الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
53 - كِتابُ الصُّلحِ
1 - باب مَا جَاءَ فِي الإِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ
وَقَوْله تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} [النساء: 114]: الآية. وَخُرُوجِ الإِمَامِ إِلَى المَوَاضِعِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بِأَصْحَابِهِ.
2690 -
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، أَنَّ أُنَاسًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ بِلَالٌ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حُبِسَ، وَقَدْ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمْشِى فِي الصُّفُوفِ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ حَتَّى أَكْثَرُوا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَكَادُ يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَالتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَاءَهُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ، فَأَمَرَهُ
أَنْ يصلي كَمَا هُوَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَة، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى وَرَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ:"يَا أَيّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاِتكُمْ أَخَذْتمْ بِالتَّصْفِيحِ، إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْيَقُل: سُبْحَانَ اللهِ. فَإنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أحد إِلَّا التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ لَمْ تُصَلًّ بِالنَّاسِ؟ ". فَقَالَ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لابنِ أَبِي قحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [انظر: 684 - مسلم: 421 - فتح: 5/ 297]
2691 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَنَّ أَنَسًا رضي الله عنه قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَرَكِبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ -وَهْيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ- فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَشَتَمَا، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ وَالأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9].
ثم ساق حديث سهل بن سعد في خروجه عليه السلام ليصلح بين بني عمرو بن عوف .. بطوله. وقد سلف في الصلاة
(1)
.
وحديث مُعْتَمِر: سَمِعْتُ أَبِي قال: إن أَنَسًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ وَرَكِبَ حِمَارًا .. الحديث.
وقد أخرجه مسلم أيضًا، كلاهما من حديث المعتمر، عن أبيه، عن أنس
(2)
.
(1)
سلف برقم (684) كتاب: الأذان، باب: من دخل ليؤم الناس.
(2)
مسلم (1799) كتاب: الجهاد والسير، باب: في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله.
قال الإسماعيلي: يقال سليمان لم يسمع هذا من أنس، ثم ساقه بلفظه عن أبيه، أنه بلغه عن أنس .. فذكره، وكذا قال أبو نعيم.
أي هذا مما لم يسمعه التيمي من أنس، والرجل الذي قال: لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب من ريحك، هو عبد الله بن رواحة.
و (النجوى) في الآية: السر، قاله جماعة. وقال الناس: كل كلام تفرد به جماعة سواء كان سرًّا أو جهرًا فهو نجوى.
وقوله: ({إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ}) يجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، أي: لكن من أمر بصدقة فإن في نجواه خيرًا، ويجوز أن يكون المعنى: إلا نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف.
وقال الداودي: معناه: لا ينبغي أن يكون أكثر نجواهم إلا في هذِه الخلال، ويكون أقلها فيما لا بد منه من السر من النظر في أمر دنياهم.
ومعنى {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ} : لوجهه، وهو مثل قوله:"إنما الأعمال بالنيات"
(1)
، ولاشك أن الإصلاح بين الناس واجب على الأئمة، وعلى من ولاه الله أمور المسلمين، وفعله الشارع؛ لتتأسى به الأمة بعده.
قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} الآية [الحجرات: 9]،
وكانت الصحابة إذا التبس عليهم أمر الطائفتين ردهما إلى التأويل ولم يتبين ظلم إحداهما اعتزلوهما، ومن يتبين له أن طائفته مظلومة نصرها.
قال المهلب: إنما يخرج الإمام ليصلح بين الناس إذا أُشكل عليه أمرهم، وتعذر ثبوت الحقيقة عنده منهم، فحينئذٍ ينهض إلى الطائفتين، ويسمع من الفريقين، ومن الرجل والمرأة، ومن كافة
(1)
سلف برقم (1) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي.
الناس سماعًا فاشيًا يدله على الحقيقة.
هذا قول عامة العلماء، وكذلك ينهض الإمام إلى العقارات والأرضين المتشاح في قسمتها. فيعاين ذلك.
وقال عطاء: لا يحل للإمام إذا تبين له الغطاء أن يصلح بين الخصوم، وإنما يسعه ذلك في الأموال المشكلة، فإذا استنارت الحجة لأحد الخصمين علي الآخر، وتبين للحاكم موضع الظالم من المظلوم، فلا يسعه أن يحملهما علي الصلح، وبه قال أبو عبيد، وقال الشافعي، يأمرهما بالصلح، ويؤخر الحكم بينهما يومًا أو يومين؛ فإن لم يجتمعا لم يكن له ترديدهما وأنفذ الحكم بينهما.
والحكم قبل البيان ظلم، والحبس للمسلم بعد البيان ظلم.
وقال الكوفيون: إن طمع القاضي أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يرددهما، ولا ينفذ الحكم بينهما لعلهما يصطلحان، ولا يردهم أكثر من مرة أو مرتين إن طمع في الصلح بينهم، فإن لم يطمع فيه أنفذ القضاء بينهم.
واحتجوا بما روي عن عمر أنه قال: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين الناس الضغائن
(1)
.
وأما مسيره عليه السلام إلى عبد الله بن أُبي، فإنما فعله أول قدومه المدينة ليدعوه إلى الإسلام؛ إذ التبليغ فرض عليه، وكان يرجو أن يُسلم من وراءه بإسلامه لرئاسته في قومه، وقد كان أهل المدينة عزموا أن يتوجوه بتاج الإمارة؛ لذلك قال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه صنع ما صنع عن التوقف في الإسلام ما كانوا عزموا عليه من
(1)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 303 (15304)، والبيهقي 6/ 66 (11360).
توليته الإمارة مع بعث الله تعالى نبيه، فأبطل الباطل، وصدق بالحق، وبلغ الدين.
وفيه من الفقه: أن الإمام إذا مضى إلى موضع فيه أعداء له أن على المسلمين أن يمضوا معه ويحرسوه، فإن جُني عليه نصروه، كما فعل عبد الله بن رواحة حين قال: والله لحمار رسول الله أطيبُ ريحًا منك.
فإن نوزع قاتلوا دونه.
وقول أنس فبلغنا أنها نزلت {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] يستحيل -كما قال ابن بطَّال- أن تكون نزلت في قصة عبد الله بن أُبي، وفي قتال أصحابه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أصحاب عبد الله ليسوا بمؤمنين، وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك.
وقد جاء هذا المعنى مبينًا في هذا الحديث في كتاب الاستئذان من رواية أسامة بن زيد: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود وفيهم عبد الله بن أُبي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، لمَّا عرض عليهم الإيمان، قال ابن أبي: اجلس في بيتك فمن جاءك يريد الإسلام .. الحديث
(1)
.
فدل أن الآية لم تنزل في قصة ابن أُبي وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حدٍّ
(2)
فاقتتلوا بالعصا والنعال. قاله سعيد بن جُبير، والحسن، وقتادة
(3)
.
(1)
سيأتي برقم (6254) باب: التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين.
(2)
كذا بالأصل، وفي المطبوع من "شرح ابن بطال":(حق)، وهو الموافق لقول قتادة عند الطبري في "تفسيره" 11/ 388.
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 80.
قال: ويشبه أيضًا أن تكون نزلت في بني عمرو بن عوف الذين خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم
(1)
، وقال مقاتل في "تفسيره": مر عليه السلام على الأنصار، وهو راكب على حماره يَعْفور فبال فأمسك ابن أبيُ بأنفه، وقال لرسول الله: خل للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار فشق عليه قوله، فانصرف. فقال ابن رواحة: ألا أراك أمسكت على أنفك من بول حماره، والله لهو أطيب من ريح عرضك، فكان بينهم ضرب بالأيدي والسعف، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فأصلح بينهم، فأنزل الله:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [الحجرات: 9].
وقال ابن عباس في "تفسيره" وأعان ابن أُبي رجال من قومه وهم مؤمنون فاقتتلوا.
ومن زعم أن قتالهم كان بالسيوف فقد كذب قلت: وهذا يبين لك ما أسنده ابن بطال.
وفيه: إباحة مشي التلامذة وشيخ راكب، وقال ابن التين: ما ذكره
البخاري عليه أكثر المفسرين ثم قال: وقال مجاهد: الطائفتان رجلان، والطائفة تكون رجلًا إلى ألف
(2)
.
وقوله: ({اقْتَتَلُوا}): استدعى بعضهم قتل بعض، وإنما خرج عليه السلام إليهم ولم ينفد إليهم ليأتوه لكثرتهم ولقرب عهدهم بالإسلام، وليكون خروجه أعظم في نفوسهم وأقرب إلى (محاسبة)
(3)
كل واحد منهم بنفسه، وفي حديث أنس أنه عليه السلام كان يمضى بنفسه ليبلغ ما أنزل الله لقرب عهدهم بالإسلام.
(1)
السابق 8/ 83.
(2)
"تفسير الطبري" 9/ 259.
(3)
في الأصل: محاسنه. ولعل الصواب ما أثبتناه.
قال الداودي: وكان هذا قبل إسلام عبد الله بن أبي.
وفيه: ركوبه الحمار، وكان على سبيل التيسير، ركب مرة فرسًا لأبي طلبة في فزع كان بالمدينة، وركب يوم حنين بغلته ليثبت المسلمون إذا رأوه عليها، ووقف بعرفة على راحلته وسار عليها من هناك إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى مني وإلى مكة.
وقوله: (وهي أرض سبخة) هو بكسر الباء أي ذات سباخ، وكان عبد الله بن أُبيّ من الخزرج، والقائل له
(1)
: حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحًا منك. من الأوس وهو عبد الله بن رواحة كما سلف لكنه خزرجي أيضًا، وعبارة ابن التين: قيل: إنه عبد الله بن رواحة.
(1)
في هامش الأصل: القائل ذلك عبد الله بن رواحة وهو (
…
) وكذلك ابن أبي.
2 - باب لَيْسَ الكَاذِبُ الذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ
2692 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَيْسَ الكَذَّابُ الذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا"[مسلم: 2605 - فتح: 5/ 299]
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بن أبِي معيط أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَيْسَ الكَذَّابُ الذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا".
هذا الحديث زاد فيه مسلم في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري: قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث. تعني: الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، وجعل يونس ومعمر هذِه الزيادة عن الزهري، فقال: لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث
(1)
.
قال الخطيب: القول قولهما والحق معهما، وذكره أيضًا موسى بن هارون
(2)
. وقال: آخر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوْ يَقُولُ خَيْرًا" يعني: كما عند البخاري قال: وهو أمر بين واضح أن آخر الحديث إنما هو من قول الزهري لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
(3)
.
(1)
مسلم (2605) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم الكذب، وبيان ما يباح منه.
(2)
"الفصل للوصل" 1/ 307.
(3)
"الفصل للوصل" 1/ 309.
وساقها ابن بطال من حديث عبد العزيز بن محمد، عن عبد الوهاب ابن رُفيع عن ابن شهاب بلفظ: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في الكذب إلا في ثلاث كان عليه السلام يقول: "لا أعدهن كذبًا: الرجل يصلح بين الناس يقول قولًا يريد به الصلاح، والرجل يحدث زوجته، والمرأة تحدث زوجها، والرجل يقول في الحرب"
(1)
.
وللترمذي: "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس"
(2)
.
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: قوله: ("يَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا")، هو شك من الراوي والمعنى واحد يقال: ينمي الحديث إذا رفعه، وبلغه على وجه الإصلاح، وأنماه: إذا بلغه على وجه الإفساد، وكذلك نماه مشدد، ذكره الهروي، والأول ذكره الخطابي
(3)
.
وقال ابن فارس: نميت الحديث: إذا أشعته، ونميت بالتخفيف: أسندته
(4)
، وقال الزجاج: في فعلت وأفعلت نميت الشيء، وأنميته بمعنى، وفي "فصيح" ثعلب: نمى ينمي أي: زاد وكثر.
وحكى اللحياني: ينمو بالواو، وأخذ (السبتي)
(5)
على ثعلب إهمالها. قال: وهما لغتان فصيحتان، وفيه لغة أخرى حكاها ابن القطاع، وغيره نَمُوَ على وزن شرف.
وقال الكسائي: لم أسمعه (بالواو إلا)
(6)
من أخوين من بني سُلَيم،
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 80 - 81.
(2)
"سنن الترمذي"(1939).
(3)
"أعلام الحديث" 2/ 1315.
(4)
"المجمل" 2/ 885 مادة: (نما).
(5)
كذا بالأصل.
(6)
في الأصل: إلا بالواو، والتصويب من "الصحاح".
ثم سألت عنه بني سليم، فلم يعرفوه
(1)
.
وقال في "الصحاح": ربما قالوا: ينمو
(2)
وصرح جماعة منهم
الراعي: أن نمى أفصح كما اقتصر عليه ثعلب، وأنكر أبو حاتم: ينمو، وكذا الأصمعي، وعن بعضهم مما حكاه اللبلي أن بالياء للمال، وقالوا لغيره.
وقال الحربي: أكثر النحويين: يقولون: ونمى خيرًا بالتخفيف ولا يجوز في النحو، والشارع أفصح المخلوقات، ومن خفف الميم لزمه أن يقول: خير بالرفع.
قلت: لا، بل يجوز نصبه بنمى، وذكر صاحب "المطالع" عن القعنبي يُنمى بضم أوله، قال: وليس بشيء، وقع في رواية الدّباغ ينهى بالهاء، وهو تصحيف، وقد يخرج على معنى: أنه يبلغ به من أنهيت الأمر إلى كذا أي: وصلته إليه. وقال ابن سيده: أنميته: أزعته على وجه التهمة
(3)
.
ثانيها: فيه جواز قول الرجل في الإصلاح ما لم يقله الآخر، والكذب لا يجوز إلا في ثلاث، هذا أحدها، وثانيها: أن يعد امرأته بشيء وينوي أن لا يفي؛ ليصلح أمرها، ثالثها: خدعة الحرب إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وقال له رجل أكذب لامرأتي؟ قال:"لا خير في الكذب"، قال: أعدها وأقول لها ما لا حرج، فنهاه أن يكذب لها في غير الوعد، وأذن أن يعدها ما لا ينويه
(4)
.
(1)
"الصحاح" 6/ 2515 مادة: (إنما).
(2)
"الصحاح" 6/ 2515 (نما).
(3)
كذا في الأصل، وفي "المحكم" 12/ 165:(النميمية).
(4)
"الموطأ" رواية محمد بن الحسن 3/ 365 (894).
وعن الأصيلي: أنه لا يجوز الكذب في شيء، وإنما يجوز الإلغاز كما يقول للظالم، فلان يدعو لك، يعني: قوله في الصلاة اغفر للمسلمين والمسلمات.
وقال الطبري: اختلف الناس في هذا الباب، فقالت طائفة: الكذب المرخص فيه في هذِه الثلاث، هو جميع معاني الكذب، وحمله قوم على الإطلاق وأجازوا قول ما لم يكن في ذلك لما فيه من المصلحة، فإن الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة للمسلمين، واحتجوا بما رواه الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: كنا عند عثمان وعنده حذيفة، فقال له عثمان: بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا، فقال حذيفة: والله ما قلته، قال وقد سمعناه، قال ذلك، فلما خرج قلنا له: أليس قد سمعناك تقوله؟ قال: بلى، قلنا: فلم حلفت؟ فقال: أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله
(1)
.
واحتجوا بحديث ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال لقيس بن مكشوح: هل حدثتك نفسك بقتلي؟ قال: لو هممت فعلت. فقال عمر له: لو قلت: نعم، ضربت عنقك. فنفاه من المدينة، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لو قال: نعم، ضربت عنقه؟ قال: لا، ولكن استرهبته بذلك
(2)
.
وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء من الأشياء، ولا يخبر عن شيء بخلاف ما هو عليه، وما جاء في هذا إنما هو علي التورية، روى سفيان، عن الأعمش، قال: ذكرت لإبراهيم الحديث الذي رخص فيه
(1)
رواه أبو نعيم في "الحلية" 1/ 279 وهو عند ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 478 (33040)، والطبري في "تهذيب الآثار" مسند علي رضي الله عنه ص 143.
(2)
"تهذيب الآثار" مسند علي بن أبي طالب ص 141 - 143 بتصرف.
في الكذب في الإصلاح بين الناس، فقال إبراهيم: كانوا لا يرخصون في الكذب في جد ولا هزل. وروى مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئًا ثم لا ينجزه، اقرؤا إن شئتم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 119]
(1)
.
وقال آخرون: بل الذي رخص فيه هو المعاريض وقد قال ابن عباس: ما أحب أن لي بمعاريض الكذب كذا وكذا
(2)
. وهو قول سفيان وجمهور العلماء.
وقال المهلب: ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب نهيًا مطلقًا، وأخبر أنه مجانب للإيمان، فلا يجوز استباحة شيء منه، وإنما أطلق عليه السلام الصلح بين الناس أن يقول ما علم من الخير بين الفريقين ويسكت عما سمع من الشر منهم، ويعد أن يسهل ما صعب، ويقرب ما بعد، لا أنه يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه لأن الله قد حرم ذلك ورسوله.
وكذلك الرجل يعد المرأة ويمنيها، وليس هذا من طريق الكذب؛ لأن حقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، والوعد لا يكون حقيقة حتى ينجز، والإنجاز موجود في الاستقبال، فلا يصح أن يكون كذبًا.
(1)
رواه سعيد بن منصور في "سننه" 5/ 295 (1049)، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 237 (25592)، والبخاري في "الأدب المفرد" ص 135، (387)، وابن جرير في "تهذيب الآثار" مسند على ص 146 - 147 (250، 255. وصححه الألباني في تعليقه على "الأدب المفرد".
(2)
"تهذيب الآثار" مسند علي بن أبي طالب ص 145 - 147 بتصرف.
وكذلك الحرب أيضًا إنما يجوز فيها المعاريض والإيهام بألفاظٍ تحتمل وجهين فيؤدي بها عن أحد المعنيين ليغر السامع بأحدهما عن الآخر، وليس حقيقة الإخبار عن الشيء بخلافه وضده، ونحو ذلك ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مازح عجوزًا فقال:"إن العجز لا يدخلن الجنة"
(1)
فأوهمها في ظاهر الأمر أنهن لا يدخلن أصلًا، وإنما أراد أن لا يدخلن الجنة إلا شبابًا. فهذا وشبهه من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب، وإن لم يصلح المصلح شيئًا فله أن يعد بخير، ولا يقول سمعت، وهو لم يسمع ونحوه.
قال الطبري: والصواب في ذلك قول من قال: الكذب الذي أذن فيه الشارع هو ما كان تعريضًا ينحو به نحو الصدق، نحو ما روي عن إبراهيم النخعي أن (امرأة)
(2)
عاتبته في جارية وفي يده مروحة، فجعل إبراهيم النخعي يقول: اشهدوا أنها لها ويشير بالمروحة، فلما قامت امرأته، قال: على أي شيء أشهدتكم؟ قالوا: أشهدتنا على أنها لها. قال: ألم تروني أشير بالمروحة
(3)
.
قلت: ومثله قوله للظالم: فلان يدعو لك، وينوي قوله: اللهم اغفر للمسلمين، ويعد زوجته، ونيته في ذلك إن قدر الله أو إلى مدة، وكذلك الإصلاح بين الناس.
(1)
رواه الترمذي في "الشمائل" ص 105 (241)، والطبراني في "الأوسط" 5/ 357 (5545)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" ص 78، وأبو نعيم في "صفة الجنة" 2/ 223 (391)، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 199 - 200 (379، 382) من حديث عائشة رضي الله عنها.
وصححه الألباني في "الصحيحة"(2987) وأطال الكلام عليه.
(2)
كذا بالأصل، والصواب (امرأته)
(3)
"تهذيب الآثار" مسند علي ص 148.
وحديث المرأة زوجها يحتمل أنه فيما يحدث به أحدهما الآخر من ود له واغتباط، والكذب في الحرب: أن يضمر في نفسه مدة، ويتحدث بما يشحذ به بصيرة أصحابه، ويكيد به عدوه، فالحرب خدعة.
وسيأتي في الأدب في باب: المعاريض مندوحة عن الكذب ما يوضح هذا.
وأما صريح الكذب فهو غير جائز لأحد كما قال ابن مسعود
(1)
لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحريمه، والوعيد عليه.
وأما قول حذيفة
(2)
: فإنه خارج عن معاني الكذب الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أذن فيها، وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه عند الخوف، كالذي يضطر إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيي نفسه، وكذلك الحالف له أن يخلص نفسه ببعض ما حرم الله عليه وله أن يحلف على ذلك، ولا حرج عليه ولا إثم
(3)
.
قال القاضي عياض: وأما المخادعة، ومنع حق عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بالإجماع
(4)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
"تهذيب الآثار" مسند علي ص 149 - 150 بتصرف.
(4)
"إكمال المعلم" 8/ 78 بتصرف.
3 - باب قَوْلِ الإِمَامِ لأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ
2693 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فَقَالَ:"اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ". [انظر: 684 - فتح: 5/ 300]
ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَقَالَ:"اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ".
الشرح:
يشبه كما قال ابن بطال: أن يكون في هذِه القصة نزلت: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] لا في قصة عبد الله بن أبي كما سلف
(1)
.
روي عن الحسن أن قومًا من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالجريد والنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم الآية.
قال قتادة: كان بينهما حق فتنازعا فيه فقال أحدهما: لآخذنه عنوة.
وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله -صلي الله عليه وسلم-. فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالأيدي والنعال
(2)
. وقال قتادة في تأويل هذِه الآية: قال الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصى بينهم، وقد سلف كل ذلك واضحًا
(3)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 83.
(2)
"تفسير الطبري" 11/ 388 (31708).
(3)
السابق 11/ 388 (31706).
وفيه: خروج الإمام مع أصحابه للإصلاح بين الناس عند تفاقم أمورهم وشدة تنازعهم، وقد سلف أيضًا.
وفيه: ما كان عليه عليه السلام من التواضع والخضوع والحرص على قطع الخلاف وحسم دواعي الفرقة عن أمته كما وصفه الله تعالى.
4 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}
(1)
[النساء: 128]
2694 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء: 128] قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ، كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ: أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ. قَالَتْ فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا. [انظر: 2450 - مسلم: 3021 - فتح: 5/ 301]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ، كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ
(2)
، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ: أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ. قَالَتْ: فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا.
هذا قول عائشة في تفسير الآية، وقال عليٌّ: هي المرأة تكون عند الرجل، وهي دميمة أو عجوز تكره مفارقته، فيصطلحا على أن يجيئها يومًا من ثلاثة أو أربعة
(3)
، وقيل: نزلت في رافع بن خديج طلق
زوجته واحدة، وتزوج شابة، فلما قاربت انقضاء العدة قالت: أصالحك على بعض الأيام، فراجعها، ثم لم يسمح فطلقها أخرى، ثم سألته ذلك فراجعها، فنزلت هذِه الآية
(4)
.
(1)
كذا قرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بفتح الياء والتشديد وبألف بعد الصاد، وقرأها عاصم وحمزة والكسائي {يُصْلِحَا} بضم الياء والتخفيف. انظر:"الحجة للقراء السبع" 3/ 183، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 398.
(2)
"المجمل" ص (869) مادة: (نشز).
(3)
"تفسير الطبري" 4/ 307، "سنن البيهقي الكبرى" 7/ 297.
(4)
"تفسير الطبري" 4/ 307، "المستدرك" 2/ 308، "سنن البيهقي الكبرى" 7/ 296.
والنُّشُوز: أصله الارتفاع، وإذا أساء عشرتها ومنعها نفسه والنفقة فهو نشوز، وقال ابن فارس: نشز بعلها إذا ضربها وجفاها
(1)
.
وقوله: ("والصلح خير") أي: من الفرقة، حُذف لعلم السامع وقرأ الكوفيون:{أَنْ يُصْلِحَا} [النساء: 128] بضم الياء، وقرأ الجحدري:{أَن يَصَّلِحا} والمعنى: يصطلحا، ثم أدغم
(2)
.
ولا شك أن الصلح في كل شيء خير من التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة التي هي قواعد الشر، والصلح وإن كان فيه صبر مؤلم فعاقبته جميلة، وأمرُّ منه وشرٌّ عاقبة العداوة والبغضاء، وقد قال
عليه السلام في البغضة أنها الحالقة يعني: حالقة الدين لا الشعر
(3)
.
أراد الشارع أن يطلق سودة لسن كان بها فأحست منه ذلك، فقالت له: قد وهبت يومي لعائشة، ولا حاجة لي بالرجال وإنما أريد أن أحشر في نسائك، فلم يطلقها واصطلحا على ذلك.
ودل هذا أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها، ويدخل في هذا المعنى جميع
(1)
انظر: "مختصر شواذ القرآن" ص 36، "المحتسب" 1/ 201.
(2)
قطعة من حديث إفشاء السلام وفيه: "إياكم والبغضة" فذكره وقد روي عن أبي هريرة والزبير بن العوام وابنه، فأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري في "الأدب المفرد"(260)، وقال الألباني في "الإرواء" 3/ 237: إسناده صحيح وأما حديث الزبير فرواه الترمذي (2510)، وأحمد 1/ 165، وغيرهم من طرق عن مولى لآل الزبير وفي بعض الطرق سقط مولى آل الزبير من الإسناد.
وأما حديث ابن الزبير فرواه البزار في "مسنده" 6/ 192، وقال الهيثمي في "المجمع" 8/ 37: رواه البزار بإسناد جيد. وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي"(2038) بمجموع طرقه.
(3)
"المدونة" 2/ 192.
ما يقع عليه بين الرجل والمرأة في مال أو وطء أو غير ذلك، وكل ما تراضيا عليه من الصلح فهو حلال للرجل من زوجته لهذِه الآية.
ونقل الداودي عن مالك أنها إذا رضيت بالبقاء بترك القسم لها أو الإنفاق عليها ثم سألت العدل كان ذلك لها، والذي قاله في "المدونة"
(1)
ذكره في القسمة لها، وأما النفقة فيلزمها ذلك إذا تركته.
والفرق أن الغيرة لا تملك بخلاف النفقة.
(1)
في هامش الأصل: وقوله: (كِبَرًا أو غيره)، قال في "المطالع" كذا قيده الأصيلي، وضبطه غيره (كِبْرًا أو غيره
…
).
5 - باب إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَهو مَرْدُودٌ
2695 و 2696 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنهما قَالَا: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ. فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ. فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا: لِي عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ. فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ- فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا". فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا. [انظر: 2314، 2315 - مسلم: 1697، 1698 - فتح: 5/ 301]
2697 -
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ". رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ المَخْرَمِيُّ، وَعَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. [مسلم: 1718 - فتح: 5/ 301]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ في قصة العسيف.
وقد سلف بعضة في الوكالة
(1)
.
وحديث عَاِئِشَةَ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ".
رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ المَخْرَمِيُّ، وَعَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. يعني: عن القاسم
عنها
(2)
.
(1)
سلف برقم (2314 - 2315) باب: الوكالة في الحدود.
(2)
ورد في الأصل أسفلها: من توضيح المصنف.
أما الحديث الأول فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: العسيف فيه: الأجير وجمعه: عسفاء، ذكره الأزهري
(1)
، وعسفه على غير قياس، ذكره ابن سيده، وهو الأجير المستهان منه، وقيل: هو المملوك المستهان به. وقيل: كل خادم عسيف
(2)
.
ثانيها: قوله: (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ) يؤخذ منه سؤال المفضول مع وجود الفاضل إذ لم ينكره عليه السلام، قيل: والذين كانوا يفتون في عصره عليه السلام الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت.
ثالثها: قوله: ("لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ") أي: إنك الجدير بأن تقضي به، أو فإنك لم تزل تقضي به، أو فإنك القاضي به، ومثله قوله تعالى:{قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ} [الأنبياء: 112] والمراد بكتاب الله أي: بحكمه؛ إذ ليس في الكتاب ذكر الرجم، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض.
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]{كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} [البقرة: 178] أي: فرض، وقال:{كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] ويحتمل أن يكون فُرض أولًا بالنص ثم نسخ لفظه دون حكمه على ما روي عن عمر أنه قال: قرأناها فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة
(3)
، وقيل: الرجم متلو في القرآن غير منسوخ لفظه، وهو قوله تعالى:{وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ} [النور: 8]
(1)
"تهذيب اللغة" 3/ 435 مادة: (عسف).
(2)
"المحكم" 1/ 310 مادة (عسف).
(3)
رواه النسائي في "الكبرى" 4/ 270 (7146)، وابن ماجه (2553)، ومالك في "الموطأ" ص 514 - 515.
وهو الرجم في بيانه عليه السلام رجم ماعزٍ
(1)
، أو قيل: ليس فيه، وإنما هو في السنة وهي تنسخ القرآن إذا كانت متواترة وقالوا: معنى "بكتاب الله" بوحيه لا بالمتلو، والذي عليه أكثر أصحاب مالك أن القرآن لا ينسخ بالسنة، وإنما هي تبينه، وإنما ينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وقد أوضحت ذلك في "شرح منهاج الأصول" فراجعه.
وقيل: المراد نقض صلحهما الباطل على الغنم والوليدة، ويروى: كل صلح خالف الشرع فهو باطل مردود.
رابعها: لم يسأله عن كيفية الزنا؛ لأنه مبين في قصة ماعز، وهذا صحيح إن ثبت تأخير هذا الخبر عن خبر ماعز، فيحمل على أن الابن كان بكرًا، وعلى أنه اعترف وإلا فإقرار الأب عليه غير مقبول أن يكون هذا إفتاءً. أي: إن كان كذا فكذا.
خامسها: قوله: ("أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَد عَلَيكَ") فيه: أن الصلح الفاسد ينقض، كذا قاله جماعة. وفيه نظر؛ لأنه صالح على ما لا يملك، ولا يصح الصلح عنه. ومن أجاز الفاسد إذا وقع لا يقول بجواز هذا، ولا يلزمه القول به.
وقوله: ("وتغريب عام") هو حجة علي أبي حنيفة في إنكاره التغريب؛ لأنه ليس مذكورًا في القرآن، والزيادة على النص نسخ، وهو بخبر الواحد غير جائز.
وفيه: إثبات الرجم، ولا خلاف فيه، ولا يلتفت إلى ما يحكى عن الخوارج وقد خالفوا السنن.
(1)
سيأتي برقم (6824) كتاب: الحدود، باب: هل يقول الإمام للمقرأ لعلك لمست أو غمزت.
فائدة: أنيس هذا، قيل: إنه ابن الضحاك الأسلمي، وقال الداودي: أنيس اسم الرجل، قال غيره: هو تصغير أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره كله ابن التين.
وقوله: ("فَاغْد") ائتها غدوة، قاله ابن التين، ثم قال: قيل: فيه تأخير الحكم إلى الغد، وهذا يصح إذا ثبت أن هذا كان بالأصيل، وقال غيره: ليس معناه: امض إليها بكرة كما هو موضعها، وكذا قوله: فغدا إليها أي مشى إليها.
وفيه: بعث الإمام لمن ذُكر عنه الزنا يسأله عن ذلك. وقيل: إنه نُسخ بحديث ماعز، وقيل: إنما بعث إليها ليعلمها بالقذف فبإقرارها يسقط عنه الحد. وقد روي "وامض"، فعليه ليس فيه تأخير الحكم. قيل: فيه أن الإمام يقضي إلى آخر النهار.
وفيه: الوكالة في إقامة الحد، وقد ترجم عليه هناك، وأسلفناه.
سادسها: قوله: ("فإن اعترفت فارجمها") فيه أحكام:
أحدها: إثبات الرجم كما مضى.
ثائيها: سقوط الجلد مع الرجم خلافًا لمسروق وأهل الظاهر في إيجابهم الجمع بينهما ولو كان واجبًا لأمر به.
ثالثها: الجلد يجب باعتراف الزنا مرة لقوله: "فإن اعترفت فارجمها"، ولم يقل أربعًا، وبه قال مالك
(1)
والشافعي
(2)
، وقال ابن أبي ليلى وأحمد: لا يجب إلا باعتراف أربع مرات. زاد أبو حنيفة: في أربعة مجالس
(3)
.
(1)
"المدونة" 4/ 383.
(2)
"الأم" 6/ 119.
(3)
انظر: "الإشراف على مذاهب أهل العلم" 2/ 13، "مختصر اختلاف العلماء" 3/ 283.
رابعها: قد استدل به أهل الظاهر على أن المقر بالزنا لا يقبل رجوعه عنه، وليس في الحديث التعرض للرجوع
(1)
.
وقال مالك وأصحابه: يقبل منه إن رجع إلى شبهه
(2)
. فإن رجع إلى غيرها فخلاف.
خامسها: أنَّ الرجم ليس من شرطه حضور الإمام، خلافًا لأبي
حنيفة، وذكر عنه أنه يجب على الشهود الحضور كما مر
(3)
.
سادسها: أنه لا يحفر للمرأة، وهو قول مالك وأبي حنيفة
(4)
، وقال الشافعي وأشهب: يحفر لها.
سابعها: الوكالة على إقامة الحد، وقد سلف.
ثامنها: إرسال الواحد في تنفيذ الحكم.
تاسعها: أن المنفذ لا يعذر فيه.
عاشرها: أن الحاكم يحكم بعلمه؛ لأنه لم يقل لأنيس خذ معك أحدًا، وروي في بعض طرقه: فغدا أنيس ورجلان معه. قلت: كذا استنبطه ابن التين، وليس هذا من الحكم بالعلم، بل بالأعراف.
الحادي عشر: أنَّ للإمام أن يسأل المقذوف، فإن اعترف حدَّه، وإن لم يعترف وطالب القاذف أخذ له بعده، وقيل: يحدُّه وإن لم يطالب المقذوف إذا سمعه ثبتة غير الإمام وكانوا معه.
(1)
قال ابن حزم في "المحلى" 8/ 250: إن أقر إقرارا تامًّا ولم يصله بما يفسده فقد لزمه ولا رجوع له بعد ذلك.
(2)
"المدونة" 4/ 383.
(3)
"مختصر اختلاف العلماء" 3/ 308.
(4)
انظر: "المدونة" 4/ 400، "مختصر اختلاف العلماء" 3/ 287.
الثاني عشر: أنَّ على الإمام أن يبعث إلى المقذوف يعرِّفه أنَّ له حقًّا، وقد بوَّب عليه البخاري: إذا رمى امرأته، أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس، هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها بما رميت به
(1)
.
الثالث عشر: أن الرجم إذا وجد أقيم ولا يؤخر، اللهم إلا أن يكون الحر الشديد أو البرد الشديد؛ لقوله:"فإن اعترفت فارجمها" ولم يفصل.
الرابع عشر: فيه إقامة الحد في حرم المدينة.
سابعها: فيه قول الإمام: والذي نفسي بيده. وحلف الصادق، نبه عليه الداودي.
ثامنها: ذكر البخاري فيما سيأتي في رواية: وكان أفقههما
(2)
. أي: في هذِه القضية، ويحتمل أن يكون لاستئذانه، وحذره من الوقوع في النهي في قوله:(لا تقدموا) بخلاف الأول لخفائه.
وفيه: أن الفقيه قد يكون منه الخطأ، ولم يذكر هنا اعترافها، وذكر في المحاربين
(3)
: فاعترفت فرجمها
(4)
.
(1)
سيأتي في الحدود قبل حديث (6842).
(2)
سيأتي (6633 - 6634) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
كذا بالأصل، ويرجح صنيع المؤلف هنا إلى أنه وقع في بعض النسخ، باب المحاربين من أهل الكفر والردة، وعليه فإنه داخل تحت كتاب: الحدود. ووقع في بعض النسخ الأخرى: كتاب: المحاربين من أهل الكفر والردة، وعليه فإن أبواب المحاربين وما بعدها تحت كتاب المحاربين، وتنفصل عن الحدود، فلهذا كتب الناسخ الحدود ثم ضبب عليها، وكان من المفترض أن في نسخته أنها كتاب: المحاربين وليس: باب المحاربين، لكنه رحمه الله لما شرح هذا الباب لم يجعله كتابًا مستقلًا عن الحدود ولم يشر إليه فلم يتبين سبب صنيعه. ولمزيد من التفصيل في هذا الإشكال يراجع "فتح الباري" لابن حجر 12/ 109.
(4)
سيأتي برقم (6827)، (6828).
تاسعها: قال ابن بطال: أما قضاؤه عليه السلام بكتاب الله وهو رد الغنم والجارية الذين أخذا بالباطل، وقد نهى الله تعالى عباده عن ذلك بقوله {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ} [البقرة: 188] ولم يجز هذا الصلح لاشتراء حدود الله ببعض عرض الدنيا، وحدود الله لا تسقط، ولا تباع، ولا تشترى، وقام الإجماع على أن الصلح المنعقد على غير السنة لا يجوز، وأنه منتقض ألا ترى أنه ردَّ الغنم والوليدة، وألزم ابنه من الحدِّ ما ألزمه الله تعالى، فقال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" وبذلك كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في رسالته إليه يعلمه القضاء فقال: والصلح جائز بين المسلمين، إلَّا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا. قلت: ونطق بذلك رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام
(1)
. وذهب مالك وابن القاسم إلى أن الصلح كالبيع لا يجوز فيه المكروه، ولا الغرر.
وذكر ابن حبيب عن مطرف قال: كل ما وقع من الصلح من الأشياء المكروهة التي ليست بحرام صراح فالصلح بها جائز.
وقال ابن الماجشون: إن غرَّ عليهم بحدثانه فسخ، وإن طال أمره مضى.
وقال أصبغ: إن وقع الصلح بالحرام والمكروه مضى. ولم يرد، وإن عسر عليه بحدثان ذلك؛ لأنه كالهبة، ألا ترى أنه لو صالحه من دعواه لينتقض لم يكن فيه شفعة؛ لأنه كالهبة، وقد حدثثا سفيان بن عيينة: أن علي بن أبي طالب أتي بصلح فقرأه، فقال: هذا حرام، ولولا أنه صلح لفسخته. قال ابن حبيب: وقول ابن مطرف
(2)
، وابن الماجشون أحب
(1)
رواه عن عمرو بن عوف المزني مرفوعًا الترمذي (1352)، وابن ماجه (2353).
(2)
كذا بالأصل: ابن مطرف، والصواب مطرف كما سبق النقل عنه.
لموافقته قوله في الحديث: "إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا"
(1)
.
وقال ابن المنير: الصلح على الجور قد يكون من الجانبين ومن أحدهما، كأن يدعي عليه دينًا فيجحده ويصالحه على بعضه، فهذا يقول الدافع أنه جور، ولا يرد بل يمضي، وقد يتفقان على أنه جور كما يظن الدافع أن الدعوى لو ثبتت لزمه منها حق فيكشف العيب لهما أن حكم الشرع أن هذِه الدعوى لو اعترف بها أو ثبتت بيّنته لم يلزم فيها حق، وأنه غير موجهه إلى مال الصلح ولا بعضه فهذا جور يرد (في مثله، وفيه)
(2)
خلاف عند مالك، قيل: يرد اتباعًا للحديث وقيل: يلزم؛ لقوله عليه السلام "المؤمنون عند شروطهم"
(3)
، وقد فرط الدافع فكأنّه تطوع، والتطوع يلزم على (أصله)
(4)
بالشروع فيه
(5)
.
قلت: كلُّ ذلك على مذهبه، وعندنا لا صلح مع إنكار.
(الحادي عشر)
(6)
: في رواية لم يذكرها هنا: أنشدك الله. هو بفتح الهمزة وضم الشين. قال ثعلب: نشدتك وأنا أنشدك الله. قال القزاز: معناه: سألتك بالله، وفي "أمالي ثعلب": ذكرتك الله، زاد ابن طريف: مستحلفًا، وعند اللحياني: أنشدك بالله، وقال القرطبي: أقسم عليك رافعًا نشيدتي
(7)
وهو صوتي، ففيه جواز قول الحاكم ذلك وقسمه كان للتأكيد.
(1)
انظر: "النوادر والزيادات" 7/ 106 - 109، "شرح ابن بطال" 8/ 85 - 86.
(2)
كذا بالأصل، وفي "المتواري":(في مثله).
(3)
سبق معلقًا في كتاب: الإجارة، باب: أجرة السمسرة قبل حديث (2274).
(4)
كذا بالأصل، وفي "المتواري":(أهله).
(5)
"المتواري" ص 312.
(6)
كذا في الأصل ولعله سهو من الناسخ؛ لأنه لم يذكر العاشر.
(7)
"المفهم" 5/ 104.
قيل: فيه رد على المعتزلة أن الأفعال من خلق بني آدم وقد ينفصلون عنه بأن المراد إماته النفس وذلك لله تعالى قطعًا.
وفيه: أن الحدود التي هي محضة لحق الله لا يصلح الصلح فيها.
واختلف في حد القذف هل يصح الصلح فيها أم لا؟ ولم يختلف في كراهته؛ لأنه ثمن عرض ولا خلاف في جوازه قبل رفعه، وأما حقوق الأبدان من الجراح وحقوق الأموال فلا خلاف في جوازه مع الإقرار، واختلف في الصلح مع الإنكار. فأجازه مالك ومنعه الشافعي كما أسلفناه.
وفيه: أن ما كان معلومًا من الشروط والأسباب التي تترتب عليها الأحكام لا يحتاج إلى السؤال عنها، فإن إحصان المرأة كان معلومًا عندهم، وبما في نفس الحديث، وعلى هذا يحمل حديث الغامدية
(1)
إذ لو لم تكن محصنة لم يجز رجمها إجماعًا.
وفيه: إقامة الحاكم الحد بمجرد إقرار المحدود من غير شهادة عليه، وهو أحد قولي الشافعي وأبي ثور، ولا يجوز ذلك عند مالك إلا بعد الشهادة عليه، والفصل عن ذلك أنه ليس في الحديث ما ينص على أنه لم يسمع إقرارها إلا أنيس خاصة، بل العادة قاضية بأن مثل هذِه القضية لا تكون في خلوة ولا ينفرد بها الآحاد، بل لابد من حضور جمع كثير ولابد من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحد كما قال تعالى:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [النور: 2] وهذا كله مبني على أن أنيسًا كان حاكمًا، ويحتمل أن يكون رسولًا (يستفصلها)
(2)
(1)
رواه مسلم (1695) كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا.
(2)
كذا في الأصل وفي "القاموس المحيط" مادة: (فصل): الفصل: القضاء بين الحق والباطل.
ويعضده قوله في آخر الحديث في بعض الروايات: فاعترفت، فأمر بها رسول الله فرجمت، فهذا يدل أن أنيسًا إنما سمع إقرارها، وأن تنفيذ الحكم إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ يتوجه إشكال آخر وهو أن يقال: كيف اكتفي في ذلك بشاهد واحد وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنا هل يكتفي باثنين أم لا بد من أربعة؟ على قولين، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى الاكتفاء بواحد.
والجواب: أن هذا اللفظ الذي سقناه من رواية الليث عن الزهري، ورواه عن الزهري مالك بلفظ:(فاعترفت فرجمها)
(1)
، ولم يذكر: فأمر بها فرجمت. وعند التعارض فحديث مالك أولى لما يعلم من حفظ مالك وضبطه وخصوصًا في حديث الزهري فإنه من أعرف الناس به.
وقال الداودي في الأول: ما أراه بمحفوظ، ويُحتمل أن يكون الأمر الأول، وظاهر الحديث خلافه؛ لقوله:(فاعترفت، فأمر بها فرجمت) وقد ترجم عليه البخاري: باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه
(2)
.
يريد أن أنيسًا رجمها لما اعترفت عنده.
والظاهر أن أنيسًا كان حاكمًا، فلا إشكال إذن.
ولو سلمنا أنه كان رسولًا فليس فيه ما ينص علي انفراده بالشهادة، ويكون غيره قد شهد عليها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
(1)
ستأتي رواية مالك عن الزهري برقم (6633) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم.
(2)
سيأتي برقم (6835، 6836).
ويعضد هذا أن القضية اشتهرت وانتشرت فيبعدُ أن ينفرد بها واحد سلمناه، لكنه خبر لا شهادة، فلا يشترط العدد فيه، وحينئذٍ يستدل به على قبول أخبار الآحاد، والعمل بها في الدعاء وغيرها.
وقال النووي: بعث أنيس عند علماء أصحابنا يعلم المرأة، بأن هذا الرجل قذفك، ولك عنده حق القذف، فتطلب به أو تعفو، إلا أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه شيء، فلما ذهب إليها اعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت. قال: ولابد من هذا التأويل
(1)
.
وفيه: من الأحكام أن زنا المرأة لا يفسخ نكاحها من زوجها.
وأما حديث عائشة فسيأتي الكلام عليه في موضعه.
وشيخه فيه يعقوب، ثنا إبراهيم بن سعد. قيل: إنه يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقيل بزيادة ابن سعد (ع)، وقيل: ابن حُميد (خ) بن كاسب وقيل: ابن محمد (ق) بن عيسى الزهري
(2)
، كذا ذكره ابن السكن وأنكره الحاكم، وزعم أبو نعيم أنه يعقوب بن إبراهيم، وذكر الكلاباذي والحاكم أبو عبد الله، أنه يعقوب بن حميد، والله أعلم.
(1)
"شرح مسلم" 11/ 207.
(2)
ورد بهامش الأصل: الزهري يعقوب بن محمد بن عيسى العوفي، لم يرو عنه البخاري، لكن قال الذهبي: قال البخاري في "الصحيح": ثنا يعقوب، ثنا إبراهيم بن سعد. فلعله العوفي.
6 - باب كَيْفَ يُكْتَبُ: هَذَا مَا صَالَحَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى قَبِيلَتِهِ أَوْ نَسَبِهِ
؟
2698 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ الحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ المُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ لِعَلِيٍّ:"امْحُهُ". فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَنَا بِالذِي أَمْحَاهُ. فَمَحَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلُوهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ، فَسَأَلُوهُ: مَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ فَقَالَ: القِرَابُ بِمَا فِيهِ. [انظر: 1781 - مسلم: 1783 - فتح: 5/ 303]
2699 -
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الكِتَابَ كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ:"أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ". ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: "امْحُ رَسُولُ اللهِ". قَالَ: لَا، وَاللهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الكِتَابَ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إِلَّا فِي القِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا. فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ: يَا عَمِّ يَا عَمِّ. فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: عليها السلام: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، حَمَلَتْهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهْيَ ابْنَةُ عَمِّي. وَقَالَ جَعْفَرٌ:
ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِخَالَتِهَا. وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ". وَقَالَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي". وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا". [انظر: 1781 - مسلم: 1783 - فتح: 5/ 303]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ النبي صلى الله عليه وسلم أَهْلَ الحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيُّ بن أبي طالب كِتَابًا، فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ المُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ.
الحديث بطوله من طريقيه، وسيأتي قريبًا في الشروط بنحوه من حديث المسور ومروان يخبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
الحديبية مخففة الياء، وتشدد: اسم بئر هناك، وفي كونها من الحرم قولان: قال مالك: نعم، وخالفه الشافعي.
ولا بأس عند مالك أن ينحر هدي العمرة في الحرم، وعندنا الأفضل له المروة والحاج مني، وكانت هذِه الغزوة في ذي القعدة سنة ست، وصالح قريشًا على سنتين وقيل: ثلاث، قاله ابن جريج. وقيل:
أربع، قاله عروة. وقيل: عشر، قاله ابن إسحاق. وأقام بالحديبية شهرًا ونصفًا. وقيل: خمسين ليلة.
الثاني:
أصل هذا الباب أن يُكتب في اسم الرجل من تعريفه ما لا يشكل على أحد فإن كان اسمه واسم أبيه مشهورين شهرة ترفع الإشكال لم
(1)
سيأتي برقم (2711 - 2712) باب: ما يجوز من الشروط في الإسلام.
يحتج في ذلك إلى زيادة ذكر نسبه ولا قبيلته، ألا ترى أنه عليه السلام اقتصر في كتاب المقاضاة مع المشركين على أن كتب محمد بن عبد الله، ولم يزد عليه لما أمن الالتباس فيه؛ لأنه لم يكن هذا الاسم لأحدٍ غير النبي صلى الله عليه وسلم واستحب الفقهاء أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده ونسبه؛ ليرفع الإشكال فيه، فقلما يقع مع ذكر هذِه الأربعة اشتباه في اسمه، ولا التباس في أمره.
وفيه: رجوعه عليه السلام إلى اسمه واسم أبيه في العقد، ومحوه بخطه النبوة، إنما كان؛ لأن الكلام في الصلح وميثاق العقد، كان إخبارًا عن أهل مكة ألا تراهم قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك، ولا قاتلناك فخشوا أن ينعقد عليهم إقرارهم برسالته عليه السلام فلذلك قالوا ما قالوا هربًا من الشهادة بذلك.
الثالث:
قوله: (فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ). يقال: محوت الشيء أمحوه، ومحيته محيانا وأمحاه، مثل: قلى يقلي، وسقى يسقي، والذي في القرآن:{يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ} [الرعد: 39] ومحو الرحمن من الكتاب إنما هو لأنه ربما آل النساخ في ذلك إلى فساد ما كانوا أحكموه من الصلح، ولئن مُحي فهو في الصدور باق، وإباء عليٍّ من محوه أدب منه وإيمان، وليس بعصيان فيما أمره به، والعصيان هنا أبو
من الطاعة له وأجمل في التأدب والإلزام.
قال الطبري: وفي كتابه عليه السلام: باسمك اللهم، ولم يأب عليهم أن يكتبه إذا لم يكن في كتابه ذلك نقض شيء من شروط الإسلام، ولا تبديل بشيء من شرائعه، وإن كانت سنته الجارية بين أمته أن
يستفتحوا كتبهم بالبسملة، وكان فعله ذلك، والمسلمون يومئذ في قلة من العدد، وضعف من القوة، والمشركون في كثرة من العدد، وشدة من الشوكة فتبين أن نظير ذلك إذا حدثت للمسلمين حالة تشبه حالة المسلمين يوم الحديبية في القلة والضعف، وامتنع المشركون من الصلح إلا على حذف بعض أسماء الله تعالى وصفاته، أو حذف بعض محامده، أو بعض الدعاء لرسوله عليه السلام، أو حذف بعض صفاته، ورأى القيم بأمر المسلمين أن النظر للمسلمين إتمام الصلح، أن له أن يفعله لفعله عليه السلام في ذلك، فلو امتنعوا من الصلح على أن يبتدئ الكتاب، هذا ما قضى وأقر عليه فلان وفلان، ويحذف منه كل ما يبتدأ به من ذكر أسماء الله وصفاته في ابتداء الكتاب أو يحذف منه ذكر (الخلافة)
(1)
: لأنه ليس في ترك ذلك ترك فرض من فرائض الله لا يسع المسلمين تضييعه؛ لأنه عليه السلام لما أجابهم إلى ما أرادوا من كتاب محمد بن عبد الله لم يكن ذلك مزيلًا لصفته من النبوة، ولا يكون للخليفة إذا لم يوصف بالخلافة دخول منقصة عليه، ولا زواله عن منزلته من الإمامة، كما لم يكن في رضى رسول الله أن يكتب محمد بن عبد الله منقصة عن النبوة التي يجعلها الله فيه
(2)
.
الرابع:
قوله: (بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ) فسألوه: ما جلبان السلاح؟ قال: "القِرَابُ بِمَا فِيهِ"، وفسر أيضًا بالسيف والقوس ونحوه.
وقال في الرواية الأخرى: "لَا يدخلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إِلَّا فِي القِرَابِ"،
(1)
في الأصل (الخلاف) وما أثبتناه من "شرح ابن بطال".
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 88 - 89.
وفي لفظ: "لا يحمل سلاحُا إلا سيوفًا"، وقال:"إلا بجلُب السلاح"- أنكره كله القزاز، وقال: أحسب بجلبان السلاح أي: ما ستره.
قال: فلذلك فسر بالقراب بما فيه، وإنما يراد به: استتاره. وقال الأزهري: القراب غمد السيف.
والجلبان من الجلبة وهي الجلدة التي تجعل على القتب، والجلدة التي تغشى البهيمة؛ لأنها كالغشاء للقراب
(1)
. ورواه ابن قتيبة بتشديد الباء وضم اللام
(2)
، وكذا ضبطه بعض المحدثين قال: وهو أوعية السلاح بما فيها، وما أراه سمي به إلا كناية، ولذلك قيل للمرأة الجافية الغليظة: جُلبانة
(3)
.
قال الهروي: والقول ما قاله الأزهري. وقال الخطابي: الجلبان يشبه الجراب من الأدم يضع الراكب فيه سيفه بقرابه ويضع فيه سوطه، يعلقه الراكب من واسطة رحله أو من آخره، تحتمل أن تكون اللام ساكنة وهو جمع جلب، ودليله قوله في رواية مؤمل عن سفيان:"إلا بجلب السلاح". قال: وجلب السلاح نفس السلاح، فجلب الرجل نفس عيبته كأنه يريد به نفس السلاح، وهو السيف خاصة من غير أن يكون معه أدوات الحرب من لأمة ورمح وجحفة ونحوها، ليكون علامة للأمن والعرب لا تضع السلاح إلا في الأمن.
قال: وقد جاء (جربان السيف) في هذا المعنى. قال الأصمعي: الجربان: قراب السيف فلا ينكر أن يكون ذلك من باب تعاقب اللام
(1)
"تهذيب اللغة" 1/ 628.
(2)
"أدب الكاتب" ص 79.
(3)
كذا ذكره ابن الأثير عن ابن قتيبة في "النهاية في غريب الحديث" 1/ 282.
والراء
(1)
والذي ضبط في أكثر الكتب: بجلب السلاح بضم اللام وتشديد الباء، وهو يرد التأويل السالف، وضبط الجوهري وابن فارس جربان بضم الراء وتشديد الباء. قال ابن فارس: جربان السيف: قرابه
(2)
، وقيل: حده.
الخامس:
قوله: (فصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ).
وفي رواية ابن عمر: في بابها (ولا يقيم بها إلا ما أحبُّوا)
(3)
يحتمل ذلك في القضية كقوله: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} وقال ابن التين هناك: يجمع بينهما بأن مجيئهم لما كانت ثلاثة أيام فعبر عنها بما آلت إليه وهو الثلاث.
وقوله: ("أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ") من خاصته أنه لم يصبه ولادة غير الحلال من آدم وحواء عليهما السلام وهلم جرا. وقد قال: "ولدت من نكاح لا من سفاح"
(4)
.
وقوله: (فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده) أي: بعدما أراه عليّ الخط. ويحتمل أن يكون يعرفه بكثرة الدُربة.
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1321 - 1322 بتصرف، وهو في "شرح ابن بطال" 8/ 91 بنصه.
(2)
"المجمل" 1/ 186.
(3)
سيأتي قريبًا برقم (2701) باب: الصلح مع المشركين.
(4)
رواه ابن سعد في "الطبقات" 1/ 61، وابن الجوزي في "التحقيق في أحاديث الخلاف" 2/ 277 من حديث عائشة رضي الله عنها، رواه الطبراني في "الكبير" 10/ 329، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" 1/ 57 (14)، والبيهقي في "سننه" 7/ 190، وفي "شعب الإيمان" 2/ 140 من طرق عن ابن عباس وفي الباب عن أبي جعفر الباقر وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم، وحسنه الألباني رحمه الله في "الإرواء" 6/ 329 ولمزيد من التفصيل يراجع "البدر المنير" 7/ 634 - 637.
وقوله: (فَأَخَذَ النبي صلى الله عليه وسلم الكِتَابَ، فَكَتَبَ) أي أمر عليًّا فكتب كضرب الأمير: أمر به، وقيل محاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (فَكَتَبَ) يعني عليًّا. قال الشيخ أبو الحسن: ما رأيت هذا اللفظ (فَكَتَبَ) إلا في هذا الموضع. وقيل: إنه مختص بهذا الموطن. وقيل: إنه كالرسم؛ لأن بعض من لا يكتب يرسم اسمه بيده؛ لتكراره عليه. وقيل: كتب.
وأما قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} الآية لأنه تلا بعد
(1)
.
أما قوله: "إنا أمة أمية" لأنه كان منهم من يكتب لكن عادة العرب يسمون الجملة باسم أكثرها. فلذلك كان أكثر أمره أنه لا يحسن فكتب مرة.
وقيل: لما أخذ القلم أوحى الله إليه فكتب. وقيل: ما مات حتى كتب. وقيل: كتب على الاتفاق من غير قصد فانتظم ذلك منه.
قال السهيلي: وكتب علي ذلك اليوم نسختين إحداهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخرى مع سهيل وشهد فيها أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو يومئذٍ مشرك، وحويطب بن عبد العزى وسيأتي له زيادة في كتابه
(2)
.
ووقع في بعض نسخ "أطراف" أبي مسعود أنه عليه السلام أخذ الكتاب ولم يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله: محمدًا، وكتب: هذا ما قاضى
(1)
رود بهامش الأصل: معنى {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} وما كنت تقرأ من الكتاب فقوله: تلا فيه نظر؛ لأنه لم يتل من الكتاب .. عن ظهر قلب.
(2)
"الروض الأنف" 4/ 29 بتصرف.
عليه محمد فزيادة منكرة، والثابت ما أسلفناه:(فَكَتَبَ) أي: أمر عليًّا كما سلف، وفي رواية: فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب
(1)
وإن من معجزاته أنه كتب من وقته؛ لأنه خرق العادة.
وقال به أبو ذر الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وأبو الوليد الباجي وصنف فيه وأنكر عليه.
السادس:
قوله: (فَتَبِعَتْهُمُ ابنةُ حَمْزَةَ) وفي حديث آخر: أن زيدًا أتى بها واحتج حين خاصم فيها لأنه تجشم الخروج بها، فإما أن يكون في إحدى الروايتين وهم، أو يكون خرج مرة فلم يأتِ بها وسيقت إليه في هذِه المرة فأتى بها فتناولها عليٌّ، ذكره ابن التين.
وفيه: تناول غير ذات المحرم عند الاضطرار إليه. قاله الداودي، والصحيح أنها الآن ذات محرم؛ لأن فاطمة أختها من الرضاعة، وهي تحت علي فهي ذات محرم إلا أنها غير مؤبدة التحريم.
وفيه: خروج فاطمة في هذِه العمرة.
وقولها: (يَا عَمِّ) إن قالته لرسول الله فهو عمها من الرضاعة، وإن قالته لزيد فكان مصاحبًا لحمزة مؤاخيًا له، وقد تقوله له ولعلي ولجعفر لسنهم وصغرها.
وقضاؤه عليه السلام لخالتها فيه دلالة أن للخالة حقًّا في الحضانة فقال هنا: "الخالة بمنزلة الأم" وقال في رواية أخرى خارج الصحيح: "إنها أم"
(2)
يعني في الحضانة وهو أصل في الحكم لها بالحضانة، ومالك يقول في
(1)
سيأتي برقم (4251) كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.
(2)
"سنن أبي داود"(2278).
"المدونة" هي أحق من الأب
(1)
، وهو مشهور مذهبه، وقيل: الأب أولى منها.
قال الطبري: وفيه دلالة على أن أم الصغير ومن كان من قرابتها من النساء أولى بالحضانة من عصبتها من قبل الأب وإن كانت ذات زوج غير الوالد الذي هو منه، وذلك أنه عليه السلام قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة وقد تنازع فيها ابنا عمها علي وجعفر ومولاها أخو أبيها الذي كان عليه السلام آخى بينه وبينه، وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها، وذلك بعد مقتل حمزة فصح قول من قال: إنه لاحق لعصبة الصغير من قبل الأب في حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار مع قرابته من النساء من قبل الأم وإن كن ذات أزواج.
فإن قلت: فإذا كانت قرابة الأم أحق وإن كن ذات أزواج فهلا كانت الأم ذات الزوج كذلك كان كما كانت الخالة ذات الزوج أحق به.
قيل: فرق بين ذلك قيام الحجة بالنقل المستفيض ورواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الأم أحق بحضانة الطفل ما لم تنكح وإذا نكحت فالأب أحق بحضانته.
وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وكل واحدة من المسألتين أصل: إحداهما من جهة النقل المستفيض، والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول، وغير جائز ردُّ حكم إحداهما على الأخرى؛ إذ القياس لا يجوز استعماله إلا فيما لا نص فيه من الأحكام.
(1)
"المدونة الكبرى" 2/ 244.
السابع:
قوله لعلي: ("أَنْتَ مِنِّي") فيه منقبة جليلة له.
وأعظم منها قوله: ("وَأَنَا مِنْكَ")، وكذا قوله لجعفر وزيد، ومقالته
لزيد هو من قوله تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} وهو في هذا الموضع لا يصلح أن يكون إلا الانتساب فقط لا الموارثة، لأنه قد كان نزل في القرآن ترك التبني وترك التوارث به وبالحلف، ولم يبق من ذلك إلا الانتساب أن ينتسب الرجل إلى حلفائه ومعاقديه خاصة وإلى من أسلم على يديه، فيكتب كما يكتب النسب والقبيلة غير أنه لا يرثه بذلك.
وفي الحديث أنه قال: (لما قال لزيد: حَجَلَ) قال أبو عبيد: هو أن يرفع رجلًا ويقف على الأخرى من الفرح. قال: وقد يكون بالرجلين معًا إلا أنه قفز
(1)
.
الثامن:
إن قلت: اشترطوا عليه أن لا يخرج بأحد من أهلها إن تبعه ثم خرجت بنت حمزة ومرت معه.
قلت: إن النساء لم يدخلن في العهد والشرط إنما وقع على الرجال فقط، وقد بينه البخاري في كتاب: الشروط بعد هذا، وفي بعض طرقه فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا
(2)
. ولم يذكر النساء فصح بهذا أن أخذه لابنة حمزة كان لهذِه العلة.
ألا تراه رد أبا جندل إلى أبيه وهو العاقد لهذِه المقاضاة. وقال
(1)
"غريب الحديث" 1/ 463.
(2)
سيأتي برقم (2731)(2732) باب: الشروط في الجهاد.
البخاري فيما سيأتي: يقول الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ}
(1)
الآية.
ففيه نسخ السنة بالقرآن.
قال السهيلي: وفي قوله: (ولا يأتيك منا رجل). إلى آخره منسوخ عند أبي حنيفة بحديث سرية خالد حين وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خثعم وفيهم ناس مسلمون فاعتصموا بالسجود فقتلهم خالد، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف الدية وقال:"أنا بريء من كل مسلم بين مشركين"
(2)
وقال فقهاء الحجاز: ذلك جائز ولكن للخليفة الأكبر لا لمن دونه.
وفيه: نسخ السنة بالقرآن على أحد القولين، فإن هذا العهد كان يقتضي أن لا يأتيه مسلم إلا رده الله، فنسخ الله ذلك في النساء خاصة، على أن لفظ المقاضاة: لا يأتيك رجل. وهو إخراج النساء. وقيل: إنما جاز رد المسلمين إليهم في الصلح؛ لقوله: "لا يدعوني إلى خطةٍ" إلى آخره. وفي رد المسلم إلى مكة عمارة البيت وزيادة خير من الصلاة بالمسجد الحرام وطوافه بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات الله تعالى، فعلى هذا يكون حكمًا مخصوصًا بمكة وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير جائز لمن بعده كما قال العراقيون. وقيل: إنما رد أبا جندل واسمه العاص؛ لأنه كان يأمن عليه القتل بحرمة أبيه سهيل بن عمرو
(3)
.
وفيه: اختصاص القوم فيما يراه جعالة في علمه، والحجة في ذلك
(1)
المصدر السابق.
(2)
رواه أبو داود (2645)، والترمذي (1604)، والطبراني في "الكبير" 2/ 303 (2264)، والبيهقي في "الشعب" 7/ 39 (9374) وفي "السنن الكبرى" 8/ 131 (16471) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(2377).
(3)
"الروض الأنف" 4/ 35 - 36.
من كل واحد منهم.
وهذِه خواتم معجلة على روايات لم يذكرها البخاري، وقد ساق البخاري قصة الحديبية مطولة من حديث مروان والمسور في الشروط فلنشرحها هنا لتصير مجموعة في موضع واحد، واسم العين الذي بعثه من خزاعة بُسر -بالسين المهملة- ابن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي. قاله ابن إسحاق في "سيره"، وهو الذي بعثه أيضًا مع بديل بن أم أصرم عام الفتح ليستنفرا خزاعة.
وغدير الأشطاط بطائين مهملتين، وبعضهم يقول بالمعجمتين، قال أبو عبيد: هو تلقاء الحديبية
(1)
. وقيل: وراء عسفان، وهو جمع شط وهو السنام، وشط الوادي أيضًا جانبه.
والغميم وهو بغين معجمة وميم مكسورة، وذكر صاحب "المطالع" فيه ضم الغين وفتح الميم، ورده صاحب "التثقيف" فقال: ويقولون لموضع بقرب مكة: الغميم على التصغير، والصواب الفتح، جاء ذكره في كتاب البخاري وغيره، وكذا هو أينما وقع في شعر ابن أبي ربيعة وغيره. وقال ابن حبيب: الغميم بجانب المراض، والمراض بين رابغ والجحفة
(2)
.
وقال الحازمي: المصغر واد في ديار حنظلة من بني تميم.
والطليعة: التي تخرج لأخذ خبر العدو.
وقترة الجيش: هو غبرة حوافر الدواب. غبرة سوداء، ومثله {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41)} .
وقوله: (حتى إذا كان بالثنية) قال الداودي: يعني التي أسفل مكة.
(1)
"معجم ما استعجم" 1/ 153.
(2)
قول ابن حبيب ذكره أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" 3/ 1006.
ومنها: ولما بركت ناقته عليه السلام قال الناس: حل حل. وهو زجر الناقة إذا حملها على السير بسكون اللام، فإذا ثنيت قلت: حلٍ حَلْ بكسر اللام والتنوين في الأولى وسكونها في الآخر كقولهم: بخٍ بخْ، وصهٍ صه. ويجوز في الثانية كسر اللام كما ضبط في بعض الكتب.
قال ابن سيده: هو زجر لإناث الإبل خاصة، ويقال: حَلا وحَلِي لا حليت، وقد اشتق منه اسم فقيل: الحلحال في شعر كثير عزة
(1)
. قال الجوهري: وحوبٌ زجرٌ للبعير
(2)
.
ومنها: قوله: (ألحت) -وهو بحاء مهملة مشددة- أي: لزمت مكانها ولم تنبعث. ومنها: خلأت، وهو بالخاء المعجمة والهمز، وهو كالحران في الخيل. قال ابن فارس والهروي: ألح الجمل وخلأت الناقة. قال ابن فارس: ولا يقال للجمل خلأ
(3)
.
وكذا قال ابن بطال: الخلأ في النوق مثل الحران في الخيل. فلما قال ذلك وظنوا أن ذلك من خلقها فقال عليه السلام: "مما خلأت، ومما ذاك لها بخلق" أي: بعادة، وهو دال على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان يحكم بها على الطارئ الشاذ، وكذلك في الناس إذا نسب إنسان إلى غير خلقه المعلوم في هفوة كانت منه لم يحكم بها
(4)
.
وقوله: ("ولكن حبسها حابس الفيل") يريد أن الله -عزوجل- حبسها عن دخول مكة كما حبس الفيل حين جيء به لهدم الكعبة. قال الخطابي: والله أعلم أنهم لو استباحوا مكة لأتى القتل على قوم سبق في علم
(1)
"المحكم" 2/ 372.
(2)
"الصحاح" 1/ 117 مادة: (حوب) بلفظ: زجر للأبل.
(3)
"المجمل" 1/ 298.
(4)
"شرح ابن بطال" 8/ 126.
الله أنهم سيسلمون ويخرج من أصلابهم ذرية يؤمنون. هذا موضع التشبيه بحبسها
(1)
.
قال الداودي: لما رأى عليه السلام بروك القصواء علم أن الله عز وجل أراد صرفهم عن القتال ليقض الله أمرًا كان مفعولًا.
ومنها: (الخُطَّة)، وهي بضم الخاء المعجمة وبالطاء المهملة: الحالة. وقال الداودي: الخصلة. وقال صاحب "المطالع": قضية وأمر.
ومنها: قوله: (يعظمون فيها حرمات الله) يعني البلدة الحرام فيكفون عن القتال فيه تعظيمًا للحرم.
قال ابن بطال: يريد بذلك موافقة الله في تعظيم الحرمات؛ لأنه فهم عن الله تعالى إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة، فأبقى عليهم لما سبق في علمه من دخولهم في دين الله أفواجًا
(2)
.
ومنها: (الثمد) وهو: الماء القليل الذي لا مادة له. قال الداودي: هو العين. وقيل: هو ما يظهر من الماء زمن الشتاء ويذهب في الصيف. قال بعضهم: لا يكون إلا فيما غلظ من الأرض.
وقوله: (قليل الماء). أكده؛ لأنه لغةً: القليل من الماء كما سلف.
ومنها: قوله: (يتبرضه الناس تبرضًا). أي يأخذونه قليلًا قليلًا، وأصله اليسير من العطاء. وعبارة ابن بطال: أنه جمع الماء باليدين
(3)
. وزعم بعضهم في شرح شعر لبيد أنه القليل من ماء السماء. قال
صاحب "العين": ماء برض: قليل
(4)
.
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1337.
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 127.
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 134.
(4)
"العين" 7/ 35.
فبرض الماء: جمع البرض منه، ومنها قوله (فلم يلبثه الناس) وهو بثاء مثلثة. قال ابن التين: أي لم يتركوهن، ولبث غير متعدٍّ وعدّاه هنا لأنه رباعي من ألبث يلبث.
وقوله: (حتى نزحوه): أي: لم يبقوا منه شيئًا، يقال: نزحت البئر فنزحت لازم ومتعد قاله ابن التين. وقال ابن بطال: يقال نزحت البئر نقص ماؤها، وبئر نزوح قليلة الماء، عن صاحب "العين"
(1)
.
وقوله (فانتزع سهمًا من كنانته) هي: الجعبة التي فيها النبل.
وقوله: (يجيش لهم بالري) هو بجيم ثم مثناة تحت ثم شين معجمة فاض.
قال ابن سيده جاشت تجيش جيشًا وجيوشًا وجيشانًا
(2)
وكان الأصمعي يقول: جاشت بغير همز: فارت، وبالهمز: ارتفعت، وقال الداودي: معناه يأتي بالري.
ومنها: (صدروا) أي رجعوا رواء، وهو من أعلام نبوته وبركته. ومجيئه من غير أن يستأمن قريشًا وبينه وبينهم ما لا يخفى جريًا على عادة العرب من أن مكة غير ممنوعة ممن قصدها.
ومنها: (بُديل بن ورقاء) وكان من دهاة العرب. قال أبو عمر: أسلم يوم الفتح بمر الظهران وشهد حنينًا والطائف وتبوك وكان من كبار مسلمة الفتح، وقيل: أسلم قبل ذلك
(3)
. وتوفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن حبان: كان سيد قومه
(4)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 134.
(2)
"المحكم" 7/ 346.
(3)
"الاستيعاب" 1/ 235 (168).
(4)
"الثقاث" لابن حبان 3/ 34.
وقوله: (في نفر) النفر من ثلاثة إلى عشرة: قاله ابن فارس
(1)
، وقال ابن عزيز: ما بين العشرة إلى الثلاث، ومنها: العيبة بعين مهملة ثم مثناة تحت ثم باء موحدة، وهي هنا موضع سره وأمانته كعيبة الثياب التي يضع فيها الإنسان جيد ثيابه.
ومنها: قوله: (نصح النبي صلى الله عليه وسلم) قال ابن التين: ضبط بفتح النون على أنه مصدر من ينصح، وفي بعض الكتب بضمها على الاسم من نصح. و (تهامة): بكسر التاء.
ومنها (أعداد مياه الحديبية) قال الداودي: يعني موضعًا بمكة.
وقال الخطابي وابن بطال: هو جمع عِد، وهو جمع الماء الدائم الذي لا ينقطع، يقال: ماء عِد ومياه أعداد
(2)
، وأصل الماء موه بدليل جمعه على مياه، فالهمز إذن بدل من الهاء، وكذلك يقال في تصغيره: مويه.
ومنها: (العوذ المطافيل). قال السهيلي هو جمع عائذ، وهي الناقة التي معها ولدها يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان ليزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يناجزوك في زعمهم، وإنما قيل للناقة: عائذ، وإن كان الولد هو الذي يعوذها لأنها عاطف عليه كما قالوا تجارة رابحة وإن كانت مربوحًا فيها؛ لأنها في معنى نامية وزاكية. وقال الخطابي: العوذ. الحديثات النتاج. قال: والمطافيل قيل: الأمهات التي معها أطفالها يريد أن هذِه القبائل قد احتشدت لحربه وساقت أموالها
(3)
.
(1)
"المجمل" 2/ 878.
(2)
"أعلام الحديث" 2/ 1338، و"شرح ابن بطال" 8/ 134.
(3)
"أعلام الحديث" 2/ 1338.
وقال ابن التين: تجمع أيضًا على عيذان مثل راع ورعيان في "الصحاح". قلت: وعوذان أيضًا، تقول: هي عائذ بينة العئوذ إذا ولدت عشرة أيام وخمسة عشر يوما ثم هي مطفل بعد ذلك ذكره الجوهري
(1)
، وذكر الهروي أنه يقال المطافيل: النساء معهن أولادهن وقال ابن فارس: هي سبعة أيام عائذ إذا وضعت. قال: والمطافيل: التي معها أطفالها، زاد وهي قريبة عهد بنتاج
(2)
.
وقال الداودي: العوذ المطافيل: سراة الرجال. قال: وهو ذهل، وقيل: هي الناقة التي لها سبع ليال منذ ولدت وقيل: عشرة. وقيل: خمس عشرة يومًا، ثم هي مطفل بعد ذلك، وقيل: النساء مع الأولاد. وقيل: النوق مع فصلانها، وهذا هو أصلها.
وقوله: (نهكتهم الحرب) هو بكسر الهاء وفتحها، أي: أبلغت فيهم. يقال نهكته الحمى إذا نقصته يريد ما كان من بدر وما تكلفوه يوم أحد ويوم الخندق من نفقات الأموال.
ومنها: قوله: "ماددتهم" أي: ضربت معهم مدة للصلح.
ومنها: قوله: "فإن شاءوا" قال ابن التين: وقع في بعض الكتب بالواو بدل الفاء، وبالأول يستثقل الكلام، ومعنى "يخلوا بيني وبين الناس" أي: يكفون عن حربي ويتركوني وإياهم فإن ظفرت بهم كانوا
قد ربحوا أموالهم وما تأتي عليه الحرب من الأنفس، وإن ظفر بغيرهم فقد جموا.
وقوله: "جموا" -بالجيم- أي: استراحوا من جهد الحرب، وهم
(1)
"الصحاح" 2/ 567 (عوذ).
(2)
"المجمل" ص (635)(عوذ)، ص (583) مادة:(طفل).
جامون أي: مستريحون وأصله الجمع والكثرة، ومنه الجم الغفير. وقال ابن التين إنه مأخوذ من الجمام وهي الراحة.
ومنها: "تنفرد السالفة" قال الخطابي: أي: بين عنقي، والسالفة مقدم العنق
(1)
، وقيل: صفحته، وفي "المخصص" السوالف: الطلى
(2)
. وفي "المحكم": أعلى العنق
(3)
. وأراد حتى أبقى وحدي. وقال الداودي: أراد حتى تنقطع مدتي وأنفرد في قبري. قال: والسالفة قيل: العنق وهو العرق الذي بين الكتف والعنق.
ومنها: قوله: ("ولينفذن الله عز وجل أمره") أي: ليظهره على الدين كله وإن كرهوا.
ومنها: قوله: ("ألستم بالوالد، أو لست بالولد") أي: أصنع لكم ما يصنع الولد لوالده في النصرة وغيرها.
واسم أم عروة بن مسعود سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف.
ومنها: قوله: ("استنفرت أهل عكاظ") أي: دعوتهم إلى نصركم.
وقوله: ("فلما بلحوا") هو بباء موحدة وبعد اللام المشددة حاء مهملة، أي: عجزوا يقال: بلح الفرس إذا أعيا ووقف.
وقال الخطابي: (بلحوا): امتنعوا. يقال: بلح الغريم إذا قام عليك فلم يؤد حقك، وبلحت البركة إذا انقطع ماؤها
(4)
.
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1338 وفيه: الركية بدلًا من البِركة.
(2)
عبارة ابن سيده في "المخصص" 4/ 178 - 179: الطلى: الأعناق وقيل هي أصول الأعناق.
(3)
"المحكم" 8/ 329 مادة (سلف).
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1338.
ومعنى (اجتاح): استأصل أهله، ومنه سميت الجائحة. و (الأشواب من الناس) يريد: الأخلاط. قاله الخطابي.
قال: والشوب: الخلط. وروي أوشابًا وهو مثله. تقول: هم أوشاب وأشابات إذا كانوا من قبائل شتى مختلفين
(1)
.
وقال الداودي هم أرذال الناس. وقال القزاز: مثل الأوباش.
وقوله: (خليقًا أن يفروا ويدعوك) أي: حقيقًا ذلك. قاله الداودي.
وقال ابن فارس: بكذا أي: ممن يقدر فيه
(2)
.
وقوله: (امصص بظر اللات) هو بفتح الصاد الأولى كما قيده الأصيلي وصوبه صاحب "المطالع" من مَصَّ يمص وهو أصل مطرد في المضاعف مفتوح الثاني، وفي رواية أبي الحسن بضمها، والأول أصح؛ لأن ماضيه مص.
قال ابن التين: وهي كلمة تقولها العرب عند المشاتمة والذم، تقول: ليمصص بظر أمه، واستعار أبو بكر ذلك في الكلام لتعظيمهم إياها.
والبظر: بالظاء المعجمة قبلها باء موحدة ثم راء. قال الداودي: هو فرج المرأة، وقال ابن التين: هو عند أهل اللغة ما يخفض من فرجها أي يقطع عند خفاضها.
وقال أبو عبيد: البظارة ما بين الأسكتين، وهما جانبا الحياء. وقال أبو زيد: هو البظر. وقال أبو مالك: هو البُنْظُر. وقال ابن دريد: البيظرة:
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1339. قلت: بين الحافظ ابن حجر في "الفتح" 5/ 340 هذا التفريق بين أوباش وأشواب فقال: والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش الأخلاط من السفلة، فالأوباش أخص من الأشواب.
(2)
"المجمل" 1/ 301 مادة: (خلق).
ما تقطعه الخاتنة من الجارية، ذكره في "المخصص"
(1)
.
وقال في "المحكم": البظر ما بين الأسكتين، والجمع بظور وهو البيظر والبَظارة، والبُظارة، الأولى عن أبي غسان، وامرأة بظراء: طويلة البظر، والاسم: البظر، ولا فعل له، والمبظر: الخاتن كأنَّه على السلب، ورجل أبظر: لم يُختن
(2)
.
وقول عروة: (أما والذي نفسي بيده لولا يد .. ) إلى آخره قال ذلك وهو كافر؛ لأنهم كانوا يعرفون الله وبعض صفاته ويجهلون بعضها، وكانوا يسمون عبد الله، كذا ذكر الداودي وأنكر هذا بعضهم، وقال: إذا جهل بعض صفات الله لم يعرفه، وأسلم عروة بعد ذلك، وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم فقتلته
(3)
، ويقال: إن مثله كمثل الذي قال: {يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} الآية [يس: 26] ذكره الداودي.
وقوله: (لم أجزك بها) أي لم أكافئك بها، من جزى يجزي.
وفيه: دلالة أن الأيادي يجب على أهل الوفاء مجازتها، والمعاوضة عليها، ومس عروة لِحْيَةَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريًا على عادة العرب يستعملونه كثيرًا، يريدون بذلك التحبب والتواصل، وحكي عن بعض العجم فعل ذلك أيضًا وأكثر العرب فعلًا كذلك أهل اليمن، وكان المغيرة يمنعه من ذلك إعظامًا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإكبارًا لقدره؛ إذ كان إنما يفعل ذلك الرجل بنظيره دون الرؤساء، وأين نظيره؟! ولم يمنعه عليه السلام من ذلك تألفًا واستمالة لقلبه وقلب أصحابه.
(1)
"المخصص" 1/ 138.
(2)
"المحكم" 11/ 22.
(3)
كذا بالأصل، والحق أنه أسلم ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعود إلى قومه فيدعوهم، فرجع ودعاهم، فعصوه وقتلوه وهو يؤذن للفجر. انظر:"الإصابة" 2/ 477 (5526).
والمغفر: شيء يعمل من سرد الدروع تستر الرأس إلى الكتفين.
وقوله: (كلما أهوى بيده) يقال: أهوى الرجل بيده إلى الشيء ليأخذه.
ونعل السيف: ما يكون أسفل القراب من حديد أو فضة، ويستدل بهذا على جواز قيام الناس على رأس الإمام بالسيف؛ مخافة العدو، وأن الإمام إذا جفا عليه أحد لزم ذلك القائم تغييره بما أمكنه.
وقوله: (أي غدر): يريد المبالغة في وصفه بالغدر.
قال ابن بطال: وفي لين عروة وبديل لقريش دلالة على أنهم كانوا أهل إصغاء وميل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقول عروة: (أرأيت إن استأصلت قومك) فيه: دلالة على أنه عليه السلام كان يومئذٍ معه جمع يخاف منه عروة على أهله الاستئصال لو قاتلهم، وخوف عروة إن دارت الدائرة -والعياذ بالله- على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفر عنه من تبعه من أخلاط الناس؛ لأن القبائل إذا كانت متميزة لم يفر بعضها عن بعض، فإذا كانوا أخلاطًا فرَّ كل واحدٍ عن الآخر، ولم يرَ على نفسه عارًا، والقبيلة بأصلها ترى العار وتخافه، ولم يعلم عروة أن الذي عقده الله به من قلوب المؤمنين من محض الإيمان فوق ما تعتقده القرابات لقراباتهم.
ولذلك ردَّ عليه الصديق، وهكذا يجب أن يجاوب من جفا على سروات الناس، وأفاضلهم، ورماهم بالفرار
(1)
.
وقوله: (ألست أسعى في غدرتك) يريد أن عروة كان يصلح على
قوم المغيرة، ويمنع منهم أهل التنكيل الذين قتلهم المغيرة؛ لأن أهل المغيرة بقوا بعده في دار الكفر
(2)
، وكان المغيرة خرج مع نفر من بني
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 128.
(2)
المصدر السابق 8/ 129.
مالك إلى المقوقس، ومع القوم هدايا قبلها منهم المقوقس، ووصلهم بجوائز، وقصَّر بالمغيرة؛ لأنه ليس من القوم، فجلسوا في بعض الطريق يشربون، فلمَّا سكروا وناموا قتلهم المغيرة جميعًا، وأخذ ما كان معهم، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم، وجئت بأسلابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخمس أو ليرى فيها رأيه؟ فقال عليه السلام:"أما المال فلست منه في شيء"، يريد في حلٍّ؛ لأنه علم أن أصله غصب، وأموال المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحلُّ أخذها عند الأمن، وإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم، فقد أمن كل واحدٍ منهم صاحبه، فسفك الدماء وأخذ الأموال عند ذلك غدر، والغدر بالكفار وغيرهم محظور
(1)
.
فلمَّا بلغ ثقيفا فعلُ المغيرة تداعوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن يحمل عنه عروة بن مسعود عم المغيرة ثلاثة عشر دية.
والنخامة: ما يصعد من الصدر إلى الفم، ومن الرأس.
وابتدروا أمره: استبقوا إليه.
وقوله: (يقتتلون على وَضوئه). قال الداودي: قصد بما يتوضأ به من الماء، ويحتمل أنه يريد: أنه كان يتوضأ في إناء ليتبركوا به، ولئلا يضيع ما فيه منفعة.
وقوله: (خفضوا أصواتهم عنده). هذا كقوله تعالى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآية [الحجرات: 2].
قوله: (ما يحدون إليه النظر) أي: ما يتأملونه، ولا يديمون النظر
(1)
المصدر السابق.
تعظيمًا له.
وكان أبو بكر وعمر بعد أن نزلت الحجرات لا يكلمه أحدهما إلا كالمناجي له حتى ربما استفهم أحدهما لشدة الإخفاء.
وقوله: (فقال رجل من بني كنانة) كانت بنو كنانة ممن يمالئ قريشًا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلوا في عهد قريش، كما أن خزاعة دخلت في عهد المسلمين، وكان في بعض المدَّة عدا رجل من كنانة على آخر من خزاعة، فعلمت قريش أن العهد انتقض، فأرسلوا أبا سفيان ليجدد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظنوا أنه لم يعلم بقتل الخزاعي، وكان الوحي جاءه بذلك، فلم يفصح لأبي سفيان بنقض العهد، ولا أن يجدد، بل قال له:"يكفي العهد الأول"، وهذا من المعاريض.
فمشى أبو سفيان إلى أبي بكر وعمر ليكلماه بذلك فأجاباه بغلظ، وإلى فاطمة وابنيها فأبوا، فأتى الناس والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، فقال: إني أجرت بين الناس، فقال عليه السلام، وأراد أن يوهمه:"أسمع ما تقول أبا سفيان؟ "، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما فعل فعلموا أنه لم يفد شيئًا.
وقوله: "سهل أمركم؟ " هو تفاؤل عليه السلام باسم سُهيل، إذ كان يحب الفأل الحسن، وكان تفاؤله حقًّا؛ لأنه يلقى في روعه، وفي إنكار سهيل كتب البسملة، ويمين المسلمين:(والله لا نكتب) فيه -كما قال ابن بطال- أن أصحاب السلطان يجب عليهم مراعاة أمره. وتركه عليه السلام إبرار قسمهم، وقد أمر به أمر ندب مما يحسن ويجمل
(1)
.
فإذا كان الحلف في أمرٍ يؤدي إلى انخرام المقاضاة والصلح كهذا
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 130.
فلا يندب إلى بره، مع أن ما دعى إليه سهيل لم يكن إلحادًا في أسمائه تعالى، وكذا ما أباه من كتابة (رسول الله) ليس إلحادًا في الرسالة.
فلذلك أجابه عليه السلام إلى ما دعاه، ولم يأنف سهيل من هذا؛ لأنه كان متكلمًا عن أهل مكة لا سيما وفي بعض طرقه: هذا ما قاضى عليه أهل مكة رسول الله. فخشي سهيل أن ينعقد في مقالتهم الإقرار برسالته
(1)
. وليس في انتمائه إلى أبيه ما ينفي رسالته.
وقول سهيل: (لا تكتب إلَّا باسمك اللهم) أول من قالها أمية بن أبي الصلت، كما قال السهيلي، ومنه تعلمتها قريش وتعلمها هو من الجن فيما ذكره المسعودي.
وقوله: (إذ أتاه أبو جندل: إنا لم نقض الكتاب بعد) يقتضي أن من صالح أو عاهد على شيءٍ بالكلام أنه بالخيار في النقض في المجلس.
وقوله: (فأجره لي)
(2)
.
قال الحميدي فيما نقله ابن الجوزي: بالراء. وبالزاي أليق، وكذا قال ابن التين: أنه يروى بهما، فمن رواه بالراء فهو من الأمان. قال تعالى:{فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ} [التوبة: من الآية 6] ومنه أيضًا: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: من الآية 88].
وقول مكرز: (أجزناه لك) أي: أمناه لك إذ لم يفعل سهيل، وكان سهيل من أشراف قريش، ومعنى (أجزه) بالزاي، أي: أجز لي فعلي فيه، قاله الداودي.
وقوله: (الدنية) يعني: الدون.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 130.
(2)
ضبطها الناسخ بالراء والزاي وكتب فوقها (معًا).
وقوله: ("إني رسول الله ولست أعصيه ") تنبيهًا لعمر. أي: إنما أفعل هذا من أجل ما أطلعني الله عليه من حبس الناقة، وإني لست أفعل ذلك برأيى وإنما هو بوحي، وما كان من عمر لرسول الله ولأبي بكر.
فيه: أن للمؤمنين استفهام الأنبياء عمَّا تلجلج في نفوسهم؛ ليزال ما في نفوسهم، ويزدادوا يقينًا.
وفيه: أنَّ الكلام محمول على العموم حتى يقوم دليل على الخصوص.
ألا ترى أن عمر حمل كلامه في دخول البيت على عمومه، فأخبره الشارع أنه لم يعده بذلك في هذا العام، بل وعدًا مطلقًا، ويؤخذ منه أن من حلف على فعل ولم يعين وقتًا أن وقته أيام حياته، وانظر إلى فضل أبي بكر على عمر في جوابه بما أجابه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وهو دال على توقد ذهنه، وحسن قريحته، وقوة إيمانه.
وفيه: صلابة عمر، وفضل الصديق، وأنه يقصد بالمسألة حتى يحتاج إلى علمه.
وفيه: سابقته في العلم، وتوفيق الله إياه لمثل قوله عليه السلام.
وقوله: (تطوف به) هو مشدد الواو والطاء مثل قوله تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: من الآية 158].
والغرز للرجل بمنزلة الركاب للسرج فكأنه استعار ذلك، أي: تمسك بركابه واتبعه.
قال الداودي في رواية أخرى: (بعروة الله) أي: بدل (بغرزه).
وقول عمر: (فعملت لذلك أعمالًا) يشير كما قال ابن الجوزي إلى الاستغفار والاعتذار.
وقال ابن بطال: يعني أنه كان يحض الناس على ألا يعطوا الدنية في دينهم بإجابة سهيل إلى رد أبي جندل إليهم، ويدل على ذلك إتيانه أبا بكر، وقوله له مثل ذلك
(1)
.
وأبو بصير بالباء الموحدة المفتوحة ثم صاد مهملة مكسورة، اسمه عتبة بن أَسِيد بن جارية بن أسيد، وقيل: عبيد بن أَسِيد حالف بني زهرة.
وقوله: ("مِسْعر حرب") هي كلمة تعجب، يصفه بالإقدام في
الحرب، والإيقاد لنارها، واشتقاقه من سعرت النار إذا أوقدتها، والمسعر الخشبة التي تسعر النار.
وقال الداودي: هي كلمة تقال عند المدح والذم والإعجاب.
و (ويل) مكسور اللام، وموصول ألف (امه)، قال ابن التين: كذا رويت هذِه اللفظة، وقال ابن بطال: إعرابه: ("ويل امه مسعر حرب")، فانتصب على التمييز
(2)
، ولم يرد الدعاء بإيقاع الهلكة عليه، وإنما هو على ما جرت به عادة العرب على ألسنتها كـ"تربت يداك" ونحوه، وقتل أبي بصير أحد الرسل بعد أن أرسله رسول الله معه، فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه في ذلك دية؛ لأن هذا لم يكن في شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقود من أبي بصير.
وظاهر الحديث -كما قال السهيلي- رفع الحرج عنه؛ لأنه عليه السلام لم يثرب بل مدحه فقال: "ويل آمه مسعر"، وفي رواية:"محش حرب"
(3)
؛
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 133.
(2)
السابق 8/ 135.
(3)
"سنن البيهقي الكبرى" 9/ 227.
لأن أبا بصير دفع عن نفسه ودينه، ومن قتل دون واحد منهما فهو شهيد،
قال: لم يزل أصحابه يكثروا حتى بلغوا ثلاثمائة وكان كثيرًا ما يقول:
هنا لك الله العلي الأكبر
…
من ينصر الله فسوف ينصر
قال: فلما جاءهم الفرج من الله، وكلمت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤيهم إليه لما ضيقوا عليهم، ورد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بصير يجود بنفسه، فلما قرأ الكتاب سُرَّ به ثم قبض والكتاب على صدره، فبني عليه مسجد، فلما فهم من قوله:"لو كان له أحد" خرج حتى أتى سِيف البحر بكسر السين المهملة، أي: شاطئه وهو موضع، كما قاله الداودي.
وقوله: (وامتعضوا) هو بضاد معجمة، أي: كرهوا، وروي بتشديد الميم، وصحف من قاله بالظاء المعجمة، واقتصر ابن بطال في أول الشروط على قول صاحب "العين"
(1)
: معض الرجل وامتعض إذا غضب للشيء، وأمعضته وأمعضه ومعضته إذا أنزلت به ذلك
(2)
.
وقول البخاري في آخره: (قال عقيل: عن الزهري، قال عروة: فحدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن)
(3)
الحديث ذكره مسندًا في أول الشروط فقال: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل به
(4)
.
(1)
"العين" 1/ 287 مادة (معض).
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 106.
(3)
سيأتي برقم (2733) كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد.
(4)
سيأتي برقم (2713) باب: ما يجوز من الشروط في الإسلام.
7 - باب الصُّلْحِ مَعَ المُشْرِكِينَ
فِيهِ: عَنْ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِك، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"ثُمَّ تَكُونُ هُدْنَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ". وَفِيهِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَسْمَاءُ وَالمِسْوَرُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. أي: في ذكر الصلح.
2700 -
وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ: السَّيْفِ، وَالقَوْسِ، وَنَحْوِهِ. فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ، فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. [انظر: 1781 - مسلم: 1783 - فتح: 5/ 304]
قَالَ: لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ عَنْ سُفْيَانَ: أَبَا جَنْدَلٍ، وَقَالَ: إِلَّا بِجُلُبِّ السِّلَاحِ.
2701 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ العَامَ المُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا، فَاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ، فَخَرَجَ. [4252 - فتح: 5/ 305]
2702 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْىَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ. [3173، 6142، 6143، 6898، 7192 - مسلم: 1669 - فتح: 5/ 305]
وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ .. وساق الحديث.
ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ أَنه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ .. الحديث.
وحديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زيدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ.
الشرح: (الهُدْنَة): السكون ورفع الحرب.
و (بنو الأصفر): الروم، وأصل الأصفر في كلام العرب: الأسود.
قيل للروم: بنو الأصفر؛ لأن جيشًا غلب على ناحيتهم في بعض الدهور فوطئوا نساءهم فولدن أولادًا فيهم بياض الروم وسواد الحبشة، فنسب الروم إلى الأصفر لذلك.
وقيل: بنو الأصفر اسم مخصوص به الملوك خاصة، بدليل قول علي بن زيد:
أين كسرى كسر الملوك أنوشر
…
وانَ أم أين بعده سابور
أم بنو الأصفر الكرام ملوك الرو
…
م لم يبق منهم مذكور
وقيل: إن الهدنة لا تكون إلا بصلح بعد قتال.
وقوله: (صالح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على ثلاثة أشياء) قال الداودي: إنما ذكر بعض ما كان ليبين على أنه لم يكن من الشروط غيرها.
وقوله: (فجاء أبو جندل) هو العاصي بن سهيل، قتل مع أبيه بالشام.
قال ابن عبد البر: غلطت طائفة ممن ألفت في الصحابة فزعمت أن اسمه عبد الله، وأنه الذي أتى مع أبيه سهيل إلى بدر فانحاز من المشركين إلى المسلمين، وشهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو غلط فاحش؛ لأن عبد الله ليس بأبي جندل وإنما هو أخوه، وعبد الله استشهد باليمامة مع
خالد، وأبو جندل لم يشهد بدرًا ولا شيئًا من المشاهد قبل الفتح؛ لأن أباه كان قد منعه من ذلك
(1)
.
وقوله: (يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ) أي: يوسف مشية المقيد، والأصل في ذلك أن يرفع رجلًا ويقوم على أخرى، وذلك أن المقيد لا يمكنه أن ينقل رجليه معًا، وقيل: هو أن يقارب خطوه وهو مشية المقيد، وقيل: فلان يحجل في مشيه، أي: يتبختر، وروي: يجلجل في قيوده.
وقوله: (فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ) يريد رده إلى أبيه سهيل بن عمرو، ورد غيره للشرط الذي كان بينهم.
وفيه: جواز بعض المسامحة في أمور الدين، واحتمال اليسير من الضيم ما لم يكن ذلك مضرًّا بأصوله، إذا رجي من ذلك نفع، وعلى هذا محوه موضع ذكر النبوة عن اسمه، واقتصاره على اسمه واسم أبيه، إذ ليس في نسبته إلى أبيه نفي نسبه عن النبوة، وكذلك إجابته إياهم إلى ترك التسمية حسبما يأتي، وذلك أن الله تعالى أباح التقية للمسلم إذا خاف هلاكًا، فرخص له أن يتكلم بالكفر مع إضماره الإيمان بقوله:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106].
فظهر أن الصلح المذكور جائز عند الضرورة عند عدم الطاقة على العدو، فأما إذا قدروا عليهم فلا يجوز مصالحتهم لقوله تعالى:{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} الآية [محمد: 35] وإنما قاضاهم هذِه القضية، وإن كان ظاهرها الوهن على المسلمين كما أسلفنا من نزول ناقته، وكانت إذا حولت عن مكة قامت ومشت، وإذا صرفت إلى مكة بركت، وكذلك كانت حالة الفيل ففهمها عليه السلام من ربه، ولم يتعرض
(1)
"الاستيعاب" 4/ 188.
لدخولها، وقبل مصالحتهم، وحبس جيشه عن انتهاك حرمة الحرم وأهله، ولما كان قد سبق في علمه من دخول أهل مكة في الإسلام فقال:"لا يسألوني اليوم خطة" إلى آخره، فكان مما سألوه أن يعظم به أهل الحرم، أن يرد إليهم من خرج عنهم وعن حرمهم مسلمًا أو غيره، وأن لا يردوا ولا يخرجوا من الحرم من فر إليهم من المسلمين، وكان هذا من إجلال حرمة الحرم.
فلهذا عاقدهم على ذلك مع بعض ما وعده الله أنه سيفتح عليه ويدخلها، حتى قال له عمر ما قال، ورد عليه الصديق.
فدل هذا على أن المدة التي قاضى عليها أهل مكة فيها إنما كانت من الله مبالغة في الإعذار إليهم مع ما سبق من علمه من دخولهم في الإسلام، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في المدة التي هادن فيها على
أقوال.
وقال الشافعي: لا يجوز مهادنة أكثر من عشر اقتداءً به في الحديبية، فإن هُودِن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يُعطوا الجزية.
وقال ابن حبيب عن مالك: يجوز السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة وإجازته ذلك إلى غير مدة يدل على أنه يجوز مدة طويلة، فإن ذلك اجتهاد الإمام بخلاف قول الشافعي.
8 - باب الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ
2703 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهْيَ: ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا العَفْوَ، فَأَبَوْا فَأَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهُمْ بِالقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: "يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ". فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ". زَادَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ، وَقَبِلُوا الأَرْشَ. [2806، 4499، 4500، 4611، 6894 - مسلم: 1675 - فتح: 5/ 306]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ عن محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني حميد عنه في كسر سن الربيع بطوله هو أحد ثلاثياته. زَادَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ، وَقَبِلُوا الأَرْشَ.
وهذا التعليقُ أسندهُ البخاري في تفسير سورة المائدة
(1)
، فقال حدثنا محمدُ بن سلام عن مروان بن معاوية الفزاريِّ .. فذكره، وفي رواية ابن مُنير، عن عبد الله بن (بكر)
(2)
، عن حُميد، عن أنس أن الرُّبيع عمته
(3)
، وذكره في الديات أيضًا
(4)
.
وفي مسلمٍ
(5)
من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنَّ أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا فقالت أمُّ الربيع: والله لا تكسر
(1)
سيأتي رقم (4611) باب: قوله: {وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ} .
(2)
في الأصل: (بكير) والصواب ما أثبتناه كما في "صحيح البخاري" و"تهذيب الكمال" 14/ 340 (3185).
(3)
سيأتي برقم (4500) في التفسير، باب:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} .
(4)
سيأتي برقم (6894) باب: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} .
(5)
مسلم (1675) كتاب: القسامة، باب: إثبات القصاص، وروايته بلفظ: والله =
ثنيتها، وكذا هو أيضًا في "سنن النسائي"
(1)
ورجح جماعة من العلماء رواية البخاري (د. س. ق)، وقال النووي: هما قضيتان
(2)
فالله أعلم.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجهٍ:
أحدها:
الثنية: مقدم الأسنان، والأرش: الدية، قال ابن التين، وقيل: هو بفتح الهمزة وكسرها.
وقال ابن فارس: أرش الجراحة: ديتها، وضبط بفتح الراءِ، قال: وذلك لما يكون فيه من المنازعة، قال: ويقال: إن أصله الهرش
(3)
.
بمعنى طلبوا الأرش، أي: طلبوا أن يعطوه، ويعفى عن القصاص، فأتى أهلها وتحاكموا إلى رسول الله، فأمر بالقصاص.
ثانيها:
الرُبيَّعُ بضم الراءِ وفتح الباءِ الموحدة، ثمَّ ياءٍ مثناة تحت مشددة مكسورة. وأنس هذا هو: ابن النضر عم أنس بن مالك، وقتل يوم أحد.
قال أنس: وجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية
= لا يقتص منها. لا كما هنا: والله لا تكسر ثنيتها، ولعل السبب في هذا الخطأ أن المصنف -فيما يظهر لي- نقل هذا الكلام عن النووي بتصرف؛ لأن عبارة النووي تعني أن الاختلاف بين روايتي البخاري ومسلم حاصل من وجهين أحدهما: أن الحالف لا تكسر ثنيتها في رواية مسلم هم أم الربيع وفي رواية البخاري أنس بن النضر ثم ذكر الوجه الثاني. ا. هـ. فيتضح أن المصنف رحمه الله نقل عبارة لا تكسر ثنيتها على أنها رواية مسلم.
(1)
النسائي 8/ 26 - 27.
(2)
"صحيح مسلم بشرح النووي" 11/ 163.
(3)
"المجمل" 1/ 91 - 92 (أرش).
بسهم، ومثل به، وما عرفه أحد إلا أخته ببنانه وفيه وفي أشباهه نزلت:{مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الآية [الأحزاب: 23].
وفيه: ثقته بالله، وقسمه لقوة رجائه.
ثالثها:
قوله: ("كتَابُ اللهِ القِصَاصُ") أي: فرض الله على لسان نبيه وحيًا. وقيل: أراد قوله تعالى: {وَاْلسِّنَّ بِألسِّنِّ} [المائدة: 45] على قول من يرى أنَّا مخاطبون بشرع من تقدمنا من الأنبياءِ.
وقيل هو: إشارة إلى قوله: في {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} الآيه [النحل: 126] فعمومه يأتي على السنِّ وغيرها من الأعضاءِ.
وفيه: تلطفه أن عليه السلام لأنس؛ لعلمه بصحة مراده.
وفيه: أن الله جل جلاله لعبده عند حسن ظنه.
ومعنى "لأبره"، أي: أبر قسمه لكرامته عليه، وأتى الأمر على طبق مراده لما فيهم من الفضل.
وفيه: أن من له القود ليس عليه قبول الدية إلا أن يشاء.
رابعها:
فيه وجوب القصاص في السنن -وهو إجماع- إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضها ففيها وفي كسر العظام خلاف مشهور للعلماءِ، والأكثرون على أنه لا قصاص، وذهب مالك إلى أنَّ القصاص في ذلك كلِّه إذا أمكنت المماثلة وما لم يكن مخوفًا كعظم الفخذ والصلب، أخذًا بقوله:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وبقوله:{وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45].
وذهب الكوفيون، والليث، والشافعي: إلى أنه لا قود في كسر
العظام ما خلا السنن لعدم الثقة بالمماثلة.
قال أبو داود: قيل لأحمد: كيف تقتصُّ من السنِّ؟ قال: تبرد.
وذكر ابن رشد في "قواعده"
(1)
: أن ابن عباس رُوي عنه: أنه لا قصاص في عظم. وكذا عن عمر قال: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقد من العظم المقطوع في غير المفصل، إلا أنه ليس بالقويَّ
(2)
.
وعن مالك أن أبا بكرِ ابن محمد بن عمرو بن حزم أقاد من كسر الفخذ
(3)
، وفي "شرح الهداية"، روي مثل هذا الأول عن ابن مسعود، قال في "الشرح": ولا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس، ولا بين الحرِّ والعبد.
خامسها:
قوله: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) ليس ردًّا لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل المراد الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشفاعة إليهم في العفو، وإنما حلف ثقة بهم أن لا يخيبوه أو ثقة بفضلِ الله ولطفه أن لا يخيبه ويجعل له مخرجًا؛ لأنه كان ممن يتقيه كما سلف، بل يلهمهم العفو ولم يجعله في معنى المتألي على الله بغير ثقةٍ.
وفيه: جواز الحلف مما يظنه الإنسان، وجواز الثناء على من لا يخاف عليه الفتنة بذلك.
(1)
"بداية المجتهد" 4/ 1700.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 5/ 394 (27293)(27294)، والبيهقي في "السنن الكبرى" 8/ 65.
(3)
"الموطأ" ص 545.
وفيه: إثبات كرامات الأولياءِ واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة فيه.
سادسها:
ما ترجم له من الصلح في الدية ظاهرٌ فيما أورده، وقد قال تعالى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ} الآية
(1)
[البقرة: 178].
(1)
ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الثمانين كتبه مؤلفه.
9 - باب قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: "إن ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ". وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9]
2704 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللهِ الحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ: إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ -وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ-: أَيْ عَمْرُو، إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاهُ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا، وَقَالَا لَهُ، فَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا المَالِ،، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا. قَالَا فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَصَالَحَهُ. فَقَالَ الحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ، وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ:"إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ". قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ. [3629، 3746، 7109 - فتح: 5/ 306]
ثم ساق من حديث سُفْيَانِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ فذكره بطوله. وفي آخره "مِنَ المُسْلِمِينَ".
قَالَ البخاري: قال لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ المديني: إِنَّمَا ثَبَتَ لنَا سَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بهذا الحَدِيثِ.
وقال البزار: حديث إسرائيل عن أبي موسى لا نعلمه رواه عنه إلا ابن عيينة
(1)
. قلت: ذكره البخاري في علامات النبوة عن عبد الله بن محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حسين الجعفي عن أبي موسى، عن الحسن، عن أبي بكرة .. الحديث
(2)
.
قال البزار أيضًا: والحديث روي عن جابر وأبي بكرة، وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادًا، وحديث جابر أغرب
(3)
.
قلت: وذكره ابن بطال من حديث المغيرة بن شعبة
(4)
كما سيأتي، وزعم الدارقطني أن الحسن رواه أيضًا عن أمِّ سلمة، قال: وهذِه الرواية وهم، ورواه داود بن رشيد
(5)
، وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلًا.
قال: ورواه أحمد بن عبد الله النهرواني
(6)
، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن الحسن، ووهم فيه
(7)
.
ومن أوهام الداودي قوله: الحسن مع قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن سبع سنين، لا يشك في سماعه منه، وأنه تعدله الصحبة، وهو
(1)
"مسند البزار" 9/ 111.
(2)
سيأتي برقم (3629) كتاب: المناقب.
(3)
"مسند البزار" 9/ 110 - 111.
(4)
"شرح ابن بطال" 8/ 97.
(5)
كذا في الأصل والصواب (داود بن أبي هند) فإن ما بين وفاة داود بن رُشيد ووفاة الحسن البصري حوالي مائة وتسعة وعشرين فيصعب أن يروي عنه. هذا وقد ذكر الحافظ في "الفتح" 13/ 66 أن داود بن أبي هند هو الذي رواه عن الحسن وهو الصواب إن شاء الله فإن له رواية عن الحسن في مسلم كما ذكر ذلك المزي في "تهذيب الكمال" 8/ 462 في ترجمة داود بن أبي هند، والله أعلم.
(6)
كذا بالأصل، وفي "العلل" للدارقطني: أحمد بن عبد الصمد النهرواني ولعله الصواب فقد قال ابن حجر في "لسان الميزان" 1/ 214: وقد ذكر الدارقطني في "العلل" أنه وهم في إسناد حديث مع أنه مشهور لا بأس.
(7)
"علل الدارقطني" 7/ 161.
عجيب. فالحسن هذا الذي أراده البخاري هو ابن أبي الحسن البصري في سماعه من أبي بكرة، فإنه رواه عنه.
وأبو موسى الراوي عن الحسن هو إسرائيل (خ. ت. د. س) بن موسى البصري، نزل الهند، عنه ابن عيينة، وحسين الجعفي، قاله مسلم في كناه، وانفرد به البخاري. قال أحمد: هو مقارب الحديث.
إذا تقرر ذلك فالفئة: الفرقة، مأخوذ من فأوت رأسه، وفأيته.
والكتيبة: ما جمع بعضها إلى بعض، ومنه قيل للقطعة المجتمعة من الجيش: كتيبة. وقال الداودي: سميت بذلك؛ لأنه يكتب اسم كل طائفةٍ في كتاب فلزمها هذا الاسم.
وقوله: (أَمْثَالِ الجِبَالِ) أي: لا يُرى لها طرف لكثرتها، كما لا يرى من قابل الجبل طرفيه. والحسن لما مات عليٌّ بايع له أهل العراق وكانوا له أمثال أهل الشام لمعاوية.
وذكر أهل الأخبار فيما حكاه ابن بطال أن عليًّا لما مات بايع أهل الكوفة ابنه الحسن، وبايع أهل الشام معاوية، فسار معاوية بأهل الشام يريد الكوفة، وسار الحسن بأهل العراق فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه من جيوش العراق فنادى: يا معاوية، إني اخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغي لي أن أنازعك عليه، وإن يكن لي فقد خلعته لك. فكبر أصحاب معاوية. وقال المغيرة بن شعبة عند ذلك أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للحسن:"إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين"، فجزاك الله عن المسلمين خيرًا. وقال الحسن: اتق الله يا معاوية على أمة محمد لا تفنيهم بالسيف على طلب الدنيا، وغرور فانية زائلة،
فسلم الحسن الأمر إلى معاوية وصالحه، وبايعه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ثم دخلا الكوفة فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السنة سنة الجماعة، لاجتماع الناس واتفاقهم، وانقطاع الحرب، وبايع معاوية كل من كان معتزلًا عنه، وبايعه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدًا، ومائة جمل، وانصرف الحسن إلى المدينة. وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة، وولى البصرة عبد الله بن عامر، وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته
(1)
.
وقول عمرو بن العاصي: (إِنِّي لأَرى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا) أي: إن قوتلت بغير حيلة غلبت لكثرتها.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ، وهو خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ: أي عَمْرُو) إلى آخره.
يقول: لما أشار إليه عمرو فهمها وسارع إليها، وعرف ما فيها من الصلاح فراسل الحسن، ومراده أن معاوية كان خيرًا من عمرو بن العاصي.
وقوله: (إِنْ قَتَلَ هؤلاء هؤلاء) يدل على نظر معاوية في العواقب ورغبته في صرف الحرب.
وقوله: (اذْهَبَا إِلَى هذا الرَّجُلِ وَاطْلُبَا إِلَيْهِ واعْرِضَا عَلَيْهِ) يدل على أن معاوية كان الراغب في الصلح، وأنه عرض المال على الحسن وبذله ورَغَّبه؛ حقنًا للدماء وحرصًا على رفع سيف الفتنة وعرفه ما وعده به رسول الله صلى الله عليه وسلم من سيادته والإصلاح به.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 96 - 97.
فقال له الحسن: إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالي، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة انفاق وإفضال على الأهل والحاشية، فإن تخلفت من هذا الأمر قطعنا العادة، وإن هذِه الأمة قد عاثت في دمائها. يقول: قتل بعضها بعضًا فلا يكفون إلا بالمال. فأراد أن يسكن أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال، فقالا: يفرض له من المال في كل عام كذا، ومن الأقوات والثياب ما يحتاج إليه لكل ما ذكرت، فصالحه على ذلك
(1)
. وبنو عبد شمس منهم بنو أمية.
وفيه: أن الرسل لا تُهاج وُيسمع قولها.
وقول الحسن: (أَصَبْنَا مِنْ هذا المَالِ) أي: حكمنا فيه حياة علىٍّ وبعده بما رأيناه صلاحًا، وخشي أن يتثاقل عليه فيضمن، فضمن له الرجلان ذلك، وأنه لا يطالب فقبل منهما لعلمه أن معاوية لا يخالفهما، واشترط شروطًا وسلم الأمر إلى معاوية.
وفيه: ولاية المفضول على الفاضل؛ لأن الحسن ومعاوية وليا وسعد وسعيد حيَّان
(2)
، وهما بدريان.
وفيه: أن التصالح على الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز، وكذلك هو جائز إذا كان كل واحد منهما له سبب في الخلافة يستند إليه، وعقد من الإمارة يعود عليه. ذكره ابن بطال.
وفيه: أن قتال المسلم للمسلم لا يخرجه عن الإسلام إذا كان على تأويل.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 95 - 96.
(2)
ورد في هامش الأصل: الستة الباقون أفضل بعد الأربعة، على الترتيب ثم أهل بدر.
وقوله: ("إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار") المراد: إن أنفذ الله عليهما الوعيد
(1)
.
و (السَيِّد): الرئيس. قال كراع: وجمعه سادة. وعندي أن سادة جمع سائد وهو من السُّؤدد وهو الشرف. قال ابن سيده: وقد يهمز وبضم الدال، طائيَّة، وقد سادهم سودًا وسؤددًا وسيادة وسيدودة، واستادهم كسادهم وسوده هو
(2)
.
وذكر الزبيدي في "طبقات النحاة": أن محمدًا لأعرابي العذري قال لإبراهيم بن الحجاج الثائر بإشبيلية: تالله أيها الأمير ما سيدتك العرب إلا بحقك. يقولها بالياء، فلما أُنْكِرَ عليه قال: السواد: السخام. وأصر على أن الصواب معه، ومالأه على ذلك الأمير لعظم منزلته في العلم. وقيل: اشتقاق السيد من السواد أي: الذي يلي السواد العظيم من الناس.
قال المهلب: والحديث قال على أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس؛ لأنه عليه السلام علق السيادة بالإصلاح بين الناس ونفعهم، هذا معنى السيادة.
وقوله: ("ابْنِي هذا سَيَّدٌ") هو من قوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23]، وقوله:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22].
اتفق الجميع على أن امرأة الجد أبي الأم محرمة على ابن البنت، وأن امرأة ابن البنت محرمة على جده.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 96.
(2)
"المحكم" 8/ 398.
10 - باب هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ
؟
2705 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَوْتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيءٍ وَهْوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لَا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟ ". فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ. [مسلم: 1557 - فتح: 5/ 307]
2706 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْث، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأعرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي عبد اللهِ بْن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَه عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأسلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقيَهُ فَلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"يَا كَعْبُ". فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا. [انظر: 457 - مسلم: 1558 - فتح: 5/ 307]
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن أن أمة عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة تقول: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب، عالية أصواتها، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أين المتألي على الله، لا يفعل المعروف؟ " قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب.
ثم ساق حديث كعْبِ بْنِ مَالِكٍ مع ابن أَبِي حَدْرَدٍ. وقد سلفا
(1)
.
(1)
الحديث الأول لم يذكره البخاري إلا في هذا الموضع، وقد عزاه صاحب "التحفة"(17915) لهذا الموضع فقط، والحديث الثاني يأتي تخريجه.
والثاني سلف في المساجد
(1)
، ويأتي أيضًا قريبًا
(2)
، والأول أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم؛ لأنه لم يذكر فيه من حدَّثه به، إنما قال: أخبرنا غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل
(3)
.
وزعم عياض: أن قول الراوي: حدثنا غير واحد
(4)
، أو حدثنا الثقة، أو بعض أصحابنا. ليس من المقطوع، ولا من المرسل، ولا من المعضل عند أهل هذا الفن، بل هو من باب الرواية عن المجهول
(5)
.
قال: ولعل مسلمًا أراد به غير واحد البخاري وغيره. وقد روى مسلم أيضًا عن أحمد بن يوسف الأزدي، عن إسماعيل بن أبي أويس في كتاب اللعان والفضائل
(6)
.
قلت: أبو داود ذكر هذا النوع في كتاب "المراسيل" وعده مرسلًا، وعند ابن عبد البر والخطيب وغيرهما: هو منقطع.
وليس فيه ما بوب له من الصلح، وإنما هو حض على ترك بعض الحق، وكذا حديث كعب أيضًا. كذا قال الداودي وليس كذلك، بل فيه إشارة الإمام بالصلح كما بوب له، وسلف أنه في المسجد.
وفيهما: الحض على الرفق بالغريم، والإحسان إليه، والوضع عنه.
(1)
سلف برقم (457) كتاب: الصلاة، باب: التقاضي والملازمة في المسجد.
(2)
سيأتي برقم (2710) باب: الصلح بالدين والعين.
(3)
مسلم (1557) كتاب: المساقاة، باب: استحباب الوضع في الدين.
(4)
في هامش الأصل: وكذا ذكر أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي عن بعض مشايخه أن قول مسلم: حدثني غير واحد من أصحابنا أنه محمد بن إسماعيل البخاري ذكره الرشيد في "الغرر".
(5)
"إكمال المعلم" 5/ 222.
(6)
المصدر السابق.
وفي حديث عائشة: النهي عن التألي على الله؛ لأن فيه معنى الاستبداد بنفسه، والقدرة على إرادته، فكأنه لما حتم بألا يفعل، شابه ما يدعيه القدرية من إثبات القدرة لأنفسها، فوبخه الشارع بقوله، ففهم ذلك، ورجع عن تأليه ويمينه، وقال:(له أي ذلك أحب) من الوضع عنه، أو الرفق به متبرئًا من الفعل إلى الله تعالى، ورد الحول والقوة إليه تعالى، ويمينه إن كانت بعد نزول الكفارة ففيها الكفارة.
وفي حديث كعب أصل قول الناس في حضهم على الصلح: خير الصلح الشطر؛ لأنه عليه السلام أمره بوضع النصف عن غريمه، فوضعه عنه.
ومعنى (يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيسْتَرْفِقُهُ) أي: يطلب منه الوضيعة والرفق.
والمتألى: الحالف، مأخوذ من الألية: وهي اليمين، ومنه {يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}. قال الداودي: يريد أن من حلف بما قد عسى أنه سبق في علم الله أنه سيكون، والظاهر أنه لم يكره يمينه لهذا، وإنما كرهها؛ لأنه قطع نفسه عن فعل الخير باليمين، ولو حلف ليفعل خيرًا لم يوجد عليه بما يتوقع من أن السابق في علم الله خلافه، فانظر هذا من سكوته عن يمين الأعرابي سأل عن الإسلام، فحلف: لا يزيد ولا ينقص.
فقال عليه السلام: "أفلح إن صدق"
(1)
، ولم ينكر عليه يمينه لا أزيد يحتمل أن يفرق بينهما بأنه من يدخل الإسلام، ويريد أن الدخول فيه سهل لا مشقة فيه.
وقوله: (لَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) فيه: إجابة الصحابة له سريعًا، وفيه: هبة
(1)
سلف برقم (46) كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام.
المجهول، وفيه: الحط عن الغريم إذا سأل، وحضه على ذلك، وفيه: أن ما يجري بين المتخاصمين من كلام في طلب الحق يتجاوز عنه وإن علت به أصواتهما.
11 - باب فَضْلِ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالعَدْلِ بَيْنَهُمْ
2707 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ". [2891، 2989 - مسلم: 1009 - فتح: 5/ 309]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَة، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَة".
وشيخه فيه إسحاق، وهو ابن إبراهيم، كما ذكره أبو نعيم في "مستخرجه" وزعم أن محمدًا روى عنه، ووقع في "مختصر البخاري" للمهلب بن أبي صفرة: إسحاق بن منصور
(1)
.
ثم اعلم أنه ليس في الحديث إلا العدل فقط، ولكن لما خاطب الشارع الناس كلهم بالعدل بين الناس، وقد علم أن في الناس الحكام وغيرهم، فكان عدل الحاكم إذا حكم كعدل غيره إذا أصلح. نبه عليه ابن المنير
(2)
.
ولمسلم عن أبي ذر مرفوعًا: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة"
…
إلى أن قال: "ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"
(3)
.
والسلامى: بضم السين: المفاصل، وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا،
(1)
في هامش الأصل: في نسختي إسحاق بن منصور من الأصل، ولم يعلم على ذلك علامة وهو في الأصل فاعلمه.
(2)
"المتواري" ص (313).
(3)
مسلم (720) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى.
كما أخرجه مسلم
(1)
.
قال الداودي: وأكثر ما يستعملها العرب في العظام الصغار مثل: الأنامل من اليدين والرجلين، وما يليها من عظام الكف والقدم، وهي آخر ما يبقى فيها المخ عند الهزال وعبارة ابن الأعرابي: هي عظام الأصابع اليد والقدم. وسلامى البعير: عظام فرسنه، وهي عظام صغار طول الأصبع أو قريب منها، في كل يد ورجل أربع سلاميات أو ثلاث.
وفي "الجامع": هي عظام الأصابع والأشاجع والأكارع كأنها كعاب، والجمع السلاميات.
يقال: آخر ما يبقى المخ في السلامى والعين. وقيل: السلاميات
فصوص على القدمين، وهي من الإبل في داخل الأخفاف، ومن الخيل في الحوافر. وقال الجوهري: واحده وجمعه سواء
(2)
، وربما شدده أحداث طلبة الحديث لقلة علمهم، كما نبه عليه ابن الجوزي.
وقال المهلب: قوله: ("كُلُّ سُلَامَى") يعني كل مفصل وعظم وإن صغر. والسلاميات: عظام مفاصل الكف، يعني لكل واحد منهما صدقة لله من فعل الطاعات والخير كل يوم، إذ كل موضع شعرة فما فوقها من جسد الإنسان عليه فيه نعمة لله يلزمه شكره، والاعتراف بها حين خلقه صحيحًا يتصرف في منافعه (وأداته)
(3)
، ولم يجعل في ذلك الموضع داء يمنعه ألمه من استعماله والانتفاع به
(4)
.
(1)
مسلم (1007) كتاب: الزكاة.
(2)
"الصحاح" 5/ 1952 (سلم).
(3)
في المطبوع من "شرح ابن بطال": (وإرادته).
(4)
"شرح ابن بطال" 8/ 98 - 99.
ومعنى الحديث: أن عظام الإنسان هي من أصل وجوده وبها حصول منافعه، إذ لا تتأتى الحركة والسكون إلا بها، فهي من أعظم نعم الله عز وجل على الإنسان، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصها فيعطي صدقته، كما أعطي منفعته، لكن الله لطف وخفف بأن جعل العدل بين الناس وشبهه صدقة.
وظاهر الحديث الوجوب، لكن الله خفف حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطًا له.
وفيه: أن العدل بين الناس من الأعمال الزاكية عند الله المرجو قبولها، وسميت طاعة الله من صلاة وغيرها صدقة؛ لأنه كان لله أن يفترض على عباده ما شاء من الأعمال دون أجر يأجرهم عليها، ولا ثواب فيها، ولكن برحمته تفضل علينا بالأجر والثواب على ما فرضه علينا. فلما كان لأفعالنا أجر فكأننا نحن ابتدأنا بالعمل واستحقَقْنا الأجر، فشابه به الصدقة المبتدأة التي عليها الأجر لازم في فضل الله.
12 - باب إِذَا أَشَارَ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ فَأَبَى، حَكَمَ عَلَيْهِ بِالحُكْمِ البَيِّنِ
2708 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ "اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ". فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ:"اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ". فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآيَةَ [النساء: 65]. [انظر: 2360 - فتح: 5/ 309]
ذكر فيه حديث الزُّبَيْرِ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ.
وقد سلف في الشرب
(1)
، وزعم الداودي أنه ليس فيه ما بوب عليه، إنما فيه حض الزبير على فعل المعروف.
وأما المهلب: فصوبها فقال: الترجمة صحيحة لأنه حضَّ أولًا الزبير على فعل المعروف، فلمَّا بدا من الأنصاري ما بدا استوعى للزبير حقه، ولم يحمله غضبه على أكثر من أنه استوعى له حقه، ونزل القرآن بتصديقه، وهو قوله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية. أي: لا يؤمنون إيمانًا كاملًا؛ لأنه لا يخرج من الإيمان بخطرة أخطرها الشيطان ونزغ بها.
(1)
سلف برقم (2360) باب: سكر الأنهار.
وفيه من الفقه: أنه لا ينبغي ترك الاقتداء به في غضبه (ورضاه)
(1)
، وجميع أحواله، وأن يكظم المؤمن غيظه ويملك نفسه عند غضبه، ولا يحملها على التعدي والجور، بل يعفو ويصفح، ومعنى:(أحفظه الأنصاري): يعني أغضبه بحاءٍ مهملة.
وقوله: (فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) فالمغضب ربما احمرت وجنتاه، أو اصفر وجهه.
ومعنى (اسْتَوْعَى): استقصى له حقه.
وقوله: (فِي صَرِيحِ الحُكْمِ) أي: حقيقته.
وقوله: (والله مَا أَحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65] وكان الزبير ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات سنة ست وثلاثين، شهيدًا يوم الجمل، وهو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته، وأول من سلَّ سيفًا في سبيل الله وراويه عن الزبير عروة بن الزبير، أبو عبد الله الفقيه العالم المثبت المأمون، كثير الحديث، كان يصوم الدهر، مات وهو صائم سنة ثلاث أو أربع وتسعين، رُدَّ وهو ابن ست عشرة من خروجه إلى العراق، فلم يدخل في شيءٍ من الحرب حتى مات. قال ابنه هشام: كان يعرضنا الحديث -يعني بنيه- فكان يعجب من حفظي، وما كان يعلمنا منه حرفًا من ألفي حرف من حديثه، وكان يتألف الناس على حديثه، وأصابت رجله الأكلة فسقطت في مجلس الوليد من حدِّ الركبة، فأخرجها لمن حسمها أي: قطع عنها الدم بالكي، وما شعر الوليد، وما ترك حزبه تلك الليلة. أتاه أهل الحديث معتقدين على غير ما كانوا يأتونه، وذكروا عذرهم له، فقال: ما للصراع تريدونني.
(1)
في الأصول: (وحماه) والمثبت من "شرح ابن بطال".
ولمَّا قتل أخوه عبد الله استقصيت أموالهم، فمضى إلى عبد الملك، وقال له: الآن أيقنت بالهلاك فردها إليه، وهو أحد المشيخة السبعة بالمدينة، وكان دعَّاءً، فمات له ولد، فكان يقول في دعائه: كانوا أربعة فأخذت واحدًا وتركت ثلاثة، وكانوا أربعًا فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثًا. يعني: يديه ورجليه.
13 - باب الصُّلْحِ بَيْنَ الغُرَمَاءِ وَأَصْحَابِ المِيرَاثِ وَالمُجَازَفَةِ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَخَارَجَ الشَّرِيكَانِ، فَيَأْخُذَ هَذَا دَيْنًا، وَهَذَا عَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ.
2709 -
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ فِيهِ وَفَاءً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:"إِذَا جَدَدْتَهُ فَوَضَعْتَهُ فِي المِرْبَدِ آذَنْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم". فَجَاءَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَدَعَا بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ:"ادْعُ غُرَمَاءَكَ، فَأَوْفِهِمْ". فَمَا تَرَكْتُ أَحَدًا لَهُ عَلَى أَبِي دَيْنٌ إِلَّا قَضَيْتُهُ، وَفَضَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَسْقًا: سَبْعَةٌ عَجْوَةٌ، وَسِتَّةٌ لَوْنٌ -أَوْ سِتَّةٌ عَجْوَةٌ وَسَبْعَةٌ لَوْنٌ- فَوَافَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَغْرِبَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَضَحِكَ، فَقَالَ:"ائْتِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَخْبِرْهُمَا". فَقَالَا: لَقَدْ عَلِمْنَا إِذْ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا صَنَعَ أَنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ. وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: صَلَاةَ العَصْرِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: أَبَا بَكْرٍ، وَلَا: ضَحِكَ، وَقَالَ: وَتَرَكَ أَبِي عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا دَيْنًا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: صَلَاةَ الظُّهْرِ. [انظر: 2127 - فتح: 5/ 310]
قال ابن عباس: لا بأس أن يتخارج الشريكان، فيأخذ هذا عينًا وهذا دينًا، فإن توي لأحدهما لم يرجع عليه.
ثم ساق حديث جَابِر وفي وفاء دين والده وفضل .. بطوله.
وقد سبق غير مرَّة
(1)
.
(1)
سلف برقم (2127) في البيوع، باب الكيل على البائع والمعطي، وبرقم (2395) في الاستقراض، باب: إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، وبرقم (2396) باب إذا قاصّ أو جازفه في الدين تمرًا بتمر أو غيره. وبرقم (2405) باب الشفاعة في وضع الدين. وبرقم (2601) كتاب الهبة، باب إذا وهب دينًا على رجل.
ثم قال: وقال هشام عن وهب عن جابر: صلاة العصر، وقال ابن إسحاق عن وهب عن جابر: صلاة الظهر.
واختلف العلماء في أثر ابن عباس، فقال الحسن البصري: إذا اقتسم الشريكان الغرماء وأخذ هذا بعضُهم، وهذا بعضهم فتوي نصيب أحدهما، وخرج نصيب الآخر قال: إذا أبرأه منه فهو جائز، وقال النخعي: ليس بشيءٍ، وما توي أو خرج فهو بينهما نصفان، وهو قول مالك، والكوفي والشافعي.
وحجة من لم يجز ذلك أنه غرر، إذ قد يتوي على ما على أحدهما، ولا يحصل للذي خرج إليه شيءٌ من حق الشريكين أن يتساويا في الأخذ.
وحجة من قال: لا يرجع أحدهما على صاحبه أن الذمة تقوم مقام العين، فإذا توي ما على أحد الغرماء، وفأنه يبيعه به دينا.
وقال: سحنون إذا قبص أحد الشريكين من دينه عرضا، فإن صاحبه بالخيار إن شاء جوز له ما أخذ، وأتبع الغريم بنصيبه، وإن شاء رجع على شريكه بنصف ما قبض وأتبعا الغريم جميعًا بنصف جميع الدين، فاقتسماه بينهما نصفين، وهذا قول ابن القاسم.
وقال أبو عبيد: معنى الإتواء: إذا كان المتاع بين ورثةٍ لم يقتسموه، أو بين شركاء، وهو في يد بعضهم دون بعض، فلا بأس أن يتبايعوه وإن لم يعرف كل واحدٍ نصيبه بعد، ولم يقبضه.
قال: ولوا أراد أجنبي شراء نصيب بعضهم لم يجز حتى يقبضه البائع قبل ذلك، وظاهره خلاف هذا، وإنما معناه: أن بأيديهما عينًا، ولهما دين، فيأخذ أحدهم الحاضر، والآخر الدين، فهذا جائز إذا كان من عليه الدين حاضرًا مقرًّا، يعرف سلامته من عدمه، وكان آخذ الدين يطوع
لقابض الحاضر بالسلف، وهذا إذا كان الحاضر والدين عينًا كله أو كان الحاضر يجوز بيعه، فالدين المؤجل على هيئته.
وأما إن كان الحاضر فضة والدين ذهبًا، أو كانا طعامين مختلفين كالتمر والبلح فلا يجوز ذلك، والذي يدل على خلاف قول أبي عبيد قوله:(فإن توي لأحدهما)، ولو كان كما ذكره من أن ذلك بأيديهما ما قال ذلك؛ لأنَّ كل واحدٍ قبض ما ابتاعه.
وقوله: (تَوِيَ) بكسر الواو على وزن علم، ومعناه: هلك واضمحل، وضبطه بعضهم بفتح الواو على وزن عَلَا وليس ببيِّن كما قاله ابن التين، واللغة على الأول.
وفي حديث جابر: الجلوس على الطعام، وذلك أنه لم يقصد به امتهانه.
وقوله: (حتى إذا جددته) أي: قطعته، يقال بالدال المهملة والمعجمة، وكان الدين الذي على والد جابر ثلاثين وسقًا من تمر كما ذكره البخاريُّ في باب: إذا (قاضاه)
(1)
، أو جازفه في دينٍ فهو جائز
(2)
، وقال فيه جابر:(توفي أبي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجلٍ من اليهود)، وأسلفنا هناك أنه لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمرٍ على أحد تمرًا مجازفة في دينه؛ لأنَّ ذلك من الغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في ذلك أقل من دينه، وكذلك أيضًا لا يجوز عندهم أن يأخذ من طعام مكيل معلوم الكيل طعامًا جزافًا من جنسه، إلا أن يكون طعامًا مخالفًا لجنس الطعام المكيل يجوز التفاضل فلا يجوز إلَّا يدًا بيد.
(1)
كذا في الأصول والذي في "الصحيح"(إذا قاصَّ) بالصاد المهملة المشددة.
(2)
سلف برقم (2396) كتاب: الاستقراض.
وروى ابن القاسم عن مالك: أنه كره لمن له دين على رجل أن يأخذ فيه ثمرة يجتنيها، أو دارًا يسكنها، أو جارية يواضعها، وكذلك إن اشترى منه بدينه كيلًا من حنطة كره أن يفارقها حتى يقبض الحنطة؛ لأنه يكون دينًا في دينٍ، وقال أشهب: لا بأس بذلك كله، وهو قول أبي حنيفة.
قالوا: وليس من الدين بالدين؛ لأنه إذا شرع في اجتناء الثمرة، وفي سكنى الدار فقد خرج من معنى الدين بالدين؛ لأن ما كان أوله مقبوضًا، وتأخر قبض سائره فهو كالمقبوض.
قال مالك: ولا يجوز لمن له طعام من بيعٍ أو سلم أن يصالحه على دراهم ليعجلها أو يؤخرها؛ لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفَى، فلم يجز لجابر أن يعطي اليهودي مما كان على أبيه من التمر دراهم.
ووجه حديث جابر في هذا الباب أنه كان على أبيه دين من جنس تمر حائطه، فرغب إلى الغرماء أن يأخذوا تمر نخله، ويسقطوا عنه ما بقي من دينهم؛ لاتفاقهم أن الثمرة لا تبلغ قدر الدين، ومثل هذا يجوز عند جميع العلماء؛ لأنَّه حط وإحسان وليس ببيع، ويجوز عند جماعة العلماء في الصلح ما لا يجوز في البيع، وإلى هذا المعنى ذهب البخاريُّ في ترجمته، قاله ابن بطال
(1)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 101 - 102.
14 - باب الصُّلْحِ بِالدَّيْنِ وَالعَيْنِ
2710 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ فِي بَيْتٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ: فَقَالَ: "يَا كَعْبُ". فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ. فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قُمْ فَاقْضِهِ". [انظر: 457 - مسلم: 1558 - فتح: 5/ 311]
ذكر فيه حديث كَعْبٍ مع ابن أَبِي حَدْرَدٍ.
وقد سلف قريبًا
(1)
، وفي الصلاة في المساجد
(2)
قال ابن التين: وليس ببين فيه ما بوب له.
قلت: فيه أنه قال: "قُمْ فَاقْضِهِ"، وهو أعم كما ذكر، واتفق العلماء أن من صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها أو عن ذهب بذهب أقل منه أنه جائز إذا حل الأجل وإن أخره بذلك؛ لأنه حط عنه وأحسن إليه، ولا يدخله دين في دين، وقد قال عليه السلام:"من انظر معسرًا أو وضع عنه تجاوز الله عنه"
(3)
.
ولا يجوز أن يحط عنه شيئًا قبل حلول الأجل على أن يقضيه مكانه؛ لأنه يدخله: ضع وتعجل.
(1)
سلف برقم (2706) باب: هل يشير الإمام بالصلح.
(2)
سلف برقم (457) كتاب: الصلاة، باب: التقاضي والملازمة في المسجد.
(3)
جاء في حديث أبي اليسر -الطويل- عند مسلم (3006) ولفظه: "من انظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله".
وأما إن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير أو عكسه لم يجز إلا بالقبض؛ لأنه صرف.
فإن قبض بعضًا وبقَّى بعضًا جاز فيما قبض وانتقض فيما لم يقبض.
فإن كان الدين عرضًا فلا يجوز له في غير جنسه مما يتأخر قبض جميعه؛ لأنه الدين بالدين، فإن كان ناجزًا فلا بأس به.
هذا قول مالك، وإذا تقاضاه مثل دينه عند حلول الأجل على غير وجه الصلح فإنه يقضيه مكانه، ولا يجوز أن يحيله به غريمه على من له عليه دين؛ لأنه يكون الدين بالدين الذي نُهي عنه ولذلك قال:
"قُمْ فَاقْضِهِ"
(1)
.
(1)
انظر: "شرح ابن بطال" 8/ 103.
54
كتاب الشروط
بسم الله الرحمن الرحيم
54 - كِتَابُ الشُّرُوُطِ
1 - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الإِسْلَامِ وَالأَحْكَامِ وَالمُبَايَعَةِ
2711 و 2712 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَكَرِهَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، وَامْتَعَضُوا مِنْهُ، وَأَبَى سُهَيْلٌ إِلَّا ذَلِكَ، فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَنْدَلٍ عَلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ المُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَجَاءَ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ وَهْيَ عَاتِقٌ، فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ:{إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} إِلَى
قَوْلِهِ: {وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]. [انظر: 1694، 1695 - فتح: 5/ 312]
2713 -
قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} إِلَى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} . [الممتحنة: 10 - 12] قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ بَايَعْتُكِ". كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي المُبَايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ. [2733، 4182، 4891، 7214 - مسلم: 1866 - فتح: 5/ 312]
2714 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا رضي الله عنه يَقُولُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". [انظر: 57 - مسلم: 56 - فتح: 5/ 312]
2715 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: 57 - مسلم: 56 - فتح: 5/ 312]
ذكر فيه حديث الزهري: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَد وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا .. الحديث بطوله.
وحديث جابر: بَايَعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فاشْتَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم". وفي لفظ
(1)
: عَلَى إِقَامِ الصلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وهذا سلف آخر باب الإيمان
(2)
.
(1)
ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر.
(2)
سلف برقم (57) كتاب: الإيمان، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة.
وحديث مروان والمسور سلف أيضًا
(1)
ولم يعيِّنا من رويا عنه، ولا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول بخلاف من أبهم بعدهم، وهما لم يحضرا هذِه الغزوة لصغر سنهما؛ لأنهما ولدا بعد الهجرة بسنتين، وأما ابن طاهر فقال: الحديث معلول أي: من جهة الإرسال وليس بعلة؛ لأنه مرسل صحابي.
وقوله: (وَامْتَعَضُوا) قال القزاز: لا أصل لهذا من كلام العرب، وأحسبه: فكرهوا ذلك وامتعضوا منه أي: شق عليهم. قال: فإن كان هذا الحرف كتب بالضاد وهو بالظاء، وكان واتعظوا منه كان غير صواب أيضًا؛ لأنه لا يوافي الذي قبله من الكراهة، ومعضوا وامتعضوا أشبه، وفي رواية أبي ذر وغيره: وامتعضوا، كما ذكر القزاز، وإنما كره الصحابة ذلك؛ لأنهم كانوا مستظهرين، واشترط الكفار عليهم شروطًا فيها بعض التحكم، وكان أشدهم في ذلك كراهية عمر.
وقوله: (وهي عاتق) أي: بكر. قال ابن دريد: عتقت الجارية أي: صارت عاتقًا، وذلك إذا أوشكت البلوغ
(2)
. وقد تقدم تفسير العواتق في أبواب صلاة العيد.
وقوله: {مُهَاجِرَاتٍ} هو مثل: مغاضبات، ومراغمات أي: فعلن ذلك؛ لاختلاف الدينين معاداة لقومهن.
وقال الأزهري: أصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن
(3)
. يقال: هاجر البدوي إذا حضر القرى وأقام بها.
(1)
سلف برقم (1694 - 1695) كتاب: الحج، باب: من أشعر وقلد بذي الحليفة.
(2)
"جمهرة اللغة" 1/ 402 مادة (عتق).
(3)
"تهذيب اللغة" 4/ 3717 مادة (هجر).
وقوله: ({فَامْتَحِنُوهُنَّ})، وقول عائشة: كان يمتحنهن بهذِه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10] إلى آخرها.
وعن ابن عباس: كانت المرأة إذا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلفها: بالله ما خرجت من بغض زوج؟ بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض؟ بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبًا لله ولرسوله
(1)
؟
والمحبة على قول عائشة {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآية [الممتحنة: 12].
ومعنى {يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} [الممتحنة: 12]: لا يأتين بولد ليس من أزواجهن فينسبنه إليهم
(2)
، وقيل: ما كان من جنسه أو قبله، أو أكلِ حرامٍ، وقيل: بين أيديهن: ألسنهن، وبين أرجلهن: فروجهن. وقيل: هو توكيد مثل {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30].
وقوله: ({وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12] قيل: هذا في النوح، وقيل: لا يخلون بغير ذي محرم
(3)
، وقيل: في كل حق معروف لله تعالى.
وقوله: ({لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] قيل: يعني: المسلمين وكفار مكة إنما أنزلت في قوم من الكفار، وبين الله تعالى ذلك بقوله:{وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]، ولا شك أن الشروط الجائزة في الإسلام والأحكام هي الشروط الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله، وشروط المبايعة هي شروط التزام الفرائض، والنصيحة
(1)
"شرح مشكل الآثار" 12/ 218 - 219، "المعجم الكبير" 12/ 127 (12668).
(2)
قاله ابن عباس انظر: "تفسير الطبري" 12/ 74 (34005).
(3)
رواه الطبري في "تفسيره" 12/ 74 (34015) عن قتادة.
للمؤمنين، وما في آية الممتحنة مما ألزمه الله عز وجل المؤمنات في الآية:{وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ} إلى آخر الآية.
واختلف العلماء في صلح المشركين على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلمًا:
فقال قوم: لا يجوز هذا. وهو منسوخ -وقد سلف- لقوله عليه السلام: "أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تتراءى ناراهما"
(1)
قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد برئ ممن أقام معهم في دار الحرب. وأجمع المسلمون أن هجرةَ دارِ الحرب فريضة على الرجال والنساء، وذلك الذي بقي من فرض الهجرة. هذا قول الكوفيين وقول أصحاب مالك.
وذكر ابن حبيب، عن ابن الماجشون قال: إذا اشترط أهل الحرب في الرد رد من أسلم منهم لم ينبغ أن يعطوا ذلك. فإن جهل معظمهم ذلك لم يوف لهم الشرط؛ لأنه خلاف سنة الإمام وفيه إباحة حرمته.
وقال الشافعي: هذا الحكم في الرجال غير منسوخ، وليس لأحد هذا العهد إلا للخليفة، أو لرجل غيره ممن عهده غير الخليفة فهو مردود، وقد أسلفنا ذلك أيضًا، وقول الشافعي: وهذا الحكم في الرجال غير منسوخ، يدل أن مذهبه في النساء منسوخ، وحجته في حديث مروان والمسور قوله: وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أهلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها لما أنزل فيهن، ورد أبا جندل.
(1)
سبق تخريجه.
وذكر معمر، عن الزهري قال: نزلت الآية على رسول الله وهو بأسفل الحديبية، وكان صالحهم على أن من آتاه منهم رده إليهم، فلما جاء النساء نزلت عليه الآية وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن
(1)
. فحكم عليه السلام في النساء بحكم الله في القرآن، وبين المعنى في ذلك بقوله تعالى {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]، فأخبر تعالى أن وطء المؤمنات حرام على الكفار؛ فلذلك لم يرد إليهم النساء، وقد روي في هذا الحديث ما يدل أن الشرط إنما وقع في صلح أهل مكة، أن يرد الرجال خاصة ولم يقع على النساء، وهو قول سهيل:(وعلى أن لا يأتيك منا رجل إلا رددته إلينا) فلم يدخل في ذلك النساء، ذكره البخاري في باب الشروط في الجهاد
(2)
.
وذكر ابن الطلاع، عن المفضل: أن يوم الحديبية جاءت سبيعة الأسلمية من مكة مسلمة فأقبل زوجها في طلبها، وقال: يا محمد، رد عليَّ امرأتي، فأنزل الله الآية. فلما استحلفها عليه السلام رد على زوجها مهرها، والذي أنفق عليها، ولم يردها عليه.
(1)
"تفسير الطبري" 12/ 66 (33972).
(2)
سيأتي برقم (2731) كتاب: الشروط.
2 - باب إِذَا بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ
2716 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ". [انظر: 2203 - مسلم: 1504 - فتح: 5/ 313]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ".
وقد سلف في البيوع فراجعه
(1)
.
(1)
سلف برقم (2203) باب: من باع نخلًا قد أبرت.
3 - باب الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ
2717 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهَا:"ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
ذكر فيه حديث عَائِشَة في قصة بريرة. وقد سلفت أيضًا في البيع وغيره
(1)
.
وأسلفنا هناك حكايته عبد الصمد بن عبد الوارث في سؤال أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة في البيع والشرط، واختلاف جوابه، وبيان مستندهم بإسنادنا إليهم.
قال المهلب: وهذِه الثلاث فتاوى جائزة كلها في مواضعها، ولا يتعدى لكل واحدة منها ما وضع له، ولها أحكام مختلفة على حسب تأويل الأحاديث الثلاثة. وهؤلاء الفقهاء حملوا تأويلها على العموم وظنوا أن كل واحد من هذِه الأحاديث عامل في السنة كلها وليس كذلك، ولكل واحد موضع لا يتعداه
(2)
. وقد سلف بيان وجوهها، ومذاهب العلماء فيها هناك.
(1)
سلف برقم (2168) باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل.
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 108.
4 - باب إِذَا اشْتَرَطَ البَائِعُ ظَهْرَ الدَّابَّةِ إِلَى مَكَانٍ مُسَمًّى، جَازَ
2718 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَضَرَبَهُ، فَدَعَا لَهُ، فَسَارَ بِسَيْرٍ لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ:"بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ". قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ". فَبِعْتُهُ، فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَتَيْتُهُ بِالجَمَلِ، وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي، قَالَ:"مَا كُنْتُ لآخُذَ جَمَلَكَ، فَخُذْ جَمَلَكَ ذَلِكَ فَهْوَ مَالُكَ". [انظر: 443 - مسلم: 715 - فتح: 5/ 314]
قَالَ شُعْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَفْقَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ظَهْرَهُ إِلَىَ المَدِينَةِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مُغِيرَةَ: فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ: "لَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ"، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ: شَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرٍ:"وَلَكَ ظَهْرُهُ حَتَّى تَرْجِعَ". وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: "أَفْقَرْنَاكَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ". وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ:"تَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى أَهْلِكَ". وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبٍ عَنْ جَابِرٍ: اشْتَرَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِوَقِيَّةٍ. وَتَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ جَابِرٍ:"أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ". وَهَذَا يَكُونُ وَقِيَّةً عَلَى حِسَابِ الدِّينَارِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. وَلَمْ يُبَيِّنِ الثَّمَنَ مُغِيرَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنُ المُنْكَدِرِ وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: وَقِيَّةُ ذَهَبٍ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرٍ: اشْتَرَاهُ بِطَرِيقِ تَبُوكَ
- أَحْسِبُهُ قَالَ: بِأَرْبَعِ أَوَاقٍ- وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ: اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا. وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ: بِوَقِيَّةٍ، أَكْثَرُ. الاِشْتِرَاطُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ عِنْدِي. قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ.
ذكر فيه حديث جَابِر في بيع الجمل بطرقه، وقد سلف
(1)
.
وفيه: ضرب الدواب، ومراعاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه.
وقوله: ("بعنيه بوقية
(2)
") المعروف: أوقية.
وقوله: (قُلْتُ: لَا) قال ابن التين: ليس بمحفوظ إلا أن يريد لا أبيعكه، هو لك بغير ثمن.
قلت: لا أدري ما وجه كونه ليس بمحفوظ، فإنه أولًا قال: لا، ثم لما كرر الطلب ثانيًا باعه.
وقوله: (نَقَدَنِي ثَمَنَهُ) هو المراد بالرواية الأخرى أمر بلالًا فأعطاني ثمنه وزادني.
وقوله: (فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي) هو: بكسر الهمزة، وسكون الثاء، وفتحها
(3)
مع فتح الثاء، وفي أخرى: فناداني. والمعنى سواء.
وقوله: ("هو لك") فيه: جواز العطية، وإن لم يقل المعطى قبلت.
وقوله: (أفقرني ظهره) أي: أعارني. مشتق من فقار الظهر، وفي رواية: شرط ظهره إلى المدينة، وأخرى: فاستثنيت حملانه إلى أهلي.
وفيه: دلالة على جواز البيع والشرط، وعليه أصحاب مالك كلهم إلَّا علي بن زياد فإنه كرهه، وإن قرب الأمد.
واختلاف الرواة في الثمن فيه، وهم من بعضهم وليس ذلك وهنا للحديث؛ لإجماعهم على البيع واشتراط الركوب. قاله الداودي.
(1)
سلف برقم (2406) كتاب: الاستقراض، باب: الشفاعة في وضع الدين.
(2)
ورق بهامش الأصل: هي لغة.
(3)
تحتها في الأصل: أي: بفتح الهمزة.
قال ابن التين: ولعله يريد: اجتماع أكثرهم قال: وقوله: (وقية ذهب). ليس لها أثر معروف.
وروي عن مالك: أوقية الذهب: أربعة الدنانير. ويؤيده قوله في رواية عطاء وغيره: أربعة دنانير.
وقوله في رواية سالم: وقية ذهب. وأوقية الفضة: أربعون درهمًا، وكذا قال المهلب: إنَّ اختلافهم في ثمن الجمل لا حاجة بنا إلى علم مقداره، والغرض فيه فعل العقد، وأنه كان مثمن، فلذلك لم يعتبر مقداره
(1)
.
وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث لاختلاف ألفاظه فمرَّة رُوي بلفظ الهبة والإفقار، ومرَّة بلفظ الاستثناء والاشتراط، واختلاف اللفظ يوجب اختلاف المعاني عند الفقهاء، إلا أن البخاريَّ غلَّب لفظ الاشتراط، وقضى له على غيره بالصحة، حيث قال: الاشراط أكثر وأصح عندي. وممن قال بذلك من الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، أبو ثور، ومحمد بن نصر المروزي.
وأهل الحديث قالوا: لا بأس أن يبيع الرجل الدابة، ويشترط ظهرها إلى مكان معلوم، والبيع في ذلك جائز، والشرط ثابت، وقال مالك: إن كان الاشتراط للركوب إلى مكان قريب كاليوم واليومين والثلاثة فلا بأس بذلك، وإن كان بعيدًا، فلا ضير فيه على ظاهر حديث جابر أنه باع الجمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستثنى ركوبه إلى المدينة، وكان بينه وبينها ثلاثة أيام.
قال مالك: ولا بأس أن يشترط سُكنى الدار الأشهر والسنة.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 112.
وقالت طائفة: إذا اشترط ركوب الدابة، أو خدمة العبد، أو سكنى الدار فالبيع فاسد. هذا قول الكوفيين، والشافعي، وقالوا: قد ورد حديث جابر بلفظ الإفقار والهبة، وهو أولى من حديث الاشتراط. قالوا: ولا يخلو شرط ركوب البائع أن يكون ركوبًا مستحقًّا من مال المشتري، فيكون البيع فاسدًا؛ لأنه شرط لنفسه ما قد ملكه المشتري، أو يكون استثناؤه الركوب أوجب بها الركوب في مال البائع. فهذا محال؛ لأن المشتري لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها؛ لأنها طرأت في ملكه، وكذلك سكنى الدار ونحوها، واحتج عليهم من خالفهم فقال: لا خلاف بيننا أنه لو باع نخلًا عليها ثمر قد أُبِّر وبقاها لنفسه أنه جائز، والثمرة تبقى على نخل المبتاع إلى وقت جدادها وقد باع النخل، واستثنى منفعة تلك الثمرة لنفسه، وجاز ذلك فكذلك في مسألتنا.
وقد أجمعوا على جواز الغرر اليسير في البيوع، وقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي عن عثمان أنه ابتاع دارًا، واشترط لنفسه سكناها مدةً معلومة
(1)
. وعثمان إمام فعل ذلك بين الصحابة، فلم ينكر أحد.
فإن قالوا: إنه عليه السلام نهى عن بيع وشرط؛ قيل: الذي نهى عن ذلك هو الذي جوَّز البيع والشرط في حديث جابر فدل أن الحديث مخصوص فإن من الشروط ما يجوز ومنها ما لا يجوز، وقد قال:"المؤمنون على شروطهم"
(2)
.
(1)
"مصنف ابن أبي شيبة" 4/ 546 - 547 (23001).
(2)
سبق تخريجه.
قال ابن المنذر: وحديث جابر مستغنى به عن قول كل أحد، وإنما نهى أن يستثني مجهولًا من معلوم، فأما إذا علم المستثنى فذلك جائز.
ومن خالف حديث جابر يستثني برأيه، فيما لا سنة فيه، كالدار يبيعها الرجل، وقد أكراها مدةً معلومة. أن سكناها للمكتري على المشتري إلى انقضاء المدة. فإذا جاز هذا، ولا سنة فيه، فالسنة الثابتة أولى أن يستن بها.
قال المهلب: وممن روى: "ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ" يدل على أنه تفضل عليه بركوبه إلى المدينة، ولم يكن من اشتراط جابر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل البيع، ويؤكد ذلك رواية من روى (فأفقره ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ). والإفقار: لا يكون إلا تفضلًا فتكون رواية من روى: (وشرط له ظهره إلى المدينة) شرط تفضل؛ لأن القصة كلها جرت على وجه التفضل من الشارع والرفق بجابر؛ لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزاده زيادة.
وكيف يشترط عليه جابر ركوبه، وحين قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"بعنيه"، قال له جابر: هو لك يا رسول الله. فلم يقبله إلا بثمن رفقًا به
(1)
. كما سلف في الوكالة في باب: إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا ولم يبين كم يعطي؟
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 111 - 112.
5 - باب الشُّرُوطِ فِي المُعَامَلَةِ
2719 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: "لَا". فَقَالَ: تَكْفُونَا المَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. [انظر: 2325 - فتح: 5/ 322]
2720 -
حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ اليَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. [انظر: 2285 - مسلم: 1551 - فتح: 5/ 322]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: "لَا". قَالَوا: تَكْفُونَا المؤنة وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وحديث ابن عمر: أَعْطَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ اليَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا ويزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
الشرح:
تقدم قول الأنصار: (اقسم بيننا .. ) إلى آخره. أنه اختلف فيه، هل هو من قول المهاجرين أو الأنصار؟ وكذلك قالوا:(سمعنا وأطعنا) فمَنْ قال (الأنصار) قال: تكفونا المؤنة؛ جعله حجة بجواز المساقاة.
وتقدم تأويل الجمع بين القولين: أن الأنصار قالوا: (اقسم بيننا النخيل)؛ لأنهم أعطوهم نصيبًا منهم.
فقال المهاجرون: (تَكْفُونَا المؤنة)؛ لأنهم لم يكن لهم معرفة بعمل النخيل.
ومعنى قولهم: (نُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ) أي: نشرككم في ثمرة نصيبها من النخيل الذي صار لنا بالعطية منكم، فصح منه الدليل على جواز المساقاة.
ويتفق القولان: أن تكفونا المؤنة من قول المهاجرين، ولا يؤخذ أنه من قول الأنصار من قول من يقول: فيه دلالة على المساقاة؛ لأن المهاجرين ملكوا الثمرة على ما سلف.
وقال المهلب: أراد الأنصار مقاسمة المهاجرين للإخاء الذي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذِه المعاملة هي المساقاة بعينها، وهي خارج عن معاني البيوع؛ لأنه لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وجاز بيعها في المساقاة قبل أن تخلق وتظهر، وأما خروجها عن الإجارة فإنه لا يجوز الإجارة المجهولة. وفي المساقاة لا يعلم مقدار ما يخرج النخيلُ ومن الثمرة، وربما لا يخرج شيئًا، وإنما جازت المساقاة بالسنة فهي مخصوصة في نفسها لا تتعدى إلى غيرها مما يشبه معناها، فلا يجوز من الشروط في معاملاتهم إلا ما كان في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
(2)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 113.
(2)
ورد في هامش الأصل: آخر 10 من 8 وبه كمل 8.
ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد الثمانين. كتبه مؤلفه.
6 - باب الشُّرُوطِ فِي المَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ
وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ مَقَاطِعَ الحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، وَلَكَ مَا شَرَطْتَ. وَقَالَ المِسْوَرُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ، قَالَ:"حَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي".
2721 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ". [5151 - مسلم: 1418 - فتح: 5/ 323]
ثم ذكر حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ".
الشرح:
أثر عمر رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن غنم، عنه
(1)
.
وتعليق المسور سلف في باب الأمر بإنجاز الوعد
(2)
.
وحديث عقبة أخرجه مسلم أيضًا
(3)
.
قال الترمذي: والعمل على حديث عقبة عند بعض أهل العلم من الصحابة؛ منهم عمر بن الخطاب قال: إذا تزوج الرجل امرأة وشرط لها ألا يخرجها من مصرها فليس له أن يخرجها، وبه يقول الشافعي،
(1)
"المصنف" 3/ 489 (16443).
(2)
سلف معلقًا قبل حديث (2681) كتاب: الشهادات.
(3)
مسلم (1418) كتاب: النكاح، باب: الوفاء بالشروط في النكاح.
وأحمد، وإسحاق. كذا حكاه الترمذي، عن الشافعي، وهو غريب، ومذهبه: أنه لا يلزمه الوفاء بذلك.
وروي عن علي أنه قال: شرط الله قبل شرطها كأنه يرى للزوج أن يخرجها، وإن كانت اشترطت ألا يخرجها.
وذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول الثوري، وبعض أهل الكوفة
(1)
.
والمراد في حديث عقبة الشروط الجائزة، وقد قال:"لا تشترط المرأة طلاق أختها" كما سيأتي بعد
(2)
.
وقال ابن العربي في "سراجه": إذا وقع الشرط وجب الوفاء به، سواء كان معلقًا بيمين عليه أو لم يعلق بيمينه، واحتج بهذا لابن شهاب في قوله: من شرط لزوجته ألا يتزوج عليها ولا يتسرى، ولا يخرجها من بلدها أنه يوفي لها بذلك، وإن لم يكن فيه عهد.
قال: ولم يزل العلماء يقضون بكل شرط قارن النكاح.
ومالك يقول: لا يقضي لها بذلك إلا أن يكون فيه شرط طلاق أو عتق فيمضي. ذكره ابن التين، وقال الطحاوي: المراد ما أوجبه الله للزوجات على أزواجهن من الصدقات وحسن المعاشرة والنفقة والكسوة، وما أشبه ذلك من حقوقها.
وفي أبي داود
(3)
والنسائي
(4)
من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة أنكحت على صداق أو حِبَاء
(1)
الترمذي بعد حديث (1127).
(2)
سيأتي برقم (2723) باب: ما لا يجوز من الشروط في النكاح.
(3)
أبو داود (2129).
(4)
النسائي 6/ 120.
أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن (أعطيه
(1)
) " أراد أن المرأة المخطوبة إلى وليها قد يحبى وليها، أو يوعد بشيء ليكون عونًا للخاطب على تزوجه، فلا يطيب له شيء من ذلك، إذ كان إنما قصده إليه بذلك التزويج الملتمس منه فكانت المرأة أولى بذلك منه؛ لأن الذي يملك بتلك الخطبة بضعها لا ما سواه، فالغرض من ذلك البضع، والأسباب التي يلتمس بها الوصول إليه يملكه من يملك ذلك البضع، وهي المرأة دون من سواها، فجعله للمرأة دون الولي المخطوب إليه، وما كان من بعد عصمة النكاح فهو لمن (أعصمه)
(2)
؛ لأنه قد صار له سبب يحب أن يكرم عليه، فكان له ما أكرم به لذلك، ولم يكن له قبل النكاح سبب يستحق به الإكرام، فلم يطلب له ما أكرم به، وكان أولى به من أكرم به من أجله.
وذهب الثوري ومالك إلى أن الرجل إذا نكح المرأة على أن لأبيها شيئًا اتفقا عليه سوى المهر أنّ ذلك كله للمرأة دون الأب.
وروي عن طاوس، وعطاء، وقال أحمد: هو للأب، ولا يكون لغيره من الأولياء.
وروي عن علي بن الحسين أنه زوج ابنته، واشترط لنفسه عشرة آلاف درهم يجعلها في الحج والمساكين. وقال الشافعي: لها مهر مثلها ولا شيء للولي.
(1)
في الأصل: (أعصمه)، والمثبت من مصادر التخريج.
(2)
كذا في الأصل، وليراجع الحديث السابق.
7 - باب الشُّرُوطِ فِي المُزَارَعَةِ
2722 -
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ رضي الله عنه يَقُولُ: كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ نُنْهَ عَنِ الوَرِقِ. [انظر: 2286 - مسلم: 1547 - فتح: 5/ 323]
ذكر فيه حديث رَافعِ بْنِ خَدِيجٍ: كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا .. إلى آخره.
وقد سلف واضحًا
(1)
، والحقل بفتح الحاء: الزرع إذا بسقت، قبل أن يغلظ سوقه، قاله الليث.
(1)
سلف برقم (2327) كتاب: المزارعة.
8 - باب مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ
2723 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدَنَّ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَنَّ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَكْفِئَ إِنَاءَهَا". [انظر: 2140 - مسلم: 1413، 1515، 1520 - فتح: 5/ 323]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ .. " وفي آخره: "وَلَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أخْتِهَا لِتَسْتَكْفِئَ إِنَاءَهَا". وقد سلف في البيوع.
ومعنى ("لا يزيدن على بيع أخيه") هو معنى: لا يبيع على بيع أخيه. قال ابن فارس: أي: لا يشترِ على شراء أخيه
(1)
، ومعناه عند مالك عند الركون، وقيل: معناه: ما لم يفترقا بالأبدان.
والخطبة بالكسر مصدر: خطبت المرأة خطبة، والمراد: بأختها ضرتها؛ لأنها أختها في الإسلام، ومثلها في الحكم لو كانت كافرة.
و ("لتستكفئ") هو استفعال من كفأت الإناء إذا كببته وهو مهموز، وهو مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها.
وفي الطبراني من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتلقي ما في صحفتها، فإنما رزقها على الله"
(2)
.
قال ابن المنذر: النهي في هذا الحديث نهي تحريم لا تأديب. وهو كما قال.
(1)
"المجمل" 1/ 140 مادة (بيع).
(2)
"المعجم الكبير" 23/ 253 (517).
وقد سلف إيضاحه في باب لا يبيع على بيع أخيه واضحًا. والكراهة في سؤال المرأة طلاق أختها منصب إلى السبب الجالب للطلاق من سوء العشرة، وقلة الموافقة لا إلى نفس الطلاق.
فقد أباح الله تعالى الطلاق، وقيل معناه أن تسأل الأجنبية طلاق زوجة الرجل، وأن ينكحها، ويصيّر إليها ما كان من نفقته ومعروفه، ونحو ذلك، وقيل: الإكفاء هنا كناية عن الجماع، والرغبة في كثرة الولد. والأولى أنه مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها.
تنبيه:
قوله في الترجمة: (مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ) أراد ما لا يجوز فعله.
وأما لو ترك هذا للزم ذلك، وكان الأمر كما فعلاه إما أن يرد أمرها إليها أم يجعلها طالقًا بنفس نكاح الثانية، وكل ذلك يلزم. قاله ابن التين وفي "المدونة": لا حد لما يفسد النكاح من الشروط
(1)
.
قال بعضهم: ليس لها حد، ولكن حصرها كل شرط يترك فعلًا لو لم يشترط لكان في المسلم واجبًا مثل أن يشترط ألا نفقة لها ولا يطأها فهذا يفسد النكاح، وكل شرط يترك فعلًا لو لم يشترط لكان في الحكم مباحًا فلا يفسد النكاح مثل: شرط ألا يتزوج عليها، أو لا يخرجها عن بلدها.
(1)
"المدونة الكبرى" 2/ 160.
9 - باب الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فِي الحُدُودِ
2724 و 2725 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنهم أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ. فَقَالَ الخَصْمُ الآخَرُ -وَهْوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائْذَنْ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"قُلْ". قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَتْ. [انظر: 2314، 2315 - مسلم: 1697، 1698 - فتح: 5/ 323]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ في حديث العسيف السالف قريبًا
(1)
، ويأتي في الرجم أيضًا
(2)
، وفيه:"أما غنمك، وجاريتك فرد عليك".
وقوله: (فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه): هو من كلام أحد الراويين، وإنما أراد أفهم منه. وكأن الرجل علم أن ذلك لا يجوز فكان أحسن إيرادًا للقصة.
قال المهلب: كل شرط وقع في رفع حد من حدود الله، فلا يجوز منه شيء، ولا يجوز فيه صلح ولا فدية، وذلك مردود كله
(3)
.
(1)
سلف برقم (2695) كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح ..
(2)
سيأتي برقم (6827) كتاب: الحدود، باب: الاعتراف بالزنا.
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 114.
10 - باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِالبَيْعِ عَلَى أَنْ يُعْتَقَ
2726 -
حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ المَكِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَتْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرِينِي فَإِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي فَأَعْتِقِينِي. قَالَتْ نَعَمْ. قَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي. قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ. فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْ بَلَغَهُ، فَقَالَ:"مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ؟ " فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا". قَالَتْ: فَاشْتَرَيْتُهَا فَأَعْتَقْتُهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ". [انظر: 456 - مسلم: 3/ 251 - فتح: 5/ 324]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في قصة بريرة وأنه عليه السلام قال لعائشة: "اشتريها فأعتقيها"، وقال:"الولاء لمن أعتق".
وترجم له أيضًا فيما يأتي باب المكاتب، وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله
(1)
، وقد سلف ما فيه في الكتابة قريبًا
(2)
وغيره أيضًا.
وقول بريرة: (إِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي) قال الداودي: ليس أرى هذا محفوظًا؛ لأن أكثر الروايات (جاءت تستعينها).
وقوله: ("وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا": وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا) هذا تفسير يرد تأويل أن (لهم) بمعنى (عليهم).
قال الداودي: وذلك مستحيل أن يؤثر في الشروط بالمشكلات.
(1)
سيأتي برقم (2735).
(2)
سلف برقم (2561) كتاب: المكاتب، باب: ما يجوز من شروط المكاتب.
11 - باب الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ
وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ وَالحَسَنُ وَعَطَاءٌ: إِنْ بَدَأَ بِالطَّلَاقِ أَوْ أَخَّرَ فَهُوَ أَحَقُّ بِشَرْطِهِ.
2727 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ. تَابَعَهُ مُعَاذٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: نُهِيَ. وَقَالَ آدَمُ: نُهِينَا. وَقَالَ النَّضْرُ، وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: نَهَى. [انظر: 2140 - مسلم: 1413، 1515 - فتح: 5/ 324]
وقال ابن المسيب والحسن وعطاء: إن بدأ بالطلاق أو أخر فهو أحق بشرطه.
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ التَّلَقِّي، وفيه: وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا.
(تابعه- يعني: تابع ابنَ عرعرةَ معاذٌ وعبدُ الصمد، عن شعبة. وقال غندر وعبد الرحمن: نُهي، وقال آدم: نهينا، وقال النضر وحجاج بن منهال: نهى.
أسند النسائي
(1)
منها متابعة حجاج فقال: حدثنا عبد الله (بن)
(2)
محمد، عن حجاج.
(1)
"سنن النسائي" 7/ 255.
(2)
في الأصل (عبد الله ومحمد) والصواب ما أثبتناه من "سنن النسائي" ومن "تحفة الأشراف" 10/ 85 (13411).
والآثار السالفة: قال ابن أبي شيبة: أخبرنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن في الرجل يحلف بالطلاق، فيبدأ به قالا: له ثنياه قدم الطلاق أو أخر
(1)
.
وحدثنا هشيم: حدثنا يونس، عن الحسن وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي قالا: إذا قدم الطلاق أو آخره فهو سواء إذا وصله بكلامه
(2)
.
ومعنى قول ابن المسيب وغيره: أن يقول: أنت طالق إن دخلت الدار، أو إن دخلت الدار فأنت طالق. فالطلاق يلزمه عند جماعة الفقهاء.
قال تعالى {لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27].
وإنما يُروى الخلاف في ذلك عن شريح وإبراهيم قالا: إذا بدأ بالطلاق قبل يمينه فإنه يلزمه الطلاق، وإن برت يمينه
(3)
، وإن بدأ باليمين قبل الطلاق فإنه لا يلزمه الطلاق إذا بدأ، وخالف بعضهم في قوله: إن بدأ بالطلاق لزمه ولم ينفعه الشرط. حكاه ابن التين قال: وقد اختلف إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أنت طالق ثلاثًا إن دخلت الدار؛ هل يعد بادئًا؟ وهذا لطول ما بينهما بخلاف الأول.
ولو أراد أن المشيئة بالله تؤثر في رفع الطلاق، فهو قول أبي حنيفة والشافعي خلافًا لمالك.
والشروط في الطلاق كالشروط في النكاح؛ فمنهم من كرهها، ومنهم من أجازها إذا وقعت يمين، وسيأتي بسطه في النكاح إن شاء الله.
(1)
"المصنف" 4/ 84 (18012).
(2)
السابق 4/ 83 (18011).
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة" 4/ 83 (18010).
وفي قوله: ("لا تشترط المرأة طلاق أختها") حجة لمن أجاز الشروط المكروهة؛ لأنه لو لم تكن هذِه الشروط عاملة إذا وقعت لم يكن لنهيه عن اشتراط طلاق أختها معنى، ولكان اشتراطها ذلك اشتراطٍ.
فكذلك ما شابه ذلك من الشروط، وإن كانت مكروهة فهي لازمة، لقوله عليه السلام:"إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج"
(1)
.
وقوله: (وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ) فيه: بيان أن النهي في بيع الحاضر للبادي يتناول الشراء.
وقوله: (وَعَنِ التَّصْرِيَةِ) سلف بيانها، وهل هي من صرى يصري أو من صرَّ يصر فهي تصرورة، ولا يكون إلا من الأول كالتزكية.
(1)
سلف قريبًا (2721) باب: الشروط في المهر.
12 - باب الشُّرُوطِ مَعَ النَّاسِ بِالقَوْلِ
2728 -
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَغَيْرُهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مُوسَى رَسُولُ اللهِ" فَذَكَرَ الحَدِيثَ. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (72)} [الكهف: 72] كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا (73)} [الكهف: 73]. {لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف: 74]{فَانْطَلَقَا} {فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 74]. قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ. [انظر: 74 - مسلم: 2380 - فتح: 5/ 326]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مُوسَى رَسُولُ اللهِ" فَذَكَرَ الحَدِيثَ. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)} [الكهف: 75] كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)}. {لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ} {فَانْطَلَقَا} {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ}. قَرَأَهَا ابن عَبَّاسٍ:(أَمَامَهُمْ مَلِكٌ).
هذا الحديث رواه الإسماعيلي بقصة في أوله من حديث هشام، عن ابن جريج: إنا لعند ابن عباس إذ قال: سلوني. قال ابن جبير قلت: جعلني الله فداك، بالكوفة قاص يقال له: نوف يزعم أنه ليس بموسى
بني إسرائيل، أما عمرو فقال: كذب عدو الله، وأما يعلى فقال: حدثني أبي .. فساقه.
أراد البخاري بهذا الباب -والله أعلم- ليدل على أن ما يقع من الناس في محاوراتهم مما يكثر وقوعه بينهم، فإن الشرط بالقول يغني في ذلك بالكتاب والإشهاد عليه.
ألا ترى أن موسى لم يُشهد أحدًا على نفسه حين قال: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا} [الكهف: 69]، وكذلك الخضر حين شرط على موسى أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا، لم يكتب بذلك كتابًا، ولا أشهد شهودًا.
وإنما يجب الإشهاد والكتاب في الشروط التي يعم المسلمين نفعها، ويخاف أن يكون في انتقاضها والرجوع فيها جرم وفساد، وكذا ما في معناها مما يخص بعض الناس، فاحتيج فيها إلى الكتاب والإشهاد خوف ذلك، ألا ترى أن سيد الأمة كتب الصلح مع سهيل بن عمرو وأهل مكة؛ ليكون حاجزًا للمشركين من النقض والرجوع في شيء من الصلح، وشاهدًا عليهم إن همُّوا بذلك.
وفيه: أن النسيان لا يؤاخذ به، ووجوب الرفق بالعلماء، وأن لا يهجم عليهم بالسؤال عن معاني أقوالهم في كل وقت إلا عند انبساط نفوسهم، وانشراح صدورهم لا سيما إذا شرط ذلك العالم على المتعلم.
وفيه: أنه يجوز سؤال العالم عن معاني أقواله وأفعاله؛ لأن موسى سأل الخضر عن معنى قتل الغلام، وخرق السفينة، وإقامة الجدار، فأخبره بعلل أفعاله، ووجه الحكمة فيها، وإنما كان شرطه ألا يسأل عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا -والله أعلم- أنه أراد أن يتأدب عليه في تعلمه، ويأخذ عفوه فيه حتى ينشط إلى الشرح والتفسير، ففي
إخباره بتأويل ذلك دليل على أن أفعال الأنبياء وأقوالهم ينبغي أن تعرف معانيها، ووجه ما صنعت له، لمعنى قوله:{إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 67] أي: إنك سترى ما ظاهره منكر، ولا تصبر عليه؛ لأن الأنبياء والصالحين لا يصبرون على ذلك.
وقوله: (وكَانَتِ الوُسْطَى شَرْطًا) يريد {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} [الكهف: 76] وقوله: {وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: 73] أي: لا تلحق بي عسرًا من رهقه الشيء إذا غشيه، وقيل: لا تعجلني، وقيل: لا تضيق علي و [تشدد]
(1)
.
وقوله تعالى: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] أي: يسقط بسرعة، وروي:(ينقاص) بصاد غير معجمة
(2)
، وقرأه ابن عباس:(أمامهم)
(3)
وقرأه الجماعة {وَرَاءَهُمْ} قيل: المعنى واحد، وقيل: هو بمعنى: خلف على بابه، كأنه على طريقهم إذا رجعوا، والأول أولى لتفسيره في قراءة ابن عباس، واللغة تجوزه؛ لأن ما يوارى عنك فهو وراء، وإن كان أمامك، وقد اختلف فيه: هل هو من الأضداد؟ فقال أبو عبيدة وقطرب والأزهري وابن فارس، وغيرهم: نعم
(4)
.
وقال الفراء
(5)
وأحمد بن يحيى: أمام ضد وراء، دائمًا يكون من الأضداد في الأماكن، والأوقات، يقول الرجل: إذا وعد وعدًا في
(1)
غير واضحة بالأصل، وأثبتناها من "تفسير ابن كثير" 9/ 173.
(2)
انظر: "مختصر شواذ القرآن" ص (84).
(3)
"تفسير الطبري" 8/ 264 (23241).
(4)
انظر: "الأضداد" للأنباري ص 68، "تهذيب اللغة" 4/ 3878، "مجمل اللغة" 4/ 923.
(5)
انظر: "معاني القرآن" 2/ 157.
رجب لرمضان، ثم قال: من ورائك شعبان يجوز وإن كان أمامهم؛ لأنه يخلفه إلى وقت وعده، وكذلك وراءهم ملك يجوز؛ لأنه يكون أمامهم، وطلبهم خلفه فهو من وراء مطلبهم.
13 - باب الشُّرُوطِ فِي الوَلَاءِ
2729 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقَالَتْ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"]
(1)
. [انظر: 456 - مسلم: 1504 - فتح: 5/ 326]
(1)
هذا الباب لم يذكره الشارح.
14 - باب إِذَا اشْتَرَطَ فِي المُزَارَعَةِ: إِذَا شِئْتُ أَخْرَجْتُكَ
2730 -
حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الكِنَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ:"نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ". وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ، فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الحُقَيْقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ، وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟! فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ، لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ"؟!. فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ. قَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ. فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا، مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ، اللهِ أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اخْتَصَرَهُ. [فتح: 327]
ذكر فيه حديث مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ:"نُقِرُّكمْ مَا أَقرَّكَمُ اللهُ". ثم ساقه بطوله، ثم قال: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم اخْتَصرَهُ.
هذا الحديث تقدم في كتاب المزارعة معناه في باب: إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله
(1)
، وهنا أتم، وما للعلماء فيه.
(1)
سلف برقم (2338).
وهذا الحديث يدل أن عمر إنما أخرجهم لعدوانهم على المسلمين ونصبهم الغوائل لهم اقتداءً به عليه السلام في إجلائه بني النضير، وأمره لهم ببيع أرضهم حين أرادوا الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يلقوا عليه حجرًا مع أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند موته:"لا يبقين دينان بأرض العرب" ذكرها مالك في "موطئه" بأسانيد منقطعة
(1)
.
وفي مسلم من حديث [عمر]
(2)
: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا"
(3)
.
فرأى عمر إنفاذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بدا منهم من فدعهم لابنه، وخشي منهم أكثر من هذا.
وقال الخطابي: اتهم عمر أهل خيبر بأنهم سحروا عبد الله
(4)
، وقال الصغاني: رموه من فوق بيت ففدعت قدمه.
وقال صاحب "المطالع": في بعض تعاليق البخاري فدع يعني: كسر. والمعروف ما قاله أهل اللغة. وسيأتي أن ذلك وقع ليلًا، ولا يدرى فاعله.
ولأبي داود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا فمن كان له مال فليلحق به فإني مخرج يهود
(5)
، وفي "الموطأ" قال مالك: وقد أجلى عمر يهود خيبر وفدك، ثم ساق الثاني
(6)
، وفي كتب السير لما أثقل بأهل فدك ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل خيبر بعثوا إليه
(1)
"الموطأ" ص 556 (18).
(2)
في الأصل: (ابن عمر).
(3)
مسلم (1767) كتاب: الجهاد والسير، باب: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1329.
(5)
أبو داود (3007).
(6)
"الموطأ" ص 557 (19). وفيه: أجلى عمر يهود نجران وفدك.
ليؤمنهم، ويتركوا الأموال فأجابهم إلى ذلك، وكانت مما لم توجف عليه الخيل ولا الركاب فلم تقسم لذلك. فوضعها رسول الله حيث أمره ربه.
وحديث حماد ذكره الحُميدي بلفظ: قال حماد: أحسبه عن نافع، عن ابن عمر قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصورهم، وغلبهم على الأرض .. الحديث، وفيه: فلما كان زمن عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه ..
الحديث
(1)
، وكذا ذكره المزي
(2)
.
والذي في البخاري ما سقناه، وكذا هو في المستخرجين واعلم أن البخاري روى هذا الحديث عن أبي أحمد، واختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: المراد بن حمويه بن منصور الهَمَذَاني النهاوندي، قتل سنة أربع وخمسين ومائتين عن أربع وخمسين سنة، كذا ذكره البيهقي في "دلائله"
(3)
وأبو مسعود وأبو نعيم الأصبهاني وابن السكن وأبو ذر
الهروي.
ثانيها: محمد بن يوسف البيكندي، وقد أكثر البخاري الرواية عنه، وهو من أفراده، ولا يحضرني وفاته.
قال الحاكم: أهل بخارى يزعمون أن أبا أحمد هذا هو محمد بن يوسف البيكندي.
(1)
"الجمع بين الصحيحين" 1/ 121 - 122 (46).
(2)
"تحفة الأشراف" 6/ 133 (7877) ولم يعزه المزي للبخاري وإنما لأبي داود، وعلق عليه ابن حجر في "النكت الظراف" فقال: علق البخاري في الشروط منه شيئًا.
(3)
"دلائل النبوة" 4/ 234 - 235. قال: رواه البخاري في "الصحيح" عن أبي أحمد وهو مرار بن حمويه.
قال أبو عبد الله: وقد حدثونا بهذا الحديث عن (محمد)
(1)
بن هارون، حدثنا أبو أحمد مرار بن حمويه، حدثنا أبو غسان
(2)
.
ثالثها: محمد بن عبد الوهاب ابن عم عبد الرحمن بن بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران، مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
قال الحاكم: قرأت هذا الحديث أيضًا بخط شيخنا أبي عمرو المستملي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الوهاب بن حبيب العبدي الفراء النيسابوري، عن أبي غسان
(3)
. وذكره ابن حزم من رواية محمد بن يحيى الكناني عن أبي غسان
(4)
.
وزعم الهروي وعبد الغافر في "مجمعه" أن ابن عمر أرسله عمر إلى أهل خيبر ليقاسمهم الثمر ففُدع.
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: الفدع بفاء ثم دال مهملة ثم عين مهملة أيضًا ذكر بعد أنه فُدعت يداه ورجلاه.
قال الأزهري في "تهذيبه" عن الليث: ميلٌ في المفاصل كلها كأن المفاصل قد زالت عن مواضعها وأكثر ما يكون في الأرساغ. قال: وكل ظليم أفدع؛ لأن في أصابعه اعوجاجًا.
وقال النضر بن شميل: إنه في اليد أن تراه يعني: البعير يطأ على أم قِردَانِهِ فأشخص (صدر)
(5)
خفه، ولا يكون إلا في الرسغ. وقال غيره:
(1)
كذا بالأصل، وفي "المدخل إلى الصحيح":(موسى).
(2)
"المدخل إلى الصحيح" 4/ 263.
(3)
السابق.
(4)
هكذا بالأصل، ومحمد بن يحيى الكناني هو أبو غسان.
(5)
في الأصل (شخص) والمثبت من "تهذيب اللغة".
الفدع أن يصطك كعباه وتتباعد قدماه يمينًا وشمالًا. وقال ابن الأعرابي: الأفدع: الذي يمشي على ظهر، قدميه، وعن الأصمعي: هو الذي ارتفع أخمص رجله ارتفاعًا لو وطئ صاحبها على عصفور ما آذاه
(1)
.
وقال ثابت في "خلق الإنسان": إذا زاغت القدم من أصلها من الكتب وطرف الساق فذاك الفدع، رجل أفدع وامرأة فدعاء، وقد فدع فدعا.
وقال في "المخصص": هو عوج في المفاصل أو داء، وأكثر ما يكون في الرسغ فلا يستطاع بسطه. وعن ابن السكيت: الفدعة موضع الفدع
(2)
.
وقال القزاز وصاحب "الجامع" وابن دريد في "الجمهرة"، وأبو المعالي في "المنتهى": هو انقلاب الكف إلى إنسيها
(3)
، زاد القزاز وقيل: هو التْوِاء رسغ الفرس من قبل الوحش، وإقبال مركب الشظاة
في الجهة من وجنتها على ما يليها من رأس الشظاة من اليد الأخرى، ووطءٍ منه على وجنتي يديه جميعًا.
وقال الخطابي: أصل الفدع في الرجل وهو زيغ ما بينها وبين عظم الساق، يقال: رجل أفدع إذا التوت رجله من ذلك الموضع قال: والكوع في اليدين هو (تعوج)
(4)
اليدين من قبل الكوع، وهو رأس الزند مما يلي الإبهام
(5)
.
(1)
"تهذيب اللغة" 3/ 2752 (فدع).
(2)
"المخصص" 1/ 149.
(3)
"جمهرة اللغة" 2/ 660.
(4)
في الأصل: (تثبج)، والمثبت من "أعلام الحديث".
(5)
"أعلام الحديث" 2/ 1330.
وقال الجوهري: رجل أفدع بيِّن الفدع، وهو المعوج الرسغ من اليد والرجل فيكون منقلب الكف أو القدم إلى إنسيهما
(1)
.
وقال ابن فارس: هو عوج في المفاصل كأنها زالت عن أماكنها قال: وقيل: إنه انقلاب الكف إلى إنسيهما. يقال: فدع بكسر الدال
(2)
.
وقال الداودي: فدعت رجلاه أي ضربت حتى أثر فيهما.
ثانيها: قوله: (عامل يهود خيبر على أموالهم) يعني: التي كانت لهم قبل أن يفيئها الله على المسلمين.
قال الداودي عن مالك: كانت خيبر صلحًا، وإنما أخرجهم عمر؛ لقوله عليه السلام:"لا يبقين دينان بأرض العرب"
(3)
والصحيح أن خيبر أخذت عنوة، وقد صالحهم على النصف لما تخوفوا أن يصنع بهم ما صنع.
والذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن مالك الثاني
(4)
وهو قول جماعة من المؤرخين: البخاري ومسلم، وحكاه ابن سعد، عن بشير بن يسار
(5)
، وقاله غير واحد أيضًا.
وقال بعضهم: فتح بعضها عنوة وبعضها صلحًا.
وقوله: ("نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ") أي: إذا أمرنا في حقكم بغير ذلك فعلناه كما قاله ابن الجوزي.
وفيه: جواز العقد مشاهرة ومشافهة خلافًا للشافعي. واختلف أصحاب مالك: هل يلزمه واحد مما سمى أو لا يلزمه شيء؟
(1)
"الصحاح" 3/ 1256 مادة (فدع).
(2)
"المجمل" 3/ 714، مادة (فدع).
(3)
سبق تخريجه.
(4)
"التمهيد" 6/ 445.
(5)
"الطبقات الكبرى" 2/ 114.
ويكون كل واحد منهما بالخيار كذا في "المدونة" والأول قول عبد الملك فإذا شرع في العمل في النخل لزمه سنة.
وقوله: (هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا)، أي: عدواتهم متحققة في صدورنا.
وفيه: أن المسلمين لم يروا أن ذلك منهم نقض للعهد أو لعلهم لم يتمالئوا عليه.
وفيه: أن أموال المسلمين كانت مقسومة.
والتهمة: أصلها الواو؛ لأنها من الوهم، وهي محركة الهاء، وضبطت في بعض النسخ بالسكون.
وقوله: (وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ) يقال: جلا القوم عن مواضعهم جلاءً، وأجليتهم أنا إجلاءً وجلوتهم
(1)
. قاله ابن فارس
(2)
، وقال الهروي: يقال جلا عن وطنه، وأجلى وجلا بمعنى واحد، والإجلاء: الإخراج من الوطن والمال على وجه الإزعاج والكراهة.
وقوله: (فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ)، أي: عزم. يقال: أجمع الأمر إجماعًا إذا عزم؛ قاله ابن عرفة وابن فارس
(3)
، ويقال: أجمع على أمره عزم عليه.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي: جعله جميعًا بعدما كان متفرقًا.
وكان إجلاؤه إياهم إلى تيماء وأريحاء من أرض الشام، وبنو الحقيق هم رؤساؤهم.
ثالثها: القلوص: الأنثى من النعام والإبل، وقيل: هي الناقة من
(1)
كتب فوقها في الأصل: يعني نفسه.
(2)
"المجمل" 1/ 193 مادة: (جلا).
(3)
"المجمل" 1/ 198 مادة: (جمع).
النوق على السير، وقيل: هي الطويلة القوائم.
وقوله: (كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ)، قيل: حلف عمر، وقال: ما هو بالهزل، ولكنه الفصل يريد قوله تعالى:{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ (14)} [الطارق: 13 - 14].
وفيه: دلالة أن العداوة توجب المطالبة بالجنايات، كما طالبهم عمر بفدعهم ابنه.
ورجح ذلك بأن قال: (ليس لنا عدو غيرهم)، فعلق المطالبة بشاهد العداوة، فأخرجهم من الأرض على ما كان أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ترك عمر مطالبتهم بالقصاص في فدع ابنه، لأنه فدع ليلًا وهو نائم، كما قاله المهلب، فلم يعرف ابن عمر أشخاص من فدعه، فأشكل الأمر كما أشكل أمر عبد الله بن سهل حين وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند نفسه
(1)
.
وفيه: أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله محمولة على الحقيقة على وجهها لا على الهزل حتى يقوم دليل المجاز والتعريض، وإنما أقر عليه السلام يهود خيبر على أن سالمهم في أنفسهم، ولا حق لهم في الأرض، واستأجرهم على المساقاة، ولهم شطر الثمرة، فلذلك أعطاهم عمر قيمة شطر الثمر من إبل وأقتاب وحبال يستقلون بها؛ إذ لم يكن لهم في رقعة الأرض شيء.
رابعها: استدل بعضهم من هذا الحديث أن المزارع إذا أكرهه رب الأرض بجناية بدت منه أن له أن يخرجه بعد أن يبتدئ في العمل، ويعطيه
(1)
سيأتي برقم (3173) كتاب: الجزية، باب: الموادعة، من حديث سهل بن أبي حثمة، ورواه أيضًا مسلم (1969) كتاب: القسامة.
قيمة عمله، ونصيبه كما فعل عمر، وقال غيره إنما يجوز إخراج المساقي والمزارع عند رءوس الأعوام وتمام الحصاد والجداد.
خاتمة:
الترجمة على جواز اشتراط الخيار من المالك إلى غير أمد، والحديث لا يدل على ذلك كما نبه عليه ابن المنير.
قال: والصحيح أن الخيار لا بد من تقييده بمدة يجوز مثلها الخيار، وإن أطلق نزل في كل عقد على ما يليق به من المدة التي في مثلها يقع الخيار. والحديث غير متناول للترجمة لاحتمال أن يريد: نقركم ما لم يَشَأ الله إجلاءكم منها؛ لأن المقدور كائن، ولا ينافي وجود استرسال الأحكام الشرعية، وقد تنفسخ العقود اللازمة بأسباب طارئة، وقد لا تنفسخ، ولكن يمتنع مباشرة أحد المتعاقدين لاستيفاء المنفعة كما لو ظهر فساد العامل على المساقاة وجنايته، فإن مذهب مالك إخراجه، وكذلك مستأجر الدار إذا أفسد، فهذا -والله أعلم- مراد الحديث؛ أي يستقرون فيها ما لم يجاهروا بفساد، فإذا شاء الله إجلاءكم تعاطيتم السبب المقتضي للإخراج فأخرجتم، وليس في الحديث أنه ساقاهم مدة معينة إما لأنهم كانوا عبيدًا للمسلمين، ومعاملة السيد لعبده لا يشترط فيها ما يشترط في الأجنبي؛ لأن العبد
مال السيد، وله على ماله سلطنة الانتزاع فكان الجميع ماله، وإما لأن المدة لم تنقل مع تحررها حينئذٍ
(1)
.
(1)
"المتواري" ص 313 - 314.
15 - باب الشُّرُوطِ فِي الجِهَادِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ والشروط مع الناس
2731 و 2732 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ- قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ". فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ التِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ. فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلأَتِ القَصْوَاءُ، خَلأَتِ القَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَا خَلأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ" ثُمَّ قَالَ: "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا". ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ المَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ -وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ- فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ العُوذُ المَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ". فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا
تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْىِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟. قَالُوا: لَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ. قَالُوا: ائْتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ؟ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى؟ فَإِنِّي وَاللهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَبَظْرَ اللاَّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟! فَقَالَ: مَنْ ذَا قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ المِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ، أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَمَّا الإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَىْءٍ". ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِعَيْنَيْهِ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ
وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ". فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ. فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "هَذَا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ". فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ". قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ". ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ". فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ "لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا". فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ". فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا
ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ. فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ". قَالَ: فَوَاللهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "فَأَجِزْهُ لِي". قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قَالَ: "بَلَى، فَافْعَلْ". قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟! أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟! وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: "إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِي". قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ". قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: "قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا". قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ
بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حَتَّى بَلَغَ {بِعِصَمِ الكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ -رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ- وَهْوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا. فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا. فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ، حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَآهُ:"لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا". فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ". فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِى بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهْوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:{وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حَتَّى بَلَغَ: {الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 24 - 26] وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ. [انظر: 1694، 1695 - فتح: 5/ 329]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: {مَعَرَّةٌ} العُرُّ الجَرَبُ. {تَزَيَّلُوا} انمازوا وَحمَيْتُ القَومَ: مَنَعْتُهُمْ حِمَايَةُ، وَأحْمَيْتُ الِحمَى: جَعَلْتُة حِمى لا يُدْخَلُ وأَحْمَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَغْضَبْتَة إحمَاءً]
2733 -
وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى المُسْلِمِينَ، أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ: قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أَبَى الكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} [الممتحنة: 11] وَالعَقِبُ مَا يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الكُفَّارِ اللاَّئِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ المُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي المُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر: 2713 - مسلم: 1866 - فتح: 5/ 333]
ذكر فيه حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، وساق حديث الحديبية.
وهو أتم ما جاء في سياقته، وقد شرحناه في باب كيف يكتب الصلح تعجيلًا
(1)
.
ونذكر هنا ما أهملناه هناك، وتكلمنا هناك على قوله:("ما خَلأَتِ القَصْوَاءُ") والقصواء -ممدودة- ناقته عليه السلام.
قال الخطابي: وكانت مقصوة الأذن؛ وهو قطع طرفها
(2)
.
(1)
انظر شرحه لحديث البراء هناك برقم (2698 - 2699) كتاب: الصلح.
(2)
"أعلام الحديث" 2/ 1337.
وقال الداودي: سميت بذلك؛ لأنها كانت لا تكاد أن تسبق، وكأنهم لها يقولون: أفضل السبق والجري؛ لأن آخر كل شيء أقصاه، ويقال لها: العضباء لأن طرف أذنها كان مقطوعًا.
وقال ابن فارس: العضباء: لقب ناقته، وهي لغة: المشقوقة الأذن
(1)
، والذي قاله أهل اللغة -كما ذكره ابن التين- أن القصواء مأخوذة من القصا وهو صدف في أذن الناقة، وجاء بلفظ فاعل، ومعناه: مقصوة
قال الأصمعي: ولا يقال: بعير أقص، قال: وضبط القُصوى بضم القاف والقصر في بعض النسخ، وفي بعضها بالفتح والمد وهو الصحيح في اللغة.
قال في "أدب الكاتب": القُصوى -بالضم والقصر- شذ من بين نظائره وحقه أن يكون بالياء مثل: الدنيا والعليا؛ لأن الدنيا من دنوت، والعليا من علوت
(2)
.
قوله: (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ). قال الداودي: تهامة مكة وما حولها من البلد، وحدها من جهة المدينة العرج ومنتهاها إلى أقصى اليمن.
وقال ابن فارس: التهم: شدة الحر وركود الريح. قال: وبذلك سميت تهامة. يقال: أتهم: أتى تهامة
(3)
.
وقوله: (فقال: إِنِّي تَرَكْتُ عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، وكَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ) هما قبيلان من قريش.
(1)
"المجمل" 2/ 673، مادة:(عضب).
(2)
"أدب الكاتب" ص 488.
(3)
"المجمل" 1/ 151، مادة: تهم.
وقوله: (وهو من قوم يعظمون البدن) أي: ليسوا ممن يستحلها، ومنه قوله تعالى:{لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ} [المائدة: 2] فكانوا يعلمون شأنها، ولا يصدون من أمَّ البيت الحرام فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها لهم من أجل علمه بتعظيمه لها ليخبر بذلك قومه فيخلوا بينه وبين البيت.
والبدُن: من الإبل، والبقر، وقيل: لها بدن لسمنها وهي الهدايا.
وقوله: (رأيت البدن قد قلدت وأشعرت) فيه دلالة على جواز ذلك، وخالف فيه أبو حنيفة كما سلف حيث قال: لا يجوز الإشعار، وصفته أن يكون عرضًا من العنق إلى الذنب، وفي كتاب ابن حبيب: طولًا، ويكون ذلك في الشق الأيسر.
هذا مشهور قول مالك. وخالف في "المبسوط" فقال: في الأيمن.
وقوله في مِكْرَزٍ: ("هوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ") يحتمل أن يكون أُخبر بالوحي أو أن يكون ذلك ظاهر حاله، وأراد مساوئ أفعاله غير الشرك.
وأنكر سهيل البسملة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام يكتب كذلك فلما نزلت: {بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] فلما نزلت: {أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110] كتب: الرحمن، فلما نزلت:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)} [النمل: 30] كتب كذلك، وأدركتهم حمية الجاهلية.
والميم في قوله: ("اللَّهُمَّ") بدل من ياء في قول البصريين، وقال الكوفيون: المعنى يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل فيها، وفي إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك بعض المسامحة.
وفيه: إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لهم في أمور الدين ما لم يكن مضرًّا بأصله.
وقوله: (أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً) أي: مفاجأة، قاله الداودي، وقال الجوهري: يقال: ضغطه يضغطه ضغطًا زحمه إلى حائط ونحوه ومنه ضغطة القبر.
و (الضُغْطَةً) بالضم: الشدة والمشقة. يقال: ارفع عنا هذِه الضغطة، وأخذت فلانًا ضُغطةً إذا ضيقتَ عليه لتُكْرِهَهُ على الشيء
(1)
.
وسهيل أسلم بعد وحسن إسلامه، خرج في خلافة عمر إلى الجهاد فمات هناك، وكان من المؤلفة قلوبهم.
وقوله: (يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ) سلف في باب الصلح مع المشركين وأنه مشي المقيد، أي: يثب وثبًا خفيفًا قدر استطاعته.
وقوله: (أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ) أي: أعاقدك.
وقوله: (فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا)، قد أسلفت عن ابن الجوزي أنه إشارة إلى الاستغفار والاعتذار.
وقوله: (أن عمر طلق امرأتين: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم). وقال قبله: إنه تزوج إحداهما صفوان بن أمية.
وذكر بكر في كتاب "الأحكام" قولين كما تقدم وهي: بنت جرول، قيل: بالحاء وقيل بالجيم.
و (قريبة)
(2)
-بفتح القاف- كذا بخط الدمياطي، وقال ابن التين: ضبطها بعضهم بالضم، وبعضهم بالفتح.
(1)
"الصحاح" 3/ 1140 مادة (ضغط).
(2)
في هامش الأصل: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومية، أخت أم سلمة، ذكرها كثير ممن ألف في الصحابة.
وقوله: (فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ) أي: مات. ويقال للسيوف: البوارد، أي: القواتل
(1)
.
وقال الداودي: إذا مات برد جسمه، فلم يبق فيه من حر الضرب شيء.
وقوله: ("رأى هذا ذعرًا") أي: فزعًا. يقال: ذُعر فهو مذعور.
وقوله: (معه عِصَابَةٌ) أي: جماعة.
وقوله: (فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ تُنَاشِدُهُ الله وَالرَّحِم) أي: يسألونه بالله. قال الداودي أي: يذكرونه بالله.
وقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} لما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال قريش من أتاه فهو آمن.
وقال الداودي: ألقي في قلوبهم، ولكنه عليه السلام ترك القتال، وقال قتادة: كف أيدي المشركين حين خرجوا إلى الحديبية وكف أيديهم عنكم. قال: فطلع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: زنيم فرماه المشركون فقتلوه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا اثني عشر فارسًا فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال:"لكم عهد أو ذمة؟ "، قالوا: لا. فأطلقهم فنزلت عليه الآية
(2)
.
وقوله: {وَالهَدْيَ مَعْكُوفًا} [الفتح: 25] أي: محبوسًا.
وقوله: {أَنْ تَطَئُوهُمْ} [الفتح: 25] أي: تقتلوهم.
وقوله: {مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: عيب.
(1)
"الصحاح" 2/ 446 مادة: (برد).
(2)
رواه الطبري 11/ 356 (31559)، وذكره ابن كثير في "التفسير" 13/ 110 عن قتادة، وفيه أن الصحابي اسمه (ابن زنيم)، وهو كذلك في مسلم (1807) كتاب: الجهاد والسير، من حديث سلمة بن الأكوع، كما نبه عليه الحافظ في "الإصابة" 1/ 552 (2819).
وقوله: (نزلت: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ} الآية [الممتحنة: 11]، والعقب: ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، وقيل: أن تغزي في هذِه الغزاة غزاة أخرى فيعطوا المؤمنين من الفيء ما فاتهم من أزواجهم من المهور.
وقال الزهري: هذا في المسلم تخرج زوجته إلى بلد الشرك ولا يجيء منهم أحد، فعلى المسلمين إذا غنموا أن يعطوه صداقها
(1)
.
وقال مسروق: معنى {فَعَاقَبْتُمْ} أي: غنمتم
(2)
، وقال الأعمش: هي منسوخة، وقيل: هذا كله مما ترك العمل به وهو معنى {أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106].
وفيه: الحكم على الغائب، قاله الداودي والمعاقبة بمثل ما يؤتى إلى المرء في الأمانة في المال وغيره.
وقوله: (بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ)، هو بالباء الموحدة المفتوحة، وكذا بالهمزة المفتوحة في أسيد. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بضم الهمزة، وبعضهم بفتحها وكسر السين قيل: وهو الصحيح؛ لأن أبا بصير مهاجر، وكل مهاجري أسيد بفتحها، وفي الأنصار ضمها. واستثنى هذا بعضهم، وقال: هذا يوافق الأنصار أنه بالضم.
وفي الحديث من الفقه: جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجهًا.
وفيه: كتابة الشروط التي تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها ليكون ذلك شاهدًا على من رام نقض ذلك والرجوع فيه.
(1)
رواه الطبري 12/ 71 (33995).
(2)
رواه الطبري 12/ 72 (34001).
وفيه: الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش، وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة.
وفيه: جواز التنكيب عن الطريق بالجيوش وإن كان في ذلك مشقة.
وفيه: بركة التيامن في الأمور كلها.
وفيه: أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأملوه وينظروا الشبهة في قضاء الله في الأمم الخالية، ويمسكوا صواب الخير فيه، ويعلموا أن ذلك مثل ضرب لهم، ونبهوا عليه كما امتثله الشارع في أمر ناقته وبرُوكها في قصة الفيل؛ لأنها كانت إذا وجهت إلى مكة بركت، وإذا صرفت عنها مشت كما دأب الفيل، وهذا خارج عن العادة؛ فعلم أن الله صرفها عن مكة كالفيل. ولذلك قال:"لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا"، يريد بذلك موافقة الرب جل جلاله في تعظيم الحرمات؛ لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة فأبقى عليهم لما كان سبق لهم في علمه أنهم سيدخلون في دينه أفواجًا، وقد سبق.
وفيه: علامات النبوة وبركته عليه أفضل الصلاة والسلام وبركة السلاح المحمولة في سبيل الله، ونبع الماء من السهم، وإنما قدم عليه السلام مكة غير مستأمن مما كان بينه وبين أهل مكة من الحرب والمناصبة والعداوة، ولا أخذ إذنهم في ذلك؛ لأنه جرى على العادة من أن مكة غير ممنوعة من الحجاج والمعتمرين، فلما علم الله تعالى أنهم صادُّوه ومقاتلوه حبس الناقة عن مكة كما حبس الفيل تنبيهًا له على الإبقاء عليهم.
وقوله: ("إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ") على وجه بذل النصيحة للقرابة التي كانت بينهم، فقال لهم:"إن شئتم ماددتكم" أي: صالحتكم
مدة تستجمون فيها إن أردتم القتال، وتدعوني مع الناس، يعني: طوائف العرب، فإن ظهرت عليهم دخلتم فيما دخلوا فيه.
وإنما نصحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فهم عن الله في حبس الناقة أنهم سيدخلون في الإسلام، فأراد أن يجعل بينهم مدة يقلب الله تعالى فيها قلوبهم، وفي لين قول بديل وعروة
(1)
لقريش دليل على أنهم كانوا أهل إصغاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وميل إليه كما قال في الحديث.
وقول عروة له: (أرأيت إن استأصلت قومك) دليل على أنه عليه السلام كان يومئذٍ في جمع يخاف منه عروة على أهل مكة الاستئصال لو قاتلهم وقد سلف ذلك.
خاتمة: في مواضع مفرقة من الحديث أيضًا: تدلكهم بالنخامة منه على وجه التبرك ورجاء نفعها في أعضائهم.
وفيه: طهارة النخامة بخلاف من نجسها ونجس الماء بها، إنما أكثروا من ذلك بحضرة عروة، وتزاحموا عليه لأجل قوله:(إني لأرى وجوهًا وأشوابًا من الناس .. ) إلى آخره، فأروه أنهم أشد اغتباطًا وتبركًا بأمره وتثبتًا في نصرته من القبائل التي تراعي الرحم بينهم.
وفيه: التفاؤل من الاسم وغيره كما سلف، وقول سهيل: ما نعرف الرحمن. قد أخبر الرب جل جلاله عن العرب بذلك حيث قال: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60].
وفي يمين المسلمين: (والله لا نكتب إلا البسملة) أن أصحاب السلاطين [يجب عليهم مراعاة أمره]
(2)
وعونه وعزة الله تعالى التي
(1)
في الأصل: غيره، ولعل المثبت أقرب للصواب كما ورد في الحديث.
(2)
غير واضحة بالأصل، والمثبت من "شرح ابن بطال" 8/ 130.
بها عزة السلطان، وتركه إبرار قسمهم مع أنه أمرنا بإبراره، إنما هو مندوب إليه فيما يحسن ويجمُل.
وأما من حلف عليه في أمر لا يحسن ولا يجمُل في دين ولا مروءة فلا يجيب إليه، كما لم يجب إلى ما حلف عليه أصحابه؛ لأنه كان يئول إلى انخرام المقاضاة بالصلح، مع أن ما دعا إليه سهيل لم يكن إلحادًا في أسمائه تعالى، وكذلك ما أباه سهيل من كتابة محمد رسول الله ليس فيه إلحاد في الرسالة؛ فلذلك أجابه عليه السلام إلى ما دعا إليه مع أنه لم يأنف سهيل من هذا إلا أنه كان مساق العقد عن أهل مكة، وقد جاء في بعض الطرق:(هذا ما قاضى عليه أهل مكة رسول الله)، فخشي أن ينعقد في مقالهم الإقرار برسالته، وقد سلف أيضًا.
وقوله: (وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ) يدل أن المقاضاة إنما انعقدت على الرجال دون النساء، فليس فيه نسخ حكم النساء على هذِه الرواية؛ لأن النساء لم يردهن كما رد الرجال؛ من أجل أن الشرط إنما وقع برد الرجال خاصة، ثم نزلت الآية في أمر النساء حين هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينة لما تقدم من حكم ذلك، وقد سلف ذلك أيضًا.
وقوله لسهيل: ("إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ")، أراد أن يخلص أبا جندل، وقد كان تم الصلح بالكلام، والعقد قبل أن يكتب.
وفيه: أن من صالح أو عاقد على شيء بالكلام ولم يوف له به، أنه بالخيار في النقض.
وأما قول عمر وما قرر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنهم على الحق: (ولِمَ نُعْطِ الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا) أي: نرد من استجار بنا من المسلمين إلى المشركين. فقَالَ له: "إِنِّي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ" تنبيهًا لعمر كما سلف.
وفيه: جواز المعارضة في العلم حتى تبين المعاني.
وفيه: أن الكلام محمول على العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص.
ألا ترى أن عمر حمل كلامه على الخصوص؛ لأنه طالبه بدخول البيت في ذلك العام فأخبره أنه لم يعده بذلك في ذلك العام، بل وعده وعدًا مطلقًا في الدهر حتى وقع فدل أن الكلام محمول على العموم حتى يأتي دليل الخصوص.
وفي قوله: (فإنك آتيه) دليل أنه من حلف على فعل ولم يوقت وقتًا أن وقته أيام حياته.
قال ابن المنذر: فإن حلف بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم.
فقالت طائفة: لا يطؤها حتى يفعل الذي حلف عليه فأيهما مات لم يرثه صاحبه، هذا قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي، وأبى عبيد.
وقالت طائفة: إن مات ورثته وله وطؤها، روي هذا عن عطاء.
وقال يحيى بن سعيد: ترثه إن مات، وقال مالك: إن ماتت امرأته يرثها، وقال الثوري: إنما يقع الحنث بعد الموت، وبه قال أبو ثور، وقال أبو ثور أيضًا: إذا حلف ولم يوقت فهو على يمينه حتى يموت، ولا يقع حنث بعد الموت، فإذا مات لم يكن عليه شيء. قال ابن المنذر: وهذا النظرُ.
وقالت طائفة: يضرب لها أجل المولى أربعة أشهر. روي هذا عن: القاسم وسالم، وهو قول ربيعة ومالك والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: إن قال: أنت طالق إن لم آت البصرة، فماتت امرأته قبل أن يأتي البصرة، فله الميراث، ولا يضره أن لا يأتي
البصرة بعد؛ لأن امرأته ماتت قبل أن يحنث، ولو مات قبلها حنث، وكان لها الميراث؛ لأنه فارٌّ ولأن الطلاق إنما وقع عليها قبل الموت بقليل، فلها الميراث.
ولو قال لها أنت طالق إن لم تأت البصرة أنت، فماتت فليس له منها ميراث، وإن مات قبلها فلها الميراث، ولا يضرها أن لا تأتي البصرة.
وفيه قول سادس؛ حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النظر قال: إن أخذ الحالف في التأهب لما حلف عليه والسعي فيه حين تكلم باليمين حتى يكون متصلًا بالبر، وإلا فهو حانث عند ترك ذلك.
قال ابن المنذر: في هذا الحديث دليل أن من لم يحد ليمينه أجلًا، أنه على يمينه ولا يحنث إن وقف عن الفعل الذي حلف يفعله.
وتوقُف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النحر والحلق لمخالفتهم العادة التي كانوا عليها، أن لا ينحر أحد حتى يبلغ الهدي محله، ولا يحلق إلا بعد الطواف والسعي حتى شاور الشارع أم سلمة، فأراه الله بركة المشورة ففعل ما قالت، فاقتدى به أصحابه.
فكذلك لو فعل في حجة الوداع ما أمر به أصحابه من الحلاق والحل ما اختلف عليه اثنان.
معنى هذا من الفقه: أن الفعل أقوى من القول.
وفيه: جواز مشاورة النساء ذوات الفضل والرأي، وأما إسلامه عليه السلام لأبي بصير وصاحبه إلى رسل مكة هو على ما انعقد في الرجال.
وأما قتلُ أبي بصير لأحد الرسل بعد أن (أسلمة)
(1)
إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه القود ممن قتل
(1)
في الأصل: (أشار) والمثبت من "شرح ابن بطال" 8/ 133، وهو الملائم للسياق.
في الله وجاهد؛ لأن هذا لم يكن من شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقود من أبي بصير على ما سلف.
وقول أبي بصير لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد أوفى الله ذمتك) أنك رددتني إليهم كما شرطت لهم، ولا تردني الثانية فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بما لا شك فيه من الوفاء، فسكت عنه، ونبهه على ما ينجو به من كفار قريش بتعريض عرض له به. وذلك قوله:"لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ" يعني: من ينصره ويمنعه، فعلمها أبو بصير وخرج سيف البحر، وجعل يطلب غرة أهل مكة وأذاهم، حتى لحق به أبو جندل وجماعة، فرضي المشركون بحلّ هذا الشرط، وأن يكفيهم الشارع نكايته ويكف عنهم عاديته.
وقوله: (ما كانوا يؤدونه إلى المشركين عوضًا مما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات في ذلك الصلح) فهو منسوخ عن الشعبي وعطاء ومجاهد، وقد سلف.
16 - باب الشُّرطِ فِي القَرْضِ
2734 -
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. [انظر: 1498 - فتح: 5/ 352]
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما وَعَطَاءٌ: إِذَا أَجَّلَهُ فِي القَرْضِ جَازَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
هذا الحديث سلف موصولًا والكلام عليه
(1)
، وما ذكره عن ابن عمر وعطاء، خالف فيه أبو حنيفة حيث قال: إذا كان القرض إلى أجل أو غير أجل، فله أن يأخذه منه متى أحب.
وكذلك العارية ولا يجوز عنده تأخير القرض البتة.
وبنحوه قال الشافعي وخالفهما مالك، وراجع ذلك في باب الاستقراض والديون.
(1)
سلف برقم (2063) كتاب: البيوع، باب: التجارة في البحر.
17 - باب المُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ التِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما فِي المُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ -أَوْ عُمَرُ-: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ.
2735 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلَاءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَّرْتُهُ، ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ". [انظر: 456 - مسلم: 1504 - فتح: 5/ 353]
وَقَالَ جَابِرُ فِي المُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ.
وقال ابن عمر -أو عمر-: كل شرط خالف كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ.
ثم ساق حديث عَائِشَةَ في قصة بريرة.
وقد سلف ذلك في أبواب الكتابة في باب نحو هذا
(1)
.
(1)
سلف برقم (2560) باب: المكاتب ونجومه في كل سنة نجم.
18 - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الإِقْرَارِ
وَالشُّرُوطِ التِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا قَالَ: مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ: أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ. فَلَمْ يَجِىْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ.
2736 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ". [6410، 7392 - مسلم: 2677 - فتح: 5/ 354]
وَقَالَ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ: قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيَّهِ: أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ (أَرْحَلْ)
(1)
مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ، قال شُرَيْح: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابن سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْع. فَلَمْ يَجِئْ، فَقَالَ شُرَيْح لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ.
ثم ساق حديث أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ".
(1)
في هامش الأصل: (أدخل) وعليها علامة أنها نسخة.
الشرح:
وقع في بعض النسخ باب ما لا يجوز .. إلى آخره بإثبات (لا)، والصواب: حذفها كما أوردناه، وكذا هو ثابت في رواية أبي ذر وغيره، وحديث أبي هريرة يشهد له. وما ذكره عن ابن سيرين من الحظر للنهي عنه، ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولا يجوز اشتراط ذلك عند أكثر العلماء وقضى به شريح؛ لأنه من طريق العدة والتطوع، ومن تطوع بشيء يستحب له إنجازه وإنفاذه، إلا أن جمهور الفقهاء لا يقضون بوجوب العدة وإنما يستحبون الوفاء بها، وعادة المكارين يخرجون إبلهم إلى المراعي ويتواعدون في الرحيل، فربما حصل لبعض من كاراه مانع فيتضرر بالعلف فيقول: إن لم أرحل معك يوم كذا، فلك كذا تعلف به إبلك.
والأثر الثاني: قال الداودي: قال بعض أصحابنا: ولا أعلم ما يمنع منه.
وقال مالك: البيع جائز والشرط باطل.
وقال بعض أصحابنا: هو بيع فاسد.
وقال آخر: إن ضربا من الأجل ما يجوز أن يضرب في مثل تلك السلعة للخيار جاز، وإلا لم يجز.
وقال ابن بطال: اختلف العلماء في جواز ذلك؛ فقال ابن الماجشون: الشرط والبيع جائزان، وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا جاز الوقت فلا خيار له، ويبطل البيع، ومصيبته قبل ذلك من البائع، كان ذلك بيده أو بيد المبتاع على سنة بيع الخيار، وممن أجازهما هنا الثوري وأحمد وإسحاق وقال أبو حنيفة: إن كان الأجل ثلاثة أيام فالبيع جائز. وقال محمد بن الحسن: يجوز الأجل أربعة أيام وعشرة أيام.
وقال مالك في "المدونة": من باع سلعة وشرط إن لم ينقده المشتري إلى أجل فلا بيع بينهما. فهذا بيع مكروه؛ فإن وقع ثبت البيع وبطل الشرط، ومصيبة السلعة من البائع حتى يقبضها المشتري
(1)
.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا
(2)
وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه أيضًا، وسرد الأسماء، ولفظه:"إن لله تسعة وتسعين أسمًا مائة إلا واحدًا، إنه وتر، من حفظها دخل الجنة" ثم ذكرها. وقال في آخره: قال زهير: فبلغنا عن غير واحدٍ من أهل العلم أن أولها يُفْتَح بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى
(3)
.
وأخرجه الترمذي أيضًا، وسرد الأسماء، ثم قال: غريب، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس له إسناد صحيح
(4)
.
وخرجه الحاكم من طريق الترمذي ثم قال: هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما: أن الوليد بن مسلم تفرد به كذلك، ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة فإني لا أعلم خلافًا بين أئمة الحديث، أن الوليد أوثق
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 138 - 139، "المدونة" 3/ 222.
(2)
مسلم (2677) كتاب: الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.
(3)
ابن ماجه (3861).
(4)
الترمذي (3507).
وأحفظ وأعلم من أبي اليمان وبشر بن شعيب وعلى بن عياش، وأقرانهم من أصحاب شعيب، ثم برهن لما ذكره
(1)
. وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه"
(2)
.
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
ليس فيه نفي غير هذِه الأسماء وذكرت هذِه لشُهرتها كما نبه عليه البيهقي في "الأسماء والصفات"
(3)
.
وأما ابن حزم فزعم أن من زاد شيئًا في الأسماء عن التسعة والتسعين فقد ألحد في أسمائه؛ لأنه قال: "مائة إلا واحد" فلو جاز أن يكون له اسم زائد، لكانت مائة
(4)
. وذكر بعض المتصوفة أن لله ألف اسم كما أن لرسوله مثلها.
ثانيها:
معنى: "أَحْصَاهَا": حفظها كما سلف، وقيل: عدها، فلا يقتصر على بعضها، وقيل: أطاقها بحسن المراعاة لها، وحفظ حدودها في معاملة الرب تعالى بها، وقيل معناه: عرفها وعقل معانيها وآمن بها.
وقال الزجاج: "من أحصاها". يريد بها توحيد الله تعالى وإعظامه، وقال ابن الجوزي: لعل المراد من قرأ القرآن حتى يختمه، فمن حفظه إذن دخل الجنة؛ لأن جميع الأسماء فيه.
(1)
"المستدرك" 1/ 16 - 17.
(2)
"صحيح ابن حبان" 3/ 88 - 89 (808).
(3)
"الأسماء والصفات" 1/ 27.
(4)
"المحلى" 1/ 30.
ثالثها:
أسماؤه تعالى منقسمة بين عقائد خمس -نبه عليها الحليمي-: إثبات الباري؛ ليقع به مفارقة التعطيل ووحدانيته؛ ليقع بها البراءة من الشرك، وأنه ليس بجوهر ولا عرض؛ ليقع به البراءة من التشبيه
(1)
. وأن وجود كل ما سواه كان من قِبَلِ إبداعهِ واختراعه إيِّاه؛ لتقع البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول. وأنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء؛ لتقع به البراءة من قول من قال بالطبائع أو بتدبير الكواكب أو الملائكة.
رابعها:
قوله: ("مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا") هو تأكيد للجملة الأولى؛ ليرفع به وهم من يتوهم في النطق أو الكتابة.
و ("مِائَةً"): منصوب بدلًا من ("تسعة وتسعين").
("مَنْ أَحْصَاهَا"): خبر وهي المقصودة لعينها، والجملة الأولى مقصودة لها؛ لأنها تحصر الأسماء فيما ذكر.
خامسها:
الحديث نص على جواز استثناء القليل من الكثير، ولا خلاف في جوازه بين أهل اللغة والفقه والغريب، قال الداودي: وأجمعوا أن من استثنى في إقراره ما بقي بعده بقية، ما أقر به أن له ثنياه؛ فإذا قال
(1)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "درء التعارض" 1/ 133: كل هذِه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث لم يتكلم السلف والأئمة فيها لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات، بل كانوا ينكرون على أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا النوع في حق الله تعالي نفيا وإثباتا.
له: علي ألف إلا تسعمائة وتسعة وتسعين صح ولزمه واحد قال: وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين لقوله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14].
قال ابن التين: وهذا الذي ذكره الداودي أنه إجماع ليس كذلك، ولكن هو مشهور مذهب مالك.
وقد ذكر الشيخ أبو الحسن قولًا ثالثًا في قوله: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين أنه يلزمه الثلاث.
وذكر القاضي في "معونته" عن عبد الملك وغيره أنه يقول: لا يصح الاستثناء الأكثر.
واحتجاج الداودي بهذِه الآية غير بين، وإنما الحجة في ذلك قوله تعالى:{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ} [الحجر: 42] وقوله: {إِلَّا عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ (40)} [الحجر: 40] فإن جعلت المخلصين أكثرهم فقد استثناهم، وإن جعلت الغاوين الأكثر فقد استثناهم أيضًا.
والخلاف شهير في استثناء الكثير من القليل، وهو مذهب الفقهاء وأهل اللغة من أهل الكوفة، وأنشد الفراء منه:
أدوا التي نقضت تسعين من مائة
…
ثم ابعثوا حكمًا بالعدل حكامًا
فاستثنى تسعين من مائة؛ ولأن الاستثناء إخراج فإذا جاز إخراج الأقل جاز إخراج الأكثر.
ومذهب البصريين من أهل اللغة وابن الماجشون المنع فيه، وإليه ذهب البخاري حيث أدخل هذا الحديث هنا فاستثنى القليل من الكثير.
واحتج ابن قتيبة بأن تأسيس الاستثناء على تدارك قليل من كثير أغفله لقلته ثم تداركه بالاستثناء، فلأن الشيء قد ينقص نقصانًا يسيرًا، فلا يزول
عنه اسم الشيء بنقصان القليل؛ فإذا نقص أكثره زال عنه الاسم، ألا ترى أنك لو قلت: صمت هذا الشهر إلا تسعة وعشرين يومًا أحال؛ لأنه صام يومًا واليوم لا يسمى شهرًا.
ومما يزيد في وضوح هذا، أنه يجوز لك أن تقول: صمت الشهر كله إلا يومًا واحدًا فيؤكد الشهر وتستقصي عده بكل، ولا يجوز: صمت الشهر كله إلا تسعة وعشرين يومًا، وتقول: لقيت القوم جميعًا إلا واحدًا أو اثنين، ولا يجوز أن تقول: القوم جميعًا إلا أكثرهم.
19 - باب الشُّرُوطِ فِي الوَقْفِ
2737 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنْبَأَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ:"إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَفِي القُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. [انظر: 2313 - مسلم: 1632 - فتح: 5/ 354]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ، عن عمر
(1)
في وقفه أرضه بخيبر، وقد سلف
(2)
.
وللواقف أن يشترط في وقفه ما شاء إذا أخرجه من يده إلى متولي النظر فيه، فيجعله في صنف واحد أو أصناف مختلفة، إن شاء في الأغنياء وإن شاء في الفقراء، أو الأقارب، أو الإناث فقط من بنيه، أو الذكور فقط، وإن كان يستحب له التسوية بين بنيه لقوله: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وسائر من ذكر، فدل أن ذلك إلى اختيار المحبس يضعه حيث يشترط، وإنما تصدق عمر بأنفس ماله؛ لقوله تعالى:{لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: من الآية 92] فشاور الشارع في ذلك فأشار عليه بتحبيس أصله والصدقة بثمره.
(1)
"المعونة"
(2)
في هامش الأصل: إنما الحديث هنا من مسند ابن عمر لا من مسند عمر، ولم يخرجه البخاري عن عمر، إنما أخرجه من مسند عمر مسلم والنسائي، فاعلمه. سلف برقم (2313) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف ونفقته.
55
كِتابُ الوَصَايَا
بسم الله الرحمن الرحيم
55 - كِتابُ الوَصَايَا
[1 - باب الوَصَايَا]
وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ". وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَي: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ} : إلي قوله {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 180 - 182].
{جَنَفًا} : مَيْلًا، {مُتَجَانِفٍ} مَائِلٌ.
2738 -
حَدَّثَنَا عبد اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا حَقُّ آمْرِئٍ مُسْلِمِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ". [مسلم: 1627 - فتح: 5/ 355]
تَابَعَهُ محَمَّدُ بْن مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم.
2739 -
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، خَتَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا
وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَة البَيْضَاءَ وَسِلَاحَة وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. [2873، 2912، 3098، 4461 - فتح: 5/ 356]
2740 -
حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. [4460، 5022 - مسلم: 1634 - فتح: 5/ 356]
2741 -
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنهما كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي- فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ [4459 - مسلم: 1636 - فتح: 5/ 356]
ثم ساق أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عُمَرَ -تابعه محمد بن مسلم عن عمرو، عن ابن عمر- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ". من طريق مَالك عن نافع، عنه.
ثانيها: حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، خَتَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً.
ثالثها: حديث طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ.
رابعها: حديث عَائِشَةَ ذكر عندها أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى
َأَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إلى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حجْرِي- فَدَعَا بالطَّسْتِ، فَلَقَدِ أنْخَنَثَ فِي حجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أوْصَى إِلَيْهِ؟
الشرح:
(الوَصَايَا): جمع وصية، أصلها من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، فكأنه وصل ما بعد مماته بحياته. وفي "الباهر" لابن عديس: الوصية و (الوصاية)
(1)
.
والوصاية -بفتح الواو وكسرها: الاسم من أوصى الرجل ووصاه، وحكاهما الجوهري أيضًا
(2)
، أعني: الوصايا بفتح الواو وكسرها.
والحديث المعلق أسنده بعد.
ومعنى ({كُتِبَ}): فرض أو ندب، المعنى: إذا كنتم في حال تخافون منها الموت فأوصوا.
و (الخَيْر): المال الكثير، قالته عائشة وجماعة
(3)
.
وعن علي أنه أربعة آلاف فما دونها نفقة
(4)
، وتُوقِّف في صحته عنه.
(1)
في (ص): الوصاة.
(2)
"الصحاح" 6/ 2525، مادة:(وصى).
(3)
قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والربيع والضحاك وعطاء.
رواه عنهم الطبري في "تفسيره" 2/ 125 - 126 (2672 - 2680).
ورواه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" 1/ 299 (1600، 1603) عن ابن عباس وقتادة.
ورواه ابن أبي شيبة 6/ 230 (309435) عن قتادة.
(4)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 109 (7150) والطبري 6/ 358 (16672 - 16674)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1788 (10082)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 419 لابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
وعن عائشة: من له أربعمائة دينار وله عدة من الولد، قالت: باقي هذا فضل عن ولده
(1)
.
({حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ}): قَالَ: كانت الوصية للولد والوالدين والأقربين فنسخ الله من ذَلِكَ ما أحب إلى من يرث، وقال الحسن وجماعة: هي واجبة للقرابة (غير)
(2)
الوارثين
(3)
، وقيل: المراد بها من لا يرث من الأبوين كالكافر والعبد. وقال الشعبي والنخعى: إنما كانت للندب
(4)
. قَالَ طاوس: إن أوصى لأجنبي وترك قريبه محتاجًا نزعت منه ورُدَّت على القريب
(5)
. وقال الحسن وإسحاق: إذا أوصى لغير وارثه بالثلث جاز له ثلث المال، وأخذ أقاربه الثلثين
(6)
.
(والجَنَف): الميل، كما ذكره البخاري، وهو ما ذكره أكثرهم كما قاله ابن التين، وقال الضحاك: الخطأ والإثم العمد
(7)
، وقال طاوس: هو الرجل يوصي لولد ابنته
(8)
. يريد ابنته.
(1)
رواه عبد الرزاق 9/ 63 (16354).
(2)
في (ص): عند.
(3)
"تفسير الطبري" 2/ 122.
(4)
رواه عن الشعبي: عبد الرزاق 9/ 57 (16329). ورواه عن النخعي: عبد الرزاق 9/ 57 (16332)، والطبري 2/ 125 (2670 - 2671).
(5)
رواه عبد الرزاق 9/ 81، 82 (16426 - 16427)، وابن أبي شيبة 6/ 215 (30774) والطبري 2/ 122 (2646)، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 319 لعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(6)
رواه عبد الرزاق 9/ 83 (16433)، وابن أبي شيبة 6/ 215 (30773)، والطبري 2/ 122 (2644 - 2645) عن الحسن، وعزاه في "الدر" 1/ 319 لعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(7)
رواه الطبري 2/ 133 (2715، 2726).
(8)
الطبري 2/ 130 (2708) وابن أبي حاتم 1/ 301 (1613).
قال ابن بطال: وذلك مردود بإجماع. فإن لم يرد فوصيته من الثلث، ذكره في باب: الصدقة عند الموت
(1)
.
ومعنى {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} : أي غير مائل إلى حرام، كما ذكره البخاري حيث قَالَ:({مُتَجَانِفٍ}): مائل. وهو ما ذكره الطبري عن عطاء
(2)
، وقال أبو عبيدة: جورًا عن الحق وعدولًا
(3)
.
إذا تقرر ذَلِكَ:
فحديث ابن عمر أخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع عنه كما سلف به، ورواه عبد الله بن نمير وعبدة بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع
(4)
، كما رواه مالك، أفاده ابن حزم قَالَ: ورواه (يونس)
(5)
بن يزيد عن نافع أيضًا كذلك
(6)
، وكذا رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، [عن ابن شهاب]
(7)
عن سالم بن عبد الله، عن أبيه
(8)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 155.
(2)
الطبري 2/ 132 (2712 - 2714).
(3)
"مجاز القرآن" 1/ 66.
(4)
رواه من هذا الطريق: مسلم (1627/ 2) كتاب: الوصية.
(5)
في الأصل: (يوسف)، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه؛ اعتمادًا على ترجمته كما في "تهذيب الكمال" 32/ 551 (7188)، وغيره؛ فضلًا عن أنه عند ابن حزم -الذي ينقل عنه هنا-:(يونس) كما أثبتناه!:
(6)
رواه مسلم (1627/ 3).
(7)
ما بين المعقوفين سقط من الأصل، ولعله تبع في ذلك ما عند ابن حزم؛ فقد سقط من عنده أيضًا، والمثبت هو الصواب، وبإثباته رواه مسلم (1627/ 4).
وانظر ترجمة عمرو في "تهذيب الكمال" 21/ 570 (4341).
(8)
"المحلى" 9/ 312.
وأخرجه مسلم من حديث أيوب عن نافع: "ما حق امرئ يوصي بالوصية وله مال يوصي فيه؛ تأتي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده" ومن حديث يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع أيضًا، وفي لفظ:"يبيت ثلاث ليالٍ"
(1)
وروى ابن عون عن نافع: "لا يحل لامرئ مسلم له مال"
(2)
قَالَ أبو عمر: لم يتابع ابن عون على هذِه اللفظة. ورواه سليمان بن موسى عن نافع، وعبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع:"وعنده مال" قَالَ أبو عمر: وهذا أولى عندي من قول من قَالَ: شيء؛ لأن الشيء قليل المال وكثيره، وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا الشيء اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية
(3)
.
قلتُ: في هذا شيء ستعرفه قريبًا عن الزهري، وذكر أبو مسعود في "تعليقه" أن مسلمًا عنده:"يبيت ليلة" ولم (يؤخذ)
(4)
فيه كما نبه عليه ابن الجوزي وغيره، قَالَ ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَلِكَ إلا وعندي وصيتي
(5)
.
وقد اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالًا بعد أن تعلم أن حديث ابن عمر، فيه الحض على الوصية؛ خشية فجأة الموت، والإنسان على غير عدة ونسيان- فقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر الآية.
(1)
مسلم (1627) ورواياته.
(2)
رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 9/ 261 (3627).
(3)
"التمهيد" 14/ 291.
(4)
كذا بالأصل، ولعلها يؤاخذ.
(5)
مسلم (1627/ 4).
قَالَ الزهري: جعل الله الوصية حقًا مما قل أو كثر
(1)
.
قيل لأبي مجلز: على كل عشر وصية؟ قَالَ: كل من ترك خيرًا
(2)
.
وبهذا قَالَ ابن حزم
(3)
؛ تمسكًا بحديث مالك. قَالَ: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن الحسن بن عبيد الله. قَالَ: كان طلحة بن عبيد الله والزبير يشددان في الوصية
(4)
، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى، وطلحة بن مصرف، والشعبي، وطاوس
(5)
، وغيرهم. قَالَ: وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا. وقالت طائفة: ليست واجبة، كان الموصي موسرًا أو فقيرًا، هو قول النخعي
(6)
والشعبي
(7)
، وهو قول مالك والثوري والشافعي.
قالَ: -أعني الشافعي- قوله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ" يحتمل ما الحزم، ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا من جهةَ الفرض. واحتجوا برواية يحيى بن سعيد التي فيها: يريد أن يوصي فيه
(8)
. فرد الأمر إلى إرادته، والشارع لم يوص، ورووا أن ابن عمر لم يوص
(9)
، وهو
(1)
رواه الطبري 2/ 127 (2687)، وقال الحافظ في "الفتح" 5/ 356: ثابت عن الزهري.
(2)
رواه الطبري 2/ 122 (2641).
(3)
"المحلى" 9/ 312.
(4)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 58057 (16332)، والطبري 2/ 125 (2670)، (2671).
(5)
رواه عنهم ابن أبي شيبة 6/ 229 - 230 (30923، 30928، 30930).
(6)
رواه عبد الرزاق "المصنف" 9/ 57 - 58 (16332)، وابن أبي شيبة 60/ 230 (3929).
(7)
رواه عبد الرزاق 9/ 57 (16329).
(8)
مسلم (1627).
(9)
رواه الطبري 2/ 125 (2668).
الراوي، وأن حاطب بن أبي بلتعة بحضرة عمر لم يوص، وأن ابن عباس قَالَ فيمن ترك ثمانمائة درهم: ليس فيها وصية. وأن عليًا نهى من لم يترك إلا من السبعمائة إلى التسعمائة عن الوصية
(1)
، وأن عائشة قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده
(2)
. وعن النخعي: ليست الوصية فرضًا
(3)
، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك.
قَالَ ابن حزم: وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه، أما من زاد -يريد: مالكًا ومن أسلفناه- رووه بغير هذا اللفظ، لكن بلفظ الإيجاب فقط. وأما قولهم: إنه صلى الله عليه وسلم لم يوص. فقد كانت تقدمت وصيته بقوله الثابت يقينًا: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"
(4)
وهذِه وصية صحيحة بلا شك؛ لأنه أوصى بصدقة كل ما يترك إذا مات، وإنما صح الأثر بنفي الوصية التي تدعيها الرافضة إلى علي فقط.
وأما ما رووا أن ابن عمر لم يوص فباطل؛ لأن هذا إنما روي من طريق أشهل بن حاتم، وهو ضعيف، ومن طريق ابن لهيعة، وهو لا شيء، والثابت عنه ما أسلفناه.
وأما خبر حاطب وعمر فمن رواية ابن لهيعة، وأما خبر ابن عباس ففيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
وأما حديث علي فإنه حد القليل ما بين السبعمائة إلى التسعمائة، وهم لا يقولون بهذا، وليس في حديث أم المؤمنين بيان ما ادعوا، بل لو صح كل ذَلِكَ ما كانت فيه حجة؛ لأنهم قد عارضهم صحابة،
(1)
رواه عبد الرزاق 9/ 63 (16353).
(2)
رواه عبد الرزاق 9/ 63 (16354).
(3)
تقدم تخريجهما.
(4)
سيأتي برقم (4043).
كما أوردنا، وإذا وقع التنازع لم يكن قول طائفة أولى من قول أخرى، والفرض حينئذ هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، وكلاهما يوجب فرض الوصية
(1)
.
قلتُ: [و]
(2)
ذكر النخعي لما نقل أن طلحة والزبير كانا يشددان في الوصية، فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا، توفي رسول الله وما أوصى، وأوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا بأس
(3)
.
قَالَ ابن العربي
(4)
: السلف الأول لا نعلم أحدًا قَالَ بوجوبها، وأما الحسن بن عبيد الله فلم يسمع أحدًا من الصحابة
(5)
ولا سيما هذين القديمين الوفاة. وأظنه استنبط من حديث ابن أبي أوفى في الباب، وقول طلحة له: إن هذا مذهبهما والأمر فمحمول على الندب، وقد أوصى صلى الله عليه وسلم عدة وصايا منها ما سلف
(6)
.
(1)
هنا انتهى قول ابن حزم في "المحلى" 9/ 312 - 313.
(2)
من (ص).
(3)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 57 (16332) والطبري في "تفسيره" 2/ 125 (2670، 2671).
(4)
"عارضة الأحوذي" 8/ 274.
(5)
هو الحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي أبو عروة الكوفي.
روى عن: إبراهيم بن يزيد النخعي، وأبي بكر بن أبي موسى الأشعري، وروى عنه: أبو إسحاق الفزاري، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج.
وثقه العجلي، وأبو حاتم، والنسائي، وقال يحيى بن معين: ثقة صالح. مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" 6/ 99 - 201 ترجمة (1242)، "الجرح والتعديل" 3/ 23 ترجمة (96)، "الثقات" 6/ 160.
(6)
كما في حديث الباب.
ومنها: "لا يبقين دينان بجزيرة العرب"
(1)
، وإجازة الوفد
(2)
، و"الصلاة وما ملكت أيمانكم"
(3)
. وحديث عمرو بن الحارث السالف
(4)
، وعند ابن إسحاق: أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجداد أوساق من تمر سهمه بخيبر
(5)
، وأوصى بالأنصار خيرًا
(6)
، نعم مات ودرعه مرهونة ولم يوص بفكها
(7)
.
وأما ما ذكره ابن حزم عن طاوس، فذكر سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عيينة، عن ابن طاوس عنه أنه كان يقول: إن الوصية كانت قبل الميراث، فلما نزل الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة
(8)
لم تجز وصيته
(9)
.
قلتُ: فهذا كما ترى، قَالَ: ثابتة. ولم يقل: واجبة.
(1)
رواه مالك في "الموطأ" ص 556، والبيهقي في "السنن" 6/ 135 مرسلًا من حديث عمر بن عبد العزيز، ورواه مالك ص 556 والبيهقي 9/ 208 أيضًا مرسلًا من حديث ابن شهاب. وأخرجه البخاري (3168) بلفظ:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
(2)
سيأتي برقم (3168) كتاب الجزية والموادعة.
(3)
رواه ابن ماجه (2697)، أحمد 3/ 117 والنسائي في "الكبرى" 4/ 258، وأبو يعلى 5/ 309 - 310 والحاكم 3/ 57 من طرق عن أنس مرفوعًا وصححه الألباني في "الإرواء"(2178).
(4)
حديث الباب رقم (2739).
(5)
"سيرة النبي" لابن هشام 3/ 407 - 408.
(6)
سيأتي عند البخاري برقم (3799).
(7)
سيأتي عند البخاري برقم (4467).
(8)
أي ممن لا يرث من قرابته المحتاجين، فهم أحق بالوصية من غيرهم على هذا القول.
(9)
"سنن سعيد ابن منصور" 2/ 665 (253).
وقال الشافعي: لما احتملت الآية ما ذهب إليه طاوس، وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على خلاف قوله أو موافقته، فوجدنا الشارع حكم في ستة مملوكين، كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة
(1)
، فكانت دلالة السنة في هذا بينة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أنزل عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبين العجم، فأجاز صلى الله عليه وسلم الوصية، فدل ذَلِكَ على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين
(2)
.
قلتُ: وأسند أبو داود في "ناسخه ومنسوخه" عن ابن عباس: أنها منسوخة بآية الميراث
(3)
. قلتُ: وقاله ابن عمر أيضًا
(4)
، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. ونقل العدوي البصري في "ناسخه" عن بعض أهل العلم نسخ الوالدين وثبت الأقربون، وهو قول الحسن وطاوس وجماعة
(5)
، وليس العمل عليه، وقال بعضهم: والعمل به، نسخها:{يُوصِيكُمُ اللهُ} [النساء: 11]{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} [النساء: 7] وهو قول ابن عباس وجماعة
(6)
.
(1)
مسلم (1668) كتاب: الإيمان، باب: من أعتق شركًا له في عبد.
(2)
الرسالة ص 143: 145.
(3)
رواه أبو داود في "سننه"(2869) والطبري 2/ 124 (2660)، والبيهقي 6/ 265 وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 320 وعزاه إلى أبي داود في "سننه" و"ناسخه" والبيهقي.
(4)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 231 (30939)، والطبري 2/ 124 (2661)، والبيهقي في "سننه" 6/ 265.
(5)
رواه عنهما ابن جرير 2/ 123 (2650، 2651، 2652)، وبمعناه البيهقي في "سننه" 6/ 265.
(6)
سيأتي برقم (2747) باب: لا وصية لوارث.
وقال النحاس في "ناسخه": في هذِه الآية خمسة أقوال.
فمن قَالَ: القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة قال: نسخها: "لا وصية لوارث"
(1)
ومن منع قَالَ: نسخها الفرائض.
قَالَ ابن عباس: نسخها: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} [النساء: 7]
(2)
. وقال مجاهد: {يُوصِيكُمُ اللهُ}
(3)
.
وقال الحسن: نسخت للوالدين وثبتت للأقربين الذين لا يرثون
(4)
، وكذا روي عن ابن عباس
(5)
.
وقال النخعي والشعبي: الوصية للوالدين، والأقربين على الندب
(6)
.
وقال الضحاك وطاوس: الوصية للوالدين والأقربين واجبة بنص القرآن إذا كانوا لا يرثون. قَالَ طاوس: من أوصى لأجانب وله أقرباء فردت للأقرباء
(7)
.
(1)
سيأتي تخريج المصنف له عند شرح ترجمة الحديث (2747).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 299 (1604) والنحاس في "ناسخه" 1/ 482 (44) وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 319 وعزاه إلى أبي داود والنحاس معًا في "الناسخ" وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(3)
رواه الطبري 2/ 125 (2666).
(4)
رواه الطبري 2/ 123 (2651، 2652).
(5)
رواه الطبري 2/ 123 (2654).
(6)
رواه عن النخعي عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 57 - 58 (16332)، وفي "تفسيره" 1/ 89 (173)، والطبري 2/ 125 (2670، 2671) وعن الشعبى رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 57 (16329).
(7)
روى نحوه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 81 - 82 (16426، 16427)، وابن أبي شيبة 6/ 215 (30774)، والبيهقي 6/ 665.
وقال الضحاك: من مات وله شيء ولم يوص لأقربائه فقد مات عن معصية لله
(1)
. وقال الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى فيما ذكره الطبري: إذا أوصى رجل لقوم غرباء بثلثه وله أقرباء أعطى الغرباء ثلث المال، ورد الباقي على الأقرباء
(2)
.
قَال الطبري: وحكي عن طاوس أن جميع ذَلِكَ ينتزع من الموصى لهم ويدفع لقرابته؛ لأن آية البقرة عندهم محكمة
(3)
. قَال النحاس: فالواجب أن لا يقال: إنها منسوخة؛ لأن حكمها ليس بناف حكم
ما فرض الله من الفرائض، فوجب أن يكون {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} الآية. كقوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]
(4)
.
وقال أبو إسحاق في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ} [البقرة: 180] هذا الفرض بإجماع نسخته آيات المواريث التي في النساء، وهذا مجمع عليه. وقال قوم: إن المنسوخ من هذا ما نسخته المواريث، وأمر الوصية في الثلث باق. وهذا ليس بشيء؛ لأن الإجماع أن ثلث الرجل إن شاء أن يوصي فيه بشيء فله، وإن ترك ذَلِكَ فجائز، والآية في قوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 180] الوصية منسوخة بإجماع كما وصفنا. وقال الطبري بإسناده إلى جهضم، عن عبد الله بن بدر، عن
ابن عمر في قوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ} [البقرة: 180] نسختها آية المواريث. قَال ابن يسار: قَال ابن مهدي: فسألت جهضمًا عنه فلم يحفظه
(5)
.
(1)
رواه الطبري 2/ 121 (2635، 2637).
(2)
رواه الطبري 2/ 122 (2644).
(3)
رواه الطبري 2/ 122 (2646).
(4)
"الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس 1/ 480 - 486.
(5)
الطبري 2/ 124 (2661).
ولما ذكر ابن الحصار في "ناسخه" قول ابن عباس وابن عمر قَالَ: هذا إنما هو نقل وتصريح بالنسخ، وليس برأي ولا اجتهاد. وفي ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا:"من مات على وصية مات على سبيل وسنة وتقى وشهادة، ومات مغفورًا له"
(1)
ومن حديث أنس مرفوعًا: "المحروم من حرم وصيته"
(2)
.
وفي المسألة قول ثالث، قاله أبو ثور: إنها ليست واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم، فواجب أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه؛ لأن الله فرض أداء الأمانات، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس. بواجب عليه أن يوصي
(3)
، يقويه قوله:"مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ"
(4)
فأضاف الحق إليه؛ كقوله: هذا حق زيد فلا ينبغي أن يتركه، فإذا تركه لم يلزمه.
وقد سلف رواية: يريد الوصية، فعلق ذَلِكَ بإرادة الموصي، ولو كانت واجبة لم يعلقها بإرادته، وهو رأي الجماعة.
(1)
رواه ابن ماجه (2701).
وقال البوصيري في "زاوائد ابن ماجه" ص 365: فيه بقية بن الوليد وهو يدلس وشيخه يزيد بن عوف أبي النضير، وقيل: عمرو بن صبيح بن أبي الزبير ولم أر من تكلم فيه، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" برقم (5848).
(2)
رواه ابن ماجه (2700)، قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" ص 365: قلت: له شاهد في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن عمر، إسناد حديث أنس بن مالك، فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع"(5916).
(3)
وهو قول الجمهور والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي كما بينه ابن قدامة في "المغني" 8/ 390.
(4)
مسلم (1627).
قَالَ ابن بطال: ومما يدل على ذَلِكَ أيضًا أن ابن عمر راوي الحديث لم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبًا، ولكنه عقل منه للاستحباب
(1)
. وقد أسلفنا رد هذا.
ثم اعلم أن الحق في اللغة هو الثابت مطلقًا، فإذا أطلق في الشرع فالمراد به ثبوت الحق فيه، ثم الحكم الثابت في الشرع أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيه، لكن إطلاق الحق على المباح قلما يقع في الشريعة، وإنما يؤخذ فيه بمعنى الواجب والندب، فإن اقترن به على ما في معناها ظهر فيه قصد الوجوب وإلا فهو محتمل كما جاء في هذا الحديث.
وعلى هذا فلا حجة لداود وأتباعه في التمسك به على الوجوب
(2)
؛ لأنه لم تقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبي إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق، أنه قد اقترن به ما يدل على الندب، وهو تعلقها على الإرادة، فإقرار مثل هذا يقوي إرادة الندب، ولو أنَّا سلمنا أن ظاهره الوجوب، نقول بموجبه فيمن كان عليه حقوق يخاف ضياعها، أو له حقوق كما قال أبو ثور.
والترخيص في الليلتين أو الثلاث رفع الحرج والعسر أو أراد الموصي يتأمل ويقدم في هذِه الليالي ما يريد الوصاة به.
وقوله: ("مَكْتُوبَة عِنْدَهُ") فيه: أن الوصية نافذة وإن كانت عند صاحبها، ولم يجعلها عند غيره، وكذلك إن جعلها عند غيره وارتجعها.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 142.
(2)
قال بالوجوب أيضًا ابن حزم في "المحلى" 9/ 312 فقال: الوصية فرض على كل من ترك مالًا.
وفيه: أن الكتاب يكفي من غير إشهاد، وبه قَالَ محمد بن نصر المروزي، وهو ظاهر الحديث، ولولا أنه كاف لما كان لذكره فائدة. وحمله المتأخرون، منهم النووي على أن المراد: إذا أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على مجرد الكتابة، بل لايعمل بها ولا ينتفع إلا إذا كانت بإشهاد، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور
(1)
، وكذا قَالَ القرطبي: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق، فلو كتبها ولم يشهد بها فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه، يلزمه تنفيذه
(2)
.
وأما حديث عمرو بن الحارث: فقد أسلفته في الكلام على أم الولد وكونه ختنه؛ لأنه أخو جويرية أم المؤمنين، وهذا قول ابن الأعرابي وابن فارس والأصمعي أن الختن من قبل المرأة، والصهر من قبل الزوج. وقال محمد بن الحسن: الختن: الزوج ومن كان من ذوي رحمه، والصهر من قبل المرأة
(3)
.
وقوله: (أَرْضًا جَعَلَهَا صدَقَة) إنما تصدق بها في صحته وأخبر بالحكم بعد وفاته، وهي: فدك والتي بخيبر، قاله ابن التين وقد أسلفنا هناك أن فيه دلالة على أن أم الولد تعتق بموت السيد، وقال ابن المنير: ووجه دخوله هنا احتمال كون الصدقة هنا موسى بها
(4)
، وهو مخالف لما ذكره ابن التين.
(1)
"مسلم بشرح النووي" 11/ 75 - 76.
(2)
"المفهم" 4/ 542.
(3)
"لسان العرب" 2/ 1102، مادة (ختن)، و"مجمل اللغة" 1/ 313 مادة (ختن)، 1/ 543 مادة (صهر).
(4)
"المتواري" ص 315.
وأما حديث ابن أبي أوفى: فقد سلف الجواب عنه، والمراد فيه أنه لم يوص، إنما أراد الوصية التي زعم بعض الشيعة أنه أوصى بالأمر إلى علي، وقد تبرأ علي من ذَلِكَ حين قَالَ له: أعهد إليك رسول الله بشيء لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذِه الصحيفة
(1)
. وهو راد لما أكثره الشيعة من الكذب على أنه أوصى له بالخلافة
(2)
. وأما أرضه وسلاحه وبغلته، فلم يوص فيها على جهة ما يوصي الناس في أموالهم؛ لأنه قَالَ:"لا نورث، ما تركناه صدقة"
(3)
ورفع الميراث عن أزواجه وأقاربه، وإنما تجوز الوصية لمن لا يجوز لأهله وراثته.
وأما حديث عائشة: فيه: أنه انخنث. أي: انثنى. ومنه سمي: المخنث؛ لتثنيه وتكسره. قَالَ صاحب "العين": الخنث: السقاء
(4)
. وخنث: إذا سأل. وخنثته أنا.
ووصيته بكتاب الله في الحديث الذي قبله غير معنى قول عائشة: بما أوصى؟
وقوله فيه: (أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ). قد فسره علي بقوله: ما عندنا إلا كتاب الله. وكذلك قَالَ عمر: حسبنا كتاب الله حين أراد أن يعهد عند موته
(5)
.
(1)
سيأتي برقم (6903).
(2)
قلت: وقد تعلق الشيعة أيضًا بحديث يأتي في "الصحيح" برقم (3706) وفيه: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ورد القاضي عياض هذِه الحجة، وفصَّل الكلام في ذلك. انظر "إكمال المعلم" 7/ 411 - 412.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
"العين" 4/ 248.
(5)
سيأتي برقم (5669).
2 - باب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ
(1)
2742 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ التِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ:"يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ:"لَا". قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: "لَا". قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: "فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ التِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ". وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ. [انظر: 56 - مسلم: 1628 - فتح: 5/ 363]
ذكر فيه حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وفيه: "فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". بطوله، وقد سلف في الجنائز
(2)
.
وقوله: ("يَرْحَمُ اللهُ ابن عَفْرَاءَ") قَالَ الداودي: أراه غير محفوظ، والصواب: ابن خوْلة
(3)
. كما ذكره البخاري في: الفرائض من حديث الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه
(4)
، ولعل الوهم أتى من سعد بن إبراهيم راويه عن عامر، والزهري أحفظ من سعد.
(1)
في (ص): باب الوصية بالثلث، وأن يترك ورثته أغنياء .. [إلى آخره، فزاد فيها: الوصية بالثلث].
(2)
سلف برقم (1295) باب: رثى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة.
(3)
نقل الكرماني في "شرحه" 12/ 61 عن التيمي أنه قال: يحتمل أن يكون لأم سعد اسمان خولة وعفراء، وقال الكرماني: ويحتمل أن تكون خولة اسمها، وعفراء صفته أو خولة اسم أبيه وعفراء اسم امه.
(4)
سيأتي برقم (6733)، باب: ميراث البنات.
واعلم أن الله تعالى ذكر الوصية في كتابه ذكرًا مجملًا، ثم بين رسوله صلى الله عليه وسلم أن الوصايا مقصورة على الثلث؛ لإطلاقه لسعد الوصية بالثلث في هذا الحديث، وليس بجور إذ لو كان جورًا لبيّنه، وأجمع العلماء على القول به، واختلفوا في القدر الذي يستحب أن يوصي به الميت، وسيأتي بعد هذا، إلا أن الأفضل لمن له ورثة أن يقصر في وصيته عن الثلث، غنيًا كان أو فقيرًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما قَالَ لسعد:"الثُّلُثُ كثِيرٌ" أتبعه بقوله: "إنك إن تذر" إلى آخره، ولم يكن لسعد يومئذ إلا ابنة واحدة كما ذكر هنا وفيما بعد، فدل أن ترك المال للورثة خير من الصدقة به، وأن النفقة على الأهل من الأعمال الصالحة.
وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة قَالَ لها رجل: إني أريد أن أوصي. قالت: كم مالك؟ قَالَ: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عيالك؟ قَالَ: أربعة. قالت: إن الله يقول: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180] وإن هذا شيء يسير، فدعه لعيالك، فإنه أفضل
(1)
.
وروى حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه ذكر له الوصية في مرضه فقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أفعل فيه، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك فيها أحد ولدي
(2)
، وعن علي أنه دخل على رجل من بني هاشم يعوده وله ثمانمائة درهم وهو يريد أو يوصي، فقال له: يقول الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} ولم تدع خيرًا توصي به
(3)
.
(1)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 230 (30937).
(2)
رواه الطبري 2/ 125 (2668)، وعزاه في "الفتح" 2/ 359 إلى ابن المنذر وصحح إسناده.
(3)
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 62 (16351، 16352)، وابن أبي شيبة 6/ 230 (30936)، والطبري 2/ 126 (2682).
وعن ابن عباس: من ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإنه لم يترك خيرًا
(1)
. وقال قتادة في الآية: ألف درهم فما فوقها
(2)
. قَالَ ابن المنذر: وقد (دلت)
(3)
هذِه الآثار على أن من ترك مالًا قليلًا، فالاختيار له ترك الوصية، وإبقاؤه للورثة
(4)
.
وقوله: ("عَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ") انتفع به من أدخله الإسلام، وضر به من هو كافر. أو أن ابنه عمر ولاه عبيد الله بن زياد على الجيش الذين لقوا الحسين فقتلوه. وهذا من أعلام نبوته. ووقع كما أخبر. وكيف لا ولا ينطق عن الهوى.
وقال ابن بطال: ثبت أن سعدًا أُمِّر على العراق، فأتي بقوم ارتدوا عن الإسلام، فاستتابهم، فأبى بعضهم فقتلهم. ففر أولئك، وتاب بعضهم، فانتفعوا
(5)
. وعاش سعد بعد حجة الوداع خمسًا وأربعين سنة
(6)
.
وقوله: ("خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ") العالة: جمع عائل، وهو الفقير الذي لا شيء له، ومنه:{وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} [الضحى: 8].
(1)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 230 (30934).
(2)
رواه الطبري 2/ 126 (2681).
(3)
في (ص): ذكر.
(4)
"الإقناع" لابن المنذر 2/ 415.
(5)
رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 13/ 222 (5223).
(6)
"شرح ابن بطال" 8/ 144 - 145.
وانظر ترجمة سعد بن أبي وقاص في "الطبقات" لابن سعد 3/ 137، و"تهذيب الكمال" 10/ 309. و"سير الأعلام" 1/ 92.
و"يَتَكَفَّفُونَ": يبسطون أكفهم لمسألتهم. قَالَ صاحب "العين": استكف: بسط كفه
(1)
.
فرع:
أكثر أهل العلم على أن هبة المريض وصدقاته من ثلثه إذا مات منه كسائر الوصايا. واتفق على ذَلِكَ فقهاء الحجاز والعراق. وقالت فرقة: هي من جميع المال كأفعاله، وهو صحيح. حكاه الطحاوي وقال: هذا قول لم نعلم أحدًا من المتقدمين قاله
(2)
. وأظنه قول أهل الظاهر: إذا قبضت وصية المريض وعطاياه فهي من رأس ماله، لأن ما قبض قبل الموت ليس وصية، وإنما الوصية ما يستحق بموت الموصي. وسواءً قُبضت عند جماعة الفقهاء أو لم تُقبض هي من الثلث.
وحديث عائشة في "الموطأ" أن أباها نحلها جادَّ عشرين وَسْقًا بالغابة، فلما مرض قَالَ: لو كنت حزتيه كان لك
(3)
، وإنما هو اليوم مال الوارث. فأخبر الصديق أنها لو كانت قبضته في الصحة تم لها ملكه، وأنها لا تستطيع قبضه في المرض قبضًا يتم لها به ملكه، وجعل ذَلِكَ غير جائز كما لا تجوز الوصية لها به، ولم تنكر ذَلِكَ عائشة على والدها، ولا سائر الصحابة، فدل أن مذهبهم جميعًا كان فيه مثل مذهبه. وفي هذا أعظم حجة على من خالف قول جماعة العلماء. وكذلك فعل الشارع في الذي أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له غيرهم. فأقرع بينهم، وأعتق اثنين، وأرق أربعة، فجعل
(1)
"العين" 5/ 283.
(2)
"شرح معاني الآثار" 4/ 380.
(3)
"الموطأ" ص 468.
العتق في المرض من الثلث. فكذا الهبة والصدقة لاشتراكها في تفويت المال.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابنةٌ). حدث له بعد ذَلِكَ خمسة من الولد. واختلف متى عاده صلى الله عليه وسلم. والصواب: في حجة الوداع، وبه قَالَ الزهري
(1)
.
وقال ابن عيينة: في يوم الفتح
(2)
، وغلطوه
(3)
.
(1)
سلف برقم (1295).
(2)
رواه الترمذي في "سننه"(2116) من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سعد به.
(3)
ذكر ذلك البيهقي في "السنن" 6/ 269 وقال: "خالف سفيان الجماعة في قوله "عام الفتح" والمحفوظ عام حجة الوداع. وبين ذلك المصنف في "شرح العمدة" 8/ 22، "البدر المنير" 7/ 253.
وقال الحافظ في "الفتح" 5/ 363: اتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع إلا ابن عيينة، واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه .. فلعل ابن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع مرتين مرة عام الفتح ولم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، ومرة في حجة الوداع كانت له ابنة فقط.
3 - باب الوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ
وَقَالَ الحَسَنُ: لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ وَصِيَّةٌ إِلَّا الثُّلُثُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} . [المائدة: 49].
2743 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" أَوْ "كَبِيرٌ". [مسلم: 1629 - فتح: 5/ 369]
2744 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي. قَالَ:"لَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا". قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ. قُلْتُ: أُوصِي بِالنِّصْفِ قَالَ: "النِّصْفُ كَثِيرٌ". قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟. قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" أَوْ "كَبِيرٌ". قَالَ: فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ. [انظر: 56 - مسلم: 1628 - فتح: 5/ 369]
ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". وحديث سعد المذكور قبله.
ومعنى (غَضَّ): نقص. يقال: غضضت السقاء إذا (نقصته)
(1)
. وقول سعد: ادعُ الله ألا يردني على عقبي. وفي رواية مالك: أخلف بعد أصحابي
(2)
. قيل: معناه بمكة، فتخلف لمرضه. وقيل: يعيش بعدهم.
وقوله في الحديث السالف: أوصي بمالي؟ قَالَ: "لَا" قلتُ: فالشطر؛ قَالَ: "لَا". احتج به أهل الظاهر في أن من أوصى بأكثر من
(1)
في الأصل: عنصه، والمثبت من "المصباح" 2/ 449 مادة (غض).
(2)
سلف برقم (1295) كتاب: الجنائز، باب: رثى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة.
ثلث ماله أنه لا يجوز، وإن أجازته الورثة؛ لأنه لم يقل: إن أجازه ورثتك جاز. وقام الإجماع على أن الوصية بالثلث جائزة. وأوصى الزبير بالثلث
(1)
. واختلف العلماء في القدر الذي يستحب الوصية به، هل هو الخمس؟ أو السدس؟ أو بالربع؟ فعن أبي بكر أنه أوصى بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس
(2)
. وقال معمر عن قتادة: أوصي بالربع
(3)
. وذكره البخاري عن ابن عباس، حكاه ابن بطال
(4)
. وقال إسحاق: السنة الربع
(5)
، مثل ابن عباس
(6)
. وروي عن علي: لأن أوصي بالخمس أحب إليَّ من الربع، ولأن أوصي بالربع أحب إليَّ من الثلث
(7)
. واختار آخرون السدس. قَالَ إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة، حَتَّى يكون أقل. وكان السدس أحب إليهم من الثلث
(8)
. واختار آخرون العشر. روي في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قَالَ: بعشر مالك.
فلم يزل يناقصني وأناقصه حَتَّى قَالَ: "أوص بالثُّلُث، وَالثُلُثُ كثِيرٌ"
(9)
. فجرت سنة يأخذ بها الناس إلى اليوم.
(1)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 228 (30906).
(2)
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 66 (16363)، وابن أبي شيبة 6/ 228 (30909، 30910)، والبيهقي 6/ 270.
(3)
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن عمر 9/ 66 - 67 (16363).
(4)
ابن بطال 8/ 147.
(5)
انظر "المغني" 8/ 394، و"التمهيد" 8/ 382.
(6)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 228 (30905).
(7)
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 66 (16361)، والبيهقي 6/ 270.
(8)
رواه عبد الرزاق 9/ 66 (16362)، وابن أبي شيبة 6/ 216 (30786).
(9)
رواه الطيالسي في "مسنده" 1/ 160 (191).
قَالَ أبو عبد الرحمن السلمي -الراوي عن سعد-: فمن ينتقص من الثلث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". واختار آخرون لمن كان ماله قليلًا وله وارث ترك الوصية. روي ذَلِكَ عن علي، وابن عباس، وعائشة على ما سلف. وقال رجل للربيع بن خثيم: أوصِ لي بمصحفك.
فنظر إليه ابنه، وقرأ:{وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} [الأنفال: 75]
(1)
.
وقام الإجماع من الفقهاء: أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، إلا أبا حنيفة وأصحابه، وشريك بن عبد الله فقالوا: إن لم يترك الموصي ورثة فجائز له أن يوصي بماله كله. وقالوا: إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان لأجل أن يدع ورثته أغنياء، ومن لا وارث له فليس ممن عُني بالحديث، وروي هذا القول عن ابن مسعود
(2)
، وبه قَالَ عبيدة ومسروق
(3)
، وإليه ذهب إسحاق.
وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه، وإن لم يكن له وارث، وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي
(4)
.
قَالَ بعض المالكية فيما حكاه ابن التين: إذا كان بيت المال في يد من يصرفه في وجوهه، واحتجوا بقوله:"الثُّلُثُ كَثِيرٌ" وبما رواه آدم بن أبي إياس، ثنا عقبة بن الأصم، نا عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند الموت زيادة في
(1)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 238 (31011)، والطبري 2/ 125 (2669).
(2)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 227 (30894).
(3)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 227 (30895، 30896).
(4)
انظر: "المنتقى" 6/ 156، "بدائع الصنائع" 7/ 332.
أعمالكم"
(1)
وروى أبو اليمان، نا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء مرفوعًا:"إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم"
(2)
ولم يخص من كان له وارث من غيره.
وفي المسألة قول شاذ آخر، وهو جوازها بالمال كله وإن كان له وارث. روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قَالَ: أخبرني هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قَالَ: قَالَ عمرو بن العاصي حين حضرته الوفاة: إني قد أردت الوصية. فقلت له: أوص في مالك ومالي. فدعا كاتبًا وأملى عليه. قال عبد الله: حَتَّى قلتُ: ما أراك إلا قد أتيت على مالك ومالي، فلو دعوت إخوتي فاستحللتهم
(3)
. وعلى هذا القول وقول أبي حنيفة رد البخاري في هذا الباب وكذلك صدر بقول الحسن، ثم حكم الشارع أن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله، فمن تجاوز ما حده وزاد عليه فقد وقع في النهي، وعصى إذا كان بالنهي عالمًا. قَالَ الشافعي: وقوله: "الثُّلُثُ كَثِيرٌ" يريد أنه غير قليل، وهذا أولى معانيه، ولو كرهه لقال: غض منه
(4)
.
(1)
رواه أبو نعيم في "الحلية" 3/ 322 وقال: غريب من حديث عطاء لا أعلم له راويًا غير عقبة. والحديث وضعفه الألباني في "الإرواء"(1641).
(2)
رواه أحمد في "مسنده" 6/ 441، والبزار في "مسنده" 10/ 69 وقال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه، ولا نعلم له طريقًا عن أبي الدرداء غير هذا الطريق وأبو بكر بن أبي مريم وضمرة معروفان بنقل العلم. اهـ.
قلت: وله شواهد من حديث معاذ، وأبي هريرة.
وقال الحافظ في "بلوغ المرام" ص 202: 203 بعد أن ذكر شواهده: كلها ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضًا.
(3)
لم أفف عليه مسندًا وذكره القرطبي في "تفسيره" 2/ 242.
(4)
انظر: "الأم" 4/ 30، وذكره أيضًا الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 4/ 380.
وفي قول سعد: لا يرثني إلا ابنة. إبطال قول من يقول بالرد على الابنة؛ لأنها لا تحيط بالميراث، وقد كان لسعد عَصَبَةٌ يرثونه إذ ذاك، ثم حدث له أولاد كما أسلفنا
(1)
.
(1)
انظر: "شرح ابن بطال" 8/ 150.
4 - باب قَوْلِ المُوصِي لِوَصِيِّهِ: تَعَاهَدْ وَلَدِي. وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ مِنَ الدَّعْوَى
2745 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها -زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي، وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي، كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: "احْتَجِبِي مِنْهُ". لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ. [انظر: 2053 - مسلم: 1457 - فتح: 5/ 371]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في قصة ابن وليدة زمعة.
وقد سلف بفوائده في باب: أم الولد
(1)
، ولا يجوز عند أحد من أهل العلم دعوى أحد لغيره لحي أو ميت إلا بوصية تثبت أو وكالة، فإذا ثبت ذَلِكَ كلف حينئذ ما يكلف المدعي لنفسه إذا ادعى، ولا بينة عليه.
وفيه: ادعاء أخي الميت، وفي ذَلِكَ ثبوت حق على الأب، ولا يستلحق عند جمهور العلماء إلا الأب
(2)
.
(1)
سلف برقم (2533) كتاب: العتق.
(2)
انظر: "شرح ابن بطال" 8/ 150.
5 - باب إِذَا أَوْمَأَ المَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّنَةً جَازَتْ
2746 -
حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ؟ أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِئَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالحِجَارَةِ. [انظر: 2413 - مسلم: 1672 - فتح: 5/ 371]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ السالف في المرضوضة رأسها. وفيه: فأومأت برأسها.
وقد اختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارة المريض على ما يعرف من حضره جازت وصيته، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي أنه إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حَتَّى يتكلم
(1)
.
قَالَ أبو حنيفة: وإنما تجوز إشارة الأخرس ومن مرت عليه سنة لا يتكلم، وأما من اعتقل لسانه، ولم يدم به ذَلِكَ فلا تجوز إشارته. واحتج الطحاوي عليه بحديث الباب حيث أشارت المرضوضة فجعل إشارتها بمنزلة دعواها ذَلِكَ بلسانها من غير اعتبار دوام ذَلِكَ عليها مدة من الزمان، فدل على أن من اعتقل لسانه فهو بمنزلة الأخرس في جواز إقراره بالإيماء والإشارة
(2)
.
وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى وهو قاعد، فأشار إليهم أن اقعدوا
(3)
.
(1)
انظر: "المغني" لابن قدامة 14/ 271، و"الشرح الكبير" 17/ 202.
(2)
"شرح معاني الآثار" 3/ 179، "مختصر اختلاف العلماء" 5/ 65:67.
(3)
سلف برقم (688).
واحتج الشافعي بأنه قد أصمتت أمامة بنت أبي العاص، فقيل لها: لفلان كذا، ولفلان كذا؟ فأشارت أن نعم. فنفذت وصيتها
(1)
، وأصل الإشارة في كتاب الله في قصة مريم:{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم: 29] يعني: سلوه. {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] وقبله: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41].
(1)
ذكره المزني في "مختصر المزني بهامش الأم" 4/ 142 وقال المصنف في "البدر المنير" 7/ 291: غريب عنها.
6 - باب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
2747 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. [4578، 6739 - فتح: 5/ 372]
ذكر فيه عَنِ ابن عَبَّاسٍ
(1)
قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ
الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
الشرح:
لفظ الترجمة حديث مروي من طرق:
أحدها: من طريق أبي أمامة الباهلي قَالَ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" أخرجه الترمذي من حديث إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة به ثم قَالَ: حسن. وفي بعضها: صحيح
(2)
.
فإن صحت فكأنه صحح رواية إسماعيل عن الشاميين
(3)
.
(1)
ورد فوقها: مسندًا.
(2)
الترمذي (2120).
(3)
ورد بهامش الأصل: قال نعيم هو عامة في الشاميين، وقال البخاري: إذا أخذت عن أهل حمص فصحيح، وقال أبو حاتم: لين.
وهو رأي أحمد والبخاري وغيرهما
(1)
.
وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا
(2)
.
ثانيها: من طريق عمرو بن خارجة مرفوعًا مثله، أخرجه الترمذي أيضًا من حديث شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو به، ثم قَالَ: حسن صحيح
(3)
. وأخرجه النسائي وابن ماجه
(4)
.
ثالثها: من طريق أنس، أخرجه ابن ماجه من حديث سعيد بن أبي سعيد عنه به
(5)
.
رابعها: من طريق جابر، أخرجه الدارقطني وقال: الصواب إرساله
(6)
.
خامسها: من طريق ابن عباس مرفوعًا: "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" رواه الدارقطني من حديث حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء عنه به
(7)
. زاد ابن حزم من طريق مرسلة: "فإن أجازوا فليس لهم أن يرجعوا"
(8)
.
(1)
ذكره الترمذي عنهم بعد حديث (2120).
(2)
رواه أبو داود (2870)، وابن ماجه (2713).
(3)
رواه الترمذي (2121) وتعقب الألباني في "الإرواء"(1655) قول الترمذي حسن صحيح بقوله: لعل تصحيحه من أجل شواهده الكثيرة إلا فشهر بن حوشب ضعيف.
(4)
رواه النسائي 6/ 247، وابن ماجه (2712).
(5)
رواه ابن ماجه (2714).
(6)
رواه الدارقطني في "سننه" 4/ 97.
(7)
رواه الدارقطني في "سننه" 4/ 97 وانظر تعليق المصنف على الحديث في "البدر المنير" 7/ 263 - 269.
(8)
"المحلى" 9/ 316 - 317.
سادسها: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يرفعه:"إن الله قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث إلا من الثلث" وذلك بمنى
(1)
.
سابعها: عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلا وصية لوارث، ولا إقرار بدين" أخرجهما الدارقطني
(2)
، ولابن أبي شيبة من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: ليس لوارث وصية
(3)
.
وأما حديث ابن عباس فشيخ البخاري فيه: محمد بن يوسف، وهو الفريابي كما بينه أبو نعيم الحافظ.
إذا عرفت ذَلِكَ فقام الإجماع كما حكاه ابن بطال
(4)
: على أن الوصية للوارث لا تجوز. قَالَ ابن المنذر: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما اتفق عليه من ذَلِكَ، فساق حديث أبي أمامة من طريق سعيد بن منصور، عن إسماعيل، ثم ساقه من حديث قتادة عن شهر. وقال: عمرو بن جارية. وصوابه: خارجة كما أسلفناه.
واختلفوا إذا أوصى لبعض ورثته، فأجازه بعضهم في حياته ثم بدا لهم بعد وفاته، فقالت طائفة: ذَلِكَ جائز عليهم، وليس لهم الرجوع فيه،
(1)
لم أقف عليه من هذا الطريق ورواه الدارقطني في "سننه" 4/ 152، وابن عبد البر في "التمهيد" 14/ 299 من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة عن النبي صلى الله عليه وسلم به ولعل المصنف قد وهم في إسناد الحديث فذكر إسنادًا آخر لهذا الحديث ثم عزاه للدارقطني -كما في تخريجه الحديث التالي- وهو خطأ كما رأيت.
(2)
"سنن الدارقطني" 4/ 152.
(3)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 209 (30709).
(4)
"شرح ابن بطال" 8/ 152 - 153.
هذا قول عطاء والحسن وابن أبي ليلى والزهري وربيعة، والأوزاعي، وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذَلِكَ إن أحبوا. هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال مالك: إذا أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه وحين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم، وهو قول إسحاق. وعن مالك أيضًا: لا رجوع لهم إلا أن يكونوا في كفالته فرجعوا. وقال المنذري: إنما تبطل الوصية للوارث في قول أكثر أهل العلم من أجل حقوق سائر الورثة، فإذا أجازوها جازت كما إذا أجازوا الزيادة على الثلث، وذهب بعضهم إلى أنها لا تجوز وإن أجازوها؛ لأن المنع لحق الشرع، فلو جوَّزناها كنا قد استعملنا الحكم المنسوخ، وذلك غير جائز، وهذا قول أهل الظاهر. قَالَ أبو عمر: وهو قول عبد الرحمن بن كيسان والمزني
(1)
. قَالَ ابن حزم: إلا أن يبتدأ الورثة هبة لذلك من عند أنفسهم
(2)
.
حجة الأول أن المنع إنما وقع من أجل الورثة، فإذا أجازوه جاز
وصار بمنزلة أن يجب لهم على إنسان مال فيبرئوه منه، وقد اتفقوا على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لأجنبي جاز بإجازتهم، فكذلك هذا. وحجة من أجاز الرجوع أنهم أجازوا شيئًا لم يملكوه في ذَلِكَ الوقت، وإنما يملك المال بعد وفاته، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثًا، وقد يرثه غيره، وقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء.
(1)
"التمهيد" 8/ 381.
(2)
"المحلى" 9/ 316.
وحجة مالك أن الرجل إذا كان صحيحًا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئًا لم يجب لهم، وذلك بمنزلة الشفيع يترك شفعته قبل البيع، أو الولي إذا عما عمن يقتل وليه فتركه لما لم يجب له غير لازم، هاذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه؛ لأنه قد فات، فإن لم ينفذ المريض ذَلِكَ كان للوارث الرجوع فيه؛ لأنه لم يفت التنفيذ، ذكره الأبهري. وذكر ابن المنذر عن إسحاق أن قول مالك في هذِه المسألة أشبه بالسنن من غيره. قَالَ ابن المنذر: واتفق مالك والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور أنه إذا أجازوا ذَلِكَ بعد وفاته لزمهم، وهل هو ابتداء عطية منهم أو لا؟ فيه خلاف: الصحيح أنه ينفذ، وقد بسطته في كتب الفروع مع تحقيقات فيه
(1)
.
(1)
انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 5/ 5، و"التمهيد" 8/ 830 - 831 و"الاستذكار" 9/ 123 - 20 و"المنتقى" 6/ 179 و"المغني" 8/ 396.
7 - باب الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ
2748 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:"أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ". [انظر: 1419 - مسلم: 1032 - فتح: 5/ 373]
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ -وهو الثوري فيما قاله أبو نعيم- عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:"أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح".
الحديث سلف في الزكاة
(1)
، وهو دال على أن أفضل الصدقات ما جاهد الإنسان فيه نفسه، وغلَّب طاعة الله على شهواته، وجاهدها أيضًا على حب الغنى وجمع المال.
وقوله: "إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" فيه ذم من أذهب طيباته في حياته، ولم يقدم لنفسه من ماله في وقت شحه وحب غناه، حَتَّى إذا رأى المال لغيره جعل ينتزع بالوصية، لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا، ويتورع عن التبعات والمظالم.
وروي عن ابن مسعود في قوله: {وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177] قَالَ: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر
(2)
.
وقال قتادة: يا ابن آدم، اتق الله ولا تجمع إسائتين في مالك، إساءة في الحياة الدنيا، وإساءة عند الموت، انظر قرابتك الذين يحتاجون
(1)
سلف برقم (1419) باب: أي الصدقة أفضل، وصدقة الشحيح الصحيح.
(2)
رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 101 (2531).
ولا يرثونك، أوص لهم من مالك بالمعروف
(1)
. وقال ابن عباس: الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ:{تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] الآية
(2)
.
وقال عطاء دي قوله: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا} [البقرة: 182] قَالَ: ميلًا
(3)
. وقد أسلفنا ذَلِكَ عن البخاري أيضًا بزيادة ويستحب له أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة"
(4)
والذي يجب أن يرد من الوصية من باب الميل والجور الوصية بأكثر من الثلث، والوصية للوارث،
والوصية في أبواب المعاصي.
وقوله: ("قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كانَ لِفُلَانٍ") قَالَ الداودي: معناه أن يقر لفلاق ويوصي لفلان أن ما كان من الإقرار ما كان ينبغي له تأخيره، والوصية سبقت في علم الله أنه سينالها، فلو كان ذَلِكَ في الصحة كان أفضل.
وقال الخطابي: معنى: "وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ". أي: صار المال للوارث، فهو غير في إجازة ذلك
(5)
.
(1)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 67 - 68 (16368).
(2)
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 88.
(3)
رواه الطبري 2/ 132 (2712، 2713، 2714)، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" 5/ 357.
(4)
رواه الترمذي (658)، النسائي 5/ 92، وابن ماجه (1844)، وأحمد 4/ 17، 18، وابن خزيمة 4/ 77، والطبراني 6/ 276، والحاكم في "المستدرك" 1/ 407 كلهم من حديث سلمان بن عامر، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال المصنف في "البدر المنير" 7/ 411: هذا الحديث صحيح.
(5)
"معالم السنن" 4/ 79 بمعناه.
8 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11]
وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ. وَقَالَ الحَسَنُ: أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالحَكَمُ: إِذَا أَبْرَأَ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ. وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا. وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ. جَازَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ. جَازَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالوَدِيعَةِ وَالبِضَاعَةِ وَالمُضَارَبَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ". [5143] وَلَا يَحِلُّ مَالُ المُسْلِمِينَ بالظَّنَّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "آيَةُ المُنَافِقِ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ. فِيهِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [انظر: 34]
2749 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ". [انظر: 33 - مسلم: 59 - فتح: 5/ 375]
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ .. ".
الشرح:
هذِه القطعة اشتملت على عدة أحكام ونفائس، أما ما ذكر عن شريح وغيره في إقرار المريض بالدين.
أما إقراره لأجنبي فالإجماع قائم عليه. قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء أن إقرار المريض بالدين لغير الوارث جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة
(1)
. واختلفوا إذا أقر لأجنبي وعليه دين في الصحة ببينة، فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي والكوفيين، قالوا: فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون، وقالت طائفة: هما سواء، دين الصحة والدين الذي يقر به في المرض إذا كان لغير وارث، هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عُبيد، وقال: إنه قول أهل المدينة، ورواه عن الحسن.
وممن أجاز إقرار المريض بالدين للأجنبي الثوري وأحمد وإسحاق
(2)
. قَالَ: واختلفوا في إقرار المريض للوارث بالدين، فأجازه طائفة، هذا قول الحسن وعطاء
(3)
، وبه قَالَ إسحاق وأبو ثور. قَالَ: وروينا عن شريح والحسن أنهما أجازا إقرار المريض لزوجته بالصداق، وبه قَالَ الأوزاعي. وقال الحسن بن صالح: لا يجوز إقراره لوارث في مرضه إلا لامرأته بالصداق
(4)
.
(1)
"الإجماع" ص 101 (381، 382).
(2)
انظر "المغني" 7/ 332.
(3)
رواه ابن أبي شيبة 4/ 337 - 338 (20738) عن الحسن، (20742) عن عطاء.
(4)
رواه الدارمي في "سننه" 4/ 2062 (3300) من طريق قتادة عن ابن سيرين عن شريح به.
وقالت طائفة: يجوز
(1)
إقرار المريض في الصحة. والظاهر أنه لا يقر إلا عن حقيقة ولا يقصد حرمانًا؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر.
وفيها قول ثالث قاله مالك، قَالَ: إذا أقر المريض لوارثه بدين نظر فإن كان لا يتهم فيه قبل إقراره، مثل أن يكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه بدين فإنه يقبل إقراره، ولو كان إقراره لبنته لم يقبل؛ لأنه يتهم في أن يزيد ابنته على حقها من الميراث وينقص ابن عمه، ولا يتهم في أن يفضل ابن عمه على ابنته. قَالَ: ويجوز إقراره لزوجته في مرضه إذا كان له ولد منها أو من غيرها، فإن كان يعرف منه انقطاع إليها ومودة، وقد كان الذي بينه وبين ولده متفاقمًا، ولعل هذا الولد الصغير منه، فلا يجوز إقراره لها
(2)
.
واحتج من أبطل إقرار المريض للوارث بأن الوصية للوارث لما لم
تجز، فكذلك الإقرار في المرض، ويتهم المريض في إقراره بالدين للوارث أنه أراد بذلك الوصية. واحتج من أجاز ذَلِكَ بقول الحسن: إن أحق ما تصدف به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة؛ لأنه في حالة يرد فيها على الله، فهو في حالة يتجنب المعصية والظلم ما لا يتجنبه في حال الصحة، والتهمة منفية عنه.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظن وقال: "إِنَّه أَكْذَبُ الحَدِيثِ".
وقال: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
(1)
ورد بهامش الأصل: لعله سقط (لا) أو سقط منه شيء بعد ذلك، وانظر الكلام بعد ذلك تعرف ما ذكرته.
(2)
"المدونة" 4/ 110.
وقد قام الإجماع على أنه إذا وصى رجل لوارثه بوصية وأقر له بدين في صحته، ثم رجع عنه أن رجوعه عن الوصية جائز، ولا يقبل رجوعه عن الإقرار، ولا خلاف أن المريض لو أقر لوارث
(1)
نسخ إقراره، وذلك يتضمن الإقرار بالمال وشيئًا آخر، وهو النسب والولاية، فإذا أقر بمال فهو أولى أن يصح، وهذا معنى صحيح، وقد يناقض أبو حنيفة، وهو المراد بقوله: وقال بعض الناس في استحسانه جواز الإقرار بالوديعة والبضاعة والمضاربة، ولا فرق بين ذَلِكَ وبين الإقرار بالدين؛ لأن ذَلِكَ كله أمانة ولازم للذمة. قَالَ ابن التين: إن أراد الوارث فقد ناقض، وإن أراد غيره فلا يلزمه ما ذكره البخاري.
واحتج أصحاب مالك بأنه يجوز إقراره في الموضع الذي ينفي عنه التهمة، وذلك أن المريض يوجب حجرًا في حق الورثة، يدل على ذَلِكَ أن الثلث الذي يملك التصرف فيه من جميع الجهات، لا يملك وضعه في وارثه على وجه الهبة والمنحة، فلما لم يصح هبته في المرض لم يصح إقراره له، ويجوز أن يهب ماله كله في الصحة للوارث، وفي المرض لا يصح، فاختلف حكم الصحة والمرض.
تنبيهات:
أحدها: من الغريب ما حكاه إمام الحرمين في كتاب "الوصايا" قولًا أن إقرار المريض لأجنبي معتبر من الثلث، والمشهور خلافه، وأغرب منه ما حكاه العبدري عن أبي ثور أنه قدم الوصية.
ثانيها: اختار الروياني مذهب مالك: لا تقبل في المتهم وتقبل في غيره، ويجتهد الحاكم في ذَلِكَ لفساد الزمان.
(1)
ورد بهامش الأصل: صوابه بوارث، وإليه يرشد ما بعده.
ثالثها: إذا قلنا بالمنع فالاعتبار بكونه وارثًا بحالة الموت وقبل الإقرار، واختاره الروياني ولا نظر إلى الحالة المتخللة بينهما اتفاقًا.
ويتعلق بالمسألة فروع محلها كتب الفروع، وقد شرحناها فيها ولله الحمد.
وما ذكره البخاري في البراءة من الدين والإقرار عن إبراهيم والحكم قد خولفا فيه في الإبراء والإقرار، وقول مالك أنه إن اتهم بالميل إلى من أبرأه أو أقر له لم يجز ذلك. وقول الشعبي محمول على أنها لا تتهم بالميل إلى زوجها مثل أن يكون له منها الولد الصغير وشبه ذلك، وكذا قول رافع في القرابة، يحتمل أن يكون لا يتهم بميل إليها ولا ولد له منها.
وقد قَالَ ابن بطال: لا خلاف عن مالك أن كل زوجة فإن جميع ما في بيته لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوجها فقيرة وأن ما في بيتها من متاع الرجال، أو في أم الولد
(1)
.
وقول الحسن يخالف (قول)
(2)
مالك؛ لأنه يتهم أن يكون أراد عتقه من رأس ماله وهو ليس له من ماله إلا ثلث، فكأنه أراد الهروب بثلثي المملوك عن الورثة، ولو أعتقه عند موته كان من ثلثه. وقال غيره من أصحابه: يعتق من الثلث.
وحديث: "آيَةُ المُنَافِقِ" تقدم في الإيمان
(3)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 158.
(2)
في (ص): فيه.
(3)
سلف برقم (33) باب: علامة المنافق.
9 - باب تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]
وَيُذْكَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ. وَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُوصِى العَبْدُ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ". [انظر: 1426، 1427]
2750 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي:"يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى". قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ العَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الذِي قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تُوُفِّيَ رحمه الله. [انظر: 1742 - مسلم: 1035 - فتح: 5/ 377]
2751 -
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ
وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: "وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ". [انظر: 893 - مسلم: 1829 - فتح: 5/ 377]
ثم ذكر حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي .. إلى آخره.
وسلف في الزكاة
(1)
.
وحديث ابن عُمَرَ "كُلُّكُمْ رَاعٍ .. " بطوله.
الشرح:
ما احتج به البخاري فيما ترجم عليه في تقديم الدين على الوصية هو قول جميع العلماء إلا أبا ثور، وما ذكره معلقًا أخرجه الترمذي وابن ماجه
(2)
، وللحاكم من حديث عليٍّ كرم الله وجهه قَالَ: إنكم تقرءون هذِه الآية {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. وفيه: الحارث الأعور
(3)
، ويعضده الإجماع على مقتضاه. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق. وقد تكلم الناس في الحارث
(4)
، وقال ابن التين: إنه حديث لا يثبته العلماء بالنقل، والآية نزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذِه الآية فدفع إليه المفتاح، ذكره الواحدي في "أسبابه" عن مجاهد
(5)
.
(1)
سلف برقم (1471) باب: الاستعفاف عن المسألة.
(2)
رواه الترمذي (2122)، وابن ماجه (2715).
(3)
"المستدرك" 4/ 336.
(4)
الترمذي 4/ 416 عقب حديث (2095).
(5)
"أسباب النزول" ص 162 (324).
وحديث: "لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى" هذا قدمه مسندًا
(1)
، وما ذكره عن ابن عباس هو إجماع، كما قاله ابن التين، وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة عن جندب قَالَ: سأل طهمان ابن عباس: أيوصي العبد؟ قَالَ: لا إلا أن يأذن له أهله
(2)
.
وحديث: "العَبْدُ رَاعٍ" قدمه مسندًا في الصلاة من حديث ابن عمر
(3)
، وحديث ابن عمر أخرجه (
…
)
(4)
.
إذا لقرر ذَلِكَ، فوجه إدخال حديث حكيم هنا أنه جعله من باب الديون وإن لم يعرفوا بها؛ لأنه لما رآه قد سماه له، ورأى الاستحقاق من حكيم متوجهًا إلى المال إن رضيه وقبله أجراه مجرى مستحقات الديون. وقال ابن المنير: دخوله هنا من وجهين:
أحدهما: زهده في العطية وجعل يد آخذها السفلى تنفيرًا عن قبولها، ولم يرد مثل هذا في تقاضي الدين، فالحاصل أن قابض الوصية يده السفلى، وقابض الدين استيفاءً لحقه إما أن تكون يده العليا؛ لأنه المتفضل، وإما أن تكون يده السفلى، هذا أقل حالتيه، فتحقق تقديم الدين على الوصية بذلك.
ثانيهما: ذكره المهلب، وهو أن عمر: اجتهد أن يوفيه حقه في بيت المال، وبالغ في خلاصه من عهدته هذا وليس دينًا، ولكن فيه شبه الدين؛ لكونه حقًّا في الجملة -وهذا ما قدمته- قَالَ: والوجه الأول
(1)
سلف برقم (1426) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى.
(2)
رواه ابن أبي شيبة 6/ 224 (30863).
(3)
سلف برقم (843) باب: الجمعة في القرى والمدن.
(4)
بياض بالأصل.
أقوى (من)
(1)
مقصود البخاري
(2)
.
وأما حديث ابن عمر فوجهه هنا -والله أعلم- أنه لما كان العبد متبرعًا في مال سيده صح أن المال للسيد وأن العبد لا ملك له فيه، فلم تجز وصية العبد بغير إذن سيده كما قَالَ ابن عباس
(3)
، وأشبه في المعنى الموصي الذي عليه الدين فلم تنفذ وصيته إلا بعد قضاء دينه؛ لأن المال الذي بيده إنما هو لصاحب الدين ومسترعى فيه ومسئول عن رعيته، فلم يجز له تفويته على ربه بوصية وغيرها إلا أن تبقى منه بعد أداء الدين بقية، كما أن العبد مسترعى في مال سيده ولا يجوز له تفويته على سيده، فاتفقا في الحكم لاتفاقهما في المعنى. قَالَ ابن المنير: والحديث أصل يندرج تحته مقصود الترجمة؛ لأنه لما تعارض في ماله حقه وحق السيد قدم الأقوى وهو حق السيد، وجعل (السيد)
(4)
مسئولًا عنه مؤاخذًا بحفظه وكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية، والدين واجب والوصية تطوع؛ وجب تقديمه
(5)
.
فائدة: البداءة في الآية بالوصية قبل الدين لا يقضي أن يكون مبدأها على الدين، وإنما يقتضي الكلام أن يكون الدين والوصية يخرجان قبل قسمة الميراث؛ لأنه لما قيل: من بعد كذا وكذا. علم أنه من بعد هذين الصنفين. قَالَ تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] أي: لا تطع أحدًا من هذين الصنفين. وتقول: مررت بفلان وفلان. ولا توجب
(1)
كذا بالأصل، وفي "المتواري": في.
(2)
"المتواري على تراجم أبواب البخاري" ص 317.
(3)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 90 (16465).
(4)
كذا بالأصل، وفي "المتواري" و"الفتح" 5/ 378: العبد، ولعله الصواب.
(5)
"المتوراي" ص (317).
ترتيبًا بينهما. قَالَ تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43] فأمرت بذلك كله، ولم يقتضِ أن يكون السجود قبل الركوع، ولو قلت: مررت بفلان ففلان أو بفلان ثم فلان. اقتضى أن يكون الذي بدأ بتسميته هو الذي مر به أولًا، فلما قَالَ تعالى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] اقتضى أن تكون القسمة بعدهما، لا تبدية لأحدهما على الآخر، نعم فهم بالسنة التي مضت والمعنى أن الدين قبلها؛ لأن الوصية إنما هي تطوع يتطوع (به)
(1)
الموصي، وأداء الدين فرض عليه، والفرض أولى من التطوع.
(1)
في (ص): بذكر.
10 - باب إِذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لأَقَارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِبُ
وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَبِي طَلْحَةَ: "اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ". فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ قَالَ:"اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ". قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي، وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَيٍّ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ المُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَامٍ، وَهْوَ الأَبُ الثَّالِثُ، وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانُ أَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيٌّ إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ
(1)
إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، وَهْوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا. وَقَالَ بَعْضُهْمْ: إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبَائِهِ فِي الإِسْلَامِ.
2752 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَبِى طَلْحَةَ: "أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [انظر: 1461 - مسلم: 998 - فتح: 5/ 379]
(1)
ورد بهامش الأصل: قوله (إلى ستة آباء إلى عمرو) مشكل وذلك أن عمرًا أب سابع لأبي طلحة وحسان وهو سادس لأبي بن كعب.
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُنَادِي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ". لِبُطونِ قُرَيْشٍ [3525 - مسلم: 208]
وَقَالَ أَبُو هُريرَةَ: لَّمَا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ". [2753 - مسلم: 206]
ثم ذكر حديث أَنَسٍ أنه عليه السلام قال لأَبِي طَلْحَةَ: "أَرى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ينَادِي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ". لِبُطُونِ قُرَيْشٍ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ".
الشرح:
قول ابن عباس هذا أسنده في: الفضائل والتفسير
(1)
.
وعند مسلم: صعد على الصفا
(2)
.
وفي لفظ: خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل ينادي:"يا صباحاه"
(3)
.
وللترمذي: وضع إصبعيه في أذنيه ورفع صوته فقال: "يا بني عبد مناف، يا صباحاه"
(4)
.
(1)
سيأتي برقم (3525) كتاب: المناقب، باب: من انتسب إلى آبائه، (4770) كتاب: التفسير، باب:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} .
(2)
مسلم (208) كتاب: الإيمان، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين.
(3)
سيأتي برقم (4972).
(4)
رواه الترمذي (3186)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث أبي =
وقول أبي هريرة قد أسنده في الباب بعده.
وقوله: (وهو يُجَامِعُ حَسَّان وَأَبَا طَلْحَةَ وأبيًّا). كذا وقع في رواية
المروزي والهروي، وفي أخرى: فهو يجمع حسان وأبو طلحة وأبي، برفع الجميع. وهو صواب أيضًا.
وهذا الكلام يحتاج إلى إيضاح، نبه عليه الدمياطي الحافظ النسابة، وذلك أن أبا طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فيجتمع أبو طلحة وحسان وأبي بن كعب في عمرو بن مالك بن النجار، فيجتمع أبو طلحة وحسان في حرام بن عمرو جد أبويهما.
وبنو عدي بن عمرو بن مالك يقال لهم: بنو مغالة. وبنو معاوية بن عمرو بن مالك يقال لهم: بنو جديلة، بطنان من بني مالك بن النجار.
فقوله: (فهو يُجَامِعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا) هو ضمير الشأن.
إذا تقرر ذَلِكَ: فالبخاري ترجم على أنه يخص بالعطية أقرب الناس إلى المعطي وإن كان ثم قرابة فوقه. وقال الداودي: لا حجة فيه في الوصايا؛ لأنه عليه السلام إنما أشار عليه أن يضع ماله في أقاربه، ففعل فبدأ بأقرب أقاربه، وهذا لا يرفع اسم القرابة عمن فوقهم، والآية التي ذكرها البخاري تدل على خلاف ذلك؛ لأنه لم يرد بها بني عبد المطلب خاصة؛ لأنهم أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف العلماء إذا أوصى بثلثه لأقاربه أو لأقارب فلان من
= موسى، وقد رواه بعضهم عن عوف عن قسامة بن زهير عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا وهو أصح. ولم يذكر فيه: عن أبي موسى.
الأقارب الذين يستحقون الوصية، فقال الكوفيون والشافعي: يدخل في ذَلِكَ من كان من قبل الأب والأم، غير أنهم رتبوا أقوالهم على ترتيب مختلف
(1)
. وقال أبو حنيفة: القرابة هم كل ذي رحم محرم من قبل الأب والأم ممن لا يرث غير أنه يبدأ بقرابة الأب على قرابة الأم، وتفسير ذَلِكَ أن يكون له خال وعم، فيبدأ بعمه على خاله فيجعل له الوصية
(2)
. وقال صاحباه والشافعي: سواء في ذَلِكَ قرابة الأب والأم، ومن بعد منهم أو قرب، ومن كان ذا رحم محرم أو لم يكن، وهو قول أبي ثور، وقال أبو يوسف ومحمد: القرابة من جمعه أب وأم. منذ كانت الهجرة، قالا: ولا يدخل في ذَلِكَ الولد ولا الوالدان. وقال آخرون: القرابة: كل من جمعه والموصي أبوه الرابع إلى من هو أسفل منه، وهو قول أحمد. وقال آخرون: القرابة: كل من جمعه والموصي أب واحد في الإسلام أو الجاهلية ممن يرجع بآبائه وأمهاته إليه أبًا عن أب أو أمًّا عن أم إلى أن يلقاه.
وقال مالك: لا يدخل في الأقارب إلا من كان من قبل الأب، خاصة العم وابنه والأخ وشبههم، ويبدأ بالفقراء حَتَّى يغنوا، ثم بعطاء الأغنياء. هذا ما نقله ابن بطال عنه
(3)
، ونقل عنه ابن التين: أنه إذا أوصى للقرابة يعطي القرابة من الرجال والنساء؛ لأن اسم القرابة يقع عليهم. قَالَ: وبه قَالَ الشافعي
(4)
، وزاد بعضهم: وأقربهم وأغناهم وأفقرهم سواء؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة كما أعطي من شهد القتال بالحضور. قَالَ: وقيل: لا يدخل من كان من قبل الأم. وإنما جوز
(1)
انظر "الأم" 4/ 38.
(2)
"مختصر اختلاف العلماء" 5/ 39 - 40.
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 163.
(4)
"الأم" 4/ 38.
أهل هذِه المقالات الوصية للقرابة إذا كانت تلك القرابة تحصى وتعرف كما نبه عليه الطحاوي
(1)
، فإن كانت لا تحصى ولا تعرف فإن الوصية لها باطل في قولهم جميعًا إلا أن يوصي لفقرائهم، فتكون جائزة لمن رأى الموصي دفعها إليه منهم، وأقل ما يجوز أن يجعلها فيهم اثنان فصاعدا في قول محمد، وقال أبو يوسف: إن دفعها إلى واحد أجزأه، واحتج للصاحبين بأنه صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم جميعًا، وفيه من رحمه منهم محرمة وغير محرمة، وأعطى بني المطلب وأرحامهم جميعًا منه غير محرمة؛ لأن بني هاشم أقرب إليه من بني عبد المطلب، فلما لم يقدم في ذَلِكَ رسول الله من قربت رحمه على من بعدت، وجعلهم كلهم قرابة يستحقون ما جعل إليه لقرابته؛ سقط قول أبي حنيفة في اعتباره ذا الرحم المحرم واعتباره بالأقرب، وسقط قول من جعل أهل الحاجة منهم أولى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عم بعطيته بني هاشم وفيهم أغنياء
(2)
، وحجة أخرى على أبي حنيفة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا طلحة أن يجعل أرضه في فقراء قرابته جعلها لحسان وأُبَيّ، وأُبَيّ إنما يلقى أبا طلحة عند أبيه السابع، ويلتقي مع حسان مع أبيه الثالث، فلم يقدم أبو طلحة حسانًا لقرب رحمه على أُبي لبعد رحمه منه، ولم ير واحدًا منهما مستحقًّا لقرابة منه في ذَلِكَ إلا كما يستحق منه الآخر، فثبت فساد قوله، واحتج له بأنه صلى الله عليه وسلم أعطى حسان بن ثابت وأُبَيًّا لقربهما إليه، ولم يعط أنسًا شيئًا والأقرب أولى كالميراث، ولأنا لو سوينا بينه وبين القريب والبعيد أدى ذَلِكَ إلى إبطالها؛ لأن المقصود بها الأدنى فإذا اشترك فيها من لا يحصى دخل
(1)
"شرح معاني الآثار" 4/ 385.
(2)
"مختصر اختلاف العلماء" 5/ 40.
الغني والفقير إلى آدم؛ لأنه ليس أب ينسب إليه بالقرابة أولى من أب.
والوصية والوقف سواء، وفي رواية:(فجعلها أبو طلحة على ذوي رحمه)
(1)
، ولأن المقصود بها الصلة فالرحم المحرم أولى كالنفقة، وإيجاب العتق، وذو الرحم المحرم أولى بالصلة من ذي الرحم غير المحرم، واحتج من صرف للتعدد بحديث أبي طلحة من حيث إنه لو اكتفي بالواحد لأعطى حسان وحده دون أُبي؛ لأنه أقرب إليه من أُبي، فلما كان المعتبر في ذَلِكَ الاثنين أعطاهما وإن كانا ليس متساويين في الدرجة مع قول السهيلي: كان ابن عمة أبي طلحة أمه سهيلة بنت الأسود بن حرام
(2)
. وكذا قوله: في (الأقربين)
(3)
، وفي أقاربك. وأقل الجمع اثنان.
واحتج بعض أصحابنا فقال: إنما استحقوا باسم القرابة فيستوي في ذلك القريب والبعيد والغني والفقير كما أعطى من شهد القتال باسم الحضور
(4)
، ثم نظرنا في قول من قَالَ: هو إلى آبائه في الإسلام. فرأينا الشارع أعطى سهم ذي القربى بني هاشم وبني المطلب، ولا يجتمع هو مع أحد منهم إلى أب منذ كانت الهجرة، وإنما يجتمع معهم في آباء كانوا في الجاهلية، وكذلك أبو طلحة وأبي وحسان لا يجتمعون عند أب إسلامي، ولم يمنعهم ذَلِكَ أن يكونوا قرابة يستحقون ما جعل للقرابة فبطل قول صاحب الصاحبين كما قَالَ الطحاوي
(5)
.
(1)
سيأتي برقم (2758).
(2)
"الروض الأنف" 4/ 22.
(3)
في (ص): الأدنين.
(4)
"الأم" 4/ 38، "الروض الأنف" 4/ 22.
(5)
"شرح معاني الآثار" 4/ 389.
وثبت أن الوصية لكل من تُوقف على نسبه عن أب أو أم حَتَّى يلتقي هو والموصي لقرابته إلى جد واحد في الجاهلية أو في الإسلام.
وأما الذين قالوا: إن القرابة هم الذين يلتقون عند الأب الرابع، فإنهم ذهبوا إلى أنه صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذي القربى أعطى بني هاشم وبني المطلب، وإنما يلتقي هو وبنو المطلب عند أبيه الرابع؛ لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، والآخرون هم بنو المطلب بن عبد مناف، فإنما يلتقي معهم عند عبد مناف وهو أبوه الرابع فمن الحجة عليهم في ذَلِكَ للآخرين: أنه صلى الله عليه وسلم لما أعطاها حرم بني أمية وبني نوفل، وقرابتهم منه لقرابة بني المطلب، فلم يحرمهم لأنهم ليسوا قرابة، ولكن لمعنى غير القرابة فكذلك من فوقهم لم يحرمهم؛ لأنهم ليسوا قرابة، ولكن لمعنى غيرها، وكذلك أعطى أبو طلحة لحسان وأُبي، وإنما يلتقي مع أُبي لأبيه السابع فلم ينكر صلى الله عليه وسلم على أبي طلحة ما فعل وقد أمر الله تعالى نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين، فدعا عشائر قريش كلها ومنهم من يلقاه عند أبيه الثاني وعند أبيه الثالث والرابع والخامس والسابع، ومنهم من يلقاه عند آبائه الذين فوق ذَلِكَ إلا أنه ممن جمعته وإياهم قريش، فبطل قول من جعل إلى الأب الرابع، وثبت قول من جعل إلى أب واحد في الجاهلية أو الإسلام.
واحتج أصحاب مالك لقوله: إن القرابة قرابة الأب خاصة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما أعطى ذوي القربى لم يعط قرابته من قبل أمه شيئًا، وسيأتي إيضاحه في الباب بعده، وقد سلف كثير من معنى حديث أبي طلحة في باب: فضل الزكاة على الأقارب من كتاب الزكاة
(1)
.
(1)
سلف برقم (1461).
فرع: اختلف قول مالك في دخول القرابة وكذا البنات، فمنعه ابن القاسم، وكذا من كان من قبل الأم، وقال ابن الماجشون بالدخول، واختلف فيما إذا قَالَ: لآبائي. هل تدخل العمومة والخالات؟ والمختار عندهم: الدخول، لقوله تعالى:{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ} [يوسف: 100] يعني: أباه وخالته
(1)
، وكذلك اختلف إذا قَالَ: بني. هل تدخل البنات؟
(2)
خاتمة:
قَالَ ابن التين: قول من قَالَ في البخاري: إذا أوصى لقرابته فهو إلى آبائه في الإسلام، ثم نقل عن أبي يوسف أن الوصية لقرابته ذوي رحمه المحرمة وغيرهم من الرجال والنساء، الأقرب والأبعد في ذَلِكَ سواء إلى أقصى أب له في الإسلام من الرجال والنساء، ثم نقل عن الداودي أنه قَالَ: إن أراد القائل في البخاري من عدي مضر وقحطان، فهو معنى قول مالك، وترتيب القربة وأما عدنان وقحطان فهم يتناسبون إليها، وكذلك يتعاقلون؛ لأنهم سواء في دارهم [و]
(3)
تناسبوا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك غيرهم.
أخرى: في قوله في حديث أبي هريرة: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] دلالة أنه لا يخص بالقرابة أقربهم إلى الموصي. وبنو عبد مناف أربع قبائل تقدمت: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو عبد شمس، وبنو نوفل، وأقربهم للنبي صلى الله عليه وسلم بنو هاشم، وأقرب بني هاشم عبد المطلب، وأدخل النبي صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والقبائل على
(1)
رواه الطبري في "التفسير" 7/ 303 (19900) من قول زيد بن أسلم.
(2)
"البيان والتحصيل" 12/ 428.
(3)
من (ص).
أن بعضهم أبعد من بعض قَالَ تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] فالشعوب: القبائل العظام كمضر وربيعة وتميم وقيس، والقبائل دون ذَلِكَ كقريش ونحوها، والأفخاذ: بني هاشم وبني عبد شمس.
تنبيه:
وقع في شرح بعض شيوخنا هنا أن قَالَ بعد ترجمة البخاري: وقال إسماعيل بن جعفر: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله عن إسحاق بن عبد الله قَالَ: لا أعلمه إلا عن أنس فذكر حديث بَيْرُحَاء في الزكاة
(1)
، ثم نقل عن الطرقي أنه قَالَ: إن البخاري أخرجه عن الحسن بن شوكر عن إسماعيل بن جعفر، وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله
(2)
. انتهى ما ذكره. وهو عجيب منه فهذا الحديث ليس في الباب، وإنما ساقه البخاري بعدُ بأبواب في باب: من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل إليه، ولم يسقه منقطعًا، إنما ساقه مسندًا عن إسماعيل بن جعفر، قَالَ: نا إسماعيل، أخْبرَنِي عبد العزيز. فذكره
(3)
.
قلت: والحسن بن شوكر من رجال أبي داود فقط
(4)
(5)
(6)
.
(1)
سلف برقم (1461) باب: الزكاة على الأقارب.
(2)
"مسند الطيالسي" 3/ 554 (2193).
(3)
سيأتي برقم (2758).
(4)
انظر: "تهذيب الكمال" 6/ 176 (1237).
(5)
ورد بالهامش: ثم بلغ في السابع بعد الثمانين. كتبه مؤلفه.
(6)
ورد بالهامش: آخر 1 من 9 من تجزئة المصنف.
11 - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالوَلَدُ فِي الأَقَارِبِ
2753 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا". تَابَعَهُ أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. [3527، 4771 - مسلم: 206 - فتح: 5/ 382]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَال: قَامَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ أَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (214)} قَال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ" أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا .. الحديث بطوله.
قَال الإسماعيلي: وحديث أبي هريرة هذا وحديث ابن عباس في الباب قبله مرسلان لأن الآية نزلت بمكة -شرفها الله- وابن عباس كان صغيرًا، وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة.
قلتُ: والسماع ممكن أو من صحابي آخر فلا إرسال (يقدح)
(1)
.
وقام الإجماع على أن اسم الولد يقع على البنين والبنات، وأن النساء التي من صلبه وعصبته كالعمة والابنة والأخت يدخلن في الأقارب، إذا وقف على أقاربه، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم خص عمته بالنذارة كما خص ابنته، فكذلك من كان في معناهما ممن يجمعه معه أب واحد.
(1)
ورد في هامش الأصل: لم يقل الإسماعيلي: إن هذا الإرسال قادح، وإنما قال: إنهما مرسلان فقط، والحال كذلك إن كانا سمعا الحديثين من صحابي.
وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل في مرجع الحبس، وقال ابن القاسم: تدخل الأم في ذَلِكَ، ولا تدخل الأخوات لأم.
واختلفوا في ولد البنات أو ولد العمات ممن لا يجتمع في أب واحد مع الموصي والمحبس هل يدخلون في القرابة أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: إذا وقف وقفًا على ولده دخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا، وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات. والقرابة عند أبي حنيفة: كل ذي رحم. فيسقط عنده ابن العم والنعمة، وابن الخال والخالة؛ لأنهم ليسوا محرمين. والقرابة عند الشافعي: كل ذي رحم محرم وغيره، فلم يسقط عنده ابن العم ولا غيره. قلتُ: صحح أصحابه أنه لا يدخل في القرابة الأصول والفروع، ويدخل كل قرابة وإن بعد، وقال مالك: لا يدخل في ذَلِكَ ولد البنات.
وقوله: (لقرابتي وعقبي) كقوله: لولدي وولد ولدي يدخل فيه ولد البنين. ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه، ولا يدخل ولد البنات. حجة من أدخل ولد البنت الحديث السالف:"إن ابني هذا سيد"
(1)
في الحسن بن علي، ولا يظن أن أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات أنهم ولد لأبي أمهم، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن الولد في اللغة مشتق من التولد، وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة؛ لأنه أحد أصليهم الذين يرجعون إليه، قَالَ تعالى:{إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] فللذكر حظه وللأنثى حظها والتولد عن جهة الأم كالتولد عن جهة الأب، وقد دل القرآن على ذَلِكَ قَالَ تعالى:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} إلى أن قَالَ: {وَعِيسَى} [الأنعام: 84، 85] فجعل
(1)
سلف برقم (2704).
عيسى من ذريته وهو ابن بنته، ولم يفرق في الاسم بين نبي الله وبين ابنته.
وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما سمى الحسن ابنا على وجه التحنن، وأبوه في الحقيقة علي وإليه نسبه، وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم في العباس:"اتركوا لي أبي"
(1)
وهو عمه، وإن كان الأب حقيقة خلافه، قلتُ: وأعلى من هذا أن من خصائصه أن أولاد بناته ينسبون إليه، كما أوضحته في "الخصائص"
(2)
، وعيسى جرى عليه اسم الذرية على طريق الاتساع والتغليب للأكثر المذكور، وهذا شائع في كلام العرب.
ودليل آخر وهو قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] والمراد الذكر وابنه خاصة، ألا ترى قوله تعالى:{وَلِذِي القُرْبَى} [الأنفال: 41] اختص به بنو أعمامه ومن يرجع نسبه إليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى سهم القرابة بني أعمامه دون بني أخواله، فكذلك ولد البنات؛ لأنهم لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في أب، قَالَ الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا
…
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وفي إعطائه صلى الله عليه وسلم بني المطلب، وهم بنو أعمامه حجة على أبي حنيفة أن ابن العم داخل في القرابة، ولما أعطى بني المطلب وبني هاشم جاء عثمان وجبير بن مطعم إليه فقالا: قد عرفنا فضل بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بالنا وبني المطلب أعطيتهم ومنعتنا وقرابتنا واحدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام"
(3)
(1)
حكاه ابن بطال 8/ 168، ولم أقف عليه مسندًا!
(2)
انظر "الخصائص" ص 279 - 281.
(3)
سيأتي برقم (3140) كتاب: فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام. مختصرًا، ورواه بتمامه أبو داود (2980)، والنسائي 7/ 130 - 131، وأحمد 4/ 81.
وعثمان من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم من بني نوفل، وهو أخو عبد شمس بن عبد مناف والمطلب بن عبد مناف وهاشم بن عبد مناف، فأعطى بني المطلب وهم بنو أعمامه، وأعطى بني هاشم و (هم)
(1)
جده، وليس فيهم من يرجع إلى أجداد الأمهات مثل ولد البنات والأخوال وغيرهم من ذوي الأرحام، فدل ذَلِكَ على رد قول القائل: إن القرابة تقع على قرابة الأب والأم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط إلا من رجع إلى عصبته، وكذا من سوى بين الأقرب والأبعد؛ لأنه لما أعطى الأولين ومنع الآخرين علم أنه لا يستحق بالقرابة إلا على وجه الاجتهاد، وقد يدخل في القرابة جميع قريش بقوله:"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ" وخص بعضهم بالعطاء، فصح البداءة بالفقراء قبل الأغنياء.
وفي قوله لابنته: "سَلِينِي مَا شِئْتِ" أن الائتلاف للمسلمين وغيرهم بالمال جائز، وذلك في الكافر آكد
(2)
.
(1)
كذا في الأصل، وورد فوقها: لعله: وهو.
(2)
انظر "شرح ابن بطال" 8/ 166 - 169.
12 - باب هَلْ يَنْتَفِعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ
؟
وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ رضي الله عنه لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِي الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا للهِ عز وجل فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ. [انظر: 2313]
2754 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ:"ارْكَبْهَا". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ:"ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ" أَوْ "وَيْحَكَ". [انظر: 1690 - مسلم: 1323 - فتح: 5/ 383]
2755 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ:"ارْكَبْهَا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ:"ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ". فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ. [انظر: 1689 - مسلم: 1322 - فتح: 5/ 383]
ثم ساق حديث أَنَسٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ".
وقد سلفا في الحج
(1)
. وما ذكره عن عمر أسلفه مسندًا
(2)
، وذكره لاشتراط عمر لا حجة فيه كما نبه عليه الداودي؛ لأن عمر أخرجها عن يده ووليها غيره، فجعل لمن وليها أن يأكل على شرطه، ولو اعتبر هذا بقوله صلى الله عليه وسلم:"العائد في هبته وفي صدقته كالعائد في قيئه"
(3)
،
(1)
سلفا برقمي (1689، 1690).
(2)
سلف برقم (2313) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف ونفقته وأن يطعم صديقا له ويأكل بالمعروف.
(3)
سلف برقم (2621).
أو "كالكلب يعود في قيئه"
(1)
فإذا انتفع ببعض صدقته فقد عاد فيها، وإن اشترط في أصل عطيته أن ينتفع فلم تخرج عطيته عن يده فيحاز عنه، ولا يقل ما تصدق به بما ينتفع به منها، فهي باقية على ملكه إذ لا يعلم الجزء الذي تصدق به. وقال ابن المنير: وجه المطابقة فيه أن المخاطب يدخل في خطابه، وهو أصل مختلف فيه، ومالك في مثل هذا يحكم بالعرف حَتَّى يخرج غير المخاطب أيضًا من العموم لقرينة عرفية، كما إذا أوصى بمال للمساكين وله أولاد فلم يقسم حَتَّى افتقروا
(2)
، ففيه قول ابن القاسم ومطرف -يعني: الاثنين
(3)
. وقال ابن التين: يحتمل.
وقال ابن بطال
(4)
: لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه؛ لأنه أخرجه لله تعالى وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته، وقد نهى الشارع عن ذلك. قَالَ: وإنما يجوز له الانتفاع به إن شرط ذَلِكَ في الوقف، أو أن يفتقر المحبس أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه. قَالَ ابن القصار: من حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في سبيل الله فأنفذ ذَلِكَ في وجوهه زمانًا ثم أراد الانتفاع به مع الناس فإن كان من حاجة فلا بأس.
وذكر ابن حبيب عن مالك قَالَ: من حبس أصلًا تجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا، كان يوم مات أو حبس فقراء أو أغنياء، غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس، ولكن يبقى منه سهم المساكين ليبقى اسم الحبس، ويكتب
(1)
سلف برقم (2623).
(2)
"المتواري على تراجم أبواب البخاري" ص 318.
(3)
"النوادر والزيادات" 11/ 528.
(4)
ابن بطال 8/ 169.
على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على المسكنة وليس على حق لهم فيه دون المساكين.
واختلفوا إذا أوصى بشيء للمساكين، فغفل عن قسمته حَتَّى افتقر
بعض ورثته، وكانوا يوم أوصى أغنياء أو مساكين، فقال مطرف: أرى أن يعطوا من ذَلِكَ على المسكنة، وهم أولى من الأباعد. وقال ابن الماجشون: إن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أعطوا منه، وإن كانوا مساكين لم يعطوا منه؛ لأنه أوصى وهو يعرف حاجتهم، فكأنه أزاحهم عنه. وقال ابن القاسم: لا يعطون منه شيئًا مساكين كانوا أو أغنياء يوم أوصى. قَالَ
(1)
: وقول مطرف أشبه بدلائل السنة
(2)
.
وقوله: (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لله عز وجل فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره وإن لم يشترط). فإنما ينتفع من ذَلِكَ إذا لم يشترط ما لا مضرة فيه على من سبل له الشيء، وإنما جاز ركوب البدنة التي أخرجها لله -عزوجل-؛ لأنه يركبها إلى موضع النحر، ولم يكن له غنى عن سوقها إليه، ولم يركبها في منفعة له، ألا ترى أنه لو كان ركوبها مهلكًا لها لم يجز له ذَلِكَ كما لا يجوزله أكل شيء من لحمها.
وقوله: (يَلِي الوَاقِفُ وغَيْرُهُ). فاختلف العلماء فيه، فذكر ابن المواز عن مالك أنه إن شرط في حبسه أن يليه لم يجز. وقاله ابن القاسم وأشهب، وقال ابن عبد الحكم عن مالك: إن جعل الوقف بيد غيره يحوزه ويجمع غلته ويدفعها إلى الذي حبسه يلي تفرقته، وعلى ذَلِكَ حبس، أن ذَلِكَ جائز. وقال ابن كنانة: من حبس ناقته في سبيل الله فلا ينتفع بشيء منها، وله أن ينتفع بلبنها لقيامه عليها.
(1)
أي ابن بطال؛ فالنقل عنه.
(2)
المصدر السابق.
فمن أجاز للواقف أن يليه، فإنما يجيز له الأكل منه بسبب ولايته وعمله، كما كان يأكل الوصي مال يتيمه بالمعروف من أجل ولايته وعمله، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في الباب، ومن لم يجز للواقف أن يلي وقفه فإنما منع ذَلِكَ قطعًا للذريعة إلى الانفراد بغلته، فيكون ذَلِكَ رجوعًا فيه
(1)
. وسيأتي اختلاف السلف في الباب بعد.
وعندنا: إن شرط النظر لنفسه أو غيره اتبع وإلا فالنظر للقاضي.
وحديث ركوب البدنة سلف الكلام عليه في الحج، ومشهور مذهب مالك أنه لا يركبها إلا عند الضرورة إليه، وقال في "المبسوط": لا بأس أن يركبها ركوبًا غير فادح، فلا يركبها بالمحمل، ولا يحمل عليها زاده ولا شيئًا يتعبها به
(2)
. وقال أحمد وإسحاق: يركبها. ولم يذكرا ضرورة، وفي "صحيح مسلم" تقييده بالاضطرار
(3)
.
واختلف إذا استراح، فقال ابن القاسم: لا أرى عليه أن ينزل.
وخالفه ابن الجلاب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قَالَ له: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ" في الثانية أو الثالثة، وإنما استحسن الناس أن لا يركبها حَتَّى يحتاج إليها.
وقوله: " (وَيْلَكَ") هي كلمة جرت على ألسنتهم، لا يريد الدعاء، وهي تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، والمترحم عليه، وإن كان لا يستحقها يقال له: ويحك، وقد سلف.
والحديث يحتمل ذَلِكَ، وذلك أنه لما ترك رخصة سائغة في الشرع وأمره بذلك مرات كان كالواقع فيما يستحقه من مكروه، ويحتمل الثاني
(1)
إلى هنا انتهى من "شرح ابن بطال" 8/ 169 - 171.
(2)
حكاه صاحب "المنتقى" 2/ 309 عن نافع عن مالك به.
(3)
مسلم (1324) كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها.
تحريجًا على ما فعله لله أن يعود فيه أو في شيء منه، وهو مضطر إلى ركوبها، والأول أولى لموافقة رواية أبي هريرة له، وفي رواية أنس شك، هل قَالَ له ذَلِكَ في الثالثة أو الرابعة؟ وفي رواية أبي هريرة: في الثانية أو الثالثة. قَالَ الداودي: وليس في الحديث حجة لما بوب له؛ لأن مهديها إنما جعلها لله إذا بلغت محلها وأبقى بملكه عليها مع ما عليه فيها من الخدمة من السوق والعلف، ألا ترى أنها إن كانت
واجبة أن عليه بدلها إذا عطبت قبل محلها قَالَ: وإنما أمره الشارع بذلك لمشقة السفر، ولم ير له مركبًا غيرها.
قَالَ ابن التين: وقوله: (إنما جعلها إذا بلغت محلها). فيه نظر؛ لأنها تجب بالتقليد والإشعار، ولا تجزي حَتَّى تبلغ محلها، ليس أنها تجزي بالتقليد والإشعار، وإنما تجوز بشرط السلامة إلى أن تنحر.
13 - باب إِذَا وَقَفَ شَيْئًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ
لأَنَّ عُمَرَ وْقَفَ
(1)
وَقَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَلَمْ يَخُصَّ إِنْ وَلِيَهُ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَبِي طَلْحَةَ "أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَقَسَمَهَا فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [فتح: 5/ 384]
(1)
ورد تعليق بالأصل: يعني في الباب الذي قبل هذا.
14 - باب إِذَا قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ للهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ. فَهُوَ جَائِزٌ، وَيَضَعُهَا فِي الأَقْرَبِينَ أَوْ حَيْثُ أَرَادَ
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَبِي طَلْحَةَ، حِينَ قَالَ: أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله، فَأَجَازَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِمَنْ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. [فتح: 5/ 384]
الشرح:
في بعض النسخ: أوقف. وهي لغة، وهي ثابتة في كتاب ابن بطال
(1)
، وابن التين، وقَالَ: ضرب على الألف في بعض النسخ، وإسقاطها صواب، ولا يقال: أوقف -بالألف- إلا إن فعل شيئًا ثم نزع عنه، وجعل ابن بطال البابين ترجمة واحدة وزاد عليها ثالثة، وهي: باب إذا قَالَ: أرضي أو بستاني صدقة عن أمي فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك. ثم ساق حديث سعد بن عبادة
(2)
.
قَالَ الداودي: الذي قَالَ البخاري هنا هو حمل الشيء على ضده وتمثيله بغير جنسه؛ لأنه هو يروي عن عمر ولاها ابنه، وأن أبا طلحة دفعها إلى حسان وأُبي. قَالَ: وهذا يحكم. ودفع الظاهر عن وجهه، وهذا يقدر عليه كل أحد إلا من منعته الديانة والحياء. وقال غير الداودي: إنما أراد البخاري أنه صلى الله عليه وسلم أخرج عن أبي طلحة ملكه بنفس قوله: (هي صدقة). وهذا كقول مالك: إن الصدقة تلزم بالقول وتتم بالقبض. وقول الداودي أشبه؛ لأنه أتى في الباب بوقف عمر.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 171.
(2)
السابق 8/ 171 - 172، وحديث سعد يأتي في الباب التالي عن ابن عباس.
وقول بعضهم: لا تجوز حَتَّى يبين لمن هي. معناه: لا يحكم عليه به. يريد: لما لم يعين المعطى.
وقد اختلف القول في مذهب مالك إذا جعل شيئًا للمساكين في غير تعيين هل يجب عليه إخراجه؟ ففي "المدونة": لا يجب. وقال الداودي: قول من قَالَ: لا يجوز. ليس بشيء وإن لم يكن فيه وضعها حيث شاء، فكأنه تأوله على خلاف ما أسلفنا أن معناه: لا يحكم.
واختلف العلماء في الوقف إذا لم يخرجه الواقف من يده إلى أن مات، فقالت طائفة: يصح الوقف ولا يفتقر إلى قبض، وهو قول أبي يوسف والشافعي. وقالت طائفة: لا يصح الوقف حَتَّى يخرجه عن يده ويقبضه غيره، هذا قول ابن أبي ليلى ومالك ومحمد بن الحسن
(1)
.
وحجة الأول أن عمر وعليًّا وفاطمة وقفوا أوقافًا أو أمسكوها بأيديهم، وكانوا يصرفون الانتفاع بها في وجوه الصدقة، فلم تبطل
(2)
.
واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال: رأينا أفعال العبادات على ضروب، فمنها العتاق وينفذ بالقول، ومنها الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول حَتَّى يكون معه القبض من الذي ملكها، فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هي أشبه فنعطفه عليه، فرأينا الرجل إذا وقف أرضه، فإنما ملك الذي وقفها عليه منافعها، ولم يملكه من رقبتها شيئًا، إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله تعالى فثبت أن نظير ذَلِكَ ما أخرجه من ملكه إلى الله تعالى، فكما كان ذَلِكَ لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول، كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول، وأيضًا فإن
(1)
انظر: "المدونة" 4/ 347.
(2)
"مختصر اختلاف العلماء" 4/ 157.
القبض لو أوجبناه لكان القابض يقبض ما لم يملك بالوقف فقبضه إياه وغير قبضه سواء
(1)
، وإليه ذهب البخاري.
واستدل من قوله: (فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ). أن الوقف لم يخرج من يد أبي طلحة، وحجة من جعله شرطًا في صحة الوقف إجماع أئمة الفتوى على أنه لا تنفذ الهبات والصدقات بالقول
حَتَّى يقبضها الذي ملكها.
ألا ترى أن الصديق قَالَ في مرضه لابنته، وقد كان نحلها جداد عشرين وسقا: لو كنت حزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث. وقد سلف، فكان حكم الوقف حكم الهبات.
وقوله لأبي طلحة "أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقرَبينَ" لا حجة فيه لمن أجاز الوقف وإن لم يخرج عن يد (من وقفه)
(2)
؛ لأنه ليس في الحديث أن أبا طلحة لم يخرج الوقف عن يده، ولو استدل مستدل بقوله:(فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) أنه أخرجها عن يده لشاع ذلك، ولم يكن من استدل أنه لم يخرجها عن يده أولى منه بالتأويل.
واختلفوا إذا قَالَ: هذِه الدار أو هذِه الضيعة وقف. لم يذكر وجوهًا تصرف فيه، فعند مالك أنه يصح الوقف، وكذا لو قَالَ: على أولادي وأولادهم. ولم يذكر بعدهم الفقراء أو بني تميم ممن لم ينقطع
نسلهم، فإنه يصح الوقف، ويرجع ذَلِكَ إلى فقراء عصبته، وإن لم
(1)
"شرح معاني الآثار" 4/ 98. بتصرف.
(2)
في (ص): الذي أوقفه. [قلت: وهذا الموافق لما في ابن بطال 8/ 173؛ فالكلام بتمامه منه].
يكونوا فقراء فإلى فقراء المسلمين، وبه قَالَ أبو يوسف ومحمد، وهو أظهر قولي الشافعي، والثاني: لا يصح من أصله ..
وحجة الأول أنه إذا قَالَ: وقف. فإنما أراد به البر والقربة، وأن لا ينتفع هو بشيء من ذلك، والانتفاع يكون محبوسًا على ولده وولد ولده، فإذا انقرضوا صرف ذَلِكَ إلى أقرب الناس به من فقراء عصبته، وهذا المعنى يحصل به البر والقربة، وكذا إذا قَالَ: هذا وقف محرم؛ لأنه معلوم أنه قصد به البر والقربة، فحمل على ما علم من قصده، كرجل أوصى بثلث ماله، فإن ذَلِكَ يفرق في الفقراء المساكين وإن لم يسمهم؛ لأنه قد علم ذَلِكَ من قصده.
ألا ترى قول سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها. لم يسم على من يتصدق بالحائط، ولم ينكره عليه بل أقره.
قَالَ المهلب: ولا حاجة بنا إلى أن يذكر على من يكون الوقف؛ لأن الله تعالى قد بين أصناف الذين تجب لهم الصدقات في كتابه، وقد مضى من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة أبي طلحة ما فيه شفاء.
فرأى الشارع فيها أن تصرف الصدقة إلى صنف واحد، وهم أقارب
أبي طلحة. قَالَ ابن القصار: ولا يقاس هذا على ما إذا وقف على من لا يولد له ولم يكن له ولد في الحال؛ لأنه وقفه على غير موجود؛ لأنه قد يجوز أن لا يولد له، وإذا وقفه ولم يذكر له مصرفًا، فالفقراء موجودون ففي أيها جعلها الإمام صح الوقف
(1)
.
(1)
انظر: "شرح ابن بطال" 8/ 172 - 175.
15 - باب إِذَا قَالَ أَرْضِي أَوْ بُسْتَانِي صَدَقَةٌ عَنْ أُمِّي. فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ ذَلِكَ
2756 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله عنه تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ". قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. [2762، 2770 - فتح: 5/ 385]
ذكر فيه حديث يَعْلَى عن عِكْرِمَةَ أَنْبَأَنَا ابن عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفَيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ". قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عنها.
هذا الحديث ذكره البخاري في باب: الإشهاد في الوقف والصدقة
(1)
وشيخه في حديث الباب محمد، وهو (ابن سلام)
(2)
كما هو ثابت في أصل الدميَاطي وعلَّم عليه، وكذا قَالَ الجياني: نسبه شيوخنا ابن سلام
(3)
(خت)، ويعلى: هو ابن مسلم كما صرح به الإسماعيلي وأبو نعيم والحميدي
(4)
، وقال الطرقي: هو ابن حكيم.
(1)
سيأتي برقم (2762).
(2)
فوقها في الأصل (ص لا .. خت) وفي هامشها: وكما هو ثابت في نسخة الدمياطي هو ثابت في نسختي من غير توقف صورة ما علم عليه ص. لا. قلت: وفي متن اليونينية: محمد، مهمل، وفي الهامش أنه مُعرّف بابن سلام في نسخة أبي ذر الهروي. وقال ابن حجر في "الفتح" 5/ 385: وفي رواية أبي ذر وابن شبويه: حدثنا محمد بن سلام.
(3)
"تقييد المهمل" 3/ 1028.
(4)
"الجمع بين الصحيحين" 2/ 9 (979).
و (المخْرَافَ): جماعة النخل بفتح الميم، قاله القزاز، قَالَ: وبكسرها: الزنبيل الذي يخترف فيه الثمار. وأحسب المخراف المذكور اسم هذا الحائط الذي تصدق به عن أمه، وقال الخطابي: المخراف: الثمرة، صوابه: الشجرة، سماها مخرافًا لما يخترف من ثمارها
(1)
، كما قيل: امرأة مذكار: وقد يستوي هذا في نعت الذكور والإناث. وقال أبو عبيد والأصمعي: المخرف جناء النخل
(2)
. وأنكره ابن قتيبة وقال: إنما المخرف: النخل، ولا يكون جناء النخل مخروفًا، وليسَ بمخرف. وخطئ فيه، بل يقع عليهما جميعًا على الرطب والنخل، كالمشرب يقع على الماء المشروب وعلى الشرب، والمطعم يقع على المأكول، والمركب على المركوب
(3)
.
وقوله: (عَنْهَا). وفي الباب الآخر: عليها وهي بمنعاها، وفقه الباب سلف في الباب قبله.
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1026 ولفظه: المَخْرف: البستان.
(2)
"غريب الحديث" 1/ 57.
(3)
انظر "تاج العروس" 12/ 159 (خرف).
16 - باب إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ أَوْقَفَ بَعْضَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِهِ أَوْ دَوَابِّهِ، فَهُوَ جَائِزٌ
2757 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ:"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. [2947، 2948، 2949، 2950، 3088، 3556، 3889، 3951، 4418، 4673، 4676، 4677، 4678، 6255، 6690، 7225 - مسلم: 716، 2769 - فتح: 5/ 386]
ذكر فيه حديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ:"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ.
هذا الحديث تقدم في الزكاة
(1)
، وفيه أحكام:
أحدها: صدقة المرءِ بجميع ماله، وقال بعضهم: لا يجوز، والصواب استحبابه لمن يصبر على الضير والإضاقة، كما فعل الصديق حيث تصدق بمالِه كله
(2)
وأقره الشارع عليه
(3)
.
(1)
سلف معلقًا في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى قبل حديث (1426).
(2)
دل على ذلك حديث رواه أبو داود (1678) عن عمر بن الخطاب أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر
…
الحديث.
والحاكم 1/ 574، وصححه على شرط مسلم، والبيهقي 5/ 180، وحسنه الألباني في "المشكاة" 3/ 313.
(3)
ورد بهامش الأصل: حاشية من خط الشيخ. أنشد ابن عبد ربه في "العقد":
اسعد بمالك في الحياة فإنما
…
يبقى خلافك مصلح أو مفسد
فإذا جمعت لمفسد لم يغنه
…
وأخو الصلاح قليله يتزيد
قَالَ ابن بطال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأكثر العلماء على أنه يجوز للصحيح أن يتصدق بمَاله كله في صحته، إلا أنهم استحبوا أنه يُبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة، وما يتقي من الآفات مثل الفقر وغيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" ويروى: "أمسك عليك ثلث مالك"
(1)
فحض على الأفضل
(2)
. قَالَ ابن التين: ومذهب مالك أنه يجوز إذا كان له صناعة أو حرفة يعود بها على نفسه وعياله وإلا فلا ينبغي له ذلك.
ثانيها: أن الغنى أفضل من الفقر، وأن الكفاف أفضل منهما؛ لقوله:"فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" وقد سلف ذَلِكَ في الزكاة في باب: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى"
(3)
.
ثالثها: استدل البخاري بأنه لما جازت الصدقة بالعقار، ووقف غلاتها على المساكين جاز ذَلِكَ في الرقيق والدواب، إذ المعنى واحد في انتفاع المساكين بغلاتها وبقاء أصولها، وقد سلف ذَلِكَ في باب: الشروط في الوقف، وسيأتي الاختلاف في وقف الرقيق والحيوان بعد.
رابعها: أن من تاب الله عليه أو خلصه من (مسألة)
(4)
نزلت به ينبغي له أن يشكر الله تعالى على ذلك بالصدقة وبما شاكلها من أفعال البر.
خامسها: قَالَ الداودي: وفيه أن السمع شهادة.
(1)
رواه أبو داود (3321) ولفظه: (إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقة، قال: لا، قلت: فنصفه، قال: لا، قلت: فثلثه، قال: نعم).
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 175.
(3)
سبق برقم (1426).
(4)
كذا في الأصل ووردت في (ص): مسلمة.
17 - باب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الوَكِيلُ إِلَيْهِ
2758 -
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى فِي كِتَابِهِ:{لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ -قَالَ: وَكَانَتْ حَدِيقَةً كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَسْتَظِلُّ بِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا- فَهِيَ إِلَى اللهِ عز وجل وَإِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، أَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ، فَضَعْهَا- أَيْ رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ، فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ". فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ أُبَيٌّ وَحَسَّانُ، قَالَ: وَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ؟! فَقَالَ: أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: وَكَانَتْ تِلْكَ الحَدِيقَةُ فِي مَوْضِعِ قَصْرِ بَنِي حُدَيْلَةَ الذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ. [انظر: 1461 - مسلم: 998 - فتح: 5/ 387]
ذكر فيه حديث إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ،
فذكر حديث بيرحاء السالف في الزكاة بطوله من حديث ابن يوسف، عن مالك، عن إسحاق أنه سمع أنسًا فذكره
(1)
، وموضع الدلالة منه قوله: (فهي إلى الله وإلى رسوله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال: "قد قبلناه منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين" فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه.
(1)
سلف برقم (1461) باب: الزكاة على الأقارب.
والبخاري ساقه هنا فقال: حدثنا إسماعيل، أخْبرَنِي عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن إسحاق به. والمزي في
(1)
"أطرافه" بلفظ: وقال إسماعيل -هو ابن أبي أويس- أخْبرَنِي عبد العزيز. فذكره، كذا ذكره معلقًا
(2)
، والذي ألفيناه في أصل الدمياطي مسندًا. وفي كتاب أبي مسعود وخلف: وقال إسماعيل بن جعفر. والصواب: ابن أبي أويس.
(1)
ورد بهامش الأصل: وكذا ساقه المزي عندي في نسختي.
(2)
"تحفة الأشراف"(181).
18 - باب قَوْلِ اللهِ عز وجل: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8]
2759 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا وَاللهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ. [4576 - فتح: 5/ 388]
ثم ساق عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هذِه الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا والله مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ بها، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَلكَ الذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الذِي يَقُولُ بِالمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ.
هذا الحديث من أفراده وذكره في: التفسير من حديث عكرمة ثم قَالَ: تابعه سعيد عن ابن عباس -يعني هذا- بزيادة. قَالَ: هي (محكمة)
(1)
وليست منسوخة
(2)
. وادعى أبو مسعود في "أطرافه" إرساله، والوافي بالاصطلاح أنه موقوف، قَالَ ابن أبي حاتم في "تفسيره": وممن قَالَ: إنها محكمة جماعة، وعدد فوق العشرة منهم عطاء، ثم ساق، عن عطاء، عن ابن عباس أنه نسختها آية المواريث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قل منه أوكثر
(3)
.
(1)
كذا في الأصل، وفي (ص): متحكمة. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2)
سيأتي برقم (4576) سورة النساء، باب:{وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبَى} .
(3)
"تفسير القرآن العظيم" 3/ 875.
قَالَ: وروي عن جماعة عددهم نحوه، ونقل نسخها أبو داود في "ناسخه" عن سعيد بن المسيب والضحاك، وقال النحاس: أحسن ما قيل في الآية أنها على الندب
(1)
.
قلتُ: وهو قول أكثر أهل العلم. وقيل: إن الآية محمولة على الوصية لمن ذكر في الآية وفيمن حضر، ولو كان الوارث صغيرًا فهل يجب على وليه الإخراج من نصيبه؟ قولان: حكاهمَا الماوردي في "تفسيره" على أنها محكمة، أحدها: لا، ويقول الولي لهم قولًا معروفًا. -أي: خذوا بورك لكم-. كما قاله سعيد بن جبير، وأكثر أهل العلم على أنها محكمة
(2)
. قَالَ مجاهد: هي محكمة، وواجب عند قسم الميراث ما طابت به أنفسهم. قَالَ البخاري: هذا مجاهد يقول بوجوبها بالإسناد الذي يدفع صحته، وهذا خلاف ما روي عنه عن ابن عباس، غير أن هذا الإسناد أصح، وأمر ابن المسيب أن يوصي بثلثه في قرابته. قَالَ الطبري: وأولى هذِه الأقوال من قَالَ: إنها محكمة، وإنه عني بها الوصية لأولي قربى الموصي، وعنى باليتامى والمساكين أن يقال لهم قول معروف
(3)
.
وأما ابن حزم فقَالَ في "محلاه": فرض على الورثة البالغين وعلى وصي الصغار ووكيل الغائب أن يعطوا حين القسمة ما طابت به أنفسهم مما لا يجحف بالورثة، ويجبرهم الحاكم على ذَلِكَ إن أبوا، وتلا الآية الكريمَة، وذكر ما روي عن ابن عباس، وأبي موسى وقسم لحطان
(4)
(1)
"الناسخ والمنسوخ" 2/ 159.
(2)
"النكت والعيون" 1/ 456.
(3)
"تفسير الطبري" 3/ 608.
(4)
يقصد: حطان بن عبد الله. قال: قسم لي بها أبو موسى.
بقوله: {وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ} [النساء: 8] قَال: وصح أيضًا عن عروة وابن سيرين وحميد بن عبد الرحمن الحميري ويحيى بن يعمر والشعبي والنخعي والزهري والحسن وأبي العالية والعلاء بن بدر وسعيد بن جبير ومجاهد، وروي عن عطاء، وهو قول أبي سليمان قَال: وروي أنها ليست بواجبة عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وأبي مالك وزيد بن أسلم، وبقول أبي حنيفة ومالك والشافعي قَال: ولا نعلم لأهل هذا القول حجة أصلًا
(1)
. ونقل ابن الجوزي عن أكثر المفسرين أنهم قالوا: المراد بأولي القرابة هنا: من لا يرث. وفسروا قوله: {فَاَرْزُقوُهُم} أعطوهم من المال. وقال آخرون: أطعموهم. وذلك على سَبيل الاستحبَاب، ومن قَال بالإيجاب قَال: إن كانوا كبارًا تولوا الإعطاء وإلا فوليهم
(2)
.
وقول ابن عباس: (ولكنها مما تهاون الناس) أي: بتأويلها. ورأى غيره أنها محكمة كما سلف، وأن يطعم من حضر ممن سمى غير الورثة، وكان بعضهم يصنع الطعام من تركة الميت ويطعم من حضر ممن ذكر في الآية، وذكر إسماعيل القاضي أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيَّة، فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا الآية. قَال القاسم بن محمد: فذكرت ذَلِكَ لابن عباس فقال: ما أصاب، إنما ذَلِكَ في الوصية يريد الميت أن يوصي. وقال ابن المسيب: إنما ذَلِكَ في الثلث عند الوصية
(3)
. وقد فعله كما تقدم.
(1)
"المحلى" 9/ 310 - 311 بتصرف.
(2)
"زاد المسير" 2/ 19.
(3)
رواه البيهقي في "سننه" 6/ 267.
وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قَالَ: ثلاث آيات في كتاب الله محكمات مدنيات قد ضيعهن الناس، فذكر هذِه الآية وآية الاستئنذان:{وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ} [النور: 58] في العورات الثلاث، وهذِه الآية:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى}
(1)
[الحجرات: 13] قال قتادة في قوله: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ} [النساء: 9] قَالَ: إذا حضرت وصية ميت فأمره بما كنت تأمر به نفسك مما يتقرب به إلى الله، وخف في ذلك ما كنت تخافه على ضعفهم لو تركتهم بعدك، فاتق الله وقيل قولًا سديدًا إن هو زاغ
(2)
.
(1)
"تفسير الطبري" 3/ 606 (8674).
(2)
"تفسير الطبري" 3/ 612 (8712).
19 - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنِ المَيِّتِ
2760 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا". [انظر: 1388 - مسلم: 1004 - فتح: 5/ 388]
2761 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله عنه اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ. فَقَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا". [6698، 6959 - مسلم: 1638 - فتح: 5/ 389]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسها، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصدَّقَتْ، أَفَأَتَصدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا".
وحديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْزٌ. فَقَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا".
الشرح:
معنى: (افتلتت): أخذت نفسها فجأة يقال: افتلت الشيء إذا أخذته فجأة، وكل شيء عوجل مبادرة فهو فلتة.
قَالَ صاحب "المطالع": كذا ضبطناه (نفسها) بالفتح على المفعول به الثاني، وبضمها على الأول، والنفس مؤنثة وهي هنا: الروح، وقد تكون بمعنى الذات، و (أُراها) بضم الهمزة: أظنها.
أما حكم الباب:
ففيه: أن الولد ينبغي أن يفعل عن والده ما يظن أنه يود فعله.
وفيه: قضاء النذر، وقد أخرجه من حديث مالك، ومالك إنما يراه في المال، وقد جاء مفسرًا في الصوم وغيره
(1)
، وقد سلف الخلف فيه، ولم يأخذ به أصحاب مالك سوى محمد بن عبد الحكم.
وقام الإجماع على أن الصدقة تنفع الميت، عملًا بقوله:"نَعَمْ" وقيل: يحتمل أن يكون المتصدق عنها يهبها الأجر بعد وقوع الصدقة عن المتصدق وظاهر الحديث خلافه، ولا يبعد أن يثاب المرء بفعل غيره كما يغتاب ويسرق ماله، يوضحه الحديث السالف:"إذا تصدقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها بما كسب، وللخازن مثل ذلك"
(2)
ويدل على نفعه بالصدقة حديث أبي هريرة الثابت: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية"
(3)
وحديث سعد بن عبادة لما أمره صلى الله عليه وسلم أن يتصدق عن أمه: أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: "سقي الماء"
(4)
ودلت عليه الآيات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأويل قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} [النجم: 39] على الخصوص.
قَالَ ابن المنذر: وأما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبرًا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عن عائشة أنها أعتقت عبيدًا عن أخيها عبد الرحمن، وكان مات ولم يوص.
(1)
جاء في حديث (1953): جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي ماتت وعليها صوم شهر .. إلخ. باب: من مات وعليه صوم.
(2)
سلف برقم (1425) كتاب: الزكاة، باب: من أمر خادمه بالصدقة.
(3)
مسلم (1631) كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.
(4)
سبق تخريجه.
وأجاز ذَلِكَ الشافعي. قَالَ بعض أصحابه: لما جاز أن يتطوع بالصدقة وهي مال، فكذا العتق. وفرق غيره بينهما فقال: إنما أجزناها للأخبار الثابتة، والعتق لا خبر فيه بل في قوله:"الولاء لمن أعتق"
(1)
دلالة على منعه؛ لأن الحي هو المعتق بغير أمر الميت فله الولاء، فإذا ثبت له الولاء فليسَ للميت منه شيء، وليس بصحيح؛ لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنه قَالَ للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قَالَ: "نَعَمْ"
(2)
فدل أن العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل عائشة السالف.
وقد اختلفت الآثار في النذر الذي كان على أم سعد، فقيل: كان غير عتق. وذلك مذكور في النذور في باب: من مات وعليه نذر
(3)
. وقَالَ ابن المنذر: وممن كان يجيز الحج التطوع عن الميت الأوزاعي
والشافعي وأحمد، ومنعها غيرهم.
وقد سلف ذَلِكَ في الحج.
قَالَ ابن المنذر: وفي ترك الشارع إنكار فعل المرأة التي افتلتت نفسها حَتَّى ماتت ولم توص، دلالة على أن تارك الوصية غير عاص إذ لو كان فرضًا لأخبر أنها تركت فرضًا.
وأما قضاء الدين عن الميت فما لزم الذمة فلا خلاف في قضائه عن الميت، وما لزم البدن ففيه الخلاف
(4)
، وقد سلف أيضًا.
(1)
سلف برقم (456) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر.
(2)
رواه النسائي 6/ 253 بلفظ: قال: اعتق عن أمك.
(3)
سيأتي برقم (6698).
(4)
"شرح ابن بطال" 8/ 178 - 180.
واعلم أن حديث ابن عباس في قصة سعد ذكره البخاري قريبًا في باب: إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود
(1)
، كما ستعلمه وفي لفظ:(وأراها لو تكلمت تصدقت). وفي "الموطأ" أنه قَالَ لها: أوصي.
قالت: فيم أوصي؟ (إنما)
(2)
(المال لابني)
(3)
سعد
(4)
. فإن كان هذِه قصة أخرى أو لم يبلغ ذَلِكَ سعدًا فقال: (لو تكلمت تصدقت).
(1)
سيأتي برقم (2770).
(2)
من (ص).
(3)
كذا في الأصول، وفي الموطأ (المال مال سعد).
(4)
"الموطأ" ص 473.
20 - باب الإِشْهَادِ فِي الوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ
2762 -
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله عنهم -أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ- تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ [عَنْهَا] فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ". قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. [انظر: 2756 - فتح: 5/ 390]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ السالف في باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة عن أمي
(1)
.
ولا شك في مطلوبية الإشهاد فيه وإذا أمر به في البيع، وهو خروج ملك عن ملك بعوض ظاهر، فالوقف أولى بذلك؛ لأن الخروج عنه بغير عوض، مع أن الأكثر في الصدقات والأوقاف أن يكون على غير عوض في الأعيان، وعبارة ابن بطال: الإشهاد واجب في الوقف ولا يتم إلا به
(2)
، ولا نوافقه عليه.
(1)
سلف قريبا برقم (2756).
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 180.
21 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} إلى قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 2 - 3]
2763
- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 4] قَالَتْ: هِيَ اليَتِيمَةُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء: 127] قَالَتْ: فَبَيَّنَ اللهُ فِي هَذِهِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا، وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِسُنَّتِهَا بِإِكْمَالِ الصَّدَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ المَالِ وَالجَمَالِ تَرَكُوهَا وَالتَمَسُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا الأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا. [انظر: 2494 - مسلم: 3018 - فتح: 5/ 391]
وذكر فيه حديث عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ففسرتها وسيأتي أيضًا في النكاج
(1)
.
ومعنى: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2] الحرام بالحلال، أو أن تجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، أو استعجال أكل الحرام قبل مجيء الحلال، أو كانوا لا يرثون الصغار والنساء،
(1)
سيأتي برقم (5098) باب: لا يتزوج أكثر من أربع.
ويأخذ الرجل الأكثر فيتبدل نصيبه من الميراث بأخذه الكل، وهو خبيث.
وقوله: {إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] قيل: (إلى) بمعنى: مع، والأجود أن تكون في موضعها ويكون المعنى: ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم.
(حُوبًا): إنما تحوَّب من كذا: توقى إثمه، قال الفراء: الحَوْب لأهل الحجاز، والحُوْب لتميم، وقال ابن عزير: هو بالضم الاسم، وبالفتح المصدر.
وروي عن ابن عباس في تفسير الآية أنه قَالَ: قصر الرجل على أربع من أجل اليتامى
(1)
.
وروي عن جماعة من التابعين أيضًا، وكان المسلمون يسألون عن
أمر اليتامى لما شدد في ذَلِكَ فنزلت الآية، وتفسير عائشة عليه أهل النظر، وجماعة من أهل اللغة على قول ابن عباس.
قَالَ المبرد: التقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى. ثم حذف.
قَالَ مجاهد: معناه: إن خفتم ألا تعدلوا وتحرجتم أن (تلوا)
(2)
أموال اليتامى تحرجوا من (الزنا)
(3)
(4)
وقال غيره: المعنى: وإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فكذلك ينبغي أن تخافوا ألا تعدلوا بين
الأربع، فانكحوا واحدة.
(1)
"تفسير الطبري" 3/ 575 (8465) وفيه: من أجل أموال اليتامى.
(2)
في الأصل: تلون والمثبت هنا من (ص).
(3)
في الأصل (الربا)، والمثبت من تفسير مجاهد.
(4)
"تفسيرمجاهد" 1/ 144.
قَالَ الداودي: وفسره ابن عباس بما هو قريب من تفسير عائشة، فقال: كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا مثل ذَلِكَ في يتامى النساء، فانكحوا ما طابَ لكم من النساء في ولايتكم
(1)
. قَالَ: وفي القول اختصار، وهو أنه من القسط لهن أن يستأمرن في أنفسهن ولا يعضلن على نكاح من لم يشأن، وبينه الشارع بقوله:"الأيم أحق بنفسها من وليها"
(2)
وقيل: كانت قريش في الجاهلية تكثر التزوج بلا حصر، فإذا كثرت عليهم المؤن، وقيل ما بأيديهم أكلوا ما عندهم من أموال اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا إلى الأربع حصر العدد.
وقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ} من طاب أو فانكحوا نكاحًا طيبًا.
(1)
"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 857 (4747) بلفظ: فخافوا ألا تعدلوا في النساء.
(2)
مسلم (1421) كتاب النكاح، باب: استئذان الشيب في النكاح ..
22 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} إلي قوله: {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 6 - 7]
وَمَا
(1)
لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ اليَتِيمِ، وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ.
2764 -
حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ -مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ". فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي القُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ. [انظر: 2313 - مسلم: 1632 - فتح: 5/ 392]
2765 -
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ} [النساء: 6]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ. [انظر: 2212 - مسلم: 3019 - فتح: 5/ 392]
(1)
كذا وقع لابن الملقن في نسخته، وفي بعض النسخ فصل بين التبويب للآية والتبويب لعمل الوصي وانظر:"اليونينية" 4/ 10، وأشار إلى ذلك الحافظ في "الفتح" 5/ 392 والعيني في "عمدة القاري" 11/ 293، والأنصاري في "المنحة" 5/ 579.
ووقع أيضًا اختلاف في النسخ في سياق الآية وشرح الكلمات. راجع المواضع السابقة.
ثم ساق حديث ابن عمر في صدقة عمر بثمغ وكان نخلًا.
وفي آخره: (وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ) إلى آخره، وقد سلف
(1)
، والبخاري رواه عن هارون، وهو ابن الأشعث الهمداني الثقة، وهو من أفراده عن أبي سعيد مولى بني هاشم
واسمه: عبد الرحمن (خ س ق) بن عبد الله بن عبيد البصري، نزل مكة يلقب جردقة
(2)
.
وذكر فيه أيضًا حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: 6]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ.
وقد سلف أيضًا
(3)
، ومعنى:{وَابْتَلُوا اليَتَامَى} اختبروهم في عقولهم، تميزهم وأذهانهم، وذلك أن يختبر بعد البلوغ بشيء من ماله، وظاهر القرآن أنه قبله، والمراد بالنكاح هنا: الحكم بالإنفاق، ومعنى:{آنَسْتُمْ} علمتم {رُشْدًا} عقلًا، كما قاله أبو حنيفة؛ لأنه لا يرى الحجر على حر مسلم وصلاحًا في الدين، أو صلاحًا في الدين والمال كما قَالَ الحسن والشافعي، أو صلاحًا وعلما بما يصلح، والأنثى كالذكر عند الشافعي وأبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك أن يضاف إلى ذَلِكَ دخول الزوج بها {إِسْرَافًا} مجاوزة المباح، فإن فرط قيل: أسرف إسرافًا؛ فإن قصر قيل: سرف يسرف {وَبِدَارًا} هو أن يأكله مبادرة أن يكبر فيحول بينه وبين ماله.
(1)
سلف برقم (2313) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف.
(2)
ورد بهامش الأصل ما نصه: ثقة توفي سنة 197.
(3)
سلف برقم (2212) كتاب البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون عليه.
وقوله: {فَلْيَسْتَعْفِفْ} قَالَ زيد بن أسلم وغيره: نسختها: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وهذا ليس تجارة. وقال جماعة: غير منسوخة واختلفوا في معناها، فقالت عائشة ما في الكتاب، وقال عمر: إن غنيت تركت وإذا احتجت أكلت بالمعروف
(1)
.
وقاله ابن عباس
(2)
، وفي حديث مرفوع:"كُلْ من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالك بماله"
(3)
وعندنا يأكل أقل الأمرين من أجره ونفقته وقيل: أجرته.
وفي رد البدل قولان أصحهما: لا. وقيل: نعم، وهو قرض، وهو قول عطاء وجماعات، وروي ذَلِكَ عن عمر وابن عباس، وتأوله الداودي على قول عمر:(إنما)
(4)
أنا في هذا المال كولي اليتيم إذا استغنى عفَّ، وإن احتاج أكل ورد
(5)
. وتأوله الجماعة على أنه لا يرد شيئًا كما سلف.
وقال ابن بطال: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} هو للندب، وإن أكل بالمعروف لم يكن عليه حرج
(6)
.
(1)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 463 (32904)، والطبرى في "تفسيره" 3/ 597 (8599).
(2)
أخرجه الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي كما في "الدر المنثور" 2/ 216.
(3)
رواه أبو داود (2872)، والنسائي 6/ 256، وابن ماجه (2718)، وأحمد 2/ 215 - 216. قال الألباني في "صحيح أبي داود" (2556): إسناده حسن صحيح.
(4)
من (ص).
(5)
سبق تخريجه.
(6)
"شرح ابن بطال" 8/ 182.
وقال ربيعة ويحيى بن سعيد: الأكل ها هنا لليتيم لا للولي، إن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره
(1)
. وقال عكرمة وعروة والشعبي، وروي عن ابن عباس:{فَلْيَسْتَعْفِفْ} قَالَ: يتقوت من ماله حَتَّى لا يصيب من مال اليتيم شيئًا
(2)
.
والإشهاد من باب الندب خوف إنكار اليتيم، وقيل: الإشهاد منسوخ بقوله: {وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا} أي: شهيدًا
(3)
أو كافيًا من الشهود وهذا قول أبي حنيفة أن القول قول الوصي في الدفع. وقيل: معناه فيمن اقترض منه فعليه أن يشهد عند الدفع، وفسر:{حَسِيبًا} في رواية أبي ذر: كافيًا. وقيل: عالمًا. وقيل: مقتدرًا. وقيل: محاسبًا.
وقوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} نزلت بسبب أن الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث، ويقولون: لا يرث إلا من طعن بالرمح
(4)
. وذكر حديث عمر في الباب؛ لذكره أكل الولي منه، وليس من الباب في شيء كما قاله ابن التين؛ لأن عمر شرط ذَلِكَ وشرط إطعام الصديق بخلاف الوصي.
(وثَمْغٌ) بإسكان الميم، وقد فسره بقوله:(وَكَانَ نَخْلًا).
وقوله: (وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ). أي: خطير يتنافس فيه. وقال الداودي: اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس، وقال المهلب: إنما أدخل هذا الحديث في الباب، لأن عمر حبس ماله على أصناف وجعله إلى من يليه وينظر فيه، كما جعل مال اليتيم إلى من يليه وينظر فيه، فالنظر لهؤلاء الأصناف
(1)
"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 867 (4818).
(2)
"تفسير الطبري" 3/ 596 (8596).
(3)
السابق 3/ 604 (8656) عن السدي.
(4)
بمعناه رواه الطبري عن عكرمة في "تفسيره" 3/ 604 (8658).
كالنظر لليتامى، لأنهم من جملة هذِه الأصناف
(1)
.
وقال ابن المنير: حديث عمر غير مطابق للترجمة؛ لأن عمر هو المالك لمنافع وقفه ولا كذلك الموصي على أولاده، فإنهم إنما يملكون المال بقسمة الله تعالى وتمليكه، ولا حق لمالكه فيه بعد موته، فكذلك كان المختار أن وصي اليتيم ليس له الأكل من ماله إلا أن يكون فقيرًا فيأكل
(2)
.
وفيه من الفقه:
أن عمر فهم عن الله تعالى أن لولي هذا المال أن يأكل منه بالمعروف كما قَالَ تعالى، وقوله (غير متمول) كقوله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} فدل أن ما ليس بسرف أنه جائز لولي اليتيم أن يأكله.
وقوله: (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَهُ) ولم يخص غنيًّا من فقير.
فيه: إجازة أكل الغني مما يلي.
وقال ابن بطال: جمهور علماء التأويل إنما أباحوا للولي الأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرًا، ولم يذكروا في ذَلِكَ الغني
(3)
.
والفقهاء على أنه لا رد، وقد روى حديث عمر ولم يذكر فيه الرد، رواه سعيد عن قتادة عن أبي مجلز عنه، ومن رأى الرد فذلك مخالف لظاهر القرآن.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 182.
(2)
"المتواري" ص 320.
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 182.
وأباح ابن عباس للغني أن يشرب من لبن إبل اليتيم بالمعروف من أجل قيامه عليها وخدمته لها، فكيف يجب أن يكون على الفقير أن يقضي ما أكل منها بالمعروف إذا أيسر، والنظر في ذَلِكَ أيضًا يبطل وجوب القضاء؛ لأن عمر شبه مال الله بمال اليتيم، وقد أجمعت الأمة: أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر:(ثم قضيت) إن صح
(1)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 182 - 183.
23 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا} . [النساء: 10]
2766 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ المَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:"الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ".
[5764، 6857 - مسلم: 89 - فتح: 5/ 393]
ثم ساق حديث أَبِي الغَيْثِ -واسمه سالم- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَات". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:"الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكلُ الرِّبَا، وَأَكلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّخفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ".
الشرح:
اليتيم في اللغة: المنفرد، وهو لمن مات أبوه، ومن البهائم: من ماتت أمه
(1)
.
{نَارًا} يصيرون به إلى النار، أو تمتلئ بها بطونهم عيانا يوجب النار، وعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأنه المقصود الأغلب منه، والصلا: لزوم النار.
قَالَ الداودي: وهذِه الآية أشد ما في القرآن على المؤمنين؛ لأنها
(1)
"لسان العرب" 8/ 4948 مادة (يتم).
خير إلا أن تريد مستحلين. وقرئ: {وَسَيَصْلَوْنَ} بفتح الياء وضمها، والفتح أولى:{سَعِيرًا} مسعورة. أي: موقدة شديدًا حرها.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم
(1)
، و (الموبقات): المهلكات، جمع موبقة من أوبق ووابقة: اسم فاعل من يبق وبوقًا إذا هلك، والموبق مفعل منه كالموعد؛ يقال: وبق يبق ووبق. زاد القزاز: بائق ويبيق. وذكرهما النحاس ومعناه: هلك، وعدَّ منها التولي يوم الزحف، وهو حجة على الحسن في قوله: كان الفرار كبيرة يوم بدر؛ لقوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] والزحف أصله المشي المتثاقل، كالصبي يزحف قبل أن يمشي، وسمي الجيش زحفا؛ لأنه يزحف فيه، وإنما يكون الفرار كبيرة إذا فر إلى غير فئة، وإلا إذا كان العدو زائدًا على ضعفي المسلمين.
و"المُحْصَنَاتِ" -بفتح الصاد وكسرها- العفيفات الغافلات عن الفواحش، وليس ذكر هذِه السبع بناف أن لا تكون كبيرة إلا هذِه، فقد ذكر في غير هذا الموضع: قول الزور، وزنا الرجل بحليلة جاره، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، واستحلال بيت الله الحرام، وغير ذلك، ويحتمل أن يكون الشارع أعلم بها في ذَلِكَ الوقت ثم أوحي إليه بعد ذَلِكَ غيرها، أو تكون السبع هي التي دعت إليها الحاجة ذَلِكَ الوقت، وكذلك القول في كل حديث خص عددًا من الكبائر
(2)
قَالَ الشافعي: وأكبرها بعد الإشراك القتل. ودعوى بعضهم أنها سبع كأنه أخذ ذَلِكَ من هذا الحديث، وقال بعضهم: إحدى
(1)
مسلم (89) كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها.
(2)
ورد بهامش الأصل ما نصه: وقد عدها الذهبي في مؤلف مفرد ستًّا وسبعين، وذكر دلائلها، وهو مؤلف حسن.
عشرة. وقال ابن عباس: إلى السبعين أقرب
(1)
. وروي عنه: إلى سبعمائة.
والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة
(2)
.
"وَالسِّحْرُ" حق، ونفاه بعضهم وهو كبيرة، وقيل: لا يحرم.
وتقبل توبته، خلافًا لمالك كالزنديق عنده
(3)
، وقال في الذمي: لا يقتل إلا أن يدخل سحره ضررًا على المسلمين فيكون ناقضًا للعهد فيقتل ولا تقبل منه توبة غير الإسلام، وأما إن كان لم يسحر إلا أهل ملته فلا يقتل إلا إذا قتل أحدًا منهم.
والمشهور انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وادعى بعضهم أنها كلها كبائر. وعبارة بعض المالكية أن عد الفرار من الزحف من الكبائر، المراد: تغليظ أمره وتأكيد منعه وشدة العقاب عليه مما ليس في غيره. قَالَ: وليس المراد أن في المعاصي صغيرًا -على ما يقوله المعتزلة- لأن معاصيه كلها كبائر إلا أن بعضها أكثر عقابًا من بعض وأشد إثمًا، كما أن طاعته كلها يثاب عليها وفيها ما ثوابه أكثر من بعض، وسيأتي الكلام على الكبائر في كتاب: الأدب -إن شاء الله تعالى- ومقصوده هنا أن أكل مال اليتيم من الكبائر كما نص عليه في الحديث، وقد أخبر الله تعالى أن من أكله ظلمًا أنه يأكل النار ويصلى السعير، وهو عند أهل السنة إن أنفذ الله عليه الوعيد؛ لأنه عندهم تحت المشيئة كما سلف.
(1)
رواه الطبري في "تفسيره" 4/ 43 (9207)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 934 (5216).
(2)
رواه الطبري في "تفسيره" 4/ 44 (9208)، وابن أبي حاتم 3/ 934 (5217).
(3)
"التلقين" للقاضي عبد الوهاب ص 492.
قَالَ سعيد بن جبير: لما نزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] أمسك الناس فلم يخالطوا اليتامى في طعامهم حَتَّى نزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}
(1)
[البقرة: 220] وليس في القرآن ويسألونك إلا ثلاث عشرة مسألة من قلة ما كانوا يسألونه، وقد بسطت الخلاف في حد الصغيرة والكبيرة في "شرح المنهاج" وقل ما سلم منها، والإصرار على الصغائر أن يتكرر مثله تكررًا يشعر بقلة مبالاته إشعار مرتكب الكبيرة، ومثله إجماع صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر، وقيل: إنه استمرار العزم على المعاودة أو استدامة الفعل بحيث يدخل فيه ذنبه في حيز ما يطلق عليه الوصف لصيرورته كبيرًا عظيمًا، وليس لزمنه وعدّه حصر، وقيل: إنه يمضي عليه وقت صلاة وما استغفر من ذَلِكَ الذنب. قَالَ ابن مسعود: الكبائر جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}
(2)
[النساء: 31] وعن الحسن هي كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب
(3)
.
وعن ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة
(4)
، وبه قَالَ الأستاذ
(1)
"تفسير الطبري" 2/ 382 (4187) عن سعيد بنحوه، ورواه الطبري عن سعيد ابن عباس 2/ 382 (4185، 4186)، و 2/ 383 (4192، 4196).
(2)
رواه عنه الطبري في "تفسيره" 4/ 39 - 40 (9169 - 9179) وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 934 (5214).
(3)
روي عن ابن عباس كما عند الطبري في "تفسيره" 4/ 44 (9213)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" أيضًا 3/ 934 (5215) وقال ابن أبي حاتم بعده وروي عن الحسن نحو ذلك.
(4)
رواه الطبري في "تفسيره" 4/ 43 (9202 - 9203).
أبو إسحاق وغيره، ونقله القاضي عياض عن (مذهب)
(1)
المحققين
(2)
؛ لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة. قَالَ القرطبي: وما أظنه صحيحًا عنه -يعني ابن عباس- من عدم التفرقة بين المنهيات، فإنه قد فرق بينهما في قوله:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ} [النساء: 31]{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرق بينهما في الحكم لما جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللممَ من الكبائر والفواحش، فالرواية عنه لا تصح أو ضعيفة
(3)
.
(1)
من (ص).
(2)
"إكمال المعلم" 1/ 355.
(3)
"المفهم" 1/ 284.
24 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} الآية [البقرة: 220]
{لأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220] لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، {وَعَنَتْ} [طه: 111]: خَضَعَتْ.
2767 -
وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَي قَرَأَ: {وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [البقرة: 220] وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ: يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ. [فتح: 5/ 394]
وَقَالَ أنبأنا سُلَيْمَانُ: أنبأنا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: مَا رَدَّ ابن عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً. وَكَانَ ابن سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاووسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَى قَرَأَ: {وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} . وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِير وَالكَبِير: يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ.
الشرح:
لما نزل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152]{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] تحرجوا من خلط طعامهم بأطعمة اليتامى، فعزلوا أطعمة اليتامى حَتَّى ربما فسدت عليهم، فنزلت:{وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} أي: في الطعام والشراب والسكنى واستخدام العبيد {فَإِخْوَانُكُمْ} وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: بقيت الغنم لا راعي لها والطعام ليس له صانع. فنزلت ونسخ
ذَلِكَ: {وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} أي: يعلم من يخالطهم للخيانة، ومن لا يريد الخيانة.
وقوله: {لَأَعْنَتَكُمْ} لشدد عليكم في عدم المخالطة أو يجعل ما أصبتم به من أموال اليتامى موبقًا، ولكنه يسر ووسع، فقال:{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} الآية [النساء: 6].
وقول البخاري: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ}
(1)
[طه: 111]. لا وجه له في هذا الموضع؛ لأن {لَأَعْنَتَكُمْ} (مشتق)
(2)
من عنت يعنت عنتًا لام الفعل منه تاء، وهو غير معتل، وعنت الوجوه من عنا يعنو إذا خضع، معتل، لام الفعل منه واو ذهبت مع هاء التأنيث من قوله:{وَعَنَتِ الوُجُوهُ} عزيز في سلطانه، قادر على الإعنات، حكيم في تدبيره بترك الإعنات. قَالَ أبو عبيد: لما ذكر ما سلف أنه ناسخ. هو عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار أنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية، وقد يتساوون في قلة الطعام وكثرته، وليس كل من قل طعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم أوسع.
(1)
ورد بهامش الأصل: قال في "المطالع" وعنت الوجوه: خضعت. كذا لهم، وعند الأصيلي وعنت: خضعت، وليس عنده الوجوه، فجاء على لفظ العنت المذكور في الآية، وعلى رواية: وعنت الوجوه يكون بين لفظ العناء؛ لأن التاء فيه غير أصلية، إنما هي علامة التأنيث وفي رواية الأصيلي: هي أصلية، لكن عنت بمعنى خضعت غير معروف في اللغة، وهذا مما انتقد على البخاري. انتهى. وفي قوله: غير معروف في اللغة. فيه نظر، فقد ذكر الفربري في العين المفتوحة أن (عنت) استأثرت وذلت وخضعت.
(2)
من (ص).
وقوله: (ما رد ابن عمر على أحد وصيته). لعله كان يبتغي في ذَلِكَ الأجر لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى
(1)
.
(1)
سيأتي برقم (5304) كتاب: الطلاق، باب: اللعان.
25 - باب اسْتِخْدَامِ اليَتِيمِ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، إِذَا كَانَ صَلَاحًا لَهُ، وَنَظَرِ الأُمِّ وَزَوْجِهَا لِلْيَتِيمِ
2768 -
حَدَّثَنَا يَعْقوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَمدِينَةَ لَيْسَ لَه خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَام كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ: فَخَدَمْتهُ فِي السَّفَرِ وَالَحْضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَئ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هذا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَئ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هذا هَكَذَا؟ [6038، 6911 - مسلم: 3309 - فتح: 5/ 395]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِم، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالحَضرِ، مَا قَالَ لِشَئ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هذا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَئ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصنَعْ هذا هَكَذَا؟
الشرح:
فيه: نظر الرجل لربيبه إذا كان عنده.
قَالَ ابن التين: وأكثر أصحاب مالك على أن الأم وغيرها لهم ولاية التصرف في مصالح من في كفالتهم ويعقدون له وعليه، وإن لم يكونوا أوصياء ويكون حكمهم حكم الأوصياء. وقيل: حَتَّى يكون بينه وبين الطفل قرابة. وقال ابن القاسم: لا يفعل ذَلِكَ إلا أن يكون وصيًّا. ووافقهم ابن القاسم في اللقيط. وقول: أنس كيس هو ضد الأحمق.
وفيه: السفر باليتيم إذا كان ذَلِكَ من الصلاح.
وفيه: الثناء على المرء بحضرته إذا أومن عليه الفتنة. قَالَ أنس: خدمته وأنا ابن عشر، وتوفي وأنا ابن عشرين. وتوفي أنس سنة ثلاث وتسعين أو اثنتين، وقد زاد على المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وكان في كبره ضعف عن الصوم في رمضان، وكان يفطر ويطعم.
قَالَ المهلب: وفيه: جواز استخدام اليتيم الحر الصغير الذي لا يحوز أمره.
وفيه: أن خدمة العالم والإمام واجبة على المسلمين، وأن ذَلِكَ شرف لمن خدمهم لما يرجى من بركة ذلك
(1)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 187.
26 - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودَ فَهْوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ
2769 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، [وَكَانَ] أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ:"بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ -أَوْ رَايِحٌ شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ- وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ:"رَايِحٌ". [انظر: 1461 - مسلم: 998 - فتح: 5/ 396]
2770 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ". قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ [به] عَنْهَا. [انظر: 2756 - فتح: 5/ 396]
ذكر فيه حديث أَنَسِ في قصة بيرحاء. وفيه: "بَخْ بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ" شك ابن مسلمة، وقال في آخره: (وقال إسماعيل وعبد الله بن يوسف ويحيى بن يحيى عن مالك: رايح.
وحديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ". قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ [بِهِ] عَنْهَا.
وقد سلف أيضًا
(1)
، وقوله:(مخرافًا). قَالَ الدمياطي: صوابه مَخْرَفًا، وكذا يرويه مالك في "موطئه" من حديث أبي قتادة
(2)
، والمخرف -بكسر الميم- ما يجتنى فيه الثمار. قَالَ المهلب: إذا لم يبين الحدود في الوقف، فإنما يجوز إذا كان للأرض اسم معلوم يقع عليها ويتعين به كما كان بيرحاء، ولما كان المخراف معينًا عند من أشهده، وعلى هذا الوجه تصح الترجمة، وأما إذا لم يكن الوقف معينًا، وكانت له مخاريف وأموال كثيرة، فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد والتعيين في هذا
(3)
. وقال ابن المنير: الوقف لازم (بالنية)
(4)
واللفظ المشار به للمقصود فقد يتلفظ باسمه العلم وبحدوده، وقد يتلفظ باسمه المتواطئ خاصة، وقد يذكر العلم ولا يذكر المحدود به.
والمخراف: الحائط، وقد ذكره منكرًا متواطئا، لكنه قصد مكانًا أشار إليه مطابقًا لنيته، وكلاهما لازم والترجمة مطابقة. ووهم المهلب في قوله: لا خلاف في هذا، بل لا خلاف فيما أورده البخاري في
أنه إنما يفرض لجواز الوقف، وقد ثبت أن الوقف على هذِه الصورة لازم له.
(1)
سلف برقم (2756) باب: إذا قال: أرضي أو بستاني.
(2)
"الموطأ" رواية يحيى ص (282)، وقد مضى عند البخاري برقم (2100).
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 188.
(4)
في "المتواري": بالبينة.
قَالَ ابن بطال: وفيه أن لفظ الصدقة تخرج الشيء المتصدق به عن ملك الذي يملكه قبل أن يتصدق ولا رجوع له فيه، وهو حجة لمالك في إجازته للموهوب له وللمتصدق عليه المطالبة بالصدقة وإن لم يحزها حَتَّى يحوزها، وتصح له ما دام المتصدق والواهب حيًّا، بخلاف ما ذهب إليه الكوفيون والشافعي أن اللفظ بالصدقة والهبة لا يوجب شيئًا لمعين وغيره حَتَّى يقبض، وليس للموهوب له ولا للمتصدق عليه المطالبة بها على ما سلف في كتاب: الهبات.
وفي هذا الحديث دليل أن الكلام بها قد أوجب حكمًا فله المطالبة للمعين على ما قاله مالك؛ لقوله: (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ يا رسول اللهِ، فَضعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ). فلم يجز لأبي طلحة الرجوع فيها بعد قوله: إنها صدقة يا رسول الله. لأنه قد صح إخراجه لها عن ملكه بهذا اللفظ إلى من يجوز له أخذها.
وفيه: أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يملكه أحدًا، فجائز أن يضعه حيث أراه الله من سبل الخير، على ما تقدم قريبًا في باب: إذا وقف شيئًا ولم يدفعه إلى غيره فهو جائز، وأنه يجوز أن يشاور فيه من يثق برأيه، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى، كما قَالَ بعض الناس: معنى قول الرجل: لله، وفي سبيل الله كذا دون كذا، ألا ترى أن الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبي طلحة، ولو سبلها في وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره.
وذهبَ مالك والشافعي إلى أن من حبس دارًا على قوم معينين أو تصدق عليهم بصدقة ولم يذكر أعقابهم، أو ذكر ولم يجعل نقدها بعدهم مرجعًا إلى المساكين أو إلى من لا يعدم وجوده من وجوه البر
فمات المحبس عليهم وانقرضوا، أنها لا ترجع إلى الذي حبسها
أبدًا، ورجع حبسًا على أقرب الناس بالحبس يوم رجع لا يوم حبس
(1)
، ألا ترى أن أبا طلحة جعل حائطه ذَلِكَ صدقة لله تعالى ولم يذكر وجهًا من الوجوه التي توضع فيه الصدقة أمره الشارع أن يجعلها في أقاربه، وكذلك كل صدقة لا يذكر لها مرجع تصرف على أقاربه للتصدق بهذا الحديث، وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه حياة المتصدق عليه، فإذا أراد ذَلِكَ فهي عنده عمرى ترجع إلى صاحبها بعد انقراض المتصدق عليه. ولمالك فيها قول ثان: إنه إذا حبس على قوم معينين ولم يجعل لها مرجعًا إلى المساكين أنها ترجع ملكًا إلى ربها كالعمرى، قيل لمالك: فلو قَالَ في صدقته هي حبس على فلان هل تكون بذلك محبسة؟ قَالَ: لا؛ لأنها لمن ليسَ بمجهول، وقد حبسها على فلان فهي عمرى؛ لأنه أخبر أن تحبسها غير دائم ولا ثابت، وأنه إلى غاية، ولم يختلف قوله: إذا قَالَ: هي حبس صدقة لأنها لا ترجع إليه أبدًا، والألفاظ التي ينقطع بها ملك الشيء عن ربه، ولا تعود إليه أبدًا عند مالك وأصحابه أن يقول حبس صدقة، أو حبس على أعقاب مجهولين مثل الفقراء والمساكين، أو في سبيل الله. فهذا كله عندهم مؤبد لا ترجع إلى صاحبها ملكًا أبدًا، وأما إذا قَالَ: حياة المحبس عليه، أو إلى أجل من الآجال. فإنها ترجع إلى صاحبها ملكًا أو إلى ورثته وهي كالعمرى والسكني. قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يأمر وصيه أن يضع ثلثه حيث أراه الله، فقالت طائفة: يجعله في (سبيل)
(2)
الخير ولا يأكله، هذا قول مالك، وبه قَالَ الشافعي وزاد: ولا يعطيه وارثًا للميت؛ لأنه إنما كان يجوز له
(1)
"المدونة الكبرى" 4/ 376.
(2)
كذا في الأصل وفي (ص): سبل.
منه ما كان يجوز للميت. وقال أبو ثور: يجوز أن يعطيه لنفسه أو لولده أو لمن شاء ويجعله لبعض ورثة الميت، وليست هذِه وصية للميت إنما هذا أمر الموصي أن يضعه حيث شاء، وهو قول الكوفيين غير أنهم قالوا: ليس له أن يجعلها لأحد من ورثة الميت، فإن جعله لبعضهم فهو باطل مردود على جميع الورثة.
وفيه: أن من تصدق بشيء من ماله بعينه أن ذَلِكَ يلزمه، وإن كان أكثر من ثلث ماله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل لأبي طلحة هو ثلث مالك؟ كما قَالَ لأبي لبابة، وقال لسعد:"الثلث والثلث كثير"
(1)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 188 - 191، والحديث سلف برقم (1295) كتاب: الجنائز، باب: رثى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، وفي مسلم برقم (1628) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.
27 - باب إِذَا أَوْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ
2771 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا". قَالُوا: لَا. وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. [انظر: 234 - مسلم: 524 - فتح: 5/ 398]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكمْ هذا". قَالُوا: لَا والله، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى اللهِ.
هذا الحديث سلف في المساجد
(1)
وأنه كان مربدًا لتمر ليتيمين من الأنصار في حجر سعد بن زرارة فطلبه منهما وبناه مسجدًا، ووقف المشاع جائز عندنا وعند مالك
(2)
وأبي يوسف كهبته وإجارته، وقال محمد بن الحسن: لا يجوز بناؤه على أصلهم (في الامتناع من إجازة المشاع
(3)
، وحجة من أجازه أن بني النجار جعلوا حائطهم لمكان المسجد)
(4)
وقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وأجاز الشارع ذَلِكَ من فعلهم وكان ذَلِكَ وقفًا للمشاع، والحجة في السنة لا في خلافها.
(1)
سلف برقم (428) باب: هل ينبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد.
(2)
"المعونة" 2/ 500.
(3)
"الهداية" 3/ 252، "مختصر اختلاف العلماء" 4/ 159.
(4)
ساقطة من الأصل.
28 - باب الوَقْفِ وكَيْفَ يُكْتَبُ
؟
2772 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ:"إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، فِي الفُقَرَاءِ وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. [انظر: 2313 - مسلم: 1632 - فتح: 5/ 399]
29 - باب الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَالضَّيْفِ
2773 -
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، قَالَ:"إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضَّيْفِ. [انظر: 2313 - مسلم: 1632 - فتح: 5/ 399]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فقَالَ:"إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضيْفِ.
وذكر قبله: باب الوقف كيف يكتب ثم ساق فيه الحديث المذكور. وأخره ابن بطال بعده
(1)
، ولا شك أنه ليس من شرط الوقف أن يكون للفقراء والمساكين خاصة، ألا ترى أن عمر شرط في وقفه معهما ذا القربى والضيف وقد يكون فيهم أغنياء، وكذلك قَالَ صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة:"إني أرى أن تجعلها في الأقربين" فجعلها لحسان (بن ثابت)
(2)
وأبي بن كعب ولم يكونوا فقراء، ولم يحرم الله على الأغنياء من الصدقات إلا الزكاة وصدقة الفطر خاصة، وأحل لهم الفيء والجزية وصدقات التطوع كلها، فجائز للواقف أن يجعل وقفه لمن شاء من أصناف الناس أغنياء كانوا أو فقراء، قرباء كانوا أو بعداء له شرط في ذَلِكَ وهذا لا خلاف فيه
(3)
.
وحديث عمر هذا أصل في إجازة الحبس والوقف، وهو قول أهل
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 191 - 193.
(2)
من (ص).
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 192.
المدينة والبصرة ومكة والشام والشعبي من أهل العراق، وبه قَالَ أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي. وقَالَ أبو حنيفة وزفر: الحبس باطل ولا يخرج عن ملك الذي وقفه ويرثه ورثته، ولا يلزم الوقف عنده إلا أن يحكم به حاكم وينفذه، أو يوصي به بعد موته، وإذا أوصى به اعتبر من الثلث، فإن جمله الثلث جاز وإلا رد.
وحجة الجماعة قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: "إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا" وهذا يقتضي أن الشيء إذا حبس صار محبوسًا ممنوعًا منه لا يجوز الرجوع فيه؛ لأن هذا حقيقة الحبس ألا ترى أن عمر لما أراد التقرب بفعل ذَلِكَ رجع في صفته إلى بيان الشارع، وذلك قوله:(فتصدق بها عمر أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، وعند المخالف أن هذا باطل وليس في الشريعة صدقة بهذِه الصفة، وأيضًا فإن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن الخلفاء الأربعة وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاصي وابن الزبير وجابرًا كلهم وقفوا الوقوف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة.
واحتجاج أبي حنيفة بما رواه عطاء عن ابن المسيب قَالَ: سألت شريحًا عن رجل جعل داره حبسًا على الأخِرِ فالآخِرِ من ولده. وقالوا: لا حبس على فرائض الله قالوا: فهذا شريح قاضي عمر وعثمان وعلى والخلفاء الراشدين حكم بذلك
(1)
وبما رواه ابن لهيعة عن أخيه عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل الله فيها الفرائض:
(1)
"شرح معاني الآثار" 4/ 96 (5877)، و"سنن البيهقي" 6/ 162 وفيه أن السائل هو عطاء بن السائب.
"نهي عن الحبس"
(1)
(2)
وفي لفظ: "لا حبس بعد سورة النساء"
(3)
فلا حجة فيه لضعف ابن لهيعة، -يعني: عبد الله- ونسب إلى الاختلاط، وأخوه لا يعرف
(4)
ووقع في العقيلي: عثمان بدل عيسَى
(5)
.
ولا حجة أيضًا في قول شريح؛ لأن من تصدق بماله في صحة بدنه فقد زال ملكه عنه، ومحال أن يقال لمن زال ملكه عنه قبل موته بزمان: حبسه عن فرائض الله. ولو كان حابسًا عن فرائض الله من أزال ملكه عما ملكه لم يجز لأحد التصرف في ماله، وفي إجماع الأمة أن ذَلِكَ ليس كذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول شريح أنه بمعنى إبطال الصدقات المحرمات، وثبت أن الحبس عن فرائض الله إنما هو لما يملكه في حال موته، فبطل حبسه كما قَالَ شريح ويعود ميراثًا بين ورثته.
مثاله أن يحبس مالًا على إنسان بعينه فيجعل له غلته دون رقبته، أو على قوم بأعيانهم ولا يجعل لحبسه مرجعًا في السبل التي لا يفقد أهلها بحال، فإن ذَلِكَ يكون حبسًا (عن)
(6)
فرائض الله.
(1)
"شرح معاني الآثار" 4/ 96 - 97 (5878).
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 194 - 195.
(3)
الطبراني 11/ 365 "السنن الكبرى" للبيهقي 6/ 162، (11906)، (11907).
(4)
ورد بهامش الأصل: وأخوه عيسى ضعفه الدارقطني في "السنن" وليس بمجهول كذا أحفظه من الدارقطني ثم إني رأيت في "الميزان" للذهبي ما لفظه: روى ثقتان عن ابن لهيعة، عن أخيه عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر ما في الأصل، ثم عقبه بقوله: قال الدارقطني: ضعيف انتهى. وقد رأيت عيسى في "ثقات ابن حبان" وذكر في ترجمة الحديث المذكور في الأصل.
(5)
"الضعفاء الكبير" 3/ 397 وفيه: عيسى بن لهيعة، وليس عثمان وقد ساق له العقيلي هذا الحديث قائلًا: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.
(6)
كذا بالأصل وفي المطبوع من ابن بطال (على).
وليس في حديث عطاء أن الرجل جعل لحبسه مرجعًا بعد انقراض ورثته ولا أخرجها من يده إلى من حبسها عليه ولا إلى (ناقض)
(1)
حَتَّى يحدث به الوفاة، فكانت لا شك أن صاحبها هلك وهي في ملكه ولورثته بعد وفاته، فيكون هذا من الحبس عن فرائض الله إذ كانت الصدقة لا تتم لمن تصدق بها عليه إلا بقبضه لها، وأما الصدقة التي أمضاها المتصدق بها في حياته على ما أذن الله به على لسان رسوله وعمل بها الأئمة الراشدون فليس من الحبس عن فرائض الله.
ولا حجة في قول شريح ولا أحد مع مخالفة السنة وعمل أئمة الصحابة
(2)
الذين هم الحجة على جميع الخلق، ويقال لمن احتج بقول شريح في إبطال الصدقات المحرمات في الصحة إن شريحًا لم يقل: لا حبس عن فرائض الله في الصحة، فكيف وجب أن تكون صدقة المتصدق في حال الصحة من الحبس عن فرائض الله، ولا يجب أن تكون صدقته في مرضه الذي يموت فيه أو في وصيته من الحبس عن فرائض الله، ومعنى الصدقتين واحد، وكما أن في مرضه يتصدق في ثلثه كيف شاء كذا في صحته في كل ماله، فلما كان ما يفعله في ثلثه لا يدخل في "لا حبس" كذا ما كان في صحته من باب أولى.
وحديث ابن عباس مؤول بأولى من تأويل شريح، وهو أن المراد نفي ما كانت الجاهلية تفعله من السائبة ونحوها، فإنهم كانوا يحبسون ما يجعلونه كذلك، ولا يورثونه أحدًا فلما نزلت آية المواريث قَالَ:
(1)
كذا بالأصل وفي المطبوع من ابن بطال (فائض).
(2)
ورد بهامش الأصل: قال جابر: ما بقي أحد من الصحابة وله مقدرة إلا وقف.
وقال الشافعي: بلغني أن ثمانين صحابيًا من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات موقوفات.
"لا حبس"
(1)
(2)
وهو مروي عن مالك، فإن قلت: مقتضاه نفي كل حبس فعل في الإسلام وكان في الجاهلية. قلتُ: هو نفي لما كانوا يفعلونه وهم كفار بعد الإسلام، فإن قلت: كيف تخرج من ملك أربابها لا إلى ملك مالك؟ قلتُ: لا إنكار فيخرج عن ملك مالكه إلى المالك الحقيقي، وهو الرب جل جلاله بدليل المسجد
(3)
. قَالَ الطحاوي: وتأوله بعضهم على ما كان من الأحباس منقطع بانقطاع ما حبس عليه وبموت من حبس عليه، فيرجع جانبًا من الحبس.
تنبيهات:
أحدها: قوله: (وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ). المال هنا هو الأرض المذكورة في أوله في الرواية الأخرى، وفي الباب بعده. وذكر الطحاوي في كتابه "اختلاف العلماء" أن المال كان مائة سهم اشتراها (استجمعها)
(4)
وفي "المحلى" لابن حزم: وتصدق بمائة وسق حبسها بوادي القرى
(5)
.
ثانيها: فيه أن خيبر قسمت و (أخذ)
(6)
كل أحد ماله. والأنفس: الأجود. قَالَ الداودي: اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس من جلالته قَالَ: وفيه: أن مفهوم الخطاب يجري مجرى الخطاب لقوله: كيف تأمرني به؟
ثالثها: الحبس: المنع. وحكى الداودي عن الكوفي وأصحابه وشريح أن الأحباس تورث، وإنما يجوز ما قبض في حياته، قَالَ:
(1)
سبق تخريجه.
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 195 - 197.
(3)
"شرح معاني الآثار" 4/ 97 - 98.
(4)
في (ص): بأجمعها. ولعله الصواب وانظر "مختصر اختلاف العلماء" 4/ 159 وفيه (محبسها).
(5)
"المحلى" 9/ 180.
(6)
في (ص): علم.
وهم يقولون: يرجع في صدقته ما لم يقبض. والذي حكاه في "المعونة" عن الكوفي أنه لا يزول الوقف عن اسم ملك مالكه قبض أو لم يقبض، ويرجع فيه بالبيع والهبة، ويورث عنه إلا أن يحكم به حاكم أو يكون الوقف مسجدًا أو سقاية أو يوصي به فيكون في ثلثه
(1)
، وأتى أبو (سفيان)
(2)
البصرة فذكر له أمر الحبس فأخبر بحديث ابن عمر في حبس والده عمر وقيل له: أيوب يرويه عن نافع عن ابن عمر. قَالَ: فمن يحدثنا به عن أيوب؟ فحدثه ابن علية، فرجع وقال: هذا شيء لم يكن عندنا. وروي عن عيسى بن أبان أن أبا يوسف لما قدم بغداد من الكوفة كان على رأي أبي حنيفة في بيع الأوقاف، فلما أخبر بحديث ابن عون عن نافع حديث عمر قَالَ: هذا لا يسع أحدًا خلافه ولو تناهى إلى أبي حنيفة لقال به، ولما خالفه
(3)
، وسمعت بكارًا أيضًا يقول: قدم أبو يوسف البصرة وهو على مذهب أبي حنيفة في بيع الوقف، فجعل لا يرى أرضًا نفيسة إلا وجدها وقفًا عن الصحابة، ثم صار إلى المدينة فرأى بها أوقافًا كثيرة عن الصحابة وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفع كلام أبي حنيفة.
(1)
"المعونة" 2/ 484.
(2)
بهامش الأصل: لعله أو المثبت: يوسف. كان أبو يوسف رحمه الله يقول أولاً بقول أبي حنيفة في الوقف، ولما حج مع هارون الرشيد، رأى وقوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ونواحيها ورجع أيضًا عن تقدير الصاع بثمانية أرطال وعن أذان الفجر قبل طلوعه، وقد رأيت عن الشبيلي ما لفظه: ووقف الخليل باق إلى وقتنا هذا، وقد أمرنا بابتياعه. انتهى.
(3)
"مختصر اختلاف العلماء" 4/ 158.
30 - باب وَقْفِ الأَرْضِ لِلْمَسْجِدِ
2774 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: - لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ وَقَالَ: " يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا". قَالُوا: لَا وَاللهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ. [انظر: 234 - مسلم: 524 - فتح: 5/ 404]
ذكر فيه حديث أَنَسِ: لَمَّا قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ وَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا". قَالُوا: لَا والله، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ.
وقد سلف
(1)
وترجم عليه بعد باب: إذا قَالَ الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز
(2)
، وهو حجة على أبي حنيفة في إبطاله الأوقاف والأحباس؛ لأن الأمة مجمعة أن من جعل أرضًا له مسجدًا للمسلمين في صحته فإنه ليس لورثته ردها ميراثًا بينهم. وقال أبو حنيفة في الرجل يحبس داره على المساكين يسكنونها: إنها ترجع ميراثًا بين ورثته، ويجيز ذَلِكَ إن فعله في مرضه أو في وصيته، ويكون في ثلثه، فإن قَالَ: إن المسجد لا يجوز له ولا لورثته الرجوع فيه بعد أن أخرجه في صحته وجعله مسجدًا لجماعة المسلمين.
فيقال له: ما الفرق بين جعله مسجدًا أو سقاية أو مقبرة أو مرفقًا لجماعة المسلمين؟ وهل بينك وبين من عكس هذا عليك فأجاز ما أبطلت وأبطل ما أجزت فرق من أصل أو قياس؟ فليس تقول في شيء من
(1)
سلف برقم (428) كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
…
(2)
سيأتي برقم (2779).
ذَلِكَ قولاً إلا ألزم في الآخر مثله، وقد أجاز العلماء أوقاف أهل الذمة ولم يرو نقضها، فكيف أهل الإسلام؟ وسُئل أبو الحسن علي بن ميسرة البغدادي عن رجل كان له على نصراني دين، فأفلس النصراني ولا مال له سوى وقفه على أهل ملته قبل استحداثه الدين، هل يجوز نقض الوقف وأخذ المسلم له قضاء من دينه أم لا؟ فأجاب: بأن أهل الذمة ليست أملاكهم مسندة، وإنما لهم شبهة ملك على ما في أيديهم، فإذا اختاروا رفع أيديهم عن الشبه ارتفعت، ولم يعترض عليهم في نقض ما عقدوه مما لو كان في شريعتنا لم يجز نقضه؛ لأنهم على ذَلِكَ صولحوا، ولما جاز إقرارهم على غير دين الحق إذا أعطوا الجزية وجب ألا يعترض عليهم في نقض وقف ولا غيره مما يتعلق بحق الله تعالى
(1)
(2)
.
(1)
ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد الثمانين كتبه مؤلفه.
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 192 - 193.
31 - باب وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالْكُرَاعِ وَالْعُرُوضِ وَالصَّامِتِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى غُلَامٍ لَهُ تَاجِرٍ يَتْجُرُ بِهَا، وَجَعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبْحِ تِلِكَ الأَلْفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً في الْمَسَاكِينِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا.
2775 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلاً، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبْتَاعَهَا، فَقَالَ:"لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ". [انظر: 1489 - مسلم: 1621 - فتح: 5/ 405]
ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ عن عُمَرَ في قصة حَملِ الفَرَس وأخبر أنها تباع فقال له عليه السلام "لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تعد فِي صَدَقَتِكَ". وقد سلف
(1)
.
واختلف العلماء في وقف الحيوان والعروض والدنانير والدراهم، فأجاز ذَلِكَ مالك إلا أنه كره وقف الحيوان أن يكون على العقب، فإن وقع أمضاه، وأجاز ابن القاسم وأشهب وقف الثياب، وقال ابن التين: مشهور مذهب مالك جوازه في الحيوان والعروض، ويجوز في الريع قولًا واحدًا عنده. وأجاز الشافعي
(2)
ومحمد بن الحسن وقف الحيوان. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز [وقفها، ويجوز أيضًا]
(3)
وقف
(1)
سلف برقم (1489). كتاب الزكاة، باب: هل يشتري الرجل صدقته.
(2)
"الوسيط" 2/ 396.
(3)
زيادة من (ص).
الحيوان والعروض والدراهم والدنانير وقالوا: إن هذِه أعيان لا تبقى على حالة أبد الدهر فلا يجوز (وقفها)
(1)
، وأيضًا فإن الوقف يصح على وجه التأبيد، فمن أجازه فيما لا يتأبد صار كمن وقف وقفًا مؤقتًا يومًا أو شهرًا أو سنة، ولا يجوز، ولو صح الوقف فيما لا يتأبد لصح في جميع الأثمان وسائر ما يملك كالهبة والوصية، وحكاه الطحاوي في "اختلاف العلماء" عن زفر والحسن بن زياد أيضًا، قَالَ: وعلى هذا عامة علماء أهل الكوفة. وقال ابن القصار: الوقف المؤقت يجوز عند مالك ويجوز في جميع الأنواع مما لا يبقى غالبًا
(2)
.
وجه من أجاز وقف الحيوان والسلاح حديث عمر في الفرس الذي حمل عليها في سبيل الله.
وقوله في حق خالد: "إنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله"
(3)
، والأعتاد: الخيل، فأخبر أنه حبس ذَلِكَ في سبيل الله. ولفظ: حبس يقتضي أن يكون محبوسًا عن جميع المنافع إلا على الوجه الذي حبس فيه، ولو لم يصح تحبيس ذَلِكَ لم يكونوا ظالمين فيما طلبوا من ذَلِكَ، ولكان يبطله.
فإن قلت: لا حجة في حديث عمر على جواز وقف الحيوان؛ لأن هذا الفرس الذي حمل عليه عمر في سبيل الله إنما كان هبة منه له فلذلك جاز له بيعه، ولو كان حبسًا لم يجز بيعه. ولذلك قَالَ الشافعي وابن الماجشون: لا يجوز بيع الفرس الحبس ويترك أبدًا.
(1)
في (ص): دفعها.
(2)
"مختصر اختلاف العلماء" 4/ 161 - 162.
(3)
سلف برقم (1468) كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} موصولاً وقبله في باب: العرض في الزكاة. معلقًا.
قلتُ: ربيعة ومالك أجازا بيعه إذا لم يبق فيه قوة للغزو، ويجعل ثمنه في آخر. قَالَ ابن القاسم: فإن لم يبلغ شورك به فيه، وكذلك الثياب إذا لم يبق فيها منفعة بيعت واشتري بثمنها ما ينتفع به، فإن لم يمكن تصدق في سبيل الله.
وأما صحة الحجة بحديث عمر في الباب، فلا يخلو أن يكون هذا الفرس الذي حمل عليه عمر حبسًا أو هبة وتمليكًا، وعليهما فقد جاز للرجل بيعه ولم يأمره بفسخه حين بلوغه، ونهيه عن شرائه للتنزيه، إذ لو كان حرامًا لبينه، وقد سلف شيء من ذَلِكَ في باب: إذا حمل على فرس في سبيل الله فهو كالعمرى والصدقة في آخر أبواب المنحة والهبات.
واختلفوا في وقف الدراهم والدنانير على من تكون زكاتها، فقال مالك في "المدونة": لو أن رجلاً حبس مائة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردونها، هل ترى فيها زكاة؟ قَالَ: نعم، الزكاة فيها قائمة كل عام
(1)
. وخالف في ذَلِكَ ابن القاسم فقال في رجل قَالَ لرجل: هذِه المائة في ينار تتجر فيها ولك ربحها وليس عليك فيها ضمان. فليس على الذي في يده أن يزكيها ولا على الذي هي له زكاتها حَتَّى يقبضها، فيزكيها زكاة واحدة. قَالَ سحنون: أراها كالسلف وعليه ضمانها إن تلفت، بمنزلة الرجل يحبس المال على الرجل فينتقص أنه ضامن له.
وأما قول الزهري السالف في الرجل يجعل ألف دينار في سبيل الله أنه لا يأكل من ربحها فإنما ذَلِكَ إذا كان في غنى عنها، وأما إن احتاج وافتقر فمباح له الأكل منها ويكون كأحد المساكين. قَالَ ابن حبيب:
(1)
"المدونة الكبرى" 1/ 285.
وهذا مالك وجميع أصحابنا يقولون: إنه ينفق على ولد الرجل وولد ولده من حبسه إذا احتاجوا، وإن لم يكن لهم في ذَلِكَ اسمًا فإذا استغنوا فلا حق لهم. واستحسن مالك أن لا يرغبوها إذا احتاجوا، وأن يكون لهم سهم منها جار على الفقراء لئلا يدرس، وقاله ربيعة ويحيى بن سعيد
(1)
.
تنبيهات:
أحدها: قَالَ الإسماعيلي في الترجمة: وإيراده الحديث إذا كان أجل الوقف ما ذكره من أرض عمر، وأنها لا تباع إلى آخره، فكيف جاز أن يباع فرس عمر الموقوف في سبيل الله؟ وكيف لا ينهى بائعه عنه أو يمنع من بيعه؟ فلعل معناه أن عمر كان جعله صدقة يعطيها من يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاها رجلاً فباعها. قَالَ: وما ذكره في وقف الصامت خلاف ما ذكره في أجل الوقف؛ لأن الوقف الذي أذن فيه ما حبس أصله، ولا ينتفع بالصامت إلا بأن يخرج الصامت الموقوف
بعينه إلى شيء غيره، فليس هذا بحبمس الأصل وإنما يقع الحبس على ما يعود البيع من فضله من ثمر أو غلة أو ما يرتفق به والعين قائمة محبوسة على أصلها لا على ما ينتفع به إلا بإفادة عينه.
ثانيها: الكراع: اسم لجميع الخيل، وأنَّث الفرس هنا بقوله: أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحمل عليها.
ثالتها: قَالَ ابن حزم: أبطلت طائفة الحبس جملة، وهو قول شريح، وروي عن أبي حنيفة، وطائفة قالت: لا حبس إلا في سلاح أو كراع.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 198 - 200.
روي ذَلِكَ عن على وابن مسعود وابن عباس
(1)
، ولم يصح عن واحد منهم، أما من أبطله جملة فإن عبد الملك بن حبيب روى عن الواقدي أنه قَالَ: ما من أحد من الصحابة إلا وقد وقف وقفًا وحبس أرضًا إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه كان يكره الحبس
(2)
.
ثم ذكر حديث شريح وابن لهيعة السالفين
(3)
، وذكر حديث شريح من طريق ابن عيينة عن عطاء بن السائب عنه ورده بالانقطاع
(4)
وقال في حديث ابن لهيعة: إنه موضوع، ولا خير في ابن لهيعة، وأخوه مثله. وبيان وضعه أن سورة النساء نزلت أو بعضها بعد أحد، وحبس الصحابة أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خيبر، تواتر ذلك عنه، فلو صح خبر ابن لهيعة لكان منسوخًا
(5)
.
واحتجوا أيضًا لما رويناه من طريق ابن وهب ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار ومحمد وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كلهم عن أبي بكر بن محمد قَالَ: إن عبد الله بن زيد قَالَ: يا رسول الله، إن حائطي هذا صدقة -وفي لفظ: موقوفة- وهو إلى الله ورسوله فجاء أبواه فقالا: يا رسول الله، كان قوام عيشه منه. فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث منقطع؛ لأن أبا بكر لم يلق عبد الله بن زيد قط، وأيضًا فليس لأحد أن يتصدق بقوام عيشه، بل هو منسوخ إن فعله، قَالَ: ولفظ: موقوفة. انفرد بها من لا خير فيه
(6)
.
(1)
"المحلى" 9/ 175.
(2)
"المحلى" 9/ 176.
(3)
"المحلى" 9/ 177.
(4)
"المحلى" 9/ 177.
(5)
"المحلى" 9/ 177 - 178.
(6)
"المحلى" 9/ 178.
قَالَ: وقالوا: لما كانت الصدقات لا تجوز إلا حين تحاز، وكان الحبس لا مالك له وجب أن يبطل.
قَالَ: ثم تناقضوا فأجازوا تحبيس المسجد والمقبرة وإخراجهما إلى غير مالك، وأجازوا الحبس بعد الموت في أشهر أقوالهم.
قَالَ: ومن العجائب احتجاجهم أنه صلى الله عليه وسلم ساق الهدي بالحديبية وقلدها، وهذا يقتضي إيجابه لها ثم صرف هذا عما أوجبها له وجعلها للإحصار، وكذلك أبدلها عامًا ثانيًا، وما اقتضى ذَلِكَ إيجابه قط؛ لأنه لم ينص على أنه صار التطوع بذلك واجبًا بل أباح ركوب البدنة المقلدة
(1)
.
وقولهم: إنه أبدله من قابل. فهذا لم يصح قط، ونقول لهم: أنتم تقولون له أن يحبس ثم يفسخ. وقستموه على الهدي المذكور، فهل له الرجوع في الهدي بعد أن يوجبه فيبيعه؟ وجائز أن يحبس على نفسه وعلى من شاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:" ابدأ بنفسك فتصدق عليها" وهو قول أبي يوسف
(2)
.
(1)
"المحلى" 9/ 179.
(2)
"المحلى" 9/ 175 - 182 بتصرف.
32 - باب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ
2776 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ". [3096، 6729 - مسلم: 1760 - فتح: 5/ 406]
2777 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ، وَيُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً. [انظر: 2313 - مسلم: 1632 - فتح: 5/ 406]
وذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا ولا دِرْهَمًا، مَا تَرَكتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ".
وحديث ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأكُلَ مَنْ وَلِيَهُ، وُيوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا.
وهذا الحديث سلف
(1)
، وذكره هنا عن قتيبة ثَنَا حمّاد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر به. قَالَ الإسماعيلي: الذي عندنا عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، أن عمر ليس فيه ابن عمر ثم ساقه كذلك، وساقه بإسقاط نافع أيضًا قَالَ: ووصله يزيد بن ذريع وابن علية. ثم ساقه من حديث يزيد بن ذريع بإثباته ثَنَا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا.
ورواه أبو نعيم من حديث القواريري عن حماد: سمعت أيوب يذكر عن نافع قَالَ: أوصى عمر واشترط في وقفه. وساقه البيهقي من حديث الهيثم بن سهل التستري عن حماد بإثباته ثم قَالَ: وكذا رواه يونس بن
(1)
سلف برقم (2313)، كتاب الوكالة، باب: الوكالة في الوقف ..
محمد عن حماد
(1)
. ووقع للدارقطني أنه قَالَ في حديث أيوب: لا أعلم حدث به عن حماد غير يونس
(2)
. وفي البخاري حدث به عنه قتيبة، وفي الإسماعيلي: سليمان بن حرب وأبو الربيع وأحمد الموصلي والقواريري من عند أبي نعيم، والهيثم من عند البيهقي، وقال الحميدي: زعم أبو مسعود أن البخاري رواه في الوصايا عن قتيبة عن حماد، ولم أجده
(3)
. قلتُ: هو موجود في سائر نسخ البخاري كما أسلفناه.
إذا تقرر ذَلِكَ، فإنما أراد البخاري بالترجمة ليبين أن المراد بقوله:"مؤنة عاملي" أنه عامل أرضه التي أفاءها الله عليه من بني النضير وفدك وسهمه من خيبر، وليس عامله حافر قبره، كما تأوله بعض الفقهاء، واستشهد على ذَلِكَ البخاري بحديث عمر الذي أردفه بعده أنه شرط في وقفه أن يأكل من وليه بالمعروف، فبان بهذا أن العامل في الحبس له منه أجرة عمله وقيامه عليه، وليس ذَلِكَ بتغيير للحبس ولا نقض لشرط المحبس إذا حبس على قوم بأعيانهم لا غنى عن عامل يعمل المال.
وفي هذا من الفقه جواز أخذ أجرة القسام من المال المقسوم، وإنما كره العلماء أجرة القسام؛ لأن على الإمام أن يرزقهم من بيت المال، فإن لم يفعل فلا غناء بالناس عن قاسم يقسم بينهم، كما لا غنى عن عاملٍ يعمل في المال، ويشبه هذا المعنى ما رواه ابن القاسم عن مالك في الإمام يذكر أن له ناحية من عمله كثيرة العشور قليلة المساكين، وناحية أخرى عكسه، فهل له أن يتكارى ببعض العشور حَتَّى يحملها
(1)
"السنن الكبرى" 6/ 159.
(2)
"العلل" 2/ 40 - 41، وقد رواه في "سننه" 4/ 186 من هذِه الطريق.
(3)
"الجمع بين الصحيحين" 2/ 254.
إلى الناحية الكثيرة المساكين. فكره ذَلِكَ وقال: أرى أن يتكارى عليه من الفيء أو يبيعه ويشترى هنا طعامًا. وقال ابن القاسم: لا يتكارى عليه من الفيء ولكن يبيعه ويشتري بثمنه طعامًا
(1)
.
وقوله: ("مَا تَرَكْتُ") إلى آخره يبين فساد قول من أبطل الأوقاف والأحباس من أجل أنها كانت مملوكة قبل الوقف، وأنه لا يجوز أن يكون ملك مالك ينتقل إلى غير مالك فيقال له: إن أموال بني النضير وفدك وخيبر لم تنتقل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحدٍ ملكها، بل هي صدقة منه ثابتة على الأيام والليالي، تجري عنه في السبل الذي أجراها فيها منذ قبض، فكذلك حكم الصدقات المحرمة قائمة على أصولها جارية عليها فيما سبلها فيه، لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يملك.
تنبيهات:
أحدها: قوله: ("لَا يقتَسِمُ") هو برفع الميم على الخبر، أي: ليس يقتسم. وفي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي "دنانير"
(2)
وتابعه ابن كنانة، وأما سائر الرواة فيقولون: دينارًا. نبه عليه أبو عمر قَالَ: وهو الصواب؛ لأن الواحد في هذا الموضع أعم عند أهل اللغة، وكذا رواه ورقاء عن أبي الزناد. وقال ابن عيينة عن أبي الزناد:"لا يقتسم ورثتي بعد ميراثي"، وأراد بعامله خادمه في حوائطه، وقيمه، ووكيله، وأجيره
(3)
. وأبعد من قَالَ: حافر قبره. كما سلف، وحكاه المنذري أيضًا في "حواشيه"،
ومما يبعده أنهم لم يكونوا يحفرون بأجرة، فكيف له صلى الله عليه وسلم؟ وقيل: أراد الخليفة بعده.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 201 - 202.
(2)
"الموطأ" ص 614 باب: تركة النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
"التمهيد" 18/ 171 - 172.
وقال الطبري في "تهذيبه": "يقتسم ورثتي" ليس بمعنى النهي؛ لأنه لم يترك دينارًا ولا درهمًا، فلا يجوز النهي عما لا سبيل إلى فعله، ومعنى الخبر: ليس يقتسم ورثتي. قال الخطابي: بلغني عن ابن عيينة أنه كان يقول: أمهات المؤمنين في معنى المعتدات؛ لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبدًا، فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن يسكنَّها
(1)
.
ثانيها: إن قلت: كيف يصح هذا الحديث في النهي عن القسمة، وحديث عائشة: لم يترك دينارًا ولا درهمًا
(2)
؟ وكيف ينهي أهله عن قسمة ما يعلم أنه لم يخلفه؟ وقد أسلفنا أن معناه الخبر لا النهي، وأجاب القاضي أبو بكر بجوابين:
أحدهما: أنه نهاهم على غير قطع بأنه لا يخلف عينا، بل جوَّز أن يملك ذَلِكَ قبل موته، فنهاهم عن قسمته.
ثانيهما: أنه علم ذَلِكَ وقال: لا يقتسم. على الخبر برفع الميم. ليس ينقسم ذَلِكَ لأني لم أخلفهما بعدي.
ثالثها: فإن قلت: الخبر يرده آية الوصية، قاله الشيعة. وأجاب القاضي بأن الآية وإن كانت عامة فإنها توجب أن يورث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يملكه، فدلوا على أنه كان بملك سلمناه، ولا دلالة فيها؛ لأنها ليست عندنا. وعند منكري العموم لاستغراق المالكين، وإنما تنبئ عن أقل الجمع، وما فوقه مجمل فوجب التوقف فيه، وعند كثير من القائلين بالعموم أن هذا الخطاب وسائر العموم لا يدخل فيها الشارع؛ لأن شرعه ورد بالتفرقة بينه وبين أمته، ولو ثبت العموم
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1348.
(2)
مسلم (1635) كتاب: الوصية، باب: ترك الوصية.
لوجب تخصيصه، وقد روى أبو بكر وعمر وحذيفة وعائشة أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ:"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة"
(1)
وهذا الحديث في نظائر لهذِه الأحاديث كلها تنبئ عن معنى واحد، وهو أنه لا يورث، فوجب تخصيص الآية لهذِه الأخبار، ولو كانت خبر آحاد التي لا يقطع بصحتها، فكيف وقد خرجت عن هذا الحد وصارت من سبيل ما يقطع بصحته.
(1)
سيأتي في كتاب: فرض الخمس، حديث (3091) وما بعده.
وحديث عائشة عن أبي بكر سيأتي برقم (3093) وحديث عمر سيأتي برقم (3094) كتاب فرض الخمس. ورواه مسلم برقم (1758)(1759) من حديث عائشة.
وأما حديث حذيفة فرواه الطبراني في "الأوسط" 2/ 223 (1806) والبيهقي في "السنن الكبرى" 6/ 302 (12743).
33 - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ
وَأَوْقَفَ أَنَسٌ دَارًا فَكَانَ إِذَا قَدِمَهَا نَزَلَهَا. وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ. وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ.
2778 -
وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه حَيْثُ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ [الله] وَلَا أَنْشُدُ إِلاَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ". فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ". فَجَهَّزْتُهُمْ؟ قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ. وَقَالَ عُمَرُ في وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ فَهْوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ. [فتح: 5/ 406]
وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُثْمَانَ حَين حُوصِرَ أَشرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:"مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ". فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ". فَجَهَّزْتُهُمْ؟ قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ. وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ فَهْوَ وَاسِعٌ للكُلَّ.
الشرح:
أثر أنس أخرجه البيهقي من حديث ثمامة عنه أنه وقف دارًا بالمدينة، فكان إذا حج مرَّ بالمدينة فنزل داره
(1)
. وصدقة الزبير أخرجها أيضًا من حديث أبي عبيد، ثَنَا أبو يوسف، عن هشام، عن أبيه أن الزبير جعل دوره صدقة إلى آخره. وقال: فلا شيء لها -بدل- فليس لها حق. قَالَ الأصمعي: المردودة: المطلقة
(2)
.
وحديث عثمان تقدم في: الشرب
(3)
.
وأسلفنا عن ابن المنير أنه قَالَ: ليس في حديث عثمان المذكور عنده مثل دلاء المسلمين. وبينا هناك أن في بعض طرقه ما بوب له. قَالَ: وليس في الباب بجملته ما يوافق الترجمة إلا وقف أنس خاصة، ووقف عمر بالطريقة المتقدمة من دخول المخاطب في خطابه. قَالَ: وقد ظهر لي مقصود البخاري من بقية حديث الباب، فيطابق الترجمة، ووجهها أن الزبير يكون قصد من تلزمه نفقته من بناته كالتي لم تزوج لصغر مثلًا والتي تزوجت ثم طلقت قبل الدخول؛ لأن تناول هاتين أو إحداهما من الوقف إنما يحمل عنه الإنفاق الواجب، فقد دخل في الوقف الذي وقفه بهذا الاعتبار. قَالَ: ووجه مطابقة الترجمة من قوله: وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله، فيقال: كيف يدخل ابن عمر في وقفه؟ فنقول: نعم يدخل، فإن الآل يطلق على الرجل نفسه، كان الحسن بن أبي الحسن يقول في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ صل على آل محمد. وقال
(1)
"السنن الكبرى" 6/ 161 (11901).
(2)
"السنن الكبرى" 6/ 166 - 167 (11930).
(3)
سلف معلقًا قبل حديث (2351) باب: في الشرب ومن رأى صدقة الماء
…
- صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى"
(1)
وقال تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}
(2)
.
فائدة:
أبو عبد الرحمن الراوي عن عثمان هو: عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي، لأبيه صحبة.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ما في الباب من أوجه:
أحدها:
لا خلاف بين العلماء -كما قاله ابن بطال- أن من شرط لنفسه ولورثته نصيبًا في وقفه أن ذَلِكَ جائز، وقد سلف هذا المعنى في باب: هل ينتفع الواقف بوقفه. قَالَ: وأما حديث بئر رومة فإنه وقع هنا أن عثمان قَالَ: ألستم تعلمون إلى آخره، من رواية شعبة كما أسلفناه، وهو وهم ممن دون شعبة، والمعروف في الأخبار أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها، ثم عزاه إلى رواية الترمذي من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن
(3)
، ورواه معمر بن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد -مولى بني أسد- عن عثمان قَالَ: ألستم تعلمون أني اشتريت. رواه عباس الدوري، عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري، عن أبي مسعود الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ألستم تعلمون أنه قدم المدينة؟ فذكره، وفيه: "من يشتري بئر رومة ويجعل
(1)
سلف برقم (1497) كتاب: الزكاة، باب: صلاة الإمام ودعائه.
(2)
"المتواري" ص 323 - 324.
(3)
الترمذي (3699).
دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله بها مشرب في الجنة؟ " فاشتراها عثمان
(1)
، هذا الذي نقله أهل الأخبار والسير، ولا يوجد أن عثمان حفرها إلا في حديث شعبة، فالله أعلم ممن جاء الوهم. وذكر ابن الكلبي: أنه كان يشتري منها قربة بدرهم قبل أن يشتريها عثمان
(2)
.
ثانيها:
قَالَ الداودي: أثر أنس صحيح؛ لأنه أنابها عن يده واشترط النزول، ولا يحمل أنه عاد في بعض عطيته من غير شرط اشترطه؛ لأنه يكون كالكلب يعود في قيئه، وتعقبه ابن التين فقال: الاشتراط ظاهر البخاري خلافه، ولعله رآه مفسرًا، وأما من حبس شيئًا ورجع إلى يده فكان يليه ويصرف غلاته فلا يبطل إذا أخرجه من يده سنة، قاله ابن القاسم قياسًا على إقامة البكر عند العنين. وكان الأبهري يقول: القياس أن لا يصح ولو طالت المدة
(3)
. فأما من حبس ماله عليه وكان بيده وهو يقسم غلاته ففي "المدونة": يبطل ويعود ميراثًا
(4)
. وقال مالك والمغيرة وابن سلمة في "المبسوط": هي ماضية، وإن كانت الأصول في يد غيره وهو يقسم غلتها. بطلت عند ابن القاسم وأشهب، وقيل: تصح.
وأما السلاح والخيل إذا حبسها تدفع إلى من يغزو بها ثم يعيدها إليه، فكذلك جوز إذا كان لا ينتفع بها إذا رجعت إليه، وإن كان ينتفع بها حين رجعت إليه بطلت إن مات وهي في يديه، وإن مات وهي خارجة نفذت، وهذا أشبه بفعل أنس إن كان اشترط. قال: وعليه يدل
(1)
الترمذي (3703)، ورواه أيضًا النسائي 6/ 235 - 236.
(2)
"شرح ابن بطال" 8/ 203 - 204.
(3)
"المعونة" 2/ 491.
(4)
"المدونة" 4/ 347.
تبويب البخاري، وإن كان لم يشترط فلعله نزل بها بعد مدة سنة على ما تقدم.
ثالثها:
ما ذكره عن الزبير: مشهور قول مالك أنه إن نزل مثل هذا أمضى، وفي "العتبية" عنه وكتاب ابن شعبان: إن أخرج البنات إن تزوجن بطل وقفه، وعليه عمل القضاة، والنقض أحب، قاله في "الزاهي".
وإذا قَالَ: لا حق لها ما دامت عند زوج.
ففي كتاب أبي محمد: إذا تزوجت ووقف لها نصيبها فإذا تأيمت أخذته، وعارضه بعضهم، وقال: يفسر الأخذ وهي تحت زوج.
وإن قَالَ: من تزوج لا حق لها. قَالَ محمد: إذا تأيمت يرجع إليها. وقال بعضهم: كان ينبغي أن ينقطع حقها بالتزويج.
رابعها:
قول عثمان رضي الله عنه: (أنشدكم). أي: أسألكم.
وقوله: (من جهز) يقال: جهزت الجيش. إذا هيأت جهاز سفره. قَالَ الداودي: واستدلال البخاري من قول عمر.
وقوله: (وقد يليه الواقف وغيره) غلط؛ لأن عمر جعل الولاية إلى غيره وهو يحدث أنه نهاه أن يشتري صدقته، ولو كان عمر شرط أن يأكل منه وأزاله عن يده لكان محتملًا أن ينال منه ويطعم إذا كان ذَلِكَ أيسر وقفه، وإن كان أكثره لم يجز؛ لأنه لا يعرف ما أنفذ مما أبقى على ملكه، وحكم الأقل يتبع الأكثر.
34 - باب إِذَا قَالَ الوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ. فَهْوَ جَائِزٌ
2779 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ". قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ. [انظر: 234 - مسلم: 524 - فتح: 5/ 409]
تقدم قريبًا بحديثه
(1)
.
وإنما قال لهم رسول الله: "ثَامِنُونِي" أي: اطلبوا ثمن حائطكم مني ليبتاعه لمكان المسجد، فقالوا له: لا نبتغي الثمن فيه إلا من الله. فكان ذَلِكَ تسليمًا منهم للحائط وإخراجًا له من ملكهم لله لا يجوز رجوعهم فيه، وأجاز ذَلِكَ، وكان من فعلهم بمنزلة ما لو اشتراه ووقفه لمكان المسجد.
فإن قلت: قولهم: (لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى الله). ليسَ من الألفاظ الموجبة للتحبيس والوقف عند الفقهاء، وإنما يوجب التحبيس عندهم قوله: هو حبس صدقة، أو: حبس مؤبد، أو: حبس. فقط عند مالك على ما سلف. قلتُ: لما اقترن ذَلِكَ مما علموه من ابتياعه منهم لمكان المسجد قام ذَلِكَ مقام قولهم: هو حبس لله. ولا خلاف أنه لو قَالَ رجل: جعلت داري هذِه مسجدًا. أنها وقف غير ملك.
وقولهم: (لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى الله). كما تقول: طلبت إلى الله، ومن الله. بمعنى واحد.
(1)
سلف برقم (2774) باب: وقف الأرض للمسجد.
35 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} إلى قوله: {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 106 - 108]
2780
- وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما -قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ. فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَحَلَفَا: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة:106].
وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حدثَنَا يَحْييَ بْنُ آدَمَ، حدثنا ابن أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمِ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ
(1)
وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمِ وَعَدِيٍّ. فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْليَائِهِ، فَحَلَفَا: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ
(1)
ورد بهامش الأصل: قال الذهبي في "تجريده" تميم بن أوس بن خارجة بن سويد، ويقال: سواد، أبو رقية الداري، فأما تميم الداري المذكور في قصة الجام، فذاك نصراني من أهل دارين قاله مقاتل بن حبان، وق الذي ترجمة عدي، والصحيح أن عديًا نصراني لم يبلغنا إسلامه.
الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة: 106].
الشرح:
علي بن عبد الله هذا هو: ابن المديني، ولعله أخذه عنه مذاكرة أو عرضًا. ويجوز أن يكون علقه؛ لأن محمد بن أبي القاسم (د. ت) ليس على شرطه، فإن عمر بن بجير ذكر عنه أنه قَالَ: لا أعرفه كما أشتهي.
قيل له: فرواه غيره؟ قَالَ: لا، وكان ابن المديني يستحسن هذا الحديث، حديث محمد بن أبي القاسم قَالَ: وقد روى عنه أبو أسامة إلا أنه غير مشهور
(1)
.
قلتُ: وأخرجه أبو داود في: القضاء عن الحسن بن علي
(2)
، والترمذي في: التفسير عن سُفيان بن وكيع كلاهما عن يحيى بن آدم، عن يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة به، قَالَ الترمذي: حديث حسن غريب
(3)
.
ومحمد بن أبي القاسم: الطويل. وقيل فيه: الأسدي، قَالَ فيه ابن المديني: لا أعرفه، ونقل الحميدي عن ابن المدينى أنه قَالَ فيه: حديث غريب لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
وقال ابن طاهر: ليس لمحمد ولا لعبد الملك في "صحيح البخاري" غير هذا الحديث الواحد
(4)
.
ورواه الواحدي من حديث الحارث بن شريح، عن يحيى بن زكريا به.
(1)
"تهذيب الكمال" 26/ 305 (5552).
(2)
"سنن أبي داود"(3606).
(3)
"سنن الترمذي"(3060).
(4)
انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 8/ 66 (298) و"الجمع" لابن القيرواني 2/ 464، "تهذيب الكمال" 26/ 305 (5552)"تاريخ الإسلام" 6/ 127.
وفيه: فأوصى لهما بتركته فدفعاها إلى أهله، وكتما جامًّا. وفيه: فأحلفهما ما كتما، ولا اطلعا وخلا سبيلهما
(1)
.
وفي الترمذي من حديث ابن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس عن تميم في هذِه الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة: 106] قَالَ: (برئ منها)
(2)
الناس غيري وغير عدي وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام، وقدم عليهما مولى لبني هاشم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جامّ من فضة يريد به الملك وهو عُظم تجارته، وفيه: فلما مات أخذنا الجامّ فبعناه بألف درهم. قَالَ تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذَلِكَ، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر وأديت لهم خمسمائة درهم فأمرهم أن يستحلفوه مما يعظم به على أهل دينه فحلف، فنزلت فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي.
قَالَ الترمذي: حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر هو عندي: محمد بن السائب الكلبي، وقد تركه أهل الحديث، وقال محمد: محمد بن السائب يكنى أبا النضر ولا يعرف لسالم بن أبي النضر المدني رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ
(3)
.
وفي "تفسير مقاتل": خرج بديل ابن أبي مارية -وفي كتاب النحاس: (بريل)
(4)
، وقال ابن ماكولا: بالزاي
(5)
. وفي "الصحابة"
(1)
"أسباب نزول القرآن" ص 215 (421).
(2)
في الأصل (بدئ بها) والمثبت من "سنن الترمذي".
(3)
"سنن الترمذي"(3059).
(4)
ورد بهامش الأصل: وكذا في أجل الشيخ: بريد.
(5)
"الإكمال" لابن ماكولا 1/ 264.
للذهبي: بديل بن سارية كذا قَالَ ابن منده، وأبو نعيم: وإنما هو بزيل مولى العاصي بن وائل- مسافرًا في البحر إلى النجاشي، فمات بديل في السفينة وكان كتب وصية وجعلها في متاعه ثم دفعه إلى تميم وصاحبه عدي فأخذا منه ما أعجبهما وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مموَّه بالذهب، فلما ردَّا بقية المتاع إلى ورثته نظروا في الوصية ففقدوا بعض متاعه فكلموا تميمًا وعديا فقالا: ما لنا به علم. وفيه: فقام عمرو بن العاصي والمطلب ابن أبي وداعة السهميان فحلفا فاعترف تميم بالخيانة، فقال له صلى الله عليه وسلم:"ويحك يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك" فأسلم وحسن إسلامه ومات عدي بن بداء نصرانيًّا.
وفي "تفسير الثعلبي": كان بُديل ابن أبي ماوية وقيل: ابن أبي مارية وقيل: ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاصي وكان بديل مسلما ومات بالشام.
وروى ابن بطال عن ابن جريج، عن عكرمة في هذِه الآية قَالَ: كان تميم الداري وأخوه نصرانيين وهما من لخم وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حولا متجرهما إلى المدينة فقدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاصي المدينة وهو يريد الشام تاجرا فخرجوا جميعًا حَتَّى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه (فوجدا)
(1)
فيه أشياء فأخذاها فلما قدمَا على أهله الحديث.
فنزلت هذِه الآية إلى قوله: {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106] فاستحلفهما فحلف ثم ظهر على إناء من فضة منقوش بذهب معهمَا
(1)
في الأصل "فوجدوا" ولعل الصواب المثبت.
فقالوا: هذا من متاعه فقالا: اشتريناه منه فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {فَإِنْ عُثِرَ} إلى قوله: {مَقَامَهُمَا} من أولياء الميت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت فكان يقول: صدق الله ورسوله وبلغ، إني لأنا أخذت الإناء. والجام: إناء يشوب به
(1)
. كما سيأتي.
إذا تقرر ذَلِكَ فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} هي: الشهادة بالحقوق عند الحكام، أو شهادة الحضور للوصية وإليه الإشارة بقوله:{وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ} أي أمانته، أو أيمان، عبَّر عنها بلفظ الشهادة كاللعان أقوال
وقوله: ({حِينَ الْوَصِيَّةِ}) أي: شهادة هذا الحال شهادة اثنين ويحتمل ليكن أن يشهد اثنان.
وقوله تعالى: ({اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}) قَالَ ابن عباس: تجوز شهادة أهل الكفر على المسلمين في الوصية في السفر، وأخذ في ذَلِكَ بالحديث الشعبيُّ وابنُ المسيب وجماعة التابعين، ورأوا الآية محكمة غير منسوخة
(2)
.
وقالت طائفة: إنها منسوخة بقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وهو قول زيد بن أسلم ومالك والكوفيين والشافعي واحتجوا بقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وأهل الكتاب ليسوا بعدول، ولا ممن ترضى شهادتهم.
قَالَ ابن زيد: لم يكن الإسلام إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب، واليوم طبق الإسلام الأرض.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 206 - 207.
(2)
"تفسير الطبري" 5/ 104.
وقوله: {مِنْكُمْ} أيها المسلمون، وقال عكرمة وعبيدة من حي الموصي
(1)
{أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} من قبلتكم
(2)
.
وقيل: من غير ملتكم من أهل الكتاب قاله سعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي ومجاهد وعبيدة ويحيى بن يعمر، وأبو مجلز
(3)
وحكاه ابن التين عن أحمد، قالوا: فإن لم يجد مسلمين فليشهد كافرين إذا كان في سفر و {أَوْ} هنا للتخيير.
وهل هو في المسلم والكتابي أو الكتابي مرتب على المسلم قاله ابن عباس: {تَحْبِسُونَهُمَا} توقفونهما للأيمان خطاب للورثة {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ} أي: وقد أصبتم إليها {الصَّلَاةَ} العصر، أو الظهر والعصر أو صلاة أهل دينهما من أهل الذمة قَالَه ابن عباس
(4)
، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر إن ارتبتم في الوصيتين بالخيانة أحلفهما الورثة، أو بعدالة الشاهدين أحلفهما الحاكم لتزول الريبة، وهذا في السفر فقط ثمنًا رشوة
(5)
أو لا يعتاض عليه بحقير ولو كان ذا قربى أي: وإن عثر اطلع على أنهما كذبا وخانا عبر عنهما بالإثم لحدوثه عنهما استحقا الشاهدان أو الوصيان فآخران من الورثة يقومان مقامها في اليمين.
(1)
"تفسير الطبري" 5/ 102.
(2)
ذكره القرطبي 6/ 321.
(3)
"تفسير الطبري" 4/ 104 - 106 (12899)(12900)(12903) عن سعيد بن المسيب، (12904)(12908) عن سعيد بن جبير، (12906 - 12908) عن النخعي، (12912) عن يحيى بن يعمر، (12918)(12919)(12920)(12922)(12923)(12924) عن عبيدة، (12926)(12927) عن مجاهد، (12905) عن أبي مجلز.
(4)
"تفسير الطبري" 5/ 111 (12958).
(5)
ورد فوق الكلمة كلمة: جميعًا. =
قَالَ الزجاج: وهذا موضع مشكل الإعراب والمعنى وفيه أقوال منها: إن (على) بمعنى: في كما قامت في مقام على في قوله: {فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} فالمعنى: استحق فيهم الأوليان وقيل بمعنى منهم مثل: {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} أي: منهم قَالَ: والمختار عندي أن المعنى: ليقم الأولى بالميت فالأولى. والأوليان بدل من الألف في يقومان فالمعنى: من الذين استحق عليهم الإيصاء، وأنكر ابن عباس هذِه القراءة، وقرأ "الأَوَّلين". وقال: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين
(1)
.
وحكى الماوردي قولين في المراد بالأوليان: الأوليان بالميت من الورثة، أو بالشهادة من المسلمين
(2)
.
وقوله: ({ذَلِكَ أَدْنَى}) أي أقرب ولما ذكر الطحاوي حديث أبي داود أن رجلاً من المسلمين توفي بدقوقاء ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب نصرانيين فقدما الكوفة على أبي موسى فقال أبو موسى: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولاكذبا ولا بدَّلا، وأمضى شهادتهما
(3)
قَالَ: هذا يدل على أن الآية محكمة عند أبي موسى وابن عباس، ولا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة في ذَلِكَ، وعلى ذَلِكَ أكثر التابعين. ونقل النحاس عن النعمان أنه أجاز شهادة الكفار بعضهم على بعض، وأن الزهري والحسن قالا: إن الآية كلها في المسلمين، وذهب غيرهما إلى الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقد أسلفناه.
= قلت: وهي تدل على أن الكلمة لها ثلاثة وجوه رشوة، ورَشوة ورُشوة.
(1)
"معاني القرآن" للزجاج 2/ 239، وانظر "معاني القرآن" للنحاس 2/ 380 - 381.
(2)
"النكت والعيون" 2/ 77.
(3)
"سنن أبى داود"(3605)، وسكت عنه المنذري في "المختصر" 5/ 220.
قَالَ: وتكلموا في معنى استحلاف الشاهدين هنا فمنهم من قَالَ: لأنهما ادعيا وصية من الميت، وهو قول يحيى بن يعمر قَالَ: وهذا لا يعرف في حكم الإسلام أن يدعي رجل وصيته فيحلف ويأخذها، ومنهم من قَالَ: يحلفان إذا شهدا أن الميت أوصى بما لا يجوز أو بماله كله، وهذا أيضًا لا يعرف في الأحكام، ومنهم من قَالَ: يحلفان إذا اتهما ثم ينقل اليمين عنهما إذا اطلع على الخيانة.
وزعم ابن زيد: أن ذَلِكَ كان في أول الإسلام كان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية وقررت الفرائض، وقد سلف.
وقال الخطابي: ذهبت عائشة إلى أن هذِه الآية ثابتة غير منسوخة، وروي ذَلِكَ عن الحسن والنخعي وهو قول الأوزاعي
(1)
قَالَ: وكان تميم وعدي وصيين لا شاهدين والشهود لا يحلفون، وإنما عبر بالشهادة عن الأمانة التي تحملاها في قبول الوصية.
تنبيهات:
أحدها: انتزع ابن شريح من هذِه الآية الشاهد واليمين فيما حكاه ابن التين عنه، قَالَ عنه: ومعنى {عُثِرَ} بين {عَلَى أَنَّهُمَا} يعني: الوصيين {فَآخَرَانِ} يريدوا وارثي الميت، ثم قَالَ: وقوله: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا} لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يُقرَّا، أو يشهدا أو يشهد عليهما شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد واحد قَالَ: وأجمعنا أن الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينًا على الطالبين وكذلك مع الشاهدين، والشاهد والمرأتين فلم يبق إلا شاهد واحد وكذلك استحلف الطالبان ورويت القصة بنحو ذلك.
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1351 - 1352.
ثانيها: قوله (مخوص بالذهب) قَالَ ابن الجوزي: صيغت فيه صفائح مثل الخوص من الذهب. وقال ابن بطال: نقش فيه صفة الخوص، وطلي بالذهب. والخوص: ورق النخل والمقل
(1)
. وقال ابن التين: والجام الإناء المخوص المقلت، وأغرب بعضهم فرواه بضاد معجمة حكاه المنذري والمشهور بمهملة وخاء معجمة.
ثالثها: الحالفان قيل: هما عبد الله بن عمرو بن العاصي والمطلب، وقد أسلفنا من طريق الترمذي أن أحدهما عمرو بن العاصي ومن طريق غيره: عمرو بن العاصي والمطلب ابن أبي وداعة. والسهمي في رواية البخاري هو: بديل ابن أبي مريم كذا قاله ابن التين وقد قدمنا فيه أقوالًا أخر.
رابعها: ما قدمناه عن ابن عباس من قبول شهادة الكفار على المسلمين في الوصية في السفر أخذًا من هذا الحديث هو ما ذكره ابن بطال، وأما ابن المنير فرده عليه بأن الشهادة كانت عبارة عن اليمين.
قَالَ: ولا خلاف أن يمينه مقبولة إذا ادعى عليه فأنكر، ولا بينة، ولعل تميمًا اعترف أن الجام كان ملكه من الميت بشراء أو غيره، فكان ولي الكافر مدعي عليه فحلف واستحق وفي بعض الحديث التصريح بهذا، ولو لم يكن لكان الاحتمال كافيًا في إسقاط (الاستبدال)
(2)
لأنها واقعة عين
(3)
.
قلتُ: سلف ذكر بديل ابن مارية في الصحابة.
(1)
"شرح ابن بطال" 8/ 207.
(2)
في "المتواري": الاستدلال، والمثبت كما في الأصل.
(3)
"المتواري" ص 325.
36 - باب قَضَاءِ الوَصِيِّ دُيُونَ المَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ
2781 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَاريُّ رضي الله عنهما أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ قَالَ:"اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَتِهِ". فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:"ادْعُ أَصْحَابَكَ". فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى الله أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الله أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلِمَ وَاللهِ البَيَادِرُ كُلُّهَا، حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً. [قَالَ أبُو عبْدِ اللهِ: أْغرُوا بي: هَيجُوا بِي {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 14]. [انظر: 2127 - فتح: 5/ 413]
ثم ساق حديث جابر في قضاء دين والده، وقد سلف غير مرة
(1)
.
ومعنى (فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة) أي: ألحوا عليه، والبيدر الأندر يقال للواحد وللجميع قاله الداودي قَالَ: ويقال له: الجرين والعوج قَالَ: وكذلك كل ما يجمع فيه للزرع وغيره، ولا خلاف
(1)
سلف برقم (2127) كتاب البيوع، باب الكيل على البائع والمعطي، وبرقم (2395) كتاب الاستقراض، باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، وبرقم (2405) باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى .. ، وبرقم (2601) كتاب الهبة، باب إذا وهب دينًا على رجل وبرقم (2709) كتاب الصلح، باب الصلح بين الغرماء ..
بين العلماء أن الوصي يجوز له أن يقضي ديون الميت بغير محضر الورثة على حديث جابر؛ لأنه لم يحضر جميع ورثة أبيه عند اقتضاء الغرماء ديونهم، وإنما اختلفوا في مقاسمة الوصي الموصى له على الورثة فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: تجوز الوصي على الصغار ولا يجوز على الكبير الغائب
(1)
وهو قول أبي حنيفة
(2)
.
قَالَ مالك: لا يقاسم على الكبير الغائب إلا السلطان، قَالَ أبو حنيفة: ومقاسمة الورثة الوصي على الموصى له باطل؛ فإن ضاع نصيب الموصى له عند الوصي رجع به على الورثة وأجازها أبو يوسف وقال: القسمة جائزة على الغيب ولا رجوع لهم على الحضور، وإن ضاع ما أخذ الوصي. وقال الطحاوي: القياس أن لا يقسم على الكبار ولا على الموصى له؛ لأنه لا ولاية له عليهم وليس يوصي للموصى له
(3)
.
(1)
"المدونة" 4/ 317.
(2)
"العناية شرح الهداية" 10/ 505 - 506.
(3)
"شرح ابن بطال" 8/ 208.
56
كتاب الجهاد والسِّيَر
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
56 - كتَابُ الجِهاَد والسِّيَر
الجهاد لغة أصله: الجهد وهو المشقة؛ يقال: جهدت الرجل: بلغت مشقته، وكذلك الجهاد في الله تعالى إنما هو بذل الجهد في أعمال النفس، وتذليلها في سبل الشرع، والحمل عليها بمخالفة النفس من الركون إلى الدعة واللذات واتباع الشهوات، وفي النسائي من حديث سبرة بن أبي (فاكه)
(1)
مرفوعًا: "تم قعد له -يعني: الشيطان- بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال"
(2)
.
فائدة:
الجهاد باليد وبالقلب واللسان.
والسير جمع: سيرة؛ لأنها متلقاة من سير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه.
(1)
في (ص 1): فاكهة.
(2)
"سنن النسائي" 6/ 21 - 22.
1 - باب فَضْلُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وَقَوْلُ اللهِ عز وجل: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} إِلَى قَوْلِهِ {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} . قَالَ ابن عباس الحدود: الطاعة.
2782 -
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ الْعَيْزَارِ ذَكَرَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:"الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. [انظر: 527 - مسلم: 85 - فتح: 6/ 3]
2783 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". [انظر: 1349 - مسلم: 1353 (وسيأتي بعد الحديث 1863) - فتح 6/ 3]
2784 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ:"لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". [انظر: 1520 - فتح: 6/ 4]
2785 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ، أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ. قَالَ: "لَا أَجِدُهُ" قَالَ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ ". قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ. [مسلم: 1878 - فتح: 6/ 4]
ثم ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن مَسْعُودٍ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". ذكره من طريق مَالِك بْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بْنَ العَيْزَارِ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فذكره.
ثانيها: حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ".
ثالثها: حديث عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ:"لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".
رابعها: حديث أبي هُرَيْرَةَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ. قَالَ: "لَا أَجِدُهُ" قَالَ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ ". قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ.
الشرح:
هذا الباب مذكور هنا في جميع النسخ والشروح خلا ابن بطال فإنه ذكره عقيب الحج والصوم قبل البيوع، ولما وصل إلى هنا وصل بكتاب الأحكام.
وأحاديث الباب تقدمت إلا حديث أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم والأربعة
(1)
.
(1)
رواه مسلم برقم (1878) كتاب: الإمارة، باب: فضل الشهادة في سبيل الله، والترمذي (1619)، والنسائي 6/ 19، ولم أقف عليه عند أبي داود، ولا ابن ماجه، وانظر:"تحفة الأشراف"(12842)
وأما الآية فهي تمثيل مثل {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} ولما جوزوا بالجنة على ذَلِكَ عبر عنه بلفظ الشراء تجوز.
وقوله: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} فيه بشرى، وهي أن القاتل والمقتول معًا في الجنة، وقال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في سبيل الله أو قُتلت وتلا هذِه الآية، وهذا يرد على الشعبي في قوله: إن الغالب في سبيل الله أعظم أجرًا من المقتول
(1)
.
{التَّائِبُونَ} من الذنوب، {الْعَابِدُونَ} بالطاعة، أو بالتوحيد أو بطول الصلاة، أقوال. وقال الحسن:{التَّائِبُونَ} من الشرك {الْعَابِدُونَ} لله وحده
(2)
. وقال الداودي: كلما كانت منهم غفلة أو سهو أو خطئة ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم.
{الْحَامِدُونَ} مهج على السراء والضراء أو على الإسلام
(3)
.
{السَّائِحُونَ} المجاهدون، أو الصائمون واستؤذن صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال:"سياحة أمتي الجهاد"
(4)
، وفي رواية:"الصوم" وصح عن ابن
(1)
رواه ابن أبي شيبة 4/ 237 (19559)، من طريق علي بن صالح، عن أبيه، عن الشعبي، به.
(2)
رواه الطبري في "التفسير" 6/ 483 (17290، 17295)، وابن أبي حاتم في "التفسير" 6/ 1888 (10016)، وبنحوه رواه ابن أبي شيبة 7/ 204 (35308).
(3)
هو من تفسير الحسن، رواه عنه الطبري 6/ 483 (17297، 17298)، وابن أبي حاتم 6/ 11889 (10025، 10026).
(4)
روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في "تفسير الطبري" 6/ 484 (17300)، و"الشعب" للبيهقي 3/ 293 (3578)، كما روى ذلك جمع من الصحابة، منهم: أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس، وكذلك عن سعيد بن جبير، ومجاهد. انظر:"تفسير الطبري" 6/ 484 - 486 (17299 - 17327)، و"تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1889 - 1890 (10027 - 10033)، "الحلية" لأبي نعيم 9/ 44.
مسعود أنها الصوم
(1)
، قيل له سائح؛ لأنه تارك للمفطرات فهو كهو، وقيل: السائحون: المهاجرون
(2)
، وقيل: طلبة العلم
(3)
.
{بِالْمَعْرُوفِ} التوحيد أو الإسلام.
{الْمُنْكَرِ} الشرك، أو الذين لم ينهوا عنه حَتَّى انتهوا عنه
(4)
.
{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ} القائمون بأمره، والعاملون بأمره ونهيه، أو بفرائض الله حلاله وحرامه، أو لشرطه في الجهاد
(5)
.
قَالَ بعض العلماء: إذا كان (الناهون)
(6)
عن المنكر الثلثَ، والعاملون له الثلثين؛ وجب على الناهين جهاد الفاعلين قياسًا على أهل الكفر
(7)
.
وقَالَ (ابن)
(8)
مجاهد: إنما يكون باليد واللسان لا بالسيف؛ إلا في
(1)
رواه أبو داود (2486)، والطبراني 8/ 183 (7760)، والحاكم 2/ 73، والبيهقي في "السنن" 9/ 161، وفي "الشعب" 4/ 14 كلهم من حديث العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، به. وصححه الحاكم. وانظر:"صحيح أبي داود"(2247).
(2)
رواه عنه الطبري 6/ 484 (17303)، وابن أبي حاتم 6/ 1889 (10028)، والطبراني 9/ 225 (9095)، وقال الهيثمي في "المجمع" 7/ 34: فيه عاصم بن بهدلة، وثقه جماعة وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(3)
رواه ابن أبي حاتم 6/ 1890 (10033)، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(4)
رواه ابن أبي حاتم 6/ 1890 (10032).
(5)
رواه الطبري 6/ 486 (17329) عن الحسن، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1891 (10037 - 10038)، عن سعيد بن جبير، والحسن.
(6)
في (ص 1): النهي.
(7)
رواه الطبري عن ابن عباس والحسن 6/ 486 - 487 (17332 - 17335)، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1892 (10043 - 10044)، عن قتادة ومقاتل.
(8)
عليها في الأصل: كذا.
المحاربين، وأتى بالواو في قوله:{وَالنَّاهُونَ} وما بعده؛ لأن ما بعد السبع من النعوت يأتي بالواو {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} : المصدقين بما وعدوا في هذِه الآيات، أو مما ندبوا إليه فيها
(1)
، فلما نزلت {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى} جاء رجل من المهاجرين؛ فقال: يا رسول الله، وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر؟ فنزلت {التَّائِبُونَ} .
وما ذكره عن ابن عباس في تفسير الحدود أنها الطاعة
(2)
، ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" عنه، وذكر الحاكم في "إكليله" أن هذِه الآية الكريمة هي أول آية نزلت في الإذن بالقتال، وفي "مستدركه" عنه على شرطهما أول آية نزلت فيه:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} الآية
(3)
.
وحديث ابن مسعود سلف شرحه في الصلاة
(4)
، وأن اختلاف الأحاديث كان لاختلاف السائلين ومقاصدهم.
وجمع الداودي أيضًا بأن لا اختلاف إن أوقع الصلاة في ميقاتها كان الجهاد مقدمًا على برِّ أبويه وإن أخرها عن وقتها كان بر أبويه مقدمًا على الجهاد.
وقال الطبري: ومعنى الحديث أن هذِه الخصال أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، وذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة حتَّى خرج وقتها بغير عذر يعذر منه مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها
(1)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" 6/ 1892 (10047).
(2)
"صحيفة ابن أبي طلحة، عن ابن عباس" في التفسير ص 275 (600)، ومن طريق علي بن أبي طلحة رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1892 (10045).
(3)
"المستدرك" 2/ 390، وصححه على شرط الشيخين.
(4)
سلف برقم (527) باب: فضل الصلاة لوقتها.
من أمر الدين والإِسلام أشد تضييعًا، وبه أشد تهاونًا واستخفافًا، وكذلك من ترك بر والديه وضيع حقوقهما مع عظم حقهما عليه، وتربيتهما إياه، وتعطفهما عليه، ورفقهما به صغيرًا، وإحسانهما إليه كبيرًا، وخالف أمر الله ووصيته إياه فيهما فهو لغير ذَلِكَ من حقوق الله أشد تضييعًا.
وكذلك من ترك جهاد أعداء الله تعالى وخالف أمره في قتاله مع كفرهم بالله، ومناصبتهم أنبياءه وأولياءه للحرب فهو كجهاد من هو دونه من فساق أهل التوحيد، ومحاربة من سواه من أهل الزيغ والنفاق أشد تركًا، فهذِه الأمور الثلاثة تجمع المحافظة عليهن الدلالة لمن حافظهن أنه محافظ على ما سواهن، ويجمع تضييعهن الدلالة على تضييع ما سواهن من أمر الدين والإسلام، فلذلك خصهن صلى الله عليه وسلم بأنهن أفضل الأعمال
(1)
.
وحديث ابن عباس: "لا هجرة بعد الفتح" أسلفنا تأويله
(2)
، وقال ابن التين:(يريد)
(3)
لمن لم يكن هاجر؛ دليله الحديث الآخر: "أذن للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثًا بعد الصدر"
(4)
، وكذلك في حديث سعد: أخلف بعد أصحابي فقال: "اللَّهُمَّ أمض لأصحابي هجرتهم"
(5)
.
وقيل: كانت الهجرة (ضربان)
(6)
:
(1)
نقله عن الطبري ابن بطال في "شرحه" 5/ 6.
(2)
سلف أصله برقم (1349) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر.
(3)
من (ص 1).
(4)
سيأتي برقم (3933) من حديث العلاء بن الحضرمي، كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه بلفظ: "ثلاث للمهاجر بعد الصدر".
(5)
سيأتي برقم (3936) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم".
(6)
كذا بالأصل، والجادة أن تكتب بالياء؛ إذ إنها خبر كان، وحقه النصب بالياء لأنه مثنى. =
أحدهما: أن الآحاد من القبائل كانوا إذا أسلموا وأقاموا في ديارهم بين ظهراني قومهم أوذوا فأمروا بالهجرة؛ ليسلم لهم دينهم.
ثانيهما: أن أهل الدين بالمدينة كانوا في قلة من العدد وضعف من القوة، فوجب على من أسلم أن يحضر النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليستعين به في حدوث حادثة، وليتفقهوا في الدين ويعلموا قومهم عند رجوعهم، فلما فتحت مكة (استغنوا)
(1)
عن ذَلِكَ؛ إذ كان معظم الخوف على المسلمين من أهل مكة فلما أسلموا أُمر المسلمون أن يغزوا في عقر دراهم، فقيل لهم: أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد فإن فرضه غير منقطع مدى الدهر، وكان الجهاد في زمنه فرض كفاية، وقيل: عين. وقيل: على الأنصار. والخلاف في كونه كان فرض كفاية حكاه المالكية أيضًا.
وقال سحنون: كان في أول الإسلام فرض عين والآن هو مرغب فيه
(2)
.
وقال المهلب: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم؛ لقلتهم وحاجتهم إلى الاجتماع والتأليف، فلما فتح الله تعالى مكة دخل الناس في دينه أفواجا؛ سقط فرض الهجرة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به، أو نزل به عدو
(3)
.
وحديث عائشة ضبطه عند أبي ذر (لكن) بضم الكاف على معنى ضمير جماعة النساء، وعند غيره بكسرها، ويبين الأول حديث: يأتي
= وهي لغة صحيحة لبعض العرب، منهم: خثعم وفزارة وعذرة، يلزمون المثنى الألف مطلقا، رفعا ونصبا وجرًّا، وقد تقدم الكلام على هذِه الظاهرة فيما سبق.
(1)
في (ص 1): استعفوا.
(2)
انظر: "المنتقى" للباجي 3/ 159.
(3)
نقله عن المهلب ابن بطال في "شرحه" 5/ 6.
بعد هذا "جهادكن الحج"
(1)
، وقد سلف فيه أيضًا
(2)
.
والمبرور: الذي لا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال، وإنما جعل الحج أفضل للنساء من الجهاد لقلة (غنائهن)
(3)
فيه.
وحديث أبي هريرة فيه أن المجاهد على كل أحواله يكتب له ما كان يكتب للمتعبد، فالجهاد أفضل من التنفل بالصلاة والصيام
وقول أبي هريرة: (إن فرس المجاهد ليستن في طوله) أي: ليمرح قَالَه ابن التين (وقال ابن بطال: ليأخذ في السنن على وجه واحد ماضيًا)
(4)
وهو يفتعل من السنن" يقال: فلان سنن الريح والسيل إذا كان على جهتهما (وممرها)
(5)
، وأهل الحجاز يقولون: سُنن بضم السين
(6)
.
والطول هنا -بكسر الطاء وفتح الواو-: الحبل تشد به الدابة ويمسك صاحبها بطرقه ويرسلها (ترعى)
(7)
(8)
.
وقوله: (دلني على عمل يعدل الجهاد قَالَ: "لا أجد") يريد: إذا أتى المجاهد بالصلاة في (ميقاتها)
(9)
.
(1)
سيأتي برقم (2875) باب: جهاد النساء.
(2)
سلف برقم (1520) كتاب: الحج، باب: فضل الحج المبرور.
(3)
في (ص 1): (غيابهن).
(4)
من (ص 1).
(5)
من (ص 1).
(6)
"شرح ابن بطال" 5/ 7.
(7)
في (ص 1): تسعى.
(8)
قاله ابن فارس في "مجمل اللغة" 1/ 590. مادة: طول.
(9)
في (ص 1): أوقاتها.
2 - باب أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللهِ عز وجل
-
وَقَوْلُهُ عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} إلى قوله {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 10 - 12].
2786 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ". قَالُوا: ثُمَّ مَنْ قَالَ: "مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ". [6494 - مسلم: 1888 - فتح: 6/ 6]
2787 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ الله لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ". [انظر: 36 - مسلم: 1876 - فتح: 6/ 6]
ثم ذكر فيه حديث عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِي، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضلُ؟ فَقَالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مؤمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ". قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي الله، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ".
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفًّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ".
الشرح:
في الآية فضل الغنى والحث على الجهاد.
وقوله: ("مؤمن يجاهد في سبيل الله") ليس على عمومه، فلا يريد أنه أفضل الناس؛ لأنه أفضل منه من أوتي منازل الصديقين وحمل الناس على الشرائع والسنن وقادهم إلى الخير، وسبب لهم أسباب المنفعة دينًا ودنيا، لكن إنما أراد -والله أعلم- أفضل أحوال عامة الناس؛ لأنه قد يكون في خاصتهم من أهل الدين والعلم والفضل والضبط للسنن من هو أفضل منه.
وقوله: ("والله أعلم بمن يجاهد في سبيله") يريد والله أعلم بعقد نيته إن كانت لله خالصة وإعلاء كلمته، فذلك المجاهد في سبيل الله إن كان في نيته حب المال والدنيا واكتساب الذكر منها فقد شرك في سبيل الله سبيل الدنيا.
وفي "المستدرك" من حديث أبي سعيد
(1)
على شرطهما: أي المؤمنين أكمل إيمانًا قَالَ: "الذي يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه"
(2)
.
وقوله: ("كمثل الصائم القائم") يدل على أن حركات المجاهد (ونومه)
(3)
ويقظته حسنات، وإنما مثله بالصائم؛ لأنه ممسك لنفسه عن الأكل والشرب واللذات، وكذلك المجاهد ممسك لنفسه على محاربة العدو وحابس نفسه على من يقاتله.
(1)
في هامش الأصل: ليس في أصله أبي سعيد، وقد راجعت نص "المستدرك" فنقلته إلى هنا.
(2)
"المستدرك" 2/ 71.
(3)
في (ص 1): وقوته.
وقوله: ("مع ما نال من أجر أو غنيمة") إنما أدخل (أو) هنا؛ لأنه قد يرجع مرة بالأجر وحده ومرة به والغنيمة جميعًا، فأدخل (أو) ليدل على اختلاف الحالين، لا أنه يرجع بغنيمة دون أجر بل أبدا يرجع بالأجر كانت غنيمة أو لم تكن، نبه عليه ابن بطال
(1)
.
وحكى ابن التين والقرطبي أن (أو) هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وقد سقطت في أبي داود
(2)
وفي بعض روايات مسلم.
وذهب بعضهم إلى أنها على بابها وليست بمعنى الواو، أي: أجر لمن لم يغنم أو غنيمة ولا أجر، وليس صحيح لحديث عبد الله بن عمرو:"ما من غازية تغزو ويصيبوا ويغنموا إلا تعجلوا ثلثي أجرهم ويبقى الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" أخرجه مسلم
(3)
، وهو نص في حصول المجموع بالوجه الأول
(4)
.
وقال ابن أبي صفرة: تفاضلهم بالأجر وتساويهم في الغنيمة دليل قاطع أن الأجر يستحقونه (بنياتهم)
(5)
، فيكون أجر كل واحد على قدر عنائه، وأن الغنيمة لا يستحقونها بذلك لكن بتفضل الله عليهم ورحمته لهم؛ لما رأى من ضعفهم فلم يكن لأحد فضل على غيره إلا أن يكون يفضله قاسم الغنيمة فينفله من رأسها، كما نفل أبا قتادة،
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 8.
(2)
"سنن أبي داود"(2494)، من حديث أبي أمامة الباهلي، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" 6/ 8.
(3)
"صحيح مسلم"(1906) كتاب: الإمارة، باب: بيان قدر نواب من غزا فغنم ومن لم يغنم.
(4)
"المفهم" 3/ 706.
(5)
في (ص 1): بقتالهم.
أو من الخمس كما نفلهم في حديث ابن عمر
(1)
، والله يؤتي (فضله)
(2)
من يشاء، وإدخاله الجنة يحتمل أن يدخلها إثر وفاته تخصيصًا للشهيد أو بعد البعث، ويكون فائدة تخصيصه أن ذَلِكَ كفارة لجميع خطايا المجاهد ولا يوزن مع حسناته، ذكره ابن التين.
وفيه: فضل العزلة والانفراد عن الناس والفرار عنهم ولا سيما في زمن الفتن وفساد الناس، وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال؛ لأنها في الأغلب مواضع الخلوة والانفراد، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى كالمساجد والبيوت، وقد قَالَ عقبة بن عامر: ما النجاة يا رسول الله؟ قَالَ: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك"
(3)
.
(1)
سيأتي برقم (3134 - 3135) كتاب: فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين.
(2)
في (ص 1): ملكه.
(3)
رواه الترمذي (2406)، ورواه الطبراني 17/ 270، وأبو نعيم في "الحلية" 2/ 9، والبيهقي في "الشعب" 1/ 492 (805)، وقال الترمذي: حديث حسن. وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(3331): صحيح لغيره.
3 - باب الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سبيلك.
2788، 2789 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدخلُ على أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً في سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ"، أَوْ:"مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". شَكَّ إِسْحَاقُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ:"نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ". كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ:"أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَرَكِبَتِ البَحْرَ في زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ.
2788 -
[2799/ 2877، 2894، 6282، 7001 - مسلم: 1912]
2789 -
[2800، 2878، 2895، 6283، 7002 - مسلم: 1912 - فتح: 6/ 10]
ثم ساق عن أنس دخوله صلى الله عليه وسلم على أم حرام ودعاءه لها بالشهادة بطوله.
وأثر عمر أسنده آخر الحج كما مضى
(1)
، وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" أيضًا عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة أم المؤمنين أنها
(1)
سلف برقم (1890) باب: كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة.
سمعت أباها يقول: اللَّهُمَّ ارزقني قتلاً في سبيلك، ووفاةً في بلد نبيك. قالت: قلتُ: وأنى ذاك؟ قَالَ: إن الله يأتي بأمره أنى شاء.
وأنا معن بن عيسى، ثنا مالك، عن زيد بن أسلم أن عمر كان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ إني أسألك شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك.
وأنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قَالَ: رأى عوف بن مالك منامًا قصه على عمر بالشام فيها: وإن عمر شهيد مستشهد، فقال عمر: أنى لي الشهادة وأنا بين- ظهراني جزيرة العرب، ولست أغزو والناس حولي؛ ثم قَالَ: ويلي! ويلي! يأتي الله عز وجل بها إن شاء الله
(1)
، زاد بعضهم: على يدي عدوك.
وفي "الموطأ": اللَّهُمَّ لا تجعل قتلي بيد رجل صلى لك سجدة واحدة يحاجني بها يوم القيامة عندك
(2)
.
وجاء -كما قَالَ ابن العربي- مرفوعًا: "خير الشهداء من قتله أهل ملته فيأخذ من حسناته".
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام على حديث الباب من وجوه - وقد أخرجه مسلم أيضًا
(3)
.
وذكره في قتال الروم
(4)
، والرؤيا أيضًا
(5)
.
(1)
"الطبقات الكبرى" 3/ 331.
(2)
"الموطأ" ص 285.
(3)
"صحيح مسلم"(1912) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر.
(4)
سيأتي برقم (2924) باب: ما قيل في قتال الروم، من حديث أم حرام، بنحوه.
(5)
سيأتي برقم (7001 - 7002) باب: الرؤيا بالنهار.
وأخرجه الأربعة في الجهاد أيضًا
(1)
، وقال الترمذي: حسن صحيح.
أحدها: هذا الحديث ذكره (أيضًا)
(2)
في باب: ركوب البحر. عن (أبي)
(3)
النعمان، عن حماد، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس قَالَ: حدثتني أم حرام فذكره
(4)
، جعله من مسند أم حرام.
وفي حديث عمير بن الأسود العنسي أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحل حمص في بناءٍ له ومعه أم حرام، قَالَ عمير: فحدثتنا أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه
(5)
، وأخرجه أيضًا في باب: غزو المرأة في البحر، عن عبد الله بن محمد، ثَنَا معاوية بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس به
(6)
.
قَالَ الجياني: كذا رويناه من جميع طرق البخاري.
وقال أبو مسعود: سقط بين أبي إسحاق الفَزَاري وبين أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن زائدة بن قدامة
(7)
.
قَالَ الجياني: قابلته في "مسند أبي إسحاق الفزاري" فوجدته كما عند البخاري، وكذا رواه ابن وضاح عن أبي مروان المصيصي، عن أبي إسحاق.
(1)
رواه أبو داود (2490)، والترمذي (1645)، والنسائي 6/ 40 - 41، وابن ماجه (2776).
(2)
من (ص 1)، وقبلها في الأصل (يعني: البخاري) مكتوبة فوق السطر.
(3)
من هامش الأصل وفوقها: سقط.
(4)
سيأتي قريبا برقم (2894 - 2894).
(5)
سيأتي برقم (2924) وسلفت الإشارة إليه قريبا.
(6)
سيأتي برقم (2877 - 2878).
(7)
ونقله عنه المزي في "التحفة" 13/ 73.
قَالَ الجياني: ومع هذا فالحديث محفوظ الزائدة، عن أبي طوالة رواه عنه حسين بن علي (الجعفي)
(1)
ومعاوية بن عمرو، ورواه الإسماعيلي من حديث حسين بن علي، عن زائدة
(2)
.
وقال الدارقطني: روى بشر بن عمر الزهراني هذا عن مالك، عن إسحاق عن أنس، عن أم حرام.
ثانيها: في رواية في "الصحيح" تأتي قريبًا: "يركبون هذا البحر الأخضر"
(3)
.
وفي رواية: فخرجت مع زوجها غازية أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزاتهم قربت لها دابتها
(4)
، ولابن حبان: قبرها في جزيرة في بحر الروم يقال لها: قبرس من المسلمين إليها ثلاثة أيام
(5)
. وللدارقطني رواه عنها أيضًا عطاء بن يسار.
ثالثها: قَالَ ابن عبد البر: أم حرام هذِه خالة أنس، ولا أقف لها على اسم
(6)
. وأظنها أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأم سليم أرضعته أيضًا إذ لا يشك مسلم أنها كانت منه بمحرم، وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبي
(1)
في (ص 1): الحنفي.
(2)
انتهى من "تقييد المهمل" 2/ 629 - 630. بتصرف.
(3)
يأتي قريبا برقم (2877، 2878).
(4)
سيأتي برقم (2894).
(5)
"صحيح ابن حبان" 10/ 469 (4608)، وكانت هذِه الغزوة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة ثمان وعشرين، كما في "السيرة النبوية وأخبار الخلفاء" لابن حبان ص 505 "البداية والنهاية" 7/ 164، وذكر ابن الأثير أقوالاً في توقيت هذِه الغزوة كما في "الكامل" 3/ 95، وقبرس جزيرة في بحر الروم. انظر:"معجم البلدان" 4/ 305.
(6)
"الاستيعاب" 4/ 484.
محمد بن فطيس، عن يحيى بن إبراهيم بن مُزين قَالَ: إنما استجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفلي أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وقَالَ يونس بن عبد الأعلى: قَالَ لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. قَالَ ابن عبد البر: فأي ذَلِكَ كان فأم حرام محرم منه
(1)
.
ونقل ابن التين، عن ابن وهب أنها كانت خالته ولم يزد، ثم قَالَ: وقال جماعة غيره: كانت خالته من الرضاعة.
وقال ابن الحذاء: قَالَ لنا أبو القاسم بن الجوهري: وأم حرام هي إحدى خالاته من الرضاعة، وكذا قاله المهلب.
قَالَ ابن بطال: وقال غيره: إنها كانت خالة لأبيه أو لجده؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وكان يأتيها زائرًا لها والزيارة من صلة الرحم
(2)
، وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا مخصوص برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحمل على أنه كان قبل الحجاب إلا أن (تفلي رأسه) يضعف هذا
(3)
.
وزعم ابن الجوزي أنه سمع بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة من الرضاعة، وقد أسلفنا كلام الدمياطي في دخوله على أم سليم.
وقوله: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها. فلعل ذاك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم لا سيما إذا كن مسنات مع ما ثبت له صلى الله عليه وسلم من العصمة،
(1)
"التمهيد" 1/ 226 - 227. بتصرف.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 10.
(3)
"عارضة الأحوذي" 7/ 146.
ولعل هذا قبل الحجاب؛ فإنه كان في سنة خمس وقتل أخيها حرام الذي كان يرحمها لأجله كان سنة أربع.
رابعها: فيه إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها (لعلمها)
(1)
أنه كان يُسر بذلك، ويحتمل أن يكون من مالها. قال ابن بطال
(2)
، وقال ابن العربي: ومن المعلوم أن عبادة وكل المسلمين يسرهم أكل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته.
واعترضه القرطبي فقَالَ: حين دخوله صلى الله عليه وسلم على أم حرام لم تكن زوجًا لعبادة كما يقتضيه ظاهر اللفظ إنما تزوجته بعد ذَلِكَ بمدة كما جاء في رواية عند مسلم
(3)
: فتزوجها عبادة بعد
(4)
.
خامسها: (تفلي) بفتح التاء وسكون الفاء، وقتل القمل وغيره من المؤذيات، مستحب.
ونوم القائلة أصله في (معونة)
(5)
البدن لقيام الليل، وفرحه عليه السلام لما عاين من ظهور أمته اتساع ملكهم حَتَّى يغزوا في البحر وتفتح البلاد. قال أبو عمر: أراد أنه رأى الغزاة في البحر على الأسرة في الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي، يشهد له قوله تعالى:{عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56].
(1)
في الأصل: (لعلمه)، والمثبت هو الصواب.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 10.
(3)
"صحيح مسلم"(1912/ 161) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر.
(4)
"المفهم" 3/ 752.
(5)
في (ص 1): تقوية.
وبه جزم ابن بطال حيث قَالَ: إنما رآهم ملوكًا على الأسرة في الجنة في رؤياه، ويحتمل كما قال القرطبي: أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم أيضًا
(1)
.
سادسها: فيه دلالة على ركوب البحر للغزو، قَالَ ابن المسيب: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتجرون في البحر منهم طلحة وسعيد بن زيد
(2)
، وهو قول جمهور العلماء إلا عمر بن الخطاب وابن عبد العزيز فإنهما منعا من ركوبه مطلقًا، ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدنيا لا الآخرة، وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا لما يخاف عليهن من أن يطلع منهن أو يطلعن على عورة، وخصه بعضهم بالسفن الصغار دون الكبار والحديث يخدش فيه
(3)
.
وأما حديث ابن عمرو مرفوعًا: "لا يركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا" فأخرجه أبو داود وهو ضعيف
(4)
، ولما ذكره الخلال
(5)
من حديث ليث، عن مجاهد، عنه؛ قَالَ ابن معين: هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منكر.
(1)
"التمهيد" 1/ 234 - 235 بتصرف، "شرح ابن بطال" 5/ 11، "المفهم" 3/ 753.
(2)
"العلل ومعرفة الرجال" 2/ 42. (1493).
(3)
"التمهيد" 1/ 233 - 234.
(4)
"سنن أبي داود"(2489)، وقال المنذري في "مختصره" 3/ 359: الحديث فيه اضطراب. وقال المصنف في "خلاصة البدر المنير" 1/ 344: هو ضعيف باتفاق الأئمة؛ قال البخاري: ليس بصحيح. وقال أحمد: غريب. وقال أبو داود: رواته مجهولون. وقال الخطابي: ضعفوا إسناده. وقال صاحب "الإمام": اختلف في إسناده. اهـ. وانظر: "تلخيص الحبير" 2/ 221، وكذا "الضعيفة"(479).
(5)
رواه الخلال في "علله" كما أفاده العيني في "عمدة القاري" 11/ 326، ولم أقف عليه.
سابعها: فيه أيضًا إباحة الجهاد للنساء في البحر، وقد ترجم له بذلك كما ستعلمه
(1)
.
قالت أم عطية: كنا نغزوا مع رسول الله فنداوي الكلمى ونقوم على المرضى
(2)
.
ثامنها: فيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحب المنزل مما يفعله في ماله جاز له فعل ذلك، ومعلوم أن عُبادة كان يسره نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، واختلف العلماء في عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وسيأتي إيضاحه في موضعه وسلف في الزكاة أيضًا
(3)
.
تاسعها: ثبج -بثاء مثلثة ثم باء موحدة ثم جيم- وهو الظهر، وقال الخطابي: أعلى متن الشيء ومعظمه، وثبج كل شيء وسطه
(4)
، ويؤيد الأول رواية:"يركبون ظهر هذا البحر"، والثبج ما بين الكتفين
(5)
، وفي "أمالي القالي" ثبج البحر ظهره، وقيل: معظمه، وقيل: قوته.
وضحكه سرور منه مما يدخله الله على أمته من الأجر وما ينالونه من الخير كما سلف.
العاشر: فيه أيضًا أنَّ الجهاد تحت راية كل إمام جائر ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لأنه رأى الآخرين ملوكًا على الأسرة كما رأى الأولين ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة، قَالَ تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ
(1)
سيأتي برقم (2877 - 2878) باب: غزو المرأة في البحر.
(2)
سلف برقم (324) مطولا، كتاب: الحيض، باب: شهود الحائض العيدين، وفي نسبة القول إلى أم عطية خلاف، انظر:"فتح الباري" 1/ 423.
(3)
سلف برقم (1425) باب: من أمر خادمه بالصدقة، ولم يناول بنفسه.
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1356.
(5)
انظر: "مجمل اللغة" 1/ 166، "الصحاح" 1/ 301، مادة: ثبج.
الْآخَرِينَ (40)} [الواقعة: 39 - 40]
(1)
.
الحادي عشر: قولها: (ادع الله أن يجعلني منهم) فيه تمني الغزو والشهادة وهو موضع تبويب البخاري الشهادة للرجال والنساء؛ وقال غيره أيضًا: إن فيه تمني الشهادة وليس في الحديث، وإنما فيه تمني الغزو لا تمني الشهادة. كذا قاله ابن التين
(2)
.
وقال ابن المنير: حاصل الدعاء بالشهادة أن يدعو الله أن يمكن منه كافرًا يعصي الله فيقتله، وهذا مشكل على القواعد؛ إذ مقتضاها ألا يتمنى معصية الله لا له ولا لغيره، ووجه تخريجه أنَّ الدعاء قصدًا إنما هو نيل الدرجة المرفوعة المعدة للشهداء، وأما قتل الكافر فليس مقصود الداعي وإنما هو من ضروريات الوجود؛ لأن الله تعالى أجرى حكمه ألا ينال تلك الدرجة إلا شهيد
(3)
.
قلتُ: قد أسلفنا أن عمر رضي الله عنه تمناها على يد كافر
(4)
.
الثاني عشر: قيل: إن رؤياه عليه السلام الثانية كانت في (شهيد)
(5)
البر فوصف حال البر والبحر بأنهم ملوكٌ على الأسرة، حكاه ابن التين وغيره، قَالَ: وقيل: يحتمل أن يكون حالهم في الدنيا كالملوك على الأسرة ولا يبالون بأحد.
الثالث عشر: هذا الحديث من أعلام نبوته وذلك أنه أخبر فيه
(1)
"التمهيد" 1/ 234.
(2)
رد الحافظ في "الفتح" 6/ 11 على ابن التين بقوله: إن الشهادة هي الثمرة العظمى المطلوبة في الغزو.
(3)
"المتواري" ص 149.
(4)
سلف من رواية مالك في "الموطأ" ص 285.
(5)
في (ص 1): شهداء.
بضروب من الغيب قبل وقوعها، منها: جهاد أمته في البحر، وضحكه دال على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم.
ومنها: الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم، وهو قوله:"يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة".
ومنها: قوله لأم حرام: ("أنت من الأولين") فكان كذلك، غزت مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم في البحر مع معاوية زمن عثمان، سنة ثمان وعشرين وقال ابن (زيد)
(1)
: سنة سبع وعشرين، وقيل: بل كان ذَلِكَ في خلافة معاوية على ظاهره، والأول أشهر وهو ما ذكره أهل السير، وفيه هلكت.
ومنها: الإخبار ببقاء أمته من بعده وأن تكون لهم شوكة، وأن أم حرام تبقى إلى ذلك الوقت، وكل ذلك لا يعلم إلا بوحي على ما أوحي به إليه في نومه.
وفيه: أن رؤيا الأنبياء وحي، وقد سلف
(2)
.
وفيه: ضحك المبشر إذا بشر مما يسره كما فعل الشارع.
وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل لمعاوية وأن الله قد بشر به نبيه في النوم؛ لأنه أول من غزا في البحر وجعل من غزا تحت رايته من الأولين
(3)
.
(1)
كذا في الأصل، ولَيُراجع:"تاريخ مولد العلماء ووفياتهم" 1/ 113.
(2)
سلف برقم (138) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء؛ آخر حديث ابن عباس، من طريق عبيد بن شمير فذكره، ثم قرأَ {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} وانظر:"الفتح" 1/ 239.
(3)
نقله عنه ابن بطال في "شرحه" 5/ 11.
وفيه: أن الموت في سَبيل الله شهادة. قَالَ ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء السلمي قَالَ: قَالَ عمر: قَالَ محمد صلى الله عليه وسلم: "من قتل في سَبيل الله أو مات فهو في الجنة"
(1)
.
الرابع عشر: فيه دلالة على أن من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة ومشاهدة له من الأجر مثل ما للمباشر، (وكن)
(2)
النساء إذا غزون يسقين الماء ويداوين الكلمى ويصنعن لهم طعامهم وما يصلحهم، كما سلف.
قَالَ ابن عبد البر: وفيه أن الموت في سَبيل الله والقتل سواء أو قريب من السواء في الفضل، قَالَ: وإنما قلتُ أو قريب من السواء لاختلاف الناس في ذَلِكَ، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول سواء، واحتج بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقًا حَسَنًا} [الحج: 58] الاثنين جميعًا، وبقوله:{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ} [النساء: 100]
(3)
، وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عتيك:"من خرج مجاهدًا في سَبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله"
(4)
.
(1)
"المصنف" 4/ 231 (19504)، وصححه ابن حبان 10/ 480 (4620) والحاكم 2/ 109.
(2)
في (ص 1): وكذا.
(3)
"التمهيد" 1/ 235.
(4)
رواه أحمد 4/ 36، وابن أبي عاصم في "الجهاد" 1/ 577 (236)، والطبراني 2/ 191 (1778)، قال الهيثمي في "المجمع" 5/ 277: فيه محمد بن إسحاق، مدلس، وبقية رجاله ثقات.
وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من قتل في سَبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد"
(1)
، ومن حديث عقبة بن عامر مرفوعًا:"من صرع عن دابته في سبَيل الله فمات فهو شهيد"
(2)
.
وفي أبي داود من حديث بقية، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن ابن غنم، عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا:"من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله فهو شهيد"، واستدركه الحاكم؛ وقال: صحيح على شرط مسلم
(3)
.
قَالَ ابن عبد البر: وقد ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سُئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: "من أهريق دمه وعقر جواده"
(4)
، فإذا كان هذا أفضل الشهداء؛ اعلم أن من ليس كذلك أنه مفضول
(5)
.
قلتُ: وفي "صحيح الحاكم": وقال: صحيح الإسناد من حديث
(1)
"صحيح مسلم"(1915) كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء.
(2)
رواه ابن أبي عاصم في "الجهاد" 2/ (237)، وأبو يعلى 3/ 290 (1752)، قال الهيثمي في "المجمع" 5/ 283: رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. ثم ذكره بَعْدُ 5/ 30 أو قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في "الصحيحة"(2346).
(3)
"سنن أبي داود"(2499)، "المستدرك" 2/ 78، وتعقبه الذهبي بأن فيه من لم يحتج به مسلم. وضعفه الألباني في "الضعيفة"(5361).
(4)
رواه أبو داود (1449)، والنسائي 5/ 58 من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي، مرفوعًا. وفي الباب: عن عمرو بن عبسة وجابر وغيرهما. وانظر: "الصحيحة"(551 - 552).
(5)
"التمهيد" 1/ 237.
كعب بن عجرة قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لعمر يوم بدرٍ ورأى قتيلاً: "يا عمر إنَّ للشهداء سادة وأشرافًا وملوكًا، وإن هذا منهم"
(1)
.
وروى الحلواني في "معرفته": حدثنا أبو على الحنفي، ثَنَا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير قال: قَالَ علي بن أبي طالب: من حبسه السلطان وهو ظالم له فمات في محبسه ذَلِكَ فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالمًا فمات من ضربه (ذَلِكَ)
(2)
فهو شهيد وكل (موت)
(3)
يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل
(4)
.
قَالَ ابن عبد البر: وكان عمر بن الخطاب يضرب من يسمعه يقول: من قتل في سبيل الله فهو شهيد. ويقول لهم: قولوا: في الجنة، قَالَ أبو عمر: وذَلِكَ أن شرط الشهادة شديد فمن ذَلِكَ ألا يغل ولا يجبن، وأن يُقتل مقبلًا غير مدبر، وينفق (الكريمة)
(5)
وألا يؤدي جارًا ولا رفيقًا ولا ذميًّا ولا يخفي (غلولا)
(6)
، ولا يسب إمامًا ولا يفر من الزحف
(7)
.
قلت: ومقالة عمر أخرجها الحاكم عنه، ولفظه: لعله يكون قد أوقر دابته ذهبًا أو ورقًا يلتمس التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم:"من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة" ثم قَالَ: حديث
(1)
"المستدرك" 2/ 76، وتعقبه الذهبي قائلا: لا والله؛ إبراهيم بن إسحاق بن نسطاس واهٍ.
(2)
من (ص 1).
(3)
كذا في الأصول، وفوقها في (نسخة س): كذا.
(4)
ذكره الغزالي في "الإحياء" 4/ 164. عن علي.
(5)
في الأصل: اللكمة.
(6)
في الأصل: عدوا. وعلم عليها: كذا.
(7)
"التمهيد" 1/ 237.
صحيح ولم يخرجاه
(1)
.
وعن أبي عبيدة، عن أبيه: إياكم وهذِه الشهادات أن يقول الرجل: قتل فلان شهيدًا، فإن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل في طلب الدنيا، ويقاتل وهو جريء الصدر
(2)
.
قَالَ: واختلفوا في شهيد البحر أهو أفضل أم شهيد البر؟ فقال: قوم: شهيد البر، وقال قوم: شهيد البحر
(3)
.
قَالَ: ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه
(4)
.
والذين رجحوا شهيد البحر؛ احتجوا مما رواه الطبراني في أكبر معاجمه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "يغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين"
(5)
.
ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "الجهاد" عن الحسن بن الصباح، ثَنَا يحيى بن عباد، ثَنَا يحيى بن عبد العزيز، (عن عبد العزيز)
(6)
بن يحيى، ثَنَا سعيد بن صفوان، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن أبي بردة، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهادة تكفر كل
(1)
"المستدرك 2/ 119.
(2)
رواه أبو يعلى 9/ 255 (5376)، والحاكم 2/ 110 - 1111 مطولاً، وفيه قصة؛ قال الحاكم: هذا حديث صحيح؛ إن سلم من الإرسال، فقد اختلف مشايخنا في سماع أبي عبيدة من أبيه [يعني: ابن مسعود].
(3)
"التمهيد" 1/ 234.
(4)
قاله ابن عبد البر في "التمهيد" 1/ 238.
(5)
"المعجم الكبير" 8/ 170 (7716)، وحكم عليه الألباني بالوضع في "الضعيفة"(817).
(6)
من (ص 1).
شيء إلا الدين (والغزو)
(1)
في البحر يكفر ذلك كله"
(2)
.
ومن حديث عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمرو مرفوعًا:"غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر"
(3)
. ومن حديث هلال بن ميمون، عن أبي ثابت يعلي بن شداد بن أوس، عن أم حرام قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة البحر فقال: "إن للمائد فيه أجر شهيد، وإن للغريق أجر شهيدين"
(4)
.
ولابن ماجَهْ من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "لشهيد البحر مثل شهيد البر والمائد في البحر كالمتشحِّط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله تعالى وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض روحه، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها والدين"
(5)
، وقد سلف هذا عن الطبراني أيضًا
(6)
.
(1)
كذا في الأصول، وفي "الجهاد": الغرق.
(2)
"الجهاد" 2/ 655 (279) وأورده الحافظ في "تهذيب التهذيب" 2/ 598 وقال متن باطل إسناده مظلم.
(3)
"الجهاد" 2/ 656 (280)، وصححه الحاكم 2/ 143 على شرط البخاري.
غير أن عبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث، ليس على شرطه فهو لم يورد عنه إلا حديثا واحدا وعلق عنه غير ذلك كما ذكره الحافظ في "المقدمة" ص 413؛ والحديث ضعفه الألباني في "الضعيفة"(1230).
(4)
"الجهاد" 2/ 663 (285)، ورواه أبو داود (2493)، وحسنه الألباني في "الإرواء"(1194).
(5)
"سنن ابن ماجَهْ"(2778)، وضعف البوصيري إسناده في "زوائده" ص 375 (933)، وقال الألباني في "الإرواء" (1195): ضعيف جدا.
(6)
"الكبير" 8/ 170.
4 - باب دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ
يُقَالُ: هَذِهِ سَبِيلِي، وهذا سَبِيلِي.
{غُزًّا} [آل عمران: 156] وَاحِدُهَا غازٍ. {هُمْ دَرَجَاتٌ} [آل عمران: 163]: لَهُمْ دَرَجَاتٌ.
2790 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟. قَالَ:"إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ -أُرَاهُ: فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ- وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ: "وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ". [7423 - فتح: 6/ 11]
2791 -
حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا قَالَا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ". [انظر: 845 - مسلم: 2275 - فتح: 6/ 11]
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ آمَنَ باللهِ وَرَسُولِهِ وَأَقامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ التِي وُلِدَ فِيهَا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ:"إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَألتُمُ الله فَاسْألوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ -أُرَاهُ: وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ- وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ". قَالَ
مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ:"وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ".
وحديث سَمُرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا: أَمَّا هذِه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ".
الشرح:
السبيل كما قَالَ يذكر ويؤنث؛ قَالَ ابن سيده: السبيل الطريق وما وضح منه، وسبيل الله:(طريق الله)
(1)
الذي دعا إليه، واستُعمل السبيل في الجهاد (أكثر)
(2)
لأنه السبيل الذي يقاس به (على)
(3)
عقد الدين والجمع سُبُل
(4)
. وما ذكره في تصير (غزًّا){هُمْ دَرَجَاتٌ}
(5)
؛ ثابت في بعض النسخ.
وتعليق محمد بن فليح أسنده البخاري في التوحيد عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح به
(6)
.
قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي الحسن القابسي: ثَنَا محمد بن فليح، وهو وهم؛ لأن البخاري لم يدرك محمدًا هذا، وإنما يروي عن ابن المنذر ومحمد بن سنان، عنه، والصواب: وقال محمد بن فليح كما
(1)
في (ص 1): طرق الهدى.
(2)
من (ص 1).
(3)
من (ص 1).
(4)
"المحكم" 8/ 332 مادة: سبل. مقلوبُهُ؛ وبذلك جزم الفراء في "معاني القرآن" 2/ 327، كما ذكر الحافظ في "الفتح" 6/ 11، وذكر ذلك ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" ص 319.
(5)
هو من تفسير أبي عبيدة كما في "المجاز" 1/ 107.
(6)
سيأتي برقم (7423) باب: وكان عرشه على الماء.
رواه الجماعة
(1)
، وحديثه هذا من أفراد البخاري
(2)
، ويأتي أيضًا في باب من أصابه سهم غرب
(3)
، وحديث سمرة تقدم
(4)
.
ولا شك أن الجنة تستحق بالإيمان بالله ورسوله تفضلًا وإحسانًا، وفي الحديث:"ثمن الجنة لا إله إلا الله"
(5)
. والأعمال الصالحة تنال بها الدرجات والمنازل في الجنة. والفردوس، قَالَ ابن عزيز
(6)
: هو البستان بلغة الروم
(7)
. وقال الزجاج: بالسريانية؛ وقال غيرهما: بالنبطية، أي: فنقل إلى لسان العرب
(8)
. وقيل: هو البستان الذي
(1)
"تقييد المهمل" 2/ 627.
(2)
ذكره الحميدي في أفراد البخاري. انظر: "الجمع بين الصحيحين" 3/ 241 (2511). وسلف برقم (59) كتاب: العلم، باب: من سأل عالما وهو مشتغل في حديثه ..
(3)
سيأتي برقم (2809) من حديث أم الرُّبيع بنت البراء.
(4)
سلف برقم (1386) كتاب: الجنائز.
(5)
رواه ابن عدي في "الكامل" 8/ 65 (1830)، من حديث أنس، وعزاه السيوطي كما في "الفيض" 3/ 444 لابن مردويه عن أنس أيضًا، ولعبد بن حميد في "تفسيره" عن الحسن مرسلا، وقال المناوي: قال الديلمي: في الباب: عن ابن عباس وغيره. اهـ. وضعفه الألباني في "الضعيفة"(3457)، ثم قال: رواه أبو نعيم بسند صحيح، عن الحسن موقوفا عليه، وهو الصواب.
(6)
بضم العين المهملة ثم زاي بعدها ياء وآخرها راء. انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" 15/ 216.
(7)
وهو قول مجاهد أيضا، رواه عنه الطبري في "التفسير" 8/ 296 (23403).
(8)
وأما جاء في القرآن بغير لغة العرب؛ فقد اختلف الأئمة في وقوعه: فذهب قوم إلى عدمه، منهم: الشافعي كما في "الرسالة" ص 42 - 53، وأبو عبيدة في "المجاز" 1/ 17 - 19، وقال الطبري: إن ذلك من توارد اللغات، كما في "تفسيره".
وذهب قوم إلى جواز ذلك في القرآن، وذكرا لذلك حكما وفوائد، ورجح السيوطي قول الطبري فيما رواه عن أبي ميسرة قال: في القرآن من كل لسان.
وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 287 - 290، "الإتقان" للسيوطي 2/ 125 - 129.
يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات مونق، وهو قول الزجاج وعبارته فيه: الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت
(1)
.
وقوله: ("إنه أوسط الجنة") أي أفضلها، ومنه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أي: خيارًا؛ وفي الترمذي: هو ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها
(2)
.
قَالَ الداودي: قَالَ بعد الفردوس باب من أبواب الجنة وقال أبو أمامة: هو سرة الجنة
(3)
، ونقل الجواليقي عن أهل اللغة: أنه مذكر وإنما أنث في قوله تعالى {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)} [المؤمنون: 11].
وقال ابن بطال: وسط الجنة يحتمل أن يريد موسطتها والجنة قد حفت بها من كل جهة.
وقوله: ("وأعلى الجنة") يريد أرفعها؛ لأن الله تعالى مدح الجنات إذا كانت في علو فقال: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} [البقرة: 265].
وقوله: ("وفوقه عرش الرحمن") قَالَ ابن التين: أي فوق الجنة كلها.
وقوله: ("ومنه تفجر أنهار الجنة") يدل أنها عالية في الارتفاع.
وقوله: ("من آمن بالله ورسوله .. ") إلى آخره؛ فيه تأنيس لمن حرم الجهاد في سبيل الله، فإن له من الإيمان بالله تعالى والتزام الفرائض
(1)
ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 5/ 200.
(2)
"جامع الترمذي"(3174)؛ وقال: حسن صحيح.
(3)
رواه الطبري في "تفسيره" 8/ 296 (23401)، والطبراني 8/ 246 (7966)، والحاكم 2/ 371، وفيه: جعفر بن الزبير، قال الذهبي: هالك. وبه أعله الهيثمي في "المجمع" 10/ 398، والألباني في "الضعيفة"(3705).
ما يوصله إلى الجنة؛ لأنها هي غاية الطالبين ومن أجلها تبذل النفوس في الجهاد؛ خلافًا لما يقوله بعض جهلة الصوفية.
فلما قيل لرسول الله: (أفلا نبشر الناس؟) أخبر صلى الله عليه وسلم بدرجات المجاهدين في سبيل الله وفضيلتهم في الجنة؛ ليرغب أمته في جهاد المشركين؛ لإعلاء كلمة الإسلام، ولم يذكر فيه الزكاة والحج. قَالَ ابن بطال: لأنه كان قد فرضهما
(1)
؛ وفيه نظر فإن الزكاة فرضت قبل عام خيبر
(2)
كما سلف، والحج فُرِضَ سنةَ ستًّ على ما تقدم.
ورواه أبو هريرة وهو أسلم عام خيبر، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس مرفوعًا:"من طلبَ الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه"
(3)
، وفي "المستدرك":"من سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم مَات أعطاه الله أجر شهيد"
(4)
، وفي النسائي من حديث معاذ مرفوعًا:"من سأل الله القتل من عند نفسه صادقًا، ثم مات أو قتل فله أجر شهيد"
(5)
، وفي "المستدرك" -وقال: صحيح على شرط الشيخين- من حديث سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا:"من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه"
(6)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 12 - 13.
(2)
في هامش الأصل ما نصه: فرضت الزكاة سنة اثنتين للهجرة.
(3)
"صحيح مسلم"(1908) كتاب: الإمارة، باب: استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى.
(4)
"المستدرك" 2/ 77 من حديث معاذ بن جبل، وصححه وتعقبه الذهبي في "التلخيص" بقوله: بل هو منقطع.
(5)
"سنن النسائي" 6/ 25 - 26.
(6)
"المستدرك" 2/ 77.
وحديث أبي هريرة يشبه هذا المعنى؛ لأن قوله: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى" خطاب لجميع أمته يدخل فيه المجاهد وغيره؛ فدل ذَلِكَ على أنه قد يعطي الله لمن لم يجاهد قريبًا من درجة المجاهد؛ لأن الفردوس إذا كان أعلى الجنة ولا درجة فوقه، وقد أمر الشارع جميع أمته بطلبه من الله دل أن من بوأه الله إياه وإن لم يجاهد فقد تقاربت درجته من درجات المجاهدين في العلو وإن اختلفت الدرجات في الكثرة والله يؤتي فضله من يشاء.
5 - باب الغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ
2792 -
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَغَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". [2796، 6568 - مسلم: 1880 - فتح: 6/ 13]
2793 -
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَقَابُ قَوْسٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ". وَقَالَ: "لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ". [3253 - مسلم: 1882 - فتح: 6/ 13]
2794 -
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". [2892، 3250، 6415 - مسلم: 1881 - فتح: 6/ 14]
ذكر فيه حديث أَنَسِ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَقَابُ قَوْسِ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ". وَقَالَ: "لَغَدْوَة أَو رَوْحَة فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: "الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
الشرح:
حاصل ما ذكره البخاري ثلاث طرق وكلها في مسلم أيضًا.
وله طريق رابع من طريق أبي أيوب انفرد به مسلم
(1)
.
وخامس من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب، وأخرجه أحمد أيضًا
(2)
.
وسادس من طريق (عمر)
(3)
أخرجه ابن عساكر وقال: حديث غريب.
وسابع من طريق عبد الله بن بسر، أخرجه أيضًا.
وثامن من طريق الزبير بن العوام، أخرجه أبو يعلى الموصلي
(4)
.
وتاسح من طريق معاوية بن خديج، أخرجه المحاملي.
وعاشر من طريق أبي الدرداء، أخرجه ابن أبي عاصم
(5)
.
وحادي عشر من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أخرجه أبو أحمد.
ولأحمد من حديث ابن لهيعة، عن زبان، عن سهل بن معاذ، عن أبيه أنه تأخر عن بعثٍ بُعث فيه حَتَّى صلى الظهر؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتدري بكم سبقك أصحابك؟ " قَالَ: نعم، سبقوني بغدوتهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لقد سبقوك بأبعد ما بين المشرقين والمغربين في الفضيلة"
(6)
.
(1)
"صحيح مسلم"(1880) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله.
(2)
الترمذي (1649)، وأحمد 1/ 256.
(3)
في (ص 1): ابن عمر.
(4)
"مسند أبي يعلى" 2/ 39 (678).
(5)
"الجهاد" 1/ 239 (68).
(6)
"المسند" 3/ 438.
إذا تقرر ذَلِكَ: فالغدوة -بفتح الغين المعجمة-: المرة من الغدو، وهو من أول النهار إلى الزوال، أما بالضم فمن صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، والروحة -بفتح الراء- المرة من الرواح أي وقتٍ كان، والمراد به هنا: من الزوال إلى الغروب.
و (أو) هنا للتقسيم لا للشك، واللفظ مشعر بأنها تكون فعلا واحدًا، ولا شك أنها قد تقع على اليسير والكثير من الفعل الواقع في هذين الوقتين، ففيه زيادة ترغيب وفضل عظيم، فالروحة تحصل هذا الثواب وكذا الغدوة، قَالَ النووي: والظاهر أنه لا يختص ذَلِكَ بالغدو أو الرواح من بلدته بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة وروحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ورواحه من موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله
(1)
، وكذا قَالَ الداودي: الصحيح أن الغدوة والروحة الخرجة الواحدة ووقتها كما سلف.
وقوله: ("في سبيل الله") يعني: ليقاتل فيها أو يكون فيها بأرض العدو.
وقوله: ("خير من الدنيا") يعني: ثواب ذَلِكَ في الجنة خير من الدنيا، وقيل في مثل هذا: خير من أن يتصدق مما في الدنيا إذا ملكها مالك فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد. وقال القرطبي: أي الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا كلها لو جمعت له بحذافيرها
(2)
.
وقال المهلب: هما خير من زمن الدنيا؛ لأنهما في زمن قليل، أي: ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من زمن الدنيا كلها، وكذا قوله:
(1)
"شرح مسلم" 13/ 26.
(2)
"المفهم" 3/ 709 - 710.
"لقاب قوس أحدكم" أو "موضع سوط" يريد أن ما صغر في الجنة من المواضع خير من المواضع كلها من بساتينها وأرضها، فأخبر في هذا الحديث أن قصير الزمان وصغر المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبر المكان (في الدنيا)
(1)
تزهيدًا فيها وتصغيرًا لها وترغيبًا في الجهاد بالغدوة والروحة فيه، ومقدار قوس المجاهد يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه وأنفق ماله
(2)
؟
والقاب: القدر؛ قَالَ صاحب "العين": قاب القوس: قدر طولها
(3)
.
وقال الخطابي: هو ما بين السية والمقبض
(4)
. وعن مجاهد: قدر ذراع. والقوس: الذراع بلغة أزد شنوءة. وقال ابن عباس وسفيان: القوس: ذراع يقاس به. قَالَ مجاهد: في {قَابَ قَوْسَيْنِ} : أي قدر ذراعين
(5)
.
والأشهر أن القاب القدر، وكذلك القيب والقتيبة والقاد والقدى، وقال الداودي: قاب القوس ما بين الوتر والقوس، وقيد السَّوط قدره.
قَالَ في "المخصص": والقوس أنثى وتصغيرها بغير هاء. والجمع: أقواس وقياس وقِسِي وقِسْي
(6)
.
(1)
من (ص 1).
(2)
نقله عن المهلب ابن بطال 5/ 14.
(3)
"العين" 5/ 228 مادة: قوب.
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1357.
(5)
"تفسير مجاهد" 2/ 627، "المعجم الكبير" 12/ 103 (12603).
(6)
"المخصص" 2/ 25.
وهذا منه صلى الله عليه وسلم إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا، وأما عند التحقيق فلا تدخل الجنة مع الدنيا تحت أفعل إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل؛ فالغدوة والروحة في سبيل الله وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها وتصور تنعمه بها كلها؛ لأنه زائل ونعيم الآخرة باق.
6 - باب الحُورُ الْعِينُ وَصِفَتُهُنَّ
يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ شَدِيدَةُ سَوَادِ العَيْنِ شَدِيدَةُ بَيَاضِ العَيْنِ. {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54]: أَنْكَحْنَاهُمْ.
2795 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلاَّ الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى". [2817 - مسلم: 1877 - فتح: 6/ 14]
2796 -
وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي: سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". [انظر: 2792 - مسلم: 1880 - فتح: 6/ 15]
ثم ساق حديث أبي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللهِ خير، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى".
وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خير مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي: سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلعَتْ إلى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
الشرح:
القطعة الأولى أخرجها مسلم، ومن عند قوله:"ولقاب قوس .. " إلى آخره من أفراد البخاري. ومعنى قوله: (يَحَارُ فيها الطَّرْفُ) يتحيَّرُ البصر فيها لحسنها؛ يقال: حار يحار، وأصله حير وليس اشتقاقه من اشتقاق الحور كما ظنه البخاري؛ لأن الحور من حور والحيرة من حير نبه عليه ابن التين، واللغة تساعده.
وقول البخاري: (شديدة سواد العين وبياضها) زاد غيره: إذا كانت بيضاء. وأصل الحَوَر البياض، وكذلك قيل لنساء الحاضرة: الحواريات (لبيض)
(1)
ألوانهن وثيابهن إلا أن العرب لا تستعمله إلا للبيضاء الشديدة سواد الحدقة في شدة بياضها.
قَالَ ابن سيده في "محكمه": الحور هو أن يشتد بياضُ بياضِ العين وسوادُ سوادِها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حواليها، وقيل: الحور: شدة سواد المقلة في شدة بياضها في شدة بياض الجسد ولا تكون الأدماء حوراء.
وقال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور العيون؛ لأنهن يشبهن بالظباء والبقر. وقال كراع: الحور أن يكون البياض محدقًا بالسواد كله، وإنما يكون هذا في البقر والظباء ثم يستعار للناس، وهذا إنما حكاه أبو عبيد في البرج
(2)
غير أنه لم يقل إنما يكون في الظباء والبقر. وقال الأصمعي: لا أدري ما الحور في العين؟ وقد حَوِر حَوَرًا واحْور، وهو أَحْور، وامرأة حَوْراء، وعين حوراء، والجمع حُور.
(1)
علم عليها الناسخ (كذا).
(2)
كذا في الأصول، وفوقها: كذا.
أما قوله: (عيناء حوراء) من العين الحير؛ فعلى الاتباع لعين، والحوراء: البيضاء لا يقصد بذلك حور عينها، والأعرابُ تُسَمَّي نساء الأمصار حواريات؛ لبياضهن وتباعدهن عن قشف الأعرابية بنظافتهن
(1)
، وقد سلف.
ويحتمل أن البخاري أراد أن الطرف يحار فيهن ولا يهتدي سبيلًا لفرط حسنهن، لا أنه أراد الاشتقاق، فلأن كان كذلك فلا إيراد.
والعِين قَالَ الضحاك: هي الواسعة العَيْن: (الحسان)
(2)
، واحدها: عيناء، وذكر العلماء أن الحور على أصناف مصنفة صغار وكبار، وعلى ما اشتهت نفس أهل الجنة.
وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قَالَ: والذي لا إله إلا هو لو أن امرأة من الحور اطلعت سوارًا لها لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف المسورة، وإن خلق الله شيئًا (تلبسه)
(3)
؛ إلا عليه مثل ما عليها من ثياب وحلي.
وقال أبو هريرة: إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيفة عن يمينها وعن يسارها كذلك، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟
وقال ابن عباس: في الجنة حوراء يقال لها اللعبة لو بزقت في البحر لعذب ماؤه
(4)
.
وقال صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة الإسراء حوراء جبينها كالهلال في رأسها مائة
(1)
"المحكم" 3/ 386، وانظر:"الصحاح" 2/ 639 - 640. مادة: (حور).
(2)
من (ص 1).
(3)
في (ص 1): تكسيه.
(4)
رواه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" ص 207 بلفظ مقارب.
ضفيرة، ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة، والذوائب أَضْوَءُ من البدر وخلخالها مكلَّلٌ بالدر، وصفوف الجواهر، على جبينها سطران مكلل بالدر، والجوهر في الأول بسم الله الرحمن الرحيم، وفي الثاني: من أراد مثلي فليعمل بطاعة ربي عز وجل؛ فقال لي جبريل: هذِه وأمثالها لأمتك" وقال ابن مسعود: إن الحوراء ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم ومن تحته سبعون حلة كما يرى الشراب في الزجاج الأبيض
(1)
.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن الحور من أي شيء خلقن؟ فقال: "من ثلاثة أشياء أسفلهن من المسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وحواجبهن سواد خط في نور" وفي لفظ: "سألت جبريل عن كيفية خلقهن، فقال: يخلقهن رب العالمين من قضبان العنبر والزعفران، مضروبات عليهن الخيام، أول ما يُخلق منهن نهد من مسك أَذْفَر أبيض عليه يلتئم البدن".
وقال ابن عباس: خلقت الحوراء من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأَذْفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها (وثم)
(2)
من الكافور الأبيض،
(1)
من أول قول المصنف (ذكر ابن وهب .. ) أورده القرطبي في "التذكرة" ص 555 - 556. وانظر: "إحياء علوم الدين" 4/ 674.
(2)
كذا صورتها التقريبية في الأصول، وفوقها في الأصل: كذا.
[قد ترجح عندنا أن هنا سقطا؛ يؤيد قولنا أن المناوي -رحمه الله تعالى- نقل -وهو نقل عزيز- في "فيض القدير" 3/ 598 عن إحدى نسخ كتابنا هذا؛ فقال: وفي "شرح البخاري" لابن الملقن: عن ابن عباس خلقت الحور من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب ومن عنقها إلى نهاية رأسها من الكافور الأبيض].
(تلبس سبعون)
(1)
ألف حُلة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها ساطعًا كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، إذا أقبلت ترى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك، لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها
(2)
.
وما ذكره في معنى {وَزَوَّجْنَاهُم} : أنكحناهم سيأتي الكلام عليه في بَابه
(3)
.
و (قَيْد الرمح): قدره وقيسه.
و (النصيف): الخمار. قاله صاحب "العين"
(4)
.
قَالَ النابغة:
سقط النصيف ولم تُرِدْ إسقاطه
…
فتناولته واتقتنا باليد
وقيل: المِعْجَر؛ ذكره الهروي.
فائدة:
أسلفنا بعضها: قَالَ الأزهري في "تهذيبه" عن النضر: الشهيد: الحي. وقال ابن الأنباري: سُمي
(5)
؛ لأن الله وملائكته شهود له
(1)
كذا في الأصول، وكتب فوفها في الأصل: كذا.
[قلت: على ما جاء هنا فحقها النصب؛ -أي: تكتب بالياء- إلا أنه بعد مراجعة مصادر التخريج وجد أن كلمة (تلبس) لعلها محرفة من (عليها) والله أعلم].
(2)
ساق العيني ما ساقه المصنف في وصف الحور، ثم عقب قائلا: وهذِه الأحاديث والآثار" نقلتها من "التلويح"، وما وقفت على أصلها. اهـ. انظر: "عمدة القاري" 11/ 334.
(3)
سيأتي قبل حديث (4820) كتاب: التفسير، سورة {حم (1)} الدخان.
(4)
"العين" 7/ 133، مادة: صنف.
(5)
في هامش الأصل: سقط: (بذلك) أو (شهيدًا) أو نحو هذا.
بالجنة. وقيل: لأنه يشهد يوم القيامة مع نبينا على الأمم الخالية
(1)
.
وقال الكسائي: أشهد الرجل: إذا استشهد في سبيل الله فهو شهَد بفتح الهاء. وقيل: لأن أزواجهم أحضرت دار السلام وأزواج غيرهم لا تشهدها إلى يوم القيامة.
وقال في "الجامع": العرب تكسر الشين، وذلك إذا كان يأتي فعيل حرف حلق، ومنهم من كسر وإن لم يكن حرف حلق.
وقال في "المغيث": سمي شهيدًا لسقوطه بالأرض وهي (الشاهدة)
(2)
.
وقيل: لأنه يُبَيِّن إيمانه وإخلاصه ببذله روحه في الطاعة من قوله: {شَهِدَ الله} أي: بَين وأخبر (وأعلم)
(3)
، وقيل: لأنه يشهد عند ربه. أي: يحضر. أو لأنه يشهد الملكوت
(4)
، فعيل بمعنى مفعول.
فائدة أخرى:
قَالَ المهلب: إنما ذكر حديث أنس في الباب؛ لأن المعنى الذي يتمنى الشهيد من أجله أن يرجع إلى الدنيا فيقتل هو لما يرى ما يُعطي الله الشهداء من النعيم ويرزقه من الحور العين، وكل واحدة منهن لو اطلعت إلى الدنيا لأضاءت الدنيا كلها ليستزيد من كرامة الله وتنعيمه وفضله، وفي ذلك حض على طلب الشهادة وترغيب فيها
(5)
.
(1)
"تهذيب اللغة" 2/ 1943. مادة: شهد.
(2)
في (ص 1): الشهادة.
(3)
من (ص 1).
(4)
"المجموع المغيث" 2/ 234 - 235 مادة: شهد.
(5)
نقله عن المهلب ابن بطال 5/ 15.
7 - باب تَمَنِّي الشَّهَادَةِ
2797 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه -قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ". [انظر: 36 - مسلم: 1876 - فتح: 6/ 16]
2798 -
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ" وَقَالَ: "مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". قَالَ أَيُّوبُ أَوْ قَالَ: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [انظر: 1246 - فتح: 6/ 16]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: سمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أًجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ".
وحديث أَنَسٍ: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ"، وَقَالَ:"مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
الشرح:
الحديث الأول: أخرجه مسلم والثاني من أفراده ويأتي في غزوة مؤتة
(1)
، وفيه:"حَتَّى أخذ الراية سيف من سيوف الله حَتَّى فتح الله عليهم". وفي بعض طرقه أنه صلى الله عليه وسلم سماهم قبل أن يأتي خبرهم
(2)
، وأخذ خالد الراية هو من باب التمني، إقامة للفعل مقام (الأول)
(3)
.
وفيه: أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - كان يتمنى من أفعال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه؛ حرصًا منه على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين وبذلًا لنفسه في مرضاةِ ربه وإعلاء كلمة دينه، ورغبة في الازدياد من ثواب ربه ولتتأسى به أمته في ذَلِكَ، وقد يثاب المرء على نيته لحديث:"إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته"
(4)
، وسيأتي في كتاب: التمني
(5)
ما تمناه الصالحون مما لا سبيل إلى كونه.
وفيه: إباحة القسم بالله على كل ما يعتقده المرء مما يحتاج فيه إلى يمين وما لا يحتاج، وكثيرًا ما كان يقول في كلامه:"لا ومقلب القلوب"
(6)
؛ لأن اليمين بالله توحيدٌ وتعظيم له تعالى، وإنما يكره تعمد الحنث.
(1)
سيأتي برقم (4262) كتاب: المغازي.
(2)
سيأتي برقم (3630) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، وبرقم (3757) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب خالد بن الوليد رضي الله عنه.
(3)
كذا في الأصل: الأول، وفوقها (كذا)؛ وفي هامشها: كذا في الهامش (القول).
(4)
رواه أبو داود (3111)، والنسائي 4/ 13 - 14، وأحمد 5/ 446، من حديث جابر بن عتيك. وصححه ابن حبان 7/ 461 (3189)، والحاكم 1/ 351 - 352، والألباني في "صحيح أبي داود"(2727).
(5)
سيأتي بداية من رقم (7226) باب: ما جاء في التمني.
(6)
سيأتي برقم (6617) كتاب: القدر، باب:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} من حديث ابن عمر.
وفيه: أن الجهاد ليس بفرض معين على كل أحد، ولو كان معينًا ما تخلف الشارع ولا أباح لغيره التخلف عنه، ولو شق على أمته إذا كانوا يطيقونه هذا إذا كان العدو لم يفجأ المسلمين في دارهم ولا ظهر عليهم، وإلا فهو عين على كل من له قوة.
وفيه: أنه يجوز للإمام والعالم ترك فعل الطاعة إذا لم يطق أصحابه، ونصحاؤه على الإتيان بمثل ما يقدر عليه هو بها إلى وقت قدرة الجميع عليها، وذلك من كرم الصحبة و (أدب)
(1)
الأخلاق.
وفيه: عظم فضل الشهادة؛ ولذلك قَالَ صلى الله عليه وسلم: "وما يسرنا أنهم عندنا" لعلمه مما صاروا إليه من رفيع المنزلة والترغيب في الجهاد والإخبار عن جزيل فضله.
وقوله: ("ثم أُقتل ثم أُحيا")(يحتمل)
(2)
كما قَالَ ابن التين حكايته أنه قاله قبل نزول: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وقيل بعده، والخبر على المبالغة في فضل الجهاد والقتل فيه قَالَ: وهذا أشبه، ورأيت من ينقل أن قوله:(لوددت) من كلام أبي هريرة وهو بعيد، وفي "صحيح الحاكم" من حديث أنس -وقال: على شرط مسلم-: "أسألك يا رب أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سَبيلك عشر مرات" لما رأى من فضل الشهادة
(3)
.
وله عن جابر -صحيحًا-: كان صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحاب أحد قَالَ: "والله لوددت أني غودرت مع أصحابي (بنُحص)
(4)
الجبل"
(5)
.
(1)
في (ص 1): أحب.
(2)
من (ص 1).
(3)
"المستدرك" 2/ 75، وانظر "الصحيحة"(3008).
(4)
ورد بهامش الأصل: (النُّحص) بالضم: أجل الجبل معنى أن يكون استشهد معهم. [قلت: وجاء في "المستدرك": حصن، ولعل المثبت هو الصواب].
(5)
"المستدرك" 2/ 76، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وحديث قتل زيد وجعفر يأتي إن شاء الله تعالى في المغازي
(1)
، وتقدم لك هنا أن فيه: الخطبة في الفتح وفي نعيٍ يأتي وكان ذَلِكَ في جمادى الأولى سنة ثمان بعثهم إلى مؤتة من أرض الشام، فالتقوا مع هرقل في جموعه، يقال: مائة ألف
(2)
غير من انضم إليه من المستعربة، فاجتمعوا بقرية يقال لها: مؤتة (من أرض الشام)
(3)
، فمات من سَمَّى رسول الله، ثم اتفق المسلمون على خالد ففتح الله عليه وقتلهم، وقدم البشير بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخبرهم بذلك قبل قدومه، وكان فتح مكة في ذَلِكَ العام بعد ذَلِكَ
(4)
.
وفيه: الولاية عند الضرورة من غير إمرة الأمير الأعظم.
وقوله: (وعيناه تذرفان). أي: تذرفان الدمع.
(1)
سيأتي برقم (4262) باب: غزوة مؤتة من أرض الشام.
(2)
في الأصل فوقها: لا .. إلى.
(3)
في هامش الأصل: في عدد المشركين أربعة أقوال: ألف مائتان وخمسون ألفا (
…
) وخمسون ألفًا نحو مائة ألف. عدد المسلمين قولان ثلاثة آلاف، لم يبلغوا ثلاثة آلاف.
(4)
انظر: "السيرة" لابن هشام 3/ 433 - 437.
8 - باب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ} [النساء: 100]{وَقَعَ} : وَجَبَ.
2799، 2800 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ. فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: "أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ ". قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ. [انظر: 2788، 2789 - مسلم: 1912 - فتح: 6/ 18]
ثم ساق حديث أنس في قصة أم حرام السالف (مرتبًا)
(1)
، وفي آخره: {فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ
(2)
قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ} ومصداق هذا الحديث في الآية الأولى فنزلت على ما دل عليه الحديث: أن من مات في سبيل الله فهو شهيد، وقد أسلفنا هناك حديث عقبة بن عامر
(3)
فيه وأنه شهيد.
(1)
من (ص 1).
(2)
في هامش الأصل علامة أن في نسخة: غزوتهم.
(3)
تقدم تخريجه، وهو في "الصحيحة"(2346).
وفي حديث أنس أن حكم المنصرف من سبيل الله في الأجر مثل حكم المتوجه إليه في خطاه، وتقلبه وحركاته وأن له ثواب المجاهد في كل ما ينويه ويشق عليه ويتكلفه من نفقة، وغيرها حَتَّى ينصرف إلى بيته.
وقوله: ({وَقَعَ}: وجب) مثل: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} أي: وجب، والآية، قَالَ سعيد بن جبير: نزلت في ضمرة رجل من خزاعة كان مصابًا ببصره؛ فقال: أخرجوني، فلما صاروا به إلى التنعيم مات فنزلت
(1)
، قَالَ الأزهري: وأصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن
(2)
.
وقوله: (فلما انصرفوا قافلين) أي: راجعين من غزوهم، وأتى به البخاري هنا؛ لما ذكر أنها صرعت فكان لها بذلك كأجر من استشهد.
(1)
رواه الطبري في "تفسيره" 4/ 240 (10287)، وابن أبي حاتم 3/ 1051 (5890)، والبيهقي 9/ 14 - 15، وبنحوه عن ابن عباس؛ رواه الطبري 4/ 241 (10299)، وابن أبي حاتم 3/ 1051 (5889).
(2)
"تهذيب اللغة" 4/ 3717. مادة: هجر.
9 - باب مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللهِ
2801 -
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه -قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا، قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا. فَتَقَدَّمَ، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ عليه السلام النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم. [انظر: 1001 - مسلم: 677 - فتح: 6/ 18]
2802 -
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ:
"هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ
…
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ".
[6146 - مسلم: 1796 - فتح: 6/ 19]
ذكر فيه حديث (إِسْحَاقَ)
(1)
، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ .. الحديث في قتلهم وهم القراء وأنه دعا عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكران وبني لحيان ويأتي في المغازي
(2)
.
(1)
في الأصل: (أبي إسحاق)، والمثبت الصواب.
(2)
سيأتي برقم (4088 - 4096) باب: غزوة الرجيع ورعل وذكران وبئر معونة.
وحديث جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي بَعْضِ تِلْكَ المَشَاهِدِ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ:
"هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ
…
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ".
وقوله: (من بني سليم): وهم، وصوابه من الأنصار كما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث ثابت عن أنس
(1)
؛ لأن بني سليم هم الذين قتلوا السبعين المذكورين كما نبه عليه الدمياطي ومن خطه نقلت
(2)
، وإنما دعا عليهم في القنوت في الخمس؛ لأجل غدرهم وقبيح نكثهم بعد تأمينهم، وقد سلف في القنوت
(3)
، (ويأتي في الغزوات)
(4)
، وترك الدعاء عليهم لما أعطي في دعائه من الإجابة (قيل)
(5)
قتل يوم معونة سبعون ويوم أحد كذلك ويوم اليمامة في خلافة الصديق كذلك سبعون وآنس الله نبيه مما أنزل الله عليه في حقهم: (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا). ثم نسخ بعد، فيؤخذ منه جواز الدعاء على أهل الغدر وانتهاك المحارم والإعلان باسمهم والتصريج بذكرهم.
وجاء من حديث أنس في باب قول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169] أنه دعا عليهم ثلاثين صباحًا
(6)
،
(1)
"صحيح مسلم"(677/ 147) بعد (1902) كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
(2)
نقل الحافظ في "الفتح" 6/ 19 قول الدمياطي، وتعقبه بقوله: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري.
(3)
سلف برقم (1001) كتاب: الوتر، باب: القنوت قبل الركوع وبعده.
(4)
من (ص 1).
(5)
ورد بهامش الأصل: هذا في الصحيح عن أنس.
(6)
سيأتي برقم (2814).
وهنا فدعا عليهم أربعين صباحًا، وفي "المسند": قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا
(1)
.
وقوله: (لقينا ربنا)، يقال: الأرواح يعرج بها إلى الله فتسجد له ثم يهبط بها؛ لمعاينة الملكين وتصير أرواح الشهداء إلى الجنة، وحديث جندب بن سفيان قال على أن كل ما أصيب به المجاهد في سبيل الله من نكبة أو غيره فإن له أجر ذَلِكَ على قدر نيته واحتسابه.
وقوله: ("هل أنت إلا إصبع .. ") إلى آخره: هو رجز موزون وقد يقع على لسانه صلى الله عليه وسلم مقدار البيت من الشعر أو البيتين من الرجز، كقوله صلى الله عليه وسلم:
"أنا النبي لا كذب
…
أنا ابن عبد المطلب"
(2)
.
فلو كان هذا شعرًا لكان خلاف قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أو يوجد على خلاف ما أخبر به، وهذا من الحجاج اللازم لأهل السنة والجماعة، ويقال للملحدين: إنَّ ما وقع من كلامه الموزون في النادر من غير قصد فليس بشعر لأن ذَلِكَ غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلام موزون، فلا يكون بذلك شعرًا مثل قولهم:
اسقني في الكوز ماء يا فلان
…
واسرج البغل وجئني بالطعام
وقولهم: من يشتري باذنجانْ، فهذا (المقدار)
(3)
ليس بشعر، والرجز ليس بشعر، ذكره القاضي أبو بكر بنُ الطيب وغيره
(4)
، وقال ابن التين: هذا الشعر لابن رواحة؛ قَالَ: وقد اختلفَ (الناس في هذا
(1)
"مسند أحمد" 3/ 307.
(2)
سيأتي قريبا برقم (2864) باب: من قاد دابة غيره في الحرب.
(3)
في (ص 1): القول.
(4)
حكاه عنهم ابن بطال 5/ 19 - 20.
وشبهه)
(1)
من الرجز الذي جرى على لسانه فقيل: ليسَ بشعر وقيل: قاله حكايةً أو لأنه سبب صنعته، ونفى قوم أن يكون البيت الواحد شعرًا حكاه القزاز، وقال قوم: الرجز شعر، وقيل: إنه أمر اتفاقي لم يقصد ذلِكَ وقع في القرآن: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13].
وقيل: معنى الآية لا يلزمه هذا الاسم ولا يوجب أن يكون شاعرًا، والرواية المعروفة كما قَالَ النووي: كسر التاء وسكنها بعضهم
(2)
، ووقع في مسلم: كان صلى الله عليه وسلم في غار فنكبت إصبعه
(3)
، قَالَ عياض: لعله غازيا فتصحف
(4)
، قَالَ: ويحتمل أن يريد بالغار هنا الجيش لا الكهف
(5)
، وجعلهما ابن العربي واقعتين: واحدة في غزوة، وأخرى في كهف
(6)
، وقال بعضهم: لما دعا صلى الله عليه وسلم للوليد بن الوليد باع مالاً له بالطائف، وهاجر على رجليه إلى المدينة فقدمها وقد تقطعت رجلاه وأصابعه، فقال: هل أنتِ إلا إصبع .. إلى آخره، يا نفس إلا تقتلي تموتي، ومات في زمنه صلى الله عليه وسلم.
فائدة: في الإصبع عشر لغات بتثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: إصبوع، واقتصر منها ابن التين على أربعة تبعًا لابن قتيبة
(7)
.
(1)
من (ص 1).
(2)
"شرح مسلم" 12/ 156.
(3)
"صحيح مسلم"(1796) كتاب: الجهاد، باب: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين.
(4)
نقله القاضي عياض، عن القاضي أبي الوليد الكناني.
(5)
"إكمال المعلم" 6/ 170.
(6)
"العارضة" 12/ 247.
(7)
"أَدَبُ الكَاتِبِ" لابن قُتَيْبة ص 465؛ والأربعةُ كما وردَتْ في مطبوعِ الكتابِ: إِصْبَع، أَصْبَع، أُصْبَع، أُصْبُع.
10 - باب مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل
-
2803 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ". [انظر: 237 - مسلم: 1876 - فتح: 6/ 20]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ".
هذا الحديث سلف في باب: ما يقع من النجاسات.
و (الكلم): الجرح، والمراد بسبيل الله: الجهاد، ويدخل فيه بالمعنى كل من جرح في سبيل بر أو وجه مما أباحه الله كقتال أهل البغي، والخوارج، واللصوص، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر ألا ترى قوله:"من قتل دون ماله فهو شهيد"
(1)
.
وقال ابن التين: يحتمل أن يريد الجهاد، ويحتمل أن يريد كل من جرح في ذات الله، وكل ما دافع فيه المرء بحق فأصيب فهو مجاهد.
وقوله: ("والله أعلم بمن يكلم في سبيله") فإنه يدل على أنه ليس كل من جرح في الغزو تكون هذِه حاله عند الله حَتَّى تصحَّ نيته، ويعلم الله من قلبه أنه يريد وجهه ولم يخرج رياءً ولا سُمعة ولا ابتغاء دنيا يصيبها.
وفيه: أن الشهيد يبعث (في حاله)
(2)
وهيئته التي قبض عليها، وقد
(1)
سلف برقم (2480) كتاب: المظالم، باب: من قاتل دون ماله، من حديث عبد الله بن عمرو.
(2)
في (ص 1): على حالته.
احتج الطحاوي به لمن لا يرى غسل الشهيد في المعترك
(1)
، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:"يبعث الميت في ثيابه التي قبض فيها"
(2)
، أي: يعاد خلق ثيابه كما يعاد خلقه، وقد أُوِّلَ بالعَمَلِ أيضًا.
وقوله: ("اللون لون الدم، والريح ريح المسك") فيه دلالة أن الشيء إذا حال عن حالة إلى غيرها كان الحكم إلى الذي حال إليه، ومنه الماء تحل فيه نجاسة فتغير أحد أوصافه فتخرجه عن الماء المطلق، فإن لم تغير شيئًا منها فهو على حكمه كما أسلفناه هناك، ومنه: إذا انتقلت النحل إلى الخمر، وعُورض بأن المراد بالخبر التذاذ المجروح باجر جرحه كالتذاذ المتمضخ بالمسك برائحته. ولا يشبه الأحكام الشرعية.
(1)
انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 1/ 179 - 180.
(2)
رواه أبو داود (3114)، من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه ابن حبان 16/ 307 (7316)، والحاكم 1/ 340، وكذا الألباني في "الصحيحة"(1671).
11 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] وَالْحَرْبُ سِجَالٌ
2804 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاه؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. [انظر: 7 - مسلم: 1773 - فتح: 6/ 20]
ثم ساق فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: سَأَلْتُكَ: كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ.
هذا الحديث سيق أول الكتاب بطوله، والمراد بالآية: الفتح والغنيمة، أو الشهادة والجنة، كما قاله المهلب، وهو قول جماعة أهل التأويل
(1)
، واللفظ لفظ استفهام، والمعنى التوبيخ.
فإن قلتَ: أغفل البخاري أن يذكر تفسير الآية في الباب، وذكر حديث ابن عباس: أن الحرب سجال؛ فما تعلقه بالآية التي ترجم لها؟
فالجواب: تعلقه بها صحيح، والآية مصدقة للحديث، والحديث مبين للآية، وإذا كان الحرب سجالًا فذلك إحدى الحسنيين؛ لأنها إن كانت علينا فهي الشهادة، وتلك أكبر الحسنيين، وإن كانت لنا فهي الغنيمة وتلك أصغر الحسنيين؛ فالحديث مطابق لمعنى الآية، فكل
(1)
هو قول ابن عباس ومجاهد، رواه عنهما الطبري 6/ 389 (16811 - 16815)، وابن أبي حاتم 6/ 1812 (10317 - 10318).
فتح يقع إلى يوم القيامة أو غنيمة فإنه من إحدى الحسنيين، وكل قتيل يقتل في سبيل الله إلى يوم القيامة فهو من إحدى الحسنيين له، وإنما يبتلي الله الأنبياء؛ ليعظم لهم الأجر والثواب، ولمن معهم ولئلا يخرق العادة الجارية بين الخلق، ولو أراد الله خَرْقها لأهلك الكفار كلهم بغير حرب، ولثبط أيديهم عن المدافعة حَتَّى يؤسروا أجمعين، ولكن أجرى الله تعالى الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم ويأتوا يوم القيامة مكلومين
(1)
، وقد سلف تفسير: الحرب سجال. في أول الكتاب فراجعه، وهو جمع: سَجْل مثل: عبد وعباد، والسَّجْل: الدلو إذا كانت ملأى ماء ولا تكون الفارغة سَجْلاً، وسجال من المساجلة وهي المنازلة في الأمر، وهو أن يفعل كل من المتساجلين مثل صاحبه، أي: له مرة ولصاحبه مرة.
وقال ابن المنير: التحقيق أن البخاري ساق الحديث لقوله: (وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة)، فهذا يتحقق أنهم على إحدى الحسنين، ففي تمام حديث هرقل تظهر المطابقة
(2)
.
(ودولًا): جمع دولة، يقال: دَولة ودُولة، ومعناه: رجوع الشيء إليك مَرةً وإلى صاحبك أخرى تتداولانه.
وقال أبو عمرو: هي بالفتح: الظفر في الحرب، وبالضم: ما يتداوله الناس من المال. وعن الكسائي بالضم: مثل العارية، يقال: اتخذوه دولة يتداولونه، وبالفتح: من قال عليهم الدهر دولة، ودالة الحرب بهم، وقيل: الدولة: بالضم الاسم، وبالفتح المصدر.
(1)
ذكر ذلك ابن بطال في "شرحه" 5/ 21 - 22. من قول المهلب.
(2)
"المتواري" ص 150.
وقال القزاز: العربُ تقول الأيام دَول، ودُول، ودِول؛ ثلاث لغات. زاد غيره: دولات، فدول ودولات جمع دُولة بالضم.
وقال ابن عديس في "باهره" عن الأحمر: جاء بالتؤلة والدؤلة تهمز ولا تهمز.
وفي "البارع" عن أبي زيد: دَولة بفتح الدال وسكون الواو، ودَوَل بفتح الدال والواو، وبعض العرب يقول: دُولة.
وقوله: (وكذلك الرسل تبتلى) أي تختبر وعاقبة الشيء: آخر أمرِه ومصيره الذي يصير إليه.
12 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (12)} [الأحزاب: 23]
2805 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه -قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ الله أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ الله مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ، وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ: سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} [الحزاب: 23] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [4548، 4783 - مسلم: 1903 - فتح: 6/ 21]
2806 -
وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ -وَهْيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَرَضُوا بِالأَرْشِ وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ". [2703 - مسلم: 1675 - فتح: 6/ 21]
2807 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، أُرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ
سُورَةِ الأَحْزَابِ، كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلاَّ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، وَهْوَ قَوْلُهُ:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]. [4049، 4679، 4784، 4986، 4988، 4989، 7191، 7425 - فتح: 6/ 21]
ثم ساق حديث حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ .. فذكر قتله يوم أحد.
قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ تِسْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ ببَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرى -أَوْ نَظُنُّ- أَنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أًشْبَاهِهِ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} الآيَةِ [الأحزاب: 23].
ثم ذكر قصة الرُّبَيِّع في كسر الثَّنِيَّةِ بطوله.
وحديث خَارِجَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَهْوَ قَوْلُهُ تعالى:{رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} .
الشرح:
{نَخْبَهُ} : عهده
(1)
. وقال السهيلي: عُذْرَهُ، وقال ابن عباس: أي:
(1)
هو من تفسير مجاهد كما في "تفسيره" 2/ 517، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه. ورواه الطبري 10/ 280 (28419).
مات على ما عاهد عليه
(1)
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} (ذَلِكَ)
(2)
{وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} ، وروى الواحدي من حديث إسماعيل بن يحيى البغدادي، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي قَالَ: قالوا له: حَدَّثَنا عن طلحة، فقال: ذَاكَ امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} [الأحزاب: 23] طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل
(3)
.
ومن حديث (عيسى بن طلحة)
(4)
أنه صلى الله عليه وسلم مَرَّ عليه طلحة فقال: "هذا ممن قضى نحبه"
(5)
.
وقال مقاتل في "تفسيره": {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} ليلة العقبة بمكة.
{فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} يعني: أجله فمات على الوفاء؛ يعني: حمزة وأصحابه المقتولين بأحد. {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} : يعني: المؤمنين من ينتظر أجله على الوفاء بالعهد. {وَمَا بَدَّلُوا} كما بدل المنافقون.
(1)
رواه الطبري 10/ 280 (28426).
(2)
من (ص 1).
(3)
"أسباب: النزول" ص 367 (694).
(4)
في الأصل: يحيى بن طلحة، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه؛ إذ هو الموافق لما في مصادر التخريج وغيره.
(5)
"أسباب: النزول" ص 367 - 368 (695)، رواه الواحدي من طريق طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة، مرسلاً، ورواه الترمذي (3203) موصولا من طريق طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما طلحة .. فذكر نحوه؛ ثم قال: حديث حسن غريب. اهـ. وقال الألباني في "الصحيحة" 1/ 247: إسناده حسن، رجاله ثقات، رجال مسلم، غير أن طلحة بن يحيى تكلم فيه بعضهم من
أجل حفظه، وهو مع ذلك لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.
وحديث أنس قَالَ الترمذي فيه: حديث حسن مشهور عن حميد
(1)
. قلتُ: وفيه: الأخذ بالشدة واستهلاك الإنسان نفسه في الطاعة.
وفيه: الوفاء بالعهد (لله)
(2)
بإهلاك النفس ولا يعارض قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] لأن هؤلاء عاهدوا الله فوفوا مما عاهدوه من العناء في المشركين وأخذوا بالشدة بأن باعوا نفوسهم من الله بالجنة -كما قَالَ تعالى- ألا ترى قول سعد بن معاذ: فما استطعت ما صنع، يريد ما استطعت أن أصف ما صنع من كثرة ما أعيا وأبلى في المشركين
(3)
.
وقوله: (ليرين الله ما أصنع)، وقال في غزوة أحد: ليرين الله ما (أجد)
(4)
-بفتح
(5)
الهمزة وضمها وتشديد الدال، وبفتح الهمزة وتخفيف الدال- أي ما أفعل ووقع في مسلم: ليراني الله
(6)
. بالألف؛ وهو الصحيح -كما قَالَ النووي
(7)
- ويكون (ما أصنع): بدلاً من
(1)
الترمذي (3200).
(2)
من (ص 1).
(3)
نقل ابن حجر قول المصنف هذا؛ ثم عقب عليه بقوله: وقع عند يزيد بن هارون عن حميد: فقلت: أنا معك. فلم أستطع أن أصنع ما صنع. وظاهره أنه نفى استطاعة إقدامه الذي صدر منه حتى وقع له ما وقع من الصبر على تلك الأهوال بحيث وجد في جسده ما يزيد على الثمانين من طعنة وضربة ورمية، فاعترف سعد بأنه لم يستطع أن يقدم إقدامه، ولا يصنع صنيعه، وهذا أولى مما تأوله ابن بطال. اهـ. "الفتح" 6/ 23، وانظر الرواية التي أشار إليها، رواية يزيد بن هارون في "جامع الترمذي"(3201).
(4)
ورد بهامش الأصل: يقال جد في الأمر يَجِد ويجُد اجتهد، وأجد مثله ثلاثي ورباعي، ذكره الجوهري.
(5)
سيأتي برقم (4048) كتاب: المغازي.
(6)
"صحيح مسلم"(1903) كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
(7)
"شرح مسلم" 13/ 48.
الضمير في أراني، ووقع في بعض نسخه: ليرين -بياء مثناة تحت- مفتوحة بعد الراء ونون مشددة، كما في البخاري -أي: يراه الله واقعًا بارزًا- وضُبِط أيضًا بضم الياء وكسر الراء، أي: ليرين الله للناس ما أصنع ويبرزه لهم كأنه ألزم نفسه إلزامًا (مؤكدًا)
(1)
ولم يظهره مخافة ما يتوقع من التقصير في ذلك، ويؤيده رواية مسلم فهاب أن يقول غيره؛ ولذلك سماه الله عهدًا بقوله:{رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} .
وقوله: (أجد ريحها من دون أُحُدٍ)، وفي مسلم: واهًا لريح الجنة أجده دون أحد، يعني بقوله:(واهًا) إما تفجعًا وإما تلهفًا وتحننًا، ويمكن أن يكون حقيقة -كما (بحثه)
(2)
ابن بطال- لأن ريحها يوجد من خمسمائة عام، فيجوز أن يشم رائحة طيبة تشهيه الجنة وتحببها له، قال: ويمكن أن يكون مجازًا فالمعنى إني لأعلم أن الجنة في هذا الموضع الذي يقاتل فيه؛ لأن الجنة في هذا الموضع تُكْتَسب وتُشْتَرى
(3)
، (وأخته التي عرفت بنانه) أي: الأصابع وأطرافها -هي: الرُّبَيِّع المذكورة بعد- وذكر بعضهم أنها سميت بنانًا: لأن بها صلاح الأحوال التي يستعين بها الإنسان.
وحديث خزيمة ذكره في سورة براءة
(4)
.
وقوله: (ففقدت آية من الأحزاب فلم أجدها إلا مع خزيمة) لم يرد أن حفظها قد ذهب عن جميع الناس فلم تكن عندهم؛ لأن زيد بن ثابت قد حفظها فهما اثنان، والقرآن إنما يثبت بالتواتر لا باثنين، ويدل على
(1)
في (ص 1): وكذا.
(2)
كذا صورته التقريبية في الأصل.
(3)
"شرح ابن بطال" 5/ 23.
(4)
سيأتي برقم (4679) كتاب: التفسير، باب: قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} .
أن معنى وجدها عنده يريد: مكتوبة، وقد روي أن عمر قَالَ: أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أن أُبي بن كعب قَالَ مثل ذلك، وعن هلال بن أمية أيضًا مثله. فهؤلاء جماعة، وإنما أمر أبو بكر عند جمع المصحف عمرَ بنَ الخطاب وزيدًا بأن يطلبا على ما ينكرانه شهادة رجلين يشهدان سماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون ذَلِكَ أثبت وأشد في الاستظهار ومما لا يسرع (أحد)
(1)
إلى دفعه وإنكاره، قاله القاضي أبو بكر بن الطيب، وقد ذكر في ذَلِكَ وجوهًا (أخر)
(2)
هذا أحسنها ستأتي في باب: جمع القرآن في فضائله
(3)
إن شاء الله تعالى.
فائدة: خزيمة هو ابن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة، واسمه عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس، أبو عمارة كانت معه راية بني خطمة يوم الفتح، من ولده عبد الله بن محمد بن عمارة بن خزيمة، له أخوان: وحوح؛ لا عقبَ له، وعبد الله بن ثابت؛ له عقب.
وسبب كون شهادته بشهادتين، وذكرها هنا ليأتي بالقصة على وجهها أنه صلى الله عليه وسلم كَلَّمَ رجلاً في شيء فأنكره، فقال خزيمة: أنا أشهد؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "أتشهد ولم تُستشهد" فقال: نحن نصدقك على خبر السماء فكيف بهذا؛ فأمضى شهادته وجعلها شهادتين وقال له: "لا تعد"
(4)
.
(1)
من (ص 1).
(2)
من (ص 1).
(3)
سيأتي برقم (4986) كتاب: فضائل القرآن.
(4)
هذِه القصة -بلفظ مقارب- رواها أبو داود (3607)، والنسائي 7/ 301 - 302، وأحمد 5/ 215 - 216. من حديث عمارة بن خزيمة، عن عمه، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث صححه غير واحد. انظر: "الإرواء"(1286).
13 - باب عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ. وَقَوْلُهُ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)} إلى قوله {بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} . [الصف: 2 - 4]
2808 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله عنه يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ". فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيرًا". [مسلم: 1900 - فتح: 6/ 24]
ثم ساق حديث البَرَاءِ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ:"أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ". فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -:"عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا".
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: جاء رجل من بني النبيت -قبيل من الأنصار- قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم قاتل حتى قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عمل هذا يسيرًا وأجر كثيرًا" وأخرجه النسائي بلفظ: يا رسول الله: أرأيت لو أني أسلمت كان خيرًا لي؟ قَالَ: "نعم". فأسلم ثم قَالَ: يا رسول الله أرأيت لو أني حملت على القوم فقاتلت حتى أقتل أكان خيرًا لي ولم أصلِ صلاة واحدة؟ قَالَ: "نعم"
(1)
.
وأما الآية فنزلت في الأنصار: عبد الله بن رواحة وغيره، كما قاله مقاتل في "تفسيره" أن قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يعظهم بذلك وذلك أن المؤمنين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله:
(1)
"السنن الكبرى" 5/ 196 (8652)
{إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} يعني: في طاعته، {صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} فأخبر الله تعالى بأحب الأعمال إليه بعد الإيمان فكرهوا القتال فوعظهم الله وأدبهم فقال:{لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} نزلت هذِه الآية في الأنصار عبد الله بن رواحة وغيره، تمنوا الجهاد فلما نزل فرضه كرهوه قاله ابن عباس ومجاهد
(1)
، وحكى ابن التين: أنها نزلت في المنافقين، والتقدير على هذا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} حكم لهم بحكم الأيمان.
ومعنى: {بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} أي: ثبتوا كثبات ما رُصَّ من البناء.
وفيه: أن الله تعالى يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير؛ تفضلًا منه على عباده فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه وإن كان عمله قليلاً، لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنًا طول حياته فنفعته نيته وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار؛ لأنه انْضَافَ إلى كفره اعتقادُه أنه يكون كافرًا طول حياته؛ لأن الأعمال بالنيات، قاله المهلب
(2)
.
وقال ابن التين: أما عمله فقليل وأما ما بذله فكثير.
قَالَ ابن المنيِّر: والمطابقة بين الترجمة وبين ما تلاه أن الله عاتب من قَالَ: إنه يفعل الخير ولم يفعله، ثم أعقب ذَلِكَ بقوله:{إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} وهو ثناء على من وفى وثبت ثم قاتل وفي الآية بالمفهوم الثناء على من قَالَ وفعل. فقوله المتقدم وتأهبه للجهاد عمل صالح قدمه على الجهاد
(3)
.
(1)
رواه الطبري 12/ 79 - 80 (34042، 34045).
(2)
نقله عنه ابن بطال 5/ 24.
(3)
"المتواري" ص 151.
14 - باب مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ
2809 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ:"يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". [3982، 6550، 6567 - فتح: 6/ 25]
ذكر فيه حديث شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ - صلي الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، ألَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْم غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ؟ فَقَالَ:"يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَان فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابنكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".
هذا الحديث من أفراده، وفي لفظ له في المغازي:"أهبلتِ أجنةٌ واحدة هي إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى"، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من حديث أنس
(1)
.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها: قوله: (أن أم الربيع بنت البراء)
(2)
غيرُ جيد إنما هي: أم
(1)
"جامع الترمذي"(3174).
(2)
قال الحافظ في "الفتح" 6/ 26 معقبا: كذا لجميع رواة البخاري؛ وقال بعد ذلك: وهي أم حارثة، وهذا الثاني هو المعتمد، والأول وَهَمٌ نبه عليه غير واحد من آخرهم الدمياطي؛ فقال: قوله: أم الربيع بنت البراء وَهَمٌ، وإنما هي الربيع بنت النضر، عمة أنس بن مالك. اهـ. أما الكرماني في "شرحه" 12/ 112 فرجح رواية البخاري، وأورد احتمالات لصحتها، وتعقبه الحافظ فليراجع.
حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
الرُّبيع بنت النضر أخت أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي، وهي عمة أنس بن مالك بن النضر بن مالك بن النضر هي التي كسرت ثنية امرأة؛ بَيَّن ذَلِكَ الترمذي في التفسير من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس أن الربيع بنت النضر أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابنها حارثة أصيب يوم بدر، وكذا نبه الإسماعيلي في "مستخرجه"، وأبو نعيم وغيرهما وحارثة هو الذي قَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف أصبحت يا حارثة" فقال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًّا .. الحديث
(1)
، وفيه: يا رسول الله ادع لي
(1)
رواه الطبراني 3/ 226 (3367)، والبيهقي في "الشعب" 7/ 363 من حديث الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له .. الحديث. قال الهيثمي في "المجمع" 1/ 57: فيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه، وقد قال العقيلي بعد ما رواه من حديث أنس: ليس لهذا الحديث إسناد يثبت. "الضعفاء" 4/ 455 (2085)، وحديث أنس هذا رواه البيهقي أيضًا في "الشعب" 7/ 362، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه قال: هذا منكر، وقد خبط فيه يوسف. "الإصابة" 1/ 289 (1478)، وفي الباب: عن أبي هريرة أيضًا، وفيه كذاب. انظر:"المجروحين" 1/ 149 - 150. وليراجع "الإصابة" لمزيد بيان.
تنبيه: قول المصنف أن حارثة الذي في حديث الباب، هو الذي قيل له: كيف أصبحت، فيه نظر؛ فقد قال البيهقي بعد إخراجه في "الشعب": هذِه القصة في الحارث بن مالك. اهـ، والحديث كما تقدم ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة الحارث بن مالك، ولم يشر من قريب ولا بعيد إلى أي شيء في ترجمة حارثة بن سراقة، وفرق غير واحد بينهما. وانظر:"الاستيعاب" 1/ 370 (459) ثم إنه وقع عند البيهقي من حديث أنس أنه حارثة بن النعمان، لا الحارث بن مالك، لكن سلف أن البيهقي جزم أن القصة معروف بها الحارث بن مالك، وهكذا رواه غير واحد، فليتأمل.
بالشهادة فجاء يوم بدر ليشرب من الحوض فرماه حِبَّان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله.
قَالَ أبو موسى المديني: وكان خرج نظارًا وهو غلام؛ ولما قَالَ رسول الله لأمه ما قَالَ رجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة، وهو أول قتيل من الأنصار ببدر.
وأما قول ابن منده: أنه شهد بدرًا واستشهد بأحد فغير جيد
(1)
، وعند أبي نعيم
(2)
: كان كثير البر بأمه قَالَ - صلي الله عليه وسلم -: "دخلت الجنة فرأيت حارثة كذلك البر"، هو غير جيد؛ لأن المقتول فيه هنا هو حارثة بن النعمان كما بينه أحمد في "مسنده" وغيره
(3)
.
ثانيها: قوله: (سهم غريب): هو الذي لا يعلم راميه ولم يدر من حيث أتاه، قَالَ أبو عبيد: يقال: أصابه سَهم غريب إذا كان لا يعلم من رماه
(4)
.
وقال ابن السكيت: سهم غربٍ، وسهم غرَّب وغَرَب إذا لم يدر من أي جهة رمي به
(5)
، وقال غيره: سهم غربٍ.
وحكى الخطابي عن أبي زيد قَالَ: سهم غرْب ساكنة الراء إذا أتاه من حيث لا يدري، وسهم غَرب -بفتح الراء- إذا رماه فأصاب غيره
(6)
،
(1)
مما يؤيد قول المصنف ما ذكره الحافظ في "الإصابة" 1/ 397 (1524)، عن غير واحد أن حارثة ممن شهد بدرا وقتل بها؛ ثم قال: ولم يختلف أهل المغازي في ذلك؛ ثم ذكر قول ابن منده، ثم اعتمد الحافظ أنه استشهد ببدر.
(2)
"معرفة الصحابة" 2/ 740 (607).
(3)
رواه أحمد 6/ 36، وصححه الحاكم 3/ 208، والحافظ في "الإصابة" 1/ 398 (1532) ترجمة حارثة بن النعمان؛ والألباني في "الصحيحة"(913).
(4)
"غريب الحديث" 2/ 371.
(5)
"إصلاح المنطق" ص 173.
(6)
"غريب الحديث" 1/ 221.
وقال ابن دريد: سهم غائر لا يدرى من رماه، وقال ابن فارس: يقال: سهم غريب وغرب إذا لم يدر راميه
(1)
، وقال ابن الجوزي: روي لنا سهم بالتنوين وغرب بإسكان الراء مع الرفع والتنوين. وقال ابن قتيبة: كذا تقوله العامة، والأجود سهم غريب بفتح الراء، وإضافة الغرب إلى السهم، وذكره الأزهري بفتح الراء لا غيره
(2)
.
وقال ابن سيدَهْ: يقال: أصابه سهم غرْب وغرَب إذا كان لا يدرى من رماه
(3)
. وقيل: إذا أتاه من حيث لا يدري، وقيل: إذا تعمد غيره فأصابه، وقد يوصف به. وفي "المنتهى": سهم غرْب وغرَب بفتح الراء وسكونها يضاف ولا يضاف، إذا أصابه سهم لا يعرف من رماه، ومثله سهم عرض، فإن عرف فليسَ بغرب ولا عرض، وبنحوه ذكره القزاز وغيره، فعلى هذا لا يقال في السهم الذي أصاب حارثة: غَرْب؛ لأن راميه قد عرف.
ثالثها: هذا الحديث نحو حديث أم حرام إذ سقطت عن دابتها فماتت، وهذا وشبهه مما يستحق به الجنة، إذا صحت فيه النية.
وقولها: (اجتهدت في البكاء) قَالَ الخطابي: لم يعنفها عليه
(4)
، قلتُ: لعله المقصود الذي لا حرج على فاعله فهو مباح، فكذا لم يعنفها بل هو رحمة، ويجوز أن يحمل البكاء هنا على الدعاء والرقة
(5)
،
(1)
"جمهرة اللغة" 1/ 321، "مجمل اللغة" 2/ 695، مادة:(غريب).
(2)
"تهذيب اللغة" ص 2644.
(3)
"المحكم" 5/ 299، مادة:(غريب).
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1362.
(5)
وقد ذكر الحافظ في "الفتح" 6/ 27 أن ذلك كان قبل تحريم النوح؛ لأن تحريمه كان عقب غزوة أحد، والحادثة كانت عقب غزوة بدر.
يؤَيده رواية الترمذي: اجتهدت في الدعاء
(1)
. وهو نص في وصوله له وهو إجماع، ولهذا شرعت الصلاة عليه، والجنان: جمع جنة: وهي البستان، ويقال: هي النخل الطوال، وقال الأزهري: كل شجر متكاثف يستر بعضه بعضًا فهو جنة، مشتق من جننته إذا سترته
(2)
.
(1)
"جامع الترمذي"(3174).
(2)
"تهذيب اللغة" 1/ 672. مادة: (جن).
15 - باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا
2810 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ:"مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". [انظر: 123 - مسلم: 1904 - فتح: 6/ 27]
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ:"مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ له: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أي ذَلِكَ في سبيل الله؟ فذكره
(1)
. وفي آخر: يقاتل غضبًا، فرفع إليه رأسه، وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا
(2)
.
وهذا السائل ورد في "الصحيح" أنه من الأعراب
(3)
، ولا يحضرني اسمه
(4)
، والمراد: بالذَّكْرِ: الشجاعةُ، وهي ضد الجُبْن، وهي شدة القلب عند البأس.
(1)
سيأتي برقم (7458) كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)} .
(2)
سلف برقم (123) كتاب: العلم، باب: من سأل -وهو قائم- عالماً جالسا.
(3)
سيأتي برقم (3126) كتاب: فرض الخمس، باب: من قاتل للمغنم، هل ينقص من أجره.
(4)
ذكره الحافظ في "الفتح" 6/ 28 أن الأعرابي يصلح أن يكون لاحق بن ضميرة، وحديثه ذكره المديني في "الصحابة" وقال: وفي إسناده ضعف.
وقوله: (ليرى مكانه (في سبيل الله)
(1)
): أي: للإخلاص.
والحديث دال على وجوب الإخلاص في الجهاد، ومصرح بأن القتال للذكر، ونحوه (خارج)
(2)
عن ذَلِكَ ودال أيضًا على أن الإخلاص هو العمل على وفق الأمر.
ودال أيضًا على تحريم الفخر بالذكر، اللَّهُمَّ إلا أن يقصد بذلك إظهار النعمة.
ودال أيضًا على حرمة الرياء وعلى السؤال عن الأعمال القلبية.
وبيان أحوال الناس في جهادهم ونياتهم، واعلم أن القتال للذكر إن قصد به إظهار ليقال: إن فلانًا شجاع فهذا ليس بمخلص، وهو الذي يقال فيه في الحديث الصحيح:"لكي يقال، وقد قيل"
(3)
، ويكون الفرق بين هذا القسم وبين قوله بعد:(والرجل يقاتل ليُرى) أن يكون المرادُ به إظهار المقاتلة لإعلاء كلمة الله، وبذل النفس في رضاه، والرغبة فيما عنده، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فيقال: إنه شجاع، والذي قلنا: إنه قاتل إظهارًا للشجاعة ليس مقصوده إلا تحصيل المدح على الشجاعة من الناس فافترقا إذًا، وإن كان طبعًا لا قصدًا فهذا لا يقال: إنه كالأول؛ لعدم قصده الإظهار، ولا أنه أخلص، وإن كان يقصد إعلاء كلمة الله تعالى به فهو أفضل من القسم الذي قبله.
(1)
عليها في الأصل: (كذا .. إلى). وفي هامشها: كذا في أصله: في سبيل الله، والظاهر أنها زائدة.
قلت: لعله سقط (فيمن) أو (إلى قوله).
(2)
من (ص 1).
(3)
رواه مسلم (1905) كتاب: الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار؛ من حديث أبي هريرة.
قَالَ المهلب: إذا كان في أجل النية إعلاء كلمة الله تعالى ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك "ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا" فخليق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة الله وأن يحب الغني لإعلاء كلمة الله فهذا لا يضره إن كان عقده صحيحًا، (والحمية) في الرواية التي أوردناها هي الأنفة، والغيرة عن عشيرته والغضب وحميت عن كذا حمية بالتشديد وتحمية إذا أنفت منه، والرياء أيضًا يمد وقد يقصر وهو قليل، وقد أسلفنا أنه ضد الإخلاص. وقال الغزالي: إنه إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة
(1)
، أي: إما متمحضا أو مشاركًا.
(1)
انظر: "الإحياء" 3/ 368.
16 - باب مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ} الآية [التوبة: 120].
2811 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ -عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ". [انظر: 907 - فتح: 6/ 29]
حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، ثَنَا يَزِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا عَبَايَةُ بْنُ رفاعة بن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ -هُوَ محمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبْرٍ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا (اغْبَرَّتا)
(1)
قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ".
الشرح:
أمَّا الآية: فقال مقاتل: ذكر الله -جل وعز- الذين لم يتخلفوا عن غزوة تبوك فقال: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} وقوله: {عَنْ رَسُولِ اللهِ} في غزوة تبوك قَالَ الثعلبي: ظاهره خبر ومعناه: أمر.
و (الأعراب) سُكَّان البوادي: مُزينة وجُهينة وأَشْجع وأَسْلم وغِفَار.
({أَن يتًخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اْللهِ}) إذ غزا.
قَالَ ابن عباس: يكتب لهم بكل روعة تنالهم في سبيل الله (سبعين)
(2)
ألف حسنة.
(1)
ورد بهامش الأصل: في نسخة: اغبرت.
(2)
كذا في الأصول، وأعلاها في الأصل: كذا.
قَالَ قتادة: هذا خاص برسول الله - صلي الله عليه وسلم - إذا غزا بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فمن شاء أن يتخلف تخلف
(1)
.
وقال الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما: هذِه الآية لأول هذِه الأمة وآخرها
(2)
. وقال ابن زيد: كان هذا وأول الإسلام قليل فلما كثروا نسخها الله، وأباح التخلف لمن شاء فقال:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}
(3)
[التوبة: 122] وقال غيره: لا نسخ، والأولى توجب إذا نفر الشارع أو احتيج إلى المسلمين فاستنفروا لم يسع أحدًا التخلف وإذا بعث الشارع سرية خلف طائفة، وهذا مذهب ابن عباس والضحاك وقتادة، وقال ابن الحصار: قول ابن زيد أنه نسخ بالتأويل الفاسد قوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} تعريض لمن تخلف منهم عن تبوك، فهذا النهي يتوجه على كل من استنفر فلم ينفر خاصًّا وعامًّا، ومن لم يستنفر لم يدخل تحته، والآية التي زعمها ناسخة؛ إنما نزلت في الحض على طلب العلم والرِّحْلة فيه، ولا معارضة بين الاثنين، وحديث أبي عبس سلف في الجمعة، وهو من أفراده بل لم يخرج مسلم عن أبي عبس في "صحيحه" شيئًا.
وشيخه هنا إسحاق، قَالَ الجياني: نسبه الأصيلي في نسخته فقال: ابن منصور، وكذا قاله الكلاباذي
(4)
، وجدُّه ابن بَهْرام أبو يعقوب الكَوْسَج المروزي مات بنيسابور سنة إحدى وخمسين ومائتين، ويحتمل
(1)
رواه الطبري 6/ 511 (17476)، وابن أبي حاتم 6/ 1908 (10105).
(2)
رواه الطبري 6/ 511 (17477).
(3)
رواه الطبري 6/ 511 (17478)، وابن أبي حاتم 6/ 1907.
(4)
"تقييد المهمل" 3/ 983.
أن يكون إسحاق
(1)
هذا ابن زيد الخطابي، ساكن حران، ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي عن عبد الله بن زياد الموصلي ثَنَا إسحاق بن زيد الخطابي وكان يسكن حران، ثَنَا محمد بن المبارك الصوري، فذكره كما ذكره البخاري، ومحمد بن المبارك الصوري الشامي مات ما بين سنة إحدى عشرة إلى خمس عشرة ومائتين.
وموضع الترجمة من الآية قوله تعالى: {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ} [التوبة: 120] فأثابهم الله بخطواتهم وإن لم يلقوا قتالاً، ففسر ذَلِكَ العمل الصالح، أنه لا يمس النار من اغبرت قدماه في سبيل الله، وهذا وعدٌ منه، وهو منجز لا يتخلف، وسبيل الله جميع طاعاته.
(1)
ورد بهامش الأصل: إسحاق هذا الذي قال شيخنا يحتمل أن يكون المراد في كلام البخاري هو إسحاق بن زيد بن عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب، ذكره ابن حبان في "ثقاته"، ونسبه كما نسبته لك، والله أعلم.
17 - باب مَسْحِ الغُبَارِ عَنِ الرَّأْسِ فِي السَّبِيلِ
2812 -
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ وَقَالَ:"وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ". [انظر: 447 - فتح: 6/ 30]
ذكر فيه حديث عِكْرِمَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا جَاءَ فَاحْتَبَي وَجَلَسَ فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الغُبَارَ وَقَالَ:"وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ".
قد سلف في بناء المسجد، أنه كان ينقل لبنة عنه ولبنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له:"تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ".
وقوله: (وأخوه) اعترضه الدمياطي الحافظ فقال: لم يكن له أخ من النسب إلا قتادة بن النعمان الظَّفْرِي، فإنه كان أخاه لأمه، وقتادة مات زمن عمر، وكان عُمُرُ أبي سعيد أيامَ بناء المسجد نحوَ عشر سنين أو دونها، قَالَ ابن بطال
(1)
: وقوله: "يدعوهم إلى الله": أريد -والله أعلم- أهل مكة الذين أخرجوا عمارًا من دياره، وعذبوه في ذات الله، قَالَ: ولا يمكن أن يتأول على المسلمين؛ لأنهم أجابوا دعوة الله، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجًا عن الإسلام.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 27.
وقوله: ("وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ") تأكيد للأول؛ لأن المشركين إذ ذاك طالبوه بالرجوع عن دينه.
فإن قلت: فتنة عمار كانت أول الإسلام، وهنا قَالَ:"يَدْعُوهُمْ" بلفظ المستقبل وما قلته لفظ الماضي؟
فالجواب: أن العرب قد تخبر عن المستقبل بالماضي إذا عرف المعنى كعكسه، فمعنى يدعوهم: دعاهم إلى الله، فأشار إلى ذكر هذا لما تطابقت شدته في نقله لبنتين شدته في صبره بمكة على العذاب؛ تنبيهًا على فضيلته، وثباته في أمر الله، ومسحه - صلي الله عليه وسلم - الغبار عن رأس عمار رضًا من رسول الله بفعله، وشكرًا له على عزمه في ذات الله، قاله المهلب
(1)
.
وقوله: (لبنة): هو بفتح اللام وكسر الباء ويجوز كسر اللام وإسكان الباء قَالَ ابن فارس: اللَّبِنَة من اللَّبِن، معروفة وضبطها بالثانى قَالَ: ويقال: لَبْنَة
(2)
.
وقوله: ("وَيْحَ عَمَّارٍ" ترجم له، وذلك أن قوله تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] نزلت فيه كما قاله المفسرون
(3)
.
(1)
نقله عنه ابن بطال 5/ 27.
(2)
مجمل اللغة" 2/ 802. مادة: لبن.
(3)
هو قول ابن عباس وقتادة وغيرهما، كما رواه الطبري 7/ 651 - 652.
18 - باب الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ وَالْغُبَارِ
2813 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ، فَوَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"فَأَيْنَ". قَالَ هَا هُنَا. وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. [انظر: 463 - مسلم: 1769 - فتح: 6/ 30].
حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ، فَوَاللهِ مَا وَضعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"فَأَيْنَ؟ ". قَالَ: هَا هُنَا. وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
الشرح:
محمد هذا هو ابن سلام فيما ذكره الجياني
(1)
، وساقه في بني قريظة عن عبد الله بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن هشام به
(2)
.
وقوله: (فأتاه جبريل) هذِه الفاء زائدة.
قَالَ القرطبي: كذا وقع في الرواية" والصواب: وطرحها فإنه جواب لما، ولا تدخل الفاء في جوابها، وكأنها زائدة كما زيدت الواو في جوابها في قول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
…
بنا بطن حتف ذي ركام عقنقل
(1)
"تقييد المهمل" 3/ 1020.
(2)
سيأتي برقم (4117) كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب.
وإنما انتحى هو فزاد الواو
(1)
، وإنما اغتسل للتنظيف كما قاله المهلب، وإن كان الغبار في سبيل الله شاهدًا من شواهد الجهاد وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم:"ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار"
(2)
، ألا ترى أن جبريل لم يغسله عن نفسه تبركًا به في سبيل الله، وفيه: دلالة أنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج إلى حرب إلا بإذن، قاله ابن بطال
(3)
.
وعَصبَ: مخفَّف، يقال: عَصَبَهُ وعَصَبَهُ الغُبَار إذا رَكِبَهُ، وعَلِقَ بِهِ ولَصِقَ، ومنه: سميت العصبة: وهم قرابة الرجل من أبيه، قَالَ ابن التين: معناه أحاط به كالعصابة. وقيل: معناه ركب رأسه الغبار وعلق به، يقال: عَصَبَ الريقُ بِفَمِي، إذا جفَّ فبَقيت منه لُزُوجة تمسك الفم.
وفيه: قتال الملائكة بسلاح.
وفيه: دلالة على أن الملائكة تصحب المجاهدين في سبيل الله، وأنها في عونهم ما استقاموا فإن خانوا وغُلُّوا فارقتهم، يدل على ذَلِكَ قوله صلى الله عليه وسلم:"مع كل قاض ملكان يسددانه ما أقام الحق فإذا جار تركاه"
(4)
. والمجاهد حاكم بأمر الله في أعوانه وأصحابه.
(1)
"المفهم" 3/ 591.
(2)
سلف برقم (2811).
(3)
"شرح ابن بطال" 5/ 28.
(4)
رواه الطبراني 18/ 240 من حديث عمران بن حصين، وفيه نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى، متروك، انظر:"الضعيفة"(2616)، ورواه البيهقي 10/ 88، من حديث ابن عباس، وفيه: العلاء بن عمرو الحنفي، كذاب، قال الحافظ في "التلخيص" 4/ 181: إسناده ضعيف. قال صالح جزرة: هذا الحديث ليس له أجل. اهـ وقال الألباني في "الضعيفة"(2539): هذا إسناد موضوع. اهـ.
وفي الباب: أيضًا عن واثلة بن الأسقع، رواه الطبراني 22/ 84؛ وأعله الهيثمي في "المجمع" 4/ 194 بتضعيف الأزدي لجناح مولى الوليد.
قَالَ (ابن المنير)
(1)
: إنما بوب البخاري على هذا الحديث هنا؛ لئلا يتوهم كراهية غسل الغبار؛ لأنه من حميد الآثار كما كره بعضهم مسح ماء الوضوء بالمنديل، وبين جوازه بالعمل المذكور
(2)
.
وفيه: يمين الصادق تأكيدًا لقوله: (وَأَوْمَأَ: أَشَارَ) ويقال: وَمَأَ بمعناه.
فائدة:
قَالَ مالك: كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب سنة أربع، وقيل: سنة خمس، قال: وكانت في برد شديد ولم يستشهد يومئذ إلا أربعة أو خمسة، ويومئذ نزلت:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [الأحزاب: 10] جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هنا، ونجد -يريد هوازن- من هنا، قَالَ: وانصرف من قريظة لأربع خلون من ذي الحجة.
(1)
في (ص 1): ابن التين.
(2)
"المتواري" ص 153.
19 - باب فَضْلِ قَوْلِ اللهِ عز وجل: {وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا} إلى {أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171]
2814
- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ غَدَاةً، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ أَنَسٌ: أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ.
2815 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. فَقِيلَ لِسُفْيَانَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ لَيْسَ هَذَا فِيهِ. [4044، 4618 - فتح: 6/ 31]
ثم ساق حديث أَنَسٍ: دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وقد سلف قريبا
(1)
، ويأتي في المغازي
(2)
، وأخرجه مسلم في الصلاة
(3)
.
وحديث جَابِرٍ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ؟ قَالَ: لَيْسَ هذا فِيهِ.
قلتُ: لا شك أنه كان قبل تحريمها، فما منعهم ذَلِكَ من الشهادة؛ لأن ما قبل النهي عفو، وأما الآية فروى الحاكم في "مستدركه" صحيحًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله
(1)
سلف برقم (2801).
(2)
سيأتي برقم (4088) باب: غزوة الرجيع ورعل وذكران وبئر معونة.
(3)
رواه مسلم (677) كتاب: المساجد، باب: استحباب: القنوت.
أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد من أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة (في ظل)
(1)
العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، فقالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق؟ لئلا يزهدوا في الجهاد، ويتكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم" فأنزل الله {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا} الآية
(2)
. [آل عمران: 169].
وذكره الطبري عن ابن مسعود مرفوعًا
(3)
، وروى الواحدي من حديث طلحة بن خراش عن جابر أنها نزلت في والد جابر
(4)
، وقال سعيد .. بن جبير: نزلت في حمزة، ومصعب بن عمير، لما أصيبا يوم أحد
(5)
، وقال سعيد بن جبير: نزلت في أهل أحد خاصة، وقال جماعة منهم: نزلت في شهداء بئر معونة، وقيل: نزلت تنفيسًا لأولياء الشهداء وإخبارًا عن حال قتلاهم، فإنهم كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وأبناؤنا في القبور، وقال مقاتل: نزلت في قتلى بدر، وكانوا أربعة عشر شهيدًا.
وقوله: ({فَرِحِينَ}) هو مثل فارحين، قَالَ الداودي: وقد يقال الفرحين الآمنين في الدنيا، المغترين بزينتها.
ومعنى ({لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ}) أي: في الفضل، وإن كان لهم فضل {وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ} المعنى: ويستبشرون {بِأَنَّ اللهَ} وقرأ الكسائي:
(1)
في (ص 1): تحت.
(2)
"المستدرك" 2/ 88.
(3)
"تفسير الطبري" 3/ 513 (8206).
(4)
"أسباب النزول" ص 133 (264).
(5)
"أسباب النزول" ص 133 (264)، ورواه ابن أبي شيبة 4/ 222 (19429).
(وإن الله)
(1)
، بكسر الألف على أنه مقطوع من الأول المعنى، وهو لا يضيع أجر المؤمنين ثم جيء بـ (إن) توكيدًا، وحديث أنس سلف طرف منه أيضًا في القنوت
(2)
، وسيأتي في غزوة الرجيع أيضًا.
وفي "غرائب مالك" للدارقطني يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ اشدد وطأتك على مضر الفدادين أهل الوبر، اللَّهُمَّ سنين كسني يوسف"
(3)
. تفرد به أحمد بن صالح، عن ابن نافع، عن مالك بهذا الإسناد، وللطبري من حديث أنس: لا أدري أكانوا أربعين أو سبعين، وعلى ذَلِكَ الماء عامر بن الطفيل الجعفري
(4)
.
وفيه: أن حرام بن ملحان الأنصاري هو الذي بلغ الرسالة، وأن عامر بن الطفيل قتلهم أجمع، وأنزل الله {وَلَا تَحْسَبَنَّ} الآية.
وفي "سير ابن إسحاق" أن بعثهم كان على رأس أربعة أشهر من أحد وكان أبو براء (عامر)
(5)
بن مالك ملاعب الأسنة هو الذي طلبهم، وأنه قَالَ: أنا لهم جار، فبعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً من خيار المسلمين، فيهم الحارث بن الصمَّة، وحرام بن ملحان، وعروة بن أسماء ونافع بن ورقاء وعامر بن فهيرة فساروا حَتَّى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرَّة بني سليم، واستصرخ عليهم عامر بن الطفيل بني عامر، فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء فاستصرخ تلك القبائل عصيَّة وغيرها فقتلوهم إلا كعب بن زيد فتركوه
(1)
انظر: "الحجة للقراء السبعة" للفارسي 3/ 98.
(2)
سلف برقم (1001).
(3)
يراجع ما سلف برقم (804).
(4)
"تفسير الطبري" 3/ 515 (8224).
(5)
من (ص 1).
وبه رمق، فعاش حَتَّى قتل يوم الخندق، وأسر عمرو بن أمية وكان على سرح القوم، ثم أطلق لما أخبر أنه من مضر أطلقه عامر، وجزّ ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما يزعم، فلما أخبر عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر قَالَ:"هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهًا"
(1)
.
وفي "مغازي موسى بن عقبة" فقال: كان أمير السرية مرثد بن أبي مرثد.
ولمسلم: أن ناسًا جاءوا إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم: القراء قَالَ أنس: منهم خالي حرام، فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان
(2)
.
وللبيهقي في "دلائله" عن أنس أيضًا: لما أصيب خبيب بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا على حي من بني سليم قَالَ: فقال خالي حرام لأميرهم: دعني فلأخبر هؤلاء أنا ليس إياهم نريد، فيخلون وجوهنا قَالَ: فأتاهم، فاستقبله رجل منهم برمح فأنفذه به ثم انطووا عليهم فما بقي منهم مخبر
(3)
.
قَالَ ابن التين: ويقال: إن عامر بن فهيرة لم يوجد، يرون أن الملائكة وارته.
و (مَعُونة) بالنون وفتح الميم وضم العين، بين مكة وعسفان أرض لهذيل، وعن الكندي هي جبال يقال لها: أبلى في طريق المصعد من
(1)
رواه الطبراني 20/ 356 - 358، عن محمد بن إسحاق به؛ قال الهيثمي في "المجمع" 6/ 129: رجاله ثقات إلى ابن إسحاق. اهـ. كما حكاه عن ابن إسحاق ابن هشام في "سيرته" 3/ 183 - 187.
(2)
"صحيح مسلم"(677/ 147) كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
(3)
"الدلائل" 3/ 349.
المدينة إلى مكة وهي لبني سليم، وقال أبو عبيدة في "كتاب المقاتل": هي ماء لبني عامر بن صعصعة، وقال الواقدي: هي أرض لبني سليم وأرض بني كلاب
(1)
.
و (رِعْل) بكسر الراء ثم عين مهملة ساكنة ثم لام؛ ابن مالك بن عوف بن أمرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة.
و (ذَكْوان) هو ابن ثعلبة بن سليم بن منصور، قَالَ ابن دريد: اشتقاقه من شيئين: إما من الذكاء ممدود، وهو تمام السن أو من ذكا النار مقصور
(2)
، واشتقاق رِعل من الرعلة، وهي النخلة الطويلة، والجمع رعال، والرعلة القطعة من الخيل، والراعل نخل من النخل معروف بالمدينة، وناقة رعلاء إذا قطعت أذنها فتركت منها قطعة معلقة، وعصية قَالَ الهجري: هو الخفاف بنُ امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور
(3)
.
تتمات:
أحدها: قَالَ الداودي: قوله: (ثم نسخ بعد) يريد سقطت عن ذكره؛ لتقادم عهده إلا أن تذكر بمعنى الرواية ليس النسخ الذي يبدل مكانه خلافه؛ لأن الخبر لا يدخله نسخ، وعبارة غيره: إن القرآن ربما نسخ لفظه، وبقي حكمه مثل: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. فمعنى النسخ هنا أنه أسقط من التلاوة.
وقال السهيلي: هذا المذكور -أعني: ما نزل ونسخ- ليس عليه (رونق)
(4)
الإعجاز، قَالَ: ويقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم
(1)
انظر: "معجم البلدان" 5/ 159.
(2)
"الاشتقاق" ص 187.
(3)
"الاشتقاق" ص 309.
(4)
في (ص 1): رؤى.
معجز كنظم القرآن، ولا يقال: إنه خبر، والخبر لا ينسخ، إنما نسخ منه الحكم فقط، فإن حكم القرآن التلاوة، وأن لا يمسه إلا طاهرٌ وأن يكتب بين الدفتين، وأن يكون تعلمه من فروض الكفاية، فكل ما نسخ، (ورفعت)
(1)
منه هذِه الأحكام وإن بقي محفوظًا فإنه منسوخ، فإن تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذَلِكَ الحكم معمولًا به، وأنكرت ذَلِكَ المعتزلة، وإن تضمن خبرًا بقي ذَلِكَ الخبر مصدقًا به، وأحكام التلاوة منسوخة عنه، كما نزل: لو أن لابن آدم وادِيَان من ذهب. فهذا خبر حق، والخبر لا ينسخ، لكن نسخ منه أحكام التلاوة له، وكان قوله: لو أن لابن آدم، في سورة يونس بعد قوله:{كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] كذا قَالَ ابن سلام
(2)
.
ثانيها: فيه دلالة كما قَالَ المهلب: أن من قُتل غدرًا شهيد؛ لأن أصحاب بئر معونة قتلوا غدرًا بهم.
ثالثها: اختلف الناس في كيفية حياة الشهيد، وأولاها -كما قَالَ ابن بطال- أن تكون الأرواح ترزق، وكذا جاء الخبر:"إنما نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة"
(3)
، قَالَ أهل اللغة: يعني يأكل منها
(4)
.
قَالَ صاحب "المطالع" تعلق: بضم اللام أي: تتناوله، وقيل: نسمة وبالفتح أيضًا، ومعناه: تتعلق وتلزم ثمارها وتأوي إليها، وقيل: هما
(1)
كذا بالأصل وأعلاها: كذا، وفي هامشها: ينبغي أن تكون بغير واو.
(2)
"الروض الأنف" 3/ 239 - 240.
(3)
رواه الترمذي (1641)، والنسائي 4/ 108، وابن ماجه (4271)، وأحمد 3/ 455 من حديث كعب بن مالك، وصححه الترمذي، وابن حبان 10/ 413، والألباني في "المشكاة"(1632).
(4)
"شرح ابن بطال" 5/ 29.
سواء، وقد روي تسرح، وهو يشهد للضم ومن رواه بالتاء على النسمة، ويحتمل أن يرجع إلى التطير على أن يكون جمعًا، ويكون ذكر النسمة؛ لأنه أراد الجنس لا الواحد، وقد يكون التأنيث للروح؛ لأنها تذكر وتؤنث، وهذا الحديث أنها تعلق عام والقرآن ذكر في الشهداء.
قَالَ الداودي: وقيل: تمثل أرواحهم طيرًا تسرح في الجنة، قَالَ: وذكر بإسناد ضعيف أنها تجعل في حواصل طير، ولا يصح في النقل ولا الاعتبار؛ لأنها إن كانت هي أرواح الطير. فكيف يكون في الحواصل دون سائر الجسد؟ وإن كان لها أرواح غيرها فكيف يكون لها روحان في جسد؟ وكيف تصل لهم الأرزاق التي ذكر الله تعالى؛ قَالَ: وإنما الصحيح أن أرواحهم طائر تعلق في شجر الجنة، (أي)
(1)
ترعى حَتَّى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي.
قلتُ: وما أنكره هو ثابت في "صحيح مسلم"، وهو معدود من أفراده من حديث مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذِه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذَلِكَ فقال: "إن أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربكم إِطْلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرحِ في الجنة حيث شئنا، ثم نأوي إلى تلك القناديل، فقال لهم ذَلِكَ ثلاثًا. فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا"
(2)
.
(1)
في (ص 1): أو.
(2)
مسلم (1887) كتاب: الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ..
وفي "مستدرك الحاكم" وقال: على شرط مسلم من حديث محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير -زاد ابن أبي عاصم:- وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قَالَ: قَالَ رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لما أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد من أنهار الجنة وتأكل من ثمارها .. " الحديث
(1)
.
ومن حديث الحسين بن واقد -عند ابن أبي عاصم- عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود أن الثمانية عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر
(2)
، وفي لفظ:"أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت العرش".
ومن حديث عطية، عن أبي سعيد مرفوعًا:"أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة، ثم يكون مأواها قناديل معلقة يالعرش".
ومن حديث موسى بن عبيدة الرَّبَذَي عن (عبيد الله بن يزيد)
(3)
، عن أم فلانة -أظنها: أم (مبشر)
(4)
- قَالَ رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إن أرواح المؤمنين طير خضر في حجر من الجنة يأكلون من الجنة، ويشربون من الجنة".
وبإسناد جيد إلى كعب بن مالك مرفوعًا: "أرواح الشهداء في طير خضر"
(5)
.
(1)
"المستدرك" 2/ 88، ورواه ابن أبي عاصم في "الجهاد" 1/ 215 (52)، والحديث قال عنه الألباني في "صحيح أبي داود" (2275): حديث حسن صححه الحاكم والذهبي؛ وأقره المنذري.
(2)
"الجهاد" 2/ 517 (198).
(3)
في (ص 1): عبيد الله بن زيد.
(4)
في (ص 1): ميسر.
(5)
"الجهاد" 2/ 518 - 521 (200 - 202)، ولمزيد بيان تنظر حاشيته.
ولمالك في "الموطأ": "نسمة المؤمن طائر"
(1)
.
وأَوَّلَ بعض العلماء (في) بمعنى (على) أي: أرواحهم على جوف طير خضر، كما قَالَ تعالى:{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي: على جذوع، وجائز أن يسمى الطير جوفًا لهم أو هو محيط به ومشتمل عليه كالحامل والجنين، كما نبه عليه عبد الحق.
(1)
"الموطأ" ص 164.
20 - باب ظِلِّ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ
2816 -
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو. فَقَالَ:"لِمَ تَبْكِي -أَوْ: لَا تَبْكِي- مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا". قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أَفِيهِ "حَتَّى رُفِعَ؟ " قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ. [انظر: 1244 - مسلم: 2471 - فتح 6/ 32]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صوْتَ (صَائِحَةٍ)
(1)
، فَقِيلَ ابنةُ عَمْرٍو -أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو- فَقَالَ:"لِمَ تَبْكِي -أَوْ: لَا تَبْكِي- مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا". قُلْتُ لِصَدَقَةَ -أي: ابن الفضل؛ شيخ البخاري-: أَفِيهِ: "حَتى رُفِعَ"؟ قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ.
هذا الحديث سلف، وفيه من فضل الشهادة وضع الملائكةِ أجنحَتها عليه رحمة له، كما نبه عليه المهلب.
وفيه: أن النياحة ليست الشدة في النهي عنها إلا إذا كان معها شيء من أفعال الجاهلية، من شق وخمش ودعوى الجاهلية، على ما سلف في الجنائز.
وفيه: أن الشهيد والرجل الصالح ومن يرجى له الخير لا يحب أن يبكى عليه، ألا ترى أنه قَالَ لها:"لم تبكي؟ " فأخبرها بالأمن عليه في الآخرة، وإنما البكاء لمن يُخشى عليه النار، وشهد لهذا المعنى حديث
(1)
في هامش الأصل: في أصله: نائحة، ومقتضى ما شرحه أن تكون كذلك.
أم حارثة إذ قالت لرسول الله - صلي الله عليه وسلم -: أخبرني بمنزلة ابني، فإن كان في الجنة صبرت واحتسبت
(1)
.
وفيه: أن الشهيد لا يضره بكاء من بكى عليه من النساء وأن أهل الشهيد من النساء أعذر في البكاء ممن يموت حتف أنفه؛ إذ لم يقل لهن هاهنا شيئًا؛ كذا قَالَ الداودي.
قَالَ ابن التين: والذي في الحديث شك، هل هو نهاها أو قَالَ:"لم تبكي" يقوله لغيرها، أو لو خاطبها لقال: لم تبكين.
(1)
انظر: "شرح ابن بطال" 5/ 29.
21 - باب تَمَنِّي المُجَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا
2817 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا أَحَدٌ يدخلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيءٍ، إِلاَّ الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ". [انظر: 2795 - مسلم: 1877 - فتح: 6/ 32]
ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا أَحَدٌ يدخلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيء إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرى مِنَ الكَرَامَةِ".
هذا الحديث أخرجه أبو داود أيضًا
(1)
، وفي لفظ له:"لما يرى من فضل الشهادة"
(2)
.
وهذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة والحض عليها والترغيب فيها، وإنما يتمنى الشهيد أن يقتل عشر مرات -والله أعلم- لعلمه بأن ذَلِكَ مما يرضي الله عز وجل، ويقرب منه؛ لأن من بذل نفسه ودمه في إعزاز دين الله ونصرة دينه ونبيه فلم يبق غاية وراء ذَلِكَ، وليس في أعمال البر ما تُبذل فيه النفس غير الجهاد؛ فلذلك عظم الثواب عليه والله أعلم.
(1)
كذا رمز في الأصل، وفيه نظر فالمقصود هو أبو داود الطيالسي، وقد رواه في "مسنده" 3/ 468 (2076)، وانظر:"تحفة الأشراف"(1252).
(2)
سلف برقم (2795).
22 - باب الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ
وَقَالَ المُغِيرَةُ: بْنُ شُعْبَةَ أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: "مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ".
وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ في النَّارِ؟ قَالَ: "بَلَى".
2818 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَ كَاتِبَهُ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ". تَابَعَهُ الأُوَيْسِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. [2833، 2933، 2965، 2966، 3025، 3025، 4115، 6392، 7237، 7489 - مسلم: 1742 - فتح: 6/ 33]
ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ".
قال أبو عبد الله: تَابَعَهُ الأيويسِيُّ، عَنِ ابن أَبِي الزّنَادِ، عَنْ مُوسَي بْنِ عُقْبَةَ.
الشرح:
التعليق الأول: أسنده في الجزية عن الفضل بن يعقوب، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن المعتمر بن سليمان، عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، عن بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير كلاهما، عن جبير بن حية الثقفي عنه مطولًا يذكر إسلام المرزبان ومشاورة عمر له في أمر القتال
(1)
.
(1)
سيأتي برقم (3159).
و (المعتمر)(هذا)
(1)
هو ابن سليمان بن طرخان التيمي كما قاله أصحاب الأطراف، والمستخرجات والمترجمون.
وأما الحافظ الدمياطي فقال: إنه وَهَمٌ، والصواب: المُعَمَّرُ بنُ سليمان الرَّقِّي؛ لأن عبد الله بن جعفر الرقي لا يروي عن التيمي
(2)
.
ولم نره لغيره؛ بل ولا ذكر المعمر في رجالج البخاري
(3)
ولما ذكروا ابن جعفر قالوا: روى عن المعتمر التيمي
(4)
.
والتعليق الثاني: عن عمر خرجه أيضًا عن أحمد بن إسحاق، عن يعلق بن عبيد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن سهل بن حنيف قَالَ: قَال عمر .. فذكره
(5)
.
وحديث ابن أبي أوفى متفق عليه.
وقوله: (تابعه .. إلى آخره): يعني: أن الأويسي تابع معاوية بن عمر، والذي رواه عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة.
(1)
من (ص 1).
(2)
وتعقب الدمياطيَّ أيضًا الحافظُ ابن حجر في "الفتح" 6/ 263 بأن ذلك ليس بكاف في رد الروايات الصحيحة؛ وهَبْ أن أحدهما لم يدخل بلد الآخر، أما يجوز أن يكونا التقيا مثلا في الحج أو في الغزو؟ وما ذكره معارض بمثله فإن المعتمر بن سليمان رقي، وسعيد بن عبيد الله بصري؛ فمهما استبعد من لقاء الرقي البصري، جاء مثله في لقاء الرقي للبصري ..
(3)
ورد في هامش الأصل: الصحيح، وقد ذكرها مطولة ابن قرقول في "مطالعه" في حرف الميم.
(4)
قال الحافظ في "الفتح" 6/ 263: أغرب الكرماني فحكى أن قيل: الصواب في هذا معمر بن راشد يعني شيخ عبد الرزاق.
قال الحافظ: وهذا هو الخطأ بعينه.
(5)
سيأتي برقم (4844) كتاب: التفسير.
قَالَ ابن المنير
(1)
: كأن البخاري أراد بالترجمة أن السيوف لما كانت لها بارقة شعاع كان لها أيضًا ظل تحتها، وترجم ببارقة، يريد لمع السيوف، من قولهم ناقة بروق إذا لمعت بذنبها من غير لقاح وهو مثل:"الجنة تحت ظلال السيوف" وكذا قَالَ ابن بطال
(2)
: هو من البريق، وهو معروف. قَالَ الخطابي: يقال: أبرق الرجل بسيفه إذا لمع به، ويسمى السيف إبريقًا، وهو أفعل من البريق
(3)
.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: قَالَ المهلب: فيه: أنه قد يجوز أن يُقطع لقتلى المسلمين كلهم بالجنة؛ لقول عمر على الجملة من غير أن يُشخص من هذِه الجملة واحد فيقال: إن هذا في الجنة إلا بخبر فيه بعينه لقوله - صلي الله عليه وسلم -: "والله أعلم بمن يجاهد في سبيله"
(4)
، فنحن نقطع بظاهر الحديث في الجملة ونكل التفصيل والغائب من النيات لله تعالى؛ لئلا يقطع في علم الله بغير (خبر)
(5)
ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم حين سُئل فقيل له: منا من يقاتل للمغنم، وليُرى مكانه، وللدنيا. وغير ذَلِكَ فلما فصل له تَبرأ من القطع على الغيب فقال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"
(6)
.
وهذا القول يقضي على سائر معاني الحديث، والمسألة والترجمة صحيحة، وأن من قَتَل أو قُتِل في إعلاء كلمة الله فهو في الجنة.
(1)
"المتواري" ص 153.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 31.
(3)
"غريب الحديث" 2/ 153.
(4)
سلف برقم (2787).
(5)
في (ص 1): جزاء.
(6)
سلف قريبًا.
ثانيهما: قوله: ("واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف") أي: ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله، فأحضروا فيه بصدق وأثيبوا، وهذا من كلامه البديع النفيس الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقارنة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف حَتَّى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو، وبعضها يرتفع عنهم حَتَّى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، قَالَ ابن الجوزي: والمراد أن دخوله الجنة يكون بالجهاد، والظلال: جمع ظل، فإذا دنا الشخص من الشخص صار تحت ظل سيفه، وقَالَ في موضع آخر: وإذا تدانا الخصمان صار كل واحد منهما تحت ظل سيف الآخر، فالجنة تنال بهذا.
23 - باب مَنْ طَلَبَ الْوَلَدَ لِلْجِهَادِ
2819 -
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ- كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ الله. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ". [3424، 5342، 6639، 6720، 7469 - فتح: 6/ 34]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ -معلقا- فَقَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعِ وتِسْعِينَ- كلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ".
هذا الحديث كذا أخرجه البخاري هنا معلقا وأسنده في (ستة)
(1)
مواضع منها في الأيمان والنذور عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج.
وفي لفظ: "ستين امرأة"، وفي لفظ:"سبعين"، وفي آخر:"مائة"؛ من غير شك، وفي آخر:"تسعة وتسعين"؛ من غير شك، ولا منافاة بين هذِه الروايات؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من باب مفهوم العدد، ولا يعمل به جمهور أهل الأصول، وفي آخر:"فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي"، وطريق الليث أخرجها أبو نعيم من
(1)
لم أقف عليه إلا في خمسة مواضع مسندة كما عددها بعدُ.
حديث يحيى بن بكير عنه، وكذلك مسلم في "صحيحه" من حديثه
(1)
.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: فيه: الحض على طلب الولد بنية الجهاد في سبيل الله، وقد يكون الولد بخلاف ما أمله فيه فيكون كافرًا، ولكن قد تم له الأجر في نيته وعمله.
ثانيها: أن من قَالَ: إن شاء الله وتبرأ من المشيئة إلا لله ولم يعط (الخاصة)
(2)
لنفسه في أعماله أنه حري بأن يبلغ أمله ويُعطي أُمنيَّته، ألا ترى أن سليمان لما لم يرد المشيئة إلى الله ولم يستثن ما لله في ذَلِكَ حُرم أمله، ولو استثنى بلغ أمله. كما أخبر الصادق، وليس كل من قَالَ قولًا ولم يستثن فيه المشيئة فواجب ألا يبلغ أمله، بل منهم من يشاء الله إتمام أمله، ومنهم من لا يشاء بسابق علمه، ولكن هذِه التي أخبر عنها الصادق أنها مما لو استثنى المشيئة لتم له أمله، فدل هذا على أن الأقدار في علم الله على ضروب، فقد يُقدر للإنسان الولد والرزق والمنزلة إن فعل كذا، أو قَالَ أو دعا، فإن لم يفعل ولا قَالَ لم يعط ذَلِكَ الشيء وأصل هذا في قصة يونس صلى الله عليه وسلم قَالَ تعالى:{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} [الصافات:143 - 144] فبان بهذِه الآية أن تسبيحه كان سبب خروجه من بطن الحوت، ولو لم يسبح ما خرج منه.
ثالثها: أن الاستثناء قد يكون بإثر القول، وإن كان فيه سكوت يسير لم تنقطع به دونه الأفكار الحائلة بين الاستثناء واليمين، وستعلم ذَلِكَ في موضعه.
(1)
"صحيح مسلم"(1654) كتاب: الأيمان والنذور، باب: الاستثناء.
(2)
في الأصل: الخصة. ولعل المثبت هو الصواب؛ وانظر "شرح ابن بطال" 5/ 32.
رابعها: أن الأنبياء يعتريهم السهو، نبه عليه ابن التين.
خامسها: قوله: ("لأطوفن") كذا روي هنا، وفي رواية أخرى:"لأطيفن"
(1)
، وكلاهما صحيح كما قَالَ المبرد، يقال: طاف بالشيء وأطاف به وأصله: الدوران حول الشيء، وهو (هنا)
(2)
كناية عن الجماع، وهو قال على ما خص الله به أنبياءه من صحة البنية، وكمال الرجولية مع ما كانوا عليه من الجد والاجتهاد في العبادة، والعادة في مثل هذا لغيرهم الضعف عن الجماع، لكن خرق الله تعالى لهم العادة في أبدانهم، كما خرقها لهم في معجزاتهم وأحوالهم، فحصل لسليمان من الإطاقة أن يطأ في ليلة مائة امرأة ينزل في كل واحدة منهن.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي (فيه)
(3)
أكثر من ذَلِكَ قوى ثلاثين رجلاً، وفي "الطبقات": أربعين. قَالَ مجاهد: أعطي قوة أربعين رجلاً كل رجل من أهل الجنة
(4)
.
وقد أوضحت الكلام عليه في "الخصائص"
(5)
، وكان إذا صلى الغداة دخل على نسائه فطاف عليهن بغسل واحد ثم يبيت عند التي هي ليلتها
(6)
، وإن روي من حديث عائشة طوافه عليهن من غير مسيس ولا مباشرة.
(1)
"صحيح مسلم"(1654/ 24).
(2)
من (ص 1).
(3)
من (ص 1).
(4)
"الطبقات الكبرى" 1/ 374.
(5)
"غاية السول" ص 207.
(6)
سلف برقم (268).
واللام في "لأطوفن" داخلة على جواب القسم، وكثيرًا ما تحذف معها العرب المقسم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدل على مقسم معين، ويؤيده قوله:"لو قَالَ إن شاء الله لم يحنث" لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلا عن قسم، ويبعد أن يكون ابتدأ به، وأن ذَلِكَ حكايته عن قول سليمان من غير قسم.
سادسها: قوله: ("بفارس") وفي روا ية: "بغلام" ظاهرُهُ الجزمُ على أن الله تعالى يفعل ذَلِكَ لصدق رجائه في حصول الخير، وظهور الدين والجهاد، ولا يظن به أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا مَن جَهِل حال الأنبياء في معرفتهم بالله وتأدبهم معه.
وقوله: ("فقال له صاحبه") يعني: المَلَك، كما ذكره في النكاح
(1)
، وفي مسلم:"فقال له صاحبه أو الملك" وهو شك من (واحد من)
(2)
رواته، وفي رواية له:"فقال لصاحبه" بالجزم من غير تردد.
قَالَ القرطبي: فان كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس أو من الجن، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، قَالَ: وقد أبعد من قَالَ هو خاطره
(3)
.
وقال النووي: قيل: المراد بصاحبه، الملك، وهو الظاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي
(4)
.
قلتُ: الصواب الأول كما أسلفناه عن رواية البخاري في أثناء النكاح.
(1)
سيأتي برقم (5242).
(2)
في (ص 1): أحد.
(3)
"المفهم" 4/ 637.
(4)
"شرح مسلم" 11/ 120.
سابعها: قوله: ("فلم يقل إن شاء الله") أي: بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله بقلبه، فإنه لا يليق بمنصب النبوة، وإنما هذا كما اتفق لنبينا - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - لما سُئل عن الروح والخضر وذي القرنين؟ فوعدهم أن يأتي بالجواب غدًا جازمًا مما عنده من معرفة الله وصدقه وعده في تصديقه وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بها لا عن التفويض بقلبه، فاتفق أن تأخر الوحي: عنه ورمِيَ مما رُمِيَ لأجل ذَلِكَ، ثم علمه الله بقوله:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله} الآية [الكهف: 23 - 24]. فكان بعد ذَلِكَ يستعمل هذِه الكلمة حتى في الواجب. وهذا لعلو مناصب الأنبياء وكمال معرفتهم بالله تعالى يعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم.
ثامنها: قوله: ("لو قَالَ: إن شاء الله لم يحنث") فيه دلالة على أنه أقسم على شيئين: الوطء والولادة، فإنه فعل الوطء حقيقة والاستيلاد لم يتم، إذ لو تم (الاستيلاد)
(1)
لم يقل فيه ذلك، وهذا محمول على أنه عليه السلام أوحي إليه بِذَلِكَ في حق سليمان، لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا، وهذا من خصائص نبينا في اطلاعه على أخبار الأنبياء السالفة والأمم الماضية.
تاسعها: فيه دلالة على جواز قول: لو ولولا بعد وقوع المقدور، و (قد)
(2)
جاء في القرآن كثير وفي كلام الصحابة والسلف، وسيأتي ترجمة البخاري على هذا: باب ما يجوز من اللو
(3)
، وأما النهي عن ذَلِكَ وأنها تفتح عمل الشيطان فمحمول على من يقول ذَلِكَ معتمدًا على الأسباب معرضًا عن المقدور أو متضجرًا منه وقد أوضحت ذَلِكَ
(1)
من (ص 1).
(2)
من (ص 1).
(3)
سيأتي بعد رقم (7237) كتاب: التمني.
في "شرح العمدة"
(1)
، فإني أمعنت في شرح هذا الحديث فيه، وهنا اقتصرنا على أطراف خشية الطول.
العاشر: إن قلت من أين لسليمان أن الله تعالى يخلق من مائِهِ في تلك الليلة مائة غلام لا جائز أن يكون بوحي لأنه ما وقع، ولا أن يكون الأمر في ذَلِكَ إليه؛ لأنه لا يكون إلا ما يريد؟
فالجواب ما ذكره ابن الجوزي: أنه من جنس التمني على الله، والسؤال له جل وعز أن يفعل والقسم عليه، كقول أنس بن النضر: والله لا تكسر ثَنيَّة الرُّبيِّع.
قلتُ: الشارع سماه قسمًا فقَالَ: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّ قسمه"
(2)
.
الحادي عشر: قوله: ("فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل") وفي رواية: "بشق غلام"، وفي أخرى:"نصف إنسان"، وفي أخرى له:"فلم يحتمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا إحدى شقيه".
الثاني عشر: قوله: ("فلم يقل") قد فسر في الرواية الأخرى: "فنسي" وقيل: صُرف عن الاستثناء ليتم سابق حكمه تعالى، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: فلم يقل إن شاء الله، فقيل له: قل: إن شاء الله.
تتمات:
أحدها: سليمان أحد المؤمنَيْنِ اللذَيْنِ ملكهما الله الدنيا كلها، والآخر ذو القرنين، وملكها كافران: نمروذ وبختنصر. ويقال: إنه
(1)
"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" 9/ 267.
(2)
سلف برقم (2703).
ملك بعد أبيه وله اثنتا عشر سنة من عمره، وسخر (الله)
(1)
له الجن والإنس والطير والريح، وكان إذا جلس في مجلسه عكفت عليه الطير، فقام له الإنس والجن، عاش ثلاثًا وخمسين سنة.
ثانيها: قَالَ بعض المتكلمين: نبه صلى الله عليه وسلم هنا على آفة التمني والإعراض عن التسليم والتفويض، قَالَ: ومن آفته نسيانه الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر السابق كما سبق.
ثالثها: في رواية للبخاري ستأتي: "وكان أرجى لحاجته"
(2)
، وفي أخرى في "الصحيح":"وكان دركًا لحاجته"
(3)
، وهو -بفتح الراء- اسم من الإدراك، أي: لحاقا قَالَ تعالى: {لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77] والمعنى أنه كان يحصل له ما أراد.
رابعها: فيه أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ ولا تَكفي فيه النيةُ، وهو قول الأربعة والعلماء كافة، وادعى بعضهم أن قياس قول مالك: أن اليمين تنعقد بالنية صحت الاستثناء بها من غير لفظ ومنع.
خامسها: جواز الإخبار عن الشيء، ووقوعه في المستقبل بناء على الظن فإن هذا الإخبار راجع إلى ذلك، وأجاز أصحابنا الحلف على الظن الماضي، وقالوا: يجوز أن يحلف على خط مورثه إذا وثق بخطه، وأمانته، وجوزوا العمل به واعتماده.
سادسها: فيه استحباب التعبير باللفظ الحسن عن غيره، فإنه عبر عن الجماع بالطواف كما سلف، نعم لو دعت ضرورة شرعية إلى التصريح به لم يعدل عنه.
(1)
من (ص 1).
(2)
سيأتي برقم (5242).
(3)
"صحيح مسلم"(1654/ 24).
24 - باب الشَّجَاعَةِ في الحَرْبِ وَالْجُبْنِ
2820 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، وَقَالَ:"وَجَدْنَاهُ بَحْرًا". [2627 - مسلم: 2307 - فتح: 6/ 35]
2821 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:" أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا". [3148 - فتح: 6/ 35]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزعَ أَهْلُ المَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، قَالَ:"وَجَدْنَاهُ بَحْرًا".
وحديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، تَعَلَّقَت الأَعْرَابُ يَسْأَلُونهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى شجَرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ:"أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِه العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا".
الشرح:
الحديث الأول سلف قريبًا في باب من استعار من الناس الفرس ويأتي في الأدب
(1)
، وأخرجه مسلم في الفضائل، والترمذي في الجهاد؛ وقال: صحيح، وكذا النسائي وابن ماجه
(2)
.
وحديث جبير يأتي في الخمس.
والفرق بين الجبن والبخل:
البخل: أن يضن الإنسان بماله أن يبذله في المكارم.
والجبن: ضد الشجاعة، وإنما يكون من ضعف القلب و (خشية)
(3)
النفس.
ثم الكلام من وجوه:
أحدها: فيه: -كما قَالَ المهلب- أن الرئيس قد يتشجع في بعض الأوقات إذا وجد في نفسه قوة، وإن كان اللازم له أن يحوط أمرَ المسلمين بحياطة نفسه، لكنه لما رأى الفزع المستولي، علم أنه لم يُكاد مما أخبره الله به من العصمة، وأنه لا بد أن يتم أمره حَتَّى تمر المرأة من الحيرة حَتَّى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، فلذلك أمن فزعهم باستبراء الصحراء، وكذلك كل رئيس إذا استولى على قومه الفزع ووجد من نفسه قوة فينبغي له أن يُذهب عنهم الفزع باستبرائه بنفسه.
ثانيها: فيه: استعمال المجاز في الكلام؛ لقوله في الفرس: "وجدناه بحرًا"، فشبهه بذلك لأن الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع
(1)
يأتي برقم (6033) باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل.
(2)
الترمذي (1685)، وابن ماجه (2772)، والنسائي في "الكبرى" 5/ 257 (8829).
(3)
في (ص 1): خسة.
ماء البحر، وأول من تكلم بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتي له تتمة في باب: اسم الفرس والحمار بعد إن شاء الله
(1)
.
ثالثها: فيه: استعارة الدواب للحرب وغيره، وقد سلف، وركوب الدابة عُريًا لاستعجال الحركة.
رابعها: في الحديث الثاني: أنه لا بأس للرجل الفاضل أن يخبر عن نفسه فيما فيه من الخلال الشريفة عندما يخاف من سوء ظن أهل الجهالة به.
خامسها: فيه: أن البخل والجبن والكذب من الخلال المذمومة التي لا تصلح أن تكون في رؤساء الناس، وأن من كانت فيه خلة منها لم يتخذه المسلمون إمامًا ولا خليفة، وكذلك من كان كذوبًا فلا يتخذ إمامًا في دين الله؛ لأن الكذب فجور ويهدي إليه كما نطق الشارع به، ولا يؤمن على وحي الله وسنة رسوله الفجار، وإنما يؤمن عليه أهل العدل، كما قَالَ صلى الله عليه وسلم:"يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له"
(2)
.
سادسها:
(فيه):
(3)
أن الإلحاف في المسألة قد يرد بالقول والعدة كما قَالَ: "لو كان لي عدد هذِه العضاه نعما لقسمته بينكم" والوعد منه في حكم الإنجاز واجب، لقوله:"ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا".
وفيه: الصبر لجهلة الناس وجفاة السؤال، وإن ناله في ذَلِكَ أذى، وسؤاله رداءه تأنيسًا لهم من الأذى بالجفاء عليه، والمزاحمة في الطريق
(1)
يأتي برقم (2857).
(2)
ورد بهامش الأصل: هذا الحديث مرسل أو معضل؛ ضعيف. [قلت: تقدم تخريجه بتمام].
(3)
من (ص 1).
ثم رد إلحافهم بأن أعلمهم أن ما ملكه مقسوم بينهم، وأن وعده منجز لهم، وأن الذي يسألونه من قتالهم وعونهم له ليسوا بالمتقدمين عليه فيه، بل هو المقدم عليهم في القتال، وفي كل حاله لقوله:"ولا جبانًا" ولم ينكر أحد ما وصف به نفسه لاعترافهم به.
سابعها: "العضاه" كما قَالَ أبو عبيد: من الشجر كل ما له شوك ومن أعرف ذَلِكَ الطلح والسَّلم والسَّيال والعُرْفُط والسَّمُر، وقال غيره: والقتال، قَالَ ابن التين: وتقرأ بالهاء وقفًا ووصلاً، وهو شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، الواحدة عضاهة وعضهة، (وعِضَةٌ)
(1)
، وإنما ذَلِكَ لأنهم حذفوا منها الهاء الأصلية كما حذفت في شفه، ثم ردت في عضاه كما ردت في شفاه، وقال ابن فارس: الواحدة عضه الهاء أصلية، قَالَ: وقد يقال: عضة مثل عزة، وهذا بعير عضه إذا كان يأكل العضاه
(2)
.
ثامنها: قوله: (مقفله من حنين) أي: مرجعه، وذلك سَنة ثمان.
و (السمرة) واحدة السمر، وهي شجر طوال متفرق الرءوس، قليل الظل، صغار الورق، قصار الشوك، جيد الخشب، ولم يواره صفر أو صمغ أبيض، قليل المنفعة، ويخرج من السمرة شيء يشبه الدم، يقال: حاضت السمرة إذا خرج منها ذلك.
تاسعها: قوله: ("نعمًا") وفي بعض النسخ: "نعم" وهما صحيحان، فـ "نعم" اسم كان و"عدد" خبرها، ومن رواه "نعمًا" فهو خبر كان، قَالَ ابن التين: وهذا أولى؛ لأن نعمًا نكرة، وهو أولى أن
(1)
كتبها الناسخ في الهامش وكتب فوقها (سقط).
(2)
"مجمل اللغة" 2/ 673.
يكون خبرًا، ويصح نصبه على التمييز، والنعم الإبل خاصة، كذا قال أكثر أهل التفسير.
وقال أبو جعفر النحاس: قيل: النعم للإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل قيل لها نعم، وإن انفردت البقر والغنم لم يقل لها نعم
(1)
.
واختلف في (الأنعام) فقيل هي جمع نعم، فيكون للإبل خاصة، وقيل: إذا قلتَ (أنعام) دخل فيه البقر والغنم.
واختلف في النعم هل تؤنث فنقول هذِه نعم، فأكثرهم على جوازه، وقال الفراء: لا يؤنث.
العاشر: قوله: ("ثم لا تجدوني بخيلا") قد تقدم بيانه.
وقال القزاز: البخيل: الشحيح، وقال ابن مسعود: لا يعطي شيئًا، والشح: أخذك مال أخيك بغير حق، وقال طاوس: البخل: أن تبخل مما في يديك، والشح: أن تشح مما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلال والحرام، وقيل: البخل في اللغة دون الشح، والشح أشد منه، يقال: جوزة شحيحة إذا كانت صحيحة، يقال: بخل يبخل بُخْلا وبَخَلاً، والجبان: الذي يرع في الحرب ويضعف، وذلك يؤدي إلى الفرار من الزحف، وهي كبيرة، يقال: جَبُنَ يَجْبُن جُبْنا وجُبُنًا، وجمع الجبان جبن.
(قَالَ الشاعر:
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوكم
…
لبئست الخلتان الجهل والجبن)
(2)
(1)
"معاني القرآن" 2/ 361.
(2)
من (ص 1).
25 - باب مَا يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْنِ
2822 -
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ الأَوْدِيَّ قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". فَحَدَّثْتُ بِهِ مُصْعَبًا فَصَدَّقَهُ. [6365، 6370، 6374، 6390 - فتح 6/ 35]
2823 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". [4707، 6367، 6371 - مسلم: 2706 - فتح: 6/ 36]
ذكر فيه حديث عَمْرو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هؤلاء الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كل صلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ".
وحديث أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ".
الشرح:
حديث سعد من أفراده، وحديث أنس يأتي في الدعوات، وأخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه أبو داود في الصلاة، والنسائي في الاستعاذة
(1)
، وسلف في باب الدعاء قبل السلام من حديث عائشة
(2)
، نحو حديث أنس.
أما استعاذته من الجبن فلأنه يؤدي إلى عذاب الآخرة كما قَالَهُ المهلب؛ لأنه يفر من قرنه في الزحف، فيدخل تحت وعبد الله فيمن ولَّى {فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ} [الأنفال: 16] وربما يفتتن في دينه فيرتد لجبن أدركه وخوف على مهجته من الأسر والعبودية.
و ("أرذل العمر"): أَرْدَأَهُ، وهو حالة الهرم والضَّعْفِ عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه مما يتنظف فيكون كلاًّ على أهله مستثقلًا فيهم.
و ("فتنة الدنيا") أن يبيع الآخرة مما يتعجله في الدنيا من حال أو مال.
وتعوذه من العجز؛ لئلا يعجز عما يلزمه فعله من منافع الدين والدنيا.
("والعجز"): ذهاب القدرة في وجد، وهو الكسل عن الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، وكلاهما يجوز أن يتعوذ منه، وقال ابن بطال: اختلف في معنى العجز، فأهل الكلام يجعلونه ما لا استطاعة لأحد على ما عجز عنه؛ لأنها عندهم مع الفعل، وأما الفقهاء فيقولون: إنه هو ما يستطيع أن يعمله إذا أراد؛ لأنهم يقولون: إن الحج ليس على الفور، ولو كان على المهلة عند أهل الكلام لم
(1)
أبو داود (1540)، والنسائي 8/ 257.
(2)
سلف برقم (832) كتاب الأذان.
يصح معناه؛ لأنها لا تكون إلا مع الفعل، والذين يقولون بالمهلة يجعلونها قبله.
قال: ("والكسل") مجمعون على أنه ضعف الهمة، وإيثار الراحة للبدن على التعب، وإنما استعيذ منه؛ لأنه يبعد عن الأفعال الصالحة للدنيا والآخرة وسيأتي أيضًا في الدعاء
(1)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 35 - 36.
26 - باب مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ في الحَرْبِ
قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ.
2824 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعْدًا وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رضي الله عنهم فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ. [4062 - فتح: 6/ 36]
ثم ساق حديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعْدًا وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِلَّا أَنّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ.
الشرح:
قوله: (قاله أبو عثمان عن سعد" يعني: معلقًا وقد ذكره مسندًا في "صحيحه" عن محمد بن أبي بكر وحامد بن عمر ومحمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه عن أبي عثمان
(1)
، وإنما لم يحدث هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -والله أعلم- خشية الزيادة والنقصان؛ لئلا يدخلوا في معنى قوله:"من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"
(2)
، فاحتاطوا على أنفسهم أخذًا بقول عمر: أقلّوا الحديث عن رسول الله
(1)
سيأتي برقم (3722) كتاب "فضائل الصحابة" باب ذكر طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، عن محمد بن أبي بكر، به.
ورواه مسلم (2414) كتاب "فضائل الصحابة" باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما، عن محمد بن أبي بكر، وحامد بن عمر، ومحمد بن عبد الأعلى، به.
(2)
سلف برقم (109) كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمة.
- صلي الله عليه وسلم -، وأنا شريككم
(1)
، وقد سلف ذَلِكَ في كتاب العلم واضحًا، وإنما حدث طلحة عن مشاهده يوم أحد.
ففيه: أن للرجل أن يحدث عما تقدم له من (العناء)
(2)
في إظهار الإسلام وإعلاء كلمته، وما يعد فيه من أعمال البر والموجبات غير النوافل؛ لأنه كان عليهم نصره - صلي الله عليه وسلم -، وبذل أنفسهم دونه فرضًا ليتأسى بذلك المتأسي، ولا يدخل ذَلِكَ في باب الرياء؛ لأن إظهار الفرائض أفضل من سترها ليشاد منار الإسلام، ولتظهر أعلامه، وكان طلحة من أهل النجدة
(3)
وثبات القدم في الحرب، ذكر البخاري عن قيس في المغازي قَالَ: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد
(4)
، وعن أبي عثمان أنه لم يبق مع رسول الله (تلك الأيام)
(5)
غير طلحة وسعد
(6)
، فلهذا حدث طلحة عن مشاهده يوم أحد ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله.
(1)
رواه ابن ماجه (28)، وابن المبارك في "مسنده"(226) كلاهما من طريق الشعبي، عن قرظة بن كعب، عن عمر.
وانظر: "كنز العمال" 10/ 293 (29482).
(2)
في الأصل: الغناء، مما يقارب الغين المعجمة، ولعل ما أثبت هو المقارب للجادة.
(3)
ورد بهامش الأصل ما نصه: قال في "الصحاح": النجدة: الشجاعة، تقول منه: نَجُد الرجل بالضم فهو نجُد ونجيد، وجمع نجِد: أنجاد، مثل يقظ وأيقاظ، وجمع نجيد نجداء، ورجل ذو نجدة، أي: ذو بأس، ولاقى فلان نجدة، أي: شدة.
(4)
سيأتي برقم (4063) باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} .
(5)
من (ص 1).
(6)
سيأتي برقم (4060).
27 - باب وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنَ الجِهَادِ وَالنِّيَّةِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَي: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً} الآيَةَ. إلى قوله {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 41] إلى قَوْلِهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} الآيَةَ [التوبة: 38]. يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فانفروا ثبات} [النساء: 71]: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ، يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ: ثُبَةٌ.
2825 -
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ:"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". [انظر: 1349 - مسلم: 1353 - فتح: 6/ 37]
ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
الشرح:
نسخ هذِه الآية قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} وذلك أن قوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} الآية قَالَ أبو مالك الغفاري وابن النحاس: هذِه أول آية نزلت من براءة
(1)
، ثم نزل أولها وآخرها.
واختلف في الخفاف والثقال، فقال أبو طلحة: شبابًا وشيوخًا
(2)
،
(1)
رواه ابن أبي شيبة 7/ 264 (35916)، عن أبي مالك.
(2)
رواه الطبري 6/ 376 (16751)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1802 (10055).
وقال الحسن: في العسر واليسر
(1)
، وقال مجاهد: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال الأوزاعي: ركبانًا ومشاة
(2)
، وقال قتادة: نشاطًا وغير نشاط
(3)
، وقال زيد بن أسلم: المثقل من له عيال، والمخف: من لا عيال له، وهي أقوال متقاربة وقريب منه أصحاء ومرضى، عُزَّابًا ومتأهلين، جمع خفيف وثقيل أي: خف عليكم ذَلِكَ أو ثقل.
وقوله: {اثَّاقَلْتُمْ} أصله: تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فسكنت الأولى فأتي بألف الوصل ليتوصل به إلى النطق بالساكن، قَالَ مجاهد: في غزوة تبوك أمروا بالخروج في شدة الحر وقد طابت الثمار، ومالوا إلى أهل الظلال
(4)
.
وقوله: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38] أي: رضيتم بنعيم الدنيا عن نعيم الآخرة. {عَرَضًا قَرِيبًا} فعلًا قريب المتناول، والعرض: ما يعرض من منافع الدنيا لو كانت غنيمة قريبة. و {وَسَفَرًا قَاصِدًا} أي: سهلًا وسطًا. {الشُّقَّةُ} : المسافة والغاية التي يقصد إليها.
وما ذكره البخاري عن ابن عباس ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" عنه.
و (السرية): من يدخل دار الحرب مستخفيًا وعند أهل اللغة: الثبات: الجماعات في تفرقة أي: حلقة حلقة كل جماعة منها ثبة، و (الثُّبَّة): مشتقةٌ من قولهم: ثَبَّيْتُ الرجل إذا أَثْنَيتَ عليه في حياته،
(1)
رواه ابن أبي حاتم 6/ 1803 (10060).
(2)
رواه الطبري 6/ 378 (16766).
(3)
رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 247 (1087)، والطبري 6/ 378 (16765).
(4)
"تفسير مجاهد" 1/ 278، ورواه أيضًا الطبري 6/ 372 (16734).
كأنك جمعت محاسنه
(1)
، ووقع في رواية أبي الحسن (ثباتًا) بالألف، ولا وجه له؛ لأنه جمع المؤنث السالم مثل الهندات.
وحديث: "لا هجرة بعد الفتح" سلف تأويله فلعله يريد: لا هجرة لمن لم يهاجر قبل الفتح، وكان في بدء الإسلام فرض على كل مسلم الهجرة إليه فليقاتل معه، فلما فتح مكة وكسر شوكة صناديد قريش، ودخل الناس في دين الله أفواجًا قَالَ ذَلِكَ. وسيأتي في آخر الجهاد، باب لا هجرة بعد الفتح.
قَالَ المهلب: والنفير والجهاد يجب وجوب فرض، ووجوب سنة، فأما من استنفر لعدو غالب ظاهر فالنفير فرض عليه، ومن استنفر لعدو غير غالب ولا قوي (للمسلمين)
(2)
فوجوب سنة؛ من أجل أن طاعة الإمام (المستنفر لأن المستنفر للعدو)
(3)
الغالب قد لزم الجهاد فيه كل أحد بعينه، وأما العدو المقاوم أو المغلوب فلم يلزم الجهاد فيه لزوم التشخيص لكل إنسان، وإنما لزم الجماعة فمن انتدب له قام به ومن قعد عنه فهو في سعة.
(4)
(1)
انظر "لسان العرب" مادة: ثوب.
(2)
في (ص 1): على المسلمين.
(3)
ورد في هامش (ص 1) ما نصه: كذا في الأصول، والظاهر أن هناك سقطًا. [واعترض عليه بأنه ليس سقطًا بل زيادة في النص، فالعبارة كما عند ابن بطال وهو من مصادر نقله- (المستنفر للعدو) وبحذف (لآن المستنفر) تستقيم العبارة].
(4)
كما في "شرح ابن بطال" 4/ 37.
28 - باب الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ
2826 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَضْحَكُ الله إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ الله عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ". [مسلم: 1890 - فتح: 6/ 39]
2827 -
حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْهِمْ لِي. فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ. فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ الله عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ. [4237، 4238، 4239 - فتح: 6/ 39]
قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيُّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ.
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قَالَ: "يَضْحَكُ اللهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هذا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ".
وحديثه أيضًا قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْهِمْ لِي. فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العَاصِي: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هذا قَاتِلُ ابن قَوْقَلٍ. فَقَالَ
ابن سَعِيدِ بْنِ العَاصِي: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَانٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ.
قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيُّ هو: عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ.
الشرح:
الحديث الأول: أخرجه مسلم؛ والثاني: من أفراده.
وللنسائي في الأول "يعجب من رجلين"
(1)
، وذكره أبو داود وقال: لم يسهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أنه أبان بن سعيد بن العاصي
(2)
.
وخرج البخاري الثاني في المغازي عاليًا عن موسى، عن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده
(3)
.
ولأبي داود: أنه صلى الله عليه وسلم بعث أبان وسعيد بن العاص على سرية من المدينة قِبَل نجد، فقدم أبان وأصحابه على رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بخيبر بعد أن فتحها؛ فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله.
قَالَ أبو هريرة: فقلت لا تقسم لهم يا سول الله فقال: (أبان)
(4)
: أنت (بها)
(5)
يا وبر تحدر علينا من رأس (ضأل)
(6)
؛ فقال صلى الله عليه وسلم:
(1)
النسائي 6/ 38.
(2)
أبو داود (2723).
(3)
سيأتي برقم (4239) باب غزوة خيبر.
(4)
في الأصل: أنت، والمثبت من (ص 1)، و"سنن أبي داود".
(5)
في الأصل: (هنا) والمثبت من مصدر التخريج.
(6)
كذا بالأصل، ويأتي بيان أنها رواية.
"اجلس يا أبان" ولم يقسم لهم، وفي لفظ فقال سعيد بن العاصي: يا عجبًا لوبر
(1)
.
قَالَ الخطيب: كذا عند أبي داود فَقَالَ سعيد: وإنما هو ابن سعيد، واسمه أبان. قَالَ: والصحيح أن أبا هريرة هو السائل كما تقدم.
قلتُ: ويجوز أن يكونا سألا جميعًا، وأن أحدهما جاز الآخر بقوله: لا تقسم له.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام على ما أوردناه من وجوه بعد أن يعلم أن ترجمة الباب صحيحة، ومعناها عند العلماء: أن القاتل الأول كان كافرًا وتوبته إسلامه:
أحدها:
(الضحك) مفسر برواية النسائي السالفة "يعجب من رجلين" ونقل ابن الجوزي عن أكثر السلف أنهم كانوا يمنعون من تفسير مثل هذا ويمرونه كما جاء، قَالَ: وينبغي أن تُرَاعَى قاعدة في هذا قبل الإمرار وهي: أنه لا يجوز أن يحدث لله صفة ولا تشبه صفاته صفات الخلق فيكون والعياذ بالله معنى إمرار الحديث الجهل بتفسيره
(2)
.
قَالَ الخطابي: الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح، أو يستفزهم الطرب غير جائز على الله تعالى، وإنما هو مثل مضروب لهذا الصنيع الذي يحل محل التعجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعنى الضحك في صفة الله: الإخبار عن الرضا بفعل أحد هذين والقبول من الآخر ومجازاتهما (على صنيعهما)
(3)
الجنة مع تباين
(1)
أبو داود (2724).
(2)
تقدم الحديث مرارا عن مسألة التأويل والمعنى.
(3)
من (ص 1).
مقاصدهما
(1)
.
وقال ابن حبان في "صحيحه": يريد أضحك الله ملائكته وعجبهم من وجود ما قضى
(2)
.
وقال ابن فورك: أن يُبْدِي الله من فضله ونعمه توفيقًا لهذين الرجلين كما تقول العرب: ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر فيها، وكذلك قالوا للطلع إذا انفتق عنه: كافره الضحك؛ لأجل أن ذَلِكَ يبدو منه البياض الظاهر كبياض الثغر
(3)
.
وقال الداودي: أراد قبول أعمالهما ورحمتهما والرضا عنهما. وكذا قَالَ ابن بطال: المعنى: يتلقاهما بالرحمة والرضوان، والضحك منه على المجاز؛ لأنه لا يكون منه تعالى على ما يكون من البشر؛ لأنه ليس كمثله شيء
(4)
.
ثانيها:
فيه: أن الرجل قد يوبخ مما سلف إلا أن يتوب فلا توبيخ عليه، ولا تثريب ألا ترى أن أبا هريرة لما وبخ ابن سعيد على قتل ابن قوقل كيف رد عليه أقبح الرد، وصارت له عليه الحجة كما صارت لآدم على موسى؛ من أجل أنهما وبخا بعد التوبة من الذنب.
وفيه: أن التوبة تمحو ما سلف قبلها من الذنوب القتل وغيره؛ لقوله: (أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه) لأن ابن قوقل
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1365.
(2)
"صحيح ابن حبان" 10/ 522.
(3)
"مشكل الحديث وبيانه" ص 148 - 149.
(4)
"شرح ابن بطال" 5/ 39؛ وسيأتي تعليقنا على صفات الله سبحانه وتعالى في كتاب التوحيد. وأنها تمر على ظاهرها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف، وأن ذلك هو المنهج الصحيح في ذلك.
وجبت له الجنة بقتل ابن سعيد له، ولم تجب لابن سعيد النار؛ لأنه تاب وأسلم، ويصحح ذَلِكَ سكوته صلى الله عليه وسلم على قوله، ولو كان غير صحيح لما لزمه السكوت، لأنه بعث للبيان.
قَالَ ابن الجوزي: وقوله: (قاتل ابن قوقل) بقافين لا أدري من يعني قال العباس بن عبادة والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وهو قوقل قتلهما صفوان بن أمية.
قلتُ: قوله: (ابن)
(1)
قوقل ليس كذلك، إنما قوقل اسمه غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج كذا ذكره الكلبي وأبو عبيد وابن دريد
(2)
وغيرهم.
ثالثها:
(الوَبْر) بإسكان الباء قَالَ صاحب "المطالع": كذا لأكثر الرواة، وهي دويبة غبراء، ويقال بيضاء، على قدر السِّنَّور، حسنة العينين من دواب الجبال، وإنما قَالَ له ذَلِكَ احتقارًا به ونسبة إلى قلة المقدرة على القتال، وضبطه بعضهم بفتح الباء وتأوله، وهو جمع وبرة، وهو شعر الإبل، أي: إن شأنه كشأن الوبرة؛ لأنه لم يكن لأبي هريرة عشيرة.
قَالَ القزاز: هي ساكنة الباء دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون، يعني: تشبه الطحال لا ذنب لها، وهي من دواب الغور والجمع وبار، وعن الخطابى أحسب أنها تؤكل لأنى وجدت بعض السلف يوجب فيها الفدية
(3)
.
(1)
في (ص 1): (وهو).
(2)
"الاشتقاق" ص 456.
(3)
"أعلام الحديث" 2/ 1371.
وقال ابن سيده في "محكمه": الوبر على قدر السنور، والأنثى وبرة، والجمع وُبُر. ووُبُور ووِبَار، ووُبَارَةٌ، وأبَارَةٌ
(1)
.
وقال الجوهري: (تَدْجُنُ)
(2)
في البيوت
(3)
. أي: تُقيم بها وتألفها.
وثالثها: وقال أبو موسى المديني في "مغيثه": في قتلها على المحرم شاة؛ لأنها تَجْتَرُّ كالشاة، وقيل: لأن لها كَرْشًا مثل الشاة
(4)
، وقال مجاهد فيما حكاه في "مجمع الغرائب" مثله، وفي "البارع" لأبي على، عن أبي حاتم: الطائفيون يقولون لما يكون في الجبال من الحشرات: الوَبْر، جمعها الوِبارة، ولغة أخرى الوَبارة، وأخرى الإبارة بالكسر والهمز.
وذكر ابن دحية في "مرج البحرين": وكَلْب بن وَبْرة بن تَغْلب بن حلوان- بسكون الباء وهي دويبة كالسنور، ووهم الجواليقي حيث فتح (الواو)
(5)
.
قلتُ: لكن وافق النسابين وأهل اللغة.
وقال ابن بطال: روي رأس بدل قدوم قَالَ: ومن روى بفتح الباء من وبر فمعناه تشبيه أبي هريرة بالوبر الذي لا خطب له ولا مقدار؛ لأنه لم يكن لأبي هريرة عشيرة ولا قوم يمتنع بهم، ولا يغني في قتال ولا لقاء عدو، كان ابن سعيد وأبو هريرة قدما عليه بخيبر، وقد سلف.
(1)
"المحكم" 11/ 292.
(2)
كذا في الأصل بدال مهملة، وفي "الصحاح":(تَرْجُن). براء وكلاهما صواب؛ الرَّاجِنُ الآلف من الطير وغيره مثل الداجِنِ؛ وزنا ومعنى. انظر: "لسان العرب" مادة: رجن.
(3)
"الصحاح" 2/ 841.
(4)
"المجموع المغيث" 3/ 377.
(5)
في (ص 1): (الباء).
ومن رواه بإسكانها فمعناه أنه شبهه بالوبر وهي دويبة على قدر السنور في السباع؛ وإنما سكت صلى الله عليه وسلم عن الإنكار على أبي سعيد؛ لأنه لم يَرْمِ أبا هريرة بحد ولا تنقصه في دين، إنما تنقصه في قلة العشيرة والقدر، أو بضعف (المنة)
(1)
، وجمع الخلاف ابن التين فقال: الوبر دويبة يقال: إنها تشبه السنور قاله الخطابي
(2)
. وقال الهروي: على قدره، وقال ابن فارس: الوبر دابة، والجمع وبار
(3)
.
وقوله: (تدلى علينا) أي: انحدر ولا يخبر بهذا إلا عمن جاء من موضع عال هذا الأشهر عند العرب.
قَالَ أبو ذر الهروي: (ضأن): جبل بأرض دوس، وهو بلد أبي هريرة، وقال ابن التين: شبهه في قدومه بتدلي الوبر من موضعه، قَالَ: و (قدوم ضأن): اسم موضع. قَالَ الخطابي: وهو في أكثر الروايات ضأل باللام، وهو جبل أو ثنية أو نحوها
(4)
، وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قَالَ: شبهه مما يُعلق -بزند الشاة- أي: هو ملصق من قريش وليس منهم، ويلزم على هذا أن تقرأ (وَبَر) بفتح الباء ولم نسمعه كذلك، إنما هو بالإسكان. قلتُ: قد حكي كما سلف، وقال صاحب "المطالع": هو بفتح القاف وتخفيف الدال اسم موضع، وضم المروزي القاف، والأول أكثر وتأوله بعضهم: قدوم ضأن أي: المتقدم فيها، وهي رءوسها، وهووَهَمٌ بَيِّنٌ.
(1)
عليها في الأصل: كذا؛ وانظر: "شرح ابن بطال" 5/ 40.
(2)
"أعلام الحديث" 2/ 1371.
(3)
"مجمل اللغة" 2/ 914.
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1371.
وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون قدوم: جمع قادم مثل راكع وركوع وساجد وسجود، ذكر ذَلِكَ سيبويه، فيكون المعنى تدلَّى (علينا)
(1)
من جملة القوم القادمين، أقام الصفة مقام الموصوف، ويكون (من) في قوله:(من قدوم) تبيينًا للجنس كما لو قَالَ تدلى من علينا من ساكني ضأن، ولا تكون من مرتبطة بتدلى كما هي مرتبطة بالفعل في قولك: تَدَلَّيْتُ من الجبل؛ لاستحالة تدليه من قوم، ولا يقال: تدليت من بني فلان.
ويحتمل أن يكون قدوم مصدرًا وصف به الفاعلون ويكون في الكلام حذف وتقديره: تدلى علينا من ذوي قدوم، فحذف الموصوف وأقام المصدر مقامه، كما قالوا رجل صوم ورجل فطر، أي ذو صوم وذو فطر، و (من) على هذا التقدير تبيين للجنس كما كانت في الوجه الأول قَالَ: ويحتمل أن يكون معناه تدلى علينا من مكان قدوم ضأن ثم حذف المكان وأقام القدوم مكانه، كما قالت العرب: ذهب به مذهب وسلك به مسلك، يريد المكان الذي يسلك فيه ويذهب، ويشهد لهذا رواية من رأس ضأن.
وفيه قول يحتمل أن يكون (قدوم)
(2)
اسمًا لمكان من الجبل متقدم منه ولا يكون مصدرًا ولا جمعًا ويدل على هذا رواية من روى: (تدلى علينا من رأس ضأن).
ويحتمل أن يكون (اسم)
(3)
المكان قدوم بفتح القاف دون الضم لقلة الضم في هذا البناء في الأسماء وكثرة الفتح.
(1)
في الأصول: عليها، والمثبت هو المقارب للسياق.
(2)
من (ص 1).
(3)
في (ص 1): رأس.
ويحتمل أن يكون (قدُّوم ضأن) بتشديد الدال، وفتح القاف لو ساعدته رواية؛ لأنه من بناء أسماء المواضع، وطرف القدوم موضع بالشام
(1)
.
قلتُ: الحازميُّ ضبطَ القرية التي اختتن بها إبراهيم والجبل الذي بقرب المدينة بتخفيف الدال، ثم ذكر عن ثعلب أنه قَالَ: بتشديد الدال اسم موضع فإن أراد أحد هذين فلا يتابع عليه؛ لاتفاق أئمة النقل على خلافه، وإن أراد موضعًا ثالثًا فالله أعلم.
وقال أبو موسى في "مغيثه" عن ابن دريد: (قدوم) ثنية لسراة أرض دَوْس
(2)
، وقال أبو عبيد: رواه الناس عن البخاري ضأن بالنون إلا الهَمْدَاني فإنه رواه باللام، وهو الصواب إن شاء الله، والضأل: السدر البري.
وأما إضافة هذِه الثنية إلى الضأن فلا أعلم لها معنى، وقد قدمنا من عند أبي داود أنه باللام، وقال ابن الجوزي: كذا هو في أكثر الروايات، وزعم أبو ذر الهروي أنه بالنون جبل بأرض دوس، بلد أبي هريرة، وقيل: ثنية.
قَالَ صاحب "المطالع": وتأوله بعضهم على أنه الضأن من الغنم، وجعل قدومها، أي: رءوسها -يعني: المتقدم منها-، والوبر بفتح (الباء)
(3)
: شعر رءوسها. قَالَ: وهذا تكلف وتحريف. فتحصلنا إسكان الباء وفتحها وضأن بالنون والسلام، وقدوم بفتح القاف وضمها.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 41 - 42.
(2)
"المجموع المغيث" 2/ 678.
(3)
في الأصل: الواو.
رابعها:
فيه حجة على الكوفيين في قولهم في المدد يلحق بالجيش في أرض الحرب بعد الغنيمة أنهم شركاؤهم في الغنيمة. وسائر الفقهاء إنما تجب عندهم الغنيمة لمن شهد الوقعة، واحتجوا بحديث أبي هريرة هذا؛ لأنه لم يسهم له، كما أخرجه أبو داود كما سلف، وأبو حنيفة إنما يسهمُ لمن غاب عن الوقعة لشغل شغله الإمام من أمور المسلمين، كما فعل بعثمان حين قسم له من غنائم بدر بسهمه ولم يحضرها؛ لأنه كان غائبًا في حاجة الله ورسوله فكان كمن حضرها، أو مثل أن يبعثه الإمام لقتال قوم آخرين فتصيب الإمام غنيمة بعد مفارقة ذَلِكَ الرجل إياه، أو يبعث رجلاً ممن معه في "ر الحرب إلى دار الإسلام؛ ليمده بسلاح ورجال فلا يعود ذَلِكَ الرجل إلى الإمام حَتَّى يغتنم غنيمة فهو شريك فيها، وهو كمن حضرها، وكذلك فن أراد الغزو فرده الإمام، وشغله شيء من أمور المسلمين فهو كمن حضرها.
قَالَ الطحاوي: وأما حديث أبي هريرة فإنما ذَلِكَ والله أعلم؛ لأنه وجَّه أبان إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر، فتوجه أبان ثم حدث خروجه إليها فكان ما غاب فيه أبان ليس هو شُغْلٌ شُغِلَ به عن حضورها بغير إرادته إياها، فيكون كمن حضرها
(1)
.
وقال الكوفيون: لا حجة في حديث أبي هريرة؛ لأن خيبر حين فتحت سارت دار إسلام، وهذا لا شك فيه، قالوا: وقد روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة قَالَ: ما شهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مغنمًا إلا قسم لي، إلا خيبر
(1)
"شرح معاني الآثار" 3/ 245.
فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم يشهدوها؛ لأن الله تعالى كان وعدهم بها بقوله: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} [الفتح: 21]
واحتجوا بما رواه أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قَالَ: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر من أرض الحبشة بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لنا، ولم يقسم لأحد لم يشهد فتحها غيرنا، قَالَ الطحاوي: وهذا يحتمل أن يكون؛ لأنهم كانوا من أهل الحديبية، أو يكون استطاب أنفسَ أهلِ الغنيمة، وعلى قوله لا حجة لأصحابهم في حديث أبي موسى، وسيأتي قريبًا تمام هذِه المسألة في باب: إذا بعث الإمام رسولاً في حاجة.
وقوله: (ينعى عليَّ قتل رجل مسلم): أي يُعِيْبُني وُيوَبِّخُني.
وقوله: (أكرمه الله على يدي) يعني: للشهادة و (لم يهني على يديه) يعني: لم يقدر موتي بقتله إياي كافرًا فأدخل النار.
وقوله: (قَالَ: فلا أدري أسهم لي، أو لم يسهم له) هو من قول عنبسة، أو من دونه إلى شيخ البخاري، قاله ابن التين.
29 - باب مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ
2828 -
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلاَّ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى. [فتح: 6/ 41]
ذكر فيه حديث ثَابِتٍ البُنَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلي الله عليه وسلم - مِنْ أَجْلِ الغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى.
هذا الحديث من أفراده، وكأن أبا طلحة اعتمد على قوله صلى الله عليه وسلم:"تقووا لعدوكم بالإفطار"
(1)
، وكان فارسه
(2)
، و (من)
(3)
له الغَنَاءُ في الحرب، فلذلك كان يفطر ليتقوى على العدو، وأيضًا فالمجاهد يكتب له أجر الصائم القائم، وقد مثله صلى الله عليه وسلم بالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر
(4)
، فدل هذا كله على فضل الجهاد على سائر أعمال التطوع فلما مات صلى الله عليه وسلم وكثر الإسلام واشتدت وطأة أهله على عدوهم، ورأى أنه في سعة عما كان عليه من الجهاد، رأى أن يأخذ بحظه من الصوم ليجتمع له هاتان الطاعتان العظيمتان وليدخل يوم القيامة من باب الريان، قَالَ ابن التين: وامتناع أبي طلحة أن يصوم من أجل الغزو صحيح، وذلك لمن خاف أن يضعف عن الجهاد
(1)
رواه أبو داود (2365)، وأحمد 4/ 63، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا بنحوه.
(2)
أي: فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينه ابن بطال 5/ 42.
(3)
كذا في الأصل، وفي "شرح ابن بطال": ممن. بميمين، ولعله الصواب.
(4)
رواه أحمد 2/ 459، وقد سلف بنحوه برقم (2787) باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه؛ كلاهما من حديث أبي هريرة.
فيقوى مما لا يضر به ذَلِكَ يجتمع له طاعتان، قَالَ: وقوله: (لم أره مفطرًا إلا يوم فطر أو أضحى) لعله يرى صيام المعدودات والفقهاء على خلافه
(1)
.
وفيه: جواز صيام الدهر، وقد سلف في بابه.
(1)
ورد بهامش الأصل: حكى ابن المنذر جوازه عن الزبير وابن عمر وابن سيرين، وقأل مالك والأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه: يجوز صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي، ولا يجوز لغيره.
30 - باب الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ
2829 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ". [انظر: 653 - مسلم: 1914 -
فتح: 6/ 42]
2830 -
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
[5732 - مسلم: 1916 - فتح: 6/ 42]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ".
وحديث حَفْصَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الطَّاعُونُ شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
الشرح:
حديث أبي هريرة أخرجه مسلم وله: "ما تعدون الشهادة فيكم" قالوا: يا رسول الله من قتل فهو شهيد قَالَ: "إن شهداء أمتي إذاً لقليل" قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ فعد القتل في سبيله، والموت في سبيله، والمبطون، والطاعون، وزاد أبو طلحة
(1)
: الغريق
(2)
.
وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا، وقال: عن حفصة بنت سيرين قالت: قَالَ لي أنس: بِمَ مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلتُ: بالطاعون فذكر الحديث.
(1)
كذا في الأصول، وفي هامش الأصل: صوابه: صالح.
(2)
مسلم (1915) كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء.
وقال في "تاريخه الأوسط": (حَدَّثنَا)
(1)
علي بن نصر، ثَنَا سليمان بن حرب، عن حماد، عن يحيى بن عتيق قال: سمعت يحيى بن سيرين، ومحمد بن سيرين يتذاكران الساعة التي في الجمعة. لعله بعد موت أنس بن مالك، قَالَ البخاري: وإنما أراد (يحيى)
(2)
مات بعد أنس، وأن حديث حفصة خطأ
(3)
.
قلتُ: فهذا علة في إيراده، فلعله اطلع على هذا بعد أن أخرجه، أو لم يعتمد على قول على على أن جماعة ذكروا وفاة يحيى قبل أخيه محمد المتوفى سنة عشر ومائة.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فلنقدم أن البخاري بوب الشهادة سبع سوى القتل، وأتى بحديث فيه خمس أحدها القتل ولم يأت بحديث "الموطأ" عن عبد الله بن عبد الله بن جابر، (عن)
(4)
عتيك بن الحارث بن عتيك، وهو جد عبد الله (بن عبد الله)
(5)
أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه، وذكر الحديث، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجَمْعٍ شهيدة"
(6)
،
(1)
في المصدر: قال بدل حدثنا.
(2)
كذا في الأصول، وفي المصدر: على أنه.
(3)
1/ 223 (1058).
(4)
تحرفت في الأصل إلى: (بن)، والمثبت من "الموطأ".
(5)
من (ص 1).
(6)
"الموطأ" ص 161 (36).
وأخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد رواته قرشيون مدنيون
(1)
. وفي رواية لأبي نعيم في "معرفة الصحابة" فيه: "وسادن بيت المقدس".
واعترض ابن بطال فقال: لا تخرج هذِه الترجمة من الحديث أصلاً قَالَ: وهذا يدل أن البخاري مات ولم يهذب كتابه لأنه لم يذكر فيه الحديث الذي فيه أن الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله
(2)
.
وقال الإسماعيلي: الترجمة مخالفة للحديث.
قلتُ: البخاري أشار إليه في الترجمة وليس على شرطه فكذا لم يسقه؛ وبه أجاب ابن المنير فقال: يحتمل عندي أن يكون أراد التنبيه على أن الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر وتلك الأسباب أيضًا اختلفت الأحاديث فيها ففي بعضها خمسة وهو ما صح عنده، ووافق، وفي بعضها سبع لكن لم يوافق شرطه، فنبه عليه في الترجمة إيذانًا بأن الوارد في عددها من الخمسة أو السبعة ليس على معنى التحديد الذي لا يزيد ولا ينقص بل هو إخبار عن خصوص فيما ذكر والله أعلم بحصرها
(3)
.
قلتُ: وحاصل ما وقع لي أن الشهداء جم غفير، ومجموع ما ذكر في هذا الباب ثمانية، أعلاها القتل في سبيل الله، والمطعون والمبطون والغرق والحرق وصاحب الهدم وذات الجنب والمرأة تموت بجمع، وفي "الصحيح": "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو
(1)
أبو داود (3111)، "صحيح ابن حبان" 7/ 461 (3189)، "المستدرك" 1/ 352.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 43.
(3)
"المتواري" ص 154.
شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، من قتل دون دينه فهو شهيد"
(1)
.
وقد أسلفنا في باب الدعاء بالجهاد، ومن وقصه فرسه، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله فهو شهيد، ومن حبسه السلطان ظالمًا له أو ضربه فمات فهو شهيد، وكل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، وفي حديث ابن عباس:"المرابط يموت على فراشه في سبيل الله شهيد، والشَّرِقُ شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد"، وعن ابن مسعود من عند ابن عبد البر:"من تردى من الجبال شهيد"
(2)
.
قَالَ ابن العربي: وصاحب النظرة -هو المعين- والغريب شهيدان قَالَ: وحديثهما حسن
(3)
، ولما ذكر الدارقطني حديث ابن عمر:"الغريب شهيد"، صححه، ولابن ماجَه مرفوعًا من حديث أبي هريرة:"من مات مريضًا مات شهيدًا ووقي فتنة القبر وغُدي عليه وريح برزقه من الجنة"
(4)
، وله عن ابن مسعود:"وإن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد"
(5)
وجاء من حديث ابن عباس: "من عشق وعف وكتم ومات مات شهيدًا"
(6)
، وقد ضعفوه، والفقهاء ذكروه من الشهداء.
(1)
ورد بهامش الأصل ما نصه: "من قتل دون ماله" إلى آخره، هو في أبي داود والنسائي وابن ماجه؛ وقال الترمذي: حسن صحيح. [أبو داود (4772)، والترمذي (1421)، والنسائي 7/ 116، وابن ماجه (2580)، من حديث سعيد بن زيد].
(2)
"التميهد" 19/ 209.
(3)
"عارضة الأحوذي" 4/ 285.
(4)
"ابن ماجه"(1615).
(5)
رواه الحاكم 2/ 111.
(6)
رواه ابن الجوزي في "العلل" 2/ 285 - 286، من حديث ابن عباس، وقال: لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي النسائي من حديث سويد بن مقرن: "من قتل دون مظلمة فهو شهيد"
(1)
، وفي الترمذي من حديث معقل بن يسار:"من قَالَ حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، فإن مات من يومه مات شهيدًا".
ثم قَالَ: حسن غريب
(2)
، وفي "معرفة الصحابة" لأبي موسى الحافظ عن علي بن الأقمر عن أبيه مرفوعًا وفيه:"ومن مات يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".
وفي "علل ابن أبي حاتم" سالت أبي عن حديث ابن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده أبي ليلى مرفوعًا:"من أكله السبع فهو شهيد، ومن أدركه الموت وهو يكد على عياله من حلال فهو شهيد" فقال: حديث منكر
(3)
.
وفي حديث آخر من طريق ابن عباس مرفوعًا: "اللديغ شهيد والشريق شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد، والخار عن دابته شهيد"
(4)
علته عمرو بن عطية الوادعي، ضعفه الدارقطني
(5)
، وفي الثعلبي من حديث يزيد الرقاشي عن أنس:"من قرأ آخر سورة الحشر فمات من ليلته مات شهيدًا".
وروى الآجري: نَا أنس إن استطعت أن تكون (أبدًا)
(6)
على وضوء فافعل، فإنَّ ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له
(1)
النسائي 7/ 117.
(2)
الترمذي (2922).
(3)
"علل ابن أبي حاتم" 1/ 330.
(4)
رواه الطبراني 11/ 263 - 264 (11686).
(5)
"الضعفاء والمتروكون"(389).
(6)
من (ص 1).
شهادة، وللنسائي من حديث عقبة بن عامر:"والنفساء في سبيل الله شهادة"
(1)
، وللبزار من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا:"والنفساء شهادة"، ولأبي نعيم عن ابن عمر:"من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يترك الوتر كتب له أجر شهيد"
(2)
، وعن جابر:"من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء" قَالَ أبو نعيم: غريب من حديث جابر وابن المنكدر، تفرد به عمر بن موسى الوجهي -وفيه لين- عن ابن المنكدر
(3)
.
وعند الطبراني وأبي موسى من حديث عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا فذكر حديثًا فيه:"والسل شهيد والغريب شهيد"
(4)
، وعبد الملك ووالده ضعيفان، وجده لم يذكره في الصحابة إلا الطبراني وفي "الأفراد والغرائب" للدارقطني من حديث أنس مرفوعًا:"المحموم شهيد" ثم قَالَ: تفرد به الموقري عن ابن شهاب عنه ولأبي عمر في كتاب "العلم" من حديث أبي ذر وأبي هريرة "إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدًا"
(5)
، ولابن أبي عاصم في "الجهاد" من حديث ابن سلام عن ابن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا:"من خرج به خراج في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء"
(6)
.
(1)
النسائي 6/ 37.
(2)
"حلية الأولياء" 4/ 332.
(3)
"حلية الأولياء" 3/ 155 - 156.
(4)
"المعجم الكبير" 18/ 87 - 88 (161).
(5)
"جامع بيان العلم" 1/ 121 (115)، 1/ 152 (156).
(6)
"الجهاد" 2/ 596 (248).
وذكر أبو عمر المنتجالي في "تاريخه" عن ابن سيرين قال: رأيت كثير بن أفلح مولى أبي أيوب في المنام فقلت: كيف أنت؟ قَالَ: بخير، قلتُ: أنتم الشهداء؟ قَالَ: إن المسلمين إذا اقتتلوا فيما بينهم لم يكونوا شهداء، ولكنا نُدَبَاء قَالَ محمد: وأعياني أن أعرف النُّدَبَاء وغلبني على ذلك، وللنسائي بإسناد جيد عن العرباض بن سارية: "يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون زمن الطاعون، فيقول الشهداء: قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول ربنا تعالى: انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت (جراح المقتولين)
(1)
"
(2)
، ولابن عبد البر في "تمهيده" عن عائشة: أن "فناء أمتي بالطعن والطاعون" قالت: يا رسول الله، أما الطعن فقد عرفناه فما الطاعون قَالَ:"غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط من مات منها مات شهيدًا"
(3)
، ولابن أبي عاصم في "الجهاد" من حديث كريب بن الحارث، عن أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اللَّهُمَّ اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون" وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد
(4)
.
قَالَ ابن العربي: يريد به الذي مات في الطاعون ولم يفر منه، وقيل: الذي أصابه الطعن، وهو الوجع الغالب الذي (يطفئ)
(5)
الروح،
(1)
في (ص 1): جراجهم.
(2)
النسائي 6/ 37 - 38.
(3)
"التمهيد" 19/ 205.
(4)
"الجهاد" 2/ 501 (189)، و"المستدرك" 2/ 93.
(5)
في (ص 1): تطعن به.
كالذبحة ونحوها. وروى أسامة عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أنه قَالَ: "الطاعون رجز أرسل على من كان قبلكم"
(1)
، وإنما سمي طاعونًا لعموم مصابه وسُرعة قتله فيدخل فيه مثله مما يصلح اللفقاله
(2)
، وهو الوباء وهو مرض عام يفسد الأمزجة والأبدان فيخرج له خراج في بعض الأرفاغ
(3)
، وسيأتي له تتمة في ذكر بني إسرائيل.
وفي الإسلام عدة طواعين جمعتها في جزء، وذكرت ما أدركناه أيضًا، ومنها طاعون عمواس موضع بالشام مات منه معاذ وابنه وجميع أهله، ما بين الجمعة إلى الجمعة، واستشهد به أبو عبيدة، وكثير من المسلمين.
والمبطون: هو الذي يموت بعلة البطن كالاستسقاء وانتفاخ البطن أو الإسهال، وقيل: هو الذي يشتكي بطنه ويموت بدائه، وعبارة ابن بطال: إنه المجنوب، وقيل: هو صاحب انخراق البطن بالإسهال
(4)
.
وعبارة ابن التين: أنه الذي يكون به بطن منخرق ويسمى الاستسقاء، وقال الداودي: إنه من يموت بإسهال البطن، وذات الجنب وهي الشوصة، وفي بعض الآثار المجنوب شهيد، يريد صاحب ذات الجنب، يقال منه: رجل جنب بكسر النون إذا كان به
(1)
سيأتي برقم (3473) كتاب أحاديث الأنبياء، من حديث سعد بن أبي وقاص، ورواه مسلم (2218) كتاب السلام، باب الطاغون والطيرة.
(2)
"عارضة الأحوذي" 4/ 285.
(3)
قال في "اللسان"(رفيع): الرَّفْغُ والرُّفْغُ أُصُولُ الفَخِذيْنِ من باطن وهما ما اكْتَنَفَا أَعالي جانِبَي العانةِ عند مُلْتَقَى أَعالي بَواطِنِ الفخذين وأَعلى البطن وهما أَيْضًا أُصول الإبْطَيْنِ، وقيل الرُّفْغ من باطن الفَخذِ عند الأُرْبِيَّةِ والجمع: أَرْفُغٌ وأَرْفاغٌ.
(4)
"شرح ابن بطال" 5/ 43.
ذلك، وفي الحديث:"إنها نخسة من الشيطان"، ولهذا أنهم لما ظنوا أنه - صلي الله عليه وسلم - به ذات الجنب لدوه فقال:"إن هذا الداء لم يكن الله ليسلطه علي" وعبارة ابن التين: هو داء بالجانب. وجع بالخاصرة وسيأتي له عودة في الطب إن شاء الله.
والجُمع: بضم الجيم وفتحها وكسرها والضم أشهر كما قَالَهُ النوويُّ
(1)
، وفيه قولان:
أحدهما: المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه، قَالَ مالك: وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة سواء ألقت ولدها وماتت، أو ماتت وهو في بطنها
(2)
.
والثاني: هي التي تموت عذراء قبل أن تحيض لم يمسها الرجال، (والأول أشهر في اللغة كما قاله ابن بطال)
(3)
.
وفي "المثلث" لابن عديس: يقال للمرأة إذا لم تفتض: هي بجمع، وجمع بالكسر والضم، وكذلك إذا ماتت وفي بطنها ولد، ويقال للمرأة إذا كانت حاملة مثقلة هي بجمع وجمع بالضم والكسر، وقال ابن التياني في "موعبه": يقال للمرأة إذا كانت حبلى هي بجمع، وإن لم تمت، وكذلك إذا كانت بكرًا لم تزوج، وكذا ذكره ابن سيده، والجوهري
(4)
وغيرهما، وفي الحديث:"أيما امرأة ماتت بجمع لم تطمث دخلت الجنة" ذكرهَا الأزهري
(5)
كأنها اجتمعت لها السلامة إذ لم يمسها
(1)
"شرح مسلم" 13/ 63.
(2)
"الموطأ" برواية الشيباني ص 34.
(3)
من (ص 1)، وانظر:"شرح ابن بطال" 5/ 44.
(4)
"المحكم" 1/ 212، "الصحاح" 3/ 1198، مادة: جمع.
(5)
"تهذيب اللغة" 1/ 653.
أحد، وحكاه بعضهم أنها التي تموت قبل أن تحيض، وقيل هي المرأة تموت بمزدلفة، حكاه ابن التين عن الداودي وهو غريب، وهذِه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، بلغهم بها مراتب الشهداء والمراد بشهادة غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم.
والحاصل أن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار بسبب من أسبابه، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم من ذكر في الباب غيره، وشهيد في الدنيا دُون الآخرة وهو من غل من الغنيمة أو من قتل مدبرًا وما في معناه.
31 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 95 - 96]
2831 -
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله عنه يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ: {لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ:{لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ} . [4593، 4594، 4990 - مسلم: 1898 - فتح: 6/ 45]
2832 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمْلَى عَلَيْهِ: لَا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ. وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى، فَأَنْزَلَ الله تبارك وتعالى عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ الله عز وجل:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء:95][4529 - فتح: 6/ 45]
ثم ساق حديث البَرَاءِ: لَمَّا نَزَلَتْ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] دَعَا رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - زَيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكَا ابن أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95].
وحديث سهل بن سعد، عن مروان، عن زيد مثله.
الشرح:
حديث البراء أخرجه مسلم، وحديث زيد من أفراده، ويأتيان في التفسير.
وفيه لطيفة: (وهو)
(1)
صحابي: وهو سهل بن سعد، يروي عن مروان وهو تابعي، وقيل: إن جبريل صعد وهبط في مقدار ألف سنة، قبل أن يجف القلم، أي: بسبب أولى الضرر، حكاه ابن التين، ثم قَالَ: وهذا يحتاج أن يكون جبريل يتناول ذَلِكَ من السماء الدنيا والأمر كذلك؛ لأن القرآن نزل جملة إليها ليلة القدر، ثم نزل بعدها متفرقًا.
وهو دال على أن من حبسه العذر وغيره عن الجهاد وغيره من أعمال البر مع نيته فيه فله أجر المجاهد والعامل؛ لأن نصّ الآية على المفاضلة بين المجاهد والقاعد، ثم استثنى من المفضولين أولى الضرر، وإذا استثناهم منهم فقد ألحقهم بالفاضلين، وقد بين الشارع هذا المعنى فقال:"إن بالمدينة أقوامًا ما سلكنا واديًا أو شعبًا إلا وهم معنا حبسهم العذر"
(2)
، وكذا جاء عنه في كل من كان يعمل شيئًا من الطاعات ثم حبسه مرض أو سفر أو غيره أنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، وكذا من نام عن حزبه، نومًا (غالبًا)
(3)
كتب له أجر حزبه وكان نومه صدقة عليه، وهذا معنى قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)} [التين: 6]، أي: غير مقطوع بزمانة أو كبر أو ضعف؛ ففي هذا أن الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا كان
(1)
كذا في الأصل.
(2)
سيأتي برقم (2839) باب من حبسه العذر عن الغزو.
(3)
في الأصل: عاما.
لا يستطيع العمل الذي ينويه، وسيأتي (أيضًا)
(1)
في باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة.
وفيه: اتخاذ الكاتب وتقييد العلم.
وفيه: قرب الكاتب من مستمليه حَتَّي تمس ركبته ركبته لقوله: (وفخذه على فخذي).
(1)
في (ص 1): إيضاحه.
32 - باب الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَالِ
2833 -
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ، فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا". [انظر: 2818 - مسلم: 1742 - فتح: 6/ 45]
ذكر فيه حديثَ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ، فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا".
هذا الحديث بعض من حديثه المذكور في باب الجنة تحت بارقة السيوف، ولا شك أن الصبر سبب لكل خير، وقد نص الله تعالى عليه في غير موضع من كتابه، فأمر بالصبر عند اللقاء رجاء بركته، ولئلا يأنس بالكسل والفشل اللذين هما آفة الحرمان دنيا وأخرى، والصبر على مطلوبات الدنيا والآخرة؛ ضمان لإدراكها.
وقوله: ("فاصبروا") معناه الحض والندب؛ لأن الذي فرض الله على المسلمين عند اللقاء إنما هو عند المثلين فما كان أكثر فإنما هو ندب وحض.
33 - باب التَّحْرِيضِ عَلَى القِتَالِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلى الْقِتَالِ} . [الأنفال: 65].
2834 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الخَنْدَقِ فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:
"اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ
…
فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا
…
عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
[2835، 2961، 3795، 3796. 4100، 6413، 7201 - مسلم: 1805 - فتح: 6/ 45]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الخَنْدَقِ فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:
"اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ
…
فَاغْفِرْ للِأنصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا
…
عَلَى الجهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
فيه أحكام وفوائد:
أحدها: أن الحفر في سبيل الله والتحصين للديار وسد العورة، منها أجره كأجر القتال والنفقه فيه محسوبة في نفقات المجاهدين إلى سبعمائة ضعف.
ثانيها: استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس في الحرب وإثارة الأنفة والعزة فيها.
قاله ابن بطال
(1)
.
قَالَ ابن التين: وهذا البيت ليس بموزون على الشعر ولا الرجز، وقال الداودي في قوله:"اللَّهُمَّ لا عيش إلا عيش الآخره" إنما قَالَهُ ابن رواحة: لَاهُمَّ بلا ألف، ولا لام فأتى به بعض الرواة على المعنى، وهذا الذي ذكر موزونٌ: لَاهُمَّ إن العيش .. إلى آخره.
ثالثها: المجاوبة بالشعر على الشعر، قَالَ ابن بطال: وليس هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من قول ابن رواحة، ولو كان من لفظه، لم يكن بذلك شاعرًا، ولا ممن ينبغي له الشعر، وإنما يسمى (به)
(2)
من قصد صناعته، وعلم السبب والوتد والشطر وجميع معانيه من الزحاف والخرم والقبض وما شاكل ذلك
(3)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 47.
(2)
من (ص 1).
(3)
"شرح ابن بطال" 5/ 47.
34 - باب حَفْرِ الخَنْدَقِ
2835 -
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَيَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا
…
عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُجِيبُهُمْ وَيَقُولُ:
"اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ
…
فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
[انظر: 2834 - مسلم: 1805 - فتح 6/ 46]
2836 -
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله عنه كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ وَيَقُولُ:"لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا". [2837، 3034، 4104، 4106، 6620، 7236 - مسلم: 1803 - فتح: 6/ 46]
2837 -
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ - وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ -وَهُوَ يَقُولُ:
"لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
…
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا
…
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
…
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا"
[انظر: 2836 - مسلم: 1803 - فتح: 6/ 46]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث أَنَسٍ قَالَ: جَعَلَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصارُ يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَيَقُولُونَ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا
…
عَلَى الإِسَلامِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
وَالنَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - يُجِيبُهُمْ:
"اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ
…
فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
ثانيها: حديث البَرَاءِ قال: فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ وَيَقُولُ: "لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا".
ثالثها: حديث البَرَاءِ أيضًا: رَأَيْتُ النبي - صلي الله عليه وسلم - يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ -وَقَدْ وَارى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ- وَهُوَ يَقُولُ:
"لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
…
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزلنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
…
وَثَبِّتِ الأقدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
…
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا"
الشرح:
حديث أنس يأتي في الخندق مطولاً، وأخرجه مسلم من طرق وكذا حديث البراء.
والمتون: جمع متن، وهو مكتنف (الصلب)
(1)
من العصب واللحم، وقولهم:(نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام) هو غير موزون وإنما هو على الجهاد.
وقوله: ("ولولا أنت ما اهتدينا") كذا هو روي وهي: "تالله لولا أنت ما اهتدينا".
وقوله: ("إن الألى .. ") إلى آخره؛ ليس يتزن هكذا روي كما روي،
وإنما هو: (أن الألى هم قدا بغوا علينا)؛ لأن وزنه مستفعل، مستفعل، فعول.
(1)
في (ص 1): الصدر.
قَالَ الداودي: وفي رواية: "إن الأعادي بغوا علينا" وهو لا يتزن إلا بزيادة هم أو قد، ذكره كله ابن التين.
وفيه: كما قَالَ المهلب: امتهان الإمام نفسه في التحصين على المسلمين وما يتأسى به الناس ويقتدون به فيه شرف له وتحريض وتنشيط، وإثارة النية والعزم على العمل في الطاعة.
35 - باب مَنْ حَبَسَهُ العُذْرُ عَنِ الغَزْوِ
2838 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [2839، 4423 - فتح: 6/ 46]
2839 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ في غَزَاةٍ فَقَالَ:"إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ". [انظر: 2838 - فتح: 6/ 46]
وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الأَوَّلُ أَصَحُّ.
ذكر فيه حديث زُهَيْرٍ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ - صلي الله عليه وسلم -.
وفي رواية حَمَّادٍ -هُوَ ابن زَيْدٍ- عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ:"إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ".
وَقَالَ مُوسَى: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم -. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
هذا الحديث من أفراده؛ وانفرد به مسلم عن جابر وقال: "حبسهم المرض" وفي رواية: "إلا شركوكم في الأجر"
(1)
، ولما ذكر الإسماعيلي حديث حميد عن أنس ساقه من حديث عفان: ثَنَا حماد بن سلمة، أنا حميد، عن موسى بن أنس، عن أبيه أنس فذكره، ثم قَالَ: وحماد عالم بحديث حميد، متقدم فيه على غيره. ووصله أيضًا أبو نعيم من حديث حجاج عن حماد به، وعند الإسماعيلي:"وهم معكم بالنية"
(1)
مسلم (1911) كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض.
ولأبي داود: "ولا أنفقتم نفقة"
(1)
.
وهذا الحديث قال على أن من حبسه العذر من أعمال البر مع نيته فيها، أنه يكتب له أجر العامل بها كما قَالَ صلى الله عليه وسلم فيمن غلبه النوم عن صلاة الليل أنه يكتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه
(2)
، وقد سلف هذا المعنى قريبا.
(1)
أبو داود (2508).
(2)
رواه أبو داود (1314)، من حديث عائشة.
36 - باب فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللهِ
2840 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". [مسلم: 1153 - فتح: 6/ 47]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".
أي: مسيرة سبعين عامًا، وهو مبالغة في البعد عنها، والمعافاة منها، وكثيرًا ما يجيء السبعون عبارة عن التكثير، وفي النسائي من حديث عقبة "مسيرة مائة عام"
(1)
، وهذا لمن لا يضعفه الصوم.
و (الخريف): آخر فصول السنة، وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار أي: تجتني، وهذا الحديث يدل أن الصيام في سائر أعمال البر أفضل إلا أن يخشى ضعفًا عند اللقاء كما سلف -لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ لأصحابه في بعض المغازي، حين قرب من الملاقاة بأيام يسيرة:"تقووا لعدوكم"
(2)
فأمرهم بالإفطار- ولأن نفسه ضعيفة، وقد جبل الله الأجساد على أنها لا قوام لها إلا بالغذاء، ولهذا (المعنى)
(3)
قَالَ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى"
(4)
، فلا يكره الصوم البتة إلا عند اللقاء
(1)
النسائي 4/ 174.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
في (ص 1): الشيء.
(4)
سلف برقم (1977) كتاب الصوم باب حق الأهل في الصوم.
وخشية الضعف عند القتال؛ لأن الجهاد وقتل المشركين أعظم أجرًا من الصوم لمن فيه قوة.
فائدة:
روي مثل هذا الحديث من طريق أبي هريرة، أخرجه الترمذي بلفظ:"أربعين" وفي لفظ: "سبعين" ثم قَالَ: غريب من هذا الوجه
(1)
. ونقل في "علله" عن البخاري أنه قَالَ: لا أعلم رواه إلا ابن لهيعة عن أبي الأسود
(2)
وأبي أمامة، أخرجه الترمذي من حديث القاسم بن عبد الرحمن عنه:"جعل الله بينه وبين النار كما بين السماء والأرض" ثم قَالَ: غريب
(3)
.
ولابن عساكر: "بعده الله من النار مسيرة مائة سنة حُضر الفرس الجواد"
(4)
.
وأنس أخرجه أيضًا الترمذي من حديث أبان عنه: "من صام يومًا في سبيل الله تباعدت منه جهنم خمسمائة عام"
(5)
.
وابن عمر أخرجه أيضًا من حديث مِنْدل بن علي، عن عبد الله بن مروان، عن بعجة، عن أبيه عنه:"من صام يومًا في سبيل الله فهو بسبعمائة يوم"
(6)
.
(1)
الترمذي (1622).
(2)
"علل الترمذي" 2/ 699.
(3)
الترمذي (1624).
(4)
"تاريخ دمشق" 8/ 263، بلفظ:"مسيرة ألف عام للراكب المستعجل" من حديث أبي الدرداء.
(5)
لم أجده عند الترمذي، وإنما رواه محمد بن تمام في "نسخة أبي مسهر"(22)، من طريق زائدة، عن أبان، به.
(6)
تُقرأ في الأصل: (عن أمه)، وبعجة هو ابن عبد الله الجهني وأورده الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية"، قال: وقال عبد بن حميد: حدثنا مالك بن إسماعيل، ثنا مندل، عن عبد الله بن مروان، عن بعجة، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما =
وعقبة بن عامر؛ أخرجه النسائي
(1)
.
وعمرو بن عنبسة؛ أخرجه الطبراني
(2)
.
وجابر؛ أخرجه ابن جميع
(3)
.
وسهل بن معاذ؛ أخرجه أبو يعلى
(4)
.
وعتبة بن عبد السلمي؛ أخرجه ابن أبي عاصم
(5)
.
فائدة أخرى:
(سبيل الله) الأكثر في الشرع واللغة استعماله في الجهاد، وسببه هنا آجتماع العبادتين الجهاد والصوم، ويحتمل أن يريد به طاعته كيف كانت.
قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -:
…
فذكر حديثا فيه: "ومن اغتسل يوم الجمعة فكأنما صام يوما في سبيل الله عز وجل، واليوم كسبعمائة".
(1)
النسائي 4/ 174.
(2)
"المعجم الأوسط" 3/ 309 (3249).
(3)
ورواه الطبراني في "الأوسط" 2/ 343 (2173).
(4)
"مسند أبي يعلى" 3/ 469 (1486).
(5)
"الجهاد" 2/ 469 (172).
37 - باب فَضْلِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ
2841 -
حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيْ فُلُ، هَلُمَّ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ". [انظر: 1897 - مسلم: 1027 - فتح: 6/ 48]
2842 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ:"إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ". ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالأُخْرَى، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ. وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الطَّيْرَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ:" أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا أَوَخَيْرٌ هُوَ؟ -ثَلَاثًا- إِنَّ الخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلاَّ بِالْخَيْرِ، وَإِنَّهُ كُلُّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ كُلَّمَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهْوَ كَالآكِلِ الذِي لَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ". [انظر: 921 - مسلم: 1052 - فتح: 6/ 48]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَاب: أَيْ فُلُ، هَلُمَّ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الذِي لَا تَوى عَلَيْهِ. فَقَالَ رسول الله - صلي الله عليه وسلم -:"إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
وحديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قامَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ". ثُمَّ ذَكَرَ
زَهْرَةَ الدُّنْيَا .. الحديث إلى قوله: "وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمَسَاكينِ وابْنِ السَّبِيلِ".
الشرح:
الحديث الأول سلف في الصوم، والثاني سلف في الزكاة
(1)
.
وقوله: ("من أنفق زوجين") أراد أن يشفع المنفق ما ينفقه من دينار أو درهم أو سلاح أو غير ذَلِكَ، قَالَ الداودي: يقع الزوج على الواحد والاثنين، وهو هنا على الواحد، واحتج بقوله تعالى:{خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ} [النجم: 45] واعترضه ابن التين فقال: ليس قوله ببين، وقد ذكره ابن قتيبة أيضًا فقال:(إن)
(2)
الزوج يقع على الواحد والاثنين.
وقوله: ("أَيْ فُل هلم") أي: يا فلان، فرخم كقولك: يا حار إذا رخمت حارثًا، وكقول الشاعر في محمد: أمسك فلانًا عن فل، والعرب تقول في النداء: يا فلان، وأي فلان وأفلان.
ومعنى: (لا توى) لا ضياع، وقيل: لا هلاك، من قولك: توى المال يتوى تواء، قَالَ ابن فارس: والتوى يمد ويقصر وأكثرهم على أنه مقصور
(3)
.
ومعنى الكلام أن هذا الرجل لا بأس عليه أن يترك بابًا ويدخل آخر.
و (الرُّحَضَاء) -في حديث أبي سعيد-: العرقال في أدره عند نزول الوحي عليه، يقال: رحض الرجل إذا أصابه ذلك، فهو مرحوض ورحيض.
(1)
سلف برقم (1465) باب الصدقة على اليتامى.
(2)
من (ص 1)
(3)
"مجمل اللغة" 1/ 151.
وقوله: (كأن على رءوسهم الطير). قَالَ الداودي: يعني: أن كل واحد صار كمن على رأسه طائر يريد صيده فلا يتحرك لئلا يطير به.
وقوله: ("يقتل حبطا أو يلم") كذا هو في الأصول، وذكره ابن التين بحذف "حبطا" ثم قَالَ: هذا محذوف منه. وروي تامًّا فذكره، والحبط: انتفاخ البطن من داء يصيب الآكل من أكله.
وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل الجهاد على سائر الأعمال، وأن للمجاهد أجر المصلي والصائم والمتصدق، وإن لم يفعل ذلك، ألا ترى أن باب الريان هو للصائمين خاصة، وقد قَالَ في هذا الحديث:"يدعى من كل باب" فاستحق ذَلِكَ بإنفاق قليل من مال الله في سبيله، ففيه أن الغني إذا أنفق في سبيل الله أفضل الأعمال، قَالَ: إلا أن طلب العلم ينبغي أن يكون أفضل من الجهاد وغيره؛ لأن الجهاد لا يكون إلا بعلم حدوده وما أحل الله منه وحرم، ألا ترى أن المجاهد متصرف بين أمر العالم ونهيه، ففضل عمله كله في ميزان العالم الآمر له بالمعروف، والناهي له عن المنكر، والهادي له إلى السبيل، فكما أن أجر المسلمين كلهم مدخور لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تعلمه لهم وهدايته إياهم سبيل العلم، فكذلك يجب أن يكون أجر العالم فيه أجر من عمل بعلمه.
وفيه: دليل على أن من دعي من أبواب الجنة كلها لم يكن ممن استحق عقوبة في نار -والله أعلم- لقول أبي بكر: (ذَلِكَ الذي لا توى عليه) أي: لا هلاك، فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه: القول بالدليل في أحكام الدنيا والآخرة لاستدلال أبي بكر وبالدعاء له من كل باب أنه لا هلاك عليه، ولتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم -
ذَلِكَ الاستدلال وتبشيره لأبي بكر أنه منهم من أجل أنه أنفق في سبيل الله كلها أزواجًا كثيرة من كل شيء، وروى ابن المنذر من حديث أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا:"من أنفق في سبيل الله فسبعمائة ضعف".
ومن حديث خريم بن فاتك مرفوعًا مثله
(1)
، وقد جاء أن الذكر وأعمال البرقي سبيل الله أفضل من النفقة؛ فيه من حديث معاذ بن أنس الجهني أنه قَالَ:"يضعف الذكر والعمل في سبيل الله على تضعيف الصدقة سبعمائة ضعف"
(2)
، وعن ابن المسيب مثله.
(1)
رواه الترمذي (1625)، والنسائي 6/ 49، وأحمد 4/ 345.
(2)
رواه أبو داود (2498)، وأحمد 3/ 438.
38 - باب فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ
2843 -
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا". [مسلم: 1895 - فتح: 6/ 49]
2844 -
حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يدخلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ:"إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي". [مسلم: 2455 - فتح: 6/ 50]
ذكر فيه حديث بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ -هو بالسين المهملة وبضم أوله- عَنْ زَيْدٍ بنِ خَالِدٍ أَنَّ النبي - صلي الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا".
ومن حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلي الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ يدخلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ:"إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي".
الشرح:
حديث بسر بن سعيد أخرجه مسلم والأربعة
(1)
.
وفي أفراد مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له نصف أجر الخارج"
(2)
، ومن حديث بريدة بن الحصيب مرفوعًا: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من
(1)
مسلم (1895)، أبو داود (2509)، والترمذي (1628)، والنسائي 6/ 46.
(2)
مسلم (1896/ 138) كتاب الإمارة، باب فضل إعانة المغازي.
المجاهدين في أهله فيخونه (فيهم)
(1)
إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟ " وفي لفظ له:"خذ من حسناته ما شئت" فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "فما ظنكم"
(2)
.
ولابن أبي عاصم في كتاب "الجهاد" من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "من أظل رأس غاز أظله الله يوم القيامة، ومن جهز غازيًا حتى يستقل كان له مثل أجره حَتَّى يموت أو يرجع"
(3)
.
ومن حديث سهل بن حنيف مرفوعًا: "من أعان مجاهدًا في غزوة أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"
(4)
.
ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من لم (يغزو)
(5)
أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله عز وجل بقارعة يوم القيامة"
(6)
.
ومن حديث أبي أمامة مثله سواء
(7)
، وللحاكم -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي سعيد: "من خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف (أجر)
(8)
الخارج"
(9)
.
(1)
من (ص 1).
(2)
مسلم (1897).
(3)
"الجهاد" 1/ 297 (92).
(4)
السابق 1/ 303 (93).
(5)
كذا في الأصل، والجادة أن تكتب بلا واو؛ والمثبت له وجهان في اللغة صحيحان، إما على أنها على لغة لبعض العرب يجرون الفعل المعتل مُجْرى الصحيح، وإما أن تجرى على طريقة الإشباع، بأن تعرب بحذف حرف العلة، فتصير الزاي مضمومة، فتشبع حركتها فتنتج الواو حركة إشباع. وقد تكلمنا على هذِه الظاهرة مرارًا.
(6)
"الجهاد" 1/ 310 - 311 (98).
(7)
السابق 1/ 312 (99).
(8)
من (ص 1).
(9)
"المستدرك" 2/ 82.
وحديث أنس ذكره هنا لقوله: "قُتل أخوها معي" أي: في (سبيلي؛ لأنه)
(1)
قتل ببئر معونة، ولم يشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فأنا أرحمها" وإنه نوع من خلافة المغازي بالخير، ولأنها كانت أختها أم حرام خالتُه من الرضاعة، وكانت أم حرام أختها تسكن قباء، كما قاله ابن أبي صفرة.
وقال ابن التين: يريد أنه كان يكثر ذَلِكَ وإلا فقد دخل على أختها أم حرام، ولعلها كانت شقيقة للمقتول أو وجدت عليه أكثر من أم حرام.
وحديث أنس هذا أخرجه مسلم في الفضائل.
ومعنى ("غزا") حصل له أجر المغازي، وهو من باب المجاز والاتساع وإن لم يفعله.
وفيه من الفقه: أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر فللمعين عليه مثل أجر العامل كما فيمن فطر صائمًا أو قواه على صومه، فكل من أعان حاجًّا أو معتمرًا على حجته أو عمرته حَتَّى يأتي به على تمامه فله مثل أجره.
وكذا من أعان قائمًا بحق من الحقوق بنفسه أو بماله حَتَّى يعليه على الباطل بمعونته فله مثل أجر القائم به ثم كذلك سائر أعمال البر، وإذا كان ذَلِكَ حكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على المعاصي ومكروه الرب تعالى للمعين عليها من الوزر والإثم مثل ما لعاملها، ولذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع السيوف في الفتنة
(2)
، ولعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه
(3)
، وكذلك سائر أعمال الفجور.
(1)
في الأصل: (سبيل الله). والمثبت من (ص 1).
(2)
رواه الطبراني 18/ 136 - 137 (286)، من حديث عمران بن حصين، وانظر "الإرواء"(1296).
(3)
رواه أبو داود (3647).
وذهب بعض الأئمة -فيما حكاه القرطبي- إلى أن المثل المذكور في هذا الحديث وشبهه إنما هو بغير تضعيف؛ لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعال أخر وأعمال من البر كثيرة لا يفعلها الدال الذي ليس عنده إلا مجرد النية الحسنة، وقد قَالَ - صلي الله عليه وسلم -:"أيكم يخلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج" وقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما والآخر بينهما" ولا حجة فيه لأن المطلوب أن الناوي للخير المعوق عنه هل له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف، والحديث إنما اقتضى المشاركة والمشاطرة في المضاعف فانفصلا، وأيضًا أن القائم على مال المغازي وأهله نائب عن المغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوة إلا بأن يكفى ذَلِكَ العمل، فصار كأنه مباشر معه الغزو، فكذلك كان له مثل أجر المغازي كاملًا مضاعفًا بحيث إذا أضيف ونسب إلى أجر المغازي كأنه نصفٌ له.
وبهذا يجتمع معنى قوله: "من خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا"
ويبين معنى قوله في اللفظ الأول: "فله مثل نصف أجر المغازي"، ويبقى للغازي النصف، فإن المغازي لم يطرأ عليه ما يوجب تنقيصًا لثوابه وإنما هذا كما قَالَ:"من فطر صائمًا فله مثل أجره لا ينقصه من أجره شيئًا"
(1)
، وعلى هذا فقد صارت كلمة:"نصف" مقحمة هنا بين "مثل" و"أجر"، وكأنها زيادة ممن تسامح في إيراد اللفظ بدليل قوله:"والأجر بينهما" ويشهد له ما ذكرنا، وأما من تحقق عجزه وصدق نيته فلا ينبغي أن يختلف أن أجره مضاعف كأجر العامل المباشر لما تقدم، ولما سبق فيمن نام عن حزبه
(2)
.
(1)
رواه الترمذي (807)، وابن ماجه (1746)، من حديث زيد بن خالد الجهني، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(2)
"المفهم" 3/ 729 - 730.
39 - باب التَّحَنُّطِ عِنْدَ القِتَالِ
2845 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ -قَالَ وَذَكَرَ يَوْمَ اليَمَامَةِ- قَالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ فَقَالَ: يَا عَمِّ مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا ابْنَ أَخِي. وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي: مِنَ الحَنُوطِ- ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ.
رَوَاهُ حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. [فتح: 6/ 51]
ذكر فيه حديث مُوسَى بْنِ أَنَسٍ -قَالَ وَذَكَرَ يَوْمَ اليَمَامَةِ- قَالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ فَقَالَ: يَا عَمِّ، مَا يَحْبِسُكَ أَلَّا تَجِيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا ابن أَخِي. وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي: مِنَ الحَنُوطِ- ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ القَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ.
رَوَاهُ حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
هذا الحديث من أفراده، وهذا التعليق ادعى الحميدي في "جمعه" أن البرقاني وصله عن العباس بن حمدان بالإسناد، عن قبيصة بن عقبة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بلفظ: انكشفنا يوم اليمامة فجاء ثابت بن قيس بن شماس، فقال: بئس ما عودتم أقرانكم منذ اليوم وإني أبرأ إليكم مما جاء به هؤلاء القوم وأعوذ بك مما صنع هؤلاء، وخلوا بيني وبين أقراننا ساعة، وقد كان تكفن وتحنط فقاتل حَتَّى قتل، قَالَ: وقتل يومئذ سبعون من الأنصار، فكان أنس يقول: يا رب سبعين من
الأنصار يوم أحد وسبعين يوم مؤتة وسبعين يوم بئر معونة وسبعين يوم اليمامة
(1)
.
ورواه ابن سعد، عن سليمان بن حرب وعفان، عن ابن سلمة، ورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكشي قَالَ: ثنا حجاج بن منهال (ح)، وحَدَّثنَا محمد بن العباس المؤدب، ثَنَا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال: اللَّهُمَّ إني أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر مما صنع هؤلاء فقتل، وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت كانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا
(2)
.
وقال الحميدي: كذا فيما عندنا من كتاب البخاري أن موسى بن أنس قَالَ: أتى أنس ثابتا، لم يقل عن أنس، وهو عند البرقاني من حديث موسى بن أنس، عن أبيه قَالَ: أتيت ثابتًا
(3)
.
وعند ابن سعد: أخْبرنَا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن أيوب، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس قَالَ: أتيت على ثابت يوم اليمامة الحديث. وحَدَّثَنَا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا ابن عون، ثَنَا موسى، عن أنس.
وعند (الترمذي)
(4)
قَالَ أنس: لما انكشف الناس يوم اليمامة، قلتُ
(1)
"الجمع بين الصحيحين" 3/ 472.
(2)
"المعجم الكبير" 2/ 65 (1307).
(3)
"الجمع بين الصحيحين" 3/ 471 - 472.
(4)
كذا بالأصل.
لثابت فذكر الحديث، وكان عليه درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها، وفيه: لما رؤي في المنام ودل على الدرع قالا: لا تقل هذا منام، فإذا جئت أبا بكر فأعلمه أن على من الدين كذا، وفلان من رقيقي عتيق، وفلان، فأنفذ أبو بكر وصيته، ولا نعلم أحدًا أجيزت وصيته بعد موته سواه.
وفي كتاب "الردة" للواقدي بإسناده عن بلال أنه رأى سالمًا مولى أبي حذيفة وهو قافل إلى المدينة من غزوة اليمامة: إن درعي مع الرفقة الذين معهم الفرس الأبلق تحت قدرهم فإذا أصبحت فخذها من هناك وأدها إلى أهلي، وإن عليَّ شيئًا من دين فمرهم يقضونه، فأخبرت أبا بكر بذلك فقال: نصدق قولك ونقضي عنه دينه الذي ذكرته. وذكر أن الذي رأى ثابتًا أيضًا بلال، وأن الذي أخذ الدرع رجل من ضاحية نجد، وكانت نفيسة ورثها من آبائه، وفيه: إن عَبْدَيَّ سعدًا وسالمًا حران.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالحديث دال على الأخذ بالشدة في استهلاك النفس وغيرها في ذات الله، وترك الأخذ بالرخصة لمن قدر عليها؛ لأنه لا يخلو أن تكون الطائفة من المسلمين التي غزَت اليمامة أكثر منهم أو أقل فإن كانوا أكثر فلا يتعين الفرض على أحد بعينه أن يستهلك نفسه فيه، وإن كانوا أقل وهو المعروف في الأغلب أنه لا يغزو جيش أحدًا في عقر داره إلا وهم أقل من أهل الدار، فإذا كان هذا فالفرار مباح، وإن تعذر معرفة الأكثر من الفريقين، فإن الفار لا يكون عاصيًا إلا باليقين أن عدوهم
مثلان فأقل، وما دام الشك فالفرار مباح للمسلمين ذكره المهلب، والذي نقله الإخباريون أن أهل اليمامة كانوا أضعاف المسلمين.
وفيه: أن التطيب للموت سنة من أجل مباشرة الملائكة للميت.
وفيه: اليقين بصحة ما هو عليه من الدين، وصحة النيَّة بالاغتباط في استهلاك نفسه في طاعة الله تعالى.
وفيه: التداعي للقتال؛ لأن أنسًا قَالَ لعمه: (ما يحبسك ألا تجيء).
ومعنى قوله: (بئس ما عودتم أقرانكم) يعني: العدو في تركهم اتباعكم وقتلكم حَتَّى اتخذتم الفرار عادة للنجاة وطلب الراحة من مجالدة الأقران.
ومعنى (حسر عن فخذيه): كشف.
40 - باب فَضْلِ الطَّلِيعَةِ
2846 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ يَوْمَ الأَحْزَابِ؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ". [2847، 2997، 3719، 4113، 7261 - مسلم: 2415 - فتح: 6/ 52]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم -: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ يَوْمَ الأَحْزَاب؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ".
41 - باب هَلْ يُبْعَثُ الطَّلِيعَةُ وَحْدَهُ
2847 -
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: نَدَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ: أَظُنُّهُ- يَوْمَ الخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ". [انظر: 2846 - مسلم: 2415 - فتح: 6/ 53]
ذكر فيه حديث محمد بنِ المُنْكَدِرِ أيضًا، عن جَابِرٍ المذكور: نَدَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ: أَظُنُّهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ- فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ".
الشرح:
حديث جابر هذا يأتي في الخندق أيضًا
(1)
، وفي النسائي: قَالَ وهب بن كيسان: أشهد لسمعت جابرًا يقول: لما اشتد الأمر يوم بني قريظة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من يأتينا بخبر القوم" فلم يذهب أحد فذهب الزبير، فجاء بخبرهم ثم اشتد الأمر، أيضًا قال:"من يأتينا بخبرهم" فلم يذهب أحد، فذهب الزبير ثم اشتد الأمر أيضًا فقال:"إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير"
(2)
، ورواه ابن أبي عاصم من حديث وهب هذا، وفيه أن ذَلِكَ يوم الخندق. وفي الترمذي: الحواري: الناصر
(3)
. وقال عبد الرزاق عن معمر: قَالَ قتادة: الحواري: الوزير
(4)
.
(1)
سيأتي برقم (4113) كتاب المغازي.
(2)
السنن الكبرى" 5/ 264 (8843).
(3)
الترمذي (3744).
(4)
تفسير عبد الرزاق" 1/ 193 (763).
وله من طريقٍ ثانٍ من حديث على مرفوعًا: "إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير" أخرجه ابن أبي شيبة عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عنه، (به)
(1)
.
ثم اعلم أنه وقع هنا ما ذكرنا، والمشهور كما قاله شيخنا فتح الدين اليعمري أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة بن اليمان، كما روينا عنه من طريق ابن إسحاق وغيره قَالَ -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع" يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة: "أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من القوم من شدة الخوف والجزع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن (لي)
(2)
بد من القيام حين دعاني فقال: "يا حذيفة اذهب فأدخل في القوم" وذكر الحديث
(3)
.
وذكر ابن عقبة وغيره خروج حذيفة إلى المشركين ومشقة ذَلِكَ عليه إلى أن قَالَ له صلى الله عليه وسلم: "قم فحفظك الله من أمامك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك حَتَّى ترجع إلينا" فقام حذيفة مستبشرًا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه احتمل احتمالًا فما شق عليه شيء مما كان فيه. وعند ابن عائذ: فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال: من أنت؟ وعلى يد آخر عن يساره فقال: من أنت؟ فعل ذَلِكَ خشية أن يفطن له فبدرهم بالمسألة، وقد روينا في خبر ابن مسعود غير ما ذكرناه.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
(1)
من (ص 1)، انظر:"المصنف" 6/ 380 (32159).
(2)
من (ص 1).
(3)
"سيرة ابن هشام" 3/ 250 - 251.
أحدها: ما ترجم له وهو فضل الطليعة وبعثها وحدها، وأن الطليعة تستحق اسم النصرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سماه حواري.
والطليعة: من يبعث ليطلع على العدو.
والحواري: الناصر أو الوزير كما سلف، وهو بمعناه، وهو اسم لكل من نصر نبيًّا، وبه سمي أصحاب عيسى بذلك فإنه لما قَالَ لقومه:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ} [آل عمران: 52] فلم يجب غيرهم فكذلك لما قال صلى الله عليه وسلم: "من يأتيني بخبر القوم؟ " مرتين أو ثلاثًا فلم يجبه غير الزبير، فشبهه بالحواريين أنصار عيسى، وسماه باسمهم، وإذا اتضح أنه ناصر فأجره أجر المقاتل المدافع.
ومن ثم قَال مالك: إن طليعة اللصوص تقتل معها وإن لم تقتل ولم تسلب، ولذلك قَال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به.
(1)
وقيل: الحواري: الخالص من الأصحاب وقيل: سمي أصحاب عيسى بذلك لشدة بياض ثيابهم. وقيل: كانوا قصارين، وكلُّ ما بيَّضْتَهُ فقد حَوَّرْتَه، قَال أبو بكر: ومعنى "حواري الزبير" أنه مختص من بين أصحابي ومفضل؛ وسمي خبز الحواري لأنه أشرف الخبز، أو لبياضه.
قَالَ الداودي: ولا أعلم رجلاً جمع له النبي صلى الله عليه وسلم أبويه إلا الزبير وسعد بن أبي وقاص كان يقول له: "ارم فداك أبي وأمي"
(2)
، وإنما كان يقول لغيرهما:"ارم فداك أبي" أو "فدتك أمي" وهي كلمة تقال للتبجيل ليس على الدعاء ولا على الخبر.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 54.
(2)
قوله - صلي الله عليه وسلم - لسعد سيأتي برقم (2905) باب المجن، من حديث علي، وقوله صلى الله عليه وسلم للزبير سيأتي برقم (3720) كتاب فضائل الصحابة من حديث الزبير.
وكان الزبير من أول من أسلم، وكان ممن استجاب لله من بعد ما أصابهم القرح، مات يوم الجمل؛ قتل وهو منصرف، وهو ابن أربع وستين سنة، قتله ابن جرموز من بني تميم، وقال له علي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار"
(1)
، كنيته: أبو عبد الله، وهو يلتقي في النسب الشريف في قُصَي، وليس أحد من العشرة بعد عثمان وعلى أقرب نسبًا منه.
ثانيها: فيه شجاعة الزبيروتقدمه وفضله، واختلف في ضبطه كما قَالَ القاضي، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء من (حواري)
(2)
كمصرخي، وضبطه أكثرهم بكسرها.
ومعنى: (انتدب): أجاب، ففيه الأدب من الإمام في الندب إلى القتال والمخاوف؛ لأنه كان له أن يقول لرجل بعينه: قم فأتني بخبر القوم. فيلزم الرجل ذَلِكَ لقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآية [الأنفال: 24].
ثالثها: زعم بعض المعتزلة أن هذا الحديث يعارضه حديث "الراكب شيطان"
(3)
ونهيه أن يسافر الرجل وحده
(4)
، وليس كما زعم فلا تعارض؛ كما نبه عليه المهلب؛ لأن النهي إنما جاء في المسافر وحده؛ لأنه لا يأنس بصاحب ولا يقطع طريقه بمحدث يهون عليه مؤنة السفر،
(1)
رواه أحمد 1/ 89، والحاكم 3/ 367 موقوفاً على علي رضي الله عنه.
(2)
في (ص 1): الثاني.
(3)
رواه أبو داود (2607)، والترمذي (1674)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحسنه الترمذي.
(4)
رواه أحمد 2/ 91 من حديث ابن عمر.
كالشيطان الذي لا يأنس بأحد ويطلب الوحيد ليغويه بتذكار قتلة و (تزيين)
(1)
شهوة، حضًّا منه - صلي الله عليه وسلم - على الصحبة والمرافقة؛ لقطع المسافة وطي بعيد الأرض بطيب الحكاية وحسن المعاونة على المؤنة، وقصة الزبير بضد هذا بعثه طليعة متجسسًا على قريش ما يريدونه من حرب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فلو أمكن أن يتعرف ذَلِكَ منهم بغير طليعة لكان أسلم وأخف، ولكن أراد أن يسن لنا جواز الغرر في ذَلِكَ لمن احتسب نفسه وسخى بها في نفع المسلمين وحماية الدين، ومن خرج في مثل هذا الخطير من أمر الله لم يعط الشيطان أذنه فيصغي إلى خُدَعِه، بل عليه من الله حافظ ومؤنس، وهذا.
ألا ترى تثبيت الله تعالى له حين نادى أبو سفيان في المشركين ليعرف كل إنسان منهم جليسه (قال الزبير لمن قرب: [من]
(2)
أنت؟ فسبق بحضور ذهنه إلى)
(3)
ما لو سبقه إليه جليسه لكان سبب فضيحته، كذا قَالَ: إنه الزبير، وإنما هو حذيفة حين سار إلى قريش في الأحزاب متحسسًا -كما ذكره ابن سعد وغيره كما سلف- ولو أرسل معه غيره لكان أقرب إلى أن يُعْثَرَ عليهما، فالوحدة في هذا هي الحكمة البالغة، وفي المسافر هي العورة البينة، ولكل وجه من الحكمة غير وجه الآخر لتباين القصص واختلاف المعاني. وحمله الطبري على من لا يهوله هول، ألا ترى أن عمر لما بلغه أن سعدًا بني قصرًا أرسل شخصًا وحده ليهدمه
(4)
.- وذكر ابن أبي عاصم أنه
(1)
في (ص 1): تدبير.
(2)
زيادة يتقضيها السياق.
(3)
من (ص 1).
(4)
رواه ابن المبارك في "الزهد" ص 179 (513).
- صلى الله عليه وسلم أرسل عبد الله بن أنيس سرية وحده
(1)
، وبعث عمر وابن أمية وحده عينا، ولابن سعد: أرسل سالم بن عمير سرية وحده
(2)
، فإن لم يكن الرجل كذلك فممنوع من السفر وحده خشية على عقله أو يموت فلا يُدري خبره أحد ولا يَشْهده أحد، كما قَالَ عمر: أرأيتم إذا سار وحده ومات من أسأل عنه؟
ويحتمل أن يكون النهي نهي تأديب وإرشاد إلى ما هو الأولى.
وحديث "الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة رَكْبٌ" أخرجه الترمذي وحسنه
(3)
، وعزاه ابن التين إلى رواية الشيخ أبي محمد في "جامع مختصره"، قَالَ: وذكره مالك في "موطئه"
(4)
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
(5)
قَالَ: وقيل: أخبار عمرو عن أبيه عن جده واهية لم يسمع بعضهم من بعض.
قلتُ: معاذ الله من ذلك.
وسفر الواحد مباح لتوجيه النبي - صلي الله عليه وسلم - العيون والطوالع وِحْدَانًا، قَالَ: وقال النبي - صلي الله عليه وسلم -: "إن الشيطان يهم بالواحد والاثنين، وإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم"
(6)
، ثم نقل عن الشيخ: أبي محمد أنه يريد في السفر الذي تقصر فيه الصلاة.
وقد ترجم البخاري فيما سيأتي باب: السير وحده، وذكر فيه حديث
(1)
"الآحاد والمثاني" 4/ 78 (2032).
(2)
"طبقات ابن سعد" 2/ 28.
(3)
الترمذي (1674).
(4)
يشبه رسمها بالأصل: موطاَته.
(5)
"الموطأ" ص 605 (35).
(6)
السابق (36).
ابن عمر: "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده"
(1)
، واعترض الإسماعيلي في دخوله فيه فقال: لا أعلم هذا الحديث كيف يدخل في هذا الباب وهو عجيب، فدخوله ظاهر، وفي "مستدرك الحاكم" من حديث ابن عباس: خرج (رجلان)
(2)
من خيبر فتبعه رجلان ورجل يتلوهما يقول: ارجعا حَتَّى أدركهما فردهما ثم قال: إن هذين شيطانان فأقرأ على رسول الله السلامَ، وأعلمَهُ أنَّ في جمع صدقاتنا لو كانت تصلح له لبعثناها إليه. فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثه نهى عند ذَلِكَ عن الوحدة، ثم قَالَ: صحيح على شرط البخاري
(3)
.
قلتُ: فيجوز أن يكون النهي بعد فتح خيبر.
وعنده أيضًا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده السالف، وقال لرجل قدم من سفر وقال له:"ما صحبت؟ " فقال: ما صحبت أحدا .. ذكره ثم قَالَ: صحيح الإسناد
(4)
.
فائدة أجنبية لغوية: في حقيقة السرية والغزو وغيرهما ذكرها المسعودي في كتاب "التنبيه والإشراف": فالسرايا: ما بين الثلاث إلى الخمسمائة، والسرية التي تخرج ليلاً، وبالنهار ساربة ومنه:{وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10].
وما زاد على الخمسمائة فهي المناسر.
وما بلغ ثمانمائة فهو الجيش القليل.
وما زاد على الأربعة آلاف فهو الجحفل.
(1)
سيأتي برقم (2998).
(2)
فوقها في الأصل: كذا.
(3)
"المستدرك" 2/ 102.
(4)
السابق نفسه.
وما بلغ اثني عشر ألفا فهو الجيش الجرار.
وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها فما كان دون الأربعين فهي الجرائد، وما كان من الأربعين إلى دون الثلاثمائة فهي المقانب، وما كان من الثلاثمائة إلى دون الخمسمائة فهي الجمرات.
وكانوا يسمون الأربعين إذا توجهوا العصبة ورأى قوم أن المقنب مثل المنسر، وأن كل واحدة منهما ما بين الثلاثين رجلاً إلى الأربعين وذكروا له شاهدًا.
والكتيبة: ما جمع ولم ينتشر.
والحصيرة: يغزى بهم دون العشرة فمن دونهم.
والهبطة: جماعة يغزى بهم وليسوا بجيش.
والأرعن: الجيش الكبير الذي مثل الجبل.
والخميس: الجيش العظيم.
والجرار: الذي لا يسير إلا زحفًا.
والبحر: أكبر ما يكون من الجيش إذا عظم وثقل.
42 - باب سَفَرِ الاثْنَيْنِ
2848 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَنَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي "أَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا". [انظر: 628 - مسلم: 674 - فتح: 6/ 53]
ذكر فيه حديث مَالِكٍ بنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَنَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي "أَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكبَرُكمَا".
هذا الحديث سلف في الصلاة.
وهو حديث مطابق لما بوب له فإنه قَالَ: "أَذِّنَا وَأَقِيمَا .. " إلى آخره فلما قدم (ذكر)
(1)
سفر الرجل وحده أردفه بالاثنين، وغَلِطَ الداودي فقال: ليس في الحديث ذكر سفر يوم الاثنين، وإنما أتى من حديث كعب بن مالك، وفيه: كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يسافر يوم الاثنين ويوم الخميس
(2)
. فتأوله الداودي على سفر يوم الاثنين، وهو عجيب فإن مراده سفر الرجلين، لم يرد يوم الاثنين، وهذا الحديث لا يعارض الحديث السالف:"الاثنان شيطانان" لما سلف.
(1)
من (ص 1).
(2)
سيأتي برقم (2950) باب من أراد غزوة فورى بغيرها .. وليس فيه ذكر يوم الإثنين.
43 - باب الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ
2849 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْخَيْلُ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".
2850 -
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". قَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ. [3644 - مسلم: 187 - فتح: 6/ 54]
تَابَعَة مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ غرْوَةَ بْنِ أَبي الجَعْدِ. [2853، 3119، 3634 - مسلم: 1873 - فتح: 6/ 54]
2851 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْبَرَكَةُ في نَوَاصِي الخَيْلِ". [3645 - مسلم:1874 - فتح: 6/ 54]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -: "الخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".
وحديث حُصَيْنٍ وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مثله. قَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ. وَتَابَعَهُ مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِي، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ.
حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا يَحْييَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -: "الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الخَيْلِ".
ثم ترجم له:
44 - باب الجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ .. ".
2852 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عُرْوَةُ البَارِقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ". [انظر: 2850 - مسلم: 1873 - فتح: 6/ 56]
فذكره، ثم ذكر حديث عُرْوَةَ البَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْخَيْلُ .. " فذكره، وزاد في آخره:"الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ".
الشرح:
هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم أيضًا وانفرد بإخراجه من حديث جرير.
و (ابن أبي السفر) أسمه عبد الله بن أبي السفر سعيد بن يُحمد -ويقال: ابن أحمد- الهَمْدَاني (البكلي)
(1)
الثوري الكوفي، توفي في خلافة مروان بن محمد، وتوفي والده في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق، وكانت من سنة خمس ومائة إلى سنة عشرين ومائة.
و (حصين بن عبد الرحمن) كوفي أيضًا، ابن عم منصور بن المعتمر.
و (هشيم) هو ابن بشير.
و (أبو التياح) هو يزيد بن حميد.
والتعليق عن سليمان وحصين أخرجه أبو نعيم عن فاروق، ثَنَا إبراهيم بن عبد الله، ثَنَا سليمان بن حرب، ثَنَا شعبة، عن عبد الله بن
(1)
كذا بالأصل.
أبي السفر وحصين، عن الشعبي، عن عروة، وحَدَّثَنَا أبو إسحاق بن حمزة، ثَنَا حامد، ثَنَا شريح، عن هشيم. وقال أحمد: ثَنَا هشيم، فذكره، وقال:(عروة البارقي)
(1)
.
وخرج البخاري في الخمس: حَدَّثنَا مسدد، عن خالد، عن حصين، فقال:(عروة البارقي)
(2)
.
ورواه ابن أبي عاصم، عن غندر، عن شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي قَالَ: عن عروة البارقي.
قَالَ الحميدي: زاد البرقاني في حديث الشعبي من رواية عبد الله بن إدريس عن حصين يرفعه: "الإبل عز لأهلها والغنم بركة"
(3)
، ورواه الإسماعيلي من حديث ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن حُرَيث، عن عروة بن أبي الجعد، قَالَ شعبة: وحَدَّثَني حصين وعبد الله، سَمِعَا الشعبيَّ يحدث عن عروة بن أبي الجعد.
قَالَ الإسماعيلي: قَالَ ابن أبي عدي وسليمان: عن شعبة بن أبي الجعد. وقال أبو داود وروح وأبو الوليد عنه: ابن الجعد، وكذلك قَالَ غُنْدَر.
وفي الباب عن عتبة بن عبد السلمي أخرجه أبو داود
(4)
، وسلمة بن نفيل أخرجه البزار وزيادة:"وأهلها معانون"
(5)
، والمغيرة وجابر وسوادة بن الربيع وجد يزيد بن عبد الله بن غريب المليكي، عن أبيه،
(1)
"المسند" 4/ 375.
(2)
سيأتي برقم (3119) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت لكم الغنائم".
(3)
"الجمع بين الصحيحين" 3/ 346.
(4)
أبو داود (2542).
(5)
"كشف الأستار"(1689).
عن جده، ذكرهم ابن أبي عاصم، وأبي هريرة ذكره أبو بكر بن المقرئ، وأسماء بنت يزيد ذكره أحمد
(1)
، وعلى ذكره ابن منده، وابن مسعود والبراء ذكرهما أبو القاسم البغوي، وحذيفة وسهل بن الحنظلية ذكرهما ابن عساكر
(2)
، وأبي أمامة ذكره أبي طاهر الذهلي، وأبي ذر ذكره عبد الله بن وهب.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ ففيه الترغيب في الغزو على الخيل أي المعدة للجهاد بخلاف المعدة للخيلاء، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وفي الحديث:"الجهاد ماضٍ منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تبقى من أمتي تقاتل الدجال"
(3)
.
وترجم البخاري به على استمراره تحت راية كل بر وفاجر، وفي رواية أبي الحسن:(على البر والفاجر) وفي رواية أبي ذر وغيره، وتبويب الإسماعيلي (مع) بدل (على) فعلى الأولى أنه يجب على كل أحد، وعلى الثاني يجب مع الإمام العدل ومع غير العدل، وأنه واجب لا يجوز تركه.
"والأجر والمغنم": هو معنى ما بوب له البخاري؛ لأن الغنيمة إنما تَنْشَأُ غالبًا عن الجهاد.
واستدلاله أيضًا: أن الجهاد ماض معهما صحيح من أجل أنه أبقى الخير في نواصيها إلى يوم القيامة، وقد علم أن من أمته أئمة جور لا يعدلون ويستأثرون بالمغانم، فأوجب الغزو معهم. ويقوي هذا
(1)
أحمد 6/ 455.
(2)
"تاريخ دمشق" 68/ 124.
(3)
رواه أبو داود (2532) من حديث أنس مرفوعًا؛ ورواه الطبراني في "الأوسط" 5/ 95 - 96 (475) من حديث على وجابر مرفوعًا.
المعنى أمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر من السلاطين، وأمره بالسمع والطاعة ولو كان عبدًا حبشيًا.
وفيه: الحث على ارتباط الخيل في سبيله تعالى يريد أن من ارتبطهما كان له ثواب ذَلِكَ فهو خير آجل، وما يصيبه على ظهورها من المغانم وفي بطونها من النتاج خير عاجل.
و (الناصية): قصاص الشعر، وهو المراد بقول الخطابي: إنها الشعر المسترسل على الجبهة
(1)
. وخص النواصي بالذكر لأن العرب تقول غالبًا: فلان مبارك الناصية. فيكني به عن الإنسان. والمراد بالخير هنا: المال. قَالَ تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 108] وقال تعالى في قوله: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} [ص: 32] وقد سلف تفسير الخير في الحديث بالأجر والمغنم.
وفي "مسند أبي داود الطيالسي" أيضًا بإسناد على شرط البخاري. قيل: يا رسول الله، ما الخير؟ قَالَ:"الأجر والمغنم"
(2)
وهو أيضًا تفسير قوله - صلي الله عليه وسلم -: " مع ما نَالَ من أجر أو غنيمة" أن "أو" بمعنى الواو فكأنه قَالَ: مع ما نال من أجر وغنيمة أو أجر.
(1)
"غريب الحديث" 2/ 579.
(2)
"مسند الطيالسي" 2/ 384 (1152).
45 - باب مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ اِلله لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60]
2853 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا المَقْبُرِيُّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا بِاللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". [فتح: 6/ 57]
وذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا باللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ".
الشرح:
هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث طلحة بن أبي سعيد عن المقبري عنه، وفي الباب عن أسماء بنت يزيد وعلى وزيد بن ثابت وسهل بن الحنظلية وسوادة بن الربيع.
أخرج الأول أحمد بلفظ: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فأنفق عليه احتسابًا كان شبعه وجوعه وريه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة، ومن ارتبط فرسًا رياء وسمعة كان ذَلِكَ خسرانًا في ميزانه يوم القيامة"
(1)
.
وأخرج الثاني: ابن بنت منيع من حديث الحارث عنه بلفظ: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فعلفه وأثره في موازينه يوم القيامة".
والثالث: عبد بن حميد في "مسنده" بإسناد فيه ضعف بلفظ: "من حبس فرسًا في سبيل الله كان سترة من النار"
(2)
.
(1)
أحمد 6/ 458.
(2)
"المنتخب" 1/ 238 (252).
والرابع: ابن أبي عاصم من حديث المطعم بن المقدام، عن الحسن، عن سهل بلفظ:"من ارتبط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة عليه كالماد يده بصدقه لا يقبضها".
والخامس: أخرجه أيضًا بلفظ: "ارتثوا الخيل"، وأخرج مثله من حديث يزيد بن غريب المليكي عن أبيه عن جده مرفوعًا، ومن حديث محمد بن عقبة القاضي عن أبيه عن جده عن تميم الداري مرفوعًا:"من ارتبط فرسًا في سبيل الله فعالج علفه كان له بكل حبة حسنة".
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالحديث قال على أن الأحباس جائزة في الخيل (والرباع وغيرها؛ لأنه إذا جاز في الخيل)
(1)
للمدافعة عن المسلمين وعن الدين والنفع لهم بجر الغنائم والأموال إليهم، فكذلك تجوز في الرباع المثمرة لهم، نبه عليه المهلب.
وما وصفه من الروث وغيره إنما يريد ثوابه لا أن الروث هو الموزون، بل أجره، ولا نقول: إن زنة الأجر زنة الروث، بل أضعافه إلى ما شاء الله تعالى.
وفيه: أن النية قد يؤجر الإنسان بها كما يؤجر العامل؛ لأن هذا إنما أحتبس فرسه ليقاتل عليه ويغير، فعوض من أجر العمل المعدوم في ترك أستعماله فيه بعدِّ نفقاته وأرواثه أجرًا له، مع أنه في رباطه نافع؛ لأن الإرهاب بارتباطه في نفس العدو وسماعهم عنه نافع.
وفيه: أن الأمثال تضرب لصحة المعاني وإن كان فيها بعض المكروهات الذكر.
(1)
من (ص 1).
46 - باب اسْمِ الفَرَسِ وَالْحِمَارِ
2854 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَخَلَّفَ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَنَدِمُوا فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ قَالَ:"هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ ". قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَكَلَهَا. [انظر: 1821 - مسلم: 1196 (63) - فتح: 6/ 58]
2855 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْفُ. [فتح: 6/ 58]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ بَعْضُهُم: اللُّخَيْفُ.
2856 -
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم على حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ:"يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ ". قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ:"لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا". [5967، 6267، 6500، 7373 - مسلم: 30 - فتح: 6/ 58]
2857 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ. فَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". [انظر: 2627 - فتح: 6/ 58]
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي وأنه كان راكبًا على فرس يقال له الجرادة. وقد سلف.
ثانيها: حديث أُبي بن العَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: اللُّحَيْفُ. وقال بعضهم: اللخيف. بالخاء؛ وهو من أفراده.
ثالثها: حديث مُعَاذٍ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْزٌ، فَقَالَ:"يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ على اللهِ؟ ". قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذَبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ:"لَا تبشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا".
رابعها: حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ فَزَع بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَسا لَنَا يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ. فَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعِ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". وقد سلف.
ثم الكلام من وجوه:
أحدها: شيخ البخاري في الأول (محمد بن أبي بكر)، وهو الصواب. قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي زيد المروزي: محمد بن بكر، وهو خطأ، والصواب الأول وهو المقدمي، قَالَ: وليس في شيوخ البخاري محمد بن بكر
(1)
.
ثانيها: اختلف في ضبط اللحيف، فضبطه عامة الشيوخ كما قال
(1)
"تقييد المهمل" 2/ 628.
صاحب "المطالع": بضم اللام وفتح الحاء المهملة.
قلتُ: وعليه اقتصر الهروي، سمي؛ بذلك لطول ذنبه، فعيل بمعنى فاعل، فكأنه يلحف الأرض بجريه، يقال: لحفت الرجل باللحاف: إذا طرحته عليه
(1)
، قال: وعن ابن سراج: فتح اللام وكسر الحاء على وزن رغيف. وقال ابن السكيت: سمي اللحيف لكثرة سبائبه: يعني ذنبه. وقال ابن الجوزي: بنون وحاء مهملة، وقال في "المغيث": بلام مفتوحة وجيم مكسورة. قَالَ أبو موسى: المحفوظ بالحاء، فإن روي بالجيم فيراد به السرعة؛ لأن اللجيف سهم نصله عريض، قاله صاحب "التتمة"، وصح عن البخاري أنه قال: إنه بالخاء المعجمة
(2)
. قَالَ ابن الأثير: ولم يتحققه، والمعروف الأول
(3)
.
وهذا الفرس أهداه لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - ربيعة بن البراء فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب. وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": أهداه له فروة بن عمرو الجذامي من أرض البلقاء.
ثالثها: (عُفَير) تصغير أعفر، إلا أنهم أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا في تصغير أسود: سويد. وهو بعين مهملة على المشهور، وزعم القاضي عياض: أنه بغين معجمة، وَرُدَّ ذَلِكَ عليه.
قَالَ ابن عَبْدُوس في أسماء خيله ودوابه - صلي الله عليه وسلم -: كان (أخضر)
(4)
أخذ ذَلِكَ من العفر وهو التراب، وكذا قَالَ الخطابي: سمي بذلك لعفرة لونه، والعفرة: حمرة يخالطها بياض، يقال له: أعفر ويعفور، وأخضر
(1)
كما في "النهاية في غريب الحديث" 4/ 238.
(2)
"المجموع المغيث" 3/ 113.
(3)
"النهاية في غريب الحديث" 4/ 244.
(4)
كذا بالأصل، ولعلها: أعفر.
ويخضور، وأصفر ويصفور، وأحمر ويحمور
(1)
.
وقال ابن بطال: عفير من العفرة وهو تصغير أعفر
(2)
. وقال الدمياطي: إنه شبه في عدوه باليعفور -وهو الظبي- وهذا الحمار أهداه لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - المقوقس، وأهدى له فروة بن عمرو حمارًا يقال له: يعفور. ويقال: هما واحد، حكاه ابن عبدوس.
قَالَ الواقدي: نَفَقَ يَعْفُور مُنْصَرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع. وذكر السهيلي أنه طرح نفسه في بئر يوم مات رسول الله - صلي الله عليه وسلم -
(3)
، وذكر ابن عساكر عن أبي منصور: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أصاب حمارًا أسود، فقال له صلى الله عليه وسلم:"ما اسمك؟ " قَالَ: يزيد بن شهاب -وعند السهيلي: زياد بن شهاب- أخرج الله من نسل جدي ستين حمارًا، كلهم لم يركبه إلا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني؛ لأنه لم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك. فذكر حديثًا طويلًا فيه: فلما توفي رسول الله - صلي الله عليه وسلم - جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان، فترَدى فيها جَزَعًا على رسول الله، فصارت قبره
(4)
.
قَالَ أبو القاسم: هذا حديث غريب، وفي إسناده غير واحد من المجهول
(5)
.
وقال ابن حبان في "ضعفائه": لا أصل لهذا الحديث، وإسناده ليس بشيء
(6)
.
(1)
"معالم السنن" 2/ 216.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 60.
(3)
"الروض الأنف" 3/ 84.
(4)
"تاريخ دمشق" 4/ 232.
(5)
علم عليها في الأصل بـ (كذا).
(6)
"المجروحين" 2/ 309.
فائدة:
روينا في "الإرداف" لابن منده أبي زكريا يحيى أنه - صلي الله عليه وسلم - كان له حمار آخر أعطاه إياه سعد بن عبادة.
ثانية مهمة: في عدد أفراسه:
عند ابن سعد أول فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرس ابْتَاعه بالمدينة من رجل من بني فَزَارة بعشرة أواقي، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه رسول الله: السكب، وأول ما غزا عليه أُحدًا، وكان أغر محجلًا طلق اليمين
(1)
.
وفي "المنمق" لمحمد بن حبيب البغدادي: كان كميتًا.
وللطبراني عن ابن عباس: كان أدهم، وله أيضًا السكب
(2)
، سمي بذلك؛ لأن لونه يشبه لون الشقائق. وللواقدي: كان له أيضًا فرس أشقر يسمى: المرتجز وهو الذي شهد له فيه خزيمة، وكان لأعرابي من بني مُرَّة.
ولابن أبي عاصم: كان أشقر، سمي المرتجز لحسن صهيله.
وزعم ابن قتيبة أن الذي شهد فيه خزيمة الظرب، وفي رواية: النجيب
(3)
.
و (الأعرابي) قيل: هو سواء بن الحارث بن ظالم المزني، وقيل: هو سواء بن قيس المحاربي.
(1)
"الطبقات الكبرى" 1/ 489 - 490.
(2)
"المعجم الكبير" 11/ 111 (11208)، وقال الهيثمي في "المجمع" 5/ 272: وفيه علي بن عروة، وهو متروك
(3)
الذي في "المعارف" ص 149: أنه: المرتجز؛ لذلك كتب فوقها الناسخ (كذا).
وذكر الرشاطي: أن المرتجز أهداه له عصيم بن الحارث بن ظالم المحاربي فأثابه صلى الله عليه وسلم ناقة تدعى القرعى.
وعند الواقدي: كان له صلى الله عليه وسلم أفراس ثلاث عند سهل بن سعد: لزاز، والظرب، واللحيف، أهدى الظرب له فروة بن عمرو الجذامي، وفي "تاريخ ابن عساكر": أهداه له ربيعة بن أبي البراء
(1)
، وذكر أبو سعيد النيسابوري في "شرف المصطفى": أنه كان لجنادة بن المعلى المحاربي، وذكر ابن الجوزي أن لزازًا (أهدى له)
(2)
المقوقس. وعند السهيلي: كان معه في المريسيع، وذكر سليمان بن بنين النحوي المصري
(3)
: أنه من هدايا المقوقس، قَالَ: وكان تحته ببدر. وفيه نظر؛ لأن هدايا المقوقس لم تأت إلا بعد سنة ست.
وعند ابن سعد: كان له فرس يقال له: الورد أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر، فحمل عليه في سبيل الله فوجده يباع، الحديث
(4)
.
وعنده أيضًا: المرواح، أهداه له الرُّهَاوِيُّون
(5)
.
وعند ابن حبيب: وكان له فرس يقال له: ذو اللمة.
(1)
"تاريخ دمشق" 4/ 226.
(2)
كذا في الأصل، ولعلها: أهداه له.
ويأتي عند المصنف (في: ثالثا، من باب من قاد دابة غيره في الحرب): ما جاء عند ابن سعد 1/ 491: أن دلدل هي التي أهداها له المقوقس.
(3)
هو سليمان بن بنين بن خلف الدقيقي، تقي الدين، أبو عبد الغني، الأديب، الفرضي العروضي، توفي بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، وله العديد من التصانيف، انظر:"معجم الأدباء" لياقوت 3/ 392 - 393 (462).
(4)
"الطبقات الكبرى" 1/ 490.
(5)
"الطبقات الكبرى" 1/ 344.
وعند ابن خالويه: والمرتجل والسرحان والعسوب، ذكره قاسم بن ثابت في "الدلائل".
وكذلك اليعسوب والبحر. قَالَ ابن بنين: اشتراه من تجار قدموا به من اليمن.
والشحاء والسجل، قَالَ ابن الأثير: أخاف أن يكون أحدهما تصحيف من الآخر.
وملاوح، ذكره في "شرف المصطفى" قال: وكان لأبي بردة بن نيار.
ومندوب، ذكره أبو عبد الله محمد بن علي بن حضر بن عسكر المالقي في "ذيل التعريف".
وسبخة، ففي "سنن الدارقطني" عن أنس: كانت له فرس يقال لها: سبخة
(1)
.
وذو العقال
(2)
، ذكره ابن عساكر.
والسقب، (ففي)
(3)
"الجهاد" لابن أبي عاصم عن ابن عباس: كان لرسول الله فرس أدهم يسمى: دلدل، وفي "المستدرك": كان له بغلة يقال لها: دلدل
(4)
.
وقال الواقدي: عن موسى بن محمد، عن أبيه: هي أول بغلة (رئيت)
(5)
في الإسلام، أهداها له المقوقس وبقيت إلى زمن معاوية.
(1)
"سنن الدارقطني" 4/ 301.
(2)
في هامش الأصل: ذو العقال: بضم العين المهملة وتشديد القاف، ويقال بتخفيفها.
(3)
كذا بالأصل، ولعلها:(وفي).
(4)
"المستدرك" 2/ 608.
(5)
في الأصل: رؤية. وفي هامشه: لعلها: رئيت. [قلت: يعني بالتاء المفتوحة على =
وفي "تاريخ دمشق": قاتل عليها في خلافته الخوارج
(1)
.
وعند ابن إسحاق: كانت في منزل عبد الله بن جعفر يحش لها الشعير؛ لأن أسنانها ذهبت، وكانت شهباء. وعند الواقدي: أهداها له فروة الجذامي. وعند المرزباني: لما أهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم طلبه الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما ظفر به صلبه. وفي مسلم: أهدى ابن العَلْمَاء -يعني: يوحنا بن رؤبة- له في تبوك بغلة بيضاء، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم يجيرهم وأهدى له بردًا
(2)
. وعند ابن سعد: وأرسل إليه صاحب دومة بغلة
(3)
.
وفي الثعلبي -بإسناد فيه ضعف- عن ابن عباس: أهدى كسرى بغلةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فركبها (بجُل)
(4)
من شعر وأردفه خلفه. وفيه نظر؛ لأن كسرى مزق كتابه.
وفي "أخلاقه صلى الله عليه وسلم" لأبي الشيخ ابن حَيَّان: عن ابن عباس أن النجاشي أهدى له صلى الله عليه وسلم بغلة؛ فكان يركبها
(5)
، وهو غريب.
وروى الطبري عن ابن عبد الرحيم البرقي: ثنا عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد قَالَ: اسم راية رسول الله صلى الله عليه وسلم: العقاب، وفرسه: المرتجز، وناقته: العضباء والجدعاء، والحمار: يعفور، والسيف:
= جادة الرسم، وقد كان بعض العلماء قديما يكتبون التاء المفتوحة في نهاية الكلمة تاء مربوطة، مثل ما قرئ بخط الجواليقي، وما أثبته سبط ابن العجمي هنا يعد من أمانته العلمية في نقل النسخة التي يأخذ عنها. انظر:"مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمُحْدَثين" أ. د. رمضان عبد التواب].
(1)
"تاريخ دمشق" 4/ 230.
(2)
مسلم (1392/ 11) بعد حديث (2281) كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
"الطبقات الكبرى" 2/ 77.
(4)
كذا بالأصل.
(5)
"أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" 2/ 467 (456)
ذو الفقار، والدرع: ذات الفضول، والرداء: الفتح، والقدح: الغمر.
رابعها: فقه الباب: جوازُ تسمية الدواب بأسماء تخصها غير أسماء أجناسها.
وقوله: ("وإن وجدناه لبحرا") أي: واسع الجري. قَالَ الأصمعي: يقال: فرس بحر وفيض وحث وغمر. وقال نفطويه: معناه كثير الجري لا يفنى جريه كما لا يفنى ماء البحر، فإذا كان ذَلِكَ من فعله صلى الله عليه وسلم في أملاكه وكان الرب جل جلاله قد ندب خلقه إلى الاستنان به والتأسي فيما لم ينْهَهُم عنه، فالصواب لكل من أنعم الله عليه وخوله رقيقًا أو حيوانًا من البهائم أو الطير أو غير ذَلِكَ أن يسميه باسم كما فعل صلى الله عليه وسلم، وعلم بذلك أن المولدين لما ادعوا أنساب الخيل لم يتعدوا في ذلك، إذ كان لها من الأسماء ما لبني آدم تميزوا بها من أعيانها وأشخاصها، إذ الأسماء إما هي أمارات وعلامات يفصل بها بين مسمياتها، وذكر هنا في حديث أبي قتادة: أنه صلى الله عليه وسلم أخذ منه رجل الحمار وأكله، وهو حجة على أحد قولي أبي حنيفة وغيره الذين منعوا المحرم من أكل لحم الصيد وإن لم يصد من أجله.
وفيه: إرداف النبي صلى الله عليه وسلم أفاضل الصحابة. ومعاذ أحد الأربعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت وأُبي وأبو زيد الأنصاري، ويقال: إنه يأتي يوم القيامة يقدم العلماء برتوة
(1)
، مات ابن ثلاث وستين.
(1)
ورد بهامش الأصل: أي برمية سهم. وقيل: بميل. وقيل: مدى البصر، قاله ابن الأثير؛ وفي "صحاح الجوهري": الرتوة: الخطوة، ثم ذكر الحديث، ثم قال: ويقال بدرجة. انتهى.
وفيه: جواز الإرداف على الدابة والحمل عليها ما أقلت ولم يضر بها.
فائدة:
الخيل: جمع لا واحد له وجمعه: خيول، قاله في "المخصص"، وكان أبو عبيد يقول: واحدها خايل لاختيالها، فهو على هذا الاسم للجمع عند سيبويه، وجمع عند أبي الحسن
(1)
.
قَالَ في "المحكم": وقول أبي عبيد ليس بمعروف. قَالَ: وقول أبي ذؤيب:
فتنازلا وتواقفت خيلاهما
…
وكلاهما بَطَلُ اللقاءِ مُخدَّع
ثناه على قولهم: هما لقاحان أسودان وجمالان، والجمع: أخيال عن ابن الأعرابي، والأول أشهر
(2)
.
وقال ابن رضوان أبو عبد الله في "الاحتفال"
(3)
: وقد جاء فيه الجمع أيضًا على أخيل في شعر الحطيئة وإذا صغرت قلتَ: خُيَيْلَة، ولو حذفها لكان وجهًا، والخول -بالفتح-: جماعة الخيل.
(1)
"المخصص" 2/ 81.
(2)
"المحكم" 5/ 159.
(3)
هو أبو يحيى محمد بن رضوان بن محمد بن إبراهيم بن أرقم، الوادي آشي، تولى قضاء بلده وبرشانة المتوفى سنة سبع وخمسين وستمائة. من تصانيفه "الاحتفال في استيفاء ما للخيل من الأحوال"، "رسالة في الإسطرلاب الخطي والعمل به"، "شجرة الأنساب"، "مختصر إحياء علوم الدين للغزالي"، "مختصر غريب المصنف". انظر ترجمته في "بغية الوعاة" 1/ 104 (172):"هدية العارفين" 2/ 126.
47 - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ
2858 -
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: في الفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ". [انظر: 2099 - مسلم: 2225 - فتح: 6/ 60]
2859 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنْ كَانَ فِي شَيءٍ فَفِي المَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ". [5095 - مسلم: 2226 - فتح: 6/ 60]
حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عن أبيه قَالَ: سمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ".
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دَينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قالَ:"إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي المَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ".
الشرح:
الحديثان في مسلم أيضًا ويأتيان في النكاح [أيضًا]
(1)
.
وفي مسلم عن جابر: "إن كان في شيء ففي الربع والفرس والمرأة"
(2)
، يعني: الشؤم. وهو من أفراده.
وروى الترمذي الأول من حديث سفيان عن الزهري، عن سالم وحمزة عن أبيهما، قَالَ: ورواه مالك، عن الزهري فقال: عن سالم
(1)
من (ص 1).
(2)
مسلم (2227) كتاب السلام، باب الطيرة والفأل.
وحمزة
(1)
، ورواه أبو عمر من طريق معمر، عن الزهري، فقال: عن سالم أو حمزة أو كليهما -شك معمر- وفي آخره قَالَ: قالت أم سلمة: والسيف. قَالَ أبو عمر: وقد روى جويرية
(2)
، عن مالك، عن الزهري أن بعض أهل أم سلمة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن أم سلمة كانت تزيد: السيف. يعني في حديث الزهري، عن حمزة وسالم في الشؤم
(3)
.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالشؤم نقيض اليمن وهو الفحش، وروينا في "الحلية" من حديث عائشة مرفوعًا:"الشؤم سوء الخلق" قَالَ أبو نعيم: تفرد به عن حبيب بن عبيد أبو بكر بن أبي مريم
(4)
، وكانت عائشة تنكر الشؤم وتقول: إنما حكاه رسول الله - صلي الله عليه وسلم - عن أهل الجاهلية وأقوالهم.
ثم ذكر بإسناده إلى أبي حسان أن رجلين دخلا عليها فقالا: إن أبا هريرة يحدث أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة" فذكرت كلمة معناها أنه غلط، ولكن كان رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول:"كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في ذلك"
(5)
، ومن طريق أنس مرفوعًا:"لا طيرة، والطيرة على من تطير، وإن يكن في شيء ففي المرأة والدار والفرس"
(6)
.
(1)
الترمذي (2824)، "الموطأ" ص 602 (22).
(2)
علم عليها في الأصل (كذا)، وفي الهامش كتب: كذا هو في أصله، وقد روى جويرية بن أسماء عن مالك، وهو من أقرانه؛ فيحتمل أن يكون ما في الأصل صحيحا ويحتمل أن يكون مصحفا، والله أعلم.
(3)
"التمهيد" 9/ 278 - 279.
(4)
"حلية الأولياء" 6/ 103.
(5)
"التمهيد" 9/ 288 - 289، ورواه أيضا أحمد 6/ 240.
(6)
"التمهيد" 9/ 284، وصححه ابن حبان في "صحيحه" 13/ 492 (6123).
وتخيل بعضهم أن التطير بهذِه الأشياء من قوله: "لا طيرة" وأنه مخصوص بها، فكأنه قَالَ: لا طيرة إلا في هذِه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى ذَلِكَ ابن قتيبة، وعضده بحديث أبي هريرة مرفوعًا:"الطيرة على من تطير".
وسُئل مالك عن تفسير الشؤم في ذَلِكَ فقال: هو كذلك فيما نرى، كم من دار سكنها ناس فهلكوا ثم آخرون من بعدهم فهلكوا.
ويعضده حديث يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، دار سكناها والعدد كثير والمال وافر، فقل العدد وذهب المال، فقال:"دعوها ذميمة"
(1)
، أي: عندكم لاعتيادكم ذلك، فالناس يتطيرون بهذِه الثلاثة أكثر من سواها، ولا يظن بهذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذِه الثلاثة الأشياء هو على ما كانت الجاهلية تعتقد فيها فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه، بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك أن هذِه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها.
فمن وقع في نفسه شيء من ذَلِكَ فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما يغلب به نفسه، ويسكن خاطره له، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو امرأة يكرهها بل قد فسح الله له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله هو الفعال لما يريد. وليس لشيء من هذِه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكر في المجذوم.
(1)
رواه مالك في "الموطأ" ص 602 (23)، عن يحيى بن سعيد مرفوعًا، بانقطاع وصله أبو داود من حديث أنس (3924).
لا يقال: هذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذِه الثلاثة بالذكر؟
لأن الضرورة في الوجود لابد للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا، وأكثر ما يقع التشاؤم في الثلاثة، فكذلك خصت بالذكر.
فإن قلتَ: ما الفرق بين الدار وموضع الوباء الذي منع من الخروج منه؟
قلتُ: الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام، ذكرها بعضهم:
أحدها: ما لا يقع التأذي به ولا اطردت عادة به، فلا يصغى إليه، وقد أنكر الشارع الالتفات إليه كتلقي الغراب في بعض الأسفار أو صراخ بومةٍ في داره، فمثل هذا قَالَ:"لا طيرة ولا تطير" وسيأتي حديث: "لا عدوى ولا طيرة" في الطب
(1)
، وأخرجه جمع من الصحابة منهم ابن عمر -وصححه الترمذي- وابن عباس، أخرجه ابن ماجَهْ
(2)
، ورواه أيضًا ثلاثة عشر صحابيًا أُخَرُ، ذكرهم أبو محمد بن عساكر في "تحقيق المقال في الطيرة والفال": وهذا هو الذي كانت العرب تعمل به.
ثانيها: ما يقع به الضرر عامًّا نادرًا كالوباء، فلا يقدم عليه عملًا بالجزم والاحتياط، ولا يفر منه لاحتمال أن يكون وصل الضرر بها إلى الضار، فيكون سفره زيادة في محنته وتعجيلًا لهلكة.
ثالثها: سبب يخص ولا يعم ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالمذكورات في الحديث، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال.
(1)
سيأتي برقم (5707) باب الجذام، من حديث أبي هريرة.
(2)
ابن ماجه (3539)، من حديث ابن عباس، وبرقم (3540) من حديث ابن عمر.
وثَمَّ تأويلات أُخَرُ للحديث، منها: أن شؤم الدار: ضيقها وسوء جيرانها أو أن لا يسمع فيها أذان، وشؤم المرأة: عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للريبة.
قلتُ: قَالَ عروة: أول شؤمها كثرة مهرها. وشؤم الفرس: ألا يُغزى عليها، وغلاء ثمنها. وشؤم الخادم: سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه.
ووردت هذِه الألفاظ على أنحاء في هذا: إن كان الشؤم ففي كذا الشؤم في كذا، إنما الشؤم في كذا، فالأول: معناه: إن خلقه الله فيما جرى في بعض العادة به فإنما يخلقه في الغالب في هذِه الثلاثة.
والثاني: حصر للشؤم فيها، وهو حصر عادة لا خلقة، فإن الشؤم قد يكون بين الاثنين في الصحبة، وقد يكون في السفر، وقد يكون في الثوب يستجده العبد، ولهذا قَالَ صلى الله عليه وسلم:"إذا لبسَ أحدكم ثوبًا جديدًا فليقل: اللَّهُمَّ إني أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له"
(1)
.
وقال ابن التين في الأولى: قيل: معناه يكون لقوم دون قوم، وذلك كله (بقدرة)
(2)
الله لا على أنها فعالة بنفسها، ولكنها سبب للقضاء والقدر. وقيل: إن الراوي لم يسمع أول الحديث، وهو: الجاهلية تقول: الشؤم في ثلاث. فحكى ما سمع.
وقال الخطابي: المراد: إبطال مذهبهم في التطير والسوانح
(1)
رواه أبو داود (4020)، والترمذي (1767)، من حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا استجد ثوبا قال:"اللهم إني أسألك .. " الحديث.
(2)
في (ص 1): بقدر.
والبوارح، ويكون مجْرى الحديث مجْرى استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من شيء إلى غيره
(1)
.
قَالَ بعض العلماء: وقد يكون الشؤم هنا على غير المفهوم من معنى التطير، لكن بمعنى قلة الموافقة وسوء الطباع كما في الحديث:"من سعادة المرءِ ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوته: المرأة السوء والمسكن السوء".
رواه أحمد من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده
(2)
.
ومن حديث معاوية بن حكيم عن عمه حكيم بن معاوية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا شؤم، وقد يكون اليمن في المرأة والفرس والدار"
(3)
.
وروى يوسف بن موسى القطان: ثَنَا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه يرفعه:"البركة في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار".
وسُئل سالم عن معنى هذا الحديث فقال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان الفرس ضروبًا فهو مشئوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجًا قبل زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشئومة، وإذا كن بغير هذا الوصف فهن مباركات".
ويحتمل - (كما)
(4)
قَالَ أبو عمر- أن يكون قوله: "الشؤم في ثلاث"
(1)
"معالم السنن" 4/ 218.
(2)
أحمد 1/ 168.
(3)
رواه الترمذي (2844/ م 3)، وفي ابن ماجه (1993) عن حكيم بن معاوية، عن عمه مِخْمر بن معاوية.
(4)
من (ص 1).
كان في أول الإسلام ثم نسخ ذَلِكَ وأبطله قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ} [الحديد: 22] الآية
(1)
.
وقال المهلب: حقق في ظاهر اللفظ وهو قوله: "إنما الشؤم في ثلاثة" حين لم يستطع أن ينسخ التطير من نفوس الناس، فأعلمهم أن الذي يتعذبون به من الطيرة لمن التزمها إنما هي في ثلاثة أشياء، وهي الملازمة لهم مثل دار المنشأ والمسكن، والزوجة التي هي ملازمة في حال العسر واليسر، والفرس الذي به عيشه وجهاده وتقلبه، فحكم بترك هذِه الثلاثة الأشياء لمن التزم التطير حين قَالَ في الدار التي سكنت والمال وافر والعدد كثير:"اتركوها ذميمة" خشية أن لا يطول تعذب النفوس مما تكره من هذِه الأمور الثلاثة وتتطير بها، وأما غيرها من الأشياء التي إنما هي خاطرة وطارئة وإنما تحزن بها النفوس ساعة أو أقل، مثل الطائر المكروه الاسم عند العرب يمر برجل منهم، فإنما يعرض له في حين مروره به، فقد أمر صلى الله عليه وسلم في مثل هذا وشبهه لا يضر من عرض له.
وأمر في هذِه الثلاثة بخلاف ذَلِكَ لطول التعذب بها، وقد قَالَ - صلي الله عليه وسلم -:"ثلاث لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق"
(2)
، وسيأتي لنا عودة إلى ذَلِكَ في الطب والنكاح إن شاء الله، وظهر أن لا تعارض بين هذا وبين حديث:"لا طيرة" وإن توهم بعضهم المعارضة، ولله الحمد.
(1)
"التمهيد" 9/ 290.
(2)
رواه الطبراني 3/ 228 (3227)، من حديث حارثة بن النعمان، بنحوه. وانظر:"مصنف عبد الرزاق" 10/ 403 (19504).
48 - باب الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]
2860 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ". وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ:"مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} "[الزلزلة: 7 - 8]. [انظر: 2371 - مسلم: 987 - فتح: 6/ 63]
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ .. " إلى آخره، سلف في أبواب الشرب، واستدل به على عدم أكل الخيل، لكنه ثابت بالسنة:{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] قيل: إنه عام. وقيل: هو السوس في الثياب.
والطِّيل: الحبل الذي تربط به الدابة، ويقال بالواو بدل الياء أيضًا، والمعنى أن فرس المجاهد ليمضي على وجهه في الحبل الذي أطيل له؛ فيكتب له بذلك حسنات.
ومعنى (استنت): أفلتت فمرحت تجري، والاستنان: أن تأخذ في سنن على وجه واحد ماضيًا، وهو يفتعل من السنن، وهو القصد،
ويقال: فلان يستن الريح إذا كان على جهتها وممرها، وأهل الحجاز يقولون: يستنها، ويقال في مثل هذا: استنت الفصال حَتَّى القرعَى تضرب مثلًا للرجل الضعيف يرى الأقوياء يفعلون شيئًا فيفعل مثله
(1)
.
والشَّرَف: ما ارتفع من الأرض.
وقوله: ("ولو أنها مرت بنهر .. ") إلى آخره. قيل: إنما ذَلِكَ لأنه وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم لذلك فيؤجر، ويحتمل أن يريد أنه كره شربها من ماء غيره بغير إذن.
وقوله: ("ونواء") هو بكسر النون والمد، وقال الداودي: هو بفتح النون والقصر. وقال بعض أهل اللغة: هو بكسر النون والمد. وهذا الذي حكاه عن بعضهم هو قول جماعة منهم، قَالَ: النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل نواء ومناوأة: إذا عاديته؛ وأصله من ناء إليك ونؤت إليه. أي: نهضت إليه، ونهض لك. وقال ابن بطال: هو مصدر ناوأت وهي المساواة ثم ذكر المعاداة عن كتاب "العين"
(2)
.
الوزر: الثقل المثقل للظهر.
وقوله: ("الجامعة الفاذة") يعني: جمعت أعمال البر كلها دقيقها وجليلها، وكذلك جمعت أعمال المعاصي، وفاذة: منفردة في معناها، ويقال: فاذة وفذة وفاذ وفذ، ومنه:"تفضل على صلاة الفذ"
(3)
.
ومعنى ذَلِكَ أنها منفردة في عموم الخير والشر لا آية أعم منها، والمعنى أنه من أحسن إلى الحُمر رأى إحسانه في الآخرة، ومن أساء إليها وكلفها فوق طاقتها رأى إساءته في الآخرة.
(1)
انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 108 - 109 (98).
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 63.
(3)
سلف برقم (645) كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، من حديث ابن عمر.
وقوله: ("لم ينزل عليَّ في الحمر إلا هذِه الآية" {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)} [الزلزلة: 7]: فيه تعليم منه لأمته الاستنباط والقياس، وكيف تفهم معاني التنزيل؛ لأنه شبه ما لم يذكر الله وهي الحمر مما ذكره، من عمل مثقال ذرة من خير، إذ كان معناهما واحدًا، وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له ولا فهم عنده؛ لأن هذِه الآية يدخل فيها مع الحمر جميع أفعال البر، ألا ترى إلى فهم عائشة وغيرها من الصحابة هذا المعنى من هذِه الآية حين تصدقوا بحبة عنب وقالوا: كم فيها من مثاقيل الذر.
وفيه من الفقه: أن الأعمال لا يؤجر المرء في اكتسابها لاعبًا بها، وإنما يؤجر بالنية الخالصة في استعمال ما ورد الشرع بالفضل في علمه؛ لأنها خيل كلها، وقد اختلف أحوال مكتسبها لاختلاف النيات فيها.
وفيه: أن الحسنات تكتب للمرء إذا كان له فيها سبب وأصل تفضلًا من الله على عباده المؤمنين؛ لأنه ذكر حركات الخيل ونقلها ورعيها وروثها، وأن ذَلِكَ حسنات للمجاهد.
49 - باب مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الغَزْوِ
2861 -
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سَافَرْتُ مَعَهُ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ -قَالَ أَبُو عَقِيلٍ: لَا أَدْرِي غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةً- فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلْنَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ". قَالَ جَابِرٌ: فَأَقْبَلْنَا وَأَنَا عَلَى جَمَلٍ لِي أَرْمَكَ لَيْسَ فِيهِ شِيَةٌ، وَالنَّاسُ خَلْفِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"يَا جَابِرُ اسْتَمْسِكْ". فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً، فَوَثَبَ البَعِيرُ مَكَانَهُ، فَقَالَ:"أَتَبِيعُ الجَمَلَ". قُلْتُ نَعَمْ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ في طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ. فَقُلْتُ لَهُ هَذَا جَمَلُكَ. فَخَرَجَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ وَيَقُولُ:"الْجَمَلُ جَمَلُنَا". فَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: "أَعْطُوهَا جَابِرًا". ثُمَّ قَالَ: "اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ". قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: "الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ". [انظر: 443 - مسلم: 715 - فتح: 6/ 65]
ذكر فيه حديث جابر السالف في الصلاة (وغيره)
(1)
.
و (أبوعقيل) بفتح العين، واسمه: بشير بن عقبة الدورقي الناجي.
و (أبو المتوكل الناجي) اسمه (علي بن دواد)
(2)
، وقيل: ابن داود.
وقوله: (وأنا على جمل لي أرمك ليس فيه شية). الأرمك من الإبل: ما في لونه غبرة يخالطها سواد، وذلك اللون هو الرمك والرمكة، والجمل أرمك، وعبارة الأصمعي فيما حكاه أبو عبيد: إذا خالط
(1)
علم عليها في صلب الأصل (كذا) وفي الهامش: لعله (وغيرها).
(2)
كذا في الأصل، وفي حاشيتها: في أصله عمر بن داود، وقيل: ابن داود، والذي أعرفه في اسم أبي المتوكل: على بلا خلاف، واسم أبيه فيه قولان، أحدهما: داود، والثاني: دواد.
وفي (ص 1): عمر بن داور.
حمرته سواد فتلك الرمكة، وبعير أرمك، وناقة رمكاء. وقال صاحب "العين": الرمكة: لون في وُرْقةٍ وسواد
(1)
، والوُرْقة شبه بالغبرة. وعن ابن دريد: الرمك كل شيء خالطت غبرته سوادًا كدرًا
(2)
. وفي "الكفاية": وقال حنيف الحناتم: العمرة صبرى، والرمكة: بهيا، والخوارة: غزرى، والصهباء: سرعى. وقيل: الرمكة: الرماد. وقال صاحب "المطالع": يقال: أربك بالباء الموحدة أيضا، والميم أشهر.
وقوله: (ليس فيه شية). أي: لمعة من غير لونه. قَالَ صاحب "العين": الشية: لمعة من سواد أو بياض
(3)
. وعبارة غيره: بياض فيما يخالفه من الألوان، وكذلك السواد في البياض. وعن قتادة في قوله تعالى:{لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71] لا عيب، وأصلها من الوشي، وهي محذوفة الفاء كما حذفت في دية وعدة، وجمعها شيات.
وقوله: (إذ قام عليَّ). أي: الجمل، معناه: وقف من الإعياء والكلال، قَالَ تعالى:{وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20] أي: وقفوا. وفيه تفسير آخر، قَالَ أبو زيد: يقال: قام بي ظهري أي: أوجعني، وكل ما أوجعك من جسدك فقد قام بك، والمعنى متقارب.
وفيه: المعونة في الجهاد لسوق الدابة وقودها، وقد رأي صلى الله عليه وسلم رجلاً يحط رحل رجل ضعيف فقال:"ذهب هذا بالأجر". يعني المعين، وكذلك المعين في سوقها يؤجر عليه.
وفيه: جواز إيلام الحيوان لما يصلحه والحمل عليها بعض ما يشق
(1)
"العين" 5/ 371.
(2)
"جمهرة اللغة" 2/ 798.
(3)
الذي في "العين" 6/ 298: الشية: بياض في لون السواد، أو سواد في لون البياض.
بها؛ لأنه جاء أنه أعيى فإذا ضرب (المعنى)
(1)
فقد كلف ما يشق عليه، وإذا صح هذا فكذا يجوز أن يكلف العبد والأمة بعض ما يشق عليهما إذا كان في طاقتهما ووسعهما، ويؤدبا على تقصيرهما فيما يلزمهما من الخدمة.
وفيه: أن السلطان قد يتناول الضرب بيده؛ لأنه إذا ضرب الدابة فأحرى أن يضرب الإنسان الذي يعمل تأديبًا له.
وفيه: بركة الشارع؛ لأنه ضربه فأحدث الله له بضربه قوة، وأذهب عنه الإعياء.
قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في المكتري يضرب الدابة فتموت، فقال مالك: إذا ضربها ضربًا لا تضرب مثله، أو حيث لا تقدر ضمن. وبه قَالَ أحمد وإسحاق وأبو ثور، قالوا: إذا ضربها (ضربا)
(2)
يضرب صاحبها مثله ولم يتعد فليس عليه شيء. واستحسن هذا القول أبو يوسف ومحمد، وقال الثوري وأبو حنيفة: هو ضامن إلا أن يكون أمره أن يضرب.
(3)
والقول الأول أولى كما قَالَ ابن بطال، وعليه يدل الحديث؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يضرب الجمل إلا مما يشبه أن يكون أدبًا له مثله ولم يقعد عليه، فكان ذَلِكَ مباحًا، فلو مات الجمل من ذَلِكَ لم يضمنه؛ لأنه لم يكن متعديًا، والضمان في الشريعة إنما يلزم بالتعدي
(4)
.
(1)
كذا في الأصل، وفي الهامش: لعله: (المعين).
(2)
من (ص 1).
(3)
"الإشراف" 2/ 109.
(4)
"شرح ابن بطال" 5/ 66.
50 - باب الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ وَالْفُحُولَةِ مِنَ الخَيْلِ
وَقَالَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ الْفُحُولَةَ مِنَ الخَيْلِ لأَنَّهَا أَجْرَى وَأَجْسَرُ.
2862 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ:"مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". [مسلم: 2307 - فتح: 6/ 66]
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ:"مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا".
وقد سبق غير مرة، وأثر راشد حكاه غيره عن أنس عنهم.
و (أحمد) هذا هو ابن محمد بن موسى مردويه، كما قاله الحاكم، أو ابن محمد بن ثابت شبويه، كما قاله الدارقطني.
وفيه: أن ذكور الخيل أفضل للركوب من الإناث لشدتها وجُرْأَتِها، ومعلوم أن المدينة لم تخل من إناث الخيل، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ولا جملة أصحابه أنهم ركبوا غير الفحول، ولم يكن ذَلِكَ إلا لفضلها على الإناث، إلا ما ذكر عن سعد بن أبي وقاص أنه كان له فرس أنثى بَلْقَاء، نبه عليه ابن بطال
(1)
، وذكر سيف في "الفتوح": أنها التي
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 66.
ركبها أبو محجن حين كان عند سعد مُقَيَّدًا بالعراق، وفي "سنن الدارقطني": عن المقداد قَالَ: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر على فرس لي أنثى
(1)
.
وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى؛ لأنها تدفع البول وهي تجري، والفحل يحبس البول في جوفه حَتَّى يَنْفَتِق؛ ولأن الأنثى أقل صهيلاً، وروى الوليد، عن إسماعيل، عمن أخبره، عن عبادة بن نسيًّ -أو ابن محيريز- أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات. ولما خفي من أمور الحرب، وكانوا يستحبون فحول الخيل في الصفوف والحصون (والمتستر)
(2)
من العسكر، ولما ظهر من أمور الحرب، وكانوا يستحبون خصيان الخيل في الكمين والطلائع؛ لأنها أصبر وأبقى في الجهد، وروى أبو عبد الرحمن، عن معاذ بن العلاء، عن يحيى بن أبي كثير رفعه:"عليكم بإناث الخيل، فإن ظهورها عز وبطونها كنز". وفي لفظ: "ظهورها حرز".
وقوله: ("وإن وجدناه لبحرا") أي: واسع الجري كما سلف، و (إن) في قول الكوفيين بمعنى (ما)
(3)
، والسلام بمعنى (إلا) وهي عند البصريين مخففة من الثقيلة.
(1)
"سنن الدارقطني" 4/ 102.
(2)
كلمة غير واضحة بالأصل وعليها: كذا ولعلها ما أثبتناه.
(3)
من (ص 1).
51 - باب سِهَامِ الفَرَسِ
2863 -
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أبي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلصَاحِبِهِ سَهْمًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْهَم لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] وَلَا يُسْهَمُ لأكثَرَ مِنْ فَرَسٍ. [4228 - مسلم: 1762 - فتح: 6/ 67]
وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] وَلَا يُسْهَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ.
وذكر فيه حديث أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه الدارقطني من حديث حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع .. فذكره، وفيه: للفارس سهمين وللراجل سهمًا
(1)
.
ومن حديث ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة وابن نمير قالا: ثَنَا عبيد الله، عن نافع بمثله
(2)
. قَالَ الرمادي: كذا يقول ابن نمير.
وقال أبو بكر النيسابوري شيخ الدارقطني: هذا عندي وَهَمٌ من ابن أبي شيبة أو من الرمادي؛ لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير بخلاف هذا.
قلتُ: ورواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبة كما سلف، ولفظه: جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا. ثم ساقه الدارقطني من حديث نعيم بن حماد، ثَنَا ابن المبارك عن عبيد الله، وفيه: أسهم للفارس
(1)
"سنن الدارقطني" 4/ 104.
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 492 (33159).
سهمين وللراجل سهمًا. قَالَ أحمد بن منصور: كذا لفظ أبي نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قَالَ النيسابوري: لعل الوَهَمَ من نعيم
(1)
. ورواه القعنبي عن ابن وهب عن عبيد الله بالشك في الفارس أو الفرس.
قَالَ ابن حزم: رواه عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ: جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا
(2)
.
وفي الباب أحاديث:
أحدها: حديث مُجمِّع بن جارية قَالَ: شهدت الحديبية وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وقسمت خيبر على أهل الحديبية فأعطى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - الفارس سهمين والراجل سهمًا. رواه أبو داود عن محمد بن يحيى عن مُجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع: سمعت أبي، عن عمه عبد الرحمن بن زيد، عن مُجمِّع بن جارية، به.
قَالَ أبو داود: وحديث أبي معاوية أصح والعمل عليه. (يعني)
(3)
: أنَّ الوَهَمَ في حديث مجمع ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتين
(4)
، كما في حديث أبي معاوية؛ ولهذا قال البيهقي: حديث مجمِّع خولف فيه، ففي حديث جابر أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وفي حديث صالح بن كيسان وبشير بن يسار: كان الخيل مائتي فرس
(5)
.
وأعلَّهُ ابن حزم بمجمِّع بن يعقوب؛ فقال: مجهولان
(6)
؛ وأخطأ
(1)
"سنن الدراقطني" 4/ 106.
(2)
"المحلى" 7/ 330.
(3)
لعلها: وأرى.
(4)
أبو داود (2736).
(5)
"سنن البيهقي" 6/ 326.
(6)
"المحلى" 7/ 330.
فمجمِّع روى عنه جماعة، منهم قتيبة والقعنبي، ووثقوه، منهم ابن معين، وأبوه روى عنه ابن أخيه أيضًا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمِّع، وعبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، وذكره ابن حبان في "ثقاته"
(1)
.
ثانيها: حبيب بن أبي عمرة، عن أبيه. قَالَ: أتينا النبي - صلي الله عليه وسلم - أربعة نفر، فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن المسعودي، عن ابن أبي عمرة، عن أبيه به
(2)
، وأخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، عن جده بشير بن عمرو بن محصن قَالَ: أسهم لي النبي صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم ولي سهمًا، فأخذت خمسة
(3)
.
ثالثها: حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده قَالَ: ضرب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - عام خيبر للزبير أربعة أسهم: سهم للزبير، وسهم لصفية، وسهمين للفرس. رواه النسائي من حديث يحيى به
(4)
، ورواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن عياش، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير
(5)
.
رابعها وخامسها: رواه أحمد من حديث ياسين بن معاذ، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر وطلحة بن عبيد الله والزيير قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسهم للفرس سهمين.
سادسها: رواه الدارقطني من حديث أبي الوليد بن برد الأنطاكي: ثَنَا
(1)
"الثقات" 7/ 498.
(2)
أبو داود (2734).
(3)
"سنن الدارقطني" 4/ 104.
(4)
النسائي 6/ 228.
(5)
"سنن الدارقطني" 4/ 109 - 110.
الهيثم بن جميل: ثَنَا قيس: ثَنَا محمد بن علي السلمي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي حازم مولى أبي رهم قَالَ: غزونا أنا والنبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي ومعنا فرسان، فأعطانا ستة أسهم: أربعة لفرسينا وسهمين لنا
(1)
.
سابعها: رواه الدارقطني أيضًا من حديث محمد بن الحسين الحنيني: ثَنَا معلي بن أسد: ثَنَا محمد بن حمران، عن عبد الله بن بسر، عن أبي كبشة الأنماري قَالَ: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إني جعلت للفرس سهمين وللفارس سهمًا، فمن نقصهما نقصه الله -جل وعز-"
(2)
.
ثامنها: رواه أيضًا من حديث قريبة بنت عبد الله، عن أمها بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزبير، عن المقداد قَالَ: أسهم لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سهمًا ولفرسي سهمين
(3)
.
تاسعها: رواه أيضًا من حديث يحيى بن أيوب قَالَ: قَالَ لي إبراهيم عن كثير مولى بني مخزوم، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم لمائتي فرس (بحنين)
(4)
سهمين سهمين
(5)
.
عاشرها: رواه أيضًا من حديث محمد بن يزيد بن سنان: ثَنَا أبي: ثَنَا هشام بن عروة، عن أبي صالح، عن جابر قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة فأعطى الفارس منا ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهمًا
(6)
.
(1)
"سنن الدارقطني" 4/ 101.
(2)
"سنن الدارقطني" 4/ 101.
(3)
"سنن الدارقطني" 4/ 102.
(4)
تحرفت في الأصل إلى (بخيبر)، والمثبت من مصدر التخريج.
(5)
"سنن الدارقطني" 4/ 103.
(6)
"سنن الدارقطني" 4/ 105.
الحادي عشر: رواه أيضًا من حديث الواقدي: ثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جده أنه شهد حنينًا مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فأسهم لفرسه سهمين وله سهمًا.
قَالَ محمد بن عمر: وحَدَّثنَا أبو بكر بن يحيى بن النضر، عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول: أسهم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - للفرس سهمين ولصاحبه سهما
(1)
، وهذا هو الثاني عشر.
الثالث عشر: رواه البيهقي من حديث الزنبري عن مالك عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قَالَ: أعطى النبي - صلي الله عليه وسلم - الزبير يوم (حنين)
(2)
أربعة أسهم: سهمين للفرس، وسهمًا له، وسهمًا للقرابة، ثم قَالَ: هذا من غرائب الزنبري عن مالك، وإنما يعرف بإسناد يحيى بن عبد الله بن الزبير يعني السالف. قَالَ: وفيه كفاية
(3)
.
وفي "مراسيل أبي داود" من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من أهل مكة أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قسم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهمًا، وللدارع سهمين
(4)
.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ قَالَ الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ورسوله قد قسم للفارس ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه، واتباعه وطاعته فرض، وكذا فعله عمر بن الخطاب وعلي، ولا مخالف لهما من الصحابة، وهو قول عامة العلماء قديمًا، وحَديثًا غير أبي حنيفة فإنه قَالَ: لا يسهم للفرس إلا سهم واحد، وقال: أكره
(1)
"سنن الدارقطني" 4/ 111
(2)
تحرفت في الأصل إلى (خيبر)، والمثبت من مصدر التخريج.
(3)
"سنن البيهقي" 6/ 326 - 327.
(4)
"المراسيل" ص 228 (290).
أن أفضل بهيمة على مسلم. وخالفه أصحابه، فبقي وحده، وخالفه العلماء الثلاثة: الشافعي ومالك وأحمد، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن
(1)
، وذكر المنذري أن قوله روي عن علي وأبي موسى.
وقال ابن حزم: روى ليث عن الحكم أن أول من جعل للفرس سهمين عمر بن الخطاب
(2)
.
قَالَ ابن سحنون: ما أرى أن يدخل قول أبي حنيفة هذا في الاختلاف لمخالفته جميع العلماء
(3)
، وما ذكره من تفضيل الفرس على المسلم شبهة ضعيفة؛ لأن السهام كلها في الحقيقة للرجل، وحجته رواية المقداد أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه يوم بدر سهمًا له وسهمًا لفرسه، وجوابه أن ما سلف أكثر، فهو أولى، ولأنه متأخر (فهو)
(4)
ينسخ المتقدم، ذكره ابن التين.
وما نقله البخاري عن مالك هو في "موطئه" بزيادة: والبراذين والهَجِين من الخيل إذا أجازها الوالي
(5)
. وبقول مالك يقول أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور أنه يسهم للبراذين والهجين؛ لأنها من الخيل فيسهم (لها)
(6)
(7)
.
وقال الليث: لهما سهم دون سهم الفرس ولا يلحقان بالعراب.
(1)
"مختصر اختلاف العلماء" 3/ 437.
(2)
"المحلى" 7/ 331.
(3)
"النوادر الزيادات" 3/ 157.
(4)
في (ص 1): ليس.
(5)
"الموطأ" ص 283.
(6)
انظر: "الهداية" 2/ 438 - 439، "الأوسط" 11/ 160 - 162. "البيان" 12/ 211 - 213، "الشرح الكبير" 10/ 257 - 261.
(7)
في (ص 1): له.
وقال ابن المناصف: وأول من أسهم للبِرْذَوْن رجل من هَمْدَان يقال له: المنذر الوادِعي، وكتب بذلك إلى عمر فأعجبه، فجرت سنة للخيل والبراذين، وفي ذَلِكَ يقول شاعرهم:
ومِنَّا الذي قَدْ سَنَّ في الخيل سُنَّةً
…
وكانت سواءً قبلَ ذاك سهامُها
وفي "مراسيل أبي داود" عن مكحول أنه صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر وعرب العربي، للعربي سهمان، وللهجين سهم
(1)
.
قَالَ عبد الحق: وروي موصولاً بزيادة زياد بن (جارية)
(2)
عن حبيب بن (سلمة)
(3)
مرفوعًا، والمرسل أصح
(4)
، وروى مكحول: أول من أسهم للبرذون خالد بن الوليد، قسم لها نصف سهمان الخيل، وبه قَالَ أحمد. قَالَ ابن المناصف: وروي أيضًا عن الحسن.
وقال مكحول: لا شيء للبراذين، وهو قول الأوزاعي
(5)
.
قَالَ ابن حزم (للراجل)
(6)
وراكب البغل والحمار والجمل سهم واحد فقط، وهو قول مالك والشافعي وأبي سليمان.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان: له سهم ولفرسه أو لسائر ما ذكرنا سهم، (وهو قول أبي موسى الأشعري. وقال أحمد: للفارس ثلاثة أسهم)
(7)
، ولراكب البعير سهمان
(8)
، واحتج مالك في "الموطأ" بالآية السالفة
(9)
.
(1)
"المراسيل " ص 227 (287).
(2)
في (ص 1): حارثة.
(3)
في (ص 1): مسلمة.
(4)
"الأحكام الوسطى" 3/ 82.
(5)
"مختصر اختلاف العلماء" 3/ 440.
(6)
من (ص 1).
(7)
من (ص 1).
(8)
"المحلى" 7/ 330.
(9)
"الموطأ" ص 283.
واسم الخيل يقع على الهجين والبراذين، وهي تغني غناها في كثير من المواضع، فمن زعم فرقا بينهما فعليه الدليل، واحتج مالك أيضًا بقول سعيد بن المسيب أنه سئل: هل في البراذين صدقة؟ قَالَ: وهل في الخيل صدقة
(1)
؟
وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي إلى أنه لا يسهم لأكثر من فرس الذي يقاتل عليه، وبه قَالَ أهل الظاهر. وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف والليث وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين. وهو قول ابن وهب وابن الجهم من المالكية، ونقله ابن أبي عاصم عن الحسن ومكحول وسعيد بن عثمان. قَالَ ابن الجهم: أنا بريء من قول مالك، فإنه لم (يشاهد فيشاهد)
(2)
الحال، ولعله ذهب هذا عليه
(3)
.
قَالَ القرطبي: فلم يقل أحد: إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئًا روي عن سليمان بن موسى الأشدق قَالَ: يسهم لمن عنده أفراس، لكل فرس سهمان، وهو شاذ
(4)
.
وحجة القول الأول أنهم أجمعوا على أن سهم فرس واحد يجب مع ثبوت الخبر بذلك عن رسول الله، فثبت القول به إذ هو سُنة وإجماع، ووجب التوقف عن القول بأكثر من ذَلِكَ إذ لا حجة مع القائلين به، وعن مالك فيما ذكره ابن المناصف: إذا كان المسلمون في سفن
(1)
"الموطأ" ص 283.
(2)
في (ص 1): ينبأ حديث هذا.
(3)
انظر: "بدائع الصنائع" 7/ 126، "الموطأ" ص 283، "النوادر والزيادات" 3/ 158، "الأم" 7/ 311، "الأوسط" 11/ 157 - 158، "المحلى" 7/ 331.
(4)
"المفهم" 3/ 559.
فلقوا العدو فغنموا، أنه يضرب للخيل التي معهم في السفن بسهمهم، وهو قول الشافعي والأوزاعي وأبي ثور.
وقال بعض الفقهاء: القياس أنه لا يسهم لها.
واختلف في الفرس يموت قبل حضور القتال، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا يسهم له إلا إذا حضر القتال.
(1)
وقال مالك وابن القاسم وأشهب وعبد الملك بن الماجشون: بالإدراب يستحق الفرس الإسهام. وإليه ذهب ابن حبيب، (قَالَ)
(2)
: ومن حطم فرسه أو كسر بعد الإيجاف أسهم له. قَالَ مالك: ويسهم للرهيص من الخيل وإن لم يزل رهيصًا من حين دخل إلى (حين)
(3)
خرج بمنزلة الإنسان المريض
(4)
، وقاله ابن الماجشون وأشهب وأصبغ.
وقال اللخمي: وروي عن مالك أنه لا يسهم للمريض من الخيل.
(5)
وقال الأوزاعي في رجل دخل دار الحرب بفرسه ثم باعه من رجل دخل دار الحرب راجلاً، وقد غنم المسلمون غنائم قبل شرائه وبعده أنه يسهم للفرس فما غنموا قبل الشراء للبائع، وما غنموا بعد الشراء فسهمه للمشتري، فما اشتبه من ذَلِكَ قسم بينهما. وبه قَالَ أحمد وإسحاق.
(6)
قَالَ ابن المنذر: وعلى هذا مذهب الشافعي إلا فيما اشتبه، فمذهبه أن يوفر الذي أشكل من ذَلِكَ بينهما حَتَّى يصطلحا
(7)
.
(1)
انظر: "الأوسط" 11/ 164، "البيان" 12/ 214، "الشرح الكبير" 10/ 264 - 265.
(2)
من (ص 1).
(3)
من (ص 1).
(4)
"النوادر والزيادات" 3/ 159.
(5)
انظر: "المنتقى" 3/ 196.
(6)
انظر: "الشرح الكبير" 10/ 266 - 269، "الإنصاف" 10/ 266.
(7)
"الأوسط" 11/ 164.
وقال أبو حنيفة: إذا دخل أرض العدو غازيًا راجلًا ثم ابتاع فرسًا يقاتل عليه وأحرزت الغنيمة وهو فارس، أنه لا يضرب له إلا بسهم راجل
(1)
.
فائدة:
في قسمته صلى الله عليه وسلم للفرس سهمين حض على إكساب الخيل واتخاذها، لما جعل الله فيها من البركة في إعلاء (كلمة الله)
(2)
وإعزاز حزبه، وليعظم شوكة المسلمين بالخيل الكثير. قَالَ تعالى:{وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].
فائدة:
(البرذون)
(3)
كما قَالَ ابن حبيب هو: العظيم. يريد: الجافي الخلقة العظيم الأعلى، وليست العراب كذلك فإنها أضمر وأرق أعضاء وأعلى خلقة. قَالَ ابن التين: والمعروف من قول مالك أن البراذين كالخيل. وقد سلف ذلك.
وقال ابن حبيب: إذا اشتبهت الخيل في القتال عليها والطلب أسهم لها. قَالَ في "المعونة": لأنها (تراد للشعاب)
(4)
والجبال بخلاف الخيل، والهجين، والبراذين: خيل الروم والفرس
(5)
.
قَالَ غيره: وهو الذي أبوه نبطي وأمه نبطية.
قَالَ ابن فارس: اشتقاق البرذون من برذن الرجل برذنة إذا ثقل
(6)
.
(1)
انظر: "بدائع الصنائع" 7/ 127، "فتح القدير" 5/ 500.
(2)
في (ص 1): (كلمته).
(3)
من (ص 1).
(4)
في (ص 1): زاد للسفار.
(5)
"المعونة" 1/ 403.
(6)
"مجمل اللغة" 1/ 142.
وقال مكحول والأوزاعي: لا يسهم إلا للعربي، وهي عند مالك كالخيل كما سلف.
واستدلال مالك بالآية لأن اسم الخيل جِ يتناول البراذين؛ لأنه تعالى قَالَ: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] فكأنه تعالى استوعب ذكر جميع الحيوان المشار إلى ركوبه والحمل عليه لتعدد النعمة منه علينا، فذكر الأنعام وما يحمل عليه منها ثم ذكر الثلاثة، فكأنه استوعب هذا الجنس ولم يذكر البراذين ولا الهجين، فدل على أن اسم الخيل يتناولها
(1)
. وقيل: في قول مالك: (يسهم للخيل، والبراذين منها). أن حكمهما واحد وإن لم يتناولها اسم الخيل لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الأشعريين إذا (أملقوا)
(2)
جمعوا أزوادهم فتساووا فيها، فهم مني وأنا منهم"
(3)
، لم يرد أنه منهم في النسب ولا أنهم من قريش، وإنما أراد أن خلقهم في المساواة أقرب إلى خلقه العظيم
(4)
.
(1)
انظر: "الموطأ" ص 283.
(2)
كذا في الأصل، وفي "الصحيح": أرملوا.
(3)
سلف برقم (2486) كتاب: الشركة، باب: الشركة في الطعام، من حديث أبي موسى، ورواه مسلم (2500) كتاب:"فضائل الصحابة" باب: من فضائل الأشعريين رضي الله عنهم.
(4)
ورد بهامش الأصل: أعلم أن العربي الذي أبواه عربيان، وعكسه البرذون.
والهجين: هو مَنْ أبوه عربي وأمه عجمية، والمقدف عكسه. والله أعلم.
52 - باب مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ في الحَرْبِ
2864 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:
"أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ
…
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ".
[2874، 2930، 3042، 4315، 4316، 4317 - مسلم: 1776 - فتح: 6/ 69]
ذكر فيه حديث أَبِي إِسْحَاقَ قال: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لكن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى الغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَام، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ وَإنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:
"أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ
…
أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْ"
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به
(1)
.
وذكره البخاري في موضع آخر: فنزل واستنصر
(2)
.
(1)
مسلم (1776/ 79) كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين.
(2)
سيأتي برقم (2930) باب من صف أصحابه عند الهزيمة.
وفي موضع آخر: قال إسرائيل وزهير: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته
(1)
، وفي رواية قال البراء: رجل من قيس
(2)
.
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدها: (حنين) بالحاء المهملة: وادٍ بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف قاله الواقدي.
وقال البكري: بضعة عشر ميلاً، والأغلب فيه التذكير؛ لأنه اسم ماء، وربما أنثته العرب جعلته اسمًا للبقعة، وهو وراء عرفات، سمي بحنين بن قانية بن مهلاييل
(3)
.
وقال الزمخشري: هو إلى جَنْبِ ذِي المَجَازِ، وتأتي في الغزوات، وكانت سنة ثمان، وسببها أنه لما أجمع عليه السلام على الخروج من مكة لنصرة خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم، فاستعدوا للحرب حتى أتوا سوق ذي المجاز فسار عليه السلام حتى أشرف على وادي حنين مساء ليلة الأحد، ثم صابحهم يوم الأحد نصف شوال.
ثانيها: قوله: (ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر) هذا معلوم من حاله وحال الأنبياء؛ لفرط إقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله في رغبتهم في الشهادة ولقائه، ولم يثبت عن واحد منهم -والعياذ بالله- أنه فر، ومن قال ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، ولم يستتب عند مالك؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه كان أسودَ أو أعجميًّا؛ لإنكاره ما علم من وصفه قطعًا وذلك كُفْرٌ.
(1)
سيأتي برقم (4317) كتاب المغازي، باب قول الله تعالى:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} .
(2)
سيأتي برقم (4317).
(3)
"معجم ما استعجم" 2/ 471 - 472.
قال القرطبي: وحُكِيَ عن بعض أصحابنا الإجماعُ على قتل من أضاف إليه نقصًا أو عيبًا، وقيل: يستتاب فإن تاب وإلا قتل
(1)
.
وقال ابن بطال: من زعم أنه انهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله بالعصمة من الناس، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه كافر إن لم يتأول ويعذر بتأويله، وستكون لنا عودة إليه قريبًا في باب: من صف أصحابه عند الهزيمة
(2)
.
والذين فروا يومئذ إنما فتحه عليهم من كان في قلبه مرض من مسلمة الفتح المؤلفة ومشركيها، والذين لم يكونوا أسلموا، والذين خرجوا لأجل الغنيمة، وإنما كانت هزيمتهم فجأة.
ثالثها: ركوبه يومئذ بغلتَهُ البيضاءَ هو النهاية في الشجاعة والثبات، لاسيما في نزوله عنها وتقدمه يركض على بغلته إلى جمع المشركين حين فر الناس، وليس معه إلا اثنا عشر نفرًا، وكان العباس وأبو سفيان -كما ذكر هنا، وهو ابن الحارث كما سيأتي- آخذين بلجامها يمنعانها، ففي مسلم: كانت بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة
(3)
، وفي لفظ: كانت شهباء
(4)
.
وعند ابن سعد: كان راكبا دلدل التي أهداها له المقوقس
(5)
.
(1)
"المفهم" 3/ 621.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 69.
(3)
مسلم (1775) كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين، من حديث العباس بن عبد المطلب.
(4)
رواه أحمد 1/ 207، والنسائي في "الكبرى" 5/ 194 (8647)، من حديث العباس.
(5)
"الطبقات الكبرى" 1/ 491.
فيجوز أن يكون ركوبه متعددًا بعد أن نزل.
رابعها: قوله: ("أنا النبي لا كذب") كان بعض العلماء يرويه "لا كذبَ" بنصب الباء ليخرجه عن وزن الشعر، حكاه ابن التين، وقد قيل: إنما قيل: أنت النبي لا كذب، أنت ابن عبد المطلب فقال حكايته قولهم "أنا النبي لا كذب".
وفيه: إثبات النبوة، أي: أنا ليس بكاذب فيما أقول، فيجوز عليّ الانهزام، وإنما ينهزم من ليس على يقين من النصرة وهو على خوف من الموت، والشارع على يقين من النصرة مما أوحى الله إليه في كتابه وأعلمه أنه لابد له من كمال هذا الأمر، فمن زعم بعد هذا أنه انهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله أن الله يعصمه، وقد سلف حكمه.
خامسها: إن قلت: نهى عن الافتخار بالآباء وقال هنا ما قال، قلت: عنه قولان:
أحدهما: أنه أشار بذلك إلى رؤية رآها عبد المطلب دالة على نبوته مشهورة عند العرب فأخبر بها قريشًا، فعبرت بأن سيكون له ولد يسود الناس ويهلك أعداؤه على يديه، وكان أمر تلك الرؤيا مشهورة في قريش، فذكرهم بقوله هذا أمر تلك الرؤيا؛ ليقوى بذلك من انهزم من أصحابه فيرجعوا وليثقن بأن الظفر لهم.
ثانيها: أنه أشار بذلك إلى خبر نقل عن سيف بن ذي يزن أنه أخبر عبد المطلب وقت وجوده، وأنه في جماعة قريش وهو أن يكون في ولده.
وعنه: جواب ثالث: لشهرة جده فإنها أكبر من شهرة والده؛ لأنه توفي شابًّا في حياة أبيه، وكان كثيرا ما ينسب إليه عملًا بالعادة في الشهرة؛ ولهذا قال ضمام بن ثعلبة لما وفد عليه قال: أيكم ابن
عبد المطلب
(1)
؟
سادسها: فيه: خدمة السلطان في الحرب، وسياسة دوابه لأشراف الناس من قرابته وغيرهم.
وفيه: جواز الانتماء في الحرب، وإنما كره من ذلك ما كان على وجه الافتخار في غير الحرب؛ لأنه رخص في الخيلاء فيه مع نهيه عنهما في عرفنا، وفي الترمذي محسنًا عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين موليتين وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مائة رجل
(2)
.
ولعله عند البلاء حق كما قال ابن إسحاق، وعند الزبير ممن ثبت منهم يومئذ عتبة ومعتب ابنا أبي لهب. ولابن إسحاق: وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وعلى والفضل بن العباس وأسامة وقثم بن العباس وأيمن بن أم أيمن -وقتل يومئذ- وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب
(3)
، وعقيل بن أبي طالب فيما ذكره ابن الأثير
(4)
، وأم سليم أم أنس بن مالك. قال العباس:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة
…
وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه
…
لما مسه في الله لا يتوجع
ويروى: سبعة وثامننا.
وقال العباس -فيما رواه ابن أبي عاصم في "الجهاد"- شهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين وما معه إلا أنا وأبو سفيان
(5)
.
(1)
سلف برقم (63) كتاب العلم، باب ما جاء في العلم.
(2)
الترمذي (1689).
(3)
"سيرة ابن هشام" 4/ 72.
(4)
"أسد الغابة" 4/ 64.
(5)
لم أجده في "الجهاد"، ورواه أحمد 1/ 207.
فإن قلتَ: كيف فر القوم، وهو كبيرة؟
قلتُ: ذاك أن ينوي عدم العود عند وجدان القوة، وأما من تحيز إلى فئة أو كان فراره لكثرة عدد العدو أو نوى العود إذا أمكنه فلا محذور فيه ولا داخل في الوعيد، ولقد قال تعالى في حق هؤلاء:{ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 26].
وفيه: جواز الأخذ بالشدة، والتعرض للهلكة في سبيل الله؛ لأن الناس فروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، والمشركون في أضعافهم عددًا جرارًا كثيرًا فلزموا مكانهم ومصافهم، ولم يأخذوا بالرخصة من الفرار.
وفيه: ركوب البغال في الحرب للإمام كما سلف؛ ليكون أثبت له؛ ولئلا يظن به الأستعداد للفرار والتولي، وهو من باب السياسة لنفوس الأتباع؛ لأنه إذا ثَبَتَ ثَبَتَ أتباعه، وإذا ربي منه العزم على الثبات عزم معه عليه.
53 - باب الرِّكَابِ وَالْغَرْزِ لِلدَّابَّةِ
2865 -
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ. [انظر: 166 - مسلم: 1187، 1267 - فتح: 6/ 69]
ذكر فيه حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ. وقد سلف في الحج
(1)
.
والغرز للرحل بمنزلة الركاب للسرج؛ ليستعين به الراكب عند ركوبه ويعتمد عليه وهو شيء قديم معروف عندهم، وهذا يفسر ما جاء عن عمر -أنه قال: اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا
(2)
- أنه لم يرد بذلك منع إيجاد الركب أصلاً وإنما أراد به تمرينهم وتدريبهم على ركوب الخيل؛ حتى يسهل عليهم ذلك من غير استعانة بالركب، لا أنه أراد منع الركب البتة؛ لأنه عليه السلام اتخذها واستعان بها في ركوبه.
(1)
سلف برقم (1514) باب قول الله تعالى {يَأْتُوكَ رِجَالًا} .
(2)
رواه عبد الرزاق في "جامع معمر" 11/ 85 (19994)، وابن أبي شيبة 5/ 171 (24859)، وأبو يعلى 1/ 189 (213)، والبيهقي 10/ 14؛ كلهم بلفظ: وانزوا على الخيل نزوا.
54 - باب رُكُوبِ الفَرَسِ العُرْيِ
2866 -
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: اسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَرَسٍ عُرْىٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ. [انظر: 2627 - مسلم: 2307 - فتح: 6/ 70]
ذكر فيه حديث أنس: اسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، وفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ.
ثم ترجم:
55 - باب الفَرَسِ القَطُوفِ
2867 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطِفُ -أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ- فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ:"وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا". فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى. [انظر: 2627 - مسلم: 2307 - فتح 6/ 70]
وساق فيه حديث أنس أيضًا أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطِفُ -أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ- فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ:"وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هذا بَحْرًا". فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارى. وقد سلف.
وركوبه الفرس عريًا من باب التواضع.
وفيه: رياضة وتدريب للفروسية، ولا يفعله إلا من أحكم الركوب.
وفيه: أنه يجب على الفارس أن يتعهد صنعته، ويروض طباعه عليها لئلا يثقل إذا احتاج إلى نفسه عند الشدائد.
وفيه: تعليق السيف في العنق.
ومعنى (يقطف): يقارب الخطو في سرعته، ودابة قطوف: بينة القطاف، وهو ضد الوساع، يقال: قطفت الدابة: أبطأت السير مع تقارب الخطو فهي قطوف.
وفيه: أن الإمام لا بأس أن يركب دون الدواب ليروضها ويؤدبها حتى تمرن على تأديبه، وذلك من التواضع.
وفيه: بركة الشارع؛ لأن ركوب الفرس أزال عنه اسم البطء والقطاف وسار لا يجارى بعد ذلك أي: لا يسابق لشدة سرعته، فهذِه من علامات نبوته.
56 - باب السَّبْقِ بَيْنَ الخَيْلِ
2868 -
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما -قَالَ: أَجْرَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى. قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَيْنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَبَيْنَ ثَنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ. [انظر: 420 - مسلم: 1870 - فتح: 6/ 71]
ذكر فيه حديث ابن عمر من ثلاثة طرق في ثلاثة أبواب: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَجْرى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأَجْرى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ. وقَالَ ابن عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرى. قَالَ عَبْدُ اللهِ: عن سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَيْنَ الحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَبَيْنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ.
هذا الحديث سبق في أحكام المساجد في باب هل يقال: مسجد بني فلان، ثم ترجم عليه هنا:
57 - باب إِضْمَارِ الخَيْلِ لِلسَّبْقِ
2869 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ، وَكَانَ أَمَدُهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ. وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ سَابَقَ بِهَا. [قَال أَبُو عَبْد اللهِ: أَمَدًا: غَايَةً {فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأمْدُ} [الحديد: 16]. [انظر: 420 - مسلم: 1870 - فتح: 6/ 71]
ثم ساق عن أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، ثنا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابن عمر أَنه صلى الله عليه وسلم سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ التِي لَمْ تُضَمَّرْ، وَكَانَ أَمَدُهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بَنِي زُريقٍ. وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ سَابَقَ بِهَا.
ثم ترجم عليه:
58 - باب غَايَةِ السَّبْقِ لِلْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ
2870 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ فَأَرْسَلَهَا مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ -فَقُلْتُ لِمُوسَى: فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ- وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ، فَأَرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ، قُلْتُ: فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا. [انظر: 420 - مسلم: 1870 - فتح: 6/ 72]
ثم ساقه: حَدَّثنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ. فذكره، قال ابن عقبة في الأول: بين ذلك ستة أميال، أو سبعة، وتضمير الخيل أن تدخل في بيت وينقص من علفه ويخلل حتى يكثر عرقه فينقص لحمه، فيكون أقوى لجريه، وقيل: ينقص علفه ويخلل بخل مبلول.
وفيه: تجويع البهائم على وجه الإصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وإنما سابق عليه السلام ليعلم الناس إجراء الخيل لملاقاة العدو، وجعل بعضهم المسابقة سنة، وبعضهم أباحه.
وفيه: جواز المسابقة بينها وذلك مما خص به، وخرج من باب القمار بالسنة، وكذلك هو خارج من باب تعذيب البهائم؛ لأن الحاجة إليها تدعو إلى تأديبها وتدريبها.
وفيه: رياضة الخيل المعدة للجهاد، ومسابقة الأميال، والميل من الأرض: قدر مد البصر. كما قال ابن فارس
(1)
، والأمد الغاية التي ينتهى إليها من موضع أو وقت.
(1)
مجمل اللغة" 2/ 82 مادة: (ميل).
و (الحفياء) بالحاء المهملة، ثم فاء، ثم ياء: موضع خارج المدينة.
و (الثنية): الجبل وترى عن بعد.
و (بنو زريق) -بتقديم الزاي على الراء- قبيل من الأنصار.
و (ثنية الوداع) مما يلي من طريق مكة
(1)
وهو خارج المدينة.
وبوب إضمار الخيل للسبق ولم يأت في الباب بذكر الإضمار، ويجاب بأنه أشار بطرق من الحديث إلى بقيته، وأحال على سائره؛ لأن تمام الحديث: سابق بين الخيل التي ضمرت وبين الخيل التي لم تضمر؛ وذلك كله موجود في حديث واحد فلا حرج عليه في تبويبه.
قال ابن المنير: البخاري يترجم على الشيء من الجهة العامة، فقد يكون بائنًا وقد يكون متفهمًا، فمعنى الترجمة أنه هل هو شرط أم لا؟ فبين أنه ليس بشرط؛ لأنه عليه السلام سابق بها مضمرة وغير مضمرة، وهذا أقعد بمقاصد البخاري
(2)
.
قال الأخفش: كان أهل المدينة يوادعون الحاج إليها، أي: إلى ثنية الوداع، فإن أراد أن ذلك كان في الجاهلية فهو كما قال، وإلا فليس كذلك؛ لأنه لما قدم عليه السلام مهاجرًا إلى المدينة تلقته الأنصار يرتجزون:
طلع البدر علينا
…
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
…
ما دعا لله داع
وفيه: أن المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمدادها معلومًا، وأن تكون الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة، وأن لا يسابق المضمر مع
(1)
في هامش الأصل: المعروف المشهور أنها من طريق الجائي من الشام، وقد نبهت على ذلك في تعليقي على "صحيح البخاري".
(2)
"المتواري" ص 155.
غيره، وهذا إجماع من العلماء؛ لأن صبر الفرس المضمر المجوع في الجري أكثر من صبر المعلوف؛ ولذلك جعلت غاية المضمرة ستة أميال أو سبعة وجعلت غاية المعلوفة ميلًا واحدًا.
واختلف العلماء في صفة المسابقة، فقال سعيد بن المسيب: ليس بِرِهان الخيل بأسٌ إذا أدخل فيها محلل لا يأمنان أن يسبق، فإن سبق أخذ السبق، وإن سُبق لم يكن عليه شيء
(1)
.
وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: إذا أدخل فرشا بين فرسين وقد أمن من أن يسبق فهو قمار لا يجوز.
وقال مالك: ليس عليه العمل، وفسر العلماء قول سعيد أن معنى دخول المحلل بينهم؛ للخروج عن معنى القمار المحرم فيجعل عنده كل واحد من المتراهنين سبقا فمن سبق منهما أخذ السبقين جميعاً، وكذلك إن سَبَق المحلل أخذهما، وإن سُبِقَ لم يؤخذ منه شيء، ولا يقول مالك بالسبق بالمحلل، وإنما يجوز عنده أن يجعل الرجل سبقه ولا يرجع إليه بكل حال كسبق الإمام، فمن سبق كان له، وإن أجرى جاعل السبق معه فسبق هو كان للمصلي، وهو الذي يليه إن كانت خيلًا كثيرة، وإن كانا فرسين فسبق جاعل السبق فهو طعمة لمن حضر، وإن سبق الآخر أخذه، وهو قول ربيعة وابن القاسم، وروى ابن وهب عن مالك أنه أجاز أن يشترط واضع السبق أخذ السبق، وإن سبق هذا أخذ سبقه، وبه أخذ أصبغ وابن وهب. قال ابن المواز: وكراهة مالك المحلل إنما هو على قوله أنه يجب إخراج السبق بكل حال، وفي قياس قوله الآخر أنه جائز، وبه أقول، وهو
(1)
رواه مالك في ص 290، وابن أبي شيبة 6/ 531 (33540)، والبيهقي 10/ 20.
قول ابن المسيب وابن شهاب، وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي: الإسباق على (مالك)
(1)
أربابها، وهم فيها على شروطهم، ولا يجوز أن يملك السبق إلا بالشرط المشروط فيه، فإن لم يكن ذلك انصرف السبق إلى من جعله.
وقال محمد بن الحسن في أصحابه: إذا جعل السبق واحد فقال: إن سبقتني ذلك كذالأولم يقل: إن سبقتك فعليك كذا فلا بأس به، ويكره أن يقول: إن سبقتك فعليك كذا، وإلا فعلي كذا، هذا لا خير فيه، وإن قال رجل غيرهما: أينما سبق فله كذا، فلا بأس به، وإن كان بينهما محلل إن سُبق لم يغرم، وإن سَبَق أخذ فلا بأس به، وذلك إذا كان يَسبق ويُسبق. قالوا: وما عدا هذِه الأشياء فهي قمار
(2)
.
(1)
في (ص 1): (ملك).
(2)
انظر: "التمهيد" 14/ 86 - 88.
59 - باب نَاقَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
-
قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَرْدَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُسَامَةَ عَلَى الْقَصْوَاءِ. وَقَالَ المِسْوَرُ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ".
2871 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ. [2872 - فتح: 6/ 73]
2872 -
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ -قَالَ حُمَيْدٌ: أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ- فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ:"حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ". طَوَّلَهُ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [انظر: 2871 - فتح: 6/ 73].
ثم ساق حديث أنس: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ.
وعنه قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَاقَةٌ تُسَمَّى العَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ -قَالَ حُمَيْدٌ: أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ- فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ:"حَقُّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَئ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ". طَوَّلَهُ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
الشرح:
التعليق الأول أخرجه ابن منده أبو زكريا يحيى من طريق عاصم بن عبد الله، عن سالم، عن أبيه، فذكره من غير ذكر القصواء. والثاني سلف، وحديث أنس من أفراده، وأخرجه أبو داود في الأدب
(1)
.
و ("القصواء") بفتح القاف وبالمد، قال ابن التين: ضبطت بالضم
(1)
أبو داود (4820).
والقصر، وهي عند أهل اللغة بالفتح والمد. قال الداودي: سميت بذلك؛ لأنها كانت غايةً في الجَرْي، قال: وآخر كل شيء أقصاه. والذي عند أهل اللغة أنها المقطوعة الأذن. قال صاحب "المطالع": هي المقطوعة ربع الأذن، والقَصْرُ خطأٌ، وهي التي هاجر عليها عليه السلام ويقال لها: العضباء، ابتاعها الصديق من نعم بني الحريش.
والجدعاء: وكانت شهباء، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحي غيرها، وتسمى أيضًا الحناء والسمراء والعريس والسعدية والبغوم واليسيرة والرياء
(1)
وبردة والمروة والجعدة ومهرة والشقراء. قال أبو العباس في كتاب "المعجمين" عن أنس: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته العضباء وليست بالجدعاء، وذكر حديثا.
وفي "المحكم" العضباء: حذف في طرف أذن الناقة والشاة، وهو أن يقطع منه شيء قليل، وقد قصاها قَصْوًا وقَصَّاهًا، وناقة قصواء ومقصوة وجمل مقصو وأقصى. وأنكر بعضهم أقصى، وقال اللحياني: بعير أقصى ومقصى ومقصوة، وناقة قصواء ومقصاة ومقصوة: مقطوعة طرف الأذن، والقصية من الإبل: الكريمة التي لا تجهد في حلب ولا حمل. وقيل: القصية من الإبل رذالتها
(2)
. عن ثعلب.
وقال الجوهري: كانت ناقة لم تكن مقطوعة الأذن
(3)
.
وجزم ابن بطال بأن القصواء من النوق التي في أذنها حذف، يقال منه: ناقة قصواء وبعير مقصى، ولا يقاكْ: بعير أقصى. قال: وذكر الأصمعي في الناقة أنه يقال منها قصوة
(4)
.
(1)
ورد بهامش الأصل: لعله سقط ما صورته: وكان له من اللقاح وتسمى غلظ.
(2)
"المحكم" 6/ 321.
(3)
"الصحاح" 6/ 2463.
(4)
"شرح ابن بطال" 5/ 74.
والقعود من الإبل: ما يقتعده الإنسان للركوب والحمل. وعبارة ابن بطال أنه الجمل المسن
(1)
، قال الأزهري: ولا يكون إلا المذكر، ولا يقال للأنثى قعودة. قال: وأخبرني المنذري أنه قرأ بخط أبي الهيثم ذكر الكسائي، (أنه)
(2)
سمع من يقول: قعودة للقلوص، والذكر قعود. قال: وهما عند الكسائي من نوادر الكلام الذي سمعه من بعضهم، وكلام أكثر العرب على غيره
(3)
.
وجمع القعود: قعدان، والقعادين جمع الجمع. وقال صاحب "الموعب" عن صاحب "العين" في غير هذا الموضع أن القعود لا يكون إلا ذكرًا، ولا يقال للأنثى قعودة.
وقال ابن سيده في "المحكم": القُعدة والقَعودة والقَعُود من الإبل: ما اتخذه الراعي للركوب، والجمع (قِعْدة)
(4)
وقُعَد وقعديد
(5)
. وقال الجوهري: هو بالفارسية: رخت لش
(6)
، (وبتصغيره جاء)
(7)
المثل: اتخذوه قُعْيد الحاجات. إذا امتهنوا الرحل في حوائجهم
(8)
، وهو حين يركب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان إلى أن يثني، أي: دخل في الثالثة، فإذا أثنى سمي جملًا.
وقوله: ("ما خلأت") أي: ما حزنت.
(1)
المصدر السابق.
(2)
كذا في الأصل، والمثبت من مصدر التخريج.
(3)
"تهذيب اللغة" 3/ 3006.
(4)
في الأصل: أقعدة، والمثبت من مصدر التخريج.
(5)
"المحكم" 1/ 95؛ وفيه: (قعدان وقعائد) بدل (قعديد).
(6)
ورد بالهامش: في "الصحاح" رخت. فقط.
(7)
جاء في الأصل: وبتصغيرها. والمثبت من مصدر التخريج.
(8)
"الصحاح" 2/ 525.
و (العضباء) قال الداودي: أحسب أنها إنما قيل لها ذلك لقطع كان في بعض أطرافها، إما طرف الذنب أو شيء من الأذن. وقال ابن فارس: إنما كان ذلك لقبًا لها. وقاله أبو عبيد
(1)
، قال: والعضباء: المشقوقة الأذن
(2)
.
وظاهر الحديث -كما قال ابن فارس- أنه لقب لها؛ لقوله: (تسمى العضباء) لو كانت عضباء لما قال ذلك. والعضباء من الشاة: المكسورة القرن الداخل، وهو المشاش.
وقال صاحب "العين": ناقة عضباء: مشقوقة الأذن، وشاة عضباء: مكسورة القرن، وقد عَضبَ عَضَبًا. والعَضْب: القَطْعُ، ومنه قيل للسيف القاطع: عَضْب، وقد عَضب يَعْضِب: إذا قطع
(3)
.
وفيه: اتخاذ الأمراء والأئمة الإبل للركوب، وجواز الارتداف للعلماء والصالحين.
والتزهيد في الدنيا، والتقليل لأمورها؛ لإخباره أن كل شيء يرتفع من الدنيا فحق على الله أن يضعه، وبه نطق القرآن، قال تعالى:{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77] وما وصفه الله تعالى بأنه قليل فقد وضعه وصغر قدره، وقال تعالى تسليةً عن متاع الدنيا:{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء: 77] وقال: {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21] إرشادًا لعباده وتنبيهًا لهم على طلب الأفضل.
(1)
"غريب الحديث" 1/ 321.
(2)
"مجمل اللغة" 2/ 673.
(3)
"العين" 1/ 283.
[60 - باب الغَزْوِ عَلَى الحَمِيرِ]
(1)
61 - باب بَغْلَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم البَيْضَاءِ
قَالَهُ أَنَسٌ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ إلى النبِي صلى الله عليه وسلم بَغْلَةً بَيْضَاءَ.
2873 -
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. [انظر: 2739 - فتح: 6/ 75]
2874 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ مَا وَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ، فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ"[انظر: 2864 - مسلم: 1776 - فتح: 6/ 75]
ثم ساق حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ: مَا تَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. وقد سلف.
وحديث البراء: قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا، والله مَا وَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم -ولكن وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ .. الحديث.
وقد سلف قريبًا في باب: من قاد دابة غيره في الحرب.
(1)
في هامش اليونينية 4/ 32 رمز لأبي ذر والمستملي. وكتب مصححها: كذا هو في الترجمة بدون حديثه للمستملي وحده، ورواية النسفي:(باب الغزو على الحمير وبغلة النبي صلى الله عليه وسلم) .. إلخ.
وتعليق أبي حميد أسنده في الجزية كما سيأتي
(1)
.
وفيه: جواز ركوب العلماء والأمراء الداوب والبغال، وأن ذلك من المباح وليس من السرف؛ لأن الإمام يلزمه التصرف والتعاهد لأمور رعيته والجهاد بنفسه والنظر في مصالح المسلمين، وكذلك له أن يتخذ السلاح، وكل ما به إليه حاجة من الآلات والقوت لأهله من الخمس.
وقوله: (سرعان الناس) قال ابن التين: بكسر السين وضمها.
قلت: ويجوز فتح السين مع فتح الراء وسكونها، وهم الذين واجهوا العدو، فلما ولى أولئك ضاقت عليهم الأرض.
و (النبل) قال الزبيدي في "مختصر كتاب العين": لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها سهم.
(1)
سيأتي برقم (3161) باب إذا وادع الإمام ملك القرية.
62 - باب جِهَادِ النِّسَاءِ
2875 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها -قَالَتِ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الجِهَادِ. فَقَالَ: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ". وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا. [انظر: 1520 - فتح: 6/ 75]
2876 -
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ الجِهَادِ فَقَالَ:"نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ". [انظر: 1520 - فتح: 6/ 75]
ذكر فيه حديث عائشة: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الجِهَادِ، فَقَالَ:"جِهَادُكُنَّ الحَجُّ" وقد سلف في أول الجهاد
(1)
، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا مُعَاوِيَةُ بهذا.
حَدَّثنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا مُعَاوِيَةَ بهذا.
وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ (الْجِهَادِ)
(2)
، فَقَالَ:"نِعْمَ الجِهَادُ الحَجُّ".
وهو دال على أن النساء لا جهاد عليهن، وأنهن غير داخلات في قوله تعالى:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] وهو إجماع، وليس في قوله:"جهادكن الحج" أنه ليس لهن أن يتطوعن به، فإنما فيه أنه الأفضل لهن، وسببه أنهن لسن من أهل القتال للعدو ولا قدرة لهن عليه ولا قيام به، وليس للمرأة أفضل من الاستتار وترك مباشرة الرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب، والحج
(1)
سلف برقم (2784) باب فضل الجهاد والسير.
(2)
في الأصول: (الحج) والمثبت من اليونينية وليس عليها اختلاف بين الرواة.
يمكنهن (فيه)
(1)
مجانبة الرجال والاستتار عنهم، فلذلك كان أفضل لهن من الجهاد.
(1)
من (ص 1).
63 - باب غَزْوِ المَرْأَةِ فِي البَحْرِ
2877، 2878 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا، ثُمَّ ضَحِكَ فَقَالَتْ: لِمَ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ البَحْرَ الأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَثَلُهُمْ مَثَلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ:"اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ". ثُمَّ عَادَ فَضَحِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: مِثْلَ -أَوْ مِمَّ- ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَلَسْتِ مِنَ الآخِرِينَ". قَالَ: قَالَ أَنَسٌ فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَرَكِبَتِ البَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَةَ، فَلَمَّا قَفَلَتْ رَكِبَتْ دَابَّتَهَا فَوَقَصَتْ بِهَا، فَسَقَطَتْ عَنْهَا فَمَاتَتْ. [انظر: 2788، 2789 - مسلم: 1912 - فتح: 6/ 76]
ذكر فيه حديث أنس في قصة أم حرام. وقد سلف غير مرة.
وسقط في البخاري هنا بين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وعبد الله الأنصاري الراوي عن أنس زائدة بن قدامة الثقفي، نبه عليه أبو مسعود الدمشقي. قَالَ الجياني: وتأملته في كتب أبي إسحاق عن عبد الله، فليس هو فيه، ومع هذا فالحديث محفوظ لزائدة عن أبي طوالة عبد الله، رواه عنه حسين بن علي الجعفي وغيره، وقد رواه معاوية بن عمرو أيضًا عن زائدة عنه
(1)
.
ومعنى: (وقصت بها): نفرت. قاله الداودي. وقال الهروي: ركب فرسًا فجعل يتوقص به. أي: ينزو به ويقارب الخطو
(2)
. والنزو: الوثبان.
(1)
"تقييد المهمل" 2/ 629 - 630.
(2)
"النهاية في غريب الحديث" 5/ 214.
وقَالَ أبو عبيد وابن فارس: إنه كسر العنق
(1)
، وبينه قوله بعد هذا:(فاندقت عنقها).
وقول أنس: (فتزوجت عبادة فركبت البحر مع بنت قرظة). ظاهره أنها تزوجته بعد هذِه الرؤيا، وقد سلف ما ظاهره أنها كانت زوجة له قبل ذَلِكَ، فيجوز أن يكون طلقها ثم تزوجها.
وفيه: جواز جهاد النساء في البحر، وقد سلف واضحًا.
(1)
"غريب الحديث" 1/ 65، "المجمل" 2/ 933.
64 - باب حَمْلِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي الْغَزْوِ دُونَ بَعْضِ نِسَائِهِ
2879 -
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ يَخْرُجُ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِى، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ. [انظر: 2593 - مسلم: 2770 - فتح: 6/ 77]
ذكر فيه حَدِيثَ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذاً أَرَادَ سفرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنَّ خرج سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ.
هذِه الترجمة لا تصح إلا بذكر القرعة فيها؛ لأن العدل بين النساء فريضة إذا قلنا أن القسم يجب في حقه، فلو خرج بواحدة من أزواجه دون قرعة لم يكن ذَلِكَ عدلاً بينهن وكان ميلاً، فكانت القرعة فصلاً في ذَلِكَ وحكمًا يرجع إليه، كما يحكم بها في كثير مما يشكل أمره من أمور الشريعة.
وهذا الحديث هو بعض من حديث الإفك، وقد سلف بعضه، ويأتي أيضًا
(1)
، وقد سلف الإقراع.
(1)
سيأتي برقم (4141) كتاب المغازي، باب حديث الإفك، وغيره.
65 - باب غَزْوِ النِّسَاءِ وَقِتَالِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ
2880 -
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ القِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ. [2902، 3811، 4064 - مسلم: 1811 - فتح: 6/ 78]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْم وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُزَانِ القِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقلَانِ القِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، وتَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِه فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا.
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدها: الخدم: الخلاخيل، الواحدة: خدَمة، وتجمع أيضًا على خدام. كثمرة وثمار. والمخدم: موضع الخلخال من الساق. وعبارة صاحب "المطالع": قد يسمى خدَمة. أي لأنه موضع الخلخال، وهو الخدمة، وأصله أن الخدمة سير (غليظ)
(1)
مثل الحلقة يشد في رسغ
البعير ثم تشد إليها شرائح فنعلها، فسمي الخلخال خدمة لذلك. وقَالَ أبو عبيد: أصل الخدمة: الحَلْقة المسنديرة
(2)
. وقيل: الخدمة: مخرج الرِّجْل من السراويل. والسُّوق: جمع ساق.
(1)
في (ص 1): عليها.
(2)
"غريب الحديث" 2/ 179.
ثانيها: (تنقزان) بالزاي أي: تثبان. والنواقز: القوائم، يقال: نقز ينقز، وينقز نقزانًا ونقزا (إذا)
(1)
وثب. وقال الداودي: يسرعان المشي كالهرولة. وقال غيره: معناه: الوثوب. ونحوه في حديث ابن مسعود: أنه كان يصلي الظهر والجنادب تنقز من الرمضاء
(2)
، أي تثب. يقال: نقز وقفز: (وثب)
(3)
وكذا قحز. وقال صاحب "المطالع": كأنه من سرعة السير. وقَالَ أبو سليمان: أحسبه تزفران. والزفر: حمل القرب الثقال، والجمع: أزفار. واحتج بالحديث الآتي بعد: فإنها كانت تزفر العرب يوم أحد. ويقال للقربة نفسها: الزفر. وكذلك قيل للإماء: الزوافر، وذلك لأنهن يزفرْنَ القرب
(4)
. وقيل: الزفر: البحر النزع الفياض، فعلى هذا كانت تملأ لهم القرب حَتَّى تحيض
(5)
.
قَالَ صاحب "المطالع": وضبط الشيوخ (القرب) بنصب الباء، ووجهه بعيد (على)
(6)
الضبط المتقدم، وأما مع (تنقلان) فصحيح، وكان بعض شيوخنا يقرؤه بضم الباء يجعله مبتدأ، كأنه قَالَ: والقرب على متونهما. وقد يأول النصب على عدم الخافض كأنه قَالَ: ينقزان بالقرب. وقد وجدته في بعض الأصول بضم (التاء)
(7)
، ويستقيم على هذا نصب القرب. أي: يحركان القرب لشدة عدوهما بها، فكانت القرب ترتفع وتنخفض مثل الوثب على ظهورهما.
(1)
من (ص 1).
(2)
رواه ابن الجعد في "مسنده" ص 342 (2350).
(3)
من (ص 1).
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1385.
(5)
أي: تسيل وتفيض، وزنا ومعنى. انظر:"تهذيب اللغة" 1/ 706.
(6)
في (ص 1): عن.
(7)
في (ص 1): (الباء).
ثالثها: اعترض ابن المنير فقال: بوب على غزوهن وقتالهن، وليس فيه أنهن قاتلن، فإما أن يريد أن إعانتهن الغزاة غزو، وإما أن يريد ما ثبتن للمداواة ولسقي الجرحى إلا وهن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب، فأضاف إليهن القتال لذلك
(1)
.
قلتُ: لا شك في شجاعتهن ودفعهن، ويؤيده ما ذكره ابن إسحاق
(2)
لما قَالَ صلى الله عليه وسلم: "يا أم سليم، ما هذا الخنجر؟ " قالت: يا رسول الله، أَبْعَجُ به بطنَ من يَدْنُو مني
(3)
. وسيأتي.
رابعها: رؤية أنس لذلك كان لضرورة ذَلِكَ العمل في ذَلِكَ الوقت.
وقال الداودي: يعني: نظر فجأة، ويحتمل أن يكون حينئذ صغيرًا، ويحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب كما قَالَ القرطبي
(4)
، ولا شك فيه؛ لأنه
(5)
إما في صفية أو زينب، وكلاهما بعد أحد، وقد يتمسك به من يرى أن تلك المواضع ليست بعورة من المرأة، وليس كذلك.
خامسها: قد سلف أن النساء لا غزو عليهن، ولا شك أن عونهن للغزاة بسقي الماء، وسقيهن وتشميرهن ضرب من القتال؛ لأن العون على الشيء ضرب منه، وقد روي عن أم سليم أنها كانت تسبق الشجعان في الجهاد، وثبتت يوم حنين والأقدام قد زلت، والصفوف
(1)
"المتواري" ص 156.
(2)
ورد بهامش الأصل: ما ذكره ابن إسحاق هو بمعناه في "صحيح مسلم" فلا حاجة إلى عزوه لابن إسحاق.
(3)
كما في "سيرة ابن هشام" 4/ 76، وأشار سبط إلى أنه في مسلم، وهو فيه برقم (1809) كتاب الجهاد، باب غزوة النساء ..
(4)
"المفهم" 3/ 685.
(5)
في هامش الأصل: يعني نزول الحجاب.
قد انتقضت، والمنايا فَغَرَتْ فَاها، فالتفت إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدها خنجر، فقالت: يا رسول الله، أقتل بهذا الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك، فليسوا بِشَرٍّ مِنْهُمْ. أخرجه مسلم بنحوه من حديث أنس
(1)
. وهو من أفراده، وفيه:"يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن" وروى معمر عن الزهري قَالَ: كان النساء يشهدن المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى، ولم أسمع (امرأة)
(2)
قُتلت معه، وقد قاتل نساء من قريش يوم اليرموك حين دهمتهم جموع الروم وخالطوا عسكر المسلمين، فضربن نساء يومئذ بالسيوف وذلك في خلافة عمر رضي الله عنه
(3)
.
فرع:
هل يسهم للمرأة؟ قَالَ الأوزاعي: نعم، وقد أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء بخيبر وأخذ المسلمون بذلك
(4)
.
قلتُ: في أبي داود: عن حشرج بن زياد، عن جدته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لنا بخيبر كما أسهم للرجال
(5)
. قَالَ الخطابي: سنده ضعيف لا تقوم به حجة
(6)
.
وقال الثوري والكوفيون والليث والشافعي: لا يسهم لهن ولكن
(1)
مسلم (1809).
(2)
في (ص 1): بامرأة.
(3)
رواه عبد الرزاق 5/ 298 (9673)، عن معمر، عن النخعي، وبرقم (9674) عن ابن جريج، عن الزهري.
(4)
ذكره الترمذي بعد حديث (1556).
(5)
أبو داود (2729).
(6)
"معالم السنن" 2/ 226.
يرضخ. واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة أن النساء كن يحضرن فيداوين المرضى ويحذين من الغنيمة ولم يضرب لهن بسهم، أخرجه مسلم
(1)
.
وروى ابن وهب عن مالك أنه (سئل)
(2)
عن النساء هل يحذين من المغانم في الغزو؟ قَالَ: ما سمعت ذلك
(3)
.
قال ابن بطال: وقول مالك أصح؛ لأن النساء لا جهاد عليهن، وإنما يجبُ السهم والرَّضْخُ لمن كان مقاتلًا (أورد المسلمين)
(4)
، وجملة النساء لا غناء لهن ولا نكاية للعدو فيهن، فأما إذا قاتلت المرأة وكان لها غناء وعون فلو أسهم لها كان صوابًا؛ لأنه إنما جعل لأهل الجيش لقتالهم العدو ودفعهم عن المسلمين، فمن وجدت هذِه الصفة فيه فهو مستحق للسهم سواء كان رجلاً أو امرأة، والمراد أنه لا يسهم للغالب من حالهن، فإن المقاتلة منهن لا تكاد توجد
(5)
.
قلتُ: حديث ابن عباس يرد عليه، وبقول الأوزاعي قَالَ ابن حبيب: بشرط قتالها
(6)
، حكاه ابن المناصف.
وَرَدُّهُ صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته نساءً خرجن معه، فالحديث فيه ضعف، أو يحتمل أن يكن شابات فردهن لأجل الفتنة، وقد خرجت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أو لأن العدو كان فيه قوة فخاف عليهن.
(1)
مسلم (1812) كتاب الجهاد، باب الغازيات ..
(2)
في هامش الأصل: في الأصل: سأله، وفي (ص 1): سأله.
(3)
"المدونة" 1/ 393.
(4)
كذا بالأصل، وفي ابن بطال: أورد إليهم.
(5)
"شرح ابن بطال" 5/ 77 - 78.
(6)
"النوادر والزيادات" 3/ 188.
فرع:
يُرْضخ للصبي خلافًا للأوزاعي ولمالك إذا أطاقه.
فرع:
ذكر الترمذي أن بعض أهل العلم قَالَ: يسهم للذمي إذا شهد القتال مع المسلمين. وروي عن الزهري أنه صلى الله عليه وسلم أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه
(1)
.
وهو قول الزهري والأوزاعي وإسحاق
(2)
، فيما حكاه ابن المنذر، وعندنا: يُرْضخ له إذا حضر بإذن الإمام. ووقع في بعض مسائل المالكية -فيما قاله ابن المناصف- أنه يسهم له إذا أذن له الإمام في الغزو معه.
فرع:
المجنون المطبق لا يسهم له، فإن كان عنده من العقل ما يمكنه به القتال فقيل: يسهم له. والظاهر المنع، ذكره أيضًا.
فرع:
المريض الذي لا يستطيع شيئًا في الحال، ولا يرجى في المآل، ولا ينتفع به في عمل الجهاد بأمر، فالمروي عن أصحاب مالك أنه لا يسهم له وذلك كالمفلوج اليابس، ذكره أيضًا، قَالَ: واختلفوا في الأعمى والأقطع اليدين والمقعد لاختلافهم هل يمكن لهم نوع من أنواع القتال، كإدارة الرأي إن كانوا من أهله، وكقتال المقعد راكبًا، والأعمى يناول النبل، ونحو ذَلِكَ، ويكثرون السواد؟ فمن رأى لمثل ذَلِكَ أثرًا في استحقاق الغنيمة أسهم (لهم)
(3)
، ومن لم يره منع.
(1)
الترمذي بعد حديث (1558).
(2)
انظر: "المغني" 13/ 97.
(3)
في (ص 1): له.
وأما من به مرض يرجى برؤه فعند المالكية فيه خلاف في الإسهام له، فإن مرض بعد الإدراب ففيه خلاف، والأكثرون لا يسهم (لهم)
(1)
، ولم يختلفوا أن من مرض بعد القتال يسهم له.
فرع:
الأجير والتاجر والمحترف
(2)
يسهم لهم عندنا إذا قاتلوا، والخلاف عند المالكية أيضًا
(3)
.
ثالثها: إن قاتلوا استحقوا وإلا فلا، ولم يختلف عن مالك أنه إن لم يقاتل ولم يشهد لا شيء له. وقَالَ أبو حنيفة وأصحابه: إن قاتلوا استحقوا. وعن مالك: يسهم لكل حر قاتل، وهو قول أحمد. وقال الحسن بن حي: يسهم للأجير. وروي مثل ذَلِكَ عن الحسن وابن سيرين في التاجر والأجير إذا حضرا وإن لم يقاتلا. ونقل ابن عبد البر عن جمهور العلماء الإسهام للتجار إذا حضروا القتال. وقال الأوزاعي وإسحاق: لا يسهم للأجير المستأجر على خدمة القوم ولا للعبد
(4)
.
(1)
في (ص 1): له.
(2)
ورد بهامش الأصل: سقط: ظهر.
(3)
انظر: "الأوسط" 11/ 168 - 169.
(4)
"الاستذكار" 14/ 109 - 111.
66 - باب حَمْلِ النِّسَاءِ القِرَبَ إِلَى النَّاسِ في الغَزْوِ
2881 -
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِىَ مِرْطٌ جَيِّدٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم التِي عِنْدَكَ. يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ. فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ. وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: تَزْفِرُ: تَخِيطُ. [4071 - فتح: 6/ 79]
ذكر حديث ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ المَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَعْطِ هذا بنت رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم التِي عِنْدَكَ -يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ- فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ. وَأُمُّ سَلِيطٍ امرأة مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ.
الشرح:
هذا الحديث من أفراده.
وثعلبة بن أبي مالك القرظي ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واسم أبي مالك: عبد الله -ويكني أبا يحيى- من كندة، قدم أبوه أبو مالك من اليمن على دين اليهود. فنزل في بني قريظة، فنسب إليهم ولم يكن منهم، فأسلم. قَالَ ابن معين: ثعلبة قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر ذَلِكَ كله أبو عمر
(1)
، ولم يذكر أباه في الأسماء ولا في "الكنى" وهو
(1)
"الاستيعاب" 1/ 286 (280).
إمام بني قريظة، وطال عمره، روى عنه ابنه أبو مالك وصفوان، له حديثان مرسلان.
ومعنى (تزفر): تحمل، وهو ثلاثي من زفر يزفر. أي: يحمل، ومنه قيل للسقاءات: الزوافر. قَالَ صاحب "العين" و"الأفعال": زفر بالحمل زفرًا: نهض به
(1)
. وفي رواية أبي ذر: تخيط، كما سلف، وبعضهم قَالَ: الزفر: القربة المملوءة ماء. وقد سلف في الباب قبله.
والمروط: الأكسية، قاله الهروي
(2)
. وقال ابن فارس: المرط: ملحفة يؤتزر به، وضبطه (بكسر)
(3)
الميم.
وأم سليط -بفتح السين- مبايعة ولا يعرف اسمها، وليس في الصحابيات من شاركها في هذِه الكنية، وهي أم قيس بنت عبيد بن زياد بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، وزوجها أبو سليط أُسيرة بن أبي خارجة عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، فولدت له سليطًا. وقيل: سبرة بن عمرو. والأول أصح، وأمه آمنة أخت كعب بن عجرة، شهد بدرًا، وعنه ابنه عبد الله، وأخته أنيسة بنت أبي خارجة ولدت للنعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر قتادة، ثم خلف عليها مالك بن سنان فولدت له أبا سعيد الخدري سعد بن مالك.
وفي بني عدي أيضًا سليط بن قيس بن عمرو بن عبيد بن مالك بن عدي، كان يكسر أصنام بني عدي حين أسلم هو وأبو صرمة يوم بدر، فقتل يوم جسر أبي عبيد، روى عنه ابنه عبد الله، وقد انقرض عقبه.
(1)
"العين" 7/ 361، "الأفعال" ص 287.
(2)
"النهاية في غريب الحديث" 4/ 319.
(3)
في (ص 1): بفتح. وورد في هامش الأصل: في أصله بفتح، وفيه نظر.
وسليط في الصحابة جماعة أخر.
وأم كلثوم زوج عمر بن الخطاب أمها فاطمة، أمهرها أربعين ألفا، خطبها إلى أبيها، فقال له: هي صغيرة. فقال عمر: أريدها، فأرسل إليه بها وقال: قد زوجته إن قبل. فلما أقبلت إليه قَالَ: قد قبلت. فلما وقفت عليه رفع طرف ثوبها، فقالت: أرسل الثوب فلولا أنك أمير المؤمنين للطمت وجهك. توفيت هي وابنها زيد بن عمر في يوم واحد أيام حرب زجاجة، فيما ذكره ابن المعلى الأزدي في كتاب "الترقيص"، وذكرها ابن عبد البر في "استيعابه"
(1)
؛ لأنها ولدت في حياته صلى الله عليه وسلم.
وفيه: دليل كما قَالَ المهلب: أن الأولى برسول الله صلى الله عليه وسلم من أتباعه أهل السابقة إليه والنصرة له، لا يستحق أحد ولايته ببنوة ولا قرابة إذا لم يقارنها الإسلام، ثم إذا قارنها الإسلام يفاضل أهله بالسابقة والنصرة والمعونة بالمال والنفس، ألا ترى أن عمر جعل أم سليط أحق بالقسمة لها من المروط من حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبنوة لتقدم أم سليط بالإِسلام والنصرة والتأييد، وهو معنى قوله تعالى:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد: 10] الآية. وكذلك يجب ألا تُستحق الخلافة بعده ببنوة ولا بقرابة، وإنما تستحق مما ذكر الله من السابقة والإنفاق والمقاتلة.
وفيه: الإشارة بالرأي على الإمام، وإنما ذلك للوزير والكاتب وأهل النصيحة. والبطانة له، ليس ذَلِكَ لغيرهم، إلا أن يكون من أهل العلم والبروز في الإمامة، فله الإشارة على الإمام وغيره
(2)
.
(1)
"الاستيعاب" 4/ 509 - 510 (3638).
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 78 - 79.
67 - باب مُدَاوَاةِ النِّسَاءِ الجَرْحَى فِي الغَزْوِ
2882 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَسْقِي وَنُدَاوِي الجَرْحَى، وَنَرُدُّ القَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ. [2883، 5679 - فتح: 6/ 80]
ذكر فيه حديث الربيعِ -بضم الراء- بِنْتِ مُعَوِّذٍ -بكسر الواو
(1)
- قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نسْقِي وَنُدَاوِي الجَرْحَى، وَنَرُدُّ القَتْلَى.
ثم ترجم له:
(1)
ورد بهامش الأصل: حاشية: وتفتح أيضًا.
68 - [باب] رَدِّ النِّسَاءِ الجَرْحَى وَالْقَتْلَى
2883 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ. [انظر: 2882 - فتح: 6/ 80].
ثم ساقه بلفظ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ.
وهو من أفراده، ويأتي في الطب أيضًا، وانفرد مسلم بحديث أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجرحى
(1)
.
وكانوا يوم أحد يجعلون الرجلين والثلاثة من الشهداء على الدابة، وتردهن النساء إلى موضع قبورهم، ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيته حمنة بنت جحش فقال لها:"أعظم الله أجرك في خالك حمزة" فقالت: آجرك الله. قَالَ: "وفي أخيك عبد الله بن جحش" فقالت: آجرك الله. ثم قَالَ: "وفي زوجك مصعب بن عمير" فقالت: واحزناه. وسقطت على الأرض فقال: "إن الرجل الصالح ليحل من المرأة محلًّا لا يحله أحد"
(2)
.
وفيه كما قَالَ المهلب: مباشرة المرأة غير ذي محرم منها في المداواة وما شاكلها من إلطاف المرضى ونقل الموتى، فإن قلت: كيف ساغ ذَلِكَ؟ فأجاب بأنه يجوز للمتجالات منهن؛ لأن موضع
(1)
مسلم (1810) كتاب الجهاد، باب غزوة النساء ..
(2)
رواه بنحوه ابن ماجه (1590)، وابن سعد في "الطبقات" 8/ 241، والحاكم 4/ 61 - 62، وأعله البوصيري بعبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف.
الجرح لا يلتذ بمسه بل تقشعر منه الجلود وتهابه النفوس، (ولمسه)
(1)
عذاب للَّامس والملموس، وأما غيرهن فيعالجن بغير مباشرة منهن لهم، بأن يصنعن الدواء ويضعه غيرهن على الجرح، وقد يمكن أن يضعنه من غير مس شيء من جسده. وأيده غيره بأنا لم نجد أحدًا من سلف العلماء يقول في المرأة تموت مع الرجل وعكسه غير ذوي المحارم لا يحضره غيرهم أن أحدًا منهما يغسل صاحبه دون حائل وثوب يستره.
وقال الحسن البصري: يصب عليها من فوق الثياب. وهو قول النخعي وقتادة والزهري، وبه قَالَ إسحاق.
وقالت طائفة: تيمم بالصعيد، روي (ذَلِكَ)
(2)
عن سعيد بن المسيب والنخعي أيضًا.
وبه قَالَ مالك والكوفيون وأحمد، وهو أصح الأوجه عند الشافعية.
وقال الأوزاعي: تدفن كما هي ولا تيمم، وهذا كله بدل من قولهم: إنه لا يجوز عندهم مباشرة غير ذوي المحارم؛ لأن حالة الموت أبعد من (التسبب)
(3)
إلى دواعي اللذة والذريعة إليها من حال الحياة، فلما اتفقوا أنه لا يجوز للأجنبي غسل الأجنبية مباشرًا لها دون ثوب يسترها دل بأن مباشرة الأحياء الأجنبيين أولى بالمنع
(4)
.
(1)
في (ص 1): له.
(2)
من (ص 1).
(3)
في (ص 1): النسب.
(4)
"شرح ابن بطال" 5/ 70 - 80.
69 - باب نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ البَدَنِ
2884 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: رُمِىَ أَبُو عَامِرٍ في رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: انْزِعْ هَذَا السَّهْمَ. فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ". [4323، 6383 - مسلم: 2498 - فتح: 6/ 80]
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: رُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فقَالَ: انْزعْ هذا السَّهْمَ. فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ المَاءُ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وفي لفظ: فلما جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن يستغفر له، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال:"اللهم اغفر لأبي عامر عبدك" حَتَّى رأيت بياض إبطيه، ثم قَالَ:"اللَّهُمَّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس"
(1)
.
ومعنى (نزا) -بالزاي- ظهر وارتفع وجرى ولم ينقطع، قاله أبو موسى. وعبارة ابن التين: النزو الوثبان، معناه: خرج الماء. وقال صاحب "العين": نزا ينزو نزوًّا ونزوانًا وتَنَزى: إذا وثب. وقال أبو زيد: النزا والنقاز داء يأخذ النساء فتنزو منه وتنقز حتى تموت.
وفيه: كما قَالَ المهلب: جواز نزع السهام من البدن، وإن خشي بنزعها الموت، وكذلك البَطُّ والكَيُّ وما شاكله، يجوز للمرء أن يفعله رجاء الانتفاع بذلك، وإن كان في غبتها خشية الموت، وليس من يصنع ذَلِكَ بِمُلْقٍ نفسه للتهلكة؛ لأنه بين الخوف والرجاء، وإنما دعا له صلى الله عليه وسلم؛ لأنه علم أنه ميت من ذَلِكَ السهم
(2)
.
(1)
سيأتي برقم (4323) كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 81.
70 - باب الحِرَاسَةِ فِي الغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللهِ
2885 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ:"لَيْتَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ". إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ ". فَقَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، جِئْتُ لأَحْرُسَكَ. وَنَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. [7231 - مسلم: 2410 - فتح: 6/ 81]
2886 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ". لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ. [2887، 6435 - فتح: 6/ 81]
2887 -
وَزَادَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ وَقَالَ تَعْسًا. كَأَنَّهُ يَقُولُ فَأَتْعَسَهُمُ الله. طُوبَى: فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيءٍ طَيِّبٍ، وَهْيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الوَاوِ، وَهْيَ مِنْ يَطِيبُ. [انظر: 2886 - فتح: 6/ 81]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في حراسة سعد بن أبي وقاص رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحديث أبي بكر -يعني ابن عياش- عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ".
وَزَادَ لنا عَمْرٌو أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ .. " الحديث أو قال: "تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَصينٍ.
الشرح:
قَالَ الإسماعيلي: تابع أبا بكر شريك وقيس.
وعمرو شيخ البخاري هو ابن مرزوق، وقد أسنده أبو نعيم من حديث يوسف القاضي عنه به، وابن عساكر من حديث أبي (مسلم)
(1)
عنه، ورواه ابن ماجه عن ابن كاسب، عن إسحاق بن إبراهيم بن سعيد المدني، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن دينار
(2)
.
ورواه الإسماعيلي من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه به.
ثم الكلام من وجوه:
أحدها: (التَّعْسُ): الكَبُّ أي: عثر فسقط لوجهه، قَالَه ابن التين، قَالَ: وضبط بكسر العين، وذكره بعض أهل اللغة بفتحها. وقال ابن الأنباري، عن أبي العباس أحمد بن يحيى: التعس: الشر قَالَ تعالى: {فَتَعْسًا لَهُمْ} [محمد: 8] وقيل: هو البعد، وذكر ابن التياني،
(1)
في (ص 1): مسلمة.
(2)
ابن ماجه (4136).
عن قطرب فتح العين وكسرها: شقي. وعن علي بن حمزة: بالكسر والفتح: هلك.
وفي "البارع": تعسه الله وأتعسه: نكسه. وقال شمر في "التهذيب": لا أعرف تعسه الله، ولكن يقال: تعس (بنفسه)
(1)
وأتعسه الله، قَالَ: وقال الفراء: يقال: تعست إذا خاطبت الرجل فإذا صوت إلى أن تقول: فَعِل قلت: تعس بالكسر، وقال بعض الكلابيين: تعس هو أن يخطئ حجته إن خاصم، وبغيته إن طلب، وقال الرُّسْتُمِيُّ: التَّعْس: أن غير على وجهه، والنكس: أن يخر على رأسه
(2)
.
وقَالَ الليث: التعس ألا ينتعش من عثرته وأن ينكس في سفال، والتعس في اللغة: الانحطاط، ذكره الزجاج
(3)
، (وقال صاحب "المحكم": هو السقوط على أي وجه كان)
(4)
، وقال ابن السكيت: هو أن غير على وجهه، ومنه: نكست الشيء: نكبته على رأسه، قَالَ ابن فارس: ويقال: تعسًا له ونكسًا، وقد يضم الثاني
(5)
.
ثانيها: معنى: "تعس عبد الدينار والدرهم": أي: إن طلب ذَلِكَ قد استعبده وصار عمله كله في طلبها كالعبادة لهما.
وقوله: ("إن أعطي رضي") أي: إن أعطي ما له عمل رضي عن معطيه، وهو خالقه تعالى وإن لم يُعط سخط ما قدر له خالقه، ويسر له من رزقه، فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين، فوجب الدعاء عليه
(1)
في (ص 1): منه.
(2)
انظر: "تاج العروس" مادة: (تعس).
(3)
"تهذيب اللغة" 1/ 439 - 440.
(4)
من (ص 1). وانظر: "المحكم" 1/ 295.
(5)
"مجمل اللغة" 2/ 884.
بالتعس؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني، وترك العمل لأجل نعيم الآخرة الباقي، والتعس: أن لا ينتعش ولا يفيق من عثرته، "وانتكس" أي عاوده المرض كما بدأه، هذا قول الخليل
(1)
.
قَالَ صاحب "المطالع": وذكره بعضهم بالشين المعجمة، وفسره بالرجوع، وجعله دعاء له لا عليه.
وقوله: ("وإذا شيك"): أي: أصابته شوكة. وعن المروزي: "شيب"، وهو خطأ قبيح، ومعنى الأول: إذا أصابته الشوكة في قدمه فلا يقدر على إخراجها، يقال: انتقش الرجل إذا سل الشوكة من قدمه بالمنقاش. قال الخطابي: يقال: نقشت الشوك، إذا استخرجته، وبه يسمى المنقاش
(2)
. وقال ابن التين: معناه عند الهروي: لا أخرجه من الموضع الذي أدخله، وعند الخطابي: لا قدر على إخراجها ولا استطاعه.
و ("الخميصة") كساء مربع له أعلام أو خطوط، قاله الخطابي، وقال ابن فارس: كساء أسود معلم، فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة
(3)
. زاد القزاز ويكون من خز أو صوف، قَالَ: ولذلك أمر الشارع أن يذهب بها إلى أبي جهم، ويأتوا بأنبجانية، وقال الداودي: هي كساء من صوف.
ثالثها: قوله: ("طوبى") هي فعلى من الطيب، أصلها: طُيْبَى، قُلِبَت ياؤه واوًا لانضمام ما قبلها، وقيل: هي الشجرة التي في الجنة.
(1)
"العين" 5/ 314.
(2)
"أعلام الحديث" 2/ 1388.
(3)
"مجمل اللغة" 1/ 303.
وقوله: ("إن كان في الحراسة"، "وإن كان في الساقة") يعني: أنه خامل الذكر لا يقصد السمو فأي موضع اتفق له كان ممن لزم هذِه الطريقة، كان حريًّا إن استأذن ألا يؤذن له، وإن شفع ألا يشفع.
رابعها: قوله: في حديث عائشة: ("ليت رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة").
إن قُلتَ: كيف طلب الحراسة مع توكله ويقينه بالقدر؟
قلتُ: له ثلاثة أجوبة نبه عليها ابن الجوزي
(1)
:
أحدها: أنه سن هذِه الأشياء لا لحاجته إليها، كما ظاهر بين درعين، ويدل على غنائه أنهم كانوا إذا اشتد العباس قدموه واتقوا به العدو.
ثانيها: الثقة بالله لا تنافي العمل على الأسباب، بدليل "اعقلها وتوكل" وهذا؛ لأن التوكل يخص القلب، والتعرض بالأسباب أفعال تخص البدن فلا تناقض.
ثالثها: وساوس النفس وحديثها لا يدفع إلا بمراعاة الأسباب، ومنه قول إبراهيم:{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ومنه أن سليمان رئي يحمل طعامًا ويقول: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت.
وأجاب ابن بطال بأن قَالَ: في الحديث دليل أن ذَلِكَ كان قبل أن تنزل آية العصمة، وقبل نزول:{إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)} [الحجر: 95]؛ لأنه جاء في الحديث أنه لما نزلت هذِه الآية ترك الاحتراس بالليل
(2)
؛ ولأن في حديث عائشة في بعض الروايات أن ذَلِكَ كان عند أول قدومه المدينة.
(1)
بنحوها في "تلبيس إبليس" ص 342.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 82.
قلت: نزول: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)} كان قبله، وزعم القرطبي أن آية العصمة ليس فيها ما يناقض الحراسة من الناس ولا ما يمنعه، كما أن إخبار الله عن نصره وإظهار دينه ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدد والعدة والأخذ بالحزم والحذر، وسبب ذَلِكَ أن هذِه أخبار عن عاقبة الحال ومآله، ولكن هل تحصل تلك العاقبة عن سبب معتاد أو غير سبب، ووجدنا الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن، وأخذ الحذر من الأعداء، والإعداد لهم، وقد عمل بذلك صلى الله عليه وسلم وأخذ به فلا تعارض في ذلك
(1)
.
خامسها: في فوائده:
فيه: كما قَالَ المهلب: التزام السلطان للحذر، والخوف على نفسه حضرًا وسفرًا، ألا ترى فعله مع ما عرفه الله أنه يستكمل به دينه ويعلي به كلمته، التزم الحذر خوف فتك الفاتك وأذى المؤذي بالعداوة في الدين والحسد في الدنيا.
وفيه: أن على الناس أن يحرسوا سلطانهم ويحفوا به خشية الفتك وانخرام الأمر.
وفيه: أن من شرع بشيء من الخير أن يسمى صالحًا لقوله: "ليت رجلاً صالحًا" أي: يبعثه صلاحه على حراسة سلطانه فكيف بنبيه.
وفيه: أنه متى سمع الإنسان حس سلاح في الليل أن يقول: من هذا، ويعلم أنه ساهر؛ لئلا يطمع فيه أهل الطلب للغرة والغفلة، فإذا علموا أنه مستيقظ ردعهم بذلك.
(1)
"المفهم" 6/ 280.
وفيه: تأكيد الدعاء بقوله: "وإذا شيك فلا انتقش" أي: إذا أصابته شوكة فلا أخرجها بمنقاشها، فيمتنع السعي للدينار والدرهم.
وفيه: الحض على الجهاد حيث قَالَ: "طوبى لعبد ممسك بعنان فرسه .. " إلى آخره، فجمع في هذا الذي مدح من العمل خير الدنيا والآخرة لقوله:"الخيل معقود في نواصيها الخير الأجر والمغنم"
(1)
، ونعيم الآخرة لقوله:{إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الآية [التوبة: 111].
وفيه: ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول، ولزوم التواضع لله بأن يُجهل المؤمن في الدنيا ولا تعرف عينه، فيشار إليه بالأصابع وبهذا أوصى صلى الله عليه وسلم ابن عمر قَالَ له:"يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب"
(2)
، والغريب مجهول العين غالبًا فلا يؤبه لصلاحه فيلزم من أجله.
فائدة:
جاء في الحراسة عدة أحاديث:
أحدها: من حديث سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فقال: "من يحرسنا الليلة؟ " فقال ابن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله. أخرجه أبو داود
(3)
.
ثانيها: من حديث عثمان مرفوعًا: "حَرَسُ ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها" رواه ابن ماجَهْ
(4)
.
(1)
سلف برقم (2852) باب الجهاد ماض مع البر والفاجر.
(2)
سيأتي برقم (6416) كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"كن في الدنيا كأنك غريب".
(3)
أبو داود (2501).
(4)
ابن ماجه (2766)، بنحوه، ورواه بلفظه لأحمد 1/ 61.
ثالثها: من حديث عقبة بن عامر: "رحم الله حارس الحرس"
(1)
.
رابعها: من حديث أنس: "من حرس ليلة على ساحل البحر كان أفضل من عبادة ألف سنة" أخرجه ابن ماجَهْ أيضًا
(2)
.
خامسها: من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: "من حرس من وراء المسلمين متطوعًا لا تأخذه ناجزة سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم" أخرجه أحمد
(3)
، وللطبراني:"بعث مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين"
(4)
.
سادسها: من حديث يحيى بن صالح الوحاظي، ثنا جميع بن ثوب، ثَنَا خالد بن معدان، عن أبي أمامة مرفوعًا:"لأن أحرس ثلاث ليال مرابطًا من وراء بيضة المسلمين أحب إلى من أن تصيبني ليلة القدر في مسجد المدينة، أو بيت المقدس"
(5)
، رواه ابن عساكر ثم قَالَ: حديث حسن، وعن قيس بن الحارث مثله. قَالَ الحاكم:(حديث)
(6)
غريب من حديث عمر بن عبد العزيز عن قيس، وهو صحابى معمِّر. قلتُ: فهذا سابع.
ثامنها: من حديث أبي ريحانة: "حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله" رواه النسائي
(7)
.
(1)
رواه ابن ماجه (2769).
(2)
رواه ابن ماجه (2770)، بنحوه.
(3)
أحمد 3/ 437 - 438، والطبراني -بلفظ أحمد-20/ 185 (402، 403).
(4)
"المعجم الكبير" 25/ 184 (399) بلفظ: "من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين .. ".
(5)
رواه البيهقي في "الشعب" 4/ 42 - 43 (4292)، عن الحاكم، عن أحمد بن عبيد، عن إبراهيم بن الحسين، عن يحيى به.
(6)
من (ص 1).
(7)
النسائي 6/ 15.
تاسعها: من حديث أبي هريرة: "حرم الله عينًا سهرت في طاعة الله على النار" أخرجه في "الخلعيات" من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة
(1)
، ومن حديث بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده:"ثلاثة لا ترى أعينهم النار يوم القيامة: عين حرست في سبيل الله"
(2)
الحديث أخرجه أيضًا، ولابن عساكر من حديث إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري:"ثلاث أعين لا تحرقهم النار"، فذكر مثله، وللترمذي من حديث عطاء الخراساني عن (ابن أبي رباح)
(3)
عن ابن عباس: "حرم على عينين أن تنالهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله" الحديث
(4)
، ولعبد بن حميد في "مسنده" من حديث أبي عبد الرحمن عن أبي هريرة مثله
(5)
، ولابن عساكر من حديث الفضل بن عباس وعطية عن أبي سعيد الخدري وابن عمر نحوه.
(1)
رواه البيهقي في "الشعب" 1/ 488 - 489 (797)، من طريق موسى بن كثير والثوري وعباد بن كثير؛ عن سهيل، به.
(2)
رواه الطبراني 19/ 416 (1003)، من طريق أبي حبيب القنوي، عن بهز، به.
(3)
في هامش الأصل ما نصه: هو عطاء.
(4)
الترمذي (1639)، بلفظ:"عينان لا تمسهما النار .. " وقال: حديث حسن غريب.
(5)
"المنتخب" 3/ 208 (1445).
71 - باب فَضْلِ الخِدْمَةِ فِي الغَزْوِ
2888 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي. وَهْوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ، قَالَ جَرِيرٌ: إِنِّي رَأَيْتُ الأَنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلاَّ أَكْرَمْتُهُ. [مسلم: 2513 - فتح: 6/ 83]
2889 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو -مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَاجِعًا، وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ:"هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا". [انظر: 371 - مسلم: 1365 - فتح: 6/ 73]
2890 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ مُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرُنَا ظِلاًّ الذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ". [مسلم: 1119 - فتح: 6/ 84]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي. وَهْوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ، قَالَ جَرِيرٌ: إِنِّي رَأَيْتُ الأَنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ.
وحديثه أيضًا: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ:"هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". ثُمَّ أَشَارَ بيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ فقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكًّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا".
وحديثه أيضًا قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، (أَكْثَرُنَا)
(1)
ظِلًّا الذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ".
الشرح:
معنى: (بدا له أحد): ظهر.
ومعنى: ("يحبنا ونحبه") حقيقةً لأن الجماداتِ تعقل في بعض الأحيان قَالَ تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الآية [الأحزاب: 72] أو يحبنا أهله وَهُمْ سُكَّانُ المدينة، يريد: الثناء على الأنصار كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82].
وقوله: ("لابتيها") يريد الحرتين، واحدهما: لابة، ويجمع على لوب ويجمع لابات ما بين الثلاث إلى العشر، فإذا كثرت جمعت على اللاب واللوب، قَالَ الأصمعي: اللابة الأرض ذات الحجارة التي قد ألبستها حجارة سود، وأصله أن المدينة ما بين لابتين، فحرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها يقال: ما بين لابتيها أجهل من فلان، يراد: ما بين طرفيها.
وقوله: ("اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا") أي الطعام الذي يُكال بهما.
وقوله: (أكثرنا)
(2)
ظلًّا من يستظل بكسائه): يريد: لم يكن لهم أخبية، وذلك لما كانوا عليه من القلة.
(1)
في الأصل: أكثر، والمثبت من "الصحيح".
(2)
في الأصل: أكثر.
وفيه: أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام إذا كان (المفطر)
(1)
أقوى على الجهاد وطلب العلم وسائر الأعمال الفاضلة من معاونة ضعيف وحمل ما بالمسلمين إلى حمله حاجة.
وفيه: أن التعاون في الجهاد والتفاوض في الخدمة من حل وترحال واجب على جميع المجاهدين.
وفيه: جواز خدمة الكبير للصغير إذا راعى له شرفًا في قومه أو في نفسه أو نجابة في علم أو دين أو شبهه، وأما في الغزو فالخادم المحتسب أفضل أجرًا من المخدوم الحسيب.
(1)
في (ص 1): المفطرون.
72 - باب فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ في السَّفَرِ
2891 -
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». [انظر: 2707 - مسلم: 1009 - فتح: 6/ 85]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِله عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ".
الشرح:
يريد بالسلامى كل عظم في البدن، وقال الداودي: هي المفاصل قَالَ: وأكثر ما يقال ذَلِكَ في صغارها، كعظام الكفين والقدمين، وأصل السلامى عظم فِرْسن البعير.
وعبارة صاحب "العين": السُّلامَى: عِظامُ الأصابع والأكارع
(1)
.
قلتُ: وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا كما ثبت في "صحيح مسلم": "فمن كبر الله وحمده وهلله في يوم عددها أمسى وقد زحزح نفسه عن النار"
(2)
، كما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل ذكره عن عائشة مرفوعًا به
(3)
.
(1)
"العين" 7/ 265.
(2)
مسلم (1007) كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.
(3)
"جامع معمر" برواية عبد الرزاق 11/ 37
و ("يحامله عليها") يعينه في الحمل فيحملا بينهما.
و ("ويرفع ") معناه يحمل ويرفعه، ومنه الحديث أنه صلى الله عليه وسلم مرَّ بقوم (يربعون)
(1)
حجرًا؛ فقالوا: هذا حجر الأشد
(2)
. أي: يرفعون حجرًا يتداولون حمله بينهم يمتحنون به الشدة والقوة. كذا قاله الخطابي
(3)
، والذي في الأصول ما أوردناه:"أو يرفع له عليها متاعه".
و (الخطوة) قَالَ ابن فارس: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً أي: مرة، والخطوة ما بين الرجلين
(4)
. وقال في "أدب الكاتب": خَطَوْتُ خُطْوَةً وخَطْوَةً
(5)
، وسلف. قَالَ ابن التين: وضبطه (في)
(6)
البخاري بالضم.
وقوله: (ودل الطريق) أي: الدلالة عليه، وهذا الحديث فيه الحضُّ والنَّدْبُ على الصدقة كما أمر الله تعالى المؤمنين بالتعاون والتناصر في قوله:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وقال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا"
(7)
، "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه"
(8)
؛ فهذِه كلها وما شاكلها من حقوق المسلمين بعضهم على بعض مندوب إليها.
(1)
في الأصل: يرفعون، والمثبت من (الشعب"، وهو الموافق لمقتضى السياق.
(2)
رواه البيهقي في "الشعب" 6/ 306 (8274)، من حديث عبد الرحمن بن عجلان.
(3)
"أعلام الحديث" 2/ 1392 - 1393.
(4)
"مجمل اللغة" 1/ 295.
(5)
"أدب الكاتب" ص 434.
(6)
من (ص 1).
(7)
سلف برقم (481) كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد ..
(8)
رواه مسلم (2699) كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن.
والمراد بهذا الحديث أن الحامل في السفر لمتاع غيره إنما معناه أن الدابة للمعان فيؤجر الرجل على عونه لصاحبها في ركوبها، أو في رفع متاعه عليها، وقد جاء هذا الحديث بينًا بهذا المعنى بعد هذا، وترجم له باب من أخذ بالركاب ونحوه، وذكر فيه حديث الباب وقال هنا:"فيعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة" فدل قوله: من أخذ بالركاب ونحوه أنه أراد لدابة غيره، وإذا أجر من فعل (هذا)
(1)
في دابة غيره فأجره إذا حمل على دابة نفسه أكثر، (والله أعلم بالصواب)
(2)
.
(1)
في (ص 1): ذلك.
(2)
من (ص 1).
73 - باب فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} الآيَةِ [آل عمران: 200].
2892 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا". [انظر: 2794 - مسلم: 1881 - فتح: 6/ 85]
ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا (عَلَيْهَا)
(1)
، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، (وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)
(2)
".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بدون الزيادة الأخيرة، وفي الآية أقوال:
أحدها: عن الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك: اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداءه ورابطوا في سبيله
(3)
.
ثانيها: عن محمد بن كعب القرظي: اصبروا على دينكم، وصابروا (وعدي)
(4)
، ورابطوا أعداءكم واتقوا الله فيما يبني وبينكم
(1)
في الأصل: فيها.
(2)
من (ص 1).
(3)
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 561 - 562.
(4)
في الأصل: عدوي، وفي هامشه ما نصه:(في الأصل وعدي).
[قلت: ما في الأصل هو الصواب، وهو الموافق لمصدر التخريج].
لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني
(1)
.
ثالثها: عن زيد بن أسلم: اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه
(2)
.
رابعها: رابطوا: انتظروا الصلاة بعد الصلاة في المساجد؛ لأنه لم يكن حينئذ رباط ولا فتحت البلدان التي يكون فيها الرباط
(3)
.
خامسها: اصبروا على المصائب وصابروا الصلوات الخمس ورابطوا أعداء الله وروي عن الحسن
(4)
.
والرباط ضربان: المقام بالثغر وهو غير الوطن فإن كان وطنه فليس برباط، قاله مالك فيما نقله ابن حبيب
(5)
، والأصل فيه الآية المذكورة وحديث الباب:"رباط يوم .. " إلى آخره.
و {رِبَاطِ الخَيْلِ} : أصله من الربط بالحبل والمِقْوَد، فمعنى ربطها في سبيل الله: اتخاذها لهذا، قَالَ تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ} [الأنفال: 60].
قَالَ ابن قتيبة: أصل الرباط والمرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر، كل يُعد لصاحبه
(6)
، وإنما صار رباط يوم في سبيل الله خيرًا من الدنيا وما فيها؛ لأنه عمل يؤدي إلى الجنة،
(1)
رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 562 (8391)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 847 - 848، 851 (4689، 4694، 4711).
(2)
رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 562 (8392).
(3)
رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 562 (8394)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
(4)
رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 848؛ مختصرًا.
(5)
انظر: "المنتقى" 3/ 161.
(6)
كما في "القرطين" 1/ 109.
وصار موضع سوط في الجنة خيرًا من الدنيا وما فيها من أجل أن الدنيا فانية، وكل شيء في الجنة باق، وإن صغر في التمثيل قلنا:(وليس)
(1)
، لباقيها صغير فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة، فكان الباقي الدائم خيرًا من المنقطع.
(1)
من (ص 1).
74 - باب مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ
2893 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأَبِي طَلْحَةَ:"الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ". فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي، وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ". ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ". فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى صَفِيَّةَ. ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَوِّى لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ:"هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ". [انظر: 371 - مسلم: 1365 - فتح: 6/ 86]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ أَنه صلى الله عليه وسلم قالَ لأَبِي طَلْحَةَ: "الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ". فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذَا نَزَلَ، فذكر فيه قصة صفية واصطفاءها لنفسه.
وهو حديث ظاهره مشكل، فإن المعروف أنه خدمه قبل ذلك، قَالَ الداودي في غير هذا الحديث: أتى بي أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنس غلام كيس فليخدمك
(1)
.
(1)
سلف برقم (2768) كتاب الوصايا، باب استخدام اليتيم في السفر.
وقال هنا: ("حتى أخرج إلى خيبر") وهذا ليس بمحفوظ؛ لأن أنسًا قَالَ: خدمته عشر سنين، فكان أول خدمته قبل خيبر بست سنين؛ لأن خيبر سنة ست، ويحتمل أن يكون هذا القول منه حين خروجه إلى خيبر يخدمه غير أنس بالمدينة حَتَّى يخرج، أو أخذه للسفر فقط. ونقل ابن بطال عن أبي (عبد)
(1)
الله أن في حديث هذا وأنا غلام راهقت الحلم، وفي طريق آخر: وأنا ابن عشر سنين، وكذلك في حديث ابن عباس: ناهزت الحلم
(2)
، وفي طريق آخر: توفي رسول الله وأنا ابن عشر سنين، وقد حفظت المحكم الذي يدعونه المفصل
(3)
، فسمي أنس وابن عباس ابن عشر سنين مراهقًا.
وفيه: جواز استخدام اليتامى بشبعهم وكسوتهم، وجواز الاستخدام لهم بغير نفقة ولا كسوة إذا كان في خدمة عالم أو إمام في الدين؛ لأنه لم يذكر في حديث أنس أن له أجرة الخدمة، وإن كان قد يجوز أن تكون نفقته من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الأجرة فلم يذكرها أنس في (حديثه)
(4)
ولا ذكرها أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أبي طلحة، ولا عن أم سليم، وهما اللذان أتيا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلماه لخدمته، ولم يشترطا أجرة ولا نفقة ولا غيرها، فجائز على اليتيم إسلام أمه ووصيه و (ذي)
(5)
الرأي من أهله في الصناعات واستئجاره في المهنة، وذلك لازم (له)
(6)
وينعقد عليه.
(1)
في الأصل: عبيد. والمثبت من مصدر التخريج.
(2)
سلف برقم (1857) كتاب جزاء الصيد، باب حج الصبيان.
(3)
سيأتي برقم (5035) كتاب فضائل القرآن، باب تعليم الصبيان القرآن.
(4)
في الأصل: خدمة، والمثبت من (ص 1).
(5)
في (ص 1): ذوي.
(6)
من (ص 1).
وفيه: جواز حمل الصبيان في الغزو كما بوب له
(1)
.
وقوله: (يحوي لها وراءه) فالحوية: مركب يهيأ للمرأة، قاله في "العين"
(2)
، فكان صلى الله عليه وسلم يجعل العباءة حوية، يجعلها حول سنام البعير.
وقوله: ("اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز الكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال") قَالَ الخطابي: أكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما على اختلافهما في الاسم متقاربان في المعنى، إلا أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع، والهم إنما هو فيما يتوقع ولما يكون بعد
(3)
.
وقال القزاز: الهم: هو الغم والحزن. تقول: أهمني هذا الأمر أحزنني وهو مُهِم، ويحتمل أن يكون من همه المرض إذا أذابه وأنحله، مأخوذ من هم الشحم إذا أذابه، والشيء مهموم أي: مذاب، فيكون تعوذه من المرض الذي ينحل جسمه، (وضلع الدين): ثقله وغلظه، يقال: رجل ضليع إذا كان بدينًا قويًّا.
وقوله: (وكانت عروسًا) قَالَ الخليل: (رجل)
(4)
عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرائس قَالَ: والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في تعريسهما أياما، وأحسن ذَلِكَ أن يقال للرجل مُعرس؛ لأنه قد أعرس أي: اتخذ عروسًا، وسيأتي طرف منه في المغازي.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 87 - 88.
(2)
"العين" 3/ 318.
(3)
"أعلام الحديث" 2/ 1394.
(4)
في (ص 1): أسلفت.
75 - باب رُكُوبِ البَحْرِ
2894، 2895 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمًا في بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ:"عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ:"أَنْتِ مَعَهُمْ". ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَيَقُولُ:"أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ" فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الغَزْوِ، فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا. [انظر: 2788، 2789،
مسلم: 1912 - فتح: 6/ 87]
ذكر فيه حديث أنس في قصة أم حَرَام، وقد سلف.
وقدمنا أن فيه جواز ركوب البحر للجهاد، وإذا جاز للجهاد فالحج أجوز، لا جرم أن الأظهر عند الشافعي وجوب ركوبه له إن غلبت السلامة.
وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة؛ وكره مالك للمرأة الحج في البحر، وهو للجهاد أكره، وسببه أن المرأة لا تكاد تستر عن الرجال ولا يستترون عنها، ونظرها إلى عَورات الرجال ونظرهم إليها حرام، فلم (ير لها)
(1)
استباحة فضيلة ولا أداء فريضة بمواقعة محرم.
وذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس من ركوب البحر فلم يركبه أحد طول حياته، فلما مات استأذن معاوية عثمان بن عفان في ركوبه فأذن له، فلم يزل يركب حَتَّى كان عمر بن عبد العزيز فمنع من
(1)
في الأصل: يُولها. وأثبتنا الموافق لما في ابن بطال.
ركوبه، ثم ركب بعده إلى الآن
(1)
.
ولا حجة لمن منع ركوبه؛ لأن السنة أَبَاحَتْهُ (للجهاد)
(2)
للرجال والنساء في حديث الباب وغيره، وهي الحجة وفيها الأسوة، وقد ذكر أبو عبيد أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوبه في وقت ارتجاجه وصعوبته، ساقه من حديث أبي عمران الجوني عن زهير بن عبد الله يرفعه:"من ركب البحر إذ التَجَّ" أو قَالَ: "ارْتَجَّ فقد برئت منه الذمَّة" أو قَالَ: "فلا يلومن إلا نفسه"
(3)
، قَالَ أبو عبيد: وأكثر ظني أنه قَالَ التج باللام
(4)
، فدل على أن ركوبه مباح في غير هذا الوقت في كل شيء في التجارة وغيرها وقد سبق في باب التجارة في البحر من البيوع واضحًا.
(1)
"الاستذكار" 14/ 286 - 287.
(2)
في (ص 1): في الجهاد.
(3)
قال الحافظ في "الفتح" 6/ 88: زهير مختلف في صحبته، وقد أخرج البخاري حديثه في "تاريخه"؛ فقال في روايته:(عن زهير عن رجل من الصحابة)؛ وإسناده حسن.
(4)
"غريب الحديث" 1/ 166.
76 - باب مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي الحَرْبِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ قَالَ: لِي قَيْصَرُ: سَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.
2896 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ رضي الله عنه أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ؟ ". [فتح: 6/ 88]
2897 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنهم عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ ". [3594، 3649 - مسلم: 2532 - فتح: 6/ 88]
ثمِ ساق حديث مُصعَبِ بْنِ سعْدٍ قَالَ: رَأى سعْدٌ صلى الله عليه وسلم أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ ".
وحديث أَبِي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهم، ثُمَّ يَأْتِي زَمَان فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ".
الشرح:
التعليق عن ابن عباس سلف أول الكتاب وغيره مسندًا
(1)
.
وحديث سعد من أفراده وعند الإسماعيلي: "إنما نصر" وفي لفظ: "نصر الله هذِه الأمة بضعفائهم بدعواتهم وصلواتهم وإخلاصهم" وفي لفظ: ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وللنسائي: "بصومهم وصلاتهم ودعائهم"
(2)
.
ولعبد الرزاق عن مكحول أن سعدًا قَالَ: يا رسول الله، أرأيت رجلاً يكون حامية القوم، ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"ثكلتك أمك يا ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟! "
(3)
.
وحديث أبي سعيد سيأتي في أعلام النبوة وغيرها، وتأويل ذَلِكَ أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصًا وأكثر خشوعًا لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله تعالى، فجعلوا همَّهم همًّا واحدًا فزكت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم. وعبارة ابن التين تعني: أنهم قليلو المال والعشائر؛ لأنهم من قبائلَ شتى، يدعون من أقاصي البلاد، وهم أهل الصُّفَّة، حبسوا أنفسهم لله، فأكثر قصدهم الغزو والصلاة والدعاء.
قَالَ المهلب: إنما أراد صلى الله عليه وسلم بهذا القول لسعد الحض على التواضع، ونفي الكبر والزهو عن قلوب المؤمنين.
(1)
سلف برقم (7) كتاب بدء الوحي.
(2)
النسائي 6/ 45؛ بلفظ: "بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم".
(3)
"مصنف عبد الرزاق" 5/ 303 (9691).
ففيه من الفقه: أن مَنْ زَهَا على مَنْ هو دونه، أنه يَنْبغي أَنْ يُبَيَّنَ من فضله ما يُحْدِثُ له في نفس المَزْهُوِّ مِقْدَارًا وفضلًا حَتَّى لا يحتقر أحدًا من المسلمين، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم أبان من حال الضعفاء ما ليس لأهل القوة من الغناء، فأخبر أن بدعائهم وصومهم وصلاتهم ينصرون.
ويمكن أن يكون هذا المعنى الذي لم يذكره في حديث سعد الذي (ذكرناه)
(1)
الذي رأى به الفضل لنفسه على من دونه، وفي حديث أبي سعيد ما يشهد لصحته، ويوافق معناه قوله صلى الله عليه وسلم:"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"
(2)
؛ لأنه يفتح لهم لفضلهم ثم يفتح للتابعين لفضلهم، ثم يفتح لتابعيهم، فأوجب الفضل للثلاثة القرون، ولم يذكر الرابع، ولم يذكر له فضلاً فالنصر منهم أقل.
وفيه: معجزة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله لأصحابه وتابعيهم.
والفئام: بفاء مكسورة وهمزة، ويقال بتخفيفها، وثالثة فتح الفاء ذكره ابن عديس، قَالَ الأزهري والجوهري: العامة تقول فيام بلا همز
(3)
، وهي الجماعة من الناس وغيرهم، قاله صاحب "العين"
(4)
، ولا واحد له من لفظه.
وجاء في لفظ: "هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم" بدل من "صحب"، وهو رد لقول جماعة من المتصوفة القائلين أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يره أحد في صورته، ذكره السمعاني.
(1)
في الأصل: زدناه.
(2)
سلف برقم (2651) كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور.
(3)
"تهذيب اللغة" 3/ 2727، "الصحاح" 5/ 2000.
(4)
"العين" 8/ 405.
77 - باب لَا يَقُولُ: فُلَانٌ شَهِيدٌ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"الله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، الله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ".
2898 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ. قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالَ: الرَّجُلُ الذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ". [4202، 4207،6493، 6607 - مسلم: 112 - فتح: 6/ 89]
ثم ساق حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم التَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الَاخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي القوم رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ .. " فأتبعه رجل إلى أن ذكر
أنه جرح نفسه؛ فقتل نفسه .. الحديث، وفي آخره:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ".
الشرح:
التعليق الأول سلف قريبًا مسندًا
(1)
.
وحديث سهل يأتي في غزوة خيبر أيضًا، وقال ابن الجوزي: كان يوم أحد، (قَالَ)
(2)
: واسم الرجل قزمان وهو معدود في المنافقين، وكان تخلف يوم أحد فعيره النساء، وقلن له: ما أنت إلا امرأة فخرج، فكان أول من رَمَى بسهم، ثم كسر جفن سيفه ونادى: يا للأوس قاتلوا على الأحساب، فلما جرح مَرَّ به قتادة بن النعمان فقال له: هنيئًا لك الشهادة، فقال: إني والله ما قاتلت على دين ما قاتلت إلا على الحناط
(3)
ثم قتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"
(4)
.
واعترض المحب الطبري فقال: كذا زعم ابن الجوزي أن اسمه قزمان، وأنه عليه السلام قال:"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، وذكر أنها كانت بأحد، ويؤيده سياق ابن إسحاق في "سيرته"
(5)
، لعل
(1)
سلف برقم (2803) باب: من يجرح في سبيل الله.
(2)
من (ص 1).
(3)
ورد بهامش الأصل ما نصه: الحنوط والحناط واحد، وهو ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة.
(4)
الجزء المرفوع سيأتي برقم (3062) باب: "إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر"، من حديث أبي هريرة؛ ورواه مسلم (111) كتاب: الإيمان، باب: غلظ تخريم قتل الإنسان نفسه ..
(5)
كما في "سيرة ابن هشام" 3/ 37.
ابن الجوزي وَهِمَ في تسميته ذلك بقزمان لتشابه اللفظ.
قال: وفي رواية: كان ذلك بخيبر، وفي أخرى: بحنين. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: اعترض المهلب فقال: في الحديث ضد ما ترجم به البخاري أنه لا يقال: فلان شهيد، ثم أدخل هذا الحديث وليس فيه من معنى الشهادة شيء، وإنما فيه ضدها، والمعنى الذي ترجم به قولهم:(ما أجزأ منا اليوم أحد، ما أجزأ فلان)، فمدحوا جزاءه وغَنَاءَهُ، ففهم منهم (أنهم)
(1)
قضوا له بالجنة في نفوسهم بغنائه ذَلِكَ، فأوحى الله إليه بغيب مآل أمره لئلا يشهدوا لحي شهادة قاطعة عند الله ولا لميت كما قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عثمان بن مظعون:"والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به"
(2)
، وكذلك لا يعلم شيئًا من الوحي حَتَّى يوحى إليه به، ويعرف بغيبه فقال:"إنه في النار" بوحي من الله له.
ثانيها: الشاذة والفاذة: بذالين معجمتين، والشين في الأولى معجمة: ما شذت عن صواحبها، وكذا الفاذة التي انفردت، وصفه بأنه لا يبقى شيء إلا أتى عليه، وأنثها على وجه المبالغة كما قالوا: علامة ونسابة. وعن ابن الأعرابي: فلان لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد، وقيل: أنث الشاذة؛ لأنها بمعنى النسمة.
وقال الخطابي: الشاذة: هي التي كانت في القوم ثم شذت منهم، والفاذة: من لم تختلط معهم أصلاً
(3)
، وقال الداودي: يعني هما ما صغر وكبر ويركب كل صعب وذلول.
(1)
في الأصل: أنه. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2)
سلف برقم (1243) كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت ..
(3)
"أعلام الحديث" 3/ 1741.
و (أجزأ) مهموز، أي: ما أغنى منا ولا كفى. قَالَ القرطبي: كذا صحت روايتنا فيه رباعيًّا
(1)
. وفي "الصحاح" أجزأني الشيء: كفاني، وجزأ عني هذا الأمر، أي: قضى
(2)
.
و (ذباب السيف) طرفه كما قاله القزاز، (وحدُّه)
(3)
كما قاله ابن فارس
(4)
.
وقوله: (بين ثدييه) قَالَ ابن فارس: الثدي للمرأة، والجمع الثُّدى، ويذكر ويؤنث، وثُنْدُؤَةُ الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فتحت لم يهمز، ويقال: هو طرف الثدي
(5)
.
ووصفه الرجل بأنه من أهل النار يحتمل أمورًا:
أحدها: لنفاقه في الباطن ويؤيده ما أسلفناه.
ثانيها: أنه لم (يكن ليقاتل)
(6)
لتكون كلمة الله هي العليا.
ثالثها: أنه ارتاب عند الجزع فمات على شك.
رابعها: أنه لم يبلغ به الجراح إلى أن أنفذت مقاتِلَهُ ليكون كمن استسرع الموت، وكمن احترق مركب وهو فيه فرمى بنفسه إلى البحر وإن كان ربيعة يكره ذَلِكَ، قَالَ ابن التين: وذكره أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة يدل أنه لم يكن منافقًا ولا قاتل لغير الله، وإنما ذَلِكَ لقتله نفسه.
ثالثها: فيه صدق الخبر عما يكون وخروجه على ما أخبر به المخبر زيادة في زكاته، وهو من الشارع من علامات النبوة، وزيادة في يقين
(1)
"المفهم" 1/ 317.
(2)
"الصحاح" 1/ 40.
(3)
في (ص 1): أو حدُّه.
(4)
"مجمل اللغة" 1/ 355.
(5)
"مجمل اللغة" 1/ 157.
(6)
في (ص 1): يقاتل.
المؤمنين به، ألا ترى قول الرجل حين رأى قَتْلَهُ لِنَفْسِهِ: أشهد أنك رسول الله، وهو قد كان شهد قبل ذلك، وقد قال ذلك الصديق في غير ما قصة، حين كان يرى صدق ما أخبر به، كان يقول: أشهد أنك رسول الله.
وفيه: جواز الإغياء
(1)
في الوصف لقوله: (ما أجزأ منا اليوم أحد مثل ما أجزأ)، ولا شك أن في الصحابة من كان فوقه، وأنه قد ترك شاذات وفاذات لم يدركها، وإنما خرج كلامه على الإغياء والمبالغة، وهو جائز عند العرب.
وقوله: (إلا اتبعها بسيفه) معناه: يضرب الشيء المتبوع؛ لأن المؤنث قد يجوز تذكيره على معنى أنه شيء وأنشد الفراء (للأعرابية)
(2)
: تركتني في الحي ذا غربة
تريد ذات (غربة)
(3)
، لكنها ذكرت على تقدير تركتني في الحي (إنسان)
(4)
ذا غربة أو شخصا ذا غربة، قَال القرطبي في حديث أبي هريرة:"إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار فيدخلها" وهو غير حديث سهل، لأن ذاك لم يكن مخلصًا، وهنا يتأول -على بُعْدٍ- على من كان مخلِصًا في أعماله قائمًا على شروطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر الذي لا محيص عنه فبدل به عند خاتمته
(5)
.
(1)
ورد بهامش الأصل ما نصه: يقال: أغيا الرجل إذا بلغ [الغاية] في الشرف والأمر و [الغاية] في سباقه كذلك.
(2)
بياض في الأصل، والمثبت من (ص 1).
(3)
من (ص 1).
(4)
كذا في الأصول، والصحيح: إنسانًا، وعليها في الأصل: كذا.
(5)
"المفهم" 1/ 319.
78 - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّمْيِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى عز وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} . [الأنفال: 60]
2899 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ". قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ ". قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِى وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ". [3373، 3507 - فتح: 6/ 91]
2900 -
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ". [3984، 3185 - فتح: 6/ 91]
ذكر فيه حديث سَلَمَة بْن الأَكْوَع: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ". قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأيْدِيهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟. قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ".
وحديث أبي نُعَيْمٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم يوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ".
الشرح:
أما الآية: فالقوة المذكورة فيها هو الرمي، كما أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: " {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] ألا إن القوة الرمي" ثلاثًا
(1)
. وقال ابن المنذر أيضًا: إنه ثابت. والقوة: التقوِّي بإعداد ما يحتاج إليه من الدروع والسيوف وسائر آلات الحرب، إلا أنه لما كان الرمي أنكاها في العدو، وأنفعها على ما هو مشاهد، فسرها به وخصها بالذكر وأكدها ثلاثًا.
وفيه أيضًا من هذا الوجه مرفوعًا: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا"
(2)
، وفي رواية الحاكم "فهي نعمة كفرها". ثم قَالَ: صحيح الإسناد
(3)
. ولأبي داود: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة، صانعه يحتسب به، والرامي به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا، ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها" أو قَالَ: "كفرها"
(4)
.
وللترمذي من طريق منقطعة: "ألا إن الله سيفتح عليكم الأرض، وستكفون المؤنة، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بسهمه"
(5)
.
(1)
مسلم (1917) كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه،
(2)
مسلم (1919) كتاب الإمارة، باب فضل الرمي، من حديث عقبة بن عامر.
(3)
"المستدرك" 2/ 95.
(4)
"سنن أبي داود"(2513) وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(433).
(5)
"سنن الترمذي"(3083)، من طريق صالح بن كيسان، عن رجل لم يسمه، عن عقبة بن عامر، به مرفوعًا.
وحديث سلمة: من أفراده، وفي رواية للحاكم: فلقد رموا عامة يومهم ذَلِكَ ثم تفرقوا على السواء ما يضل بعضهم بعضا. وقال في أوله: "حسن هذا اللهو"
(1)
مرتين أو ثلاثًا، ثم قَالَ: صحيح الإسناد
(2)
. وروى ابن (مطير)
(3)
في كتاب "الرمي" بإسناده عن أبي العالية عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم مر بنفر يرمون فقال: "رميًا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا"
(4)
.
وروى ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم يرمون، فقال:"ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع ابن الأدرع". فأمسك القوم قسيهم قالوا: من كنت معه غلب. قَالَ: "ارموا وأنا معكم كلكم"
(5)
.
قلتُ: وابن الأدرع اسمه محجن كما أفاده ابن عبد البر
(6)
، وفي حديث سلمة هذا تقويةٌ لما رواه ابن سعد من حديث ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أخبرني بكر بن سوادة، سمع علي بن رباح يقول: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم"
(7)
، وذكره ابن هشام أيضًا عن بعض أهل اليمن يعني
(1)
تحرفت (اللهو) في مطبوع الحاكم إلى: (اللهم).
(2)
"المستدرك" 2/ 94.
(3)
تحرفت الميم منها في الأصل إلى باء. والصواب المثبت؛ وهو أبو القاسم الطبراني ونسب هنا إلى جد له، وهو صاحب المعاجم الثلاثة.
(4)
"الرمي"(12)، وفي "المعجم الكبير" 12/ (12746)، ورواه ابن ماجه (2815)، وأحمد 1/ 364، وصححه الحاكم 2/ 94 على شرط مسلم.
(5)
"صحيح ابن حبان" 10/ 548 (4695).
(6)
"الاستيعاب" 3/ 419.
(7)
"الطبقات الكبرى" 1/ 51.
النسابين
(1)
، وفي كتاب الزبير: حَدَّثَني إبراهيم الجزامي، حَدَّثَني عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن صالح الحميري، عن ثور، عن مكحول قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:"العرب كلها بنو إسماعيل إلا أربع قبائل: السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف". ورواه صاعد في "فصوصه" من حديث عبد العزيز بن عمران، عن معاوية أخبرني مكحول، عن مالك بن يخامر وله صحبة، فذكره
(2)
.
قَالَ ابن عبد البر: قَالَوا: قحطان بن تيمن بن هميسع بن نبت وهو ثابت بن إسماعيل، وقيل: قحطان بن يمن بن هميسع بن ثابت، وقيل: قحطان بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هود بن شروان بن الثيان بن العامل بن مهران بن يحيى بن يقظان بن (سادب)
(3)
وهو ثابت بن تيمن بن النبت بن إسماعيل صلى الله عليه وسلم، ومن جعل قحطان من ولد إسماعيل يشهد له قول المنذر بن حرام جد حسان بن ثابت حيث يقول:
ورثنا من البهلول عمرو بن عامر
…
وحارثة الغِطْرِيف مجدًا مؤثَّلا
مآثر من نبت بن نبت بن مالك
…
ونبت بن إسماعيل ما إن تحولا
وحديث أبي أُسيد -بضم الهمزة- ذكره في المغازي عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي أحمد الزبيري، عن ابن الغسيل، عن حمزة والزبير بن المنذر بن أبي أسيد، عن أبيهما.
وخالف في ذَلِكَ أبو نعيم الحافظ فأدخل بين حمزة وابن الغسيل عباس بن سهل بن سعد من طريق أبي أحمد الزبيري، عن
(1)
"سيرة ابن هشام" 1/ 4 - 5.
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 35/ 155؛ من طريق عبد العزيز بن عمران، به.
(3)
كذا بالأصل.
عبد الرحمن، عن عباس، عن حمزة، عن أبيه، ورواه الطبراني من طريق يحيى الحماني وأي نعيم الدكيني، عن ابن الغسيل، عن عباس وحمزة بن أبي أسيد
(1)
. وقال أبو نعيم مرة: عن المنذر بن أبي أسيد. ولم يقل: الزبير بن المنذر بن أبي أسيد. وكأنه أشبه لقوله: عن أبيهما.
فائدة:
قيل: سمي الغسيل لأن الملائكة غسلته. وعبد الرحمن قيل: عاش مائة وستين سنة حكاه ابن التين.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فمعنى: (يَنْتَضِلُون): بالضاد المعجمة يَرْتَمُون، يقال: ناضلت الرجل: رميته.
والنَّضْلُ الرمي مع الأصحاب، وقال ابن فارس: نَضَلَ فَلانٌ فلانًا في المُرَاماة إذا غلبه، ونَاضَلْت فلانًا غلبته، وانْتَضَل القوم وتَنَاضَلُوا إذا رموا للسَّبْقِ
(2)
.
ثم فيه فوائد: الأولى: قوله "ارموا بني إسماعيل" فيه دلالة على رجحان قول من قَالَ من أهل النسب أن اليمن من ولد إسماعيل وأسلم من قحطان، وقد سلف واضحًا.
الثانية: قوله: "فإن أباكم": فيه أن الجد وإن على يسمى أبًا.
الثالثة: أن السلطان يأمر رجاله بتعلم الفروسية ويحض عليها.
الرابعة: أن الرجل يطلب الخلال المحمودة ويتبعها ويعمل (بمثلها)
(3)
، قَالَ:
(1)
"المعجم الكبير" 19/ 262 (581 - 582).
(2)
"مجمل اللغة" 2/ 870 - 871، مادة:(نضل).
(3)
في (ص 1): (بها).
ألسنا وإن كرمت أوائلنا
…
يومًا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
…
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
الخامسة: قوله: (حين صففنا لقريش). وفي بعض النسخ: أسففنا، حكاه الخطابي ثم قَالَ: فإن كان محفوظًا فمعناه القرب منهم والتدلي عليهم؛ كأن مكانهم الذي كانوا فيه أهبط من مصاف هؤلاء، ومنه قولهم: أسف الطائر في طيرانه، إذا انحط إلى أن يقارب إلى وجه الأرض، ثم يطير صاعدًا
(1)
.
السادسة: (أكثبوكم). بثاء مثلثة ثم باء موحدة، أي دنوا منكم وقاربوكم، وفي "الغريبين" حذف الألف، فلعلهما لغتان، وقال ابن فارس: أكثب الصيد إذا أمكن من نفسه، وهو (من)
(2)
الكَثَبَ وهو القُرْب
(3)
. وقال الداودي معنى أكثبوكم: كثروا وحملوا عليكم، وذلك أن النبل إذا رمي في الجمع لم يخطئ، ففيه ردع لهم. ونقل ابن بطال عن "الأفعال" أن العرب تقول: أكثبك الصيد قرب منك، والكثب: القرب، فمعنى أكثبوكم قربوا منكم
(4)
.
السابعة: أن السلطان يعلم المجودين بأنه معهم، أي: من حزبهم، ومحب لهم كما فعل صلى الله عليه وسلم للمجودين في الرماية، فقال:"وأنا مع بني فلان". أي أنا محب لهم ولفعلهم، كما قَالَ:"المرء مع من أحب"
(5)
.
الثامنة: أنه يجوز للرجل أن يبين عن تفاضل إخوانه وأهله وخاصته
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1395.
(2)
من (ص 1).
(3)
"مجمل اللغة" 2/ 779، مادة: كثب.
(4)
"الأفعال" ص 65 - 66، "شرح ابن بطال" 5/ 95.
(5)
سيأتي برقم (6168) كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله عز وجل.
في محبته ويعلمهم كلهم أنهم في حزبه ومودته كما قَالَ صلى الله عليه وسلم: "أنا معكم كلكم" بعد أن كان أفرد إحدى الطائفتين.
التاسعة: أن من صار السلطان عليه في جملة الحزب المناضلين له أن لا يتعرض لمناوأته كما فعل القوم حين أمسكوا؛ لكونه صلى الله عليه وسلم مع مناضليهم خوف أن يرموا فيسبقوا فيكون صلى الله عليه وسلم مع من سُبق، فيكون ذَلِكَ جنفًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسكوا تأدبًا، فلما أعلمهم أنه معهم أيضًا رموا؛ لسقوط هذا المعنى.
العاشرة: أن السلطان يجب أن يعلم بنفسه أمور القتال اقتداءً به.
فائدة:
في فضل الرمي والتحريض عليه غير ما سبق، ولنذكر منها خمسة أحاديث:
أحدها: حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة مرفوعًا في فضل من رمى بسهم في سبيل الله، أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح
(1)
.
ثانيها: حديث كعب بن مرة: "من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة". أخرجه النسائي
(2)
، ولابن حبان:"من رمى فبلغ العدو بسهم رفع الله به درجته" فقال عبد الرحمن بن النَّحَّام: يا رسول الله، ما الدرجة؟ قَالَ:"أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام"
(3)
.
(1)
"سنن الترمذي"(1638).
(2)
"سنن النسائي" 6/ 27؛ وهذا لفظ ابن حبان، وإنما أخرجه النسائي باللفظ الذي عزاه المصنف لابن حبان.
(3)
"صحيح ابن حبان" 10/ 475 (4614) باللفظ الذي عزاه المصنف للنسائي دون قوله: "فبلغ العدو أو لم يبلغ".
ثالثها: حديث عقبة، وقد سلف أول الباب، ورويناه في "الخلعيات" من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن -يعني: ابن أبي الحسناء؛ فيما صوبه الخطيب- عن أنس "يدخل الله الجنة بالسهم ثلاثة: الرامي به، وصانعه، والمحتسب به"، وفي لفظ:"من اتخذ قوسًا عربية وجبيرها -يعني: كنانته- نفي عنه الفقر" وفي لفظ: "أربعين سنة".
رابعها: حديث على رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يرمي بقوس فارسية فقال: "ارم بها" فنظر إلى قوس عربية فقال: "عليكم بهذِه وأمثالها، فإن بهذِه يمكن الله لكم في البلاد ويزيدكم في النصر" أخرجه أبو داود
(1)
من حديث أبي راشد الحبراني عنه
(2)
، وإنما نهى عن القوس الفارسية؛ لأنها إذا انقطع وترها لم ينتفع بها صاحبها، والعربية إذا انقطع وترها كان له عصا ينتفع بها، حكاه البيهقي
(3)
.
خامسها: حديث أبي عبيدة
(4)
عن أبيه عبد الله قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف: "قاتلوا أهل الصنع
(5)
فمن بلغ بسهم فإنه درجة في الجنة". أخرجه الطبراني.
(1)
المعنيُّ به هنا هو الطيالسي.
(2)
"مسند أبي داود الطيالسي" 1/ 130 (149).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى" 10/ 14.
(4)
ورد بهامش الأصل ما نصه: أخرج حديث عبد الله هذا القراب في كتاب "الرمي" من حديث ابنه أبي عبيدة عنه "قاتلوا أهل الصنع فمن جمع منهم فله درجة" قالوا يا رسول الله ما الدرجة؟ قال: "من بين الدرجتين خمسمائة عام". أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا.
(5)
ورد بهامش الأصل ما نصه: الصنع بالصاد المهملة المكسورة ثم نون ساكنة ثم عين مهملة: وهو الموضع الذي يتخذ بناءً وجمعه أصناع، ويقال منها: مصنع ومصانع، وقيل: أراد بالصنع ما فيه الجص، والمصانع: المباني من القصور وغيرها.
79 - باب اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِهَا
2901 -
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِهَا. فَقَالَ:"دَعْهُمْ يَا عُمَرُ". وَزَادَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ: في المَسْجِدِ. [مسلم: 893 - فتح: 6/ 92]
ذكر فيه حديث مَعْمَرٍ، عَنِ الزّهْرِيّ، عَنِ ابن المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا الحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوى إِلَى الحَصَي فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقَالَ:"دَعْهُمْ يَا عُمَرُ". وَزَادَ عَلِيٌّ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ: فِي المَسْجِدِ.
وأخرجه الإسماعيلي من حديث الوليد، ثنا الأوزاعي، عن الزهري؛ فقال: في المسجد.
وكذا هو في "صحيح مسلم"، وهذا الحديث سبق في مثله في الصلاة، وترجم عليه: باب: أصحاب الحراب في المسجد
(1)
، وقد سلف هناك.
واللعب بالحراب سنة؛ ليكون ذَلِكَ (عدة)
(2)
للقاء العدو؛ وليتدرب الناس فيه، ولم يعلم عمر معنى ذَلِكَ حين حصبهم حَتَّى قَالَ صلى الله عليه وسلم:"دعهم".
ففيه: أن من تأول فأخطأ لا لوم عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يوبخ عمر على ذَلِكَ، إذ كان متاولاً، وقال ابن التين: حصب عمر الحبشة يحتمل أن يكون لم ير رسول الله، ولم يعلم أنه رآهم، أو يكون ظن أنه استحى
(1)
سلف برقم (454) من حديث عائشة.
(2)
مكررة في الأصل.
منهم، قَالَ: وهذا أولى؛ لقوله: يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه: جواز مثل هذا اللعب في المسجد إذا كان مما يشمل الناس نفعه، وقد سلف (مستوفى)
(1)
في الباب المشار إليه.
(1)
وقع في (ص 1) مبسوطًا.
80 - باب المِجَنِّ وَمَنْ يَتَتَرَّسُ بِتُرْسِ صَاحِبِهِ
2902 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ. [انظر: 2880 - مسلم: 1811 - فتح: 6/ 93]
2903 -
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَأْسِهِ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ في المِجَنِّ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ، فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ، فَرَقَأَ الدَّمُ. [انظر: 243 - مسلم 1790 - فتح: 6/ 93]
2904 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ.
ذكر فيه ثلاثة أحاديث.
أحدها: حديث أَنَسٍ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْي، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ.
ثانيها: حديث سَهْلٍ: لَمَّا كُسِرَتْ رباعيته، وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي المِجَنِّ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى المَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ، فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ، فَرَقَأَ الدَّمُ.
ثالثها: حديث عُمَرَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ.
الشرح:
حديث أنس من أفراده.
ومعنى: (يتترس مع رسول الله بترس واحد) قيل: يريد لأن الرامي لا يمسك الترس إنما يرمي بيديه جميعًا، فيستره رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يرمى وكان حسن الرمي وانكسر في يده قوسان أو ثلاثة، وفي رواية: أنه كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشرف فيصيبك العدو، نحري دون نحرك
(1)
.
وفي حديث سهل ما أصيب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مما ذكر من كسر البيضة والرباعية، وهي السن التي بين الثنية والناب، وإدماء وجهه، أدماه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد، ورماه ابن قمئة، وقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أقمأك الله في النار" فدخل بعد ذَلِكَ صبرة غنم فنطحه تيس منها، وواراه فلم يوجد له مكان، وأراد أبّي بن خلف أن يرميه، فأراد طلحة أن يحول بينه وبينه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يلي:"كما أنت"، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أُبَيًّا فأصابه تحت سابغة الدرع في نحوه فمات من يومه
(2)
.
وقوله: (فرقاً الدم) وهو مهموز أي: أمسك عن الجري.
(1)
سيأتي برقم (3811) كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب أبي طلحة رضي الله عنه.
(2)
في هامش الأصل: المشهور أنه حمل إلى سرف فهلك بها.
قَالَ صاحب "الأفعال": يقال: رقأ الدم والدمع رقوءًا: سكن بعد جَرْيه
(1)
.
وقوله: (مما لم يوجف) يقال: وجف البعير يجف وَجَفًا وَوَجِيْفًا، وهو ضرب من سيره، وأَوْجَفه صاحبه إذا سار به ذَلِكَ السير، قَالَ ابن فارس: أوجف أعنق في السير
(2)
، وقال نحوه الهروي، ووجيفها سرعتها في سيرها، وأوجفها راكبها، وكانت غزوة بني النضير في سنة أربع، وقال ابن شهاب: سنة ثلاث.
و (الكراع): اسم لجميع الخيل.
وفيه: -كما قَالَ المهلب- ركوب شيء من (الغرر)
(3)
للإمام لحرصه على معاينة مكان العدو، وإن كان احتراس الإمام خطيرًا، أو ليس كسائر الناس في ذَلِكَ بل هو آكد.
وفيه: اختفاء السلطان عند اصطفاف القتال لئلا يعرف مكانه.
وفيه: امتحانُ الأنبياء وابتلاؤُهم (كما سلف)
(4)
ليعظُمَ بذلك أجرهم، ويكون أسوة بمن ناله جرح وأم من أصحابه فلا يجدون في أنفسهم مما نالهم غضاضة، ولا يجد الشيطان السبيل إليهم بأن يقول لهم: تقتلون أنفسكم، وتحملون الآلام في صون هذا، فإذا أصابه ما أصابهم فقدت هذِه المكيدة من اللعين، وتأسى الناس به، وجدّوا في مساواتهم له في جميع أحواله.
(1)
"الأفعال" لابن القوطية ص 258.
(2)
"مجمل اللغة" 2/ 917.
(3)
كذا في الأصل، وفي ابن بطال: الغدر، لكن ناسخ الأصل جوَّد كتابتها على ما قدمناه.
(4)
من (ص 1).
وفيه: خدمة الإمام، وبذل (السلاح)
(1)
فيما يضرها إذا كان في ذَلِكَ منفعة لخطير من الناس.
وفيه: دليل أن ترسهم كانت متقعرة ولم تكن منبسطة، فلذلك كان يمكن حمل الماء فيها.
وفيه: أن النساء ألطف بمعالجة الرجال الجرحى.
(1)
كذا في الأصل، وفي هامش الأصل: صوابه: النفس أو الأنفس.
-
باب
2905 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا رضي الله عنه يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:"ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي". [4058، 4059، 6184 - مسلم: 2411 - فتح: 6/ 93]
ذكر فيه حديث على: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:"ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمَّي".
الشرح:
ادَّعى المهلب أن هذا مما خص به سعد، وليس كذلك ففي الصحيحين أنه فدى الزبير بذلك
(1)
، وقد سلف، ولعل عليًّا لم يسمعه. قال النووي: وقد جمعهما لغيرهما أيضًا، والفدية بذلك جائزة عند الجمهور، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه. والصحيح الجواز مطلقًا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو بر ولطف وإعلام بمحبته له، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقًا
(2)
.
وأَمَّا ما رَوى أبو أسامة
(3)
- عن مبارك، عن الحسن: دخل الزبير على رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو شاك؛ فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك؟ فقال
(1)
سيأتي برقم (3720) كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب الزبير بن العوام رضي الله عنه، ورواه مسلم (2416) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير.
(2)
"شرح مسلم" 15/ 184.
(3)
تحرفت في الأصل إلى (سلمة)، والمثبت من مطبوع "تهذيب الآثار".
- صلى الله عليه وسلم: "ما تركت أعرابيتك بعد" قَالَ الحسن: لا ينبغي أن يفدي أحدٌ أحدًا. ورواه المنكدر عن أبيه قَالَ: دخل الزبير فذكره ..
(1)
- فَغَيْرُ صَحِيحٍ لإرسالِ الأوَّلِ وضَعْفِ الثاني.
قَالَ الطبري: هذِه أخبار واهية لا (يثبت بمثلها)
(2)
حجة؛ لأن مراسيل الحسن أكثرها صُحُفٌ غَيرُ سَمَاعٍ، وإذا وصل الأخبار فأكثر روايته عن مجاهيل لا يعرفون، والمنكدر بن محمد عند أهل النقل لا يعتمد على نقله. وعلى تقدير الصحة ليس فيه النهي عن ذَلِكَ، والمعروف من قول القائل إذا قَالَ: فلان لم يترك أعرابيته أنه نسبه إلى الجفاء لا إلى فعل ما لا يجوز، وأَعْلَمَهُ أن غيره من القول والتحية ألطف وأرق منه
(3)
. وسيمر بك شيء من هذا المعنى في كتاب الأدب إن شاء الله.
ثم التفدية منه دعاء، وأدعيته مستجابة، وقد يوهم أن يكون فيه إزراء بحق الوالدين، وإنما جاز ذَلِكَ؛ لأن أبويه ماتا وهما هما، وسعد مسلم، ففديته بهما غير محظور، قاله الخطابي
(4)
.
وفيه: دلالة على حرمة الأبوة كيف كانت وحقها؛ لأنه لا يفدي إلا بذي حرمة ومنزلة، وإلا لم تكن بفدية ولا بفضيلة للمفدى. ومن هنا قَالَ مالك: من آذى مسلمًا في أبويه الكافرين عوقب وأدب بحرمتهما عليه.
(1)
الحديثان رواهما الطبري في "تهذيب الآثار" مسند علي (181، 183).
(2)
في (ص 1): (ينسب لمثلها).
(3)
"تهذيب الآثار" مسند علي ص 112 - 113.
(4)
"أعلام الحديث" 2/ 1397.
81 - باب الدَّرَقِ
2906 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "دَعْهُمَا". فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. [انظر: 949 - مسلم: 892 - فتح: 6/ 94]
2907 -
قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَإِمَّا قَالَ:"تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ". فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ: "دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ". حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: "حَسْبُكِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاذْهَبِي". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، فَلَمَّا غَفَلَ. [انظر: 454 - مسلم: 812 - فتح: 6/ 94]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ. قَالَتْ: وَكَانَ (يومًا عندي)
(1)
يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، إلى قوله:"دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ". قَالَ أَحْمَدُ، عَنِ ابن وَهْبٍ: فَلَمَّا غَفَلَ. وقد سلف في العيد وغيره.
و (أرفدة) لعب لهم أو اسم أبيهم الأقدم، وقال ابن بطال: نسبة إلى جدهم وكان يسمى أرفدة
(2)
.
وفيه: أن الدرق من آلات الحرب التي ينبغي لأهلها اتخاذها، والتحرز بها من أسلحة العدو، وأن الصحابة استعملوها في ذَلِكَ.
وقوله: ("دونكم بني أرفدة") يحضهم على ما هم فيه من اللعب بالحراب والدرق؛ لأن في ذَلِكَ منفعة وتدريبًا وعدة للقاء العدو.
(1)
في هامش الأصل ما يشير إلى أنه في نسخة: يوم عيد.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 98.
82 - باب الحَمَائِلِ وَتَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالْعُنُقِ
2908 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الَمدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الخَبَرَ، وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأبي طَلْحَةَ عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهْوَ يَقُولُ:"لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا". ثُمَّ قَالَ: "وَجَدْنَاهُ بَحْرًا". أَوْ قَالَ: "إِنَّهُ لَبَحْرٌ". [انظر: 2627 - مسلم: 2307 - فتح: 6/ 95]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاسِ .. وَأَشْجَعَ النَّاسِ، إلى أن قال: وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عري وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ. وقد سلف.
وذكره هنا لأجل قوله: (وفي عنقه السيف). فأفاد به أن السيوف كانت تقلد في الأعناق، بخلاف قول من اختار أن تربط في الحزام ولا تتقلد في العنق، وليس في شيء من هذا حرج.
وقوله: (عُرِيًّ). هو بكسر الراء وتشديد الياء كما ضبطه ابن التين، ثم قَالَ: وقال ابن فارس: اعروريت الفرس: ركبته عَرْيًا
(1)
، وهي نادرة، وضبطه بإسكان الراء وتخفيف الياء.
وقوله: ("لم تراعوا") قيل: لا تخافوا، فتكون:"لم" بمعنى (لا) كقول الهذلي:
وقالوا يا خويلد لم ترع
وقيل: تقديره: لم يكن خوف فتراعوا.
(1)
"مجمل اللغة" 2/ 664.
وقوله: (ولقد فزع أهل المدينة). قَالَ الخطابي: الفزع يكون لمعنين: أحدهما الخوف، والآخر بمعنى الإغاثة، ومنه قوله للأنصار:"لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع"
(1)
، وقاله ابن فارس
(2)
، وهو هنا: الذعر والخوف.
(1)
"أعلام الحديث" 2/ 1398.
(2)
"مجمل اللغة" 2/ 720.
83 - باب حِلْيَةِ السُّيُوفِ
2909 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأوزَاعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَة سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلا الفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ العَلَابيَّ وَالآنُكَ وَالَحْدِيدَ. [فتح: 6/ 95]
ذكر فيه: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ، أَنَا الأَوْزَاعِيُّ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ؟ لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلَا الفِضِّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ العَلابِيَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ.
وهو من أفراده، وعند الإسماعيلي: دخل -يعني سليمان بن (حبيب)
(1)
- على أبي أمامة حِمْصَ فَبصر برجل عليه سيف محلى، فغضب غضبًا شديدًا وقال: لأنتم أبخل من أهل الجاهلية، إن الله يرزق منكم الدرهم ينفقه في سبيل الله بسبعمائة، ثم إنكم تمسكون. ولما رواه أبو نعيم: قَالَ الأوزاعي: (العلابي): الجلود الخام التي ليست بمدبوغة. ولابن ماجَهْ: دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا [شيئا]
(2)
من حلية فضة، فغضب .. الحديث
(3)
.
و (عبد الله) في سند البخاري هو ابن المبارك.
و (الأوزاعي) هو الإمام عبد الرحمن بن عمرو، سكن (في)
(4)
الأوزاع فنسب إليهم.
و (سليمان بن حبيب) هو المحاربي، قاضٍ شامي، تقضَّى سبعًا وعشرين سنة، وأبي أمامة اسمه صُدَيُّ بن عجلان.
(1)
تحرفت في الأصل إلى جندب.
(2)
زيادة من مصدر التخريج.
(3)
ابن ماجه (2807).
(4)
من (ص 1).
إذا تقرر ذَلِكَ، فالعَلابي جمع علباء، وهي: عصب العنق يُشْرَكُ ويُشَدُّ بِهَا -وهي رطبة- أجفان السيوفِ. وقيل: هي أَمْتَنُ ما يكون من البعير من الأعصاب. وقيل: تجفف ثم تشقق ثم يشد بها أجفان السيوف. وقال قوم في تأويل الحديث: هي ضرب من الرصاص. ولذلك قرن به الآنك، وهو ضرب منه، ذكره القزاز منكرًا على قائله، وأنه ليس بمعروف، إنما المراد شدها بالعلاب، وهو العصب. وقال الداودي: هي الرصاص، وأنكر عليه ذلك. وقال أبو (المعالي)
(1)
في "المنتهى": العلباء العصبة الصفراء في عنق البعير، وهما علباوان بينهما منبت العرق، وإن شئت علباءان لأنها همزة ملحقة، وإن شئت شبهتهما بالتأنيث التي في حمراء، وبالأصلية التي في كساء، والجمع: العلابي، والعلابي أيضًا: جنس من الرصاص. والعلابي في الحديث جمع علباء؛ لأنهم كانوا يشدون سيوفهم بالعلابيِّ.
و (الآنك): ضرب من الرصاص. وقال الفراء فيما حكاه في "الموعب" عنه: ربما أنث العلباء، ذهبوا به إلى العصبة، وهو قليل. وقال أبو حاتم: سالت بعض الفصحاء عن تأنيث العلباء، فأنكره. وفي "نوادر اللحياني": هو مذكر لا غير. وقال الجوهري: العلابي: العصب، عصب العنق، واحدها: عِلباء وقال: والعلابيُّ أيضًا الرصاص أو جنس منه
(2)
. وقال الأزهري في "تهذيبه": كانت العرب تشد بالعلابيِّ الرطبة أجفان سيوفها فتجف عليها
(3)
.
(1)
في الأصل: المعاني، وصوابها المعالي، وسيتكرر هذا التحريف مرارًا في ثنايا النسخة الأصل.
(2)
"الصحاح" 1/ 188.
(3)
"تهذيب اللغة" 3/ 2541.
وقال ابن بطال: هو شرك. قَالَ صاحب "العين": رُمْحٌ مُعَلَّبٌ ومَعْلُوبٌ مَجْلُوزٌ بِالعِلْبَاء، وهي: عصب العنق، يقال: عَلَّبت السيف أعلبه علبًا. إذا حرمت مقبضه بعلباء البعير. والآنك: الرصاص، وهو الأُسْرُبُّ
(1)
، قاله ابن بطال
(2)
. وقال ابن عزيز: هو الرصاص والأسْرُبُّ، وهو واحد لا جمع له. وقيل: هو من شاذ كلام العرب أن يكون واحد زنته أفعل، وكذلك أشد مثله. وقال ابن فارس: هو الذي يقال له السرب. وقال عن أعرابي: هذا رصاص آنك، وهو الخالص
(3)
. وقال الداودي: الآنك: القصدير. وكذا قَالَ في "الواعي": أنه الأُسْرُبُّ. يعني: القصدير. زاد في "المغيث": جعله بعضهم الخالص منه. وقيل: الآنك: اسم جنس، والقطعة منه آنكة، قيل: ويحتمل أن يكون الآنك فاعلاً وليسَ بأفعل، ويكون أيضًا شاذًّا
(4)
. وذكر الكراع أنه الرصاص القلعي. وقيل: الآنك: الرصاص الأبيض. وقيل: الأسود.
وفيه: كما قَالَ المهلب أن الحلية المباحة من الذهب والفضة في السيوف إنما كانت ليرهب بها على العدو، فاستغنى الصحابة بشدتهم على العدو وقوتهم في الإيقاع بهم والنكاية لهم عن إرهاب الحلية لإرهاب الناس وشجاعتهم.
(1)
في هامش الأصل: قال الشيخ مسجد الدين في "القاموس": الأسرب: كقنفذ، وفي نسختي بـ "الصحاح" مشدد بالقلم، وهي صحيحة.
(2)
"شرح ابن بطال" 5/ 99، "العين" 2/ 47.
(3)
"مجمل اللغة" 1/ 105، وفيه: هو الذي يقال له: الأُسْرُبُّ.
(4)
"المجموع المغيث" 1/ 98.
84 - باب مَن عَلَّقَ سَيفَهُ بِالشَّجَرِ فِي السَّفَرِ عِندَ القَائِلَةِ
2910 -
حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبُ، عَنِ الزّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِىِ سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَتيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَة، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا وَإِذَا عنده أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ:"إِنَّ هذا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللهُ"، ثَلَاثًا؛ وَلَمْ يعَاقِبْهُ وَجَلَسَ [2913، 4134، 4135، 4136 - مسلم: 843 - فتح: 6/ 96]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ" صلى الله عليه وسلم قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، ثم ذكر أنه علق سيفه بشجرة وذكر قصة الأعرابي معه.
ثم ترجم له بعد باب: تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر، ثم ساقه أيضًا. وفي لفظٍ: كان قتادة يذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا هذا الأعرابي (ويتلو)
(1)
{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ} الآية [المائدة: 11]
(2)
.
(1)
في الأصل (يتلوا)؛ بالألف الفارقة على رسم القدامى من الكُتَّاب؛ والجادة أن تكتب بلا ألف على قول بعض المتأخرين؛ نبه عليه النووي في "شرح مسلم" 1/ 179.
(2)
رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 182 (684)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" 4/ 487) (11569)، والبيهقي 9/ 67.
قَالَ البخاري: قَالَ مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث
(1)
. ورواه ابن أبي شيبة عن أسود بن عامر، ثَنَا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قَالَ: كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم شجرة وأظلها، قَالَ: فنزلنا تحت شجرة، فجاء رجل وأخذ سيفه وقال: يا محمد من يعصمك مني؟ قَالَ: "الله" فأنزل الله تعالى: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}
(2)
[المائدة: 67] ولم يذكر فيه أن أحدًا كان يحرسه، بخلاف ما كان عليه في أول (أمره)
(3)
، فإنه كان يحرس حتى نزل:{وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
وروى الواحدي من حديث الحِمَّاني عن النَّضْر، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس، فكان عمه أبو طالب يرسل معه كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه، فلما نزل عليه:{وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} قَالَ: "يا عماه، إن الله عصمني من الجن والإنس" قَالَ: وقالت عائشة: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: "ألا رجل صالح يحرسني" فجاء سعد وحذيفة، فنام حتى سمعت غطيطه، فنزلت هذِه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: "انصرفا
فقد عصمني الله"
(4)
.
وعند البيهقي
(5)
: فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله
(1)
سيأتي برقم (4136).
(2)
أورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 529 - 530، وعزاه لابن حبان وابن مردويه.
(3)
في (ص 1): مرة.
(4)
"أسباب النزول" ص 204 - 205 (404 - 405).
(5)
في هامش الأصل: عزا هذِه الرواية النووي في "رياضه" لأبي بكر الإسماعيلي في "صحيحه".
- صلى الله عليه وسلم من يده وقال: "من يمنعك مني؟ " فقَالَ: كن خير آخذ. قَالَ: "فتسلم؟ " قَالَ: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس
(1)
.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فهنا أمور:
أحدها: كانت هذِه الواقعة قَبْل نجد
(2)
كما سلف وعند الإسماعيلي: قبل أحد. وذكر ابن إسحاق أن ذَلِكَ كان في غزوته إلى غطفان لثنتي عشرة مضت من صفر
(3)
. وقيل: في ربيع الأول سنة اثنتين، وهي غزوة ذي أمر، وسماها الواقدي غزوة أنمار، ويقال: كان ذَلِكَ في ذات الرقاع، وأنه صلى الله عليه وسلم نزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا من مطر كان أصابه، واضطجع تحتها، فقال الكفار لدعثور -وكان سيدهم وكان شجاعًا- قد انفرد محمد فعليك به. فأقبل ومعه صارم حَتَّى قام على رأسه، فقال: من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله" فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"من يمنعك أنت اليوم مني؟ " فقَالَ: لا أحد. فقال: "قم فاذهب لشأنك" فلما ولى قَالَ: أنت خير مني. فقال صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق بذلك منك" ثم أسلم بعد. وفي لفظ: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله. ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام
(4)
.
(1)
"دلائل النبوة" 3/ 375 - 376.
(2)
في هامش الأصل: الذي أحفظه قِبَل نجد بكسر القاف وفتح الموحدة أي: ما استقبلك من نجد والمؤلف حمله على قبل التي هي نقيض بعد.
(3)
انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 216.
(4)
انظر: "طبقات ابن سعد" 2/ 35.
قلتُ: فيجوز تعدد الواقعة. وذكرها الحاكم في غزوة خيبر من حديث جابر
(1)
، ولعله أشبه؛ لأنه قيل:(إن [أنزول])
(2)
آية العصمة كان بعد بنائه بصفية أو ليلة البناء.
ثانيها: (اسمه)
(3)
غورث بن الحارث كما سلف، وسماه الخطيب غورك بالكاف بدل الثاء
(4)
، وللخطابي: غويرث بالتصغير. وذكر القاضي عياض أنه مضبوط عند بعض رواة البخاري بعين مهملة، قَالَ: وصوابه بالمعجمة
(5)
. وقال الجياني: هو فوعل من الغرث، وهو الجوع
(6)
.
ثالثها: قد أسلفنا أن جبريل صلى الله عليه وسلم دفعه في صدره فوقع السيف. وعند الخطابي: لما هم بقتله أخذته الزلخة: يعني: رجفًا في صلبه، فندر السيف من يده.
رابعها: معنى: "اخترط سيفي وأنا نائم" أي: استله بسرعة، وأصله من خرطت العود أخرُطه وأخرِطه خرطًا، ذكره القزاز. وقال الداودي: معناه: سله.
وقوله: ("وهو في يده صلتا") أي: جرده، ومثله مصلت: مخرج من جفنه. وقال القرطبي في "شرح مختصره": قوله: "والسيف صلت في يده" روي برفع: "صلت" ونصبه، فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو
(1)
"المستدرك" 3/ 29 - 30، وليس فيه ذكر أنها كانت في خيبر.
(2)
أسقط الناسخ (إن نزول) ثم ألحقها في الهامش وعلم عليها بـ (صح)، فلعله سها عن كلمة (نزول)، واستدركناها من مصدر التخريج.
(3)
من (ص 1).
(4)
"غوامض الأسماء المبهمة" ص 247؛ وفيه: غورث.
(5)
"مشارق الأنوار" 2/ 144.
(6)
"تقييد المهمل" 2/ 403.
السيف، و"في يده" متعلق به، ومن نصب جعل الخبر في المجرور ونصب صلتا على الحال أي مصلتا، والمشهور فتح لام "صلت". وذكر القتبي أنها تكسر في لغة
(1)
. وقال ابن عديس: ضربه بالسيف صَلتا وصُلتا بالفتح والضم. أي: مجردًا. يقال: سيف صلت و (منصلت)
(2)
وإصليت: متجرد ماض.
وقوله: ("فَشَامَ السَّيفَ") أي: أغمده، ويطلق أيضًا في اللغة على سله، والمراد هنا: أغمده، وغمده وأغمده بمعنى. قَالَ المبرد: هو من الأضداد، سله وأغمده، وبه جزم ابن بطال أيضًا
(3)
.
خامسها: في هذا نزل: {اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} الآية [المائدة: 11] كما سلف. وقيل: فيه نزلت: {وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24](وعورض هذا بقوله: {بِبَطْنِ مَكَّة})
(4)
ولم تكن هذِه القصة في بطن مكة، وهذا ظاهر.
وقوله: ("من يمنعك مني؟ ") استفهام مشوب بالنفي، كأنه قَالَ: لا مانع (لي منك)
(5)
. فلم يُبَالِ بقوله، ولا عرج عليه ثقة بالله وتوكلًا عليه.
سادسها: في فوائده فيه كما قَالَ المهلب: أن تعليق السيف والسلاح في الشجر صيانة لها من الأمر المعمول به
(6)
.
(1)
"المفهم" 6/ 62.
(2)
في (ص 1): مصلت.
(3)
"شرح ابن بطال" 5/ 101.
(4)
من (ص 1).
(5)
في (ص 1): لك مني.
(6)
فائدة: يخرج من ذلك أن تكون شجرة يعلق عليها السلام للتبرك بها؛ لأن هذا من الشرك المنهي عنه؛ والدليل على ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم؟ فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله هذا كما قال قوم =
وفيه: أن تعليقها على بعد من صاحبها من الغرر لا سيما في القائلة والليل، لما وصل إليه هذا الأعرابي من سيفه صلى الله عليه وسلم.
وفيه: تفرق الناس عن الإمام في القائلة، وطلبهم الظل والراحة، ولكن ليس ذَلِكَ في غير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن يبقى معه من يحرسه من أصحابه؛ لأن الله تعالى كان قد ضمن لنبيه العصمة، قاله ابن بطال، قَالَ: وقيل: إن هذِه القصة كانت سبب نزول هذِه الآية. ثم ساق ما أسلفناه عن ابن أبي شيبة
(1)
.
وفيه: أن حراسة الإمام في القائلة والليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ.
وفيه: جواز نوم المسافر إذا أمن، وفي تبويب البخاري هنا ما يشعر بأن المجاهد إذا أمن نام ووضع سلاحه، وإن خاف استوفز
(2)
.
وفيه: دعاء الإمام لأتباعه إذا أنكر شخصًا، وشكوى من أنكره إليهم.
وفيه: ترك الإمام معاقبة من جفا عليه وتوعده إن شاء، والعفو عنه إن أحب.
وفيه: صبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه وصفحه عن الجهال.
وفيه: شجاعته وبأسه وثبات نفسه ويقينه أن الله ينصره على الدين كله، فلما شاهد الرجل تلك القوى التي فارق بها عادة الناس في مثل
= موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم". صححه الترمذيُّ (2180)، والألبانيُّ كما في "المشكاة" (5408).
(1)
"شرحِ ابن بطال" 5/ 100.
(2)
استَوْفزَ في قِعْدَتِه إِذا قَعَدَ قُعُودًا منتصبًا غير مطمئن؛ انظر: "لسان العرب" مادة: وفز.
تلك الحالة تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر، وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدو متمكن، بيده سيف مشهور، وموت حاضر، ولا تغير له صلى الله عليه وسلم حال، ولا جزع، وهذا من معجزاته - عليه أفضل الصلاة والسلام -.
فائدة:
الدؤلي في إسناد البابين بضم الدال وفتح الهمزة (نسبة إلى)
(1)
[الديل من كنانة، واسمه:]
(2)
سنان بن أبي سنان. قَالَ الأخفش فيما حكاه أبو حاتم السجستاني: جاء حرف واحد شاذ على وزن فعل وهو الدؤل، وهو دؤيبة صغيرة تشبه ابن عرس، وبها سميت قبيلة أبي الأسود الدؤلي، وهي من كنانة، إلا أنك تقول: الدؤلي فتفتح، استثقلوا كسرتين بعد ضمة وياء النسب. وقال سيبويه: ليس في كلام العرب في الأسماء ولا في الصفات بنية على وزن فعل، وإنما ذَلِكَ من بنية الفعل.
(1)
كذا في الأصل، وفي (ص 1):(نسبه).
(2)
اضطربت النسخ الخطية المعتمد عليها عند هذِه العبارة، كما سلف، والمثبت زيادة يقتضيها السياق.
85 - باب لُبْسِ البَيْضَةِ
2911 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سئلَ عَنْ جُرْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتهُ، وَهُشِمَتِ البَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام تَغْسِلُ الدَّمَ وَعَلِيٌّ يمْسِكُ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الدَّمَ لَا يَزِيدُ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثمَّ أَلْزَقَتْهُ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. [انظر: 243 - مسلم: 1790 - فتح: 6/ 96]
ذكر فيه حديث سهل السالف في باب: المِجَنِّ قريبًا
(1)
، وهذِه الأبواب كلها التي ذكر فيها آلات الحرب وأنواع السلاح، وأنه عليه السلام وأصحابه استعملوها واتخذوها للحرب وإن كان الله تعالى قد وعدهم بالنصر وإظهار الدين، فليكون ذلك سنة للمؤمنين إذ الحرب سجال مرة لنا ومرة علينا، وقد أمر الله باتخاذها في قوله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} الآية [الأنفال: 60]، فأخبر أن السلاح فيها إرهاب للعدو، وفيها تقوية لقلوب المؤمنين، من أجل أن الله تعالى
جبل القلوب على الضعف، وإن كان السلاح لا يمنع المنية لكن فيها تقوية للقلوب وأنس لمتخذيها.
(1)
سلف برقم (2903).
86 - باب مَن لَمْ يَرَ كَسْرَ السِّلَاحِ عِنْدَ المَوْتِ
2912 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْن عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الَحارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. [انظر: 2739 - فتح: 6/ 97]
ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ السالف: مَا تَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ.
يريد بذلك خلاف ما كان عليه رءوساء الجاهلية إذا مات أحدهم رئيسًا أو سلطانًا عهد بكسر سلاحه، وحرق متاعه، وعقر دوابه، فخالف الشارع فعلهم، وترك ما ذكر غير معهود فيها بشيء إلا التصدق بها.
87 - باب تَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الإِمَامِ عِنْدَ القَائِلَةِ
2913 -
حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سِنَانُ بْنُ أبي سِنَانٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْن سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أبي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَخْبَرَة أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَتَفَرَّقَ النَّاس فِي العِضَاهِ يَسْتَظِلّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَة ثمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ هذا اخْتَرَطَ سَيْفِي فَقَالَ: مَن يَمْنَعُكَ؟ قُلْتُ: اللهُ. فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ". ثُمَّ لم يُعَاقِبْهُ. [انظر: 2910 - مسلم: 843 - فتح 6/ 97]
تقدم قريبًا بما فيه.
88 - باب مَا قِيلَ فِي الرِّمَاحِ
وُيذْكَرُ عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي".
2914 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ أَب النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ نَافِعٍ -مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَسَأَلهمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الِحمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَى بَعْضٌ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ:"إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ". وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: فِي الِحمَارِ الوَحْشِيِّ، مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ قَالَ:"هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيء". [انظر: 1821 - مسلم: 1196 - فتح 6/ 98]
ثم ذكر حديث أبي قتادة في اصطياده الحمار الوحشي السالف في الحج وغيره. وموضع الشاهد قوله: فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ ..
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: فِي الحِمَارِ الوَحْشِيِّ، مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ وقَالَ:"هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيء".
والتعليق عن ابن عمر. ذكر عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" أن الوليد بن مسلم رواه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر به.
ومعنى الباب كالأبواب قبله أن الرمح من آلاته صلى الله عليه وسلم للحرب، ومن آلات أصحابه، وأنه من مهم السلاح وشريف القدر؛ لقوله:"جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي" وهذا إشارة منه لتفضيله والحض على اتخاذه والاقتداء به في ذلك.
وفيه: كما قال المهلب: أنه صلى الله عليه وسلم خص بإحلال المغانم، وأن رزقه منها بخلاف ما كانت الأنبياء قبله عليه، وخص بالنصر على من خالفه، ونصر بالرعب، وجعلت كلمة الله هي العليا ومن اتبعها هم الأعلون، وأينما ثقف المخالفون لأمره إلا بحبل من الله -وهو العهد- (باءوا)
(1)
بغضب من الله، وضربت عليهم الذلة والصغار وهي الجزية.
(1)
في الأصل: باء، والمثبت الأليق بالسياق.
89 - باب مَا قِيلَ فِي دِرْعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْقَمِيصِ فِي الحَرْبِ
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا خَالِد فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ".
2115 -
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عبد الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ فِي قُبَّةٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ". فَأَخَذَ أبو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ أَلَحْحْتَ عَلَى رَبِّكَ. وَهْوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهْوَ يَقول:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)} [القمر: 45 - 46].
وَقَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ: يَوْمَ بَدْرٍ. [4877،4875،3953 - فتح 6/ 99]
2916 -
حَدَّثنَا محَمَّدُ بْن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيبَم، عَنِ الأسوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: توُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرهُونَة عِنْدَ يهودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَقَالَ يَعْلَى: حَدَّثَنَا الأعمش: دِرعٌ مِنْ حَدِيدٍ. وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأعمَشُ وَقَالَ: رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. [انظر: 2068 - مسلم: 1603 - فتح 6/ 99]
2917 -
حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، حَدَّثَنَا ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هريرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَثَلُ البَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبّتانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَكُلَّمَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بصَدَقَتِهِ اْتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَكلَّمَا هَمَّ البَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ". فَسَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ". [انظر: 1443 - مسلم: 1021 - فتح 6/ 99]
ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ في قبته: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ .. " إلى أن قال: وَهْوَ فِي الدِّرْعِ. وَقَالَ وُهَيْبٌ: ثَنَا خَالِدٌ: يَوْمَ بَدْرٍ.
وحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَقَالَ يَعْلَى: ثَنَا الأَعْمَشُ وَقَالَ: رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ البَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا (جنتان)
(1)
مِنْ حَدِيدٍ .. " إلى آخره.
الشرح:
التعليق الأول سلف مسندًا
(2)
.
وقوله: وقال وهيب: ثَنَا خالد (يوم بدر. أسنده في التفسير فقال: حَدَّثَني محمد، حَدَّثَنَا عفان بن مسلم، عن وهيب، حَدَّثَنَا خالد)
(3)
، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ وهو في قبته يوم بدر .. الحديث
(4)
.
ومن المعلوم أن ابن عباس لم يكن شهدها. وقد رواه مسلم من حديث سماك بن الوليد، عن ابن عباس، عن عمر بزيادة: فأنزل الله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} الآية [الأنفال: 8]
(5)
.
(1)
كذا في الأصل وفي اليونينية 4/ 41 مصححًا عليها: (جبتان).
(2)
سلف برقم (1468) كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى {وَفِي الرِّقَابِ} .
(3)
من (ص 1).
(4)
سيأتي برقم (4875) باب قوله {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} .
(5)
مسلم (1763) كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.
ومحمد (هذا)
(1)
الذي أخرج عنه في التفسير لعله الذهلي. قَالَ الجياني: كذا في روايتنا عن أبي محمد الأصيلي، وكذا عند أبي ذر غير منسوب. وذكره أبو نصر ولم ينسبه قَالَ: وسقط ذكره جملة من نسخة ابن السكن. قَالَ أبو علي: ولعله الذهلي
(2)
.
وقال ابن طاهر في ترجمة عفان: روى عنه البخاري، وروى عن عبد الله بن سعيد، ومحمد بن عبد الرحيم، وإسحاق غير منسوب، ومحمد غير منسوب عنه. وروى مسلم عن الصغاني محمد بن إسحاق، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن مثنى عنه
(3)
.
وقول البخاري في تفسير سورة القمر: حَدَّثنَا إسحاق، ثَنَا خالد، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ وهو في قبة له يوم بدر
(4)
. يريد بإسحاق هذا ابن شاهين، كما صرح به غير واحد، وإن كان إسحاق الأزرق روى أيضًا عن خالد الطحان، لكن البخاري ما روى عنه في "صحيحه".
وحديث عائشة سلف قريبًا في الرهن، وفي البيع أيضًا
(5)
.
وحديث أبي هريرة سلف في الزكاة.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام من وجوه:
أحدها: في قوله: ("احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ") دلالة على تحبيس السلاح، واختلف قول مالك في تحبيس ما عدا العقار على روايتين، ومن أصحابه
(1)
من (ص 1).
(2)
"تقييد المهمل" 3/ 1043 - 1044.
(3)
"الجمع بين رجال الصحيحين" لأبي الفضل محمد بن طاهر 1/ 407.
(4)
سيأتي برقم (4877).
(5)
سلف في البيع برقم (2068)، وفي الرهن برقم (2509) باب من رهن درعه.
من جعل الخيل كالعقار.
ثانيها: قول أبي بكر: (حسبك يا رسول الله). أي: يكفيك. قَالَ القزاز: ومنه يقال: حسب -ساكن الباء- وإنما المعنى يكفيك كما قلت.
ومعنى (ألححت): داومت الدعاء، يقال: ألح السحاب بالمطر: دام.
ثالثها: قد يشكل هذا الحديث على كثير من الناس، وذلك إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه من إنجاز الوعد، ويلح في الدعاء والصديق يسكنه ويقول:(حسبك فقد ألححت). فهذا يوهم أن حاله في الثقة بربه والطمأنينة إلى ربه أرفع من حال الشارع، وهذا غير جائز أن يكون، كما نبه عليه ابن التين
(1)
، والمعنى في مناشدته وإلحاحه في الدعاء الشفقة على قلوب أصحابه، وتقوية قلوبهم إذ كان ذَلِكَ أول مشهد شهدوه في لقاء العدو، وكان في صحابته قلة وعدوهم أضعاف من عدتهم، فابتهل في الدعاء وألح لتسكين نفوسهم إذ كانوا يعلمون أن وسيلته مقبولة فقال له أبو بكر:(كف عن المسألة). إذ علم أنه استجيب له مما وجده أبو بكر في نفسه من المنة والقوة حَتَّى قَالَ له هذا القول، ويدل على صحة ذَلِكَ تلاوته {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} الآية [القمر: 45].
رابعها: قوله في حديث البخيل والمتصدق: ("إلى تراقيهما")؛ لأنه عند الصدر، وهو مسلك القلب، وهو يأمر المرء وينهاه.
خامسها: فيه ما ترجم له، وهو اتخاذ الدرع والقتال به.
(1)
في هامش الأصل: ذكر السهيلي في "روضه" عنه جوابًا حسنًا، فإن أردته فانظره في (
…
)
وفيه: دلالة على أن نفوس البشر لا يرتفع الخوف عنها والإشفاق جملة واحدة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان وعده الله بالنصر، وهو الوعد الذي نشده؛ ولذلك قَالَ تعالى عن موسى عليه السلام حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فأخبر عنه تعالى بعد أن أعلمه أنه ناصره، وأنه معهما يسمع ويرى:{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67} [طه: 67] وإنما هي طوارق من الشيطان يخوف بها النفوس ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وقوله: ("اللَّهُمَّ إني أنشدك عهدك ووعدك") أي: اللَّهُمَّ إني أسألك إنجاز وعدك وإتمامه بإظهار دينك وإعلاء كلمة الإسلام الذي قضيت بظهوره على جميع الأديان وشئت أن يعبدك أهله ولم تشأ ألا تعبد، فتمم ما شئت كونه، فإن الأمور كلها بيدك.
وقوله: ({سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)} [القمر: 45] فيه: تأنيس من استبطأ ما وعده الله (به)
(1)
من النصر بالبشرى لهم بهزم حزب الشيطان، وتذكيرهم مما يثبتهم به من كتابه تعالى.
وفيه: فضل الصديق ويقينه بصدق ما وعد الله به نبيه، ولذلك سمي صديقا.
(1)
من (ص 1).
90 - باب الجُبَّةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ
2918 -
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ -هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ- عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنِي المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ، فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ. [انظر: 182 - مسلم: 274 - فتح 6/ 100]
ذكر فيه حديث المُغِيرَةِ؟ انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ .. فذكر فيه الوضوء والمسح على الخفين.
هذا الحديث سلف في باب: المسح على الخفين والصلاة في الجبة الشامية
(1)
.
وموضع الشاهد منه لبسه الجبة الشامية في السفر، وكان في غزاة، فلذلك ترجم مما ذكر، وكانت من عمل الروم؛ لأنهم يضيقون أكمامهم.
وفيه: جواز إخراج اليد من تحت الثوب.
وفيه: خدمة العالم في السفر.
(1)
سلف برقم (203) كتاب الوضوء؛ وبرقم (363) كتاب الصلاة.
91 - باب الحَرِيرِ فِي الحَرْبِ
2919 -
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ الِمقْدَامِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا سَعيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا. [292، 2921، 2922، 5839 - مسلم: 2076 - فتح 6/ 100]
2920 -
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -يَعْنِي الْقَمْلَ- فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ. [انظر: 2919 - مسلم: 2076 - فتح 6/ 101]
2921 -
حَدَّثنَا مسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنى قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ فِي حَرِيرٍ. [انظر: 2919 - مسلم: 2576 - فتح 6/ 101]
2922 -
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غنْدَرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: رَخَّصَ -أَوْ رُخِّصَ- لِحِكَّةٍ بِهِمَا. [انظر: 2919 - مسلم: 2076 - فتح 6/ 101]
ذكر فيه حديث أنسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا.
وفي رواية أَنَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -يَعْنِي: القَمْلَ- فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ.
وفي رواية: رخص لهما في حرير.
وفي رواية: رَخَّصَ النبي صلى الله عليه وسلم -أَوْ رُخِّصَ- لِحِكَّةٍ كانت بِهِمَا. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في السفر
(1)
.
(1)
في هامش الأصل: صوابه: اللباس. [مسلم (2076) كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجل .. ].
وأخرجه الأربعة أيضًا
(1)
.
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدها: الحديث صريح لمذهب الشافعي ومن وافقه في تجويز لبس الحرير للرجل عند نزول الحكة به، أو كثرة القمل، وما في معناهما، وكان فيه خاصية تدفع ذلك، وعلل أيضًا بأن فيه بردًا، وهو عجيب فإن الأطباء على خلافه. وصف أبو علي الملابس البرد في المصقول والكتان، والحر في الحرير والأقطان. وخالف مالك فقال: لا يجوز، والسنة قاضية عليه. قَالَ القرطبي: الحديث قال على جواز لبسه للضرورة، وبه قَالَ بعض أصحاب مالك، وأما مالك فمنعه في الوجهين. والحديث واضح الحجة عليه إلا أن يدعي الخصوصية لهما ولا يصح، ولعل الحديث لم يبلغه
(2)
.
قلتُ: ويجوز لبسه أيضًا عند الضرورة كفجاءة حرب ولم يجد غيره، ولمن خاف من حر أو بردٍ، وسواء فيما ذكرناه الحضر والسفر. وقال بعض أصحابنا: يختص بالسفر، وهو ضعيف. وجمع ابن العربي في أصل لبس الحرير عشرة أقوال: التحريم بكل حال، مقابله مباح بكل حال، الحرمة وإن خلط مع غيره كالخزِّ، استثناء الحرب، استثناء السفر، استثناء المرض، استثناء الغزو، واستثناء العلم منه، إلحاق النساء بالرجال، يحرم لبسه من فوقٍ دون أسفل وهو الفرش، قاله أبو حنيفة وابن الماجشون وعلَّلاه بأنه ليس بلبس، ويرده قول أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس
(3)
.
(1)
أبو داود (4056)، والترمذي (1722)، والنسائي 8/ 202، وابن ماجه (3592).
(2)
"المفهم" 5/ 398.
(3)
سلف برقم (380) كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير. =
وفي أفراد البخاري من حديث حذيفة: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه
(1)
.
حجة الأول هذا الحديث، وحديث أبي موسى الآتي في البخاري ومسلم أيضًا:"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"
(2)
، وفي "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا مثله بزيادة:"وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو"، ثم قال: حديث صحيح
(3)
. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"
(4)
.
وقال ابن بطال: اختلف السلف في لباسه في الحرب، فأجازته طائفة وكرهته أخرى، فممن كرهه عمر بن الخطاب. وروي مثله عن ابن محيريز وعكرمة وابن سيرين، وقالوا: كراهته في الحرب أشد لما يرجون من الشهادة، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال مالك: ما علمت أحدًا يقتدى به لبسه في الغزو.
وممن أجازه في الحرب: روى معمر عن ثابت قَالَ: رأيت أنس بن مالك يلبس الديباج في فزعة فزعها الناس. وقال أبو فرقد: رأيت على تجافيف أبي موسى الديباج والحرير. وقال عطاء: الديباج في الحرب
= ورواه مسلم (658) كتاب المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة.
(1)
سيأتي برقم (5837) كتاب اللباس، باب افتراش الحرير.
(2)
سيأتي برقم (5832) كتاب اللباس، باب لبس الحرير، ورواه مسلم (2073) كتاب اللباس، باب استعمال إناء الذهب .. من حديث أنس.
أما حديث أبي موسى فرواه الترمذي (1730)، والنسائي 8/ 161، بلفظ:"حُرِّمَ لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم".
(3)
الحاكم 4/ 191 - 192.
(4)
"صحيح ابن حبان" 12/ 253 (5437). وانظر "عارضة الأحوذي" 7/ 220 - 222.
سلاح. وأجازه محمد بن الحنفية وعروة والحسن البصري، وهو قول أبي يوسف والشافعي. وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه استخف الحرير في الجهاد والصلاة به حينئذ للترهيب على العدو والمباهاة. وفي "مختصر ابن شعبان" عن ابن الماجشون، عن مالك مثل ما ذكره ابن حبيب.
وقال الطبري: من كره لباسه في الحرب وغيره فإنهم جعلوا النهي عنه عامًّا في كل حال، ومن رخص فيه في الحرب احتجوا بحديث الباب، فبان بذلك أن من قصد بلبسه دفع ما هو أعظم عليه من أذى الحكة كأسلحة العدو والمريد نفس لابسه لقتل وشبهه فله من ذَلِكَ نظير الذي كان لعبد الرحمن والزبير بن العوام بسبب الحكة والقمل.
ومن الحجة أيضًا حديث أسماء أخرجه حجاج، عن أبي [عمر]
(1)
-ختن عطاء- عنها أنها أخرجت جبة مزررة بالديباج وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها في الحرب
(2)
.
قَالَ المهلب: ولباسه في الحرب من باب الإرهاب على العدو، وكذلك ما رخص فيه من تحلية السيوف، وكل ما يستعمل في الحرب هو من هذا الباب، ويدل على أن أفضل ما استعمل في قتال العدو التحيل في قذف الرعب في قلوبهم، وكذلك رخص في الاحتيال في الحرب.
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة وهو يتبختر في مشيته: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع"
(3)
؛ لما في ذَلِكَ من الإرهاب والازدهاء على الأعداء.
(1)
تحرفت في الأصل إلى: عثمان.
(2)
رواه ابن ماجه (2819)، وأحمد 6/ 348.
(3)
رواه الطبراني 7/ 104 (6558)، وقال الهيثمي في "المجمع" 6/ 109: فيه من لم أعرفه.
وقام الدليل من هذا على أن حسن الرأي وجودة التدبير من الرجل الواحد يشير به في قتال العدو وقد يكون أنكى من الشجاعة، وغناء العساكر العظام
(1)
، ومن استثنى السفر فكأنه استند لحديث الباب، ومن استثنى العلم فلحديث عمر في مسلم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع رواه مسلم
(2)
. وفي أبي داود: ثلاثة أو أربعة
(3)
.
والظاهر أنه ليس بشك من الراوي وإنما هو تفصيل للإباحة، كما يقال: خذ واحدًا أو اثنين أو ثلاثة -يعني ما شئت من ذَلِكَ- وفي "مسند أحمد" و"سنن أبي داود" من حديث ابن عباس أنه قَالَ: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير، وأما العلَم وسداء الثوب فليس به بأس
(4)
. وصححه الحاكم على شرط الشيخين بلفظ: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصمت إذا كان حريرًا
(5)
.
وقد أباحه مالك في ثلاثة أصابع، في أشهر قوليه؛ لأنه لم يرو إلا أربع.
ومن حرمه على النساء أيضًا احتج بحديث مسلم أن ابن الزبير قَالَ: لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"
(6)
، وكأنه فهم العموم ولم ير
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 105 - 106.
(2)
مسلم (2069/ 15) كتاب اللباس، باب تحريم استعمال إناء الذهب.
(3)
أبو داود (4042) بلفظ: (أصبعين وثلاثة وأربعة) بواو العطف لا بـ (أو) التخيير.
(4)
أبو داود (4055)، وأحمد 1/ 321.
(5)
"المستدرك" 4/ 192.
(6)
"مسلم"(2069/ 11).
الخصوص، وهو الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أعطى عليًّا حلة وقال:"شققها خمرًا بين نسائك" أخرجاه من حديثه
(1)
. وفي رواية: "بين الفواطم"
(2)
، زاد ابن أبي الدنيا: فشققها أربعة أخمرة: خمارًا لزوجته، وآخر لأمه، وآخر لابنة حمزة، ونسي الراوي الرابعة.
وحديث أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس مرفوعًا: "أحل الذهب والحرير لاناث أمتي، وحرم على ذكورها" رواه أحمد والترمذي، وقال:(حديث)
(3)
حسن صحيح
(4)
. وخالف ابن حبان في "صحيحه" فقال: لا يصح
(5)
.
ومن قَالَ بإباحته مطلقًا تعلق بأن الشارع لبسه، ثم حرمه، ثم أباحه لما ذكر.
والمحرم من المطاعم والملابس لا يباح لمثل هذِه الحاجة اليسيرة، ألا ترى أنه لا يجوز التداوي بالبول للحاجة.
قلتُ: هو عندنا جائز على الأصح.
قَالَ ابن العربي: وهذا منزع من لم يتبصر القول كما قَالَ الراوي الصاحب العالم: رخص للداء، كان ذَلِكَ نصًّا على بقاء التحريم في (الذي)
(6)
(رواه)
(7)
، واختصاص الرخصة به، ثم الرخصة شرعا إما
(1)
سلف برقم (2614) كتاب الهبة، باب: هدية ما يكره لبسه؛ ورواه مسلم (2071) كتاب اللباس، باب تحريم إناء الذهب.
(2)
رواه مسلم (2571/ 18).
(3)
من (ص 1).
(4)
الترمذي (1725)، وأحمد 4/ 392؛ وقد سبق تخريجه.
(5)
"صحيح ابن حبان" 12/ 249 - 250 (5434).
(6)
في (ص 1): المدبر.
(7)
تحرفت في الأصل إلى (بدله) وعلم عليها سبط بن العجمي (كذا)، وصححت هنا من "العارضة".
لحاجة و (إما)
(1)
لضرورة أو لمشقة يسيرة داخلة على المسلم، كالقصر والفطر.
وكان ابن الزبير يلبس الخز فدل على إباحته، ولبسه أيضًا عثمان. قَالَ: والنكتة المعنوية في ذَلِكَ أن الخز و (الحزام)
(2)
والصوف (والكتان)
(3)
حلال، فإذا مزجا جاء منهما نوع لا يسمى حريرًا، فلا الاسم يتناوله ولا السرف والخيلاء يدخله، فخرج عن الممنوع اسمًا ومعنى، فجاز على الأصل وكره على الشبهة
(4)
.
قلتُ: محله عندنا إذا زاد وزن غير الحرير، أو استويا، فإن زاد الحرير حرم.
وقال ابن التين: أتى بهذِه الطرق في الباب لقوله: (في غزاة). والذي أتى من ذكر الحكة والقمل فقد يكونان جميعًا بهما، فربما ذكر أحدهما، وربما يذكر الآخر، قاله الداودي، والصحيح أن ذَلِكَ (الحكة)
(5)
، وإنما ذكر القمل بتأويل أحد النقلة، ولعله تأويل غير صحيح؛ لأنه فسر في الطريقين الآخيرين أن ذَلِكَ لحكة. قَالَ: وقد جوز بعض العلماء لباس الحرير لما فيه من الترهيب على العدو وإظهار قلة الهيبة لهم، فيكون أغيظ لقلوبهم، ذكره سحنون، وكرهه مالك في الحرب وغيره، وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه أجاز ذَلِكَ في الحرب، وذكره عن مالك وجماعة من الصحابة والتابعين، وأجازوا الصلاة فيه.
(1)
في (ص 1): (أو).
(2)
في (ص 1): الحرير.
(3)
تحرفت في الأصل إلى (والمكيال)، صححت من "العارضة".
(4)
"عارضة الأحوذي" 7/ 223.
(5)
في (ص 1): لحكمة.
خاتمة:
قوله: (شكوا) كذا هو بالواو، وهو لغة يقال: شكيت وشكوت. بالواو والياء، وادعى ابن التين أنه وقع شكيا، ثم قَالَ: وصوابه: شكوا؛ لأن لام الفعل منه واو فهو مثل: {دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا} [الأعراف: 189] نعم في "الصحاح" الياء أيضًا
(1)
.
(1)
"الصحاح" 6/ 2394.
92 - باب مَا يُذْكَرُ فِي السِّكِّيِن
2923 -
حَدَّثنَا عبد العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْن سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم "يَأْكُلُ مِنْ كَتِفٍ مَجْتَزُّ مِنْهَا، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَأةِ فَصَلَّى وَلم يَتَوَضَّأْ.
حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ: فَأَلْقَى السِّكِّينَ. [انظر: 208 - مسلم: 355 - فتح 6/ 102]
ذكر فيه حديث الزهري: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مِنْ كَتِف شاة يَحْتَزُّ مِنْهَا، ثمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. ثم أسنده إلى الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ: فَأَلْقَى السِّكِّينَ.
هذا الحديث سبق في باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة.
والحز: القطع (لمبلغ)
(1)
الحاجة.
وفيه: جواز قطع اللحم المطبوخ بالسكين.
وأما حديث أبي داود في النهي عن قطعه بها
(2)
فمنكر كما (قاله)
(3)
النسائي
(4)
، (قيل:)
(5)
إنما يكره قطع الخبز بالسكين، ففي "شعب الإيمان" للبيهقي في حديث أم سلمة رفعته:"لا تقطعوا الخبز بالسكين كما تقطعه الأعاجم"
(6)
.
وفيه: أن كل ما مسته النار لا يوجب على آكله الوضوء. وفيه: استعمال السكين وأنه معروف عندهم اتخاذه واستعماله، وهو ما ترجم له.
(1)
في (ص 1): لمستبلغ.
(2)
أبو داود (3778) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال: وليس هو بالقوي.
(3)
في (ص 1): كان.
(4)
النسائي 2/ 172.
(5)
من (ص 1).
(6)
"الشُّعَب" 5/ 114 (6007).
93 - باب مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ
2924 -
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْن يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْز بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأسوَدِ العَنْسِيَ حَدَّثَة أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهْوَ نَازِلٌ فِي سَاحِلِ حِمْصَ، وَهْوَ فِي بِنَاءٍ لَه وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ، قَالَ عمَيْرٌ: فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ أَنهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا". قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ:"أَنْتِ فِيهِمْ". ثمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ". فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا". [فتح 6/ 102]
ذكر فيه حديث عُمَيْرِ بْنِ الأَسْوَدِ العَنْسِي عن أُمِّ حَرَامٍ في غزوها في البحر، وفي آخره:"أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ". فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا". هذا الحديث سلف غير مرة.
و (العنسي) هذا منسوب إلى قبيلة من العرب يقال لهم: بنو عنس، وهم بالشام، وبنو عبس بالكوفة، والعيش بالبصرة، ذكره ابن بطال
(1)
.
وقوله: (وهو نازل حمص). حمص من الشام، رأيتها في رحلتي إليها. قَالَ الداودي: وفي هذِه الأحاديث رغبة الصحابة في المقام بالشام.
وقوله: ("أوجبوا") يعني: الجنة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء:"أسألك موجبات رحمتك"
(2)
.
(1)
"شرح ابن بطال" 5/ 107، وانظر "اللباب" لابن الأثير 2/ 315، 362، 369.
(2)
رواه الترمذي (479)، وابن ماجه (1384) من طريق فائد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، فائد بن عبد الرحمن يضعف في الحديث.
قَالَ المهلب: وفيه فضل معاوية؛ لأنه أول من غزا الروم، وابنه يزيد غزا مدينة قيصر. وقال ابن التين: قيل: فيه فضل يزيد؛ لأنه أول من غزاهاولعل يزيد لم يحضر مع الجيش، وأراد الشارع من يغزو بنفسه أو أراد الجماعة فغلب، وإن كان فيهم واحد أو قليل غير مغفور لهم.
94 - باب قِتَالِ اليَهُودِ
2925 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". [3593 - مسلم: 2921 - فتح 6/ 103]
2926 -
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". [مسلم: 2922 - فتح 6/ 103]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
الشرح:
المراد بقوله: "تقاتلون اليهود": إذا نزل عيسى، فإن المسلمين معه واليهود مع الدجال. وفيه ظهور الآيات بحكم الجهاد وما شاكله عند نزول عيسى الذي يستأصل الدجال واليهود معه.
وفيه: دليل على بقاء دين محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته بعد نزول عيسى ابن مريم، لقوله:"تقاتلون" ولا يكونون مخاطبين بالقتال إلا وهم على دينهم لجواز علم النبي صلى الله عليه وسلم أن الذين يقاتلون الدجال غير من يخاطب
بالحضرة، ولكن خاطب من بالحضرة يخطئ من بعدهم على مذهبهم، وهذا في كتاب الله كثير، خاطب من بالحضرة مما يلزم الغائبين الذين لم يخلقوا بعد.
وفيه: جواز مخاطبة من لا يسمع الخطاب ومخاطبة من قد يجوز منه الاستماع يومًا ما.
وقول الحجر يحتمل أن يكون حقيقة وينطقه الله بذلك، ويحتمل أن يكون مجازًا؛ لأنه لا يبقى (منهم)
(1)
أحد، وهذا يكون عند نزول عيسى، كماسلف.
(1)
من (ص 1)، وفي الأصل:(منه).
95 - باب قِتَالِ التُّرْكِ
2927 -
حَدَّثَنَا أبو النّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِم قَالَ: سَمِعْتُ الَحسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْن تَغْلِبَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَرِ، وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الوُجُوهِ، كأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ". [3592 - فتح 6/ 103]
2928 -
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأعرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ". [2929، 3587، 3590، 3591 - مسلم: 2912 - فتح 6/ 104]
ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنُ تَغْلِبَ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَرِ، وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الوُجُوهِ، كأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ".
وحديث أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَن وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ".