.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (500) من طريق عمر بن شبيب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 321 إلى ابن المنذر.
(3)
أخرجه عبد الله في السنة (831) من طريق معقل به.
أبيه، عن ابن عباس في قولِه: [{ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)} . قال: يعني جبريلَ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {ذِي قُوَّةٍ]
(2)
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ}: مطاعٍ عند الله {ثَمَّ أَمِينٍ}
(1)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)} : يعنى جبريلَ عليه السلام
(1)
.
وقولُه: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما صاحبُكم أيُّها الناسُ محمدٌ بمجنونٍ، فيتكلَّمَ عن جِنَّةٍ، ويَهْذِيَ هَذَيان المجانينِ، بل جاء بالحقِّ وصدَّق المرسلينَ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سليمانُ بن عمرَ بن خالدٍ الرَّقيُّ
(3)
، قال: ثنا أبي عمرُ
(4)
بنُ خالدٍ، عن مَعْقِلِ بن عبيدِ
(5)
اللهِ الجزريِّ، قال: قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)} . قال: ذاكم محمدٌ صلى الله عليه وسلم
(6)
.
(1)
سقط من: ت 2، ت 3.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 361.
(3)
في النسخ: "البرقى". والمثبت مما تقدم في 8/ 163، 723.
(4)
في م، ت 1:"عمرو".
(5)
في م، ت 1:"عبد".
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 361.
وقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} . يقول تعالى ذكره: ولقد رأى محمدٌ جبريل صلَّى الله عليهما وسلَّم في صورته بالناحية التي تُبِينُ الأشياء، فتُرى مِن قِبَلِها، وذلك من ناحيةِ مطلِعِ الشمسِ من قِبَل المشرقِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} : الأعلى. قال: بأفقٍ من نحوِ أجيادَ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} . قال: كنا نَتَحدَّثُ أن الأفق حيثُ تطلُعُ الشمس
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} : كنا نُحدَّثُ أنه الأفقُ الذي يجيءُ منه النهارُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} . قال: رأى جبريلَ بالأفقِ المبينِ
(3)
.
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمش، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعتُ أبا الأحوصِ يقولُ في قولِ الله:
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 241، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 435.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 352 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 321 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
تقدم تخريجه في 22/ 46.
{وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} . قال: رأى جبريلَ له ستُّمائةِ جَناحٍ في صورتِه
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ، قال: ما رأى جبريلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في صورتِه إلا مرَّةً، واحدة، وكان يأتيه في صورةِ رجلٍ يقالُ له: دِحْيَةُ. فأتاه يومَ رآه في صورتِه قد سدَّ الأُفق كلَّه، عليه سندسٌ أخضرُ معلَّقُ الدرِّ، فذلك قولُ اللهِ:{وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)} . وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ في: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1)} : {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)} . في جبريلَ، إلى قولِه:{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24)} . يعنى النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
وقولُه: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}
(2)
. اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: {بِضَنِينٍ} بالضادِ
(3)
، بمعنى أنه غيرُ بخيلٍ عليهم بتعليمِهم ما علَّمه اللهُ وأنزَل إليه مِن كتابِه. وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ البصريين وبعضُ الكوفيِّين:(بظَنينٍ)
(4)
بالظاءِ، بمعنى أنه غيرُ متَّهمٍ فيما يُخبرهم عن اللهِ من الأنباءِ.
ذكرُ مَن قرَأ
(5)
ذلك بالضادِ وتأوَّله على ما وصَفنا من التأويلِ، من أهلِ التأويلِ
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن
(1)
أخرجه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص 216 من طريق الأعمش به بنحوه. وفيه سبعمائة. بدلا من ستمائة.
(2)
في ص: "بظنين".
(3)
وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة. ينظر حجة القراءات ص 752.
(4)
وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو والكسائي. المصدر السابق.
(5)
في م، ت 2، ت 3:"قال".
زِرٍّ: (وما هو على الغيب بظَنينٍ). قال: الظَّنينُ المتهَمُ. وفي قراءتِكم: {بِضَنِينٍ} : والضنينُ البخيلُ، والغيب القرآنُ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ الواسطيُّ، قال: ثنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ:{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} : ببخيلٍ
(2)
.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} . قال: ما يَضِنُّ عليكم بما يعلمُ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} . قال: إن هذا القرآنَ غيبٌ، فأعطاه الله محمدًا، فبذَله وعلَّمه ودعا إليه، والله ما ضنَّ به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ:(وما هو على الغيبِ بِظَنين). قال: في قراءتِنا: بمتهَمٍ، ومَن قرأها:{بِضَنِينٍ} . يقولُ: ببخيلٍ (1).
قال
(5)
: حدَّثنا مهران، عن سفيان:{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} . قال: ببخيلٍ
(6)
.
(1)
أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 242 من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى عبد بن حميد
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 353 من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
تفسير مجاهد ص 709، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 321 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 362، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى عبد بن حميد.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1.
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 362.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} : الغيب القرآن؛ لم يضِنَّ به على أحدٍ من الناس، أداه وبلغه، بعث الله به الروحَ الأمين جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدى جبريل ما استودعه الله إلى محمد، وأدَّى محمد ما استودعه الله وجبريل إلى العبادِ، ليس أحدٌ منهم ضَنَّ ولا كَتَم ولا تَخَرَّص
(1)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامرٍ:{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} الله: يعنى النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ مَن قال ذلك بالظاء وتأوَّله على ما ذكرنا، من أهل التأويل
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قرأ:(بطَنينٍ). قال: ليس بمُتَّهَمٍ
(2)
.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي المعلَّى، عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأُ هذا الحرف:(وما هو على الغيب بظَنينٍ). فقلتُ لسعيد بن جبير: ما الظنين؟ قال: ليس بمُتَّهَم
(3)
.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيد بن جبير أنه قرأ:(وما هو على الغيب بظنينٍ). قلتُ: وما الظنين؟ قال: المتهم.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 362.
(2)
أخرجه الطحاوى في شرح مشكل الآثار 14/ 238 من طريق عطاء، عن ابن عباس.
(3)
أخرجه الطحاوى في شرح مشكل الآثار 14/ 238، من طريق أبى المعلى، عن سعيد، عن ابن عباس.
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:(وما هو على الغيبِ بظَنينٍ). يقولُ: ليس بمتَّهَمٍ على ما جاء به، وليس يُظَنُّ بما أوتِىَ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ الواسطيُّ، قال: ثنا المغيرةُ، عن إبراهيم:(وما هو على الغيب بظَنينٍ). قال: بمتَّهَمٍ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ:(وما هو على الغيبِ بِظَنينٍ). قال: الغيبُ: القرآنُ، وفي قراءتِنا:(بِظَنِينٍ): مُتَّهَمٍ
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: (بِظَنينٍ). قال: ليس على ما أنزَل اللهُ بمتَّهَمٍ
(3)
.
وقد تأوَّل ذلك بعضُ أهل العربية
(4)
أن معناه: وما هو على الغيب بضعيفٍ، ولكنه محتَمِلٌ له مُطيقٌ. ووجَّهَه إلى قول العربِ للرجل الضعيفِ: هو ظَنُونٌ.
وأولَى القراءتين في ذلك عندى بالصواب ما عليه خطوطُ مصاحفِ المسلمين مُتَّفقةٌ، وإن اختلَفَتْ قراءتهم به، وذلك:{بِضَنِينٍ} بالضادِ
(5)
؛ لأن ذلك كلَّه كذلك في خُطوطِها.
فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويلُ مَن تأوَّله: وما محمد على ما علمه الله من وحيِه وتنزيلِه، ببخيلٍ بتعليمِكُموه أيُّها الناسُ، بل هو حريصٌ على أن تُؤمِنوا به وتتعَلّموه.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى ابن مردويه.
(2)
تقدم تخريجه في ص 168.
(3)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 287.
(4)
ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 243.
(5)
القراءتان كلتاهما صواب.
وقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} . يقول تعالى ذكرُه: وما هذا القرآنُ بقولِ شيطانٍ ملعونٍ مطرودٍ، ولكنه كلامُ اللهِ ووحيه.
وقوله: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأينَ تذهَبون عن هذا القرآنِ، وتعدِلون عنه؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ:{فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} : يقولُ: فأينَ تعدِلون عن كتابى وطاعتى؟
(1)
وقيل: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} . ولم يُقَل: فإلى أينَ تذهَبون؟ كما يقالُ: ذَهَبتُ الشامَ. وذهَبتُ السوق. وحُكِى عن العربِ سماعًا: انطُلِقَ به الفورَ
(2)
. على معنى إلقاءِ
(3)
الصفةِ، وقد يُنشَدُ لبعض بنى عُقيلٍ
(4)
:
تَصِيحُ بنا حَنِيفَةُ إِذْ رَأَتْنا
…
وأيَّ الأرضِ تذهَبُ للصِّياحِ
بمعنى: إلى أيِّ الأرضِ تذهَبُ؟ واستُجِيزَ إلقاءُ الصفةٍ في ذلك للاستعمالِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)} .
يقول تعالى ذكره: إنْ هذا القرآن - وقوله: {هُوَ} . من ذكر القرآن - {إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} . يقول: إلا تذكرةٌ وعظةٌ للعالمين من الجنِّ والإنسِ، {لِمَنْ
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 243، وابن كثير في تفسيره 8/ 362.
(2)
في م، ت 1:"الغور"، وغير منقوطة في ت 2، ت 3.
(3)
في ص، م، ت 1:"إلغاء". والمراد بالصفة حرف الجر.
(4)
البيت في معاني القرآن للقراء 3/ 243، وتفسير القرطبي 19/ 243.
شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}. فجعَل ذلك تعالى ذكرُه ذكرًا لمن شاء العالمين أن يستقيمَ، ولم يجعَلْه ذكرًا لجميعهم. فاللامُ في قوله:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ} . إبدالٌ من اللام في {لِلْعَالَمِينَ} . وكأن معنى الكلامِ: إن هو إلا ذكرٌ لمن شاء منكم أن يستقيمَ على سبيل الحقَّ فيتَّبِعَه ويؤمنَ به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} . قال: يَتَّبِعَ الحقَّ
(1)
.
وقوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما تشاءون أيُّها الناسُ الاستقامة على الحقِّ، إلا أن يشاء اللهُ ذلك لكم.
وذُكِر أن السبب الذي من أجله نزلت هذه الآيةُ ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن سليمانَ، قال: لما نزلت: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} . قال أبو جهلٍ: ذلك إلينا، إن شئْنا استقَمْنا. فنزَلت:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)}
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن سليمانَ بن موسى، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ
(1)
تفسير مجاهد ص 709، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 333 من طريق سعيد بن عبد العزيز به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 362 عن سفيان الثورى به.
أَنْ يَسْتَقِيمَ}. قال أبو جهلٍ: الأمرُ إلينا؛ إن شئنا استقَمنا، وإن شئنا لم نستقِمْ فأنزَل اللهُ:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
حدَّثنى ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدٍ، عن سليمانَ بن موسى، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} . قال أبو جهلٍ: ذلك إلينا؛ إن شئنا استقَمْنا، وإن شئنا لمْ نستقِمْ. فأنزَل اللهُ:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}
آخرُ تفسيرِ سورةِ "إذا الشمسُ كُوِّرتْ".
تفسيُر سورةِ "إذا السماءُ انفطَرت"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} : انشقَّت،
وإذا كواكبُها انتثَرَت منها فتساقَطَت،
{وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} . يقولُ: فجَّر اللَّهُ بعضَها في بعضٍ، فملأ جميعَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في بعضِ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} . يقولُ: بعضُها في بعضٍ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} : فُجِّر عذبُها في مالحها، ومالُحها في عذبِها
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ
(3)
، عن الحسنِ: {وَإِذَا
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 53 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 من طريق عكرمة عن ابن عباس، إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 363.
(3)
بعده في ت 1: "قتادة".
الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}. قال: فُجِّر بعضُها في بعضٍ، فذهَب ماؤُها
(1)
.
وقال الكلبيُّ: مُلِئت
(2)
.
وقوله: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} . يقولُ: وإذا القبورُ أُثِيرَت، فاستُخْرِج مَن فيها من الموتى أحياءً. يقالُ: بعثَر فلانٌ حوضَ فلانٍ. إذا جعل أسفله أعلاه، يقالُ: بعثَرَه وبحثَرَه. لغتان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} . يقولُ: بُحِثَت
(3)
.
وقوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: علِمت كلُّ
(4)
نفس ما قدَّمت لذلك اليوم من عمل صالحٍ ينفعُه، وأخَّرت وراءَه من شيءٍ سنَّهُ يُعْمَلُ
(5)
به.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 354 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 444 - إلى ابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 354 عن معمر عن الكلبي.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 53 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى ابن المنذر والبيهقي في البعث.
(4)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ذى".
(5)
في ص، م:"فعمل".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، عن أبيه، قال: ثني عن القُرَظِيِّ، أنه قال في:{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} . قال: ما قدَّمت مما عملت، وأما ما أخَّرت فالسُّنَّةُ يَسُنُّها الرجلُ، يُعمَلُ بها من بعده
(1)
.
وقال آخرون: عُنِى بذلك ما قدَّمت من الفرائض التي أدتها، وما أخَّرت من الفرائض التي ضيَّعتها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن عكرمة:{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ} . قال: ما افتُرِض عليها، وما أُخَّرَتْ. قال: مما افتُرِض عليها
(2)
.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} . قال: تعلَمُ ما قدَّمت من طاعة الله، وما أخَّرت مما أُمِرَت به
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} . قال: ما قدَّمت من خير، وأخَّرت من حقِّ اللَّهِ عليها لم تعمَلْ به
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: {مَا قَدَّمَتْ
(1)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 291.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى عبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن المنذر.
(3)
بعده في م: "من حق الله عليه لم تعمل به".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 322 إلى عبد بن حميد.
وَأَخَّرَتْ}. قال: ما قدَّمت من طاعةِ اللَّهِ، وما أخَّرت من حقِّ اللَّهِ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} . قال: ما قدَّمت: عملت، وما أخَّرت: ترَكت وضيَّعت، وأخَّرت من العملِ الصالحِ الذي دعاها اللَّهُ إليه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما قدَّمت من خيرٍ أو شرٍّ، وأخَّرت من خيرٍ أو شرٍّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال - ذكروا عندَه هذه الآيةَ:{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} - قال: أنا مما أخَّر الحَجَّاجُ.
وإنما اختَرنا القولَ الذي ذكَرناه؛ لأن كلَّ ما عمِل العبدُ من خيرٍ أو شرٍّ فهو مما قدَّمه، وأن ما ضيَّع من حقِّ اللَّهِ عليه وفرَّط فيه فلم يعمَلْه، فهو مما قد قدَّم من شرٍّ، وليس ذلك مما أخَّر من العملِ؛ لأن العملَ هو ما عمله، فأما ما لم يعمَلْه فإنما
(2)
هو سيئةٌ قدَّمها، فلذلك قلنا: ما أخَّر هو ما
(3)
سنَّه من سنَّةٍ حسنةٍ وسيئةٍ، مما إذا عمِل به العاملُ كان له مثلُ أجر العامل بها أو وزرِه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 354 عن معمر به.
(2)
سقط من: ت 2 ت 3.
(3)
في ت 2، ت:"مما".
خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)}
يقولُ تعالى ذكره: يأيُّها الإنسانُ الكافرُ، أيُّ شيءٍ غرَّك بربِّك الكريم؟ غرَّ الناس
(1)
به عدوُّه المسلَّط عليه.
كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} : شيءٌ ما غَرَّ ابن آدم؛ هذا العدوُّ الشيطانُ
(2)
.
وقولُه: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} . يقولُ: الذي خلَقك أيُّها الإنسانُ: فسوَّى خلقك، فعدَلك.
واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامة قرأةِ المدينة ومكةَ والشامِ والبصرة: (فَعَدَّلكَ) بتشديدِ الدالِ
(3)
. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بتخفيفِها
(4)
. وكأن مَن قرأ ذلك بالتشديدِ وجَّه معنى الكلامِ إلى أنه: جعَلك معتدلًا معدلَ الخلقِ مقوَّمًا. وكأن الذين قرَءوه بالتخفيفِ وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: صرَفك وأمالَك إلى أيِّ صورةٍ شاء؛ إما إلى صورةٍ حسنةٍ، وإما إلى صورةٍ قبيحةٍ، أو إلى صورةِ بعضِ قراباتِه
(5)
.
وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ
(6)
: إنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ صحيحتا المعنى، فبأيِتهما قرَأ القارئَ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَهما إليَّ أن أقرَأ به قراءةُ من قرَأ ذلك بالتشديدِ؛ لأن دخول {فِي} للتعديل أحسنُ في
(1)
في م: "الإنسان".
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 356، والقرطبي في تفسيره 19/ 245
(3)
وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 674.
(4)
وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق ص 674.
(5)
ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 244.
(6)
سقط من: ت 2، ت 3.
العربيةِ من دخولِها للعدلِ، ألا ترى أنك تقولُ: عدَّلْتُك في كذا، وصرَفْتُك إليه.
ولا تكادُ تقولُ: عدَّلتُك إلى كذا، وصرَفتُك فيه. فلذلك اختَرتُ التشديدَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك وذكَرنا أن قارِئِى ذلك تأوَّلوه، جاءت الروايةُ عن أهلِ التأويلِ أنهم قالوه.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)} . قال: في أيِّ شبَهٍ؛ أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيل
(2)
في قولِه: {مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} . قال: إن شاء في صورةِ كلب، وإن شاء في صورة حمارٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)} . قال: خنزيرٍ أو حمارٍ
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرِمة في قولِه:{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)} . قال: إن شاء في صورةِ قردٍ، وإن شاء في صورةِ خنزيرٍ
(4)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 710، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 323 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
في ت 3: "عثمان".
(3)
أخرجه الرامهرمزى في الأمثال ص 94، 95 من طريق سفيان، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 323 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 323 إلى عبد بن حميد.
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مُطَهَّرُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا موسى بنُ عليّ بن
(1)
رباحٍ اللَّخمِيُّ، قال: ثنى أبي، عن جدِّى، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: "ما وُلِد لك
(2)
؟ ". قال: يا رسولَ اللهِ ما عسى أن يولَدَ لى؛ إما غلامٌ، وإما، جاريةٌ؟ قال: "فمَن يُشْبِهُ؟ ". قال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن عسى أن يشبه؛ إما أباه، وإما أمَّه؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم عندها: "مَهْ، لا تقولَنَّ هكذا، إن النطفةَ إذا استقرَّت في الرحمِ أحضَرها
(3)
اللهُ كلَّ نَسَبٍ بينَها وبينَ آدمَ، أما قرَأت هذه الآية في كتاب اللهِ:{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)} ؟ ". قال: "سلَكك"
(4)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ أيُّها الكافرون كما تقولون، من أنكم على الحقِّ في عبادتِكم غير اللَّهِ، ولكنكم تكذِّبون بالثوابِ والعقابِ، والجزاءِ والحسابِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قوله: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)} قال أهل التأويلِ.
(1)
بعده في م: "أبي".
(2)
في ت 2، ت 3:"ولدك".
(3)
في م: "أحضر".
(4)
أخرجه الطبراني (4624)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 18/ 30 من طريق مطهر به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 365 - وابن شاهين - كما في الإصابة 2/ 450 - من طريق موسى بن علي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 323 إلى البخارى في تاريخه وابن المنذر وابن قانع وابن مردويه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)} . قال: بالحسابِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)} . قال: بيومِ الحسابِ
(1)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} . قال: يومُ شدةٍ، يومٌ يَدينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم
(2)
.
وقولُه: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10)} . يقولُ: وإن عليكم رُقَباء حافظين يحفَظون أعمالكم، ويُحصونها عليكم.
{كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)} . يقول: كراما على اللهِ، {كَاتِبِينَ}: يكتُبون أعمالَكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: قال بعضُ أصحابِنا، عن أيوبَ في قولِه:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)} . قال: يَكْتُبون ما تقولون وما تَعْنُون
(3)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 710، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 323 إلى عبد بن حميد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 354 عن معمر به.
(3)
أخرجه البغوي في الجعديات (1242) من طريق ابن علية عن أيوب، بلفظ:"تفتون" بدلا من: "تعنون".
وقولُه: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)} . يقولُ: يعلَمُ هؤلاء الحافظون ما تفعلَون من خيرٍ أو شرٍّ، يُحصُون ذلك عليكم.
وقولُه: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن الذين برُّوا بأداءِ فرائضِ اللَّهِ واجتنابِ معاصيه، لفي نعيمِ الجنانِ يُنعَّمون فيها.
القول في تأويلِ قوله تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ} الذين كفَروا بربِّهم، {لَفِي جَحِيمٍ} .
وقولُه: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15)} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: يَصْلَى هؤلاء الفجارُ الجحيمَ يومَ القيامةِ؛ يومَ يُدانُ العبادُ بالأعمالِ
(1)
، فيُجازَون بها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَوْمَ الدِّينِ} : من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ، وحذَّره عبادَه
(2)
.
وقولُه: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16)} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما هؤلاء الفجارُ عن
(3)
الجحيم بخارِجين أبدًا فغائبين عنها، ولكنهم فيها مخلَّدون ماكثون، وكذلك
(1)
في ت 3: "بأعمالهم".
(2)
تقدم تخريجه في 20/ 296.
(3)
في م: (من).
الأبرارُ في النعيمِ. وذلك نحوُ قولِه: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)} [الحجر: 48].
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17)} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَدْرَاكَ} يا محمدُ. أي: وما أشْعَرك، {مَا يَوْمُ الدِّينِ}. يقولُ: أَيُّ شيءٍ يومُ الحسابِ والمجازاةِ؟! معظِّمًا شأنَه جلَّ ذكرُه بقيلِه ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17)} : تعظيمًا ليومِ القيامةِ؛ يومٌ يُدانُ فيه الناسُ بأعمالِهم
(1)
.
وقولُه: {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18)} . يقولُ: ثم أيُّ شيءٍ أَشْعَرِك أَيَّ شيءٍ يومُ المجازاةِ والحسابِ يا محمدُ. تعظيمًا لأمرِه، ثم فسَّر جلَّ ثناؤُه بعضَ شأنِه؛
فقال: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ذلك اليومُ {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ} . يقولُ: يومَ لا تُغنى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، فتدفع عنها
(2)
بليَّةً نزَلت بها، ولا تنفعُها بنافعةٍ، وقد كانت في الدنيا تحمِيها، وتدفعُ عنها مَن بغاها سوءًا، فبطَل ذلك يومئذ؛ لأن الأمرَ صار للَّهِ لا يغلبُه غالبٌ، ولا يقهرُه قاهرُ، واضمحَلَّت هنالك الممالكُ، وذهَبت الرياساتُ، وحصَل الملكُ للملكِ الجبارِ، وذلك قولُه:{وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} . يقولُ: والأمرُ كلُّه يومَئذٍ - يعنى الدينَ - لِلَّهِ دون سائرِ خلقِه، ليس لأحدٍ من خلقِه معه يومَئِذٍ أمرٌ ولا نهىٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
تقدم تخريجه في 19/ 518
(2)
في ص، ت 1، ت،2، ت 3:"فيدفع عنه".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} . قال: ليس ثَمَّ أحدٌ يومئذٍ يقضِى شيئًا، ولا يصنعُ شيئًا إلا ربُّ العالمين
(1)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)} : والأمرُ واللَّهِ اليومَ للَّهِ، ولكنه يومئذٍ لا ينازعُه أحدٌ
(2)
.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ} ؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ بنصبِ {يَوْمَ} ، إذ كانت إضافتُه غير محضةٍ
(3)
. وقرَأه بعضُ قرأةِ البصرة بضمِّ (يَوْمُ) ورفعِه ردًّا على اليومِ الأولِ
(4)
. والرفعُ فيه أفصحُ في كلامِ العربِ، وذلك أن اليومَ مضافٌ إلى "يفعل"، والعربُ إذا أضافت اليومَ إلى "تفعل" أو "يفعل" أو "أفعل" رفَعوه فقالوا: هذا يومُ أفعلُ كذا. وإذا أضافته إلى فعلٍ ماضٍ نصَبوه
(5)
، ومنه قولُ الشاعرِ
(6)
:
على حينَ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا
…
وقلتُ ألمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وازعُ
آخرُ تفسيرِ سورةِ "إذا السماءُ انفَطَرت"
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 354 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 323 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 437، وابن كثير في تفسيره 8/ 367.
(3)
وهى قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وأبى جعفر المدنى وخلف. النشر 2/ 298.
(4)
وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب الحضرمي. النشر 2/ 298.
(5)
ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 245.
(6)
هو النابغة، وقد تقدم تخريجه في 9/ 141.
تفسيرُ سورةِ "ويلٌ للمطففين"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} .
يقول تعالى ذكره: الوادى الذي يسيلُ من صديدِ أهلِ جهنمَ في أسفلها، للذين يُطَفِّفون. يعنى: للذين ينقُصون الناسَ، ويَبْخَسونهم حقوقَهم في مكاييلِهم إذا كالُوهم، أو موازينهم إذا وزَنوا لهم عن الواجبِ لهم من الوفاءِ. وأصلُ ذلك من الشيءِ الطفيفِ، وهو القليل النَّزْرُ، والمطفِّفُ: المقلِّلُ حقَّ صاحبِ الحقِّ عما له من الوفاءِ والتمامِ في كيلٍ أو وزنٍ، ومنه قيلَ للقومِ
(1)
يكونون سواءً في حسبةٍ أو عددٍ: هم سواءٌ كطَفِّ الصاع. يعنى بذلك: كقُرْبِ الممتلئَ منه ناقصٍ عن المِلءِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن ضِرارٍ، [عن عبيد المكتب]
(2)
، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال له رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن، إن أهل المدينةِ لَيُوفُون الكيلَ. قال: وما يمنعُهُم من أن يُوفُوا الكيلَ وقد قال اللَّهُ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} . حتى بلَغ:
(1)
بعده في م: "الذين".
(2)
سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج.
{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ كانوا من أخبثِ الناسِ كيلًا، فأنزَل اللَّهُ:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} . فأحسنوا الكيل
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِداشٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قتيبةَ، عن بسّامٍ
(3)
الصيرفيِّ، عن عكرِمةَ، قال: أشهدُ أن كلَّ كيَّالٍ ووزَّانٍ في النارِ. فقيل له في ذلك، فقال: إنه ليس منهم أحدٌ يَرْنُ كما يتَّزِنُ، ولا يكيلُ كما يكتالُ، وقد قال اللَّهُ:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}
(4)
.
وقوله: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: الذين إذا اكتالوا من الناسِ ما لهم قِبَلَهم من حقٍّ، يستوفون لأنفسِهم فيكتالونه منهم وافيًا. و "علي" و "من" في هذا الموضعِ يتعاقَبان، غيرَ أنه إذا قيل: اكتلتُ منك. يرادُ: استوفَيْتُ منك
(5)
.
وقولُه: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} . يقولُ: وإذا هم كالوا للناسِ أو وزَنوا لهم. ومن لغةِ أهل الحجاز أن يقولوا: وزَنتُك حقَّك، وكِلتُك طعامَك. بمعنى: وزَنتُ لك، وكِلْتُ لك. ومن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل الوقفَ على
(1)
أخرجه هناد في الزهد (328) عن ابن فضيل به.
(2)
أخرجه ابن ماجه (2223)، والنسائى في الكبرى (11654)، والطبراني (12041)، والحاكم 2/ 33، والبيهقى 6/ 32، وفى الشعب (5286)، والواحدى في أسباب النزول ص 333، والبغوى في التفسير 8/ 361، وابن حبان (4919) من طريق الحسين بن واقد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 323، 324 إلى ابن مردويه.
(3)
في م، ت 1:"قسام". ينظر تهذيب الكمال 4/ 58.
(4)
ينظر تفسير القرطبي 19/ 253.
(5)
ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 246.
"هم"، وجعل (هم) في موضعِ نصب. وكان عيسى بنُ عمرَ فيما ذُكِر عنه يجعَلُهما حرفين، ويقفُ على "كالُوا"، وعلى "وزَنوا"، ثم يبتدئُ: هم يُخسِرون
(1)
. فمن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل "هم" في موضعِ رفعٍ، وجعَل "كالوا" و "وزَنوا" مكتفِيَين بأنفسِهما
والصوابُ في ذلك عندى الوقفُ على "هم"؛ لأن "كالُوا" و "وزَنوا" لو [كانا مكتفِيَين]
(2)
، وكانت "هم" كلامًا مستأنَفًا، كانت كتابةُ "كالُوا" و "وزَنوا" بألفٍ فاصلةٍ بينَها وبينَ (هم) مع كلِّ واحدٍ منهما، إذ كان
(3)
بذلك جرَى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلًا به شيءٌ من كناياتِ المفعولِ، فكتابُهم
(4)
ذلك في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ أوضَحُ الدليلَ على أن قولَه
(5)
: "هُمْ". إنما هو كنايةُ أسماءِ المفعولِ بهم. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا، على ما بيَّنَّا
(6)
.
وقولُه: {يُخْسِرُونَ} . يقولُ: ينقُصونهم.
وقولُه: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ألا يظنُّ هؤلاء المطفِّفون الناسَ في مكاييلِهم وموازينِهم، أنهم مبعوثون من قبورِهم بعدَ مماتِهم، ليومٍ عظيمٍ شأنُه، هائلٍ أمرُه، فظيعٍ هَوْلُه؟!
وقوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . فـ {يَوْمَ يَقُومُ} تفسيرٌ عن اليوم
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 252.
(2)
في ص، ت 1، ت 2:"كانتا منصوبتين".
(3)
بعده في ص، ت 1، ت،2، ت 3:"الكتاب".
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"في كتابهم".
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3 "قولهم".
(6)
ينظر البحر المحيط 8/ 439.
الأول المخفوض، ولكنه لما لم يعدْ عليه اللام، رُدَّ إلى {مَبْعُوثُونَ} ، فكأنه قال: ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون يومَ يقومُ الناسُ. وقد يجوزُ نصبُه وهو بمعنى الخفضِ؛ لأنها إضافةٌ غير محضةِ، ولو خُفض ردًّا على اليومِ الأولِ لم يكنْ لحنًا، ولو رُفِع جاز، كما قال الشاعرُ
(1)
:
وكنتُ كذى رِجْلين رِجْلٌ صحيحةٌ
…
ورجُلٌ رمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ
وذُكِر أنَّ الناسَ يقومون لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى يُلْجِمَهم العرقُ، فبعضٌ يقولُ: مقدارَ ثلاثِمائةِ عامٍ. وبعضٌ يقول: مقدارَ أربعيَن عامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولِه:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: "يقومُ أحدُكم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه"
(2)
.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: "يغيبُ أحدهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه"
(3)
.
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، حتى يقوم أحدُهم في رَشْحِه
(1)
هو كثير عزة، وقد تقدم تخريجه في 5/ 243.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 233 - وعنه مسلم (2862)، وابن ماجه (4278) - وهناد في الزهد (326) - وعنه الترمذى (3336)، والنسائي (11657) - والبخارى (6531) من طريق عيسى بن يونس به.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 233 - وعنه مسلم (2862)، وابن ماجه (4278) - عن أبي خالد الأحمر.
إلى أنصافِ أُذنَيه.
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الناسَ يُوقَفُون يومَ القيامةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ، حتى إِنَّ العرق ليُلْجِمُهم إلى أنصافِ آذانِهم"
(1)
.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، يومَ القيامةِ لِعَظَمة الرحمن". ثم ذكَر مثلَه
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: تلا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: " {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ". قال: "يقومون حتى يبلُغَ الرَّشْحُ إلى أنصافِ آذانهم"
(2)
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن حبيبٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبى، عن صالحٍ، قال: ثنا نافعٌ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(3)
"يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ حتى يَغِيبَ أحدُهم إلى أنصافِ أُذنيه في رَشْحِه"
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ بن سعيد، عن محارب بن
(1)
سيأتي تخريجه في الصفحة التالية.
(2)
أخرجه أحمد 9/ 229، 230، 287، 10/ 144، 145 (5318، 5388، 5912)، ومسلم (2862 /)، والترمذى (2422، 3335)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 9/ 22 من طريق حماد بن سلمة به.
(3)
بعده في م، ت 2 ت 3:"يوم".
(4)
أخرجه عبد بن حميد في المنتخب (761)، ومسلم (2862)، والنسائى (11656)، والبيهقي في الشعب (257) من طريق يعقوب بن إبراهيم به.
دِثارٍ، عن ابن عمرَ في قولِه:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ} . قال: يقومون مائةَ سنةٍ
(1)
.
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ
(2)
: "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى إنَّ العرَقَ لَيُلْجِمُ الرجلَ إلى أنصافِ أُذنَيه"
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى، عن عبيدِ
(4)
اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أَذُنَيه"
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ السَّلِيميُّ
(6)
المعروفُ بابنِ صُدْرانَ، قال: ثنا يعقوبُ ابنُ إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ عَجْلانَ، قال: ثنا أبو
(7)
يزيدَ المدنيُّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال البشيرٍ الغِفَاريِّ: "كيف أنت صانعٌ في يومٍ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين مِقْدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا، لا يأتيهم خبرٌ مِن السماءِ، ولا يُؤْمَرُ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 371)، وعزاه للمصنف.
(2)
بعده في م، ت، (2) ت (2):"يوم".
(3)
أخرجه أحمد (8/ 467)(4862) عن يزيد به.
(4)
في م: "عبد".
(5)
أخرجه مسلم (2862) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد (8/ 229، 322)(4613، 4697)، والنسائى في الكبرى (11656)، وابن حبان (7332) من طريق يحيى به.
(6)
في ص، ت، (2)، ت:(3)"السلمى".
(7)
سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال (34/ 409).
فيهم بأمرٍ؟ ". قال بشيرٌ: المستعانُ اللَّهُ
(1)
يا رسولَ اللَّهِ. قال: "إذا أنت أوَيْتَ إلى فِراشِك فتعوَّذُ باللَّهِ مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ وسُوءِ الحسابِ"
(2)
.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .
قال: يمكثون أربعينَ عامًا رافعى رءوسِهم إلى السماءِ، لا يكلِّمُهم أحدٌ، قد أَلْجم العرقُ كلَّ بَرٍّ وفاجرٍ. قال: فينادِى منادٍ: أليس عدْلًا مِن ربِّكم أنْ خلقَكم، ثم صوَّركم، ثم رزَقكم، ثم تولَّيتم غيرَه - أن يُولِّىَ كلَّ عبدٍ منكم ما تولَّى في الدنيا؟ قالوا: بلى. ثم ذكَر الحديثَ بطولِه
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن قيسِ بن سَكَنٍ، قال: حدَّث عبدُ اللَّهِ وهو عندَ عمرَ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: إذا كان يومُ القيامةِ يقومُ الناسُ بينَ يدَىْ ربِّ العالمين أربعيَن عامًا، شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ، حفاةً عراةً، يُلْجِمُهم العرقُ، ولا يكلِّمُهم بشرٌ أربعينَ عامًا. ثم ذكَر نحوَه
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: يقومون ثلاثَمائةِ سنةٍ
(5)
.
(1)
في ت (1)، ت (2)، ت (2):"باللَّه".
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير (8/ 370) - وابن مردويه في التفسير - كما في الإصابة (1/ 318) - من طريق عبد السلام بن عجلان به.
(3)
تقدم في (23/ 190).
(4)
تقدم تخريجه في (23/ 190 - 192).
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 355) عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 324) إلى ابن المنذر.
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن
(1)
سعيدٍ، عن قتادةَ:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: كان كعبٌ يقولُ: يقومون مقدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ]
(2)
.
قال قتادةُ: وحدَّثنا العلاءُ بنُ زيادٍ العدويُّ، قال: بلَغنى أن يومَ القيامةِ يَقْصُرُ على المؤمنِ، حتى يكونَ كإحدى صلاتِه المكتوبةِ.
قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا العُمَريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال: "يقومُ الرجلُ في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه"
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: يقومُ الناسُ لربِّ العالمين حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه
(4)
.
قال يعقوبُ: قال إسماعيلُ: قلتُ لابنِ عونٍ: ذكَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ؟ قال: نعم، إن شاء اللَّهُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمى، قال: أخبَرنى مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمين، حتى إنَّ أحدَهم لَيَغِيبُ في رَشْحِه إلى نِصْفِ أذُنَيه"
(5)
.
(1)
سقط من: ت (2)، ت (2).
(2)
في م، ت (1)(و). ينظر تهذيب الكمال (28/ 595).
(3)
تقدم تخريجه في (190).
(4)
تقدم تخريجه في ص (188).
(5)
أخرجه البخارى (4938)، ومسلم (2862/ 000)، والبغوى في تفسيره (8/ 362)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 347، 348) من طريق مالك به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: كلا. أي: ليس الأمرُ كما يظُنُّ هؤلاء الكفارُ، أنَّهم غيرُ مبعوثين ولا معذَّبين، إن كتابَهم الذي كُتِب فيه أعمالُهم التي كانوا يعمَلونها في الدنيا {لَفِى سجِّينٍ} ؛ وهى الأرضُ السابعةُ السفلى. وهو "فِعِّيل" من السِّجْنِ، كما قيل: رجلٌ سِكِّيرٌ. مِن السُّكْرِ، و: فِسِّيقٌ. مِن الفِسقِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم مثل الذي قلنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ:{إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . قال: في الأرضِ السابعةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ، قال:{إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ} . قال: الأرضِ السفلى. قال: إبليسُ مُوثَقٌ بالحديدِ والسلاسلِ في الأرضِ السفلى
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: كنا جلوسًا إلى كعبٍ أنا وربيعُ بنُ خُثَيمٍ وخالدُ بنُ عرعرةَ ورهطٌ مِن أصحابِنا، فأقبَل ابنُ عباسٍ، فجلَس إلى جنبِ كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أخْبِرْنى عن {سِجِّينٍ}. فقال كعبٌ:
(1)
ذكر السيوطي في الدر المنثور ص 445 - كما في المخطوطة المحمودية - شطره الأول، وعزاه إلى عبد بن حميد.
أما سجِّينٌ فإنها الأرضُ السابعةُ السفلى، وفيها أرواحُ الكفارِ تحتَ خدِّ إبليسَ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} : ذُكر أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو كان يقولُ: هي الأرضُ السفلى؛ فيها أرواحُ الكفارِ، وأعمالُهم أعمالُ السَّوءِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَفِي سِجِّينٍ} . قال: في أسفل الأرضِ السابعةِ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . يقولُ: أعمالُهم في كتابٍ في الأرضِ السفلى
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{لَفِي سِجِّينٍ} . قال: عملُهم في الأرضِ السابعةِ لا يصعدُ
(5)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا مطرِّفُ بنُ مازنٍ قاضى اليمنِ،
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 374) عن الأعمش به.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 355) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى ابن أبي حاتم.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال:{سِجِّينٍ} : الأرضِ السابعةِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَفِي سِجِّينٍ} . يقولُ: في الأرضِ السفلى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . قال: الأرضِ السابعةِ السفلى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . قال: يقالُ: سجِّينٌ الأرضُ السافلةُ، وسجِّينٌ بالسماءِ الدنيا.
وقال آخرون: بل ذلك خدُّ
(2)
إبليسَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرٍ قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له ابنُ عباسٍ: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} الآية. قال كعبٌ: إنَّ روحَ الفاجرِ
(3)
يُصعدُ بها إلى السماءِ فتأبى السماءُ أن تقبلَها، ويُهبطُ بها إلى الأرض فتأبى الأرضُ أنْ تقبلَها، فتَهبِطُ فتدخلُ تحت سبعِ أرضين، حتى يُنْتهى بها إلى سجِّينٍ؛ وهو خدُّ إبليسَ، فيُخْرجُ لها مِن سجِّينٍ مِن تحتِ خدِّ إبليسَ رَقٌّ، فيُرْقمُ ويختمُ ويوضعُ تحتَ حَدِّ إبليسَ - بمعرفتِها الهلاكَ - إلى يومِ القيامةِ
(4)
.
(1)
ذكره البغوي في تفسيره (8/ 363)، والطوسى في التبيان (10/ 298).
(2)
في ص، م، ت (2):"حد" هنا وفى المواضع بعدها.
(3)
في ت (3): "الكافر".
(4)
أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (1223) من طريق يعقوب القمى به، عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 324) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . قال: تحتَ خَدِّ إبليسَ
(1)
.
وقال آخرون: هو جُبٌّ في جهنمَ مفتوحٌ. ورَوَوْا في ذلك خبرًا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
حدَّثنا به إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشْكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ
(2)
بنُ خزيمةَ الواسطيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيٍّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى، وأما سجِّينٌ فمفتوحٌ"
(3)
.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ
(4)
: ذكَروا أن "سجين" الصخرةُ التي تحتَ الأرضِ. قال: ونرَى
(5)
أن "سجين" صفةٌ مِن صفاتِها؛ لأنه لو كان لها اسمًا لم يُجرَ. قال: وإن قلتَ: أجريتُه لأنى ذهبتُ بالصخرةِ إلى أنها الحَجَرُ الذي فيه الكتابُ. كان وجهًا.
وإنما اخترتُ القولَ الذي اخترتُ في معنى قولِه: {سِجِّينٍ} ؛ لما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو
(6)
، عن
(1)
أخرجه أبو نعيم في الحلية (4/ 288) من طريق يحيى بن يمان.
(2)
في م: "نضر".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 371) عن المصنف، وقال: وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى المصنف.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن (3/ 246).
(5)
في م، ت (2) ت (3):"يرى".
(6)
في ت (2)، ت (3):"عمر".
زاذانَ أبى عمرٍو، عن البراءِ، قال:{سِجِّينٍ} : الأرضِ السفلى
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن زاذانَ، عن البراءِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال، وذكَر نفسَ الفاجرِ، وأنه يُصْعَدُ بها إلى السماءِ، قال:"فيَصْعَدون بها فلا يَمرُّون بها على ملًا من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخبيثُ؟ ". قال: طفيَقولون: فلانٌ. بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى يَنْتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيَسْتَفْتِحون له، فلا يُفْتَحُ له". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: (40)]. فيقولُ اللَّهُ: اكْتُبوا كتابَه في أسفلِ الأرضِ، في سجِّينٍ في الأرضِ السفلى"
(2)
.
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سُليمٍ، قال: ثنا ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . قال: سجينٌ: صخرةٌ في الأرضِ السابعةِ، فيُجعلُ كتابُ الفجارِ تحتَها
(3)
.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وأيُّ شيءٍ أدراك يا محمدُ أيَّ شيءٍ ذلك الكتابُ. ثم بيَّن ذلك تعالى ذكرُه، فقال: هو كتابٌ مرقومٌ. وعَنى بالمرقومِ المكتوبَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
تقدم تخريجه في (13/ 661).
(2)
تقدم تخريجه في (10/ 185، 13/ 660).
(3)
أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (1222)، وأبو الشيخ في العظمة (897)، والبيهقى في البعث (499) من طريق يحيى بن سليم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى المحاملى في أماليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في:{كِتَابٌ مَرْقُومٌ} . قال: كتابٌ مكتوبٌ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ} . قال: رُقِم لهم بشرٌ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} . قال: المرقومُ المكتوبُ.
وقولُه: {وَيْلٌ يَوْمَيذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومَئذٍ للمكذِّبين بهذه الآياتِ، {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}. يقولُ: الذين يُكذِّبون بيومِ الحسابِ والمجازاةِ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} . قال: أهلُ الشركِ يُكذِّبون بالدينِ. وقرَأ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} [سبأ: (7)] إلى آخرِ الآيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: وما يكذِّبُ بيومِ الدينِ إلا كلُّ معتدٍ اعتدى على اللَّهِ في قولِه، فخالَف أمرَه، أثيمٍ بربِّه.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 356) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10)} : قال اللَّهُ: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} . أي: بيومِ الدينِ، إلا كلُّ معتدٍ في قولِه، أثيمٍ بربِّه
(1)
.
{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إذا قُرِئ عليه حججُنا وأدلتُنا التي بيَّناها في كتابِنا الذي أنزَلناه إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}. يقولُ: قال: هذا ما سطَّره الأوَّلون فكتَبوه، مِن الأحاديثِ والأخبارِ.
وقولُه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم} . يقولُ تعالى ذكرُه مُكذِّبًا لهم في قيلِهم ذلك: كلا ما ذلك كذلك، ولكنه {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم}. يقولُ: غلَب على قلوبِهم وغمَرتها، وأحاطتْ بها الذنوبُ فَغَطَّتْها. يقالُ منه: رانتِ الخمرُ على عقلِه، فهى تَرِينُ عليه رَيْنًا. وذلك إذا سَكِر فغلَبت على عقلِه، ومنه قولُ أبى زُبيدٍ الطائيِّ
(2)
.
ثُمَّ لما رآه رانَتْ به الخمـ
…
ـــرُ وأَنْ لا تَرِينَهُ بِاتِّقاءِ
يعنى تَرِينَه بمخافةٍ. يقولُ: سَكِر فهو لا ينتبِهُ؛ ومنه قولُ الراجزِ
(3)
:
لمْ نَرْوَ حتى هَجَّرت وَرِينَ بى
…
وَرِينَ بالسَّاقى الذي أمسى مَعِى
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
(1)
تقدم تخريجه في (23/ 160).
(2)
شعره ص (28).
(3)
الرجز في اللسان (ر ى ن)، مع اختلاف في الرواية.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن ابن عَجْلانَ، عن القَعْقاعِ بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذا أَذْنَب العبدُ نُكِت في قلبِه نُكتةٌ سوداءٌ، فإن تاب صُقِل منها، فإن عاد عادَتْ حتى تَعْظُمَ في قلبِه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)} "
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابنُ عَجْلانَ، عن القعقاعِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ المؤمنَ إذا أذْنَب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونَزَع واسْتَغْفَر، صَقَلَتْ قلبَه، فإنْ زاد زادَتْ حتى تعلوَ قلبَه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)}
(2)
.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ
(3)
، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن القعقاعِ بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ العبدَ إذا أذْنَب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب منها صُقِل قلبُه، فإن زاد زادَتْ، فذلك قولُ اللَّهِ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)} "
(4)
.
(1)
أخرجه الترمذى (3334)، والنسائى في الكبرى (10251، 11658)، وابن حبان (2787) من طريق محمد بن عجلان به.
(2)
أخرجه أحمد (13/ 333)(7952)، والبغوى في تفسيره (8/ 365)، وفى شرح السنة (1304)، والحاكم (2/ 517) - وعنه البيهقى (10/ 188)، وفى الشعب (7203) من طريق صفوان بن عيسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(3)
في م: "سهيل".
(4)
أخرجه ابن ماجه (4244) من طريق الوليد بن مسلم به.
حدَّثني أبو صالحٍ الضِّراريُّ محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: أخبَرنى طارقُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن ابن عَجْلانَ، عن القعقاعِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ العبدَ إذا أخطَأ خطيئةً كانت نكتةٌ في قلبِه، فإن تاب واسْتَغْفَر ونَزَع صقَلت قلبَه، وذلك الرَّانُ الذي ذكر اللَّهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ".
قال أبو صالحٍ: كذا قال: صقَلت. وقال غيرُه: سَقَلت.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا الوليدُ، عن خُليدٍ، عن الحسنِ، قال وقرأ:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . قال: الذنبُ على الذنبِ حتى يموتَ قلبُه
(1)
.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . قال: الذنبُ على الذنبِ حتى يعمَى القلبُ فيموتَ
(1)
.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . قال: العبدُ يعملُ بالذنوبِ، فتحيطُ بالقلبِ، ثم ترتفعُ حتى تغشَى القلبَ
(1)
.
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: أرانا مجاهدٌ بيدِه، قال: كانوا يُرَون القلبَ في مثلِ هذا - يعنى الكفَّ - فإذا أذْنَب العبدُ ذنبًا ضُمَّ منه - وقال بإصبعِه الخنصرِ هكذا - فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، فإذا أذنَب ضمَّ إصبعًا أخرى، حتى ضمَّ أصابعه كلَّها، ثم يُطْبَعُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد بمعناه.
عليه بطابعٍ. قال مجاهدٌ: وكانوا يُرَوْن أَنَّ ذلك الرَّيْنُ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، فإذا أذنَب الذنبَ قبَض إصبعًا، حتى يقبضَ أصابَعه كلَّها، وإنَّ أصحابَنا يُرَوْن أنه الرَّانُ
(2)
.
و
(3)
حدَّثنا أبو كريبٍ مرَّةً أخرى بإسنادِه عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، وإذا أذنَب انقبَض - وقبَض إصبعَه - فإذا أذنَب انقبَض، حتى ينقبِضَ كلُّه، ثم يُطبَعُ عليه، فكانوا يُرَوْن أنَّ ذلك هو الرَّانُ، {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
(4)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم} . قال: الخطايا حتى غمرته
(5)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم} : انْبَثت على قلبِه الخطايا حتى غمَرته
(6)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
(1)
أخرج آخره البيهقى في الشعب (7209)، وابن حجر في التغليق (4/ 363) من طريق الأعمش به، وتقدم في (1/ 266).
(2)
تقدم في (1/ 266).
(3)
سقط من: م، ت (1).
(4)
أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (1071) من طريق وكيع به، وتقدم في (1/ 266).
(5)
أخرجه ابن حجر في التغليق (4/ 363) من طريق أبى عاصم به.
(6)
تفسير مجاهد ص (711)، ومن طريقه البيهقى في الشعب (7208)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد.
قولَه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} . يقولُ: يُطبعُ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . قال: طُبِع على قلوبِهم ما كسَبوا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن طلحةَ، عن عطاءٍ:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . قال: غَشِيت على قلوبِهم فهَوَت بها، فلا يَفْزعون، ولا يتحاشَون.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحسنِ:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . قال: هو الذنبُ، حتى يموتَ القلبُ.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم} . قال: الرَّانُ الطَّبعُ: يُطْبَعُ القلبُ مثلُ الراحةِ، فيُذْنِبُ الذنبَ، فيصيرُ هكذا - وعقَد سفيانُ الخِنْصَرَ - ثم يذنبُ الذنبَ فيصيرُ هكذا - وقبَض سفيانُ كفَّه - فيُطْبعُ عليه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} : أعمالُ السَّوءِ، إى واللَّهِ، ذنبٌ على ذنبٍ، وذنبٌ على ذنبٍ حتى مات قلبُه واسودَّ
(2)
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم} . قال: هذا الذنبُ على الذنبِ، حتى يَرِينَ على القلبِ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد.
فيسوَدَّ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم} . قال: غلَب على قلوبهم ذُنوبُهم، فلا يَخْلُصُ إليها معها خيرٌ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . قال: الرجلُ يذنبُ الذنبَ، فيحيطُ الذنبُ بقلبِه، حتى تَغْشى الذنوبُ عليه. قال مجاهدٌ: وهى مثلُ الآيةِ التي في سورةِ البقرةِ: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
(3)
[البقرة: (81)].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يقولُ هؤلاء المكذِّبون بيومِ الدينِ، مِن أنَّ لهم عندَ اللَّهِ زُلْفَةً، إنَّهم يومئذٍ عن ربِّهم لمحجوبون، فلا يَرَوْنه ولا يَرَوْنَ شيئًا مِن كرامتِه يصِلُ إليهم.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إنهم محجوبون عن كرامتهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علي بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن خُليدٍ، عن قتادةَ: {كَلَّا
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 356) عن معمر عن الحسن قوله، وفى نسخة من تفسير عبد الرزاق عن معمر به.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان (10/ 300).
(3)
ذكره القرطبي في تفسيره (19/ 259).
إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}: هو ألَّا ينظُرَ إليهم، ولا يُزكِّيَهم، ولهم عذابٌ أليمٌ
(1)
.
حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا جريرٌ، قال: ثنى نِمْرانُ أبو الحسنِ الذِّمَاريُّ، عن ابن أبي مُليكةَ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ:{إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . قال: المنَّانُ والمختالُ، والذي يقتطِعُ أموالَ الناسِ بيمينِه بالباطلِ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم محجوبون عن رؤيةِ ربِّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمارٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو معمرٍ المِنقَريُّ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ في قولِه:{إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . قال: يُكشفُ الحجابُ فيَنظُرُ إليه المؤمنون [والكافرون، ثم يُحْجَبُ عنه الكافرون، ويَنْظُرُ إليه المؤمنون]
(3)
كلَّ يومٍ عُذوةً وعشيَّةً. أو كلامًا هذا معناه
(4)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عن هؤلاء القومِ أنَّهم عن رؤيتِه محجوبون
(5)
؛ ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مرادًا به الحجابُ عن كرامتِه،
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره (19/ 261).
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد.
(3)
سقط من النسخ، وفى ص:"والكافرون أو عسه". ثم ضُرب عليها، والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر تفسير مجاهد.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 373) نقلا عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص (711، 712) من طريق أبى معمر به.
(5)
سقط من: ص، ت (2)، ت (3).
وأنْ يكونَ مرادًا به الحجابُ عن ذلك كلِّه، ولا دَلالةَ في الآيةِ تدلُّ على أنه مرادٌ بذلك الحجابُ عن معنًى منه دونَ معنىً، ولا خبرَ به عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قامت حجتُه؛ فالصوابُ أن يقالَ: هم محجوبون عن رؤيتِه وعن كرامتِه. إذ كان الخبرُ عامًّا لا دلالةَ على خصوصِه.
وقولُه: {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إنهم لوارِدُو الجحيمِ فمَشْوِيُّون فيها،
{ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم يقالُ لهؤلاء المكذبين بيومِ الدينِ: هذا العذابُ الذي أنتم فيه اليومَ، هو العذابُ الذي كنتم في الدنيا تُخبَرون أنكم ذائِقوه فتكذِّبون به وتنكِرونه، فذوقوه الآنَ فقد صَلِيتم به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَار
(1)
}. والأبرارُ جمعُ بَرٍّ، وهم الذين بَرُّوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ محارمِه. وقد كان الحسنُ يقولُ: هم الذين لا يؤذُون شيئًا حتى الذرَّ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشامٌ، عن شيخٍ، عن الحسنِ، قال، سُئِل عن الأبرارِ، قال: الذين لا يؤذُون الذرَّ.
حدَّثنا إسحاقُ بن زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفريابيُّ، عن السريِّ بن يحيى، عن الحسنِ، قال: الأبرارُ هم الذين لا يؤذون الذرَّ.
وقولُه: {لَفِي عِلِّيِّينَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى {عِلِّيِّينَ} ؛ فقال بعضُهم: هي السماءُ السابعةُ.
(1)
بعده في م: "لفى عليين".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى جريرُ بنُ حازمٍ، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: سأَل ابنُ عباسٍ كعبًا وأنا حاضرٌ عن العِلِّيين، فقال كعبٌ: هي السماءُ السابعةُ، وفيها أرواحُ المؤمنين
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، يعنى العَتَكِيَّ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . قال: في السماءِ العُليا.
حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن أبيه في قولِه:{إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . قال: في السماءِ السابعةِ.
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عِلِّيُّونَ} . قال: السماءُ السابعةُ
(2)
.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَفِي عِلِّيِّينَ} : في السماءِ عندَ اللَّهِ
(3)
.
وقال آخرون: بل العِلِّيون قائمةُ العرشِ اليمنى.
(1)
تقدم تخريجه في ص (194).
(2)
تفسير مجاهد ص (712) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد.
(3)
ذكره الطوسى في التبيان (10/ 301)، والقرطبى في تفسيره (19/ 262).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} : ذُكِر لنا أن كعبًا كان يقولُ: هي قائمةُ العرشِ اليمنى
(1)
.
حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مُجالدٍ، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ مازنٍ قاضى اليمنِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . قال: عِلِّيون: قائمةُ العرشِ اليمنى.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{لَفِي عِلِّيِّينَ} . قال: فوقَ السماءِ السابعةِ، عندَ قائمةِ العرشِ اليمنى
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصٍ، عن شِمْرِ بن
(3)
عطيةَ، قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فسأَله فقال: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: {إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} الآيةَ. فقال كعبٌ: إن الروحَ المؤمنةَ إذا قُبِضت صُعِد بها، ففُتِحت لها أبوابُ السماءِ، وتلقَّتها الملائكةُ بالبُشرَى، ثم عرَجوا معها حتى ينتهُوا إلى العرشِ، فيخرجُ لها من عندِ العرشِ رَقٌّ، فيُرقَمُ، ثم يُختمُ بمعرفتِها النجاةَ بحسابِ يومِ القيامةِ، وتشهَدُ الملائكةُ المقرَّبون
(4)
.
وقال آخرون: بل عُنِى بالعِلِّيين الجَنَّةُ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 356) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
في ص، م، ت (1):"عن". ينظر تهذيب الكمال (12/ 560).
(4)
تقدم تخريجه في ص (195).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . قال: الجنةِ
(1)
.
وقال آخرون: عندَ سِدْرةِ المنتهى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ من أهلِ الكوفةِ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، عن الأجلحِ عن الضحاكِ قال: إذا قُبِض رُوحُ العبدِ المؤمنِ عُرِج به إلى السماءِ، فينطلِقُ معه المقرَّبون إلى السماءِ الثانيةِ. قال الأجلحُ: قلتُ: وما المقرَّبون؟ قال: أقربُهم إلى السماءِ الثانيةِ. فينطلِقُ معه المقرَّبون إلى السماءِ الثالثةِ، ثم الرابعةِ، ثم الخامسةِ، ثم السادسةِ، ثم السابعةِ، حتى يُنتهى به إلى سِدْرةِ المنتهى. قال الأجلحُ: قلت للضحاكِ: لِمَ تسمَّى سِدْرةَ المنتهى؟ قال: لأنه يَنْتَهِى إليها كلُّ شيءٍ مِن أَمرِ اللَّهِ لا يعدُوها. فيقولون: ربِّ، عبدُك فلانٌ. وهو أعلمُ به منهم، فيبعثُ اللَّهُ إليه
(2)
بصَكٍّ مختومٍ يؤمِّنُه من العذابِ، فذلك قولُ اللَّهِ:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}
(3)
.
وقال آخرون: بل عُنِى بالعِليين: في السماءِ عندَ اللَّهِ.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان (2/ 54) - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى ابن المنذر.
(2)
في م: "إليهم".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى عبد بن حميد، وذكر آخره القرطبي في تفسيره (19/ 262) عن الأجلح به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . يقولُ: أعمالُهم في كتابٍ عندَ اللَّهِ في السماءِ
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر أن كتابَ الأبرارِ لفى عِلِّيين. والعِلِّيون جمعٌ، معناه: شيءٌ فوقَ شيءٍ، وعلوٌّ فوقَ علوٍّ، وارتفاعٌ بعدَ ارتفاعٍ؛ فلذلك جُمِعت بالياءِ والنونِ كجمعِ الرجالِ إذا لم يكنْ له بناءٌ من واحدِه واثنَيهِ، كما حُكِى عن بعضِ العربِ سماعًا: أَطْعَمَنا مَرَقَةَ مَرَقين. يعنى اللحمَ المطبوخَ، كما قال الشاعرُ
(2)
:
قد رَوِيَتْ إِلا الدُّهَيْدِهِينا
(3)
قُلَيِّصاتٍ
(4)
وأُبَيْكرِينا
(5)
فقال: وأُبيكِرِينا. فجمَعها بالنونِ إذ لم يقصدْ عددًا معلومًا من البكارةِ، بل أراد عددًا لا يُحدُّ آخرُه، وكما قال الآخرُ
(6)
:
فأصبَحت المذاهبُ قد أذاعت
…
بها الإعصارُ بعدَ الوابلينا
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره (19/ 262)، وابن كثير في تفسيره (8/ 374) عن العوفى به.
(2)
الرجز في الكتاب لسيبويه (3/ 494)، واللسان (ب ك ر، دهده، ى م ن، ع ل و).
(3)
الدهيديهينا: صغار الإبل، وحذفت الياء للضرورة. اللسان (دهده).
(4)
القليِّصات: جمع تصغير القلوص: وهى الفتية من الإبل بمنزلة الجارية الفتاة من النساء. اللسان (ق ل ص).
(5)
الأبيكرين: جمع تصغير البَكر: وهو الفتى من الإبل. ينظر اللسان (ب ك ر).
(6)
البيت في اللسان (و ب ل، ع ل و).
يعنى: مطرًا بعدَ مطرٍ غيرَ محدودِ العددِ، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ جمعٍ لم يكنْ له بناءٌ من واحدِه واثنَيهِ، فجمعُه في جميعِ الإناثِ والذكرانِ بالنونِ على ما قد بيَّنَّا، ومن ذلك قولُهم للرجالِ والنساءِ: عشرون وثلاثون
(1)
. فإذ كان ذلك كالذى ذكَرنا، فبيِّنٌ أن قولَه:{لَفِي عِلِّيِّينَ} . معناه: في علوٍّ وارتفاعٍ، في سماءٍ فوقَ سماءٍ، وعلوٍّ فوقَ علوٍّ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك إلى السماءِ السابعةِ، وإلى سدرةِ المنتهَى، وإلى قائمةِ العرشِ، ولا خبرَ يقطعُ العذرَ بأنه معنيٌّ به بعضُ ذلك دونَ بعضٍ.
والصوابُ أن يقالَ في ذلك كما قال جلَّ ثناؤُه: إن كتابَ أعمالِ الأبرارِ لفى ارتفاعٍ إلى حدٍّ قد علِم اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - منتهاه، ولا علمَ عندَنا بغايتِه، غير أن ذلك لا يقصرُ عن السماءِ السابعةِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على ذلك.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم مُعَجِّبَه من عِلِّيين: وأيُّ شيءٍ أشعَرك يا محمدُ ما عِلِّيون؟!
وقولُه {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن كتابَ الأبرارِ لفى عِلِّيين، كتابٌ مرقومٌ. أي: مكتوبٌ بأمانٍ من اللَّهِ إياه من النارِ يومَ القيامةِ، والفوزِ بالجنةِ. كما قد ذكَرناه قبلُ عن كعبٍ والضحاكِ بن مزاحمٍ
(2)
.
وكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كِتَابٌ مَرْقُومٌ} : رُقِم لهم
(3)
.
وقولُه: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} . يقولُ: يشهدُ ذلك الكتابَ المكتوبَ بأمانِ اللَّهِ
(1)
ينظر معاني القرآن للفراء (3/ 247).
(2)
ينظر ما تقدم في ص (208، 209)
(3)
سقط من: م. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.
للبَرِّ من عبادِه من النارِ وفوزِه بالجنةِ - المقرَّبون من ملائكتِه من كلِّ سماءٍ من السماواتِ السبعِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} . قال: كلُّ أهلِ سماءٍ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} : من ملائكةِ الله
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} . قال: يشهدُه مقرَّبو أهلِ كلِّ سماءٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} . قال: الملائكةُ.
وقولُه: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن الأبرارَ الذين بَرُّوا باتقاءِ اللَّهِ وأداءِ فرائضِه، لفى نعيمٍ دائمٍ، لا يزولُ يومَ القيامةِ، وذلك نعيمُهم في الجنانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 326) إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.
(2)
تتمة أثر قتادة المتقدم في الصفحة السابقة.
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} على السُرُرِ في الحِجالِ من اللؤلؤ والياقوتِ، ينظُرون إلى ما أعطاهم اللَّهُ من الكرامةِ والنعيمِ والحَبْرةِ في الجنانِ.
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{عَلَى الْأَرَائِكِ} . قال: من اللؤلؤ والياقوتِ
(1)
.
قال: ثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{الْأَرَائِكِ} : السُّرُرِ في الحجالِ
(2)
.
وقولُه: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: تعرفُ في الأبرارِ الذين وصَف اللَّهُ
(3)
صفتَهم، {نَضْرَةَ النَّعِيمِ}. يعنى: حُسنَه وبريقَه وتلألؤَه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {تَعْرِفُ} ؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ القارئ: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ} بفتحِ التاءِ من {تَعْرِفُ} ، على وجهِ الخطابِ، {نَضْرَةَ النَّعِيمِ} بنصبِ و {نَضْرَةَ}. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ:(تُعْرَفُ)
(4)
. بضمِّ التاءِ، على وجهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، (في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ) برفعِ (نَضْرَةُ)
(5)
.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك فتحُ التاءِ
(6)
(1)
تفسير مجاهد ص (712)
(2)
تقدم تخريجه في (19/ 465).
(3)
ليست في: ص، ت (1)، ت (2)، ت (3).
(4)
في م: (يعرف).
(5)
وقرأ بها أيضًا يعقوب. ينظر النشر (2/ 298).
(6)
القراءتان كلتاهما صواب.
من {تَعْرِفُ} ، ونصبُ {نَضْرَةَ} .
وقولُه: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} . يقولُ: يُسقَى هؤلاء الأبرارُ من خمرٍ صِرفٍ لا غشَّ فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ
(1)
}. قال: من الخمرِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} . يعنى بالرحيقِ الخمرَ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ
(1)
}. قال: خمرٍ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرحيقُ الخمرُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{رَحِيقٍ} .
(1)
بعده في م: "مختوم".
(2)
سيأتي تخريجه ص (217).
(3)
تفسير مجاهد ص (712)، ومن طريقه البيهقى في البعث (364)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 327) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
قال: هو الخمرُ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} . يقولُ: الخمرِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} : الرحيقُ المختومُ: الخمرُ، قال حسانُ
(2)
:
يَسْقُون مَن ورَد البَرِيصَ عليهم
…
بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ
(3)
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} . قال: هو الخمرُ
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الرحيقُ: الخمرُ
(5)
.
وأما قولُه: {مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ} . فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ممزوجٌ مخلوطٌ، مِزاجُه وخِلطُه مِسكٌ.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 356) عن معمر به.
(2)
ديوانه ص (122).
(3)
البريص وبردى: نهران بدمشق. ينظر معجم البلدان (1/ 556، 600).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة (13/ 142) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 327، 328) إلى عبد بن حميد.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة (13/ 142)، وهناد في الزهد (67)، والحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (1494) عن وكيع به، وأخرجه هناد في الزهد (64) من طريق الأعمش به، وأخرجه البيهقى في البعث (361) من طريق الأعمش، عن عبد الله، بن مرة، عن مسروق قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 328) إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عن زيدِ
(1)
بن معاويةَ، عن
(2)
علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: ليس بخاتمٍ، ولكن خِلطٌ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أشعثَ بن سُليمٍ، عن زيدِ (1) بن معاوية، علقمة، عن عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: أما إنه ليس بالخاتمِ الذي يختِمُ، أما سمِعتم المرأةَ من نسائِكم تقولُ: طِيبُ كذا وكذا خِلطُ مسكٍ؟
(4)
حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عمن ذكَره، عن علقمةَ في قولِه:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: خِلطُه مسكٌ
(5)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ:{مَخْتُومٍ} . قال: ممزوجٍ، {خِتَامُهُ مِسْكٌ}. قال: طعمُه وريحُه
(6)
.
(1)
في م: "يزيد". وينظر التاريخ الكبير (3/ 406).
(2)
في النسخ: "و". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الجرح والتعديل (3/ 572).
(3)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (277 - زوائد نعيم)، والحاكم (2/ 517)، والبيهقى في البعث (359) من طريق سفيان به.
(4)
أخرجه الطبراني (9062) من طريق سفيان به، وأخرجه هناد في الزهد (67)، والبيهقى في البعث (360) من طريق أشعث بن سليم، عن زيد بن معاوية، عن علقمة قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 328) إلى الفريابى.
(5)
تفسير مجاهد ص (712) من طريق أشعث بن أبى الشعثاء، عن زيد العبسى، قال: سألت علقمة
…
وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 328) إلى ابن الأنبارى في الوقف والابتداء.
(6)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أشعثَ بن أبى الشعثاءِ، عن زيدِ
(1)
بن معاويةَ، علقمةَ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: طعمُه وريحُه مسكٌ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن آخرَ شرابِهم يُختمُ بمسكٍ يُجعلُ فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ} . يقولُ: الخمرُ خُتِم بالمسكِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: طيَّبَ اللَّهُ لهم الخمرَ، فكان آخرَ شيءٍ جُعِل فيها حتى
(3)
تُختمَ، المسكُ
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: عاقبتُه مسكٌ، قومٌ يُمزجُ لهم بالكافورِ، ويُختمُ بالمسكِ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: عاقبتُه مِسكٌ
(6)
.
(1)
في م: "يزيد".
(2)
أخرجه البيهقى في البعث (357) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 328) إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.
(3)
في ت (1): "حين".
(4)
في ص، ت (1)، ت (2)، ت (3):"بمسك".
والأثر ذكره الحافظ في التغليق (3/ 502) عن المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 374) عن العوفى به.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 327) إلى عبد بن حميد.
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 356) عن معمر به.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: طيَّبَ اللَّهُ لهم الخمرَ، فوجَدوا فيها في آخرِ شيءٍ منها ريحَ المسكِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى
(2)
، قال: ثنا حاتمُ بنُ وردانَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن إبراهيمَ والحسنِ في هذه الآيةِ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قالا
(3)
: عاقبتُه مسكٌ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن
(5)
عبدِ الرحمنِ بن سابطٍ، عن أبي الدرداءِ:{خِتَامُهُ مِسْكٌ} : فالشرابُ أبيضُ مثلُ الفضةِ، يَختِمون به شرابَهم، ولو أن رجلًا من أهلِ الدنيا أدخَل إصبعَه فيه ثم أخرَجها، لم يبقَ ذو روحٍ إلا وجَد طِيبَها
(6)
.
وقال آخرون: عُنِى بقولِه: {مَخْتُومٍ} : مُطَيَّنٍ، {خِتَامُهُ مِسْكٌ}: طينُه مسكٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (13/ 143) من طريق أبى روق، عن الضحاك. وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص (446) - إلى عبد بن حميد.
(2)
بعده في ت (1): "حدثنا ابن ثور". وينظر تهذيب الكمال (30/ 69).
(3)
في م: "قال".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 375).
(5)
في ص، ت (1)، ت (2) ت (3):"بن".
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 375) عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص (712، 713)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (276 - زوائد نعيم)، والبيهقى في البعث (365) من طريق جابر به، وعزاه الحافظ في الفتح (6/ 322) إلى ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 328) إلى ابن المنذر.
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال: طينُه مسكٌ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {مَخْتُومٍ} : الخمرُ، {خِتَامُهُ مِسْكٌ}: ختامُه عندَ اللَّهِ مسكٌ، وختامُها اليومَ في الدنيا طينٌ
(2)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ من قال: معنى ذلك: آخرُه وعاقبتُه مسكٌ. أي: هي
(3)
طيبةُ الريحِ، إن ريحَها في آخرِ شربِهم يختمُ لهم
(4)
بريحِ المسكِ.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنه لا وجهَ للختمِ في كلامِ العربِ إلا الطبعُ والفراغُ، كقولِهم: ختَم فلانٌ القرآنَ. إذا أتَى على آخرِه، فإذا كان لا وجهَ للطبعِ على شرابِ أهلِ الجنةِ يُفهمُ؛ إذ كان شرابُهم جاريًا جَرْىَ الماءِ في الأنهارِ، ولم يكنْ مُعَتَّقًا في الدنانِ فيُطَيَّنَ عليها ويُختمَ - عُلِم
(5)
أن الصحيحَ من ذلك هو الوجهُ الآخرُ، وهو العاقبةُ والمشروبُ آخِرًا، وهو الذي خُتِم به الشرابُ.
وأما الختمُ بمعنى المزجِ، فلا نعلمُه مسموعًا من كلامِ العربِ.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {خِتَامُهُ
(1)
تفسير مجاهد ص (712) ومن طريقه البيهقى في البعث (364)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 327) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان (10/ 303)، والبغوى في تفسيره (8/ 367).
(3)
في ص، ت (1)، ت (2)، ت (3):"في".
(4)
في م: "لها".
(5)
في م: "تعين".
مِسْكٌ} سوى الكسائيِّ، فإنه كان يقرؤُه (خاتَمُه مِسْكٌ)
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو:{خِتَامُهُ}
(2)
؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. والختِامُ والخاتَمُ وإن اختلَفا في اللفظِ، فإنهما متقارِبان في المعنى، غيرَ أن الخاتمَ اسمٌ والختامَ مصدرٌ، ومنه قولُ الفرزدقِ
(3)
:
فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ
…
وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ
ونظيرُ ذلك قولُهم: هو كريمُ الطابَعِ
(4)
والطباعِ.
وقولُه: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وفي هذا النعيم الذي وصف جلَّ ثناؤُه أنه أعطى هؤلاء الأبرارَ في القيامةِ، فليتنافَسِ المتنافِسون. والتنافسُ أن يَنْفَسَ الرجلُ على الرجلِ بالشيءِ يكونُ له، ويتمنَّى أن يكونَ له دونَه، وهو مأخوذٌ من الشيءِ النفيسِ، وهو الذي تحرصُ عليه نفوسُ الناسِ وتطلبُه وتشتهِيه، وكأنَّ معناه في ذلك: فليجدَّ الناسُ فيه، وإليه فليستبِقوا في طلبِه، ولتحرصْ عليه نفوسُهم.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ومِزامجُ هذا الرحيقِ من تسنيمٍ، والتسنيمُ التفعيلُ، من قولِ
(1)
ينظر السبعة لابن مجاهد ص 676.
(2)
القراءتان كلتاهما صواب.
(3)
ديوانه ص 836.
(4)
في م: "الطبائع".
القائلِ: سنَّمتُهم
(1)
العينَ
(2)
تسنيمًا. إذا أجريتها عليهم من فوقِهم، فكان معناه في هذا الموضعِ: ومزاجُه من ماءٍ ينزلُ عليهم من فوقِهم فينحدرُ عليهم. وقد كان مجاهدٌ والكلبيُّ يقولان في ذلك كذلك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{تَسْنِيمٍ} . قال: تسنيمٍ يعلو
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ في قولِه:{تَسْنِيمٍ} . قال: تسنيمٍ ينصبُّ عليهم من فوقِهم، وهو شرابُ المقرَّبين
(4)
.
وأما سائرُ أهلِ التأويلِ، فقالوا: هو عينٌ يُمزَجُ بها الرحيقُ لأصحابِ اليمينِ، فأما المقرَّبون فيشرَبونها صِرْفًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:{مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: عينٍ في الجنةِ يشربُها
(5)
المقرَّبون، وتُمزج لأصحاب اليمينِ
(6)
.
(1)
في ص: "سمتهن"، وفى ت،2 ت 3:"تسنمت".
(2)
في ت: "البعير".
(3)
تفسير مجاهد ص 713، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 27 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 357 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 28 إلى ابن المنذر.
(5)
في ت 2، ت 3، والمصنف، والدر:"يشرب بها".
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 142، وهناد في الزهد (66)، والحسين المروزى في زوائده على الزهد: =
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: يشربُه المقرَّبون صِرفًا، ويُمزجُ لأصحابِ اليمينِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن مسروقٍ:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: عينٍ في الجنةِ، يشربُها المقرَّبون صِرفًا، وتُمزجُ لأصحابِ اليمينِ.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ:{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} . قال: يشربُ بها المقربون صِرفًا، وتُمزجُ لأصحابِ اليمينِ.
حدَّثني طلحةُ بنُ يحيى اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مالكِ بن الحارث في قولِه:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: في الجنةِ عينٌ، يشربُ منها المقرَّبون صِرفًا، وتمزجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباس قوله:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . [قال: عينٌ]
(1)
يَشْرَبُ بها المقرَّبون صِرفًا، ويُمزجُ فيها لمَن دونَهم
(2)
.
= لابن المبارك (1522) عن وكيع به، وأخرجه هناد في الزهد (65)، والبيهقي في البعث (362) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 28 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(1)
في م: "عينا".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 357، وعنه عبد بن حميد - كما في التغليق 3/ 501 - وسعيد بن منصور - كما في الدر المنثور 6/ 328 - ومن طريقه البيهقى في البعث والنشور (363) - والحافظ في التغليق 3/ 501 من طريق عطاء بن السائب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مالك بن الحارث في قولِه:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: التسنيمُ: عينٌ في الجنةِ، يشربُها المقرَّبون صِرفًا، وتُمزجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ
(1)
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: عينٌ، يشربُ بها المقرَّبون، ويُمزجُ فيها لمَن دونَهم
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} : عينًا [مما في]
(3)
الجنةِ يُمزجُ بها الخمرُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قولِه:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: خفايا أخفاها اللهُ لأهلِ الجنةِ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . قال: هو أشرفُ شرابٍ في الجنةِ، هو للمقرَّبين صِرفٌ، وهو لأهلِ الجنةِ مزاجٌ
(5)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 142 من طريق جرير به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (275 - زوائد نعيم) من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 28 إلى عبد بن حميد.
(2)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(3)
في م: "من ماء".
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 143 عن ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 327، 328 إلى عبد بن حميد.
(5)
أخرجه أحمد في الزهد 1/ 26، وأبو نعيم في الحلية 1/ 343 من طريق عمران بن عيينة به.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} : شرابٍ شريفٍ؛ عينٍ في الجنةِ، يشربُها المقرَّبون صِرفًا، وتُمزجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} . قال: بلَغنا أنها عينٌ تخرجُ من تحتِ العرشِ، وهى مِزاجُ هذه الخمرِ. يعنى: مِزاجُ الرحيقِ
(2)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: {مِنْ تَسْنِيمٍ} : شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرفِ الشرابِ
(3)
.
فتأويلُ الكلامِ: ومزامجُ الرحيقِ من عينٍ تُسَنَّمُ عليهم من فوقِهم فتنصَبُّ عليهم، يشربُ بها المقرَّبون من اللهِ صِرفًا، وتُمزجُ لأهلِ الجنةِ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: {عَيْنًا} ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إن شئتَ جعَلتَ نصبَه على: يُسْقَون عينًا، وإن شئتَ جَعَلته مدحًا فيُقطعُ من أولِ الكلامِ، فكأنك تقولُ: أعنى عينًا.
وقال بعضُ نحويي الكوفةِ
(4)
: نَصبُ العين على وجهين؛ أحدُهما: أن يَنْوِىَ: من تسنيم عَينٍ، فإذا نوِّنت نُصبت، كما قال:{أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا} [البلد: 14، 15]، وكما قال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 327 إلى عبد بن حميد وعبد الرزاق.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 266.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 446 - إلى عبد بن حميد.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 249.
أَحْيَاءً} [المرسلات: 25، 26]. والوجه الآخرُ: أن يَنْوِىَ: من ماءٍ سُنِّم عينًا، كقولك: رفع عينًا يشربُ بها. قال: وإن لم يكنْ التسنيمُ اسمًا للماءِ فالعينُ نكرةٌ والتسنيمُ، معرفةٌ، وإن كان اسمًا للماء فالعينُ معرفةٌ
(1)
فخرَجت نصبًا.
وقال آخر من البصريين: {مِنْ تَسْنِيمٍ} معرفةٌ، ثم قال:{عَيْنًا} . فجاءت نكرةً، فنصَبتَها صفةً لها
(2)
. وقال آخرُ: نُصِبت بمعنى: من ماءٍ يَتَسَنَّمُ عينًا.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا: أن التسنيم اسمٌ معرفةٌ والعينُ نكرةٌ، فنُصبت لذلك إذ كانت صفةً له.
وإنما قلنا: ذلك هو الصوابُ؛ لما قد قدَّمنا من الروايةِ عن أهلِ التأويلِ أن التسنيمَ هو العينُ، فكان معلومًا بذلك أن العينَ إذ كانت منصوبةً وهى نكرةٌ - أن التسنيمَ معرفةٌ.
وقولُه: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اكتسَبوا المآثمَ، فكفَروا باللهِ في الدنيا، كانوا فيها، من الذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللهِ وصدَّقوا به يضحَكون؛ استهزاءً منهم بهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} : في الدنيا، يقولون: والله إن هؤلاء
(1)
في النسخ: "نكرة". وكذا في نسخ معاني القرآن. والمثبت من تهذيب اللغة 13/ 16، واللسان (س ن م).
(2)
ينظر مجاز القرآن 2/ 290.
لكذَبةٌ، وما هم على شيءٍ. استهزاءً بهم
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ
(2)
(31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33)}
يقولُ تعالى ذكرُه: وكان هؤلاء الذين أجرَموا إذا مرَّ الذين آمَنوا بهم {يَتَغَامَزُونَ} . يقولُ: كان بعضُهم يغمزُ بعضًا بالمؤمنِ؛ استهزاءً به وسخريةً.
وقولُه: (وإذا انقلَبوا إلى أهلِهم انقلَبوا فاكِهين). يقولُ: وكان هؤلاء المجرمون إذا انصرَفوا إلى أهلهم من مجالسِهم، انصرَفوا ناعِمين مُعجَبين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ:(انقلبوا فاكِهين). قال: مُعجَبين.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: (وإذا انقلَبوا إلى أهلهم انقلَبوا فاكهين). قال: انقلَب ناعمًا. قال: هذا في الدنيا، ثم أُعقِب النارَ في الآخرةِ.
وقد كان بعضُ أهل العلم بكلام العربِ يفرِّقُ بينَ معنى فاكِهين وفَكِهين؛ فيقولُ: معنى فاكِهين: ناعِمين، وفَكِهين: مَرِحين. وكان غيرُه يقولُ
(3)
: ذلك بمعنًى واحدٍ، وإنما هو بمنزلة طامِعٍ وطَمِعٍ، وباخِلٍ وبَخِلٍ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 28 إلى عبد بن حميد.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فاكهين"، والمثبت قراءة حفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 676.
(3)
وهو الفراء في معاني القرآن 3/ 249.
وقولُه: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأَى المجرمون المؤمنين قالوا لهم: إن هؤلاء لضالون عن محجةِ الحقِّ وسبيلِ القصدِ،
{وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وما بُعِث هؤلاء الكفارُ القائِلون للمؤمِنين: إن هؤلاء لضالون. حافِظين عليهم بأعمالِهم
(1)
. يقولُ: إنما كُلِّفوا الإيمانَ باللهِ والعملَ بطاعتِه، ولم يُجعلوا رُقباء على غيرِهم يحفَظون عليهم أعمالَهم ويتفقَّدونها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {فَالْيَوْمَ} . وذلك يومُ القيامةِ، {الَّذِينَ آمَنُوا} بِاللَّهِ في الدنيا، {مِنَ الْكُفَّارِ} فيها، {يَضْحَكُونَ} ،
{عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} . يقولُ: على سررِهم التي في الحِجالِ ينظرون إليهم وهم في الجنةِ، والكفارُ في النارِ يُعَذَّبون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} . قال: يعنى السُّررَ المرفوعةَ عليها الحِجالُ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن السورَ الذي بينَ الجنةِ والنارِ يُفتحُ لهم فيه
(2)
أبوابٌ، فينظر المؤمنون إلى أهلِ النارِ والمؤمنون على السررِ ينظُرون كيفَ يعذَّبون، فيضحَكون منهم، فيكون ذلك مما أقرَّ
(1)
في م: "أعمالهم".
(2)
في ت 2، ت 3:"فيها".
اللهُ به أعينَهم كيفَ ينتقِمُ اللَّهُ منهم
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} : ذُكِر لنا أن كعبًا كان يقولُ: إن بينَ الجنةِ والنارِ كِوًى، فإذا أراد المؤمنُ أن ينظرَ إلى عدوٍّ كان له في الدنيا، اطَّلَع من
(2)
بعضِ الكِوى، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه:{فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 55]. أي: في وسطِ النارِ، وذُكِر لنا أنه رأَى جماجمَ القومِ تغلِى
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: قال كعبٌ: إن بينَ أهلِ الجنةِ وبينَ أهلِ النارِ كِوى، لا يشاءُ رجلٌ مِن أهلِ الجنةِ أن ينظرَ إلى غيرِه من أهلِ النارِ إلا فعَل
(4)
.
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} : كان ابنُ عباسٍ يقولُ: السُّورُ بين أهل الجنةِ والنارِ، فيفتحُ لأهلِ الجنةِ أبوابٌ، فينظرون وهم على السُّرر إلى أهلِ النارِ كيف يُعذَّبون، فيضحَكون منهم، ويكونُ ذلك مما يُقِرُّ اللهُ به أعينَهم أن ينظروا إلى عدوِّهم كيف ينتقمُ الله منهم.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} . قال: يُجاءُ بالكفارِ حتى ينظروا إلى أهلِ الجنةِ في الجنةِ على
(1)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (1018) من طريق أبي صالح، عن ابن عباس.
(2)
في ت 2: "في"، وفي ت 3:"إلى".
(3)
أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (255) من طريق آخر عن قتادة، وينظر ما تقدم تخريجه في 19/ 547، 548.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 357 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 328 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
سُررٍ، فحينَ ينظرون إليهم تعلقُ دونَهم الأبوابُ، ويضحكُ أهلُ الجنةِ منهم، فهو قولُه:{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} .
وقولُه: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} . يقول تعالى ذكرُه: هل أُثِيبَ الكفارُ وجُزُوا ثوابَ ما كانوا في الدنيا يفعَلون بالمؤمنين من سخريتِهم منهم، وضحكِهم بهم، بضحكِ المؤمنين منهم في الآخرةِ والمؤمنون على الأرائكِ ينظرون، وهم في النارِ يعذَّبون؟!
و {ثُوِّبَ} : فُعِّل، من الثوابِ والجزاءِ، يقالُ منه: ثَوَّب فلانٌ فلانًا على صنيعه، وأثابه منه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ} . قال: جُزِى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} حينَ كانوا يسخَرون؟
آخرُ تفسيرِ سورةِ "ويلٌ للمطففين"
(1)
تفسير مجاهد ص 713، ومن طريقه الفريابي، كما في التغليق، 4/ 363، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 328 إلى عبد حميد وابن المنذر.
تفسيرُ سورةِ "إذا السماءُ انشقَّت"
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)} .
يقول تعالى ذكرُه: إذا السماءُ تصدَّعت وتقطَّعت فكانت أبوابًا.
وقولُه: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . يقولُ: وسمعت السماواتُ في تصدُّعِها وتشقُّقها لربِّها، وأطاعت له في أمره إياها. والعربُ تقولُ: أذِنَ لك في هذا الأمرِ أذَنًا. بمعنى: استمَع لك. ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ما أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كأذَنِه لنبيٍّ يتغَنَّى بالقُرآنِ". يعنى بذلك: "ما استمَع الله لشيءٍ كاستماعِه لنبيٍّ يتغنَّى بالقُرآنِ"
(1)
. ومنه قولُ الشاعرِ
(2)
:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خيرًا ذُكِرْتُ به
…
وإن ذُكِرْتُ بسُوءٍ عندَهم أَذِنُوا
وأصلُ قولِهم في الطاعةِ: سمِع له. من الاستماعِ، يقالُ منه: سمِعتُ لك.
بمعنى: سمعتُ قولَك وأطَعتُ فيما قلتَ وأمَرتَ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} قال أهلُ التأويلِ.
(1)
أخرجه أحمد 13/ 102، 229، 10/ 500 (7670، 7832، 9850)، والبخاري (5023، 5024، 7482، 7545)، ومسلم (792)، والنسائي (1016)، وابن حبان (751) من حديث أبي هريرة.
(2)
نسبه أبو تمام في الحماسة، 2/ 170، وابن قتيبة في عيون الأخبار 3/ 84، وابن منظور في اللسان (ش و ر، أ ذ ن) إلى قعنب بن أم صاحب، ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 291 إلى رؤبة، ونسبه أبو عبيدة في 1/ 177 إلى قعنب بن أم صاحب، والشطر الأول من البيت الذي قبله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . قال: سَمِعَتْ لربِّها
(1)
.
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . قال: سَمِعَتْ وأطاعَتْ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . قال: سمِعَت
(3)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . قال: سمِعَت وأطاعَت
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} ، أي: سمِعَت وأطاعَت.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
(1)
أخرجه الحاكم 2/ 518 من طريق مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 29 إلى ابن المنذر.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 307، 308.
(3)
تفسير مجاهد ص 714، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 29 إلى عبد بن حميد.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 358 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 29 إلى عبد بن حميد.
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . قال: سمِعَت وأطاعَت.
وقولُه: {وَحُقَّتْ} . يقولُ: وحَقَّق الله عليها الاستماعَ بالانشقاقِ والانتهاءِ إلى طاعتِه في ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: وَحُقَّتْ. قال: حُقِّقَتْ لطاعةِ ربِّها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أشعث بن إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: {وَحُقَّتْ
(1)
}: وحُقَّ لها
(2)
.
وقولُه: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الأرضُ بُسِطت، فزِيد في سَعتِها.
كالذي حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عليّ بن حسينٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كان يومُ القيامةِ مَدَّ اللهُ الأَرضَ حتى لا يكونَ لبشرٍ من الناسِ إلا موضعُ قدميه، فأكونُ أولَ مَنْ يُدعَى، وجبريلُ عن يمينِ الرحمنِ، واللهِ ما رآه، قبلَها، فأقولُ: يا ربِّ، إن هذا أخبَرني أنك أرسَلتَه إليَّ. فيقولُ: صدَق. ثم أشفَعُ فأقولُ: يا ربِّ، عبادُك عبَدوك في أطرافِ الأرضِ". قال: "وهو المقام المحمود"
(3)
.
(1)
بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لها".
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الفتح 6/ 294 - من طريق سعيد بن جبير.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 378 عن المصنف، وتقدم في 15/ 49، 50.
[حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مُدَّتْ} . قال: يومَ القيامةِ
(1)
.
وقولُه: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: وألقَت الأرضُ ما في بطنِها من الموتى إلى ظهرِها، وتخلَّت منهم إلى اللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ]
(2)
قولَه: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} . قال: أخرَجت ما فيها من الموتى
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} .
قال: أخرَجت أثقالَها وما فيها
(4)
.
وقولُه: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . يقولُ: وسمعتِ الأرضُ في إلقائِها
(5)
ما في بطنها من الموتى إلى ظهرِها أحياءً، أمرَ ربِّها وأطاعَت، {وَحُقَّتْ}. يقولُ:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 29 إلى عبد بن حميد.
(2)
في ت 2، ت 3:"حدَّثني محمد بن سعد قال ثنى أبى قال ثني عمى قال ثنى أبي عن أبيه عن ابن عباس".
(3)
تفسير مجاهد ص 714، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 239 إلى عبد بن حميد.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 359 عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 239 إلى عبد بن حميد.
(5)
في م: "لقائها".
وحقَّقها اللهُ للاستماعِ لأمرِه في ذلك والانتهاءِ إلى طاعتِه.
واختلَف أهلُ العربيةِ في موقعِ
(1)
جوابِ قولِه: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} . وقولِه: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ له؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} . على معنى قولِه: يأيُّها الإنسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إلى ربِّكَ كَدْحًا فمُلاقِيه إذا السماءُ انشَقَّت. على التقديم والتأخير.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ
(2)
: قال بعضُ المفسِّرين: جوابُ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} ، قولِه:{وَأَذِنَتْ} . قال: ونرَى أنه رأىٌ ارتآه المفسرُ، وشبَّهه بقولِ اللهِ تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73]؛ لأنا لم نسمعْ جوابًا بالواوِ في "إذا" مبتدأةً، ولا كلامَ قبلَها، ولا في "إذا" إذا ابتُدِئت. قال: وإنما تجيبُ العربُ بالواو في قولِه: حتى إذا كان. و: فلما
(3)
أن كان. لم يجاوِزوا ذلك. قال: والجوابُ في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} . وفى: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ} كالمتروكِ؛ لأن المعنى معروفٌ قد تردَّد في القرآنِ معناه فعُرِف، وإن شئتَ كان جوابُه:{يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ} . كقولِ القائلِ: إذا كان كذا وكذا، فيأيُّها الناسُ
(4)
تَرَون ما عمِلتم من خيرٍ أو شرٍّ. تَجْعَلُ
(5)
{يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ} هو الجوابَ، وتُضَمِّنُ
(6)
فيه الفاءَ، وقد فسِّر جوابُ:{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فيما يلقَى الإنسانُ من ثوابٍ وعقابٍ، فكأن المعنى: ترى الثوابَ والعقابَ إذا السماءُ انشَقَّت.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن جوابَه محذوفٌ، تُرِك استغناءً بمعرفةِ
(1)
في ت 1، ت 2، ت 3:"موضع".
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 249.
(3)
في ص: "فلما"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"قلما".
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الإنسان".
(5)
في ص، ت 1، ت،2، ت 3:"فجعل".
(6)
في م: "تضمر".
المخاطبين به بمعناه. ومعنى الكلام: إذا السماءُ انشَقَّت رأى الإنسانُ ما قدَّم من خيرٍ أو شرٍّ. وقد بيَّن ذلك قوله: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} . والآياتُ بعدَها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الإنسانُ إنك عاملٌ إلى ربِّك عملًا فملاقيه به، خيرًا كان عملُك ذلك أو شرًّا. يقولُ: فليكنْ عملُك مما يُنجيك من سَخطِه، ويوجبُ لك رضاه، ولا يكنْ مما يُسخِطُه عليك فتهلِكَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} . يقولُ: تعمَلُ عملًا تلقَى الله به؛ خيرًا كان أو شرًّا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} : إن كدحَك [يابنَ آدمَ لضعيفٌ]
(2)
، فمَن استطاع أن يكونَ كدحُه في طاعةِ اللهِ فليفعَلْ، ولا قوةَ إلا باللهِ
(3)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 378 عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 329 إلى المصنف.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يا ابن الضعيف".
(3)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 271، وابن كثير في تفسيره 8/ 378.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله:{إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا} . قال: عاملٌ له عملًا
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسمِعته يقولُ [في قولِ اللهِ]
(2)
: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا} . قال: عاملٌ إلى ربِّك عملًا، قال:{كَدْحًا} : العملُ.
وقولُه: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأَما مَن أُعطِى كتابَ أعمالِه بيمينِه،
{فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} بأن يُنظر في أعمالِه، فيُغفَرَ له سيِّئُها، ويُجازَى على حَسَنِها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاء الخبرُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبد الواحدِ بن حمزةَ، عن عبادِ بن عبدِ اللهِ عبدِ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: سمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "اللهمَّ حاسِبْني حسابًا يسيرًا". قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما الحسابُ اليسيرُ؟ قال:"أن يُنظر في سيئاتِه فيُتَجاوَزَ عنه؛ إنه مَن نُوقِش الحساب يومَئذٍ هلَك".
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى عبدُ الواحدِ بن حمزةَ بن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن عبادِ بن عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ في بعضِ صلاتِه: "اللهمَّ حاسِبْني
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 358 عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 329 إلى عبد بن حميد.
(2)
في م: "في ذلك".
حسابًا يسيرًا". فلما انصَرف قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما الحسابُ اليسيرُ؟ قال: "يُنظَرُ في كتابِه، ويُتَجاوَزُ له عنه؛ إنه مَن نُوقِش الحسابَ يومَئذٍ يا عائشةُ هلَك"
(1)
.
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَميُّ، قال: ثنا مسلمٌ، عن الحَرِيشِ بن الخِرِّيتِ أخى الزُّبيرِ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ، قالت: مَن نُوقِش الحسابَ - أو: مَن حُوسِب - عُذِّب. قال: ثم قالت: إنما الحسابُ اليسيرُ: عَرضٌ على اللهِ وهو يراهم
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم:"من حُوسِب يومَ القيامةِ عُذِّب". فقلت: أليس الله يقولُ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ؟ قال: "ليس ذلك الحسابَ، إنما ذلك العرضُ، ولكن من نُوقِش الحساب يومَ القيامةِ عُذِّب"
(3)
.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا رَوحُ بنُ عبادةَ، قال: ثنا أبو عامرٍ الخَزَّاز، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس أحدٌ يُحاسَبُ يومَ القيامةِ إلا معذَّبًا". فقلت: أليس يقولُ اللهُ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ؟ قال: "ذلك العَرضُ، إنه مَن نُوقِش الحسابَ عُذِّب". وقال بيدِه على إصبعِه كأنه
(1)
أخرجه ابن خزيمة (849) من طريق يعقوب به، وأحمد 6/ 48 (ميمنية) ومن طريقه الحاكم 1/ 57، 255 عن ابن علية به، وأخرجه الحاكم 4/ 249 من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 29 إلى ابن مردويه.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 379 عن المصنف، وأخرجه الحاكم 4/ 580 من طريق حريش بن الخريت به مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 329 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.
(3)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (1318)، والترمذى (3337) من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 248، وأحمد 6/ 47 (الميمنية)، ومسلم (2876/ 79)، والنسائي في الكبرى (11659) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 329 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
ينكُتُه
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} . قال: الحسابُ اليسيرُ: الذي يُغْفَرُ ذنوبُه ويُتَقَبَّلُ حسناتُه، ويسيرُ الحسابِ: الذي يُعفى عنه. وقرأ: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21]. وقرأ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)} [الأحقاف: 16].
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن عثمان بن الأسودِ، قال: ثني ابنُ أبي مليكةَ، عن عائشة، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}. قال:"ذلك العَرضُ يا عائشةُ، مَن نُوقش الحسابَ هلَك"
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ
(3)
وأبو داود، قالا: ثنا أبو عامرٍ الخزازُ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَن حُوسِب عُذِّب". قالت: فقلتُ: أليس اللهُ يقولُ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}؟ قال: "ذلكِ العَرضُ يا عائشةُ، ومَن نُوقِش الحساب عُذِّب"
(4)
.
إن قال قائلٌ: وكيف قيل: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ} . والمحاسبةُ لا تكونُ إلا من
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 378 عن المصنف، وتقدم في 7/ 523، 524 مطولا.
(2)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (1319)، والبخارى (4939، 6536) ومسلم (2876/ 80)، والترمذى (2426، 3337)، والنسائى في الكبرى - كما في تحفة الأشراف 11/ 459 (16254) - من طريق عثمان بن الأسود به.
(3)
في م: (عمرو). وينظر تهذيب الكمال 19/ 261.
(4)
أخرجه أبو داود (3093)، وأخرجه ابن مردويه - كما في التغليق 5/ 183 - من طريق عثمان به بنحوه، وأخرجه إسحاق بن راهويه وأبو عوانة - كما في التغليق - 5/ 83 - والمحاملي - ومن طريقه الحافظ في التغليق أيضًا 5/ 83 - من طريق أبي عامر الخزاز به، وينظر الفتح 11/ 402.
اثنين، واللهُ هو القائمُ بأعمالِهم، ولا أحدَ له قِبَلَ ربِّه طَلِبةٌ فيحاسِبَه؟ قيل: إن ذلك تقريرٌ من اللهِ للعبدِ بذنوبِه، وإقرارٌ من العبدِ بها، وبما أحصاه كتابُ عملِه، فذلك المحاسبةُ على ما وصَفنا، ولذلك قيل:{يُحَاسَبُ} .
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن أبي يونسَ القشيريِّ، عن ابن أبي مليكةَ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ليس أحدٌ يُحاسَبُ يومَ القيامةِ إلا هلَك". قالت: فقلت: يا رسولَ اللهِ، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}. فقال: "ذلك العَرضُ، ليس أحَدٌ يُحاسَبُ يوم القيامةِ إلا هلَك"
(1)
.
وقولُه: {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} . يقولُ: وينصرفُ هذا المحاسَبُ حسابًا يسيرًا إلى أهلِه في الجنةِ مسرورًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} . قال: إلى أهلٍ أَعَدَّ اللهُ لهم الجنةَ
(2)
.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)} .
(1)
ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 379 عن المصنف، وأخرجه البخارى (4939)، ومسلم (2876/ 80) من طريق أبي يونس القشيرى به بنحوه، وأخرجه أحمد 6/ 108 (الميمنية) من طريق القاسم به بنحوه.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 272.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأما من من أُعطِى كتابَه منكم أيُّها الناسُ يومئذٍ وراءَ ظهرِه، وذلك أنْ جعَل يدَه اليمنى إلى عنقِه، وجعَل
(1)
الشمالَ من يديه وراءَ ظهرِه
(2)
، فيتناولُ كتابَه بشمالِه من وراءِ ظهرِه؛ ولذلك وصَفهم جلَّ ثناؤُه أحيانًا أنهم يُؤْتَوْن كُتبَهم بشمائِلهم، وأحيانًا أنهم يُؤتَونها من وراءِ ظهورِهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} . قال: يجعلُ يدَه من وراءِ ظهرِه
(3)
.
وقولُه: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} . يقولُ: فسوف ينادِى بالهلاكِ؛ وهو أن يقولَ: واثُبوراه، واويلاه. وهو من قولِهم: دعا فلانٌ لهفَه. إذا قال: والهفاه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
وقد ذكرنا معنى الثبورِ فيما مضى بشواهده، وما فيه من الرواية
(4)
.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَدْعُو ثُبُورًا} ، قال: يدعو بالهلاكِ
(5)
.
(1)
في ص، ت 3:"يجعل"، وفى ت 1، ت 2:"تجعل".
(2)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
تفسير مجاهد ص 714، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 329، 330 إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث.
(4)
ينظر ما تقدم في 15/ 108، 17/ 410.
(5)
تقدم في 15/ 108، 17/ 411.
وقولُه: {وَيَصْلَى سَعِيرًا} . اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والشامِ: (ويُصَلَّى) بضمِّ الياءِ وتشديدِ اللامِ
(1)
، بمعنى أن الله يُصَلِّيهم تصليةً بعد تصليةٍ، وإنضاجةً بعد إنضاجةٍ، كما قال:{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56]. واستشهَدوا لتصحيحِ قراءتِهم ذلك كذلك بقولِه: {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} [الحاقة: 31]. وقرَأ ذلك بعضُ المدنيِّين وعامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: {وَيَصْلَى} بفتحِ الياءِ وتخفيفِ اللامِ
(2)
، بمعنى أنهم يَصْلَونها ويَرِدونها فيحترِقون فيها. واستشهَدوا لتصحيحِ قراءتِهم ذلك كذلك بقولِ اللهِ:{يَصْلَوْنَهَا} [إبراهيم: 29، ص: 56، المجادلة: 8، الانفطار: 15]. و: {إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 163].
والصوابُ من القول في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} . يقول تعالى ذكرُه: إنه كان في أهلِه في الدنيا مسرورًا؛ لما فيه من خلافِه أمرَ اللهِ وركوبِه معاصيَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} . أي: في الدنيا
(3)
.
(1)
قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي. النشر 2/ 298.
(2)
قرأ بها أبو عمرو وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف. المصدر السابق.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 379.
وقولُه: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى} يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي أُوتى كتابَه وراءَ ظهره يوم القيامة، ظنَّ في الدنيا أن لن يرجعَ إلينا، ولن يُبعث بعدَ مماتِه، فلم يكنْ يبالِي ما ركِب من المآثمِ؛ لأنَّه لم يكن يرجو ثوابًا، ولم يكنْ يخشى عقابًا. يقالُ منه: حار فلانٌ عن هذا الأمرِ. إذا رجع عنه، ومنه الخبر الذي رُوِى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقولُ في دعائِه:"اللهم إني أعوذُ بك من الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ"
(1)
. يعنى بذلك: من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} . يقولُ: يُبعثَ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى} . قال: ألا يرجعَ إلينا
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} : ألا مَعادَ له ولا رجعةَ.
(1)
أخرجه معمر في جامعه (20927)، وعبد الرزاق (9231)، وأحمد 5/ 83 (الميمنية)، ومسلم (1343/ 426)، والترمذى (3439)، والنسائى 8/ 272، وفي الكبرى (7935 - 7937، 8801) من حديث عبد الله بن سرجس.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 54 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى ابن المنذر.
(3)
تفسير مجاهد ص 714، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{أَنْ لَنْ يَحُورَ} . قال: أن لن ينقلبَ. يقولُ: أن لن يُبعث
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} . قال: يرجعَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {أَنْ لَنْ يَحُورَ} . قال: أن لن ينقلبَ.
وقولُه: {بَلَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: بلى، ليَحُورَنَّ ولَيَرجِعَنَّ إلى ربِّه حيًّا، كما كان قبلَ مماتِه.
وقولُه: {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن ربَّ هذا الذي ظنَّ أن لن يحور كان به بصيرًا إذ هو في الدنيا؛ بما كان يعملُ فيها من المعاصى، وما إليه يصيرُ أمرُه في الآخرةِ، عالمٌ بذلك كلِّه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)} .
وهذا قَسَمٌ، أقسَم ربُّنا بالشفق. والشفقُ الحمرةُ في الأفقِ من ناحيةِ المغربِ من الشمسِ في قولِ بعضِهم.
واختلفَ أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هو الحمرةُ. كما قلنا، وممن قال ذلك جماعةٌ من أهلِ العراقِ.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 358 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى عبد بن حميد.
وقال آخرون: هو النهار.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا العوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: قلتُ لمجاهد: الشفقُ. قال: لا تقلْ: الشفقُ؛ إن الشفقَ من الشمسِ، ولكن قلْ: حُمرةُ الأفقِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بِالشَّفَقِ} . قال: النهارُ كلُّه
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا
(3)
سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} . قال: النهارِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: الشفَقُ هو اسم للحمرة والبياضِ. وقالوا: هو من الأضدادِ.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقال: إن الله أقسم بالنهارِ مدبرًا، وبالليلِ مقبلًا. وأما الشفَقُ الذي تحِلُّ به صلاةُ العشاءِ، فإنه الحمرةُ
(4)
عندَنا؛ للعلةِ التي قد بيناها في كتابِنا "كتابِ الصلاةِ".
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 333 عن محمد بن عبيد به.
(2)
تفسير مجاهد ص 715، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364 - ، وعزاه ابن كثير في تفسيره 8/ 380 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
بعده في ص: "سعيد عن".
(4)
في م: "للحمرة".
وقولُه: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . يقولُ: والليلِ وما جمَع، مما سكَن وهدَأ
(1)
فيه من ذى روحٍ كان يطيرُ، أو يَدِبُّ نهارًا. يقالُ منه: وسَقْتُه أَسِقُه وَسْقًا. ومنه: طعامٌ موسَقٌ
(2)
، وهو المجموعُ في غرائرَ
(3)
أو وعاءٍ. ومنه الوَسْقُ، وهو الطعامُ المجتمعُ الكثيرُ، مما يُكال أو يُوزنُ، يقالُ: هو ستون صاعًا. وبه جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(4)
.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمَا وَسَقَ} . يقولُ: وما جمَع.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنُ عباسٍ في هذه الآيةِ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: وما جمَع
(5)
. وقال ابنُ عباسٍ:
* مُسْتَوْسِقاتٍ لو يَجِدْنَ سائِقا
(6)
*
(1)
في ص، ت 1 ت 2، ت 3:"هدي".
(2)
في م: "موسوق".
(3)
غرائر، جمع غِرَارَة، وهى وعاء من الخيش ونحوه، يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق. الوسيط (غ ر ر).
(4)
يُشير المصنف لحديث أبي سعيد الخدرى، رضي الله عنه، الذي أخرجه أحمد 18/ 309 (11785)، وغيره، ولفظه:"الوَسْق ستون صاعًا".
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 235 من طريق آخر عن ابن عباس بنحوه مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى أبي عبيد في الفضائل وابن المنذر.
(6)
هذا البيت من مشطور الرجز، رواه أبو عُبيدة - كما في الكامل للمبرد 3/ 222 - من طريق عكرمة، =
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَل حفصٌ الحسنَ عن قولِه: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: وما جمَع
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: وما جمَع. يقولُ: ما آوَى فيه من دابَّةٍ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} : وما لفَّ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: وما أظلمَ عليه، وما أدخَل فيه. وقال ابنُ عباسٍ:
* مُسْتَوْسِقاتٍ لو يجدْنَ حادِيا *
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . يقولُ: وما جمَع من نجمٍ أو دابةٍ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَمَا وَسَقَ} . قال: وما جمَع
(4)
.
= عن ابن عباس، وينظر مجاز القرآن، 2/ 292، والمعجم الكبير للطبراني 10/ 310 (10597)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى.
(1)
أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق 3/ 493 - وفي تفسير مجاهد ص 715 من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن.
(2)
تفسير مجاهد ص 715، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364.
(3)
تفسير مجاهد ص 715 من طريق منصور به.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 358 عن معمر به.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: وما جمَع؛ يجتمعُ
(1)
فيه الأشياءُ التي يجمعُها اللهُ، التي تأوِى إليه، وأشياءُ تكونُ في الليلِ لا تكونُ في النهارِ، ما جمَع مما فيه ما يأوِى إليه، فهو مما جمَع.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . يقولُ: ما لُفَّ عليه.
قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: وما دخَل فيه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} : وما جمَع.
قال: ثنا وكيعٌ عن نافعِ بن عمرَ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ:{وَمَا وَسَقَ} : وما جمَع، ألم تسمعْ قولَ الشاعرِ:
* مُسْتَوْسِقاتٍ لم يَجِدْنَ سائقا *
حدَّثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولهِ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: ما حاز إذا جاء الليلُ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وما ساق.
(1)
في م: "مجتمع".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عليُّ بن الحسنِ، قال: ثنا حسينٌ، قال: سمِعتُ عكرمةَ وسُئل: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: ما ساق مِن ظلمةٍ، فإذا كان الليلُ ذهَب كلُّ شيءٍ إلى مأْواه
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسنُ، عن عكرمةَ:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . يقولُ: ما ساق مِن ظلمةٍ، إذا جاء الليلُ ساق كلَّ شيءٍ إلى مأْواه.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . قال: ما ساق معه مِن ظلمةٍ إذا أقبَل.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} . يعنى: وما ساق الليلُ من شيءٍ جمَعه النجومُ، ويقالُ: والليلِ وما جمَع.
وقولُه: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} . يقولُ: وبالقمرِ إذا تمَّ واستوى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} . يقولُ: إذا استوى.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 381.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: وَالْقَمَرِ إِذَا أَشَقَ. قال: إذا اجتمع واستوى
(1)
.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةً:{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} . قال: إذا استوى
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأل حفصٌ الحسنَ عن قولِه: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} . قال: إذا اجتمَع، إذا امتلأ
(3)
.
حدَّثني أبو كُدينةَ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدٍ في قولِه:{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} . قال: لثلاثَ عَشرةَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى عبد بن حميد.
(3)
أخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق 3/ 493 - من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن.
(4)
تفسير مجاهد ص 715.
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِذَا اتَّسَقَ} . قال: إذا استوى
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} : إذا استوى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِذَا اتَّسَقَ} . قال: إذا استدار
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} : إذا استوى.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} . قال: إذا اجتَمع فاستوى
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} . قال: إذا استوى
(1)
.
وقولُه: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} . اختلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأه عمرُ بنُ الخطابِ وابنُ مسعودٍ وأصحابُه وابنُ عباسٍ وعامةُ قرأةِ مكةَ والكوفةِ: (لتَرْكَبَنَّ) بفتح التاءِ والباءِ
(3)
. واختلَف قارئو ذلك كذلك في معناه؛ فقال بعضُهم: لتركبَنَّ
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 381.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 358 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائى وخلف. النشر 2/ 298، وينظر البحر المحيط 8/ 447.
يا محمدُ أنت حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعدَ أمرٍ من الشدائدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقرأُ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ): يعني نبيَّكم صلى الله عليه وسلم، حالًا بعد حالٍ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ حدَّثه، عن ابن عباسٍ في:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: منزِلًا بعدَ منزلٍ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). يقولُ: حالًا بعد حالٍ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). يعنى: مَنزِلًا بعدَ منزلٍ، ويقالُ: أمرًا بعدَ أمرٍ، وحالًا بعدَ حالٍ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا، عن ابن عباسٍ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: محمدٌ صلى الله عليه وسلم
(3)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 381، وابن حجر في الفتح 8/ 698 عن المصنف، وأخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (4178) - والبخارى (4940)، والحاكم 2/ 519، والبغوى في تفسيره 8/ 375، 376 من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 381 عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
(3)
أخرجه الطبراني في الكبير (11173) من طريق شعبة به.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:(لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ
(1)
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:(لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأل حفصٌ الحسنَ عن قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: منزِلًا عن منزلٍ، وحالًا عن حالٍ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شريكٌ، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: سألتُ مُرَّةَ عن قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: حالًا بعدَ حالٍ
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: حالًا عن حالٍ
(4)
.
قال: ثنا وكيعٌ، عن نضرٍ
(5)
، عن عكرمةَ، قال: حالًا بعدَ حالٍ.
حدَّثني محمدٌ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 381.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 359 من طريق موسى بن أبى عائشة به.
(3)
ذكره الحافظ في الفتح 8/ 698.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 359 من طريق سفيان الثورى به.
(5)
في النسخ: "نصر". وهو النضر بن عربي. تقدم مرارًا.
قوله: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: لتركبَنَّ الأمورَ حالًا بعدَ حالٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:(لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) يقولُ: حالًا بعدَ حالٍ، ومنزلًا عن منزلٍ
(1)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ): منزلًا بعدَ منزلٍ، وحالًا بعدَ حالٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:(لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: أمرًا بعدَ أمرٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: أمرًا بعدَ أمرٍ.
وقال آخرون ممن قال هذه المقالة، وقرَأ هذه القراءةَ: عُنِى بذلك: لتَرْكَبَنَّ أنت يا محمدُ سماءً بعدَ سماءٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ وأبو العالية: (لتَرْكَبَنَّ): يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، (طبقًا عن طبقٍ): السماواتِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: أنت يا محمدٌ، سماءً عن سماءٍ
(3)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 359 عن معمر، عن قتادة.
(2)
ذكره الحافظ في الفتح 8/ 698.
(3)
تفسير مجاهد ص 716 من طريق جابر به.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: سماءً بعدَ سماءٍ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: سماءً فوقَ سماءٍ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لتَرْكَبَنَّ الآخرةَ بعدَ الأولى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: الآخرة بعدَ الأُولى
(3)
.
وقال آخرون ممن قرَأ هذه القراءةَ: إنما عُنِى بذلك أنها تتغيَّرُ ضروبًا مِن التغيير، وتَشَقَّقُ بالغمام مَرَّةً، وتحمَرُّ أُخرى، فتصيرُ وردةً كالدِّهانِ، وتكونٌ أخرى كالمُهْلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن وهبٍ، عن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: السماءُ؛ مرَّةً كالدِّهان، ومرَّةً تتَشَقَّقُ
(4)
.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 381 - من طريق إسماعيل به.
(2)
أخرجه الطبراني في الكبير (10068)، والحاكم 2/ 518 من طريق علقمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى وابن منده في غرائب شعبة وابن مردويه.
(3)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 279.
(4)
تفسير مجاهد ص 715 من طريق مرة به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 382 عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 330، 331 إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ قال: سمعتُ أبا الزرقاءِ الهَمْدانيَّ، وليس بأبى الزرقاء الذي يحدِّثُ في المسحِ على الجَوْرَبين، قال: سمعتُ مُرَّةَ الهَمْدانيَّ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ يقولُ في هذه الآية: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: السماءُ.
حدَّثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ، قال: ثنا عليُّ بن غرابٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: السماءُ تَغَيَّرُ
(1)
وتحمَرُّ وتَشَقَّقُ
(2)
.
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:(لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ). قال: هي السماءُ، تَشَقَّقُ، ثم تحمَرُّ، ثم تنفطِرُ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: حالًا بعدَ حالٍ.
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قرَأ عبدُ اللهِ هذا الحرفَ: (لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: السماءُ؛ حالًا بعدَ حالٍ، ومنزلةً بعدَ منزلةٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ:(لتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قال: هي السماءُ.
قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي فروةَ، عن مُرَّةً، عن ابن مسعودٍ أنه قرَأها:(لتَرْكَبَنَّ) نصبًا، وقال: هي السماءُ
(3)
.
(1)
في م: "تغبر".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 382 عن الأعمش به.
(3)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (352 - زوائد نعيم)، والطبراني (9065) من طريق سفيان به، ولفظ ابن المبارك كنحو أثر ابن حميد، عن مهران، المتقدم في الصفحة السابقة.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: هي السماءُ، تَغَيَّرُ لونًا بعدَ لونٍ.
وقرَأ ذلك عامةٌ قرأةِ المدينة وبعضُ الكوفيِّين: {لَتَرْكَبُنَّ} بالتاءِ وضمِّ الباءِ، على وجْهِ الخطابِ للناسِ كافةً
(1)
، أنهم يَرْكبون أحوالَ الشدَّةِ حالًا بعدَ حالٍ. وقد ذكَر بعضُهم
(2)
أنه قُرِئ
(3)
ذلك بالياءِ وبضمِّ الباءِ
(4)
، على وجْهِ الخبرِ عن الناسِ كافةً أنهم يفعلون ذلك.
وأولى القراءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ من قرَأه بالتاءِ وبفتحِ الباءِ
(5)
؛ لأنَّ تأويلَ أهلِ التأويلِ من جميعِهم بذلك ورَد وإن كان للقراءاتِ الأُخرِ وجوهٌ مفهومةٌ. وإذ كان الصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ما ذكَرْنا، فالصوابُ مِن التأويلِ قولُ مَن قال: لتَرْكَبَنَّ أنت يا محمدُ حالًا بعد حالٍ، وأمرًا بعد أمرٍ من الشدائدِ. والمرادُ بذلك - وإن كان الخطابُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم موجَّهًا - جميعُ الناسِ؛ أَنهم يَلْقَون مِن شدائدِ يومِ القيامةِ وأهوالِه أحوالًا.
وإنما قلنا: عُنِى بذلك ما ذكَرْنا؛ أنَّ الكلامَ قبل قوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} جرَى بخطابِ الجميعِ، وكذلك بعدَه، فكان أشبهَ أن يكونَ ذلك نظيرَ ما قبلَه وما بعدَه.
وقولُه: {طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} . مِن قولِ العربِ: وقع فُلانٌ في بناتِ طَبَقٍ. إذا وقع في أمرٍ شديدٍ.
وقولُه: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . يقولُ تعالى ذكره: فما لهؤلاء المشركين
(6)
لا
(1)
وبها قرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. ينظر النشر 2/ 298.
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 252.
(3)
في النسخ: "قرأ". والمثبت ما يقتضيه السياق
(4)
وهذه القراءة عن عمر، وهى شاذة. البحر المحيط 8/ 448.
(5)
القراءات كلها صواب.
(6)
في ص، ت 1، ت،2، ت 3:"المشركون".
يصدِّقون بتوحيدِ اللهِ، ولا يقرُّون بالبعثِ بعدَ الموتِ، وقد أقسَم لهم ربُّهم بأنَّهم راكبون طبقًا عن طبقٍ، مع ما قد عايَنوا من حُجَجه بحقيقةِ توحيدِه.
وقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . قال: بهذا الحديثِ، وبهذا الأمرِ.
وقولُه: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} . يقولُ: وإذا قُرئ عليهم كتابُ ربِّهم لا يخضعون له ولا يَسْتكِينون. وقد بيَّنَّا معنى السجودِ قبلُ بشواهدِه، فأَغْنَى ذلك عن إعادتِه
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)} .
قولُه: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: بل الذين كفروا يكذِّبون بآياتِ اللهِ وتنزيلِه.
وقولُه: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ أعلمُ بما تُوعِيه صدورُ هؤلاء المشركين مِن التكذيبِ بكتابِ اللهِ ورسولِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
ينظر ما تقدم في 1/ 714، 715.
قولَه: {يُوعُونَ} . قال: يكتُمون
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} . قال: المرءُ يُوعِى متاعَه ومالَه؛ هذا في هذا، وهذا في هذا، هكذا يَعرِفُ اللهُ ما يُوعون من الأعمالِ، والأعمالُ السيئةُ مما تُوعِيه قلوبُهم، ويجتمعُ فيها من هذه الأعمالِ الخيرُ والشرُّ، فالقلوبُ وعاءُ هذه الأعمالِ كلِّها؛ الخيرِ والشرِّ، يعلمُ ما يُسرُّون وما يعلنون، ولقد وَعَى لكم ما لا يَدْرى أحدٌ ما هو، مِن القرآن وغيرِ ذلك، فاتقُوا الله، وإيَّاكم أنْ تُدْخِلوا على مكارمِ هذه الأعمالِ بعضَ هذا الخَبَثِ ما يُفْسِدُها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{يُوعُونَ} . قال: في صدورِهم
(2)
.
وقولُه: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: فبشِّرْ يا محمدُ هؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللهِ، بعذابٍ أليمٍ لهم عندَ اللهِ مُوجعٍ،
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . يقولُ: إلا الذين تابوا منهم وصدَّقوا، وأقرُّوا بتوحيدِه ونبوَّةِ نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وبالبعثِ بعدَ المماتِ، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. يقولُ: وأَدَّوْا فرائضَ اللهِ، واجْتَنَبوا رُكُوبَ ما حرَّم اللهُ عليهم رُكُوبَه.
وقوله: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ، ثوابٌ غيرُ محسوبٍ ولا منقوصٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
تفسير مجاهد ص 716.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 360 عن معمر به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . يقولُ: غيرُ منقوصٍ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . يعني: غيرُ محسوبٍ
(1)
.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "إذا السماءُ انشقَّت"
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 373.
تفسيرُ "سورةِ البروجِ"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى جل جلاله وتقدَّست أسماؤُه: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: قولُه: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} . أقسم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالسماءِ ذاتِ البروجِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى البروجِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: والسماءِ ذاتِ القصورِ. قالوا: والبروجُ القصورُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} . قال ابنُ عباسٍ: قصورٌ في السماءِ
(1)
. قال غيرُه: بل هي الكواكبُ.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {الْبُرُوجِ} : يزعُمون أنها قصورٌ في السماءِ، ويقالٌ: هي الكواكبُ.
وقال آخرون: عُنِى بذلك: والسماءِ ذاتِ النجومِ. وقالوا: نجومُها بروجُها.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى المصنف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{ذَاتِ الْبُرُوجِ} . قال: البروجُ النجومُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} . قال: النجومِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} . قال: وبروجُها نجومُها
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: والسماء ذاتِ الرملِ والماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسنُ بن قَرَعَةَ، قال: ثنا حصينُ بن نُميرٍ، عن سفيانَ بن حسينٍ في قولِه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} . قال: ذاتِ الرملِ والماءِ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: معنى ذلك: والسماءِ ذاتِ منازلِ الشمسِ والقمرِ؛ وذلك أنَّ البروجَ جمعُ بُرْجٍ، وهى منازلُ تُتَّخِذُ عاليةً عن الأرضِ مرتفعةً، ومِن ذلك قولُ اللهِ:{وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]. وهى
(1)
بعده في ت 2، ت 3:"حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}. قال النجوم".
وقول مجاهد عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 361 عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى عبد بن حميد.
منازلُ مرتفعةٌ عاليةُ في السماءِ، وهى اثنا عشرَ بُرْجًا، فمَسِيرُ القمرِ في كلِّ برجٍ منها يومان وثُلثٌ، فذلك ثمانيةٌ وعشرون منزلًا، ثم يَسْتَسِرُّ
(1)
ليلتين، ومَسِيرُ الشمسِ في كلِّ برجٍ منها شهرٌ.
وقوله: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} . يقولٌ تعالى ذكره: وأُقسِمُ باليومِ الذي وعدتُه عبادى لفصلِ القضاءِ بينَهم. وذلك يومُ القيامةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ وجاء الخبرُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ تُميرٍ وإسحاقُ الرازيُّ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ"
(2)
.
قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَه.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا يونسُ، قال: أنبَأنى عمارٌ، قال: قال أبو هريرةَ: اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ
(3)
. قال يونسُ: وكذلك قال
(1)
في ت 1، ت 2، ت 3:"يستتر". والسَّرار من الشهر: آخر ليلة منه، يستسر الهلالُ بنور الشمس، قال أبو عبيدة: وربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين، إذا تم الشهر. ينظر التاج (س ر ر).
(2)
أخرجه الترمذى (3339)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 385 - والطبراني في الأوسط (1087)، وابن عدى في الكامل 2/ 476، 6/ 2336، والبيهقى 3/ 170، وفى الشعب (3760)، والبغوى في تفسيره 8/ 381، من طريق موسى بن عبيدة به، مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن المنذر وابن مردويه.
(3)
أخرجه أحمد 13/ 351، 352 (7972، 7973 - ومن طريقه الحاكم 2/ 519، والبيهقى 3/ 170، وفى الشعب (2965) - من طريق يونس به وينظر علل الدارقطني 11/ 120، 121، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى عبد بن حميد.
الحسنُ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} : يعنى يومَ القيامة.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} . قال: القيامةُ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن يونسَ بن عبيدٍ، عن عمارِ بن أبي عمارٍ مولى بنى هاشمٍ
(4)
، عن أبي هريرةَ:{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} : يومُ القيامةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"اليوم الموعودُ يومُ القيامةِ".
حدَّثنا محمدُ بن عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن عياشٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شُريحِ بن عبيدٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ"
(5)
.
وقولُه: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 361 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى عبد بن حميد.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 385.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"هشام".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 385 عن المصنف، وأخرجه الطبراني (3458) من طريق محمد بن إسماعيل به.
بعضُهم: معنى ذلك: وأُقسِمُ بشاهدٍ. قالوا: وهو يوم الجمعةِ، {وَمَشْهُودٍ} .
قالوا: وهو يومُ عرفةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: أخبَرنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا يونسُ، قال: أنبَأنى عمارٌ، قال: قال أبو هريرةَ: الشاهدٌ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ
(1)
. قال يونسُ: وكذلك قال الحسنُ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ حارثةَ بن مُضَرِّبٍ يحدِّثُ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال في هذه الآيةِ: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: يومُ الجمعةِ، ويومُ عرفةَ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ
(3)
. ويقالُ: الشاهدُ الإنسانُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} : يومان عظيمان من أيامِ الدنيا، كنا نحدَّثُ أنَّ الشاهدَ يومُ الجمعةِ، والمشهودَ يومُ عرفةَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في ص 262.
(2)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى ابن مردويه.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 361 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ رضي الله عنه:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنٌ زيدٍ في قولِه: {وَشَاهِدٍ} : يومِ الجمعةِ، {وَمَشْهُودٍ}: يومِ عرفةَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَشَاهِدٍ} : يومِ الجمعةِ، {وَمَشْهُودٍ}: يومِ عرفةَ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ وإسحاقُ الرازيُّ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "المشهودُ يومُ عرفةَ، والشاهدُ يومُ الجمعةِ"
(2)
.
حدَّثنا سهلُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن ابن حرملةَ، عن سعيدٍ أنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ سَيِّدَ الأيامِ يومُ الجمعة، وهو الشاهدُ، والمشهودُ يومُ عرفةَ"
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن موسى بن عبيدةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ الله بن رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "المشهودُ يومُ عرفةَ،
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 361 عن سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص 717 من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
تقدم تخريجه في ص 262.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 385 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.
والشاهدُ يومُ الجمعةِ، فيه ساعةٌ لا يوافِقُها مُؤمِنٌ يَدْعُو الله بِخَيرٍ إِلَّا اسْتَجاب له، ولا يَسْتعِيذُه مِن شرِّ إلا أعاده".
حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى ضَمضَمُ بنُ زُرعةً، عن شريحِ بن عبيدٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الشاهدَ يومُ الجمعةِ، وإنَّ المشهودَ يومُ عرفةَ، فيومُ الجمعةِ خِيرَةُ اللهِ لنا"
(1)
.
حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الرحمنِ بن حرملةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: سيدُ الأيامِ يومُ الجمعةِ، وهو شاهدٌ
(2)
.
وقال آخرون: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن يوسفَ المكيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم قرَأ:{ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}
(3)
[هود: 103].
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ، قال: سأل رجلٌ الحسنَ بنَ عليٍّ عن: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: سألت أحدًا قبلى؟ قال: نعم، سألتُ ابنَ عمرَ وابنَ الزبيرِ، فقالا: يومِ الذبحِ ويومِ الجمعةِ. قال: لا، ولكنَّ الشاهدَ
(1)
تقدم تخريجه ص 263.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 361 من طريق عبد الرحمن بن حرملة به.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 386 عن المصنف، وأخرجه النسائي في الكبرى (11663) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 446 - إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال والبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر، وتقدم في 12/ 574.
محمدٌ. ثم قرَأ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]: والمشهودُ يومُ القيامةِ. ثم قرَأ: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي الضحى، عن الحسنِ بن عليٍّ، قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبد الرحمنِ بن حرملةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ:{وَمَشْهُودٍ} : يومِ القيامةِ
(2)
.
وقال آخرون: الشاهدُ الإِنسانُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن عبدِ الملكِ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: الشاهدُ ابنُ آدمَ، والمشهودُ يومُ القيامةِ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا]
(4)
عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 386 عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص 717، 718 من طريق مغيرة به، وفيه: الحسين بن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى المصنف وابن مردويه، عن الحسن بن علي، وأخرجه الطبراني في الأوسط (9482)، وفي الصغير 2/ 131 من طريق زيد بن أسلم، عن الحسين بن علي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 446 - إلى عبد بن حميد وابن مردويه عن الحسين بن علي.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 386 عن سفيان به.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 331 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1.
قوله: {وَشَاهِدٍ} . قال: الإنسانُ. وقولَه: {وَمَشْهُودٍ} . قال: يومُ القيامةِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: الشاهدُ الإنسانُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: {وَشَاهِدٍ} : ابن آدمَ، {وَمَشْهُودٍ}: يومِ القيامةِ
(2)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَشَاهِدٍ} : يعنى الإنسانَ، {وَمَشْهُودٍ}: يومِ القيامة، قال اللهُ:{وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}
(3)
.
وقال آخرون: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ، فذلك قولُه:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}
(4)
.
وقال آخرون: الشاهدُ اللهُ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
(1)
تفسير مجاهد ص 718 وفيه: الشاهد عيسى عليه السلام، ويقال أيضا: الشاهد الإنسان.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 361 من طريق إسماعيل بن شروس، عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
تقدم من طريق آخر عن الضحاك في 12/ 574.
(4)
تقدم تخريجه في 7/ 39.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِهِ:{وَشَاهِدٍ} . يقولُ: اللهِ، {وَمَشْهُودٍ}. يقولُ: يومِ القيامةِ
(1)
.
وقال آخرون: الشاهدُ يومُ الأضحى، والمشهودُ يومُ الجمعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ، قال: سأل رجلٌ الحسنَ بن عليٍّ عن: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: سألتَ أحدًا قبلى؟ قال: نعم، سألتُ ابنَ عمرَ وابنَ الزبيرِ، فقالا: يومِ الذبحِ، ويومِ الجمعةِ
(2)
.
وقال آخرون: الشاهدُ يومُ الأضحى، والمشهودُ يومُ عرفةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} . قال: الشاهدُ يومُ عرفةَ، والمشهودُ يوم القيامة
(3)
.
وقال آخرون: المشهودُ يومُ الجمعةِ. ورَوَوْا ذلك عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 386 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى المصنف، وعزاه السيوطي - كما في المخطوطة المحمودية ص 446 - إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تقدم تخريجه في ص 267.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 386 عن المصنف.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثني عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أيمنَ، عن عبادةَ بن نُسَيٍّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أكْثِروا عليَّ الصلاةَ يومَ الجمعةِ؛ فإنَّه يومٌ مشهودٌ تَشْهدُه الملائكةُ"
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنْ يقالَ: إِنَّ اللَهَ أَقسَم بشاهدٍ شَهِد، وبمشهودٍ شُهِد، ولم يُخْبِرْنا مع إقسامِه بذلك أيَّ شاهدٍ وأيَّ مشهودٍ أراد، وكلُّ الذي ذكَرْنا أنَّ العلماءَ قالوا، هو المعنيُّ مما يستحقُّ أنْ يُقالَ له: شاهدٌ ومشهودٌ.
وقولُه: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} . يقولُ: لُعِن أصحابُ الأخدودِ.
وكان بعضُهم
(2)
يقولُ: معنى قولِه: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} . خبرٌ مِن اللهِ عن النار أنها قتَلتهم.
وقد اختلَف أهلُ العلمِ في أصحابِ الأخدودِ من هم؟ فقال بعضُهم: قومٌ كانوا أهلَ كتابٍ من بقايا المجوسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن ابن أبْزَى، قال: لما رجَع المهاجرون من بعضِ غزواتِهم، بلَغهم نَعْىُ عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه، فقال بعضُهم لبعضٍ: أيُّ الأحكامِ تجرِى في المجوسِ، وإنهم ليسوا بأهلِ كتابٍ،
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 386 عن المصنف، وأخرجه ابن ماجه (1637)، والمزي في تهذيب الكمال 10/ 23، 24 من طريق ابن وهب به مطولا.
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 253.
وليسوا من مشركي العربِ؟ فقال عليُّ بنُ أبى طالبٍ رضي الله عنه: قد كانوا أهلَ كتابٍ، وقد كانت الخمْرُ أُحِلَّت لهم، فشَرِبها ملكٌ من ملوكِهم حتى ثَمِل منها، فتناوَل أختَه فوقَع عليها، فلما ذهَب عنه السُّكْرُ قال لها: ويحكِ! ما المخرَجُ مما ابتُليتُ به؟ فقالت: اخطُبِ الناسَ، فقلْ: يأيُّها الناسُ، إِنَّ الله قد أحَلَّ نِكَاحَ الأخواتِ. فقام خطيبًا، فقال: يأيُّها الناسُ، إِنَّ الله قد أَحَلَّ نِكَاحَ الأخواتِ. فقال الناسُ: إنا
(1)
نبرأُ إلى اللهِ مِن هذا القولِ، ما أتانا به نبيٌّ، ولا وجَدْناه في كتابِ اللهِ. فرجَع إليها نادمًا، فقال لها: ويحكِ! إنَّ الناس قد أبَوا عليَّ أنْ يُقِرُّوا بذلك. فقالت: ابسُط عليهم السِّياطَ. ففعَل، فبسَط عليهم
(2)
السِّياط، فأبَوا أن يُقِرُّوا له
(3)
، فرجَع إليها نادمًا، فقال: إنهم قد
(4)
أبَوا أن يُقِرُّوا. فقالت: اخطُبْهم، فإِنْ أَبَوا فجَرِّدُ فيهم السيفَ. ففعَل، فأبَى عليه الناسُ، فقال لها: قد أبَى عليَّ الناسُ. فقالت: خُدَّ لهم الأُخْدُودَ، ثم اعرِضْ عليها أهلَ مملكتِك، فمن أقَرَّ، وإلا فاقذِفْه في النارِ. ففعَل، ثم عرَض عليها أهلَ مملكتِه، فمن لم يُقرَّ منهم قذَفه في النارِ، فأَنزَلَ اللهُ فيهم:{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} . إلى {إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} . {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} : حرَّقوهم، {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} . فلم يزالوا منذُ ذلك يستحلُّون نكاحَ الأخواتِ والبناتِ والأمهاتِ
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {قُتِلَ أَصْحَابُ
(1)
سقط من: ص، ت 1.
(2)
في ت 1: "فيهم".
(3)
سقط من: م.
(4)
سقط من: م، ت 1.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 333 إلى عبد بن حميد. وينظر روح المعانى 30/ 159.
الْأُخْدُودِ}. قال: حُدَّثنا أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه كان يقولُ: هم ناسٌ بمذارِع
(1)
اليمنِ؛ اقْتَتل مؤمنوها وكفارُها، فظهَر مؤمنوها على كفارِها، ثم اقْتتَلوا الثانيةَ، فظهر مؤمنوها على كفارِها، ثم أخَذ بعضُهم على بعضٍ عهدًا ومواثيقَ ألا يَغْدِرَ بعضُهم ببعضٍ، فغَدَرَ بهم الكفارُ فأخَذوهم أخذًا، ثم إنَّ رجلًا مِن المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خيرٍ؛ توقِدون نارًا ثم تَعْرِضوننا عليها، فمن تابعكم على دينِكم فذلك الذي تشتهون، ومَن لا، اقْتَحم النارَ فاستَرحْتُم منه. قال: فأجَّجوا نارًا، وعُرِضوا عليها، فجعَلوا يَقْتحِمونها صناديدُهم، حتى
(2)
بقيَت منهم عجوزٌ كأنَّها تلكَّأت
(3)
، فقال لها طفلٌ في حجْرِها: يا أُمَّه
(4)
، امضِى ولا تُنافِقى. قصَّ اللهُ عليكم نبأَهم وحديثَهم
(5)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} . قال: يعنى القاتلين الذين قتَلوهم يومَ قُتِلوا
(6)
.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} . قال: هم ناسٌ من بنى إسرائيلَ، خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرضِ، ثم أَوْقَدوا فيه نارًا، ثم أقاموا على ذلك الأُخْدودِ رجالًا ونساءً، فعُرِضوا عليها، وزعَموا أنه دانيالُ وأصحابُه
(7)
.
(1)
المذارع: البلاد التي بين الريف والبر. غريب الحديث للخطابي 3/ 99.
(2)
في م: "ثم".
(3)
في م: "نكصت".
(4)
في م، ت 1:"أماه".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(6)
تفسير عبد الرزاق 2/ 362.
(7)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 387 عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى المصنف.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} . قال: كان شقوقٌ في الأرضِ بنَجْرانَ، كانوا يُعذِّبون فيها الناسَ
(1)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ عن الضحاكَ يقولُ في قولِه: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} : يزعُمون أَنَّ أَصحابَ الأُخْدُودِ مِن بني إسرائيلَ؛ أخَذوا رجالًا ونساءً، فخَدُّوا لهم أُخْدُودًا، ثم أوقدوا فيها النيرانَ، فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: تكفُرون أو نَقْذِفُكم في النارِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنى حَرَميُّ
(3)
بنُ عُمارةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا ثابتٌ البُنانيُّ، عن عبدِ الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كان في من كان قبلَكم مَلِكٌ، وكان له ساحرٌ، فأتى السَّاحرُ الملكَ، فقال: قد كَبِرَتْ سِنِّى، ودَنا أجلى، فادْفَعْ لى غُلامًا أُعَلِّمُهُ السَّحْرَ". قال: "فدفَع إليه غُلامًا يُعلِّمُه السِّحرَ". قال: "فكان الغلامُ يَخْتَلِفُ إلى الساحرِ، وكان بينَ الساحرِ وبينَ الملكِ راهبٌ". قال: "فكان الغلامُ إذا مرَّ بالراهبِ قعَد إليه فسَمِع مِن كلامِه، فأُعْجِب بكلامِه، فكان الغلامُ إذا أتى الساحرَ ضرَبه وقال: ما حبَسَك؟ وإذا أتى أهلَه قعَد عندَ الراهبِ يسمَعُ كلامَه، فإذا رجَع إلى أهلِه ضرُبوه وقالوا: ما حبَسك؟ فشَكا ذلك إلى الراهبِ، فقال له الراهبُ: إذا قال لك
(1)
تفسير مجاهد ص 718 ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 332 إلى ابن المنذر بنحوه.
(3)
في ت 1: "جرير".
الساحرُ: ما حبَسَك؟ فقل: حبَسنى أهلى، وإذا قال أهلُك: ما حبَسَك؟ فقل: حبَسنى الساحرُ. فبينَما هو كذلك إذ مرَّ في طريقٍ وإذا دابَّةٌ عظيمةٌ في الطريقِ قد حبَسَتِ الناسَ لا تَدَعُهم يجُوزُون، فقال الغلامُ: الآن أعلَمُ أمرُ الساحرِ أَرْضَى عندَ اللهِ أمْ أمرُ الراهبِ؟ قال: فأَخَذ حَجَرًا". قال: "فقال: اللَّهمَّ إِنْ كان أمرُ الراهبِ أحبَّ إليك من أمرِ الساحرِ، فإنى أرْمِى بحَجَرِى هذا فيقتُلُه ويمُرُّ الناسُ". قال:"فرَماها فقتَلها، وجاز الناسُ، فبلَغ ذلك الراهبَ". قال: "وأتاه الغلامُ، فقال الراهبُ للغلامِ: إنَّك خيرٌ منى، وإن ابْتُلِيتَ فلا تَدُلُّنَّ عليَّ". قال: "وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأَكْمهَ والأبْرصَ وسائرَ الأدواءِ، وكان للملِكِ جليسٌ". قال: "فعَمِى". قال: "فقِيل له: إنَّ ههنا غُلامًا يُبْرِئُ الأَكْمهَ والأبْرصَ وسائرَ الأدواءِ، فلو أتيتَه؟. قال: "فاتَّخَذ له هَدَايا". قال: "ثم أتاه فقال: يا غلامُ، إِنْ أَبْرَأْتُنى فهذه الهَدَايَا كلُّها لك. فقال: ما أنا بشافيكَ
(1)
، ولكنَّ اللَهَ يَشفِي، فإن
(2)
آمَنْتَ دعوتُ اللَهَ أَنْ يَشْفِيَك". قال: "فآمَن الأعمى، فدعا الله فشَفاه، فقعَد الأعمى إلى الملكِ كما كان يقعُدُ، فقال له الملِكُ: أليس كنتَ أعمى؟ قال: نعم. قال: فمن شَفاك؟ قال: رَبِّي. قال: ولك ربٌّ غيرِى؟ قال: نعم، ربَّى وربُّك اللهُ". قال:"فأخَذه بالعذابِ فقال: لتَدُلُّنَّني على مَن علَّمك هذا". قال: "فدلَّ على الغلامِ، فدعا الغلامَ فقال: ارْجِعْ عن دينِك". قال: "فأبى الغلامُ". قال: "فأَخَذه بالعذابِ". قال: "فدلَّ على الراهبِ، فأخَذ الراهب، فقال له
(3)
: ارْجِعْ عن دينِك. فأبَى". قال: "فوَضَع المِنْشارَ على هامَتِه فشَقَّه حتى بلغ الأرضَ". قال: "وأخذ الأعمى فقال: لترْجِعنَّ أو لأقْتُلنَّك". قال: "فأبَى الأعمى
(4)
، فوضع المِنْشارَ على هامَتِه، فشَقَّه حتى بلَغ
(1)
في ص: "يشفيك"، وفى م:"بطبيب يشفيك".
(2)
في ص، م:"فإذا".
(3)
سقط من: م.
(4)
بعده في ت 1، ت،2 ت 3:"قال".
الأرْضَ، ثم قال للغلامِ: لترجعنَّ أو لأقْتُلنَّك". قال: "فأبى". قال: "فقال: اذْهَبوا به حتى تبلُغوا به ذِرْوةَ الجبلِ
(1)
، فإنْ رجَع عن دينِه وإلا فدَهْدِهُوه
(2)
. فلما بلَغوا به ذِرْوةَ الجبلِ فوَقعوا فماتوا كلُّهم، وجاء الغلامُ يتَلمَّسُ حتى دخَل على الملكِ، فقال: أين أصحابُك؟ قال: كفانِيهم اللهُ. قال: فاذهبوا به فاحْمِلوه في قُرْقُورٍ
(3)
فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رَجَع عن دينِه وإلا فَغرِّقوه". قال:"فذهَبوا به، فلما توسَّطوا به البحرَ قال الغلامُ: اللَّهمَّ اكْفِنِيهم. فانْكفَأت بهم السفينةُ، وجاء الغلامُ يتَلمَّس حتى دخَل على الملكِ، فقال الملِكُ: أين أصحابُك؟ فقال: قد دعوتُ الله فكفانِيهم. قال: لأقتُلنَّك. قال: ما أنت بقاتلى حتى تصنَعَ ما آمُرُك". قال: "فقال الغلامُ للمَلكِ: اجْمعِ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، ثم اصلُبْنى، ثُم خُذْ سهمًا من كنانتي فارْمنِى وقُلْ: باسم ربِّ الغلامِ. فإنَّك ستقْتُلُنى". قال: "فجمَع الناسَ في صعيدٍ واحدٍ". قال: "وصلَبه وأخَذ سهمًا مِن كِنانتِه، فوضَعه في كَبدِ القوسِ، ثم رَمى، فقال: باسم ربِّ الغلامِ. فوقَع السهمُ في صُدْغِ الغلامِ، فوضع يده هكذا على صُدْغِه، ومات الغلامُ، فقال الناسُ: آمنَّا بربِّ الغلامِ. فقالوا للمَلِك: ما صنعْتَ؟! الذي كنتَ تحْذرُ قد وقَع، قد آمَن النَّاسُ. فأَمَر بأفواهِ السِّكَكِ فَأُخِذت
(4)
، وخدَّ الأُخْدُودَ وضرَّم فيه النِّيران، وأخَذهم وقال: إن رجَعوا وإلا فأَلْقُوهم في النارِ". قال: "فكانوا يُلْقُونهم في النَّارِ". قال: "فجاءت امرأةٌ معها صبيٌّ لها". قال: "فلما ذهبت تَقْتَحِمُ وجَدت حرَّ النارِ، فنَكَصت". قال: "فقال لها صبيُّها: يا أُمَّه
(5)
، امضى فإنَّك على الحقِّ. فاقْتحَمت في النارِ"
(6)
.
(1)
بعده في ص، ت 2، ت 3:"قال".
(2)
الدهدهة: قذفك الحجر من أعلى إلى أسفل دحرجة. اللسان (دهده).
(3)
القرقور: السفينة العظيمة، وجمعها قراقير. النهاية 4/ 48.
(4)
أخذ عليه الأرض: ضيق عليه سبلها. اللسان (أخ ذ).
(5)
في م: "أماه".
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (482)، وأحمد 6/ 16، 17، ومسلم (3005) والنسائي في الكبرى =
وقال آخرون: بل الذين أحرقَتهم النارُ هم الكفارُ الذين فتنوا المؤمنين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن عمارٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: كان أصحابُ الأُخْدودِ قومًا مؤمنين، اعتزَلوا الناسَ في الفترةِ
(1)
، وإِنَّ جَبَّارًا من عبدةِ الأوثانِ أرْسَل إليهم، فعرَض عليهم الدخولَ في دينه فأبَوا، فخَدَّ أخدودًا، وأَوْقَد فيه نارًا، ثم خيَّرهم بينَ الدخولِ في دينِه وبينَ إلقائِهم في النارِ، فاختاروا إلقاءَهم في النارِ على الرجوعِ عن دينِهم، فأُلْقُوا في النارِ، فنجَّى اللهُ المؤمنين الذين أُلْقُوا في النارِ من الحريقِ، بأن قبَض أرواحَهم قبلَ أنْ تمسَّهم النارُ، وخرَجتِ النارُ إلى مَن على شفيرٍ الأخدودِ مِن الكفارِ فأحرَقَتْهم، فذلك قولُ اللهِ:{فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} : في الآخرةِ، {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}: في الدنيا
(2)
.
واختُلِف في موضعِ جوابِ القسمِ بقولِه: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} ؛ فقال بعضُهم: جوابُه: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسَمُ ههنا: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}
(3)
.
= (11661)، والبغوى في تفسيره 8/ 383 من طريق حماد بن سلمة به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (9751)، وفي التفسير 2/ 362 - 364، والترمذى (3340) من طريق ثابت به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 333 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.
(1)
في م: "الفترة"، والفترة المدة تقع بين زمنين أو نبيين. اللسان (ف ت ر).
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 392 عن المصنف، ولم يذكر لفظه، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير - من طريق عبد الله بن جعفر به.
(3)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 388.
وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: موضعُ قسمِها، واللهُ أعلمُ، على:{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} . أَضْمَر اللَّامَ كما قال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1]{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9]. يريدُ - إن شاء الله -: لقد أفلَح من زكَّاها، فأَلْقَى اللَّامَ. وإنْ شئت قلتَ: على التقديمِ، كأنه قال: قُتِل أصحابُ الأخدودِ والسماءِ ذاتِ البروجِ.
وقال بعض نحويِّى الكوفةِ
(1)
: يقالُ في التفسير: إنَّ جواب القسمِ في قولِه: {قُتِلَ} . كما كان قسمُ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} في قولِه: {قَدْ أَفْلَحَ} . هذا في التفسير. قال
(2)
: ولم نجد العربَ تَدَعُ القسم بغيرِ لامٍ يُستقبَلُ بها أو "لا" أو "إن" أو "ما"، فإنْ يكنْ ذلك كذلك، فكأنه مما تُرِك فيه الجوابُ، ثم استُؤْنِف موضعُ الجوابِ بالخبرِ، كما قيل: يأيُّها الإنسانُ. في كثيرٍ من الكلامِ.
وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: جواب القسم في ذلك متروكٌ، والخبرُ مستأنَفٌ؛ لأنَّ علامة جوابِ القسمِ لا تحذفُها العربُ مِن الكلامِ إذا أجابَتْه.
وأولى التأويلين بقوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} : لعن أصحابُ الأُخْدُودِ الذين أَلْقَوا المؤمنين والمؤمناتِ في الأخدودِ.
وإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ للذي ذكَرْنا عن الربيعِ من العلَّةِ، وهو أَنَّ اللهَ أَخبر أنَّ لهم عذابَ الحريق مع عذاب جهنم، ولو لم يكونوا أُحْرِقوا في الدنيا لم يكن لقولِه:{وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} . معنًى مفهومٌ، مع إخباره أنَّ لهم عذابَ جهنم؛ لأنَّ عذابَ جهنم هو عذابُ الحريقِ مع سائر أنواعِ عذابِها في
(1)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 253.
(2)
في م، ت 2:"قالوا".
الآخرة. والأُخْدُودُ الحُفْرَةُ تُحفَرُ في الأرضِ.
وقولُه: {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} . فقولُه {النَّارِ} : ردٌّ على {الْأُخْدُودِ} ؛ ولذلك خُفِضَتْ، وإنما جاز ردُّها عليه وهى غيرُه؛ لأنَّها كانت فيه، فكأنَّها - إذ كانت فيه - هو، فجرَى الكلامُ عليه؛ لمعرفةِ المخاطَبين به بمعناه، وكأنه قيل: قُتِل أصحابُ النارِ ذاتِ الوقود.
ويعنى بقوله: {ذَاتِ الْوَقُودِ} : ذاتِ الحطَبِ الجَزْلِ
(1)
، وذلك إذا فُتِحتِ الواوُ، فأمَّا الوُقودُ بضمِّ الواوِ، فهو الاتِّقادُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
يقولُ تعالى ذكرُه: النارِ ذاتِ الوَقودِ، إذ هؤلاء الكفارُ من أصحابِ الأخدودِ {عَلَيْهَا}. يعنى: على النار، فقال:{عَلَيْهَا} . والمعنى أنهم قعودٌ على حافَةِ الأخدودِ، فقيل: على النارِ، والمعنى لشفيرِ الأخدودِ؛ لمعرفةِ السامِعين معناه.
وكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} : يعنى بذلك المؤمنين.
وهذا التأويلُ الذي تأوَّله قتادةُ على مذهبِ من قال: قُتِل أصحابُ الأخدودِ من أهلِ الإيمانِ.
وقد دَلَّلْنا على أنَّ الصوابَ مِن تأويلِ ذلك غيرُ هذا القولِ الذي وجَّه تأويلَه قتادةُ قبلُ.
(1)
الجزل: ما عظم من الحطب ويبس. اللسان (ج ز ل).
وقولُه: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} . [يقولُ تعالى ذكرُه: والكفارُ على ما يفعَلون بالمؤمنين، من عرضِهم على الرجوع عن دينِهم، {شُهُودٌ}]
(1)
. يعني: حضورٌ.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} : يعنى بذلك الكفارَ.
وقوله: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وما وجَد هؤلاء الكفارُ الذين فتنوا المؤمنين - على المؤمنين - والمؤمناتِ بالنارِ، في شيءٍ، ولا فعَلوا بهم ما فعَلوا بسببٍ، إلا مِن أجلِ أنهم آمنوا باللهِ.
وقال: {إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} . لأنَّ المعنيَّ: إلا إيمانَهم باللهِ. فلذلك حسُن في موضعِه: {يُؤْمِنُوا} . إذ كان الإيمانُ لهم صفةً.
{الْعَزِيزِ} . يقولُ: الشديدِ في انتقامِه ممَّن انتقَم منه، {الْحَمِيدِ} .
يقولُ: المحمودِ بإحسانِه إلى خَلْقِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: الذي له سلطانُ السماواتِ السبعِ والأرضِ وما فيهنَّ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ على فعلِ هؤلاءِ الكفارِ مِن
(1)
سقط من: م.
أصحابِ الأخدودِ بالمؤمنين الذين فتنوهم - شاهدٌ، وعلى غير ذلك من أفعالِهم وأفعالِ جميع خَلْقِه، وهو مجازيهم جزاءَهم.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . يقول: إِنَّ الذين ابتَلَوا المؤمنين والمؤمناتِ باللهِ، بتعذيبِهم وإحراقِهم بالنارِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ:{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} : حرَّقوا المؤمنين والمؤمناتِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} . قال: عذَّبوا
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . قال: حرَّقوهم بالنارِ (1)
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . يقولُ: حرَّقوهم (1).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن ابن أَبْرَى: {إِنَّ الَّذِينَ
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 393.
(2)
تفسير مجاهد ص 719، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364.
فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}: حرَّقوهم
(1)
.
وقولُه: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} . يقولُ: ثم لم يتوبوا من كفرهم، وفعلهم الذي فعَلوا بالمؤمنين والمؤمنات من أجل إيمانهم باللهِ، فَلَهُمْ {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} في الآخرة، {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} في الدنيا.
كما حدَّثت عن عمارٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} : في الآخِرَةِ، {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}: في الدنيا
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)}
يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين أَقَرُّوا بتوحيدِ اللهِ؛ وهم هؤلاء القومُ الذين حرَّقهم أصحابُ الأخدودِ، وغيرُهم مِن سائرِ أهلِ التوحيدِ، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. يقولُ: وعمِلوا بطاعةِ اللهِ، واتَّمَروا لأمرِه، وانتهَوا عما نهاهم عنه، {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: لهم في الآخرةِ عندَ اللهِ بساتينُ تجرى مِن تحتها الأنهارُ والخمرُ واللبنُ والعسلُ، {الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}. يقولُ: هذا الذي [هو لهؤلاءِ]
(3)
المؤمنين في الآخرةِ، هو الظُّفَرُ الكبيرُ بما طلَبوا والتمَسوا بإيمانِهم باللهِ في الدنيا، وعملِهم بما أمَرهم اللهُ به فيها ورَضِيه منهم.
وقولُه: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 393.
(2)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 318، والآلوسى في روح المعاني 30/ 163.
(3)
في ص، ت 2، ت 3:"هؤلاء"، وفي ت 1:"لهؤلاء".
بطش ربِّك يا محمدُ - لمن بطش به مِن خَلْقِه، وهو انتقامُه ممَّن انتقَم منه - لشديدٌ.
وهذا
(1)
تحذيرٌ مِن اللهِ لقومِ رسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أن يَحِلَّ بهم من عذابِه ونِقْمتِه نظيرُ الذي حل بأصحابِ الأخدودِ على كفرِهم به، وتكذيبِهم رسولَه، وفِتْنتِهم المؤمنين والمؤمناتِ منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18)} .
اختلَف أهل التأويل في معنى قوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إنَّ اللَّهَ أَبدَأَ خَلْقَه، فهو يُبْدِي
(2)
. بمعنى: يُحْدِثُ خلْقَه ابتداءً، ثم يميتُهم، ثم يعيدُهم أحياءً بعدَ مماتِهم، كهيئتِهم قبلَ مماتِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} : يعنى الخَلْقَ
(3)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} . قال: يُبدى الخَلْقَ حِينَ خَلَقه، ويعيدُه يومَ القيامةِ
(3)
.
وقال آخرون: بل معني ذلك: إنه هو يُبدئُ العذابَ ويعيدُه.
(1)
في م: "هو".
(2)
في م: "يبتدئ"
(3)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 320، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 451. وينظر روح المعاني 30/ 164.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} . قال: يُبدئُ العذابَ ويعيدُه
(1)
.
وأَولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ وأشبهُهما بظاهرِ ما دلَّ عليه التنزيلُ - القولُ الذي ذكرناه عن ابن عباسٍ، وهو أنه يُبدئُ العذابَ لأهلِ الكفرِ به ويعيدُ، كما قال جلَّ ثناؤُه:{فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [في الآخرة]
(2)
، {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} في الدنيا. فأبْدَأ ذلك لهم في الدنيا، وهو يعيدُه لهم في الآخرةِ.
وإنما قلتُ: هذا أَولى التأويلين بالصوابِ؛ لأنَّ اللَّهَ أَتبَع ذلك قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} . فكان للبيانِ عن معنى شدَّةِ بطشِه الذي قد ذكَره قبلَه، أشبهُ به بالبيانِ عما لم يَجْرِ له ذكرٌ، ومما يؤيدُ ما قلنا من ذلك وضوحًا وصحةً، قولُه:{وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} . فبيَّنَ ذلك عن أنَّ الذي قبله من ذكرِ خبرِه عن عذابِه وشدَّةِ عقابِه.
وقولُه: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} . يقول تعالى ذكره: وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه، وذو المحبةِ له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور رقم 6/ 35 إلى المصنف.
(2)
سقط من: م.
قوله: {الْغَفُورُ الْوَدُودُ} . يقولُ: الحبيبُ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {الْغَفُورُ الْوَدُودُ} . قال: الرحيمُ
(2)
.
وقولُه: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ذو العرشِ الكريمُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} . يقولُ: الكريمُ (1).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {الْمَجِيدُ} ؛ فقرأته عامة قرأة المدينةِ ومكةَ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين رفعًا، ردًّا على قولِه:{ذُو} . على أنه مِن صفةِ اللهِ تعالى ذكرُه
(3)
. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ خفضًا، على أنه من صفةِ العرشِ"
(4)
.
والصوابُ مِن القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} . يقولُ هو غفارٌ لذنوبِ مَن شاء من عبادِه إذا تاب
(1)
أخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (133) من طريق أبي صالح به، وليس عنده تفسير "المجيد"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 35 إلى ابن المنذر.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 19/ 296.
(3)
وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. ينظر النشر 2/ 299.
(4)
وبها قرأ حمزة والكسائى وخلف بخفض الدال. المصدر السابق.
وأناب منها، معاقِبٌ مَن أصرَّ عليها وأقام، لا يمنعُه مانعٌ مِن فعلٍ أراد أنْ يفعلَه، ولا يحولُ بينه وبينَ ذلك حائلٌ؛ لأنَّ له مُلك السماواتِ والأرضِ، وهو العزيزُ الحكيمُ.
وقولُه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ} . يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: هل جاءك يا محمدُ حديثُ الجنودِ الذين تجنَّدوا على الله ورسولِه بأذاهم ومكروهِهم؟ يقولُ: قد أتاك ذلك وعلمته، فاصْبِرْ لأذى قومك إيَّاك، لما نالُوك به من مكروه، كما صبر الذين تجنَّد هؤلاء الجنودُ عليهم مِن رُسُلى، ولا يَثنيك عن تبليغِهم رسالتي، كما لم يَثْنِ الذين أُرسلوا إلى هؤلاء، فإن عاقبةَ مَن لم يُصدِّقْك ويؤمنْ بك منهم إلى عَطَبٍ وهلاكٍ، كالذى كان مِن هؤلاء الجنودِ. ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه عن الجنودِ مَن هم؟ فقال:
{فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} . يقولُ: فرعونَ. فاجْتُزِئ بذكرِه - إذ كان رئيسَ جندِه - من ذكرِ جندِه وتُبَّاعِه، وإنما معنى الكلامِ: هل أتاك حديثُ الجنودِ، فرعونَ وقومِه وثمودَ.
وخُفِض فِرْعَوْنَ ردًّا على {الْجُنُودِ} ، على الترجمةِ عنهم، وإنما فتح لأنَّه لا يُجْرَى، {وَثَمُودَ} .
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء القوم الذين يكذِّبون بوعيدِ اللهِ، أنهم لم يأْتِهم أنباءُ مَن قَبلهم مِن الأممِ المكذِّبةِ رسلَ اللهِ، كفرعون وقومه، وثمود، وأشكالِهم، وما أحل الله بهم من النقم بتكذيبِهم الرسلَ، ولكنهم في تكذيبٍ بوحيِ اللهِ وتنزيلِه، إيثارًا منهم لأهوائهم، واتِّباعًا منهم لسَنَنِ آبائِهم،
{وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} بأعمالِهم، مُحْصٍ لها، لا يَخفَى عليه منها شيءٌ، وهو مجازيهم على جميعِها.
وقولُه: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} . يقولُ تكذيبًا منه جلَّ ثناؤُه للقائلين للقرآن: هو شِعرٌ وسجعٌ: ما ذلك كذلك، بل هو قرآنٌ كريمٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} . يقولُ: قرآنٌ كريمٌ.
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفرٍ، عن سعيد في قوله:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} . قال: كريمٌ.
وقولُه: {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هو قرآنٌ كريمٌ، مثبَتٌ في لوحٍ محفوظٍ
(1)
.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {مَحْفُوظٍ} ؛ فقرأ ذلك "من قرأةِ" أهلِ الحجازِ أبو جعفرٍ القارئُ وابن كثيرٍ، و [مِن قرأةِ]
(2)
الكوفةِ عاصمٌ والأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ، ومن البصريين أبو عمرٍو:{مَحْفُوظٍ} خفضًا
(3)
، على معنى أنَّ اللَّوحَ هو المنعوتُ بالحفظِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان التأويلُ: في لوحٍ محفوظٍ مِن الزيادةِ فيه والنقصان منه، عما أَثْبَته اللهُ فيه. وقرَأ ذلك مِن المكيِّين ابنُ مُحَيصِنٍ، ومِن المدنيين نافعٌ:(مَحْفُوظٌ) رفعًا
(4)
، ردًّا على "القرآنِ"، على أنه مِن نعتِه وصفتِه. وكأن. وكأن معنى ذلك على قراءتِهما: بل هو قرآنٌ مجيدٌ، محفوظٌ منٌ التغييرِ والتبديلِ في لوحٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ،
(1)
ليست في ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
في م: "مَن قرأه مِن"
(3)
وبالخفض قرأ أيضًا يعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 299.
(4)
ينظر النشر 2/ 299.
صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فتأويلُ القراءةِ التي يقرَؤها على ما بيَّنا.
وقد حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فِي لَوْحٍ} . قال: في أمِّ الكتابِ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} : عندَ اللهِ.
وقال آخرون: إنما قيل: {مَحْفُوظٍ} ؛ لأنَّه في جبهةِ إسرافيلَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: سمِعتُ قرَّةَ بن سليمانَ، قال: ثنا حربُ بنُ شُريجٍ، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنسِ بن مالك في قوله:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} . قال: إنَّ اللَّوحَ المحفوظَ الذي ذكَر اللهُ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} : في جبهة إسرافيلَ
(1)
.
آخرُ تفسير "سورة البروج"
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 394 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 35 إلى المصنف.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة "والسماء والطارق"
أقسم ربنا جلَّ ثناؤه بالسماءِ، وبالطارقِ الذي يطرق ليلًا؛ من النجومِ المضيئةِ، ويَخْفى نهارًا. وكلّ ما جاء ليلا فقد طَرَق.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} . قال: السماء وما يطرُقُ فيها
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} . قال: طارق يطرقُ بالليلِ
(2)
ويخفى بالنهارِ.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قولِه:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 335 إلى المصنف.
(2)
في م: "بليل".
{وَالطَّارِقِ} . قال: ظهورِ النجومِ. يقولُ: تطرُقُك ليلًا
(1)
.
حدثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالطَّارِقِ} : النجمِ.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} . يقولُ تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشْعَرك يا محمد ما الطارقُ الذي أقْسَمتُ به؟ ثم بين ذلك جلَّ ثناؤه، فقال: هو النجمُ الثاقبُ. يعنى: يتوقَّدُ ضياؤُه ويَتوهَّجُ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} : يعني المضئُ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} . قال: هي الكواكبُ المضيئةُ، وثقُوبُه: إذا أضاء.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قوله:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} . قال: الذي يَنْقُبُ
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 365 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 36 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (687) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 35 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{الثَّاقِبُ} . قال: الذي يتوهَّجُ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ثُقوبُه: ضوءُه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} : المضئُ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} . قال: كانت العربُ تُسَمَّى الثريا النجمَ، ويقال: إِنَّ الثاقبَ النجمُ الذي يقالُ له: زُحَلُ. والثاقبُ أيضًا الذي قد ارتفَع على النجومِ، والعربُ تقولُ للطائرِ إذا هو لَحِق ببطنِ السماءِ ارتفاعًا: قد ثَقَب. والعربُ تقولُ: أَثْقِبْ نارَك. أي: أَضِئْها
(3)
.
وقولُه: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} . اختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرَأه مِن قرأةِ المدينةِ أبو جعفرٍ، ومِن قرأةِ الكوفةِ حمزةُ:{لَمَّا عَلَيْهَا} بتشديدِ الميمِ
(4)
.
وذُكر عن الحسنِ أنه قرَأ ذلك كذلك
(5)
.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن الحسنِ أنه كان يقرَؤها:{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} مشدَّدةً، ويقولُ: إلَّا عليها حافظٌ. وهكذا كلُّ شيءٍ في القرآنِ بالتثقيلِ.
(1)
تفسير مجاهد ص 720، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 36 إلى عبد بن حميد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 365 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 336 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 336 إلى المصنف مختصرًا.
(4)
وبها قرأ ابن عامر وعاصم. النشر 2/ 218.
(5)
البحر المحيط 8/ 454.
وقرَأ ذلك من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرٍو:(لَمَا) بالتخفيفِ
(1)
، بمعنى: إنْ كلُّ نفسٍ لعليها حافظٌ. وعلى أنَّ اللَّامَ جوابُ "إن"، و "ما" التي بعدَها صلةٌ. وإذا كان ذلك كذلك لم يكنْ فيه تشديدٌ.
والقراءةُ التي لا أختارُ غيرَها في ذلك التخفيفُ
(2)
؛ لأنَّ ذلك هو الكلامُ المعروفُ مِن كلامِ العربِ، وقد أنكَر التشديدَ جماعةٌ مِن أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ، أن يكونَ معروفًا مِن كلامِ العربِ، غيرَ أنَّ الفرّاءَ
(3)
كان يقولُ: لا نعرِفُ جهةَ التثقيلِ في ذلك، ونَرى أنها لغةٌ في هُذَيلٍ، يجعلون "إلا" مع "إن" المخففةِ:"لَمَّا"، ولا يجاوِزون ذلك، كأنه قال: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ. فإن كان صحيحًا ما ذكَر الفرّاءُ مِن أنَّها لغةُ هُذَيلٍ، فالقراءةُ بها جائزةٌ صحيحةٌ، وإن كان الاختيارُ أيضًا إذا صحَّ ذلك عندَنا - القراءة الأخرى، وهى التخفيفُ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ مِن كلامِ العربِ، ولا ينبغى أنْ يُتْرَكَ الأعرفُ إلى الأنكرِ.
وقد حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا معاذٌ، عن ابن عونٍ، قال: قرأتُ عند ابن سيرين: هو {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} . فأنكَره، وقال: سبحانَ الله! سبحانَ اللهِ!
فتأويلُ الكلام إذن: إن كلُّ نفس لعليها حافظٌ من ربِّها، يحفظُ عملَها، ويُحصِى عليها ما تَكتسِبُ مِن خيرٍ أو شرٍّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
وبها قرأ يعقوب وابن كثير والكسائى وخلف. النشر 2/ 218.
(2)
القراءتان كلتاهما صواب.
(3)
في معاني القرآن 3/ 254.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} . قال: كلُّ نفسٍ عليها حفظةٌ من الملائكةِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} : حفظةٌ يحفَظون عملَك ورزقَك وأجلَك، إذا توفَّيتَه يابنَ آدَمَ قُبِضْتَ إلى ربِّك
(2)
.
وقولُه: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فلينظُرِ الإنسانُ المكذِّبُ بالبعثِ بعدَ المماتِ، المُنكِرُ قُدرةَ اللهِ على إحيائِه بعدَ مماتِه، {مِمَّ خُلِقَ} .
يقولُ: من أيِّ شيءٍ خلَقه ربُّه؟ ثم أخبَر جلَّ ثناؤه عما خلَقه منه، فقال:{خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} . يعني: من ماءٍ مدفوق. وهو مما أخرجته العرب بلفظ "فاعلٍ" وهو بمعنى المفعولِ، ويقال: إن أكثرَ مَن يستعملُ ذلك من أحياءِ العربِ، سكانُ الحجازِ إذا كان في مذهبِ النعتِ، [كقولِهم: هذا]
(3)
سرٌّ كاتمٌ، وهمٌّ ناصبٌ. ونحوِ ذلك.
وقولُه: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . يقولُ: يخرُجُ من [صُلبِ الرجلِ وترائبِ المرأةِ. وقيل: يخرجُ من]
(4)
بين ذلك. ومعنى الكلامِ: منهما. كما يقالُ: سيخرجُ من بين هذين الشيئين خيرٌ كثيرٌ. بمعنى: يخرجُ منهما.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الترائبِ" وموضعِها؛ فقال بعضُهم: الترائبُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 35 إلى المصنف.
(2)
تقدم تخريجه في ص 290، وليس هذا الطرف عند عبد الرزاق.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"هو".
(4)
سقط من: م، ت 2.
موضعُ القِلادةِ من صدر المرأةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبدُ الرحمنِ بن الأسودِ الطَّفاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن سَلَمَةَ بن سابورَ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ:{الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . قال: الترائبُ موضعُ القلادة
(1)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . يقولُ: من بين ثَدْيَيِ
(2)
المرأةِ
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرِمةُ عن الترائبِ، فقال: هذه. ووضَع يدَه على صدرِه بينَ ثدييه
(4)
.
حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنى سَلْمُ
(5)
بنُ قتيبةَ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ النعمانِ الحُدَّانيُّ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . قال: صُلبِ الرجلِ، وترائبِ المرأةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: الترائبُ الصدرُ
(6)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 396 عن عطية، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 336 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في ص: "ندى"، وفى: م: "ثدى"، وفي ت 2 "يدى".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 396 عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 36 إلى عبد بن حميد.
(5)
في ت 1: "سالم".
(6)
ينظر تفسير ابن كثير 6/ 336.
[قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن مِسْعَرٍ، عن الحكمِ، عن أبي عياضٍ، قال:{وَالتَّرَائِبِ} : الصدرِ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . قال: الترائبُ الصدرُ، وهذا الصلبُ. وأشار إلى ظهرِه.
وقال آخرون: الترائبُ ما بينَ المَنْكبين والصدرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن إسرائيلَ، عن ثُوَيرٍ، عن مجاهدٍ، قال:{وَالتَّرَائِبِ} : ما بين المنكِبين والصدرِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالتَّرَائِبِ} . قال: أسفلَ من التراقِي
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: الصُّلْبُ للرجلِ
(4)
، والترائبُ للمرأةِ
(5)
، والترائبُ فوقَ الثديين
(6)
.
وقال آخرون: هو اليدان والرجلان والعينان.
(1)
سقط من: ت 1.
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 36 إلى عبد بن حميد.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 5، وابن كثير في تفسيره 8/ 396.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 36 إلى عبد بن حميد.
(4)
في ص، ت 1، ت 2:"الرجل".
(5)
في ص، ت 1، ت 2:"المرأة".
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 366 عن الثورى به بنحوه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . قال: فالترائبُ أطرافُ الرجلِ، واليدان والرِّجلان والعينان، فتلك الترائبُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . قال: فالترائبُ اليدان والرجلان
(1)
.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال غيرُه: الترائبُ ماءُ المرأةِ
(2)
وصلبُ الرجلِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاك يقولُ في قولِه: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} : الترائبُ
(3)
عيناه ويداه ورجلاه.
وقال آخرون: معني ذلك أنه يخرجُ من بين صلبِ الرجلِ ونحرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . يقولُ: يخرجُ من بين صُلبِ الرجلِ ونحرِه
(4)
.
وقال آخرون: هي الأضلاعُ التي أسفلَ الصلبِ.
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 5، وابن كثير في تفسيره 8/ 396.
(2)
في ت 2، ت 3:"الرجل".
(3)
سقط من: م.
(4)
تقدم تخريجه في ص 290، وليس هذا الطرف عند عبد الرزاق.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . قال: الترائبُ الأضلاعُ التي أسفل الصلبِ
(1)
.
وقال آخرون: هي عصارةُ القلبِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليثُ، أن معمر بن أبى حَبيبةَ المَدَنيَّ
(2)
حدَّثه، أنه بلَغه في قولِ اللهِ:{يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} . قال: هو عُصارة القلبِ، ومنه يكونُ الولدُ
(3)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا قولُ مَن قال: هو موضعُ القِلادةِ من المرأةِ حيثُ تقعُ عليه من صدرِها؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، وبه جاءت أشعارُهم، قال المثقِّبُ العبديُّ
(4)
:
ومن ذهبٍ يُسَنُّ
(5)
على تَرِيبٍ
…
كلونِ العاجِ ليس بذى غُضُونِ
وقال آخرُ
(6)
:
والزعْفَرانُ على ترائبِها
…
شَرِقًا به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ
(1)
ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 455، وابن كثير في تفسيره 8/ 396.
(2)
في ص، م:"المدينى".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 397 عن الليث بن سعد به.
(4)
ديوانه ص 159.
(5)
في الديوان: "يلوح".
(6)
تقدم في 22/ 546.
وقولُه: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي خلَقكم أيُّها الناسُ من هذا الماءِ الدافقِ، فجعَلكم بشرًا سويًّا، بعد أن كنتم ماءً مدفوقًا - على رجعه لقادرٌ.
واختلف أهلُ التأويلِ في الهاءِ التي في قولِه: {عَلَى رَجْعِهِ} ؛ على ما هي عائدةٌ؟ فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على الماءِ. وقالوا: معنى الكلامِ: إن الله على ردَّ النطفةِ في
(1)
الموضعِ
(2)
الذي خرَجت منه
(3)
، لقادِرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرمة في قوله:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . قال: إنه على رَدّه في صُلْبِه لقادرٌ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاء، عن عكرمة في قولِه:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . قال: للصُّلبِ.
حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّاريُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . قال: على أَن يَرُدَّ الماءَ في الإحليلِ
(5)
.
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ الوَشَّاءُ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ عمرُو بنُ الهيثمِ، عن ورقاءَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"من".
(2)
في ت 3: "المواضع".
(3)
في ت 3: "منها".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 36 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(5)
أخرجه الفراء في معاني القرآن 3/ 255 من طريق ليث به.
في قولِه: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . قال: على ردِّ النطفةِ في الإحليلِ.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . قال: [رجعِ النطفةِ في الإحليلِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . قال]
(2)
: في الإحليلِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . قال: ردِّه في الإحليلِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردِّ الإنسانِ ماءً كما كان قبلَ أن يخلُقَه منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} : إن شئتُ ردَدتُه كما خلَقتُه من ماءٍ
(3)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على حبسِ ذلك الماءِ لقادرٌ.
(1)
تفسير مجاهد ص 720، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 336 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
سقط من: م، ت 1.
(3)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 325، والبغوى في تفسيره 8/ 394، والقرطبي في تفسيره 20/ 7.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: هو إِنَّهُ عَلَى رَجْمِهِ لَقَادِرُ. قال: على رجعِ ذلك الماءِ لقادرٌ حتى لا يخرجَ، كما قدَر على أن يخلُقَ
(1)
منه ما خلَق، قادرٌ على أن يرجعَه
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه قادرٌ على رجعِ الإنسانِ من حالِ الكبَرِ إلى حالِ الصغرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن مقاتلِ بن حَيَّانَ، عن الضحاكِ، قال: سمِعته يقولُ في قولِه: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} . يقولُ: إن شئتُ ردَدته من الكبَرِ إلى الشبابِ، ومن الشبابِ إلى الصِّبا، ومن الصِّبا إلى النطفةِ
(3)
.
وعلى هذا التأويلِ تكونُ الهاءُ في قولِه: {عَلَى رَجْعِهِ} . من ذكرِ الإنسانِ.
وقال آخرون ممن زعَم أن الهاءُ للإنسانِ: معنى ذلك: إنه على إحيائِه من بعدِ مماتِه لقادرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ
(1)
في ت 3: "يخرج".
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 394، والقرطبي في تفسيره 20/ 7.
(3)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 7.
لَقَادِرٌ}: إن الله تعالى ذكرُه على بعثِه وإعادتِه لقادرٌ
(1)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إن الله على ردِّ الإنسان المخلوقِ من ماءٍ دافقٍ من بعد مماته حيًّا، كهيئته قبل مماته - لقادرٌ.
وإنما قلتُ: هذا أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لقولِه: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} . فكان في إتباعِه قولَه: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أنْباءً من أنباءِ القيامةِ، دلالةٌ على أن السابقَ قبلَها أيضًا منه، ومنه:{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إنه على إحيائِه بعد مماتِه لقادرٌ، يومَ تُبلى السرائرُ. فـ "اليوم" من صفةِ "الرجعِ"؛ لأن المعنى: إنه على رجعِه يومَ تُبلى السرائرُ لقادرٌ.
وعنَى بقولِه: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} : يومَ تُختبَرُ سرائرُ العبادِ، فيظهَرُ منها يومَئذٍ ما كان في الدنيا مستخفيًا عن أعين العبادِ، من الفرائضِ التي كان اللهُ ألزَمه إياها، وكلَّفه العملَ بها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثت عن عبد الله بن صالحٍ، عن يحيى
(2)
بن أيوبَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ في قولِه:{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} . قال: ذلك الصومُ والصلاةُ وغُسْلُ الجنابةِ، وهو السرائرُ، ولو شاء أن يقولَ: قد صُمْتُ. وليس بصائمٍ، و: قد صلَّيتُ. ولم يصلِّ، و: قد اغتسَلت. ولم يغتسِلْ
(3)
.
(1)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 325، والبغوى في تفسيره 8/ 394، والقرطبي في تفسيره 20/ 7.
(2)
في ت 1: "أبي يحيى". وينظر تهذيب الكمال 31/ 233.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 336 إلى ابن المنذر.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} : إن هذه السرائرَ مختبرةٌ، فأسِرُّوا خيرًا وأعلِنوه إن استطَعتم، ولا قوةَ إلا باللهِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} . قال: تُختبَرُ.
وقولُه: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فما للإنسانِ الكافرِ يومَئذٍ من قوةٍ يمتنعُ بها من عذابِ اللهِ وأليمِ نكالِه، ولا ناصرٍ ينصرُه، [فيَستَقيدَ له]
(2)
ممن ناله بمكروهٍ، وقد كان في الدنيا يرجِعُ إلى قوةٍ من عشيرتِه، يمتنعُ بهم ممن أراده بسوءٍ، وناصرٍ من حليفٍ ينصرُه على من ظلَمه واضطَهَده.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ} : ينصرُه من اللهِ.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله:{فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ} . قال: من قوةٍ يمتنعُ بها، ولا ناصرٍ ينصرُه من اللهِ (1).
حدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن سفيانَ الثوريِّ في قولِه:
(1)
تقدم تخريجه في ص 289.
(2)
في م: "فيستنقذه"، وفى ت،2 ت 3:"فيستنقذ له".
قال الليث: وإذا أتى إنسان إلى آخر أمرًا فانتقم منه بمثلها قيل: استقادها منه. تاج العروس (ق و د).
{مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ} . قال: القوة، العشيرةُ، والناصرُ الحليفُ
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} : تَرجِعُ بالغيوثِ
(2)
وأرزاقِ العبادِ كلَّ عامٍ. ومنه قولُ المُتنخِّلِ في صفةِ سيفٍ
(3)
:
أبيضُ كالرجعِ رَسُوبٌ إذا
…
ما ثاخ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
(4)
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} . قال: السحابِ فيه المطرُ
(5)
.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن
(1)
تفسير مجاهد ص 720 من طريق ضمرة به.
(2)
في م: "الغيوم".
(3)
ديوان الهذليين 2/ 12.
(4)
الرجع: الغدير فيه ماء المطر، والمحتفل: معظم الشيء، وثاخ وساخ: غاب، يختلي: يقطع، والرسوب: الذي إذا وقع غمض مكانه لسرعة قطعه. ينظر شرح أشعار الهذليين 3/ 1260.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، 2/ 365، وأبو الشيخ في العظمة (750)، والحاكم 2/ 520 من طريق الثورى به بنحوه. وأخرجه إبراهيم الحربى في غريبه - كما في التغليق 4/ 365 - من طريق عكرمة به بنحوه.
وأخرجه البخارى في التاريخ الكبير 8/ 262 من طريق مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 336 إلى الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه.
عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} . قال: ذاتِ السحابِ فيه المطرُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: وَالسَّمَاء ذَاتِ الرّجع: يعنى بالرجعِ رجعَ
(1)
القطرِ والرزقِ كلَّ عامٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} . قال: ترجعُ بأرزاقِ الناسِ كلَّ عامٍ. قال أبو رجاءٍ: سُئِل عنها عكرمةُ، فقال: رجَعت بالمطرِ
(2)
.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ذَاتِ الرَّجْعِ} . قال: ذاتِ السحابِ، تمطرُ ثم تَرجِعُ بالمطرِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} . قال: ترجعُ بأرزاقِ العبادِ كلَّ عامٍ، لولا ذلك هلَكوا وهلَكت مواشيهم
(4)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} . قال: ترجعُ بالغيثِ كلَّ عامٍ
(5)
.
(1)
سقط من: م، ت 1.
(2)
قول الحسن ذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 456.
(3)
تفسير مجاهد ص 720 ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 37 إلى عبد بن حميد.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 337 إلى عبد بن حميد.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 365 عن معمر به.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} : يعنى المطرَ
(1)
.
وقال آخرون: يعنى بذلك أن شمسَها وقمرها يغيب ويطلعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} . قال: شمسُها وقمرُها ونجومها يأتين من هاهنا
(2)
.
وقولُه: {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: والأرضِ ذاتِ الصدعِ بالنباتِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} . قال: ذاتِ النباتِ
(3)
.
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} . يقولُ: صدعُها عن
(4)
إخراجِ النباتِ في كلِّ عامٍ.
(1)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 326.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 326، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 456، وابن كثير في تفسيره 8/ 397.
(3)
تقدم أوله في ص 302.
(4)
سقط من: م.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} . قال: هذه تُصدَعُ عما تحتَها. قال أبو رجاءٍ: وسئِل عنها عكرمةُ، فقال: هذه تُصدَعُ عن الرزقِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} : مثلُ المَأْزِمِ
(2)
مأزمِ منًى.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} . قال: الصدعُ مثلُ المَأْزِمِ، غيرَ الأوديةِ وغيرَ الجُرُفِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} : تَصَدَّعُ عن الثمار وعن النبات كما رأَيتم
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} . قال: تَصَدَّعُ عن النباتِ
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} . فقرَأ
(5)
: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا
(1)
قول عكرمة عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 336 إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير 8/ 397.
(2)
المأزم: كل طريق ضيق بين جبلين. اللسان (أ ز م).
(3)
تفسير مجاهد ص 721 ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 364 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 337 إلى عبد بن حميد.
(4)
تقدم أوله في ص 303.
(5)
في م، ت 1:"قرأ".
وَقَضْبًا} [عبس: 26 - 28]. إلى آخرِ الآيةِ. قال: صدَعها للحرثِ
(1)
.
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} : النباتِ
(2)
.
وقولُه: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القولُ وهذا الخبرَ، {لَقَوْلٌ فَصْلٌ}. يقولُ: لقولٌ يَفصِلُ بين الحقِّ والباطلِ ببيانِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلافٍ منهم في العبارةِ عنه؛ فقال بعضُهم: لقولٌ حقٌّ. وقال بعضُهم: لقولٌ حُكْمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} . يقولُ: حقٌّ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} . أي: حُكْمٌ
(4)
.
وقولُه: {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} . يقولُ: وما هو باللعبِ ولا الباطلِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 326.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 326، وابن كثير في تفسيره 8/ 397.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 54 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 337 إلى ابن المنذر.
(4)
تقدم أوله في ص 303.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} . يقولُ: بالباطلِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ
(2)
، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} . قال: باللعبِ
(3)
.
وقولُه: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا} . يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكرًا.
وقولُه: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} . يقولُ: وأمكرُ مكرًا. ومكرُه جلَّ ثناؤُه بهم إملاؤُه إياهم على معصيتهم وكفرهم به.
وقولُه: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} . يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فمهل يا محمدُ الكافرين، ولا تعجلْ عليهم، {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}. يقولُ: أمهلهم آنًا قليلًا، وأنظِرْهم للموعد الذي هو وقتُ حلولِ النقمةِ بهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
(1)
تقدم أوله في ص 306.
(2)
في ت 1: "صالح"
(3)
تفسير مجاهد ص 721.
قولَه: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} . يقولُ: قريبًا
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} : الرويدُ القليلُ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} . قال: مَهِّلْهم، فلا تعجَلْ عليهم. ترَكَهم، حتى لما أراد الانتصارَ منهم،، أمَره بجهادِهم وقتالِهم والغلظةِ عليهم.
آخر تفسير سورة "والسماءِ والطارقِ"
(1)
تقدم أوله في ص 306.
(2)
تقدم أوله في ص 303.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "سَبِّحِ اسمَ ربّك الأعلَى"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)} .
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؛ فقال بعضُهم: معناه: عَظِّم ربَّك الأَعْلَى، لا ربَّ أعلَى منه وأعْظَمُ. وكان بعضُهم إذا قرَأ ذلك قال: سبحانَ ربيَ الأعلَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عمر أنه كان يقرأُ:(سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلَى الذي خَلَق فَسَوَّى). قال: وهي في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ كذلك
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن عبدِ خيرٍ، قال: سمعتُ عليًّا رضي الله عنه قرَأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . فقال: سبحانَ ربيَ الأعلى
(2)
.
(1)
أخرجه الحاكم 2/ 521 من طريق يعقوب به، وذكره القرطبي في تفسيره 20/ 14، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 38 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 401 عن الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 38 مطولا إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، أَنَّ ابنَ عباسٍ كان إذا قرَأ:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . يقولُ: سبحانَ ربيَ الأعلى. وإذا قرَأ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 1]. فأتَى على آخرِها: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40]. يقولُ: سبحانَك اللَّهمَّ، وبلى
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} : ذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرَأها قال: "سبحان ربي الأعلى"
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن داودَ، عن زيادِ بن عبدِ اللهِ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ في صلاة المغربِ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلى).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: نزِّه يا محمدُ اسمَ ربِّك الأعلى أن تُسمِّىَ به شيئًا سواه. يَنْهاه بذلك أنْ يفعَلَ ما فعَل مِن ذلك المشركون، مِن تَسْمِيَتِهم آلهتَهم؛ بعضَها اللَّاتَ، وبعضَها العُزَّى.
وقال غيرُهم: بل معنى ذلك: نزِّهِ اللَّهَ عمَّا يقولُ فيه المشركون، كما قال:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
وقالوا: معنى ذلك: سبِّح ربَّك الأعلى. قالوا: وليس الاسمُ مَعْنًى.
وقال آخرون: نزِّه تسميتَك يا محمدُ ربَّك الأعلى، وذِكرَك إِيَّاه، أنْ تذكُرَه
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 401 عن المصنف، وأخرج أوله عبد الرزاق في تفسيره 2/ 367 عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعلقه أبو داود عقب حديث (883) عن أبي وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذكره القرطبي في تفسيره 14/ 20، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 338 إلى المصنف وابن أبي شيبة وعبد بن حميد.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 401، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى عبد بن حميد.
إلا وأنت له خاشِعٌ مُتَذَلِّلٌ. قالوا: وإنما عُنِى بالاسمِ التسميةُ، ولكن وُضِع الاسمُ مكانَ المصدرِ.
وقال آخرون: معنى قولِه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} : صَلِّ بذكرِ ربِّكَ يا محمدُ. يعنى بذلك: صلِّ وأنت له ذاكرٌ، ومنه وَجِلٌ خائفٌ.
وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: نزِّه اسمَ رَبِّكَ أَنْ تَدْعوَ به الآلهةَ والأوثانَ؛ لِمَا ذكرتُ من الأخبار، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعن الصحابةِ، أنهم كانوا إذا قرَءوا ذلك قالوا: سبحانَ ربيَ الأعلى. فبَيِّنٌ بذلك أَنَّ معناه كان عندَهم
(1)
: عظِّمْ اسمَ رَبِّكَ ونَزِّهْه.
وقولُه: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} . يقولُ: الذي خلَق الأشياءَ فسوَّى خَلْقَها وعَدَلها. والتسويةُ: التعديلُ.
وقولُه: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: والذي قدَّر خَلْقَه فهَدى.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عُنِى بقولِه: {فَهَدَى} ؛ فقال بعضُهم: هَدَى الإنسانَ لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، والبهائمَ للمَرَاتِع.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا]
(2)
عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{قَدَّرَ فَهَدَى} . قال: هَدَى الإنسانَ للشِّقْوةِ والسعادةِ، وهَدَى الأنعامِ
(1)
بعده في م: "معلوما".
(2)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
لمَرَاتعِها
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى
(2)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أَنَّ اللَّهَ عمَّ بقوله: {فَهَدَى} الخبرَ عن هدايتِه خَلْقَه، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دونَ معنًى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، وهَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ، فالخبرُ على عمومِه، حتى يأتىَ خبرٌ تقومُ به الحُجَّةُ، دالٌّ على خُصوصِه.
وأجْمَعَت قرأةُ الأمصارِ على تشديدِ الدالِ من {قَدَّرَ} ، غيرَ الكسائيِّ فإنه خَفَّفها
(3)
.
والصوابُ في ذلك التشديدُ؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.
وقولُه: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} . يقولُ: والذي أَخْرَجَ مِن الأَرضِ مَرْعَى الأنعامِ؛ مِن صُنُوفِ النباتِ وأنواع الحَشيشِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ مُكَرَّمٍ، قال: ثنا الحَفَرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ:{أَخْرَجَ الْمَرْعَى} . قال: النباتَ.
(1)
تفسير مجاهد ص 722، وذكره القرطبي في تفسيره 20/ 15، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تقدم في 16/ 79، 80.
(3)
قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير وعاصم وحمزة وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب وخلف بتشديد الدال. وقرأ الكسائي بتخفيفها. النشر 2/ 299.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} الآية: [شَتِيتَ النباتِ]
(1)
كما رأيْتم؛ بينَ أصفرَ وأحمرَ وأبيضَ
(2)
.
وقولُه: {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَل ذلك المَرْعَى غُثاءً. وهو ما جَفَّ مِن النَّبْتِ
(3)
ويَبِس، فطارَت به الريحُ. وإنما عُنى به ههنا أنه جعَله هَشيمًا يابسًا متغيِّرًا إلى الحُوَّةِ؛ وهى السَّوَادُ من بعدِ البياضِ أو الخُضْرةِ؛ من شدَّةِ اليُبْسِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ في قولِه:{غُثَاءً أَحْوَى} . يقولُ: هَشِيمًا متغيِّرًا
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{غُثَاءً أَحْوَى} . قال: غُثاءَ السَّيْلِ، {أَحْوَى}. قال: أسودَ
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:
(1)
في م: "نبت"، وفى ت 1:"شتت النبات"، وفى ت 2 ت 3:"تنبت النبات".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 367 عن معمر عن قتادة نحوه مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
في م: "النبات".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 401، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(5)
تفسير مجاهد ص 722 وعنده "اليابس" بدلا من "أسود"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
{غُثَاءً أَحْوَى} . قال: يعودُ يُبْسًا بعدَ خُضْرةٍ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} . قال: كان بَقْلًا ونباتًا، أخضرَ، ثم هاج فيَبِس، فصار غُثاءً أَحْوَى، تَذهَبُ به الرياحُ والسُّيولُ
(2)
.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يَرى أنَّ ذلك مِن المُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأنَّ معنى الكلامِ: والذي أَخْرَج المَرْعَى أحْوى. أي: أخضرَ إلى السوادِ، فجعَله غثاءً بعدَ ذلك. ويَعْتَلُّ لقوله ذلك بقول ذى الرُّمَّة
(3)
:
حَوَّاءُ قَرْحَاءُ أَشْراطِيَّةٌ وَكَفَتْ
…
فيها الذِّهابُ وحَفَّتْها البَرَاعِيمُ
(4)
.
وهذا القولُ - وإن كان غيرَ مدفوعٍ أنْ يكونَ ما اشتدَّتْ خضرتُه مِن النباتِ، قد تُسمِّيه العربُ أسْوَدَ - غيرُ صوابٍ عندى؛ لخلافِه
(5)
تأويلَ أهلِ التأويلِ في أنَّ الحرفَ إنما يُحتالُ لمعناه المُخْرَجِ بالتقديمِ والتأخيرِ، إذا لم يَكُنْ له وجهٌ مفهومٌ إلا بتقديمهِ عن موضعِه أو تأخيرِه، فأمَّا وله في موضعِه وجْهٌ صحيحٌ، فلا وجْهَ لطلبِ الاحتيالِ لمعناه بالتقديمِ والتأخيرِ.
وقولُه: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه:
(1)
تقدم في ص 313.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 18.
(3)
ديوانه 1/ 399.
(4)
روضة قرحاء: في وسطها نَوْرٌ أبيض. وقيل: القرحاء: التي بدا نبتُها. أشراطية: مُطِرَتْ بالشَّرَطَين، وهما نجمان من الحَمَل وهما قرناه، وإلى جانب الشماليِّ منهما كوكب صغير. وكَفَتْ: قَطَرَتْ. والذِّهاب: جمع ذِهْبَةٍ وهى المَطَرَةُ، وقيل: المطرةُ الضعيفة. اللسان (ق ر ح)، (ش ر ط)، (و ك ف)، (ذ هـ ب).
(5)
في م: "بخلافه".
سنُقْرِئُك يا محمدُ هذا القرآنَ فلا تَنْساه، إلا ما شاء اللهُ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: {فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} ؛ فقال بعضُهم: هذا إخبارٌ مِن اللهِ نبيَّه عليه الصلاة والسلام أنه يُعَلَّمُه هذا القرآنَ، ويحفَظُه عليه، ونَهْىٌ منه أن يَعْجَلَ بقراءتِه، كما قال جلَّ ثناؤُه:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16، 17].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} . قال: كان يَتَذَكَّرُ القرآنَ في نفسِه مَخَافَةَ أَن يَنْسَى
(1)
.
فقال قائلو هذه المقالةِ: معنى الاستثناءِ في هذا الموضعِ على النسيانِ، ومعنى الكلامِ: فلا تَنْسَى، إلا ما شاء اللهُ أن تَنْساه ولا تَذْكُرَه. قالوا: وذلك هو ما نَسَخه اللهُ من القرآنِ، فرفَع حُكْمَه وتلاوتَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} : كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا يَنْسَى شيئًا إِلَّا ما شاء اللهُ
(2)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 722، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 367 عن معمر عن قتادة بنحوه.
وقال آخرون: معنى النسيانِ في هذا الموضعِ: التَّرْكُ. وقالوا: معنى الكلامِ: سنُقْرِئُك يا محمدُ فلا تَتْرُكُ العملَ بشيءٍ منه، إلا ما شاءَ اللهُ أن تَتْرُكَ العملَ به، مما نَنْسَخُه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ في ذلك
(1)
: لم يشَأ اللهُ أن يَنْسَى
(2)
شيئًا، وهو كقولِه:{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 108]، ولا يشاءُ. قال: وأنت قائلٌ في الكلامِ: لأُعطِيَنَّك كلَّ ما سألتَ إلا ما شِئتُ، وإلا أنْ أَشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أنْ لا تمنعَه، ولا تشاءَ شيئًا. قال: وعلى هذا مَجارى الأيمانِ، يُسْتَثْنى فيها، ونيةُ الحالفِ التَّمامُ
(3)
.
والقولُ الذي هو أَوْلَى بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: فلا تَنْسَى إلا أن نشاء نحنُ أَنْ نُنْسِيَكَه بنسخِه ورفعِه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك أظهرُ مَعانِيه.
وقولُه: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الله يعلمُ الجهرَ يا محمدُ من عملِك، ما أظهَرْتَه وأعلَنْته، {وَمَا يَخْفَى}. يقولُ: وما تُخْفِى
(4)
منه فلم تُظْهِرْه مما كَتَمْتَه. يقولُ: هو يعلمُ جميعَ أعمالِك، سرَّها وعلانِيَتَها. يقولُ: فاحْذَرُه أَن يَطَّلِعَ عليك وأنت عاملٌ في حالٍ مِن أحوالِك بغيرِ الذي أَذِن لك به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9)
(1)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 256.
(2)
في م، ت،2 ت 3:"تنسي".
(3)
في النسخ: "اللمام". والمثبت من مصدر التخريج.
(4)
في م: "يخفى".
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ونُسهِّلُك يا محمدُ لعملِ الخيرِ وهو اليُسْرَى. واليُسْرَى هو الفُعْلَى مِن اليُسْرِ.
وقولُه: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فذكِّرْ عبادَ اللَّهِ يا محمدُ عظمتَه، وعِظْهُمْ، وحذِّرْهم عقوبتَه، {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}. يقولُ: إِنْ نفَعتِ الذِّكرى الذين قد أَيَسْتُك مِن إيمانِهم، فلا تنفعُهم الذِّكرى.
وقولُه: {فَذَكِّرْ} . أمرٌ مِن اللهِ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بتذكيرِ جميعِ الناسِ. ثم قال: إنْ نفعتِ الذكرى هؤلاء الذين قد آيَسْتُك مِن إيمانِهم.
وقولُه: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: سيذَّكَّرُ يا محمدُ، إذا ذَكَرْتَ الذين أمَرْتُك بتذكيرِهم، مَن يخشى الله ويخافُ عقابَه،
{وَيَتَجَنَّبُهَا} . يقولُ: ويتجنَّبُ الذِّكرى {الْأَشْقَى} . يعنى: أشقى الفريقينِ: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} . وهم الذين لم تَنْفعْهم الذِّكْرى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} : فاتَّقُوا اللَّهَ، ما خَشِى اللَّهَ عبدٌ قطُّ إلا ذَكَّره، {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}: فلا واللهِ لا [يَتَنَكَّبُ عبدٌ هذا]
(1)
الذَّكْرَ زُهدًا فيه وبُغْضًا لأهلِه،
(1)
في ص، ت 1:"يسكت عند عند"، وفى ت 2 ت 3:"يسكت عبد عند".
إلا شقيٌّ بَيِّنُ الشَّقاءِ
(1)
.
وقولُه: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} . يقولُ: الذي يَرِدُ نارَ جهنمَ، وهى النارُ الكبرى. ويعنى بالكُبْرى:[في شدة]
(2)
الحرِّ والألمِ.
وقولُه: {ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} . يقولُ: ثم لا يموتُ في النارِ الكُبْرى ولا يحيا. وذلك أنَّ نفسَ أحدِهم تصيرُ فيها في حَلْقِه، فلا تخرجُ فتُفارِقُه فيَموتَ، ولا ترجعُ إلى موضعِها من الجسمِ فيحيا. وقيل: لا يموتُ فيها فيستريحَ، ولا يحيا حياةً تنفعُه.
وقال آخرون: قيل ذلك؛ لأنَّ العربَ كانت إذا وصَفَتِ الرجلَ بوقوعٍ في شدَّةٍ شديدةٍ، قالوا: لا هو حيٌّ، ولا هو ميتٌ. فخاطَبَهم اللهُ بالذي جرَى به ذلك مِن كلامِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)}
يقول تعالى ذكرُه: قد أَنْجَح وأَدْرَكَ طَلِبَتَه مَن تَطَهَّر مِن الكفرِ ومعاصى اللهِ، وعمِل بما أمَره اللهُ فأَدَّى فرائضَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م، ت 2، ت 3:"لشدة".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} . يقولُ: مَن تَزَكَّى مِن الشركِ
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريُّ، قال ثنا هشامٌ، عن الحسنِ في قولِه:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} . قال: مَن كان عملُه زاكيًا
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} . قال: [بِعَمَلٍ ووَرَعٍ]
(3)
.
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، عن الحكم، عن عكرمةَ في قولِه:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ
(4)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قد أفلَح مَن أدَّى زكاةَ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن عليّ بن الأَقْمَرِ، عن أبي الأَحْوَصِ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} . قال: مَن استطاع أن يَرْضَخَ
(5)
فَليَفْعَلْ، ثم ليَقُمْ فليُصَلِّ
(6)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 332، والبغوى في تفسيره 8/ 402، والقرطبي في تفسيره 20/ 21.
(3)
في ص: "نعمل وورعا"، وفى م:"يعمل ورعا"، وفى ت 3:"بعمل وورعا".
والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 367 عن معمر به بلفظ: "بعمل صالح".
(4)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 333 بسنده عن عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
الرَّضْخ: العَطِيَّة القَلِيلة. ينظر النهاية 2/ 228.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 340 إلى المصنف وابن حميد.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازيُّ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن الأَقْمَرِ، عن أبي الأحوصِ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} . قال: مَن رَضَخَ
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدِ بن مُرَّةَ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، قال: إذا أتى أحدَكم سائلٌ وهو يريدُ الصلاةَ، فليُقَدِّمْ بينَ يدى صلاتِه زكاتَه، فإنَّ الله يقولُ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} ، فمَن اسْتَطاع أنْ يُقدِّمَ بينَ يدى صلاتِه زكاةً فليَفْعَلْ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّي} ؛ تزكي رجلٌ مِن مالِه، وأَرْضَى خالقَه
(3)
.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك زكاةُ الفطرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عمرُو بنُ عبد الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن أبي خَلْدَةَ، قال: دخَلتُ على أبى العاليةِ، فقال لى: إِذا غَدَوْتَ غدًا إلى العيدِ فمُرَّ بي. قال: فمَرَرْتُ به، فقال: هل طَعِمْتَ شيئًا؟ قلتُ: نعم. قال: أَفَضْتَ على نفسِك من الماءِ؟ قلتُ: نعم. قال: فأخبِرنى ما فعلت بزكاتِك؟ قلتُ: قد وَجَّهْتُها. قال: إنما أَرَدْتُك لهذا. ثم قرَأ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} ، وقال: إِنَّ أهلَ المدينةِ لا يَرَوْن صدقةً أفضَلَ منها، ومِن سقايةِ الماءِ
(4)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 113 عن أبي نعيم به.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 113 من طريق زهير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 340 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 340 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 340 إلى المصنف.
وقولُه: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وحَّد الله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . يقولُ: وحَّد الله سبحانَه
(1)
وقال آخرون: بل معني ذلك: وذكَر الله ودعاه ورَغِب إليه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: وذكَر الله فوحَّده، ودعاه ورَغِب إليه؛ لأنَّ كلَّ ذلك من ذكرِ اللهِ، ولم يَخْصُصِ اللهُ تعالى مِن ذكرِه نوعًا دونَ نوعٍ.
وقولُه: {فَصَلَّى} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به: فصلَّى الصلواتِ الخمسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ قولَه:{فَصَلَّى} . يقولُ: صلَّى الصلواتِ الخمسَ
(1)
.
وقال آخرون: عُنِي به صلاةُ العيدِ يومَ الفطرِ.
وقال آخرون: بل عُنِى: وذكَر اسمَ ربِّه فدعا. وقالوا: الصلاةُ هاهنا: الدعاءُ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 339 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
والصوابُ من القولِ أنْ يقالَ: عُنِى بقولِه: {فَصَلَّى} . الصلواتُ وذِكْرُ اللهِ فيها بالتحميدِ والتمجيدِ والدعاءِ.
وقولُه: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} . يقولُ للناسِ: بل تؤثِرون أيُّها الناسُ زينةَ الحياةِ الدنيا على الآخرةِ، {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ} لكُمْ {وَأَبْقَى}. يقولُ: وزينةُ الآخرةِ خيرٌ لكم أيُّها الناسُ وأبْقَى بَقاءً؛ لأنَّ الحياةَ الدنيا فانيةٌ، والآخرةَ باقيةٌ، لا تَنْفَدُ ولا تَفْنى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ؛ فاختار الناسُ العاجلةَ إلا مَن عصَم اللهُ
(1)
.
وقوله: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ} في الخيرِ، {وَأَبْقَى} في البقاءِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ، عن عَرْفَجَةَ الثَّقَفيِّ، قال: اسْتَقْرَأْتُ ابنُ مسعودٍ: هو {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، فَلَمَّا بلَغ:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ، تَرَك القراءةَ وأقبَل على أصحابِه، وقال: آثَرْنا الدنيا على الآخرةِ. فسَكَت القومُ، فقال: آثَرْنا الدنيا؛ لأَنَّا رأيْنا زينتَها ونساءَها وطعامَها وشرابَها، وزُوِيَت عنا الآخرةُ، فاخْتَرْنا هذا العاجلَ، وتركنا الآجلَ
(3)
.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ، فقرَأ ذلك عامةُ
(1)
سقط من: ص، ت 1، ت 2 ت 3.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 340 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه الطبراني في الكبير (9147)، والبيهقى في شعب الإيمان (10645)، كلاهما من طريق عطاء به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 340 إلى ابن المنذر.
قرأةِ الأمصارِ: {بَلْ تُؤْثِرُونَ} بالتاءِ، إلا أبا عمرٍو فإنه قرَأه بالياءِ
(1)
، وقال: يعنى الأَشْقَينَ
(2)
.
والذي لا أُوثِرُ عليه في قراءةِ ذلك، التاءُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه. وذُكِر أَنَّ ذلك في قراءةِ أُبيٍّ:(بل أنتم تُؤثرون)
(3)
. فذلك أيضًا شاهدٌ لصحة القراءةِ بالتاء.
وقوله: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} . اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي أُشِير إليه بقولِه: {هَذَا} ؛ فقال بعضُهم: أُشِير به إلى الآياتِ التي في {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ:{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} . يقولُ: الآياتُ التي في {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}
(4)
.
وقال آخرون: قصةُ هذه السورةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ:
(1)
قرأ بتاء الخطاب نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو عمرو وأبو جعفر وخلف. وبياء الغيب قرأ أبو عمرو وحده. النشر 2/ 299، والإتحاف ص 270.
(2)
في م: "الأشقياء"، وفى ت 1:"الأسفيان". وينظر تفسير القرطبي 20/ 23.
(3)
الكشف عن وجوه القراءات السبع 2/ 370، وتفسير البغوي 8/ 403، وهي قراءة ابن مسعود كما في مختصر الشواذ ص 172.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 405، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 341 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد.
{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} . قال: قصةُ هذه السورةِ لفى الصُّحُفِ الأُولى
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنَّ هذا الذي قضَى
(2)
اللهُ في هذه السورةِ، لفى الصُّحُفِ الأُولى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} . قال: إنَّ هذا الذي قضَى
(3)
اللهُ في هذه السورةِ، لفى الصُّحُفِ الأُولى، {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}
(4)
.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك أنَّ قولَه: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} ، في الصُّحُفِ الأُولى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} . قال: تَتابَعَتْ كتبُ اللهِ كما تَسْمَعون، أَنَّ الآخرةَ خيرٌ وأبقى
(5)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ هَذَا
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 341 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
في النسخ: "قص". والمثبت مقتضى الصواب، وإلا فما فرق هذا القول من الذي سبقه؟!
(3)
في م، ت 1، ومصدر التخريج:"قص".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 367 عن معمر به.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 341 إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر.
لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}. قال: في الصحف التي أنزَلها اللهُ على إبراهيمَ وموسى، أنَّ الآخرةَ خيرٌ من الأُولى
(1)
.
وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ قولَه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} لفى الصُّحُفِ الأُولى؛ صحفِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، وصحفِ موسى ابن عمرانَ.
وإنما قلتُ: ذلك أَوْلَى بالصحةِ من غيرِه؛ لأنَّ "هذا" إشارةٌ إلى حاضرٍ، فَلأَنْ يكونَ إشارةً إلى ما قَرُب منها، أولى مِن أنْ يكونَ إشارةً إلى غيرِه. وأما الصحفُ فإنها جمعُ صحيفةٍ، وإنما عُنِى بها كتبُ إبراهيمَ وموسى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي الجَلْدِ، قال: نزَلت صحفُ إبراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ من رمضانَ، وأُنزِلَتِ التوراةً لستِّ ليالٍ خَلَوْن مِن رمضانَ، وأُنزِل
(2)
الزَّبورُ لاثنتَىْ عَشْرَةَ ليلةً، وأُنزِل الإنجيلُ لثماني عَشْرةَ، وأُنزِل الفرقانُ لأربعٍ وعشرين
(3)
.
آخرُ تفسيرِ سورةِ سبحِ اسمَ ربِّك الأعلى
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 24، وابن كثير في تفسيره 8/ 405.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أنزلت".
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عشرة".
والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 294 من طريق سعيد به مختصرا بآخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 25 إلى عبد بن حميد.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ الغاشيةِ
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {هَلْ أَتَاك} يا محمدُ {حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} ؟ يعنى: قصتُها وخبَرُها.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الغاشيةِ؛ فقال بعضُهم: هي القيامةُ، تَغْشَى الناسَ بالأهوالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: الغاشيةُ من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} . قال: الغاشيةُ: الساعةُ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 55 - من طريق أبي صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 406، مختصرا عند كليهما.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{الْغَاشِيَةِ} . قال: الساعةِ
(1)
.
وقال آخرون: بل الغاشيةُ: النارُ تَغْشَى وجوهَ الكَفَرَةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن سعيدٍ في قوله:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} . قال: غاشيةِ النارِ
(2)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: إنَّ الله قال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} ؟ ولم يُخْبِرْنا أنه عَنَى غاشيةَ القيامةِ، ولا أنه عَنَى غاشيةَ النارِ، وكلتاهما غاشيةٌ؛ هذه تَغْشَى الناسَ بالبَلَابِلِ
(3)
والأهوالِ والكروبِ
(4)
، وهذه تَغْشَى الكفارَ باللَّفْحِ في الوجوهِ، والشُّواظِ والنُّحاسِ، فلا قولَ أَصَحُّ في ذلك مِنْ أَنْ يُقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه، ويُعَمَّ الخبرُ بذلك كما عَمَّه.
وقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} .
وهى وجوهُ أهلِ الكفرِ به، {خَاشِعَةٌ}. يقولُ: ذليلةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} : أي: ذليلةٌ
(5)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف.
(2)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 334، والقرطبي في تفسيره 20/ 25، وأبو حيان في البحر المحيط 8/ 462.
(3)
في م، ت 1:"بالبلاء". والبلابل: شدَّة الهَمّ. ينظر اللسان (ب ل ل).
(4)
في ص، ت 1:"الكرب".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{خَاشِعَةٌ} . قال: خاشعةٌ في النارِ
(1)
وقوله: {عَامِلَةٌ} . يعنى: عاملةٌ في النارِ. وقولُه: {نَاصِبَةٌ} . يقولُ: ناصبةٌ فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} : فإنها تعملُ وتَنْصَبُ في النارِ
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمعتُ الحسنَ قرَأ: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} . قال: لم تَعْمَلْ للهِ في الدنيا، فأَعْمَلَها في النارِ
(3)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} : تَكَبَّرت في الدنيا عن طاعةِ اللهِ، فأعْمَلَها وأَنْصَبَها في النارِ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} . قال: عاملةٌ ناصبةٌ في النارِ (1).
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 368 عن معمر به.
(2)
ذكره ابن حجر في تغليق التعليق 4/ 365 عن المصنف.
(3)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 407، والقرطبي في تفسيره 20/ 27.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} . قال: لا أحدَ أنْصَبُ ولا أَشَدُّ مِن أهلِ النارِ.
وقولُه: {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} . يقولُ تعالى ذكرُه: تَرِدُ هذه الوجوهُ نارًا حاميةً قد حَمِيَت واشتدَّ حرُّها.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: {تَصْلَى} بفتحِ التاءِ، بمعنى: تَصْلى الوجوهُ. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (تُصْلَى) بضمِّ التاءِ اعتبارًا بقولِه: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}
(1)
. والقولُ في ذلك أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقوله: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} . يقول: يُسْقَى أصحابُ هذه الوجوهِ مِن شَرابِ عينٍ قد أَنَى حرُّها، فبلَغ غايتَه في شدَّةٍ الحرِّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} . قال: هي التي قد طال
(2)
أَنْيُها
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:
(1)
قرأ بفتح التاء نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وأبو جعفر وخلف. وقرأ بضمها أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر. النشر 2/ 299، والإتحاف ص 270.
(2)
في م: "أطال".
(3)
في ت 1: "أنينها". والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف.
{تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} . قال
(1)
: أَنَّى طَبْخُها مُذْ
(2)
خَلَقَ الله الدنيا.
حدَّثني به يعقوبُ مَرَّةً أُخرى، فقال: منذُ يومِ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} . قال: قد بَلَغَتْ إِناها، وحان شُرْبُها
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} . يقولُ: قد أَنَى طَبْحُها منذُ خلق اللهُ السماواتِ والأَرضَ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} . قال: من عينٍ أَنَى حرُّها. يقولُ: قد بلَغ حرُّها
(6)
.
وقال بعضُهم: عُنى بقولِه: {مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} : مِن عينٍ حاضرةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} . قال: آنيةٍ: حاضرةٍ
(7)
.
(1)
بعده في ص، ت 2:"قد".
(2)
في م: "منذ يوم".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد بنحوه.
(4)
تفسير مجاهد ص 724، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 365 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 368 عن معمر به.
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
وقولُه: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . يقولُ: ليس لهؤلاء الذين هم أصحابُ الوجوهِ
(1)
الخاشعةِ العاملةِ الناصبةِ يومَ القيامةِ طعامٌ، إلا ما يَطْعَمونه مِن ضَرِيعٍ. والضَّرِيعُ عندَ العربِ نَبْتُ يقالُ له: الشِّبْرِقُ. وتُسمِّيه أهلُ الحجازِ الضَّرِيعَ إذا يَبِس، ويُسمِّيه غيرُهم الشِّبْرِقَ، وهو سُمٌّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: الضَّرِيعُ: الشِّبْرِقُ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال محمدُ: ثنا، وقال عبَّادٌ: أخبَرنا محمدُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الرحمنِ الأَصْبهانيِّ، عن عكرمةَ في قولِه:{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: الشِّبْرِقُ
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: ثنى نَجْدةُ، رجلٌ مِن عبد القيسِ عن عكرمةَ في قولِه:{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: هي شجرةٌ ذاتُ شَوْكٍ، لَاطِئةٌ بالأرضِ، فإذا كان الرَّبيعُ سَمَّتْها قريشٌ الشَّبْرِقَ، فإذا هاج العُودُ سَمَّتها الضَّرِيعَ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن
(1)
سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
مجاهدٍ: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: الشِّبْرِقُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{ضَرِيعٍ} . قال: الشِّبْرِقُ اليابسُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرً، عن قتادةَ:{إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: هو الشِّبْرِقُ إِذا يَبِس يُسمَّى الضَّرِيعَ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . يقولُ: مِن شرِّ الطعامِ وأبشعِه وأخبثِه
(3)
.
حدَّثني محمدُ بن عبيدٍ، قال: ثنا شَريكُ بنُ عبدِ اللهِ في قوله: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: الشِّبْرِقُ.
وقال آخرون: الضَّرِيعُ: الحجارةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه:{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: الحجارةُ
(4)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 724، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 368 عن معمر به.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقال آخرون: الضَّرِيعُ: شجرٌ مِن نارٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . يقولُ: شجرٌ مِن نارٍ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} . قال: الضَّرِيعُ: الشَّوْكُ مِن النارِ. قال: وأما في الدنيا فإن الضَّرِيعَ: الشَّوْكُ اليابسُ الذي ليس له ورَقٌ، تدعوه العربُ الضَّرِيعَ، وهو في الآخرةِ شَوْكٌ مِن نارٍ
(2)
.
وقولُه: {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} . يقولُ: لا يُسْمِنُ هذا الضريعُ يومَ القيامةِ أَكَلَتَه مِن أهل النارِ، {وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}. يقولُ: ولا يُشْبِعُهم مِن جوعٍ يُصِيبُهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} . يعنى يومَ القيامةِ، {نَاعِمَةٌ}. يقولُ: هي ناعمةٌ بتنعيمِ اللهِ أهلَها في جناتِه، وهم أهلُ الإيمانِ باللهِ.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 55 - من طريق أبي صالح به. بلفظ: "شجر من شوك". وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 407 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 342 إلى ابن المنذر كلاهما بلفظ المصنف.
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 408.
وقولُه: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} . يقولُ: لعملِها الذي عمِلتْ في الدنيا مِن طاعةِ ربِّها راضيةٌ. وقيل: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} . والمعنى: لثوابِ سعيها في الآخرةِ راضيةٌ.
وقولُه: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} . وهى بستانٌ، {عَالِيَةٍ}. يعنى: رفيعةٍ.
وقوله: {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} . يقولُ: لا تَسْمَعُ هذه الوجوهُ: المعنى: لأهلِها فيها؛ في الجنةِ العاليةِ - لاغيةً. يعنى باللَّاغيةِ: كلمةَ لَغْوٍ. واللَّغْوُ: الباطلُ، فقيل للكلمةِ التي هي لَغْوٌ: لاغيةٌ. كما قيل لصاحبِ الدرعِ: دارعٌ. ولصاحبِ الفرسِ: فارسٌ، ولقائلِ الشعرِ: شاعرٌ. وكما قال الحُطيئةُ
(1)
:
أَغْرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أَنَّـ
…
كَ لابِنٌ بالصَّيْفِ تَامِرْ
يعني: صاحبُ لبنٍ، وصاحبُ تمرٍ. وزعَم بعضُ نحويِّي
(2)
الكوفيِّين
(3)
أنَّ معنى ذلك: لا يُسمَعُ
(4)
فيها حالفةٌ على الكذبِ. ولذلك قيل: لاغيةٌ. ولهذا الذي قاله مذهبٌ ووجْهٌ، لولا أنَّ أهلَ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين على خلافِه، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ خلافُهم فيما كانوا عليه مُجْمِعين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
تقدم تخريجه في 19/ 463، 464.
(2)
سقط من: م، ت 2، ت 3.
(3)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 257.
(4)
في م، ت 2، ت 3:"تسمع".
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} . يقولُ: لا تسمعُ أَذًى ولا باطلًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} . قال: شَتْمًا
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} : لا تسمعُ فيها باطلًا، ولا شاتمًا.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه
(3)
.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ، وبعضُ قرأةِ المدينةِ وهو أبو جعفرٍ:{لَا تَسْمَعُ} بفتحِ التاءِ، بمعنى: لا تسمعُ الوجوهُ
(4)
. وقرَأ ذلك ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو: (لا تُسْمَعُ) بضمِّ التاءِ، بمعنى ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ ويُؤنَّثُ (تُسْمَعُ) لتأنيثِ (لاغيةٌ)
(5)
. وقرَأ ابنُ مُحيصنٍ بالضمِّ أيضًا، غيرَ أنه كان يقرَؤها بالياءِ، على وجْهِ التذكيرِ
(6)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى المصنف.
(2)
تفسير مجاهد ص 724، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 368، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(4)
وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب في رواية روح عنه، وخلف. النشر 2/ 299.
(5)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس (لا يُسمع) بياء مضمومة على التذكير، وقرأ نافع كذلك إلا أنه بالتاء على التأنيث (لا تُسمع) مبنيا للمفعول. النشر 2/ 299.
(6)
إتحاف فضلاء البشر ص 270.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ صحيحاتُ المعانى، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
قولُه: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} . يقولُ: في الجنةِ العاليةِ عينٌ جاريةٌ في غيرِ أُخْدودٍ.
وقولُه: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} . والسُّرُرُ: جمعُ سرِيرٍ، مرفوعةٌ ليَرَى المؤمنُ إذا جلَس عليها جميعَ ما خوَّله ربُّه من النعيمِ والمُلكِ فيها، ويَلْحَقُ جميعَ ذلك بصرُه.
وقيل: عُنِى بقولِه: {مَرْفُوعَةٌ} : مَوْضونةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} . يعني: موضونةٌ، كقولِه:{سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ} [الطور: 20]: بعضُها فوقَ بعضٍ
(1)
.
وقولُه: {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} . وهى جمعُ كُوبٍ، وهى الأباريقُ التي لا آذانَ لها، وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى وذكَرْنا ما فيه مِن الروايةِ، بما أَغْنى عن إعادتِه
(2)
.
وعُنى بقوله: {مَوْضُوعَةٌ} : أنها موضوعةٌ على حافَةِ العينِ الجاريةِ، كلما أراد
(3)
الشُّرْبَ وجَدها
(4)
ملْأَى مِن الشَّرابِ.
وقولُه: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} . يعني بالنَّمارقِ الوسائدَ والمرافقَ
(5)
، واحدُها
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى المصنف.
(2)
ينظر ما تقدم في 22/ 295 - 297.
(3)
في م، ت 2، ت 3:"أرادوا".
(4)
في م، ت 2، ت 3:"وجدوها".
(5)
بعده في م، ت 2، ت 3:"والنمارق".
نُمْرُقةٌ، بضمِّ النونِ. وقد حُكِى عن بعضِ كلبٍ سماعًا نِمْرِقةٌ، بكسرِ النونِ والراءِ. وقيل:{مَصْفُوفَةٌ} . لأنَّ بعضَها بجنبِ بعضٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} . يقولُ: المرافقُ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} . يعنى بالنَّمَارِقِ المجالسَ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} : والنمارقُ: الوسائدُ
(3)
.
وقولُه: {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها طَنافسُ وبُسُطٌ كثيرةٌ مبثوثةٌ مفروشةٌ. والواحدةُ: زَرْبِيَّةٌ، وهى الطِّنْفِسَةُ التي لها خَمْلٌ رقيقٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال:[ثنا سفيان]
(4)
، قال: ثنا توبةُ
(1)
أخرجه البيهقى في البعث (338)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 55 - من طريق أبي صالح به.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى المصنف.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(4)
في م، ت 2، ت 3:"ثنا سعيد عن سفيان". وفي ت 1: "ثنا سعيد عن قتادة". وينظر تهذيب الكمال 11/ 154، 32/ 124.
العنبريُّ، عن عكرمةَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمارٍ، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطابِ يصلِّى على عَبْقَرِيٍّ، وهو الزرابيُّ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} : المبسوطةُ
(1)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)}
يقول تعالى ذكرُه لمُنكِرى قدرتِه على ما وصَف في هذه السورةِ، من العقابِ والنكالِ الذي أعدَّه لأهلِ عداوتِه، والنعيمِ والكرامةِ التي أعدَّها لأهلِ ولايتِه: أفلا ينظرُ هؤلاء المنكِرون قُدْرةَ اللهِ على هذه الأمورِ، إلى الإبلِ كيف خلَقها، وسخَّرها لهم وذَلَّلها، وجعَلها تحمِلُ حِمْلَها باركةٌ، ثم تنهضُ به؟! والذي خلَق ذلك غيرُ عزيزٍ عليه أنٍ يخلُقَ ما وصَف مِن هذه الأمورِ في الجنةِ والنارِ. يقولُ جل ثناؤُه: أفلا يَنْظُرون إلى الإبلِ، فيعتبرون بها، ويعلمون أنَّ القُدْرةَ التي قدَر بها على خلقِها، [لن يُعْجِزَه]
(2)
خَلْقُ ما شابهها؟!
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما نَعَت اللهُ ما في
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
في ص: "أن نعجزه".
الجنةِ، عَجِب مِن ذلك أهلُ الضلالة، فأنزل الله:{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} . فكانت الإبلُ مِن عيشِ العربِ ومن خَوَلِهم
(1)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ
(2)
عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع شُريحًا يقولُ: اخْرُجوا بنا ننظرْ إلى الإبلِ كيف خُلِقت
(3)
.
وقولُه: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: أفلا يَنْظُرون أيضًا إلى السماءِ فوقَهم
(4)
كيف رفَعها الذي أخبَركم أنه مُعِدٌّ لأوليائِه ما وصَف، ولأعدائِه ما ذكَر، فيعلموا أنَّ قُدْرتَه القدرةُ التي لا يُعْجِزُه فعلُ شيءٍ أراد فعلَه؟!
وقوله: {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} . يقولُ: وإلى الجبالِ كيف أُقِيمت منتصبةً، لا تَسَقُطُ فتَنْبسطَ في الأرضِ، [ولكنه]
(5)
جعَلها بقدرتِه منتصبةً جامدةً، لا تبْرحُ مكانَها، ولا تزولُ عن موضعِها.
وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} : تصاعدُ إلى الجبلِ الصَّيْخودِ
(6)
عامةَ يومِك، فإذا أَفْضَيْتَ إلى أعلاه، أَفْضَيْتَ إلى عيونٍ متفجرةٍ وثمارٍ متهدِّلةٍ ثَمَّ، لم تَحرُثْه الأيدى ولم تَعْمَلُه،
(1)
الخول: ما أعطاك الله تعالى من النعم والعبيد والإماء وغيرهم من الحاشية، للواحد والجميع والمذكر والمؤنث. القاموس المحيط (خ و ل).
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
في ت 1: "سعيد". وينظر تهذيب الكمال 12/ 479.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد بن حميد.
(4)
سقط من: م، ت 2، ت 3.
(5)
في م، ت 2، ت 3:"ولكنها".
(6)
يقال: صخرة صيخود: شديدة، لا تعمل فيها المعاول. ينظر القاموس المحيط والوسيط (ص خ د).
نعمةً مِن الله، وبُلْغةَ الأجلِ
(1)
.
وقوله: {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} . يقولُ: وإلى الأرض كيف بُسِطَت. يقالُ: جبلٌ مُسَطَّحٌ: إذا كان في أعلاه استواءٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} . أي: بُسِطت. يقولُ: أليس الذي خلق هذا بقادرٍ على أن يخلُقَ ما أراد في الجنة؟
(1)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)} .
يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {فَذَكِّرْ} يا محمدُ عبادي بآياتي، وعِظْهم بحججِي، وبلِّغْهم رسالتي، {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ}. يقولُ: إنما أرسَلتُك إليهم مذكِّرًا؛ لتذكِّرهم نِعَمى عندَهم، وتعرِّفَهم اللازمَ لهم، وتعِظَهم.
وقوله: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} . يقولُ: لستَ عليهم بمسلَّطٍ، ولا أنت بجبارٍ تحمِلُهم على ما تريدُ. يقولُ: كِلْهم إليَّ، ودَعْهم وحُكمى فيهم، يقال: قد تَسيطَرَ فلانٌ على قومِه. إذا تسلَّط عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} . يقولُ: لستَ عليهم بجبارٍ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} . أي: كِلْ إليَّ عبادى
(2)
.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بِمُصَيْطِر} . قال: جبارٍ
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر} . قال: لست عليهم بمسلَّطٍ أن تُكرِهَهم على الإيمانِ. قال: ثم جاء بعدَ هذا: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73، التحريم: 9]: وقال: {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]. وارصُدوهم لا يخرجوا في البلادِ، {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة - 5]. قال: فنَسَخت: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} . قال: جاء: اقتُلْه أو يُسْلِمَ. قال: والتذكرُ كما هي لم تُنسَحْ. وقرِأ: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}
(4)
[الذاريات: 55].
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 55 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد بن حميد.
(3)
تفسير مجاهد ص 725، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ص 772، وينظر ابن كثير في تفسيره 8/ 410 مختصرًا.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُمرِتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا اللهُ. فإذا قالوا: لا إلهَ إلا اللهُ. عصَموا منى دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابهم على اللهِ". ثم قرأ: {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} "
(1)
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي الزبيرِ محمدِ بن مسلمٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: سمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ، فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: قال أبو الزُّبيرِ: ثم قرَأ: " {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} ".
حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى القَطَّانُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مثلَه.
وقولُه: {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} . يتوجَّهُ لوجهين؛ أحدُهما: فذكِّرْ قومك يا محمدُ، إلا من تولَّى منهم عنك، وأعرَض عن آياتِ اللهِ فكفَر. فيكونُ قولُه:{إِلَّا} استثناءً من الذين كان التذكيرُ عليهم، وإن لم يُذكَّروا، كما يقالُ: مضَى فلانٌ فدعا، إلا من لا تُرْجَى إجابتُه. بمعنى: فدعا الناسَ إِلا مَن لا تُرْجَى إجابتُه. والوجه الثاني: أن يُجعَلَ قولُه: {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} . منقطعًا عما قبله. فيكونُ معنى الكلامِ حينَئذٍ: لستَ عليهم بمسيطرٍ، إلا من تولَّى وكفَر، يعذِّبُه اللهُ. وكذلك الاستثناءُ المنقطعُ يُمتحنُ بأن يحسُنَ معه "إن"، فإذا حسُنت معه كان منقطعًا، وإذا لم تحسُنْ كان استثناءً متصلًا صحيحًا، كقولِ القائلِ: سار القومُ إلا
(1)
أخرجه الترمذى (3341) عن محمد بن بشار به، وأحمد 22/ 119 (14209)، ومسلم (21/ 35) من طريق عبد الرحمن به، والنسائى في الكبرى (11670) من طريق سفيان به.
زيدًا. ولا يصلحُ دخولُ "إن" ههنا؛ لأنه استثناءٌ صحيحٌ
(1)
.
وقوله: {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} ، وهو عذابُ جهنمَ. يقولُ: فيعذِّبُه اللهُ العذابَ الأكبرَ على كفرِه به
(2)
في الدنيا. و
(3)
عذابَ جهنمَ في الآخرةِ.
وقوله: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} . يقولُ: إن إلينا رجوعَ مَن كفَر ومعادَهم،
{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} . يقولُ: ثم إن على اللهِ حسابَه، وهو يجازيه بما سلَف منه من معصيةِ ربِّه. يُعلِمُ بذلك نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه المتولى عقوبتَه دونَه، وهو المجازى والمعاقِبُ، وأنه الذي إليه التذكيرُ وتبليغُ الرسالةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} . قال: حسابُه على الله
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} . يقول: إن إلى اللهِ الإيابَ، وعليه الحسابِ
(5)
.
آخرُ تفسير سورة الغاشية
(1)
ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 258، 259.
(2)
سقط من: م، ت 2، ت 3.
(3)
سقط من: ص.
(4)
تفسير مجاهد ص 725، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 343 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 344 إلى المصنف وعبد بن حميد.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "والفجر"
القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {الْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: هذا قَسَمٌ، أقسم ربُّنا جلَّ وعزَّ بالفجرِ، وهو فجرُ الصُّبحِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عُنى بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى به النهارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الأغرِّ المِنقَرِيِّ، عن خليفةَ بن الحُصينِ، عن أبي نصرٍ، عن ابن عباسٍ:{وَالْفَجْرِ} . قال: النهارُ
(1)
.
وقال آخرون: بل عُنِى به صلاةُ الفجرِ
(2)
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَالْفَجْرِ} . يعنى صلاة الفجر
(3)
.
(1)
أخرجه الحاكم 2/ 522، والبيهقى في الشعب (3745) من طريق سفيان به، والأثر في تفسير مجاهد ص 726 من طريق الأغرِّ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 344 إلى الفريابي وابن أبي حاتم.
(2)
في م: "الصبح".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 344 إلى المصنف.
وقال آخرون: هو فجرُ الصُّبحِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن عكرمةَ في قوله:{وَالْفَجْرِ} . قال: الفجرُ فجرُ الصُّبحِ
(1)
.
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ قيسٍ، عن محمد بن المرتفعِ، عن عبدِ الله بن الزبيرِ، أنه قال:{وَالْفَجْرِ} . قال: الفجرٌ قسَمٌ أقسَم اللهُ به
(2)
.
وقوله: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} . اختلف أهلُ التأويلِ في هذه الليالي العشرِ، أيُّ ليالٍ هي؛ فقال بعضُهم: هي ليالى عشرِ ذي الحِجةِ.
[ذكرُ مَن قال ذلك]
(3)
حدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ وعبدُ الوهَّابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن زرارةَ
(4)
، عن ابن عباسٍ، قال: إن اللياليَ العشرَ التي أقسَم اللهُ بها، هي ليالى العشرِ الأُوَلِ من ذى الحجةِ
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 344 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 344 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1.
(4)
بعده في الأصل: "بن مرة". وهو خطأ.
(5)
أخرجه البيهقى في الشعب (3747) من طريق عوف عن زرارة بن أبي أوفى.
أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} : بعَشرِ
(1)
الأضحى. قال: ويقالُ: العشرُ: أولُ السنةِ من المحرمِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُ بن قيسٍ، عن محمدِ بن المرتفعِ، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} : أولُ ذى الحجةِ إلى يومِ النحرِ
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ: قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عوفٌ، قال: ثنا زرارةُ بنُ أوفى، قال: قال ابنُ عباسٍ: إنَّ اللياليَ العشرَ اللاتى أقسَم اللهُ بهنَّ هنَّ الليالى الأُوَلُ من ذى الحجةِ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مسروقٍ:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} . قال: عشرُ ذي الحجةِ، وهى التي وعَد اللهُ موسى عليه السلام
(4)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن عكرمةَ:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} . قال: عشرُ ذى الحجةِ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الأغرِّ المنِقَرِيِّ، عن خليفةَ بن حُصَينٍ، عن أبي نصرٍ، عن ابن عباسٍ:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} . قال: عشرُ
(1)
في م: "عشر".
(2)
أخرجه البخاري في التاريخ 9/ 35 من طريق محمد بن المرتفع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي حاتم.
(3)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(4)
أخرجه البيهقى في الشعب (3748) من طريق إسرائيل به بزيادة: وأتممناها بعشر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى عبد بن حميد.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى عبد بن حميد.
الأضحى
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} . قال: عشرُ ذى الحجةِ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} .
قال: كنا نُحدَّثُ أنها عشرُ الأضحى
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس عملٌ في ليالٍ من ليالى السنةِ أفضلَ منه في ليالي العشرِ، وهى عشرُ موسى التي أتمَّها اللهُ له
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن مسروقٍ، قال: ليالى العشرِ، قال: هي أفضلُ أيامِ السنةِ
(5)
.
[حدثني عبدانُ
(6)
المروزيُّ، قال: ثنا]
(7)
الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ
(1)
جزء من حديث أخرجه الحاكم 2/ 522، والبيهقى في الشعب (3745) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 369، وفي مصنفه (8119) من طريق معمر به.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 369، وفي مصنفه (8120) عن معمر عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(6)
في الأصل: "عصام". وهو عبدان - أو عبدة - بن محمد. ينظر تاريخ المصنف 1/ 59، 81، 118، 280.
(7)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حدثت عن".
يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} : يعنى عشرَ الأضحى
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} . قال: أوَّلُ ذى الحجةِ
(2)
.
وقال آخرون
(3)
: هي عشرُ المحرمِ من أولِه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنها عشرُ الأضحى؛ لإجماعِ الحجةِ من أهل التأويل عليه، وأن عبدَ اللهِ بن أبي زيادٍ القَطْوانيَّ حدَّثني، قال: ثني زيدُ بن حُبابٍ، قال: أخبَرنى عياشُ بنُ عقبةَ، قال: ثني خيرُ بنُ نُعيمٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:" {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} ". قال: "عشرُ: الأضحى"
(4)
.
وقوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي عُنى به من [الشفع بقولِه: {وَالشَّفْعِ}، والذي عُنِى به من]
(5)
الوترِ بقوله: {وَالْوَتْرِ} ؛ فقال بعضُهم: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ وعبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى الفريابي وعبد بن حميد.
(2)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 341.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(4)
أخرجه أحمد 22/ 389 (14511)، والبزار (2286 - كشف)، والنسائي في الكبرى (4101)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 413 - والحاكم (2/ 220، والبيهقي في الشعب (3743) كلهم من طريق زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 345 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
عوفٍ، عن زُرارةَ بن أوفى، عن ابن عباسٍ، قال: الوترُ يومُ عرفةَ، والشفعُ يومُ الذبحِ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عوفٌ، قال: ثنا زرارةُ بنُ أوفى، قال: قال ابنُ عباسٍ: الشفعُ يومُ النحرِ، والوَترُ يومُ عرفةَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بن مسلمٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، قال: قال عكرمةُ، عن ابن عباسٍ: الشفعُ يومُ النحرِ، والوَترُ يومُ عرفةَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن عكرمةَ:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ
(2)
.
وحدَّثنا به مرّةً أخرى، فقال: الشفعُ أيامُ النحرِ. وسائرُ الحديثِ مثلُه.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا عاصمٌ الأحولُ، عن عكرمةَ في قوله:{وَالشَّفْعِ} . قال: يومُ النحرِ، {وَالْوَتْرِ}: يومُ عرفةَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، قال: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن الضحاكِ:[{وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}]
(3)
. قال: أقسَم اللهُ بهن لما يَعلمُ من فضلِهِنَّ على سائرِ الأيامِ، وخيَّر هذين اليومين؛ لما يَعلَمُ من فضلِهما على
(4)
هذه الليالي، {وَالشَّفْعِ
(1)
أخرجه البيهقى في الشعب (3747) من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 370 بسنده إلى عكرمة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346، 347 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3)
في الأصل، ص، ت 1، ت، ت 3:"والشفع والوتر وليال عشر".
(4)
بعده في م: "سائر".
وَالْوَتْرِ}. قال: الشفعُ يومُ النحرِ، والوترُ يومُ عرفةَ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: الشفعُ يومُ الأضحى، والوترُ يومُ عرفةَ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال عكرمةُ: عرفةُ، وترٌ، والنحرُ شفعٌ، عرفةُ يومَ التاسعِ، والنحرُ يومَ العاشرِ
(2)
.
[حدثنا عبدانُ]
(3)
، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقول: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالشَّفْعِ} : يومُ النحرِ، {وَالْوَتْرِ}: يومُ عرفةَ.
وقال آخرون: الشَّفعُ اليومانِ بعدَ يومِ النَّحرِ، والوترُ اليومُ الثالثُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال:[أخبَرني عمرُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بن المرتفعِ، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ]
(4)
في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: الشفعُ يومان بعدَ يومِ النحرِ، والوترُ يومُ النَّفْرِ الآخرِ، يقولُ اللهُ:{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}
(5)
[البقرة: 203].
وقال آخرون: الشفعُ الخلقُ كلُّه، والوترُ اللهُ.
(1)
عزا السيوطي شطره الأول في الدر المنثور 6/ 345 إلى الفريابي وعبد بن حميد، وعزا شطره الثاني في 6/ 347 إلى عبد بن حميد.
(2)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(3)
في الأصل: "حدثنا عصام"، وفى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حدثت". وينظر ما تقدم في ص 347.
(4)
في ص، م، ت 1:"قال ابنُ زيد".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى المصنف وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: اللهُ وترٌ وأنتم شفعٌ، ويقالُ: الشفعُ صلاةُ الغداةِ، والوترُ صلاةُ المغربِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: كلُّ خلقِ اللهِ شفعٌ؛ السماءُ والأرضُ، والبرُّ والبحرُ، والجنُّ والإنسُ، والشمسُ والقمرُ، واللهُ الوترُ وحدَه
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قوله: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49]. قال: الكفرَ والإيمانَ، والشقوةَ والسعادةَ، والهدى والضلالةَ، والليلَ والنهارَ، والسماءَ والأرضَ، والجنَّ والإنسَ، والوترُ اللهُ. قال: وقال في الشفعِ والوترِ مثلَ ذلك
(3)
.
حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قوله:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: خَلَقَ اللهُ من كلِّ شيءٍ زوجين، واللهُ وترٌ واحدٌ صمدٌ
(4)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى المصنف.
(2)
تفسير مجاهد ص 726، وأخرجه ابن حجر بسند آخر عن مجاهد - كما في تغليق التعليق 4/ 367 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
تقدم تخريجه في 21/ 547.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى عبد بن حميد
حدَّثني محمدُ بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: الشفعُ الزوجُ، والوترُ اللهُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهد:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: الوترُ اللهُ، وما خلَق اللهُ من شيءٍ فهو شفعٌ
(2)
.
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: الوترُ اللهُ، وما خلَق اللهُ من شيءٍ فشفعٌ]
(3)
(4)
.
وقال آخرون: عُنِى بذلك الخلقُ، وذلك أنَّ الخلقَ كلَّه شفعٌ ووترٌ.
[ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى]
(3)
، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِه:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: الخلقُ كلُّه شفعٌ ووترٌ، فأقسَم بالخلقِ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في ذلك: الخلقُ كلُّه شفعٌ [ووترٌ
(6)
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه]
(3)
: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: كان أَبِي يقولُ: كلُّ شيءٍ خَلَقَ اللهُ شفعٌ ووترٌ، فأَقسَم بما
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 414 - من طريق عبيد الله بن موسى.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ص، م، ت، ت 2، ت 3.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى عبد بن حميد.
(5)
تفسير عبد الرزاق 2/ 369 عن معمر به.
(6)
تفسير عبد الرزاق 2/ 370 عن معمر به.
خلق، وأقسَم بما تبصرون وما لا تبصرون
(1)
.
وقال آخرون: بل ذلك الصَّلاة المكتوبةُ؛ منها
(2)
الشَّفعُ كصلاة الفجر والظهر، ومنها الوترُ كصلاةِ المغربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عمرانُ بنُ حصينٍ يقولُ: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} : الصلاةُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: قال عمرانُ بن حصينٍ: هي الصَّلاةُ المكتوبةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: ذلك صلاةُ المغربِ [الشفع والوتر]
(4)
؛ الشفعُ الركعتان
(5)
، والوترُ الركعةُ الثالثةُ
(6)
.
وقد رفَع حديثَ عمرانَ بن حُصينٍ بعضُهم.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 413.
(2)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فيها".
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 370، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى عبد بن حميد.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2 ت 3.
(5)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى ابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن رفعَه
(1)
حدثَّنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ، عن عمرانَ بن عصامٍ، عن عمرانَ بن حصينٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الشفعِ والوترِ، قال:"هي الصلاةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ".
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن الشفعِ والوترِ، فقال: أخبَرنى عمرانُ بنُ عِصامٍ الضُّبَعيُّ، عن شيخٍ من أهلِ البصرةِ، عن عمرانَ بن حصينٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"هي الصلاةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ"
(2)
.
حدَّثنا [أبو كُرَيبٍ]
(3)
، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا همامُ بنُ يحيى، [عن قتادةَ]
(4)
، عن عمرانَ بن عصامٍ، عن شيخٍ من أهلِ البصرةِ، عن عمرانَ بن حصينٍ، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآيةِ:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} . قال: "هي الصلاةُ؛ منها شفعٌ، ومنها وترٌ".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} : إن من الصلاة شفعًا، وإن منها وترًا
(5)
.
(1)
في ص، م، ت 1، ت،2، ت 3:"قال ذلك".
(2)
أخرجه الروياني في مسنده (148) عن محمد بن بشار، وأخرجه أحمد 4/ 438 (الميمنية)، والترمذي (3342)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 415 - والطبرانى 18/ 232، 233 (578، 579)، والحاكم 2/ 522 من طريق همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.
(3)
في الأصل: "ابن كريم".
(4)
سقط من: ص، م، ت ا، ت 2، ت 3.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى عبد بن حميد.
[وقال آخرون: والعددُ منه الشفع ومنه الوتر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: هو العددُ منه شفعٌ ومنه وترٌ]
(1)
(2)
.
حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن الشفعِ والوترِ، فقال: قال الحسنُ: هو العددُ.
ورُوِى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خبرٌ يؤيدُ القولَ الذي ذكَرنا عن ابن الزُّبيرِ
(3)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبد الله بن أبى زيادٍ القَطْوَانيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: أخبَرني عياشُ بن عقبةَ، قال: أخبَرنا خيرُ بنُ نُعيمٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشفع اليومان، والوترُ اليومُ الثالثُ
(4)
"
(5)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أقسَم بالشفعِ والوترِ، ولم يخصُص نوعًا من الشفعِ ولا من الوترِ دونَ نوعٍ بخبرٍ ولا عقلٍ، فكلُّ شفعٍ ووترٍ فهو مما أقسَم به، مما قال أهلُ التأويلِ إنه داخلٌ في قَسَمِه هذا؛ لعمومِ قسمِه
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى عبد بن حميد.
(3)
يقصد الخبر المتقدم ص 350.
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الواحد".
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 414 نقلًا عن المصنف.
بذلك.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَالْوَتْرِ} ؛ فقرَأته عامةُ قرأة المدينةِ ومكةَ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفةِ [بفتحِ الواوِ
(1)
، وهى لغةُ أهلِ الحجازِ، وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ]
(2)
بكسرِ الواوِ
(3)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مستفيضتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ ولغتان مشهورتان في العربِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . يقولُ: والليلِ إذا سار فذهَب. يقالُ منه: سرَى فلانٌ ليلًا يسرِى. إذا سار.
وقال بعضُهم: عُنِى بقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . ليلةُ جَمْعٍ، وهى ليلةُ المزدلفةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بن المرتفعِ، عن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} : حتى يُذْهِبَ بعضُه بعضًا
(4)
.
(1)
هي قراءة ابن عامر ونافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. النشر 2/ 299.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت، ت 3.
(3)
وهي قراءة حمزة والكسائى وخلف. النشر، الموضع السابق.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 346 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
[حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}]
(1)
. يقولُ: إِذا ذهَب
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةً، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . قال: إذا سار
(3)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . قال: والليلِ إذا سار
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . يقولُ: إذا سار.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . قال: إذا سار
(5)
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . قال: الليل إذا يسيرُ (4).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ:
(1)
في ت 2، ت 3: "حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(والليل إذا يسرى).
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 415.
(5)
تفسير عبد الرزاق 2/ 370، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 415.
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} . قال: ليلهُ جمعٍ
(1)
.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الشامِ والعراقِ: {يَسْرِ} بغيرِ ياءٍ
(2)
. وقرَأ ذلك جماعةٌ من القرأةِ بإثباتِ الياء
(3)
.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وحذفُ الياءِ في ذلك أعجبُ إلينا، ليوفّقَ بينَ رءوسِ الآياتِ إذ كانت بالراءِ. والعربُ ربما أسقَطت الياءَ في موضعِ الرفعِ مثلَ هذا؛ اكتفاءً بكسرةِ ما قبلَها منها، ومن ذلك قولُ الشاعرِ
(4)
:
ليس تخفَى يَسارَتي قدرَ يومٍ
…
ولقد تُخْفِ شِيمَتى إِعْسَارِى
وقوله: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هل فيما أقسمتُ به من هذه الأمورِ مقْنَعٌ لذى حِجرٍ. وإنما يعنِى بذلك: إن في هذا القسمِ مكتفًى لمن عقَل عن ربِّه، مما هو أغلظُ منه من الأقسامِ. فأما معنى قولِه:{لِذِي حِجْرٍ} . فإنه: لذى حِجًا وذى عقلٍ، يقالُ للرجلِ إذا كان مالكًا نفسَه قاهرًا لها ضابطًا: إنه لذو حِجْرٍ. ومنه قولُهم: حجَر الحاكمُ على فلانٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا قابوسُ بنُ أبي ظَبيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله:{لِذِي حِجْر} . قال:
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى وخلف. النشر 2/ 299.
(3)
أثبتها وصلًا نافع وأبو جعفر وأبو عمرو، وفى الحالين يعقوب وابن كثير. النشر، الموضع السابق.
(4)
البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 260 بدون نسبة.
لذى النُّهى والعقل
(1)
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةَ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{لِذِي حِجْر} . يقولُ: لأولى النُّهى.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: ذوى الحِجا والنُّهى والعقلِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن قابوسَ بن أبي ظبيانَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى عقلٍ، لذى نُهًى.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الأغرِّ المنِقَرِيِّ، عن خليفةَ بن الحصينِ، عن أبي نصرٍ، عن ابن عباسٍ:{قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى لُبٍّ، لذى حِجًا
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى عقلٍ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: لذى عقلٍ، لذى رأيٍ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ،
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 488 من طريق قابوس به.
(2)
أخرجه البيهقى في الشعب (3745) من طريق سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص 727 عن الأغر، وأخرجه ابن أبي شيبة 8/ 677 من طريق خليفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
أخرجه البيهقي في الشعب (4652) من طريق الحارث به.
عن [أبي يحيى]
، عن مجاهدٍ:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى لبٍّ، أو نُهًى.
حدَّثنا الحسنُ بن عرفةَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن هلالِ بن خَبّابٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى عقلٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى حِلْمٍ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله:{لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى حِجًا. وقال الحسنُ: لذى لُبٍّ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} : لذي حِجًا، لذى عقلٍ ولُبٍّ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . قال: لذى عقلٍ. وقرَأ: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، {لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]. وهم الذين عاتَبهم اللهُ. وقال: العقلُ واللُّبُّ واحدٌ، إلا أنه يفترقُ في كلامِ العربِ.
القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)} .
في الأصل: "ابن أبي نجيح". وينظر تهذيب الكمال 34/ 401، 402.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3)
تفسير عبد الرزاق 2/ 370 عن الحسن به.
(1)
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: قولُه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم تنظرْ يا محمدُ بعين قلبِك، فترى كيف فعل ربُّك بعادٍ؟
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى
(1)
قولِه: {إِرَمَ} ؛ فقال بعضُهم: هي اسمُ بلدة.
ثم اختلف الذين قالوا ذلك في البلدةِ التي عُنِيت بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنيت به الإسكندريةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال
(2)
: ثني يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن أبي صخرٍ عن القُرَظيِّ، أنه سمِعه يقولُ:{إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} : الإسكندريةُ
(3)
.
قال أبو جعفر
(4)
: وقال آخرون: هي دِمَشْقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهلاليُّ من أهلِ البصرةِ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ عن المَقْبُرِيِّ: {بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"تأويل".
(2)
بعده في ت 2 ت 3: "قال ابن زيد في قوله: إرم. قال".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف وابن المنذر.
(4)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"صخر".
الْعِمَاد}. قال: هي دمشقُ
(1)
وقال آخرون: عُنِى بقولِه: {إِرَمَ} أمَّةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ قوله:{إِرَمَ} . قال: أمةٌ
(2)
.
وقال آخرون: معنى ذلك: القديمةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا]
(3)
عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِرَمَ} . قال: القديمةُ
(4)
.
وقال آخرون: تلك
(5)
قبيلةٌ من عادٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} . قال: كنا نُحدَّثُ أَنَّ إرمَ قبيلةٌ
(1)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 1/ 218 من طريق ابن أبي ذئب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى عبد بن حميد.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: الأصل، ص، ت 1.
(4)
تفسير مجاهد ص 727، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 366 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(5)
في الأصل: "بل ذلك".
من عادٍ؛ بيت
(1)
مملكةِ عادٍ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{بِعَادٍ (6) إِرَمَ} . قال: قَبيلٌ
(2)
من عادٍ، كان يقالُ لهم: إرمُ
(3)
.
[وقال آخرون: إِنَّ إرمَ هو]
(4)
جَدُّ عادٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} .
يقولُ اللهُ: {بِعَادٍ (6) إِرَمَ} . أي: إنَّ عادَ، ابنُ إرَمَ بن عَوْصٍ بن سامِ بن نوحٍ
(5)
.
وقال آخرون: {إِرَمَ} : الهالكِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ} . يعنى بالإرمِ الهالكَ، ألا ترَى أنك تقولُ: أَرِم بنو
(6)
فلان
(7)
.
(1)
سقط من: الأصل، ص، ت 1، ت 3.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قبيلة".
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 370 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
سقط من: م.
(5)
سيرة ابن هشام 1/ 7: "عاد ابن عوص بن إرم". على أن إرم هو جدّ عاد كما ذكر المصنف في تقدمته لهذا الأثر. وقال القرطبي في تفسيره 20/ 45، 44: "وحكى عن ابن إسحاق أيضًا - قال: عاد ابن إرم. فإرم على هذا أبو عاد
…
وعلى القول الأول هو اسم جد عاد. قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد منهم إرم بن سام
…
فمن ولد إرم العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك الطغاة والعصاة".
(6)
في الأصل: "بني". وينظر مصدر التخريج
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف.
[حدَّثني المروزيُّ]
(1)
، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {بِعَادٍ (6) إِرَمَ} : [الإرمُ: الهالكُ]
(2)
، ألا ترَى أنك تقولُ: أَرِم بنو فلانٍ. أي هلَكوا
(3)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن يقالَ: إن إرمَ إما اسمُ بلدةٍ كانت عادُ تسكنُها، فلذلك رُدَّت على عادَ على الإتباعِ لها، ولم تُجْرَ من أجلِ ذلك، وإما اسمُ قبيلةٍ فلم تُجْرَ أيضًا، كما لا تُجْرَى أسماءُ القبائلِ؛ كتميمَ وبكرَ، وما أشبةَ ذلك إذا أرادوا به قبيلةً. وأما اسمُ عادَ فلم يُجرَ، إذ كان اسمًا أعجميًّا.
فأما ما ذُكِر عن مجاهدٍ، أنه قال: عُنِى بذلك القديمةُ. فقولٌ لا معنى له؛ لأن ذلك لو كان معناه لكان مخفوضًا
(4)
بالتنوينِ، وفى تركِ الإجراءِ الدليلُ على أنه ليس بنعتٍ ولا صفةٍ.
وأشبهُ الأقوالِ فيه بالصوابِ عندى أنها اسمُ قبيلةٍ من عادَ؛ ولذلك جاءت القراءةُ بتركِ إضافةِ عادَ إليها وتركِ إجرائِها، كما يقالُ: ألم ترَ ما فعَل ربُّك بتميم نهشلَ. فتُرِك
(5)
نهشلُ، وهى قبيلةٌ فتُرِك إجراؤُها لذلك، وهي في موضعِ خفضٍ بالردِّ على تميمَ، ولو كانت {إِرَمَ} اسمَ بلدةٍ أو اسمَ جدٍّ لعادٍ لجاءت القراءةُ بإضافِة عادَ إليها، كما يقالُ: هذا عمرُو زبيدٍ وحاتمُ طيئ وأعشى هَمْدَانَ، ولكنها اسم قبيلةٍ منها فيما أرى كما قال قتادةُ واللهُ أعلمُ؛ فلذلك أجمَعت القرأةُ فيها على تركِ الإضافةِ وتركِ الإجراءِ.
وقولُه: {ذَاتِ الْعِمَادِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {ذَاتِ
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حدثت". وتقدم في ص 347.
(2)
في ص، م:"الهلاك"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"الهالك"، وفي مصدر التخريج:"الإرم: الهلاك".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى ابن أبي حاتم.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"محفوظًا".
(5)
في م: "فيترك إجراء".
الْعِمَادِ} في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: ذاتِ الطُّولِ. وذهَبوا في ذلك إلى قولِ العربِ للرجلِ الطويلِ: رجلٌ مُعَمَّدٌ. وقالوا: كانوا طِوالَ الأجسامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{ذَاتِ الْعِمَادِ} . يعني: طولُهم مثلُ العمادِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بن عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ قولَه:{ذَاتِ الْعِمَادِ} . قال: كان لهم جسمٌ في السماءِ
(2)
.
وقال بعضُهم: بل قيل لهم: {ذَاتِ الْعِمَادِ} ؛ لأنهم كانوا أهلَ عَمَدٍ، ينتجعون الغيوثَ وينتقِلون إلى الكلأِ حيثُ كان، ثم يرجِعون إلى منازلِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الْعِمَادِ} . قال: أهلُ عمودٍ لا يقيمون
(2)
.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ذَاتِ الْعِمَادِ} . قال: ذُكِر لنا أنهم كانوا أهلَ عمودٍ لا يقيمون؛ سيارةً.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف.
(2)
تقدم تخريجه في ص 362.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ذَاتِ الْعِمَادِ} . قال: كانوا أهلَ عمودٍ
(1)
.
وقال آخرون: بل قيل ذلك لهم؛ لبناءٍ بناه بعضُهم، فشَيَّد عَمَدَه ورفَع بناءَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} . قال: عادُ قومُ هودٍ، بنَوها وعمِلوها حينَ كانوا في الأحقاف. قال:{لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا} : مثلُ تلك الأعمادِ
(2)
، {فِي الْبِلَادِ}. قال: وذلك في الأحقافِ في حضرَ موتَ، ثَمَّ كانت عادٌ. قال: وثَمَّ أحقافُ الرملِ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه، الأحقافُ؛ من الرملِ: رمالٌ أمثالُ الجبالِ، تكونُ مُظِلَّةٌ مجوَّفةً.
وقال آخرون: قيل ذلك لهم؛ لشدِة أبدانِهم وقُوتِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المروزيُّ، عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: {ذَاتِ الْعِمَادِ} . يعنى: الشِّدةِ والقوةِ
(3)
.
وأشبهُ الأقوالِ في ذلك بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك أنهم
(1)
بعده في الأصل: "لا يقيمون". والأثر تقدم تخريجه في ص 363
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الأعمال".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
كانوا أهلَ عمودٍ سيارةً؛ لأن المعروفَ في كلامِ العربِ من العمادِ، ما عُمِد به الخيامُ من الخشبِ، أو السوارى التي يُحمَلُ عليها البناءُ، ولا يُعلمُ بناءٌ كان لهم بالعمادِ بخبرٍ صحيحٍ، بل وجَّه بعضُ
(1)
أهل التأويلِ قولَه: {ذَاتِ الْعِمَادِ} إلى أنه عُنِى به طولُ أجسامِهم، وبعضُهم إلى أنه عُنِى به عمادُ خيامِهم، فأما عِمادُ البنيانِ، فلا نعلَمُ كبيرَ أحدٍ من أهلِ التأويلِ وجَّهَه إليه، وتأويلُ القرآنِ إنما يوجَّهُ إلى الأعرفِ
(1)
الأغلبِ الأشهرِ من معانيه - ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ - دونِ الأنكرِ.
وقوله: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعَل ربُّك بعادَ، إرمَ التي لم يُخلقْ مثلُها؛ يعنى: مثلُ عادَ، والهاءُ عائدةٌ على عادَ. وجائزٌ أن تكون عائدةً على إرمَ؛ لما قد بيَّنا قبلُ أنها قبيلةٌ. وإنما عُنِى بقولِه:{لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا} : [لم يخلق مثلها]
(2)
في العِظَمِ والبطشِ والأَيْدِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} : ذُكر لنا أنهم كانوا اثنى عشرَ ذراعًا طولًا في السماء
(3)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك ذاتِ العماد التي لم يخلقْ مثلُ الأعمدةِ في البلادِ. وقالوا: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا} من صفة هو {ذَاتِ الْعِمَاد} ، والهاءُ التي في
(1)
سقط من: ص، م، ت، ت 2، ت 3.
(2)
سقط من: ص، م، ت، ت 2، ت 3.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
{مِثْلُهَا} إنما هي من ذكرِ {ذَاتِ الْعِمَادِ}
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ. فذكَر نحوَه
(1)
.
وهذا قولٌ لا وجهَ له؛ لأن {الْعِمَادِ} واحدٌ مذكرٌ، و {الَّتِي} للأنثى، ولا يوصفُ المذكرُ بالتي، ولو كان ذلك من صفة {الْعِمَادِ} لقيل: الذي لم يُخْلقْ مثلُه في البلادِ. وإن جُعِلت {الَّتِي} لإرمَ، وجُعِلت الهاءُ عائدةً في قولِه:{مِثْلُهَا} عليها، وقيل: هي دمشقُ أو الإسكندريةُ. فإنَّ بلادَ عادٍ هي التي وصَفها الله في كتابِه فقال: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: 21].
والأحقافُ هي جمعُ حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرمل وانحنى. وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلادِ الرمال، بل ذلك الشِّحْرُ
(2)
من بلادِ حضرَموتَ وما والاها.
وقولُه: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} . يقولُ: وثمودَ الذي خرَقوا الصخرَ ودخَلوه، فاتَّخذوه بيوتًا. كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر: 82]. والعربُ تقولُ: جابَ فلانٌ الفلاةَ يَجُوبُها جَوْبًا. إذا دخَلها وقطَعها، ومنه قولُ نابغةِ بني جعدةَ
(3)
:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 417.
(2)
في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"الشجر". والشِّحر: الشَّطُّ، وهو صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. قال الأصمعي: هو بين عَدَن وعُمَان. وهناك عدة مدن يتناولها هذا الاسم. معجم البلدان 3/ 263.
(3)
البيت في الأغانى 5/ 28، والنهاية 3/ 183، واللسان (عثمثم).
أَتَاكَ أبو لَيْلَى يجوبُ بهِ الدُّجَى
…
دُجَى الليلِ جَوَّابُ الفلاةِ عَثَمْثَمُ
(1)
يعنى بقولِه: يجوبُ: يدخلُ ويقطعُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} . يقولُ: فخرَقوها
(2)
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} . يعنى ثمودَ قومَ صالحٍ؛ كانوا ينحِتون من الجبالِ بيوتًا
(3)
.
حدَّثني محمدُ بن عمارةَ الأسَدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه:{الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} . قال: جابوا الجبالَ، فجعَلوها بيوتًا
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} : جابوها ونَحتوها بيوتًا.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةِ: {جَابُوا
(1)
في م: "عميم". والعثمثم: الجمل القوى الشديد. اللسان (عثمثم).
(2)
في الأصل: "يجوبونها". وفي ت 2، ت 3:"يحرقوها".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
الصَّخْرَ}: نَقَبوا الصخرَ
(1)
.
[حدّثنى المروزيُّ]
(2)
، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} . يقولُ: قَدُّوا
(3)
الحجارةَ
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} : ضرَبوا البيوتَ والمساكنَ في الصخرِ في الجبالِ، حتى جعَلوا فيها مساكنَ، {جَابُوا}: جرَّبوها؛ تجرَّبوا
(5)
البيوتَ في الجبالِ
(4)
.
وقال قائلٌ
(6)
:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله بائدٌ
…
كما بادَ حيٌّ من شَنِيفٍ
(7)
وَمَارِدِ
همُ ضرَبوا في كلِّ صَلَّاءَ صَعْدَةٍ
…
بأيدٍ شِدَادٍ أَيِّدَاتِ السَّواعِدِ
وقوله: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعل ربُّك أيضًا بفرعونَ صاحب الأوتادِ؟
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {ذِي الْأَوْتَادِ} . ولِم قيل له كذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ذى الجنودِ الذين يقوُّون له أمرَه. وقالوا: الأوتادُ في هذا
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 370 عن معمر به.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حدثت". والمروزى هو عبدانُ، وتقدم في ص 347.
(3)
في الأصل: "بدوا". والقدُّ: القطع، مطلقًا. أو هو الشق طولًا. التاج (ق د د).
(4)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 418.
(5)
في الأصل: "يجيبوا".
(6)
البيتان في تفسير ابن كثير 8/ 419.
(7)
في م: "شنيق".
الموضعِ: الجنودُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} . قال: الأوتادُ: الجنودُ الذين يشُدُّون له أمره، ويقالُ: كان فرعونُ يُوتِدُ في أيديهم وأرجلهم أوتادًا من حديدٍ، يُعَلِّقُهم بها
(1)
.
وقال آخرون: بل قيل له ذلك؛ لأنه كان يُوتِدُ الناس بالأوتادِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ذِي الْأَوْتَادِ} . قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ
(2)
.
وقال آخرون: كانت مظالَّ وملاعب يُلعَبُ له تحتَها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} : ذكر لنا أنها كانت مظالَّ وملاعبَ يُلعبُ له تحتها من أوتادٍ وحبالٍ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {ذِي
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن المنذر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
الْأَوْتَادِ}. قال: ذى البناءِ؛ كانت مظالُّ يُلْعَبُ له تحتَها، وأوتادٌ تُضربُ له
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، عن أبي رافعٍ، قال: أوتَد فرعونُ لامرأتِه أربعةَ أوتادٍ، ثم جعَل على ظهرِها رحًا عظيمةً حتى ماتت
(2)
.
وقال آخرون: بل قيل ذلك له؛ لأنه كان يعذِّبُ الناسَ بالأوتادِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن محمودٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ:{وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} . قال: كان يجعلُ رِجلًا ههنا ورجلًا ههنا، ويدًا ههنا ويدًا ههنا، بالأوتادِ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ذِي الْأَوْتَادِ} . قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ
(4)
.
وقال آخرون: إنما قيل ذلك له لأنه كان له بنيانٌ يعذِّبُ الناسَ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 371 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 348 إلى عبد بن حميد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 371 عن معمر به.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 348 إلى المصنف.
(4)
تقدم في الصحفة السابقة.
سعيدِ بن جُبيرٍ: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} . قال: كان له مَناراتٌ يعذِّبُهم عليها
(1)
.
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك الأوتادُ التي تُوتَدُ، من خشبٍ كانت أو حديدٍ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من معاني الأوتادِ، ووَصِف بذلك؛ لأنه إما أن يكونَ كان يعذبُ الناسَ بها، كما قال أبو رافعٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وإما أن يكون كان يُلعَبُ له بها.
وقوله: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ} . يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: {الَّذِينَ} : عادًا وثمودَ وفرعونَ وجندَه، ويعنى بقولِه:{طَغَوْا} : تجاوَزوا ما أباحه الله لهم، وعتَوا على ربِّهم إلى ما حظَره عليهم من الكفرِ به، وقولُه:{فِي الْبِلَادِ} . يعني: في البلادِ التي كانوا فيها.
القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: فأكثَروا في البلادِ المعاصيَ، وركوبَ ما حرَّم اللهُ عليهم،
{فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأنزَل بهم يا محمدُ ربُّك عذابَه، وأحلَّ بهم نقمتَه؛ بما أفسَدوا في البلادِ وطغَوا على اللهِ فيها. وقيل:{فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} . وإنما كانت نِقَمًا تنزلُ بهم؛ إما ريحًا تدمِّرُهم، وإما رَجْفًا يُدَمدِمُ عليهم، وإما غرقًا يُهلكُهم من غيرِ ضربٍ بسوطٍ ولا عصًا؛ لأنه كان من أليمِ عذابِ القومِ الذين خوطِبوا بهذا القرآنِ، الجلدُ بالسياطِ، فكثُر استعمالُ القومِ في الخبرِ عن شدةِ العذابِ الذي يعذَّبُ به
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 348 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
الرجلُ منهم أن يقولوا: ضُرِب فلانٌ حتى بالسِّياطِ. إلى أن صار ذلك مثلًا، فاستعمَلوه في كلِّ معذَّبٍ بنوعٍ من العذابِ شديدٍ، وقالوا: صُبَّ عليه سَوطُ عذابٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{سَوْطَ عَذَابٍ} . قال: ما عُذِّبوا به
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} . قال: العذابُ الذي عذَّبهم به سمَّاه سوطَ عذابٍ.
وقولُه: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: إِنَّ ربَّك يا محمدُ لهؤلاء الذين قصَصْتُ عليك قَصَصَهم، ولضُرَبائهم من أهلِ الكفرِ به، لبالمِرْصادِ يرصُدُهم بأعمالِهم في الدنيا، وفى الآخرةِ على قناطرِ جهنمَ، ليُكردِسَهم
(2)
فيها إذا وَرَدوها يومَ القيامةِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويِلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولهِ: {لَبِالْمِرْصَادِ} : بحيثُ يَرى ويسمعُ.
(1)
تفسير مجاهد ص 727، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 366 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 347 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
يكردسهم: يجمع بعضهم إلى بعض. ينظر اللسان (كردس).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} ، يقولُ: يسمعُ ويَرى
(1)
.
وقال آخرون: يعنى بذلك أنه بمَرْصَدٍ لأهلِ الظُّلِمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن المباركِ بن مجاهدٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في هذه الآيةِ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ، يأمرُ الربُّ جل جلاله بكرسيِّه فيوضعُ على النارِ، فيستوى عليه، ثم يقولُ: وعزَّتى، لا يتجاوزُنى اليومَ ذو مَظْلِمةٍ. فذلك قولُه:{لَبِالْمِرْصَادِ}
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، قال: بلَغني أن على جهنَّمَ ثلاثَ قناطرَ؛ قنطرةٍ عليها الأمانةُ، إذا مرُّوا بها تقولُ: يا ربِّ، هذا أمينٌ، يا ربِّ، هذا خائنٌ. وقنطرةٍ عليها الرَّحِمُ، إذا مرُّوا بها تقولُ: يا ربِّ، هذا واصلٌ، يا ربِّ، هذا قاطعٌ. وقنطرةٍ عليها الربُّ تعالى ذكره:{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} : يعنى جهنمَ، عليها ثلاثُ قناطرَ؛ قنطرةٍ فيها الرحمةُ، وقنطرةٍ فيها الأمانةُ، وقنطرةٍ فيها
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 55 - والبيهقي في الأسماء والصفات (912) من طريق أبي صالح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 348 إلى ابن المنذر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 348 إلى ابن المنذر وأبى نصر السجزي في الإبانة.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 348 إلى المصنف.
الربُّ تبارك وتعالى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} . قال: مِرْصَادِ عمل بني آد آدمَ
(2)
.
وقولُه: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا الإنسانُ إذا ما امتحنه ربُّه بالنِّعمِ والغِنى، {فَأَكْرَمَهُ} بالمالِ، وأفْضَل عليه، {وَنَعَّمَهُ} بما أوْسَع عليه مِن فضلِه، {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} ، فيفرحُ بذلك ويُسَرُّ به ويقولُ: ربى أَكْرَمنى بهذه الكرامةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} ؛ وحُقَّ له.
القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وقولُه جل وعز: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} . يقولُ: وأمَّا إذا ما امتحنه ربُّه بالفقرِ، {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}. يقولُ: فضيَّق عليه رزْقَه وقَتَّره، فلم يُكْثِر مالَه، ولم يُوسِعْ عليه، {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}. يقولُ: فيقولُ ذلك الإنسانُ: {رَبِّي أَهَانَنِ} . يقولُ: أَذلَّنى بالفقرِ، ولم يشْكُرِ الله على ما وهب له من سلامةِ جوارحِه، ورزَقه من العافيةِ في جسمِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 50.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 371 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 348 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}: ما أسرعَ كفرَ ابن آدمَ.
حدَثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه عز وجل: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} . قال: ضَيَّقه
(1)
.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} ؛ فقرأت عامةُ قرأةِ الأمصارِ ذلك بالتخفيفِ: {فَقَدَرَ} بمعنى: فَقَتَر
(2)
، خلا أبي جعفرٍ القارئِ؛ فإنه قرَأ ذلك بالتشديدِ:(فَقَدَّرَ)
(3)
. وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ أنه كان يقولُ: قدَّر، بمعنى: يُعْطِيه ما يَكْفِيه. ويقولُ: لو فعَل ذلك به ما قال: ربِّي أهاننى.
والصوابُ من قراءةِ ذلك عندَنا بالتخفيفِ
(4)
؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن القرأةِ عليه.
وقولُه: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {كَلَّا} . في هذا الموضعِ، وما الذي أنكَر بذلك؛ فقال بعضُهم: أنكَر جلَّ ثناؤُه أن يكونَ سببُ كرامتِه من أكرم كثرةَ مالِه، وسببُ إهانتِه مَن أهان قلةَ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} : ما أسرعَ ما كفَرَ ابنُ آدمَ! يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: كلا، إني لا أُكْرِمُ مَن أكرمتُ بكثرةِ الدنيا، ولا أُهينُ مَن أهنْتُ بقلتِها، ولكن إنما أُكْرِمُ مَن أكرمْتُ بطاعتِى، وأُهينُ مَن أهنْتُ بمعصيتِى.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
هي قراءة ابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة ونافع والكسائى ويعقوب وخلف. النشر 2/ 299.
(3)
وقرأ بها أيضًا ابن عامر. المصدر السابق.
(4)
القراءتان كلتاهما صواب.
وقال آخرون: بل أنكر جلَّ ثناؤُه حمْدَ الإنسانِ ربَّه على نِعَمِه دونَ فقرِه، وشكواه الفاقةَ. وقالوا: معنى الكلامِ: كلا، أي لم يكنْ يَنْبَغِي أَنْ يكونَ هكذا، ولكن كان يَنْبَغى أن يحمَدَه على الأمرين جميعًا؛ على الغِني والفقرِ.
وأولى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ؛ لدَلالةِ قولِه: {بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} . والآياتِ التي بعدها، على أنه إنما أهان مَن أهان بأنه لا يُكْرِمُ اليتيمَ، ولا يَحُضُّ على طعامِ المسكينِ، وسائرِ المعاني التي عدَّد، وفي إبانتِه عن السببِ الذي من أجلِه أهانَ مَن أهانَ، الدَّلالةُ الواضحةُ على سببِ تكريمهِ مَن أَكْرَم، وفي تَبْيينِه ذلك عَقِيبَ قولِه:{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} - بيانٌ واضحٌ عن أنَّ
(1)
الذي أنكَر من قولِه، ما وصَفْنا.
وقوله: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: بل إنما أهنْتُ مَن أهنتُ مِن أجلِ أنه لا يُكْرِمُ اليتيمَ. فأخْرَج الكلامَ على الخطابِ، فقال: بل لستم تُكْرِمون اليتيمَ؛ فلذلك أهنْتُكم، {وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} .
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه مِن أهل المدينةِ أبو جعفرٍ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: {بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ} . بالتاءِ أيضًا وفتحِها وإثباتِ الألفِ فيها
(2)
، بمعنى: ولا يَحُضُّ بعضُكم بعضًا على طعامِ المسكينِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ المدينةِ، بالتاءِ وفتحِها وحذفِ الألفِ:(وَلا تَحُضُّونَ)
(3)
. بمعنى: ولا تأْمُرون بإطعامِ المسكينِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ:
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
وهي قراءة أبي جعفر وحمزة وعاصم والكسائى وخلف. النشر 2/ 299.
(3)
وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر. المصدر السابق.
(يَحُضُّونَ). بالياءِ وحذفِ الألفِ
(1)
، بمعنى: ولا يُكرِمُ القائلُ
(2)
إذا ما ابتلاه ربُّه فأكْرَمه ونعَّمه: ربى أكرَمنى. وإذا قدر عليه رزْقَه: ربي أهانني - اليتيمَ، وَلا يَحُضُّونَ على طَعامِ المسكينِ. وكذلك يقرأُ الذين ذكَرْنا من أهلِ البصرةِ:(يُكْرِمُونَ). وسائرَ الحروفِ معها بالياءِ، على وجْهِ الخبرِ عن الذين ذكَرْتُ. وقد ذُكر عن بعضِهم أنه قرَأ:(تُحاضُّونَ). بالتاءِ وضمِّها وإثباتِ الألفِ، بمعنى: ولا تُحافظون
(3)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ هذه قراءاتٌ معروفاتٌ في قراءةِ الأمصارِ، أعنى القراءاتِ الثلاثَ الأُوَلَ
(4)
، صحيحاتُ المعاني، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصِيبٌ.
وقوله: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وتأكُلون أيُّها الناسُ الميراثَ أكلًا لمًّا. يعنى: أكلًا شديدًا، لا تَترْكون منه شيئًا. وهو من قولِهم: لَممْتُ ما على الخِوَانِ أجمعَ، فأنا ألمُهُ لمًّا. إذا أكلتَ ما عليه، فأَتيتَ على جميعِه.
وبنحوِ الذي قلنا في [قولِه: {التُّرَاثَ}]
(5)
، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عمرُو بنُ سعيدِ بن يسارٍ القرشيُّ، قال: ثنا الأنصاريُّ، عن أشعثَ،
(1)
وهى قراءة أبي عمرو ويعقوب. المصدر السابق.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"القائلون".
(3)
القراءة شاذة، وهى قراءة عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وعبد الله بن المبارك والشيرزي عن الكسائي. البحر المحيط 8/ 471.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".
عن الحسن: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} . قال: الميراثَ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ} : أي الميراثَ
(2)
.
قال أبو جعفرٍ: وكذلك في قولِه: {أَكْلًا لَمًّا} .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} . يقولُ: تأكلون أكلًا شديدًا
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه:{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} . قال: نَصيبَه ونصيبَ صاحبِه (1).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{أَكْلًا لَمًّا} . قال: اللَّمُّ: السَّفُّ، لفُّ كلِّ شيءٍ
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَكْلًا لَمًّا} . أي: شديدًا (2).
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى المصنف.
(4)
أخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 366 - عن ورقاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مطولًا.
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَكْلًا لَمًّا} . يقولُ: أكلًا شديدًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} . قال: الأَكْلُ اللَّمُّ: الذي يأكلُ كلَّ شيءٍ يجدُه لا يسألُ عنه
(1)
، يأكلُ الذي له، والذي لصاحبِه، كانوا لا يُورِّثون النساءَ، ولا يُورِّثون الصغارَ. وقرَأ:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} . [النساء: 127] أي: لا تُورِّثونهم أيضًا، {أَكْلًا لَمًّا}: يأكلُ ميراثه، وكلُّ شيءٍ ولا يسألُ عنه، ولا يَدْرى أحلالٌ أم حرامٌ
(2)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} . يقولُ: سَفًّا
(3)
.
حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمة التِّنِّيسيُّ
(4)
، عن زُهيرٍ، عن سالمٍ، قال: سمعتُ بكرَ بن عبدِ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} . قال: اللَّمُّ: الاعتداءُ في الميراثِ، يأكلُ ميراثَه وميراثَ غيرِه
(5)
.
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
ذكره السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 مفرقًا، وعزا بعضه إلى المصنف وبعضه إلى ابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى المصنف وابن المنذر.
(4)
في الأصل: "التيمي". وفى م: "البستي". وينظر تهذيب الكمال 22/ 51.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23)}
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} : وتحبُّون جمع المالِ أيُّها الناسُ واقتناءَه حبا كثيرًا شديدًا. من قولِهم: قد جمَّ الماءُ في الحوضِ. إذا اجتمع، ومنه قولُ زُهيرِ بن أَبي سُلْمى
(1)
:
فلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامُهُ
…
وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه:{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} . يقولُ: شديدًا
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ:{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} : تحبُّون كثرةَ المالِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{حُبًّا جَمًّا} . قال: الجَمُّ الكثيرُ
(3)
.
(1)
شرح ديوانه ص 13.
(2)
أخرجه ابنُ أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 55 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى ابن المنذر.
(3)
تفسير مجاهد ص 627، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} . أي: شديدًا
(1)
.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: {حُبًّا جَمًّا} : يُحِبُّون كثرة المال.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} . قال: الجَمُّ: الشديدُ.
ويعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: {كَلَّا} : ما هكذا يَنْبغى أن يكونَ الأمرُ. ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن نَدَمِهم على أفعالِهم السيِّئةِ في الدنيا، وتلهُّفِهم على ما سلَف منهم، حينَ لا ينفعُهم الندمُ، فقال جلَّ ثناؤُه:{إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} . يعنى: إذا رُجَتْ وزُلْزِلَت زلزلةً [بعدَ زلزلةٍ]
(2)
، وحُرّكت تحريكًا بعدَ تحريكٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} . يقولُ: تحريكُها
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى حرملةُ بنُ عمرانَ، أنه سمِع عمرَ مولى غُفْرَةَ يقولُ: إذا سمعتَ الله عز وجل يقولُ: {كَلَّا} . فإنما يقولُ: كذَبْتَ.
(1)
تقدم تخريجه في ص 380.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 349 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جاء ربُّك يا محمدُ والملائكةُ
(1)
صُفُوفًا؛ صفًّا بعدَ صفٍّ.
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٌ، عن أبي المنهالِ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّتِ الأرضُ مدَّ الأديمِ، وزِيد في سَعَتِها كذا وكذا، وجُمِع الخلائقُ بصعيدٍ واحدٍ، جِنُّهم وإنسُهم، فإذا كان ذلك اليومُ قِيضَت
(2)
هذه السماءُ الدنيا عن أهلِها فنُثِروا
(3)
على وجْهِ الأرضِ، ولأهلُ هذه السماءِ وحدَهم أكثرُ من أهل الأرضِ؛ جِنِّهم وإنسِهم بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِعوا منهم، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماءُ الثانيةُ، فلأَهلُ السماءِ الثانيةِ وحدَهم أكثرُ مِن أهلِ السماءِ الدنيا ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ؛ جنِّهم وإنسِهم، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزَعون من قولِهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماواتُ سماءً سماءً، كلما قِيضَت سماءٌ عن أهلِها كانت أكثرَ من أهلِ السماواتِ التي تحتَها، ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ، فزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون لهم مثلَ ذلك، ويَرْجِعون إليهم مثلَ ذلك، حتى تُقاضَ السماءُ السابعةُ، فلأهلُ السماءِ السابعةِ أكثرُ مِن أهلِ ستِّ سماواتٍ، ومن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فيجِيءُ اللهُ فيهم والأممُ جُثًا صفُوفٌ، وينادِى منادٍ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ
(1)
في ص، م، ت 1:"أملاكه"، وفي ت 2، ت 3:"الملك".
(2)
قيضت: شقت. اللسان (ق ى ض).
(3)
سقط من النسخ. والمثبت من زوائد الزهد ومن الأهوال.
الكرَمِ، ليقُمِ الحمَّادون لله على كلِّ حالٍ. قال: فيقومون فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادى الثانيةَ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ الكرمِ، أين الذين كانت {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16]؟ فيقومون
(1)
فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادِى الثالثَة: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ
(2)
الكرَمِ، أين الذين كانوا (1) {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37]. فيقومون فيَسْرحون إلى الجنةِ، فإذا أخَذ من هؤلاءِ الثلاثةِ
(3)
خرَج عُنُقٌ مِن النارِ، فأشرَف على الخلائقِ، له عينان تُبْصِران، ولسانٌ فصيحٌ، فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بثلاثةٍ؛ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ. فيَلْقُطُهم مِن الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخيَّسُ
(4)
بهم في جهنمَ، ثم يخرجُ ثانيةً فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بمَن آذى الله ورسولَه. فيَلْقُطُهم لقطَ الطيرِ حبَّ السَّمْسمِ، فيُخَيَّسُ
(5)
بهم في جهنمَ، ثم يخرجٌ ثالثةً - قال عوفُ: قال أبو المنهال: حسِبْتُ أنه يقولُ: وُكِّلْتُ بأصحابِ التصاويرِ. فيُلْقُطهم من الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخَيَّسُ
(6)
بهم في جهنمَ، فإذا أُخِذ من هؤلاء الثلاثةِ، ومِن
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
في الأصل: "أهل".
(3)
في النسخ، هنا وفى الموضعين التاليين:"ثلاثة". والتصويب من زوائد الزهد ومن الأهوال.
(4)
في الأصل، ت:2 "فنحلس"، وغير منقوطة في ص، وفى م، ت 3، وزوائد الزهد:"فيحبس". والكلمة مطموسة في ت 1، والمثبت كما في الأهوال. والتخييسُ هنا الحبس. ويقال: خاس فلانٌ. إذا لزم موضعه. والمخيّس، كمُعظَّم ومُحدَّث: السجن لأنه يُخيَّس فيه المحبوس. ويقال أيضًا: خاس الرجلُ: ذلّ. لازم ومتعدٍّ. ينظر التاج (خ ى س).
(5)
في الأصل، ص غير منقوطة، وفى م، ت، ت:(فيحبس)، وفي ت 1 مطموسة.
(6)
في الأصل: "فتحنس"، وفى ص غير منقوطة، وفى م، ت 2 ت 3:"فيحبس"، وفي ت 1 مطموسة.
هؤلاء الثلاثةِ، نُشِرت الصحفُ، ووُضعت الموازينٌ، ودُعِى الخلائقُ للحسابِ
(1)
.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجلحِ، قال: سمعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ، أمَر اللهُ السماءَ الدنيا فتَشقَّقتْ
(2)
بأهلِها، ونزَل مَن فيها مِن الملائكةِ، فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ. ثم يَنزِلُ الملِكُ الأعلى، على مُجَنَّبتِه اليسرى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأَرضِ ندُّوا، فلا يأتون قُطْرًا من أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ من الملائكةِ، فيَرْجعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ الله عز وجل: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ
(3)
(32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} [غافر: 32، 33]. وذلك قولُه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} . وقولُه: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33]. وذلك قولُ اللهِ: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا}
(4)
[الحاقة: 16، 17].
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تُوقَفُون موقفًا واحدًا يومَ
(1)
أخرجه الحسين في زوائده على الزهد لابن المبارك (353)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (215)، وأبو نعيم في الحلية 6/ 62 من طريق عوف به.
(2)
سقط من النسخ، وينظر ما تقدم في 20/ 319.
(3)
هي قراءة شاذة. وينظر ما تقدم في 20/ 318.
(4)
تقدم تخريجه في 20/ 319.
القيامةِ مقدارَ سبعينَ عامًا لا يُنْظَرُ إليكم ولا يُقْضَى بينكم، قد حُصِر عليكم، فتَبْكون حتى ينقَطِعَ الدمعُ، ثم تَدْمَعون دمًا، وتَبْكون حتى يبلُغَ ذلك منكم الأذقانَ، أو يُلجِمَكم فتضِجُّون، ثم تقولون: مَن يَشفعُ لنا إلى ربِّنا، فيَقْضِيَ بيننا؟ فيقولون: من أحقُّ بذلك من أبيكم؟ جبَلَ اللهُ تُرْبتَه، وخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيُؤْتَى آدمُ صلى الله عليه وسلم فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيأْبَى، ثم يستَقْرئون
(1)
الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبَى". قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"حتى يأْتونِى، فإذا جاءونى خرَجْتُ حتى أتِىَ الفَحْصَ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الفحصُ؟ قال:"قُدَّامُ العَرْشِ، فأخِرَّ ساجدًا، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللهُ إليَّ مَلَكًا، فيَأْخُذُ بعَضُدِى، فَيَرْفَعَنى ثم يقولُ اللهُ لى: يا محمدُ. فأقولُ: نعم. وهو أعلمُ فيقولُ: ما شأنُك؟ فأقولُ: يا ربِّ، وعَدْتَنى الشفاعةَ، فَشَفِّعْنى في خلْقِك فاقْضِ بينَهم. فيقولُ: قد شَفَّعتُك، أنا آتيكم فأقضِى بينكم". قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فأَنْصَرِفُ حتى أقِفَ
(2)
مع النَّاسِ، فبينا نحنُ وقوفٌ، سمِعْنا حِسًّا من السماءِ شديدًا، فهَالَنا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بِمِثْلَىْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأرضِ أَشْرقتِ الأرضُ بنورِهم
(3)
، وأخَذوا مصافَّهم، فقُلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماءِ الثَّانِيةِ بِمِثْلَىْ مَن نزَلَ مِن الملائكةِ، وبمِثْلَىْ مَن فيها مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأَرضِ، أشْرقتِ الأرضُ بنورِهم
(4)
، وأخَذوا مصافَّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماواتِ على قَدْرِ ذلك من التضعيفِ
(5)
، حتى نزل الجبَّارُ في ظُلَلٍ مِن
(1)
في الأصل: "يستنفرون"، وفى م:"يستقرون".
(2)
في الأصل: "ألف".
(3)
في الأصل، ت 2، ت 3:"لنورهم".
(4)
في الأصل، ص، ت 3:"لنورهم".
(5)
في ص، م، ت 1:"الضعف".
الغمام، والملائكة، ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحهم، يقولون: سبحان المَلِكِ ذى المَلَكوتِ، سبحانَ ربِّ العرشِ ذى الجبروت، سبحان الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحان الذي يميتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُّوحٌ قدوسٌ ربُّ الملائكةِ والروحِ، قدوسٌ قدوسٌ، سبحانَ ربِّنا الأعلى، سبحانَ ذى الجبروتِ والمَلَكوتِ والكبرياءِ والسلطانِ والعظمةِ، سبحانَه أبدًا أبدًا. [فينزِلُ بحمَلةِ]
(1)
عرشِه يومَئِذٍ ثمانيةً، وهم اليومَ أربعةٌ، أقدامُهم على
(2)
تُخَومِ الأرضِ السفلى والسماواتُ إلى حُجَزِهم، والعَرْشُ على مناكبِهم، فوضع اللهُ عَرْشَه
(3)
حيثُ شاء مِن الأَرضِ، ثم يُنادِى بنداءٍ يُسْمِعُ الخلائق، فيقولُ: يا معشرَ الجنِّ والإنسِ، إني قد أنصتُّ منذُ يومِ خلقتُكم إلى يومِكم هذا، أسمعُ كلامَكم، وأبْصِرُ أعمالَكم، فأنْصِتوا إليَّ، فإنما هي صُحُفُكم وأعمالُكم تُقْرأُ عليكم، فمن وجَد خيرًا فليحمَدِ الله، ومَن وجَد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ
(4)
إلا نفسَه. ثم يأمرُ اللهُ جهنمَ، فتُخْرِجُ منها عُنُقًا ساطعًا مُظْلِمًا، ثم يقولُ اللهُ:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [يس: 60 - 63]، {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] فيتميَّزُ الناسُ ويَجْثُون، وهى التي يقولُ اللهُ عز وجل:{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الحاثية: 28]، فيَقْضِى اللهُ عز وجل بينَ خَلْقِه؛ الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، فإنه ليُقِيدُ
(5)
يومَئِذٍ للجَمَّاءِ مِن ذاتِ القُرونِ، حتى إذا لم
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يحمل".
(2)
في الأصل: "تحت".
(3)
في الأصل: "كرسيه".
(4)
في الأصل: "يلوم"، وفى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يلم".
(5)
في الأصل: "يقيد".
تَبْقَ تَبِعَةٌ عندَ واحدةٍ لأُخرى، قال اللهُ تبارك وتعالى: كونوا تُرابًا. فعندَ ذلك يقولُ الكافرُ: يا ليتنى كنتُ تُرابًا. ثم يَقْضِى اللهُ تعالى بينَ الجنِّ والإنس"
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} : صفوفُ الملائكةِ.
وقوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء اللهُ يومَئذٍ بجهنمَ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروان الفزاريُّ، عن العلاءِ بن خالدٍ الأسديِّ، عن شقيقِ بن سلمةَ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ في قولِه: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} . قال: جيء بها تُقادُ بسبعينَ ألفَ زمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يقودونها
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عاصمِ بن بهدلةَ، عن أبي وائلٍ:{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} . قال: يُجاءُ بها يومَ القيامةِ تُقادُ بسبعينَ ألفَ زمامٍ
(3)
، كلُّ زمامٍ [بيدِ سبعينَ]
(4)
ألفَ مَلَكٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن قتادةَ، قال:[جنبتَيْه الجنةُ]
(5)
والنارُ. قال: هذا حينَ ينزِلُ مِن عرشِه إِلى كُرْسِيِّه لحسابِ خلْقِه. وقرَأ: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} .
(1)
تقدم تخريجه في 3/ 613.
(2)
أخرجه ابنُ أبي شيبة 13/ 151 من طريق مروان به، والترمذى عقب الأثر (2573) من طريق العلاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(3)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"مع".
(4)
في م: "سبعون"، وفى ت 2، ت 3:"سبعين".
(5)
في ت 1: "يجاء بالجنة".
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانِ
(1)
: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} . قال: جيء بها مزمومةً
(2)
.
وقولُه: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: يومئذٍ يتذكرُ الإنسانُ تفريطَه في الدنيا في طاعةِ اللهِ، وفيما يقرِّبُ إليه مِن صالحِ الأعمالِ، {وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}. يقولُ: و
(3)
مِن أيِّ وجْهٍ له التذكُّرُ
(4)
!
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} . يقولُ: وكيف له
(5)
!
القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وقولُه جلَّ وعزَّ: {يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} . يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن تلهُّفِ ابن آدم [وحزنِه]
(6)
يومَ القيامةِ، وتندُّمِه على تفريطِه في الصالحاتِ مِن الأعمالِ في الدنيا التي تُورِثُه بقاءَ الأبدِ، في نعيمٍ لا انقطاعَ له: يا ليتني قدمتُ في الدنيا من صالحِ الأعمالِ لحياتي هذه التي لا موتَ
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قتادة".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 371 عن معمر عن أبان عن رجل عن أبي وائل.
(3)
سقط من: م.
(4)
في م: "التذكير".
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 55 - من طريق أبي صالح به.
(6)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
بعدَها، ما يُنْجينى مِن غضبِ اللهِ ويُوجِبُ لى رِضوانَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} . قال: علِم واللهِ أنه لصادقٌ، هنالك حياةٌ طويلةٌ لا موتَ فيها، آخر ما عليه
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} : هُناكم واللهِ الحياةُ الطويلةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} . قال: الآخرةِ
(2)
.
وقولُه: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} .
أجمعتِ القرأةُ؛ قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك على كسرِ الذالِ من {يُعَذَّبُ} ، والثاءِ من {يُوثِقُ}
(3)
، خلا الكسائيِّ؛ فإنه قرَأ ذلك بفتحِ الذالِ والثاءِ
(4)
، اعتلالًا منه بخبرٍ رُوى عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قرأه كذلك - واهي الإسنادِ.
حدَّثنا به
(5)
ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارِجةَ، عن خالدٍ
(1)
أخرجه ابنُ أبى شيبة 13/ 522 عن هوذة به.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى المصنف وابن المنذر.
(3)
وهى قراءة ابن عامر وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة ونافع وأبى جعفر وخلف. النشر 2/ 299.
(4)
هي قراءة يعقوب والكسائي. المصدر السابق.
(5)
سقط من: ص، م، ت، ت 2، ت 3.
الحذَّاء، عن أبي قِلابةَ، قال: ثنى مَن أقرَأه النبيُّ صلى الله عليه وسلم: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ}
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ الذالِ والثاءِ
(2)
؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: فيومَئذٍ لا يعذِّبُ كعذابِ اللهِ أحدٌ في الدنيا، ولا يُوثِقُ [كوَثَاقِ اللهِ]
(3)
أحدٌ في الدنيا، وكذلك تأوَّله قارئو ذلك كذلك مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ
(4)
أَحَدٌ}: [لا يعذِّبُ عَذَابَ اللهِ أحدٌ، ولا يُوثِقُ وثاقَ اللهِ أحدٌ]
(5)
.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} . قال: قد علم اللهُ أنَّ في الدنيا عذابًا ووَثاقًا، فقال: فيومئذ لا يعذِّبُ عذابَه أحدٌ في الدنيا، ولا يُوثِقُ وثاقَه أحدٌ في الدنيا
(6)
.
(1)
أخرجه أحمد 5/ 71 (الميمنية)، وأبو داود (3996)، والحاكم 2/ 255 كلهم من طريق خالد به، وأخرجه الطبراني في الكبير 19/ 289 (643) من طريق أبي قلابة وسمى الذي سمع منه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه.
(2)
القراءتان كلتاهما صواب.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يومئذ".
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كوثاق الله".
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 371 عن معمر به.
وأمَّا الذي قرَأ ذلك بالفتحِ؛ فإنه وجَّه تأويلَه إلى: فيومئذٍ لا يعذَّبُ أحدٌ في الدنيا كعذابِ اللهِ يومَئِذٍ، ولا يُوثَقُ أحدٌ في الدنيا كوَثَاقِه يومئذٍ. وقد تأوَّل ذلك بعضُ مَن قرَأ ذلك كذلك بالفتحِ مِن المتأخرين: فيومئذٍ لا يعذَّبُ عذابَ الكافِرِ أحدٌ ولا يُوثَقُ وَثاقَ الكافر أحدٌ. وقال: وكيف يجوزُ الكسرُ، ولا معذِّبَ يومئذٍ سوى الله؟! وهذا من التأويلِ غلطٌ؛ لأنَّ أهلَ التأويلِ تأوَّلوه بخلافِ ذلك، مع إجماعِ الحجةِ من القرأةِ على قراءتِه بالمعنى الذي جاء به تأويلُ أهلِ التأويلِ، وما أحسَبه دعاه إلى قراءةِ ذلك كذلك، إلا ذهابُه عن وجْهِ صحتِه في التأويلِ.
وقوله: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} . يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ الملائكةِ لأوليائِه يوم القيامةِ: يأيَّتُها النفسُ المطمئنةُ. يعنى بالمطمئنةِ التي اطمأنَّت إلى وعدِ اللهِ الذي وعَد أهلَ الإيمانِ به في الدنيا، مِن الكرامةِ في الآخرةِ، فصدَّقت بذلك.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . يقولُ: المُصَدِّقةُ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} : هو المؤمنُ اطمأنَّت نفسُه إلى ما وعَد اللهُ تبارك وتعالى
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
قوله: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: المطمئنةُ إلى ما قال اللهُ، والمُصَدِّقة بما قال اللهُ
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك
(2)
: الموقِنةُ بأنَّ الله رَبُّها، المسلِّمةُ لأمرِه فيما هو فاعلٌ بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: النفسُ التي أَيْقَنَت أَنَّ الله ربُّها، وضرَبَتْ جأْشًا لأمرِه وطاعتِه
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ
(4)
: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: أيقَنَت بأنَّ الله ربُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: المُنيبةُ
(5)
المُخْبِتةُ التي قد أيقَنَت أنَّ الله رَبُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 372 عن معمر به.
(2)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"المصدقة".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى المصنف وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
بعده في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}. قوله".
(5)
في الأصل: "المطمئنة".
{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: أيقَنَت بأنَّ الله رَبُّها، وضربَتْ لأمرِه جَأْسًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: المُخْبِتةُ المطمئنةُ إلى اللهِ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: التي قد أيقنت بأنَّ الله ربُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: المُخْبِتةُ.
حدَّثني سعيدُ بن الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} . قال: التي قد أيقَنَت بلقاءِ اللهِ، وضرَبتْ له جأْشًا.
وذكر أنَّ ذلك في قراءةِ أُبيِّ: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمِنَةُ).
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا خلَّادُ بن أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ، عن هارونَ القارِى، قال: ثنى هلالٌ، عن أبي شيخٍ الهُنائيِّ: في قراءةِ أُبيِّ: (يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمِنَةُ الْمُطْمَئِنَّةُ). وقال الكلبي: إِنَّ الآمنة في هذا الموضعِ يعنى به المؤمنةَ
(2)
.
وقيل: إنَّ ذلك قولُ الملَكِ للعبدَ عندَ خروجِ نَفْسِه يبشرُه برضا ربِّه عنه، وإعدادِه ما أعَدَّ له من الكرامةِ عندَه.
(1)
تفسير مجاهد ص 728، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى الفريابي وعبد بن حميد.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى المصنف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، [عن أشعثَ]
(1)
، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قُرئت {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكرٍ: إن هذا لحسنٌ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:: "أَمَا إِنَّ الملَكَ سيقولُها لك عندَ الموتِ"
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} . قال: هذا عندَ الموتِ، {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}. قال: هذا يومَ القيامةِ
(3)
.
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن أبيه في قولِه:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} ، قال: بُشِّرت بالجنةِ عندَ الموتِ، ويومَ الجمعِ، وعندَ البعثِ
(4)
.
وقولُه: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن قيلِ الملائكةِ لنفسِ المؤمنِ عندَ البعثِ، تأمرُها أَنْ تَرْجِعَ في جسدِ صاحبِها. قالوا: وعُنِى بالربِّ ههنا صاحبُها.
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 423 - وأبو نعيم في الحلية 4/ 283 من طريق يحيى ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 5/ 362 من طريق خارجة بن زيد بن أسلم عن أبيه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} . قال: تُرَدُّ الأرواحُ المطمئنةُ يومَ القيامة في الأجسادِ
(1)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه عز وجل: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} : يأمرُ اللهُ الأرواحَ يومَ القيامةِ أنْ ترْجِعَ إلى الأجسادِ، فيأتون الله كما خلَقهم أوَّلَ مرَّةٍ
(2)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ:{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} . قال: إلى الجسدِ
(3)
.
وقال آخرون: بل يقالُ ذلك لها عندَ الموتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} . قال: هذا عندَ الموتِ، {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}. قال: هذا يوم القيامةِ
(4)
.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ والضحاكِ؛ أن ذلك إنما يقالُ لهم عندَ ردِّ الأرواحِ في الأجسادِ يومَ البعثِ، لدلالةِ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى المصنف.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى عبد بن حميد مختصرًا.
(3)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 424.
(4)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
قوله: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} . [على صحة ذلك، وأنَّ دخولَها الجنَّةَ إنَّما هو يومئذٍ لا قبلَ ذلك.
وقولُه: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} ]
(1)
. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فادْخلي في عبادي الصالحين، وادخُلي جنتي.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} . قال: اُدْخُلى في عبادى الصالحين، {وَادْخُلِي جَنَّتِي}
(2)
.
وقال آخرون: معنى ذلك: فادْخُلِي في طاعتِي وادْخلِى جَنَّتي.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نعيمِ بن ضَمْضَمٍ، عن محمدِ بن مزاحمٍ أخى الضحاكِ بن مُزاحمٍ:{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} . قال: في طاعتي، {وَادْخُلِي جَنَّتِي}. قال: في رحمتي.
وكان بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ
(3)
يوجِّهُ معنى قولِه: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} إلى: فادخُلي في حزبي.
وكان بعضُ أهل العربية من أهلِ الكوفةِ
(4)
يتأوَّلُ ذلك: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} بالإيمانِ، والمصدِّقة بالثوابِ والبعثِ {ارْجِعِي} . تقولُ لهم الملائكةُ إذا
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
تقدم تخريجه في ص 393.
(3)
هو قول الأخفش. ينظر تفسير القرطبي 20/ 59.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 262، 263.
أُعطُوا كتبَهم بأيمانِهم: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} ، إلى ما أعدَّ اللهُ لكِ مِن الثوابِ. قال: وقد يكونُ
(1)
أنْ تقولَ لهم
(2)
هذا القولَ ينْوون: ارْجِعوا من الدنيا إلى هذا المرجعِ. قال: وأنت تقولُ للرجلِ: ممَّن أنت؟ فيقولُ: مُضَرِيٌّ. فتقولُ: كنْ تميميًّا أو قيسيًّا. أي: أنت مِن أحدِ هذين، فتكونُ "كن" صلةً، كذلك الرجوعُ يكونُ صلةً؛ لأنه قد صار إلى القيامة، فكان الأمرُ بمعنى الخبرِ، كأنه قال: أيَّتُها النفسُ، أنت راضيةٌ مرضيةُ.
وقد رُوِى عن بعضِ السلف أنه كان يقرَأُ ذلك: (فادْخُلِي فِي عَبْدِى وادْخُلِي جَنَّتِي)
(3)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أبانِ بن أبي عياشٍ، عن سليمانَ بن قتَّةَ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها:(فادْخُلِي فِي عَبْدِى). على التوحيدِ
(4)
.
حدَّثنا خلَّادُ بن أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، عن هارونَ القارِى، قال: ثنا هلالٌ، عن أبي شيخٍ الهنائيِّ [في قراءةِ أبيٍّ]
(5)
: (فَادْخُلِي فِي عَبْدى) وفي قولِ الكَلْبيِّ: (فَادْخُلِي فِي عَبْدى). يعنى: الروحُ ترجِعُ إلى
(6)
الجسدِ
(7)
.
(1)
في الأصل: "يجوز".
(2)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"شبه".
(3)
القراءة شاذة، وقد قرأ بها ابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر وأبو صالح والكلبي وأبو شيخ الهنائي واليماني. البحر المحيط 8/ 472 ولم نجد قراءة أبى جعفر في النشر أو الإتحاف.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 350 إلى المصنف. قال أبو حيان: الأظهر أنه أريد به اسم الجنس فمدلوله ومدلول الجمع واحد. البحر المحيط 8/ 472.
(5)
سقط من: ص، م، ت، ت 2 ت 3. وينظر مصدر التخريج.
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"في".
(7)
تقدم تخريجه في ص 395.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} بمعنى: فادْخُلى في عبادى الصالحين؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "والفجرِ"
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "البلدِ"
القولُ في تأويل قوله عز وجل: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: أُقسِمُ يا محمدُ بهذا البلدِ الحرامِ.
وهو مكةُ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} . يعنى: مكةَ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: مكةَ
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: مكةَ
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:
(1)
أخرجه الطبراني (12412) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
تفسير مجاهد ص 729، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (كما في المخطوطة المحمودية ص 451) إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد، ووقع في مطبوعة الدر 6/ 352 ابن أبي حاتم بدلًا من المصنف وعبد بن حميد.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الحرام".
{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: مكةَ.
حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه:{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} . [قال: هي]
(1)
مكةُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: البلدُ مكةُ
(2)
.
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}. يعنى: مكةَ]
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: مكةَ
(4)
.
وقولُه: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}
(5)
. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: الله وأنت يا محمدُ حِلٌّ بهذا البلدِ؛ يعنى مكةَ، يقولُ: أنت به حلالٌ تصنعُ فيه مِن قَتْلِ من أردْتَ قتلَه، وأَسْرِ مَن أردْتَ أَسرَه، مُطْلَقٌ ذلك لك. يقالُ منه: هو حِلٌّ وهو حلالٌ، وهو جرْمٌ وحرامٌ، وهو مُحِلٌّ، ومُحرِمٌ، وأحلَلْنا، وأحرمْنا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت:"يعني".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 373 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(4)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 350، وابن كثير في تفسيره 8/ 424.
(5)
بعده في ص، م، ت 1:"يعنى بمكة"، وفى ت 2، ت 3:"يعنى مكة".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} : يعنى بذلك نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أحلَّ اللهُ له يومَ دخَل مكةَ أنْ يقتُلَ مَن شاء، ويستَحيِيَ مَن شَاء، فقتَل يومَئِذٍ ابنَ خَطَلٍ صَبْرًا وهو آخِذٌ بأستارِ الكعبةِ، فلم يَحِلَّ لأحدٍ مِن الناسِ بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يقتُلَ فيها حرامًا حرَّمه اللهُ، فأحلَّ اللهُ عز وجل له ما صنَع بأهلِ مكةَ، ألم تَسمَعْ أنْ الله قال في تحريمِ الحرمِ
(1)
: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]. يعنى بالناسِ أهلَ القبلةِ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: ما صنعت فأنت في حِلٍّ [حينَ نأمُرُ بالقتالِ]
(3)
(4)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: أُحِلَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنَع فيه ساعةً
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: أُحِلَّ له أنْ يصنَع فيه ما شاء
(6)
.
(1)
في الأصل: "الحرام".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 351 إلى المصنف وابن مردويه.
(3)
في ص: "من أمر بالقتال". وفى م، ت 1، ت 2، ت 3:"من أمر القتال".
(4)
أخرجه ابن حجر في التغليق 4/ 368 من طريق سفيان به. والأثر في تفسير مجاهد ص 729 من طريق منصور، لكن بلفظ ورقاء الآتى.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد.
(6)
أخرجه الحاكم 2/ 523 من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، [عن مجاهدٍ]
(1)
: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: أُحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: اصنعْ فيها ما شئتَ.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: أنت في
(2)
حِلٍّ مما صنعتَ فيه
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: أُحِلَّ لك يا محمدُ ما صنعتَ في هذا البلدِ من شيءٍ. يعنى مكةَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: لا تُؤَاخَذُ بما عمِلتَ فيه، وليس عليك فيه ما على الناس
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . يقولُ: [نقيٌّ لا حَرِجٌ ولا آثمٌ]
(5)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَأَنْتَ حِلٌّ
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
سقط من: م.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى الفريابي وابن أبي حاتم.
(4)
تفسير مجاهد ص 729، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 368 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(5)
في ص: "بريص غير حرج ولا آثم". وفى م: "برئ عن الحرج والإثم". وفي ت 1، ت 2، ت 3:"يرتقى عن حرج ولا إثم".
بِهَذَا الْبَلَدِ}. يقولُ: أنت به حِلٌّ لست بآثمٍ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: لم يكنْ بها أحدٌ حِلًّا غيرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كلُّ مَن كان بها كان
(2)
حرامًا، لم يَحِلُّ لهم أنْ يُقاتِلوا فيها، ولا يستحلُّوا حُرمةً، فأحلَّه اللهُ عز وجل لرسولِه صلى الله عليه وسلم، فقاتَل المشركين فيه
(3)
.
حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاءٍ:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} . قال: إِنَّ اللهَ جلَّ وعزَّ حرَّم مكةَ، لم تَحِلَّ لنبيٍّ إلا نبيَّكم ساعةً من نهارٍ
(4)
.
[حدَّثنا المَرْوَزِيُّ]
(5)
، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} : يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، يقول: أنت حِلٌّ بالحرمِ، فاقتُلْ إنْ شئتَ، أو دَعْ
(6)
.
وقولُه: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وأُقسِمُ بوالدٍ وبولدِه الذي ولَد.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بذلك من الوالدِ وما ولَد؛ فقال
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 373 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى المصنف.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"حدثت". وهو عبدان المروزى. ينظر تاريخ المصنف 1/ 81.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى ابن أبي حاتم.
بعضُهم: عُنِى بالوالدِ: كلُّ والدٍ، وبقوله:{وَمَا وَلَدَ} : كلُّ عاقرٍ لم يلِدْ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن شريكٍ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: الوالدُ: الذي يلِدُ، وما ولَد: العاقرُ الذي لا يُولَدُ له
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: العاقِرُ والتي
(2)
تلدُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضر بن عربيٍّ، عن عكرمةَ:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} قال: العاقرُ] والتي تلِدُ]
(3)
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: هو الوالدُ وولدُه.
وقال آخرون: عُنِى بذلك آدمُ وولدُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: الوالدُ: آدمُ، وما ولَد: ولدُه.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 425 نقلا عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد ص 729، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير - من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
في ت 1: "الذي".
(3)
في ت: "التي لم تلد".
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 425.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: [آدمُ، {وَمَا وَلَدَ}. قال]
(1)
: ولدُه
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} .
قال: آدمُ وما ولَد.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: آدمُ وما ولَد
(3)
.
حدَّثني أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: آدمُ وما ولَد
(4)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: الوالدُ: آدمُ، وما ولَد: ولدُه
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: آدم وما ولَد
(4)
.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن عبيدٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: آدمُ وما ولَد.
(1)
سقط من: م، ت 1.
(2)
تفسير مجاهد ص 729، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 368، والحاكم 2/ 523، وعنده عن مجاهد عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 373 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 425.
وقال آخرون: عُنِى بذلك إبراهيمُ عليه السلام وما ولَد.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ
(1)
، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبا عمرانَ الجَوْنِيَّ يقولُ
(2)
: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} . قال: إبراهيمُ وما ولَد
(3)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله الذين قالوا: إِنَّ الله عز وجل أَقْسَم بكلِّ والدٍ وولَدِه. لأنَّ الله جلَّ ثناؤُه عمَّ كلَّ والدٍ وما ولَد، وغيرُ جائزٍ أنْ يُخَصَّ ذلك إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها مِن خبرٍ، أو عقلٍ، ولا خبرَ بخصوصِ ذلك، ولا برهانَ يجبُ التسليمُ له بخصوصه، فهو على عمومِه كما عمَّه.
وقولُه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . وهذا هو جوابُ القسمِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ ههنا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}
(4)
.
واختلَف أهل التأويلُ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لقد خلَقنا ابن آدمَ في شدَّةٍ وعناءٍ ونَصَبٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . يقولُ: في نَصَبٍ.
(1)
في ص، ت 2 ت 3:"الجرشي". وينظر تهذيب الكمال 26/ 528.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يقرأ".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 425، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(4)
تقدم أوله في الصفحة السابقة.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ
(1)
، عن منصورِ بن زاذانَ، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} : خُلِق
(2)
حينَ خُلِق في مشقةٍ، لا تُلْفِى ابن آدمَ إلا يُكابدُ أمرَ الدنيا والآخرةِ
(3)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فِي كَبَدٍ} . قال: يكابدُ أمرَ الدنيا وأمرَ
(4)
الآخرةِ. وقال بعضُهم: خُلِقَ خَلْقًا لم يُخلَقْ خلْقَه شيءٌ
(5)
(6)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عليّ [بن عليّ]
(7)
رفاعةَ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لم يَخْلُقِ اللهُ خلقًا يُكابدُ ما يُكابدُ ابن آدمَ
(8)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عليّ [بن عليّ]
(7)
بن رِفاعةَ، قال: سمِعتُ سعيد بن أبي
(9)
الحسنِ يقولُ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: يُكابدُ مصائبَ الدنيا، وشدائدَ الآخرةِ
(10)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرمةَ: {لَقَدْ خَلَقْنَا
(1)
في م: "سعيد". ينظر تهذيب الكمال 12/ 479.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يقول في شدة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} ".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(4)
سقط من: م، ت 1.
(5)
في م: "شيئًا".
والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 373، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد.
(6)
بعده في ص، م، ت 1:"ذكر من قال ذلك". وفى ت 2، ت 3:"ذكر الرواة بذلك".
(7)
سقط من: م، ت.1. وينظر تهذيب الكمال 21/ 72.
(8)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (230) عن علي به.
(9)
سقط من: الأصل.
(10)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (231) عن علي به.
الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}. قال: في شَدَّةٍ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: في شدَّةٍ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: في شدَّةٍ معيشتهِ، وحملِه وحياتِه، ونباتِ أسنانِه
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال مجاهدٌ: {الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: شدَّةٍ خروجِ أسنانِه.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: شدَّةٍ
(4)
.
وقال آخرون: بل: معنى ذلك أنه خُلِق مُنتصِبًا معتدلَ القامةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: في انتصابٍ، ويقالُ: في شدَّةٍ
(5)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى المصنف.
(3)
أخرجه الحاكم 2/ 523 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
تفسير مجاهد ص 729، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
أخرجه الطبراني في الكبير (12412) وفى الأوسط (5096) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني عُمارةُ، عن عكرمةَ في قوله:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: في انتصابٍ. يعنى الخِلْقةَ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: مُنتصِبًا
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن عبدِ الله بن شدَّادِ في قولِه:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: معتدلًا بالقامِة. قال أبو صالحٍ: معتدلًا في القامةِ.
حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، [عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: قائمًا.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ]
(3)
: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} : قائمًا
(4)
، خُلِق منتصبًا على رجْلين، لم تُخْلَقْ دابَّةٌ على خَلْقِه
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن مجاهدٍ: {لَقَدْ خَلَقْنَا
(1)
في الأصل، ص، ت 2، ت 3:"العلقة". وفى م: "القامة".
(2)
تفسير مجاهد ص 729 من طريق منصور به.
(3)
في الأصل: "قال".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(5)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 430، وابن كثير في تفسيره 8/ 425.
الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}. قال: في صَعَدٍ
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه خُلِق في السماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . قال: في السماءِ [خلَقه، خُلق آدمُ في السماءِ، فسُمِّي]
(2)
ذلك الكَبَدَ
(3)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك أنه خُلِق يُكابدُ الأمورَ ويُعالجُها. فقولُه: {فِي كَبَدٍ} . معناه: في شدَّةٍ.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من كلام العربِ من معاني الكَبَدِ، ومنه قولُ لبيدِ بن ربيعةَ
(4)
:
يا
(5)
عينُ هلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ إِذْ
…
قُمْنا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ
وقوله: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} . ذُكِر أن ذلك نزل في رجلٍ بعينِه أَنَّ مِن بنى جُمَحَ كان يُدعَى أبا الأشدِّين، وكان شديدًا، فقال جلَّ ثناؤُه: أيحسَبُ هذا القويُّ لجَلَدهِ
(6)
وقوتِه، أن لن يقهرَه أحدٌ فيغلِبَه؟ فاللهُ غالبُه وقاهرُه.
وقوله: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} . يقولُ تعالى ذكره: يقولُ هذا الجليدُ
(1)
الصعد: المشقة. وعذاب صعد: شديد. اللسان (ص ع د).
(2)
في ص، ت 1، ت 2:"فسمي". وفى م: "يسمى"، وفي ت 3:"وسمى".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(4)
شرح ديوانه ص 160.
(5)
سقط من: م.
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بجلده".
الشديدُ: أهلكتُ مالا كثيرًا، في عداوةِ محمدُ، فأنفقتُ ذلك فيه. هو كاذبٌ في قولِه
(1)
. وهو فُعَلٌ من التلبيدِ
(2)
، وهو الكثيرُ، بعضُه على بعضٍ، يقالُ منه: لَبَد بالأرض يَلْبُدُ. إذا لصِق بها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{مَالًا لُبَدًا} : يعنى باللُّبدِ المالَ الكثيرَ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مَالًا لُبَدًا} . قال: كثيرًا
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني مسلمٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} : أي
(5)
: كثيرًا.
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: {أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا}: أي: كثيرًا]
(6)
.
(1)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".
(2)
في ص، م:"التلبد". وفى ت 1: "البليد". وفى ت 2 ت 3: "اللبد".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى المصنف.
(4)
تفسير مجاهد ص 729 ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 368 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال: مالًا".
(6)
سقط من: الأصل.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} . قال: اللُّبَدُ: الكثيرُ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة الأمصارِ: {مَالًا لُبَدًا} بتخفيفِ الباءِ
(2)
، وقرأه أبو جعفرٍ بتشديدِها
(3)
.
والصوابُ بتَخْفيفِها
(4)
؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.
وقولُه: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أيظُنُّ هذا القائلُ: {أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} . أن لم يَرَه أحدٌ في حالِ إنفاقِه ما يزعُمُ أنه أنفَقَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} : ابن آدمَ، إنك مسئولٌ عن هذا المالِ؛ من أين اكتسبتَه، وأين أنفَقتَه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة مثلَهُ
(5)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 373 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 352 إلى عبد بن حميد.
(2)
هي قراءة حفص وحمزة والكسائى ونافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ويعقوب وخلف. النشر 2/ 300.
(3)
المصدر السابق، الموضع السابق.
(4)
وقراءة التشديد أيضًا صواب.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 373 عن معمر به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 426 عن قتادة.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ألم نجعلْ لهذا القائلِ: {أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} . عينينِ يُبصرُ بهما حُججَ اللهِ عليه، ولسانًا يُعَبِّرُ به عن نفسِه ما أراد، وشفتين، نعمةً منا بذلك عليه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} : نِعَمٌ مِن الله متظاهرةٌ، يُقرِّرُك بها كيما تشكرَ
(1)
.
وقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وهديناه الطريقين.
والنَّجْدُ
(2)
: طريقٌ في ارتفاعٍ.
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: نَجْدُ الخيرِ، ونَجْدُ الشرِّ، كما قال عز وجل:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: الخيرَ والشرَّ
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبد اللهِ مثلَه.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"نجد".
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 374 عن الثورى عن زر به، ولم يذكر عاصمًا، وأخرجه الطبراني (9097)، واللالكائى في أصول الاعتقاد (956) من طريق سفيان به، والأثر في تفسير مجاهد ص 730، وأخرجه الحاكم 2/ 523 من طريق عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن منذرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن خُثيمٍ، قال: ليسا بالثديَين
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرُو
(2)
، جميعًا عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: نَجْدَ الخيرِ، ونَجْدَ الشرِّ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثني هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني عاصمٌ، قال: سمِعتُ أبا وائلٍ يقولُ: كان عبدُ اللهِ يقولُ: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: نَجْدَ الخيرِ، ونَجْدَ الشرِّ
(3)
.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . يقولُ: الهدى والضلالةَ
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: سبيلَ الخيرِ والشرِّ
(5)
.
حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: الخيرَ والشرَّ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن
(1)
ينظر علل ابن أبي حاتم (1778)، وينظر ما سيأتي في الصفحة التالية.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عمران". وينظر تهذيب الكمال 22/ 203.
(3)
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (1777).
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 56 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى ابن المنذر.
(5)
أخرجه اللالكائي (957، 958) من طرق عن ابن عباس.
الربيعِ بن خثيمٍ، عن أبي بردةَ، قال: مرَّ بنا الربيعُ بنُ خُثيمٍ، فسألْناه عن هذه الآيةِ:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . فقال: أما إنهما ليسا بالثديين
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الخيرَ والشرَّ.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: سبيلَ الخيرِ والشرِّ
(2)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} : نَجْدْ الخيرِ، ونَجْدَ الشرِّ
(3)
.
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هما نَجْدانِ؛ نَجْدُ خيرٍ، ونَجْدُ شرٍّ، فما جعَل نَجْدَ الشرِّ
(4)
أحبَّ إليكم مِن نَجْدِ الخيرِ
(5)
؟ ".
حدَّثنا مجاهدُ بن موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا عطيةُ أبو وهبٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ألا إنما هما نَجْدانِ؛ نَجْدُ الخير، ونَجْدُ الشرِّ، فما جعَل
(6)
نجدَ الشرِّ أحبَّ إليكم مِن نَجْدِ الخيرِ؟ ".
(1)
أخرجه أبو داود في كتاب القدر - كما في تهذيب الكمال 14/ 489 - من طريق عبد الله بن الربيع بن خثيم به.
(2)
تفسير مجاهد ص 730، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 368.
(3)
تفسير مجاهد ص 730 من طريق آخر عن الضحاك.
(4)
في الأصل: "الخير".
(5)
في الأصل: "الشر". وينظر ما سيأتي بعدُ وفى الصفحة التالية.
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يجعل".
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، عن حبيبٍ، عن الحسنِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "يا أيُّها النَّاسُ، إنما هما النَّجْدانِ؛ نَجْدُ الخيرِ، ونَجدُ الشرِّ، فما جَعَل نَجْدَ الشرِّ أَحبَّ إليكم مِن نَجْدِ الخيرِ؟ "
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} : ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "أَيُّها النَّاسُ، إنما هُما النَّجْدانِ؛ نجْدُ الخيرِ، ونجْدُ الشرِّ، فما جعَل نجْدَ الشرِّ أحبَّ إليكم مِن نجْدِ الخيرِ؟ "
(2)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنما هما نَجْدانِ، فما جعَل نَجْدَ الشرِّ أحبَّ إليكم من نجْدِ الخيرِ؟ "
(3)
.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّما هما نجدانِ، لا نَجَعَلُ نجدَ الشرِّ أحبَّ إليكم من نجد الخيرِ"]
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال
(5)
: طريقَ الخيرِ والشرِّ. وقرَأ قولَ اللهِ:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 427 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 353 إلى عبد حميد وابن مردويه.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى المصنف.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 374 عن معمر، عن الحسن، وسقط معمر من مطبوعة التفسير.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(5)
في م: "قاطع".
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان: 3].
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهديناه الثَّديين؛ سبيلَى
(1)
اللبنِ الذي يتغذَّى به، وينبتُ عليه لحمُه وجسمُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا عيسى بنُ عِقالٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . قال: هما الثَّديان
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ
(3)
، قال: ثنا مِهْرانُ، عن المباركِ بن مجاهدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الثَّديان.
وأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: عُنِى بذلك طريقُ الخيرِ والشرِّ. وذلك أنه لا قول في ذلك نعلَمُه غير القولين اللَّذين ذكَرْناهما، والثَّديان، وإن كانا سبيلَى اللبن، فإنَّ الله تعالى ذكره إذ عدَّد على العبدِ نعمَه بقولِه:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} [الإنسان: 2، 3]. إنما عدَّد عليه هدايته إيَّاه إلى سبيل الخيرِ مِن نعمه، فكذلك قوله:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} .
وقوله: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} : يقولُ تعالى ذكرُه: فلم يَرْكبِ العقبةَ، فيقطعَها ويَجوزَها.
وذُكر
(4)
أنَّ العقبة جبلٌ في جهنمَ.
(1)
في الأصل: "سبيل".
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 427 - من طريق عيسى بن عقال به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 374 من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى عبد بن حميد.
(3)
في الأصل: "بشار".
(4)
في الأصل: "ذلك".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مُجالدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} . [قال: جبلٌ في جهنمَ أَزَلُّ]
(1)
(2)
.
حدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه عز وجل:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} . قال: عَقَبَةٌ في جهنمَ
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} . قال: جهنمَ
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} : إنها قُحْمةٌ شديدةٌ، فاقتحِموها بطاعةِ اللهِ
(5)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه عز وجل:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} . قال: النارُ
(6)
عقبةٌ دونَ الجسرِ
(7)
.
(1)
في ص، ت 2، ت 3:"جبل في جهنم". وفى م، ت 1:"جبل من جهنم".
(2)
أزل: زلقٌ. ينظر اللسان (ز ل ل).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة 13/ 326 عن عبد الله بن إدريس به بلفظ: "جبل زلال في جهنم". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى المصنف.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 428.
(6)
في ص، م، ت 1:"للنار".
(7)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 374 عن معمر به بلفظ: "النار عقبة دون الجنة". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، بلفظ:"للناس عقبة دون الجنة".
قال البغوي في تفسيره 8/ 432: "وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله".
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بن جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ يحيى بن أيوب يحدِّثُ عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن شعيبٍ، عن
(1)
زُرْعةَ، عن حَنَشٍ، عن كعبٍ، أنه قال:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} . قال: هي
(2)
سبعون درجةً في جهنمَ
(3)
.
وأفرَد قولَه: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} بذكرِ "لا" مرَّةً واحدةً، والعربُ لا تكادُ تُفْرِدُها في كلامٍ في مثل هذا الموضِعِ، حتى يكرِّروها مع كلامٍ آخرَ، كما قيل:{فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 30]، و:{لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]. وإنما فعل ذلك كذلك في هذا الموضعِ؛ استغناءً بدلالةِ آخرِ الكلامِ على معناه، من إعادتِها مرَّةً أخرى، وذلك قولُه إذْ فسَّر اقتحامَ العقبةِ، فقال:{فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} . ففسَّر ذلك بأشياءَ ثلاثةٍ، فكان كأنه في أوَّلِ الكلامِ قال: فلا فَعَل ذا
(4)
ولا ذا ولا ذا. وتأوَّل ذلك ابن زيدٍ، بمعنى: أفلا. ومن تأوَّله كذلك، لم تكن به حاجةٌ إلى أنْ يزعُمَ أن في الكلامِ متروكًا.
ذكرُ الخبرِ بذلك عن ابن زيدٍ
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وقرَأ قولَ الله:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} . قال: أفلا سلَك الطريقَ التي فيها
(5)
النجاةُ والخيرُ. ثم قرَأ
(6)
: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}
(7)
.
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بن".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"هو".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
في الأصل: "ذلك".
(5)
في م: "منها".
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"قال".
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى المصنف.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} . يقول تعالى ذكره: وأَيُّ شيءٍ أَشْعَرك يا محمدُ ما العقبةُ؟
ثم بيَّن جلَّ ثناؤُه له، ما العقبةُ، وما النجاةُ منها، وما وجْهُ اقتحامِها؛ فقال: اقتحامُها وقطعها فكُّ رقبةٍ مِن الرَّقِّ وأَسْرِ العبوديةِ
(1)
.
كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ} . قال: ذُكر لنا أنه ليس مسلمٌ يُعتِقُ رقبةً مسلمةً، إلا كانت فداءَه من النارِ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ} : ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرقابِ أَيُّها أعظمُ أجرًا، قال:"أكثرها ثمنًا"
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا
(4)
سالمُ بنُ أبي الجعدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن [أبي نُجيحٍ]
(5)
، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "أَيُّمَا مُسْلمٍ أَعْتَق رجلًا مُسْلمًا، فإِنَّ الله جَاعِلٌ وِفاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِن عظامِه، عَظْمًا مِن عظامِ مُحرَّرِه مِن النَّارِ، وأيُّمَا امْرأةٍ مسلمةٍ أعتَقت امرأةً مسلمةً، فإنَّ الله جاعِلٌ وِفاءَ كُلِّ عظمٍ مِن عظامِها، عَظْمًا مِن عِظامِ محرَّرِهَا مِن النَّارِ"
(6)
.
(1)
في ص، م، ت 1:"العبودة".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى المصنف.
(4)
في الأصل: "وحدثنا".
(5)
في الأصل: "ابن أبي يحيى".
(6)
أخرجه أحمد 4/ 384 (الميمنية) من طريق سعيد به، وأخرجه الطيالسي (1250) - ومن طريقه البيهقى 10/ 272 - وأخرجه أحمد 4/ 113، 384 (الميمنية)، وأبو داود (3965)، والترمذى (1638)، =
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن قيسٍ الجُذاميِّ، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهنِيِّ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ أَعْتَقِ رَقبَةً مُؤْمِنَةً، فَهِيَ فَدَاؤُه مِن النَّارِ"
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} : ثم أخبَر عن اقتحامِها، فقال:{فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ}
(2)
.
واختلفت القرَأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ، وعامةُ قرأةِ البصرةِ غيرَ
(3)
ابن أبي إسحاقَ، ومن الكوفيِّين الكسائيُّ:(فَكَّ رَقَبَةً * أَوْ أَطْعَمَ). وكان أبو عمرو بنُ العلاءِ يحتجُّ فيما بلغَنى فيه بقوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} . كَأَنَّ معناه كان عندَه: فلا فكَّ رقبةً، ولا أطعَم، ثم كان من الذين آمنوا
(4)
. وقرَأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة والشامِ: {فَكُّ رَقَبَةٍ} . على الإضافةِ، {أَوْ إِطْعَامٌ} . على وجْه المصدرِ
(5)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ
= والنسائي (3143)، والبيهقى 9/ 161، وغيرهم من طرق عن هشام عن قتادة به، وأخرجه أحمد 4/ 113، 386 (الميمنية)، وعبد بن حميد (298، 299، 302)، وأبو داود (3966)، والترمذى (1635)، وغيرهم من طرق عن ابن أبي نجيح.
(1)
أخرجه أحمد (17326)، والطبراني 17/ 333 (918) من طريق سعيد به، وأخرجه الطيالسى (1102)، وأحمد (17357)، وأبو يعلى (1760)، والطبراني 17/ 333 (920) من طريق قتادة به، وأخرجه الروياني (241)، والحاكم 2/ 211، والطبراني 17/ 333 (919) من طريق قتادة عن الحسن بن عبد الرحمن عن قيس به.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 374 عن معمر به.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن".
(4)
هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. النشر 2/ 300.
(5)
هي قراءة ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة ويعقوب وأبى جعفر وخلف. النشر، الموضع السابق.
منهما علماءُ من القرأةِ، وتأويلٌ، مفهومٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. فقراءتُه إذا قُرئ على وجْهِ الفعلِ تأويلُه: فلا اقتحم العقبةَ، لا فكَّ رقبةً، ولا أطعَم
(1)
، ثم كان مِن الذين آمنوا. و {مَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} على التعجُّبِ والتعظيمِ. وهذه القراءةُ أحسنُ مخرجًا في العربيةِ؛ لأنَّ الإطعامَ اسمٌ، وقولُه:{ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} . فعلٌ، والعربُ تُؤثِرُ ردَّ الأسماءِ على الأسماءِ مثلِها، والأفعالِ على الأفعالِ، ولو كان مجئُ التنزيلِ: ثم أن كان من الذين آمنوا. كان أحسنَ وأشبهَ بالإطعام والفكِّ مِن: {ثُمَّ كَانَ} ولذلك قلتُ: (فَكَ رَقَبَةٌ * أَوْ أَطْعَمَ
(1)
) أوجَهُ في العربية من الآخرِ، وإن كان للآخرِ وجهٌ معروفٌ، ووجهُه أن تُضْمَرَ فيه
(2)
"أن" ثم تُلْقَى، كما قال طَرَفةُ بنُ العبدِ
(3)
:
ألا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى
…
وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِى
بمعنى: ألا أيُّهذا الزاجِرِى أنْ أَحْضُرَ الوَغَى. وفي قولِه: "أن أشهَد". الدلالةُ البيِّنةُ على أنها معطوفةٌ على "أن" أُخرى مثلِها قد تقدَّمت قبلَها، فذلك وجهُ جوازه. وإذا وجِّه الكلام إلى هذا الوجْهِ كان قولُه:{فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ} . تفسيرًا لقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} . كأنه قيل: وما أدراك ما العقبةُ؟ هي {فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} . كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} . ثم قال: {نَارٌ حَامِيَةٌ} مفسِّرًا لقوله: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9 - 11]، ثم قال: وما أدراك ما الهاويةُ؟ هي نارٌ حاميةٌ.
وقوله: (أَوْ أَطْعَمَ
(1)
في يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ). يقولُ: أو أطعَم
(1)
في يومٍ ذى مجاعةٍ. والساغبُ: الجائعُ.
(1)
في الأصل: "إطعام".
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
تقدم في 2/ 189.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {أَوْ إِطْعَامٌ
(1)
فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}: بيومِ مجاعةٍ
(2)
.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى خالدُ بنُ حيَّانَ الرَّقِّيُّ أبو يزيدَ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ، عن عكرِمةَ في قولِ اللهِ: {أَوْ إِطْعَامٌ
(1)
فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}: قال: ذى مجاعةٍ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} . قال: الجوعُ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {أَوْ إِطْعَامٌ
(1)
فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}. يقولُ: يومٍ يُشْتهى فيه الطعامُ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عثمانَ الثقفيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} . قال: ذى
(4)
مجاعةٍ
(5)
.
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أطعم".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 430.
(3)
تفسير مجاهد ص 730، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 368 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى عبد بن حميد.
(4)
سقط من: م، ت 1.
(5)
أخرجه الفريابي من طريق عثمان به - كما في التغليق 4/ 368 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 354 إلى ابن أبي حاتم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ
(1)
، عن عثمانَ بن المغيرِة، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} . قال: مجاعةٍ
(2)
.
وقوله: {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} . يقولُ: أو أَطعَم
(3)
في يومٍ ذى
(4)
مجاعةٍ صغيرًا لا أبَ له مِن قَرابتِه. وهو اليتيمُ ذو المقربةِ، وعُنِى بذى المقربةِ ذو
(5)
القرابةِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} . قال: ذا قرابةٍ.
وقوله: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . اختلَف أهلُ التأويل في تأويلِ قوله: {ذَا مَتْرَبَةٍ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك ذو اللصوقِ بالترابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني المُغيرةُ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: [{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: الذي ليس له مأْوًى إلا الترابُ
(6)
.
حدَّثنا مُطَرِّفُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ]
(7)
مثلَه.
(1)
في الأصل: "شعبة".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 430.
(3)
في الأصل: "إطعام".
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(5)
في الأصل، م:"ذا".
(6)
أخرجه ابن حجر في التغليق 4/ 368، 369 من طريق مجاهد به.
(7)
سقط من: الأصل.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: الذي لا يُواريه إلا الترابُ.
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: الذي ليس له مأْوًى إلا الترابُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: التَّرِبُ
(1)
الذي ليس له مأْوًى إلا الترابُ.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: المسكينُ: المطروحُ في الترابِ
(2)
.
حدَّثني أبو حَصينٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ قوله:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: الذي لا يَقِيه من الترابِ شيءٌ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ ومغيرةُ كلاهما، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: هو اللازقُ بالتراب من شدَّةِ الفقرِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال:
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى المصنف والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
التَّرِبُ
(1)
: المُلْقى على الطريقِ على الكُناسةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: هو المسكينُ المُلقْى بالطريقِ بالترابِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن مجاهدٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: المطروحُ في الأرضِ، الذي لا يَقيه شيءٌ دونَ الترابِ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: هو المُلْزَقُ بالأرضِ
(3)
، لا يَقِيه شيءٌ مِن الترابِ
(4)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصينٍ وعثمانُ بن المغيرةِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: [المطروحُ في الطريقِ أو الطرقِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابن إدريسَ، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال]
(5)
: الذي ليس له شيءٌ يَقِيه من الترابِ.
(1)
سقط من: ت 1. وفى ص، م، ت 2، ت 3: "التراب".
(2)
تفسير مجاهد ص 731 ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 368 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى عبد بن حميد.
(3)
في الأصل: "في الأرض".
(4)
أخرجه الحاكم 2/ 524 من طريق سفيان به بنحوه، وأخرجه أيضًا في 2/ 524 من طريق حصين به.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: ساقطٌ في الترابِ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن جعفرِ بن بُرْقانَ
(2)
، قال: سمِع عكرمةَ: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: الملتزِقُ بالأرض من الحاجةِ
(3)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: التَّرِبُ
(4)
: اللاصقُ بالأرضِ
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ سفيانَ، عن عثمانَ بن المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: المُلْقَى في الطريقِ، الذي ليس له بيتٌ إلا الترابُ.
وقال آخرون: بل هو المحتاجُ؛ كان لاصقًا بالترابِ
(6)
، أو غيرَ لاصقٍ به. وقالوا: إنما هو من قولهم: تَرِب الرجلُ. إذا افتقَر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ
(7)
، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
(1)
تفسير مجاهد ص 731.
(2)
في الأصل: "ثوبان". وينظر تهذيب الكمال 5/ 11.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 374 من طريق آخر بنحوه.
(4)
في ص، م، ت 1، ت،2، ت 3:"التراب".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسير 2/ 375 عن معمر عن رجل عن عكرمة.
(6)
في ت 3: "بالأرض".
(7)
في ت 1: "عاصم".
في قوله: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . يقولُ: شديدَ الحاجةِ
(1)
.
حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، [عن حُصينٍ]
(2)
، عن عكرمةَ في قوله:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: هو المحارَفُ
(3)
الذي لا مالَ له.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: ذا حاجةٍ؛ التَّرِبُ المحتاجُ.
وقال آخرون: بل هو ذو العيالِ الكثيرِ الذين قد لَصِقوا بالترابِ من الضرِّ وشدَّةِ الحاجةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . يقولُ: مسكينٌ ذو بنينَ وعيالٍ، ليس بينَك وبينَه قرابةٌ
(4)
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . قال: ذا عيالٍ
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} : كنا نحدَّثُ أن التَّرِبَ هو ذو العيالِ الذي لا شيءَ له
(6)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
المحارَف: الذي يحترف بيديه، ولا يبلغ كسبه ما يقيمه وعياله. ينظر التاج (ح ر ف).
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى المصنف.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 431.
(6)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى عبد بن حميد.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} : ذا عيالٍ لاصقين بالأرضِ، من المسكنةِ والجهدِ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: عُنِى به: أو مسكينًا قد لَصِق بالترابِ مِن الفقرِ والحاجةِ. لأنَّ ذلك هو الظاهرُ من معانيه، وأنَّ قولَه:{مَتْرَبَةٍ} إنما هي "مَفْعَلة" من: تَرِب الرجلُ. إذا أصابه الترابُ.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: ثم كان هذا الذي قال: {أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} . مِن الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، فيؤمنُ معهم كما آمَنوا، {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. يقولُ: وممن أوصَى بعضُهم بعضًا بالصبرِ على ما نابهم في ذاتِ اللهِ، {وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}. يقولُ: وأوصَى بعضُهم بعضًا بالمرحمةِ.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} . قال: مَرْحَمةِ النَّاسِ
(1)
.
وقولُه: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} . يقولُ: الذين فعلوا هذه الأفعالَ التي ذكرتُها؛ مِن فكِّ الرقابِ، وإطعامِ اليتيمِ، وغيرِ ذلك - أصحابُ اليمينِ، الذين يُؤخذُ بهم يومَ القيامةِ ذاتَ اليمينِ إلى الجنةٍ.
وقولُه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا} . يقولُ: والذين كفَروا بأدلتِنا وأعلامِنا
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى المصنف ابن أبي حاتم.
وحججِنا؛ مِن الكتبِ والرسلِ وغيرِ ذلك، {هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}. يقولُ: هم أصحابُ الشمالِ يومَ القيامةِ، الذين يُؤخذُ بهم ذاتَ الشمالِ. وقد بيَّنا معنى المشأمةِ، ولمَ قيل لليسارِ المشأمةُ فيما مضَى، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ
(1)
.
وقولُه: {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ} . يقولُ تعالى ذكرُه: عليهم نارُ جهنمَ يومَ القيامةِ مُطْبَقَةٌ، يقالُ منه: أوصدْتُ وأصدتُ. [إذا أطبَقتَ]
(2)
.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ} : مُطْبَقَةٌ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ} . قال: مُطْبَقةٌ.
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ}. قال: مطبَقةٌ]
(4)
.
(1)
ينظر ما تقدم في 22/ 286، 334.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355، 393 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
والأثر في تفسير مجاهد ص 731، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ} : أي: مُطْبَقةٌ، أطبَقها اللهُ عليهم، فلا ضوءَ فيها ولا فَرْجَ، ولا خروجَ منها آخرَ الأبدِ
(1)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مُؤْصَدَةٌ} . قال: مغلَقةٌ عليهم
(2)
.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "لا أقسمُ بهذا البلد"
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 375 عن معمر، عن قتادة
…
إلى قوله: مطبقة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى عبد بن حميد.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى عبد بن حميد.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "والشمسِ وضحاها"
القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: قولُه عز وجل: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} . قسمٌ، أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بالشمسِ وضحاها. ومعنى الكلامِ: أُقْسِمُ بالشمسِ وضُحى الشمسِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {وَضُحَاهَا} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والشمسِ والنهارِ. وكان يقولُ: الضُّحى هو النهارُ كلُّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} .
قال: هذا النهارُ
(1)
.
وقال آخرون: معنى ذلك: وضَوئِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ:{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} . قال: ضوئِها
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: أقسَم جلَّ ثناؤه بالشمسِ ونهارِها؛ لأنَّ ضوءَ الشمسِ الظاهرةِ هو النهارُ.
وقولُه: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: والقمرِ إذا تَبِع الشمسَ، وذلك في النصفِ الأوَّلِ مِن الشهرِ، إذا غَرَبتِ الشمسُ تلاها القمرُ طالعًا.
[وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ]
(2)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} . قال: يتلو النهارَ
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} : يعنى الشمسَ إذا اتَّبعها القمرُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} . قال: تبِعَها (1).
(1)
تفسير مجاهد ص 732، ومن طريقه الحاكم 2/ 524 عن ابن عباس قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى المصنف.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} : يتلوها صبيحةَ الهلالِ، فإذا سقَطتِ الشمسُ رُئى الهلالُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} . قال: إذا تلا
(1)
ليلةَ الهلالِ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} . قال: هذا قسمٌ، والقمرُ يتلو الشمسَ نصفَ الشهرِ الأوَّلَ، وتتلوه
(3)
النصفَ الآخرَ، فأما النصفُ الأوَّلُ فهو يَتلوها وتكونُ أمامَه وهو وراءَها، فإذا كان النصفُ الآخَرُ كان هو أمامَها {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} . وتَقدَّمها، وتليه هي
(4)
.
وقولُه: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} . يقولُ: [والنهارِ إذا جلَّى الشمسَ بإضاءتِها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنى أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ]
(5)
: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} . قال: إذا أضاء
(6)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} .
(1)
في م: "تلاها".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 376 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
في الأصل: "يتلوه"، وفى ت 2، ت 3:"يتلو".
(4)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 73.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(6)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
إذا غَشِيها النهارُ
(1)
.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ
(2)
يتأوَّلُ ذلك بمعنى:
(3)
والنهارِ إذا جَلَّى الظلمةَ. ويجعلُ الهاءَ والألفَ مِن {جَلَّاهَا} كنايةً عن الظلمةِ، ويقولُ: إنما جاز الكنايةُ عنها، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ؛ لأنَّ معناها معروفٌ، كما يُعرفُ معنى قولِ القائلِ: أصبَحت باردةً، وأمسَت باردةً، وهبَّت شَمالًا. فكنَّى
(4)
عن مؤنَّثاتٍ لم يَجْرِ لها ذكرٌ، إذ كان معروفًا معناهنَّ.
والصوابُ عندى في ذلك ما قال أهلُ العلمِ الذين حكَينا قولَهم؛ لأنهم أعلمُ بذلك، وإن كان للذى
(5)
قاله مَن ذكَرنا قولَه من أهلَ العربيةِ وجهٌ.
وقولُه: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: والليلِ إذا يغشى الشمسَ حتى تغيبَ فتُظلِمَ الآفاقُ.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} : إِذا غَشِيَها
(6)
الليلُ (1).
وقولُه: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} . يقولُ جلَّ ثناؤه: والسماءِ ومَنْ بناها. يعنى: ومَنْ خلَقها. وبناؤُه إياها [تصييرُه إياها]
(7)
للأرضِ سقفًا.
(1)
تقدم تخريجه في ص 434.
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 266.
(3)
في الأصل: "المعنى".
(4)
في الأصل: "يكنى".
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الذي".
(6)
في م: "غشاها".
(7)
سقط من: الأصل.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} : وبناؤها خلقُها
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} . قال: اللهُ بنَى السماءَ
(2)
.
وقيل: {وَمَا بَنَاهَا} . وهو جلَّ ثناؤُه بانيها، [فوضَع "ما"]
(3)
موضعَ "مَنْ"، كما قال:{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [البلد: 3]. [فوضَع "ما"]
(4)
في موضعِ "مَنْ"، ومعناه: ومَن ولَد؛ لأنه قَسَمٌ، أقسَم بآدمَ وولدِه، وكذلك قولُه:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22]. وقولُه: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]. وإنما هو: فانكِحوا مَنْ طاب لكم. وجائزٌ توجيهُ ذلك إلى معنى المصدرِ، كأنه قيل
(5)
: والسماءِ وبنائِها
(6)
، ووالدٍ وولادتِه.
وقولُه: {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} . وهذه أيضًا نظيرُ التي قبلَها، ومعنى الكلامِ: والأرضِ ومَنْ طحاها.
ومعنى قولِه: {طَحَاهَا} : بسَطها يمينًا وشمالًا ومن كلِّ جانبٍ.
(1)
تقدم تخريجه في ص 434.
(2)
تقدم تخريجه في ص 435.
(3)
في الأصل: "نوضع".
(4)
في الأصل: "يوضع ما موضع".
(5)
في م: "قال".
(6)
في الأصل: "بنيانها".
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {ضُحَاهَا} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والأرضِ وما خلَق فيها
(1)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} : يقولُ: وما خلَق فيها
(2)
.
وقال آخرون: يعنى بذلك: وما بسَطها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، [قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه:{وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} . قال: بسَطها
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ]
(4)
، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} . قال: دحاها
(5)
.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} . قال: بسَطها
(6)
.
(1)
في ص، ت 2، ت 3:"منها".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى المصنف.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى عبد بن حميد.
(4)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(5)
تقدم تخريجه في ص 435.
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 434.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما قسَمها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} . يقولُ: قسَمها
(1)
.
وقولُه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}
(2)
. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَمَا سَوَّاهَا} نفسَه جلَّ وعلَا؛ لأنه هو الذي سوَّى النفوسَ
(3)
وخلَقها فعدَّل خلقَها، فوضَع "ما" موضعَ "مَنْ". وقد يَحتملُ أن يكونَ معنى ذلك أيضًا المصدرَ، فيكونُ تأويلُه: ونفسٍ وتسويتِها. فيكونُ القسَمُ بالنفسِ وبتسويتِها.
وقولُه: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فبيَّن لها ما ينبغِى لها أن تأتىَ أو تذرَ؛ من خيرٍ أو شرٍّ، و
(4)
طاعةٍ أو معصيةٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال عامةُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . يقولُ: بيَّن الخيرَ والشرَّ (1).
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 56 - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى ابن المنذر.
(2)
بعده في ص، ت 1:"يقول: ونفس ومن سواها".
(3)
في م: "النفس".
(4)
في م: "أو".
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . قال: علَّمها الطاعةَ والمعصيةَ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . قال: عرَّفها
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} : فبيَّن لها فجورَها وتقواها
(3)
.
وحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . قال: بيَّن لها الطاعةَ والمعصيةَ
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . قال: أعلَمها المعصيةَ والطاعةَ
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . قال: الطاعةَ والمعصيةَ.
(1)
تقدم تخريجه في ص 439.
(2)
تقدم تخريجه في ص 435.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 376 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 376 عن ابن أبي رواد، عن الضحاك، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 434.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الله عز وجل جعَل فيها ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . قال: جعَل فيها فجورَها وتقواها
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى وأبو عاصمٍ النبيلُ، قالا: ثنا عَزْرَةُ
(2)
بنُ ثابتٍ، قال: ثنى يحيى بنُ عُقَيلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ، قال: قال لى عمرانُ بنُ حُصينٍ: أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون فيه، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضَى عليهم؛ من قَدَرٍ قد سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، صلى الله عليه وسلم وأُكِّدت عليهم الحجةُ؟ قلتُ: بل شيءٌ قُضِىَ عليهم. قال: فهل يكونُ ذلك ظلمًا؟ قال: ففزِعتُ منه فزعًا شديدًا. قال: قلتُ له: ليس شيءٌ إلا وهو خَلْقُه ومِلْكُ يدِه، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. قال: سدَّدك اللهُ، إنما سأَلتُك - [قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: أظنُّه قال]
(3)
-: لأخْبُرَ عقلَك؛ إن رجلًا من مُزَينةَ - أو جُهَينةَ - أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضى عليهم؛ من قَدَرٍ سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، وأُكِّدت به عليهم الحجةُ؟ قال:"في شيءٍ قد قُضِىَ عليهم". قال: ففيمَ نعملُ؟ قال: "مَن كان اللهُ خلقه لإحدَى المنزِلتَين يُهيِّئُه لها، وتصديقُ ذلك في كتاب اللهِ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} "
(4)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 434.
(2)
في ت 2، ت 3:"عروة".
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أظنه أنا".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 435 عن المصنف، وأخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (950) =
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)} .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وقولُه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} . يقولُ: قد أفلَح مَن نَمَّى
(1)
اللهُ نفسَه [فكثَّرها بتطهيرِها]
(2)
مِن الكفرِ والمعاصى، وأصلَحها بالصالحاتِ من الأعمالِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ قولَه:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} . يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسُه
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ [وعكرمةَ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} . قالوا: مَن أصلَحها
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدٍ بن جبيرٍ]
(5)
. ولم يذكُرْ عكرمةَ.
= عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد 4/ 438 (الميمنية) من طريق صفوان به، وأخرجه الطيالسي (881)، ومسلم (2650)، وابن حبان (6182)، والطبرانى 18/ 223 (577) من طريق عزرة به.
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"زكى".
(2)
في الأصل: "وكثرها فيطهرها"، وفى م:"فكثر تطهيرها"، وفى ت 2، ت 3:"وكرمها بتطهيرها".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى المصنف وخشيش في الاستقامة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
قول مجاهد عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير 8/ 435.
(5)
سقط من: الأصل.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} : [مَن عمِل خيرًا زكَّاها بطاعةِ اللهِ
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} ].
(2)
قال: قد أفلَح من زكَّى نفسَه بعملٍ صالحٍ
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} . يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسَه.
وهذا هو موضعُ القسَمِ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسَمُ ههنا {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} (2).
وقد ذكَرتُ ما يقولُ أهلُ العربيةِ في ذلك فيما مضَى من نظائرِه قبلُ
(4)
.
وقولُه: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وقد خاب في طَلِبتِه، فلم يُدرِكْ ما طلَب والتمَس لنفسِه مِن الصلاحِ، {مَنْ دَسَّاهَا}. يعنى: مَن دَسَّس اللهُ نفسَه فأَخْمَلها
(5)
، ووضَع منها بخِذلانِه إياها عن الهُدى، حتى ركِب المعاصىَ وترَك طاعةَ اللهِ.
وقيل: {دَسَّاهَا} وهى "دَسَّسها"، فقُلِبت إحدى سيناتِها ياءً، كما قال العجَّاجُ
(6)
:
(1)
تقدم تخريجه في ص 434.
(2)
سقط من: ت 1، ت 2.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 376 عن معمر به.
(4)
ينظر ما تقدم في 20/ 9 - 11.
(5)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فأجملها".
(6)
تقدم في 2/ 48، 11/ 167.
تَقَضِّىَ البازِى إذا البازِى كسَرْ
يريدُ: تَقَضُّضَ. وتظنَّيتُ هذا الأمرَ، بمعنى: تظنَّنْتُ. والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا، فتُبدلُ في الحرفِ المشددِ بعضَ حروفِه؛ أحيانًا ياءً، وأحيانًا واوًا، ومنه قولُ الآخَرِ
(1)
:
يذهبُ بى في الشِّعرِ كلَّ فنِّ
حتى يردِّ عنِّىَ التظنِّى
يريدُ: التظنُّنَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . يقولُ: وقد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه فأضلَّه
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} : يعنى تكذيبَها
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . قال أحدُهما: أغواها. وقال الآخَرُ:
(1)
البيتان في إحدى نسخ كتاب الإبدال لابن السكيت ص 133، والأول في ثمار القلوب للثعالبى ص 72.
(2)
تقدم تخريجه في ص 443.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
أضلَّها.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . قال: مَن أضلَّها. وقال سعيدٌ: مَن أغواها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{مَنْ دَسَّاهَا} . قال: مَن أغواها
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . قال: أثَّمها وأفجَرها.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . يقولُ: قد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه.
وقولُه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} . يقولُ: كذَّبت ثمودُ بطغيانِها. يعنى: بعذابِها الذي وعَدهموه صالحٌ، فكان ذلك العذابُ طاغيًا طغَى عليهم، كما قال جلَّ ثناؤُه:{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} [الحاقة: 5].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال [جماعةٌ مِن]
(3)
أهلِ التأويلِ، وإن كان فيه اختلافٌ بين أهلِ التأويلِ.
(1)
تقدم تخريجه في ص 435.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 376 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
ذكرُ مَن قال القولَ الذي قلناه في ذلك
حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمَةَ الفِلَسْطينيُّ، قال: ثنى يزيدُ بنُ سَمُرةَ المَذْحِجِيُّ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} . قال: اسمُ العذابِ الذي جاءها الطَّغْوَى، فقال: كذَّبت ثمودُ بعذابِها
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} . أي: بالطغيانِ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كذَّبت ثمودُ بمعصيتِهم الله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} . قال: معصيتها
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} . قال: بطغيانِهم
(4)
وبمعصيتِهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بأجمَعِها.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى المصنف.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
تفسير مجاهد ص 733، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق 4/ 369 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
في الأصل، ص، ت 2:"بطغيانها".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ وابنُ لَهِيعةَ، عن عُمارةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ أنه قال:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} . قال: بأجمعِها
(1)
.
حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى عُمارةُ بنُ غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ مثلَه.
وقيل: {بِطَغْوَاهَا} . بمعنى طغيانِهم، وهما مصدران؛ للتوفيقِ بينَ رءوسِ الآى، إذ كانت الطَّغْوَى أشبهَ بسائرِ رءوسِ الآياتِ في هذه السورةِ، وذلك نظيرُ قولِه:{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} [يونس: 10]. بمعنى: وآخِرُ دعائِهم.
وقولُه: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} . يقولُ: إذ ثار أشقَى ثمودَ، وهو قُدَارُ بنُ سالفَ.
كما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الطُّفاويُّ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن زَمعةَ، قال: خطَب رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فذكَر في خُطبتِه الناقةَ والذي عقَرها، فقال: " {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} : انبعَث لها رجلٌ عزيزٌ [عارمٌ، منيعٌ]
(2)
في رهطِهِ، مثلَ أبى
(3)
زمعة"
(4)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 436.
(2)
في الأصل: "عليهم متمنع". والعارم: الخبيث الشرير. وقد عرم بالضم والفتح والكسر، والعُرام: الشدة والقوة والشراسة. النهاية 3/ 223.
(3)
في المسند: "ابن". وينظر فتح البارى 8/ 706.
(4)
أخرجه أحمد 26/ 160، 161 (16222، 16223)، والبخارى (4942)، ومسلم (2855)، والترمذى (3343)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (605)، والنسائى في الكبرى (11675) من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} . يقولُ: أُحَيْمِرُ
(1)
ثمودَ
(2)
.
وقولُه: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ} . يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه صالحًا رسولَه صلى الله عليه وسلم، فقال لثمودَ صالحٌ:{نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} : احذَروا ناقةَ اللهِ وسُقياها. وإنما حذَّرهم سُقْيا الناقةِ؛ لأنه كان تقدَّم إليهم عن أمرِ اللهِ أن للناقةِ شِرْبَ يومٍ، ولهم شِرْبَ يومٍ آخرَ غيرِ يومِ الناقةِ، على ما قد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ
(3)
.
وكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} : قَسْمُ اللهِ الذي قسَم لها من هذا الماءِ (2).
وقولُه: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} . يقول: فكذَّبوا صالحًا في خبرِه الذي أخبَرهم به، من أن الله جعَل شِرْبَ الناقةِ يومًا، ولهم شِربَ يومٍ معلومٍ، وأن الله يُحِلَّ بهم نقمتَه إن هم عقَروها، كما وصَفهم جلَّ ثناؤُه فقال:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} [الحاقة: 4]. وقد يَحتملُ أن يكونَ التكذيبُ بالعَقْرِ، وإذا كان ذلك كذلك، جاز تقديمُ التكذيبِ قبلَ العقرِ، والعقرِ قبلَ التكذيبِ، وذلك أن كلَّ فعلٍ وقَع عن سببٍ، حسُن ابتداؤُه قبلَ السببِ وبعدَه، كقولِ القائلِ: أعطَيتَ فأحسَنتَ، وأحسَنتَ فأعطَيتَ. لأن الإعطاءَ هو الإحسانُ، ومن الإحسانِ الإعطاءُ، فكذلك لو كان العَقْرُ هو سببَ التكذيبِ، جاز تقديمُ أيِّ ذلك شاء المتكلمُ، وقد زعَم بعضُهم
(4)
أن قولَه: {فَكَذَّبُوهُ} كلمةٌ مكتفيةٌ بنفسِها، وأن
(1)
في ص، ت 2، ت 3:"أخير"، وفى ت 1:"أخبر".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 356 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ينظر ما تقدم في 10/ 288.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 269.
قولَه: {فَعَقَرُوهَا} جوابٌ لقولِه: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} . فكأنه قيل: إذ انبعَث أشقاها فعقَرها. [وإن أَشكَل على مُشْكَلٍ عليه معنى قولِه: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}]
(1)
. فقال: وكيف قيل: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} . وقد كان القومُ قبلَ قتلِ الناقةِ مُسلِّمين لها شِرْبَ يومٍ ولهم شربَ يومٍ آخرَ؟ قيل: جاء الخبرُ أنهم بعدَ تسليمِهم ذلك أجمَعوا على منعِها الشِّرْبَ ورضُوا بقتلِها، وعن رضا جميعِهم قَتَلها قاتلَها وعقَرها مَن عقَرها؛ ولذلك نُسِب التكذيبُ والعَقْرُ إلى جميعِهم، فقال جلَّ ثناؤُه:{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} .
وقولُه: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: فدمَّر
(2)
عليهم ربُّهم، [وذلك]
(3)
بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولهَ صالحًا، وعَقْرِهم ناقتَه، {فَسَوَّاهَا}. يقولُ: فسوَّى الدَّمْدَمةَ عليهم جميعًا، فلم يُفْلِتْ منهم أحدٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} : ذُكِر لنا أن أُحَيمِرَ ثمودَ أبَى أن يعقِرَها حتى تابِعه
(4)
صغيرُهم وكبيرُهم، [وذكَرُهم]
(5)
وأنثاهم، فلما اشترَك القومُ في عَقْرِها دَمْدَمَ اللهُ عليهم بذنبِهم فسوَّاها
(6)
.
حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو
(7)
قُتيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
في الأصل: "فدمدم".
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بذنبهم ذلك".
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بايعه".
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(6)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(7)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3. وينظر ما تقدم في 20/ 108.
الحسنَ يقولُ: لما عقَروا الناقةَ طلَبوا فَصِيلَها، فصار في قارَةِ الجبلِ، فقطَع اللهُ قلوبَهم
(1)
.
وقولُه: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يخافُ اللهُ تَبعةَ دمدمتِه عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال: لا يخافُ اللهُ من أحدٍ تَبِعةً
(2)
.
حدَّثني إبراهيمُ بنُ المستمرِّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ
(3)
، قال: ثنا عمرُ بنُ مزيدٍ
(4)
، عن الحسنِ في قولِه:{وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال: ذاك ربُّنا تبارك وتعالى، لا يخافُ منهم
(5)
تَبِعةً بما
(6)
صنَع بهم
(7)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عُمَرَ
(8)
بن منبِّهٍ - قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: هكذا هو في كتابى - قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال: ذلك الربُّ، صنَع ذلك بهم ولم يخَفْ تَبِعَةً.
(1)
القارة: الجُبَيْل الصغير. التاج (ق و ر).
والأثر تقدم تخريجه بنحوه في 10/ 295 من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 56 - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى خشيش في الاستقامة وابن المنذر.
(3)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عمرو". وينظر تهذيب الكمال 2/ 202.
(4)
في الأصل: "يزيد"، وفى ص، م، ت 1:"مرثد". وينظر التاريخ الكبير 6/ 197، والجرح والتعديل 6/ 135.
(5)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(6)
في م: "مما".
(7)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى المصنف وابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(8)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عمرو". وهو عمر بن مزيد الذي في الإسناد قبله، وقد نص البخارى في الموضع السابق أن وكيعا هو الذي سماه عمر بن منبه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال: لا يخافُ تَبِعتَهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . يقولُ: لا يخافُ أَن يُتْبَعَ بشيءٍ مما صنَع بهم
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها. وقال الحارثُ في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا [رزِينُ بنُ سليمانَ]
(3)
، قال: سمِعتُ بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزَنيَّ يقولُ في قولِه: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال: لا يخافُ اللهُ التَّبِعةَ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخَفِ الذي عقَرها عُقباها. أي: عُقبَى فَعْلَتِه التي فعَل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، قال: ثنا الضحاكُ: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال: لم يخَفِ الذي عقَرها عُقْباها
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في ص 449.
(2)
تقدم تخريجه في ص 447.
(3)
في الأصل: "رزين أبى سليمان"، وفى ص:"رزين إبراهيم عن أبي سليمان"، وفى م:"رزين بن إبراهيم عن أبي سليمان"، وفى ت 1، ت 2 ت 3:"رزين إبراهيم بن أبى سليمان".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى المصنف.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ:{وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} . قال
(1)
: لا يخافُ الذي صنَع عقبى ما صنَع
(2)
.
واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والشامِ: (فلا يخافُ عُقْباها) بالفاءِ
(3)
، وكذلك ذلك في مصاحفِهم
(4)
. وقرَأته عامةُ قرأةِ العراقِ في المِصرَين بالواوِ: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا}
(5)
. وكذلك هو في مصاحفِهم
(4)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان غيرُ مختلِفتى المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
واختلَفت القرأةُ في إمالةِ ما كان من ذواتِ الواوِ في هذه السورةِ وغيرِها؛ وذلك كقولِه {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} ، {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} . ونحوِ ذلك؛ فكان يَفتحُ ذلك كلَّه عامةُ قرأةِ الكوفِة، ويُميلون ما كان من ذواتِ الياءِ، غيرَ عاصمٍ والكسائيِّ؛ فإن عاصمًا كان يفتَحُ جميعَ ذلك، ما كان منه من ذواتِ الواوِ وذواتِ الياءِ، لا يُضْحِعُ
(6)
شيئًا منه. وكان الكسائيُّ يكسِرُ ذلك كلَّه
(7)
. وكان أبو عمرِو ينظُرُ إلى اتساقِ رءوسِ الآى، فإن كانت متسقةً على شيءٍ واحدٍ أمال جميعَها. وأما عامةُ قرأة المدينةِ، فإنهم لا يُميلون شيئًا من ذلك الإمالةَ الشديدةَ، ولا يفتَحونه الفتحَ الشديدَ، ولكن بينَ ذلك
(8)
.
(1)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"لم يخف الذي عقرها عقباها. حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن السدى: {ولا يخاف عقباها} قال: الذي".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 357 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(3)
وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن عامر. النشر 2/ 300.
(4)
ينظر فضائل القرآن لأبى عبيد ص 197، 199، والمصاحف لابن أبي داود ص 40، 47.
(5)
وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر 2/ 300.
(6)
في الأصل، ت 1:"يفتح"، وفى ص:"يضطجع"، وفى ت 2، ت 3:"تضجع". والمعنى: أنه لا يميل.
(7)
أي: يميل إمالة كبرى قريبة من الكسر.
(8)
القراء منقسمون في إمالة رءوس الآى من سورة الشمس؛ فقد قرأ حمزة والكسائى وخلف بإمالة =
وأفصحُ ذلك وأحسنُه أن يُنظرَ إلى ابتداءِ السورةِ؛ فإن كانت رُءوسُ آيِها بالياءِ أُجْرِىَ جميعُها بالإمالةِ غيرِ الفاحشةِ
(1)
، وإن كانت رءوسُ آيِها بالواوِ فُتِحت وأُجرِى جميعُها بالفتحِ غيرِ الفاحشِ، وإذا انفرَد نوعٌ مِن ذلك في موضعٍ، أُمِيلَ
(2)
ذواتُ الياءِ الإمالةَ المعتدلةَ، وفُتِح ذواتُ الواوِ الفتحَ المتوسِّطَ، وإن أُمِيلت هذه وفُتِحت الأخرى لم يكنْ لحنًا، غيرَ أن الفصيحَ
(3)
من الكلامِ هو الذي وصَفنا صفتَه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "والشمسِ وضحاها".
= رءوس الآى إمالة كبرى ما عدا {تَلَاهَا} و {ضُحَاهَا} . وقرأ أبو عمرو بتعليل رءوس الآى جميعها، وقرأ ورش عن نافع بالإمالة بَيْن بَيْن. وقرأ الباقون بالفتح قولًا واحدًا.
(1)
أي: غير المبالغ فيها نحو الكسر.
(2)
في الأصل: "أميلا".
(3)
في ت 1، ت 2، ت 3:"الصحيح".
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيُر سورةِ "والليلِ إذا يغشَى"
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه مُقسِمًا بالليلِ إذا غشَّى النهارَ ظُلْمتُه فأذهَب ضوءَه وجاءت ظُلمتُه: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} النهارَ،
{وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} . وهذا أيضًا قسمٌ؛ أقسَم بالنهارِ إذا هو أضاء فأنار، وظهَر للأبصارِ ما كانت ظلمةُ الليلِ قد حالت بينَها وبينَ رؤيتِه وإتيانِه إياه
(1)
عِيانًا. وكان قتادةُ يذهبُ فيما أقسَم اللهُ به من الأشياءِ أنه إنما أقسَم به لعِظَمِ شأنِه عندَه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} . قال: آيتان عظيمتان يكرِّرُهما
(2)
اللهُ على الخلائقِ
(3)
.
وقولُه: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . مُحْتَمِلٌ الوجهَين اللذَين وصفتُ في قولِه: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} [الشمس: 5، 6]. وهو أن تُجعلَ "ما" بمعنى "مَنْ"، فيكونُ ذلك قسمًا من اللهِ جلَّ ثناؤُه بخالقِ الذكرِ
(1)
في م، ت 1:"إياها".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يكورهما".
(3)
ذكره الطوسى في التبيان 10/ 363.
والأنثى، وهو ذلك
(1)
الخالقُ، وأن تُجعلَ "ما" مع ما بعدَها بمعنى المصدرِ، ويكونُ قسمًا بخلقِه الذكرَ والأنثى.
وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبى الدرداءِ أنهما كانا يقرَآن ذلك: {الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . ويأثُرُه أبو الدرداءِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ الخبرِ بذلك
(2)
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}
(3)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا هشامُ بنُ عبد الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى المغيرةُ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: أتى علقمةُ الشامَ، فقعَد إلى أبى الدرداءِ، فقال: ممن أنت؟ فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ. فقال: كيف كان عبدُ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} ؟ فقلتُ: {الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . فقال: فما زال هؤلاء حتى كادوا يستضِلُّوننى، وقد سمِعتُها من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(4)
.
(1)
في ت 2، ت 3:"كذلك".
(2)
بعده في الأصل: "عنه".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف.
(4)
أخرجه أحمد 6/ 449 (الميمنية)، والبخارى (3743، 6278)، والنسائى في الكبرى (8299، 11676)، وابن حبان (6331) من طريق شعبة به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (116)، وأحمد 6/ 450، 451 (الميمنية)، والبخارى (3742، 3761) من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وزاد عزوه في المخطوطة المحمودية ص 453 إلى ابن الأنبارى. وقال أبو حيان في البحر المحيط 8/ 483: والثابت في مصاحف الأمصار والمتواتر {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} وما ثبت في الحديث من قراءة (والذكر والأنثى) نقل آحاد مخالف للسواد فلا يعد قرآنا. وينظر تفسير القرطبي 20/ 81.
حدَّثنا محمدُ
(1)
بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا حاتمُ بنُ وَردانَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: أتيتُ الشامَ، فدخَلتُ على أبى الدرداءِ، فسأَلنى فقال: كيف سمِعتَ ابنَ مسعودٍ يقرأُ هذه الآيةَ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} ؟ قال: قلتُ: {الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . قال: كذاك
(2)
سمِعتُها من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرؤُها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، وحدَّثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ بن قَيسٍ، قال: قَدِمتُ الشامَ، فلَقِيتُ أبا الدرداءِ، فقال: من أينَ أنت؟ فقلتُ: من أهلِ العراقِ. قال: من أيِّها؟ قلتُ: من أهلِ الكوفةِ. قال: هل تقرأُ
(3)
قراءةَ ابن
(4)
أمِّ عبدٍ؟ قلتُ: نعم. قال: اقرَأْ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} . قال: فقرَأتُ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . قال: فضحِك، ثم قال: هكذا سمِعتُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(5)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: أخبَرنا داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه
(6)
.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: قدِمنا الشامَ، فأَتانا أبو الدرداءِ، فقال: أفيكم أحدٌ يقرأُ عليَّ قراءةَ
(1)
كذا في النسخ، والصواب هريم. وينظر تهذيب الكمال 25/ 581، 30/ 170.
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2:"كفاك".
(3)
في م: "تقرؤه".
(4)
سقط من: الأصل.
(5)
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (115)، ومسلم (824/ 284) من طريق ابن علية به.
(6)
أخرجه مسلم (824/ 284) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد 6/ 448، 449، والنسائى في الكبرى (11677) من طريق داود به.
عبدِ اللهِ؟ قال: فأشاروا إليَّ. قال: قلتُ: أنا. قال: فكيف سمعتَ عبدَ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ؟ [قلتُ: سمِعتُه يقرأُ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} - {الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}]
(1)
. قال: وأنا هكذا سمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقرأُ
(2)
، فهؤلاء يُريدوننى
(3)
على أنْ أقرأَ: {وَمَا خَلَقَ}
(4)
. فلا
(5)
أتابعُهم
(6)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . قال: في بعضِ الحروفِ: {الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}
(7)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ أنه كان يقرَؤُها:{وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}
(8)
. يقولُ: والذي خلق [الذكر]
(9)
[والأنثى]
(10)
. قال هارونُ: قال أبو عمرٍو: وأهلُ مكةَ يقولون للرعدِ: سبحانَ ما سبَّحْتَ له!
(11)
.
(1)
في ص: "والذكر"، وفى م:"والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"والنهار إذا تجلى والذكر".
(2)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يقول".
(3)
في م: "يريدونى"، وفى ت 1:"لا يزيدونى".
(4)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الذكر والأنثى".
(5)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"أنا".
(6)
أخرجه مسلم (824/ 282)، والترمذى (2939) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 377، والبخارى (4943)، وابن حبان (6330) من طريق الأعمش به.
(7)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 377 عن معمر به.
(8)
بخفض "الذكر". ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 270، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص 175، والمحتسب 2/ 364.
(9)
سقط من: الأصل.
(10)
سقط من: ص، ت 2، ت 3.
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(11)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 81.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن [المغيرةِ بن مِقْسَم]
(1)
الضَّبِّيِّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعِيِّ أبى عمرانَ، عن علقمةَ بن قيسٍ أبى شبلٍ أنه أتى الشامَ، فدخَل المسجدَ فصلَّى فيه، ثم قام إلى حَلْقَةٍ فجلَس فيها، قال: فجاء رجلٌ. قال
(2)
: فعرَفتُ فيه
(3)
تَحوُّشَ
(4)
القومِ وهَيْئَتِهم
(5)
له، فجلَس إلى جَنْبِى، فقلتُ: الحمدُ للهِ، إنى لأرجو أن يكونَ اللهُ قد استجاب دعوتى. فإذا ذلك الرجلُ أبو الدرداءِ، فقال: وما ذاك؟ فقال علقمةُ: دعوتُ الله أن يرزُقَنى جليسًا صالحًا، فأرجو أن تكونَ أنت. قال: مِن أين أنت؟ فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ - أو
(6)
: من أهلِ العراقِ [ثَمَّ؟ قال: من أهلِ الكوفة]
(7)
- فقال أبو الدرداءِ: ألم يكنْ فيكم صاحبُ النعلينِ والوِسادِ والمِطْهَرَةِ؟ يعنى عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. أو لم يكنْ فيكم الذي أُجِير على لسانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن الشيطانِ؟ يعنى عمارَ بنَ ياسرٍ. أو لم يكنْ فيكم صاحبُ السرِّ الذي لا يعلمُه غيرُه، أو أحدٌ غيرُه؟ يعنى حُذيفةَ بنَ اليمانِ. ثم قال: أيُّكم يحفَظُ كما كان عبدُ اللهِ يقرأُ؟ قال: فقلتُ: أنا. قال: اقرأ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} . قال علقمةُ: [فقرأتُ: {الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}
(8)
. فقال أبو الدرداءِ: والذي لا إلهَ إلا هو، لهكذا أقرأنِيها
(1)
في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3: مغيرة عن مقسم". وينظر تهذيب الكمال 28/ 397.
(2)
في م: "إلى".
(3)
في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"في".
(4)
في ص: "عوس"، وفى ت 1، ت 3:"نحوس"، وفى ت 2:"تحوس". وتحوش القوم: انقباضهم، وقال القاضي: ويحتمل أن يريد الفطنة والذكاء، يقال: رجل حوشى الفؤاد. أي: حديده. صحيح مسلم بشرح النووى 6/ 110 - وتحرُّس القوم - بالسين - تأهبهم وتشجُّعهم. النهاية 1/ 460.
(5)
في الأصل: "هشهم"، وفى م، ت 1، ت 2، ت 3:"هيبتهم".
(6)
في الأصل: "و".
(7)
في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"من الكوفة".
(8)
في الأصل: "فقلت والذكر"، وفى م، ت 1، ت 2، ت 3:"فقرأت الذكر".
رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهُ إلى في، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردُّوننى عنها
(1)
.
وقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} . يقول: إنَّ عملَكم لمختلفٌ أيُّها الناسُ؛ لأن منكم الكافر بربِّه، والعاصى له في أمره ونهيه، والمؤمنَ به، والمطيع له في أمرِه ونهيه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} . يقولُ: مختلِفٌ
(2)
.
وقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} . جوابُ القسمِ، والكلامُ: والليل إذا يغشى، إن سعيَكم لشتَّى. وكذلك قال أهلُ العلمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ ههنا: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}
(2)
.
قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا مَن أَعْطى منكم أيُّها الناسُ في سبيل الله، ومَن أمَره الله بإعطائِه من مالِه، وما وهَب له من فضلِه، واتقَى الله واجتنَب محارمَه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حميدُ بن مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ
(3)
،
(1)
أخرجه مسلم (824/ 283) من طريق جرير به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (117) من طريق مغيرة به.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف.
(3)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عن عامر".
عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} . قال: أَعْطَى ما عندَه، {وَاتَّقَى}. قال: اتقَى ربَّه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} . قال: مِن الفضلِ، {وَاتَّقَى}: اتقَى ربَّه
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} : حقَّ الله، {وَاتَّقَى}: محارمَ اللهِ التي نهَى عنها
(2)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} . يقولُ: مَن زَكَّى
(3)
واتقَى الله.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل قولِه عز وجل: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله على إعطائِه ما أَعْطى مِن مالِه فيما أَعْطَى فيه مما أمَره الله بإعطائِه فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله.
(1)
أخرجه البيهقى في الشعب (10825) من طريق خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3)
في ص، م، ت 1، ت،2، ت 3:"ذكر الله".
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . يقولُ: وصدَّق بالخَلَفِ مِنَ اللهِ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} : بالخَلَفِ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى السديُّ، قال: أخبَرنا بشرُ بنُ الحكم الأَحْمَسيُّ، عن سعيد بن الصلتِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: أيقَن بالخَلَفِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ
(3)
، عن قيس بن مسلمٍ، عن عكرمة:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: بالخَلَفِ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن عكرمة:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: بأنَّ الله سيُخلِفُ له.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن أبي هاشمٍ
(5)
المكيِّ، عن مجاهدٍ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: بالخَلفِ (4).
(1)
تفسير مجاهد ص 734 من طريق داود به، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 370 - من طريق عكرمة به، وتقدم أوله في الصفحة السابقة.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف.
(3)
في الأصل: "شقيق". وينظر تهذيب الكمال 17/ 431.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 439.
(5)
في الأصل: "عاصم". وينظر تهذيب الكمال 3/ 182.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن شَهْرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: بالخَلَفِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نَضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: بالخَلَفِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق
(1)
بأنَّ الله واحدٌ لا شريكَ له.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا أشعثُ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا مِسعَرٌ، وحدَّثنا أبو كريبٍ قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي
(2)
حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: بلا إله إلا الله
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي (2) حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمن مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ مثلَه.
[حدَّثني المَرْوزيُّ]
(4)
، عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} : بلا إله إلا الله
(5)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
بعده في الأصل: "بالحسنى صدق".
(2)
في الأصل: "ابن". وينظر تهذيب الكمال 19/ 401.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"حُدِّثت". وينظر ما تقدم في ص 347.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 358.
أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . يقولُ: صدَّق بلا إله إلا الله
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق بالجنة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: بالجنة
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ مُحبَّبٍ
(3)
، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ]
(4)
مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن سفيان]
(5)
، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: بل معناه: وصدَّق بموعودِ الله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} : [وصدَّق]
(6)
بموعودِ الله على نفسه، فعمِل لذلك
(7)
الموعودِ الذي وعَده الله.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . قال: صدَّق المؤمنُ [بموعود الله الحسن]
(8)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
في ت 1 ت 2، ت 3:"مجيب". وينظر تهذيب الكمال 26/ 366.
(4)
سقط من: الأصل.
(5)
سقط من: م.
(6)
في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"قال".
(7)
في ص، م، ت 1، ت،2، ت 3:"بذلك".
(8)
في الأصل: "بالموعود الله الحق". =
وأشبهُ هذه الأقوال بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل، وأولاها بالصواب عندى قولُ من قال: عُنى به التصديقُ بالخَلَفِ مِن الله على نفقته.
وإنما قلتُ: ذلك أولى الأقوال بالصوابِ في ذلك؛ لأنَّ الله جَلَّ ثناؤُه ذكَر قبله مُنْفِقًا أنفَق طالبًا بنفقته الخَلَفَ منها، فكان أولى المعانى به أنْ يكون الذي عَقيبَه الخبرُ عن تصديقِه بوعدِ اللهِ إيَّاه بالخَلَفِ، إذ كانت نفقتُه على الوجْهِ الذي يَرْضاه، مع أنَّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك ورَد.
ذكرُ الخبر الواردِ بذلك
حدَّثني الحسينُ
(1)
بنُ
(2)
سلمةَ بن أبي كبشةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عبَّاد بن راشدٍ، عن قتادةَ، قال: ثنى خُليدٌ العَصَريُّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم غرَبت فيه شمسُه، إلا وبجَنْبَيْها ملَكان يُنادِيان، يَسمعُه خَلْقُ اللهِ كلُّهم إلا الثَّقَلين: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا". وأنزل الله في ذلك في القرآنِ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}
(3)
.
= والأثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 377 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(1)
في النسخ، وتفسير ابن كثير:"الحسن". وينظر ما تقدم في 12/ 154، 155.
(2)
في الأصل: "عن".
(3)
المصنف في تهذيب الآثار (443 - مسند ابن عباس)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 441 - من طريق الحسين به، وذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف، وأخرجه الطيالسي (1072)، وابن أبي شيبة في مسنده (36)، وعبد بن حميد (207)، والمصنف في تهذيب الآثار (444، 447 - مسند ابن عباس)، وابن حبان (686، 3329)، والطبراني في الأوسط (2891)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 226، 2/ 233، والبغوى في شرح السنة (4045). وليس في هذه المصادر ذكر نزول هذه الآيات، إلا عند ابن كثير، وينظر ما تقدم في 12/ 154، 155.
وذُكر أنَّ هذه الآية نزَلت في أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه.
ذكرُ الخبر بذلك
حدَّثني هارونُ بن إدريسَ الأصمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن عبد
(1)
الله [بن محمد]
(2)
بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، عن عامرِ بن عبد الله بن الزبيرِ، قال: كان أبو بكرٍ الصدِّيقُ يُعْتِقُ على الإسلام بمكةَ، فكان يُعْتِقُ عجائز ونساءً إذا أَسْلَمْن، فقال له أبوه: أي بُنَيَّ، أراك تُعْتِقُ أُناسًا ضعفاءَ، فلو أنك أعتقْتَ رجالًا جُلْدًا يقومون معك ويمنعونك ويدْفعون عنك. فقال: أي أبتِ، إنما أُريدُ - أظنُّه قال -:[ما عند الله. قال: فحدَّثني بعضُ أهل بيتى]
(3)
أنَّ هذه الآية أنزلت فيه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}
(4)
.
وقولُه: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} . يقولُ: فسنهيِّئُه للخَلَّةِ اليُسْرَى. وهى العملُ بما يَرْضاه الله منه في الدنيا، ليُوجِبَ له به في الآخرةِ الجنةَ.
وقوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} . يقولُ جلَّ وعزَّ: وأَما مَن بَخِل بالنفقة في سبيلِ اللهِ، ومنع ما وهَب اللهُ له مِن فضلِه، من صرفِه في الوجوه التي أمَره اللهُ بصَرْفِه فيها، واستَغْنى عن ربِّه، فلم يَرْغَبْ إليه بالعمل له بطاعته، [في الزيادة]
(5)
فيما خوَّله مِن ذلك.
(1)
في النسخ: "عبيد". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 25/ 549.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
في المستدرك: "ما أريد"، وفى تاريخ ابن عساكر:"ما أريد قال: فيتحدث".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 442 عن المصنف، وأخرجه الحاكم 2/ 525، وابن عساكر في تاريخه 30/ 69 من طريق ابن إسحاق به، وعند الحاكم: عن عامر، عن أبيه.
(5)
في م، ت 1:"بالزيادة".
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله:{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} . قال: بَخِل بما عندَه، واستغنى في نفسِه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةِ، عن ابن عباسٍ:{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} : وأما من بَخِل بالفضلِ، واستَغْنى عن ربِّه
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} . يقولُ: مَن أغناه الله فبَخِل بالزكاةٍ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} . يقولُ: وأَما مَن بَخِل بحقِّ الله عليه، واستَغْنى في نفسِه عن ربِّه
(3)
.
وأما قولُه: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} . فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه نحوَ اختلافِهم في قوله: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . وأما نحنُ فنقولُ: معناه: وكذَّب بالخَلَفِ.
كما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن
(1)
تقدم تخريجه في ص 461، 462.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى المصنف.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 358 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
عكرمة، عن ابن عباس:{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} : وكَذَّب بالخَلَفِ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} : بالخَلَفِ مِنَ اللهِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} : وكذَّب بموعودِ الله الذي وعَد، قال الله:{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} : وكذَّب الكافرُ بموعودِ الله الحسنِ
(2)
.
وقال آخرون: بل معناه: وكذَّب بتوحيدِ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} : [وكذَّب]
(3)
بلا إله إلا الله.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} : بلا إله إلا الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وكذَّب بالجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن
(1)
تقدم تخريجه في ص 461، 462.
(2)
في الأصل، ونسخة من تفسير عبد الرزاق:"الحسنى".
والأثر تقدم تخريجه في ص 465.
(3)
سقط من: الأصل.
مجاهدٍ: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} . قال: بالجنة
(1)
.
وقولُه: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فسنُهيِّئُه في الدنيا للخَلَّةِ العُسْرَى، وهو من قولِهم: قد يَسَرتْ غنمُ فلان. إذا ولدت و
(2)
تهيَّأت للولادة.
وكما قال الشاعرُ
(3)
:
هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وإِنَّما
…
يَسُودَانِنا أَن يَسَّرَتْ غَنَمَاهُمَا
وقيل: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} . ولا تَيَسُّرَ
(4)
في العُسْرَى؛ للذى تقدَّم في أوَّلِ الكلام من قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} . وإذا جُمع بينَ كلامين أحدُهما ذِكرُ الخيرِ والآخرُ ذكرُ الشرِّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعًا. و "العُسرى" التي
(5)
أخبَر الله جل ثناؤُه أنه يُيسِّرُه لها: العملُ بما يكرَهُه ولا يَرْضاه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثني واصلُ بن عبد الأعلى و
(6)
أبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن سعدِ
(7)
بن عُبيدةَ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنكَت الأرضَ، ثم رفَع رأسَه فقال: "ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 84.
(2)
في الأصل، ص، ت 1، ت،2 ت 3:"أو". وينظر معاني القرآن للفراء 3/ 271.
(3)
تقدم في 23/ 224.
(4)
في الأصل: "يسر".
(5)
في الأصل: "الذي".
(6)
سقط من: الأصل. وينظر تهذيب الكمال 30/ 469.
(7)
في الأصل، ص، ت 1، ت،2 ت 3:"سعيد". وينظر تهذيب الكمال 10/ 290، 14/ 409.
• من هنا خرم في مخطوطة الأصل، ينتهى في ص 625، وسيجد القارئ أرقام النسخة ت 1 بين معكوفين.
مَقعدُه من الجنةِ ومَقعدُه من النارِ". قلنا: يا رسولَ اللهِ، أفلا نتَّكِلُ؟ قال: "لا، اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ". ثم قرأ:" {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} "
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ بن قُدامةَ، عن منصورٍ، عن سعد بن عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا في جنازةٍ في البقيع، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلَس وجلسنا معه، ومعه عودٌ يَنْكُتُ في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال:"ما منكم مِن نَفْسٍ مَنْفوسةٍ إلا قد كُتب مَدْخلُها". فقال القومُ: يا رسول الله، ألا نتكِلُ على كتابنا، فمن كان من أهلِ السعادة فإنه يعملُ للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعملُ للشقاء. فقال:"بل اعْمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، فأما من كان من أهل السعادة فإنه يُيَسَّرُ لعمل السعادة، وأما مَن كان من أهل الشقاءِ فإنه يُيَسَّرُ للشقاء". ثم قرأ: " {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} "
(2)
.
حدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوه
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد 2/ 339 (1110)، والبخارى (4947)، ومسلم (2647/ 7)، والترمذى (2136)، وابن ماجه (78)، وأبو يعلى (610) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 359 إلى ابن مردويه.
(2)
أخرجه الترمذى (3344)، عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد 2/ 319 (1067)، عن عبد الرحمن به، وأخرجه أحمد 2 (1068)، والطيالسي (146)، وعبد الرزاق (20074)، وعبد بن حميد (84)، والبخارى (4948)، وأبو داود (4694)، والنسائى في الكبرى (11678)، وأبو يعلى (582)، والآجرى في الشريعة (327، 328) من طريق منصور به.
(3)
أخرجه أحمد 2/ 56 (621)، ومسلم (2647/ 7)، وابن ماجه (78)، والبزار (584، 585)، من طريق أبي معاوية به، وأخرجه البخارى (6605) من طريق الأعمش به.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ والأعمشِ، أنهما سمِعا سعدَ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان في جنازةٍ، فأخَذ عودًا، فجعَل يَنكُتُ في الأرض، فقال:"ما من أحدٍ إلا وقد كُتِب مَقْعدُه من النارِ أو من الجنة". فقالوا: يا رسولَ الله، أفلا نتكِلُ؟ قال:"اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} "
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ والأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: كنا جلوسًا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتناول شيئًا من الأرض بيده، فقال:"ما مِنكم من أحدٍ إلا وقد عُلِم مقعدُه من الجنة والنار". قالوا: يا نبيَّ الله، أفلا نتكلُ؟ قال:"لا، اعْمَلُوا فكلُّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له". ثم قرأ: " {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} " الآيتين.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ، عن عبد الملك بن [سمرة أبي]
(2)
زيد
(3)
، عن النَّزَّالِ بن سَبْرةَ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "ما من نفسٍ مَنْفُوسةٍ إلا قد كتَب الله عليها ما هي لاقيتُه". وأعرابيٌّ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْتادٌ، فقال الأعرابيُّ:[فما جاء بى]
(4)
(1)
أخرجه مسلم (2647)، والبزار (583)، عن ابن المثنى به، وأخرجه البخاري (4946، 7552)، وابن حبان (335)، من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه البخارى (4949، 6217، 7552)، وفي الأدب المفرد (903) والنسائى في الكبرى (11679)، وابن حبان (334) من طريق شعبة به.
(2)
في م: "سمرة بن أبي"، ولعله "عبد الملك بن ميسرة"، وينظر تهذيب الكمال 18/ 422، والاستيعاب 4/ 1524.
(3)
في م: "زائدة"، وينظر المصدر السابق.
(4)
في ص: "كما جاء بي"، وفى ت 1:"كما جاءنى"، وفى ت 2، ت 3:"فما جاءنى".
أَضْرِبُ من وادى كذا وكذا إن كان قد فُرغ من الأمرِ؟! فنكَت النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الأرض، حتى ظنَّ القومُ أنه ودَّ أنه لم يكنْ تكلَّم بشيءٍ منه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له؛ فمن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يَسَّرَه لسبيل الخيرِ، ومَن يُرِدْ به شرًّا يَسَّرَه لسبيل الشرَّ". فَلَقِيتُ عمرو بنَ مُرَّةَ، فعرَضْتُ عليه هذا الحديث، فقال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وزاد
(1)
فيه: " {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ".
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: لما نزلت هذه الآية: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]. قال رجلٌ: يا رسول الله، ففيم العملُ؛ أفى شيءٍ نستأنفه، أو في شيءٍ قد فُرغ منه؟ قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ؛ سنُيسِّرُه لليُسْرى، وسنُيسِّرُه للعُسْرَى"
(2)
.
حدَّثني عمرُ
(3)
بن عبد الملك الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدة، قال: ثنا الجرَّاحُ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الحميد، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق الهمدانيِّ، عن سليمان الأعمش، رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم جالسًا وبيده عودٌ ينكُتُ به الأرضَ، فرفع رأسه فقال:"ما منكم من أحدٍ ولا من الناس، إلا وقد عُلم مَقْعدُه من الجنَّةِ أو النَّارِ". قلنا: يا رسول الله، أفلا نتوكَّلُ؟ قال لهم:"اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له". ثم قال: "أما سَمِعتم الله في كتابه يقولُ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ
(1)
في ص، ت 2، ت 3:"زادني".
(2)
تقدم تخريجه في 22/ 161، 162.
(3)
في م: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال 21/ 447.
بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}؟ ".
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ:{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} : للشرِّ من الله
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدِ اللهِ أنه قال: يا رسول الله، أنعملُ
(2)
لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفُه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"كلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعملِه"
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن طلق بن حبيبٍ، عن بُشَيرِ بن كعبٍ، قال: سأل غلامانِ شابَّانِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، أنعملُ (2) فيما جفَّت به الأقلامُ وجرَت به المقاديرُ، أو في شيءٍ يُستأنَفُ؟ فقال:"بل فيما جفَّت به الأقلام وجرَت به المقاديرُ". قالا: ففيم العمل إذن؟ قال: "اعْمَلُوا، فكلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعمله الذي خُلِق له". قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونعملُ
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في ص 461، 462.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"العمل".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 441 عن المصنف، وأخرجه مسلم (2648)، وابن حبان (336) من طريق ابن وهب به.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 441 عن المصنف، وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (91)، وعبدان وابن شاهين - كما في الإصابة 1/ 362 - من طريق سفيان به.
يعني جلَّ ثناؤُه بقوله: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ} : أَيُّ شيءٍ يَدفعُ عن هذا الذي بخل بمالِه، واستَغْنى عن ربِّه، مالُه يوم القيامة إذا هو تَردَّى؟
ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: {إِذَا تَرَدَّى} ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إذا تردَّى في جهنم. أي: سقَط فيها فهَوَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ:{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} . قال: في جهنم. قال أبو كريبٍ: قد سَمِع الأشجعيُّ من إسماعيل ذلك
(1)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{إِذَا تَرَدَّى} . قال: إذا تردَّى في النارِ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} . قال: إذا مات.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 443.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 377 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 359 إلى عبد بن حميد.
قوله: {إِذَا تَرَدَّى} . قال: إذا مات
(1)
.
[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إذا مات]
(2)
.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: إذا تردَّى في جهنم. لأنَّ ذلك هو المعروفُ من التردِّى، فأما إذا أُريد معنى الموتِ، فإنه يقالُ: رَدِى فلانٌ. وقلَّما يقالُ: تَردَّى.
وقولُه: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} . يقولُ تعالى ذكره: إنَّ علينا لبيانَ الحقِّ مِن الباطلِ، والطاعة من المعصية.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} . يقولُ: على الله البيانُ؛ بيانُ حلالِه وحرامه، وطاعته ومعصيتِه
(3)
.
وكان بعضُ أهل العربية
(4)
يتأوَّلُه بمعنى: أنه مَن سلَك الهدى فعلى الله سبيلُه، ويقولُ: وهو مثْلُ قولِه: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9]. ويقولُ: معنى ذلك: من أراد الله فهو على السبيل القاصدِ. وقال: يقالُ: معناه: إن علينا للهدى والإضلال، كما قال:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]. وهى تَقي الحرَّ
(1)
تفسير مجاهد ص 734، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 370 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 359 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: ت 2، ت 3.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 359 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 271.
والبرد.
وقوله: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} . يقولُ: وإنَّ لنا مِلْكَ ما في الدنيا والآخرة، نُعطِى منهما
(1)
مَن أردْنا مِن خَلقِنا، ونَحْرِمُه مَن شئنا.
وإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه أنه يُوفِّقُ لطاعته من أحبُّ مِن خَلْقِه، فيُكرِمُه بها في الدنيا، ويهيِّئُ
(2)
له الكرامةَ والثوابَ في الآخرةِ، ويَخْذُلُ مَن شَاءَ خِذلانَه مِن خَلْقِه عن طاعته، فيُهينُه بمعصيتِه في الدنيا، ويُخزيه بعقوبته عليها في الآخرة.
ثم قال جلَّ ثناؤُه: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} . يقولُ تعالى ذكرُه: فأَنذَرْتُكم أيُّها الناسُ نارًا تتوهَّجُ وهى نارُ جهنم. يقولُ: احْذَروا أن تعصُوا ربَّكم في الدنيا، وتكفروا به، فتَصْلَوها في الآخرة.
وقيل: {تَلَظَّى} . وإنما هي "تَتَلظَّى". وهي في موضع رفع؛ لأنه فعلٌ مستقبَلٌ، ولو كان فعلًا ماضيًا لقيل: فأَنذَرْتُكم نارًا تلظَّت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قول الله:{نَارًا تَلَظَّى} . قال: تَوَهَّجُ
(3)
.
وقولُه: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يدخُلُها فيَصْلَى
(1)
في ص، ت 1، ت،2، ت 3:"منها".
(2)
في ص، ت 1:"ينشئ".
(3)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
بسعيرها إلا الأشقى، [{الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}. يقولُ]
(1)
: الذي كذَّب بآياتِ رَبِّه وأعرَض عنها ولم يُصدِّق بها.
وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا هشامُ بن الغاز، عن مكحولٍ، عن أبي هريرةَ، قال: لَتَدْخُلُنَّ الجنةَ إلا مَن يأبى. قالوا: يا أبا هريرةَ، ومَن يأبى أن يدخُلَ الجنة؟ قال: فقرأ: {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}
(2)
.
حدَّثني الحسنُ بن ناصحٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبٍ ومعاذُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا الأشعثُ، عن الحسن في قوله:{لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} - قال معاذٌ: {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} . ولم يقُله
(3)
الحسنُ - قال: المشرِكُ.
كان بعضُ أهل العربية
(4)
يقولُ: لم يكن كذَّب بردٍّ ظاهرٍ، ولكن قصَّر عما أمر به من الطاعةِ، فجُعل تكذيبًا، كما تقولُ: لَقِي فلانٌ العدوَّ فكذَّب، إذا نكَل ورجع. وذَكَر أنه سمِع بعض العرب يقولُ: ليس لجَدِّهم
(5)
مكذوبةٌ. بمعنى أنَّهم إذا لَقُوا صدَقوا القتال ولم يَرْجِعوا. قال: وكذلك قولُ اللهِ: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2].
(1)
سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 86 عن مكحول به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 359 إلى المصنف.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يقل".
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 272
(5)
في ص، م، ت،2، ت 3:"لحدهم". وكذا في بعض نسخ معاني القرآن واللسان (ك ذ ب)، وينظر التاج والصحاح (ك ذ ب).
وقولُه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} . يقولُ: وسيُوَقَّى صِلِيَّ النار التي تلظَّى التقيُّ. ووُضِع "أفعل" موضع "فعيل"، كما قال طرفةُ
(1)
:
تمنَّى رِجالٌ أَنْ أَمُوتَ وإِنْ أَمَتْ
…
فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فيها بِأَوْحَدِ
وقوله: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} . يقولُ: الذي يُعطى ماله في الدنيا في حقوقِ اللهِ التي ألزمه إيَّاها، {يَتَزَكَّى}. يعنى: يتطهَّرُ - بإعطائه ذلك - من ذنوبه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)} .
كان بعض أهل العربية
(2)
يوجِّهُ تأويل ذلك إلى: وما لأحدٍ من خلقِ اللهِ عند هذا الذي يُؤتى ماله في سبيل الله يتزكَّى، {مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى}. يعنى: من يد يكافِئُه عليها. يقولُ: ليس يُنفِقُ ما يُنْفِقُ من ذلك، ويُعطى ما يُعطى، مجازاة إنسانٍ يُجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأة له على نعمةٍ سلَفت منه إليه أنعَمها عليه، ولكن يُؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجه الله.
قال: و {إِلَّا} في هذا الموضع بمعنى "لكن". وقال: يجوزُ أن يكون الفعلُ في المكافأة مستقبَلًا، فيكون معناه: ولم يُرِدْ بما أنفق مكافأةً مِن أحدٍ. ويكون موقعُ اللام التي في "أحد" في الهاء التي خفَضَتْها {عِنْدَهُ} . فكأنك قلت: وما له عند أحدٍ فيما أنفق من نعمة يلتمسُ ثوابَها. قال: وقد تضَعُ العربُ الحرف في غير موضعه إذا كان معروفًا. واستشهدوا لذلك ببيت النابغة
(3)
:
وقَدْ خِفْتُ حتى ما تَزِيدُ مَخافَتِي
…
على وَعِلٍ في ذِي المَطَارَةِ عاقِل
(1)
تقدم في 16/ 16، 18/ 488.
(2)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 272، 273.
(3)
تقدم في 3/ 48.
والمعنى: حتى ما تزيدُ مخافةُ وَعِلٍ على مخافتى.
وهذا الذي قاله الذي حكَيْنا قولَه مِن أهل العربية، وزعم أنه مما يجوزُ - هو الصحيحُ الذي جاءت به الآثارُ عن أهل التأويل، وقالوا: نزَلت في أبي بكر بعِتْقِه من أعتق [من المماليكِ ابتغاء وجه الله]
(1)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)} . يقولُ: ليس به مثابهُ الناس ولا مجازاتُهم، إنما عطيَّتُه للهِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بن إبراهيم الأنماطيُّ، قال: ثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: ثنا بشرُ بن السريِّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه، قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصدِّيق: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى}
(3)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، [قال: أُخْبِرْتُ عن سعيد]
(4)
في قولِه: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} . قال: نزلت في أبي بكرٍ،
(1)
سقط من: ص، م.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه البزار (2209)، والطبراني في الكبير (237 - قطعة من الجزء 13)، وابن عدى في الكامل 1/ 2359، وابن عساكر في تاريخه 30/ 70، 71 من طريق بشر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 359 إلى ابن المنذر ابن مردويه.
(4)
سقط من: ت 2، ت 3، وفى ص:"قال: أخبرني عن سعيد"، وفى م:"قال أخبرني سعيد عن قتادة"، وسعيد هو سعيد بن المسيب كما في المخطوطة المحمودية ص 453 من الدر المنثور.
أعتق ناسًا لم يلتمِسْ منهم جزاءً ولا شكورًا، ستةً أو سبعةً؛ منهم بلالٌ، وعامرُ بنُ فُهيرة
(1)
.
وعلى هذا التأويل الذي ذكَرْناه عن هؤلاء يَنْبغِي أن يكون قوله: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} . نصبًا على الاستثناء من معنى قولِه: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} . لأنَّ معنى الكلام: وما يُؤتى الذي يُؤتى من ماله ملتمِسًا من أحدٍ ثوابَه، إلا ابتغاءَ وجه ربِّه. وجائزٌ أن يكون نصبُه على مخالفة ما بعده "إلا" ما قبلها، كما قال النابغةُ
(2)
:
........................
…
ومَا بالرَّبْعِ مِن أحدٍ
إلَّا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُها
…
........................
وقوله: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} . يقولُ: ولسوف يَرْضَى هذا المُؤْتِى ماله في حقوقِ الله عز وجل يتزكَّى، بما يُثيبُه الله في الآخرةِ عِوَضًا مما أتى في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربَّه.
آخر تفسير سورة "والليل إذا يغشى"
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى المصنف.
(2)
تقدم في 7/ 483، وتقدم البيتان بتمامها في 1/ 183، 184.
تفسير سورة "والضحى"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} .
أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالضحى، وهو النهارُ كلُّه، وأحسَبُ أنه من قولهم: ضَحِي فلانٌ للشمس. إذا ظهر
(1)
، ومنه قولُه:{وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 119]. أي: لا تُصيبُك فيها الشمسُ.
وقد ذكرتُ اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1]. مع ذكرى اختيارنا فيه
(2)
.
وقيل: عُنِى به وقتُ الضحى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَالضُّحَى} : ساعةٌ من ساعات النهار
(3)
.
وقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} . اختلف أهلُ التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم:
(1)
بعده في م: "منه".
(2)
ينظر ما تقدم في ص 434، 435.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 379 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
معناه: والليل إذا أقبَل بظلامِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} . يقولُ: والليل إذا أقبَل
(1)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن
(2)
في قول الله: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} . قال: إذا لبس الناسَ؛ إذا جاء
(3)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهَب.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} . يقول: إذا ذهَب
(4)
.
وقال آخرون: بل معناه: إذا استوى وسكَن.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} . قال: إذا استوى.
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 454، عن العوفي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360، 361 إلى المصنف.
(2)
في ت 2، ت 3:"قتادة".
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 379 عن معمر به.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 56 - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 361 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} . قال: إذا استوى
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} : سكن بالخَلْق
(2)
.
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} : يعنى استقراره وسكونَه
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنى ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} . قال: إذا سكن. قال: ذلك سَجْوُه، كما يكونُ سكونُ البحرِ سَجْوَه
(4)
.
وأولى هذه الأقوال بالصوابِ عندى في ذلك قولُ مَن قال: معناه: والليل إذا سكَن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقالُ: بحرٌ ساجٍ. إذا كان ساكنًا، ومنه قولُ أعشى بني ثعلبة
(5)
:
فَمَا ذَنْبُنَا أَنْ جَاشَ بَحْرُ ابن عَمِّكُمْ
…
وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا
(6)
وقولُ الراجز
(7)
:
(1)
تفسير مجاهد ص 735، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 371 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 379 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى عبد بن حميد وابن المنذر
(3)
ينظر التبيان 10/ 368.
(4)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 454.
(5)
ديوانه ص 151.
(6)
الدُّعموص: دويبة تغوص في الماء. والجمع الدعاميص والدعامص. التاج (دعمص).
(7)
البيتان في غريب الحديث لابن قتيبة 2/ 189، وتفسير القرطبي 20/ 91، واللسان (ق م ر).
يا حبَّذا القَمْراءُ واللَّيلُ السَّاج
(1)
وطُرُقٌ مِثلُ مُلاءِ النَّسَّاجُ
وقوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} . وهذا جوابُ القسمِ، ومعناه: ما تركك يا محمدُ ربُّك، وما أَبْغَضك.
وقيل: {وَمَا قَلَى} . معناه: وما قلاك؛ اكتفاءً بفَهْم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدَّم ذلك قولُه:{مَا وَدَّعَكَ} . فعُرف بذلك أن المخاطب به نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} . يقولُ: ما تركك ربُّك، وما أبغضك
(2)
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} . قال: ما قلاك ربُّك
(3)
؛ ما أبْغَضك. قال: والقالى: المُبغِضُ
(4)
.
وذكر أنَّ هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تكذيبًا مِن الله قريشًا في قيلهم لرسولِ اللَّهِ، لما أَبْطَأ عليه الوحيُ: قد ودَّع محمدًا ربُّه وقلاه.
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ساج".
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 56 - وابن مردويه في تفسيره - كما في التغليق 4/ 371 - كلاهما من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 361 إلى ابن المنذر.
(3)
بعده في م: "و".
(4)
ينظر التبيان 10/ 368.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ الدهَّانُ، قال: ثنا مُفَضَّلُ بن صالح، عن الأسود قيس العبديِّ، عن ابن عبدِ اللَّهِ، قال
(1)
: أَبْطَأ جبريلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت امرأةٌ من أهله - أو من قومه -: ودَّع الشيطانُ محمدًا. فأنزل الله عليه: {وَالضُّحَى} إلى قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(2)
.
قال أبو جعفر: ابن عبدِ اللَّهِ: هو جُندبُ بنُ عبدِ اللَّهِ البَجَليُّ.
حدَّثني محمدُ بن عيسى الدامغانيُّ، ومحمد بنُ هارون القطانُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأسود بن قيس، سمع جُندبًا البَجَليَّ يقولُ: أبطأ جبريلُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى قال المشركون: ودَّع محمدًا ربُّه. فأنزل اللَّهُ: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(3)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، أنه سمع جُندبًا البَجَليَّ قال: قالتِ امرأةٌ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما أرى صاحبَك إلا قد أبطأ عنك. فنزَلت هذه الآية: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(4)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال:
(1)
بعده في م: "لما".
(2)
أخرجه أحمد 4/ 312، والبخارى (4950)، ومسلم (1797/ 115)، والطبراني (1711)، والبيهقى 3/ 14، وفى الدلائل 7/ 59، من طريق الأسود بن قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى عبد بن حميد وأبي نعيم في الدلائل.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 379، والحميدى (777)، ومسلم (1797/ 114)، والترمذى (3345)، والطبراني (1712)، من طريق سفيان بن عيينة به.
(4)
أخرجه مسلم (1797) عن ابن المثنى به، وأحمد 4/ 312، والبخارى (4951)، ومسلم (1797) من طريق محمد بن جعفر به، والنسائى في الكبرى (11681)، والطبراني (1710) من طريق شعبة به.
سمِعتُ جندب بن عبد الله يقولُ: إِنَّ امرأة أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى شيطانَك إلا قد تركك. فنزلت: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(1)
.
حدَّثنا ابن أبي الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَدَّادٍ، أَنَّ خديجة قالت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربَّك إلا قد قلاك. فأنزل الله: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} . قال: إنَّ جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناسٌ من الناس - وهم يومئذٍ بمكة -: ما نَرى صاحبك إلا قد قلاك فودَّعك. فأنزل الله ما تسمعُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} .
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} . قال: أبطأ عليه جبريلُ، فقال المشركون: قد قلاه ربُّه وودَّعه. فأنزل الله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(3)
.
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ
(1)
أخرجه أحمد 4/ 312، 313، والبخارى (1124، 1125، 4983)، ومسلم (1797)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 446 - وابن حبان (6565، 6566)، والواحدى في أسباب النزول ص 337، والطبراني (1709)، والبيهقى 3/ 14، وفى الدلائل 7/ 58، من طريق سفيان الثورى به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 446 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى المصنف.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 379 عن معمر به.
الضحاك يقولُ في قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} : مكَث جبريلُ عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: قد ودَّعه ربُّه وقلاه. فأنزل الله هذه الآية
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} . قال: لما نزل عليه القرآنُ، أبطأ عنه جبريلُ أيَّاما، فعُيِّر بذلك، فقال المشركون: ودَّعه ربُّه وقلاه. فأنزَلَ اللَّهُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أبطأ جبريلُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فجَزع جَزَعًا شديدًا، وقالت خديجةُ: أرى ربَّك قد قلاك، مما نَرى مِن جَزَعِك. قال: فنزلت: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} إلى آخرها
(3)
.
وقولُه: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: وللدارُ الآخرةُ، وما أعدَّ الله لك فيها، خيرٌ لك من الدارِ الدنيا وما فيها. يقولُ: فلا تَحْزَنْ على ما فاتك منها؛ فإنَّ الذي لك عند الله خيرٌ لك منها.
وقولُه: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} . يقولُ تعالى ذكرُه: ولسوف يُعطيك يا محمدُ ربُّك في الآخرة من فواضل نِعَمِه، حتى تَرْضى.
وقد اختلف أهلُ العلم في الذي وعده من العطاء؛ فقال بعضُهم: هو ما حدَّثني
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى المصنف.
(2)
أخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الزيلعي للكشاف 4/ 228 - من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى المصنف.
(3)
أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 337 من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى ابن المنذر.
كما أخرجه الحاكم 2/ 610، 611، والبيهقي في الدلائل 7/ 60 من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خديجة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 360 إلى ابن مردويه.
به موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ هاشمٍ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يُحدِّثُ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزوميِّ، عن عليّ بن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، عن أبيه، قال: عُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوحٌ على أمته من بعده، كَفْرًا كَفْرًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} . فأعطاه في الجنة ألفَ قصر، في كلِّ قصرٍ ما يَنْبَغِي مِن الأزواج والخدمِ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفِ العسقلانيُّ، قال: ثنا روَّادُ بنُ الجرَّاح، عن الأوزاعيِّ، عن إسماعيل بن عبيدِ اللَّهِ، عن عليّ بن عبدِ اللَّهِ بن عباس في قوله:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} . قال: ألف قصرٍ من لُؤْلُؤٍ، ترابُهنَّ المِسْكُ، وفيهن ما يُصْلِحُهن
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} : وذلك يوم القيامة
(3)
.
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به عبادُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهيرٍ، عن السديِّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} . قال: من رضا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ألا يدخُلَ أَحدٌ مِن أهل بيته النار
(4)
.
(1)
أخرجه الطبراني (10650)، وفى الأوسط (3209)، من طريق عمرو بن هاشم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 361 إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 104، والواحدى في أسباب النزول ص 338، والحاكم 2/ 526 من طريق رواد بن الجراح به، وأخرجه البيهقى في الدلائل 7/ 61 من طريق الأوزاعي به مرفوعًا، والطبراني في الأوسط (572) من طريق إسماعيل بن عبيد الله به مرفوعًا.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 361 إلى المصنف وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 361 إلى المصنف، وأخرجه البيهقى في الشعب (1445) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وقوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} . يقولُ تعالى ذكرُه مُعدِّدًا على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم نعمه عندَه، ومذكِّرَه آلاءه قِبَلَه: ألم يَجِدْك يا محمدُ ربُّك يتيما فآوى. يقولُ: فجعل لك مأْوى تأْوى إليه، ومَنزِلًا تَنْزلُه، {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} . ووجَدك على غير الذي أنتَ عليه اليوم.
وقال السديُّ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيان]
(1)
، عن السديِّ:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} . قال: كان على أمر قومه أربعين عامًا.
وقيل: عُنى بذلك: ووجَدك في قومٍ ضُلالٍ فهداك.
وقولُه: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} . يقولُ: ووجدك فقيرًا فأغناك. يقالُ منه: عال فلانٌ يَعِيلُ عَيْلَةً. وذلك إذا افتقر، ومنه قولُ الشاعرِ
(2)
:
فما يَدْرِى الفقيرُ متى غِناه
…
وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
يعنى: متى يفتقرُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان:{وَوَجَدَكَ عَائِلًا} : فقيرًا. وذُكر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ووجدَك عديمًا فآوَى)
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} . قال: كانت هذه
(1)
سقط من: م. وقد تقدم هذا الإسناد مرارًا.
(2)
تقدم في 6/ 376.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 362 إلى المصنف، وهى قراءة شاذة؛ لمخالفتها رسم المصحف.
منازلَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قبلَ أنْ يبعثَه اللهُ سبحانَه
(1)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ} يا محمدُ، {فَلَا تَقْهَرْ}. يقولُ: فلا تظْلِمُه، فتذهَبَ بحقِّه؛ استضعافًا منك له.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} : أي: لا تَظْلِمْ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} . قال: تَغْمِضْه وتَحْقِرْه. وذُكر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (فَلا تَكْهَرْ)
(3)
.
وقولُه: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} . يقولُ: وأما مَن سألك مِن ذى حاجةٍ فلا تَنْهَرْه، ولكن أَطْعِمُه، واقْضِ له حاجتَه، {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. يقولُ: فاذْكُرْه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 448 عن المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 362 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 362 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم. وهى قراءة شاذة، لمخالفتها رسم المصحف.
قولِه: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} . قال: بالنبوَّةِ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ إياسٍ الجُريريُّ، عن أبي نضرةَ، قال: كان المسلمون يَرَوْن أنَّ مِن شكرِ النِّعمِ أنْ يُحدَّثَ بها
(2)
.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "والضحى"، وللهِ الحمدُ والشكرُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 362 إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 449 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 362 إلى المصنف.
تفسيُر سورةِ "ألم نشرح"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مذكِّرَه آلاءَه عندَه، وإحسانَه إليه، حاضًّا له بذلك على شكرِه على ما أنعَم عليه، ليستوجِبَ بذلك المزيدَ منه:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} يا محمدُ للهُدَى والإيمانِ باللهِ ومعرفةِ الحقِّ {صَدْرَكَ} فنُلينَ لك قلبَك، ونجعلَه وِعاءً للحكمةِ؟ {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ}. يقولُ: وغفَرنا لك ما سلَف مِن ذنوبِك، وحطَطْنا عنك ثِقْلَ أيامِ الجاهليةِ التي كنتَ فيها. وهى في قراءةِ عبدِ اللهِ فيما ذُكِر
(1)
: (وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ). {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} . يقولُ: الذي أثقَل ظهرَك فأوهَنه. وهو مِن قولِهم للبعيرِ إذا كان رجيعَ سَفَرٍ، قد أوْهَنه السفرُ، وأذهَب لحمَه: هو نِقْضُ سَفَرٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
ذكر هذه القراءة الفراء في معاني القرآن 3/ 275، وهى شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
في قولِ اللَّهِ: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} . قال: ذنبَك
(1)
.
وقولُه: {أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} . قال: أَنقَل ظَهْرَك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} : كانت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ذنوبٌ قد أثقَلتْه، فغفَرها اللهُ له.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} . قال: كانت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ذنوبٌ قد أثقلَتْه، فغفُرها اللهُ له
(2)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} : يعنى الشركَ الذي كان فيه
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} . قال: شرَح له صدرَه، وغفَر له ذنبَه الذي كان قبلَ أن يُنَبَّأَ، فوضَعه. وفى قولِه:{الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} . قال: أثقَله وجهَده. كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيلُ، حتى يصيرَ نِقْضًا بعدَ أنْ كان سمينًا، {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ}. قال: ذنبَك. {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} : أثقَل ظهرَك، وضَعْناه
(4)
عنك، وخفَّفْنا عنك ما أثقَل ظهرَك.
(1)
تفسير مجاهد ص 736، ومن طريقه الفريابى - كما في التغليق 4/ 371 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 363 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 380 عن معمر به.
(3)
ينظر التبيان 10/ 372.
(4)
في م: "ووضعناه".
وقولُه: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} . يقولُ: ورفَعنا لك ذكرَك، فلا أُذْكَرُ إِلا ذُكِرْتَ معى. وذلك قولُهم: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللَّهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ وعمرُو بنُ مالكٍ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} . قال: لا أُذْكرُ إلا ذُكِرتَ معى؛ أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "ابْدَءُوا بالعُبودةِ، وثَنُّوا بالرسالةِ". فقلتُ لمَعْمرٍ. قال: أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه، فهو العبودةُ، ورسولُه أنْ تقولَ: عبدُه ورسولُه
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} : رفَع اللهُ ذكرَه في الدنيا والآخرةِ، فليس خطيبٌ، ولا متشهدٌ، ولا صاحبُ صلاةٍ، إلا يُنادِى بها: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، عن
(1)
أخرجه الشافعي في الرسالة ص 16، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 380 عن ابن عيينة به، ومن طريقه أخرجه البيهقى في الدلائل 7/ 63، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 363 إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 380 عن معمر به مختصرًا.
(3)
أخرجه البيهقى في الدلائل 7/ 63 من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 363 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"أتانى جبريلُ فقال: إنَّ ربى وربَّك يقولُ: كيف رفَعْتُ لك ذكْرَك؟ " قال: "اللهُ أعلمُ. قال: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معى"
(1)
.
وقولُه: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فإنَّ مع الشدَّةِ التي أنت فيها من جهادِ هؤلاء المشركين، ومِن أوَّلِه ما أنت بسبيلِه - رجاءً وفرجًا، بأنْ يُظْفِرَك بهم، حتى ينقادوا للحقِّ الذي جئتَهم به طوعًا وكرهًا.
ورُوِى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ هذه الآيةَ لما أُنْزِلت بَشَّر بها أصحابَه، وقال
(2)
: "لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرَينِ".
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ يونسَ، قال: قال الحسنُ: لما نزَلت هذه الآيةُ: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} . قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أبْشِروا أتاكم اليُسْرُ، لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ"
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ مثلَه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم
(4)
.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 452 - عن يونس بن عبد الأعلى به، وابن حبان (3382) من طريق ابن وهب، به، وأبو يعلى (1380) من طريق دراج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 364 إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى نعيم في الدلائل.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"قالوا".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 364 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.
(4)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 454.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوِه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، قال: خرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا مسرورًا فَرِحًا وهو يضحكُ، وهو يقولُ:"لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ، لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ؛ {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} "
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} : ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بشَّر أصحابَه بهذه الآيةِ، فقال:"لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ"
(2)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ
(3)
، عن معاويةَ بن قُرَّةَ أبى إياسٍ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: لو دخَل العسرُ في جُحْرٍ، لجاء اليسرُ حتى يَدْخُلَ عليه؛ لأنَّ الله يقولُ:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: حدثنا شعبةُ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 380 عن معمر به، وأخرجه الحاكم 2/ 528، وعنه البيهقى في الشعب (10013) من طريق معمر عن أيوب عن الحسن.
(2)
أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق 4/ 372 - من طريق شيبان عن قتادة به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 454.
(3)
في م: "سعيد".
(4)
أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة ص 11 من طريق شعبة به، ومن طريقه أخرجه البيهقى في الشعب (10011)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 380، 381 من طريق إبراهيم النخعى عن ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 364 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} . قال: يتبعُ اليسرُ العُسْرَ
(1)
.
وقولُه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا فرَغْتَ مِن صلاتِك، فانصَبْ إلى ربِّك في الدعاءِ، وسَلْه حاجاتِك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . يقولُ: في الدعاءِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . يقولُ: فإذا فرَغْتَ مما فُرِض عليك مِن الصلاةِ فسلِ الله، وارغَبْ إليه، وانصَبْ له
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . قال: إذا قمْتَ إلى الصلاةِ فانصَبْ في حاجتِك إلى ربِّك
(4)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
(1)
تفسير مجاهد ص 736، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 364 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان 2/ 56 - من طريق أبى صالح به.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 364، 365 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(4)
تفسير مجاهد ص 736.
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . يقولُ: مِن الصلاةِ المكتوبةِ قبلَ أنْ تُسلِّمَ، فانصَبْ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} . قال: أمَره إذا فرَغ مِن صلاتِه أنْ يُبالِغَ في دعائِه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{فَإِذَا فَرَغْتَ} : من صلاتِك، {فَانْصَبْ}: في الدعاءِ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: {فَإِذَا فَرَغْتَ} مِن جهادِ عدوِّك، {فَانْصَبْ} في عبادةِ ربِّك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . قال: أمَره إذا فرَغ مِن غزوِه، أن يجتهدَ في الدعاءِ والعبادةِ
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . قال عن أبيه: فإذا فرَغْتَ مِن الجهادِ؛ جهادِ العربِ، وانقطَع جهادُهم، فانصَبْ لعبادةِ اللهِ، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}
(4)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى عبد بن حميد وابن نصر بنحوه.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 381 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى عبد بن حميد.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى ابن أبي حاتم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرَغْتَ مِن أمرِ دنياك، فانصَبْ في عبادةِ ربِّك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ الدنيا، {فَانْصَبْ}. قال: فصلِّ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} . قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ دنياك {فَانْصَبْ} ؛ فصلِّ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَإِذَا فَرَغْتَ} . قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ الدنيا، وقمْتَ إلى الصلاةِ، فاجْعَل رغبتَك ونيتَك له
(2)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أَمَر نبيَّه أنْ يجعلَ فراغَه مِن كلِّ ما كان به مشتغلًا، مِن أمرٍ دنياه وآخرتِه، مما آدَى
(3)
له الشغلُ به، وأمَره بالشغلِ به - إلى النصَبِ في عبادتِه، والاشتغالِ فيما قرَّبه إليه، ومسألتِه حاجاتِه، ولم يَخْصُصْ بذلك حالًا مِن أحوالِ فراغِه دونَ حالٍ، فسواءٌ كلُّ أحوالِ فراغِه؛ مِن صلاةٍ كان فراغُه، أو جهادٍ، أو أمرِ دنيا كان به مشتغلًا؛ لعمومِ الشرطِ في ذلك، مِن غيرِ خصوصِ حالِ فراغٍ دونَ حالٍ أخرى.
(1)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (1146) عن سفيان به.
(2)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 283 من طريق جرير به، ومن طريقه أخرجه ابن حجر في التغليق 4/ 372، 373، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى عبد بن حميد وابن نصر وابن أبي حاتم.
(3)
آده الأمر أودًا: بلغ منه المجهود والمشقة. التاج (أود).
وقولُه: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى ربِّك يا محمدُ فاجْعَل رغبتَك، دونَ مَن سواه مِن خلْقِه، إذ كان هؤلاء المشركون مِن قومِك قد جعَلوا رغبتَهم في حاجاتِهم إلى الآلهةِ والأندادِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} . قال: اجعل نيتَك ورغبتَك إلى اللهِ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} . قال: اجْعَل رغبتَك ونيتَك إلى ربِّك
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} . قال: إذا قمْتَ إلى الصلاةِ
(2)
.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "ألم نشرح"
(1)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(2)
تقدم تخريجه في ص 497.
تفسيرَ سورةِ "والتين"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)} .
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالتينِ التينُ الذي يُؤْكَلُ، والزيتونِ الزيتونُ الذي يُعصَرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: تينُكم هذا الذي يُؤكلُ، وزيتونُكم هذا الذي يُعصَرُ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الحكمَ يُحَدِّثُ، عن عكرمةَ، قال: التينُ هو التينُ، والزيتونُ الذي تأكلون
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: تِينُكم وزيتونُكم.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: التينُ تينُكم هذا، والزيتونُ زيتونُكم هذا.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى عبد بن حميد.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ الذي يُعصَرُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: الفاكهةِ التي تأكلُ الناسُ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سلَّامِ بن سُلَيمٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: هو تينُكم وزيتونُكم.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ الذي يُعصَرُ
(2)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: التينُ والزيتونُ هو الذي تَرَون
(3)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 737، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق 4/ 373 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ينظر تفسير البغوي 8/ 471، وتفسير القرطبي 20/ 110.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 382 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 1/ 216 - عن معمر به بنحوه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} : التينُ تينُكم، والزيتونُ زيتونُكم هذا.
وقال آخرون: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ بيتُ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبى عبدِ اللَّهِ، عن كعبٍ أنه قال في قولِ اللَّهِ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ بيتُ المقدسِ
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قولِه:{وَالتِّينِ} . قال: الجبلُ الذي عليه دمشقُ، {وَالتِّينِ}: الذي عليه بيتُ المقدسِ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} : ذُكِر لنا أن التينَ الجبلُ الذي عليه دمشقُ، والزيتونَ الذي عليه بيتُ المقدسِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وسأَلتُه عن قولِ اللهِ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ مسجدُ
(1)
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 1/ 215 من طريق محمد بن بشار به، ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن أبى عمار، عن كعب، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى ابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 382 - ومن طريقه ابن عساكر 1/ 216 - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
إيليَاءَ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} . قال: هما جبلان
(1)
.
وقال آخرون: التينُ مسجدُ نوحٍ، والزيتونُ مسجدُ بيتِ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالتِّينِ} : يعنى: مسجدِ نوحٍ الذي بُنِى على الجُودِيِّ، {وَالزَّيْتُونِ}: بيتِ المقدسِ. قال: ويقالُ: التينُ والزيتونُ وطورُ سينينَ ثلاثةُ مساجدَ بالشامِ
(2)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: التينُ هو التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ هو الزيتونُ الذي يُعصرُ منه الزيتُ. لأن ذلك هو المعروفُ عندَ
(3)
العربِ، ولا يُعرفُ جبلٌ يسمَّى تينًا، ولا جبلٌ يقالُ له: زيتونٌ. إلا أن يقولَ قائلٌ: أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بالتينِ والزيتونِ، والمرادُ من الكلامِ القَسَمُ بمنابتِ التينِ ومنابتِ الزيتونِ. فيكونَ ذلك مذهبًا، وإن لم يكنْ على صحةِ ذلك أنه كذلك دلالةٌ في ظاهرِ التنزيلِ، ولا من قولِ مَن لا يَجُوزُ خلافُه؛ لأن دمشقَ بها منابتُ التينِ، وبيتَ المقدسِ منابتُ الزيتونِ.
وقولُه: {وَطُورِ سِينِينَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 471.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(3)
في ت 2، ت 3:"في كلام".
جبلُ موسى بن عمرانَ صلواتُ اللهِ عليه، ومسجدُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن قَزَعةَ، قال: قلت لابنِ عمرَ: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ وطورَ سينينَ. فقال: لا تأتِ طورَ سينينَ، ما تريدون أن تَدَعوا أثرَ نبيٍّ إلا وَطِئْتُموه. قال قتادةُ:{وَطُورِ سِينِينَ} : مسجدِ موسى صلى الله عليه وسلم.
حدَّثنا ابن بشارِ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَطُورِ سِينِينَ} . قال: جبلِ موسى.
قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبى عبدِ اللهِ، عن كعبٍ في قولِه:{وَطُورِ سِينِينَ} .
قال: جبلِ موسى صلّى الله عليه
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَطُورِ سِينِينَ} . قال: هو الطورُ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَطُورِ سِينِينَ} . قال: مسجدِ الطورِ.
وقال آخرون: الطورُ هو كلُّ جبلٍ يُنبتُ. وقولُه: {سِينِينَ} : حسنٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا
(1)
تقدم تخريجه في ص 503.
(2)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
عمارةُ، عن عكرمةَ قولَه:{وَطُورِ سِينِينَ} . قال: هو الحسنُ، وهى لغةُ الحبشةِ؛ يقولون للشئِ الحسنِ: سِينا سِينا
(1)
.
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: {وَطُورِ سِينِينَ} . قال: طُورٌ جبلٌ، وسِينينُ حَسَنٌ، بالحبشَةِ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ محاربٍ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: صلَّيت خلفَ عمرَ رضي الله عنه المغربَ، فقرَأ في أولِ ركعةٍ:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ} . قال: هو جبلٌ
(3)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سمِعتُ الحكمَ يحدِّثُ: عن عكرمةَ: {وَطُورِ سِينِينَ} . قال: سواءٌ على نباتِ السهلِ والجبلِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَطُورِ سِينِينَ} . قال: الجبلِ
(4)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَطُورِ سِينِينَ} : جبلٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م: "بالحبشية".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى في المصاحف.
(4)
تقدم تخريجه في ص 502.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَطُورِ سِينِينَ} : الجبلِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرمةَ، قال: الطورُ الجبلُ، والسينينُ الحسنُ، كما يَنبتُ في السهلِ، كذلك ينبتُ في الجبلِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: أمَّا {وَطُورِ سِينِينَ} فهو الجبلُ ذو الشجرِ
(1)
.
وقال آخرون: هو الجبلُ، وقولُه
(2)
: {سِينِينَ} : مباركٌ حسنٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَطُورِ} : الجبلِ، و {سِينِينَ}. قال: المباركِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَطُورِ سِينِينَ} .
قال: جبلٌ مباركٌ بالشامِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَطُورِ سِينِينَ} : جبلٌ بالشامِ مباركٌ وحسنٌ
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في ص 502، وينظر ما تقدم في 17/ 31.
(2)
في م: "قالوا".
(3)
تقدم تخريجه في ص 502، وينظر ما تقدم في 17/ 29.
(4)
تقدم تخريجه في ص 503، وينظر ما تقدم في 17/ 29،30.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: طورُ سِينينَ جبلٌ معروفٌ. لأن الطورَ هو الجبلُ ذو النباتِ، فإضافتُه إلى {سِينِينَ} تعريفٌ له، ولو كان نعتًا للطورِ كما قال مَن قال: معناه: حسنٌ أو مباركٌ - لكان الطورٌ منوَّنًا، وذلك أن الشئَ لا يُضافُ إلى نعتِه لغيرِ علةٍ تدعو إلى ذلك.
وقولُه: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . يقولُ: وهذا البلدِ الآمنِ من أعدائِه؛ أن يحارِبوا أهلَه أو يَغْرُوهم.
وقيل: {الْأَمِينِ} . ومعناه الآمنُ، كما قال الشاعرُ
(1)
:
ألم تَعْلَمى يا أَسْمَ ويحَكِ أننى
…
حلَفتُ يمينًا لا أَخُونُ أَمِينى
يريد: آمِنى. وهذا كما قال جلَّ ثناؤُه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].
وإنما عُنِى بقولِه: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . مكةُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . قال: مكةَ
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبي عبدِ اللهِ، عن
(1)
البيت بلا نسبة في معاني القرآن للفراء 3/ 276، وتفسير القرطبي 20/ 113، اللسان (أ م ن).
(2)
تقدم تخريجه في ص 504.
كعبٍ في قولِ اللهِ: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . قال: البلدِ الحرامِ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . قال: البلدِ الحرامِ
(2)
.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . قال مكةَ
(3)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ:[عن مجاهدٍ]
(4)
مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سلَّامِ بن سُلَيْمٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} : مكةَ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ الحكمَ يُحَدِّثُ عن عكرمةَ: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . قال: البلدِ الحرامِ
(5)
.
قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . قال: مكةَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَهَذَا الْبَلَدِ
(1)
تقدم تخريجه في ص 503.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 456.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
سقط من: ت 2، ت 3.
(5)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
الْأَمِينِ}: يعنى مكةَ
(1)
ـ
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} . قال: المسجدِ الحرامِ
(2)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} : مكةَ
(2)
.
وقولُه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . وهذا جوابُ القسمِ، يقولُ تعالى ذكرُه: والتينِ والزيتونِ لقد خلَقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ.
وبالذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ هاهنا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}
(3)
.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: في أعدلِ خلقٍ وأحسنِ صورةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن
(1)
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 1/ 217 من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 456.
(3)
تقدم تخريجه في ص 503.
ابن عباسٍ: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: في أعدلِ خلقٍ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: في أحسنِ صورةٍ
(2)
.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ:{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: خلقٍ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: في أحسنِ صورةٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ:{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . يقولُ: في أحسنِ صورةٍ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} : في أحسنِ صورةٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: أحسنِ خلقٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
تفسير مجاهد ص 737، وأخرجه البيهقى في الزهد الكبير (638) من طريق عاصم به، وهو في تفسير مجاهد أيضا ص 737 من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى الفريابى وعبد بن حميد.
قولَه: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: في أحسنِ خلقٍ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} .
يقولُ: في أحسنِ صورةٍ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، هو والكلبيُّ:{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قالا: في أحسنِ صورةٍ
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لقد خلَقنا الإنسانَ، فبلَغنا به استواءَ شبابِه وجَلَدِه وقوتِه، وهو أحسنُ ما يكونُ، وأعدلُ ما يكونُ وأقوَمُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سَمِعتُ الحكمَ يحدِّثُ عن عكرمةَ في قولِه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: الشابُّ
(3)
القويُّ الجَلْدُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: شبابُه أولَ ما نشَأ.
وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيءٌ من الحيوانِ إلا وهو منكبٌّ على وجهِه غيرَ الإنسانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن
(1)
تفسير مجاهد ص 738، ومن طريقه الفريابى في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 4 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 382 - ومن طريقه عبد الله بن أحمد في السنة (1123) - عن معمر به.
(3)
في ت 3: "الشباب".
ابن عباسٍ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . قال: خلَق كلَّ شيءٍ منكبًّا على وجهِه إلا الإنسانَ
(1)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن معنى ذلك: لقد خلَقنا الإنسانَ في أحسنِ صورةٍ وأعدلِها؛ لأن قولَه: {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . إنما هو نعتٌ لمحذوفٍ، وهو: في تقويمٍ أحسنٍ تقويمٍ. فكأنه قيل: لقد خلَقناه في تقويمٍ أحسنِ تقويمٍ.
وقولُه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العُمُرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: إلى أرذلِ العُمُرِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: إلى أرذلِ العُمُرِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . يقولُ: يُرَدُّ إِلى أرذَلِ العُمُرِ، كبِر حتى ذهَب عقلُه، وهم نفرٌ رُدُّوا إلى أرذلِ العُمُرِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فسُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ سَفِهتْ عقولُهم، فأنزَل اللهُ عذرَهم أن لهم أجرَهم الذي عمِلوا قبلَ أن تذهبَ عقولُهم
(3)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
تقدم تخريجه في ص 511.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: رُدُّوا إلى أرذلِ العُمُرِ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: إلى أرذلِ العُمُرِ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: ردَدناه إلى الهَرَمِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الهَرَمُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعت الحكمَ يحدِّثُ عن عكرمةَ: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: الشيخُ الهَرمُ، لم يَضُرَّه كِبَرُه، إن ختَم اللهُ له بأحسنِ ما كان يعملُ
(4)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم ردَدناه إلى النارِ في أقبحِ صورةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ،
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى الفريابى وعبد بن حميد.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 382 عن معمر به.
(4)
ينظر تفسير البغوي 8/ 472.
عن أبي العاليةِ: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: في شرِّ صورةٍ، في صورةِ خنزيرٍ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: النارَ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إلى النارِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: في النارِ.
قال: ثنا مؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إلى النارِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: قال
(3)
الحسنُ: جهنمُ مأواه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: في النارِ
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: إلى النارِ
(5)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
سقط من: م.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 382 عن معمر به.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 457.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصحةِ وأشبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معناه: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العُمُرِ، إلى عمرِ الخَرْفَى الذين ذهَبت عقولُهم من الهَرَمِ والكِبَرِ، فهو في أسفلِ مَن سَفَل؛ في إدبارِ العمرِ وذهابِ العقلِ.
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ في ذلك؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن خلقِه ابنَ آدمَ وتصريفِه في الأحوالِ، احتجاجًا بذلك على منكِرى قدرتِه على البعثِ بعدَ الموتِ، ألا ترَى أنه يقولُ:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} . يعنى: بعدَ هذه الحُججِ. ومحالٌ أن يَحْتَجَّ على قومٍ كانوا منكِرين معنًى من المعانى بما كانوا له منكِرين، وإنما الحجةُ على كلِّ قومٍ ما
(1)
لا يقدِرون على دفعِه؛ مما يعايِنونه ويُحِسُّونه، أو يقِرُّون به وإن لم يكونوا له مُحِسِّين.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان القومُ كانوا
(2)
للنارِ التي كان اللهُ يتوعَّدُهم بها في الآخرةِ، منكِرين، وكانوا لأهلِ الهَرَمِ والخَرَفِ من بعدِ الشبابِ والجَلَدِ شاهِدين - عُلِم أنه إنما احتَجَّ عليهم بما كانوا له معايِنين؛ من تصريفِه خلقَه، ونقلِه إياهم من حالِ التقويمِ الحسَنِ والشبابِ والجَلَدِ إلى الضعفِ والهرَمِ وفناءِ العمرِ وحدوثِ الخَرَفِ.
وقولُه: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى هذا الاستثناءِ؛ فقال بعضُهم: هو استثناءٌ صحيحٌ من قولِه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قالوا: وإنما جاز استثناءُ {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وهم جمعٌ، من الهاءِ في قوله:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ} وهى كنايةُ الإنسانِ، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأن
(1)
في م: "بما".
(2)
سقط من: م.
الإنسانَ وإن كان في لفظِ واحدٍ فإنه في معنى الجمعِ؛ لأنه بمعنى الجنسِ، كما قيل:{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1، 2]. قالوا: ولذلك
(1)
جاز أن يقالَ: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . فيضافُ "أفعل" إلى جماعةٍ. قالوا: ولو كان مقصودًا به قصدُ واحدٍ بعينِه، لم يجزْ ذلك، كما لا يقالُ: هذا أفضلُ قائِمينَ. ولكن يقالُ: هذا أفضلُ قائمٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن سعيدِ بن سابقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عكرمةَ، قال: من قرَأ القرآنَ لم يُرَدَّ إلى أرذلِ العُمُرِ. ثم قرَأ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . قال: لا يكونُ حتى لا يَعْلَمَ من بعدِ علمٍ شيئًا
(2)
.
فعلى هذا التأويلِ قولُه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} لخاصٍّ من الناسِ، غيرُ داخلٍ فيهم الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ؛ لأنه مستثنًى منهم.
وقال آخرون: بل الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ قد يدخُلون في الذين رُدُّوا إلى أسفلِ سافلين؛ لأن أرذْلَ العُمُرِ قد يُردُّ إليه المؤمنُ والكافرُ. قالوا: وإنما استُثنِى قولُه: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . من معنًى مضمرٍ في قولِه: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قالوا: ومعناه: ثم ردَدناه أسفلَ سافلين، فذهَبت عقولُهم وخَرِفوا،
(1)
في م: "كذلك".
(2)
أخرجه البيهقى في الشعب (2706) من طريق عاصم به. وأخرجه الحاكم 2/ 528 - ومن طريقه البيهقى في الشعب (2706) - من طريق عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى المصنف وعبد بن حميد، من قول عكرمة.
وانقطَعت أعمالُهم، فلم
(1)
تُثبَتْ لهم بعدَ ذلك حسنةٌ، إلا الذين آمَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ، فإن الذي كانوا يَعْمَلونه من الخيرِ في حالِ صحةِ عقولِهم وسلامةِ أبدانِهم، جارٍ لهم بعد هَرَمِهم وخَرَفِهم.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُه: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . استثناءً منقطِعًا؛ لأنه يَحْسُنُ أن يقالَ: ثم ردَدناه أسفلَ سافلين، إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ، لهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ، بعدَ أن يُردَّ أسفلَ سافلين.
ذكرُ مَن قال معنى هذا القولِ
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عَديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . قال: فأيُّما رجلٍ كان يعملُ عملًا صالحًا وهو قويٌّ شابٌّ فعجَز عنه، جرَى له أجرُ ذلك العملِ حتى يموتَ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . يقولُ: إذا كان يعملُ بطاعةِ اللهِ في شبيبتِه كلِّها، ثم كبِر حتى ذهَب عقلُه، كُتِب له مثلُ عملِه الصالحِ الذي كان يعملُ في شبيبتِه، ولم يُؤاخَذْ بشيءٍ ممَّا عمِلَ في كِبَرِه وذَهَابِ عقلِه؛ من أجلِ أنه مؤمنٌ وكان يطيعُ اللهِ في شبيبتِه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال: إلى أرذلِ العمرِ، فإذا بلَغ المؤمنُ إلى أرذلِ
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فلا".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف.
العمرِ، كُتِب له كأحسنِ ما كان يعملُ في شبابِه وصحتِه، فهو قولُه:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : فإنه يُكتبُ له من الأجرِ مثلُ ما كان يعملُ في الصحةِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حمادِ بن أبى سليمانَ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . قال: إذا بلَغ من الكبرِ ما يَعْجِزُ عن العملِ، كُتِب له ما كان يعملُ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، فإنه يُكتَبُ لهم حسناتُهم، ويُتجاوَزُ لهم عن سيئاتِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . قال: هم الذين أدرَكهم الكبرُ؛ لا يُؤْخَذون
(2)
بعملٍ عَمِلوه في كبرِهم وهم هَرْمَى لا يعقِلون
(3)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى الفريابى وعبد بن حميد.
(2)
في م: "يؤاخذون".
(3)
تقدم تخريجه في ص 511.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاء، قال: سُئل عكرمة عن قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . قال: يُوَفِّيه اللَّهُ أَجرَه أو عمله، ولا يؤاخذه إذا رُدَّ إلى أرذل العمرِ
(1)
.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، قال: سمعت الحكم يحدِّثُ عن عكرمة: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . قال: الشيخُ الهَرْمُ، لم يضره كبره أن ختم الله له بأحسن ما كان يعملُ
(2)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . قال: من أدركه الهرَمُ وكان يعملُ صالحًا، كان له مثلُ أجره إذ
(3)
كان يعملُ
(4)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه أسفل سافلين في جهنم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجرٌ غيرُ ممنون. فعلى هذا التأويل:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} مستثنون من الهاءِ في قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ} . وجاز استثناؤهم منها إذ كانت كتايةً للإنسان، وهو بمعنى الجمع، كما قال:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر: 2، 3].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 472.
(3)
في م: "إذا".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 382 عن معمر به.
مجاهد: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} : إلا مَن آمَن
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، قال: قال الحسنُ في قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} : في النارِ، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. قال الحسن: وهى كقوله: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
(2)
[العصر: 1 - 3].
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصحةِ قولُ من قالُ: معناه: ثم ردَدناه إلى أرذلِ العمرِ، إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات في حال صحتِهم وشبابهم، فلهم أجرٌ غيرُ ممنون بعدَ هَرَمِهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم في حالِ ما كانوا يعملون وهم أقوياءُ على العمل.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة. لما وصفنا من الدلالة على صحةِ القولِ بأن تأويلَ قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} : إلى أرذل العمرِ.
واختلفوا في تأويل قوله: {غَيْرُ مَمْنُونٍ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: لهم أجرٌ غيرُ منقوصٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . يقولُ: غير
(3)
منقوصٍ
(4)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 738، ومن طريقه الفريابي في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 4 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 382 عن معمر به.
(3)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن =
وقال آخرون: بل معناه: غيرُ محسوبٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} : غيرُ محسوبٍ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه.
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . قال: غير محسوبٍ.
قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . قال: غيرُ محسوبٍ.
وقد قيل: إن معنى ذلك: فلهم أجرٌ غيرُ مقطوعٍ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: فلهم أجرٌ غيرُ منقوصٍ، كما كان له أيامَ صحتِه وشبابه. وهو عندى من قولهم: حَبْلٌ
(2)
مَنِينٌ. إذا كان ضعيفًا؛ ومنه قولُ الشاعر
(3)
:
أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيةٌ
…
ما في عطائِهمُ مَنْ ولا سَرَفُ
يعنى أنه ليس فيه نقصٌ ولا خطأٌ.
= أبي حاتم وابن مردويه.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 366 إلى المصنف والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في م: "جبل".
(3)
هو جرير، وتقدم البيت في 6/ 409، 9/ 618.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)} .
اختلَف أهلُ التأويل في تأويل قوله: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ} ؛ فقال بعضُهم: لله معناه: فمن يكذِّبُك يا محمد بعد هذه الحجج التي احتجَجْنا بها، {بِالدِّينِ}. يعنى: بطاعةِ اللهِ وما بعَثك به من الحقِّ، وأن اللَّهَ يبعَثُ مَن في القبور. وقالوا:"ما" في معنى (مَنْ)؛ لأنه عُنِى به ابن آدمَ ومَن بُعث إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما يكذبك أيُّها الإنسانُ بعد هذه الحججِ بالدين؟!
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} . غُنِى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: مَعاذَ اللَّهِ! غنى به الإنسانُ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عمَّن سمِع مجاهدًا يقولُ:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} . قلت: يعني به النبيَّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: مَعَاذَ اللَّهِ! إنما يعنى به الإنسان.
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} : أَعُنى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: معاذ الله! إنما عُنِى به الإنسان.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 457 - من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} : إنما يعنى الإنسانَ، يقولُ: خلَقتُك في أحسنِ تقويمٍ، فما يكذبُك أيُّها الإنسانُ بعدُ بالدينِ
(1)
؟
وقال آخرون: إنما عنى بذلك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقيل له: استيقِنْ مع ما جاءك من اللَّهِ من البيان - أن اللَّهَ أحكمُ الحاكمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} أي: استيقِنْ بعدَ ما جاءك من اللَّهِ البيانُ، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}
(2)
؟
وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: معنى "ما" معنى (مَنْ). ووجَّهَ تأويلَ الكلام إلى: فمن يكذِّبُك يا محمدُ بعدَ الذي جاءك من هذا البيانِ من اللَّهِ - {بِالدِّينِ} ؟ يعنى: بطاعة اللَّهِ، ومجازاته العباد على أعمالهم.
وقد تأوَّل ذلك بعضُ أهلِ العربية
(3)
بمعنى: فما الذي يكذِّبُك بأن الناسَ يُدانُون بأعمالِهم؟ وكأنه قال: فمن يَقْدِرُ على تكذيبك بالثوابِ والعقابِ، بعدَ ما تبين له خلقُنا الإنسان على ما وصَفنا؟
واختلَفوا في معنى قوله: {بِالدِّينِ} ؛ فقال بعضُهم: بالحساب.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 383 عن معمر به.
(2)
تقدم تخريجه في ص 503، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق ولا ابن عساكر.
(3)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 277.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفَاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ في قوله:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} . قال: الحساب
(1)
.
وقال آخرون: بل
(2)
معناه: بحُكم اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} . يقولُ: ما يكذبُك بحُكمِ اللَّهِ
(3)
.
وأَولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الدينُ في هذا الموضعِ الجزاءُ والحسابُ. وذلك أن أحدَ معاني الدينِ في كلامِ العربِ الجزاءُ والحسابُ، ومنه قولُهم: كما تَدِينُ تُدانُ. ولا أَعْرِفُ من معاني الدَّينِ "الحُكمَ" في كلامِهم، إلا أن يكونَ مرادًا بذلك: فما يكذِّبُك بعد بأمر اللَّهِ الذي حكم به عليك أن تُطِيعَه فيه؟ فيكونَ ذلك.
وقولُه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} . يقول تعالى ذكره: أليس اللَّهِ يا محمدُ بأحكمِ مَن حكَم في أحكامه وفصْلِ قضائِه بين عبادِه؟
وكان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا قرَأ ذلك، فيما بلغنا، قال:"بلى".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ
(1)
ينظر التبيان 10/ 377.
(2)
سقط من: م.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 365 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن مردويه.
الْحَاكِمِينَ}: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان إذا قرَأها قال: "بلى، وأنا على ذلك من الشاهِدين"
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كان ابن عباس إذا قرَأ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} . قال: سبحانَك اللهَّم وبلى
(2)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: كان قتادةُ إذا تلَا: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} . قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. أَحْسَبه كان يَرْفَعُ ذلك، وإذا قرَأ
(3)
: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40]. قال: بلى. وإذا تلَا: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [المرسلات: 50]. قال: آمنتُ باللَّهِ وبما أنزَل
(4)
.
آخرُ سورةِ "والتين".
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى عبد حميد.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 383 عن معمر، عن أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 367 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
في ص، ت 1، ت 2 ت 3:"تلا".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 383 عن معمر به، وأخرجه الحميدى (995)، وأحمد 12/ 353 (7391)، وأبو داود (887)، والترمذى (3347)، والبيهقى 2/ 310، 311، والبغوى (623) من حديث أبي هريرة مرفوعا.
تفسيرُ سورةِ "اقرأ"
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)} .
يعنى جل ثناؤه بقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} : محمدًا. يقول: اقرَأْ يا محمدُ بذكرِ ربِّك الذي خلَق.
ثم بين الذي خلق فقال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} . يعنى: من الدم، وقال:{مِنْ عَلَقٍ} . والمراد به: من عَلَقَةٍ؛ لأنه ذهَب إلى الجمعِ، كما يقالُ: شجرة وشجرٌ، وقصبَةٌ وقَصَبٌ، وكذلك علقةٌ وعَلَقٌ. وإنما قال:{مِنْ عَلَقٍ} ، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأنه في معنى جمع، وإن كان في لفظِ واحدٍ؛ فلذلك قيل:{مِنْ عَلَقٍ} .
وقوله: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} . يقولُ: اقْرَأْ يا محمدُ {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} خَلْقَه الكتاب والخَطَّ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} . قرأ حتى بلغ: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} . قال: القلمُ نعمةٌ من اللَّهِ عظيمةٌ، لولا ذلك لم يقُمْ ولم يَصْلُحْ عيشٌ
(1)
.
وقيل: إن هذه أوَّلُ سورة نزلت في القرآن على رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 369 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ البصريُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سَمِعتُ النعمان بن راشدٍ يقولُ عن الزهريِّ، عن عروةَ، عائشةَ أنها عن قالت: كان أولُ ما ابتُدئ به رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقةَ كانت تَجيءُ مثل فَلَقِ الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاءُ، فكان بغارِ حِراءٍ يَتَحنَّثُ فيه اللياليَ ذواتِ العددِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أهلِه، ثم يرجعُ إلى أهله فيَتَزَوَّدُ لمثلِها، حتى فجَأَه الحقُّ، فأتاه فقال: يا محمدُ، أنت رسولُ اللَّهِ. قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فجتَوتُ لركبَتيَّ وأنا قائمٌ، ثم رجَعتُ تَرْجُفُ بَوادِرى
(1)
، ثم دخلتُ على خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني زمِّلوني. حتى ذهَب عنى الرَّوْعُ، ثم أتاني، فقال: يا محمدُ
(2)
، أنت رسولُ اللَّهِ". قال: "فلقد همَمتُ أن أطرَحَ نفسى من حالقٍ من جبل، [فَتَبَدَّى لى]
(3)
حينَ همَمتُ بذلك، فقال: يا محمدُ، أنا جبريلُ وأنت رسولُ اللَّهِ. ثم قال:{اقْرَأْ} . قلت: "ما أقرأُ؟ ". قال: (فأخذني فغَطَّنى ثلاثَ مراتٍ، حتى بلَغ منى الجَهْدُ، ثم قال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} . فقرَأتُ، فأتَيتُ خديجة، فقلتُ: لقد أشفَقتُ على نفسى. فأخبَرتُها خبرى، فقالت: أَبْشِرْ، فواللَّهِ لا يُخزيك اللَّهِ أبدًا، وواللَّهِ إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتؤدِّى الأمانةَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِى الضيفَ، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ. ثم انطَلَقَتْ بي إلى ورقةَ بن نوفلِ بن أسدٍ، قالت: اسمَعْ من ابن أخيك. فسألني، فأخبَرته خبرى، فقال: هذا الناموسُ الذي أُنزِل على موسى، ليتني فيها جَذَعٌ
(4)
، ليتنى أكونُ حَيًّا حينَ يُخْرِجُك قومك. قلتُ: أَوَ مُخْرِجيَّ هم؟
(1)
البوادر جمع بادرة، وهى اللحمة التي بين المنكب والعنق. التاج (ب د ر).
(2)
بعده في م: "أنا جبريل و".
(3)
في م: "فتمثل إليّ"، وفى ت 2:"فعدا لى"، وفى ت 3:"فعاد إلى".
(4)
الضمير في "فيها " للنبوة، لى: يا ليتنى كنت شابًّا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها. النهاية 1/ 250.
قال: نَعمْ، إنه لم يَجِئْ رجلٌ قطُّ بما جئتَ به إلا عُودِىَ، ولئن أَدْرَكنى يومُك أَنصُرْك نصرًا مؤزرًا. ثم كان أول ما نزل عليَّ من القرآن بعد "اقرأ":{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} [القلم: 1 - 5] و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1، 2]، و
(1)
{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} "
(2)
[الضحى: 1، 2].
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروة، أن عائشة أخبرته. وذكَر نحوه، غيرَ أنه لم يقلْ:"ثم كان أوّلُ ما أُنزِل عليَّ من القرآن". الكلامَ إلى آخرِ
(3)
.
حدَّثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ شدّادٍ، قال: أتى جبريلُ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمدُ، اقْرَأْ. فقال:"وما أقرَأُ؟ ". قال: فضمَّه، ثم قال: يا محمد، اقْرَأْ. قال:"وما أقرأُ؟ ". قال: {بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} حتى بلغ: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . قال: فجاء إلى خديجة، فقال: (يا خديجةُ، ما أُراه إلا قد عُرض لى". قالت: كلا، واللَّهِ ما كان ربُّك يفعلُ ذلك بك، وما أتيتَ فاحشةً قطُّ. قال: فأَتَتْ خديجة ورقةً، فأخبَرته الخبرَ، قال: لئن كنتِ صادقةً إن زوجَكِ لنبيٌّ، ولَيَلْقَيَنَّ من أمتِه شدةً، ولئن أدرَكتُه
(1)
سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.
(2)
أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 298. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (9719)، وأحمد 6/ 153، 223، 232) (الميمنية)، والبخارى (3، 4956)، ومسلم (160/ 253، 254)، والترمذى (3632)، والواحدى في أسباب النزول ص 5 من طرق عن الزهرى به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 68 إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه.
(3)
أخرجه المصنف في تاريخه. 1/ 299. وأخرجه مسلم (160/ 252)، والبيهقي 9/ 5، 6 من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد 6/ 153 (الميمنية)، والبخارى (4953)، من طريق يونس به.
لأُومِنَنَّ بِهِ. قال: ثم أبطَأ عليه جبريلُ، فقالت له خديجةُ: ما أرَى ربَّك إلا قد قلاك. فأنزل اللَّهِ: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(1)
[الضحى: 1 - 3].
حدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ - قال إبراهيم: قال سفيانُ: حفظه لنا ابن إسحاقَ -: إِن أَوَّلَ شَيءٍ أُنزِل من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ بشرِ بن الحكمِ النَّيْسابوريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ: إن أولَ سورة أُنزِلت من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}
(2)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عبيدِ بن عميرٍ، قال: أول سورةٍ نزَلت على محمد رسولُ اللَّهِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}
(3)
.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ عبيد بن عميرٍ يقولُ. فذكَر نحوَه.
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 299. وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 292 من طريق أبي إسحاق سليمان الشيباني به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 368 إلى أبي نعيم في الدلائل.
(2)
أخرجه البيهقي 9/ 6، وفى الدلائل، 2/ 155، والواحدى في أسباب النزول ص 5، 6، والبغوى في تفسيره 8/ 478 من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم به، وأخرجه الحاكم 2/ 220، 529 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 368 إلى ابن مردويه.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 88 من طريق شعبة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 385 من طريق عمرو بن دينار به.
حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلم، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: ثنا قرةُ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ العُطارديُّ، قال: كنا في المسجدِ الجامعِ، ومُقرِئُنا أبو موسى الأشعريُّ، كأني أنظرُ إليه بينَ بُردَين أبيضَين. قال أبو رجاءٍ: عنه أخَذتُ هذه السورة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وكانت أول سورة نزلت على محمدٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءٍ بن يسارٍ، قال: أولُ سورة نزلت من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} .
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ بُن مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولُ ما نزَل من القرآنِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} . وزاد ابن مهديٍّ: {ن وَالْقَلَمِ}
(1)
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: أولُ ما أُنزِل من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}
(2)
.
قال: ثنا وكيعٌ، عن قُرَّةَ بن خالدٍ، عن أبي رجاءٍ العُطارديُّ، قال: إني لأنظُرُ إلى أبي موسى وهو يقرأُ القرآنَ في مسجد البصرةِ وعليه بُردان أبيضان، فأنا أخَذتُ منه:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ، وهى أولُ سورةٍ أُنزِلت على محمدٍ صلى الله عليه وسلم
(3)
.
(1)
أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص 220 عن عبد الرحمن بن مهدي به. مهدي به. وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 541، 14/ 88 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 368 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 541، 14/ 88 عن وكيع به.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 542، 14/ 88، وأبو نعيم في الحلية 1/ 257 من طريق وكيع به، وأخرجه =
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: إن أولَ سورةٍ أُنزِلت: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ، ثم {ن وَالْقَلَمِ} [القلم: 1].
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه:
وقوله: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . يقولُ تعالى ذكره: علَّم الإنسان الخطَّ بالقلمِ ولم يكُنْ يَعْلَمُه، مع أشياءَ غيرِ ذلك مما علَّمه ولم يكُنْ يَعْلَمُه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . قال: علَّم الإنسانَ خطًّا بالقلمِ.
وقوله: {كَلَّا} . يقول تعالى ذكرُه: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسانَ؛ أن يُنَعِمَ عليه ربُّه بتسويتِه خَلْقَه، وتعليمه ما لم يكنْ يعلم، وإنعامِه بما لا كُفْءَ له، ثم يكفرَ بربِّه الذي فعَل به ذلك، ويَطْغَى عليه؛ أن رأه استَغنَى.
وقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} . يقولُ: إن الإنسانَ ليتجاوزُ حدَّه، ويستكبِرُ على ربِّه فيكفُرُ به؛ لأن رأى نفسه استَغنَتْ.
وقيل: {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} ؛ لحاجة "رأَى" إلى اسمٍ وخبرٍ، وكذلك تفعَلُ العرب في كلِّ فعْلٍ اقتضى الاسمَ والفعلَ، إذا أوقَعه المخبِرُ عن نفسِه على نفسِه مُكَنيًا
= يونس بن بكير في زياداته على سيرة ابن إسحاق ص 103 وابن الضريس في الفضائل (24)، والحاكم 2/ 220، وأبو نعيم في الحلية 1/ 256 من طريق قرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 368 إلى ابن الأنبارى في المصاحف والطبراني وابن مردويه.
عنها، فيقولُ: متى تُراك خارجًا؟ ومتى تَحْسَبُك سائرًا؟ فإذا كان الفعلُ لا يقتضى إلا منصوبًا واحدًا، جعلوا موضعَ المكنيِّ "نفسه"، فقالوا: قتَلْتَ نفسَك. ولم يقولوا: قَتَلْتَكَ. ولا: قتلَه
(1)
.
وقولُه: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} . يقولُ: إن إلى ربِّك يا محمدُ مَرْجِعَه، فذائقٌ من أليمِ عقابه ما لا قِبَلَ له به.
القول في تأويل قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10)} .
ذُكِر أن هذه الآيةَ وما بعدَها نزَلت في أبي جهلِ بن هشامٍ، وذلك أنه قال فيما بلَغنا: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ رقبته. وكان فيما ذُكِر قد نَهَى رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أن يُصَلَّى، فقال اللَّهِ لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم:
أرأيتَ يا محمد أبا جهلٍ الذي يَنْهاك أن تُصَلِّى عِندَ المَقامِ، وهو مُعرِضْ عن الحقِّ مكذِّبٌ به؟! يُعَجِّبُ جَلَّ ثناؤُه نبيَّه والمؤمنين من جهلِ أبى جهلٍ، وجراءتِه على ربَّه، في نهيه محمدًا عن الصلاةِ لربِّه، وهو مع أياديه عنده مكذِّبٌ به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} . قال: أبو جهلٍ، يَنْهَى
(1)
في م: "قتلته".
محمدًا صلى الله عليه وسلم إذا صلى
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} : نزلت في عدوِّ اللَّهِ أبى جهلٍ؛ وذلك لأنه قال: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقه. فأنزل اللَّهِ ما تسمعون.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} . قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقِه. قال: وكان يقال: لكلِّ أمةٍ فرعونٌ. وفرعونُ هذه الأمةِ أبو جهلٍ
(2)
.
حدَّثنا إسحاقُ بن شاهينٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يصلى، فجاءه أبو جهل فنهَاه أن يصلِّىَ، فأنزل اللَّهُ:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} إلى قوله: {كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}
(3)
.
القول في تأويل قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: أرأيتَ إن كان محمدٌ {عَلَى الْهُدَى} . يعني: على استقامةٍ وسَدَادٍ في صلاته لربِّه،
{أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى} : أو أمر محمدٌ هذا الذي يَنْهَى
(1)
تفسير مجاهد ص 739، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 370 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 384 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 370 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
أخرجه أحمد 5/ 167 (3044)، والحاكم 2/ 487، 488، والبيهقى في الدلائل 2/ 192 من طريق داود به، وأخرجه الطبراني (11950) من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 369 إلى ابن المنذر وأبي نعيم في الدلائل.
الصلاةِ باتقاءِ اللَّهِ وخوفِ عقابه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى} . قال: محمدٌ، كان على الهدى، وأمرَ بالتقوى
(1)
.
القولُ في تأويل قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: أرأيت إن كذَّب أبو جهلٍ بالحقِّ الذي بَعَث به محمدًا {وَتَوَلَّى} . يقولُ: [وأدبَر عنه فلم يصدِّقْ به]
(2)
؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} : يعنى أبا جهل
(1)
.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يعلَمْ أبو جهلٍ إذ يَنْهَى محمدًا عن عبادةِ ربِّه والصلاةِ
(1)
تقدم أوله في الصفحة السابقة، ولم يرد هذا اللفظ عند عبد الرزاق.
(2)
في ص، ت 1، ت 2 ت 3:"فأدبر عنه ولم يصدق به".
له، بأن اللَّهَ يراه، فيخاف سطوتَه وعقابَه؟
وقيل: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى} .
فكُرِّرت {أَرَأَيْتَ} مراتٍ ثلاثًا على البدلِ. والمعنى: أرأيتَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وهو مكذِّبٌ متولٍّ عن ربِّه، ألم يَعْلَمُ بأن اللَّهِ يراه؟!
وقولُه: {كَلَّا} . يقولُ: ليس كما يقولُ
(1)
: إنه يطأُ عنقَ محمدٍ. يقولُ: لا يقدِرُ على ذلك ولا يصلُ إليه.
وقولُه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ} . يقولُ: لئن لم ينتهِ أبو جهلٍ عن محمدٍ، {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ}. يقولُ: لنأخذَنَّ مُقدَّمِ رأسه، فلنُضِيمَنَّه
(2)
ولَنُذِلَّنَّه. يقالُ منه: سَفَعْتُ بيده. إذا أَخَذْتَ بيده.
وقيل: إنما قيل: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} . والمعنى: لنسوِّدَنَّ وجهَه. فاكتُفِيَ بذكرِ الناصيةِ من الوجه كلِّه، إذ كانت الناصيةُ في مقدَّمِ الوجه.
وقيل: معنى ذلك: لنأخذَنَّ بناصيته إلى النارِ، كما قيل (1):{فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن: 41].
وقولُه: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} . فخفَض {نَاصِيَةٍ} ردًّا على "الناصية" الأولى بالتكرير. ووصَف الناصيةَ بالكذبِ والخطيئةِ، والمعنى لصاحبِها.
وقولُه: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فلْيَدْعُ أبو جهلٍ أهلَ مجلسِه وأنصارَه من عشيرتِه وقومِه. والنادى هو المجلسُ.
وإنما قيل ذلك فيما بلَغنا لأن أبا جهلٍ لما نهَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاةِ عندَ المقامِ،
(1)
في م: "قال".
(2)
في م: "فلنضمنه".
انتهَرَه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأغلَظ له، فقال أبو جهلٍ: علامَ يتوعَّدُنى محمدٌ وأنا أكثرُ أهل الوادى ناديًا؟ فقال اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ}
(1)
، فليدعُ حينَئذٍ ناديَه، فإنه إن دعا ناديَه، دعَونا الزبانيةَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الأخبارُ وقال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ الآثارِ المرويةِ في ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ جُمَيعٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، جميعًا عن داود بن أبي هند، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي عندَ المَقامِ، فمرَّ به أبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقال: يا محمدُ، ألم أنهكَ عن هذا؟ وتوعَّده، فأغلَظ له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال: يا محمدُ، بأيِّ شيءٍ تهدِّدُني؟ أما واللَّهِ إني لأكثرُ هذا الوادى ناديًا. فأنزَل اللَّهِ:{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} . قال ابن عباسٍ: لو دعا ناديَه، أخَذَته زبانيةُ العذابِ من ساعته
(2)
.
حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهين، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يصلِّى، فجاءه أبو جهلٍ فنهاه أن يصلّى، فأنزَل اللَّهِ:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} إلى قولِه: {كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} . فقال: لقد علم أنى أكثرُ هذا الوادى ناديًا. فغضب النبيُّ صلى الله عليه وسلم فتكلَّم بشيءٍ - قال داودُ: ولم أحفَظْه - فأنزَل اللَّهِ: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} .
(1)
سقط من: م.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 298، وأحمد 4/ 164 (2321)، والترمذى (3349)، والنسائي في الكبرى (11684) من طريق أبي خالد به. وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 4/ 248 - من طريق على بن مسهر به.
فقال ابن عباسٍ: فواللَّهِ لو فعَل لأخَذَته الملائكةُ من مكانِه
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ
(2)
، عن أبيه، قال: ثنا نُعَيمُ بنُ أَبي هند، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال أبو جهلٍ: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهَه بينَ أظهُركم؟ قال: فقيل: نعم. قال: فقال: واللاتِ والعُزَّى لئن رأَيتُه يصلِّى كذلك، لأَطأَنَّ على رقبته، أو
(3)
لأُعَفِّرَنَّ وجهَه في التراب. قال: فأتَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو يُصلِّى ليطأَ على رقبته. قال: فما فَجِئَهم
(4)
منه إلا وهو يَنكِصُ على عَقِبَيْه ويَتَّقِى بيديه. قال: فقيل له: ما لَكَ؟! قال: فقال: إن بيني وبينَه خنْدقًا من نارٍ، وهولًا وأجنحةً. قال: فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لو دنَا لاختطَفَتْه الملائكةُ عُضْوًا عُضْوًا". قال: وأنزل اللَّهِ - لا أدرِى في حديثِ أبي هريرة أم لا -: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} . يعني أبا جهل {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ
(5)
(17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}: الملائكة، {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}
(6)
.
(1)
تقدم تخريجه في ص 534.
(2)
في النسخ: "ابن ثور" والمثبت من مصادر التخريج.
(3)
في م: "و".
(4)
في م: "فجأه". وكلاهما بمعنى. ينظر تاج العروس (ف ج أ).
(5)
بعده في م: "يدعو قومه".
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 461 عن المصنف، وأخرجه مسلم (2797/ 28)، والنسائي في الكبرى (11683)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير - والبغوى في تفسيره 8/ 479 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه أحمد 14/ 425 (8831)، ومسلم (2797/ 28)، وابن حبان (6571)، وأبو نعيم في الدلائل (158)، والبيهقى في الدلائل 2/ 198، والبغوى في تفسيره 8/ 479 من طريق معتمر بن سليمان به.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: أخبَرنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، عن الوليد بن العَيْزارِ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ: لئن عاد محمدٌ يصلِّى عندَ المَقامِ لأقتلَنَّه. فأنزَل اللَّهُ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} . حتى بلَغ هذه الآية: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} . فجاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّى، فقيل له: ما يَمْنَعُك؟ قال: قد اسوَدَّ ما بيني وبينَه من الكتائبِ. قال ابن عباسٍ: واللَّهِ لو تحرَّك لأخَذَته الملائكةُ والناسُ يَنْظُرون إليه
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا زكريا بنُ عديٍّ، قال: ثنا عبيد اللَّهِ بن عمرٍو، عن عبد الكريم، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأَيتُ [رسولَ اللَّهِ]
(2)
يصلِّى عند الكعبة لآتيَنَّه حتى أطأ على عنقِه. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لو فعَل لأخَذَتْه الملائكةُ عِيانًا
(3)
.
وبالذي قلنا في معنى "النادى" قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله:{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} . يقولُ: فليدعُ ناصرَه
(4)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 461 عن المصنف، وأخرجه الطبراني (12693)، وفى الأوسط (8398) من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 369 إلى أبي نعيم في الدلائل.
(2)
كذا في النسخ، وبعده في ص، م، ت 1، ت:" صلى الله عليه وسلم". وأبو جهل لا يقوله.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 460 عن المصنف، وأخرجه البزار (2189 - كشف)، وابن مردويه في تفسيره - كما في الفتح 8/ 724 - من طريق زكريا بن عدى به. وأخرجه أبو يعلى (2604)، والبغوى في منتخب المسند - كما في الفتح 8/ 724 - من طريق عبيد الله بن عمرو به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 384 - ومن طريقه أحمد 5/ 437 (3483)، والبخارى (4958)، والترمذى (3348)، والنسائى في الكبرى (11685)، والبيهقى في الدلائل 2/ 191، 192 - من طريق عبد الكريم به.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 456 - إلى المصنف.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} . قال: الملائكةَ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيلِ: الزبانيةُ أرجُلُهم في الأرضِ ورءوسُهم في السماءِ
(2)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لو فعل أبو جهلٍ لأخَذته الزبانيةُ الملائكةُ عِيانًا".
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} . قال: الملائكة
(3)
.
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {الزَّبَانِيَةَ} . قال: الملائكةَ
(3)
.
وقولُه: {كَلَّا} . يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ كما يقولُ أبو جهلٍ، إذ
(1)
تفسير مجاهد ص 739، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 374 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 370 إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 167، 574، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال 1/ 351 (2196)، من طريق سفيان، عن أبي سنان، عن عبد اللَّهِ بن الحارث، وعزاه السيوطي في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 456 - إلى المصنف والفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من قول عبد الله بن الحارث، وأبو سنان ضرار بن مرة يروى عن عبد الله بن أبى الهذيل وعبد الله بن الحارث. ينظر تهذيب الكمال 13/ 307، 14/ 403، 16/ 244.
(3)
ينظر التبيان 10/ 382.
ينهَى محمدًا صلى الله عليه وسلم عبادةِ ربِّه والصلاةِ له، {لَا تُطِعْهُ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لا تُطِعْ أبا جهلٍ فيما أمَرك به من تركِ الصلاةِ لربِّك، {وَاسْجُدْ} لربِّك، {وَاقْتَرِبْ} منه، بالتحبُّبِ إليه بطاعتِه، فإن أبا جهلٍ لن يَقْدِرَ على ضَرِّك، ونحن نمنعُك منه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} : ذُكِر لنا أنها نزَلت في أبي جهلٍ، قال: لئن رأَيتُ محمدا يصلِّى لأطأَنَّ على
(1)
عنقِه. فأنزَل اللَّهِ: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} . قال نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ بلَغه الذي قال أبو جهلٍ: "لو فعَل لاختَطَفَته الزبانيةُ".
آخرُ سورةِ اقرأ باسمِ ربِّك"، والحمدُ لله وحده
(1)
سقط من: م.
يسمِ اللَّهِ الرحمن الرحيمِ
تفسير سورة "القدر"
القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} .
يقولُ تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا القرآنَ جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْرِ، وهى ليلةُ الحكمِ التي يَقْضِى اللَّهُ فيها قضاءَ السَّنة، وهو مصدرٌ مِن قولهم: قَدَر اللَّهُ عليَّ هذا الأمرَ. فهو يَقْدُرُ قَدْرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ،، قال: نزَل القرآنُ كلُّه جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ في رمضانَ إلى السماءِ الدنيا، فكان اللَّهُ إذا أراد أَنْ يُحْدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَله منه حتى جمَعه
(1)
.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أنزل اللَّهُ القرآن إلى السماء الدنيا في ليلةِ القَدْرِ، وكان اللَّهُ إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قولُه:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ. فذكر نحوه،
(1)
تقدم تخريجه في 3/ 190.
وزاد فيه: وكان بين أوله وآخره عشرون سنةً.
قال: ثنا عمرو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ التيميُّ، قال: ثنا عمرانُ أبو العوَّامِ، قال: ثنا داودُ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أنه قال في قولِ اللَّهِ:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} . قال: نزَل أَوَّلُ القرآنِ في ليلةِ القَدْرِ
(1)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَل القرآن في ليلةٍ من السماءِ العليا إلى السماءِ الدنيا، جملةً واحدةً، ثم فُرِّق في السنينَ. قال: وتلا ابن عباسٍ هذه الآيةَ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75]. قال: نزل متفرِّقًا
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ في قوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} . قال: بلغنا أنَّ القرآن نزل جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: أنزل القرآنُ جملةً واحدةً، ثم أنزل ربُّنا في ليلةِ القدرِ:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}
(3)
[الدخان: 4].
قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} . قال: أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ إلى سماءِ الدنيا، فكان بموقعِ النجومِ، فكان اللَّهُ يُنزله على رسوله، بعضَه في إِثْرِ بعضٍ.
(1)
ينظر تفسير القرطبي 20/ 130.
(2)
تقدم تخريجه في 3/ 191.
(3)
تقدم تخريجه في 3/ 189، وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (120) من طريق مسلم به.
ثم قرأ: {[وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا]
(1)
لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}
(2)
[الفرقان: 32].
وبنحو الذي قلنا في [معنى القدرِ]
(3)
قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لَيْلَةِ الْقَدْرِ} : ليلة الحكمِ
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} . قال: ليلةِ الحكمِ.
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ]
(5)
، عن سفيانَ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: يُؤذَنُ للحُجاج في ليلةِ القَدْرِ، فيُكتبون بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، فلا يُغادَرُ منهم أحدٌ، ولا يُزادُ فيهم، ولا يُنقَصُ منهم
(6)
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا ربيعةُ بن كلثومٍ، قال: قال رجلٌ
(1)
في النسخ: "وقالوا". وصواب التلاوة ما أثبتنا.
(2)
تقدم تخريجه في 3/ 188، 189 من طريق آخر عن سعيد، وأخرجه النسائي في الكبرى (11689)، وابن الضريس في فضائل القرآن (118)، والحاكم 2/ 222، والبيهقي في الدلائل 7/ 131، وفي الأسماء والصفات (495) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 189 إلى الفريابي ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة.
(3)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"ذلك".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 386، والبيهقى في الشعب (3660) من طريق سفيان الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 370 إلى الفريابي وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
في م: "قال: ثنا وكيع".
(6)
ينظر تفسير القرطبي 20/ 130.
للحسن وأنا أسمعُ: أرأيتَ ليلة القدر في كلِّ رمضان هي؟ قال: نعم، واللَّهِ الذي لا إله إلا هو إنَّها لفى كلِّ رمضانٍ، وأنَّها لليلةُ القَدْرِ، {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4]. فيها يَقْضِى اللَّهُ كلَّ أجلٍ وعملٍ ورزقٍ إلى مثلِها
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عمرَ
(2)
، قال: ليلةُ القَدْرِ في كلِّ رمضانٍ
(3)
.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} يقولُ: وما أشْعَرك يا محمدٌ أيُّ شيءٍ ليلة القدر!.
{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} . اختلَف أهل التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: العملُ في ليلةِ القدرِ بما يُرْضِى اللَّهَ خيرٌ مِن خيرٌ من العملِ في غيرها ألفَ شهرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: بلَغنى عن مجاهدٍ: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} . قال: عملُها وصيامُها وقيامها خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ
(4)
.
قال: ثنا الحكم بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائى قولَه: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} . قال: عملٌ فيها خيرٌ مِن عمل ألفِ شهرٍ
(5)
.
(1)
تقدم تخريجه في 21/ 7، وأخرجه أيضًا ابن عبد البر في التمهيد 2/ 309 من طريق ربيعة به.
(2)
في ت 1: "عباس".
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 75 عن وكيع به.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 386 عن سفيان به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 464 عن سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 371 إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 464، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 370 إلى المصنف.
وقال آخرون: معنى ذلك أنَّ ليلةَ القدرِ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القدر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} : ليس فيها ليلةُ القدر
(1)
.
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن المُثنَّى بن الصبَّاح، عن مجاهدٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ رجلٌ يقومَ الليلَ حتى يصبحَ، ثم يجاهدُ العدوَّ بالنهارِ حتى يُمْسِىَ، ففعَل ذلك ألفَ شهرٍ، فأنزَل اللَّهِ هذه الآيةَ:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} . قيامُ تلك الليلةِ خيرٌ من عملِ ذلك الرجل
(2)
.
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني أبو الخطاب الجاروديُّ سهيلٌ، قال: ثنا سَلْمُ بن قتيبةَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن عيسى بن مازنٍ، قال: قلتُ للحسنِ بن عليٍّ رضي الله عنه: يا مُسوِّدَ وجوهِ المؤمنين، عمَدْتَ
(3)
إلى هذا الرجل فبايعْتَ له! يعنى معاويةَ بنَ أبي سفيانَ. فقال: إنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُرِى في منامه بني أميةً يَعْلُون منبرَه خليفةً خليفةً، فشقَّ ذلك عليه، فأنزَل اللَّهِ:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]. {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 386 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 370 إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 464 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 371 إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 463 - والواحدى في أسباب النزول ص 340 من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
في ص: "عهدت".
الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. يعنى مُلْكَ بني أميةَ. قال القاسمُ: فحسبنا مُلْكَ بني أميةَ، فإذا هو ألفُ شهرٍ
(1)
.
وأشبهُ الأقوال في ذلك بظاهرِ التنزيلِ قولُ مَن قال: عملٌ في ليلةِ القَدْرِ خَيرٌ مِن عملِ ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القَدْرِ. وأما الأقوالُ الأُخَرُ، فدعاوى معانٍ
(2)
باطلةِ، لا دلالةَ عليها من خبرٍ ولا عقلٍ، ولا هي موجودةٌ في التنزيلِ.
وقولُه: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} . اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تَنزِلُ الملائكة وجبريلُ معهم، وهو الروحُ، في ليلةِ القدرِ، {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}. يعنى: بأمرِ
(3)
ربِّهم؛ مِن كلِّ أمرٍ قضاه اللَّهُ في تلك السنةِ، من رزقٍ وأجلٍ وغيرِ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله:{مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} . قال: يُقْضَى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها
(4)
.
فعلى هذا القولُ منتهى الخبر وموضع الوقفِ {مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} .
وقال آخرون: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} : لا يلْقَون مؤمنًا ولا
(1)
أخرجه الترمذى (3350)، والطبراني (2754)، والحاكم 3/ 170، 171، والبيهقي في الدلائل 6/ 509، 510 من طريق القاسم بن الفضل به، وعند الترمذى: يوسف بن سعد، وفي بقية المصادر: يوسف بن مازن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 371 إلى ابن مردويه، وقال ابن كثير في تفسيره 8/ 463: منكر جدا.
(2)
في ص، ت 1:"معاني".
(3)
في م: "بإذن".
(4)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
مؤمنةً إلا سلَّموا عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثتُ عن يحيى بن زيادٍ الفرَّاءِ، قال: ثني أبو بكر بنُ عياشٍ، عن الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ:(مِنْ كُلِّ امْرِيءٍ سَلَامٌ)
(1)
.
وهذه القراءةُ من قرَأ بها وجَّه معنى (من كلِّ امرئٍ): مِن كُلِّ مَلَكٍ؛ كأن معناه عنده: تَنزِلُ الملائكة والروحُ فيها بإذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ مَلَكٍ تسليمٌ
(2)
على المؤمنين والمؤمناتِ. ولا أرى القراءةَ بها جائزةً؛ لإجماع الحجة من القرأةِ على خلافِها، وأنها خلافٌ لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحفٍ من مصاحفِ المسلمين في قوله:{أَمْرٍ} ياءٌ، وإذا قُرِئت:(مِنْ كُلِّ امرئٍ) لحقتها همزةٌ، تصيرُ في الخطِّ ياءً.
والصواب من القولِ في ذلك القولُ الأوَّلُ الذي ذكَرناه قبلُ، على ما تأوَّله قتادةُ.
وقولُه: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} : سلامٌ ليلةُ القدرِ مِن الشرِّ كلِّه؛ مِن أوَّلها إلى طلوعِ الفجرِ من ليلتها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: {سَلَامٌ
(1)
معاني القرآن للفراء 3/ 280، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 371 إلى المصنف، وهذه القراءة شاذة قرأ بها ابن عباسٍ وعكرمة والكلبي. المحتسب 2/ 368.
(2)
في م: "يسلم".
هِيَ}. قال: خيرٌ، {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ} . أي: هي خيرٌ كلها إلى مطلعِ الفجرِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهدٍ:{سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} . قال: مِن كلِّ أمرٍ سلامٌ.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ {سَلَامٌ هِيَ} . قال: ليس فيها شرٌّ
(2)
، هي خيرٌ كلُّها {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} .
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن عبدِ الرحمن بن أبي ليلى في قولِه:{مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ} . قال: لا يَحْدُثُ فيها أمرٌ.
وعُنى بقوله: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} : إلى مطلَعِ الفجرِ.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ، سوى يحيى بن وثَّابٍ والأعمشِ والكسائيِّ:{مَطْلَعِ الْفَجْرِ} بفتحِ اللَّامِ
(3)
، بمعنى: حتى طلوعِ الفجرِ. تقولُ العربُ: طلَعتِ الشمسُ طُلوعًا ومَطْلَعًا. وقرَأ ذلك يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ والكسائيُّ: (حَتَّى مَطْلِعِ الْفَجْرِ). بكسرِ اللَّامِ
(4)
، توجيهًا منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسمِ من المصدرِ، وهم يَنْوُون بذلك
(1)
تقدم تخريجه في ص 546.
(2)
في ص، م:"شيء".
(3)
هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة وأبى جعفر ويعقوب. النشر 2/ 301.
(4)
هي قراءة أبى رجاء والأعمش وابن وثاب وطلحة وابن محيصن والكسائي وخلف عن نفسه. الإتحاف ص 273، والبحر المحيط 8/ 497.
المصدرَ.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا فتح اللَّامِ
(1)
؛ لصحةِ معناه في العربية، وذلك أنَّ المطلع بالفتحِ هو الطُّلوعُ، والمطلِعَ بالكسرِ هو الموضعُ الذي يَطْلُعُ منه، ولا معنى للموضعِ الذي يَطلُعُ منه في هذا الموضع.
آخرُ تفسير سورةِ "القدرِ"
(1)
القراءتان كلتاهما صواب.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "لم يكن"
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
(4)}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفارُ من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ والمشركون من عبدةِ الأوثانِ، {مُنْفَكِّينَ}. يقولُ: منتهين، حتى يأتيَهم هذا القرآنُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{مُنْفَكِّينَ} . قال: لم يكونوا ليَنْتهوا حتى يتبيَّنَ لهم الحقُّ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{مُنْفَكِّينَ} . قال: منتهين عما هم فيه
(2)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 741، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 378 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 387 عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 378 إلى عبد =
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} . أي: هذا القرآنُ.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ} . قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم، ذلك المنفَكُّ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ أهلَ الكتابِ وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفةً محمدٍ في كتابهم حتى بُعِث، فلما بُعِث تفرَّقوا فيه.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين متفرقين في أمر محمدٍ، حتى تأتيهم البيِّنةُ - وهى إرسالُ اللَّهِ إيَّاه رسولا إلى خَلْقِه - رسولٌ مِن اللَّهِ.
وقولُه: {مُنْفَكِّينَ} . في هذا الموضعِ عندى مِن انفكاكِ الشيئين أحدِهما مِن الآخرِ، ولذلك صَلَحَ بغيرِ خبرٍ، ولو كان بمعنى "ما زال"، احتاج إلى خبرٍ يكونُ تمامًا له.
واستُؤنف قولُه: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ} . وهى نكرةٌ، على (البيِّنةِ) وهى معرفةٌ، كما قيل:{ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ} [البروج: 15]. فقال: حتى يأتيَهم بيانُ أمرِ محمدٍ أنه رسولُ اللَّهِ، ببَعثةِ اللَّهِ إيَّاه إليهم. ثم تَرْجَم عن البيِّنةِ، فقال: تلك البيِّنةُ {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} . يقولُ: يقرأُ صحفًا مطهَّرةً مِن الباطل.
{فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} . يقولُ: في الصحفِ المطهرةِ كتبٌ مِن اللهِ قيِّمةٌ عادلةٌ مستقيمةٌ، ليس فيها خطأٌ؛ لأنها مِن عند اللَّهِ.
وبنحوَ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
= ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} : يذكُرُ القرآنَ بأحسنِ الذكرِ، ويُثْنى عليه بأحسنِ الثناءِ
(1)
.
وقوله: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} . يقولُ: وما تفرَّق اليهودُ والنصارى في أمرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فكذَّبوا به، {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}. يعنى: من بعدِ ما جاءت هؤلاء اليهودَ والنصارى {الْبَيِّنَةُ} . يعنى: بيانُ أمرِ محمدٍ أنه رسولٌ بإرسالِ اللَّهِ إيَّاه إلى خَلْقِه. يقولُ: فلما بعَثه اللَّهُ تفرَّقوا فيه، فكذَّب به بعضُهم، وآمن بعضُهم، وقد كانوا قبلَ أنْ يُبْعَثَ غيرَ مُتفرِّقين فيه أنه نبيٌّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} .
يقول تعالى ذكره: وما أمَر اللَّهِ هؤلاء اليهودَ والنصارى الذين هم أهلُ الكتابِ، إلَّا أن يعبدوا اللَّهَ {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. يقولُ: مُفْرِدين له الطاعةَ، لا يَخْلِطون طاعتَهم ربَّهم بشركٍ. فأشرَكت اليهودُ بربِّها بقولهم: إنَّ عزيرًا ابنُ اللَّهِ. والنصارى بقولهم في المسيح مثلَ ذلك، وجحودهم نبوَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {حُنَفَاءَ} . وقد مضَى بيانُنا معنى "الحنيفيِّةِ" قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتها
(2)
، غير أنَّا نذكُرُ بعض ما لم نذكُرْ قبلُ مِن الأخبارِ في ذلك.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 476، وهو تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة، وليس هذا اللفظ في تفسير عبد الرزاق.
(2)
ينظر ما تقدم في 2/ 591 - 595.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدٍ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} . يقولُ: حُجَّاجًا مسلمين غيرَ مشركين، يقولُ:{وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} : ويَحُجُّوا، {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} : والحنيفيَّةُ: الختانُ، وتحريمُ الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ والعماتِ والخالاتِ، والمناسكُ
(1)
.
وقولُه: {وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} . يقولُ: وليقيموا الصلاةَ، وليؤتوا الزكاةَ.
وقولُه: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} . يعنى أنَّ هذا الذي ذُكِر أنه أمَر به هؤلاء الذين كفروا من أهلِ الكتابِ والمشركين، هو الدينُ القيِّمةُ. ويعنى بالقيِّمة المستقيمةَ العادلةَ. وأُضيف "الدينُ" إلى "القيِّمةِ"، والدينُ هو القَيِّمُ، وهو من نعته؛ لاختلافِ لفظَيْهما. وهى في قراءةِ عبدِ اللَّهِ
(2)
فيما ذُكر لنا: (وذلك الدينُ الْقَيِّمَةُ)
(3)
.
وأُنِّثت {الْقَيِّمَةِ} ؛ لأنها جُعلت صفةً للملَّةِ، كأنه قيل: وذلك الملَّةُ القيِّمةُ، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
(1)
تقدم تخريجه في ص 551، 552، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق
(2)
بعده في م: (فيما أرى).
(3)
هي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر معاني القرآن للفراء، 3/ 282، والبحر المحيط 8/ 499.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} : هو الدينُ الذي بعث اللَّهِ به رسولَه، وشرَع لنفسه، ورضِي به
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: {كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} ، {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}. قال: هو واحدٌ، قيِّمةٌ: مستقيمةٌ معتدلةٌ
(2)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين كفروا باللَّهِ ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم فجحَدوا نبوَّته، مِن اليهودِ والنصارى والمشركين، جميعهم {فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: ماكثين، لابثين فيها أبدًا لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء الذين كفروا من أهلِ الكتابِ والمشركين، هم شرُّ مَن بَرَأه اللَّهُ وخَلَقه. والعربُ لا تَهْمِزُ البريةَ، وبتركِ الهمزِ فيها قرَأَتْها قرأةُ الأمصارِ، غيرَ شيءٍ يُذكَرُ عن نافعِ بن أبي نعيمٍ، فإنه حكَى بعضُهم عنه أنه كان يَهمِزُها
(3)
، وذهَب بها إلى قولِ اللَّهِ:{مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22]. وأنها فعيلة من ذلك. وأما الذين لم يَهْمِزُوها، فإنَّ لتركهم الهمزَ في ذلك وجهين؛ أحدُهما: أنْ يكونوا تركوا الهمزَ فيها كما تركَوه من المَلَكِ، وهو "مَفْعَلٌ" من:
(1)
تقدم تخريجه في ص 551، 552، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 476
(3)
قراءة نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. النشر 1/ 316، 2/ 301.
أَلَك، أو لأك. ومن: يَرى، وتَرى، ونَرى. وهو "يفعلُ" مِن: رأيتُ. والآخرُ: أَنْ يكونوا وجَّهوها إلى أنها "فعيلةٌ" مِن البَرَى
(1)
وهو الترابُ. حُكى عن العربِ سماعًا: بفيك
(2)
البَرَى. يعني به الترابَ.
وقولُه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} . يقولُ تعالى ذكره: إنَّ الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه محمدٍ، وعبدوا اللَّهَ مخلصين له الدينَ حنفاءَ، وأقاموا الصلاةَ، وآتوُا الزكاةَ، وأطاعوا اللَّهَ فيما أمَر ونهى، {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}. يقولُ: مَن فعَل ذلك من الناس فهم خيرُ البريةِ.
وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ فرقدٍ، عن أبي الجارودِ، عن محمدِ بن عليٍّ:{أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} . فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أنت يا عليُّ وشيعتُك"
(3)
.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)} .
يقولُ تعالى ذكره: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ عندَ ربِّهم يومَ القيامةِ، {جَنَّاتُ عَدْنٍ}. يعنى: بساتينُ إقامةٍ لا ظعنَ فيها، تجرى من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}. [يقولُ: ماكثين فيها أبدًا]
(4)
، لا يخرجون عنها، ولا يموتون فيها، {رضي الله عنهم} بما أطاعوه في الدنيا وعمِلوا لخلاصِهم
(1)
في ت 1: "البراء".
(2)
في معاني القرآن للفراء 3/ 282: "بفيه". وهو دعاء على الإنسان، تقول: بفيه البرى، وحمّى خيبرا، وشرٌّ ما يُرى، فإنه خيسرى. اللسان (ب رى).
(3)
أخرجه ابن عدى في الكامل 1/ 174، وابن عساكر في تاريخ دمشق 42/ 371 من حديث أبي سعيد الخدرى مرفوعًا بلفظ:"على خير البرية". قال ابن حجر في لسان الميزان 1/ 175: وهذا كذب.
(4)
سقط من: ت 1.
مِن عقابِه في ذلك، {وَرَضُوا عَنْهُ} لما
(1)
أعطاهم مِن الثوابِ يومئذٍ على طاعتِهم ربَّهم في الدنيا، وجزاهم عليها مِن الكرامةِ.
وقولُه: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} . يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الخيرُ الذي وصفْتُه ووعدْتُه الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ يومَ القيامةِ، {لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. يقولُ: لمن خاف اللَّهِ في الدنيا في سرِّه وعلانيتِه، فاتقاه بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصيه.
آخر تفسيرِ سورةِ "لم يكن"
(1)
في م: "بما".
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورةِ "إذا زلزلت"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى جل جلاله وتقدَّسَت أسماؤُه: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} .
يقولُ تعالى ذكرُه: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} لقيام الساعةِ، {زِلْزَالَهَا} فرُجَّت رجًّا.
والزَّلزالُ مصدرٌ إذا كُسِرت الزايُ، وإذا فُتِحت كان اسمًا، وأُضِيف الزلزالُ إلى الأرضِ وهو صفتُها، كما يقالُ: لأُكرمَنَّك كرامتَك. بمعنى: لأُكرمنَّك كرامةً. وحَسُن ذلك في {زِلْزَالَهَا} ، لموافقتها سائرَ
(1)
رءوسِ الآياتِ التي بعدَها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: زُلْزِلَتِ الأرضُ على عهدِ عبدِ اللَّهِ، فقال لها عبدُ اللَّهِ: مالك؟ أمَا إنها لو تكلَّمت قامتِ الساعةُ.
وقولُه: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} . يقولُ: وأخرجتِ الأرضُ ما في بطنِها مِن الموتى أحياءً، والميتُ في بطنِ الأرضِ ثِقْلٌ لها، وهو فوقَ ظهرِها حيًّا ثِقلٌ عليها.
(1)
سقط من: م، ت 1.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} . قال: الموتى
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} . قال: يعنى الموتى.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا
(2)
عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} : مَن في القبورِ
(3)
.
وقولُه: {وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا} . يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الناسُ إذا زُلزلتِ الأرضُ لقيام الساعة: ما لِلأرضِ
(4)
وما قصَّتُها؟ {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} .
كان ابنُ عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنى ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا} . قال: الكافرُ، {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}. يقولُ: يومَئِذٍ تحدثُ الأرضُ أخبارها (1)
(1)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 380 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
كذا في النسخ، والصواب بدونها.
(3)
تفسير مجاهد ص 742، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 380 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
في ص، ت 3:"الأرض".
وتحديثُها أخبارها على القولِ الذي ذكرناه عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، أنْ تتكلَّمَ فتقول: إنَّ اللَّهَ أَمَرنى بهذا، وأوحى إليَّ به، وأَذِن لي فيه.
وأما سعيدُ بن جبيرٍ، فإنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الملك، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جبيرٍ يقرأُ
(1)
في المغربِ مرَّةً: (يَوْمَئِذٍ تُنْبِيُّ أخبارها). ومرَّةً: {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}
(2)
.
فكأنَّ معنى {تُحَدِّثُ} كان عندَ سعيدٍ: تُنْبِئُ
(3)
. وتنبيئُها أخبارَها إخراجُها أثقالَها مِن بطنِها إلى ظهرِها. وهذا قولٌ عندى صحيحُ المعنى. وتأويلُ الكلامِ على هذا المعنى: يومَئِذٍ تُبيِّنُ الأرضُ أخبارَها بالزلزلة والرَّجَّةِ، وإخراجِ الموتى مِن بطونها إلى ظهورِها، بوحيِ اللَّهِ إليها وإذنِه لها بذلك. وذلك معنى قولِه:{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} .
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} : يقولُ
(4)
(1)
في ت 2، ت 3:"يقولُ".
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 358 عن وكيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 380، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى في المصاحف. وقراءة (تنبئ) شاذة. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 177.
(3)
في ت 1، ت 2، ت 3:"تبين".
(4)
في م: "بأن".
قال: أمَرها فألقَتْ ما فيها وتخلَّت.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} . قال: أَمَرها
(1)
.
وقد ذكر عن عبد اللَّهِ أنه كان يقرأُ ذلك: (يَوْمَئِذٍ تُنَبَّئُ
(2)
أخبارها)
(3)
.
وقيل: معنى ذلك أنَّ الأرضَ تحدِّثُ أخبارها مِن كان على ظهرها مِن أهلِ الطاعةِ والمعاصى، وما عمِلوا عليها مِن خيرِ أو شرٍّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان:{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} . قال: ما عُمِل عليها مِن خيرٍ أو شرٍّ، {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}. قال: أعلَمها ذلك.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} . قال: ما كان فيها وعلى ظهرِها مِن أعمال العبادِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه:{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} . قال: تخبرُ الناس بما عمِلوا عليها (1).
وقيل: عُنِى بقوله: {أَوْحَى لَهَا} : أوحَى إليها.
(1)
تقدم تخريجه في ص 559.
(2)
في ت 2، ت 3:"تبين".
(3)
ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 284.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{أَوْحَى لَهَا} . قال: أوحى إليها
(1)
.
وقولُه: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} . قيل: إنَّ معنى هذه الكلمةِ التأخيرُ بعدَ: {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} . قالوا: ووجْهُ الكلامِ: يومئذِ تحدِّثُ أخبارَها بأنَّ ربَّك أوحَى لها، ليُرَوا أعمالَهم، يومَئذٍ يصدُرُ الناسُ أشتاتًا. قالوا: ولكنه اعترض بين ذلك بهذه الكلمة.
ومعنى قولِه: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} : يومَئِذٍ يصدُرُ الناسُ عن موقف الحسابِ فرقًا متفرِّقين؛ فأخذٌ ذاتَ اليمينِ إلى الجنةِ، وآخذٌ ذات الشمالِ إلى النارِ.
وقولُه: {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} . يقولُ: يومئذٍ يصدُرُ الناسُ أشتاتًا متفرِّقين، عن اليمين وعن الشمالِ، ليُرَوا أعمالَهم، فيَرى المحسنُ في الدنيا المطيعُ للهِ عملَه وما أعدَّ اللهُ له يومَئذٍ مِن الكرامةِ، على طاعته إيَّاه كانت في الدنيا، ويرى المسيءُ العاصى للهِ عملَه، وجزاء عمله، وما أعدَّ اللَّهُ له مِن الهوانِ والخزيِ في جهنمَ، على معصيته إيَّاه كانت في الدنيا، وكفره به.
وقولُه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} . يقولُ: فمن عمِل في الدنيا وزنَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ، يَرَ ثوابه هنالك، {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. يقولُ تعالى: ومَن كان عمل في الدنيا وزنَ ذرَّةٍ شَرًا، يَرَ جزاءَه هنالك.
وقيل: {وَمَنْ يَعْمَلْ} . والخبرُ عنها في الآخرةِ، لفهمِ السامعِ
(1)
تقدم تخريجه في ص 559.
معنى ذلك؛ لما قد تقدَّم مِن الدليل قبلُ على أنَّ معناه: فمن عمل. وذلك دلالةُ قولِه: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} على ذلك، ولكن لما كان مفهومًا معنى الكلامِ عندَ السامعين، وكان في قولِه:{يَعْمَلْ} حثٌ لأهل الدنيا على العمل بطاعةِ اللَّهِ، والزجرِ عن معاصيه، مع الذي ذكرتُ مِن دلالةِ الكلام قبلَ ذلك، على أنَّ ذلك مرادٌ به الخبر عن ماضي فعلِه، وما لهم على ذلك - أُخرج
(1)
الخبرُ على وجْهِ الخبرِ عن مستقبلِ الفعلِ.
وبنحوِ الذي قلنا مِن أنَّ جميعهم يَرَوْن أعمالهم، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} . قال: ليس مؤمنٌ ولا كافرٌ عمِل خيرًا ولا شرًّا في الدنيا، إلا آتاه اللهُ إيَّاه؛ فأما المؤمنُ فيُريه حسناته وسيئاتِه فيغفرُ اللَّهُ له سيئاتِه، وأما الكافرُ فيَرُدُّ حسناتِه ويعذِّبُه بسيئاتِه
(2)
.
وقيل في ذلك غيرُ هذا القولِ؛ فقال بعضُهم: أما المؤمنُ فيُعجِّلُ له عقوبةَ سيئاتِه في الدنيا ويؤخِّرُ له ثوابَ حسناتِه، والكافرُ يعجِّلُ له ثوابَ حسناته ويؤخِّرُ له عقوبةَ سيئاتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بن عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بن بشرٌ، قال:
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"إخراج".
(2)
أخرجه البيهقى في البعث (59) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 381 إلى ابن المنذر.
حدَّثنيه محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن قتادةَ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ وهو يفسِّرُ هذه الآيةَ: {فَمَنْ
(1)
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}. قال: مَن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ مِن كافرٍ، يَرَ ثوابه في الدنيا في نفسه وأهلِه ومالَه وولدِه، حتى يخرُجَ مِن الدنيا وليس له عندَه خيرٌ، {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} مِن مؤمنٍ، يَرَ عقوبتَه في الدنيا في نفسِه وأهله ومالِه وولدِه، حتى يخرُجَ مِن الدنيا وليس له عندَه شيءٌ
(2)
.
حدَّثني محمودُ
(3)
بنُ خِداشٍ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدُ الواسطيُّ، قال: ثنا محمد بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن دينارٍ، قال: سألتُ محمدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ عن هذه الآية: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . قال: مَن يعمل مثقالَ ذَرَّةٍ مِن خيرٍ مِن كافرٍ، يَرَ ثوابها في نفسِه وأهلِه ومالِه، حتى يخرُجَ
(4)
وليس له خيرٌ، ومَن يعملْ مثقالَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ مِن مُؤمِنٍ، يَرَ عقوبتَها في نفسِه وأهلِه ومالِه
(5)
، حتى يخرُجَ وليس له شرٌّ.
حدَّثني أبو الخطابِ الحسانيُّ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سماكُ بنُ عطيةَ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ، قال: كان أبو بكرٍ رضي الله عنه يأكلُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآيةُ:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . فرفع أبو بكرٍ يدَه،
(6)
وقال: يا رسول
(1)
في ص، ت 1، ت 2 ت 3:"من".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 388 عن معمر، عن عمرو بن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 381 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
في ت 2، ت 3:"محمد". وينظر الجرح والتعديل 8/ 291.
(4)
بعده في م: "من الدنيا".
(5)
بعده في ت 2، ت 3:(وولده).
(6)
بعده في م: (من الطعام).
اللَّهِ، إني أُجزَى بما عملتُ مِن مثقال ذرَّةٍ مِن شرٍّ؟ فقال: "يا أبا بكرٍ، ما رأيتَ في الدنيا مما تكْرهُ فبمثاقيلِ
(1)
ذرٍّ الشرٍّ، ويَدَّخِرُ اللَّهِ لك مثاقيلَ الخير حتى تُوفَّاه يومَ القيامة"
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، [قال: ثنا عبدُ الوهابِ]
(3)
، قال: ثنا أيوبُ، قال: وجَدنا في كتاب أبي قِلابةَ، عن أبى إدريسَ، أنَّ أبا بكرٍ كان يأكلُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأُنزلت هذه الآيةُ:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . قال: فرفَع أبو بكرٍ يده مِن الطعامِ، وقال: إني لراءٍ ما عمِلتَ. قال: لا أعلمُه إلا قال: ما عمِلتُ
(4)
مِن خيرٍ وشرٍّ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ ما تَرى مما تكْرَهُ فهو مثاقيلُ ذَرٍّ شرٍّ كثيرٍ، ويَدَّخِرُ اللَّهُ لك مثاقيلَ ذرِّ الخيرِ حتى تُعْطاه يومَ القيامةِ". وتصديقُ ذلك في كتابِ اللَّهِ:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}
(5)
[الشورى: 30].
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليه، قال: ثنا أيوبُ، قال: قرأتُ في كتاب أبي قلابةَ، قال نزلت:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . وأبو بكرٍ يأكلُ
(6)
، فأمسَك وقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنى
(1)
في م، ت 2، ت 3:"فمثاقيل".
(2)
ذكرُه ابنُ كثير في تفسيره 8/ 484 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير - والطبراني في الأوسط (8407) مِن طريق أبي الخطاب زياد بن يحيى به، وأخرجه البيهقي في الشعب (9808) مِن طريق الهيثم بن الربيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 380 إلى ابن المنذر وابن مردويه والحاكم في تاريخه، وتقدم تخريجه 20/ 513.
(3)
سقط من: م.
(4)
في ت 2: "علمت".
(5)
ذكرُه ابن كثير في تفسيره 8/ 484 عن المصنف، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 381 إلى ابن مردويه.
(6)
بعده في م: "مع النبي صلى الله عليه وسلم ".
لراءٍ ما عمِلتُ مِن خيرٍ أو
(1)
شرٍّ؟ فقال: (أرأيتَ ما رأيتَ مما تكْرَهُ، فهو مِن مثاقيل ذرِّ الشرِّ، ويُدَّخَرُ مثاقيلُ ذرِّ الخير، حتى تُعْطَوه يومَ القيامةِ". قال أبو إدريس: فأرَى مصداقَها في كتابِ اللَّهِ، قال:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}
(2)
.
حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن عبدَ اللَّهِ بنَ جُدْعانَ كان يصلُ الرحم، ويفعلُ ويفعل، هل ذاك نافعه؟ قال:"لا، إنه لم يقُلْ يومًا: رَبِّ اغْفِرْ لى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".
حدَّثنا ابنُ وكيعٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ابنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يصلُ الرحمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهل ذاك نافعُه؟ قال:"لا يَنْفَعُه، إنه لم يقُلْ يومًا: رَبِّ اغْفِرْ لى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ"
(3)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عامر الشعبيِّ، أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إن عبد اللَّهِ بن جُدْعان كان يصلُ الرحمَ، ويَقْرِى الضيفَ، ويَفُكُّ العانىَ، فهل ذلك نافعه شيئًا؟ قال:"لا، إنَّه لم يقُلْ يوما: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داود، عن عامرٍ، عن
(4)
علقمةَ،
(1)
في م، ت 1:"و".
(2)
ذكرُه ابنُ كثير في تفسيره 8/ 484 عن المصنف، وتقدم في 20/ 513.
(3)
أخرجه أحمد 6/ 93 (الميمنية)، ومسلم (214)، وابن حبان (331) من طريق حفص بن غياث به.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بن".
أن سلمةَ بن يزيدَ الجُعْفِيَّ، قال: يا رسولَ اللَّهِ، إن أُمَّنا هَلكتْ في الجاهلية؛ كانت تصلُ الرحمَ، وتَقْرِى الضيفَ، وتفعلُ وتفعلُ، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال:"لا"
(1)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ بن قيسٍ، عن سلمةَ بن يزيدُ الجُعْفيِّ، قال: ذهَبْتُ أنا وأخى إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّنا كانت في الجاهليةِ تَقْرِى الضيفَ، وتصلُ الرحمَ، هل ينفعُها عملُها ذلك شيئا؟ قال:"لا".
(2)
.
حدَّثني محمدُ بن إبراهيمَ بن صُدْرانَ وابنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن سلمةَ بن يزيدَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [عمرو بن]
(3)
قتادةَ، عن محمدِ بن كعبٍ أنه قال: أما المؤمنُ فيرى حسناته في الآخرة، وأما الكافرُ فيرى حسناتِه في الدنيا
(4)
.
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا أبو نَعامةَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ بُشيرٍ الضبيُّ - جدُّه سلمانُ
(5)
بنُ عامرٍ - أن سلمان
(5)
- بنَ عامرٍ جاء رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنَّ أبى كان يصلُ الرَّحِمَ، ويَفِى بالذمَّةِ، ويُكرم الضيفَ.
(1)
أخرجه أحمد 25/ 268 (15923) عن ابن أبي عدى به.
(2)
أخرجه النسائي في الكبرى (11649) عن ابن المثنى به، وأخرجه الطبراني (6319) من طريق الحجاج به، وأخرجه البخارى في تاريخه 4/ 72 من طريق معتمر به، وأخرجه ابنُ أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2474) مِن طريق داود به.
(3)
سقط من النسخ، والمثبت مِن تفسير عبد الرزاق، وتقدم في ص 564.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 388 عن معمر به.
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"سليمان"، وينظر تهذيب الكمال 18/ 115.
قال: "مات قبل الإسلام؟ ". قال: نعم. قال: "لن يَنْفَعَه ذلك". فولَّى، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"عليَّ بالشيخِ". فجاء فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنها لن تَنْفَعَه، ولكنَّها تكونُ في عَقِبِه، فلن يخْزَوْا أبدًا، ولن يَذلُّوا أبدًا، ولن يَفْتَقِرُوا أبدًا"
(1)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى وابن بشارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اللَّهِ قال: (إِنَّ الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حسنةً، يُثاب عليها الرزْقَ في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرة، وأما الكافرُ فيُعْطِيه بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامةِ لم يكن له حسنةٌ"
(2)
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ليثٌ، قال: ثنى المعلَّى، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما أَحْسَن مِن محسنٍ مؤمنٍ أو كافرٍ إلا وقع ثوابُه على اللَّهِ في عاجلِ دنياه أو آجلِ آخرتِه"
(3)
.
حدَّثني يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى [حُيَيُّ
(4)
ابنُ عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ]
(5)
الرحمنِ الحُبُليِّ
(6)
، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو بن العاصِ أنه قال: أُنزِلت
(7)
: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} . وأبو بكرٍ الصدِّيقُ قاعدٌ، فبكى حينَ أُنزِلت، فقال له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ما يُبْكيك يا أبا بكرٍ؟ ". قال: يُبْكِيني هذه السورةُ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لولا أنَّكم تُخْطِئونَ وتُذنبون فيَغْفِرُ اللَّهِ لكم، لخلق
(1)
أخرجه الطبراني في الكبير (6213) من طريق أبي عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 382 إلى المصنف.
(2)
أخرجه الطيالسي (2123) عن عمران به، وتقدم تخريجه في 7/ 30.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (5200) من طريق ليث به، وينظر ما تقدم في 12/ 349.
(4)
في م: "يحيى". ينظر تهذيب الكمال 7/ 488.
(5)
في ت 2: "ابنُ عبد اللَّهِ".
(6)
في ت 1 ت 2: "الجيلى"، وفى ت:2 "الجبلى".
(7)
سقط من: ص، ت 2، ت 3.
اللَّهِ أُمَّةً يُخطئون ويُذنبون فيَغْفِرُ لهم"
(1)
.
فهذه الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تُنْبِئ عن أن المؤمنَ إنما يَرَى عقوبةَ سيئاتِه في الدنيا وثوابَ حسناتِه في الآخرةِ، وأنَّ الكافرَ يَرَى ثوابَ حسناتِه في الدنيا وعقوبةَ سيئاتِه في الآخرةِ، وأنَّ الكافرَ لا ينفعُه في الآخرةِ ما سلَف له مِن إحسانٍ في الدنيا مع كُفْرِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: أدركتُ سبعينَ مِن أصحابِ عبد اللَّهِ، أصغرُهم الحارثُ بنُ سُوَيْدٍ، فسمعتُه يقرأُ:{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} حتى بلَغ إلى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} . قال: إنَّ هذا إحصاءٌ شديدٌ
(2)
.
وقيل: إن الدَّرَّةَ دُودةٌ حمراءُ ليس لها وزنٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني إسحاق بن وهبٍ العلَّافُ ومحمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ. قال: ثنا شبيبٍ بن بشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه:{مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} . قال ابنُ سنانٍ في حديثهِ: مثقالَ ذَرَّةٍ حمراءَ. وقال ابنُ وهبٍ في حديثه: نملةٍ حمراءَ. قال إسحاقُ، قال يزيدُ بن هارونَ: وزعَموا أن هذه الدودةَ الحمراءَ ليس لها وزنٌ
(3)
.
آخر تفسيرِ سورةِ "الزلزلةِ"
(1)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (75)، والطبراني (87) - قطعة مِن الجزء 13 - والبيهقي في الشعب (7103) مِن طرق عن ابن وهب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 380 إلى ابن مردويه.
(2)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 4/ 127 مِن طريق أبى كريب، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 11، وابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (89)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 127 من طريق الأعمش به.
(3)
تقدم تخريجه في 7/ 29، 30.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "والعاديات"
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤُه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)} .
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالعادياتِ ضَبْحًا الخيلُ التي تعدو، وهي تُحمْحِمُ
(1)
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدٍ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: الخيلُ. وزعم غيرُ ابن عباسٍ أنها الإبلُ
(2)
.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
في ت 2: "تجمع".
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 487.
في قول اللَّهِ: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال ابنُ عباسٍ: هو في القتالِ
(1)
.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: هي الخيلُ
(2)
.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قولِه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: ألم تَرَ إلى الفَرَسِ إذا جرَى كيف يَضْبَحُ.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: ليس شيءٌ مِن الدوابِّ يَضْبَحُ غيرَ الكلبِ والفرسِ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: الخَيلُ تَضْبَحُ
(4)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: هي الخيلُ، عَدَتْ حتى ضَبَحتْ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: هي الخيلُ تَعْدو حتى تَضْبَحَ
(5)
.
(1)
أخرجه الحاكم 2/ 533 من طريق آخر عن مجاهد به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير القرطبي 20/ 156.
(2)
ينظر تفسير البغوي 8/ 508.
(3)
ينظر تفسير ابنُ كثير 8/ 408.
(4)
تفسير مجاهد ص 743، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى الفريابي وعبد بن حميد.
(5)
أخرج جه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 390 عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَ حديثِ بشرٌ، عن يزيدُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سعيدٌ
(1)
، قال: سمعتُ سالمًا يقرأُ: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: هي الخيلُ عَدَتْ
(2)
ضَبْحًا.
قال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ عن عطاءٍ: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: الخيلُ
(3)
.
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ بن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: ما ضبَحَتْ دابةٌ قطُّ إلا كلبٌ أو فرسٌ
(4)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: هي الخيلُ.
حدَّثني سعيدٌ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الخيلُ. [يعنى قولِه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}. قال: قال ابنُ عباسٍ: هي الخيلُ]
(5)
.
وقال آخرون: هي الإبلُ.
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أبو سعيد".
(2)
في ص، ت 1:"أعادت"، وفى ت 2، ت 3:"أغارت".
(3)
ينظر تفسير البغوي 8/ 507.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 390 عن ابن عيينة به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
سقط من: م.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: هي الإبلُ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرمليُّ، قال: ثني عمي يحيى بنُ عيسى الرمليُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ [مثله.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ]
(2)
: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: هي الإبلُ، إذا ضبَحَتْ تنفَّسَت.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، حدَّثه، قال: بينما أنا في الحِجْرِ جالسٌ، أتاني رجلٌ يسألُ عن:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . فقلتُ له: الخيلُ حينَ تُغِيرُ في سبيل اللَّهِ، ثم تأْوِى إلى الليلِ، فيصنعون طعامَهم، ويورون نارَهم، فانفتَل عنى، فذهَب إلى عليّ بن أبى طالبٍ رضي الله عنه وهو تحتَ سِقاية زمزمَ، فسأله عن:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . فقال: سألتَ عنها أحدًا قبلى؟ قال: نعم، سألتُ عنها ابنُ عباسٍ، فقال: الخيلُ حينَ تُغِيرُ في سبيل اللَّهِ. قال: اذْهَبْ فَادْعُه لى. فلما وقفتُ على رأسِه قال: تُفْتِى الناسَ بما لا علمَ لك به، والله لكانت أوَّلَ غزوةٍ في
(1)
أخرجه ابنُ أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 486 - من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 383 إلى ابن المنذر.
(2)
سقط من: ت 1.
الإسلامِ لبدرٌ، وما كان معنا إلا فرسان؛ فَرَسٌ للزبيرِ، وفَرَسٌ للمقدادِ، فكيف تكونُ العادياتُ ضَبْحًا، إنما العادياتُ ضَبْحًا مِن عرفةَ إلى مزدلفةَ إلى منًى. قال ابنُ عباسٍ: فنَزَعْتُ عن قولِى ورَجعْتُ إلى الذي قال عليٌّ رضي الله عنه
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: الإِبلِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللَّهِ:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: قال ابنُ مسعودٍ: هو في الحجِّ
(3)
.
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو بن دينارٍ، عن عبيدِ بنُ عميرٍ، قال: هي الإبل، يعني:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن إبراهيمَ:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . قال: قال ابنُ مسعودٍ: هي الإبلُ.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصواب قولُ مِن قال: عُنِى بالعادياتِ الخيلُ. وذلك أن الإبلَ لا تَضْبَحُ، وإنما تَضْبَحُ الخيلُ، وقد أخبَر اللَّهُ تعالى أنها تعدو ضَبْحًا،
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 486 - والثعلبي في تفسيره، وابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج الزيلعي 4/ 267 - عن يونس به، وأخرجه الحاكم 2/ 105 من طريق ابن وهب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 383 إلى ابن الأنباري في المصاحف.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 487.
(3)
تفسير مجاهد ص 743، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى المصنف.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسير 2/ 390، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
والضَّبْحُ هو ما قد ذكَرْتُ قبلُ.
وبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: الضبحُ مِن الخيلِ الحَمْحَمةُ، ومن الإبلِ النَّفَسُ
(1)
.
قال: ثنا سفيانُ، عن ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: سمعتُ ابنُ عباسٍ يَصِفُ الصُّبْحَ: أَحْ أحْ
(2)
.
وقولُه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} . اختلف أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هي الخيلُ تُورِى النار بحوافرِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةً، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةَ عن قولِه: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . قال: أَوْرَتْ وقَدَحَتْ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . قال: هي الخيلُ. وقال الكَلْبيُّ: تَقْدَحُ بحوافرِها حتى يخرُجَ منها النارُ
(4)
.
(1)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى المصنف.
(2)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى المصنف وابن المنذر.
(3)
ينظر تفسير البغوي 8/ 508، وتفسير القرطبي 20/ 156.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 390، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى عبد بن حميد.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ، عن عطاءٍ:{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . قال: أَوْرَتِ النارَ بحوافرِها
(1)
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} : تُورِى الحجارةَ بحوافرِها
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّ الخيلَ هِجْنَ الحربَ بين أصحابِهنَّ ورُكْبانهنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} .
قال: هِجْنَ الحرب بينهم وبين عدوِّهم
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . قال: هِجْنَ الحربَ بينَهم وبينَ عدوِّهم.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك الذين يُورون النارَ بعدَ انصرافهم مِن الحربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: سألني عليٌّ رضي الله عنه، عن:{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . فقلتُ له: الخيلُ حينَ
(3)
تُغِيرُ في
(1)
ينظر تفسير البغوي 8/ 508، وتفسير القرطبي 20/ 156.
(2)
ينظر تفسير البغوي 8/ 508، وتفسير ابن كثير 8/ 487.
(3)
سقط من: م.
سبيلِ اللَّهِ، ثم تأْوِى إلى الليلِ، فيصنعون
(1)
طعامَهم ويُورون نارَهم
(2)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مكرُ الرجال.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} قَدْعا. قال: المكرُ
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . قال: مكرُ الرجالِ
(4)
.
وقال آخرون: هي الألسنةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ. عن سماكِ بن حربٍ، عن عكرمةَ، قال: يُقالُ في هذه الآية: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . قال: هي الألسنةُ
(5)
.
(1)
في ص، ت 1:"فيمتعون"، وفى ت 2، ت 2:"فيمنعون".
(2)
تقدم تخريجه ص 574.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 390 من طريق عطاء عن ابن عباسٍ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي عاصم.
(4)
تفسير مجاهد ص 743، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى الفريابي وعبد بن حميد.
(5)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 396 بلفظ: "الأسنة"، والقرطبي في تفسيره 20/ 157 بلفظ:"هي ألسنة الرجال تورى النار مِن عظيم ما تتكلم به".
وقال آخرون: هي الإبلُ حيَن تسيرُ
(1)
تَنْسِفُ بمناسمِها
(2)
الحَصَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد اللَّهِ:{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} . قال: إذا نسفتِ الحَصَى بمناسبها، فضرب الحَصَى بعضُه بعضًا، فتخرُجُ منه النارُ
(3)
.
وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللَّهِ تعالى ذكرُه أقسَم بالمورياتِ التي تُورى النيرانَ قدحًا، فالخيلُ تُورِى بحوافرِها، والناسُ يُورونها بالزَّندِ، واللسانُ مثلًا يُورى بالمنطقِ، والرجالُ يُورون بالمكرِ مثلًا، وكذلك الخيلُ تُهيِّجُ الحربَ بينَ أهلِها إذا التقَتْ في الحربِ، ولم يضعِ اللَّهِ دلالةً على أنَّ المراد مِن ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فكلُّ ما أَوْرَت النارَ قدْحًا، فداخلةٌ فيما أقسَم به؛ لعمومِ ذلك بالظاهرِ.
وقولُه: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} . اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فالمغيراتِ صُبْحًا على عدوِّها علانيةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: سألني رجلٌ عن {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} ، فقال: الخيلُ تُغِيرُ في سبيلِ اللَّهِ
(4)
.
(1)
سقط من: ص، وفى ت:1 "يبز"، وفى ت 2 ت:"تثير".
(2)
المَنسِمُ، بكسر السين: طرف خف البعير، وقيل: هو للناقة كالظفر للإنسان. اللسان (ن س م).
(3)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى المصنف.
(4)
تقدم تخريجه في ص 574.
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، قال: سألتُ عكرمة عن قولِه: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} . قال: أغارَتْ على العدوِّ صُبْحًا
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} . قال: الخيلُ
(2)
.
[حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ]
(3)
: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} . قال: هي الخيلُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} . قال: أغار القومُ بعدما أصبحوا، على عدوِّهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} . قال: أغارت حينَ أصبَحَتْ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا، مِهْرانُ، عن سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} قال: أغار القوم حين أصبحوا.
وقال آخرون: عُنى بذلك الإبلُ حينَ تَدْفَعُ بُرُكْبانِها
(5)
مِن جَمْعِ يومَ النحرِ إلى مِنًى.
(1)
تقدم تخريجه في ص 571.
(2)
تفسير مجاهد ص 743، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى الفريابي وعبد بن حميد.
(3)
في م: "حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 390 عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 384 إلى عبد بن حميد.
(5)
في ت 2، ت 3:"بركابها".
ذكر من قال ذلك
• حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد الله:{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (2)} : حين يُفيضُون مِن جمعٍ
(1)
.
وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ الله جلَّ ثناؤه أقسَم بالمغيراتِ صُبْحًا، ولم يَخْصُصْ من ذلك مُغِيرةً دونَ مُغيرةٍ، فكلُّ مُغيرةٍ صُبْحًا، فادخلةٌ فيما أقسَم به، وقد كان زيدُ بن أسلمَ يذكُرُ تفسيرَ هذه الأحرفِ ويأباها، ويقولُ: إنما هو قسمٌ أقسَم اللهُ به.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2)} . قال: هذا قسمٌ أقسَم اللهُ به. وفي قولِه: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5)} . قال: كلُّ هذا قسمٌ. قال: ولم يكنْ أبى ينظُرُ فيه إذا سُئل عنه، ولا يذكُرُه
(2)
، يريدُ به القسمَ.
وقوله: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} . يقول تعالى ذكره: فرفَعْن بالوادى غُبارًا. والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويقالُ: إنه الترابُ. والهاء في قوله {بِهِ} كنايةُ اسمِ الموضع، وكُنِّى عنه، ولم يَجْرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه معلومٌ أن الغبارَ لا يُثارُ إلا من موضعٍ، فاستغنى
(3)
بفهمِ السامعين بمعناه مِن ذكرِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى المصنف.
(2)
في ت 2، ت 3:"يسأله".
(3)
في ت 2، ت 3:"فاستوى".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} . قال: الخيلُ
(1)
.
• حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن واصلٍ، عن عطاء وابن زيدٍ، قال: النَّقْعُ: الغُبارُ.
• حدثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ:{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} . قال: هي أثارت الغبارَ. يعنى الخيلَ.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قولِه: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} . قال: أثارت الترابَ بحوافرِها.
• حدَّثنا ابن حميد قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيد، عن قتادة:{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} . قال: أثَرْن بحوافرها نقعَ الترابِ.
• حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة مثلَه.
• حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ:{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} . قال: أثَرْن به غبارًا
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن أبى معاوية البجليِّ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال لي عليٌّ: إنما
(1)
تفسير مجاهد ص 743.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 390 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى عبد بن حميد.
العادياتُ ضَبْحًا من عرفةَ إلى المزدلفةِ، ومن المزدلفة إلى مِنًى، {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)}: الأرضُ حين تطؤُها بأخفافِها وحوافرِها
(1)
.
• حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ:{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} . قال: إذا سِرْن يُثِرْن الترابَ
(2)
.
وقوله: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5)} . يقول تعالى ذكرُه: فوسَطن برُكْبائِهِنَّ جمعَ القومِ، يقالُ: وسَطْتُ القومَ. بالتخفيف، و: وَسَّطتُه. بالتشديد، و: توسَّطْتُه. بمعنًى واحدٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن قوله: {فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . قال: جمع الكفار
(3)
.
حدثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . قال جمعَ القومِ.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . قال: هو جمعُ القومِ
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في ص 574.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى المصنف.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 487.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 390 من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 487 عن العوفي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن واصلٍ، عن عطاءٍ:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . قال: جمعَ العدوِّ
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . قال
(2)
: جمع هؤلاءِ وهؤلاء
(3)
.
• حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} : فوسَطن به
(4)
جمعَ القومِ.
• حدثنا ابن حميدٍ قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} : فوسَطن بالقوم جمع العدوِّ.
• حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . قال: وسَطْن جمعَ القومِ
(5)
.
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . الجمعُ: الكتيبةُ.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: {فَوسَطْنَ بِهِ} مزدلفةَ.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 487.
(2)
في ص: "قال الحسن".
(3)
تفسير مجاهد ص 743.
(4)
سقط من: م.
(5)
تفسير عبد الرزاق 2/ 390 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى عبد بن حميد.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ الله:{فَوسَطْنَ بِهِ جَمَعًا} . يعني: مزدلفةَ
(1)
.
وقوله: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} . يقولُ: إِنَّ الإنسانَ لكفورٌ لنِعمِ ربِّه. والأرضُ الكنودُ: التي لا تُنبِتُ شيئًا، قال الأعشى
(2)
:
أَحْدِثْ لَهَا تُحدِثْ لِوَصْلِكَ إِنَّهَا
…
كُنُدٌ لِوَصْل الزَّائِرِ الْمُعْتَادِ
وقيل: إنما سُمِّيت كِندةَ؛ لقطعِها أباها
(3)
.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عبيد الله بن يوسف الجبيريُّ، قال: ثنا محمدُ بن كثير، قال: ثنا مسلمٌ، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله:{إنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} . قال: لكفورٌ
(4)
.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} . قال: لربِّه لكفورٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 160، وينظر البحر المحيط 8/ 504.
(2)
ديوانه ص 129.
(3)
في ت 1، ت 2، ت 3:"إياها". وينظر التاج (ك ن د).
(4)
تفسير مجاهد ص 743، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى المصنف وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن مردويه.
{إنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} . قال: لكفورٌ
(1)
.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
[حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثله]
(2)
.
حدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مهديِّ بن ميمونٍ، عن شعيبِ بن الحَبْحابِ، عن الحسنِ البصريِّ:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} . قال: هو الكفورُ الذي يَعُدُّ المصائبَ، ويَنْسَى نِعَمَ ربِّه
(4)
.
قال: حدثنا وكيعٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: الكنودُ الكفورُ
(5)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الحسنُ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} .
يقولُ: لوَّامٌ لربِّه يَعُدُّ المصائبَ
(6)
.
(1)
تفسير مجاهد ص 744، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 287، ومن طريقه ابن حجر في التغليق 4/ 375 من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى الفريابي وعبد بن حميد.
(2)
سقط من: ت 2، ت 3.
(3)
تفسير مجاهد ص 744.
(4)
أخرجه البيهقي في الشعب (4629) من طريق مهدي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 488.
(6)
أخرجه البيهقي في الشعب (10061) من طريق آخر عن الحسن بنحوه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{لَكَنُودٌ} . قال: لكفورٌ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} . قال: لكفورٌ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا يحيى بنُ حبيبِ بن عربي، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا شعبة، عن سماك أنه قال: إنما سُمِّيت كندةَ؛ أنها قَطَعت أباها، {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)}. قال: لكفورٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن جعفر بن الزبير، عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} . قال: "لكفورٌ، الذي يأكلُ وحدَه، ويَضْرِبُ عبدَه، ويمنعُ رِفْدَه"
(3)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} . قال: الكنودُ: الكفور. وقرأ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} [الحج: 66]
(4)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 391 عن معمر به، وأخرجه البيهقي في الشعب (4628) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه البيهقي في الشعب (4628) من طريق سعيد به.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 488 - من طريق أبي كريب، وأخرجه الطبراني (7958) من طريق جعفر بن الزبير به، وأخرجه أيضا (7778) من طريق القاسم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى ابن مردويه والبيهقى وابن عساكر.
(4)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 488.
حدثنا الحسنُ بن عليّ بن عياشٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ، قال: ثنا حريزُ بن عثمانَ، قال: ثنى حمزةُ بنُ هانئٍ، عن أبي أُمامةَ، أنه كان يقولُ: الكَنُودُ: الذي ينزِلُ وحدَه، ويضرِبُ عبده، ويمنعُ رِفْدَه
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّراريُّ
(2)
، قال: ثنا محمدُ بن سوَّارٍ، قال: أخبَرنا أبو اليقظانِ، عن سفيانَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قولِه:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} . قال: لوّامٌ لربِّه، يَعُدُّ المصائبَ، ويَنْسَى النِّعَمَ.
وقوله: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)} . يقولُ تعالى ذكره: وإنَّ الله على كُنُودِه ربَّه، {لَشَهِيدٌ}. يعنى: لشاهدٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} . قال: يقولُ: إِنَّ الله على ذلك لشهيدٌ
(3)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} : في بعض القراءاتِ: (إِنَّ الله عَلَى ذلكَ لَشَهِيدٌ)
(4)
.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} .
(1)
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (160) من طريق حريز بن عثمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 384 إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن مردويه.
(2)
في النسخ: "الصوارى". وقد تقدم على الصواب في 16/ 195، وينظر تهذيب الكمال 24/ 482 والأنساب 4/ 15، وتاريخ المصنف 2/ 384، 388، 389، 3/ 207.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(4)
القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر تفسير ابن كثير 8/ 488.
يقولُ: وإِنَّ الله عليه شهيدٌ
(1)
.
وقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} . يقول تعالى ذكرُه: وإِنَّ الإنسانَ لِحُبِّ المالِ لشديدٌ.
واختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ وصفِه بالشدَّةِ لِحُبِّ المالِ؛ فقال بعضُ البصريِّين
(2)
: معنى ذلك: وإنه من أجْلِ حبِّ الخيرِ لشديدٌ، أي لبخيلٌ، قال: يقالُ للبخيلِ: شديدٌ ومتشدِّدٌ. واستشهد لقوله ذلك ببيتِ طَرَفةَ بن العبدِ اليشكُرِيِّ
(3)
:
أرَى المَوْتَ يَعْتامُ النُّفُوسَ وَيَصْطَفى
…
عَقِيلَةَ مَالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
وقال آخرون: معناه: وإنه لحبِّ الخيرِ لقويٌّ.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ
(4)
: كان موضعُ {لِحُبَّ} أنْ يكونَ بعد "شديد"، وأنْ يضافَ "شديد" إليه، فيكونُ الكلام: وإنه لشديدُ حبِّ
(5)
الخيرِ. فلما تقدَّم الحب في الكلامِ، قيل:"شديدٌ". وحُذِف من آخرِه، لمَّا جرَى ذكرُه في أوَّلِه ولرءوسِ الآياتِ. قال: ومثلُه في سورةِ "إبراهيمَ": {كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم: 18]. والعَصُوفُ لا يكون لليومِ، وإنما يكون للريح، فلما جرى ذكرُ الريحِ قبلَ اليوم طُرحت من آخرِه، كأنه قال: في يومٍ عاصفِ الريحِ. والله أعلم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 488.
(2)
هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 307.
(3)
ديوانه ص 36.
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 285، 286.
(5)
في ص، ت،2، ت 3:"لحب".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} . قال: الخيرُ: الدنيا. وقرأ: {وإِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180]. قال: فقلتُ له: إن ترَك خيرًا؛ المالُ؟ فقال: نعم، وأيُّ شيءٍ هو إلا المالُ. قال: وعسى أنْ يكونَ حرامًا، ولكن الناسَ يَعُدُّونه خيرًا، فسمَّاه الله خيرًا؛ لأنَّ الناس يُسمُّونه خيرًا في الدنيا، وعسى أن يكون خبيثًا، وسُمِّي القتال في سبيلِ اللهِ سُوءًا
(1)
. وقرَأ قولَ اللهِ: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174]. قال: لم يَمْسَسْهم قتالٌ. قال: وليس هو عند الله بسوءٍ، ولكن يُسَمُّونه سوءًا.
وتأويل الكلامِ: إنَّ الإنسان لربِّه لكنودٌ، وإنه لحبِّ الخير لشديدٌ، وإنَّ الله على ذلك من أمره لشاهدٌ. ولكنَّ قولَه:{وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)} . قُدِّم، ومعناه التأخيرُ، فجُعِل مُعْتَرَضًا بين قوله:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} ، وبين قوله:{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)} . قال: هذا من مقاديمِ الكلامِ. قال: يقولُ: إِنَّ الله لشهيدٌ أنَّ الإنسانَ لحبِّ الخير لشديدٌ
(2)
.
(1)
في ت 2، ت 3:"سواء".
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى المصنف وعبد بن حميد.
وقوله: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9)} . يقول: أفلا يعلم هذا الإنسانُ الذي هذه صفتُه، إِذا أُثير ما في القبور، وأُخرج ما فيها من الموتى وبُحِث.
وذُكر أنها في مصحفِ عبدِ اللهِ: (إذا بُحث ما في القبور)
(1)
، وكذلك تأوَّل ذلك أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قولِه:{بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} : بُحِث
(2)
.
وللعرب في {بُعْثِرَ} لغتان؛ تقول: بُعْثِرَ، وبُحْثِر. ومعناهما واحدٌ
(3)
.
وقوله: {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10)} . يقولُ: ومُيِّز وبُيِّن، فأُبْرِز ما في صدورِ الناسِ من خيرٍ وشرٍّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه:{وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10)} . يقولُ: أَبْرِز
(4)
.
(1)
معاني الفراء 3/ 286. قال ابن خالويه: "إذا بحثر ما في القبور. بالحاء، ابن مسعود". وكذا قال أبو حيان. أما قراءة "إذا بحث" فنسباها إلى الأسود بن يزيد. مختصر الشواذ ص 178، 179، والبحر المحيط 8/ 505.
(2)
تقدم تخريجه في ص 175.
(3)
ينظر معاني القرآن للفراء 3/ 286.
(4)
ينظر تفسير القرطبي 20/ 163، وتفسير ابن كثير 8/ 488.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10)} يقولُ: مُيِّز (1).
وقولُه: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)} . يقولُ: إِنَّ رَبَّهم بأعمالهم، وما أسرُّوا في صدورِهم، وأَضْمَروه فيها، وما أعلنوه بجوارحهم منها، عليمٌ لا يخفَى عليه منها شيءٌ، وهو مجازِيهم على جميعِ ذلك يومَئذٍ.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "والعادياتِ"
تفسير سورةِ "القارعة"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)} .
يقول تعالى ذكرُه: {الْقَارِعَةُ} : الساعةُ التي يَقْرَعُ قلوبَ الناسِ هولها، وعظيمُ ما ينزِلُ بهم من البلاء عندها، وذلك صبيحة لا ليلَ بعدَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{الْقَارِعَةُ} : مِن أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله وحذَّره عبادَه
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ). قال: هي الساعةُ.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ} . قال: هي الساعةُ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: سمعتُ أنَّ القارعة والواقعة والحاقة: القيامةُ
(1)
.
وقولُه: {مَا الْقَارِعَةُ} . يقولُ تعالى ذكره معظِّمًا شأنَ القيامةِ والساعةِ التي يَفْرَعُ العبادَ هولُها: أيُّ شيء القارعةُ. يعنى بذلك: أَيُّ شيءٍ الساعةُ التي يَقْرَعُ الخلْقَ هولُها؛ ما أعظمها وأفطَعَها وأهولها.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} . يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمدُ أيُّ شيءٍ القارعةُ؟
وقوله: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: القارعةُ يومَ يكونُ الناسُ كالفراشِ، وهو الذي يتساقطُ في النار والسِّراجِ، ليس ببَعوضٍ ولا ذُبابٍ، ويعنى بالمبثوثِ المفرَّقَ.
وكالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} : هذا الفراشُ الذي رأيتم يتهافتُ في النارِ
(2)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} . قال: هذا شَبَهٌ شبَّهه اللهُ.
وكان بعضُ أهل العربية
(3)
يقولُ: معنى ذلك: كغوغاءِ الجرادِ، يركبُ بعضُه
(1)
ينظر التبيان 10/ 399.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(3)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 286.
بعضًا، كذلك الناسُ يومَئِذٍ يجولُ بعضُهم في بعضٍ.
وقوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} . يقول تعالى ذكرُه: ويوم تكونُ الجبالُ كالصوفِ المنفوشِ. والعِهْنُ هو الألوانُ من الصوفِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ في قوله:{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} . [قال: الصوفِ المنفوشِ]
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هو الصوفُ
(2)
.
وذكر أن الجبال تُسيَّرُ على الأرضِ وهي في صورة الجبالِ كالهباء.
وقولُه: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} . يقولُ: فأَما مَن ثَقُلَتْ موازينُ حسناتِه، يعنى بالموازين الوزنَ، والعربُ تقولَ: لك عندى درهمٌ بميزانِ درهمِك، ووزنِ درهمِك. ويقولون: دارى بميزانِ دارِك، ووزنِ دارِك. يُرادُ: حذاءُ دارِك. قال الشاعرُ
(3)
:
قد كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكُم ذَا مِرَّةٍ
…
عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزَانُه
يعني بقوله: لكلِّ مخاصمٍ ميزانُه. كلامَه، وما ينقُضُ عليه حجتَه. وكان
(1)
سقط من: ت 1.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 392 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى عبد بن حميد.
(3)
البيت في معاني القرآن للفراء 3/ 287.
مجاهدٌ يقولُ: ليس ميزانٌ، إنما هو مَثَلٌ ضُرِب.
حدَّثنا بذلك أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(1)
.
{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} . يقولُ: فهو في عيشةٍ قد رَضِيها في الجنةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} . يعنى: في الجنةِ
(2)
.
وقوله: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} .
يقولُ: وأما مَن خَفَّ وزنُ حسناتِه، فمأواه ومسكنُه الهاويةُ، التي يَهْوِى فيها على رأسه في جهنمَ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} : وهى النارُ هي مأواهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَأُمُّه هاوِيَةٌ} . قال: مصيرُه إلى النارِ، هي الهاويةُ. قال قتادةُ: هي كلمةٌ عربيةٌ، كان الرجلُ إذا وقع في أمرٍ شديدٍ، قال: هَوَتْ أُمُّه
(3)
.
(1)
ينظر ما تقدم في 10/ 68، 16/ 286.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى المصنف وعبد بن حميد.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 392 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبد الله الأعمى، قال: إذا مات المؤمنُ ذُهب بروحِه إلى أرواحِ المؤمنين، فيقولون: رَوِّحوا أخاكم، فإنه كان في غمِّ الدنيا. قال: ويسألونه ما فعل فلانٌ؟ فيقولُ: مات، أوَ ما جاءكم؟ فيقولون: ذهَبوا به إلى أمِّه الهاويةِ
(1)
.
حدَّثني إسماعيل بن سيفٍ العجليُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قوله:{فَأْمِّهِ هَاوِيَةٌ} . قال: يهوُون في النارِ على رءوسِهم
(2)
.
حدثنا ابن سيفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، عن سعيد، عن قتادة:{فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} . قال: يهوى في النار على رأسه
(3)
.
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} .
قال: الهاوية النارُ، هي أمُّه ومأواه التي يرجعُ إليها ويأوِي إليها.
وقرَأ: {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}
(4)
[آل عمران: 151].
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَأُمَّهُ هَاوِيَةٌ} : وهو مثلُها.
وإنما جعَل النارَ أمه؛ لأنها صارت مأواه، كما تُؤوى
(5)
المرأة ابنَها، فجعَلها إذ لم يكنْ له مأوًى غيرها له
(6)
، بمنزلة أمٍّ له.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 490 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 392 عن معمر به.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى المصنف.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 489.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 490، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 385 إلى المصنف.
(5)
في ت 1، ت 2، ت 3:"تأوي".
(6)
سقط من: م.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10)} . يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمدُ ما الهاويةُ. ثم بَيَّن ما هي، فقال: هي {نَارٌ حَامِيَةٌ (11)} .
يعني بالحاميةِ التي قد حمِيت من الوقودِ عليها.
آخرُ تفسير سورة "القارعة".
تفسيرُ سورةِ "ألهاكم"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه وتقدَّست أسماؤُه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} .
يقولُ تعالى ذكره: ألهاكم أيها الناسُ المباهاة بكثرة المالِ والعددِ عن طاعةِ ربِّكم، وعما يُنجيكم من سخطِه عليكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)} . قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بنى فلان، ونحن [أَعَدُّ من]
(1)
بنى فلانٍ. وهم كلَّ يومٍ يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلُّهم
(2)
.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)} . قالوا: نحن أكثر من بنى فلانٍ، وبنو فلان أكثر من بنى فلانٍ.
(1)
في ص، ت 1:"أقدم"، وفى ت 2، ت 3:"أعدم"، وفى الورع:"أعز من". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير، وأعد من: أي: أكثر عددا.
(2)
ذكره أحمد في كتاب الورع ص 189 عن شيبان، عن قتادة، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 493.
ألهاهم
(1)
ذلك حتى ماتوا ضلالًا
(2)
.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم كلام يدلُّ على أن معناه التكاثرُ بالمالِ.
ذكرُ الخبر بذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشام الدَّستوائيِّ، عن قتادةَ، عن مطرفِ بن عبدِ اللَّهِ بن الشَّخِّيرِ، عن أبيه، أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأُ:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)} . قال: "ابن آدمَ، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنَيت، أو لبِستَ فأبلَيت، أو تصدَّقت فأمضَيتَ"
(3)
.
حدَّثنا محمد بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن ثابت البنانيِّ، عن أنس بن مالك، عن أبى بن كعب، قال: كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن: "لو أن لابنِ آدم واديين من مال، لتمنى واديا ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ثم يتوبُ الله على من تاب". حتى نزلت هذه السورة: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)} إلى آخرها
(4)
.
(1)
في ص، ت 2، ت 3:"ألهاكم".
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 393 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 387 إلى عبد حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
أخرجه أحمد 26/ 232، 233 (16305)، والبيهقى في الآداب (1110) من طريق وكيع به، وأخرجه الطيالسي (1244)، ومسلم (2958)، والطحاوى في المشكل (1657)، وابن حبان (3327)، والحاكم 2/ 533، 534، وأبو نعيم في الحلية 6/ 281، والخطيب في تاريخه 1/ 359 من طريق هشام به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (497)، وأحمد 26/ 233، 234 (16306)، وعبد بن حميد (513)، والترمذى (2342، 2354)، والنسائي (3615)، والطبراني في الأوسط (2888)، والحاكم 4/ 61 من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 386 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.
(4)
أخرجه البخارى (6440) من طريق حماد بن سلمة به.
وقوله صلى الله عليه وسلم بعَقِبِ قراءتِه: {أَلْهَاكُمُ} : "ليس لك من مالك إلا كذا وكذا" ينبئُ أن معنى ذلك عندَه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} : المالُ.
وقوله: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} . يعنى: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها. وفي هذا دليلٌ على صحة القول بعذاب القبرِ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور؛ وعيدًا منه لهم وتهدُّدًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن قيسٍ، عن حجاجٍ، عن المنهال، عن زرٍّ، عن عليٍّ، قال: كنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت هذه الآية: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)} إلى {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (2)} ؛ في عذابِ القبرِ.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن عنبسةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زرٍّ، عن عليٍّ، قال: نزلت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)} في عذابِ القبرِ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرو، عن الحجاج، عن المنهال بن عمرٍو، عن زِرٍّ، عن عليٍّ، قال: ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)}
(1)
.
وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3)} . يعني تعالى ذكره بقوله: {كَلَّا} : ما
(1)
أخرجه الترمذى (3355)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 494 - من طريق حكام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 387 إلى خشيش بن أصرم في الاستقامة وابن المنذر وابن مردويه.
هكذا ينبغي أن تفعلوا؛ أن يُلهِيَكم التكاثر.
وقوله: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3)} . يقول جل ثناؤه: سوف تعلمون إذا زرتم المقابر، أيُّها الذين ألهاهم التكاثرُ، غِب فعلكم واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعةِ ربكم
(1)
.
وقوله: {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)} . يقولُ: ثم ما هكذا ينبغي أن تفعلوا؛ أن يُلهِيّكم التكاثر بالأموال، وكثرة العددِ، سوف تعلمون إذا زرتم المقابر ما تلقون - إذا أنتم زرتموها - من مكروه اشتغالكم عن طاعة ربكم بالتكاثر.
وكرَّر قوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)} . مرتين؛ لأن العرب إذا أرادت التغليظَ في التخويف والتهديد، كرَّروا الكلمة مرتين.
وروى عن الضحاك في ذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبى سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ:{كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)} . قال: الكفارُ، {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)}. قال: المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها
(2)
.
وقوله: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5)} . يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغى أن تفعلوا؛ أن يُلهيكم التكاثرُ أَيُّها الناسُ، لو تعلمون أيُّها الناسُ علمًا يقينًا أن اللَّهَ باعثكم يومَ القيامةِ من بعد مماتكم من قبوركم، ما ألهاكم التكاثر عن طاعةِ اللهِ ربِّكم، ولسارعتم إلى عبادته، والانتهاء إلى أمره ونهيه ورفض الدنيا؛ إشفاقًا على أنفسكم من عقوبته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
بعده في م: "الله".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 494، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 387 إلى المصنف.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ:{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5)} : كنا نحدَّثُ أن علم اليقين أن يعلم أنَّ الله باعثُه بعد الموتِ
(1)
.
وقوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)} ؛ اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامة
(2)
قرأةِ الأمصار: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)} بفتحِ التاء من: {لَتَرَوُنَّ} في الحرفين كليهما
(3)
، وقرأ ذلك الكسائى بضم التاء من الأولى، وفتحها من الثانية
(4)
.
والصواب عندنا في ذلك الفتحُ فيهما كِلَيهما؛ لإجماعِ الحجة عليه. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: لتَرَوُنَّ أَيُّها المشركون جهنم يومَ القيامة، ثم لتَرَوُنَّها عِيانًا لا تغيبون عنها.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)} : يعنى أهل الشرك.
وقوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . يقولُ: ثم ليسأَلَنَّكم اللهُ عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا؛ ماذا عملتم فيه، من أينَ وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به؟
واختلف أهل التأويلِ في ذلك النعيم ما هو؟ فقال بعضُهم: هو الأمنُ
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 392 عن معمر، عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 387 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
سقط من: م.
(3)
وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر 2/ 301.
(4)
وبها قرأ ابن عامر. المصدر السابق.
والصحةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبادُ بن يعقوبَ، قال: ثنا محمد بن سليمانَ، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبيِّ، عن ابن مسعود في قوله:{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . قال: الأمن والصحةُ
(1)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن عبدِ اللَّهِ مثله
(2)
.
حدثني على بن سعيد الكندى، قال: ثنا محمد بن مروان، عن ليث، عن مجاهدٍ:{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . قال: الأمن والصحة
(3)
.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، قال: بلغني في قوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . قال: الأمنُ والصحةُ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن إسماعيلَ بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقولُ: النعيم المسئول عنه يوم القيامة: الأمنُ والصحة.
قال: ثنا مهران، عن خالد الزياتِ، عن ابن أبي ليلى، عن عامرٍ الشعبيِّ، عن
(1)
أخرجه عبد الله بن أحمد في زاوئد الزهد ص 157، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 497 - من طريق محمد بن سليمان به مرفوعًا.
(2)
أخرجه البيهقي في الشعب (4615) من طريق حفص به، وأخرجه هناد في الزهد (694) عن حفص عن ابن أبي ليلى يرفعه إلى ابن مسعود، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 388 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(3)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 403.
ابن مسعودٍ مثله.
قال: ثنا مهران، عن سفيان:{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . قال: الأمن والصحة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم لَيُستَلُنَّ يومَئِذٍ عما أنعم الله به عليهم؛ مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله:{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . قال: النعيم صحة الأبدانِ والأسماع والأبصار. قال: يسأل الله العباد فيم استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله:{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}
(1)
[الإسراء: 36].
حدثني إسماعيل بن موسى الفزاريُّ، قال: أخبرنا عمر بن شاكرٍ، عن الحسنِ، قال: كان يقولُ في قوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . قال: السمعُ والبصر وصحة البدنِ.
وقال آخرون: هو العافية.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عبادُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا نوحُ بنُ درَّاجٍ، عن سعد بن طريفٍ، عن أبى
(1)
أخرجه البيهقي في الشعب (4613) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 387، 388 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
جعفرٍ: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} . قال: العافيةُ.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك بعضُ ما يَطعمه الإنسانُ أو يشربُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن بُكيرِ بن عتيقٍ، قال: رأيتُ سعيد بن جبير أُتِىَ بشربة عسلٍ، فشربها وقال: هذا النعيم الذي تُسْألون عنه
(1)
.
حدثني على بن سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا الحسن بن بلال، قال: ثنا حماد بنُ سلمةَ، عن عَمَّارٍ
(2)
بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبدِ اللَّهِ يقولُ: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، فأطعمناهم رطبا، وسقيناهم ماءً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا من النعيم الذي تُسألون عنه"
(3)
.
حدثنا جابر بن الكُرْدى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبدِ اللَّهِ يقولُ: أَتانا النبي صلى الله عليه وسلم. فذكر نحوه.
حدثني الحسين
(4)
بن عليٍّ الصدائيُّ، قال: ثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن
(1)
سيأتي تخريجه في ص 610.
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت:"عمران". وسيأتي على الصواب في الأثر التالي.
(3)
أخرجه الطاليسي (1908)، وأحمد 23/ 8، 378 (14637، 15206)، والنسائي (3641)، وأبو يعلى (1790، 2161)، والطحاوى في المشكل (470، 471)، وابن حبان (3411)، والبيهقى في الشعب (4599، 4600، 5877) من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 288 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(4)
في النسخ: "الحسن"، وتقدم مرارًا.
كيسانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، قال: بينَما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما جالسان، إذ جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما أجلَسكما هاهنا؟ ". [قالا: الجوع]
(1)
.
قال: "والذي بَعثني بالحقِّ، ما أخرجنى غيرُه". فانطلقوا حتى أتَوا بيت رجلٍ من الأنصارِ، فاستقبلتهم المرأةُ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"أينَ فلانٌ؟ ". فقالت: ذهَب يستعذبُ لنا ماءً. فجاء صاحبهم يحملُ قربته، فقال: مرحبا، ما زار العباد شيءٌ أفضلُ من شيءٍ زارني اليوم. فعلَّق قربته بكرب
(2)
نخلةٍ، وانطلق فجاءهم بعذقٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا كنتَ اجتَنَيْتَ؟ ". فقال: أحببتُ أن تكونوا الذين تختارون على أعينِكم. ثم أخذ الشَّفرةَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكَ والحَلُوبَ". فذبَح لهم يومئذٍ فأكَلوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لتُسْألُنَّ عن هذا يوم القيامةِ، أخرَجكم من بيوتكم الجوعُ، فلم ترجِعوا حتى أصَبْتُم هذا، فهذا من النعيم"
(3)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن أبى بكيرٍ، قال: ثنا شيبانُ بنُ عبد الرحمن، عن عبد الملكِ بن عُمَيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "انطَلِقوا بنا إلى أبى الهيثم بن التَّيِّهانِ الأنصاريِ". فأتَوه، فانطلق بهم إلى ظلِّ حديقته، فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقِنْوٍ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"فهَلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبِه؟ ". فقال: أردتُ أن تَخَيَّروا
(4)
من رطبه ويُسره. فأكلوا وشربوا من الماء، فلما فرَغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي أنتم فيه مسئولون عنه يوم القيامة، هذا الظلُّ
(1)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
كرب النخل: أصول السعف. اللسان (ك ر ب).
(3)
ذكره ابن كثير في تفسير 8/ 495 عن المصنف، وأخرجه مسلم (2038)، وابن ماجه (3180) مختصرًا، والبيهقى في الشعب (4602) من طريق يزيد بن كيسان به.
(4)
في ص، ت 1:"تخير"، وفى ت 2، ت 3:"تتخير".
الباردُ، والرُّطَبُ البارد، عليه الماءُ الباردُ".
حدثني صالح بن مسمار المروزى، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شيبان، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا أنه قال في حديثه:"ظلٌ باردٌ، ورُطَبٌ باردٌ، وماء بارد"
(1)
.
حدثنا على بن عيسى البزازُ، قال: ثنا سعيد بن سليمانَ، عن حَشْرَجِ بن نباتة، قال: ثنا أبو نُصيرة
(2)
، عن أبي عَسِيبٍ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم، [ليلًا، فدعانى فخَرَجْتُ إليه، ثم مرَّ بأبى بكرٍ فدعاه فخرج إليه، ثم مرَّ بعمر، ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم]
(3)
حتى دخل حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط:"أطعمنا بسْرًا". فجاءه بعذقٍ فوضَعه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء باردٍ فشرب، فقال:"لتُسْأَلُنَّ عن هذا يومَ القيامةِ". فَأَخَذ عمرُ العِذْقَ، فضرب به الأرض حتى تناثر البسرُ، ثم قال: يا رسولَ اللهِ، إنا لمسئولون عن هذا؟ قال:"نعم، إلا من كِسْرَةٍ يسُدُّ بها جوعَه، أو جُحرٍ يدخلُ فيه من الحرِّ والقرِّ"
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (256) مختصرًا، والترمذى (2369)، والحاكم 4/ 131، والبيهقى في الشعب (4604) من طريق آدم بن أبي إياس به، وأخرجه الطحاوى في المشكل (472)، والبيهقي في الشعب (4603) من طريق شيبان به، وأخرجه النَّسَائِي في الكبرى (11697) من طريق عبد الملك بن عمير به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 389 إلى ابن مردويه.
(2)
في النسخ: "بصيرة". وهو مسلم بن عبيد. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال 34/ 345.
(3)
سقط من: م.
(4)
أخرجه ابن عدى في الكامل 2/ 847 من طريق سعيد بن سليمان به، وأخرجه أحمد 5/ 81، والطحاوى في المشكل (468، 469)، والبيهقى في الشعب (4601)، وابن منده - كما في الإصابة 7/ 275 - وابن عساكر في تاريخ دمشق 4/ 134، 295، 296 من طريق حشرج بن نباتة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 389 إلى البغوي في معجمه وابن مردويه.
حدَّثني سعيدُ بن عمرو السكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ، عن حَشْرَج بن نباتة، قال: حدثني أبو نصيرة
(1)
، عن أبي عسيبٍ مولى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: مرَّ بي النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فدعاني فخرجتُ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما، فدخل حائطا لبعض الأنصار، فأُتى ببسْرِ عِذْقٍ منه، فوُضع بين يديه، فأكل هو وأصحابه، ثم دعا بماءٍ بارد، فشرب، ثم قال:"لتُسْأَلُنَّ عن هذا يوم القيامة". فقال عمرُ: عن هذا يومَ القيامةِ؟ فقال: "نعم، إلا من ثلاثةٍ؛ خِرْقةٍ كَفَّ بها عورته، أو كسْرةٍ سَدَّ بها جوْعته
(2)
، أو جُحرٍ يدخلُ فيه من الحَرَّ والقُرِّ".
حدَثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نصيرةَ، قال: أكَل رسول الله صلى الله عليه وسلم وناسٌ من أصحابه أكلةً من خبزِ شعيرٍ لم يُنْخَلْ، بلحمٍ سَمينٍ، ثم شرِبوا من جدولٍ، فقال: " [هذه أكلةٌ]
(3)
من النعيمِ
(4)
تُسألون عنها
(5)
يومَ القيامة"
(6)
.
حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمد بن عمرٍو، عن صفوانَ بن سليم، عن
(7)
محمود بن لبيدٍ، قال: لما نزلت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} . فقرأها حتى بلغ: {لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ} . قالوا: يا رسول الله، عن أيِّ النعيم نُسألُ، وإنما هو الأسودان الماء والتمرُ، وسيوفنا على عواتِقنا، والعدوُّ حاضرٌ؟ قال:"إن ذلك سيكونُ"
(8)
.
(1)
في ص، م، ت،2، ت:3 "بصيرة"، وفي ت 1:"نصرة".
(2)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"جوعه".
(3)
في م، ت 2 ت:"هذا كله".
(4)
بعده في م: "الذي".
(5)
في م: "عنه".
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 13/ 232، 233 عن ابن علية به.
(7)
بعده في النسخ: "محمد بن"، والمثبت من مصادر التخريج.
(8)
أخرجه أحمد 5/ 429 عن يزيد به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 231، وهناد في الزهد (768)، والبيهقى في الشعب (4598) من طريق محمد بن عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 388 إلى ابن مردويه.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قالا: ثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنى عبدُ الله بن العلاء أبو زبرٍ
(1)
الشاميُّ، قال: ثنا الضحاك بنُ عَرْزَمٍ، قال: سمعت أبا هريرة يقولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما يُسْأَلُ عنه العبد يومَ القيامةِ من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسْمَك، وتُرْوَ من الماء البارِدِ؟ "
(2)
.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهد، قال: قال أبو معمرٍ عبد اللهِ بن سخبرةَ: ما أصبح أحدٌ بالكوفة إلا ناعمًا؛ إن أَهْوَنَهم عيشًا الذي يأكل خبز البرِّ، ويشربُ ماءَ الفراتِ، ويستظِلُّ من الظلِّ، وذلك من النعيمِ
(3)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن إسماعيلَ بن عياشٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن الحارث التميميِّ، عن ثابت البناني، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"النعيم المسئول عنه يومَ القيامةِ: كِسْرَةٌ تُقَوِّيه، وماءٌ يُرويه، وثوبٌ يُوَارِيهِ"
(4)
.
قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن عياشٍ، عن بشرِ بن عبدِ اللهِ بن يَسَارٍ
(5)
، قال: سمعتُ بعض أهل يمن يقولُ: سمعت أبا أُمامةَ يقولُ: النعيم المسئول عنه يومَ القيامة: خبز البرِّ، والماءُ العذبُ.
(1)
في النسخ: "رزين". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 15/ 405، 406.
(2)
أخرجه يحيى بن معين في تاريخه (رواية الدورى) 3/ 19، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور 6/ 388 - ومن طريقه الترمذى (3358)، والبغوى في تفسيره 8/ 519، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص 31، والحاكم في المستدرك 4/ 138، وفي معرفة علوم الحديث ص 187 من طريق شبابة به، وأخرجه ابن حبان (7364)، والبيهقي في الشعب (4607) من طريق عبد الله بن العلاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 13/ 285، وأحمد في فضائل الصحابة (883)، وهناد في الزهد (699) من طريق ليث، عن مجاهد، عن عبد الله، عن علي، وأخرجه الحاكم 2/ 445 من طريق الأعمش، عن مجاهد به من قول على، وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 388 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 388 إلى المصنف.
(5)
في م: "بشار". وينظر تهذيب الكمال 4/ 133.
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن بكير بن عتيقٍ العامري، قال: أُتي سعيد بن جبير بشربة عسل، فقال: أما إن هذا من
(1)
النعيم الذي نُسأل عنه يومَ القيامةِ؛ {ثُمَّ لتُسْئَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ} .
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن بكير بن عتيق، عن سعيد بن جبير، أنه أتى بشربة عسل، فقال: هذا من النعيم الذي تُسألون عنه
(2)
.
وقال آخرون: ذلك كلُّ ما التذَّه الإنسان في الدنيا من شيءٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ:{ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} . قال: عن كل شيء من لذة الدنيا
(3)
.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ثُمَّ لَتُسْلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ} : إن الله عز وجل سائل كل عبد عما استَوْدَعه من نِعْمتِه وحقِّه.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {لَتُسْلُنَّ
(1)
سقط من: م.
(2)
أخرجه هناد في الزهد (700) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 538، وأحمد في الزهد ص 371، وهناد في الزهد (693)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 281 من طريق بكير به نحوه، بزيادة: أنه شربه وهو يستلذ به.
(3)
أخرجه الفريابي - كما في التمهيد 24/ 343 - عن ورقاء به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 281 من طريق ابن أبي نجيح به، وفى 3/ 298 من طريق ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 388 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}. قال: إن الله تعالى ذكرُه سائلٌ كلَّ ذى نعمةٍ فيما أنعَم عليه.
وكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاثٌ لا يُسْألُ عنهن ابن آدم، وما خلاهن فيه المسألة والحساب، إلا ما شاء الله؛ كسوةٌ يوارى بها سَوْءَتَه، وكسرةٌ يشدُّ بها صلبه، وبيتٌ يُظلُّه
(1)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن الله أخبر أنه سائلٌ هؤلاء القومَ عن النعيم، ولم يخصُص في خبرِه أنه سائلهم عن نوعٍ من النعيم دون نوعٍ، بل عمَّ بالخبر في ذلك عن الجميع، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دونَ بعض.
آخرُ تفسير سورة "ألهاكم"
(1)
أخرجه أحمد في كتاب الورع ص 188 من طريق معمر به مطولًا، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 393 عن معمر، عن الحسن وقتادة.
تفسير سورة "والعصر"
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه وتقدست أسماؤه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
(3)}.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وَالْعَصْرُ} ؛ فقال بعضهم: هو قَسَمٌ، أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهرِ. فقال: العصر: هو الدهرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:{وَالْعَصْرِ} . قال: العصر: ساعةٌ من ساعات النهار.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمر، عن الحسن:{وَالْعَصْرِ} . قال: هو العشيُّ
(1)
.
والصوابُ من القول في ذلك أن يقال: إن ربَّنا أقسم بالعصرِ، والعصر اسمٌ للدهر، وهو العشيُّ والليل والنهارُ، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دونَ معنى، فكل ما لزمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه.
وقوله: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} . يقول: إن ابن آدم لفى هلَكةٍ ونقصانٍ.
وكان عليٌّ رضي الله عنه يقرأُ ذلك: (إن الإنسانَ لفي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخرِ
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 394 عن معمر به.
الدهرِ)
(1)
.
حدثني [عبد الأعلى]
(2)
بن واصلٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضل بن دكين، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، قال: سمعتُ عليًّا رضي الله عنه يقرأُ هذا الحرف: (والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خُسْرٍ، وإنه فيه إلى آخر الدهر)
(3)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قتادة: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} : ففى بعض القراءاتِ
(4)
: (وإنه فيه إلى آخر الدهر).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، أن عليا رضي الله عنه قرأها:(والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفى خُسْرٍ).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِي خُسْرٍ} : إِلا مَنْ آمَن
(5)
.
{إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . يقول: إلا الذين صدقوا الله ووحَّدوه، وأقرُّوا له بالطاعة
(6)
، وعملوا الصالحات، وأدَّوا ما لزمهم من فرائضه:
(1)
القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(2)
في م: "ابن عبد الأعلى". وهو عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، تهذيب الكمال 23/ 197.
(3)
أخرجه الحاكم 2/ 534 من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 392 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف.
(4)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"القراءة".
(5)
تفسير مجاهد ص 747، ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 4.
(6)
في م: "بالوحدانية والطاعة".
واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه.
واستثنى الذين آمنوا من الإنسان؛ لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد.
وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} . يقولُ: وأوصى بعضُهم بعضًا بلزومِ العمل بما أنزل الله في كتابه من أمره، واجتناب ما نهى عنه فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} : والحقُّ كتابُ اللهِ
(1)
.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسن
(2)
: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} . قال: الحقُّ: كتابُ اللهِ
(3)
.
حدثني عمران بن بكّارِ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا خطاب بنُ عثمانَ، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو رَوْحِ السَّكوني، حِمْصي لقيتُه بِإِرْمِينِيَةَ، قال: سمعت الحسن يقولُ في: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} . قال: الحقُّ كتابُ اللهِ. وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} . يقولُ: وأوصى بعضُهم بعضًا بالصبر على العمل بطاعةِ اللَّهِ.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 392 إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
في ت 2، ت 3:"قتادة".
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 394 عن معمر به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .
قال: الصبر: طاعة الله
(1)
.
حدثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا خطاب بنُ عثمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو رَوْح، قال: سمعت الحسن يقولُ في قوله: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} . قال: الصبر طاعةُ اللَّهِ.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن
(2)
: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} . قال: الصبر طاعة الله (1).
آخرُ تفسير سورة "والعصر"
(1)
تتمة الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.
(2)
في ت 2، ت 3:"قتادة".
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورةِ "ويلٌ لكلِّ همزةٍ"
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه وتقدست أسماؤه: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)} .
يعني تعالى ذكره بقوله: {وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ} : الوادى يسيل من صديدِ أهل النار وقيحهم، {لِكُلِّ هُمَزَةٍ}. يقولُ: لكلِّ مغتابٍ للناس، يغتابهم ويغُضُّهم
(1)
. كما قال زيادٌ الأعجم
(2)
:
تُدْلى بوُدِّى إذا لاقَيْتَنى كَذِبًا
…
وإن أُغَيَّبْ فأنت الهامِزُ اللُّمَزَهْ
ويعني باللمزةِ: الذي يعيبُ الناسَ، ويطعُنُ فيهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا مُشَرَّفُ
(3)
بنُ أبانٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن أبيه]
(4)
، عن رجلٍ لم يسمِّه، عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: مَنْ هؤلاء
(5)
الذين
(1)
في ت 2، ت 3:"يبغضهم".
(2)
البيت في مجاز القرآن 2/ 311، وإصلاح المنطق ص 428، وتفسير القرطبي 18/ 232، 20/ 182، واللسان (هـ م ز).
(3)
في م، ت 2، ت 3:"مسروق". وينظر ما تقدم في 2/ 734.
(4)
سقط من: م.
(5)
بعده في م، ت 1:"هم".
بدَأهم الله بالويلِ؟ قال: هم المَشَّاءون بالنميمةِ، المفرقون بين الأحبة، الباغُون أكبرَ العيب
(1)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرةِ، عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: من هؤلاء الذين ندبهم الله إلى الويل؟ ثم ذكر نحوَ حديثِ مُشرَّف
(2)
بن أبانٍ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} . قال: الهمزةُ: يأكل لحوم الناسِ، واللمزةُ: الطَّعَّانُ
(3)
.
وقد روى عن مجاهد خلافُ هذا القولِ، وهو ما حدثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ} . قال: الهمزةُ: الطَّعَّانُ، واللمزةُ: الذي يأكل لحوم الناس
(4)
.
حدثنا مُشرَّفُ
(5)
بن أبانٍ الخطابُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
ورُوِى عنه أيضًا خلافُ هذين القولين، وهو ما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} . قال: أحدُهما الذي يأكل لحوم الناسِ، والآخرُ الطَّعَّانُ.
(1)
أخرجه هناد في الزهد (1214) عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 392 إلى سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(2)
في النسخ: "مسروق".
(3)
أخرجه هناد في الزهد (1215) من طريق سفيان به.
(4)
أخرجه البيهقي في الشعب (6753) من طريق سفيان عن أبي يحيى عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 392 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(5)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"مسروق".
وهذا يدلُّ على أن الذي حدث بهذا الحديث قد كان أُشكل عليه تأويل الكلمتين؛ فلذلك اختلَف نقلُ الرواة عنه ما رَوَوا على ما ذكرت.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} : أما الهمزة فآكل لحوم الناس، وأما اللمزةُ فالطَّعَّانُ عليهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: الهمزة: آكل لحوم الناس، واللمزةُ: الطَّعَّانُ عليهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن خثيم
(1)
، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:{وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} . قال: ويلٌ لكلِّ طعانٍ مغتاب
(2)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: الهمزة يهمزه في وجهه، واللمزةُ
(3)
من خلفه
(4)
.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: قال: يهمزُه ويلمزه بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناسِ، ويطعُنُ عليهم
(5)
.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء
(6)
، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الهمزة باليد، واللمزةُ باللسان
(7)
.
(1)
في ت 1، ت،2، ت 3:"خيثم".
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 501.
(3)
في ص، ت 1 "لمزه"، وفى ت 2، ت 3:"تلمزه".
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 501 من قول الربيع.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 395 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 392 إلى عبد بن حميد.
(6)
بعده في النسخ: "جميعًا".
(7)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 501.
وقال آخرون في ذلك ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: {وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} . قال: الهمزةُ: الذي يهمزُ الناسَ بيدِه، ويضربهم بلسانه، واللمزةُ: الذي يلمزُهم بلسانه ويَعيبُهم
(1)
.
واختُلف في المعنيِّ بقوله: {وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِيَ بذلك رجلٌ من أهل الشرك بعينه. فقال بعضُ من قال هذا القول: هو جميل بن عامرٍ الجُمَحيُّ. وقال آخرون منهم: هو الأخنس بنُ شَرِيقٍ.
ذكرُ مَن قال: عُنِي به مشركٌ بعينه
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَيْلٌ لِّكُلَّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} . قال: مشركٌ كان يلمزُ الناسَ ويَهْمِزُهم
(2)
.
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل من أهلِ الرَّقَّةِ، قال: نزَلَتْ في جميلِ بن عامرٍ الجُمحيِّ.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء في قوله: {هُمَزَة لُّمَزَةٍ} . قال: ليست بخاصةٍ لأحدٍ، نزلت في جميل بن عامر. قال ورقاءُ: زعَم الرقاشيُّ.
وقال بعضُ أهل العربية
(3)
: هذا من نوعِ ما تذكر العرب اسم الشيء العامِّ وهى
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 529، وابن كثير في تفسيره 8/ 501.
(2)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 407.
(3)
الفراء في معاني القرآن 3/ 289.
تقصدُ به الواحد، كما يقال في الكلام، إذا قال رجلٌ لأحدٍ: لا أزورك أبدًا: كل من لم يزُرنى فلست بزائرِه. وقائلُ ذلك يقصد جواب صاحبه القائل له: لا أزورك أبدًا.
وقال آخرون: ذلك
(1)
معنيٌّ به كلُّ من كانت هذه الصفةُ صفته، ولم يُقصد به قصد آخر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله:{وَيْلٌ لِّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} . قال: ليست بخاصةٍ لأحدٍ
(2)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقال: إن الله عمَّ بالقول كلَّ همزةٍ لمزةٍ؛ كلُّ مَن كان بالصفة التي وُصف هذا الموصوفُ بها، سبيله سبيله كائنًا ما
(3)
كان من الناس.
وقوله: {الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَدَهُ} . يقولُ: الذي جمع مالا وأحصى عددَه، ولم ينفقه في سبيلِ اللَّهِ، ولم يُؤَدَّ حقَّ الله فيه، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه.
واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأه من قرَأةِ أهل المدينة أبو جعفرٍ، وعامةُ قرأة الكوفة سوى عاصمٍ:(جَمَّع) بالتشديد
(4)
، وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة
(1)
في م: "بل".
(2)
ذكره البغوي في تفسيره، 8/ 530، والقرطبي في تفسيره 20/ 183، وابن كثير في تفسيره 8/ 501.
(3)
في م: "من".
(4)
هي قراءة أبى جعفر وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف وروح. النشر 2/ 301.
والحجاز سوى أبى جعفرٍ؛ وعامة قرأة البصرة، ومن الكوفة عاصم:{جَمَعَ} بالتخفيف
(1)
، وكلُّهم مجمعون على تشديد الدال من {وَعَدَدَّهُ} ، على الوجه الذي ذكَرتُ من تأويله. وقد ذُكر عن بعض المتقدمين بإسنادٍ غير ثابتٍ، أنه قرَأه:(جمع مالًا وعَدَدَه) بتخفيف الدال
(2)
، بمعنى: جمع مالًا، وجمع عشيرته وعَدَدَه، وهذه قراءةٌ لا أستجيز القراءة بها؛ بخلافها قراءة الأمصار، وخروجها عما عليه الحجة مجمعةٌ في ذلك.
وأما قوله: {جَمَعَ مَالًا} : فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان؛ لأنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقوله: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخَلَدَهُ} . يقولُ: يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه، وبخل بإنفاقه، مُخلِدُه في الدنيا فمزيلٌ عنه الموت! وقيل:{أَخْلَدَهُ} . والمعنى: يُخلِدُه؛ كما يقال للرجل الذي يأتى الأمر الذي يكون سببًا لهلاكه: عَطِب والله فلانٌ، وهلك والله فلانٌ. بمعنى أنه يعطبُ من فعله ذلك، ولمَّا يهلِكْ بعدُ ولم يعطَبْ، وكالرجل يأتى الموبقة من الذنوبِ: دخل والله فلان النار.
وقوله: {كَلَّا} . يقول تعالى ذكره: ما ذلك كما ظنَّ، ليس ماله مُخلِدَه. ثم أخبر جل ثناؤُه أنه هالِكٌ ومعذَّبٌ على أفعاله ومعاصيه التي كان يأتيها في الدنيا، فقال جل ثناؤه:{لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} . يقولُ: ليقذفَنَّ يوم القيامة في الحطَمةِ. والحطمةُ اسمٌ من أسماءِ النارِ، كما قيل لها: جهنم، وسَقَرُ، ولَظَى. وأحسبها سمِّيت بذلك؛ لحَطْمِها كلَّ ما أُلقى فيها، كما يقال للرجل المأكولِ: الحُطَمَةُ.
(1)
هي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو ورويس. النشر 2/ 301.
(2)
هي قراءة الحسن. مختصر الشواذ ص 180، وإتحاف فضلاء البشر ص 274.
وذُكِر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأُ ذلك: (لَيَنْبَذانِّ في الحُطَمَةِ). يعنى هذا الهمزةَ اللمزةَ ومالَه؛ فثنَّاه لذلك
(1)
.
وقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ} . يقولُ: وأيُّ شيءٍ أشْعَرَك يا محمد ما الحطمةُ؟ ثم أخبره عنها ما هي، فقال جلَّ ثناؤُه:
هي {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} . يقولُ: التي يطَّلِعُ ألمُها ووَهَجها القلوب.
والاطلاعُ والبلوغُ قد يكونان بمعنًى؛ حُكى عن العرب سماعًا: متى طَلَعْتَ أرضنا؟ و: طلعت أرضى. بلغتُ.
وقوله: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ} . يقول تعالى ذكرُه: إن الحطَمة التي وصفتُ صفتها، {عَلَيْهِم}. يعنى: على هؤلاء الهمازين اللمَّازين، {مُوْصَدَةٌ}. يعنى: مُطبقَةٌ، وهى تُهمَزُ ولا تُهمَزُ، وقد قُرئنا جميعًا
(2)
.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن ابن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في:{مُوْصَدَةٌ} . قال: مُطبَقَةٌ
(3)
.
حدثني عبيد بن أسباط، قال: ثني أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية في
(1)
قراءة الحسن البصرى شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر إتحاف فضلاء البشر ص 274.
(2)
قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي وأبو جعفر: (موصدة) بغير همز، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وحمزة وخلف وحفص عن عاصم: مؤصدة بالهمز. النشر 1/ 306.
(3)
تقدم تخريجه في ص 432.
قوله: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ} . قال: مُطبقَةٌ
(1)
.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال: في النارِ رجلٌ، في شِعْبٍ من شعابها، ينادى مقدار ألف عام: يا حَنَّانُ يا مَنَّانُ. فيقولُ ربُّ العزَّة لجبريل: أخرج عبدى من النار. فيأتيها فيجدها مطبقةً، فيرجعُ فيقولُ: يا ربِّ، {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ}. فيقولُ: يا جبريل، فُكَّها وأخرج عبدى من النار. فيفكُّها، ويخرج مثل الخيال، فيطرحه
(2)
على ساحل الجنة حتى يُنبتَ اللهُ له شعرًا ولحما ودمًا
(3)
.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله:{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ} . قال: مُطبقة
(4)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن مُضَرَّسِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: سمعت الضحاك: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ} . قال: مُطبقة
(5)
.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} . قال: عليهم مغلقةٌ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةٌ} : أي: مُطبَقةٌ
(6)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 431.
(2)
في م: "فيطرح".
(3)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 4/ 285 من طريق ابن حميد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 393 إلى ابن المنذر.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 355 إلى عبد بن حميد، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 431.
(5)
تقدم تخريجه في ص 433.
(6)
تقدم تخريجه في ص 433.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ} قال: مُطبَقةٌ، والعرب تقول: أوصد البابَ: أغلَق.
وقوله: {فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} . اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ المدينة والبصرة: {فِي عَمَدٍ} بفتح العين والميم
(1)
. وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: (في عُمُدٍ) بضمِّ العين والميم
(2)
.
والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماء من القرأة، ولغتان صحيحتان، والعرب تجمعُ العمودَ عُمُدًا وعَمَدًا، بضمِّ الحرفين وفتحهما، وكذلك تفعلُ في جمعِ إهابٍ؛ تجمعه أُهُبًا، بضمِّ الألفِ والهاء، وأَهَبًا بفتحهما، وكذلك القضيمُ
(3)
، فبأيتهما قرأ القارئَ فمصيبٌ.
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: [معنى ذلك]
(4)
: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددةٍ، أي: مغلقة مطبقة عليهم. وكذلك هو في قراءة عبدِ الله فيما بلغنا
(5)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قتادة: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إنها عليهم مؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)
(6)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما دخلوا في عمدٍ، ثم مُدَّت عليهم تلك العمدُ
(1)
هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب وحفص عن عاصم. النشر 2/ 301.
(2)
هي قراءة عاصم في رواية أبي بكر عنه وحمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.
(3)
في م: "القضم"، وفى ت 2، ت 3:"العصم". والقضيم: الجلد الأبيض، يجمع على قُضُم وقَضَم. اللسان (ق ض م).
(4)
سقط من: م.
(5)
ينظر تفسير القرطبي 20/ 185 ونسب هذه القراءة ابن خالويه في الشواذ ص 180 إلى الأعمش.
(6)
ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص 86، وابن كثير في تفسيره 8/ 502 عن قتادة به. وقراءة عبد الله شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
بعمادٍ.
ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} . قال: أدخلهم في عمدٍ، فمُدَّت عليهم بعمادٍ، وفى أعناقهم السلاسلُ، فسُدَّت بها الأبواب
(1)
.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {فِي عَمَدٍ} : من حديدٍ مغلولين فيها، وتلك العمدُ من نارٍ، قد احترقت من النار فهى من نارٍ، {مُمَدَّدَةٍ}
(2)
: لهم
(3)
.
وقال آخرون: هي عَمَدٌ يعذَّبون بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} : كنا نحدَّثُ أنها عمدٌ يعذَّبون بها في النارِ
(4)
.
قال بشرٌ: قال يزيد: في قراءةِ قتادةَ: {عَمَدٍ} .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادة: {فِي عَمَدٍ
=إلى هنا ينتهى الخرم من مخطوط جامعة القرويين (الأصل) المشار إليه في ص 469.
(1)
ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص 87، وابن كثير في تفسيره 8/ 502 عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 393 إلى المصنف.
(2)
في ص، ت 1:"ممدودة".
(3)
ذكره ابن رجب في التخويف من النار ص 88.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 395 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 393 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
مُمَدَّدَةٍ}. قال: عمودٍ يعذَّبون به في النارِ.
وأولى هذه
(1)
الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: معناه أنهم يعذَّبون بعمدٍ في النارِ. والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها، ولم يأتِنا خبرٌ تقومُ به الحجة بصفةِ تعذيبهم بها، ولا وُضِع لنا عليها دليلٌ، فندركَ به
(2)
صفة ذلك، فلا قول فيه غيرَ الذي قلنا يصحُّ عندنا.
آخر تفسير سورة "الهمزة"
(1)
سقط من: م.
(2)
في الأصل: "بها".
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسيرُ سورةِ "الفيلِ"
القولُ في تأويل قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)} .
قال أبو جعفر رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فترى بها كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؛ الذين قدموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحَبَشةِ ورئيسهم أبرهةَ الأشرم الحبشيِّ؟
{أَلَم يَجْعَل كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} . يقولُ: ألم يجعل سعيَ الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة، {فِي تَضْلِيلٍ}. يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.
وقوله: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} . [يقولُ تعالى ذكره: وأرسل عليهم ربك طيرًا متفرِّقةً]
(1)
، يتبع بعضُها بعضًا من نواحٍ شتَّى. وهي جماعٌ لا واحد لها، مثل الشماطيطِ
(2)
والعباديد
(3)
ونحو ذلك.
وزعم أبو عُبيدة
(4)
معمرُ بنُ المثنى، أنه لم ير أحدًا يجعلُ لها واحدًا.
(1)
في الأصل: "متفرقين".
(2)
الشماطيط: القطع المتفرقة، يقال: جاءت الخيل شماطيط. أي متفرقة أرسالًا. اللسان (ش م ط).
(3)
في ت 2: "العمايد"، وفى ت 3:"العبابيد". ويقال: صاروا عباديد وعباييد. أي: متفرقين. اللسان (ع ب د).
(4)
مجاز القرآن 2/ 312.
وقال الفرَّاءُ
(1)
: لم أسمع من العربِ في توحيدها شيئًا. قال: وزعم أبو جعفر الرُّوَاسِيُّ، وكان ثقةً، أنه سمع أن واحدها "إيَّالةٌ". قال: وكان الكسائيُّ يقولُ: سمِعتُ النحويين يقولون: إبَّوْلٌ. مثلَ العِجَّوْلِ. قال: وقد سمعتُ بعض النحويين يقولُ: واحدُها "إبَّيلٌ".
وبنحو الذي قلنا في الأبابيل قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلةَ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: فِرَقٌ
(2)
.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا حماد بن سلمةَ، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: الفِرَقُ.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: يتبع بعضها بعضا
(3)
.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: هي التي يتبَعُ بعضُها بعضًا.
(1)
معاني القرآن 3/ 292.
(2)
أخرجه البيهقي في الدلائل 1/ 123 من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 395 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
• هنا بداية خرم من مخطوطة جامعة القرويين (الأصل)، ينتهى في ص 648.
(3)
أخرجه البيهقي في الدلائل 1/ 123 من طريق أبي صالح به.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارثِ بن نوفلٍ، أنه قال في:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: هي الأقاطيعُ، كالإبل المؤَبَّلةِ
(1)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: متفرقةً.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الفضل، عن الحسن:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: الكثيرة
(2)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابطٍ، و
(3)
عن أبي سلمةَ، قالا
(4)
: الأبابيل: الزُّمَرُ
(5)
.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ:{أَبَابِيلَ} . قال: هي شتَّى متتابعة مجتمعةٌ
(6)
.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأبابيل: الكثيرة.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قتادة، قال:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 508 عن المصنف.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 508.
(3)
سقط من: النسخ.
(4)
في ص، ت 1، ت،2 ت:"قال".
(5)
تفسير مجاهد ص 749 من طريق شيبان عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط وحده بلفظ: "الكثيرة"، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 508 عن أبي سلمة وحده بلفظ: الفرق.
(6)
تفسير مجاهد ص 749، ومن طريقه الفريابي، كما في تغليق التعليق 4/ 376.
الأبابيل: الكثيرة
(1)
.
[حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {طَيْرًا أَبَابِيلَ} . يقولُ: متتابعة، بعضُها على أثَرِ بعض.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: الأبابيلُ: المختلفة، تأتى من هاهنا، وتأتى من هاهنا، أنتهم من كلِّ مكانٍ]
(2)
.
وذُكِر أنها كانت طيرًا خرجت
(3)
من البحر، وقال بعضهم: جاءت من قبل البحرِ.
ثم اختلفوا في صفتها؛ فقال بعضُهم: كانت بيضاءَ.
وقال آخرون: كانت سوداءَ.
وقال آخرون: كانت خضراء، لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكُفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن ابن عون، عن محمد بن سيرينَ في قوله:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: قال ابن عباسٍ: هي طيرٌ، وكانت طيرًا لها خراطيمُ كخراطيمِ الطير، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
حدَّثني الحسن بن خلف الواسطيُّ، قال: ثنا وكيعٌ ورَوْحُ بنُ عبادةَ، عن ابن
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 396 عن معمر به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 508.
(3)
في م: "أخرجت"، وفى ت 2، ت:"خرج".
عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عباس مثله
(1)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن عون، عن ابن عباس نحوه.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصين
(2)
، عن عكرمة في قوله:{طيرًا أَبَابِيلَ} . قال: كانت طيرًا خُضْرًا، خرجت من البحر، لها رءوسٌ كرءوس السباع
(3)
.
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عُميرٍ:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: هي طيرٌ سودٌ بحريةٌ، في [مناقيرها وأظافيرها]
(4)
الحجارة
(5)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ، عن عبيد بن عمير:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارةُ.
قال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباسٍ، قال: لها خراطيمُ كخراطيم الطيرِ، وأكفٌّ كأكفِّ الكلابِ.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 283 عن وكيع به، والبيهقى في الدلائل 1/ 122 من طريق ابن عون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 395 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(2)
في م: "حسين".
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 508 عن المصنف، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الدر المنثور 6/ 395 - ومن طريقه البيهقي في الدلائل 1/ 123، وأبو نعيم في الحلية 3/ 333 من طريق حصين به، وتفسير مجاهد ص 750 من طريق خصيف عن عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 395 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(4)
في ص: "مناقرها وأظافرها"، وفى م:"مناقرها وأظفارها"، وفى ت 1:"مناقرها وفي أظافرها".
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 508 عن المصنف.
حدثنا يحيى بنُ طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله:{طَيْرًا أَبَابِيلَ} . قال: طيرٌ خُضْرٌ، لها مناقيرُ صُفْرٌ، تختلف عليهم
(1)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: طير سود تحمل الحجارة في أظافيرها ومناقيرها
(2)
.
وقوله: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ} . يقول تعالى ذكرُه: ترمِي هذه الطيرُ الأبابيلُ التي أرسلها الله على أصحاب الفيلِ، أصحاب الفيلِ، بحجارة من سجيلٍ.
وقد بيَّنا معنى {سِجِّيلٍ} في موضعٍ غير هذا
(3)
، غير أنَّا نذكُرُ بعضَ ما قيل من ذلك في هذا الموضع، من أقوالِ مَن لم نذكره في ذلك الموضع.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس:{بِحِجَارَةٍ مَّن سِجِّيلٍ} . قال: طينٌ في حجارة
(4)
.
حدَّثني الحسين بن محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، قال: ثنا سعيد، عن
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 508.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 284 عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور في تفسيره - كما في الدر المنثور 6/ 395 - ومن طريقه البيهقي في الدلائل 1/ 123، 124، وأبو نعيم في الدلائل (88) من طريق الأعمش به، وتفسير مجاهد ص 749 من طريق عبد الرحمن بن سابط عن عبيد بن عمير، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 395 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(3)
ينظر ما تقدم في 12/ 525 - 529.
(4)
تقدم تخريجه في 12/ 527.
قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس:{تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} . قال: من طينٍ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس:{بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} . قال: سَنْكَ وكَلْ
(1)
.
حدثني الحسين بن محمد الذارعُ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عمارة بن أبي حفصةَ، عن عكرمة في قوله:{تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} . قال: من طينٍ.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقيٍّ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} . قال: سَنكَ وكِلْ
(2)
.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن عكرمةَ، قال: كانت ترميهم بحجارةٍ معها. قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيُّ. قال: كان أولَ يوم رُئى فيه الجدريُّ. قال: لم يُرَ قبلَ ذلك اليوم ولا بعدَه
(3)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن أبى عائشةَ، قال: ذكر أبو الكَنُودِ، قال: دونَ الحِمَّصة وفوقَ العدسةِ.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبى
(1)
ذكره الحافظ في تغليق التعليق 4/ 376، 377 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 377 - من طريق عكرمة به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 509، والحافظ في الفتح عن السدي به.
(2)
تفسير مجاهد ص 750 من طريق أيوب السختياني وحميد الطويل عن عكرمة.
(3)
يعني: لم يُرَ الطير قبل ذلك اليوم ولا بعده. كما صرح به في الحلية.
والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 333 من طريق حصين به.
عائشة، قال: كانت الحجارة التي رُمُوا بها أكبر من العدسةِ، وأصغر من الحِمَّصةِ.
قال: ثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن عمرانَ مثلَه.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال:"سجِّيلٌ" بالفارسيةِ: سَنكَ وكَلْ؛ حَجَرٌ وطينٌ
(1)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن
(2)
ابن سابطٍ، قال: هي بالأعجمية: سَنكَ وكِلْ (1).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت مع كلِّ طائرٍ
(3)
ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رِجْلَيه وحجرٌ في منقارِه، فجعلت ترميهم بها.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة:{بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} . قال: هي من طينٍ
(4)
.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: هي طيرٌ بِيضٌ، خرجت من قبل البحر، مع كلِّ طيرٍ ثلاثة أحجارٍ؛ حجران في رجليه وحجرٌ في منقارِه، لا يصيب شيئًا إلا هشَمه
(5)
.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 473 عن وكيع به.
(2)
سقط من: م، ت 3.
(3)
في م: "طير".
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 396 عن معمر به، وينظر ما تقدم تخريجه في 12/ 526.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 396 عن معمر به.
يعقوبَ أن أباه أخبرَه أنه بلَغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة كانت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط
(1)
لها الجلدُ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من السماء الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} . قال: السماء الدنيا. قال: والسماء الدنيا اسمها سِجِّيلٌ، وهى التي أنزل الله جل وعزَّ على قوم لوطٍ
(2)
.
قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلالٍ، أنه بلغه أن الطير التي رمَتْ بالحجارة، أنها طير تخرج من البحرِ، وأن {سِجِّيلٍ}: السماء الدنيا.
وهذا القولُ الذي قاله ابن زيد لا نعرفُ لصحته وجهًا في خبر ولا عقلٍ ولا لغةٍ، وأسماء الأشياء لا تُدرَكُ إلا من لغة سائرةٍ، أو خبر من الله تعالى ذكره.
وكان السبب الذي من أجله حلَّتْ عقوبةُ اللهِ تعالى بأصحاب الفيلِ، مسيرَ أبرهة الحبشي بجنده معه الفيل إلى بيت الله الحرام لتخريبه.
وكان الذي دعاه إلى ذلك فيما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاق، أن أبرهة بنى كنيسةً بصنعاءَ، وكان نصرانيًّا، فسمَّاها القُلَّيْسَ. لم يُرَ مثلُها في زمانها بشيءٍ من الأرضِ، وكتب إلى النَّجاشيِّ
(1)
قال الزمخشري: النَّفْط بلغة هذيل: الجدرى يكون بالصبيان والغنم، وقال أبو زيد: إذا كان بين الجلد واللحم ماء قيل: نَفِطَت تنفَط نفطا ونفيطا. ينظر تاج العروس (ن ف ط).
(2)
تقدم تخريجه في 12/ 527.
ملك الحبشةِ: إني قد بنَيتُ لك أيُّها الملك كنيسةً لم يُبنَ مثلُها لملك كان قبلك، ولستُ بمنتَهٍ حتى أصرف إليها حاجَّ العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيِّ، غضِب رجلٌ من النَّسَأةِ
(1)
أحد بني فُقَيمٍ، ثم أحدِ بني مالك، فخرَج حتى أتى القُلَّيسَ فقعد فيها
(2)
، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخْبِر أبرهةُ بذلك، فقال: من صنعَ هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحُجُّ العرب إليه بمكةَ، لما سمع من قولك: أصرفُ إليه حاجَّ العربِ. فغضب، فجاء فقعَد فيها، أي: إنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهةُ، وحلف ليسيرنَّ إلى البيتِ فيهدِمُه، وعندَ أبرهة رجالٌ من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله؛ منهم محمدُ بنُ خُزَاعيِّ ابن حزابة الذَّكوانيُّ، ثم السُّلَميُّ، في نفر من قومه، معه أخٌ له يقال له: قيسُ بنُ خُزاعيٍّ. فبينما هم عندَه، غَشِيَهم عيدٌ لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكلُ الخُصَى، فلما أتى القومَ بغذائه، قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقِينا. فقام محمدُ بنُ خُزاعيٍّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، إن هذا يوم عيدٍ لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدى. فقال له أبرهةُ: فسنبعثُ إليكم ما أحبَبْتم، فإنما أكرمتكم بغذائى لمنزلتكم عندى.
ثم إن أبرهة توَّج محمد بن خُزَاعِيٍّ، وأمَّره على مضَرَ، وأمره أن يسير في الناسِ، يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيْسِ؛ كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خزاعيٍّ، حتى إذا نزل ببعض أرضِ بني كنانةَ - وقد بلغ أهلَ تِهامةَ أمرُه وما جاء له - بعَثوا إليه رجلًا من هُذَيلٍ يقال له: عُرُوةُ بنُ حياضٍ الملاصيُّ. فرماه بسهمٍ فقتله، وكان مع
(1)
رجل ناسئ وقوم نسأة، وذلك أنهم كانوا يكرهون أن يتوالى ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها؛ لأن معاشهم كان من الغارة، فيحل لهم شهر المحرم، فذلك الإنساء. ينظر اللسان (ن س أ).
(2)
قال ابن هشام: يعنى أحدث فيها. سيرة ابن هشام 1/ 45.
محمدِ بن خُزاعيٍّ أخوه قيسُ بنُ خُزاعيٍّ، فهرَب حينَ قُتل أخوه، فلحق بأبرهةَ، فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحَنَقًا، وحلف ليغزوَنَّ بني كنانة، وليهدمنَّ البيت.
ثم إن أبرهةَ حينَ أجمع السير إلى البيتِ، أمر الحبشان فتهيَّأت وتجهَّزت، وخرَج معه بالفيلِ، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه وفَظِعوا به
(1)
، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريدُ هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجلٌ كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نَفْرٍ. فدعا قومَه ومَن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهادِه عن بيت الله وما يريدُ من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعَرَض له وقاتله، فهُزِم وتفرَّق أصحابه، وأُخِذ له ذو نَفْرٍ أسيرًا، [فأُتِيَ به]
(2)
، فلما أراد قتله قال له
(3)
ذو نَفْرٍ: أَيُّها الملك، لا تقتُلْنى؛ فإنه عسى أن يكونَ بقائى معك خيرًا لك من قتلى. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاقٍ، وكان أبرهة رجلا حليمًا.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريدُ ما خرَج له، حتى إذا كان بأرضِ خثعمٍ، عرَضَ له نُفَيلُ بنُ حبيب الخثعميُّ في قبيلى خثعمٍ؛ شَهران وناهس، ومَن تَبعه
(4)
من قبائل العرب، فقاتله، فهزَمه أبرهةُ، وأخذ له أسيرًا، فأتى به، فلما همَّ بقتله قال له نفيلٌ: أيُّها الملكُ، لا تقتلنى، فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلَي خثعمٍ؛ شهرانَ وناهسٍ، بالسمع والطاعة. فأعفاه وخلَّى سبيله، وخرج به
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت:"بها".
(2)
سقط من: م، وبعده في ت 1:"إليه".
(3)
سقط من: م.
(4)
في م، ت 2 ت 3:"معه".
معه يدله على الطريق، حتى إذا مرَّ بالطائف، خرج إليه مسعودُ بنُ مُعَتِّبٍ في رجالِ ثقيفٍ، فقال: أيُّها الملك، إنما نحن عبيدُك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندَنا خلافٌ، وليس بيتُنا هذا بالبيت الذي تريدُ - يعنون اللاتَ - إنما تريدُ البيت الذي بمكة - يعنون الكعبةَ - ونحن نبعث معك مَن يَدُلُّك. فتجاوَزَ عنهم، وبعثوا معه
(1)
أبا رِغالٍ، فخرج أبرهةُ ومعه أبو رغالٍ، حتى أنزله المُغَمِّسَ، فلما أنزله به مات أبو رغالٍ هنالك، فرجمت العرب قبرَه، فهو القبرُ الذي يرجمُ الناسُ بالمغمِّسِ.
ولما نزل أبرهة المغمِّسَ، بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسودُ بنُ مقصودٍ. على خيلٍ له حتى انتهى إلى مكةَ، فساق إليه أموالَ أهلِ مكةَ من قريش وغيرهم، وأصاب منها
(2)
مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، وهمت قريش وكنانة وهُذَيْلٌ ومن كان
(3)
بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك، وبعَث أبرهة حناطة الحميريَّ إلى مكة، وقال له: سَلْ عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملكَ يقول لكم: إني لم آتِ لحربِكم، إنما جئتُ لهدم البيتِ، فإن لم تَعَرَّضُوا دونه بحربٍ فلا حاجة لي بدمائِكم، فإن لم يُرِدْ حربى فأتنى به.
فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له
(4)
: عبد المطلب بن هاشم بن عبدِ منافِ بن قُصَيٍّ. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهةُ، فقال له عبدُ المطلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقةٍ، هذا بيتُ الله الحرام،
(1)
في م: "معهم".
(2)
في م، ت 1، ت 2 ت 3:"فيها".
(3)
بعده في م: "معهم"، وبعده في ت 1:"معها".
(4)
سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.
وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال - فإن يمنَعه فهو بيتُه وحَرَمُه، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا [من دفعٍ]
(1)
عنه. أو كما قال له
(2)
، فقال له حناطة: فانطلق إلى الملكِ، فإنه قد أمرنى أن آتيَه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعضُ بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذى نَفْرٍ، وكان له صديقا، فَدُلَّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْرٍ، هل عندك غناء فيما نزَل بنا؟ فقال له ذو نَفْر
(3)
: وما غَناءُ رجل أسير بيدَى
(4)
ملك، ينتظر أن يقتُلَه غُدُوًّا أو عشيًّا؟! ما عندى غناء في شيءٍ مما نزل بك، إلا أن أنيسًا سائس
(5)
الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريدُ، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى. فبعث ذو نَفْرٍ إلى أُنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس، إن عبد المطلب سيد قريشٍ، وصاحب عمر مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتى بعيرٍ، فاستأذن له عليه، وانفعه عندَه بما استطعت. فقال: أفعلُ.
فكلم أُنيسٌ أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش بيابك يستأذن عليك، وهو صاحب غير مكةَ، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فليكلمك بحاجتِه، وأحسن إليه. قال: فأذن له أبرهةُ، وكان عبد المطلب رجلًا عظيما وسيمًا جسيما، فلما رآه أبرهه أجله وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على
(1)
في م: "له من دافع".
(2)
سقط من: م.
(3)
بعده في ص، م، ت 2، ت 3:"وكان له صديقا".
(4)
في م: "في يدى".
(5)
في م، ت 1:"سائق"، وفى ت 2، ت 3:"سائقين".
بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملكِ؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردَّ عليَّ مائتي بعيرٍ أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبرهة لتُرجُمانه: قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم زَهِدتُ فيك حين كلَّمتَني؛ أتكلمنى في مائتى بعير أصَبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينُك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه فلا تكلِّمُني فيه؟! قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمْنَعَ منى. قال: أنت وذاك
(1)
، اردُدْ إليَّ إبلى.
وكان فيما زعَم بعضُ أهل العلم قد ذهَب مع
(2)
عبد المطلب إلى أبرهة حين بعَث إليه حُناطةَ - يَعْمَرُ
(3)
بنُ نُفَاثَةَ بن علي بن الدُّئِلِ بن بكرِ بن عبدِ مناةِ
(4)
بن كنانةَ، وهو يومئذ سيِّدُ كنانةَ، وخُويلد بن وائلةَ الهُذَليُّ، وهو يومَئِذٍ سيدُ هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامةَ، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأتى عليهم، والله أعلم.
وكان أبرهة قد ردَّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكةَ، والتحرُّزِ في شَعَفِ
(5)
الجبال والشعاب؛ تخوُّفًا عليهم من [مَعَرَّةِ الجيش]
(6)
، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحَلْقَةِ البابِ؛ باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعُون اللَّهَ ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذٌ بحَلْقة باب الكعبة:
(1)
بعده في ص، ت 1، ت، ت 3:"أعلم".
(2)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، وتاريخ المصنف.
(3)
في ص، ت 1، ت،2، ت،3، وتاريخ المصنف:"بعمرو"، والمثبت موافق لما في جمهرة أنساب العرب ص 184، والإكمال لابن ماكولا 7/ 433، وسيرة ابن هشام 1/ 50، والبداية والنهاية 3/ 145.
(4)
في م: "مناف". وينظر المصادر السابقة.
(5)
الشَّعَفة: رأس الجبل. جمعها: شَعَف وشُعوف وشِعاف وشَعَفات. التاج (ش ع ف).
(6)
في ت 1: "مغير الحبشة"، وفى ت 2، ت 3:"مغيرة الجيش".
يا رَبِّ لا أَرْجُو لهم سواكا
يا رَبِّ فَامْنَعْ مِنهُمُ حِماكا
إن عدوَّ البيتِ مَنْ عاداكا
امنعهم أَنْ يُخْرِبوا قُرَاكا
وقال أيضًا:
لا هُمَّ إِنَّ العبد يمـ
…
نَعُ رَحْلَهُ فامنَعْ حِلالك
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ
…
ومحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ
فلئن فعلت فربما
…
أَوْلى فأمرٌ ما بدَا لَكْ
ولئن فعلت فإنه
…
أمرٌ تُتِمُّ به فعالَكْ
(1)
وكنتَ إذا أتى باغ بسَلْمٍ
…
نُرَجِّى أن تكونَ لنا كذلكْ
فولَّوْا لم ينالُوا غيرَ خِزْيٍ
…
وكان الحَيْنُ يُهلكهم هنالِكْ
ولم أسمع بأرجسَ من رجالٍ
…
أرادوا العِزَّ فانتَهَكوا حرامَكْ
جَرُّوا جموعَ بلادِهِمْ
…
والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ
ثم أرسَل عبد المطلبِ حَلْقةَ باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريشٍ إلى شَعَفِ الجبال فتحرَّزُوا فيها، ينتظرون ما أبرهةُ فاعلٌ بمكة إذا دخلها، فلما أصبَح أبرهةُ تهيَّأَ لدخول مكةَ، وهيَّأَ فيلَه وعَبَّأ جيشَه، وكان اسمُ الفيلِ محمودًا، وأبرهةُ مُجْمعٌ لهدم البيتِ، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجَّهوا الفيلَ، أقبَل نُفَيلُ بنُ
(1)
بعده في م، ومطبوعة تاريخ المصنف:"وقال أيضا"، وهى ساقطة من نسخ تاريخ المصنف. والأبيات السابقة من مجزوء الكامل والآتية من الوافر، عدا البيت الأخير فهو من مجزوء الكامل كالأبيات الأولى. وقد جاء هذا البيت الأخير في تاريخ المصنف بعد الأربعة الأبيات الأولى.
حبيبٍ الخثعميُّ حتى قام إلى جنبِه، ثم أخذ بأذنِه فقال: ابرُكْ محمود، وارجع راشدًا من حيثُ جئتَ، فإنك في بلدِ الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبَرَك الفيل، وخرج نُفَيلُ بنُ يشتدُّ حتى أصعد في الجبلِ، وضربوا الفيل ليقوم فأبَى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزِينِ
(1)
ليقوم فأبَى، فأدخلوا مَحاجِنَ لهم في مَرَاقِّه
(2)
، فبزَغوه
(3)
بها ليقوم فأبَى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يُهَروِلُ، ووجهوه إلى الشام ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرقِ ففعَل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحرِ أمثال الخطاطيف، مع كلِّ طير ثلاثة أحجارٍ يحمِلُها؛ حجرٌ في منقارِه، وحجران في رجليه مثل الحِمَّصِ والعَدَسِ، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلَّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدِرُون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نُفَيلِ بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمنِ، فقال نُفَيلُ بنُ حبيب حين رأى ما أَنزَل الله بهم من نقمته:
أين المَفَرُّ والإلَهُ الطالِبْ
والأَشْرَمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الغَالِبُ
فخرَجوا يتساقطون بكلِّ طريق، ويهلكون على كلِّ مَنْهلٍ، فأُصِيبَ أبرهة في جسدِه، وخرجوا به معهم، تسقط
(4)
، أنامله أُنْمُلةً أُنملةٌ، كلما سقطت أنملةٌ أَتبَعَتُها مِدَّةٌ تُمثُّ
(5)
قيحًا ودمًا، حتى قَدِموا به صنعاء وهو مثلُ فرخِ الطيرِ، فما مات حتى انصَدَع
(1)
الطبرزين: فأس السرج؛ فارسي معرب، قال الجواليقي: لأن فرسان العجم تحمله معها يقاتلون به. المعرب ص 276.
(2)
مَراقُّ البطن: أسفله وما حوله مما استرقَّ منه. اللسان (ر ق ق).
(3)
بَزَغَ دمه: أسأله. اللسان (ب ز غ).
(4)
في م: "فسقطت".
(5)
مثَّ العظمُ مثًّا: سال ما فيه من الودك. اللسان (م ث ث)، وقال السهيلي في الروض الأنف 1/ 273: تَمُثُّ وتمِثُّ بالضم والكسر، فعلى رواية الضم يكون الفعل متعديًا ونصب "قيحًا" على المفعول، وعلى رواية الكسر يكون غير متعدٍّ ونصب "قيحًا" على التمييز في قول أكثرهم.
صدره عن قلبهِ، فيما يزعُمون
(1)
.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يعقوب بن عتبةَ بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدَّث أن أول ما رُئيتِ الحصبةُ والجُدَرِيُّ بأرض العربِ ذلك العامَ، وأنَّه أولُ ما رُئى بها مُرارُ الشجرِ، الحرملُ والحنظلُ والعُشَرُ، ذلك العام
(2)
.
حدثنا بشرٌ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ} : أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة
(3)
ومن معه من غزاة
(4)
أهل اليمن، إلى بيتِ اللهِ ليهدِمَه؛ من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم، حتى إذا كانوا بالصِّفَاحِ برَك، فكانوا إذا وجَّهوه إلى بيتِ اللَّهِ أَلقَى بجِرَانِهِ الأرضَ، وإذا وجَّهوه إلى بلدهم انطلق وله هَرْولةٌ، حتى إذا كان بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرًا بيضًا أبابيل، والأبابيل: الكثيرة، مع كلِّ [طائر منها]
(5)
ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجرٌ في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم اللهُ عز وجل كعصفٍ مأكولٍ. قال: فنجَا أبو يَكسُومَ، وهو أبرهةُ، فجعل كلما قدم أرضًا تساقطَ بعضُ لحمِه، حتى أتى قومه، فأخبرهم الخبرَ ثم هلَك.
وقوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} . يعنى تعالى ذكرُه: فجعَل الله أصحابَ الفيلِ كزرعٍ أكَلَتْه الدواب فراثَتْه، فيَبِس وتفرقت أجزاؤُه. شبَّه تقطُّعَ
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 45 - 54، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 130 - 137، وأخرجه البيهقي في الدلائل 1/ 115 - 121 من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 54، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 139 وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 507، وفى البداية 3/ 149 عن ابن إسحاق.
(3)
بعده في م: "يومًا".
(4)
في م: "عداد"، وفي ت 1:"عداة".
(5)
في م: "طير".
أوصالهم بالعقوبةِ التي نزلت بهم، وتفرُّقَ آراب أبدانهم بها، بتفرُّقِ أجزاء الرَّوَثِ الذي حدث عن أكل الزرعِ.
وقد كان بعضُهم يقولُ: العَصْفُ هو القشرُ الخارج الذي يكون على حبِّ الحِنْطَة من خارج كهيئة الغلافِ لها.
ذكر من قال: عُنى بذلك ورقُ الزرعِ
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} . قال: ورقِ الحنطة
(1)
.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة:{كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} . قال: هو التِّبنُ
(2)
.
وحُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} : كزرعٍ مأكول
(3)
.
حدثني محمدُ بنُ عمارة الأسديُّ، قال: ثنا زُريقُ بن مرزوقٍ، قال: ثنا هبيرةُ، عن سلمةَ بن نُبَيطٍ، عن الضحاكِ في قوله:{كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} . قال: هو الهَبُّورُ
(4)
، بالنَّبَطِيَّة. وفي رواية: المقهورُ.
(1)
تفسير مجاهد ص 750، ومن طريقه الفريابي في تفسيره - كما في التغليق 4/ 329 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 396 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 397 عن معمر به.
(3)
أخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 329 - عن الثورى قال: بلغنى عن الضحاك. وذكره الحافظ في الفتح 8/ 621 بلفظ: التبن. وعزاه إلى ابن المنذر.
(4)
هو دقاق الزرع. ويحتمل أن يكون من الهبر القَطْع. اللسان (هـ ب ر).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} . قال: ورقِ الزرع وورق البقلِ، إذا أكلته البهائم فراثَته، فصار دَرِينًا
(1)
.
ذكرُ مَن قال: عُنى به قشرُ الحبِّ
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} . قال: البُرُّ يُؤكَلُ ويُلْقِي عَصْفَه الريحُ، والعَصْفُ: الذي يكونُ فوقَ البُرِّ؛ هو لِحاءُ البُرِّ
(2)
.
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنانٍ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ:{كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} . قال: كطعامٍ مطعومٍ.
آخر تفسير سورة "الفيلِ"
(1)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"درسًا"، وفى م:"روثا". والمثبت من مصدر التخريج. والدَّرِين: حطام المرعى إذا تناثر وسقط على الأرض. النهاية 2/ 115.
والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 509.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 509 بمعناه.
تفسير سورة "قريش"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: {لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
(4)}.
اختلفت القرأةُ في قراءة: {لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إيلَافِهِمْ} ؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصار بياء بعد همزةٍ: {لإِيلَافِ} ، و {إلَافِهِمْ} ، سوى أبى جعفرٍ، فإنه وافق في قوله:{لإيلَافِ} . فقرأه بياءٍ بعد همزةٍ، واختلف عنه في قوله:{إِيلَافِهِمْ} ؛ فرُوى عنه أنه كان يقرؤُه (إِلْفِهِمْ) على أنه مصدرٌ من: ألِف يألفُ ألفًا، بغير ياء
(1)
. وحكَى بعضُهم عنه أنه كان يقرؤه: (إِلَافِهِمْ) بغيرِ ياءٍ، مقصورةَ الألفِ.
والصواب من القراءة في ذلك عندى من قرَأه: {لإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ} بإثباتِ الياء فيهما بعد الهمزة، من: آلفَتُ الشيءَ أُولِفه إيلافًا؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه
(2)
. وللعرب في ذلك لغتان؛ آلفتُ، وألفتُ. فمن قال: آلفَتُ بمدِّ الألفِ، قال: فأنا أُولِفُ إيلافًا، ومَن قال: ألِفت. بقصرِ الألف، قال: فأنا آلَفُ إلْفًا، وهو رجلٌ آلَفٌ إِلْفًا
(3)
.
(1)
قرأ ابن عامر بغير ياء بعد الهمزة (لئلاف) مثل (لعِلاف)، وقرأ أبو جعفر بياء ساكنة من غير همزة (ليلاف)، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة (لإيلاف)، واختلفوا في (إيلافهم) فقرأ أبو جعفر بهمزة مكسورة من غير ياء، وهى قراءة عكرمة وشيبة وابن عتبة، وجاءت عن ابن كثير أيضًا. ينظر النشر 2/ 302، وإتحاف فضلاء البشر ص 274.
(2)
قراءة ابن عامر وأبي جعفر (لئِلاف)، (ليلاف) متواترة، وكذلك قراءة أبي جعفر (إلافهم) متواترة أيضًا.
(3)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
وحُكِى عن عكرمة أنه كان يقرأُ ذلك: (لِيَأْلَفْ
(1)
قريش إِلْفَهم رحلةَ الشتاءِ والصيفِ).
حدَّثني بذلك أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي مكينٍ، عن عكرمة
(2)
.
وقد رُوى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن شهر بن حوشبٍ، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: (إلْفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ)
(3)
.
واختلف أهلُ العربية في المعنى الجالبِ هذه اللام في قوله: {لإيلافِ
(4)
قُرَيْشٍ}؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: الجالبُ لها قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفِ مَّأْكُول} [القيل: 5]. فهي في قول هذا القائل صلةٌ لقوله
(5)
: "جعلهم". فالواجب على هذا القولِ أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيلِ هذا الفعل نعمةً منا على أهل هذا البيتِ، وإحسانًا منا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف. فتكون اللام في قوله:{لإِيلَافِ} بمعنى "إلى"، كأنه قيل: نعمةً لنعمةٍ، وإلى نعمةٍ. لأن "إلى" موضع اللامِ، واللام موضعَ "إلى". وقد قال معنى هذا القول بعضُ أهل التأويلِ.
(1)
في م: "لتألف". وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 181، وقال أبو حيان في البحر المحيط 8/ 514: وعنه أيضًا: لتألف قريش. على الأمر، وعنه وعن هلال بن فتيان بفتح لام الأمر.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 397 إلى المصنف.
(3)
أخرجه أبو عمرو الدورى في جزء فيه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم (123)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 8/ 513 - والطبراني 24/ 177، 178 (447) من طريق سفيان به، وأخرجه الحاكم 2/ 256 من طريق شهر به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 397 إلى الفريابي وابن مردويه. والقراءة شاذة.
(4)
في ص، ت 2، ت 3:"إيلاف".
(5)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لقولهم".
ذكرُ مَن قال ذلك
*
حدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ} . قال: إيلافهم ذلك، فلا يشُقُّ عليهم رحلة شتاءٍ ولا صيفٍ
(1)
.
حدثني إسماعيل بن موسى السديُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجرِ، عن مجاهد:{لإيلَافِ قُرَيْشٍ} . قال: نعمتى على قريشٍ.
حدّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا فَرْوةُ بنُ أَبي المَغْراءِ الكِنْديُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد مثله.
حدثنا عمرو بن عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله:{لإِيلَافِ قُرَيْشٍ} . قال: نعمتى على قريشٍ
(2)
.
وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ
(3)
يقولُ: قد قيل هذا القولُ، ويقال: إنه تبارك وتعالى عجَّب نبيَّه صلى الله عليه وسلم فقال: اعجَبْ يا محمد لنِعَمِ اللهِ على قريشٍ في إيلافِهم
=* هنا ينتهى الخرم في نسخة جامعة القرويين المشار إليه في ص 628.
(1)
تفسير مجاهد ص 752 ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 377 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 397 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (11699)، وعنه النحاس - كما في تفسير القرطبي 20/ 201 - عن عمرو بن علي به، وأخرجه ابن مردويه - كما في الدر المنثور 6/ 397 - ومن طريقه الضياء في (125، 126) من طريق عامر بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 397 إلى ابن أبي حاتم.
(3)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 293.
رحلةَ الشتاء والصيفِ. ثم قال: فلا يتشاغَلوا بذلك عن الإيمان بالله واتِّباعك.
يستدلُّ بقوله: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} .
وكان بعضُ أهل التأويل [يوجّه تأويل ذلك إلى نحوِ القولِ الذي ذكرنا عن بعض البصريين، غير أنه كان]
(1)
يوجه تأويل قوله: {لإيلَافِ قُرَيْشٍ} . إلى أُلفةِ بعضهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: {لإِيلَافِ قُرَيْشٍ} . فقرأ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] إلى آخرِ السورة. قال: هذا الإيلافِ قريش؛ صنعتُ هذا بهم لألفة قريشٍ؛ لئلا أفرِّقَ أُلفَتَهم وجماعتَهم. إنما جاء صاحبُ الفيلِ ليستبيدَ حريمَهم، فصنَع الله به به
(2)
ذلك
(3)
.
وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ أن يقال: إن هذه اللامَ بمعنى التعجبِ، وإن معنى الكلام: اعجَبوا لإيلافِ قريشٍ رحلة الشتاءِ والصيفِ، وتركِهم عبادةَ ربِّ هذا البيتِ، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف
(4)
. والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجبِ، اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها، كما قال الشاعرُ:
أغَرَّكَ أن قالوا لقُرَّةَ شاعرًا
…
فيا لِأباهُ من عَرِيفٍ وشاعِرِ
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(2)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 397 إلى المصنف.
(4)
بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".
فاكتُفِى باللام دليلًا على التعجب من إظهار الفعل، وإنما الكلامُ: أَغرَّكَ أن قالوا: اعجَبوا لقرَّةَ شاعرًا. فكذلك قوله: {لإِيلَافِ} .
وأما القولُ الذي قاله من حكَينا قولَه: إنها من صلة قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} . فإن ذلك لو كان كذلك، لوجَب أن يكون {لإيلَافِ} بعضَ {أَلَمْ تَرَ} ، وأن لا تكونَ سورةً منفصلةً من {أَلَمْ تَرَ} . وفى إجماع جميعِ المسلمين على أنهما سورتان تامَّتان، كلُّ واحدة منهما منفصلةٌ عن
(1)
الأخرى - ما يبينُ عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله:{لإِيلَافِ قُرَيْشٍ} من صلة قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5]. لم تكن {أَلَمْ تَرَ} * تامةً حتى توصل بقوله: {لإيلَافِ قُرَيْشٍ} ؛ لأن الكلام لا يتمُّ إلا بانقضاء الخبر الذي ذُكر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله:(إلْفِهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ). يقولُ: لزومهم
(2)
.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:{لإِيلَافِ قُرَيْشٍ} . قال: نهاهم عن الرحلة، وأمَرهم أن يعبُدوا ربَّ هذا البيت، وكفاهم المؤنةَ، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، فلم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم بعد ذلك من جوع،
(1)
في الأصل: "من".
• إلى هنا ينتهى الجزء السابع والأربعون من نسخة جامعة القرويين، وهو آخر الموجود منها لدينا.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 397 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وآمنهم من خوفٍ، وألِفوا الرحلةَ، فكانوا إذا شاءوا ارتحَلوا، وإذا شاءوا أقاموا، فكان ذلك من نعمة الله عليهم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة قال: كانت قريشٌ قد ألفوا بُصْرَى واليمنَ؛ يختلفون إلى هذه في الشتاء، وإلى هذه في الصيف، {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} . فأمرهم أن يقيموا بمكة
(1)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبى صالح:{لإِيلَافِ قُرَيْشِ (1) إيلَافِهِمْ} . قال: كانوا تُجَّارًا، فعلم الله حبَّهم للشامِ
(2)
.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة:{لإِيلَافِ قُرَيْشٍ} . قال: عادة قريشٍ؛ عادتُهم رحلةُ الشتاء والصيف
(3)
.
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {لإيلَافِ قُرَيْشٍ} : كانوا ألفوا الارتحالَ في القيظِ والشتاءِ.
وقوله: {إِيلَافِهِمْ} . مخفوضةٌ على الإبدال، كأنه قال: لإيلافِ قريش، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.
وأما "الرحلةُ" فنُصبت بقوله: {إِيلَافِهِمْ} . ووقوعه عليها.
وقوله: {رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} . يقولُ: رحلة قريشٍ الرحلتين؛ إحداهما
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 208، 209.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 398 إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 398 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 398 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
إلى الشام في الصيفِ، والأخرى إلى اليمن في الشتاء.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} . قال: كانت لهم رحلتان؛ الصيف إلى الشام، والشتاءَ إلى اليمن في التجارة، إذا كان الشتاءُ امتنع الشامُ منهم لمكان البرد، وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن
(1)
.
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ:{رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} .
قال: كانوا تُجَّارًا
(2)
.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن الكلبيِّ:{رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} . قال: كانت لهم رحلتان؛ رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلةٌ في الصيف إلى الشام
(3)
.
حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيم الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ ابنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} . قال: كانوا يَشْتُون بمكةَ، ويَصِيفون بالطائف
(4)
.
وقوله: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} . يقولُ: فليقيموا بموضعهم ووطنهم من مكةَ، وليعبُدوا ربَّ هذا البيت. يعنى بالبيت الكعبةَ.
كما حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 398 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
بعده في النسخ: "حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان". تكرار.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 398 عن معمر به.
(4)
تقدم تخريجه في ص 648.
إبراهيمَ، أن عمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه صلَّى المغرب بمكة، فقرأ:{لإيلافِ قُرَيْشٍ} ، فلما انتهى إلى قوله:{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} أشار بيده إلى البيت
(1)
.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ جعفر بن أبى المغيرةِ، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله:{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} . قال: الكعبة
(2)
.
وقال بعضُهم: أُمِروا أن يألَفوا عبادةَ ربَّ مكة كإلفهم الرحلتين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرو بن عبد الحميد الآمليُّ، قال: ثنا مروان، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله:{لإِيلافِ قُرَيْشٍ} . قال: أُمروا أن يألفوا عبادةَ ربِّ هذا البيتِ، كإلفهم رحلةَ الشتاء والصيف
(3)
.
وقوله: {الَّذِى أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ} . يقول: الذي أطعَم قريشًا من جوعٍ.
كما حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{الَّذِى أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ} : يعنى قريشًا أهلَ مكةَ؛ بدعوةِ إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَارْزُقَهُم مَّنَ الثَّمَرَاتِ}
(4)
[إبراهيم: 37].
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 492 من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 397 إلى سعيد بن منصور.
(2)
أخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في الدر المنثور 6/ 397 - ومن طريقه الضياء في المختارة (125، 126) من طريق عامر بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 398 إلى المصنف.
(4)
تقدم تخريجه في ص 650.
{وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ} . اختلَف أهل التأويل في معنى قوله: {وَءَامَنَهُم مِنْ خَوْفٍ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أنه آمنهم مما يخافُ منه مَنْ لم يكن من أهلِ الحرمِ؛ من الغاراتِ والحروبِ والقتالِ، والأمورِ التي كانت العرب يخافُ بعضُها من بعضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ} : حيث قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}
(1)
[البقرة: 126].
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ} . قال: آمنهم من كلَّ عدوٍّ في حرمِهم
(2)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{لإيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ} . قال: كان أهلُ مكة تجارًا، يتعاورون
(3)
ذلك شتاءً وصيفًا، آمِنين في العربِ، وكانت العربُ يُغيرُ بعضُها على بعض لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه من الخوف، حتى إن كان الرجل منهم ليُصابُ في حيٍّ من أحياءِ العربِ، وإذا قيل: حِرْمِيٌّ. خُلِّيَ عنه وعن مالِه؛ تعظيمًا لذلك فيما أعطاهم الله من الأمنِ
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه في ص 650.
(2)
تقدم تخريجه في ص 648.
(3)
في ص، ت 1، ت 2 ت:"يعتادون".
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 398 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ:{وَءَامَنَهُم مِنْ خَوْفٍ} . قال: كانوا يقولون: نحنُ من حَرَمِ اللهِ. فلا يَعرِضُ لهم أحدٌ في الجاهلية؛ يأمَنون بذلك، وكان غيرُهم من قبائل العربِ إذا خرج أغِيرَ عليه
(1)
.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ} . قال: كانت العربُ يُغيرُ بعضُها على بعض، ويَسْبِى بعضُها بعضًا، فأمنوا من ذلك لمكانِ الحرمِ. وقرأ:{أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجبَى إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلَّ شَيْءٍ}
(2)
[القصص: 57].
وقال آخرون: عُنِي بذلك: وآمنهم من الجُذَامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، قال: قال الضحاك: {وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ} . قال: من خوفهم من الجُذام
(3)
.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران
(4)
، عن سفيانَ:{وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ} .
قال: من الجُذامِ وغيره
(5)
.
حدثنا أبو كريب، قال: قال وكيعٌ: سمعتُ: {أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ} له. قال: الجوع، {وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ}: الخوفُ الجُذَامُ.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 398 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 398 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 209.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 398 إلى المصنف والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
بعده في ت 2: "وكيع".
(5)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 548، والقرطبي في تفسيره 20/ 209.
حدَّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: ثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، قال: ثنا خطاب بنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس:{وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ} . قال: الخوفُ الجُذَامُ
(1)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه آمَنَهم من خوف، والعدوُّ مَخُوفٌ منه، والجُذَامُ مَخُوفٌ منه، ولم يخصُصِ الله الخبر عن أنه آمنهم من العدوِّ دونَ الجُذام، ولا من الجُذام دونَ العدوِّ، بل عمَّ الخبر بذلك، فالصواب أن يُعَمَّ كما عمَّ جَلَّ ثناؤُه، فيقال: آمنهم من المعنيين كليهما.
آخرُ تفسير سورة "قريشٍ"
(1)
تقدم تخريجه في ص 648.
تفسير سورة "أرأيتَ"
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)} .
يعني تعالى ذكره بقوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1)} : أرأيتَ يا محمدُ الذي يُكذِّبُ بثوابِ الله وعقابِه، فلا يُطيعه في أمره ونهيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:{أَرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذَّبُ بِالدَّينِ} . قال: الذي يكذِّبُ بحكم الله عز وجل
(1)
.
حدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن [ابن جريجٍ:
(2)
] {يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} . قال: بالحسابِ
(3)
.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 399 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
في ت 1، ت 2، ت 3:"ابن أبي نجيح"، وبعده في ت 2، ت 3:"عن مجاهد".
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 399 إلى المصنف وابن المنذر.
وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبد الله: (أرأيْتَك
(1)
الَّذِي يُكَذِّبُ
(2)
). فالكافُ
(3)
في قراءته صلةٌ، دخولها في الكلام وخروجُها واحدٌ.
وقوله: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ} . يقولُ: فهذا الذي يُكذِّبُ بالدين هو الذي يَدفعُ اليتيم عن حقِّه، ويظلِمُه، يقال منه: دععتُ فلانًا عن حقِّه، فأنا أَدْعُّه دعًّا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ} . قال: يدْفَعُ حَقٌّ اليتيم.
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قول الله:{يَدُعُّ الْيَتِيمَ} . قال: يَدْفَعُ اليتيم فلا يُطعمه
(4)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} . أي: يَقْهَرُه ويَظْلِمُه.
(1)
في النسخ: "أرأيت". والمثبت من معاني القرآن 3/ 294، ومختصر الشواذ ص 181، 182، وهو الصواب؛ لموافقته للسياق، وينظر البحر المحيط 8/ 516، 517.
(2)
بعده في م: "الدين".
(3)
في م: "فالباء".
(4)
تفسير مجاهد ص 753، وذكره الحافظ في التغليق 4/ 378 عن المصنف من طريق عيسى.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة:{يَدُعُّ اليَتِيمَ} . قال: يَظْهرُه ويظلِمُه
(1)
.
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} . قال: يقهره.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان في قوله:{يَدُعُّ الْيَتِيمَ} .
قال: يدفعُه.
وقوله: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} . يقولُ تعالى ذكره: ولا يحثُّ غيرَه على إطعام المحتاج من الطعام.
وقوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} .
يَقولُ تعالى ذكره: فالوادى الذي يسيلُ من صديدِ أهل جهنم للمنافقين الذين يُصلُّون لا يريدون الله عز وجل بصلاتهم، وهم في صلاتهم ساهون إذا صلوها.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنهم يؤخرونها عن وقتها، فلا يُصلّونها إلا بعد خروجِ وقتها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سكنُ بن نافع الباهليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن خلفِ بن حوشبٍ، عن طلحةَ بن مُصرِّفٍ، عن مُصعب بن سعد، قال: قلتُ لأبي: أرأيتَ قولَ اللَّهِ عز وجل: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . أهى ترْكُها؟ قال:
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 399 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 399 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
لا، ولكن تأخيرُها عن وقتها
(1)
.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشام الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا عاصمُ بنُ بهدلةَ، عن مصعب بن سعد، قال: قلتُ لسعدٍ: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . أهو ما يحدِّثُ به أحدنا نفسَه في صلاته؟ قال: لا، ولكنَّ السهوَ أنْ يُؤخِّرَها عن وقتها
(2)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عاصم، عن مصعب بن سعد:{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: السهو التركُ عن الوقت.
حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عمران بن تمام البُناني، قال: ثنا أبو جمرة
(3)
الضُّبَعِيُّ نصر بن عمران، عن ابن عباسٍ في قوله:{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: الذين يؤخرونها عن وقتها
(4)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أَبْزَى:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: الذين يؤخِّرون الصلاةَ المكتوبةَ، حتى تخرج من الوقتِ أو عن وقتها.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق:{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} .
(1)
أخرجه البيهقي 2/ 214 من طريق خلف بن حوشب به، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 400 من طريق طلحة بن مصرف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.
(2)
أخرجه أبو يعلى (704)، والعقيلي في الضعفاء 3/ 377، وابن أبي حاتم في العلل 2/ 82، 83 والبيهقى 2/ 214 من طريق عاصم بن بهدلة به.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"حمزة". وينظر الإكمال 2/ 506، وتهذيب الكمال 29/ 362.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف.
قال: التركُ لوقتها.
حدثني أبو السائبِ، قال: ثنى أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قوله:{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: تضييعُ مِيقاتِها
(1)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى:{عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: تركُ المكتوبة لوقتها
(2)
.
حدثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابنُ زَحْرٍ، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبيحٍ:{عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} : الذين يُضيِّعونها عن وقتِها.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك أنهم يتركونها فلا يُصلُّونها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلَّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} : فهم المنافقون كانوا يُراءُون الناسَ بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارِيَّةَ بُغْضًا لهم، وهو الماعونُ
(3)
.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
(1)
أخرجه إسماعيل القاضي - كما في التمهيد لابن عبد البر 23/ 294 - من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 514.
(3)
أخرجه البيهقي في الشعب (6853) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 399 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
أبيه: عن ابن عباسٍ: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: هم المنافقون يَتْرُكون الصلاة في السرِّ، ويصلُّون في العلانية
(1)
.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد:{عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: التركُ لها
(2)
.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك أنهم يتهاونون بها، ويتغافلون عنها ويَلْهُون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله:{عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: لاهُونَ
(3)
.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} : غافلون
(4)
.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة:{عَن صلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: ساهٍ عنها، لا يُبالِى صلَّى أم لم يُصَلِّ
(5)
.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {الَّذِينَ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 399، 400 إلى المصنف وابن مردويه.
(2)
تفسير مجاهد ص 754 من طريق آدم ابن أبي إياس عن شيبان عن جابر عن مجاهد، وينظر البحر المحيط 8/ 517.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(4)
ذكره الطوسي في التبيان 10/ 415.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 399 عن معمر به.
هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}: يصلُّون، وليست الصلاة من شأنِهم
(1)
.
حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليثٍ، عن مجاهد في قوله:{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: يَتهاونون
(2)
.
وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ بقوله: {سَاهُونَ} : لاهُون يتغافلون عنها، وفي اللَّهْوِ عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ بذلك قولُ مَن قال: عُنى بذلك تركُ وقتها. وقولُ مَن قال: عُنِي به تركها. لما ذكرْتُ قبلُ مِن أنَّ في السهو عنها المعاني التي ذكرت.
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خبرانِ يؤيِّدان صحة ما قلنا في ذلك:
أحدهما: ما حدَّثني به زكريا ابنُ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا عمرو بن طارق، قال: ثنا عكرمة بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الملك بن عُميرٍ، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها"
(3)
.
والآخر منهما: ما حدثني به أبو كريبٍ، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن شيبانَ النحويِّ، عن جابر الجعفي، قال: ثنى رجلٌ، عن أبي بَرْزَةَ الأسلميِّ، قال: قال
(1)
تقدم نحوه في 7/ 613.
(2)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 552.
(3)
أخرجه العقيلي في الضعفاء 3/ 377 من طريق عمرو بن طارق به، وأخرجه أبو يعلى (822)، والبزار (1145)، وابن أبي حاتم في العلل 1/ 187، 188، والطبرانى في الأوسط (2276)، والبيهقي في سننه 2/ 214، 215، البغوي في تفسيره 8/ 552، وفي شرح السنة (397) من طريق عكرمة بن إبراهيم به، وذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 516 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى ابن المنذر وابن مردويه، وقال: قال الحاكم والبيهقي: الموقوف أصح.
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} : "اللَّهُ أكبرُ، هذه خيرٌ لكم من أن لو أُعْطى كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلَّى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربَّه"
(1)
.
حدثني أبو عبد الرحيم البرقيُّ، قال: ثني عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعتُ عمر بن سليمان يحدِّثُ عن عطاء بن دينار
(2)
أنه قال: الحمدُ للهِ الذي قال: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}
(3)
.
وكلا المعنيين اللَّذَين ذكرتُ في الخبرين اللَّذَين روينا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يحتمله
(4)
معنى السهو عن الصلاةِ.
وقوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} . يقولُ: الذين هم يُراءُون الناس بصلاتهم إذا صلَّوا؛ لأنهم لا يصلُّون رغبةً في ثوابٍ، ولا رهبةً من عقاب، وإنما يصلونها ليراهم المؤمنون فيظُنُّونهم منهم، فيَكُفُّون عن سفكِ دمائهم، وسَبْي ذَراريِّهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يستبطنون الكفر، ويُظهرون الإسلام، كذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامرٍ ومؤمَّلٌ، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي
(1)
تفسير مجاهد ص 754، وذكره ابن كثير في تفسيره عن المصنف، وقال: فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف وابن مردويه، وضعف إسناده.
(2)
في ت 1: "يسار" وهو موافق لما في الدر المنثور. والمثبت موافق لما تقدم في 4/ 526.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.
(4)
في م: "محتمل عن".
نجيح، عن مجاهدٍ:{الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . قال: هم المنافقون
(1)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثني يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في قوله:{يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: يُراءُون بصلاتهم
(2)
.
حدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يراءُونَ} . يعنى المنافقين.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قال: هم المنافقون، كانوا يُراءُون الناسَ بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد: ويصلون - وليس الصلاة من شأنهم - رياءً.
وقوله: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . يقولُ: ويمنعون الناس منافع ما عندهم.
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.
(2)
أخرجه الحاكم 2/ 536، ومن طريقه البيهقي 4/ 184، من طريق سفيان به مطولًا، وقال الحاكم هذا إسناد صحيح مرسل؛ فإن مجاهدا لم يسمع من علي. وقال الذهبي: منقطع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 400 إلى ابن أبي حاتم.
وأصلُ الماعونِ مِن كلِّ شيءٍ منفعته، يقال للماء الذي يَنْزِلُ مِن السحابِ: ماعونه
(1)
. ومنه قولُ أعشى بني ثعلبة
(2)
:
بأَجْوَدَ مِنْهُ بَمَاعُونِهِ
…
إذا ما سَمَاؤُهُمُ لم تَغِمْ
وقال آخرُ يصفُ سحابًا
(3)
:
* يَمُجُّ صَبِيرُهُ الماعونَ صَبًّا *
وقال عبيدٌ الراعي
(4)
:
قَوْمٌ على الإسلام لمَّا يَمْنَعُوا
…
مَاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلَا
يعني بالماعون الطاعة والزكاة.
واختلف أهل التأويل في الذي غنى به من معاني الماعون في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: عُنى به الزكاة المفروضةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: قال على رضي الله عنه في قوله: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: الزكاةَ.
حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: {الْمَاعُونَ} : الزكاةَ.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيان، وحدَّثنا ابن حميدٍ،
(1)
في ت 1، م:"ماعون".
(2)
ديوانه ص 39.
(3)
هذا شطر بيت استشهد به صاحب اللسان على أن الماعون هو المطر. ينظر اللسان (م ع ن).
(4)
ديوانه ص 206.
قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال:{الْمَاعُونَ} : الزكاةَ
(1)
.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، عن علي رضي الله عنه:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: يمنعون زكاة أموالهم
(2)
.
حدثني محمدُ بنُ عُمارة وأحمد بن هشامٍ، قالا: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن علي رضي الله عنه:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: الزكاة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{الْمَاعُونَ} . قال: الزكاة
(3)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي مثله
(4)
.
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، أن عليًّا رضي الله عنه كان يقولُ: الماعُونُ: الصدقة المفروضة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن
(1)
تفسير مجاهد ص 754، وأخرجه البيهقي 4/ 82 من طريق السدى به.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 202، 203، والحاكم 2/ 536، ومن طريقه البيهقي 4/ 184، كلهم من طريق سفيان به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 401 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
ذكره البيهقي 4/ 82، وابن كثير في تفسيره 8/ 516.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 399، والبيهقى 4/ 184 من طريق سفيان الثورى به.
مجاهد: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} : أَنَّ عليًّا رضي الله عنه قال: هي الزكاةُ
(1)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال:{الْمَاعُونَ} : الزكاة
(2)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيلٍ، عن أبى المغيرةِ، قال: سأل رجلٌ ابن عمر عن الماعون، قال: هو المالُ الذي لا يُؤَدَّى حقُّه.
قال: قلتُ: إِنَّ ابنَ أمِّ عبدٍ يقولُ: هو المتاعُ الذي يتعاطاه الناسُ بينهم. قال: هو ما أقولُ لك
(3)
.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سلمة، قال: سمِعتُ أبا المغيرة قال: سألتُ ابن عمر عن الماعون، فقال: هو منع الحقِّ.
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سلمة بن كهيلٍ، قال: سُئل ابن عمر عن الماعون، فقال: هو الذي يُسألُ حقَّ ماله ويمنعُه. فقال: إنَّ ابن مسعود يقولُ: هو القِدْرُ والدَّلْوُ والفَأْسُ. قال: هو ما أقولُ لكم.
حدثني هارون بنُ إدريس الأصمُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، أَنَّ ابنَ عمرَ سُئل عن قولِ الله:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: الذي يُسألُ مال الله فيمنعُه، فقال الذي سأله: فإِنَّ ابن مسعودٍ يقولُ: هو الفَأْسُ والقِدْرُ. قال ابنُ عمر: هو ما أقولُ لك.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 399 عن معمر به.
(2)
أخرجه البيهقي 4/ 184 من طريق سفيان الثورى به.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 399، والطبراني في الكبير (9012) من طريق الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 401 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كُهيلٍ، قال: سأل رجلٌ ابن عمر عن الماعون، فذكر مثله.
حدثني سليمانُ بنُ محمدِ بن مَعدِيكَرِبَ الرُّعَيْنِيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: ثني سلمة بن كهيلٍ، قال: سمعت أبا المغيرة - رجلًا من بنى أسد - قال: سألتُ عبد الله بن عمر عن الماعون، قال: هو منع الحقِّ. قلتُ: إِنَّ ابن مسعودٍ قال: هو منعُ الفَأْسِ والدَّلْوِ. قال: هو منعُ الحقِّ.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبى المغيرة، عن ابن عمر، قال: هي الزكاة
(1)
.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن أبي صالحٍ، عن عليٍّ مثله
(2)
.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا جابر بن يزيد
(3)
بن رفاعةَ، عن حسَّان بن مُخَارِقٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال:{الْمَاعُونَ} : الزكاةَ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة والحسنِ:{الْمَاعُونَ} . الزكاة المفروضة.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن أبي عمر، عن ابن الحنفية رضي الله عنه، قال: هي الزكاة
(4)
.
حدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 203 عن وكيع به.
(2)
تقدم الأثر بهذا الإسناد ص 666، 667.
(3)
في م: "زيد". وينظر تهذيب الكمال 4/ 472.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 203، 204 عن وكيع به.
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: الزكاةَ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: هم المنافقون يمنَعُون زكاةَ أموالِهم
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال:{الْمَاعُونَ} : الزكاةَ المفروضةَ
(1)
.
حدثَّنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عقبةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: منَعوا صدقاتِ أموالِهم، فعاب اللَّهُ عليهم
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ:{الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: هو المنافقُ الذي يمنعُ زكاةَ ماِله، فإن صلَّى راءَى، وإن فاتَتْه لم يَأْسَ عليها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ، عن الضحاكِ، قال: هي الزكاةُ
(2)
.
وقال آخرون: هو ما يتعاوَرُه
(3)
النَّاسُ بينَهم مِن مثلِ الدَّلْوِ والقِدْرِ ونحوِ ذلك.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 516).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 203) عن وكيع به.
(3)
اعْتَوَروا الشئَ وتعوَّروه وتعاوَروه: تداولوه فيما بينهم. اللسان (ع و ر).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا ابنُ
(1)
إدريسَ، عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن
(2)
يحيى بن الجزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَيْنِ، أنه قال لعبدِ اللَّهِ: أَخبِرْنى عن الماعونِ. قال: هو ما يتعاوَرُه الناسُ بينَهم
(3)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سمِعتُ يحيى بن الجزَّارِ يحدِّثُ عن أبى العُبَيْدَيْنِ، رجلٍ مِن بنى تميمٍ ضريرِ البصرِ، وكان يَسأَلُ عبد اللَّهِ بن مسعودٍ، وكان ابنُ مسعودٍ يَعْرِفُ له، فسأل عبدَ اللَّهِ عن الماعونِ، فقال عبدُ اللَّهِ: إِنَّ مِن الماعونِ منعَ الفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ، خَصْلَتَانِ مِن هؤلاء الثلاثِ. قال شعبةُ: الفَأْس ليس فيه شكٌّ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن يحيى بن الجزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ علَيةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتيبةَ، عن يحيى بن الجزَّارِ، أنَّ أبا العُبَيْدَيْنِ - رجلًا مِن بنى تميمٍ كان ضريرَ البصرِ - سأل ابنَ مسعودٍ عن الماعونِ، فقال: هو مَنْعُ الفأسِ والدَّلْوِ. أو قال: مَنْعُ الفَأْسِ والقِدْرِ.
(1)
بعده في م: (أبى). وينظر تهذيب الكمال (14/ 293).
(2)
في م: (بن). وينظر تهذيب الكمال (7/ 114)، (31/ 251).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 202) عن ابن إدريس به، وأخرجه الحاكم (2/ 361) من طريق الأعمش به مطولًا، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 400) إلى سعيد بن منصور والفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(4)
أخرجه البيهقى (6/ 88) من طريق شعبة به.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن يحيى بن الجزَّارِ، أنَّ أبا العُبَيْدَينِ سأل ابنَ مسعودٍ عن الماعونِ، قال: هو ما يتعاوَرُه الناسُ بينَهم؛ الفَأْسُ والقِدْرُ والدَّلْوُ
(1)
.
حدَّثنا أحمدُ بن منصورٍ الرَّمادِيُّ، قال: ثنا أبو الجوَّابِ، عن عمَّارِ بن رُزَيقٍ، عن أبى إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنا أصحابَ محمدٍ نحدِّثُ أنَّ الماعونَ القِدْرُ والفَأْسُ والدَّلْوُ
(2)
.
قال أبو بكرٍ: قال أبو الجوَّابِ: وخالَفه زهيرُ بنُ معاويةَ فيما حدَّثنا به الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن أبى العَبَيْدينِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبى إسحاقَ
(3)
، عن أبى العُبَيْدَينِ وسعدِ
(4)
بن عِياضٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنا أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم نتحدَّثُ أنَّ الماعونَ الدَّلْوُ والفأْسُ والقِدْرُ، لا يُسْتَغْنى عنهنَّ
(5)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
(6)
أبى إسحاقَ، عن سعدِ بن عياضٍ - قال أبو موسى: هكذا قال غُنْدَرٌ - عن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: إنَّ مِن الماعونِ الفَأْسَ والدَّلْوَ والقِدْرَ
(7)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 203) مفرقًا عن وكيع به.
(2)
أخرجه الطبراني في الأوسط (1472) من طريق أبى إسحاق به.
(3)
بعده في م: (عن حارثة).
(4)
في م، ت (1):(سعيد)، وينظر تهذيب الكمال (10/ 293).
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 517) عن المصنف به، وأخرجه الطبراني في الكبير (9010) من طريق أبى الأحوص به.
(6)
بعده في م: (ابن).
(7)
أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 203) من طريق شعبة به.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن سعدِ بن عِياضٍ، يحدِّثُ عن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثلِه
(1)
.
قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ عِياضٍ يحدِّثُ عن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَه.
حدَّثنا خلَّادٌ، قال: أخبَرنا النَّضْرُ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن أبى العُبَيْدينِ، قال: قال عبدُ اللهِ: {الْمَاعُونَ} : القِدْرَ والفَأْسَ والدَّلْوَ.
حدَّثنا خلَّادٌ، قال: أخبَرنا النَّضْرُ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، قال: أخبَرنا سلمةُ بنُ كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، وكانت به زَمانةٌ، وكان عبدُ اللَّهِ يَعْرِفُ له ذلك، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، ما الماعونُ؟ قال: ما يتعاطَى الناسُ بينَهم مِن الفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ وأَشباهِ ذلك
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبى العُبَيْدَيْنِ، أنه سأل ابنَ مسعودٍ عن الماعونِ، فقال: ما يتعاطاه الناسُ بينَهم.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن الحسنِ وسلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الفَأْسُ والدَّلْوُ والقِدْرُ وأَشباهُه.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 203) عن عبد الرحمن بن مهدى به، وعلقه البخارى في التاريخ الكبير (4/ 61، 62) عن سفيان به.
(2)
تفسير مجاهد ص (754)، والبيهقى (4/ 183) من طريق المسعودى به.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، أنه سأل ابنَ مسعودٍ عن قولِه:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن الحارثِ بن سُويدٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: الفَأْسُ والقِدْرُ والدَّلْوُ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن الحارثِ بن سُويدٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال:{الْمَاعُونَ} : مَنعُ الفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ.
حدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الحارثِ بن سُويدٍ، عن عبدِ اللَّهِ، أنه سُئل عن:{الْمَاعُونَ} . قال: ما يتعاوَرُه
(2)
الناسُ بينَهم؛ الفَأْسُ والدَّلْوُ وشِبْهُه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الدَّلْوُ والفَأْسُ والقِدْرُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بن عِياضٍ، عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:{الْمَاعُونَ} : الفَأْسَ والقِدْرَ والدَّلْوَ.
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمِ، قال: سُئل عبدُ اللَّهِ عن: {الْمَاعُونَ} . قال: ما يتعاوَرُه الناسُ بينَهم؛ الفَأْسُ والقِدْرُ
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 203) من طريق الأعمش به بنحوه.
(2)
في ص، ت (1):(يتعاون).
والدَّلْوُ وشِبْهُه
(1)
.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قال: هو عاريَّةُ الناسِ؛ الفَأْسُ والقِدْرُ والدَّلْوُ ونحوُ ذلك، يعنى الماعونَ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ بمثلِه.
قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه، قال: الفَأْسُ والدَّلْوُ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ الأسديِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال:{الْمَاعُونَ} : العاريَّةَ
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو العاريَّةُ
(5)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ
(6)
، عن ابن أبي نجيحٍ، عن
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 202) عن أبى معاوية به.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 203) من طريق آخر عن إبراهيم به.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 203)، والبيهقى (4/ 183، 6/ 88) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 401) إلى آدم وسعيد بن منصور وابن المنذر والضياء في المختارة.
(4)
أخرجه الطبراني في الكبير (12354)، والحاكم (2/ 536) من طريق سفيان به.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 399) عن سفيان الثورى به.
(6)
بعده في ت (1): (عن قتادة).
مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه
(1)
.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{الْمَاعُونَ} . قال: متاعَ البيتِ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، أُراه عن ابن عباسٍ - شكَّ أبو كريبٍ -:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: المتاعَ.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرَنا ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: هو متاعُ البيتِ.
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: يمنعونهم العاريَّةَ، وهو الماعونُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: اختلَف الناسُ في ذلك؛ فمنهم من قال: يمنعون الزكاةَ. ومنهم مَن قال: يمنعون الطاعةَ. ومنهم من قال: يمنعون العاريَّةَ
(3)
.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: لم يجئ أهلُها بعدُ
(4)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق (2/ 399) عن معمر به.
(2)
تفسير مجاهد ص (755)، ومن طريقه البيهقى (4/ 183، 184).
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 518)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 401) إلى ابن مردويه.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 203) عن ابن علية به.
حدَّثنى ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: {الْمَاعُونَ} : ما يتعاطى الناسُ بينهم.
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرَنا ابنُ علية، قال: ثنا ليثٌ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: {الْمَاعُونَ} : منعُ الزكاةِ والفَأْسِ والدَّلْوِ والقِدْرِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ النَّبِيلُ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال:{الْمَاعُونَ} : العاريَّةَ
(2)
.
حدَّثنى أبو حَصينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ في قولِ اللَّهِ:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . قال: الدَّلْوُ والقِدْرَ والفَأْسَ
(2)
.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن عاصمِ بن بهدلةَ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: كنا مع نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ونحنُ نقولُ: {الْمَاعُونَ} : منعُ الدَّلْوِ وأشباهِ ذلك
(3)
.
وقال آخرون: {الْمَاعُونَ} : المعروفَ.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 518) عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة (3/ 203) عن ابن علية به.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير (8/ 517).
(3)
أخرجه أبو داود (1657) - ومن طريقه البيهقى (4/ 183) - والبزار (1719)، والنسائى في الكبرى (11701) من طريق أبى عوانة به، وهو في تفسير مجاهد ص (755)، والبيهقى (4/ 183) من طريق عاصم، وأخرجه الطبراني في الأوسط (4589) من طريق أبى وائل به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ السُّلميُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ رِفاعةَ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ يقولُ: {الْمَاعُونَ} : المعروفَ
(1)
.
وقال آخرون: {الْمَاعُونَ} : هو المالُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: الماعونُ بلسانِ قريشٍ المالُ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، قال: الماعونُ بلسانِ قريشٍ المالُ
(3)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ؛ إذْ كان الماعونُ هو ما وصَفْنا قبلُ، وكان اللهُ قد أخبَرَ عن هؤلاءِ القومِ، وأنهم يَمْنعُونه الناسَ، خبرًا عامًّا، مِن غيرِ أن يَخُصَّ مِن ذلك شيئًا - أنْ يُقالَ: إِنَّ اللَّهَ وصَفهم بأنهم يَمْنعون الناسَ ما يتعاوَرُونه بينَهم، ويَمْنَعون أهلَ الحاجةِ والمسكنةِ ما أوجَب اللَّهُ لهم في أموالِهم مِن الحقوقِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك مِن المنافعِ التي يَنْتَفِعُ بها الناسُ بعضُهم مِن بعضٍ.
آخرُ تفسيرِ سورةِ (أرأيتَ)
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 518).
(2)
ينظر علل أحمد (2/ 59،58)(379).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 204، 10/ 469، 470)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (8/ 518) - من طريق وكيع به.
تفسيُر سورةِ "الكوثرِ"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
(3)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أعْطَيْناك يا محمدُ الكَوْثَرَ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكوثرِ؛ فقال بعضُهم: هو نهرٌ في الجنةِ أعطاه اللهُ نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن محاربِ بن دِثارٍ، عن ابن عمرَ أنه قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه ذهبٌ وفضةٌ، يَجْرى على الدُّرِّ والياقوتِ، ماؤُه أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَنِ، وأَحْلى مِن العسلِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن محاربِ بن دِثارٍ الباهليِّ، عن ابن عمرَ في قولِه:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه الذهبُ، ومَجْراه على الدُّرِّ والياقوتِ، وماؤُه أشدُّ بياضًا مِن الثلجِ، وأشدُّ حلاوةً مِن العسلِ، وتربتُه أطيبُ مِن ريحِ المسكِ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 522) عن المصنف، وأخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (1614) عن هشيم به، وأخرجه هناد في الزهد (131) من طريق عطاء به.
(2)
أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (67) من طريق جرير به.
ابن عباسٍ، قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه ذهبٌ وفضةٌ، يَجْرِى على الياقوتِ والدُّرِّ، ماؤُه أبيضُ مِن الثلجِ وأحلى من العسلِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شقيقٍ - أو مسروقٍ - قال: قلتُ لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، [حدِّثينى عن الكوثرِ]
(2)
. قالت: نهرٌ في بُطْنان الجنةِ. قلتُ: وما بُطْنانُ الجنةِ؟ قالت: وَسَطُ الجنةِ، حافَتاه قصورُ اللُّؤْلُؤَ والياقوتِ، ترابُه المسْكُ، وحصباؤُه اللُّؤْلُؤُ والياقوتُ
(3)
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُريجٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو النَّضْرِ وشَبَابةُ، قالا: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن رجلٍ، عن عائشةَ، قالت: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، ليس أحدٌ يُدْخِلُ إصْبَعَيه في أُذُنَيه إلا سمِع خريرَ ذلك النهرِ
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى جعفرٍ، وحدَّثنا ابنُ أبى سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن أنسٍ، قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ
(5)
.
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدةَ، عن عائشةَ، قالت: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، دُرٌّ مُجَوَّفٌ
(6)
.
قال
(7)
: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدة، عن عائشةَ:
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 522)، والبداية والنهاية (20/ 298) عن المصنف.
(2)
سقط من النسخ. والمثبت من تفسير ابن كثير.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 521) عن المصنف.
(4)
ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (20/ 299) عن ابن أبي نجيح به، وأخرجه البيهقى في البعث والنشور (143) عن ابن أبي نجيح، عن عائشة، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 402) إلى ابن مردويه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة.
(5)
ذكره ابن القيم في حادى الأرواح ص (139)، وابن كثير في البداية والنهاية (20/ 299) عن أبى نعيم.
(6)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 521) عن المصنف.
(7)
زيادة ضرورية.
الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، عليه مِن الآنيةِ عَددُ نجومِ السماءِ
(1)
.
قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى جعفرٍ الرازيِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عائشةَ، قالت: مَن أحبَّ أنْ يَسمعَ خريرَ الكوثرِ، فلْيَجْعَلْ إصْبعَيْه في أُذُنَيه
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدةَ، عائشةَ، قالت: نهرٌ في الجنةِ، شاطئاه الدُّرُّ المجوَّفُ.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبى معاذ عيسى بن يزيدَ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبيدةَ، عن عائشةَ، قالت: الكوثرُ نهرٌ في بُطْنانِ الجنةِ؛ وَسَطِ الجنةِ، فيه نهرٌ شاطئاه دُرٌّ مُجَوَّفٌ، فيه مِن الآنيةِ لأهلِ الجنةِ مثلُ عَددٍ نجومِ السماءِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: نهرٌ أعطاه اللَّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم في الجنةِ
(3)
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيْجٍ، قال: ثنا مَسعدةُ، عن عبدِ الوهابِ، عن مجاهدٍ، قال: الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، ترابُه مِسكٌ أَذْفَرُ، وماؤُه الخَمْرُ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ أَبى سُرَيجٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: نهرٌ في الجنةِ
(4)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 521) عن المصنف، وأخرجه البخارى (4965)، وفى تفسير مجاهد ص (756)، وأخرجه البيهقى في البعث والنشور (136) من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة (13/ 144)، وأحمد (6/ 281)(الميمنية)، وهناد في الزهد (139) - ومن طريقه الآجرى في الشريعة (1090)، والحافظ في التغليق (4/ 379) - والنسائى في الكبرى (11705)، وابن مردويه - كما في التغليق - والبيهقى في البعث والنشور (137) من طريق أبى إسحاق به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 521) عن المصنف، وأخرجه هناد في الزهد (141) عن وكيع به.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 522)، وفى البداية والنهاية (20/ 298)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 402) إلى ابن مردويه.
(4)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 523).
حدَّثنا الربيعُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن شَرِيكِ بن أبى نَمِرٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يحدِّثُنا، قال: لما أُسرِى برسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مضى به جبريلُ في السماءِ الدنيا، فإذا هو بنهرٍ عليه قصرٌ مِن لُؤْلُؤ وزَبَرْجَدٍ، فذهب يَشَمُّ تُرابَه، فإذا هو مِسكٌ، فقال:(يا جبريلُ، ما هذا النهرُ؟). قال: هو الكوثرُ الذي خَبَأ لك ربُّك
(1)
.
وقال آخرون: عُنِى بالكوثرِ الخيرُ الكثيرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ وعطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في الكوثرِ: هو الخيرُ الكثيرُ الذي أعطاه اللَّهُ إيَّاه. قال أبو بشرٍ: فقلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: فإنَّ ناسًا يزعُمون أنه نهرٌ في الجنةِ. قال: فقال سعيدٌ: النهرُ الذي في الجنةِ مِن الخيرِ الذي أعطاه اللَّهُ إِيَّاه
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن عطاءِ بن السائبِ، قال: قال لى محاربُ بنُ دِثارٍ: ما قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في الكوثرِ؟ قال: قلتُ: قال: قال ابنُ عباسٍ: هو الخيرُ الكثيرُ. فقال: صَدَق واللَّهِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال:{الْكَوْثَرَ} : الخيرَ الكثيرَ.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 520) عن المصنف، وتقدم مطولا في (14/ 416 - 420).
(2)
أخرجه البخارى (4966)، والبيهقى في البعث والنشور (139) من طريق يعقوب به دون ذكر عطاء، وأخرجه البخارى (6578) - ومن طريقه البغوي في تفسيره (8/ 557) - وفى تفسيره مجاهد ص (757)، دون ذكر أبى بشر - والحسين المروزى في زوائده على الزهد (1614)، والنسائى في الكبرى (11704)، والحاكم (2/ 537) - ولم يذكرا عطاء - من طريق هشيم به.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن الكوثرِ، فقال: هو الخيرُ الكثيرُ الذي آتاه اللَّهُ. فقلتُ لسعيدٍ: إنا كنا نَسمعُ أنه نهرٌ في الجنةِ. فقال: هو الخيرُ الذي أعطاه الله إيَّاه
(1)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: الخيرَ الكثيرَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارةَ بن أبى حفصةَ، عن عكرمةَ، قال: هو النبوَّةُ، والخيرُ الذي أعطاه اللَّهُ إيَّاه
(2)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: الخيرَ الكثيرَ، والقرآنَ والحكمةَ
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ أبى حفصةَ، عن عكرمةَ أنه قال:{الْكَوْثَرَ} : الخيرَ الكثيرَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: الخيرَ الكثيرَ
(3)
.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن هلالٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: أكثَر اللَّهُ له مِن الخيرِ. قلتُ: نهرٌ في الجنةِ؟ قال: نهرٌ وغيرُه.
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (11/ 497) عن محمد بن جعفر به.
(2)
أخرجه المروزى في زوائد الزهد (1615) من طريق عمارة به.
(3)
أخرجه هناد في الزهد (140) من طريق عطاء به.
ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الْكَوْثَرَ} : الخيرَ الكثيرَ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الْكَوْثَرَ} : الخيرَ الكثيرَ
(1)
.
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن مجاهدٍ:{الْكَوْثَرَ} . قال: الخيرَ كلَّه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: خيرَ الدنيا والآخرةِ
(2)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في الكوثرِ، قال: هو الخيرُ الكثيرُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال:{الْكَوْثَرَ} : الخيرَ الكثيرَ.
قال: ثنا وكيعٌ، عن بدرِ بن عثمانَ، سمِع عكرمةَ يقولُ في الكوثرِ، قال: ما أُعطِى النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن الخيرِ والنبوَّةِ والقرآنِ
(3)
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيجٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن بدرٍ، عن عكرمةَ قولَه:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: الخيرُ الذي أعطاه اللَّهُ النبوَّةُ والإسلامُ.
(1)
تفسير مجاهد ص (757)، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 402) إلى ابن مردويه.
(2)
أخرجه الحسين المروزى في زوائد الزهد (1615) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى ابن عساكر.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (11/ 508)، وهناد في الزهد (142) عن وكيع به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى ابن أبي حاتم وابن عساكر.
وقال آخرون: هو حَوْضُ أُعْطِيَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فِطرٍ
(1)
، عن عطاءٍ:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: حَوْضٌ في الجنةِ أَعْطِيَه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(2)
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا فِطرٌ
(1)
، قال: سألتُ عطاءً ونحنُ نطوفُ بالبيتِ عن قولِه: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال: حَوْضٌ أُعْطِيَه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: هو اسمُ النهرِ الذي أُعْطِيَه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الجنةِ، وصَفه اللَّهُ بالكثرةِ لعِظَمِ قَدْرِه.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لتتابعِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بأنَّ ذلك كذلك.
ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ العِجْليُّ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ أبى يحدِّثُ عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: لما عُرِج بنبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الجنةِ - أو كما قال - عَرَض له نهرٌ، حافَتاه الياقوتُ المُجَوَّفُ - أو قال: المُجَوَّبُ - فَضَرَب المَلَكُ الذي معه بيدِه فيه، فاستَخْرَج مِسْكًا، فقال محمدٌ للمَلَكِ الذي معه:(ما هذا؟). قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاك اللَّهُ. قال: ورُفِعَتْ له سِدْرَةُ المُنتهَى، فأبصَر عندَها أثرًا عظيمًا. أو كما قال
(3)
.
(1)
في م: (مطر). وينظر تهذيب الكمال (23/ 312).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (11/ 508) عن وكيع به، وأخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد (1611) من طريق فطر به.
(3)
أخرجه أبو داود (4748) - ومن طريقه البيهقى في البعث (127) - من طريق المعتمر به.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (بينما أنا أسيرُ في الجنةِ، إذ عَرَض لى نهرٌ، حافَتاه قِبابُ اللُّؤْلُؤَ المُجَوَّفِ. فقال المَلَكُ الذي معه
(1)
: أَتَدْرِى ما هذا؟ هذا الكوثرُ الذي أَعْطاك اللَّهُ إيَّاه. وضَرَب بيدِه إلى أَرْضِه، فأَخْرَج مِن طِينِه المِسكَ
(2)
).
حدَّثنى ابنُ عوفٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شيبانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لما عُرِج بى إلى السماءِ، أَتَيْتُ على نهرٍ حافتاه قِبابُ اللُّؤْلُؤَ المُجَوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاك ربُّك. فأَهْوَى المَلَكُ بيدِه، فاستَخْرَج طِينَه مِسكًا أَذْفَرَ)
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (دخَلْتُ الجنةَ، فإذا أنا بنهرٍ حافَتاه خِيامُ اللُّؤْلُؤَ، فَضَرَبْتُ بيدِى إلى ما يَجْرِى فيه، فإذا مِسكٌ أَذْفَرُ). قال: (قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاكه اللَّهُ)
(4)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فذكَر نحوَ حديثِ يزيدَ، عن
(1)
في ت (1): (معى).
(2)
أخرجه ابن حبان (6474)، والآجرى في الشريعة (934، 1086) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد (21/ 106)(13425) من طريق سعيد به، وأخرجه الترمذى (3360) من طريق قتادة به.
(3)
أخرجه أحمد (20/ 399)(13156)، والبخارى (4964)، وفى تفسير مجاهد ص (756)، والبيهقى في البعث (124) من طريق آدم به.
(4)
أخرجه أحمد (19/ 66)(12008)، والحسين المروزى في زوائد الزهد (1612)، والآجرى في الشريعة (935) من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه ابن أبي شيبة (11/ 437، 13/ 147)، وأحمد (19/ 195، 21/ 299)(12151، 13776)، وهناد في الزهد (134)، والنسائى في الكبرى (11706)، وأبو يعلى (3290، 3725، 3823)، وابن حبان (6473)، والآجرى في الشريعة (396)، والحاكم (1/ 79، 80)، والخطيب في تاريخ بغداد (11/ 45)، والبغوى في تفسيره (8/ 558)، وفى شرح السنة (4343) من طريق حميد به، وأخرجه أحمد (20/ 18، 21/ 200)(12542، 13578)، وأبو يعلى (3290، 3529) من طريق ثابت، عن أنس.
سعيدٍ، [الذي حدَّثنا بشرٌ]
(1)
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ أبى سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو أيوبَ العباسُ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن مسلمٍ ابنُ أخى ابن شهابٍ، عن أبيه، عن أنسٍ، قال: سُئل رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الكوثرِ، فقال:(هو نهرٌ أَعْطانِيه اللَّهُ في الجنةِ، تُرابُه مِسكٌ، أَبْيَضُ مِن اللَّبَنِ، وأَحْلَى مِن العَسَلِ، تَرِدُه طيرٌ أعناقُها مثلُ أَعْناقِ الجُزُرِ). قال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنها لناعمةٌ. قال:(آكِلُها أَنْعَمُ منها)
(2)
.
حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال:[أخبَرنا النَّضْرُ، قال]
(3)
: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرِو بن علقمةَ بن
(4)
وقَّاصٍ اللَّيثيُّ، عن كثيرٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (دَخَلْتُ الجنةَ حينَ عُرِج بى، فأُعْطِيتُ الكوثرَ، فإذا هو نهرٌ في الجنةِ، عِضَادَتاه
(5)
بُيُوتٌ مُجَوَّفَةٌ مِن لُؤْلُؤُ).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ، عن يزيدَ بن الهادِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن شهابٍ، عن أنسٍ، أنَّ رجلًا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما الكوثرُ؟ قال:(نهرٌ أَعْطانِيه اللَّهُ في الجنةِ، لَهو أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَنِ، وأَحْلَى مِن العَسَلِ، فيه طيورٌ أَعْناقُها كأَعْناقِ الجُزُرِ). قال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنها لناعمةٌ. قال:(آكِلُها أَنْعَمُ منها)
(6)
.
(1)
في م: (حدثنا بشر قال). والحديث أخرجه أحمد (20/ 301، 21/ 460)(12990، 14082)، والبخارى (6581)، وأبو يعلى (2876)، والبيهقى في البعث (126) من طريق همام به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 520) عن المصنف، وأخرجه أحمد (21/ 132)(13475)، والبيهقى في البعث (132) من طريق أبى أيوب به، وأخرجه الترمذى (2542) من طريق محمد بن عبد الله بن مسلم به، وعنده (عمر) مكان (أبى بكر).
(3)
سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال (8/ 351).
(4)
بعده في م: (أبى). وينظر تهذيب الكمال (26/ 212).
(5)
عضادتا الباب: ناحيتاه، وما كان نحو ذلك فهو العضادة. التاج (ع ض د).
(6)
أخرجه النسائي في الكبرى (11703) عن محمد بن عبد الله بن الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم، عن ابن شهاب، عن أنس به.
حدَّثنا يونسُ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنى اللَّيثُ، عن ابن الهادِ، عن عبدِ الوهابِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن شهابٍ، عن أنسٍ، أنَّ رجلًا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم. فذكرَ مثلَه
(1)
.
[حدَّثنا عمرُ بنُ عثمانَ بن عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، أنَّ أخاه عبدَ اللَّهِ أخبَره]
(2)
، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ صاحبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أخبَره، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الكوثرُ؟ فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (هو نهرٌ أَعْطانيه اللَّهُ في الجنةِ، ماؤُه أَبْيَضُ مِن اللَّبنِ، وأَحْلَى مِن العَسَلِ، فيه طُيُورٌ أَعْناقُها كأَعْناقِ الجُزُرِ). فقال عمرُ: إنها لناعمةٌ يا رسولَ اللَّهِ. فقال: (آكِلُها أَنْعَمُ منها)
(3)
.
فقال عمرُ بنُ عثمانَ: قال ابنُ أبى أُوَيسٍ: وحدَّثنى أبى، عن ابن أخى الزهريِّ، عن أبيه، عن أنسٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الكوثرِ مثلَه
(4)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، قال: ثنا عطاءٌ، عن مُحاربِ بن دِثارٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه مِن ذهبٍ، ومَجْرَاه على الياقُوتِ والدُّرِّ، تُرْبَتُه أَطْيَبُ مِن المِسكِ، وماؤُه أَحْلَى مِن العَسَلِ، وأشدُّ بياضًا مِن الثَّلْجِ)
(5)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده (21/ 30)(13306) من طريق الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم، عن ابن شهاب، عن أنس.
(2)
كذا في النسخ، وهناك سقط ظاهر؛ نتيجة انتقال نظر الناسخ، وغالب الظن أن الإسناد كان هكذا: (حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن الزهرى، قال حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثني أبى، عن ابن شهاب الزهرى، أن أخاه عبد الله أخبره
…
)، فحدث انتقال نظر. ينظر الإسناد الآتى، وينظر كذلك تهذيب الآثار (979، 988) السفر الثاني من مسند عمر بن الخطاب، وتفسير ابن كثير (8/ 521).
(3)
أخرجه أحمد (21/ 136، 139)(13480، 13484)، والحاكم (2/ 537)، من طرق عن أبى أويس عن الزهرى عن أخيه عبد الله به.
(4)
أخرجه الآجرى في الشريعة (1087) من طريق ابن أخى الزهرى به.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة (11/ 440، 13/ 144)، وهناد في الزهد (132)، والترمذى (3361)، وابن ماجه (4334)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (8/ 522) - والآجرى في الشريعة (1085)، والبغوى في شرح السنة (4341)، والذهبى في ذيل تذكرة الحفاظ ص (48) من طريق محمد بن فضيل به، =
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائبِ، قال: قال لى محاربُ بنُ دِثارٍ: ما قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في الكوثرِ؟ قلتُ: حدَّثنا عن ابن عباسٍ أنه قال: هو الخيرُ الكثيرُ. فقال: صَدَقَ واللَّهِ، إنه لَلْخيرُ الكثيرُ، ولكن حدَّثنا ابنُ عمرَ قال: لما نزَلت: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} . قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ، حافَتاه مِن ذَهَبٍ، يَجْرِى على الدُّرِّ والياقُوتِ)
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:(الكوثرُ نهرٌ في الجنةِ). قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (رأَيْتُ نهرًا، حافَتاه اللُّؤْلُؤُ، فقلتُ: يا جبريلُ، ما هذا؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أَعْطاكه اللَّهُ)
(2)
.
حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبى مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرِ بن أبى كثيرٍ، قال: أخبَرنا حَرامُ
(3)
بنُ عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، عن أُسامةَ بن زيدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أتى حمزةَ بنَ عبدِ المطلبِ يومًا فلم يَجِدْه، فسأل امرأتَه عنه، وكانت مِن بنى النَّجارِ، فقالت: خرَج، بأبى أنت، آنفًا عامدًا نحوَك، فأظنُّه أخطأك في بعضِ أزقَّةِ بنى النَّجارِ، أوَ لا تَدْخُلُ يا رسولَ اللَّهِ؟ فدخَل، فقدَّمَت إليه حَيْسًا
(4)
، فأكَل منه، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، هنيئًا لك ومَرِيئًا، لقد جئتَ وإنى لأُريدُ
= وأخرجه أحمد (9/ 257)(5355)، والدارمى (2/ 337، 338)، وفى تفسير مجاهد ص (756) من طريق عطاء به، وأخرجه الطبراني (13306) من طريق عكرمة، عن ابن عمر.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 523) عن المصنف، وأخرجه الطيالسى (2045) - ومن طريقه البيهقى في البعث (141، 142) - وأحمد (10/ 145)(5913)، والحاكم (3/ 543) - وعنه البيهقى في البعث (140) من طريق عطاء به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 401)، وأحمد (20/ 109)(12675)، وعبد بن حميد (1187)، والترمذى (3359)، وأبو يعلى (3186) من طريق معمر به.
(3)
في م: (حزام)، وفى ت:(2)(عرام)، وفى ت (3):(عزام). وينظر الجرح والتعديل (3/ 282)، وتهذيب الكمال (24/ 583).
(4)
الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن. التاج (ح ى س).
أنْ آتيَك فأُهنِّيَك وأُمْرِيَك؛ أخبَرنى أبو عُمارَة أنك أُعطيتَ نهرًا في الجنةِ يُدْعَى الكوثرَ. فقال: (أَجَلْ، وعَرْضُه - يعنى أَرْضَه - ياقوتٌ ومَرْجانٌ وزَبَرْجَدٌ ولُؤْلُو)
(1)
.
وقولُه: {فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في الصلاةِ التي أمَر اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنْ يُصلِّيَها بهذا الخطاب، ومعنى قولِه:{وَانْحَرْ} ؛ فقال بعضُهم: حضَّه على المواظبةِ على الصلاةِ المكتوبةِ، وعلى الحفظِ عليها في أوقاتها بقولِه:{فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ} .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبى زيادِ بن أبى الجعدِ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيّ، عن عقبةَ بن ظُهيرٍ، عن عليٍّ رضي الله عنه في قولِه:{فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ} . قال: وَضْعُ اليمينِ على الشمالِ في الصلاةِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بن سلمةَ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، عن عقبةَ بن ظَبْيانَ، عن أبيه، عن عليٍّ رضي الله عنه:{فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ} . قال: وَضْعُ اليدِ على اليدِ في الصلاةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِىّ، عن عقبةَ بن ظَبْيانَ
(2)
، عن أبيه، عن عليٍّ رضي الله عنه:{فَصَلِّ لِرَبَّكَ وَانْحَرْ} . قال: وَضْعُ يدِه اليمنى على وَسَطِ ساعدِه اليُسْرَى، ثم وَضْعُهما على
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 523) عن المصنف، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى المصنف وابن مردويه.
(2)
في م: (ظهير). وهو مما قيل في اسمه. ينظر الجرح والتعديل (6/ 313).
صَدْرِه.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشعبيِّ مثلَه
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، عن عقبةَ بن ظُهيرٍ، عن عليٍّ رضي الله عنه:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: وَضْعُ اليمنى
(2)
على الشمالِ في الصلاةِ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبى القَمُوصِ في قولِه:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: وَضْعُ اليدِ على اليدِ في الصلاة.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا أبو صالحٍ الخُرَاسانيُّ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، عن أبيه، عن عقبةَ بن ظَبْيانَ، أنَّ عليَّ بنَ أبى طالبٍ رضي الله عنه قال في قولِ اللَّهِ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: وَضْعُ يدِه اليمنى على وَسَطِ ساعدِه الأيسرِ، ثم وَضْعُهما على صَدْرِه
(4)
.
وقال آخرون: بل عُنِى بقولِه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} : الصلاةُ المكتوبةُ، وبقولِه:{وَانْحَرْ} . أنْ يرفَعَ يدَيْه إلى النَّحْرِ عندَ افْتتاحِ الصلاةِ والدخولِ فيها.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير (8/ 523).
(2)
في م: (اليمين).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 401)، وابن أبي شيبة (1/ 390) عن وكيع به، وأخرجه البخارى في تاريخه (6/ 437) - ومن طريقه البيهقى (2/ 29) - من طريق يزيد به.
(4)
أخرجه البخارى في الكبير (6/ 437) - ومن طريقه البيهقى (6/ 437) - من طريق حماد به، وأخرجه الحاكم (2/ 537)، والبيهقى في الكبرى (2/ 29) من طريق حماد به دون ذكر عاصم الجحدرى، وعزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطنى في الأفراد وأبى الشيخ وابن مردويه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبى جعفرٍ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} : الصلاةُ، {وَانْحَرْ}: يرفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلَ ما يُكَبِّرُ في الافتتاحِ
(1)
.
وقال آخرون: عُنِى بقولِه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} : المكتوبةُ، وبقولِه:{وَانْحَرُ} : نَحْرُ البُدْنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سلْمٍ وهارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: الصلاةُ المكتوبةُ ونَحْرُ البُدْنِ
(2)
.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، وحجَّاجٍ، [عن عطاءٍ]
(3)
، أنهما قالا في قولِه:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: صلاةُ الغَداةِ بِجَمْعٍ، ونَحْرُ البُدْنِ بمِنًى
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فِطْرٍ
(5)
، عن عطاءٍ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: صلاةُ الفجرِ، وانْحَرِ البُدْنَ
(6)
.
(1)
عزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى المصنف
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 401، 402) من طريق ابن أبي نجيح به.
(3)
سقط من م، وفى ت (1):(وعطاء). وحجاج هو ابن أرطاة، وعطاء هو ابن أبي رباح. ينظر تهذيب الكمال (5/ 420).
(4)
ذكره البغوي في تفسيره (8/ 559).
(5)
في م: (قطر). وينظر تهذيب الكمال (23/ 312).
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 401، 402) من طريق فطر به.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: الصلاةُ المكتوبةُ، والنَّحْرُ: النُّسُكُ والذَّبْحُ يومَ الأضحى
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ في قولِه:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: صلاةُ الفجرِ
(2)
.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: صلِّ يومَ النحرِ صلاةَ العيدِ، وانْحَرْ تُشكَك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن جابرٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْحْرُ قبلَ أنْ يُصلِّىَ، فأُمِر أنْ يُصلِّيَ ثم يَنْحَرَ
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ: فصلِّ الصلاةَ، وانْحَرِ النُّسكَ
(4)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ثابتِ بن أبى صفيةَ، عن أبى جعفرٍ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ} . قال: الصلاةُ. وقال عكرمةُ: الصلاةُ ونَحْرُ النُّسُكِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: إذا صلَّيتَ يومَ الأَضْحى فانْحَرْ (2).
(1)
عزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير (8/ 523).
(3)
عزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى المصنف.
(4)
ينظر تفسير البغوي (8/ 559)، وتفسير ابن كثير (8/ 523).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا فِطْرٌ
(1)
، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: تُصلِّي وتَنْحَرُ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: اذْبَحْ.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبانُ بنُ خالدٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: الذَّبْحُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: نَحْرُ البُدْنِ، والصلاةُ يومَ النَّحْرِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: صلاةُ الأَضْحى، والنَّحْرُ نَحْرُ البُدْنِ
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: مناحرُ البُدْنِ بمِنًى
(4)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: نَحْرُ النُّسُكِ
(4)
.
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . يقولُ: اذْبَحْ يومَ النَّحْرِ
(5)
.
(1)
في م، ت (1):(قطر).
(2)
ينظر تفسير البغوي (8/ 559).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 401) عن معمر به.
(4)
ينظر تفسير البغوي (8/ 559)، وتفسير ابن كثير (8/ 523).
(5)
أخرجه البيهقى (9/ 259) من طريق أبى صالح به.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: نَحْرُ البُدْنِ.
وقال آخرون: قيل ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنَّ قومًا كانوا يُصلُّون لغيرِ اللَّهِ، ويَنْحَرُون لغيرِه، فقيل له: اجْعَلْ صلاتَك ونَحْرَك للَّهِ؛ إذْ كان مَن يكفُرُ باللَّهِ يجعَلُه لغيرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أبو صخرٍ، عن محمدٍ بن كعبٍ القرظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . يقولُ: إِنَّ ناسًا كانوا يُصلُّون لغيرِ اللَّهِ، ويَنْحَرون لغيرِ اللَّهِ، فإذا أَعْطيناك الكوثرَ يا محمدُ، فلا تكُنْ صلاتُك ونَحْرُك إلا لى
(1)
.
وقال آخرون: بل أُنزِلت هذه الآيةُ يومَ الحُدَيْبِيَةِ، حينَ حُصِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه وصُدُّوا عن البيتِ، فأَمَره اللَّهُ أنْ يُصلِّيَ، ويَنْحَرَ البُدْنَ، ويَنْصَرِفَ، ففعل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى أبو صخرٍ، قال: ثنى أبو معاويةَ البَجَليُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قال: كانت هذه الآيةُ - يعنى قولَه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} - يومَ الحُدَيْبِيَّةِ؛ أتاه جبريلُ عليه السلام فقال: انْحَرْ وارْجِعْ. فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فخطَب [خُطبةَ الفِطْرِ والنحرِ]
(2)
، ثم ركَع ركعتَين،
(1)
ذكره البغوي في تفسيره (8/ 559)، والقرطبى في تفسيره (20/ 220).
(2)
كذا في النسخ، وفى الدر المنثور:(خطبة الأضحى).
ثم انصرَف إلى البُدْنِ فنحَرها، فذلك حينَ يقولُ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
(1)
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فصلِّ وادْعُ ربَّك وسَلْه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: صلِّ لربِّك وسَلْ
(2)
.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ
(3)
يتأوَّلُ قولَه: {وَانْحَرْ} : واستقبِلِ القبلةَ بنَحْرِك. وذكَر أنه سمِع بعضَ العربِ يقولُ: منازلُهم تَتَناحَرُ. أي: هذا بَنَحْرِ هذا. أي قُبالَتَه. وذكَر أن بعضَ بنى أسدٍ أنشَده:
أبا حَكَم هَلْ أَنْتَ عَمُّ مُجَالدٍ
…
وسَيِّدُ أَهْلِ الأَبْطَحِ المُتَناحِرِ
أي: يَنْحَرُ بعضُه بعضًا.
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فاجْعَلْ صلاتَك كلَّها لربِّك خالصًا دونَ ما سِواه مِن الأندادِ والآلهةِ، وكذلك نَحْرُك، اجْعَله له دونَ الأوثانِ، شكرًا له على ما أَعْطاك مِن الكرامةِ والخيرِ الذي لا كُفْءَ له، وخصَّك به، مِن إعطائِه إيَّاك الكوثرَ.
وإنما قلتُ: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بما أكرَمه به مِن عَطِيَّتِه وكرامتِه وإنعامِه عليه بالكوثرِ، ثم أَتْبَع ذلك قولَه:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . فكان معلومًا بذلك أنه خصَّه بالصلاةِ له والنَّحْرِ على
(1)
عزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى المصنف وابن مردويه.
(2)
عزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 403) إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(3)
هو الفراء في معاني القرآن (3/ 296).
الشكرِ له، على ما أَعْلَمه من النعمةِ التي أَنْعَمها عليه، بإعطائِه إيَّاه الكوثرَ، فلم يكُنْ لخصوصِ بعضِ الصلاةِ بذلك دونَ بعضٍ، وبعضِ النَّحْرِ دونَ بعضٍ، وجْهٌ؛ إذْ كان حقًّا على الشكرِ على النِّعمِ.
فتأويلُ الكلامِ إذنْ: إنَّا أعطيناك يا محمدُ الكوثرَ؛ إنعامًا منَّا عليك به، وتَكرِمةً منَّا لك، فأَخْلِصْ لربِّك العبادةَ، وأَفْرِدْ له صلاتَك ونُسُكَك، خلافًا لما يفعلُه مَن كفَر به وعبَد غيرَه ونَحَر للأوثانِ.
وقولُه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {إنَّ شَانِئَكَ} : إِنَّ مُبْغِضَك يا محمدُ وعدوَّك، {هُوَ الْأَبْتَرُ} . يعنى بالأَبْتَرِ الأَقلَّ الأذَلَّ المُنقَطِعَ دابرُه الذي لا عَقِبَ له.
واختلَف أهلُ التأويل في المعنيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به العاصُ بنُ وائلٍ السهميُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . يقولُ: عدوَّك
(1)
.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ [قولَه:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} ]
(2)
. قال: هو العاصُ بنُ وائلٍ
(3)
.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان (2/ 57) - وابن مردويه - كما في التغليق (4/ 378) - من طريق أبى صالح به.
(2)
سقط من: ص، ت (1)، ت (2)، ت (2).
(3)
عزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 404) إلى المصنف وابن مردويه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هلالِ بن خبَّابٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} .
قال: هو العاصُ بنُ وائلٍ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن هلالٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن قولِه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . قال: عدوُّك العاصُ بنُ وائلٍ أَنْبَتَر مِن قومِه.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . قال: العاصُ بنُ وائلٍ، قال: أنا شانئُ محمدٍ، ومَن شَنَأه الناسُ فهو الأَبْتَرُ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ
(3)
: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . قال: هو العاصُ بنُ وائلٍ، قال: أنا شأنئٌ محمدًا، وهو أَبْتَرُ، ليس له عَقِبٌ. قال اللَّهُ:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}
(4)
.
قال قتادةُ: الأَبْتَرُ هو
(5)
الحَقِيرُ الدَّقيقُ الذليلُ
(6)
.
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 524).
(2)
تفسير مجاهد ص (757).
(3)
كذا في النسخ والدر المنثور، وفى تفسير عبد الرزاق:(الكلبى).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 402) عن معمر، عن الكلبى.
(5)
سقط من: م، ت (2)، ت (3).
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 402) عن معمر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص (464) - إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم كله من قول قتادة.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وإِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} : هذا العاصُ بنُ وائلٍ، بلَغنا أنه قال: أنا شأنىُء محمدٍ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . قال: الرجلُ يقولُ: إنما محمدٌ أَبْتَرُ، ليس له كما تَرَوْن عَقِبٌ. فقال الله:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}
(1)
.
وقال آخرون: بل غُنِى بذلك عقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، قال: كان عقبةُ بنُ أبى مُعَيْطٍ يقولُ: إنه لا يَبْقى للنبيِّ
(2)
ولدٌ، وهو أَبْتَرُ. فأنزل اللَّهُ فيه هؤلاءِ الآياتِ:{إِنَّ شَانِئَكَ} . عُقْبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ، {هُوَ الْأَبْتَرُ}
(3)
.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك جماعةٌ مِن قريشٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: (51)]. قال: نَزَلت في كعبِ بن الأشرفِ، أتى مكةَ فقال له أهلُها: نحنُ
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره (20/ 223).
(2)
بعده في النسخ: "صلى الله عليه وسلم". وعقبة لا يقوله.
(3)
عزاه السيوطى في الدر المنثور (6/ 404) إلى المصنف وابن أبي حاتم.
خيرٌ أم هذا الصُّنْبورُ
(1)
المُنْبَتِرُ مِن قومِه، ونحن أهلُ الحَجِيج، وعندَنا مَنْحَرُ البُدْنِ؟ قال: أنتم خيرٌ. فأنزَل اللَّهُ فيه هذه الآيةَ، وأنزَل في الذين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}
(2)
.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن بدرِ بن عثمانَ، عن عكرمة:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . قال: لما أُوحِى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت قريشٌ: بُتِر محمدُ منَّا. فنزلت: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . قال: الذي رَماك بالبَتْرِ هو الأَبْتَرُ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، قال: أنبأنا داودُ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم كعبُ بنُ الأشرفِ مكةَ أَتَوْه، فقالوا له: نحنُ أهل السِّقايةِ والسِّدانة، وأنت سيدُ أهل المدينةِ، فنحنُ خيرٌ أم هذا الصُّنْبُورُ المُنْبَترُ من قومه، يزعُمُ أنه خيرٌ منَّا؟ قال: بل أنتم خيرٌ منه. قال
(4)
: فنزَلت عليه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} . قال: وأُنزِلت عليه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} إلى قوله: {نَصِيرًا}
(5)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أنْ يُقالَ: إِنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر أن
(1)
الصنبور: هو الأبتر. وأصل الصنبور: سَعَفة تنبت في جذع النخلة لا في الأرض. وقيل: هي النخلة المنفردة التي يدق أسفلها. أرادوا أنه إذا قلع انقطع ذكره كما يذهب أثر الصنبور؛ لأنه لا عقب له. النهاية 3/ 55.
(2)
تقدم تخريجه في 7/ 143.
(3)
عزاه السيوطى في الدر المنثور - كما في المخطوطة المحمودية ص 464 - إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(4)
سقط من: ت 2، ت 3.
(5)
تقدم تخريجه في 7/ 142، 145.
مُبْغِضَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هو الأقلُّ الأذلُّ، المنقطع عَقِبُه، فذلك صفةُ كلِّ مَن أَبْغَضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخصٍ بعينِه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الكوثرِ"
تفسير سورةِ "الكافرون"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} .
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم وكان المشركون من قومه فيما ذُكر عَرَضوا عليه أن يعبُدوا اللَّهَ سَنةً، على أَنْ يَعْبُدَ نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنةً، فأَنزَلَ اللَّهُ مُعَرِّفه جوابهم في ذلك -: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين الذين سألوك عبادةَ آلهتِهم سنةً، على أن يَعْبُدوا إلهَك سنةً:{يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} باللَّهِ،
{لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} مِن الآلهةِ والأوثانِ الآنَ،
{وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} الآنَ،
{وَلَا أَنَا عَابِدٌ} فيما أستقبِلُ، {مَا عَبَدْتُمْ} فيما مضى،
{وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ} فيما تَستَقْبلون أبدًا، {مَا أَعْبُدُ} أنا الآنَ وفيما أستقبلُ.
وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّ الخطاب من اللَّهِ كان لرسوله صلى الله عليه وسلم في أشخاصٍ بأعيانهم من المشركين، قد عُلم أنهم لا يؤْمِنون أبدًا، وسبَق لهم ذلك في السابقِ مِن علمِه، فأمَر نبيَّه صلى الله عليه وسلم اللَّهِ أن يُؤْيِسَهم مِن الذي طَمِعوا فيه وحدَّثوا به أنفسهم، وأنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه ولا منهم في وقتٍ من الأوقاتِ، وآيَس نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن الطمعِ في إيمانِهم، ومن أنْ يُفلِحوا أبدًا، فكانوا كذلك لم يُفْلِحوا ولم يُنْجِحوا، إلى أنْ قُتِل بعضُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ، وهلَك بعضٌ قبَل ذلك كافرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت به الآثارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا أبو خلفٍ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس: إِنَّ قريشًا وَعَدُوا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعطوه مالًا فيكونَ أَغْنى رجلٍ بمكةَ، ويُزوِّجوه ما أراد مِن النساءِ، ويَطَئوا عَقِبَه، فقالوا له: هذا لك عندَنا يا محمدُ، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تَذْكُرْها بسوءٍ، فإن لم تَفْعَلْ، فإِنا نَعْرِضُ عليك خَصْلَةً واحدةً، فهى لك ولنا فيها صلاحٌ. قال:"ما هي؟ ". قالوا: تعبُدُ آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزَّى، ونعبُدُ إلهَك سنةً. قال:"حتى أَنْظُرَ ما يأتي مِن عندِ ربِّي". فجاء الوَحْى من اللَّوح المحفوظ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} السورة، وأنزل اللَّهِ:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} إلى قوله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}
(1)
[الزمر: 64 - 66].
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني سعيدُ بنُ مِينا مولى البخْتَرِيِّ
(2)
، قال: لقى الوليدُ بنُ المغيرةُ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ المطلبِ، وأميَّةُ بنُ خلف، رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمدُ، هلُمَّ فلنعبُدْ ما تعبُدُ، وتعبُدْ ما نعبُدُ، ونَشْرَكُك في أمرِنا كلِّه، فإن كان الذي جئتَ به خيرًا مما بأيدِينا، كنا قد شَرَكناك فيه، وأخَذْنا بحظِّنا منه، وإنْ كان الذي بأيدِينا خيرًا مما في يدَيك، كنتَ قد شَركْتَنا في أمرنا، وأخَذْتَ منه بحظِّك. فأنزَل اللَّهِ: {قُلْ يَاأَيُّهَا
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 337، وأخرجه الطبراني في الصغير 1/ 265 من طريق أبي خلف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 404 إلى ابن أبي حاتم.
(2)
في تاريخ المصنف: "مولى أبى البختري". وهو البختري بنُ أبى ذباب كما في ترجمة سعيد بن مينا. ينظر تهذيب الكمال 11/ 84.
الْكَافِرُونَ}. حتى انقضَتِ السورة
(1)
.
وقوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: لكم دينُكم فلا تَتْرُكونه أبدًا؛ لأنه قد خُتِم عليكم، وقضى ألا تَنْفَكُّوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولىَ ديني الذي أنا عليه، لا أَتْرُكُه أبدًا؛ لأنه قد مضَى في سابقِ علمِ اللَّهِ أنى لا أنتقِلُ عنه إلى غيرِه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} . قال: للمشركين. قال: واليهودُ لا يعبُدون إلا اللَّهِ ولا يشركون، إلا أنهم يكفُرون ببعضِ الأنبياءِ وبما جاءوا به من عندِ اللَّهِ، ويكفرون برسولِ اللَّهِ وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وقتلوا طوائف الأنبياءِ ظلمًا وعُدْوانًا. قال: إلا العِصابَة التي بَقُوا حتى خرج بُخْتُنَصَّرَ، فقالوا: عُزيرٌ ابنُ اللَّهِ، دَعِيُّ
(2)
اللَّهِ. ولم يعْبُدوه
(3)
ولم يَفْعلوا كما فعَلتِ النصارى، قالوا: المسيحُ ابنُ اللَّهِ وعبَدوه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ
(4)
يقولُ: كرَّر قوله: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وما بعدَه على وجْهِ التوكيدِ، كما قيل:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6]. وكقوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 6، 7].
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الكافرون"
(1)
أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 337، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 404 إلى ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، وينظر سيرة ابن هشام 1/ 362.
(2)
في النسخ: "دعا". والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
(3)
في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يعبدوا".
(4)
هو الفراء في معاني القرآن 3/ 288.
تفسير سورةِ "النصرِ"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
(3)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: إذا جاءك نصر اللَّهِ يا محمدُ على قومك من قريشٍ، {وَالْفَتْحُ} فتح مكةَ،
{وَرَأَيْتَ النَّاسَ} مِن صنوفِ العربِ وقبائِلها؛ أهلُ اليمنِ منهم، وقبائلُ نِزارٍ، {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}. يقولُ: في دينِ اللَّهِ الذي ابتَعَثك به، وطاعتِه
(1)
التي دعاهم إليها، {أَفْوَاجًا}. يعنى: زُمَرًا؛ فَوْجًا فَوْجًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ما قلنا في قوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . فتحُ مكةَ
(2)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ اللَّهِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} : النصرُ حينَ فتَح اللَّهِ عليه ونصَره.
(1)
في م: "طاعتك".
(2)
تفسير مجاهد ص 758، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 406 إلى المصنف وابن المنذر.
حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى، قال: أخبرنا الحسينُ بنُ عيسى الحنفيُّ، عن معمر، عن الزهريِّ، عن أبي حازمٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: بينا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ، إذ قال:"اللهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، جاء نَصْرُ اللَّهِ والفْتَحُ، جاء أهلُ اليمنِ". قيل: يا رسولَ اللَّهِ، وما أهل اليمن؟ قال: "قومٌ رَقِيقَةٌ قُلوبُهم، ليِّنَةٌ طاعتُهم
(1)
، الإيمانُ يمانٍ، [والفِقْهُ يمانٍ]
(2)
، والحِكْمَةُ يمانِيَةٌ"
(3)
.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ مِن قولِ: "سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، أستغْفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه". قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَراك تُكْثِرُ قول:"سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، أستغْفِرُ اللَّهِ وأتوبُ إليه". فقال: "خَبَّرَنِي ربِّي أنِّي سأَرَى علامةً في أُمَّتى، فإذا رأيتُها أَكْثَرْتُ مِن قول: سبحانِ اللَّهِ وبحمدِه، [أستغْفِرُ اللَّهِ]
(4)
وأتوبُ إليه. فقد رأيتُها: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ؛ فتح مكةَ، {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} "
(5)
.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوِه.
(1)
في م: "طباعهم".
(2)
سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
(3)
ذكره ابنُ كثير في تفسيره 8/ 530. عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى (2505) - وعنه ابن عدي في الكامل 2/ 766 - عن إسماعيل بنُ موسى به، وأخرجه البزار (2837 - كشف)، وابن حبان (7298) من طريق الحسين بن عيسى به، وأخرجه ابن عدي في الكامل 2/ 766 من طريق الحسين، عن معمر، عن الزهري، عن عكرمة، عن ابنُ عباس، وأخرجه الدارمي 1/ 37، والنسائي في الكبرى (11712)، والطبراني (11903، 11904)، وفى الأوسط (1996)، وفي مسند الشاميين (493) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وقال أبو حاتم في العلل 2/ 158: هذا حديث باطل، ليس له أصل، الزهري، عن أبي حازم لا يجيء.
(4)
في م: "أستغفره".
(5)
أخرجه مسلم (484/ 220) - ومن طريقه البغوي في تفسيره 8/ 577 - عن محمد بن المثنى به.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، [عن مسروقٍ]
(1)
، عن عائشةَ، قالت: كان نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ قبلَ موتِه مِن قول: "سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه". ثم ذكَر نحوَه
(2)
.
حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع بنحوِه
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . قال النبيُّ: صلى الله عليه وسلم "جاء نصر اللَّهِ، وجاء الفَتْحُ، وجاء أهلُ اليمنِ". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، وما أهلُ اليمنِ؟ قال: "رَقِيقَةٌ قُلوبُهم، ليِّنَةٌ طاعتُهم
(4)
، الإيمانُ يمانٍ، والحِكْمَةُ يمانِيَةٌ"
(5)
.
وأما قوله: {أَفْوَاجًا} . فقد تقدَّم ذكرُه في معنى أقوالِ أهلِ التأويلِ.
وقد حدَّثني الحارثُ
(6)
، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} . قال: زُمَرًا زُمَرًا
(7)
.
وقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} . يقولُ: فسبِّحْ ربَّك وعظِّمْه، بحمدِه وشكرِه على ما أنْجز لك مِن وعدِه، فإنك حينئذٍ لاحقٌ به، وذائقٌ ما ذاق مَن قَبْلَك
(1)
سقط من: ص، م، ت 1، ت 2.
(2)
أخرجه أبو عوانة 2/ 187 من طريق عبد الوهاب به، وأخرجه ابنُ سعد في الطبقات 2/ 192، وأحمد 6/ 35، 184، والحسين المروزى في زوائده على الزهد (1130، 1132) من طريق داود به.
(3)
أخرجه ابن حبان (6411) من طريق خالد بنُ عبد الله به.
(4)
سقط من ت 1، وفي م:"طباعهم".
(5)
ذكره ابنُ كثير في تفسيره 8/ 530 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 404، 405 عن معمر عن أيوب عن عكرمة.
(6)
بعده في النسخ: "قال حدثنا بشر قال حدثنا يزيد". وهو إسناد دائر معروف، فلعله وهم من النساخ.
(7)
تفسير مجاهد ص 758.
مِن رسلِه مِن الموتِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيد بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنَّ عمر بنُ الخطابِ رضي الله عنه سألهم عن قولِ اللَّهِ:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . قالوا: فتحُ المدائنِ والقصورِ. قال: فأنت يابنَ عباسٍ، ما تقولُ؟ قلتُ: مَثَلٌ ضُرب لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، نُعِيتُ إليه نفسُه
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بنُ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ أنَّ عمر بنُ الخطاب رضي الله عنه كان يُدْنِيه، فقال له عبدُ الرحمنِ: إنَّ لنا أبناءً مثلَه. فقال عمرُ: إنه من حيثُ تَعْلَمُ. قال: فسأله عمرُ عن قولِ اللَّهِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} السورة. فقال ابنُ عباسٍ: أَجَلُه، أعلَمه اللهُ إِيَّاه. فقال عمرُ: ما أعلم منها إلا مثلَ ما تعلمُ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ، ابن عباسٍ، قال: قال عمرُ رضي الله عنه: ما هي؟ - يعنى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} - قال ابنُ عباسٍ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} حتى بلغ:
(1)
أخرجه البخارى (4969)، والبيهقى في الدلائل 5/ 447 من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 407 إلى ابن مردويه.
(2)
أخرجه الترمذى (3362) عن محمد بن بشار به. وأخرجه البخاري (3627، 4430)، والترمذي (3362)، والطبراني (10616)، والبيهقي في الدلائل 7/ 167 من طريق شعبة به. وأخرجه أحمد 5/ 231 (3127)، والبخارى (4294، 4970)، وابن سعد 2/ 365، والبزار (192)، والطبراني (10617) من طريق أبي بشر به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 407 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.
{وَاسْتَغْفِرْهُ} : إنك ميتٌ. فقال عمرُ: ما نعلم منها إلا ما قلتَ
(1)
.
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزينٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . علم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه نُعِيَتُ إليه نفسُه، فقيل له:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلى آخرِ السورةِ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريب وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ، قال: لما نزَلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نُعِيَتْ إليَّ نفسِي، كأَنِّي مَقْبُوضٌ في تلك السنةِ"
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . قال: ذاك حينَ نعَى له نفسَه، يقولُ: إذا رأيتَ الناسَ يَدْخُلون في دينِ اللَّهِ أَفواجًا؛ يعنى إسلامَ الناسِ، يقولُ: فذلك حينَ حضَر أجلُك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}
(4)
.
حدَّثني أبو السائبِ وسعيدَ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ
(1)
ذكره ابنُ كثير في تفسيره 8/ 530 عن المصنف.
(2)
أخرجه أحمد 5/ 275، 356 (3201، 3353) من طريق سفيان به بنحوه.
(3)
أخرجه أحمد 3/ 366 (1873) عن محمد بن فضيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 406 إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 6/ 624: وفي لفظه نكارة شديدة، وهى قوله: بأنه مقبوض في تلك السنة. وهذا باطل؛ فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها
…
وهذا ما لا خلاف فيه، وقد توفى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة بلا خلاف أيضًا.
(4)
ذكره ابنُ كثير في تفسيره 8/ 530 عن العوفي، عن ابن عباس.
أنْ يقول قبلَ أنْ يموتَ: "سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أستغْفِرُك وأتوبُ إليك". قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما هذه الكلماتُ التي أراك قد أحدَثْتَها تقولُها؟ قال: "قد جُعِلَتْ لى علامةٌ في أُمَّتى إذا رأيتُها قلْتُها، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ، إلى آخر السورةِ
(1)
.
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: ما سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منذ أُنزِلت عليه هذه السورةُ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلا
(2)
يقولُ قبلَها: "سبحانَك ربَّنا وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لى"
(3)
.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عائشة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَه
(4)
.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أنْ يقولَ في ركوعِه وسجودِه: "سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لى". يتأوَّلُ القرآنَ
(5)
.
(1)
أخرجه ابنُ أبي شيبة في مصنفه 10/ 258 - وعنه مسلم (484/ 218) - عن أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 408 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(2)
في م: (لا).
(3)
أخرجه أحمد 6/ 230 (الميمنية)، والبخارى (4967)، ومسلم (484/ 219) من طريق الأعمش به.
(4)
أخرجه أحمد 6/ 253، وابن خزيمة (847)، وأبو عوانة 2/ 186، وابن حبان (6412) من طريق ابن نمير به.
(5)
أخرجه أحمد 6/ 43 (الميمنية)، والبخارى (4968)، ومسلم (484/ 217)، وأبو داود (877)، وابن ماجه (889)، وابن خزيمة (605)، والبيهقى 2/ 109، والبغوي في شرح السنة (618) من طريق جرير به، وأخرجه ابن حبان (1928) من طريق جرير، عن منصور، عن أبى إسحاق، عن مسروق به، به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (2878)، وأحمد 6/ 49، 100، 190 (الميمنية)، والبخاري (794، 817، 4293)، والنسائى (1046، 1121، 1122)، وابن خزيمة (605)، والطحاوى في شرح معاني الآثار 1/ 234، وأبو عوانة 2/ 186، 187، والبيهقى 2/ 186 من طريق منصور به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 408 إلى ابن المنذر وابن مردويه.
حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داود، عن الشَّعْبِيِّ - قال داودُ: لا أعلمُه إلا عن مسروقٍ، قال
(1)
: وربما قال: عن مسروقٍ - عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أن يقول: "سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، أستغْفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه". فقلتُ: إنك تُكْثِرُ مِن هذا. فقال: "إِنَّ رَبِّي قد أَخْبَرَني أني سأَرَى علامةً في أُمَّتِى، وأَمَرني إذا رأيتُ تلك العلامةَ أَنْ أُسبِّحَ بحمدِه، وأستغْفِرَه إِنَّه كان توَّابًا، فقد رأيتُها؛ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ".
حدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا حفصٌ، قال: ثنا عاصمٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في آخرِ أمرِه لا يقومُ ولا يقعُدُ، ولا يذهبُ ولا عليه يجيءُ، إلا قال:"سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه". فقلتُ: يا رسول اللَّهِ، إنك تُكْثِرُ مِن:"سبحان اللَّهِ وبحمدِه"، لا تذهبُ ولا تجيءُ، ولا تقومُ ولا تقعدُ، إلا قلتَ:"سبحان اللَّهِ وبحمدِه". قال: "إِنِّي أُمِرتُ بها". فقال: " {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} " إلى آخرِ السورةِ
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن بعض أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: نزلت سورةُ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} كلُّها بالمدينةِ بعدَ فتحِ مكةَ ودخولِ الناسِ في الدينِ، يَنْعَى إليه نفسَه
(3)
.
قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادِ بن الحُصينِ، عن أبى العاليةِ، قال: لما نزَلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . ونُعِيَتْ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم نفسُه، كان
(1)
سقط من: م.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 533 عن المصنف وقال: غريب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 408 إلى المصنف وابن مردويه.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 408 إلى المصنف.
لا يقومُ مِن مجلسٍ يجلسُ فيه حتى يقولَ: "سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنت، أستغْفِرُك وأتوبُ إليك"
(1)
.
قال: ثنا الحكم بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: لما نزلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم مما يُكْثِرُ أن يقولَ: "سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، ربِّ اغْفِرْ لى وتُبْ عليَّ، إنك أنت التوابُ الرحيمُ".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} قرَأها كلَّها. قال ابنُ عباسٍ: هذه السورةُ عَلَمٌ وحَدٌ حَدَّه اللَّهِ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم ونَعَى له نفسَه، أي: إنك لن تعيشَ بعدَها إلا قليلًا. قال قتادةُ: واللَّهِ ما عاش بعدَ ذلك إلا قليلًا؛ سنتين، ثم تُوفِّى صلى الله عليه وسلم
(2)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن أبى معاذٍ عيسى بن
(3)
يزيدَ، عن أبي إسحاقَ، عن، عن أبي عبيدةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: لما نزَلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} كان يُكْثِرُ أنْ يقول: "سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لي، سبحانك ربَّنا وبحمدِك، اللهمَّ اغْفِرْ لي، إنك أنت التوابُ الغفورُ"
(4)
.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِ اللَّهِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} : كانت هذه
(1)
ينظر تفسير ابنُ كثير 8/ 530.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 406 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 404 عن معمر، عن قتادة، عن ابنُ عباس، دون قول قتادة.
(3)
في م: "أبى". وينظر تهذيب الكمال 23/ 58.
(4)
أخرجه الحاكم 2/ 538، 539 من طريق أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 408 إلى ابن مردويه.
السورةُ آيةً لموتِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} . قال: اعلمْ أنك ستموتُ عندَ ذلك
(2)
.
وقوله: {وَاسْتَغْفِرْهُ} . يقولُ: وسَلْه أَنْ يَغْفِرَ ذنوبَك، {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. يقولُ: إنه كان ذا رجوعٍ لعبدِه المطيعِ إلى ما يُحِبُّ.
والهاء مِن قوله: {إِنَّهُ} . مِن ذكرِ اللَّهِ عز وجل.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "النصرِ"
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 406 إلى المصنف.
(2)
تفسير مجاهد ص 758، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 406 إلى المصنف وابن المنذر.
تفسير سورةِ "تبت"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)} .
يقول تعالى ذكرُه: خَسِرت يدا أبي لهبٍ، وخَسِر هو. وإنما عُنِي بقولِه:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} : تبَّ عملُه. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: قولُه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} : دعاءٌ عليه مِن اللَّهِ.
وأما قوله: {وَتَبَّ} . فإنه خيرٌ. ويُذكَرُ أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
(1)
. وفى دخول "قد" فيه، دلالةٌ على أنه خَبَرٌ، ويُمثَّلُ ذلك بقولِ القائلِ لآخرَ: أَهْلَكَك اللَّهِ، وقد أَهْلَكَك. و: جعلك صالحًا، وقد جعَلك وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} : أي خَسِرت وتبَّ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} . قال: التبُّ: الخُسْرانُ. قال: قال أبو لهبٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ماذا أُعْطَى يا محمدُ إن آمنتُ بك؟ قال: "كما يُعْطَى المسلمون". فقال: ما
(1)
تفسير البغوي 8/ 582، وتفسير القرطبي 20/ 236، والبحر المحيط 8/ 525.
لى عليهم فضلٌ؟ قال: "وأيُّ شيءٍ تَبْتَغِي؟ ". قال: تبًّا لهذا من دينٍ تبًّا، أنْ أكونَ أنا وهؤلاء سواءً. فأنزَل اللَّهِ:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} . يقولُ: بما عمِلَت أيديهم
(1)
.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} . قال: خَسِرت يدا أبي لهب وخَسِر
(2)
.
وقيل: إنَّ هذه السورة نزلت في أبى لهبٍ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا خَصَّ بالدعوةِ عشيرتَه، إذْ نزَل عليه:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، وجمَعَهم للدعاءِ، قال له أبو لهبٍ: تبًّا لك سائرَ اليومِ، ألهذا دعَوْتَنا؟
ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرٍو، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صَعِد رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ الصفا، فقال:"يا صباحاه". فاجتمعت إليه قريشٌ، فقالوا: ما لَكَ؟ قال: "أرأيتَكُم إِنْ أَخْبَرْتُكُم أَنَّ العدوَّ مُصَبِّحُكم أو مُمَسِّيكم، أما كنتم تُصَدِّقونني؟ ". قالوا: بلى. قال: "فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدى عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك، ألهذا دعَوتَنا وجمَعتَنا؟ فأنزَل اللَّهِ:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} . إلى آخرِها
(3)
.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرٍو، عن سعيدِ ابنُ جبيرٍ، عن ابنُ عباسٍ مثلَه
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مرَّةَ، عن
(1)
ذكره القرطبي في تفسيره 20/ 235.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 406 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 409 إلى ابن المنذر.
(3)
تقدم تخريجه في 17/ 659.
سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]. قام رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على الصفا ثم نادى: "يا صَباحاه". فاجْتَمع الناسُ إليه، فبين رجلٍ يَجِيءُ، وبينَ آخرَ يَبْعَثُ رسولَه، فقال: "يا بني هاشمٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، يا بنى فِهْرٍ، يا بَنِي، يا بنى، أرأيتَكم لو أَخْبَرْتُكم أن خيلًا بسَفْحِ هذا الجبلِ تريدُ أن
(1)
تُغِيرَ عليكم صدَّقتمونى؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإني نذيرٌ لكم بينَ يدَى عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائرَ اليومِ، ألهذا دعوتَنا؟ فنزَلت:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مرَّةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} : ورَهْطَك منهم المخلصين، خرج رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حتى صَعِد الصفا، فهتف:"يا صَباحاه". فقالوا: مَن هذا الذي يهتِفُ؟ فقالوا: محمدٌ. فاجتَمعوا إليه، فقال:"يا بنى فلانٍ، يا بني فلانٍ، يا بني عبدِ المطلبِ، يا بني عبدِ منافٍ". فاجْتَمعوا إليه، فقال:"أرأيتَكم لو أَخْبَرْتُكم أن خيلًا تَخْرُجُ بسَفْحِ هذا الجبلِ، أكنتم مصدِّقيَّ؟ ". قالوا: ما جَرَّبنا عليك كذبًا. قال: "فإني نذيرٌ لكم بيَن يدَى عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك، ما جَمعْتَنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزَلت هذه السورةُ:(تَبَّتْ يَدَا أبِي لهَبٍ وقَدْ تَبَّ) - كذا قرَأ الأعمشُ - إلى آخرِ السورةِ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ في قولِه:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} . قال: حين أَرْسَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليه وإلى غيرِه، وكان أبو لهبٍ عمَّ
(1)
سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.
(2)
تقدم تخريجه في 17/ 659.
(3)
تقدم تخريجه في 17/ 660.
النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان اسمُه عبد العُزَّى، فذكَّرهم، فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك، في هذا أرسلتَ إلينا؟ فأنزلَ اللهُ:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} .
وقوله: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} . يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ شيءٍ أَغْنى عنه ماله ودفَع مِن سخطِ اللَّهِ عليه؟ {وَمَا كَسَبَ} ؟ وهم ولدُه.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ داودَ بن محمدِ بن المنكدرِ، قال: ثنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابن خُثَيم، عن أبى الطُّفَيلِ، قال: جاء بنو أبى لهبٍ إلى ابن عباسٍ، فقاموا يَخْتَصِمون في البيتِ، فقام ابنُ عباسٍ يَحْجِزُ
(1)
بينَهم، وقد كُفَّ بصرُه، فدفَعه بعضُهم حتى وقَع على الفراشِ، فغَضِب وقال: أَخْرِجوا عنى الكَسْبَ الخَبيثَ
(2)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن محمدِ بن سفيانَ، عن رجلٍ من بني مخزومٍ، عن ابن عباسٍ، أنه رأى يومًا من
(3)
ولدِ أبى لهبٍ يَقْتَتِلون، فجعَل يَحْجِرُ بينَهم ويقولُ: هؤلاء مما كسَب.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهد:{مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} . قال: ما كسَب: ولدُه
(4)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
(1)
في النسخ: "فحجز"، والمثبت من مصدر التخريج.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16631)، وفى تفسيره 2/ 406 عن معمر به.
(3)
سقط من: م.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16630) من طريق ابن جريج، عن مجاهد
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَمَا كَسَبَ} . قال: ولدُه، هم مِن كَسْبهِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَا كَسَبَ} . قال: ولدُه.
وقوله: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} . يقولُ تعالى ذكرُه: سيصلَي أبو لهبٍ نارًا ذاتَ لهبٍ.
وقوله: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . يقولُ: سيَصْلَى أبو لهبٍ وامرأتُه حمالةَ الحطبِ، نارًا ذاتَ لهبٍ.
واختَلفتِ القرأةُ في قراءةِ: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: (حَمَّالَةُ الْحَطَبِ) بالرفع
(2)
، غيرَ عبدِ اللَّهِ بن أبي إسحاقَ، فإنه قرَأ ذلك نصبًا فيما ذُكِر لنا عنه
(3)
.
واختُلف فيه عن عاصمٍ، فحُكِى عنه الرفعُ فيها والنصبُ
(4)
. وكأنَّ مَن رفعَ ذلك جعَله من نعتِ المرأةِ، وجعَل الرافعَ للمرأةِ ما تقدَّم مِن الخبرِ، وهو {سَيَصْلَى} ، وقد يجوزُ أنْ يكونَ رافعُها الصفةَ، وذلك قولُه:{فِي جِيدِهَا} ، وتكونَ (حَمَّالَةُ) نعتًا للمرأةِ. وأما النصب فيه فعلى الذَّمِّ، وقد يحتمل أنْ يكونَ نصبُها على القطعِ مِن المرأةِ؛ لأن المرأةَ مَعْرِفةٌ، و {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} نكرةٌ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا الرفعُ
(5)
؛ لأنه أفصحُ الكلامين فيه،
(1)
تفسير مجاهد ص 759.
(2)
هي قراءة نافع وابن كثير وحمزة والكسائي وأبي عمرو ويعقوب وأبي جعفر وخلف. النشر 2/ 302.
(3)
قرأ عيسى بن عمر - وهو تلميذ ابنُ أبي إسحاق - بالنصب، فلعله أخذها عنه، ينظر تهذيب التهذيب 8/ 234، وما تقدم في 12/ 505 وحاشيته.
(4)
قرأ عاصم بالنصب، ولم نجد من ذكَر عنه الرفعَ غير المصنف. ينظر السبعة ص 700، والنشر 2/ 302، والإتحاف ص 275.
(5)
القراءتان متواترتان وكلتاهما صواب.
ولإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ؛ فقال بعضُهم: كانت تجيءُ بالشَّوْكِ فتَطْرَحه في طريق رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ ليَدْخُلَ في قدمه إذا خرَج إلى الصلاةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قوله:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . قال: كانت تحمِلُ الشوكَ، فتَطْرحُه على طريقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ليَعْقِرَه وأصحابَه، ويقال:{حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} : نقَّالةَ الحديثِ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن هَمْدانَ يقالُ له: يزيدُ بنُ زيدٍ. أَنَّ امرأةَ أبي لهبٍ كانت تُلْقِي في طريقِ النبي صلى الله عليه وسلم الشَّوْكَ، فنزَلت:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ، {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} .
حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ محمدُ بنُ فِراسٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن قرَّةَ بن خالدٍ، عن عطية الجَدَليَّ في قولِه:{حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . قال: كانت تضعُ العِضَاةَ
(2)
على طريقِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فكأنما يطأُ به كثيبًا
(3)
.
حُدِّثتُ الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} : كانت تحملُ الشَّوْكَ،
(1)
في النسخ: "للحديث".
والأثر أخرجه البيهقي في الدلائل 2/ 183 من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 409 إلى ابن عساكر.
(2)
العضاه: كل شجر له شوك، الواحدة: عِضاهَةٌ. وعِضَهَةً وعِضَةٌ وعِضةٌ. اللسان (ع ض هـ).
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 536.
فتُلْقِيه على طريقِ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليَعْقِرَه
(1)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . قال: كانت تأتى بأغصانِ الشَّوْكِ، فتَطْرحُها بالليل في طريق رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(2)
.
وقال آخرون: قيل لها ذلك: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ؛ لأنها كانت تَحْطِبُ الكلامَ، وتَمْشِى بالنميمةِ، وتُعيِّرُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالفقْرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: قال أبو المعتمِرِ: زعَم محمدٌ أن عكرمةَ قال: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} : كانت تَمْشِي بالنميمةِ
(3)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . قال: كانت تمشى بالنميمةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
(4)
.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 536.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 409 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(3)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 535، وقد أخرج البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 139 من طريق آخر عن عكرمة عن ابن عباس مثله.
(4)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (263) من طريق سفيان به.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . قال: النميمةِ
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} : أي كانت تنقُلُ الأحاديثَ من بعض الناسِ إلى بعضٍ
(2)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . قال: كانت تَحْطِبُ الكلامَ، وتمشى بالنميمة. وقال بعضُهم: كانت تُعيِّرُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالفقرِ، وكانت تَحْطِبُ، فعُيِّرت بأنها كانت تَحْطِبُ
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . قال: كانت تمشى بالنميمةِ.
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: كانت تحمِلُ الشوكَ، فتَطرحُه في طريقِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. لأنَّ ذلك هو أظْهَرُ معنى ذلك.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن عيسى بنُ يزيدَ، عن أبي
(4)
إسحاقَ، يزيدَ زيدٍ، وكان ألزمَ شيءٍ لمسروقٍ، قال: لما نزَلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} . بلغ امرأةَ أبى لهبٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَهْجُوكِ، قالت: علامَ يهجُونى؟ هل
(1)
تفسير مجاهد ص 759 ومن طريقه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 380 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 409 إلى ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 409 إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(3)
أخرج عبد الرزاق في تفسيره 2/ 406 شطره الأول إلى قوله: بالنميمة. عن معمر به. وأخرج شطره الثاني في 2/ 406 عن معمر قوله.
(4)
في م: "ابن". وهو أبو إسحاق السبيعي. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال 22/ 102.
رأيتموني كما قال محمدٌ أحمِلُ حطبًا؛ في جيدِها حبلٌ مِن مَسَدٍ؟ فمكَثتْ ثم أَتَتْه، فقالت: إنَّ ربَّكَ قَلاك وودَّعك. فأنزل اللَّهِ: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
(1)
.
وقوله: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . يقولُ: في عنقها. والعربُ تُسمِّى العُنُقَ جيدًا، ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ
(2)
:
فعَيْناكِ عَيْناها ولَونُكِ لونُها
…
وجيدُكِ إلّا أنها غيرُ عاطلِ
(3)
وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ} . قال: في رقبتِها.
وقولُه: {حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . اختلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هي حبالٌ تكونُ بمكةَ
(4)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ
(1)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 409 إلى المصنف.
(2)
ديوانه 2/ 1341.
(3)
عطَلَت المرأة تَعْطَل عَطَلا وعُطولا وتعطَّلت: إذا لم يكن عليها حلى، ولم تلبس الزينة، وخلا جيدها من القلائد. اللسان (ع ط ل).
والشاعر يخاطب ظبية يشبهها بمحبوبته. ينظر ديوانه 2/ 1342.
(4)
في ت 1: "من شجر".
الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: حبلٌ مِن شَجَرٍ، وهو الحبلُ الذي كانت تَحْتَطِبُ به.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: هي حبالٌ تكونُ بمكةَ. ويقالُ: المَسَدُ: العصا التي تكونُ في البَكَرةِ. ويقالُ: المَسَدُ: قلادةٌ مِن وَدَعٍ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} ، قال: حبالٌ من شجرٍ تَنْبُتُ في اليمن لها مَسَدٌ، وكانت تُفْتَلُ، وقال:{حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} : حبلٌ مِن نارٍ في رقبتِها.
وقال آخرون: المَسَدُ اللِّيفُ
(2)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن يزيدَ، عن عروةَ:{فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: سلسلةٌ من حديدٍ، ذَرْعُها سَبْعون ذراعًا
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن رجلٍ يقالُ
(1)
أخرجه البيهقى في الدلائل 2/ 183 من طريق محمد بن سعد به.
(2)
في ت 1: "الملتف". وهذه الترجمة مخالفة لما سيأتي من الآثار، ويظهر أنه قد سقط الأثر أو الآثار التي ترجم لها المصنف هذه الترجمة، ويشهد لذلك ما قاله ابن كثير في تفسيره 8/ 536: وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سليم مولى الشعبي، عن الشعبي قال: المسد الليف.
وكذلك سقطت ترجمة الآثار التي سردها المصنف بعد، وتقديرها: وقال آخرون: المسد سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعًا. ذكر من قال ذلك والله أعلم.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 409 إلى المصنف وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.
له: يزيدُ. عن عروة بنُ الزُّبير: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: سلسلةٌ ذَرْعُها سبعون ذراعًا.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ، عن عروةَ بن الزبيرِ:{فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: سلسلةٌ ذَرْعُها سبعون ذراعًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ:{مِنْ مَسَدٍ} . قال: من حديدٍ
(1)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ:{فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: حبلٌ في عنقِها في النارِ مثلُ طوقٍ، طولُه سبعون ذراعًا
(2)
.
وقال آخرون: المَسَدُ: الحديدُ الذي يكونُ في البَكَرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: الحديدةُ التي تكونُ في البَكَرةِ
(2)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: عُودُ البكرةِ مِن حديدٍ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن
(1)
ذكره ابن حجر في تغليق التعليق 4/ 380 عن المصنف.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 536.
مجاهد: {حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: [كحديدةِ البكرةِ]
(1)
.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى
(2)
، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: قال أبو المعتمِرِ: زعم محمدٌ أنَّ عكرمة قال: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} : إنه الحديدةُ التي في وَسَطِ البَكَرةِ.
وقال آخرون: هو قِلادةٌ مِن وَدَعٍ في عنقِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: قِلادةٌ مِن وَدَعٍ.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . قال: قِلادةٌ مِن وَدَعٍ
(3)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هو حبلٌ جُمع مِن أنواعٍ مختلفةٍ. ولذلك اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه على النحوِ الذي ذكَرْنا، ومما يدلُّ على صحةِ ما قلنا في ذلك قولُ الراجزِ
(4)
:
ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أَيانِقِ
(5)
(1)
في م: "الحديدة للبكرة".
(2)
بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3:"قال ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة".
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 406، والبلاذري في أنساب الأشراف 1/ 140 من طريق معمر به.
(4)
البيتان في مجاز القرآن 2/ 315، والأول منهما في تاريخ دمشق 67/ 165 غير منسوبين. وذكرهما صاحب اللسان (ز هـ ق) ونسبهما إلى عثمان بن طارق، والصواب عمارة بن طارق، كما في مادة (م س د) وذكر هناك البيت الأول ونسبه إليه. قال ابن منظور: وقال أبو عبيدة: هو لعقبة الهجيمي.
(5)
أمر: فُتِل. وأيانق: جمع أَيْنق، وأَيْنُق: جمع ناقة. ينظر اللسان (م ر ر، ن و ق).
صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخٍّ زَاهِقِ
(1)
فجعَل إمرارَه من شتَّى، وكذلك المَسَدُ الذي في جِيدِ امرأَةِ أَبي لَهَبٍ أُمِرَّ مِن أشياءَ شتَّى؛ مِن لِيفٍ وحديدٍ ولِحاءٍ، وجُعِل في عنقِها طوقًا كالقِلادةِ مِن وَدَعٍ، ومنه قولُ الأعشى
(2)
:
تُمْسِى فَيَصْرِفُ بابُها مِن دُونِنَا
…
غَلَقًا صَرِيفَ مَحَالَةِ الأَمْسَادِ
يعنى بالأَمسادِ جمع مَسَدٍ، وهى الحبالُ.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "تَبَّت"
(1)
زاهق: سمين ومكتنز. ينظر اللسان (ز هـ ق).
(2)
ديوانه ص 129.
تفسير سورةِ "الإخلاصِ"
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ
(4)}.
ذُكر أنَّ المشركين سألوا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن نسبِ ربِّ العزةِ، فأنزَل اللَّهِ هذه السورةَ جوابًا لهم. وقال بعضُهم: بل نزَلت مِن أجلِ أنَّ اليهودَ سألوه، فقالوا له: هذا اللَّهِ خلَق الخلْقَ، فمن خلق اللَّهِ؟ فأُنزِلت جوابًا لهم.
ذِكْرُ مَن قال: أُنزِلت جوابًا للمشركين الذين سألوه أن ينسُبَ لهم الربَّ تبارك وتعالى
حدَّثنا أحمدُ بن منيعٍ المَرْوَزِيُّ ومحمودُ بن خِداشِ الطَّالْقَانيُّ، قالا: ثنا
أبو [سعدٍ الصغانيُّ]
(1)
، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال المشركون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: انسُبْ لنا ربَّك. فأنزَل اللَّهِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}
(2)
.
(1)
في م: "سعيد الصنعاني". وينظر تهذيب الكمال 33/ 346.
(2)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 222 عن المصنف، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 30، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى 17/ 221 - من طريق أحمد بن منيع ومحمود بن خداش به، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 7، والترمذى (3364)، والعقيلي في الضعفاء 4/ 141، وابن عدى في الكامل 6/ 2231، 2232، والواحدي في أسباب النزول ص 346، والبيهقي في الأسماء والصفات (607)، والخطيب في تاريخ بغداد 3/ 281 من طريق أحمد بن منيع به، وأخرجه أحمد 5/ 133، 134، والبخاري في التاريخ الكبير 1/ 245، وابن أبي عاصم في السنة (663)، وأبو الشيخ في العظمة (90) من طريق أبي سعد به، وأخرجه الحاكم 2/ 540، وعنه البيهقي في الاعتقاد ص 38،=
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، قال: إِنَّ المشركين قالوا: يا محمدُ
(1)
، أَخْبِرْنا عن ربِّكَ، صِف لنا ربَّك ما هو؟ ومن أي شيءٍ هو؟ فأنزَل اللَّهِ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إلى آخرِ السورةِ
(2)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ} . قال: قال ذلك قادةُ الأحزابِ، انسُبْ لنا ربَّك. فأتاه جبريلُ بهذه
(3)
.
حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا سُرَيْجٌ
(4)
، قال: ثنا إسماعيلُ بن مُجَالدٍ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن جابرٍ، قال: قال المشركون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: انسُبْ لنا ربَّك. فأنزل اللَّهِ تبارك وتعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
(5)
.
ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك من أجلِ مسألةِ اليهودِ
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدٍ، عن سعيدٍ، قال: أتَى رهطٌ من اليهودِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمدُ، هذا اللهُ خلَق
= والأسماء والصفات (50)، والشعب (101) من طريق أبي جعفر به.
(1)
في م، ت 1، ت 2، ت 3:"رسول اللَّهِ".
(2)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 222 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 410 إلى المصنف.
(3)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 410 إلى المصنف وابن الضريس من قول أبي العالية، وهو عند ابن الضريس في فضائل القرآن (244) من طريق أبي جعفر، عن الربيع قوله.
(4)
في م: "شريج". وينظر تهذيب الكمال 3/ 185.
(5)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 538 عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى (2044)، وعبد اللَّهِ بن أحمد في السنة (1185)، والطبرانى في الأوسط (5687)، وابن عدى في الكامل 1/ 313، وأبو نعيم في الحلية 4/ 335، والبيهقي في الأسماء والصفات (608)، والواحدى في أسباب النزول ص 346 من طريق إسماعيل بن مجالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 410 إلى ابن المنذر.
الخلْقَ، فمن خلَقه؟ فغَضب النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى انْتُقِع لونُه
(1)
، ثم ساوَرَهم
(2)
غضبًا لربِّه، فجاءه جبريلُ عليه السلام فسكَّنه، وقال: اخْفِضْ عليك جَناحَك يا محمدُ. وجاءه مِن اللَّهِ جوابُ ما سألوه عنه، قال: يقولُ اللَّهِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فلما تلا عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: صِفْ لنا ربَّك كيف خَلْقُه، وكيف عَضُده، وكيف ذِراعُه؟ فغَضِب النبيُّ صلى الله عليه وسلم أشدَّ مِن غضبِه الأوَّلِ، وساوَرَهم غضبًا، فأتاه جبريلُ فقال له مثلَ مقالتِه، وأتاه بجواب ما سألوه عنه:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}
(3)
[الزمر: 67].
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةً، عن قتادةَ، قال: جاء ناسٌ من اليهودِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: انسُبْ لنا ربَّك. فنزَلت: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى ختَم السورةَ
(4)
.
فتأويلُ الكلامِ إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا: قلْ يا محمدُ لهؤلاء السائليك عن نسبِ ربِّك وصِفتِه، ومَن خلَقه: الربُّ الذي سألتموني اللَّهِ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ، لا تَنْبِغى العبادةُ إلا له، ولا تصلُحُ لشيءٍ سواه.
واختلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ {أَحَدٌ} ؛ فقال بعضُهم
(5)
: الرافعُ له {اللَّهُ} ، و {هُوَ} عمادٌ بمنزلةِ الهاءِ في قولِه:{إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل: 9].
وقال آخر منهم
(6)
: بل هو مرفوعٌ - وإن كان نكرةً - بالاستئنافِ، كقولِه:(هذا بَعْلِي شيخٌ)
(7)
. وقال: {هُوَ اللَّهُ} . جوابٌ لكلامِ قومٍ قالوا له: ما الذي
(1)
أي تغير وجهه. يقال: انتقع لونه وامتقع، إذا تغير من خوف أو ألم أو نحو ذلك. النهاية 5/ 109.
(2)
أي واثبهم وقاتلهم. ينظر النهاية 2/ 420.
(3)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 222، 223 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 410 إلى المصنف وابن المنذر، وتقدم في 20/ 252.
(4)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 410 إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر.
(5)
هو الكسائي كما في معاني القرآن للفراء 3/ 252.
(6)
هو الفراء في معاني القرآن، الموضع السابق
(7)
سورة هود الآية: 72 والرفع قراءة ابن مسعود. ينظم المصاحف لابن أبي داود ص 63، ومختصر =
تعبُدُ؟ فقال: الله هو ثم قيل له: فما هو؟ قال: هو أحدٌ.
وقال آخرون: {أَحَدٌ} . بمعنى: واحدٌ. وأنكر أنْ يكونَ العمادُ مستأنَفًا به، حتى يكون قبله حرفٌ من حروفِ الشكِّ، كـ "ظنَّ" وأخواتِها، و "كان" وذواتِها، أو "إنَّ" وما أشبهَها. وهذا القولُ الثاني هو أشبهُ بمذاهبِ العربيةِ.
واختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأة الأمصار: {أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ} بتنوينِ {أَحَدٌ} . سوى نصرِ بن عاصمٍ، وعبدِ اللهِ بن أبى إسحاقَ، فإنه رُوِى عنهما تركُ التنوين:(أَحَدُ اللهُ)
(1)
. وكأَنَّ مَن قرَأ ذلك كذلك، قال: نونُ الإعراب إذا استقبلَتْها الألفُ واللَّامُ أو ساكنٌ من الحروفِ حُذِفت أحيانًا، كما قال الشاعرُ
(2)
:
كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِرَاشِ وَلَمَّا
…
تَشْمَلِ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ
تُذْهِلُ الشَّيْخ عن بَنِيهِ، وَتُبْدِى
…
عن خِدام العَقِيلَةُ العَذْرَاءُ
يريدُ: عن خدامٍ العَقيلةُ.
والصوابُ في ذلك عندنا التنوينُ؛ لمعنيين: أحدُهما: أنه أفصحُ اللُّغتين، وأشهرُ الكلامينِ، وأجودُهما عند العربِ. والثاني: إجماعُ الحجةِ من قرأةِ الأمصارِ على اختيارِ التنوينِ فيه، ففى ذلك مُكْتفًى عن الاستشهادِ على صحتِه بغيرِه.
وقد بيَّنَّا معنى قوله أَحَدٌ فيما مضى، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضِع
(3)
.
= الشواذ لابن خالويه ص 65.
(1)
وقرأ بها أبان بن عثمان وزيد بن علي وابن سيرين والحسن وأبو السمال وأبو عمرو في رواية يونس ومحبوب والأصمعى واللؤلؤى وعبيد وهارون. البحر المحيط 8/ 528. ورويت هذه القراءة أيضًا عن عمر رضي الله عنه. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 183.
(2)
البيتان لعبيد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ص 95، 96.
(3)
ينظر ما تقدم في 2/ 745.
وقولُه: {اللَّهُ الصَّمَدُ} . يقولُ تعالى ذكره: المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، الصمدُ.
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى الصمدِ؛ فقال بعضُهم: هو الذي ليس بأجوفَ، ولا يأكلُ ولا يشربُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن سلمةَ بن سابورَ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي ليس بأجوفَ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الصَّمَدُ} : المُصْمَتُ الذي لا جوفَ له
(2)
.
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه سواءً
(3)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الصَّمَدُ} : المُصْمَتُ الذي ليس له جوفٌ
(4)
.
(1)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (100) من طريق سلمة بن سابور به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (665)، والخطيب في الموضح 2/ 215 من طريق مجاهد، عن ابن عباس.
(2)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (673، 674) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 407، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى لابن تيمية 17/ 221 - من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي عاصم (676) من طريق آخر عن مجاهد.
(3)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (673، 674) من طريق وكيع به.
(4)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وهو في تفسير مجاهد أبو الشيخ في العظمة (96) من طريق ابن أبي نجيح به، بلفظ:"القائم على كل شيءٍ".
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ووكيعٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا جوفَ له
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا الربيعُ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا جوفَ له
(2)
.
قال: ثنا الربيعُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، قال: أَرْسَلنى مجاهدٌ إلى سعيدِ بن جبيرٍ أسألُه عن: {الصَّمَدُ} . فقال: الذي لا جوفَ له
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا يَطْعَمُ الطعامَ
(4)
.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ أنه قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا يأكلُ الطعامَ ولا يشربُ الشرابَ
(5)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ وابن بشارٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا جوفَ له
(6)
.
(1)
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (675) من طريق عبد الرحمن ووكيع به.
(2)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (680) من طريق عبد الرحمن بن مهدى.
(3)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (685، 686) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.
(4)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (682، 683) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه أيضا (682) من طريق إسماعيل به.
(5)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (684)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في مجموع الفتاوى 17/ 221 - والبيهقى في الأسماء والصفات (103) من طريق هشيم به.
(6)
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (689) من طريق وكيع به، وأخرجه أيضا (688) من طريق صالح بن مسعود، عن الضحاك.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا يأكلُ الطعامَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وزيدُ بنُ أَخْزَمَ، قالا: ثنا ابنُ داودَ، عن المستقيمِ بن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا حِشْوةَ له
(1)
.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {الصَّمَدُ} : الذي لا جوفَ له
(2)
.
حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرَ بن روميٍّ، عن عبيدِ اللهِ بن سعيدٍ قائد الأعمشِ، قال: ثنى صالحُ بن حيَّانَ، عن عبدِ اللهِ بن بريدةَ، عن أبيه، قال: لا أعلمُه إلا قد رفَعه، قال:{الصَّمَدُ} : "الذي لا جوفَ له"
(3)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن الربيعِ بن مسلمٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: {الصَّمَدُ} : الذي لا جوفَ له
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عكرمةَ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا جوفَ له
(5)
.
وقال آخرون: هو الذي لا يخرُجُ منه شيءٌ.
(1)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 224 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (677) من طريق ابن داود به، وأبو الشيخ في العظمة (97، 102) من طريق المستقيم به.
(2)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 7/ 225 عن المصنف.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 547 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى 17/ 220 - والطبراني (1162)، وابن عدى 4/ 1372، وأبو الشيخ في العظمة (93) من طريق محمد بن عمر الرومى به، وقال ابن كثير: وهذا غريب جدًّا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.
(4)
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (680) من طريق بشر بن المفضل.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 407 عن معمر به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ، قال في قولِه:{الصَّمَدُ} : الذي لم يخرُجْ منه شيءٌ، ولم يَلِدْ، ولم يُولَدْ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاء محمدِ بن يوسفَ، عن عكرمةَ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لا يخرُجُ منه شيءٌ
(2)
.
وقال آخرون: هو الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال:{الصَّمَدُ} : الذي لم يلدْ ولم يُولدْ، لأنه ليس شيءٌ [يَلِدُ إلا سيُورَثُ]
(3)
، ولا شيءَ يُولَدُ إلَّا سيموتُ، فأخبَرهم تعالى ذكره أنه لا يُورَثُ ولا يموتُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ منيعٍ ومحمودُ بنُ خداشٍ قالا: ثنا [أبو سعدٍ الصَّغَانيُّ]
(4)
، قال: قال المشركون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: انسُبْ لنا ربَّك. فأنزل اللهُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} . لأنَّه ليس شيءٌ يُولد إلا سيموتُ، وليس شيءٌ يموتُ إلا سيُورَثُ، وإنَّ الله جلَّ ثناؤُه لا يموتُ ولا يُورَثُ، {وَلَمْ
(1)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 225 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (668)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى 17/ 220 - من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (669)، وأبو الشيخ في العظمة (101) من طريق أبي رجاء به.
(2)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 220 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (667، 670) من طريق شعبة به، وأخرجه البيهقى في الأسماء والصفات (102) من طريق شعبة عن أبى رجاء عن الحسن.
(3)
في ص، ت،1 ت:2: "يولد إلا سيورثه".
(4)
في م: "أبو سعيد الصنعاني". وتقدم في ص 727.
يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: ولم يكنْ له شبيهٌ ولا عِدْلٌ، وليس كمثله شيءٌ
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ:{الصَّمَدُ} : الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكنْ له كُفُوًا أحدٌ
(2)
وقال آخرون: هو السيِّدٌ الذي قد انتهى سُؤدَدُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، قال:{الصَّمَدُ} : هو السيِّدُ الذي قد انتهَى سُؤدَدُه
(3)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ وابن بشارٍ وابنُ عبدِ الأعلى، قالوا: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال:{الصَّمَدُ} : السيِّدُ الذي قد انتهى سُؤدَدُه
(4)
. ولم يقُلْ أبو كريبٍ وابنُ عبدِ الأعلى: سُؤدَدُه.
(1)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 222 عن المصنف، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 30، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى 17/ 221 - بإسناد المصنف، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 7، والترمذى (3364)، وابن عدى 6/ 2231، والواحدى ص 346، والبيهقي في الأسماء (607)، والخطيب 3/ 281 من طريق أحمد به، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (663)، وأبو الشيخ (90) من طريق أبي سعد به، وأخرجه الحاكم 2/ 540، وعنه البيهقي في الاعتقاد ص 38، والأسماء (50)، والشعب (101) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 409 إلى ابن أبي حاتم في السنة والبغوى في معجمه، والإسناد عندهم كما تقدم عندنا في ص 727.
(2)
أخرجه ابن أبي عاصم (690) من طريق وكيع به، وهو في تفسير مجاهد ص 760، وأخرجه البيهقى (101) من طريق أبي معشر به نحوه.
(3)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 225 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم (671، 672)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى (17/ 219 - وهو في تفسير مجاهد ص 760، وأخرجه البيهقى (99) من طريق الأعمش به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 407 من طريق عاصم عن شقيق، وأخرجه ابن أبي عاصم (666)، وابن حجر في التغليق 4/ 380 من طريق عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قوله.
(4)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 225 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي عاصم (672) من طريق وكيع به.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ مثلَه
(1)
.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{الصَّمَدُ} . يقولُ: السيِّدُ الذي قد كمُل في سُؤدَدِه، والشريفُ الذي قد كمُل في شَرفِه، والعظيمُ الذي قد كمُل
(2)
في عظمتِه، والحليمُ الذي قد كمُل في حلمِه، والغنيُّ الذي قد كمُل في غِناه، والجبَّارُ الذي قد كمُل في جبروتِه، والعالِمُ الذي قد كمُل في علمِه، والحكيمُ الذي قد كمُل في حكمتِه، وهو الذي قد كمُل في أنواعِ الشرفِ والسُؤدَدِ، وهو اللهُ سبحانه، هذه صفتُه، لا تَنْبغِى إلا له
(3)
.
وقال آخرون: بل هو الباقى الذي لا يَفْنى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} . قال: كان الحسنُ وقتادةُ يقولان: الباقى بعدَ خَلْقِه. قال: هذه سورةٌ خالصةٌ، ليس فيها ذكرُ شيءٍ مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال:{الصَّمَدُ} . الدائمُ
(5)
.
(1)
أخرجه الفريابي - كما في تغليق التعليق 4/ 380 - عن سفيان به.
(2)
في م: "عظم".
(3)
ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 17/ 225 عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (98)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى 17/ 220 - والبيهقى في الأسماء والصفات (98) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 415 إلى ابن المنذر.
(4)
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (679)، وابن الضريس (267)، وابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى 17/ 219 - وأبو الشيخ في العظمة (99، 100)، والبيهقي في الأسماء والصفات (104) من طريق يزيد به، وأخرجه أبو الشيخ (92) من طريق آخر عن قتادة، وفي (95) من طريق آخر عن الحسن بمعناه.
(5)
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (681) من طريق ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 407 عن معمر، عن الحسن.
قال أبو جعفرٍ: "الصَّمَدُ" عندَ العرب هو السيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحدَ فوقَه، وكذلك تُسمِّى أشرافَها، ومنه قولُ الشاعرِ
(1)
:
ألا بَكَّرَ النَّاعِى بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ
…
بعَمْرِو بن مسعودٍ وبالسيِّدِ الصَّمَدْ
وقال الزِّبْرِقانُ
(2)
:
* ولا رَهِينَةَ إِلا سَيِّدٌ صَمَدُ *
فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ الكلمةِ، المعنى المعروفُ من كلامِ مَن نزَل القرآنُ بلسانِه، ولو كان حديثُ ابن بريدةَ عن أبيه صحيحًا، كان أولى الأقوالِ بالصحةِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أعلمُ بما عَنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه، وبما أَنزَل عليه.
وقوله: {لَمْ يَلِدْ} . يقولُ: ليس بفانٍ، لأنه لا شيءَ يَلِدُ إلا وهو فانٍ بائدٌ، {وَلَمْ يُولَدْ}. يقولُ: وليس بمُحْدَثٍ، لم يكنْ فكان؛ لأنَّ كلَّ مولودٍ فإنما وُجِد بعدَ أنْ لم يكنْ، وحدَث بعد أنْ كان غيرَ موجودٍ، ولكنه تعالى ذكرُه قديمٌ
(3)
لم يَزَلْ، ودائمٌ [لا يَبيدُ]
(4)
ولا يزولُ ولا يَفْنى.
(1)
هو سبرة بن عمر الأسدى، والبيت في مجاز القرآن 2/ 316، وفى سمط اللآلئ 2/ 932، ونسبه ابن هشام في السيرة 1/ 572 إلى هند بنت معبد بن نضلة.
(2)
البيت في مجاز القرآن 2/ 316.
(3)
في إطلاق صفة "القديم" على الله نظر. فهذه صفة لم يرد إطلاقها على الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة، وإنما الذي ورد للتعبير عن معناها لفظ (الأول)، كما قال الله سبحانه:{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3]. وقول النبي عمل في ثنائه على الله سبحانه: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء". أخرجه مسلم (2713). فهذا اللفظ مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى وليس هو من الأسماء الحسنى؛ وذلك لأنه يحتوى على معنى الزمن، فإذا كان "قديما" فهناك "أقدم" قياسا على صيغة أفعل، أما لفظ القرآن والسنة "الأول" فكان أدق في التعبير. ينظر شرح العقيدة الطحاوية 1/ 75 - 77.
(4)
في م، ت 3:"لم يبد".
وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولم يكنْ له شبيهٌ
(1)
ولا مِثْلٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} : لم يكنْ له شبيهٌ
(1)
، ولا عِدْلٌ، وليس كمثلِه شيءٌ
(2)
.
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عمرِو بن غَيْلَانَ الثقفيِّ، وكان أميرَ البصرةِ، عن كعبٍ، قال: إنَّ الله تعالى ذكرُه أسَّس السماواتِ السبعَ والأَرَضينَ السبعَ على هذه السورةِ، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (2) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . وإنَّ الله لم يُكافِئْه أحدٌ مِن خَلْقِه
(3)
.
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . قال: ليس كمثله شيءٌ، فسبحانَ اللهِ الواحدِ القهَّارِ
(4)
.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن جريجٍ
(5)
: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا} : مِثْلٌ.
(1)
في ص: "شبه".
(2)
تقدم في ص 734.
(3)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (895) من طريق سعيد به، وأخرجه أبو نعيم 5/ 383 من طريق قتادة به، وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (246) من طريق قتادة عن عبد الله بن غالب عن كعب مختصرا، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في مجموع الفتاوى 17/ 222 - من طريق يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله مقتصرا على آخره.
(4)
تقدم تخريجه في ص 736.
(5)
في ت 1: "أبي نجيح"، وفى ت 2 ت 3:"أبي نجيح عن مجاهد".
وقال آخرون: معنى ذلك أنه لم يكنْ له صاحبةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ بن أَبْجَرَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . قال: صاحبةٌ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن ابن أَبْجَرَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه
(1)
.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنٌ إدريسَ، عن عبد الملكِ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أَبْجَرَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . قال: صاحبةٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ الملكِ بن أَبْجَرَ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . قال: صاحبةٌ.
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنٌ إدريسَ، عن عبدِ الملكِ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.
والكُفُؤُ والكَفِيءُ والكِفَاءُ في كلامِ العربِ واحدٌ، وهو المِثْلُ والشَّبْهُ، ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ
(2)
:
(1)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 300 من طريق يحيى به.
(2)
ديوانه ص 21.
لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفَاءَ لَهُ
…
ولو تَأَثَّفَكَ
(1)
الأَعْدَاءُ بالرِّفَدِ
يعني: لا كفاءَ له: لا مِثْلَ له.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: {كُفُوًا} ؛ فقرَأ ذلك عامةٌ قرأةِ البصرةِ: {كُفُوًا} بضمِّ الكافِ والفاءِ. وقرَأه بعضُ قرأةِ الكوفةِ بتسكينِ الفاءِ وهمزِها: (كُفْئًا)
(2)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: إنهما لُغتان مَشْهورتان، وقراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
آخرُ تفسير سورةِ "الإخلاصِ"
(1)
تأثَّفوه: تكنَّفُوه. اللسان (أ ث ف).
(2)
قرأ حفص (كُفُوًا)، وقرأ حمزة وخلف ويعقوب (كُفْئًا)، وقرأ الباقون (كُفُؤًا). ينظر النشر 2/ 162.
تفسيرُ سورةِ "الفلقِ"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولٌ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّستْ أسماؤُه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل يا محمدُ: أستجيرُ بربِّ الفَلَقِ من شرِّ ما خلَق مِن الخَلْقِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الفلَقِ؛ فقال بعضُهم: هو سجنٌ في جهنمَ يُسمَّى هذا الاسمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ، عمَّن حدَّثه عن ابن عباسٍ، قال:{الْفَلَقِ} : سجنٌ في جهنمَ
(1)
.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: ثنا عبدُ السلام بنُ حربٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ [بن أبي فَرْوَةَ، عن رجلٍ]
(2)
، عن ابن عباسٍ في قولِه:{الْفَلَقِ} . قال: سجنٌ في جهنمَ.
(1)
ذكره البغوي في تفسيره 8/ 595.
(2)
في ت 3: "عمن حدثه".
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوَّام، عن
(1)
عبدِ الجبارِ الخولانيِّ
(2)
، قال: قَدِم رجلٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الشامَ. قال: فنَظَر إلى دُورِ أهل الذِّمَّةِ وما هم فيه من العيشِ والنَّضارةِ، وما وُسِّع عليهم في دنياهم، قال: فقال: لا أُبالى
(3)
، أليس مِن ورائِهم الفَلَقُ؟ قال: قيل: وما الفَلَقُ؟ قال: بيتٌ في جهنمَ، إذا فُتِح هرَّ
(4)
أهل النارِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانٌ، قال: سمِعتُ السديَّ يقولُ: {الْفَلَقِ} : حُبُّ في جهنمَ.
حدَّثنى عليُّ بن حسنٍ الأَزْدِيُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه.
حدَّثني إسحاقُ بن وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ بنُ خزيمةَ الخُراسانيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى"
(5)
.
حدَّثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبى مريمَ، قال: ثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى أُسيدٍ، عن ابن عَجلانَ، عن أبي عبيدٍ، عن كعبٍ، أنه دخَل كنيسةً فأعجَبه حسنُها، فقال: أحسن عملٍ وأضلُّ قومٍ، رضيتُ لكم الفلقَ. قيل: وما
(1)
في النسخ: "بن". وينظر الثقات 7/ 135.
(2)
في ص، م:"الجولاني".
(3)
في م: "أبالك".
(4)
الهُرارُ من أدواء الإبل، وهو استطلاق بطونها. التاج (هـ ر ر). هرير الكلب: صوته وهو دون نباحه من قلة صبره على البرد.
(5)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 418 إلى المصنف.
الفلقُ؟ قال: بيتٌ في جهنمَ إذا فُتِح صاح جميعُ أهل النارِ مِن شدةِ حرِّه.
وقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ
(1)
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُ خُثيمَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: سألتُ أبا عبدِ الرحمنِ الحُبلِيَّ
(2)
عن الفلقِ، قال: هي جهنمُ (1).
وقال آخرون: الفلقُ الصبحُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاسٍ:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . قال: الفلقُ الصبحُ
(3)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا عوفٌ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . قال: الفلقُ الصبحُ (1).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الفلقُ الصبحُ (1).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيان، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.
حدَّثنى عليُّ بن الحسن الأزديُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن سالمٍ،
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 554.
(2)
في ت 1، ت،2، ت 3:"الجيلى". ينظر تهذيب الكمال 34/ 41.
(3)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 418 إلى المصنف.
عن سعيد بن جبير مثله.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عقيلٍ، عن جابرٍ، قال: الفلقٌ الصبحُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عقيلٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ مثلَه
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . يقولُ: فالقُ الحبِّ والنَّوى. وقرَأ: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ}
(2)
[الأنعام: 96].
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . قال: الصبحِ
(3)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . قال: الفلقُ فلقُ النهارِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الفلقُ فلقُ الصبحِ
(4)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ الله: {قُلْ
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 8/ 553 - من طريق أبي أحمد الزبيري به.
(2)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 554.
(3)
تفسير مجاهد ص 761، ومن طريقه الفريابي - كما في التغليق 4/ 381.
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 408 عن معمر به.
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}. قيل له: فلقُ الصبحِ؟ قال: نعم. وقرَأ: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}
(1)
[الأنعام: 96].
وقال آخرون: الفَلَقُ: الخَلْقُ. ومعنى الكلامِ: قلْ أعوذُ بربِّ الخَلْقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{الْفَلَقِ} . يعنى: الخَلْقِ
(2)
.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنْ يُقالَ: إِنَّ الله جلَّ ثناؤُه أمَر نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنْ يقولَ: {أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . والفلقُ في كلامِ العربِ فَلَقُ الصبحِ، تقولُ العربُ: هو أَبْيَنُ مِن فَلَقِ الصبحِ، ومِن فَرَقِ الصبحِ
(3)
. وجائزٌ أن يكونَ في جهنمَ سجنٌ اسمُه فَلَقٌ. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكنْ جلَّ ثناؤُه وضَع دَلالةً على أنه عنَى بقولِه:{بِرَبِّ الْفَلَقِ} بعض ما يُدْعَى الفَلَقَ دونَ بعضٍ، وكان اللهُ تعالى ذكرُه ربَّ كلِّ ما خلَق مِن شيءٍ - وجَب أن يكون معنيًّا به كلُّ ما اسمُه الفَلَقُ، إذ كان ربَّ جميعِ ذلك.
وقال جلَّ ثناؤُه: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} ؛ لأنَّه أمَر نبيَّه أنْ يَستعيذَ من شرِّ كلَّ شيءٍ، إذ كان كلُّ ما سواه، فهو ما خَلَق.
وقوله: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . يقولُ: ومن شَرِّ مُظْلِمٍ إذا دخَل وهجَم علينا بظلامِه.
(1)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 554.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 57 - وعزاه السيوطى في الدر المنثور إلى المصنف وابن المنذر.
(3)
ينظر مجمع الأمثال 1/ 208، وجمهرة الأمثال 1/ 252، والمستقصى 1/ 32.
ثم اختلَف أهلُ التأويل في المُظْلِم الذي عُنِى في هذه الآيةِ، وأُمِر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالاستعاذةِ منه؛ فقال بعضُهم: هو اللَّيلُ إِذا أَظْلَمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: اللَّيلِ
(1)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، قال: أنبَأنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: أَوَّلِ اللَّيلِ إِذا أَظْلَم
(2)
.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا [أبو صخرٍ، عن القرظيِّ أنه كان يقولُ في:{غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . يقولُ: النهارِ إِذا دخَل في اللَّيلِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا]
(3)
مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ مِن أهلِ المدينةِ، عن محمدِ بن كعبٍ:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: هو غروبُ الشمسِ إذا جاء اللَّيلُ، إذا وجَب
(4)
.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{غَاسِقٍ} . قال: اللَّيلِ، {إِذَا وَقَبَ}. قال: إذا دخَل
(5)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسنِ: {وَمِنْ شَرِّ
(1)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 418 إلى المصنف وابن المنذر.
(2)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 554.
(3)
سقط من: ت 1.
(4)
في م: "وقب". وينظر في هذا الأثر تفسير ابن كثير 8/ 554.
(5)
تفسير مجاهد ص 761، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 419 إلى المصنف وابن المنذر.
غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}. قال: اللَّيلِ إِذا أقبَل
(1)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: إذا جاء.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِذَا وَقَبَ} . يقولُ: إذا أقبَل
(2)
.
وقال بعضُهم: هو النهارُ إذا دخل في اللَّيلِ. وقد ذكَرْناه قبلُ
(3)
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ مِن أهلِ المدينةِ، عن محمد بن كعبٍ القُرَظَيِّ:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: هو غروب الشمس إذا جاء اللَّيلُ، إذا وجَب
(4)
.
وقال آخرون: هو كوكبٌ. وكان بعضُهم يقولُ: ذلك الكوكبُ هو الثُّريَّا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال أخبرنا سليمانُ بنُ حَيَّانَ، عن أبى المُهَزَّم، عن أبى هريرةَ في قوله:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: كوكبٌ
(5)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: كانت العربُ تقولُ: الغاسِقُ: سقوطُ الثُّريَّا. وكانت الأسقامُ
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 408 عن معمر به.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 418 إلى المصنف وابن المنذر.
(3)
تنظر الصفحة السابقة.
(4)
تقدم في الصفحة السابقة سندًا ومتنًا.
(5)
ينظر تفسير ابن كثير 8/ 554.
والطواعينُ تكثُرُ عندَ وقوعِها، وترتفِعُ عندَ طُلُوعِها
(1)
.
ولقائلي هذا القولِ علةٌ مِن أثرٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدَّثنا به نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا بكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ ابن أخى همَّامٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بن عمرَ بن عبد الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيه، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: "النجمِ الغاسقِ"
(2)
.
وقال آخرون: بل الغاسقُ إذا وقَب: القمرُ. ورَوَوْا بذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خبرًا حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن سفيانَ، قال: ثنا أبي ويزيدُ بنُ هارونَ به.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي ذئبٍ، عن خالِه الحارثِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ، عائشةَ، قالت: أخَذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم نظَر إلى القمرِ، فقال:"يا عائشةُ، تَعَوَّذِي بالله من شرِّ غاسقٍ إذا وقَب، وهذا غاسقٌ إذا وقَب". وهذا لفظُ حديثِ أبي كريبٍ وابن وكيعٍ، وأما ابنُ حميدٍ فإنه قال في حديثِه: قالت: أخَذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيدى، فقال:"أَتَدْرِين أَيُّ شيءٍ هذا؟ تَعَوَّذِى باللهِ مِن شَرِّ هذا، فإِنَّ هذا الغاسِقُ إذا وقَب"
(3)
.
(1)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (698) من طريق آخر عن عبد الرحمن بن زيد به.
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (697) من طريق نصر بن علي به، وأخرجه (696) من طريق محمد بن عبد العزيز، ولم يذكر أبا سلمة في إسناده، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 418 إلى ابن مردويه.
(3)
أخرجه أحمد 6/ 206 (الميمنية)، والبغوى في تفسيره 8/ 595، وفى شرح السنة 5/ 167 من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد 6/ 237 (الميمنية)، من طريق يزيد به، وأخرجه النسائي في الكبرى (10138) من طريق سفيان به. وأخرجه أحمد 6/ 61، 215، 252 (الميمنية)، والترمذى (3366) والحاكم 2/ 540، وأبو الشيخ في العظمة (681) من طريق ابن أبي ذئب به.
حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن الحارثِ بن عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نظَر إلى القمرِ، فقال:"يا عائشةُ، اسْتَعِيذِى باللهِ مِن شَرِّ هذا، فإِنَّ هذا الغاسِقُ إِذا وقَب"
(1)
.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ أنْ يقالَ: إِنَّ الله أمَر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ يستعيذَ من شرِّ {غَاسِقٍ} وهو الذي يُظْلِمُ، يقال: قد غَسَق الليلُ يَغْسِقُ غُسُوقًا. إذا أَظْلَم. {إِذَا وَقَبَ} . يعنى: إذا دخَل في ظَلامِه، واللَّيلُ إذا دخَل في ظَلامِه غاسقٌ، والنجمُ إذا أفَل غاسقٌ، والقمرُ غاسقٌ إذا وقَب، [ولم يَخْصُصْ]
(2)
بعضَ ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسقٍ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب. وكان قتادةُ يقولُ في معنى {وَقَبَ}: ذَهَب.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة:{غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . قال: إذا ذهَب
(3)
.
ولستُ أعرِفُ ما قال قتادةُ في ذلك، في كلامِ العربِ، بل المعروفُ مِن كلامها من معنى:{وَقَبَ} : دخَل.
وقوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} . يقولُ: ومِن شرِّ السواحرِ اللَّاتى يَنْفُثْن في عُقَدِ الخَيْطِ، حينَ يَرْقِين عليها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(1)
أخرجه النسائي (10137) من طريق أبي عامر به، وعنده: عن الحارث والمنذر عن أبي سلمة.
(2)
سقط من: ص، ت 1، ت 3.
(3)
تفسير ابن كثير 8/ 554.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ *:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} . قال: ما خالَط
(1)
السِّحْرُ من الرُّقَى
(2)
.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} . قال: السواحرِ والسَّحَرةِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} . قال: إيَّاكم وما خالط السِّحرُ مِن هذه الرُّقَى
(3)
.
قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما من شيءٍ أقربَ إلى الشركِ من رُقْيَةِ [الحيةِ و]
(4)
المجانينِ
(5)
.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ إذا جاز
(6)
: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} . قال: إيَّاكم وما خالط السِّحْرُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ
* هنا ينتهى المخطوط: ص.
(1)
في ت 1 ت: "خلط".
(2)
عزاه السيوطى في الدر المنثور 6/ 419 إلى المصنف.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 408 عن معمر به.
(4)
سقط من: م.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 409 عن معمر به.
(6)
في ت 1، ت 2، ت 3:"جاء".
وعكرمة: {النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} . قال: قال مجاهدٌ: الرُّقَى في عُقَدِ الخَيْطِ. وقال عكرمةُ: الأخْذُ في عُقَدِ الخَيْطِ
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} . قال: النفاثاتُ: السواحِرُ في العُقَدِ.
وقوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} . اختلف أهلُ التأويلِ في الحاسدِ الذي أُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يستعيذَ من شرِّ حسدِه به؛ فقال بعضُهم: ذلك كلُّ حاسدٍ أُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَستَعِيدَ مِن شَرِّ عَينِه ونفسِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} . قال: من شرِّ عينِه ونفسِه. وعن عطاءٍ الخُراسانيِّ مثلَ ذلك. قال معمرٌ: وسمِعتُ ابن طاوُسٍ يحدِّثُ عن أبيه، قال: العَينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابقَ القَدَرِ سَبَقَتْه العَينُ، وإذا اسْتُغْسِل
(2)
أحدُكم فلْيَغْتَسِلْ
(3)
.
(1)
ذكره السيوطى في الدر المنثور 6/ 419 عن مجاهد وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(2)
استغسل: أي إذا طلب من أصابته العين أن يغتسل من أصابه بعينه فليجبه، وكان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته عين من أحد جاء إلى العائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه، فيتمضمض ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب ذلك الماء المستعمل على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله تعالى. النهاية 3/ 368.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 408 عن معمر به.
وقال آخرون: بل أُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بهذه الآيةِ أنْ يستعيذَ من شرِّ اليهودِ الذين حسَدوه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} . قال: يهودُ
(1)
، لم يَمْنَعْهم أنْ يؤمنوا به إلا حسدُهم.
وأولى القولين بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: أُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَستعيذَ من شرِّ كلِّ حاسدٍ إذا حسَد؛ فعابه أو سَحَره، أو بغاه سُوءًا.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ الله عز وجل لم يَخْصُصْ مِن قولِه: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} حاسدًا دونَ، حاسدٍ، بل عمَّ أمرَه إيَّاه بالاستعاذةِ من شرِّ كلِّ حاسدٍ، فذلك على عمومِه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الفَلَقِ"
(1)
بعده في ت 1، ت،2 ت 3:"إذا حسد".
تفسير سورة "الناسِ"
بسم الله الرحمن الرحيم
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ: أستجيرُ {بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ} . وهو مَلِكُ جميعِ الخَلْقِ؛ إنسِهم وجنِّهم، وغيرِ ذلك. إعلامًا منه بذلك مَن كان يُعَظِّمُ الناسَ تعظيمَ المؤمنين ربَّهم، أنه مَلِكُ مَن يُعظِّمُه، وأن ذلك في مُلْكِه وسُلْطانِه، تجري عليه قُدْرتُه، وأنه أولى بالتعظيمِ، وأحقُّ بالتعبُّدِ له ممن يُعظِّمُه ويتعبَّدُ له، من غيرِه مِن الناسِ.
وقوله: {إِلَهِ النَّاسِ} . يقولُ: معبودِ الناس، الذي له العبادةُ دونَ كلِّ شيءٍ سواه.
وقولُه: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} . يعني: من شرِّ الشيطانِ، {الْخَنَّاسِ}: الذي يَخْنِسُ مرَّةً، ويُوسوِسُ أخرى. وإنما يَخْنِسُ فيما ذُكر عند ذكرِ العبدِ ربَّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما من مولودٍ إلا على قلْبِه الوَسْوَاسُ، فإذا
عقَل فذكَر الله خَنَس، وإذا غَفَل وَسْوَس. قال: فذلك قولُه: {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}
(1)
.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدٍ
(2)
، عن ابن عباسٍ في قولِه:{الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} . قال: الشيطانُ جاثمٌ على قلبِ ابن آدمَ، فإذا سها وغفَل وَسْوَس، وإذا ذكر الله خَنَس
(3)
.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن عثمانَ، عن مجاهدٍ:{الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} . قال: يَنْبَسِطُ، فإذا ذكر الله خَنَس وانْقَبَض، فإذا غفَل انْبَسَط.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} . قال: الشيطانُ يكونُ على قلبِ الإنسانِ، فإذا ذكر الله خَنَس
(4)
.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{الْوَسْوَاسِ} . قال: هو الشيطانُ، وهو الخَنَّاسُ أيضًا، إذا ذكَر العبدُ ربَّه خَنَس، وهو يُوسْوِسُ ويَخْنِسُ
(5)
.
(1)
ذكره الحافظ في التغليق 4/ 381 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 410 - ومن طريقه الحاكم 2/ 541، وعنه البيهقى في الشعب (676) - وفى تفسير مجاهد ص 762 من طريق الثورى به، وأخرجه الضياء في المختارة (172) من طريق الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 420 إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن مردويه.
(2)
في النسخ: (سفيان). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 28/ 546.
(3)
أخرجه الحافظ في التغليق 4/ 381 من طريق ابن حميد به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 369، والضياء في المختارة (393) من طريق جرير به، وعند الضياء: عن منصور ورجل، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 420 إلى ابن مردويه.
(4)
تفسير مجاهد ص 762.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 410 عن معمر به.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} . يعنى: الشيطانُ، يُوسْوِسُ في صَدْرِ ابن آدمَ، ويَخْنِسُ إذا ذكر الله.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن أبيه، قال: ذُكر لى أنَّ الشيطان - أو قال: الوَسْوَاسَ - يَنْفُثُ في قلبِ الإنسانِ عندَ الحزن وعندَ الفرحِ، وإذا ذكَر الله خَنَس
(1)
.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الْخَنَّاسِ} . قال: الخَنَّاسُ الذي يُوسوس مرَّةً، ويَخْنِسُ مرَّةً، من الجنِّ والإنسِ، وكان يقالُ: شيطانُ الإنسِ أشدُّ على الناس من شيطانِ الجنِّ؛ شيطانُ الجنِّ يُوسوِسُ ولا تَراه، وهذا يُعاينُك معاينةً
(2)
.
ورُوِى عن ابن عباسٍ رضي الله عنه أنه كان يقولُ في ذلك: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} : الذي يُوسوِسُ بالدعاءِ إلى طاعتِه في صُدُورِ الناسِ، حتى يُستجابَ له إلى ما دعا إليه مِن طاعتِه، فإذا استُجيب له إلى ذلك خَنَس.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{الْوَسْوَاسِ} . قال: هو الشيطانُ يأمرُه، فإذا أُطِيع خَنَس
(3)
.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنْ يقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أمَر نبيَّه
(1)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 559 عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قوله.
(2)
عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 420 إلى المصنف.
(3)
ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 509 عن العوفي، عن ابن عباس.
محمدًا صلى الله عليه وسلم أنْ يستعيذَ به مِن شرِّ شيطانٍ يُوسوِسُ مُرَّةً ويَخْنِسُ أخرى، ولم يخُصَّ وَسوستَه على نوعٍ من أنواعِها، ولا خُنُوسَه على وجْهٍ دونَ وجهٍ، وقد يُوسوِسُ بالدعاءِ إلى معصيةِ اللهِ، فإذا أُطيع فيها خَنَس، وقد يُوسوِسُ بالنَّهي عن طاعةِ اللهِ فإذا ذكَر العبدُ أمرَ ربِّه، فأطاعه فيه وعصى الشيطانَ، خَنَس، فهو في كلِّ حالتَيْه وَسْوَاسٌ خَنَّاسٌ، وهذه الصفةُ صفتُه.
وقوله: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} . يعنى بذلك الشيطانَ الوَسْواسَ، الذي يُوسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ؛
جِنِّهم وإنسِهم.
فإن قال قائلُ: فالجنُّ ناسٌ فيقالَ: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} ؟
قيل: قد سمَّاهم اللهُ في هذا الموضعِ ناسًا، كما سمَّاهم في موضعٍ آخرَ رِجالًا، فقال:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} [الجن: 6]. فجعَل الجنَّ رِجالًا، وكذلك جعَل منهم ناسًا.
وقد ذُكر عن بعضِ العربِ أنه قال وهو يحدِّثُ: إذْ جاء قومُ مِن الجنِّ فوقَفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناسٌ مِن الجنِّ. فجعل منهم ناسًا، فكذلك ما في التنزيلِ من ذلك.
آخرُ كتابِ التفسيرِ، والحمدُ للهِ العليِّ الكبيرِ