المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌66 - كتاب فضائل القرآن ‌ ‌1 - باب - التوضيح لشرح الجامع الصحيح - جـ ٢٤

[ابن الملقن]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌66 - كتاب فضائل القرآن

‌1 - باب كيف نُزُولُ الوَحْيِ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ

قَالَ ابن عَبَّاس: المُهَيْمِنُ: الأَمِينُ، القُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ كان قَبْلَهُ.

4978 -

4979 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا. [انظر:4464 - 3851 - فتح: 9/ 3]

4980 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأُمِّ سَلَمَةَ:«مَنْ هذا؟» . أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَت: هَذَا دِحْيَةُ. فَلَمَّا قَامَ قَالَتْ: وَاللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ. أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ أَبِي: قُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. [انظر: 3633 - مسلم: 2451 - فتح: 9/ 3]

ص: 9

4981 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . [7274 - مسلم: 152 - فتح: 9/ 3]

4982 -

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ. [مسلم: 3016 - فتح: 9/ 3]

4983 -

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلاَّ قَدْ تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} [الضحى: 1 - 3].

(قَالَ ابن عَبَّاسٍ: المُهَيْمِنُ: الأَمِينُ، القُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ كان قَبْلَهُ.) أخرجه عبد بن حميد عن سليمان بن داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت التميمي عنه، وقيل: إنه الشاهد، وقيل: (

)

(1)

وأصله (

)

(2)

فأبدلت الهمزة هاء لقرب مخرجيهما

(3)

، وهذا الكتاب ذكره ابن بطال في "شرحه" في أواخره بعد الرقاق وقبل التمني فاعلمه

(4)

.

(1)

و

(2)

كلمة غير واضحة في الأصل.

(3)

ورد في هامش الأصل: قال الجوهري: المهيمن الشاهد: وهو من آمن غيره من الخوف، وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين، تقلب الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار، مؤيمن، ثم صيرت الأولى هاء، كما قالوا: هراق الماء وأراقه. انتهى، اعلمه.

(4)

"شرح ابن بطال" 10/ 215.

ص: 10

ثم ذكر في الباب خمسة أحاديث:

أحدها:

حديث أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا. وقد سلف قبيل التفسير

(1)

.

ثانيها:

حديث أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأُمِّ سَلَمَةَ:"مَنْ هذا؟ ". أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَتْ: هذا دِحْيَةُ. فَلَمَّا قَامَ [قَالَتْ]

(2)

: والله مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ. أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ أَبِي: قُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هذا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.

وأخرجه مسلم أيضًا

(3)

، وذكره أبو مسعود وخلف في مسند أسامة، ويصلح كما قال الحميدي أن يكون في مسند أم سلمة، ومنهم من ذكره

(4)

.

وقوله: (قال أبي) أبوه سليمان بن طرخان، والقائل هو المعتمر، وأبو عثمان هو النهدي. وقد أسلفنا في باب وفاته عليه السلام وغيره أن إسرافيل وكِّل به ثلاث سنين يأتيه بالكلمة ونحوها، ووقع لابن التين ميكائيل بدله، والمشهور أن جبريل أبدأه بالوحي، وقوله لأم سلمة:"من هذا؟ " قال الداودي: إنما يكون ذلك بعد أن ذهب جبريل، وظاهر الحديث خلافه.

(1)

برقم (4464 - 4465) كتاب: المغازي، باب: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

(2)

ساقطة من الأصل، والمثبت من "الصحيح".

(3)

مسلم (2451).

(4)

"الجمع بين الصحيحين" 3/ 341 (2805).

ص: 11

وفيه: فضل أم سلمة وفضل دحية لاختصاص جبريل بالتمثيل بصورته.

وفيه: الحكم بالقافة.

وقوله: (بخبر جبريل) هو بباء موحدة مكسورة ثم خاء معجمة مفتوحة ثم موحدة مفتوحة، وصوبه النووي

(1)

، وعند مسلم:(يخبر) بمثناه في أوله ثم خاء معجمة ثم باء

(2)

، وهو في بعض نسخ البخاري.

ثالثها:

حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الذِي أُوتيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلِيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ".

الشرح:

يأتي في الاعتصام بالسنة أيضًا

(3)

، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا

(4)

.

يريد أن الأنبياء أعطوا الآيات: أعطي صالح الناقة، وموسى العصا، وعيسى إحياء الموتى، ولم يؤت هو عن سؤال فيكون تحديًا، وإنما أراهم الآيات الكثيرة من نفسه، وأوتي القرآن وهو المعجرة، يبينه قوله:{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51] وقوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59].

(1)

"مسلم بشرح النووي" 16/ 8.

(2)

مسلم (2451/ 100).

(3)

سيأتي برقم (7274).

(4)

مسلم (152)، والنسائي في "الكبرى" 6/ 330 (11129).

ص: 12

قوله: ("آمن") بالمد وفتح الميم، قال صاحب "المطالع" ويروى:(أومن) بهمزة مضمومة ثم واو، قال ابن دحية: وكذا قيدناه في رواية الكشميهني والمستملي، وقيده بعضهم (ايتمن) حكاه صاحب "المطالع"، وقيده بعضهم:(إيمن) بهمزة مكسورة بعدها ياء وميم مضمومة، حكاه ابن دحية، وكله راجع إلى معنى الإيمان، وعن القابسي:(أمن) من الأمان بالقصر مع كسر الميم، وليس موضعه، وإنما معناه أن الله أيد كل نبي بعثه من الآيات -يعني: المعجزات- بما يصدق دعواه كما سلف، وقيل: إن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء فآمن به البشر، وأما معجزتي العظمى الظاهرة فهي القرآن الذي لم يعط أحد مثله؛ فلهذا أنا أكثرهم تابعًا.

وقيل: معناه أن الذي أوتيت لا يتطرق إليه تخيل بسحر وشبهه، بخلاف معجزة موسى، فإنه قد يخيل الساحر بشيء ما يقارب صورة، كما خيلت السحرة في صورة عصا موسى.

وقيل: إن معناه: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ولم يشاهدها إلا من حضر، ومعجزة نبينا القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات وعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بسورة مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار مع اعتنائهم بمعارضته فلم يقدروا وهم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه الإعجاز.

وقال ابن الجوزي: الإشارة بالآيات الحسيات كناقة صالح وعصا موسى وإحياء الموتى، فهذِه معجزة ترى بالحس، ومعجزة نبينا الكبرى هي القرآن، فهي تشاهد بعين العقل، وقد كان في جمهور الأمم السالفة بَلَادَةٌ حتى قال قائلهم: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة،

ص: 13

والبليد لا يصلح إلا بآيات الحس، والذين بعث إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم كانوا أرباب ذكاء وفطنة، وكفاهم القرآن معجزة، غير أن القضاء قضى على قوم من أذكيائهم بالشقاء مع وجود الفهم، كما قال عمرو بن العاصي: تلك عقول كادها بارئها لكبرهم، تكبرهم عن ذلك الاتباع، وعادوا على أسلافهم من تخطيئهم في عبادة الأصنام، وحسدوا الشارع لما ميز عنهم {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56] على أنه لم يكن للأنبياء معجزة إلا ولنبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة السلام من جنسها، فإن الرعب الذي أيد به كان يوقع في قلوب أعدائه

(1)

ما لم توقعه عصى موسى في قلوب أعدائه.

قلت: وكذا تسخير الريح لسليمان فإن عدوه كان على مسيرة شهر يخاف غدوه عليه أو رواحه، ورعب نبينا كان العدو يخافه من مسيرة شهر مع علمه أنه لا يغدو عليه في يومه ولا يروح، وقد روي:"شهر أمامي وشهر خلفي"

(2)

فهذِه زيادة، ونبع الماء من بين أصابعه

(3)

، أعظم من تفجره من حجر؛ إذ الأحجار من عاداتها تفجرها بالماء، ولم تخبر عادة بجريان الماء من بين لحم وعظم، وخطاب الذراع له أعظم من تكليم الموتى لعيسى.

(1)

يشير المصنف رحمه الله إلى ما سلف برقم (335)، ورواه مسلم (521) من حديث جابر. وسلف أيضًا برقم (2977)، ورواه مسلم (522) من حديث أبي هريرة، والذي فيه:"ونصرت بالرعب مسبرة شهر".

(2)

رواه الطبراني في "الكبير" 7/ 154 - 155 (6674) من حديث السائب بن يزيد. قال الهيثمي في "المجمع" 8/ 258: فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(4221).

(3)

سلف برقم (169)، ورواه مسلم (2279) من حديث أنس، وبرقم (4152) من حديث جابر.

ص: 14

وقوله: ("فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا") فيه علم من أعلام النبوة فإنه أخبر بهذا في زمن قلة المسلمين، فانتهى الأمر إلى ما ترى من الكثرة.

الحديث الرابع:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ الله تَعَالَى تَابَعَ الوَحْيَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ. أخرجه مسلم والنسائي أيضًا

(1)

.

قلت: سببه تكميل البلاع.

الحديث الخامس:

حديث جندب سلف في تفسير الضحى

(2)

، وفي قيام الليل من الصلاة

(3)

.

وحاصل الأحاديث التي ذكرها ما ترجم له وهو إثبات نزول الوحي وبعضها في كيفيته، وأن جبريل نزل عليه به، ومصداق ذلك قوله تعالى:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)} [الشعراء: 193]، وهو جبريل، لكن أنزل جملة ثم نجم في عشرين

(4)

سنة كما قاله ابن عباس وغيره كما أسنده أبو عبيد وغيره.

وقول البخاري: (وأول ما نزل) قد سلف أنه {اقْرَأْ} على الصواب. زاد مجاهد {ن وَالْقَلَمِ} ، وأما آخره نزولا فقد سلف الكلام فيه؛ قال عثمان: من آخره براءة، وقال البراء: آية الكلالة، وقال عطاء وابن شهاب: آية الربا وآية الدين، {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281].

(1)

مسلم (3016)، "السنن الكبرى" 5/ 4 (7983).

(2)

سلف برقمي (4950 - 4951).

(3)

سلف برقمي (1124 - 1125).

(4)

ورد بهامش الأصل تعليق نصه: في ثلاث وعشرين، وهي مدة إقامته حيًّا بعد النبوة على الصحيح من أقوال.

ص: 15

‌2 - باب نَزَلَ القُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ

{قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2]{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195].

4984 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا. [انظر: 3506 - فتح: 9/ 8]

4985 -

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ فَقَالَ:«أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟» . فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» . [انظر: 1536 - مسلم: 1180 - فتح: 9/ 9]

ساق فيه حديث الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ

الحديث في نسخ المصحف، إلى أن قال: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِت فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا.

ص: 16

هو مطابق لما ترجم له، وذكر عن ابن شهاب أنه قال: اختلفوا يومئذ في التابوت فقال: (التابوه). وقال ابن الزبير: التابوت ومن معه فترافعوا إلى عثمان؛ فقال: اكتبوه (التابوت) بلغة قريش، سيأتي عقب هذا الباب، وأخرجه في فضائل قريش أيضًا

(1)

، وروى ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن محمد: أن عليا رضي الله عنه أول من جمع القرآن في أول ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

ودل قول عثمان: (إذا اختلفتم

) إلى آخره، على تشريف قريش على سائر الناس وتخصيصهم بالفضيلة الباقية إلى الأبد حين اختار الله إيثار وحيه الهادي من الضلالة بلغتهم وتقييده بلسانهم وحسبك شرفًا.

قال أبو بكر بن الطيب: ومعنى نزوله بلسانهم: معظمه وأكثره؛ لأن في القرآن همزًا كثيرًا وقريش لا تهمز، وفيه كلمات على خلاف لغة قريش، وقد قال تعالى {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] ولم يقل قرشيًّا، وليس لأحد أن يقول: أراد قريشًا دون غيرها؛ لأنه تحكم. وقال سعيد بن المسيب: نزل القرآن بلغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى ضرية، وقال ابن عباس: نزل بلسان قريش ولسان خزاعة؛ لأن الدار كانت واحدة. قال عليه السلام: "أنا أفصحكم لأني من قريش ونشأت في بني سعد بن بكر"

(3)

فلا يجب لذلك أن يكون القرآن منزلًا بلغة

(1)

سلف برقم (3506).

(2)

"المصنف" 6/ 148 (30221) بنحوه.

(3)

روى الطبراني 6/ 35 - 36 (5437) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا أعرب العرب، ولدتني قريش ونشأت في بني سعد بن بكر، فأنى يأتيني اللحن".

قال الهيثمي في "المجمع" 8/ 218: فيه مبشر بن عبيد، وهو متروك، وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (2386): إسناده ضعيف. =

ص: 17

سعد بن بكر لا يمنع أن ينزل بلغة أفصح العرب ومن دونها في الفصاحة إذا كانت فصاحتهم غير متقاربة، وقد جاءت الروايات أنه عليه السلام كان يقرأ بلغة قريش ويقر لغتها كما أخرجه ابن أبي شيبة عن الفضل بن أبي خالد قال: سمعت أبا العالية يقول: قرأ القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة رجال فاختلفوا في اللغة فرضي قراءتهم كلهم، وكانت بنو تميم أعرب القوم

(1)

. فهذا يدل أنه كان يقرأ بلغة تميم وخزاعة وأهل لغات مختلفة قد أقر جميعها ورضيها.

الحديث الثاني:

حديث في الجبة، وقد سلف في الحج

(2)

وغزوة الطائف

(3)

، وأخرجه أيضا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي

(4)

.

وَوُجِّهَ أن القرآن والسنة كلاهما بوحي واحد ولسان واحد كما نبه عليه بن المنير

(5)

.

وذكره ابن بطال قبله، وأنه عليه السلام لم يخاطب من الوحي كله إلا بلسان العرب، وبه تكلم عليه السلام إلى السائل عن الطيب للمحرم، ويبين هذا قوله:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} فهذا حكم من الله

= وقال المصنف رحمه الله في "البدر المنير" 8/ 282: هذا سند ظاهر الضعف. وأعله الحافظ في "التلخيص" 4/ 6 بمبشر، فقال: هو متروك. وقال الألباني في "ضعيف الجامع"(1307): موضوع.

وانظر: "البدر المنير" 8/ 281 - 283، "تلخيص الحبير" 4/ 6.

(1)

"مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 417.

(2)

برقم (1536).

(3)

برقم (4326).

(4)

مسلم (1180)، أبو داود (1819)، الترمذي (836)، النسائي 5/ 130 - 131.

(5)

"المتواري" ص 388.

ص: 18

لكل أمة بعث إليها رسولًا ليببين لهم ما أنزل إليهم من ربهم، فإن عزب معناه على بعض من سمعه بينه الرسول له بما يفهمه المبين له

(1)

. وطلبوا مصحف عبد الله بن مسعود أن يحرقوه كما فعلوا بغيره فامتنع، أخرجه الترمذي مطولًا

(2)

، ومسألة المعتبة في الإحراق إنما هي فيما التبس من كلام الخصوم كما أوضحه ابن رشد، وذكر الترمذي الحكيم في "ختم الأولياء" أنه عليه السلام روي عنه أنه قال:"إن الله تعالى لم ينزل وحيا قط إلا بالعربية"

(3)

، ويترجم جبريل لكل رسول بلسان قومه، والرسول صاحب الوحي يترجم بلسان أولئك، فإنما الوحي باللسان العربي.

وفيه الرغبة في رؤية كيفية تلقيه عليه السلام الوحي ليزداد يقينًا، فإنه لا ينطق عن الهوى.

(1)

"شرح ابن بطال" 10/ 218.

(2)

"سنن الترمذي"(3104).

(3)

روى الطبراني في "الأوسط" 5/ 47 (4635)، وابن عدي في "الكامل" 4/ 230، و 6/ 5 من طريق العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا:"والذي نفسي بيده ما أنزل الله وحيًّا قط على نبي بينه وبينه إلا بالعربية، ثم يكون هو بعد يبلغه قومه بلسانه".

قال ابن عدي 6/ 5: حديث منكر عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة بهذا الإسناد. وأعله الهيثمي في "المجمع" 10/ 52 بسليمان بن أرقم.

وانظر: "تذكرة الموضوعات" ص 113.

ص: 19

‌3 - باب جَمْعِ القُرْآنِ

4986 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رضي الله عنه -قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَه، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟! قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْر: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟! قَالَ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِى شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رضي الله عنه. [انظر: 2807 - فتح: 9/ 10]

4987 -

حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِى إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ

ص: 20

اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ. فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. [انظر: 3506 - فتح: 9/ 11]

4988 -

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. [انظر: 2807 - فتح: 9/ 11]

ذكر فيه حديثين:

أحدهما: حديث عبيد بن السباق السالف في آخر تفسير سورة براءة

(1)

.

ثانيهما: حديث ابن شِهَاب، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكًانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّاْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ. فذكر الحديث في نسخ المصاحف؛ وقال في آخره: قَالَ ابن شِهَاب: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: سَمِعتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ .. فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي المُصْحَفِ.

معنى (يغازي: يغزو)

(2)

، وإرمينية: بكسر أوله، وفتحه ابن

(1)

سلف برقم (4679).

(2)

في الأصل: يغزو: يغازي. وما أثبتناه هو الأليق بالسياق.

ص: 21

السمعاني

(1)

، وتخفف ياؤها وتشدد كما قاله ياقوت

(2)

، وقال صاحبا "المطالع"

(3)

: بالتخفيف لا غير. وقال أبو عبيد: بلد معروف سميت بكون الأرمن فيها، وهي أمة كالروم، وقيل: سميت بأرمون بن لمطي بن يومن بن يافث بن نوح

(4)

. قال أبو الفرج: ومن ضم الهمزة غلط؛ قال: وبكسرها قرأته عَلَى أبي منصور اللغوي؛ وقال: هو اسم أعجمي، وأقيمت -كما قال الرشاطي- سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان على يد سلميان بن ربيعة الباهلي. قال: وأهلها بنو الرومي بن إرم بن سام بن نوح.

وأذربيجان -بفتح أوله بالقصر والمد وبفتح الباء وكسرها وكسر الهمزة أيضًا، حكاه ابن مكي في "تنقيبه"- بلد بالجبال من بلاد العراق يلي كور إرمينينة من جهة المغرب. وقال أبو إسحاق البحيري: الفصيح ذربيجان. وقال الجواليقي: الهمزة في أولها أصلية، لأن أذر مضموم إليه الآخر.

وقوله: (وقال ابن شهاب .. ) إلى آخره. رواه البخاري في الأحكام عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، به. هذا إذا

(1)

قال السمعاني في "الأنساب" 1/ 193: (الأرميني): بفتح الألف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها النون.

(2)

"معجم البلدان" 1/ 159 - 160.

(3)

ورد بهامش الأصل: لعله سقط: و"المشارق"؛ وذلك لأنه كتب صاحبا بالألف، ولم أراجع أنا "المشارق".

قلت (المحقق): نص عبارة القاضي في "المشارق" 1/ 59: (إرمينية) بالكسر، قال أبو عبيد: بكسر أوله وإسكان ثانيه بعده ميم مكسورة، وياء ثم نون مكسورة. اهـ.

(4)

"معجم ما استعجم" 1/ 141 - 142.

ص: 22

لم يكن البخاري عطفه على السند الذي قبله

(1)

.

فصل:

إن قلت: ما وجه نفور الصديق وزيد بن ثابت مع فضلهما عن جمع القرآن.

قلت: بينه ابن الباقلاني بقوله: لم نجد الشارع قد بلغ في جمعه إلى الحد من الاحتياط من تجليده وجمعه بين لوحين وكرها أن يجمعاه جزعًا أن يحلا أنفسهما محل [من]

(2)

يجاوز احتياطه للدين احتياط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما (نبههما)

(3)

عمر وقال: هو والله خير، وخوفهما من تغير حال القرآن في المستقبل لقلة حفظته ومصيره إلى حالة الخفاء بعد الاستفاضة والظهور علما صواب ما أشار به وأنه خير، وأن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على الوجوب ولا تركه لما تركه على الوجوب، إلا أن يكون قد بيَّن أن مثل فعله لما فعله أوتركه لمثل ما تركه لازم لنا واجب علينا، فلما علمنا أنه لم يحظر جمعه ولا منع منه بسنة ولا بنص ولا هو مما يفسده العقل ويحيله ولا يقتضي فساد شيء من الدين ولا مخالفته، وأما صواب ما أشار به عمر وأسرعا إليه كما فعل عمر وسائر الصحابة في رجوعهم إلى رأي الصديق في قتاله أهل الردة واستَصْوَبُوه، وقد يشمئز الإنسان أحيانًا من فعل المباح المطلق؛ لفرط احتياط ثم يتبين له بعدُ خلافهُ، كرجل قيل له: قد سقط عنه فرض الجهاد والصيام والصلاة قائمًا؛ لزَمَانَةٍ وعَجْز، فأنكر مفارقة العادة عند أول وهلة، فلما تأمل ذلك علم جوازه.

(1)

هو معطوف على الإسناد الذي قبله، وانظر:"الفتح" 9/ 21.

(2)

زيادة يقتضيها السياق مثبتة من "شرح ابن بطال" 10/ 222.

(3)

في الأصل: لم ينههما، والمثبت من "شرح ابن بطال" وهو الأنسب للسياق.

ص: 23

فصل:

يأتي في الأحكام فيما يستحب للكاتب أن يكون أمينًا عاقلًا زيادة بيان في تصويب جمع الصديق للقرآن وأنه أعظم فضائله.

فصل:

فإن قلت: فما وجه حمل عثمان الناس على مصحفه وقد سبقه الصديق إلى ذلك؟ قلت: سلف في آخر سورة التوبة وجهه

(1)

.

فصل:

قد أسلفنا آخر سورة التوبة إلجمع بين الروايتين آخر سورة [التوبة]

(2)

وآية الأحزاب، وجمع المهلب بأن آية التوبة وجدت مع أبي خزيمة وهو معروف من الأنصار وقد عرفه أنس وقال: نحن ورثناه، والتي في الأحزاب ليست صفة رسول الله ووجدت مع خزيمة بن ثابت وهو غير أبي خزيمة، فلا تعارض، والقصة غير القصة، وآية الأحزاب سمعها زيد وخزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما شاهدان على سماعها منه. وإنما أثبت التي في التوبة بشهادة أبي خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في صفته عليه السلام، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر.

فصل:

قال ابن بطال: في أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى، وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض، وروى معمر، عن (طاوس)

(3)

، عن أبيه أنه كان يحرق الصحف إذا

(1)

راجع شرح حديث (4679).

(2)

ساقطة من الأصول، والصواب إثباتها.

(3)

كذا بالأصل، وصوابه:(ابن طاوس) وهو ما في "شرح ابن بطال" 10/ 226.

ص: 24

اجتمعت عنده الرسائل فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. وحرق عروة ابن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله، وقول من حرقها أولى بالصواب كما قاله ابن بطال

(1)

.

وقال أبو بكر بن الطيب: جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك.

وأكثر الرواة تقوله هنا بالخاء المعجمة، ورواه المروزي بالحاء المهملة، وروي عن الأصيلي الوجهان.

قال ابن عطية: ورواية المهملة أحسن، ومن خرقها دفنها بعد، وهذا حكمُهُ في ذلك الزمن، أما الآن قيل: الغسل أولى إذا دعت الحاجة إلى إزالته، وما فعله عثمان رضي الله عنه؛ فلاختلاط الشاذ بالمتواتر وخشية التحريف أيضًا أو الإحراق لإذهاب عينه رأسًا.

قال عياض: قد أحرق عثمان والصحابة المصاحف بعد أن غسلوا منها بالماء ما قدروا عليه

(2)

.

قال النووي: وكان ذلك صيانة لمصحف عثمان

(3)

، ونقل القرطبي عن الترمذي الحكيم أن من حرمة القرآن ألا نتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب، فإن ذلك جفاء عظيم ولكن يمحى بالماء

(4)

، وقد قال الحسن البصري: لا يحرق مصحف الغال، وكان بعض السلف يستشفى بغُسالته.

(1)

"شرح ابن بطال" 10/ 226.

(2)

"إكمال المعلم" 8/ 280.

(3)

"مسلم بشرح النووي" 17/ 101.

(4)

"تفسير القرطبي" 1/ 24.

ص: 25

‌4 - باب ذِكْر كَاتِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

-

4989 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ ابْنَ السَّبَّاقِ قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه -قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاتَّبِعِ الْقُرْآنَ. فَتَتَبَّعْتُ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] إِلَى آخِرِهِ. [انظر: 2807 - فتح: 9/ 22]

4990 -

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ" أَوِ "الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ"- ثُمَّ قَالَ: «اكْتُبْ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} [النساء: 95] " وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى قَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَإِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ. فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا {لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] فِي سَبِيلِ اللهِ: {غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ} [النساء: 95]. [انظر: 2831 - مسلم: 1898 - فتح: 9/ 22]

ذكر فيه قطعة من الحديث قبله عن الزهري أَنَّ ابن السَّبَّاقِ قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .. الحديث.

وحديث البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} . وقد سلف في سورة النساء

(1)

، قال مالك: نزل جبريل بقوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} قبل أن يجف القلم فأُلحق بما في القلم، وذلك مسيرة ألف سنة في هبوطه وعروجه. وفيه: -كما قال أبو بكر بن الطيب- أنه عليه السلام سن جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك وأملاه على كتبته، وأن الصديق والفاروق

(1)

سلف برقم (4594) كتاب: التفسير، باب: سورة النساء.

ص: 26

وزيد بن ثابت وجماعة الأئمة أصابوا في جمعه وتحصينه وإحرازه، وجروا في كتابته على سنن الرسول وسنته، وأنهم لم يثبتوا منه شيئا غير معروف وما لم تقم الحجة به

(1)

.

وفيه -كما قال المهلب- أن السنة للخليفة والإمام أن يتخذ كاتبًا يقيد له ما يحتاج إلى النظر فيه من أمور الرعية، ويعينه على تنفيذ أحكام الشريعة؛ لأن الخليفة يلزمه من الفكرة والنظر في أمور من استرعاه الله أمرهم ما يشغله عن الكتاب وشبهه من أنواع المهن، ألا ترى قول الفاروق: لولا الخلافة

(2)

لأذنت. يريد أن الخلافة حال شغل بأمور المسلمين عن الأذان وغيره؛ لأن هذا فيه من يقوم مقامه وينوب عنه دون الإمامة، وقد احتج بقوله:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} [النساء: 95] إلى آخره

من قال: إن الغنى أفضل من الفقر، وقال: ألا ترى قوله: {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ} الآية. إلى قوله: {الْحُسْنَى} [النساء: 95] بفضيلة الجهاد وبذل المال في إعلاء كلمة الله درجة لا يبلغها الفقراء أبدًا.

وقوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} يدل أن أهل الأعذار لا حرج عليهم فيما لا سبيل لهم إلى فعله من الفرائض اللازمة للأصحاء القادرين.

وفيه حجة لمن قال: لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وهو قول جمهور الفقهاء

(3)

.

(1)

نقل كلام ابن الطيب هذا ابن بطال 10/ 227.

(2)

ورد بهامش الأصل: كذا أحفظه: الخِلّيفي بكسر الخاء والتشديد: الخلافة، وهذا وأمثاله من أبنية المبالغة، يريد به كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة.

(3)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 733، عند تفسيره لقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، "المنثور في القواعد" 1/ 202 - 203، "المستصفى" ص 70، "البحر المحيط" للزركشي 2/ 109 - 111.

ص: 27

‌5 - باب أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ

4991 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:«أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» . [انظر: 3219 - مسلم: 819 - فتح: 9/ 23]

4992 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ» . فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» . [انظر: 2419 - مسلم: 818 - فتح: 9/ 23]

ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّه صلى الله عليه وسلم -قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ".

وسلف في بدء الخلق

(1)

، وأخرجه مسلم أيضًا

(2)

.

(1)

سلف برقم (3219).

(2)

مسلم (819).

ص: 28

وحديث عمر مع هشام السالف في الخصومات

(1)

، وقال هنا:(كِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ) أي: أنكب عليه، ومنه قوله تعالى {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21].

وفيه: انقياد هشام لعمر، وكانا من أصلب الناس، كان عمر إذا كره شيئًا يقول: لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم.

وقد سلف اختلاف العلماء في المراد بالأحرف السبعة، وقيل: سبة معان مختلفة كالأحكام والأمثال والقصص إلى غير ذلك. وهو خطأ؛ لأنه أشار في الحديث إلى جواز القراءة بكل حروفها، وقد قام الإجماع أنه لا يحل إبدال آية أمثال بآية أحكام قال تعالى:{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] وقال ابن شهاب: بلغني أنه في الأمر الواحد، فلا يختلف في حلال ولا حرام. وإليه ذهب ابن مسعود أنه يجعل مكان الكلمة كلمة بمعناها، وروى ذلك عن مالكٍ ابن وهب قال: أقرأ ابن مسعود رجلًا {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)} فجعل الرجل يقول: اليتيم؛ فقال له ابن مسعود: طعام الفاجر؛ فقلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟ قال: نعم، أرى ذلك واسعًا. والذي في "المدونة" أنه منع من أن يأتم بمن يقرأ بقراءة ابن مسعود، وقال: يخرج ويدعه

(2)

.

فصل:

هذا الحديث له طرق أخرُ، منها: روى مسلم من حديث أبي بن كعب أنه عليه السلام كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على حرف. فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته إن أمتي لا تطيق

(1)

برقم (2419).

(2)

"المدونة" 1/ 84.

ص: 29

ذلك" ثم أتاه ثانيًا فذكر نحو هذا حتى بلغ سبعة، قال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا

(1)

.

وفي كتاب أبي عمرو الداني، و"صحيح الحاكم"، وابن حبان من حديث أبي سلمة عن ابن مسعود مرفوعًا: "كان الكتاب أنزل من باب واحد على وجه واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام [ومحكم]

(2)

ومتشابه وأمثال" قال الحاكم: صحيح

(3)

. وأخرجه النسائي -موقوفًا مختصرًا

(4)

-، وابن الضريس

(5)

-مرفوعًا-: "نزل القرآن على سبعة أحرف"

(6)

.

وأخرجه عباد بن يعقوب في "فضائل القرآن" مرفوعًا بزيادة: "لكل آية منه ظهر وبطن".

وروى أبو الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة

(1)

مسلم برقم (821) كتاب: الصلاة، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف

(2)

ساقطة من الأصل، والمثبت من مصادر التخريج.

(3)

"المستدرك" 1/ 553، "صحيح ابن حبان" 3/ 20 - 21 (745). والحديث رواه ابن عبد البر في "التمهيد" 8/ 275، وقال: هذا حديث عند أهل العلم لا يثبت؛ لأنه يرويه حيوة، عن عقيل، عن سلمة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده، وضعفه الحافظ في "الفتح" 9/ 29. وللحديث طرف أخرى، من ثم حسنه الألباني رحمه الله بمجموعها في "الصحيحة" (587).

(4)

"السنن الكبرى" 5/ 4 (7984).

(5)

هو الحافظ المحدث الثقة المعمر المصنف، أبو عبد الله محمد بن أيوب بن يحيى بن ضريس البجلي الرازي، صاحب كتاب "فضائل القرآن". توفي سنة أربع وتسعين ومائتين بالري. انظر:"سير أعلام النبلاء" 13/ 449 (222).

(6)

"فضائل القرآن"(127) وفيه: "على خمسة أحرف".

ص: 30

أحرف " وفي رواية: "إن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده؛ فاستزاده حتى بلغ سبعة أحرف وكلٍّ شاف كاف ما لم يختم آيه رحمة بآية عذاب وآية عذاب بآية رحمة أقبل هلم تعال ادن أسرع أعجل"

(1)

وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "استزدت جبريل حتى بلغ سبعة أحرف"

(2)

وعن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: حدثثي أيوب أنه عليه السلام قال: "ونزل القرآن على سبعة أحرف"

(3)

، وعن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا:"أنزل القرآن على ثلاثة أحرف" وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا

(4)

، وله في كتاب "الثواب" عن أبي ميسرة: ثزل القرآن لكل إنسان. والبزار عن عمر مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" ثم قال: هذا الحديث إسناده حسن، ولا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه. وهذا الكلام قد روي عن أبي وحذيفة وأبي هريرة وغيرهم، وذكرناه عن عمر لجلالة عمر وحسن إسناده

(5)

.

فصل:

اختلف في معنى قوله: "سبعة أحرف" فالأكثرون -كما قال المنذري- أنه حصر للعدد وقيل: توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر.

(1)

رواه أحمد 5/ 41، 51، وانظر:"الصحيحة"(842).

(2)

رواه أحمد 5/ 114، وابن حبان 3/ 17 - 18 (742) عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب، به.

(3)

رواه أحمد 6/ 433، 6/ 462 - 463 عن سفيان، عن عبيد الله، به، لكنه عن أم أيوب الأنصارية.

قال الحافظ ابن كثير في "فضائل القرآن" ص 117: إسناد صحيح.

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 138 (30115)، ورواه أحمد 5/ 16، 22. قال الحافظ ابن كثير في "فضائل القرآن" ص 114: إسناد صحيح.

(5)

"البحر الزخار" 1/ 425 - 426 (300).

ص: 31

ثم اختلفوا في تعيينها على ما سلف، ومنهم من جعلها في صورة التلاوة، ومنهم من جعلها في الألفاظ والحروف، وذكر ابن حبان البُسْتي فيها خمسة وثلاثين قولًا غير أن غالبها فيه تداخل، وجائز أن يكون منها لقريش وكنانة وأسد وهزيل وتميم وضبة وقيس، فهذِه قبائل مضر.

وقال ابن الجوزي: يستوعب سبع لغات على هذِه المراتب، وقد جاء في حديث ابن عباس: أنزل القرآن على لغة الكعبين: كعب قريش وكعب خزاعة؛ لأن الدار واحدة

(1)

. وقد أسلفنا هناك عن أكثر العلماء أنها سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة، ونقله القرطبي أيضًا عن الأكثرين

(2)

، وهو قول الطحاوي

(3)

، ويمكن أن يقال: أنه عليه السلام سمعها من جبريل في عرضات سبع أو في واحدة وأوقفه على المواضع المختلف فيها، ثم لا يشترط أن يكون اختلاف هذِه اللغات السبع في كيفيات الكلمات من الإظهار والإدغام والمد والقصر والإمالة والفتح وبين بين وتخفيفه بالحذف والنقل وبين بين والإسكان والرَّوم والإشمام عند الوقف على أواخر الكلم، والسكوت على اللسان قبل الهمز وما أشبهه واختلاف الإعراب فقط، بل يحوز أن يكون في هذِه كلها وفي ألفاظ مترادفة على معنى واحد، كما قرئ {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الجمعة: 9] (فامضوا)

(4)

وهذا يدل -كما قال

(1)

رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 340 عن قتادة عمن سمع ابن عباس، به، وفيه - بعد قوله (أنزل القرآن) إلى (خزاعة): قيل له: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة. وقد رواه الطبري أيضًا في "تفسيره" 1/ 51 (65) لكن عن قتادة عن ابن عباس، به. وقد نبه قبلها أن قتادة لم يلق ابن عباس ولم يسمع منه.

(2)

"تفسير القرطبي" 1/ 36 - 37.

(3)

"شرح مشكل الآثار" 8/ 124 - 125.

(4)

قرأ بها عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن الزبير رضي الله عنه، وهي من شواذ القراءات. انظر:"مختصر اختلاف الشواذ" ص 157.

ص: 32

أبو عبد الله القرطبي- على أن السبعة التي أشير إليها في الحديث ليس بأيدي الناس منها إلا حرف الذي جمع عليه عثمان المصاحف.

وقال الطحاوي

(1)

: إنما كانت سعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن العظيم، على غير لغاتهم؛ لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم، فكان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظمية، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقًا، وكانوا كذلك حتى كثر من يكتب منهم وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها

(2)

.

قال أبو عمر: فلما ارتفعت تلك الضرورة ارتفع حكم هذِه السبعة الأحرف وعاد القرآن حرفًا واحدًا

(3)

.

قال أبو العباس: وأما القراءات السبعة التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة؛ فقال كثير من علمائنا -كالداودي والمهلب وغيرهما-: إنها ليست من الأحرف السبعة التي اكتفت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة التي جمع عليها عثمان المصاحف، ذكره النحاس وغيره، وهذِه القراءات هي اختيارات أولئك السبعة، وذلك أن كلَّ واحدٍ منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى، فالتزم طريقه ورواه وأقرأ به فاشتهر عنه وعرف به ونسب إليه فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع أحد اختيار الآخر -وكلٌّ صحيح- ولا أنكره، بل سوغه وجوزه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روي عنه اختياران أو أكثر

(1)

"شرح مشكل الآثار" 8/ 125.

(2)

"تفسير القرطبي" 1/ 37.

(3)

"التمهيد" 8/ 294، "الاستذكار" 8/ 43.

ص: 33

وكل صحيح. وقد أجمع المسلمون في هذِه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة ما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات، فاشتهر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب

(1)

.

وقال ابن بطال: قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث، ولم أجد فيه قولًا يسلم من المعارضة، وأحسن ما رأيته ما نقله أبو عمرو الداني في بعض كتبه ولم يسم قائله قال: إني تدبرت معنى هذا الحديث وأنعمت النظر فيه بعد وقوفي على أقاويل السلف والخلف، فوجدته متعلقًا بخمسة أوجه وهي محيطة بجميع معانيه: ما معنى الأحرف وكيف تأويلها؟ ما وجه إنزال القرآن على هذِه الأحرف السبعة؟ وما المراد بذلك في أي شيء يكون اختلافها؟ وعلى كم معنى يشتمل اختلافها؟ وهل هي كلها متفرقة في القرآن موجودة فيه في ختمة واحدة حتى إذا قرأ القارئ بأي حرف من حروف الأئمة القُرَّاء بالأمصار المجمع على إمامتهم فقد قرأ بها كلها، أم ليست كلها متفرقة فيه وموجودة في ختمة واحدة؟

فأما الأول فهو يتوجه على وجهين: أحدهما: سبعة أوجه من اللغات، وهذا قدمناه عنه؛ بدليل قوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11] أي: الوجه والنعمة.

الثاني: أن يكون الشارع سمى القراءات أحرفًا على طريق السعة مجازًا كما يسمون الرسالة والخطبة كلمة؛ إذ كانت الكلمة منها.

قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 137] وقيل: المراد بهذِه الكلمة {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ} الآية [القصص: 5].

(1)

"المفهم" 2/ 450.

ص: 34

وقال مجاهد في قوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26]: لا إله إلا الله

(1)

.

وأما الثاني: فهو توسعة من الله على عباده لما هم عليه من اختلاف اللغات، وقد روى أبو عبيد من حديث حذيفة مرفوعًا:"لقيت جبريل عند أحجار المراء فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية: الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف"

(2)

.

ويمكن أن تكون هذِه السبعة أوجه من اللغات، وذكر ثابت

(3)

في هذا المعنى أنه يريد -والله أعلم- على لغات شعوب من العرب سبعة أو جماهيرها -كما قال الكلبي- خمسة منها بهوازن وحرفان لسائر الناس.

وقال ابن عباس: نزل على سبعة أحرف صارت في عجز هوازن منها خمسة. وقال أبو حاتم: عجز هوازن: ئقيف وبثو سعد بن بكر وبنو جشم وبنو نضر، خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب؛ لقرب جوارهم من جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان. وقال قتادة: عن سعيد بن المسيب قال: نزل القرآن على لغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى خزيمة

(4)

.

(1)

"تفسير مجاهد" 2/ 603.

(2)

"فضائل القرآن" ص 338.

(3)

هو السرقسطي، كذا نسبه ابن بطال 10/ 231.

(4)

ينظر في ذلك "فضائل القرآن" لأبي عبيد ص 334 وما بعدها، و"تفسير الطبري" 1/ 35 وما بعدها.

ص: 35

أما الثالث فإنها تكون في أوجه كثيرة منها: تغيير اللفظ نفسه كـ {مَلِكِ} و {مَالِكِ} [الفاتحة: 4]، و {الصِّرَاطَ} [الفاتحة: 6] بالسين والصاد والزاي.

ومنها: الإثبات والحذف، {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [البقرة: 116] {وَسَارِعُوا} [آل عمران: 133]{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا} [التوبة: 107] قالوا: (و) ودونه.

ومنها: تبديل الأدوات كقوله: (فَتَوكّلْ عَلَى العَزِيزِ الرّحِيمِ){وَتَوَكَّلْ} [الشعراء: 217](فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا)[الشمس: 15] بالفاء والواو.

ومنها: التوحيد والجمع كالريح والرياح {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (رسالاته)[المائدة: 67]، (آيَةٌ لِلسَّائِلِينَ) {آيَاتٌ} [يوسف: 7]

ومنها: التذكير والتأنيث {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48] بالتاء والياء، (فَنَادَاهُ المَلَائِكَةُ) و {فَنَادَتْهُ} [آل عمران: 39]، و (استهواه الشياطين) و {اسْتَهْوَتْهُ} [الأنعام: 71].

ومنها: التشديد والتخفيف (بِمَا كَانُوا يُكْذِّبونَ)[البقرة: 10](ولكن الشّيْاطِينَ)[البقرة: 102](ولكن البِرّ)[البقرة: 177].

ومنها: الخطاب والإخبار {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] و {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76]، {وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13].

ومنها: الإخبار عن النفس كقوله: {نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} [الزمر: 74] بالنون والياء (وَنَجْعَلُ الرّجْسَ)[يونس: 100] بالنون والياء.

ومنها: التقديم والتأخير كقوله: (قتلوا وقاتلوا){وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} [آل عمران: 195]، و (فيقتلون ويقتلون) [التوبة: 111] وكذا (زَيّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَائِهِمْ) و {قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}

ص: 36

[الأنعام: 137] وشبه ذلك.

ومنها: النهي والنفي كقوله: (وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ)[البقرة: 119] بالجزم على النهي وبالرفع على النفي (وَلَا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: 26] بالتاء والجزم على النهي، وبالياء والرفع على النفي.

ومنها: الأمر والإخبار كقوله: {وَاتَّخِذُوا} [البقرة: 125]، بكسر الخاء وفتحها، و {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} [الإسراء: 93] و {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ} [الأنبياء: 4] الأمر، و {قَالَ} على الخبر وشبهه.

ومنها: تغيير الإعراب وحده كـ {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} [البقرة: 240] بالنصب والرفع، و {تِجَارَةً حَاضِرَةً} [البقرة: 282] بهما، و {أَرْجُلِكُمْ} [المائدة: 6] بالنصب والجر.

ومنها: تغيير الحركات اللوازم كقوله: (وَلَا يَحْسِبَنّ)[آل عمران: 178] بكسر السين وفتحها، {وَمَنْ يَقْنَطُ} [الحجر: 56] و {يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] بكسر النون وفتحها، و {يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] و {يَعْكُفُونَ} [الأعراف: 138] بكسر الراء والكاف وضمهما، و {الْوَلَايَةُ} [الكهف: 44] بكسر الواو وفتحها.

ومئها: التحريك والتسكين كـ {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 168] بضم الطاء وإسكانها و {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] بفتح الدال وإسكانها.

ومنها: الإتباعُ وتَرْكه {فَمَنِ اضْطُرَّ} [البقرة: 173] و {أَنِ اعْبُدُوا} [المائدة: 117]{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ} [الأنعام: 10] بالضم والكسر؛ فالضم لالتقاء الساكنين إِتْباعًا لضم ما بعدها؛ والكسرُ للساكن من غير إِتْباع.

ص: 37

ومنها: الصرف وتركه كـ (عَادًا وَثَمُودًا)[الفرقان: 38] و {أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 68] بالتنوين وتركه.

ومنها: اختلاف اللغات كـ {وَجِبْرِيلَ}

ومنها: التصرف في اللغات نحو الإظهار إلى آخر ما سلف.

وقد ورد التوقيف عن الشارع بهذا الضرب من الاختلاف وأذن فيه لأمته في الأخبار الثابتة، وقد روى أبو عبيد، عن نعيم بن حماد، ثنا بقية، عن حصين بن مالك قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد، عن حذيفة رفعه:"اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها"

(1)

: مذاهبها وطباعها.

ووجه هذا الاختلاف في القرآن أنه عليه السلام كان يعرض القرآن على جبريل في كل عام عرضة، وفي عام موته عرضتين، وكان جبريل يأخذ عليه في كل عرضة بوجه من هذِه الوجوه والقراءات المختلفة؛ ولذلك قال أن القرآن أنزل عليها، وأنها كلها كاف شاف. وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها إذ كانت كلها من عند الله منزلة ومنه عليه السلام مأخوذة، ولم يلزم أمته حفظها كلها ولا القراءة بها بأجمعها، بل هي مخيرة في القراءة بأي حرف شاءت منها، كتخييرها في كفارة حنث اليمين والفدية، ألا ترى أنه عليه السلام صوب من قرأ ببعضها كما صوب قراءة هشام وعمر حين تناكرا القراءة، وأقر أنه كذلك قرئ عليه، وكذا أنزل عليه.

وأما الرابع؛ فإنه يشتمل على ثلاث معان: اختلاف اللفظ والمعنى واحد كـ {الصِّرَاطَ} كشما سلف. و {عَلَيْهِمْ} و {إِليْهِم} بضم الهاء مع إسكان الميم وبكسر الهاء مع ضم الميم وإسكانها وشبه ذلك.

(1)

"فضائل القرآن" ص 165، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع"(1067).

ص: 38

اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعها في شيء واحد لعدم تضاد اجتماعهما فيه كـ {مَالِكِ} و (ملك)، فإن المراد: الرب تعالى، وكذا {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] لأن المراد المنافقون؛ وذلك لأنهم كانوا يَكذِبون في أخبارهم ويُكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اختلافهما جميعًا مع الامتناع كقوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} [يوسف: 110] بالتشديد.

وأما الخامس: فلأنه لا يمكن القراءة بها في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية من رواية القراء فإنما قرأ ببعضها لا بكلها؛ لأنا قد أوضحنا أن المراد بالسبعة أحرف سبعة أوجه من اللغات، كنحو اختلاف الإعراب والحركات والسكون وغيرهما مما قدمناه، وإذا كان كذلك فمعلوم أنه من قرأ بوجه من هذِه الأوجه، فإنه لا يمكنه أن يحرك الحرف ويسكنه في حالة واحدة أو يقدمه ويؤخره أو يظهره ويدغمه إلى غير ذلك.

غير أنا لا ندري أي هذِه السبعة كان آخر العرض، وأن جميع هذِه الأحرف قد ظهر واستفاض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وأن معنى إضافة كل حرف منها إلى ما أضيف إليها كأُبَيِّ وزيدٍ وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وأقرأ به، وكذلك إضافة القراءات إلى أئمة الأمصار إضافة اختيار

(1)

.

(1)

انتهى من "شرح ابن بطال" 10/ 229 - 237 بتصرف.

ص: 39

‌6 - باب تَأْلِيفِ القُرْآنِ

4993 -

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ، وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ. لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا. وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا. لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا. لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)} [القمر: 46]، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلاَّ وَأَنَا عِنْدَهُ. قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آىَ السُّوَرِ. [انظر: 4876 - فتح: 9/ 38]

4994 -

حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاء: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي [انظر: 4708 - فتح: 9/ 39]

4995 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ رضي الله عنه -قَالَ: تَعَلَّمْتُ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} [الأعلى: 1] قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

4996 حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ، قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَقَامَ: عَبْدُ اللهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ، وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ {حم (1)} [الدُّخَانُ: 1] وَ {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} [النبأ: 1]. [انظر: 775 - مسلم: 822 - فتح: 9/ 39]

ص: 40

ذكر فيه أربعة أحاديث:

أحدها:

حديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَك قَالَ: إِنّي عِنْدَ عَائِشَةَ رضي الله عنها أُمِّ المُؤْمِنِينَ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: ويحَكَ، وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ .. الحديث.

ومعنى (أول ما نزل .. ) إلى آخره، تريد: المدثر، والمشهور:{اقْرَأْ} كما تقدم، وأراد العراقي تأليف القرآن على ما نزل أولًا فأولًا، لا يقرأ المدني قبل المكي، والقرآن ألفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي، كان جبريل عليه السلام يقول له: اجعل آية كذا في سورة كذا.

وقولها: (ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) فيه دلالة أن السورة تسمى بما يذكر فيها ومعنى: (ثاب الناس) رجعوا، ثاب الشيء يثوب ثؤوبًا: رجع، ومنه {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 125] الحديث.

الثاني:

حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي

(1)

.

(1)

ورد في هامش الأصل: ينبغي أن يقول من العتاق الأول، ويفسر بأول ما نزل من القرآن، ثم يقول: وهن من تلادي، أي: من أول من تعلمت.

ص: 41

وسلف في تفسير سورة بني إسرائيل بسنده سواء

(1)

.

وقوله: (من تلادي) يعني هنَّ مما نزل من القرآن أولًا، قال صاحب "العين": العتيق: القديم من كل شيء

(2)

، والتلاد: ما كسب من المال قديمًا. فيريد أنهن من أول ما حفظ من القرآن.

الحديث الثالث:

حديث البَرَاءِ رضي الله عنه: تَعَلَّمْتُ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} [الأعلى: 1] قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. سلف قريبًا في تفسير سورة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}

(3)

.

الحديث الرابع:

حديث أَبِي حَمْزَةَ -واسمه محمد بن ميمون السكري المروزي- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَقَامَ عَبْدُ اللهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ، وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ المُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابن مَسْعُودٍ، آخِرُهُنَّ الحَوَامِيمُ {حم (1)} [الدخان: 1] الدُّخَانُ و {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} [النبأ: 1]

سلف أيضا

(4)

.

قال الداودي في قوله: (قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ .. ) إلى آخره. يريد في صلاة الصبح، قال: وكان يقرأ الجاثية في الأولى، و {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} في الثانية، والأحقاف في الأولى من اليوم الثاني، والمرسلات في

(1)

سلف برقم (4708).

(2)

"العين" 1/ 146، مادة:(عتق).

(3)

سلف برقم (4941).

(4)

برقم (775).

ص: 42

الثانية، ثم كذلك في عشرين صلاة، ثم يرجع إلى ذلك في أكثر أحواله، والذي تأول البخاري وغيره أنه كان يقرأ سورتين في كل ركعة، وقد بوب عليه كذلك في الصلاة

(1)

، وأجازه مالك في "مختصر ابن عبد الحكم".

وقوله: (عشرون سورة من أول المفصل .. ) إلى آخره: ظاهرُهُ أن الدخان من المفصل.

والمذكور عن ابن مسعود أن أول المفصل الجاثية، ذكره الداودي، وعنه في البخاري أن أوله القتال، وعند العامة أنه السُبع الآخر. وعن ابن مسعود أنه السدس الآخر، وهو دال على أن أوله الأحقاف، وقيل: أوله {ق} ، وقيل غير ذلك.

وقوله: (على تأليف ابن مسعود) صحيح؛ لأنها على تأليف القرآن خمس وثلاثون سورة من الدخان إلى {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} . وتأليف ابن مسعود شيء آخر.

فصل:

قد اختلف في ترتيب سور القرآن، فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها، وقدم المكي على المدني، ومنهم من جعل في أول مصحفه {الْحَمْدُ} ، ومنهم من جعل في أوله:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، وهذا أول مصحف علي، وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ثم البقرة، ثم النساء على ترتيب مختلف رواه طلحة بن مصرف، عن يحيى بن وثاب، عن علقمة، عنه، ومصحف أُبي كان أوله {الْحَمْدُ} ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم الأعراف، ثم المائدة كذلك على اختلاف شديد، وأجاب القاضي

(1)

حيث قال: باب: الجمع بين السورتين في الركعة، حديث (775).

ص: 43

أبو بكر ابن الطيب بأنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة، وقد قال قوم من أهل العلم: إن تأليف السور على ما هو عليه في مصحفنا كان على توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم على ذلك وأمر به.

وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله إنما كان قبل العرض الأخير، وأنه عليه السلام رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك.

روى يونس، عن ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن قال هذا القول لا يقول: إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن يكون مرتْبا على حسب الترتيب الموقف عليه المصحف، بل إنما يجب تأليف سوره في الرسم والكتابة خاصة، لا نعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة، وفي القراءة والدرس، وأنه لا يحل لأحد أن يحفظ الكهف قبل الروم، ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها للذي سألها أن تريه مصحفها ليكتب مصحفًا على تأليفه:(لا يضرك أيُّه قرأْتَ قبل).

وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسًا، وقالا: ذلك منكوس القلب. وإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة ويبتدئ من آخرها إلى أولها؛ لأن ذلك حرام محظور، وفي الناس من يتعاطى هذا في القرآن؛ والشعر ليذلل لسانه بذلك، ويقتدر على الحفظ، وهذا مما حظره الله في قراءة القرآن؛ لأنه إفساد لصورته ومخالفة لما قصد بها. ومما يدل أنه لا يجب إثبات القرآن في المصاحف على تاريخ نزوله؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يجعلوا

ص: 44

بعض آية سورة في سورة أخرى، وأن ينقضوا ما وقفوا عليه من سياقة ترتيب السور ونظامها؛ لأنه قد صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فيؤمر بإثباتها في السورة المكية، ويقال لهم: ضعوا هذِه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا. ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها: (وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) تعني: بالمدينة، وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة. ولو ألفوا على تاريخ النزول، لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السورة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالناس في الصلاة السورة في الركعة، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها

(1)

.

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 10/ 238 - 240.

ص: 45

‌7 - باب كَانَ جِبْريلُ يَعْرِضُ القُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

-

وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ عليها السلام أَسَرَّ إِلَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَنَّ جِبْرِيلَ [كَانَ] يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي". [انظر: 3623]

4997 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ

اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لأنًّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ

رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [انظر: 6 - مسلم: 2308 - فتح: 9/ 43]

4998 -

حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ. [انظر: 2044 - فتح: 9/ 43]

هذا سلف مسندًا في باب: علامات النبوة، عن أبي نعيم، عن زكريا، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق

(1)

، وليس لسيدة نساء العالمين سواه، وبعضهم خرجه من مسند عائشة، رضي الله عنهما.

ثم ذكر البخاري بإسناده حديث ابن عَبَّاسٍ قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ .. الحديث بطوله، سلف في أوائل الصوم

(2)

.

(1)

برقم (3623).

(2)

سلف برقم (1902) باب: أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان.

ص: 46

وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم القُرْآنَ

كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ الذِي قُبِضَ فيه، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي العَامِ الذِي قُبِضَ فيه. وسلف في الاعتكاف

(1)

.

وفي إسناده أبو بكر -وهو ابن عياش الأسدي مولاهم- عن أبي حصين -وهو بفتح الحاء عثمان بن عاصم الأسدي- عن أبي صالح -وهو ذكوان السمان الراوي- عن أبي هريرة.

وزعم بعضهم أن اعتكافه عند وفاته عشرين يومًا اقتداء بما فعله جبريل، فإنه لما كرر العرض كرر الاعتكاف، وقد أسلفنا ثَمّ من حديث أبي هريرة أنه عليه السلام كان يعكتف عشرًا، فسافر عامًا ولم يعتكف، فاعتكف من قابل عشرين يومًا. وهذا الباب حذفه ابن بطال من "شرحه" وكأنه لسبقه.

(1)

برقم (2044).

ص: 47

‌8 - باب القُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

-

4999 -

حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ: ذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ» . [انظر: 3758 - مسلم: 2464 - فتحِ: 9/ 46]

5000 -

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. [مسلم: 2462 - فتح: 9/ 46]

5001 -

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ: رَجُلٌ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ: قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَحْسَنْتَ. وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ؟!. فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. [مسلم: 801 - فتح: 9/ 47]

5002 -

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ رضي الله عنه: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. [مسلم: 2463 - فتح: 9/ 47]

5003 -

حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. تَابَعَهُ الْفَضْلُ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: 3810 - مسلم: 2465 - فتح: 9/ 47]

ص: 48

5004 -

حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. [انظر: 4481 - فتح: 9/ 47]

5005 -

حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَيٍّ، وَأُبَىٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا). [البقرة: 106]. [انظر: 4481 - فتح: 9/ 47]

ذكر فيه أحاديث:

أحدها:

حديث مَسْرُوقٍ: ذَكَرَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ:"خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ".

سلف في ترجمته

(1)

.

ثانيها:

حديث شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ الله فَقَالَ: والله لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ الله بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، والله لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ الله، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.

(1)

سلف برقم (3760).

ص: 49

ثالثها:

حديث عَلْقَمَةَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ؛ فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسولِ الله فَقَالَ: "أَحْسَنْتَ". وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الخَمْرِ فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَاب الله وَتَشْرَبَ الخَمْرَ؟! فَضَرَبَهُ الحَدَّ.

وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا

(1)

، وإسناده اجتمع فيه ثلاثة تابعيون

بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة.

رابعها:

حديث مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: والله الذِي لَا إله غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سورَةٌ مِنْ كِتَابِ الله إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ الله إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَاب الله تبلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ.

وأخرجه مسلم أيضًا

(2)

.

خامسها:

حديث قَتَادَةَ: سأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَي بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. وأخرجه مسلم أيضًا

(3)

.

وعن ثَابِتٍ وَثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَجْمَعِ القُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ.

(1)

مسلم (801)، "سنن النسائي الكبرى" 5/ 29 (8080).

(2)

مسلم (2463).

(3)

مسلم (2465).

ص: 50

تَابَعَهُ الفَضْلُ بن موسى السيناني، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ

سادسها:

حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُمَرُ: عليٌّ أقضانا، وأُبَي أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَي، وَأُبَيٌّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ الله فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيءٍ. قَالَ الله تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} الآية [البقرة: 106]. أخرجه هنا عن صدقة عن يحيى -وهو القطان- عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عن ابن عباس. وساقه في التفسير عن عمرو بن علي، عن يحيى

(1)

. قال المزي في "أطرافه": وليس في حديث صدقة ذكر علي

(2)

.

قلت: هو في أصل الدمياطي مخرجًا مصححًا

(3)

.

الشرح:

الأمر بالأخذ عن هؤلاء الأربعة للتأكيد، لا أن غيرهم لا يؤخذ عنهم.

وزيادة أبي الدرداء قال الداودي: لا أراه محفوظًا. وقال الإسماعيلي -بعد أن ذكره-: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوز أن يجمعا في "الصحيح" على تباينهما -أعني ذكر أُبَيٍّ وذكر أبي الدرداء - وإنما الصحيح أحدهما.

(1)

سلف برقم (4481).

(2)

"تحفة الأشراف" 1/ 37 (71).

(3)

ورد في هامش الأصل: وكذا هو ثابت في أصل لنا دمشقي، وسمع على المزي وعليه خطه أو تصحيح، والذي قاله المزي هو في بعض النسخ، وكذا ما قاله شيخنا عن أصل الدمياطي.

ص: 51

وابن مسعود لم يحفظ جميعه في حياته عليه السلام؛ لكنه كان يجيد ما يحفظه، وذلك أنه قال: أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة.

وفهم بعضهم أن هؤلاء الأربعة هم الذين جمعوا القرآن كله في عهد رسول صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك، فقد جمعه الخلفاء الأربعة كما ذكره ابن عبد البر، وأبو عمرو الداني؛ قال أبو عمرو: جمعه أيضًا على عهده عبد الله بن عمرو بن العاصي.

قلت: وثبت أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: كم يقرأ القرآن؟ فقال: "في شهر". فقال: إني أطيق أكثر من ذلك .. وذكر الحديث

(1)

.

قلت: وجماعات أخر: عبادة بن الصامت، وأبو أيوب خالد بن زيد. ذكره ابن عبد البر عن محمد بن كعب القرظي، وذكر القاضي أبو بكر أنه تواتر عن عبادة، وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي، وابن عباس ذكره أيضًا من حديث أيوب بن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرأت القرآن وأنا ابن عشر سنين. وأبو موسى الأشعري ذكره أبو عمرو الداني، ومجمع بن جارية ذكره ابن إسحاق

(2)

.

قال الشعبي فيما ذكره ابن عساكر عنه: كان قد بقي على مجمع من القرآن سورة أو سورتان حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3)

، وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد الأنصاري البدري، ذكره أبو عبيد بن سلام من

(1)

يأتي برقم (5053) مختصرًا، وبرقم (5054)، ورواه مسلم (1159/ 182) مطولًا.

(2)

انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 144.

(3)

"تاربخ دمشق" 19/ 309 - 310.

ص: 52

حديث ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي صعصعة أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: في كم أقرأ القرآن؟ قال: "في خمس عشرة". قال: إني أجد أقوى من ذلك. قال: "في كل جمعة"

(1)

.

ومن حديث ابن لهيعة، عن واسع، عن عمه، عن سعد بن المنذر الأنصاري البدري قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال:"نعم إن استطعت"

(2)

.

وسعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية، أخي ضبيعة وعبيد أولاد زيد أخي عزيز ومعاوية بن مالك، أخي حنش، وأخي كلفة بني عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأوسي. ذكره ابن حبيب في "المحبر"

(3)

. وقال أبو أحمد العسكري: ذكر أنه أول من جمع القرآن من الأنصار، ولم يجمعه من الأوس غيره.

فإن قلتَ: أبو زيد الذي ذكره أنس قيل: اسمه سعد بن عبيدة، فلعله هذا. قلتُ: لا فإن ذاك خزرجي. قال أنس: أحد عمومتي ونحن ورثناه، وهذا أوسي، وسعد بن عباد أو عبادة. ذكره ابن مقسم النحوي في "السبيل إلى علم التنزيل" عن الشعبي، وقيس بن السكن، وهو أبو زيد السالف.

وأم ورقة بنت نوفل، وقيل: بنت عبد الله بن الحارث. ذكر ابن سعد

(4)

-فيما ذكره ابن الأثير

(5)

- أنها جمعت القرآن. فهؤلاء تسعة عشر، وتميم الداري كما سيأتي.

(1)

"فضائل القرآن" لأبي عبيد ص 177.

(2)

"فضائل القرآن" ص 179، وفيه: عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد.

(3)

"المحبر" ص 286.

(4)

"الطبقات الكبرى" 8/ 457.

(5)

"أسد الغابة" 7/ 408 (7618).

ص: 53

قال القاضي أبو بكر: وجمعه عمرو بن العاصي، وأقرأه عليه السلام خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان

(1)

.

وعن محمد بن سيرين قال: جمع القرآن أربعة: أبي، ومعاذ، وزيد، وأبو زيد.

(1)

رواه أبو داود (1401)، وابن ماجه (1057)، والحاكم في "المستدرك" 1/ 223، والبيهقي 2/ 314، وابن الجوزي في "التحقيق" 1/ 430 (591) من طريق سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله بن منين، عن عمرو بن العاص، به.

والحديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه:

فقال الحاكم: هذا حديث رواته مصريون قد احتج الشيخان بأكثرهم، وليس في عدد سجود القرآن أتم منه، ولم يخرجاه.

وقال النووي في "المجموع" 3/ 554، و"الخلاصة" 2/ 620 (2133): رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم بإسناد حسن.

وقال في موضع آخر من "المجموع" 3/ 558: حديث صحيح.

وكذا المنذري، فقال في كلامه على أحاديث "المهذب" كما في "البدر المنير" 4/ 257: حديث حسن.

وحسنه أيضًا صدر الدين المناوي في كتابه "كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح" 1/ 409 (742).

وضعفه آخرون أكثرون: فقال ابن الجوزي: هذا الحديث لا يعتمد عليه. وأعله عبد الحق في "أحكامه" 2/ 92 بعبد الله بن منين، فقال: لا يحتج به. وضعفه ابن القطان في "البيان" 3/ 158 - 159 (869).

وقال الحافظ الذهبي في "تنقيح التحقيق" 1/ 191: لم يصح، وأعله في "المهذب" 2/ 753 بجهالة عبد الله بن منين، وضعفه أيضًا المصنف في "البدر المنير" 4/ 258، والحافظ في "التلخيص" 2/ 9، وفي "الدراية" 1/ 210.

وأما الحافظ ابن كثير فلم يزد في "الإرشاد" 1/ 150 على قوله: إسناده غريب، وضعفه أيضًا الألباني في "ضعيف أبي داود"(248)"تمام المنة" ص 269.

ص: 54

واختلفوا في عثمان وتميم الداري وأبي الدرداء، وأما رواية أنس:(جمع). السالفة فلا بد من تأويلها، فإنه قد جمع تلاوته وأحصاه حفظًا أعلام الصحابة ممن لا يحصى كثرة.

فالجواب: أنه يريد من الأنصار خاصة دون قريش وغيرهم، أو يريد جمعه بجميع وجوهه ولغاته وحروفه وقراءاته التي أنزلها الرب تعالى، وأذن للأمة فيها، وخيرها في القراءة بما شاءت منها، أو يريد: اشتهر أو لم يشتهر بجمع متفرقه، وحفظ ما كان ينزل وقتًا دون وقت إلى انقضاء نزوله وكمال جمعه، أو يريد: الأخذ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقيًا أو أخذًا دون واسطة، أو يريد أن هؤلاء ظهروا به وانتصبوا لتعليمه وتلقينه، أو يريد جمعه في صحف أو مصحف. ذكرها أجمع أبو عمرو الداني.

ويحتمل -كما قال ابن العربي- أنه لم يجمع ما نسخ منه وزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته إلا هؤلاء الأربعة، ويبعد أن يكون معنى: جمع القرآن: سمع له وأطاع وعمل بموجبه، يؤيد رواية أحمد في كتاب "الزهد" أن أبا الزاهرية أتى أبا الدرداء؛ فقال: إن ابني جمع القرآن؛ فقال: اللهم غفرًا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع.

وذكر المازري أنه يحتمل أن يراد أنه لم يذكره أحد عن نفسه سوى هؤلاء؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله، واستجازه هؤلاء، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه، أو يحتمل أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوفًا من الرياء واحتياطًا على الثبات، وهؤلاء الأربعة أظهروه لأمنهم على أنفسهم، أو لرأي اقتضاه ذلك عندهم، وكيف يعرف

ص: 55

النقلة أنه لم يكمله إلا أربعة، وكيف يتصور الإحاطة بهذا، والصحابة متفرقون في البلاد، وهذا لا يتصور حتى يلقى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه بأنه لم يكمل القرآن، وهذا بعيد تصوره عادة، وكيف وقد نقل الرواة إكمال بعض النساء لقراءته؟!

وقد اشتهر حديث عائشة رضي الله عنها، وقولها: كنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن

(1)

. وكيف يظن بأبي بكر وعمر أنهما لم يحفظاه؟! على أن الذي رواه ليس بنص جلي، وذلك أن قصاراه أن أنسًا قال: جمع القرآن على عهده أربعة. فقد يكون المراد: لا أعلم سوى هؤلاء، ولا يلزمه أن يعلم كل الحافظين

(2)

.

وحديث أنس حاول بعض الملحدة به القدح في الثقة بنقل القرآن، ولا متروح لها في ذلك؛ لأنا لو سلمنا أن يكون الأمر كما ظنوه، وأنه لم يكمله سوى أربعة، فإنه قد حفظ جميع أجزائه (مئوين)

(3)

لا يحصون، وما من شرط كونه متواترًا أن يحفظ الكلَّ الكلُّ؛ بل الشيء الكثير إذا روى جزءًا منه خلق كثير علم ضرورة، وجعل متواترًا، والجواب عن سؤال من سأل عن وجه الحديث من الإسلاميين، فإنه يقال له: علم ضرورة من تدين الصحابة ومبادرتهم إلى الطاعات والقرب التي هي أدنى منزلة من حفظ القرآن لا يعلم منه أنه محال -مع كثرتهم- أن لا يحفظ منه إلا أربعة، وأيضًا فيمن يعلم أن القرآن كان عندهم من البلاغة بحيث هو، وكان الكفار في الجاهلية يعجبون من بلاغته، ونحن نعلم من عادة

(1)

سلف برقم (2661)، ورواه مسلم (2770).

(2)

انتهى من "المعلم بفوائد مسلم" للمازري 2/ 345 - 346.

(3)

كذا في الأصل، ولم نجد هذا الجمع في كتب اللغة وشرح الحديث، ولعل الصحيح: مئون. والله أعلم.

ص: 56

العرب شدة حرصها على تحفظ الكلام البليغ، ولم يكن لها شغل ولا صنعة إلا سوى ذلك، فلو لم يكن للصحابة باعث على حفظ القرآن سوى هذا لكان أدل الدلائل على أن الخبر ليس على ظاهره.

قال

(1)

: وقد عددنا من حفظنا منهم وسميناهم نحو خمسة عشر صاحبًا ممن نقل عنه حفظ القرآن في كتابنا المترجم بـ "قطع لسان النائح" وأشرنا فيه إلى تأويلاته لهذا الخبر، وذكرنا اضطراب الرواة في هذا المعنى، فمنهم من زاد في هذا العدد، ومنهم من نقص عنه، ومنهم من أنكر أن يجمعه أحد

(2)

.

وقال القرطبي: إنما نشأ هذا ممن يظن أن لهذا الحديث دليلَ خطاب، فإنه لا يتم له ذلك حتى يقول: تخصيص هؤلاء بالذكر يدل على أنه لم يجمعه أحد غيرهم، فمن ينفي القول بدليل الخطاب سلم من ذلك بقوله به، فأكثرهم يقول: أن لا دليل خطاب لها باتفاق أئمة الأصول، ولا يلتفت لقول الدقاق فيه، فإنه واضح الفساد، ولئن سلمنا أن لا تقع الأعداد دليل خطاب، فدليل الخطاب إنما يصار إليه إذا لم يعارضه المنطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به، وههنا أمران أولى منه (من الاتفاق)

(3)

: النقلُ الصحيح، وما يُعلم من ضرورة العادة، وقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعة من الصحابة حفظوه، فمنهم الخلفاء الأربعة، وقد تواترت الأخبار بأنه قتل باليمامة سبعون ممن جمع القرآن

(4)

وكانت اليمامة قريبة من وفاة

(1)

هو المازري.

(2)

"المعلم بفوائد مسلم" 2/ 344 - 345.

(3)

في "المفهم" 6/ 379: (بالاتفاق).

(4)

انظر ما سلف برقم (478).

ص: 57

رسول صلى الله عليه وسلم، فالذين بقوا في ذلك الجيش لم يقتلوا أكثرُ من أولئك أضعافًا، وإذا كان ذلك جيشًا واحدًا، فانظر كم بقي في مدن الإسلام إذ ذاك في عساكر أخر ممن جمع القرآن، فيظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهده لا يحصيهم أحد، ولا يسعهم عدد.

فإن قلتَ: إذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خص هؤلاء الأربعة بالتزكية دون غيرهم؟

فالجواب: أنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلق غرض المتكلم بهم دون غيرهم، أو بقول: إن هؤلاء في ذهنه دون غيرهم

(1)

.

فلما ذكر القاضي أبو بكر وجوه التأويل أنه لم يجمعه على جميع الوجوه، أو أنه لم يجمعه تلقينًا، أو من انتصر له قال: تظاهرت الروايات أن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول لهم، وقد ثبت عن الصديق بقراءته في المحراب بطوال السور التي لا يتهيأ حفظها إلا لأهل القدرة على الحفظ والإتقان، منها: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس: أن الصديق قرأ في الصبح بالبقرة؛ فقال عمر: كادت الشمس أن تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين

(2)

.

وقد علم أن كثيرًا من الحفاظ وأهل الدربة بالقرآن يتهيبون الصلاة بالناس بمثل هذِه السور الطوال وما دونها، وهذا يقتضي أن أبا بكر كان حافظًا، وقد صح الخبر أنه بنى مسجدًا بفناء داره بمكة قبل الهجرة، وأنه كان يقوم فيه بالقرآن ويكثر بكاؤه ونشيجه عند قراءته،

(1)

انتهى من "المفهم" 6/ 379 - 380 بتصرف.

(2)

رواه ابن أبي شيبة 1/ 310 (3545)، والبيهقي 2/ 389.

ص: 58

ويقف عليه نساء المشركين وولدانهم يسمعون قراءته

(1)

، ولولا علمه صلى الله عليه وسلم ذلك لم يقدمه للإمامة مع قوله:"يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله"

(2)

.

وكذلك تظاهرت الروايات عن عمر رضي الله عنه أنه كان يؤم الناس بالسور الطوال، وقرأ مرة بسورة يوسف في الصبح، فبلغ إلى قوله {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} حتى سمع بكاؤه من وراء الصفوف

(3)

. وقرأ مرة سورة الحج وسجد فيها سجدتين

(4)

.

روى عبد الملك بن عمير، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان عمر أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله

(5)

. ولولا أن هذِه كانت حالته، وأنه من أقرأ الناس لكتاب الله لم يكن الصديق بالذي يضم إليه زيد بن ثابت، وأمرهما بجمع القرآن، واعتراض ما عند الناس، ويجعل زيدًا تبعًا له؛ لأنه لا يجوز أن ينصب لاعتراض القرآن وجمعه من ليس بحافظ.

وأما عثمان فقد اشتهر عنه أنه كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان من أهل القيام به، وقد قال حين أرادوا قتله فضربوه بالسيف على يده فمدها، وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل

(6)

،

(1)

سلف برقم (476).

(2)

رواه مسلم (673) من حديث أبي مسعود الأنصاري.

(3)

رواه ابن أبي شيبة 1/ 312 (3565) عن عبد الله بن شداد، بنحوه. وسلف في حديث مقتل عمر الطويل (3700) قال عمرو بن ميمون: وربما قرأ سورة يوسف أو النحل.

(4)

رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 390.

(5)

رواه الحاكم 3/ 86.

(6)

رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" 1/ 126 (132)، والطبراني 1/ 84 (119). قال الهيثمي في "المجمع" 9/ 94: إسناده حسن.

ص: 59

وقالت زوجته: إن تقتلوه فإنه كان يحيي الليل بجميع القرآن في ركعة

(1)

.

وكذلك علي بن أبي طالب قد عرف حاله في فضله ومناقبه، وعرف سعة علمه، ومشاورة الصحابة له، وإقرارهم بفضله، وتربية النبي صلى الله عليه وسلم له، وأخذه له بفضائل الأخلاق، ورغبته عليه السلام في تخريجه وتعليمه، وما كان يرسخه له، ويثبته عليه من أمره، نحو قوله:"أقضاكم علي"

(2)

. ومن البعيد أن يقول هذا فيه وليس من قراء الأمة، وقد كان يقرئ القرآن، وعليه قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وغيره. وروى همام، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء بن السائب: أن أبا عبدالرحمن السلمي حدثه قال: ما رأيت رجلا أقرأ للقرآن من عليِّ بن أبي طالب؛ صلى بنا الصبح فقرأ سورة الأنبياء، فأسقط آية، فقرأ ثم رجع إلى الآية التي أسقطها فقرأها، ثم رجع إلى مكانه الذي انتهى إليه لا يتتعتع

(3)

.

فإذا صح ما قلناه مع ما ثبت من تقدمهم وتقدمة الرسول لهم وجب أن يكونوا حفاظًا للقرآن، وأن يكون ذلك أولى من الأخبار التي ذكر فيها أن الحفاظ كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة ليس فيهم أحد من هؤلاء الأئمة القادة، الذين هم عمدة الدين وفقهاء المسلمين.

فصل:

قوله في حديث ابن مسعود: (فوجد منه ريح الخمر، فضربه الحد) هو حجة لمالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز أن الحد عندهم

(1)

رواه الطبراني 1/ 87 (130) عن محمد بن سيرين، قال الهيثمي 9/ 94: إسناده حسن.

(2)

سلف نحوه برقم (4481) من حديث عمر قال: "أقضانا علي" وبلفظ المصنف ذكره العجلوني في "الكشف"(489) مبينًا رواياته وألفاظه المتعددة، فلينظر.

(3)

"تقييد المهمل" 2/ 708 وتمام كلامه: عن أبيه، فقلب.

ص: 60

يجب بالرائحة إذا شهد بها عدلان عند الحاكم، وهو خلاف قول الشافعي وأبي حنيفة في آخرين؛ لأنه لا حد بالرائحة، وتأولوا هذا على أنه اعترف، وضرب ابن مسعود له؛ لأنه كان نائبًا عن الإمام إذ ذاك

(1)

.

وقوله للرجل: (تُكَذِّبُ بكتاب الله) يعني تنكر بعضه جاهلًا، وليس المراد التكذيب الحقيقي، فإنه لو فعل ذلك حقيقة لكفر؛ لإجماعهم على أن من جحد حرفًا مجمعًا عليه من القرآن كفر، تجري عليه أحكام المرتدين.

فصل:

حديث شقيق عن عبد الله رواه البخاري عن عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا شقيق، وهذا هو الصواب، قال الجياني: وفي نسخة أبي محمد عن أبي أحمد: ثنا حفص بن عمر، ثنا أبي. وإنما هو عمر بن حفص

(2)

.

فصل:

قول عمر: (أقرؤنا أُبَيٌّ وإنا لندع من لحنه) أي: من لغته. قال الهروي: وكان يقرأ: (التابوه). وإنما ذلك لما علموا من نسخ ما تركوه. واللحن بسكون الحاء: اللغة، وبالفتح: الفطنة، واللحن: إزالة الإعراب عن وجهه، بالإسكان.

(1)

انظر: "بدائع الصنائع" 7/ 45، "تبيين الحقائق" 3/ 196 - 197، "المنتقى" 3/ 142، "طرح التثريب" 8/ 30، "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ص 146، "الفروع" 6/ 82.

(2)

رواه عبد الرزاق في "المصنف" 2/ 112 (2708)، وابن أبي شيبة 1/ 311 (3561) من طريق عطاء بن السائب، به.

ص: 61

فصل:

أبو زيد السالف هو قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، شهد بدرًا، وقتل يوم جسر أبي عبيد، ولا عقب له. وزيد بن ثابت هو ابن الضحاك بن زيد بن لوزان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار.

وأُبي بن كعب هو ابن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية أخي عدي ابني عمرو بن مالك بن النجار. ومعاذ سلف في مناقبه.

وأبو الدرداء: عويمر بن زيد بن قيس بن عبسة بن أمية بن مالك بن عامر، أخي ابني عدي، أخي ئعلبة، ابني كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج.

فصل:

وفي بني الحارث بن الخزرج، أخي الأوس ابن حارثة أبو زيد أيضًا ثابت بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، الأصغر بن الحارث، فولد أبو زيد بن ثابت بشيرًا -قتل يوم الحرة- وأوسًا وزيدًا (درج)

(1)

شهد ثابت بن زيد أُحدًا وما بعدها من المشاهد، وقيل: إنه جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل البصرة، ثم رجع إلى المدينة فمات بها في عهد عمر، وولده أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن أبي زيد ثابت بن زيد بن قيس الأنصاري البصري النحوي.

قال أبو زيد الأنصاري: هو جدي، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلك في خلافة عمر بن الخطاب

(1)

كذا صورتها بالأصل، ولعلها (الخزرج).

ص: 62

بالمدينة، فقام على قبره، فقال: رحمك الله يا زيد، لقد دفن العلم وأعظم أهل الأرض أمانة.

وأبو زيد الثالث: سعد بن عبيد بن النعمان السالف الأوسي، وهو الذي يقال له: سعد القارئ، ولم يكن أحد من الصحابة يسمى القارئ غيره، وهو أول من جمع الأنصار من السالف، ولا عقب له، ولم يجمع القرآن من الأوس [غيره]

(1)

ممن شهد بدرًا وبعدها قيل: إنه قتل بالقادسية سنة ست عشرة، وهو ابن أربع وستين سنة، وكان انهزم يوم الجسر حين أصيب أبو عبيد فغسلها عنه يوم القادسية، وابنه عمر بن سعد له صحبة، ولاه عمر حمصَ بعد سعيد بن عامر الجمحي، وشهد عمَّا سعد: سماكٌ وفضالة بن النعمان أحدًا

فصل:

قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو راجعة إلى أُبي، وقراءة ابن عامر إلى عثمان، وقراءة عاصم وحمزة والكسائي إلى عثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم.

(1)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 63

‌9 - باب فَضْلِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ

5006 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ:«أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ}؟ [الأنفال: 24] " ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟» . فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ:"لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ". قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} [الفاتحة: 2] هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ». [انظر: 4474 - فبَح: 9/ 54]

5007 -

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قَالَ: لَا، مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ. قُلْنَا: لَا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ -أَوْ نَسْأَلَ- النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» .

وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِهذا. [انظر: 2276 - مسلم: 2201 - فتح: 9/ 54]

ذكر فيه حديث أبي سعيد بن المعلى السالف في تفسير الفاتحة

(1)

، وحديث أبي سعيد الخدري في الرقية بها، وقد سلف في الإجارة

(1)

سلف برقم (4474).

ص: 64

وغيرها

(1)

، وقال هنا:(ثلاثين شاة). وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي

(2)

.

ومحمد في إسناده هو ابن سيرين، روى عن أخيه معبد بن سيرين كما ذكره بعدها.

والسليم: اللديغ، من باب التفاؤل.

وقوله: (فقام معها رجل ما كنا نأبنه) هو بضم الباء الموحدة وكسرها يقال: أبنت الرجل آبُنه وآبنِه: إذا اتهمته ورميته بشر.

وقال صاحب "الأفعال": أبنت الرجل بخير أو شر: نسبتهما إليه، أبنه أبنًا

(3)

.

وقوله: (فبرأ) يقال: برِئ من المرض وبرَأ.

ثم ذكر بعد معلقًا عن أبي معمر، عن محمدبن سيرين، ثنا معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا.

وأبو معمر اسمه عبد الله بن عمرو المقعد، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.

وفيه: جواز الرقية وأخذ الأجرة عليها، والتوقف فيما لا يتحقق تحليله ولا تحريمه.

(1)

قلت: سلف في موضوع واحد فقط، في كتاب: الإجارة -كما ذكر المصنف- باب: ما يعطى في الرقية على أحياء العرب برقم (2276). وإنما سيأتي برقم (5736) كتاب: الطب، باب: الرقى بفاتحة الكتاب، وبرقم (5749) باب: النفث في الرقية.

(2)

مسلم (2201)، أبو داود (3418، 3900)، "السنن الكبرى" 4/ 364 (7532)، 5/ 256 (10868).

(3)

"الأفعال" لابن القوطية ص 177.

ص: 65

واختصت الفاتحة بأمور: منها: أنها فاتحة القرآن، ومبدؤُهُ، ومختصة بجميع علومه؛ لاحتوائها على الثناء على الله والأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها وعلى الابتهال إلى الله والهداية، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، نبه على ذلك القرطبي، قال: ويظهر لي أن السورة كلها موضع الرقية لما ذكرناه، ولقوله:("وما يدريك أنها رقية؟! ") ولم يقل: فيها رقية

(1)

.

وأما حديث عبد الرحمن بن حرملة عن ابن مسعود: كان عليه السلام يكره الرقى إلا بالمعوذات. أخرجه أبو داود

(2)

. وقال البخاري في "تاريخه": لا يصح

(3)

. قال ابن عدي: يعني أن عبد الرحمن لم يسمع من عبد الله

(4)

. وقال ابن المديني: حديث كوفي، وفي إسناده من لا يعرف، وابن حرملة لا نعرفه في أصحاب عبد الله

(5)

. وقال أبو حاتم: ليس بحديث عبد الرحمن بأس، روى حديثًا واحدًا ما يمكن أن يعتبر به، ولم أر أحدًا ينكره ويطعن عليه، يحول من الضعفاء

(6)

. وقال الساجي: لا يصح حديثه.

وأما ابن حبان فذكره في "ثقاته" وأخرج حديثه في "صحيحه"

(7)

، وقال الحاكم: صحيح الإسناد

(8)

.

(1)

"المفهم " 5/ 585 - 586.

(2)

"سنن أبي داود"(4222).

(3)

"التاريخ الكبير" 5/ 270.

(4)

"الكامل في ضعفاء الرجال" 5/ 504.

(5)

"العلل" لابن المديني ص 251 - 252.

(6)

"الجرح والتعديل" 5/ 222 - 223.

(7)

"الثقات" 5/ 95، "صحيح ابن حبان" 12/ 495 - 496 (5682 - 5683).

(8)

"المستدرك" 4/ 195.

ص: 66

فان قلت: كيف شفي الكافر برقية أبي سعيد بالفاتحة، وقد قال تعالى:{وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] قلتُ: الرحمة إنما جعلت لهم؛ لأنهم كانوا في مخمصة فانتفعوا بها.

ص: 67

‌10 - باب فَضْل البَقَرَةِ

5008 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -قَالَ: مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ". [انظر: 4008 - مسلم: 807، 808 - فتح: 9/ 55]

5009 -

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه -قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ. [انظر: 4008 - مسلم: 807، 808 - فتح: 9/ 55]

5010 -

وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه -قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَصَّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «صَدَقَكَ وَهْوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» . [انظر: 2311 - فتح: 9/ 55]

ذكر فيه حديث إبراهيم، عن عبد الرحمن -وهو ابن يزيد- عن أبي مسعود -واسمه عقبة بن عمرو البدري- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ -وفي لفظ: مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ- فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". وقد سلف

(1)

. قال الجياني: وفي نسخة أبي محمد عن أبي أحمد، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود -والصواب أبو مسعود مكنى؛ لأنه مشهور به- وعنه خرجه مسلم والناس

(2)

.

(1)

برقم (4008).

(2)

"تقييد المهمل" 2/ 709.

ص: 68

ثم قال البخاري: وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضانَ .. الحديث في آية الكرسي.

وقد سلف كذلك في الوكالة

(1)

، والفضائل

(2)

، وصفة إبليس

(3)

. وأخرجه النسائي عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان

(4)

؛ فكأن البخاري أخذه عنه مذاكرة.

فصل:

الآيتان من قوله: {ءَامَنَ اَلرَّسُولُ} إلى آخر السورة كما ذكره ابن التين.

وسبب تخصيصهما بما تضمنتا من الثناء على رسول الله وعلى أصحابه لجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولما حصل فيهما من إجابة دعائهم.

فصل:

وفي قوله ("كفتاه") أقوالٌ: أظهرها: من قيام ليلة، وقد جاء مصرحًا به في رواية علقمة عن أبي مسعود البدري أنه قال: من قرأ خاتمة سورة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة. قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش

(5)

.

(1)

برقم (2311).

(2)

هكذا ذكر المصنف، ولم يأتِ هذا الحديث في كتاب الفضائل، في غير هذا الموضع.

(3)

سلف برقم (3275) كتاب: بدء الخلق.

(4)

"السنن الكبرى" 6/ 238 (10795).

(5)

رواه الطبراني 17/ 203 (542).

ص: 69

أخرجه ابن الضريس، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن علقمة به

(1)

.

وقريب منه: "أقل ما يكفي من قيام الليل آيتان" يريد مع أم القرآن. وقال ابن شبرمة في البخاري بعد هذا: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات

(2)

.

وفيه: قول ثان: تكفيه مما يكون من الآفات تلك الليلة.

وثالث: من الشيطان وشره.

ورابع: من خوفه إن كان له خوف من القرآن. وقيل: حسبه بهما أجرًا وفضلًا.

فصل:

في "مستدرك الحاكم" من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "إن الله عز وجل كتب كتابًا قبل خلق السموات والأرض بألفي عام، وأنزل به آيتين ختم بهما سورة البقرة؛ لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال". ثم قال: على شرط مسلم

(3)

.

ومن حديث عقبة بن عامر مرفوعا: "اقرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما من تحت العرش"، ثم قال: صحيح على شرط مسلم

(4)

.

(1)

"فضائل القرآن" لابن الضريس (167).

(2)

سيأتي برقم (5051).

(3)

"المستدرك" 2/ 260، ورواه أيضًا 1/ 563، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(4)

لم أجده في المطبوع، وأورده الحافظ في "إتحاف المهرة" 11/ 226 (13929)، وعزاه للحاكم في فضائل القرآن، ولأحمد، وهو في "المسند" 4/ 147.

ص: 70

وعن أبي ذر رضي الله عنه بنحوه على شرط البخاري

(1)

.

ومن حديث معاذ لما مسك الجني الذي سرق تمرة مرة بعد أخرى فقال له في الثانية: إني لا أعود، وآية ذلك أنه لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة. ثم قال: صحيح الإسناد

(2)

.

فصل:

في "مستدرك الحاكم " -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سيدة آي القرآن آية الكرسي"

(3)

.

وفي "جامع الترمذي" -وقال: غريب- عنه مرفوعًا: "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسي"

(4)

.

وأصله في "صحيح ابن حبان"

(5)

زاد ابن عيينة في "جامعه" من حديث أبي صالح عنه: "فيها آية الكرسي وهي سنام آي القرآن، ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما خلق الله في سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي

(6)

.

زاد أبو ذر الهروي في "فضائل القرآن" مرفوعًا: "أعظم آية في القرآن {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} "

(7)

.

(1)

"المستدرك" 1/ 562.

(2)

السابق 1/ 563.

(3)

السابق 2/ 259.

(4)

"سنن الترمذي"(2878).

(5)

"صحيح ابن حبان" 3/ 59 (780).

(6)

رواه الترمذي (2884).

(7)

رواه بنحوه أبو عبيد الهروي في "فضائل القرآن" ص 229 - 230، ولعل المصنف قصد أبا عبيد، لا أبا ذر. والله أعلم. والحديث رواه مسلم (810).

ص: 71

وللحاكم: "إن لكل شيء سنامًا وسنام القرآن البقرة". وصحح إسناده، قال: وقد روي موقوفًا

(1)

.

قلت: وأخرجه ابن الضريس بإسناد فيه مجهول، عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آيه الكرسي"

(2)

والنسائي في "عمل اليوم والليلة" من حديث أُبي بن كعب بنحو حديث أبي هريرة

(3)

.

وقال الضياء: وقد ذكر نحوه عن معاذ بن جبل وأبي أسيد وزيد بن ثابت، وفي "الدلائل للبيهقي" عن بريدة بن الحصيب نحوه، وقال: هذا غير قصة معاذ؛ فيحتمل أن يكونا محفوظين، ويذكر عن أبي أيوب الأنصاري أنه وقع له ذلك

(4)

.

وأخرجه ابن أبي شيبة عنه مرفوعًا: "والذي نفسي بيده إن لهذِه الآية -يعني: آية الكرسي- لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش"

(5)

وروى أبو الشيخ من حديث سلمة بن وردان -المضعف- عن أنس مرفوعًا: "آية الكرسي ربع القرآن العظيم"

(6)

.

(1)

"المستدرك" 1/ 561، وفيه أنه رواه من حديث ابن مسعود موقوفًا، وقال: حديث صحيح الإسناد، وقد روي مرفوعًا.

(2)

"فضائل القرآن" لابن الضريس (186).

(3)

"عمل اليوم والليلة"(966).

(4)

"دلائل النبوة" 7/ 111.

(5)

رواه عبد الرزاق في "المصنف" 3/ 370 (6001)، وعبد بن حميد في "المنتخب" 1/ 199 (178)، والبيهقي في "شعب الإيمان" 2/ 455 - 456 (2386 - 2387) من طريق الجريري عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أبي بن كعب، بنحوه. والحديث أصله في مسلم (810) دون القطعة الأخيرة، وهذا اللفظ صححه الألباني في "الصحيحة"(3410).

(6)

رواه أحمد 3/ 221: حدثنا عبد الله بن الحارث، قال: حدثني مسلمة بن وردان، عن أنس، مطولاً.

والحديث ضعفه الحافظ في "الفتح" 9/ 62، والألباني في "الضعيفة"(1484).

ص: 72

فصل:

إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، ومن قرأ آية الكرسي كان عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، فما ظنك بمن قرأها كلها، من كفاية الله تعالى له وحرزه وحمايته من الشيطان وغيره، وعظم ما يدخر له من ثوابها؛ وقد روي هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا القرآن، فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة، تعلموا البقرة وآل عمران، تعلموا الزهراوين فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، -أو غيايتان. أو كأنهما فرقان من طير صواف- تحاجان عن صاحبهما، وتعلموا البقرة فإن تعلمها بركة، وإن في تركها حسرة، ولا تطيقها البطلة"

(1)

، وقال ابن مسعود: إن الشيطان يخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة

(2)

. والمراد: يأتيان كأنهما غمامتان: ثوابهما، والغمامتان السحابتان، والغيايتان: المزانتان، وهو شك من الراوي.

فصل:

في حديث أبي هريرة أن الجن تبدى في صورة رجل، وأنهم يطعمون مما يأكل الناس ويحفظون القرآن، وأنه ربما انتفع الموعوظ دون الواعظ، وأن الكذوب ربما صدق ولعل ذلك شيطان قرأ آيه الكرسي فنجاه الله بها.

(1)

رواه مسلم (804) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.

(2)

رواه النسائي في "الكبرى" 6/ 240 موقوفًا ومرفوعًا، وكذا الحاكم 1/ 561 ثم قال في الموقوف: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد روي مرفوعًا بمثل هذا الإسناد. ثم ساقه.

ص: 73

‌11 - باب فَضْل الكَهْفِ

5011 -

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:«تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ» . [انظر: 3614 - مسلم: 795 - فتح: 9/ 57]

ذكر فيه حديث البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:"تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ للقرآن".

هذا الحديث سلف

(1)

.

والحصان: الفحل من الخيل. وقال ابن التين: هو بكسر الحاء: الفرس العتيق. قيل: سمي بذلك؛ لأنه ظُنَّ بمائه فلم يُنْزَ إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانًا

(2)

.

والشطن: الحبل، وقيل: هو الطويل.

وفي مسلم أيضًا: فجعلت تدور وتدنو

(3)

.

وروى الثوري عن أبي هاشم الواسطي عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه، ومن قرأ خاتمة سورة الكهف أضاء نوره من حيث قرأها مما بينه وبين مكة

(4)

.

(1)

برقم (3614).

(2)

انظر: "الصحاح" 5/ 2101.

(3)

مسلم (795/ 240).

(4)

رواه عبد الرزاق في "المصنف" 3/ 378 (6023).

ص: 74

وقال قتادة: من قرأ عشر آيات من أوِل سورة الكهف عصم من الدجال

(1)

.

فصل:

اختلف أهل التأويل في تفسير السكينة، فعن علي: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان

(2)

. وعنه أنها ريح حجوح ولها رأسان

(3)

. وعن مجاهد: لها رأس كرأس الهر وجناحان وذنب كذنب الهر

(4)

. وعن العباس والربيع: هي دابة مثل الهر لعينيها شعاع فإذا التقى الجمعان أخرجت (بكرتها)

(5)

فنظرت إليهم فينهزم ذلك الجيش من الرعب

(6)

.

وعن ابن عباس والسدي: هي طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء

(7)

. وعن أبي مالك: طست من ذهب ألقى فيه موسى الألواح والتوراة والعصا

(8)

.

(1)

السابق (6022).

(2)

رواه عبد الرزاق في "التفسير" 1/ 112 (313)، وابن جرير في "تفسيره" 2/ 624 - 625 (5668 - 5671)، وابن أبي حاتم في "التفسير" 2/ 468 (2474)، والحاكم في "المستدرك" 2/ 460 - من طريق سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عنه وصححه.

(3)

رواه الطبري 2/ 625 (5672 - 5674) قال الشوكاني في "فتح القدير" 1/ 404: سنده ضعيف، وعزاه للطبراني.

(4)

رواه عبد الرزاق (314)، والطبري (5675 - 5678)، وابن أبي حاتم (2476).

(5)

فوقها في الأصل: كذا.

(6)

رواه ابن أبي حاتم 2/ 468 (2475) عن ابن عباس، وفيه:(يريها) بدل: (بكرتها).

(7)

رواهم الطبري 2/ 625 - 626 (5680 - 5681)، ورواه ابن أبي حاتم 2/ 469 (2478) عن السدي.

(8)

رواه الطبري (5681) بنحوه، عن السدي.

ص: 75

وعن وهب: روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء بين لهم ما يريدون

(1)

. وعن الضحاك: الرحمة

(2)

. وعن عطاء: ما تعرفون من الآيات فتسكنون إليها. وهو اختيار الطبري

(3)

.

وتنزل السكينة لتسمع القرآن يدل على خلاف قول السدي أنها طست من ذهب، ويشهد لصحة قول من قال أنها روح أو شيء فيه روح.

فصل:

جاء في "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" ثم قال: صحيحًا

(4)

.

قلت: فيه نعيم بن حماد وقد أخرج له البخاري ووثقه أحمد وجماعة، وتكلم فيه غيرهم

(5)

.

وفي رواية البيهقي: "أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". قال: وروي موقوفًا

(6)

.

(1)

الطبري (5682 - 5683).

(2)

الطبري (5685) عن الربيع بن أنس، ورواه ابن أبي حاتم (2481) عن ابن عباس.

(3)

"تفسير الطبري" 2/ 626.

(4)

"المستدرك" 2/ 368 من طريق نعيم بن حماد، عن هشيم، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن" 3/ 249.

(5)

لذا تعقب الذهبي الحاكم فقال في "التلخيص" 2/ 368 نعيم ذو مناكير.

(6)

"السنن الكبرى" 3/ 249.

ص: 76

وعنه أيضًا: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق". رواه الدارمي من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد

(1)

.

وفي الباب عن ابن عمر أيضًا مرفوعًا

(2)

. قال ابن التين: ويقال: إنها حرز لقائلها من الجمعة إلى الجمعة إذا لم يفرق بين تلاوتها.

(1)

"سنن الدارمي" 4/ 2143 (3450)، ورواه أيضًا موقوفًا البيهقي في "الشعب"

2/ 474 (2444)، وقال: هذا هو المحفوظ موقوف.

وقال الحافظ الذهبي في "المهذب" 3/ 1181: وقفه أصح، وانظر:"الإرواء"(626)، و"الصحيحة"(2651).

(2)

رواه ابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" 9/ 100، وقال ابن كثير: إسناده غريب، وفي رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف، وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب"(447).

ص: 77

‌12 - باب فَضْل سُورَةِ الفَتْحِ

5012 -

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ. قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ. قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» . ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)} [الفتح: 1]. [انظر: 4177 - فتح: 9/ 58]

ذكر فيه حديث زيد بن أسلم عن أبيه السالف في سورة الفتح من التفسير

(1)

.

وقد سلف أن معنى نزرت: ألححت، وأنه روي بالتشديد والمعروف التخفيف.

وفيه حديث عائشة رضي الله عنها: "وما كان لكم أن تنزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة"

(2)

. أي: تلحوا عليه فيها.

وقول عمر: (فحركت بعيري) .. إلى آخره. رواه ابن أسلم عن عمر، ولا شك فيه.

وقوله: (فما نشبت) أي لبثت.

(1)

سلف برقم (4833).

(2)

رواه مسلم (638) كتاب: المساجد، باب: وقت العشاء وتأخيرها.

ص: 78

فصل:

فإن قلت: فما معنى قوله عليه السلام: "لَهِيَ أَحَبُّ إِفَيَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ". مع خساسة قدر الدنيا عنده وضِعة منزلتها؟

قلتُ: له وجهان:

أحدهما: أن المراد بما ذكر أنها أحب إليه من كل شيء لا شيء إلا الدنيا والآخرة؛ فأخرج عن ذكر الشيء بذكر الدنيا، إذ لا شيء سواها إلا الآخرة.

ثانيهما: أنه خاطب بذلك على ما جرى في الاستعمال في المخاطب من قولهم إذا أراد أحدهم الخبر عن نهاية محبتِه الشيءَ: هو أحب إلي من الدنيا وما أعدل به من الدنيا شيئًا، كما قال تعالى:{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15] ومعنى ذلك المذلة بذلك فخاطبهم بما يتعارفونه.

ص: 79

‌13 - باب فَضْل {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1]

فِيهِ عَمْرَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم. [7375]

5013 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ:{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1] يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ -وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . [6643، 7374 - فتح: 1/ 58]

5014 -

وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلاً قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1] لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. [فتح: 9/ 59]

5015 -

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ» . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «اللهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمَشْرِقِيِّ مُسْنَدٌ. [فتح: 9/ 59]

ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري رضي- الله عنه مرفوعًا: "إنها لتعدل ثلث القرآن". قاله حين سمع رجلًا يقرؤها ويرددها.

وزًادَ أَبُو مَعْمَرٍ: ثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ، فذكر نَحْوَهُ. وفي رواية:"أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ". فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ".

ص: 80

الشرح:

قوله (وزاد أبو معمر) هو شيخه عبد الله بن عمرو المقعد. كذا قاله الدمياظي، ووقع لشيخنا

(1)

أنه إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهروي البغدادي، فليحرر هذا

(2)

.

وأسنده الإسماعيلي عن أبي يعلى والحسن بن سفيان وغيرهما عنه به. قال الدارقطني: ورواه كذلك أيضًا أبو صفوان وعباد بن صهيب وإبراهيم بن المختار

(3)

. وعمر بن هارون عن مالك عند الإسماعيلي. وفي "مسند ابن وهب" عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أنه قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} حتى أصبح، فذكرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن أو نصفه".

قال أبو عمر: هذا شك من الراوي لا من الشارع على أنها لفظة غير محفوظة في هذا الحديث، ولا في غيره، والصحيح الثابت في هذا الحديث وغيره:"إنها لتعدل ثلث القرآن". دون شك

(4)

.

(1)

جاء بهامش الأصل: شيخه هو الإمام علاء الدين مغلطاي شيخ شيوخنا. وقد جزم الحافظ جمال الدين المزي -بما قاله مغلطاي- في "أطرافه".

(2)

صوب الحافظ في "الفتح" 9/ 60 الثاني، وقال: كل منهما يكنى أبا معمر، وكلاهما شيوخ البخاري، لكن هذا الحديث إنما يعرف بإسماعيل بن إبراهيم، بل لا نعرف للمقعد عن إسماعيل بن جعفر شيئًا، وقد وصله النسائي والإسماعيلي من طرق، عن أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم. اهـ.

قلت: ووصله هو في "التغليق" 4/ 385 - 386 ثنا إسماعيل بن إبراهيم القطيعي أبو معمر: ثنا إسماعيل بن جعفر، به.

(3)

"علل الدارقطني" 11/ 283.

(4)

"التمهيد" 19/ 228.

ص: 81

وأخرجها الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي هريرة مرفوعًا -وقال: صحيح الإسناد-: "لا ينامن أحدكم حتى يقرأ ثلث القرآن". قالوا: وكيف يستطيع أحدنا أن يقرأ ثلث القرآن؟ قال: "أفلا تستطيعون أن تقروا بـ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)}؟ "

(1)

.

وعند مسلم: "ألا وإنها -يعني الإخلاص- تعدل ثلث القرآن"

(2)

.

فصل:

وهذا المتن وهو: "إنها تعدل ثلث القرآن". رواه مع أبي سعيد جماعة من الصحابة: أبي بن كعب وعمر -وذكرهما ابن عبد البر

(3)

- وأم كلثوم بنت عقبة وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عمر وأبو أيوب وأبو مسعود الأنصاريان، وسماك عن النعمان بن بشير، وأبان عن أنس

(4)

.

فصل:

في كونها ثلث القرآن معان:

أحدها: أنه مشتمل على ثلاثة أنحاء: قصص وأحكام وصفات الله تعالى. وهذِه السورة متمحضة للصفات، فهي ثلث وجزء من ثلاثة أجز اء، ذكره المازري

(5)

وغيره.

(1)

"المستدرك" 1/ 567.

(2)

"صحيح مسلم"(812).

(3)

انظر: "التمهيد" 7/ 252 - 258.

(4)

جاء في هامش الأصل: جاء في حاشية أصله: أخرجها أبو محمد الخلال الحسن بن محمد في فضل سورة الإخلاص.

(5)

"المعلم بفوائد مسلم" 1/ 226.

ص: 82

ثانيها: معناه أن ثواب قراءتها يضاعف بقدر ثلث القرآن بغير تضعيف.

ثالثها: أن القرآن لا يتجاوز ثلاثة أقسام: إرشاد إلى معرفة الرب ومعرفة أسمائه وصفاته، أو معرفة أفعاله وسننه في عباده، فلما اشتملت هذِه السورة على أحد هذِه الأقسام الثلاثة وهي التقديس وازنها الشارع بثلث القرآن.

وعبارة بعضهم: أنه ثلاثة أجزاء: قصص وعبر وأمثال، والثاني: الأمر والنهي والثواب والعقاب، والثالث: التوحيد والإخلاص.

رابعها: أن من عمل بما تضمنته من الإقرار بالتوحيد والإذعان للخالق كمن قرأ ثلث القرآن.

خامسها: أنه قال لشخص معين قصده؛ لأنه رددها فحصل له من تردادها وتكرارها قدر تلاوة الثلث، قاله أبو عمر. قال أيضًا: ونقول بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعده ونكل ما جهلناه من معناه، فنرده إليه ولا ندري لم تعدل الثلث؟ وقال القابسي: لعل الرجل الذي بات يرددها كانت منتهى حظه، فجاء يقلل عمله فقال له الشارع:"إنها لتعدل ثلث القرآن"

(1)

. ترغيبًا له في عمل الخير وإن قل.

وفيه: أن يجازي عبده على اليسير بأفضل مما يجازي على الكثير.

سادسها: قاله ابن راهويه: ليس معناها أنه لو قرأ القرآن كله كانت قراءة: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} تعدل ذلك إذا قرأها ثلاث مرات، ولو قرأها أكثر من مائة مرة، وإنما معناه أن الله جعل لكلامه فضلًا على سائر الكلام، ثم فضل بعض كلامه على بعض بأن جعل لبعضه ثوابًا أضعاف

(1)

"التمهيد" 19/ 231.

ص: 83

ما جعل لبعض، تحريضًا منه على تعلمه وكثرة قراءته

(1)

.

قال أبو عمر: من لم يجب في هذا أخلص عمن أجاب فيه

(2)

. وقال القرطبي: هذِه السورة اشتملت على اسمين من أسمائه يتضمنان جميع أوصاف كماله لم توجد في غيرها من جميع السور، وهما الأحد والصمد، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، فإن الأحد في أسمائه مشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، وأما الصمد فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال؛ لأنه الذي انتهى سؤدده، ولا يصح ذلك مجتمعًا إلا لمن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكتمل إلا لله؛ فقد ظهر لهذين الاسمين وشمول الدلالة على الله وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وظهرت خصوصية هذِه السورة بأنها ثلث القرآن العظيم

(3)

.

وقال الأصيلي: تعدل لقارئها أي: ثوابها يعدل ثلث القرآن ليس فيه: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} فأما أن نفضل كلام ربنا بعضه على بعض فلا؛ لأنه كله صفة له ولا تفاضل؛ لأن المفضول ناقص، وهذا ماشٍ على أحد المذهبين أنه لا تفضيل فيه. ونقله المهلب عن الأشعري وأبي بكر بن الطيب والداودي وجماعة علماء السنة.

فائدة:

روى مسلم بن إبراهيم عن الحسن بن أبي جعفر، ثنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} هو مائتي

(1)

حدث بذلك عنه إسحاق بن منصور الكوسج في "مسائله" 2/ 516 - 517 (3235).

(2)

"التمهيد" 19/ 232.

(3)

انتهى من "المفهم" 2/ 441 - 442.

ص: 84

مرة غفر له ذنب مائتي سنة". وهو غريب من حديث ثابت، تفرد به الحسن

(1)

عنه

(2)

.

قوله: ("أيعجز أحدكم") إلى آخره استنبط منه الداودي التكليف بما لا يشق وتأخير البيان إلى وقت الحاجة.

وفيه أيضًا أن عدم الترتيب في السور جائز؛ لأنه إذا قرأ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} فالترتيب أن يقرأ ما بعدها فإذا أعادها فكأنه قرأ ما فوقها. وفي حديث أبي الدرداء: "أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة ثلث القرآن؟ ". قالوا: نحن أعجز. قال: "إن الله جزأ القرآن فجعل {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} جزءًا من أجزاء القرآن"

(3)

. وهو شاهد لما أسلفناه.

فصل:

رواية إسماعيل بن جعفر عن مالك السالفة داخلة في رواية الأقران والمدبج

(4)

.

(1)

جاء في هامش الأصل: الحسن بن أبي جعفر الجفري. قد ذكره الذهبي في "ميزانه" وذكر كلام الناس فيه إلى أن قال: ومن بلاياه، فذكر الحديث الذي في الأصل.

(2)

رواه عن مسلم، عن إبرا هيم: الباغندي في "أماليه"(99)، وابن الضريس في "فضائل القرآن"(257). ومن طريقه ابن بشران في "أماليه" 2/ 142 - 143 (1229)، والبيهقي في "الشعب" 2/ 507 (2546)، والخطيب البغدادي 6/ 187، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" 1/ 106 (152)، وقال: حديث لا يصح، والحسن ليس بشيء، قال الصفدي: واهي الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الألباني في "الضعيفة"(295): حديث منكر.

(3)

رواه مسلم (811).

(4)

الأقران -كما هو مقرر في مصطلح الحديث- هم المتقاربون في السن والإسناد، المشتركون في الأخذ عن الشيوخ. والمدبج منه هو أن يروي كل قرين عن أخيه =

ص: 85

فصل:

الرجل الذي كان يتقالها هو قتادة بن النعمان الظفري كما أسلفناه من "مسند ابن وهب" وهو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، فإنه قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر، وهو كعب بن الخزرج بن عمرو ابن النبيت بن مالك بن الأوس أخي الخزرج ابني حارثة أبو عمرو أو أبو عبد الله، وأُم أبي سعيدٍ سعدٍ والفريعةِ

(1)

ابني مالك بن الشهيد -واسمه سنان بن ثعلبة بن عبيد بن أبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج أخي الأوس- أنيسةُ بنت عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن تميم بن عدي بن النجار.

شهد

(2)

العقبة وبدرًا وأحدًا، وسائر المشاهد، وقدم المدينة بـ {كهيعص (1)} بعد قدوم رافع بن مالك بسورة يوسف، فكان يكثر أن يقرأها في الدار وكانوا يستهزءون به، وكان أهل المجلس إذا رأوه طالعًا قالوا: هذا زكريا قد جاءكم لكثرة ما فيها من زكريا. وأصيبت عينه يوم أحد، وكان حديث عهد بعرس، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده

= كعائشة عن أبي هريرة، والعكس، والزهري، عن عمر بن عبد العزيز والعكس، ومالك عن الأوزاعي، والعكس.

وسمي مدبجاً؛ لأنه مأخوذ من ديباجتي الوجه، وهما الخدان؛ لأن الروايين يجلس كل منهما أمام صاحبه، فيكون خد كل منهما في مقابل الآخر.

وغير المدبج أن يروي أحد القرينين عن الآخر فقط، كرواية سليمان التيمي عن مسعر بن كدام، ولا يعرف لمسعر رواية عن التيمي.

انظر: "علوم الحديث" ص 309 - 310، "المقنع" للمصنف 2/ 521 - 523، "فتح المغيث" للسخاوي 3/ 174 - 177.

(1)

أي: أمُ أبي سعيد والفريعة -أخته- وقتادة بن النعمان هي أنيسه بنت عمرو.

(2)

ورد بهامش الأصل: يعني: قتادة بن النعمان.

ص: 86

فردها في موضعها ثم غمزها بردائه ثم قال: "اللهم اكسه جمالًا" وكانت سالت على خده وأرادوا قطعها، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرًا

(1)

.

وعمه رفاعة بن زيد بن عامر بن سواد، وهو الذي سرق بنو أبيرق درعَهُ وطعامَهُ ونزل فيهم:{وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} الآيات [النساء: 107].

مات قتادة سنة ثلاث وعشرين وصلى عليه عمر، ونزل في قبره أخوه أبو سعيد ومحمد بن مسلمة والحارث بن خزيمة.

وشهد قتادة العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ذات ظلمة وبرق ومطر، فقال له صلى الله عليه وسلم:"إذا انصرفت فأتني" فلما انصرف أعطاه عرجونًا، فقال:"خذ هذا فسيضيء أمامك عشرًا وخلفك عشرًا"

(2)

وكان مع قتادة راية بني ظفر يوم الفتح، وهو راوي حديث الباب، وهو الذي يقرؤها ويتقالها -كما سلف.

من ولده: عاصم بن عمر بن قتادة المحدث النسابة

(3)

.

فصل:

وراوي الحديث الأول والثاني عن أبي سعيد هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصة عنه، وعبد الرحمن هو ابن الحارث بن أبي صعصعة، عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو

(1)

في الأصل: منظرًا، والصواب ما أثبتناه وانظر "مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 402 (32354) والطبراني 19/ 8/ (12)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اكسه جمالًا" رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 49/ 279.

(2)

رواه أحمد 3/ 68، وصححه ابن خزيمة 3/ 81 - 82 (1660).

(3)

انظر ترجمة قتادة بن النعمان في "معرفة الصحابة" 4/ 2338 (2463)، "الاستيعاب" 3/ 338 (2131)، 4/ 389 (4271)، "الإصابة" 3/ 225 (7076).

ص: 87

ابن غنم بن مازن بن النجار. وقتل أبو صعصعة في الجاهلية وكان سيد بني مازن وإليه ينسب ابن أبي صعصعة، شهد العقبة وبدرًا، وكان على الساقة يومئذ، وابناه أبو كلاب وجابر ابنا أبي صعصعة شهدا أحدًا، وقتلا يوم مؤتة. والحارث بن سهل بن أبي صعصعة استشهد يوم الطائف، والحارث بن أبي صعصعة قتل يوم اليمامة.

وانفرد البخاري بعبد الرحمن، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي صعصعة.

وثانيهما: عبد الله.

وراوي حديثه الثالث عنه إبراهيم. والضحاك المشرقي هو الضحاك بن شراحيل المشرقي -بكسر الميم وفتح الراء- ومِشْرَق بن زيد بن جشم بن حاشد بن خيوان بن نوف بن همدان، اتفقا عليه، كذا ساقه الرشاطي، وزعم ابن أبي حاتم مشرق موضع باليمن

(1)

، وما قيده (

)

(2)

بكسر الميم وفتح الراء كذا قيده عياض

(3)

وغيره، وعكسه ابن ماكولا

(4)

، وقال العسكري: إن من فتح الميم صحف. وأما ابن السمعاني فذكر الضحاك في ترجمتين كسر الميم، وفي الآخر فتح الميم وكسر الراء وفي الآخِر قاف، ورده عليه ابن الأثير؛ فقال: لو ركب من الترجمتين ترجمة واحدة كسر أولها وجعل في آخرها قافًا لأصاب

(5)

.

(1)

"الجرح والتعديل" 4/ 461 (2032).

(2)

كلمة غير واضحة بالأصل.

(3)

"مشارق الأنوار" 1/ 392.

(4)

"الإكمال" 7/ 257، وقال: بكسر الراء والقاف.

(5)

"اللباب في تهذيب الأسماء" 3/ 216.

ص: 88

فصل:

في آخر حديث المشرقي هذا (قال أبو عبد الله: عن إبراهيم مرسل، وعن الضحاك مسند). قال الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن حاتم وراق أبي عبد الله قال: أبو عبد الله .. فذكره.

وقال الحميدي: كذا وقع في البخاري، وإبراهيم عن أبي سعيد مرسل لم يلقه، والضحاك عنه مسند. قال: وهذا المعنى مذكور عن البخاري في بعض النسخ

(1)

، وقال خلف في "أطرافه": أخرج البخاري في فضائل القرآن: عن عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا إبراهيم والضحاك المشرقي، عن أبي سعيد، وثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك عنه.

(1)

"الجمع بين الصحيحين" 2/ 460.

ص: 89

‌14 - [باب فَضْلِ]

(1)

المُعَوِّذَاتِ

5016 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. [انظر: 4439 - مسلم: 2192 - فتح: 9/ 62]

5017 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا:{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1] وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} [الفلق: 1] وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)} [الناس: 1] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [5748، 6319 - فتح: 9/ 62]

ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اشْتَكَى قَرَأَ على نَفْسِهِ بِالْمُعَوّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.

وحديثها أنه عليه السلام كَانَ إِذَا أَوى إلى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1] و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} [الفلق: 1] وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)} [الناس: 1] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

الشرح:

هذان الحديثان متباينان، وجعله أبو مسعود الدمشقي حديثًا واحدًا.

(1)

ليست في الأصل، وانظر:"اليونينية" 6/ 189.

ص: 90

وقد عاب ذلك عليه الطَرْقِيُّ، وفرق بينهما في كتابه، وكذا فعله خلف الواسطي. وسيأتي حديث عائشة رضي الله عنها في الطب، في الرُّقى بالمعوذات

(1)

.

ودل فعله عليه السلام في رقية نفسه عند شكواه وعند نومه يتعوذ بهما- على عظيم البركة في الرقي بهما والتعوذ بالله من كل ما يخشى في النوم، وقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر مرفوعًا:"أنزل علي آيات لم أسمع بمثلهن: المعوذتين"

(2)

وقال عقبة في حديثه مرة أخرى: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)} تعوذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن قط"

(3)

وسيأتي في كتاب: المرضى في باب: النفث في الرقية، من كره النفث من العلماء في الرقية ومن أجازه

(4)

.

وقوله: (أوى) يقال: أويت إلى منزلي بقصر الألف، وأويت غيري وآويته. وأنكر بعضهم المقصور في المتعدي، وأبى ذلك الأزهري وقال: هي لغة فصيحة

(5)

.

وقوله: (ثم نفث فيهما) قال أبو عبيد: النفث أقل من التفل

(6)

. وقد سلف ذكره. وقيل في غير هذا أنه ينفث -بعد أن يقرأ- بريق قراءته.

(1)

سيأتي برقم (5735).

(2)

رواه عبد الرزاق في "تفسير القرآن العزيز" 2/ 236 (3759)، والحديث صح عند مسلم (814/ 265)!

(3)

رواه النسائي 8/ 254، وانظر ما رواه مسلم (814/ 264).

(4)

انظر شرح الأحاديث الآتية: برقم (5747 - 5749) في الباب المذكور، من كتاب: الطب.

(5)

"تهذيب اللغة" 1/ 236.

(6)

"غريب الحديث" 1/ 180.

ص: 91

‌15 - باب نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ

5018 -

وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ، الْفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ» . قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا. قَالَ:«وَتَدْرِى مَا ذَاكَ؟» . قَالَ: لَا. قَالَ: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» . قَالَ ابْنُ الْهَادِ: وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. [فتح: 9/ 63]

وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الهَادِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ .. الحديث المتقدم وفي آخره: قَالَ ابن الهَادِي: وَحَدَّثَنِي بهذا الحَدِيثِ عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ.

وصله أبو نعيم بإسناده إلى يحيى بن بكير عن الليث به. ولما رواه الإسماعيلي من حديث ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد، قال: وأخبرني ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير، أخبرنيه البغوي، ثنا محمد بن زنبور المكي، ثنا ابن أبي حازم، عن يزيد،

ص: 92

به. ثم قال: قال: حدثني هذا الحديث أيضًا عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد.

قال الإسماعيلي: ذكره البخاري عن الليث بلا خبر، ومتنه مضطرب، وجمع بين الإسنادين؛ فالأول عن محمد بن إبراهيم مرسل، والثاني عن ابن خباب عن أبي سعيد متصل، وقد ذكرنا يحيى بن أيوب للموافقة. قال: وهذا حديث ابن أبي حازم، وهو من شرط أبي عبد الله جاء به بمتن صحيح والإسنادين جميعا.

ورواه النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب عن خالد، عن ابن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن خباب، عنه

(1)

. وعن علي بن محمد بن علي، عن داود بن منصور، عن الليث، عن خالد به

(2)

. وفي المناقب عن أحمد بن سعيد الرباطي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهادي، عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربد .. الحديث

(3)

. ولم يقل عن أسيد، إلا أن لفظه يدل على أن أبا سعيد يرويه عن أسيد. قال أبو القاسم: وعند يزيد بن عبد الله لهذا الحديث إسناد آخر، فإنه يرويه عن محمد بن إبراهيم عن أسيد، ولم يدركه، وقد جمعهما يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث.

فصل:

تقدم قوله عليه السلام: "السكينة تنزلت للقرآن" فلأجل هذا -والله أعلم- بوب البخاري. وفي هذا الباب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة

(1)

"السنن الكبرى" 5/ 13 (8016).

(2)

السابق 5/ 27 (8074).

(3)

السابق 5/ 67 (8244).

ص: 93

القرآن. وفهم البخاري تلازمهما كما نبه عليه ابن المنير

(1)

. وفهم من الظلة أنها السكينة؛ فلذلك ساقها في الترجمة.

وسبقه ابن بطال فإنه قال: في هذا الحديث أن أسيد بن الحضير رأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، وقال صلى الله عليه وسلم:"تلك الملائكة تنزلت للقرآن" فمرة أخبر عن نزول السكينة، ومرة أخبر عن نزول الملائكة، فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها تتنزل أبدًا مع الملائكة

(2)

، وهو طبق ترجمة البخاري.

فصل:

في الحديث أن الملائكة تحب أن تسمع القرآن من بني آدم لاسيما قراءة المحسنين منهم، وكان أسيد بن حضير حسن الصوت به. ودل قوله لأسيد:"لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". على حرص الملائكة على سماع كتاب الله من بني آدم، وقد جاء في الحديث أن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يضيء لأهل السماء كما يضيء النجم لأهل الأرض وتحضره الملائكة

(3)

. وهذا كله ترغيب في حفظ القرآن وقيام الليل به، وتحسين قراءته.

وفيه؛ جواز رؤية بني آدم الملائكة إذا تصوروا في صور يمكن للآدميين رؤيتها كما جرى يوم بدر وغيره، وكان جبريل يظهر في

(1)

"المتواري" ص 388.

(2)

"شرح ابن بطال" 10/ 254.

(3)

رواه البيهقي في "الشعب" 2/ 341 (1982)، والحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 8/ 29 من طريق قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، مرفوعًا به. قال الذهبي: حديث نظيف الإسناد، حسن المتن، وصححه الألباني في "الصحيحة"(3112).

ص: 94

صورة رجل فيكلمه، وكثير ما كان يأتيه في صورة دحية

(1)

. وهو للمؤمنين رحمة وللكفار عذاب، وقد تقدم في باب الكهف تفسير السكينة فراجعه.

وقوله: ("لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم") هو حجة لمن قال: إن السكينة هي روح أو شيء فيه روح؛ لأنه لا يصح حب استماع القرآن إلا لمن يعقل.

وقوله: (فخرجت حتى لا أراها) في "صحيح مسلم": فعرجت إلى السماء حتى لا أراها

(2)

.

(1)

انظر ما سلف برقم (3634)، ورواه مسلم (2451).

(2)

"صحيح مسلم"(796) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: نزول السكينة لقراءة القرآن.

ص: 95

‌16 - باب مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا مَا بَينَ الدَّفَّتَيْنِ

5019 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. [فتح: 9/ 64]

ذكر فيه حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ شَيءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ ابن الحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.

ثم ساق بعدها بابًا آخر

(1)

.

ثم قال:

(1)

سيأتي به بعد اللاحق.

ص: 96

‌17 - باب الوَصَاةِ بِكِتَابِ اللهِ عز وجل

-.

5022 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: أَوْصَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. [انظر: 2740 - مسلم: 1634 - فتح: 9/ 67]

وساق فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، وقد سأله طلحة بن مصرف: أَوْصَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ، أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. وقد سلف هذان البابان، ويردان قول من زعم أنه عليه السلام أوصى إلى أحد، وأن علي بن أبي طالب وصي، ولذلك قال علي بن أبي طالب حين سئل عن ذلك فقال: ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذِه الصحيفة. لصحيفة مقرونة بسيفه فيها: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مؤمن بكافر، ويأتي.

فالمراد بما بين الدفتين القرآن، وهما جانبا المصحف، جعل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ترك من السنةِ كثيرًا. ويحتمل أن المراد: ما ترك شيئًا من الدنيا أو ما ترك علمًا مسطرًا سواه.

ص: 97

‌18 - باب فَضْلِ القُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الكَلَامِ

5020 -

حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:«مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِى لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا» . 5059، 5427. 7560 - مسلم: 797 - فتح: 9/ 65]

5021 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -قَالَ: «إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ» . [انظر: 557 - فتح: 9/ 66]

ساق فيه حديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرُّ، وَمَثَلُ الفَاجِرِ الذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا".

وحديث ابن عمر السالف

(1)

.

(1)

برقم (557).

ص: 98

ووجه ذكره لهما هنا لمَّا كان ما جمع طيب الرائحة والطعم أفضل المأكولات. وشبه الشارع المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة التي جمعت طيب الرائحة وطيب الطعم، دل ذلك أن القرآن أفضل الكلام، ودل هذا الحديث على مثل القرآن وحامله والعامل به، والتارك له، وكذا حديث ابن عمر لمَّا كان المسلمون أكثر أجرًا من الفريقين دل ذلك على فضله على التوراة والإنجيل؛ لأن المسلمين إنما استحقوا هذِه الفضيلة بالقرآن الذي فضلهم الله به، وجعل فيه الحسنة عشر أمثالها والسيئة واحدة، وتفضل عليهم بأن أعطاهم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات كما قال ابن مسعود

(1)

، وأسنده مرفوعًا أيضًا

(2)

، وقد وردت آثار كثيرة في فضائل القرآن والترغيب في قراءته.

روى سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها"

(3)

.

وقالت عائشة رضي الله عنها: جعلت درج الجنة على عدد آي القرآن، فمن قرأ ثلثه كان على الثلث منها، ومن قرأ نصفه كان على النصف منها، ومن قرأ كله كان في (علية)

(4)

لم يكن فوقه إلا نبي

(1)

رواه الدارمي 4/ 2084 (3351).

(2)

رواه الترمذي (2910): "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشرة أمثاله، لا أقول: {الم} حرف، ولكن ألفٌ حرف ولام حرف، وميم حرف". وصححه الألباني في "الصحيحة"(3327)، وانظر:(660).

(3)

رواه أبو داود (1464)، والترمذي (2914). وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(1317)، وفي "الصحيحة"(2240).

(4)

كذا بالأصل، وفي "تاريخ دمشق": أعلى عليين.

ص: 99

أو صديق أو شهيد

(1)

.

وروى أبو قبيل، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا:"إن القرآن والصيام يشفعان يوم القيامة لصاحبهما، فيقول الصيام: يارب إني منعته الطعام والشراب فشفعني فيه. ويقول القرآن: يارب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان فيه"

(2)

.

وروى أبو نعيم، عن بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته قول: "إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل (الشاب)

(3)

فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأك في الهواجر وأسهرك ليلك، وإن كل تاجر وراء تجارته، وإنك من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والحلة بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا،

(1)

رواه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 59/ 355 - 356 من طريق أبي عبد الرحمن كاتب محارب بن دثار، وموسى الفراء، كلاهما عن معفس بن عمران بن حطان، عن أم الدرداء، عن عائشة، به. ورواه ابن أبي شيبة 6/ 120 (29943) مختصرًا.

ورواه البيهقي في "الشعب" 2/ 347 (1998) من طريق شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحوه. قال البيهقي: قال الحاكم: هذا إسناد صحيح ولم يكتب هذا المتن إلا بهذا الإسناد وهو من الشواذ.

ومن هذا الوجه أورده الألباني في "الضعيفة"(3858)، وقال منكر.

(2)

رواه أحمد 2/ 174، والحاكم 1/ 554 من طريق حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو، به، وصححه الحاكم على شرط مسلم.

قلت: في إسناد أحمد، ابن لهيعة.

وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المسند"(6626): إسناده صحيح.

(3)

كذا بالأصل، وفي مصادر التخريج الآتي ذكرها:(الشاحب).

ص: 100

فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلًا"

(1)

.

وقال ابن عباس: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر

(2)

.

فصل:

ذكر هنا في الفاجر الذي لا يقرأ: "كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها"، وفي البخاري قريبًا في باب: من راءى به: "وريحها مرٌّ"

(3)

. وكأن ما هنا أجود؛ لأن الريح لا طعم له؛ إذ المرارة عَرَضٌ، والريح عَرَضٌ، والعَرَضُ لا يقوم بالعَرَضِ. وقد يقال: إن ريحها لما كان كريهًا استعار للكراهية لفظ المرارة لما بينهما من الكراهة المشتركة.

وروى ابن الضريس من حديث الجريري، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى: "مثل الذي يقرأ القرآن ويعمل به مثل الأترجة طيب ريحها طيب (خارجها)

(4)

، ومثل الذي يعمل به ولا يقرؤه كمثل النخلة طيب (خارجها) ولا ريح لها .. " الحديث

(5)

.

(1)

أبو نعيم هذا هو الفضل بن دكين، والحديث رواه عنه أبو عبيد الهروي في "فضائل القرآن" ص 84 - 85، وابن أبي شيبة 6/ 130 (30036)، وأحمد 5/ 348، والدارمي 4/ 2135 - 2136 (3434).

(2)

رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 528 - 529، وعنه البيهقي في "الشعب" 2/ 556 (2706). قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه. وصححه الألباني في "صحيح الترغيب"(1435).

(3)

يأتي برقم (5059).

(4)

كذا رسمها بالأصل.

(5)

"فضائل القرآن" لابن الضريس.

وطرق قسامة بن زهير تنظر في "الضعفاء الكبير" للعقيلي 1/ 159 - 160 ترجمة

بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.

ص: 101

ثم قال: حدثني مسدد، ثنا أبو عوانة، ثنا قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن الذىِ يقرأ القرآن كمثل الأترجة"

(1)

.

فصل:

تمثيل رسول صلى الله عليه وسلم الإيمان بالطعم، والقرآن بالريح في قوله:"طعمها طيب وريحها طيب" لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذ جريان الكفر عليه قليل نادر، كما أن الطعم ألزم للجوهر من الريح، وأخص به، إذ كثير من الجواهر يذهب ريحها وطعمها باق.

فصل:

هذا الحديث يقتضي قسمة رباعية؛ لأن الإنسان إما مؤمن وإما منافق، وكل منهما إما قارئ أو غيره، وكذا الجوهر إما أن يجتمع فيه الطعم أو الريح أو ينتفيا، أو يوجد أحدهما دون الآخر.

فصل:

قال بعضهم فيما حكاه المنذري: قراءة الفاجر والمنافق لا ترفع إلى الله، ولا تذكر عنده، وإنما يرفع إليه ويذكر عنده من الأعمال ما أريد به وجهه وكان عن نية وقربة، ألا ترى أنه شبه الفاجر القارئ بالريحانة من حيث أنه لم ينتفع ببركة القرآن، ولم يفز بحلاوة أجره، ولم يجاوز الطيب حلوقهم موضع الصوت، ولا بلغ إلى قلوبهم ذلك الطيب؛ لأن طعم قلوبهم مرٌّ بالنفاق المستتر فيها كما استتر طعم الريحانة في عودها مع ظهور رائحتها.

فائدة: الأترجة بضم الهمزة وتشديد الجيم، ويقال أترنجة، وفي

(1)

قلت: سيأتي الحديث مكررًا برقم (5427) عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى الأشعري به.

ص: 102

رواية: الأترنجة. وحكى أبو زيد: ترنجة وترنج وترج. وذكر العلامة عبد الوهاب بن سحنون التنوخي في كتاب "الأدوية القلبية" أن بعض الحكماء غضب عليه بعض الأكاسرة وسجنه، وقال: خيروه إدامًا واحدًا لا يزاد عليه؛ فقيل له، فاختار الأترج، فسئل عن ذلك فقال: في العاجل ريحان يسر نفسي، والتبقل بقشره يفرح قلبي، ولحمه وقشره خاصة إدامان يغتذي بهما بدني، وأستخرج من حبه دهنًا أقضي به وطري.

قال ابن سحنون: جمع الله فيه مالم يجمع في غيره من الثمار من الفوائد والمنافع.

فصل:

قد أسلفنا أن الحديث الأول وصف فيه حامل القرآن والعامل به بالكمال، وهو اجتماع المنظر والمخبر، ولم يثبت هذا الكمال لحامل غيره من الكلام. ووصف في الثاني فضل الأمة وخصوصيتها دون سائر الأمم، وما اختصت إلا بالقرآن، فدل على أنه السبب في فضلها، ويؤخذ من ذلك فضل القرآن على غيره من الكتب كما سلف، فكيف بالكلام.

فصل:

قد أسلفنا في الصلاة أن أبا حنيفة احتج بالحديث الثاني في أن وقت العصر عند مصير الظل مثليه، آخر وقتها المختار عندنا

(1)

؛ لأن كثرة

(1)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 2/ 379، "المبسوط" 1/ 142 - 143، "بدائع الصنائع" 1/ 122 - 123، "المجموع" 3/ 30 - 31، "طرح التثريب" 2/ 164 - 165.

ص: 103

العمل تقتضي طول النهار من الزوال إلى العصر أكثر مما بين العصر إلى المغرب، وعندنا أنها سواء، وقد أجبنا بأن الحديث إنما قصد به الأعمال لا بيان الأوقات.

وقولهم: (نحن أكثر عملًا) يعني: أن عمل الفريقين جميعًا أكثر. لا يقال: إن هذا خطأ؛ لأن الفريقين لهما قيراطان؛ لأنهم قالوا: نحن أقل عطاءً، فعلم أنه يعني كل طائفة؛ لأنا نقول: إن الظاهر أن الإخبار بكثرة العمل وشكوا قلة الأجر في مقابلة عملهما بالإضافة إلى أجر المسلمين في مقابلة عملهم، وهذا صحيح عند التقسيط؛ لأن من خاط ثوبًا بقيراط، وأخر خاط اثنين بقيراط فأجر الثاني أقل في مقابلة عمله.

وقوله ("هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا") وذلك صحيح، لأنهم استؤجروا برضاهم على عمل معين بأجرة معلومة.

ص: 104

‌19 - باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]

.

5023 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَأْذَنِ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ. [5024، 7482، 7544 - مسلم: 792 - فتح: 9/ 68]

5024 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:«مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ. [انظر: 5023 - مسلم: 792 - فتح: 9/ 68]

ذكر فيه حديث أبي سلمة عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَمْ يَأْذَنِ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ". وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: يجهر بِهِ.

ثم ساقه عنه أيضًا بلفظ: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيء مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ". قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ: يَسْتَغْنِي بِهِ.

قلت: احتج بقوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الآية [طه: 131]. قال: وأمر عليه السلام أن يستغنى بالقرآن عن المال.

ومعنى: "ما أذن": ما استمع، وذكره في الاعتصام بلفظ:"ليس منا من لم يتغن بالقرآن"

(1)

. زاد غيره: "يجهر به". ذكره في باب قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}

(2)

، وهو من أفراده.

(1)

سيأتي برقم (7482) كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ} .

(2)

سيأتي برقم (7527) كتاب التوحيد، وانظر ما سيأتي برقم (7544).

ص: 105

ووهم القرطبي حيث عزاه إلى مسلم

(1)

.

قال الشافعي: ومعناه: تحسين الصوت بالقرآن. وكذا قال غيره، ويؤيده قول ابن أبي مليكة في "سنن أبي داود": إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع

(2)

. وقال غيره: يستغنى به. وكذا وقع في رواية أحمد عن وكيع

(3)

، فقيل يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة، وقيل: معناه: التشاغل به.

والتغني قال ابن الأعرابي: كانت العرب تتغنى إذا ركبت الإبل، وإذا جلست في أفنيتها وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب عليه السلام أن يكون هِجِيِّرَاهُمْ مكان التغني، حكاه الخطابي

(4)

وابن الجوزي.

وقيل: المراد: ضد الفقر. وقال ابن حبان في "صحيحه": معنى "ليس منا": ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل؛ لأنا لا نفعله، فمن فعله فليس منا

(5)

. وقال الإمام: أوضح الوجوه في تأويله: من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد، فليس منا. وقال غيره: من لم يرتح لقراءته وسماعه. فهذا حاصل اختلاف العلماء في معنى التغني به.

وما أسلفناه عن سفيان -وهو ابن عينية- من أنه فسره بضد الافتقار. وذكره عن سعد بن أبي وقاص رفعه، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم

(6)

. وكذا فسره وكيع كما سلف.

(1)

"تفسير القرطبي" 1/ 9، وانظر:"المفهم" 2/ 422 - 423.

(2)

أبو داود (1471).

(3)

"مسند أحمد" 1/ 172.

(4)

"أعلام الحديث" 3/ 1945.

(5)

"صحيح ابن حبان" 1/ 326 (120).

(6)

"مسند أحمد" 1/ 175، "سنن أبي داود"(1469)، "سنن ابن ماجه"(1337)، "صحيح ابن حبان" 1/ 326 (120)، "المستدرك" 1/ 758.

ص: 106

ومن تأول هذا التأويل كره القراءة بالألحان والترجيع. روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن، وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود فيما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب "الثواب" وقال: كانوا يكرهونها بتطريب، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرءوه حدرًا ترتيلًا بحزن. وهو قول مالك، روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا يعجبني، وأعظمَ القولَ فيه، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم

(1)

، وقد روي عن ابن عيينة وجه آخر، ذكره إسحاق بن راهويه، قال: كان ابن عيينة يقول: يعني: ما أذن الله لنبي .. إلى آخره. يريد: يستغني به عما سواه من الكتاب والأحاديث، وهذا لعله يكون هو الذي أراد البخاري من إيراده.

وممن قال المراد به تحسين الصوت به والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون: الشافعي

(2)

وغيره

(3)

كما سلف.

وهو معنى ما ذكره البخاري بقوله: (وقال صاحب له: يريد يجهر به) قال الخطابي: والعرب تقول: سمعت فلانًا يغني هذا الحديث. أي: يجهر به ويصرح لا يكني. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج ووقفني على أشعب الطماع فقال: غَنِّ ابن أخي ما بلغ من طمعك؟ قال: ما زفت امرأة بالمدينة إلا كسحت بيتي رجاء أن يُهدى إليَّ. يقول. أخبر ابن أخي بذلك مجاهرًا غير مساتر. ومنه قول ذي الرمة:

أحب المكان القفر من أجل أنني

به أتغنى باسمها غير معجم

(1)

"المدونة" 1/ 194.

(2)

"الأم" 6/ 215.

(3)

انظر: "شرح مشكل الآثار" 1/ 346، "طرح التثريب" 3/ 105 - 106، "المغني" 2/ 613.

ص: 107

أي: أجهر بالصوت بذكرها لا أكني عنها حذار كاشح أو خوف رقيب

(1)

.

وذكر عمر بن شبة

(2)

قال: ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة السالف، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا، حدئنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كان لداود عليه السلام معزفة يتغنى عليها وتبكي ويبكي، وقال ابن عباس: كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا يلون فيهم، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين.

ومن الحجة لهذا القول أيضًا حديث ابن مغفل فى وصف قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاث مرات. وهذا غاية الترجيع، ذكره البخاري في الاعتصام

(3)

. وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة، فقال: نحن أعلم بهذا، لو أراد الاستغناء لقال: من لم يستغن بالقرآن، ولكن قال: يتغن بالقرآن. علمنا أنه أراد به التغني

(4)

. وكذلك فسر ابن أبي ملكية أنه تحسين الصوت

(5)

، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل

(6)

، وسيأتي رده.

وممن اختار الألحان في القرآن فيما ذكره الطبري: عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا

(7)

، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن. وقال مرة: من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل. وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر: اعرض

(1)

"غريب الحديث" للخطابي 1/ 655 - 656.

(2)

حكى ذلك وما بعده ابن بطال 10/ 259 - 260.

(3)

يأتي برقم (7540) كتاب: التوحيد، باب: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وروايته عن ربه.

(4)

"سنن البيهقي" 1/ 559 (1026).

(5)

"شعب الإيمان" 2/ 529.

(6)

انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 9.

(7)

رواه أبو نعيم في "الحلية" 1/ 258.

ص: 108

علي سورة كذا، فقرأ عليه، فبكى عمر، وقال: ما كنت أظن أنها نزلت. واختاره ابن عباس وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح، واحتج بحديث عبيد بن عمير، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان.

وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بالألحان.

واحتج الطبري لهذا القول وقال: الدليل على أن المراد التحسين المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قرآنه كالغناء بالشعر، وهو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه، ما روى سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه:"ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن". ومعقول عن ذوي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به. وروي في هذا الحديث: "حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" ورواه يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

.

قال الطبري: وهذا الحديث أبين البيان أن ذلك كما قلناه

(2)

.

وفي "المستدرك" على شرطهما من حديث الأوزاعي، عن إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، أنه عليه السلام قال:"لله أشد أذنا من الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته"

(3)

.

(1)

سيأتي برقم (7544)، ورواه مسلم (792/ 233).

(2)

حكى كل ذلك عن الطبري ابن بطال 10/ 260 - 261.

(3)

"المستدرك" 1/ 570 - 571.

ص: 109

وأخرجه الآجري في "أخلاق حملة القرآن" وزاد في آخره عن الأوزاعي قال: أذنًا. يعني استماعا

(1)

.

قلت: وفيه انقطاع بين إسماعيل وفضالة، ميسرة مولى فضالة كما أخرجه ابن ماجه والبيهقي في "سننه الكبير"

(2)

؛ وميسرة ذكره ابن حبان في "ثقاته"

(3)

وخرجه في "صحيحه"

(4)

.

قال الطبري: ولو كان كما قال ابن عيينة: لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر معنى.

والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع، وقال الشاعر:

تغنَّ بالشعر أماكنت قائله

إن الغناء بهذا الشعر مضمار

وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى: استغنيت، فاشٍ في كلام العرب وأشعارها، فلا نعلم أحدًا من أهل العلم بكلام العرب قاله. وأما احتجاجه ليصح قوله بقول الأعشى:

وكنت امرًا زمنًا بالعراق

عفيف المناخ طويل التغن

وزعم أنه أراد بذلك طويل الاستغناء، أي: الغنى. فإنه غلط منه. وإنما عنى الأعشى به الإقامة، من قول العرب: غنى فلان بمكان كذا، إذا أقام به، ومنه قوله تعالى:{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [هود: 68].

(1)

"أخلاق حملة القرآن" ص 208 - 209.

(2)

"سنن ابن ماجه"(1340)، "السنن الكبرى" 10/ 230.

(3)

"الثقات" 5/ 425.

(4)

"صحيح ابن حبان" 3/ 31 (754).

قلت: والحديث أعله الحافظ الذهبي في "التلخيص" 1/ 571 بالانقطاع، وضعفه الألباني في "الضعيفة"(2951).

ص: 110

وأما استشهاده بقوله:

كلانا غني عن أخيه حياته

ونحن إذا متنا أشد تغانيا

فإنه إغفال منه، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه وتشاتما وتقاتلا. ومن قال هذا القول في فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد، وغير جائز أن يقال: تغانى زيد وتضارب عمرو، وكذلك غير جائز أن يقال: تغنى زيد بمعنى استغنى، إلا أن يريد قائله أنه أظهر الاستغناء وهو به غير مستغنٍ، كما يقال: تجلد فلان إذا أظهر الجلد من نفسه، وهو غير جليد، وتشجع وهو غير شجاع، وتكرم وهو غير كريم. فإن وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب كانت المصيبة في خطابه في ذلك أعظم؛ لأنه لا يوجب بذلك من تأويله أن يكون الله تعالى لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذن له أن يظهر للناس من نفسه ما هو به من (الخلاف)

(1)

وهذا لا يخفى فساده.

قال: ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الإذن عند ابن عيينة الإذن الذي هو إطلاق وإباحة، فإن كان كذلك فهو غلط من اللغة، ومن إحالة المعنى عن وجهه؛ لأن الإذن مصدر. قولك: أذن فلان لكلام فلان فهو يأذن له: إذا استمع له وأنصت، كما قال تعالى:{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2)} [الانشقاق: 2] بمعنى: سمعت لربها وحق لها ذلك، كما قال علي بن يزيد:

إن همي في سماع وأذن

(1)

كذا بالأصل، وفي "شرح ابن بطال" 10/ 262:(الخلال).

ص: 111

يعني: في سماع واستماع، فمعنى قوله:"ما أذن الله لشيء" إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع إلى نبي يتغنى بالقرآن، ولأن الاستغناء بالقراَن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له.

قال ابن بطال: وقد رفع الإشكال في هذِه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب، ثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر مرفوعًا:"تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من المخاض في العقل"

(1)

. وذكر أهل التأويل في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51] أن هذِه الآية نزلت في قوم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه خبر من أخبار الأمم.

فالمراد بالآية الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم على ما ذكره إسحاق بن راهويه، عن ابن عيينة. وليس [المراد]

(2)

بها الاستغناء الذي هو ضد الفقر. وإتباع البخاري الترجمة بهذِه الآية يدل أن هذا كان مذهبه في الحديث

(3)

.

وكذا قال ابن المنير: يفهم من الترجمة أن التغني الاستغناء لا الغناء لكونه أتبعه بالآية، ومضمونها الإنكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره من الكتب السالفة، ومن المعجزات التي كانوا يقترحونها، فهو

(1)

"مصنف ابن أبي شيبة" 4/ 126 (29982).

قلت: الشطر الأخير من الحديث يأتي قريبَا برقم (5033)، ورواه مسلم (791) من حديث أبي موسى.

(2)

ساقطة من الأصل، والمثبت من "شرح ابن بطال".

(3)

انتهى من "شرح ابن بطال" 10/ 259 - 263.

ص: 112

موافق لتأويل سفيان، لكنه حمله على ضد الفقر، والبخاري حمله على ما هو أعم من ذلك، وهو الاكتفاء مطلقًا.

ويظهر من ذلك عدم الافتقار إلى الاستظهار والاستغناء بالحق؛ لأن فيه من المواعظ والآيات والزواجر ما يمنع صاحبه عن الدنيا وأهلها

(1)

. وسيأتي لنا عودة إليه في الاعتصام

(2)

في باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وروايته عن ربه تعالى في قوله:"الماهر بالقرآن مع الكرام البررة" إن شاء الله تعالى

(3)

.

فصل:

قال الإسماعيلي: الاستغناء به لا يحصل (

)

(4)

يأذن له.

فصل:

في "الصحيح" كما سيأتي قريبًا: "لقد أوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود"

(5)

روى ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا. وقد سلف، وقال أبو عثمان النهدي كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج قط، ولا صوت بربط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته

(6)

.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: تحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت على طريق التحزين والتخويف والتشويق، يبين ذلك قول أبي موسى -وقد سمع لصوته أمهات المؤمنين-: لو علمت لحبرته لكن

(1)

"المتواري" ص 390 - 391.

(2)

جاء في هامش الأصل: هذا الباب في كتاب التوحيد فاعلمه.

(3)

انظر شرح الحديث الآتي برقم (7544) كتاب: التوحيد.

(4)

كلمة غير واضحة بالأصل، وعليها علامة استشكال من الناسخ.

(5)

يأتي برقم (5048).

(6)

رواه أبو نعيم في "الحلية" 1/ 258، وحكاه ابن بطال في "شرحه" 10/ 275.

ص: 113

تحبيرًا وتشوقته تشويقًا

(1)

. فهذا وجهه، لا الألحان المطربة الملهية.

روى سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه عليه السلام سئل: أي الناس أحسن صوتا بالقرآن؟ قال: "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله"

(2)

.

وعن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب قال: قدم علينا سعد بعد ما كف بصره، فأتيته مُسَلِّمًا، فانتسبني، فانتسبت له، فقال: مرحئا بابن أخي، بلغني أنك تحسن الصوت بالطرب، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكلوا"

(3)

. وذكر أبو عبيد بإسناده قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلمه إلا عبسًا الغفاري

(4)

- فرأى الناس يخرجون في الطاعون يفرون، فقال: يا طاعون خذني إليك. فقيل: أتتمنى الموت وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني أبادر خصالًا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يتخوفهن على أمته: بيع الحكم والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفضلهم ولا أفقههم إلا ليغنيهم به غناء

(5)

.

وروى الآجري من حديث عبد الله بين جعفر، عن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: "أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته

(1)

رواه أبو نعيم في "الحلية" 8/ 32 بلفظ: لو علمت لحبرته تحبيرًا ولشوقتكم تشويقًا.

(2)

"فضائل القرآن" ص 164 - 165.

(3)

رواه ابن ماجه (1337)، وضعفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه"(281).

(4)

ورد بهامش الأصل: عبس الغفاري، والأكثر عابس كما مر، روى عنه أبو أمامة الباهلي وغيره، أخرج له أحمد في "المسند".

(5)

"فضائل القرآن" ص 166.

ص: 114

يقرأ حسبته يخشى الله تعالى"

(1)

، والمزمار: طيب الصوت، وذكر الآل صلة، وآله: نفسه.

فصل:

سيأتي في البخاري في باب ترجمة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن" الحديث: "زينو االقرآن بأصواتكم"

(2)

. كذا ذكره بغير إسناد، ولا راو.

وقد أسنده أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم، وصححه ابن حبان من حديث البراء بن عازب

(3)

.

وأسنده ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة أيضًا

(4)

، وأسنده البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف لكنه أعله

(5)

.

(1)

"أخلاق حملة القرآن" ص 210.

(2)

يأتي برقم (7544).

(3)

"مسند أحمد" 4/ 283. 285، 296، 304، "سنن أبي دا ود" (1468)، "المجتبى" 2/ 179، "السنن الكبرى" 1/ 348 (1088)، 5/ 21 (8050) "سنن ابن ماجه" (1342)، "صحيح ابن حبان" 3/ 25 (749) من طريق طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب، مرفوعًا.

ومن هذا الطريق وصله البخاري في "خلق أفعال العباد"(195 - 199، 201) وصححه ابن خزيمة 3/ 24 (1551)، 3/ 26 (1556)، والحاكم 1/ 571 - 575، والدارقطني في "العلل" 10/ 148.

وقال الحافظ ابن كثير في "التفسير" 1/ 88: إسناده جيد، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(1320).

(4)

"صحيح ابن حبان" 3/ 27 (750)، ورواه أيضا أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 160 من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا.

قال الألباني في "صحيح أبي داود" 5/ 209: إسناده صحيح.

(5)

"مسند البزار" 3/ 245 - 246 (1035) من طريق صالح بن موسى، عن عبد العزيز ابن رفيع، عن أبي سلمة، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، مرفوعًا، وقال: هذا =

ص: 115

وطرَّقه الحاكم في "مستدركه" من حديث البراء من عشرين طريقًا عنه، ذكره أجمع بأسانيد وأوضحه

(1)

.

قال ابن حبان: هذا اللفظ من ألفاظ الأضداد. يريد بقوله: "زينوا القرآن بأصواتكم"، زينوا أصواتكم بالقرآن

(2)

. وقال الخطابي: معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن. كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب، كما قالوا: عرضت الناقة على الحوض، ثم قال: ورواه معمر، عن منصور، عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن، قال: وهو الصحيح، ثم رواه بسنده عن طريق عبد الرزاق، عن معمر

(3)

.

قلت: وقد أخرجه الحاكم عن منصور من ستة طرق: سفيان، وزائدة، و (عمرو بن قيس)

(4)

، وجرير، وابن طهمان، وعمار؛ كلهم عن منصور، عن طلحة بتقديم القرآن على الأصوات

(5)

.

= الحديث يرويه الزهري، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وصالح بن موسى الذي روى هذا الحديث، عن عبد العزيز، عن أبي سلمة، عن أبيه: لين الحديث، وإنما ذكرنا هذا الحديث لنبين علته.

وقال الهيثمي في "المجمع" 7/ 171: فيه صالح بن موسى وهو متروك، وضعف الحافظ إسناد هذا في "الفتح" 13/ 519، وفي "التغليق" 3/ 377.

(1)

"المستدرك" 1/ 571 - 575.

(2)

"صحيح ابن حبان" 3/ 26، وفيه أنه قال: يريد بقوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" لا زينوا أصواتكم بالقرآن. أي: ضد ما نقله المصنف رحمه الله أو يكون سقط من سياق المصنف كلمة (لا). والله أعلم.

(3)

"معالم السنن" 1/ 252.

(4)

كذا بالأصل وهو خطأ، وصوابه:(عمرو بن أبي قيس) كما في "المستدرك" 1/ 571، وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال" 22/ 203 (4437).

(5)

"المستدرك" 1/ 570 - 572.

ص: 116

وكذلك التي قدمناها عن الحاكم كلها بتقديم القرآن

(1)

، إلا في رواية واحدة من حديث عبد الرزاق، عن منصور، عن الأعمش، عن طلحة قدم فيها الأصوات على القرآن

(2)

.

وهي في الطبراني "الكبير" من طريقين آخرين:

أحدهما من حديث عبد الله بن خراش -قال البخاري: منكر الحديث

(3)

- عن عمه العوام بن حوشب، عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه:"زينوا أصواتكم بالقرآن"

(4)

.

ثانيهما: من حديث سعيد بن أبي سعد البقال، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه:"أحسنوا أصواتكم بالقرآن"

(5)

.

(1)

"المستدرك" 1/ 571 - 575.

(2)

"المستدرك" 1/ 572.

(3)

"التاريخ الكبير" 5/ 80 (219).

(4)

"المعجم الكبير" 11/ 81 - 82 (11113).

وليس في إسناده مجاهد، إنما هو عن العوام بن حوشب، عن ابن عباس. والحديث رواه ابن عدي في "الكامل" 5/ 348، والدارقطني في "الغرائب والأفراد" كما في "الأطراف" 3/ 322 (2784). من الطريق الذي ذكره المصنف. قال الدارقطني: غريب من حديث العوام بن حوشب، عن مجاهد، تفرد به عنه، وتفرد به عنه عبد الله بن خراش، وهو ابن أخيه.

وقال الحافظ في "الفتح" 13/ 519، وفي "التغليق" 5/ 377: سنده حسن. فاعلمه.

(5)

"المعجم الكبير" 18/ 112 (12643).

ورواه أيضًا ابن عدي في "الكامل" 4/ 435، 8/ 203، والخطيب في "الموضح" 2/ 129، الحافظ في "التغليق" 5/ 377 لكنه بلفظ:"زينوا".

قال الحافظ: الضحاك لم يسمع من ابن عباس، وغلط فيه البقال؛ إنما سمعه الضحاك من عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء، والله أعلم. اهـ. وأورده الألباني في "الضعيفة"(1881)، وقال: ضعيف جدًّا.

ص: 117

فتعين أن تقدم رواية القرآن الصحيحة ومعناها على ظاهره. وما عداها محمول عليها، ويكون قوله:"بالقرآن" في موضع الحال، أي: زينوا أصواتكم في حال القراءة، وقد جاء ذلك مصرحًا به في "مسند الدارمي" و"مستدرك الحاكم" من حديث علقمة بن مرثد عن زاذان عن البراء رفعه:"زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا"

(1)

. وهذا لا يحتمل التأويل ولا القلب، وليس المراد هنا بالقرآن الكلام القديم، وإنما المراد ما سمعه من الحروف والأصوات

(2)

. وعند عباد بن يعقوب في "فضائل القرآن" من حديث جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود:"جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات وأعربوه فإنه عربي، والله يحب أن يعرب". وجويبر واهٍ.

(1)

"مسند الدارمي" 4/ 2194 (3544)، "المستدرك" 1/ 575، وصححه الألباني في "الصحيحة"(771).

(2)

تكملة: لفظ: "زينوا أصواتكم بالقرآن" الذي رواه الخطابي في "المعالم" 1/ 252 - المتقدم- أورده الألباني في "الضعيفة"(5326). وقال: منكر مقلوب، تفرد بروايته هكذا الخطابي في "معالم السنن" من طريق الدبري، عن عبد الرزاق: أخبرنا معمر .. وساقه. ثم قال: وهو إسناد ضعيف، ومتن منكر مقلوب. اهـ.

قلت: لعله عني بقوله: (تفرد بروايته الخطابي) أي: من حديث البراء، وإلا فقد روي من غير طريق البراء، كما ذكر المصنف.

وقال شيخ الإسلام ابن القيم: وقال صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم" وغلط من قال: إن هذا من المقلوب، وإن المراد: زينوا أصواتكم بالقرآن، وإن كان حقًا، فالمراد تحسين الصوت بالقرآن. اهـ. "روضة المحبين" ص 281، وانظر:"البدر المنير" 9/ 638 - 639.

ص: 118

‌20 - باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ القُرْآنِ

5025 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما -قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا حَسَدَ إِلاَّ عَلَى اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللهُ مَالاً فَهْوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» . [7529 - مسلم: 815 - فتح: 9/ 73]

5026 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:«لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ» . [7528،7232 - فتح: 9/ 73]

ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: "لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُل آتَاهُ اللهُ الكِتَابَ فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُل أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ".

وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيتَنِي أُوتِيتُ مِثلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ. وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ".

هذا الحديث سلف في أول الكتاب في العلم، في باب: الاغتباط في العلم والحكمة في حديث ابن مسعود، وكذا في الزكاة

(1)

.

(1)

سلف برقم (73)، (1409) باب: إنفاق المال في حقه.

ص: 119

وشيخ البخاري في حديث أبي هريرة علي بن إبراهيم؛ فقيل: الواسطي. وقيل: ابن إشكاب. قال أبو علي: كذا في روايتنا عن ابن السكن وأبي أحمد وأبي زيد، حدثنا علي بن إبراهيم، ثنا روح؛ فقيل: إنه علي بن إبراهيم بن عبد الحميد الواسطي

(1)

. وقال أبو أحمد الجرجاني: يشبه أن يكون علي بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب

(2)

. وقال الدارقطني: علي بن عبد الله بن إبراهيم شيخ البخاري عن حجاج لم يذكر غيره. فأشار صاحب "الزهرة في أسماء مشاهير المحدثين" إلى نحو هذا، وقال: روى عنه البخاري أربعة أحاديث.

وقد سلف أن معنى: "لا حسد": لا غبطة، وهي تمني أن يكون له مثله دون زوالٍ عنه. قال ثعلب: أي: لا حسد لا يضر إلا في كذا. وهو ظاهر ترجمة البخاري. و"آناء الليل" ساعاته واحدها إني، وظاهر الحديث الأول أنه يقوم به في الصلاة بخلاف قوله في الثاني:"يتلوه" فإنه محتمل.

وفيه: أن النية إذا حصلت تقوم مقام العمل، فنية المؤمن من عمله. وهنا هي مثله؛ لأن العمل لا بد أن يكون فيه للنفس حظ، والنية تعرى عن ذلك.

فصل:

وروى أبو عبيد بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، وقد استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لصاحب القرآن أن يرفث فيمن يرفث، ولا يجهل

(1)

"تقييد المهمل" 3/ 1004.

(2)

"أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري" ص 157 (150).

ص: 120

فيمن يجهل وفي جوفه كلام الله. وقال سفيان بن عيينة: من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم تسمع قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)} [الحجر: 87] لأنه يِعِني القرآن. وقوله {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} إلى قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] قال: هو القرآن. قال أبو عبيد: ومن ذلك قوله عليه السلام: "ما أنفق عبد من نفقة أفضل من نفقة في قول". ومنه قول شريح لرجل سمعه يتكلم فقال له: أمسك نفقتك

(1)

.

فصل:

في حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أن حامل القرآن ينبغي له القيام به آناء الليل وآناء النهار، ومن فعل ذلك فهو الذي يحسد على فعله فيه، وكذلك من آتاه الله مالاً وتصدق به آناء الليل والنهار فهو المحسود عليه، ومن لم يتصدق به وشح عليه فلا ينبغي حسده عليه؛ لما يخشى من سوء عاقبته وحسابه عليه.

(1)

"فضائل القرآن" ص 113 - 115.

ص: 121

‌21 - باب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ

5027 -

حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا. [5028 - فتح: 9/ 74]

5028 -

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . [انظر: 5027 - فتح: 9/ 74]

5029 -

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لله 6/ 237 وَلِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ» . فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: «أَعْطِهَا ثَوْبًا» . قَالَ: لَا أَجِدُ. قَالَ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . فَاعْتَلَّ لَهُ. فَقَالَ: «مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» . قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 2310 - مسلم: 1425 - فتح: 9/ 74]

حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بن عفان رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:"خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حتَّى كَانَ الحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هذا.

حدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ فذكره بلفظ:"إِنَّ أَفْضَلَكُمْ" إلى آخره.

ص: 122

الشرح:

تابع شعبة جماعة منهم قيس بن الربيع، ذكر الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني العطار

(1)

في "الهادي في القراءات" أنه تابع جماعة فعددهم فوق الثلاثين، منهم عبد بن حميد، وقيس الذي ذكرناه؛ قال: وتابع سفيان مسعر ثم عددهم عشرين نفسًا، وفي "صحيح البخاري"، وبعده الترمذي

(2)

ما رواه شعبة وسفيان إشعارٌ أنهم حملوا ذلك من هذين الجبلين، على أن علقمة سمعه أولًا من سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن ثم سمعه بعد من أبي عبد الرحمن نفسه، فرواه أولًا كذلك ثم ثانيًا كما حكاه.

وأما أبو الحسين القشيري

(3)

، فإنه عدل فيما أرى عن إخراجه في كتابه، وعللَّه بثلاث علل: الاختلاف الذي ذكرناه، ووقف من وقفه، وإرسال من أرسله، وبما روي عن شعبة أنه قال: لم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان. وقيل لأبي حاتم: [سمع]

(4)

من عثمان؟ قال: روى عنه لا يذكر سماعًا

(5)

.

والجواب: أن الخلاف بين سفيان وشعبة لا يوجب القدح؛ لأنهما إذا اختلفا فالحديث حديث سفيان كما نص عليه شعبة ونحوه أبو داود والترمذي، وقال يحيى بن سعيد: ما أحد عندي يعدل شعبة، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.

(1)

انظر ترجمته في: "تاريخ الإسلام" 39/ 334 (316)، "سير أعلام النبلاء" 21/ 40 (2).

(2)

الترمذي (2907 - 2908).

(3)

ورد بهامش الأصل حاشية نصها: يعني مسلمًا.

(4)

كلمة ساقطة من الأصل، يقتضي السياق إثباتها، وكذا هي في المصدر الآتي.

(5)

"المراسيل" ص 106 - 107 (382).

ص: 123

وأما الإعلال بالوقف والإرسال؛ لأن الحافظ إذا زاد قبلت زيادته إجماعًا

(1)

، اللهم إذا كان هو الذي رواه زائدًا وناقصًا فقد يتوقف فيه لأجل ضبطه، اللهم إلا إذا كان إمامًا صاحب فتوى أو ممن مذهبه تقطيع الحديث.

وأما الثالث فقال بعضهم: إن الأكابر من الصدر الأول قالوا: إن أبا عبد الرحمن قرأ القرآن على عثمان وعلي وابن مسعود، ثم إن المعاصرة كافية عند قوم كما ذهب إليه مسلم وغيره وقد تعاصرا جزمًا، وصرح بعضهم بسماعه منه. والبخاري شرطه ذا، وأخرج له في "صحيحه"، وقال: تعلم القرآن في أيام عثمان حتى بلغ أيام الحجاج. ورواية الترمذي، عن ابن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان وشعبة؛ كلاهما عن علقمة، عن سعد، عن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن

(2)

. وحكم علي بن المديني على يحيى بن سعيد بالوَهَمِ فيه كونه ذكر من طريق الثوري وشعبة عن علقمة، عن سعد، فيحتمل أن يكون يحيى لما جمع بينهما ساق الحديث على لفظ شعبة وروايته، وحمل حديث الثوري على حديث شعبة.

قلت: أخرجه النسائي في فضائل القرآن مفصلًا فقال: حدثنا عبيد الله بن سعيد، ثنا يحيى عن شعبة وسفيان، حدثهما علقمة عن سعد، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان مرفوعًا، قال شعبة:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه" قال سفيان: "أفضلكم"

(3)

.

(1)

ورد بهامش الأصل: في المسالة خلاف، وليس إجماعا، وكذا مسألة إذا رواه زائدًا أو ناقصًا، أي: الواحد الثقة، فالخلاف فيه أيضا.

(2)

"سنن الترمذي"(2908).

(3)

"فضائل القرآن"(62)، وهو في "السنن الكبرى" 5/ 19 (8037).

ص: 124

ورواه خلاد بن يحيى المكي، عن الثوري، عن علقمة، عن سعد أيضًا؛ فتابع يحيى، ورواه سعيد بن سالم القداح، عن الثوري ومحمد بن أبان، عن صالح الكوفي، عن علقمة، عن سعد. وروى أبو الحسن سعيد بن سلام العطار البصري هذا الحديث عن محمد بن أبان، عن علقمة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبان بن عثمان بن عفان، عن أبيه عثمان.

قال الدارقطني: ووهم في ذكر أبان في إسناده

(1)

. فإن ثبتت روايته فالحديث غريب، على أنه يحتمل أن يكون السلمي سمعه من أبان، ثم من عثمان. وروى عاصم بن علي في إحدى الروايتين عنه عن شعبة، عن مسعر، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن السلمي، عن علي. فإن ثبت ذلك فهو غريب جدًّا، ورواه محمد بن بكير الحضرمي، عن شريك، عن عاصم بن بهدلة، عن السلمي عن ابن مسعود.

قال الدارقطني: أصحها علقمة عن سعد، عن أبي عبد الرحمن عن عئمان مرفوعًا

(2)

، وفي "سنن أبي داود" عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا:"خيركم من تعلم القرآن، وعلم القرآن"

(3)

وفي "أخلاق حملة القرآن" للآجري من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي مرفوعًا:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"

(4)

وقد أدرج بعض

(1)

"علل الدارقطني" 3/ 57.

(2)

"العلل" 3/ 59.

(3)

أبو داود (1452) من حديث عثمان بن عفان.

(4)

"أخلاق حملة القرآن" ص 131 - 132.

ورواه أيضًا الترمذي (2909)، وعبد الله بن أحمد 1/ 153. قال أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (1317): إسناده ضعيف، وضعفه أيضًا الألباني في "الصحيحة"(1172) وقد صحح الحديث بشواهده.

ص: 125

الرواة فيه ما يوهم رفعه، روى أبو يحيى إسحاق بن سليمان الرازي، عن الجراح، عن الضحاك، عن علقمة، عن السلمي، عن عثمان رفعه:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الخالق على المخلوق

(1)

. وهذا الأخير من قول أبي عبد الرحمن

(2)

كما نبه عليه الحفاظ إسحاق بن راهويه وغيره

(3)

. على أن هذِه الزيادة وحدها جاءت متصلة من هذِه الطريق إلى عثمان مرفوعًا

(4)

.

ورواها أيضًا وحدها أبو سعيد الخدري مرفوعًا، أخرجه الترمذي

(5)

(1)

رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 580 (506) من هذا الطريق هكذا. ورواه أيضًا ابن الضريس في "فضائل القرآن"(35) من طريق عبد الواحد المقرئ، عن الجراح، به.

(2)

قال البخاري في "خلق أفعال العباد"(74) قال: أبو عبد الرحمن السلمي، فذكره. ورواه الفريابي في "فضائل القرآن"(11) ومن طريق شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان مرفوعًا: "خيركم

" الحديث. قال أبو عبد الرحمن:

فذكر قوله. هكذا مبيناً المرفوع من قول أبي عبد الرحمن.

ورواه أيضًا هكذا اللالكائي في "شرح الأصول"(556)، والبيهقي في "الشعب" 2/ 4054 (2209)، وفي "الأسماء والصفات"(504)، وفي "الاعتقاد" ص 104 - 105 من طريق إسحاق بن سليمان الرازي المذكور.

(3)

نقل ذلك عنه الدارقطني في "العلل" 3/ 57. ونبه على ذلك أيضًا البيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 578 - 580، وانظر: "الصحيحة" 3/ 168.

(4)

رواها ابن بطة في "الإبانة" 1/ 227 - 228 (4)، والبيهقي في "الأسماء وا لصفات" 1/ 579 (505).

(5)

"سنن الترمذي"(2926) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس عن عطية العوفي عن أبي سعيد، مرفوعاً.

قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال أبو حاتم كما في "العلل" 2/ 82: حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي. وضعفه الألباني في "الضعيفة"(1335).

ص: 126

وروي نحوه أيضًا عن أبي هريرة

(1)

، وأنس، وللحاكم -وقال: صحيح الإسناد- عن أبي ذر مرفوعًا: "إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه" يعني: القرآن

(2)

.

فصل:

الحديث دال على أن قراءة القرآن من أفضل أعمال البر كلها؛ لأنه لما كان من تعلم القرآن وعلمه أفضل الناس وخيرهم دل على ما قلناه؛ لأنه إنما أوجب له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جاريًا ما دام كل من علمه باقيًا.

فصل:

إن قلت أيما أفضل تعلم القرآن أو تعلم الفقه؟ قلت: الثاني أفضل. وقال ابن الجوزي: تعلم اللازم منه فرض على الأعيان، وتعلم جميعهما فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط الحرج عن الباقين، وقد استويا في الحالتين، فإن فرضنا الكلام فيها على قدر الواجب في حق الأعيان فالتشاغل في الفقه أفضل، وذلك راجع إلى حاجة الإنسان؛ لأن الفقه أفضل من القراءة، وإنما كان الأقرأ في زمنه صلى الله عليه وسلم -هو الأفقه؛ فلذلك قدم القارئ في الصلاة، وقال عليه السلام:"خيركم". الحديث.

(1)

رواه البيهقي في "الأسماء والصفات"(509) من طريق عمر الأبح، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الأشعث، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، مرفوعًا.

قال البيهقي: تفرد به عمر الأبح وليس بالقوي. وانظر: "الضعيفة"(1334).

(2)

"المستدرك" 1/ 555.

وضعفه الألباني في "الضعيفة" 4/ 427، بعد أن كان صححه في"الصحيحة"(961).

ص: 127

فصل:

ثم ذكر البخاري حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لله وَلرَسُولِهِ فَقَالَ: "مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ". فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا .. الحديث، وقد سلف في الوكالة

(1)

.

ووجه إدخاله هنا؛ لأنه زوَّجه المرأةَ لحرمة القرآن، واعترضه ابن المنير فقال: ظن ابن بطال ذلك

(2)

، وليس كذلك؛ بل معنى قوله:"زوجتكها بما معك من القرآن" أي: بأن تعلمها إياه، فهي من سبيل التزويج على المنافع التي يجوز عقد الإجارة عليها، وعلى هذا حمله الأئمة، وهو الذي فهمه البخاري، فأدخله في باب تعليم القرآن.

قال: وقد ظهر بهذا الحديث فضل القرآن على صاحبه في الدين والدنيا ينفعه في دينه بما فيه من المواعظ والآيات، وفي دنياه بكونه قام له مقام المال الذي يتوصل به إلى النكاح وغيره من المقاصد

(3)

.

وفي الحديث: استحباب تعجيل المهر للمرأة، ويجوز أن يكون مؤخرًا على ما ذكر عليه قوله:"اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن".

وفي أبي داود: "ما معك؟ ". قال: البقرة والتي تليها، قال:"قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك"

(4)

.

(1)

سلف برقم (2310).

(2)

"شرح ابن بطال" 10/ 265.

(3)

"المتواري" ص 393.

(4)

"سنن أبي داود"(2112) من طريق الحجاج بن الحجاج الباهلي، عن عسل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة.

قال المصنف رحمه الله في "البدر المنير" 7/ 43: عسل هذا هو ابن سفيان اليربوعي، وقد ضعفوه. =

ص: 128

قال مكحول: ليس ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

، فقد انعقد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم.

فصل:

اعتذر بعض المالكية عن قوله: "التمس ولو خاتمًا من حديد" بأوجه: أحدها أن ذلك على جهة الإعياء والمبالغة كما قال: "تصدقوا لو بظلف محرق"

(2)

. وفي لفظ: "ولو فرسن شاة"

(3)

وليسا مما ينتفع بهما ولا يتصدق بهما، لكن ذكر غير واحد أنهما كانوا يحرقونه ويستفونه ويشربون عليه الماء أيام المجاعة.

ثانيها: لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدًا؛ لأن الصواغ عندهم قليل.

ثالتها: التماسه له لم يكن ليكون كل الصداق بل شيء تعجله لها قبل الدخول. وهما بعيدان.

= وقال الحافظ في "التلخيص" 2/ 60 - 61: فيه عسل راويه عن عطاء، وفيه ضعف. وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(361).

(1)

رواه أبو داود (2113).

وقال الألباني في "ضعيف أبي داود"(362): هذا مقطوع موقوف على مكحول، فلا حجة فيه.

(2)

رواه أبو داود (1667)، والنسائي 5/ 86 من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بجير، عن جدته أم بجير -وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت له: يا رسول الله

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لم تجدي له شيئًا تعطينه إياه إلا ظلفًا محرقًا فادفعيه إليه في يده".

وصححه ابن خزيمة 4/ 111 (2473)، وابن حبان 8/ 166 - 167 (3373)، والحاكم 1/ 417، والألباني في "صحيح أبي داود"(1467).

(3)

سلف برقم (2566) كتاب: الهبة، باب: فضل الهبة، ورواه مسلم (1030) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء.

ص: 129

فصل:

الحديث دال على أن تعلم القرآن يجوز أن يكون صداقاً وهو مذهبنا

(1)

، وإحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: لا يجوز وإنما كان لذلك الرجل خاصة

(2)

، وقد أسلفنا قول مكحول، والحديث مع الشافعي.

وخالف في ذلك أيضًا أبو حنيفة ومالك

(3)

، ونقل الترمذي عن أهل الكوفة وأحمد وإسحاق أن النكاح جائز ويجعل لها صداق مثلها

(4)

.

فصل:

ذكر في باب بعده أيضًا وفيه: فصعد النظر إليها وصوبه. وهما مشددان كما نبه عليه ابن العربي، أي رفع وخفض إليها، ويجوز أن يكون ذلك كان قبل الحجاب، ويجوز أن يكون بعده، وهي متلففة، وأي ذلك كان فإنه يدخل في باب نظر الرجل إلى المرأة المخطوبة

(5)

، وسيأتي في موضعه.

(1)

فما يصح أخذ العوض عنه بالشرط يصلح أن يكون مهرًا عند الشافعي. انظر: "مختصر المزني" ص 248، "أسنى المطالب" 3/ 215.

(2)

انظر: "المحرر" 2/ 32، "الفروع" 5/ 262.

(3)

قالوا بأن لها مهر مثلها إن تزوجها على ذلك؛ لأن المشروع إنما هو الابتغاء بالمال والتعليم ليس بمال. انظر: "الهداية" 1/ 244 - 225، "التفريع" 2/ 37، "المنتقى" 3/ 278.

(4)

الترمذي بعد حديث (1114).

(5)

"عارضة الأحوذي" 5/ 37.

ص: 130

‌22 - باب القِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ القَلْبِ

5030 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» . فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا» . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ» . فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ:«مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» . قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. عَدَّهَا، قَالَ:«أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 2310 - مسلم: 1425 - فتح: 9/ 78]

ذكر في حديث سهل بن سعد السالف في الباب قبله، وقال في آخره:"مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" وقال في الباب قبله، وفي الوكالة؛ "زوجتكها"

(1)

وسيأتي الكلام عليه في موضعه.

واعترض ابن بطال فقال: هذا الحديث يدل على خلاف ما تأوله الشافعي في إنكاحه عليه السلام الرجل بما معه من القرآن، أنه إنما زوجه إياها بأجرة تعليمها

(2)

.

(1)

كذا هي في الباب قبله، أما حديث الوكالة (2310):"زوجناكها".

(2)

"شرح ابن بطال" 10/ 266.

ص: 131

وليس كما قال ابن بطال بل هو صريح كما قاله الشافعي لقوله: "بما معك من القرآن".

قال: وقوله فيه: ("أتقرؤهن عن ظهر قلب؟ " قال: نعم. فزوجه لذلك) يدل على أنه إنما زوجها منه بحرمة استظهاره للقرآن

(1)

، وقد سلف ما فيه.

فصل:

قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيم حامل القرآن وإجلاله وتقديمه. ذكر أبو عبيد من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من تعظيم جلال القرآن إكرام ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة المسلم وحامل القرآن" وكان عليه السلام يوم أحد يأمر بدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد ويقول: "قدموا أكثرهم قرآنًا"

(2)

.

فصل:

وقد روي أنه عليه السلام أمر بالقرآن في المصحف نظرًا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا:"أعطوا أعينكم حظها من العبادة" قالوا: يا رسول الله، وما حظها من العبادة؟ قال:"النظر في المصحف والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه"

(3)

.

(1)

"شرح ابن بطال" 10/ 266 - 267.

(2)

"فضائل القرآن" ص 89 - 90. والحديث الثاني رواه أيضا أبو داود (3215)، والترمذي (1713)، والنسائي 4/ 80 - 81.

وصححه الألباني في "الإرواء"(743).

(3)

رواه أبو الشيخ في "العظمة"(12)، والبيهقي في "الشعب" 2/ 408 - 409 (2222). وقال: إسناده ضعيف، وكذا قال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" 2/ 1194 (4323).

وأورده الألباني في "الضعيفة"(1586) وقال: موضوع.

ص: 132

قال يزيد ابن أبي حبيب: من قرأ القرآن في المصحف خفف عن والديه العذاب وإن كانا كافرين. وعن عبد الله بن حسان قال: اجتمع اثنا عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من أفضل العبادة قراءة القرآن نظرًا. وقال أسد بن وداعة

(1)

: ليس من العبادة شيء أشد على الشيطان من قراءة القرآن نظرًا. وقال وكيع: قال الثوري: سمعنا أن تلاوة القرآن في الصلاة أفضل من تلاوته في غيرها وتلاوته أفضل الذكر، والذكر أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم،

والقراءة في المصحف أحسن من القراءة ظاهرًا؛ لأنها زيادة. وهذِه الآثار من رواية ابن وضاح

(2)

.

فصل:

ومما رُوِي في فضل تعلم القرآن وحمله؛ ما ذكره أبو عبيد من حديث عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، فقال:"أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان والعقيق فيأخذ ناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ " قالوا: كلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ذلك، قال: فقال: "يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد ليتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين ومن ثلاث ومن تعدادهن من الابل"

(3)

.

وذكر عن كعب الأحبار في التوراة أن الفتى إذا تعلم القرآن وهو حديث السن وحرص عليه وعمل به وتابعه خلطه الله بلحمه ودمه

(1)

ورد بهامش الأصل: أسد هذا شامي من صغار التابعين، ناصبي يسب، قال يحيى بن معين: كان هو وزاهر الحرازي وجماعة يسبون عليًّا رضي الله عنه.

(2)

حكاها عنه ابن بطال 10/ 267.

(3)

"فضائل القرآن" ص 44 - 46.

والحديث رواه مسلم (803) من حديث عقبة بن عامر، بمتنه سواء!

ص: 133

وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة، وإذا تعلم الرجل القرآن وقد دخل في السن وحرص عليه، وهو في ذلك يتابعه وينفلت منه كتب له أجره مرتين

(1)

، وروي عن الأعمش قال: مرَّ أعرابي بعبد الله بن مسعود وهو يقرئ قومًا القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؛ فقال ابن مسعود: يقسمون ميراث محمد صلى الله عليه وسلم

(2)

.

قال عبد الله بن عمرو: عليكم بالقرآن فتعلموه وعلموا أبناءكم فإنكم عنه تُسألون وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل

(3)

.

وقال ابن مسعود: لا يسأل أحد عن نفسه غير القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله

(4)

، وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا قال:"إن لله أهلين من الناس" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم أهل القرآن أهل الله وخاصته"

(5)

.

(1)

"فضائل القرآن" ص 46 - 47.

(2)

"فضائل القرآن" ص 51.

(3)

السابق ص 52 - 53.

(4)

السابق ص 51 - 52.

(5)

"فضائل القرآن" ص 88.

ورواه أيضًا ابن ماجه (215). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" 1/ 29: إسناده صحيح رجاله موثقون.

ص: 134

‌23 - باب اسْتِذْكَارِ القُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ

5031 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:«إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» . [مسلم: 789 - فتح: 9/ 79]

5032 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ» .

حَدَّثَنَا عُثْمَان، حَدَّثَثَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ. تَابَعَة بِشْرٌ، عَنِ ابن المُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ. وَتَابَعَهُ ابن خرَيْجٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ: سَمِعْت عَبْدَ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. [5039 - مسلم: 790 - فتح: 9/ 79]

5033 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:«تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» . [مسلم: 791 - فتح: 9/ 79]

ذكر فيه أحاديث:

أحدها:

حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم -قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الابِلِ المُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطلقَهَا ذَهَبَتْ".

وأخرجه مسلم أيضًا

(1)

.

(1)

مسلم (789).

ص: 135

ثانيها:

حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ".

ثم ساق من حديث جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، مِثْلَهُ. تَابَعَهُ بِشْرٌ، عَنِ ابن المُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ. وَتَابَعَهُ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ قال: سمِعْتُ عَبْدَ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي والترمذي

(1)

.

ثالثها:

حديث أبي أسامة حماد بن أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه -وهو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري- عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال:"تَعَاهَدُوا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإبِلِ فِي عُقُلِهَا".

الشرح:

المتابعة الأولى أخرجها الإسماعيلي بنحوها عن الفربري، ثنا مزاحم بن سعيد، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا شعبة.

والمتابعة الثانية أخرجها النسائي في "اليوم والليلة" بنحوها عن عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبي معمر، عن محمد بن جحادة، عن عبدة، به

(2)

.

(1)

مسلم (790)، النسائي 2/ 154 - 155، الترمذي (2942).

(2)

"عمل اليوم والليلة"(729).

ص: 136

فصل:

إنما شبه عليه السلام صاحب القرآن بصاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، وأنه يتفصى من صدور الرجال؛ لقوله تعالى:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5] فوصفه بالثقل، ولولا ما أعان عباده على حفظه ما حفظوه. قال تعالى:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)} [القيامة: 17] وقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)} [القمر: 17] فبتيسير الله تعالى وعونه لهم عليه بقي في صدورهم.

وهذان الحديثان يفسران آيات التنزيل، فكأنه قال:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)} ، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ]، إذا تعوهد وقرئ أبدًا وتذكر.

فصل:

وقوله: ("أشد تفصِّيًا") أي: تفلتًا وذهابًا، وهو بالفاء والصاد المهملة. قال صاحب "العين": فصى اللحم من العظم: إذا انفسخ، والإنسان تفصى من الشيء إذا تخلص منه والاسم التفصية، والإبل والبقر والغنم لا واحد له من لفظه، والمعنى أنه شبه من يتفلت منه بعض القرآن بالناقة التي انفلتت من عقلها

(1)

.

فصل:

قوله: ("آيه كيت وكيت") وهو مئل إلا أنه لا يقال للمؤنث، قاله الداودي، وهي كلمة يعبر بها عن الجمل الكثيرة. قال: كيت نقلت كناية عن الأفعال، وذيت وذيت إخبار عن الأسماء، وزعم أبو السعادات أن أصلها كيّة بالتشديد، والياء فيها بدل من إحدى التائين، والهاء التي في الأصل محذوفة، وقد تضم التاء وتكسر.

(1)

"العين" 7/ 165 بتصرف.

ص: 137

وقوله: ("بل هو نُسِّي") يعني أنه عوقب بالنسيان على ذنب كان منه أو على سوء تعهده له، والقيام بحقه، وقيل: إنه خاص بزمانه عليه السلام والقرآن ينسخ ويرفع فيذهب رسمه وتلاوته ويشتد حفظه عن حملته فيقول القائل منهم: نسيت آية كيت وكيت، فنهاهم عن هذا القول؛ لئلا يتوهموا على محكم القرآن الضياع، فأعلمهم أن الذي يكون من ذلك إنما هو بإذن الله؛ ولما فيه من الحكمة والمصلحة في نسخه ومحوه من قلبه، وأما قول المرء: نسيت كذا. فجائز؛ قال فتى موسى عليه السلام: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} [الكهف: 63].

وقال القرطبي: اختلف العلماء في متعلق هذا (الذنب)

(1)

فقال بعضهم: هو على نسبة الإنسان لنفسه النسيان إذ لا صنع له فيه، فالذي ينبغي له أن يقول أُنسيت مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وهذا ليس بشيء؛ لأنه عليه السلام قد نسب النسيان إلى نفسه؛ ففي البخاري -كما سيأتي- عن عائشة رضي الله عنها سمع صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ فقال:"يرحمه الله لقد أذكرني بكذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا"

(2)

وفي لفظ: "أنسيتها"

(3)

. وفي آخر: زاد عباد بن عبد الله عن عائشة رضي الله عنها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عباد بن بشر يصلي في المسجد. الحديث

(4)

.

وقد نسبه الله تعالى له في قوله {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} [الأعلى: 6 - 7] أن ينسيكه كما قرأت الجماعة {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ

(1)

كذا بالأصل، وفي "المفهم" 2/ 418:(الذم).

(2)

سيأتي برقم (5037).

(3)

يأتي برقم (5038).

(4)

سلف برقم (2655).

ص: 138

نُنْسِهَا} [البقرة: 106] بضم النون وترك الهمزة أي: ننسكها

(1)

، (فلا)

(2)

كان هذا كأنه نهى عن ذلك القول؛ لئلا يتوهم في كثير من محكم القرآن أنه قد ضاع لكثرة الناس، وفيه بُعْدٌ. فمن أضاف النسيان إلى الله فإنه خالقه وخالق الأفعال كلها ومن نسبه إلى نفسه فلأنه فِعْلُه يضاف من جهة الاكتساب والتصرف، ومن نسب ذلك إلى الشيطان كما قال يوشع {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63] فلما جعل الله له من الوسوسة فلكل إضافة منها وجه صحيح. وقيل: إنما يكون نسيان القرآن لترك تعهده والغفلة عنه كما أن حفظه إنما يكون بتكراره والصلاة به، كما في حديث ابن عمر:"لو أقام صاحب القرآن يقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه"

(3)

.

فماذا قال الإنسان: نسيت آيه كيت وكيت، فقد شهد على نفسه بالتفريط، وترك معاهدته، وهو ذنب عظيم كما في حديث أنس من عند الترمذي مرفوعًا:"عُرضت عليّ أعمال أمتي فلم أرَ ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آيه أوتيها رجل ثم نسيها"

(4)

، وهو نص، وعلى

(1)

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 2/ 186، "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 257.

(2)

كذا بالأصل، وفي "المفهم" 2/ 418:(فلما) وهو أصوب.

(3)

رواه مسلم (789/ 227).

(4)

"سنن الترمذي"(2916).

ورواه أيضًا أبو داود (461) كلاهما من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك، مرفوعًا.

قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به محمد بن إسماعيل -يعني: البخاري- فلم يعرفه واستغربه، قال محمد: ولا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول؛ لا نعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس. =

ص: 139

هذا فتعلق الذم ترك ما أمر به من استذكار القرآن وتعاهده، والنسيان ترك ذلك فتعلق الذم عليه، ولا يقال: حفظ جميع القرآن ليس واجبًا على الأعيان، فكيف يذم من تغافل عن حفظه؛ لأنا نقول من جمعه فقد علت رتبته وشرف في نفسه، وكيف لا، ومن حفظه فقد أدرجت النبوة بين جنبيه كما سلف، وصار ممن يقال فيه هو من أهل الله وخاصته فإذا كان كذلك فمن المناسب تغليظ العقوبة على من أخل بمرتبته الدينية ومؤاخذته ما لا يؤاخذ به غيره، وترك معاهدة القرآن تؤدي إلى الرجوع إلى الجهالة. ويدل على صحة ذلك قوله في آخر الحديث:"بل نُسِّي" وهذِه اللفظة رويناها مشددة مبنية لما لم يسم فاعله

(1)

.

قال القرطبي: وقد سمعتها من بعض من لقيته بالتخفيف وبه ضُبط عن أبي بحر والتشديد لغيره، ولكل وجه صحيح، بالتشديد معناه أنه عوقب بتكثير النسيان عليه لما تمادى في التفريط، والتخفيف معناه تركه غير ملتفت إليه ولا معتن به، كما قال تعالى:{نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة

(2)

.

= والحديث أعله الدارقطني في "العلل المتناهية"(158). وقال الحافظ في "الفتح" 9/ 86: في إسناده ضعف، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(71).

(1)

انتهى من "المفهم" 2/ 418 - 419 بتصرف.

(2)

"المفهم" 2/ 419.

ص: 140

‌24 - باب القِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ

.

5034 -

حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِيَاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهْوَ يَقْرَأُ عَلَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ الْفَتْحِ. [انظر: 4281 - مسلم: 794 - فتح: 9/ 83]

ذكر فيه حديث أبي إِيَاسٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغَفَّل رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهْوَ يَقْرَأُ عَلَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ الفَتْحِ.

سلف في تفسير سورة الفتح

(1)

.

وأبو إياس هو معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب بن عبيد بن سواءة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليم بن أوس، أخي عثمان أبو عمرو بن أد بن طابخة أخي مدركة ابني إياس. وأم أوس وعثمان: مزينة بنت كلب بن وبرة، وفي بني عثمان معقل بن يسار.

وأراد البخاري بهذا الباب -والله أعلم- ليدل أن القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل هذِه السنة في كتاب الله، وهو قوله:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا} الآية [الزخرف: 13].

(1)

سلف برقم (4835).

ص: 141

‌25 - باب تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ القُرْآنَ

5035 -

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ. [5036 - فتح: 9/ 83]

5036 -

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا الْمُحْكَمُ؟ قَالَ: الْمُفَصَّلُ. [انظر: 5035 - فتح: 9/ 83]

ذكر حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الذِي تَدْعُونَهُ المُفَصَّلَ هُوَ المُحْكَمُ، قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا ابن عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأتُ المُحْكَمَ.

وحديث أبي بشر -وهو جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري الواسطي- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: جَمَعْتُ المُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا المُحْكَمُ؟ قَالَ: المُفَصَّلُ.

الشرح:

فيه كما ترجم له تعليم الصبيان القرآن، وروي أن تعليم القرآن للصبيان يطفئ غضب الرب، ذكره ابن زيد. والمفصل من سورة الحجرات على أصح الأقوال العشرة فيه؛ سمي مفصلًا لكثرة الفصل بين سوره، وقيل: لقلة المنسوخ فيه. وسمي المحكم أيضًا؛ لأن أكثره لا نسخ فيه، قاله ابن التين، وقال قبله: المحكم: المفصل. وقد اختلف في سن عبد الله بن عباس، ففي الصحيح أنه كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام كما سلف في الصلاة

(1)

، وفي رواية

(1)

راجع ما سلف برقم (493).

ص: 142

أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عنه: قبض عليه السلام وأنا صبي. وفي لفظ: وأنا ابن خمس عشرة سنة، وعن أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه: أنه ابن عشر

(1)

، كما سلف.

قال الداودي: وهو وَهَمٌ. وقد قال: توفي وأنا ابن أربع عشرة. وذكر الزبير والواقدي أن ابن عباس ولد في الشعب. وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن حبان: ابن أربع عشرة

(2)

، وقال عمرو بن علي: الصحيح عندنا أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد استوفى ودخل في أربع عشرة.

(1)

هي رواية الباب.

(2)

"ثقات ابن حبان" 3/ 207.

ص: 143

‌26 - باب نِسْيَانِ القُرْآنِ، وَهَل يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَوْلِ اللهِ: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} [الأعلى: 6 - 7]

5037

- حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا» . 6/ 239

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا. تَابَعَهُ عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ. [انظر: 2655 - مسلم: 788 - فتح: 9/ 84]

5038 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا» . [انظر: 2655 - مسلم: 788 - فتح: 9/ 84]

5039 -

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ". [انظر: 5032 - مسلم: 790 - فتح: 9/ 85]

ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: "يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا". وفي أخرى: وَقَالَ: "مِنْ سُورَةِ كَذَا". تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ.

وفي رواية: سَمِعَ النبي صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ فَقَالَ: "يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا".

ص: 144

ثم ساق حديث سفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ".

الشرح:

حديث عائشة سلف في الشهادات

(1)

.

وقوله: (تابعه علي بن مسهر وعبدة، عن هشام) يريد: تابعا عيسى بن يونس، ويريد بمتابعة علي ما رواه في "صحيحه" من حديث بشر بن آدم، عن علي بن مسهر، عن هشام

(2)

. ومتابعة عبدة أخرجها مسلم عن ابن نمير عن عبدة وأبي معاوية؛ كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عنها

(3)

، وقد سلف الكلام على ذلك قريبًا، وقد نطق القرآن بإضافة النسيان إلى العبد أيضًا في قوله تعالى:{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)} وشهد ذلك بصدق حديث عائشة السالف أنه عليه السلام قال: "يرحمه الله كنت أنسيتها" إلى آخره

(4)

، فأضاف الإسقاط إلى نفسه، والإسقاط هو النسيان بعينه، وحديث عبد الله بخلاف هذا، فاستحب عليه السلام أن يضيف النسيان إلى خالقه، وقد جاء في القرآن عن فتى موسى عليه السلام أنه أضاف النسيان مرة إلى نفسه، وأخرى إلى الشيطان كما سلف.

وفي الحديث "وإني لأنسى أو أُنَسّى لأسن"

(5)

يعني إني لأنسى أنا

(1)

برقم (2655).

(2)

سيأتي قريبًا برقم (5042) باب: من لم ير بأسًا أن يقول.

(3)

مسلم (788/ 225).

(4)

سبق تخريجه قريبًا.

(5)

رواه مالك في "الموطأ" 1/ 100 بلاغًا. رواية يحيى. قال ابن عبد البر: هذا الحديث بهذا اللفظ، لا أعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه مسندًا =

ص: 145

أو ينسيني ربي، فنسب النسيان مرة إلى نفسه ومرة إلى هذا على قول من لم يجعل قوله:"أو أنسى" شكًّا من المحدث في أي الكلمتين قال، وهو قول عيسى بن دينار، وليس في شيء من ذلك اختلاف، وهذا تضاد في المعنى؛ لأن لكل إضافة منها معنى صحيحًا في كلام العرب. ومن أضاف النسيان إلى الله فلأنه خالقه وخالق الأفعال كلها، ومن نسبه إلى نفسه فلأنه فعله، كما سلف.

وإنما أراد -والله أعلم- بقوله عليه السلام: "ما لأحدهم .. " إلى آخره أن يجري ألسن العباد، ونسبة الأفعال إلى بارئها وخالقها وهو الله تعالى؛ ففي ذلك إقرار له بالعبودية، واستسلام لقدرته تعالى، وهو أولى من نسبته الأفعال إلى مكتسبها، فذلك بالكتاب والسنة.

وفي "مسند أحمد" من حديث عبد الرحمن بن أبزى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الفجر فترك آية، فلما صلى قال:"أفي القوم أبي بن كعب؟ " قال: بلى يا رسول الله نسخت آية كذا وكذا أو نسيتها؟ قال: "نسيتها"

(1)

.

= ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه -والله أعلم- وهو أحد الأحاديث الأربعة في "الموطأ" التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة -والله أعلم- ومعناه صحيح في الأصول. اهـ. "التمهيد" 24/ 375.

وقال شيخ الإسلام ابن القيم في "الزاد" 1/ 286: حديث منقطع.

(1)

"مسند أحمد". 3/ 407.

وصححه ابن خزيمة 3/ 73 (1647). وقال الهيثمي في "المجمع" 2/ 69: رجاله رجال الصحيح.

وصححه أيضًا الألباني في "الصحيحة"(2579) ولم يعزه إلا للحربي في "غريب الحديث"، والحديث رواه أحمد وغيره!

ص: 146

قال ابن التين: وفيه أنه عليه السلام كان ينسى القرآن ثم يتذكره. قال الداودي: وفيه حجة لقول من يرى أن من قال لم يسلفني فلان أو لم يودعني. فقامت عليه بينة، ثم قال: كنت نسيت وادعى ببينة تشهد بالقضاء أو الرد أو طلب يمين الطالب أن ذلك يكون له، وهذا غير بيِّن.

فصل:

قوله: ("كذا وكذا") يحتمل من إحدى وعشرين آية إلى ما بعدها على قول ابن عبد الحكم فيمن قال له: عندي كذا وكذا درهمًا؛ أنه يقضي عليه بأحد وعشرين درهمًا؛ لأن ذلك متيقن؛ لأنه أقل ما في بابه، وما زاد على ذلك فهو مشكوك فيه، وكذلك إذا قال له: عندي كذا وكذا درهمًا؛ يقضي عليه بأحد عشر درهمًا، وإذا قال: كذا درهمًا؛ يقضي عليه بعشرين

(1)

.

وقال سحنون: تسأل العرب عن ذلك فإن كان الأمر على ما قالوه كان كذلك

(2)

. وقال الداودي: يغرم إذا قال: كذا وكذا درهمين؛ لأن هذا أقل ما يقع عليه من مقصد العامة. قال: وهذِه مقالة الشافعي أنه يغرم في قوله: كذا وكذا درهمًا، درهمين، ولو رفع أو جر فدرهم، وفي قوله: كذا درهمًا درهم واحد

(3)

.

(1)

انظر: "التاج والإكليل" 7/ 235.

(2)

انظر: "النوادر والزيادات" 9/ 119.

(3)

انظر: مقالة الشافعي "أسنى المطالب" 2/ 302 - 303.

ص: 147

‌27 - باب مَنْ لَمْ يَرَ بَأسًا أَن يَقُولَ: سُورَةُ البَقَرَةِ، وَسُورَهُ كَذَا وَكَذَا

5040 -

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» . [انظر: 4008 - مسلم: 807، 808 - فتح: 9/ 87]

5041 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَقُودُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ. فَقَالَ:«يَا هِشَامُ اقْرَأْهَا» . فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«هَكَذَا أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» . [انظر: 2419 - مسلم: 818 - فتح: 9/ 87]

5042 -

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَارِئًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا» . [انظر: 2655 - مسلم: 788 - فتح: 9/ 87]

ذكر فيه حديث أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ: "الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ".

ص: 148

وقد سلف قريبًا

(1)

.

وحديث عمر عن هشام في قراءة سورة الفرقان السالف في باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف

(2)

.

وحديث عائشة السالف قريبًا: "من سورة كذا وكذا"

(3)

.

وفيها: رد على من يقول: لا يجوز أن يقول: سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، وزعم أن الصواب في ذلك أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، ويذكر فيها آل عمران، وهو قول يُرْوى عن بعض السلف. وقالوا: إذا قال: سورة البقرة، وسورة آل عمران فقد أضاف السورة إلى البقرة، والبقرة لا سورة لها، وقد سلف هذا المعنى في الحج في باب: يكبر مع كل حصاة

(4)

.

وقول عمر لهشام: كذبت. يريد على ظنه وما ظهر له.

(1)

برقم (5008 - 5009).

(2)

برقم (4992).

(3)

برقم (5038).

(4)

راجع شرح الحديث السالف برقم (1750).

ص: 149

‌28 - باب التَّرتِيلِ فِي القِرَاءَةِ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4] وَقَوْلِهِ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء: 106] وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ. {يُفْرَقُ} [الدخان: 4]: يُفَصَّلُ. قَالَ ابن عَبَّاس رضي الله عنهما: {فَرَقْنَاهُ} : فَصَّلْنَاهُ.

5043 -

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ. فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ، وَإِنِّي لأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم. [انظر: 775 - مسلم: 822 - فتح: 9/ 88]

5044 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)} [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ الَّتِي فِي:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)} [القيامة: 1]{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)} [القيامة: 16 - 18]: فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ. قَالَ: وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللهُ. [انظر: 5 - مسلم: 448 - فتح: 9/ 88]

الشرح:

معنى الآية الأولى: بَيِّنْهُ حَرْفًا حَرْفًا -كما قال ابن عباس

(1)

- وعن مجاهد: يرتل ترتيلًا.

(1)

رواه الطبري 12/ 281 (35188) عن ابن عباس: بينه بيانًا.

ص: 150

حكاه أبو عبيد

(1)

، وعنه: بعضه في إثر بعض

(2)

. أي: اقرأه على ترتيل وهو بمعناه.

وأثر ابن عباس أخرجه ابن المنذر عن علي بن المبارك، ثنا زيد، ثنا ابن ثور، عن ابن جريج، عنه.

والصحيح -كما قال ابن المنير- في معنى الآية: نزلناه نجومًا جملة واحدة بخلاف الكتب المتقدمة، يدل عليه قوله {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}

(3)

. وقال أبو حمزة: قلت لابن عباس إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث. فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها خير من أن أقرأ كما تقول

(4)

، وقال مرة: خير من أن أجمع القرآن

(5)

.

وأكثر العلماء يستحبون الترتيل في القراءة ليتدبره القارئ، ويتفهم معانيه. روى علقمة عن ابن مسعود قال: لا تنثروه نثرًا كالدقل، ولا تهذوه هذَّ الشعر، قِفُوا عندَ عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.

وذكر أبو عبيد أن رجلًا سأل مجاهدًا عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قيامهما واحد، وركوعهما واحد، وسجودهما واحد، أيما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، وقرأ {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} الآية [الإسر اء: 106]

(6)

.

(1)

"فضائل القرآن" ص 156، وفيه قال: ترسل فيه ترسلاً. أي بالسين. وكذا رواه الطبراي 12/ 80 (35184).

(2)

رواه الطبري (35182 - 35183 - 35185، 35189).

(3)

"المتواري" ص 396.

(4)

رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 157.

(5)

السابق ص 157 - 158.

(6)

"فضائل القرآن" ص 158.

ص: 151

وقال الشعبي: إذا قرأتم القرآن، فاقرءوه قراءة تسمعه آذانكم وتفهمه قلوبكم، فإن الأذنين عدل بين اللسان والقلب، فإذا مررتم بذكر الله فاذكروا الله، وإذا مررتم بذكر النار فاستعيذوا بالله منها، وإذا مررتم بذكر الجنة فاسألوا الله.

وفيها قول آخر: روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك في الهذ في القراءة قال: من الناس من إذا هذَّ أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذَّ، والناس في هذا على قدر حالاتهم، وما يخف عليهم وكل واسع

(1)

.

وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يختمون القرآن في ركعة، وهذا لا يتمكن إلا بالهذَّ.

والحجة لهذا القول حديث أبي هريرة رضي الله عنه السالف في مناقب الأنبياء: "خفف على داود القرآن فكان، يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه"

(2)

. وهذا لا يتم له عليه السلام إلا بالهذ وسرعة القراءة. والمراد بالقرآن هنا الزبور، وداود فيمن أنزل الله فيه:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

وإنما ذكر عليه السلام هذا الفعل من داود على وجه الفضيلة والإعجاب بفعله، ولو ذكره على غير ذلك نسخه وأمر بمخالفته، فدل على إباحته، وسيأتي في باب: في كم يقرأ القرآن، من كان يقرأ القرآن في ركعة قريبًا

(3)

.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 1/ 532، "المنتقى" 1/ 348.

(2)

سلف برقم (3417).

(3)

انظر: شرح الأحاديث الآتية برقم (5051 - 5054).

ص: 152

فصل:

ساق البخاري في الباب حديث واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله رضي الله عنه، وقد سلف قريبًا في باب: تأليف القرآن

(1)

، وفي الصلاة أيضًا

(2)

، وقال هنا: ثمان عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم.

قال الداودي: وقول أبي وائل: (فغدونا على عبد الله) إلى قوله: (من آل حم) ما أراه إلا من كلام أبي وائل؛ لأن المفصل عند ابن مسعود من الجاثية.

وقوله: (هذا كهذِّ الشعر) يريد أنه أسرع ولم يرتل، وواصل هذا هو مولى عيينة كما ذكره خلف في "أطرافه"، وعند الإسماعيلي

(3)

: واصل: الأحدب بن حبان.

وساق أيضًا حديث سعيد بن جبير في قوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} [القيامة: 16] وقد سلف في باب بدء الوحي

(4)

.

(1)

برقم (4996).

(2)

برقم (775).

(3)

ورد في هامش الأصل: الصواب ما قاله الإسماعيلي، وقد جزم به المزي في "أطرافه"، ومولى أبي عيينة ليس في البخاري شيء، بل ليس له عن أبي وائل، عن ابن مسعود في الكتب الستة شيء، والله تعالى أعلم.

(4)

سلف برقم (5).

ص: 153

‌29 - باب مَدِّ القِرَاءَةِ

5045 -

حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا. [5046 - فتح: 9/ 90]

5046 -

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟. فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا. ثُمَّ قَرَأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} [الفاتحة: 1] يَمُدُّ بِبِسْمِ اللهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. [انظر: 5045 - فتح: 9/ 91]

ذكر فيه حديث قتادة: سأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا.

وعنه سُئِلَ أَنَسٌ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَتَهُ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا. ثُمَّ قَرَأَ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} [الفاتحة: 1] يَمُدُّ بِبِسْمِ اللهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ.

الشرح:

سبب فعل ذلك -والله أعلم- أمره تعالى له بالترتيل، وأن يقرأه على مكث، وأن لا يحرك به لسانه ليعجل به، فامتثل أمر ربه، فكان يقرؤه على مهل؛ ليسن لأمته كيف يقرءون وكيف عليهم تدبر القرآن وفهمه. وروى أبو عبيد، عن الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مالك، عن أم سلمة أنها تصف قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة مفسرة حرفًا حرفًا

(1)

، وقالت أم سلمة أيضًا: كان عليه السلام يقطع قراءته. وعن إبراهيم قال: قرأ

(1)

"فضائل القرآن" ص 156.

والحديث رواه أيضًا أبو داود (1466)، والترمذي (2923)، والنسائي 2/ 181، 3/ 214. وانظر:"ضعيف أبي داود"(260).

ص: 154

علقمة على عبد الله فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل قرآنه، تمم من القرآن، وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن

(1)

.

فصل:

مد {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليس كمد غيرها" لأنه ليس في البسملة همز يوجب المد في حروف المد واللين.

قد أسلفنا اختلاف الناس في القراءة، فالماهر يستطيع الإسراع والترتيل، ومنهم من يرتل فإذا أسرع توقف، ومنهم من يسرع فإذا رتل وقف، ومنهم من يشتد عليه في الوجهين، وكان من أهذِّ الناس محمد بن كعب، وأبو عثمان النهدي، وكان الإمام الشافعي يقرأ في كل يوم ختمة، فإذا كان في رمضان زاد أخرى سوى ما يقرأ به في الصلاة. وذُكر عن ابن القاسم أنه كان يختم في آخر عمره في رمضان مائتي ختمة إذا صلى المغرب صلى حتى يطلع الفجر، ثم ينام حتى ترتفع الشمس، ثم يصلي العصر، ثم ينام حتى تغرب الشمس يرابط بالإسكندرية أربعة أشهر، ويحج في ثلاثة أشهر، ويجلس للناس خمسة أشهر، وكان ابن وهب يرابط شهرين، ويحج ثلاثة، ويجلس للناس سبعة، وكان عثمان يختم في ركعة، ويقرأ في الثانية:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)} يفعل ذلك في خلافته عند المقام وهو شيخ كبير.

(1)

"فضائل القرآن" ص 156 - 157.

ص: 155

‌30 - باب: التَّرْجِيعِ

5047 -

حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ وَهْوَ عَلَى نَاقَتِهِ -أَوْ جَمَلِهِ - وَهْيَ تَسِيرُ بِهِ وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ -أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ- قِرَاءَةً لَيِّنَةً، يَقْرَأُ وَهْوَ يُرَجِّعُ. [انظر: 4281 - مسلم: 794 - فتح: 9/ 92]

ذكر فيه حديث أبي إياس معاوية بن قرة بن إياس المزني قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ وَهْوَ على نَاقَتِهِ -أَوْ جَمَلِهِ- وَهْيَ تَسِيرُ بهِ وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ -أَوْ مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ- قِرَاءَةً لَيِّنَةً، يَقْرَأُ وَهْوَ يُرَجِّعُ.

هذا الحديث سلف قريبًا

(1)

، وسلف في سورة الفتح أيضًا

(2)

، وآخر الاعتصام

(3)

(4)

بزيادة: ثم قرأ معاوية قراءة لينة ورجع، وقال: لولا أن يُخشى أن يجتمع عليكم الناس لرجعت كما رجع ابن مغفل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: (آ. آ. آ). ثلاث مرات

(5)

.

وفيه من الفقه: إجازة قراءة القرآن بالترجيع والألحان؛ لقوله في وصف قراءته ما ذكرناه ثلاثًا، وهدا غاية الترجيع، وقد أسلفنا اختلافهم في ذلك في باب من لم يتغن بالقرآن فراجعه.

(1)

برقم (4281).

(2)

برقم (5034).

(3)

ورد في هامش الأصل: أي: ويأتي. وقوله: (آخر الاعتصام) إنما يأتي في آخر كتاب التوحيد، فاعلمه.

(4)

سلف برقم (4281)، (5034) وسيأتي برقم (7540).

(5)

يأتي برقم (7540) كتاب: التوحيد، باب: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وروايته عن ربه.

ص: 156

‌31 - باب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَآن

5048 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ:«يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» . [مسلم: 793 (م) - فتح: 9/ 92]

ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، أنه عليه السلام -قَالَ لَهُ:

"يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ".

قد أسلفت الكلام عليه في باب من لم يتغن بالقرآن، وقد أسلفنا هناك أن المراد بآل داود نفسه؛ لأنه لم يذكر أن أحدًا من آل داود أعطي من حسن الصوت ما أعطي داود، والآل عند العرب الشخص، ونقل الخطابي عن أبي عبيدة فيمن أوصى لآل فلان أن يدخل معهم. واحتج بقوله تعالى:{أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] وهو أولهم دخولًا، وقول الشاعر:

ولا تبك ميتًا بعد ميت أحبةٍ

علي وعباس وآل أبي بكر

يريد: أبا بكر، ويحتمل أن يريد أهله أيضًا، وآل الرجل أهله إذا كان من أوساط الناس، وأما الرئيس فآله أشياعه وأتباعه، وقيل: أهل بيته الأدنون، وقال الأعمش: قلت لزيد بن أرقم: من آل محمد؟ قال: آل علي، وآل جعفر، وآل عباس، وآل عقيل

(1)

.

وآله عند الشافعي من حرمت عليه الصدقة: بنو هاشم وبنو المطلب، وقال ابن عون: كان الحسن إذا صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اجعل صلواتك على آل أحمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد

(1)

"أعلام الحديث" 3/ 1951 - 1953.

ص: 157

مجيد. يريد بآل أحمد نفسه؛ لأن أمر الله بالصلاة إنما يتوجه إليه بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه} الآية [الأحزاب: 56]، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى:{وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49] قال: هم أهل دينه

(1)

، ولا يجوز ذلك

(2)

في الرئيس الذي الباقون له تبع، وكذلك آل محمد إنما هم أمته وأهل دينه. قال: فإذا جاوزت هذا فآل الرجل أهل بيته خاصة، قال: وقوله هذا خطأ عند الفقهاء، ولم يقل به أحد منهم.

فائدة:

هذا الحديث رواه عن محمد بن خلف أبي بكر، ثنا [أبو]

(3)

يحيى الحماني، ثنا برُيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه، وبريد بالباء الموحدة، وأبو يحيى هو عبد الحميد ابن عبد الرحمن، ولقب عبد الرحمن بشمين الحماني مولاهم الكوفي، وحمان من تميم وهو والد يحيى الحماني وأصله خوارزمي، مات عبد الحميد سنة اثنتين ومائتين

(4)

، وشيخ البخاري بغدادي مقرئ يعرف بالحدادي، وقيل: بالحداد، مات في ربيع الأول سنة إحدى وستين ومائتين. قاله ابن عساكر، وقيل: سنة ست وثلاثين في شعبان انفرد بهما البخاري -أعني: شيخه والحماني- وليس له في كتابه سوى هذا الحديث الواحد كما نبه عليه ابن طاهر

(5)

.

(1)

"مجاز القرآن" 1/ 40.

(2)

في هامش الأصل: لعله سقط: (إلا). قلت: وهي مثبتة في "شرح ابن بطال" 10/ 277.

(3)

ساقطة من الأصل.

(4)

انظر: "تهذيب الكمال" 16/ 452.

(5)

"الجمع بين رجال الصحيحين" لابن طاهر 2/ 458.

ص: 158

‌32 - باب مَنْ أَحَبَّ أَن يَسْمَعَ القُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ

5049 -

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ» . قُلْتُ: اقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» . [انظر: 4582 - مسلم: 800 - فتح: 9/ 93]

ذكر فيه حديث إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأْ عليَّ القُرْآنَ". قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسمَعَهُ مِنْ غَيْرِي".

ص: 159

‌33 - باب قَوْلِ المُقْرِئِ للْقَارِئِ حَسْبُكَ

.

5050 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ:«نَعَمْ» . فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)} [النساء: 41] قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» . فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [انظر: 4582 - مسلم: 800 - فتح: 9/ 94]

ساق فيه الحديث المذكور بزيادة: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حتَّى إِذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِه الآيَةِ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)} [النساء: 41] قَالَ: "حَسْبُكَ الآنَ". فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.

وقد سلف في تفسير سورة النساء:

(1)

، ويأتي قريبًا

(2)

، ومعنى استماعه القرآن من غيره؛ ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل لأجل التدبر والتفهم، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من نفس القارئ؛ لأنه في شغل بالقراءة وأحكامها، وأما قراءته عليه السلام على أبي كما سلف ليمتاز بذلك وليأخذه أبي من فيه فلا يخالجه شك في اختلاف القراءة من الشارع بعده، وذلك إنما خاف عليه الفتنة في هذا الباب؛ لأنه لا يجوز أن يكون أحد أقرأ للقرآن من الشارع، ولا أدعى له وأعلم منه؛ لأنه نزل به الروح الأمين عليه، قاله الخطابي.

(1)

برقم (4582).

(2)

برقمي (5055 - 5056).

ص: 160

وقال أبو بكر بن الطيب نحوه؛ قال: قرأ الشارع على أبي وهو أعلم منه وأحفظ ليأخذ على نمط قراءته وسنته ويحتذي حذوه، وقد روي هذا التأويل عن أبي وابنه

(1)

.

وفي قوله: (حسبك) جواز قطع القراءة على القارئ إذا حدث على المقرئ عذر أو شغل؛ لأن القراءة على نشاط المقرئ أحرى لتدبر معاني القرآن وتفهم عجائبه، ويحتمل أن يكون أمره بقطع القراءة تنبيهًا له على الموعظة والاعتبار في قوله:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} الآية. ألا ترى أنه عليه السلام بكى عندها، وبكاؤه إشارة منه إلى معنى الموعظة؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به، وسؤال الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن.

(1)

في هامش الأصل: كذا في أصله غير أنه ضبطه (وأبيه)، وقد علم عليه شيخنا المؤلف بخطه حال المقابلة، والذي ظهر لي أنه وابنه يريد به الفضل بن أبي بن كعب، وهو تابعي على الصحيح، وقيل: صحابي، ولد في عهده عليه السلام، له في الترمذي وابن ماجه.

ص: 161

‌34 - باب فِي كَمْ يُقْرَأُ القُرْآنُ؟

وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20].

5051

- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ لِي ابْنُ شُبْرُمَةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِى الرَّجُلَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ.

قَالَ سُفْيَانُ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ عَلْقَمَةُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: وَلَقِيتُهُ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَذَكَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". [انظر: 4008 - مسلم: 807، 808 - فتح: 9/ 94]

5052 -

حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَنْكَحَنِى أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُذْ أَتَيْنَاهُ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«الْقَنِي بِهِ» . فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ:«كَيْفَ تَصُومُ؟» . قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟» . قَالَ: كُلَّ لَيْلَةً. قَالَ: «صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ» . قَالَ: قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ» . قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا» . قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمِ دَاوُدَ، صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً» . فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ، وَالَّذِى يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعٍ. 6/ 243 [انظر: 1131 - مسلم: 1159 - فتح 9/ 94].

ص: 162

5053 -

حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«فِي كَمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» . [انظر: 1131 - مسلم: 1159 - فتح 9/ 95].

5054 -

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ -قَالَ: وَأَحْسِبُنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ» . قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، حَتَّى قَالَ:«فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» . [انظر: 1131 - مسلم: 1159 - فتح 9/ 95].

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابن شُبْرُمَةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنَ القُرْآنِ، فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ.

قَال سُفْيَانُ: ثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ عَلْقَمَةُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -هو الأنصاري عقبة بن عمر-: وَلَقِيتُهُ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَذَكَرَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم؟ قال:"مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كفَتَاهُ". وقد سلف تأويله.

ثم ساق عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبِ، وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُول: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ، فَقَالَ:"الْقَنِي بِه". فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ:"كَيْفَ تَصُومُ؟ ". قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: "وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟ ". قَالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ. قَالَ: "صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاث، وَاقْرَإِ القُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ". قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الجُمُعَةِ". قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا". قَالَ:

ص: 163

قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "صُمْ أَفْضَلَ الصَّومِ صَوْمَ دَاوُدَ، صِيَامَ يَوْمِ وَإِفْطَارَ يَوْمِ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً". فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ وَذَاكً أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ على بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ القُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَالَّذِي يَعْرِضُهُ يَقْرَؤُهُ مِنَ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فارق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ، وَأَكْثَرُهُمْ على سَبْعٍ.

ثم ساق عن سَعْدِ بْنِ حَفْصٍ، ثنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "فِي كَمْ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ ".

وحدثني إسحاق، أنا عبد الله بن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن -مولى بني زهرة- عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأ القرآن في شهر" قلت: إنى أجد قوة. قال: "فأقرأه في سبع ولا تزد على ذلك".

الشرح:

قول أبي شبرمة: (نظرت .. ) إلى آخره لعله يريد في قيام الليل أو في الصلاة. ونقل ابن بطال عن أهل التفسير أنهم ذكروا في تأويل هذِه الآية ثلاث آيات فصاعدا، ويقال: إنه أقصر سورة في القرآن كما قال ابن شبرمة، وقد أسلفنا الخلاف في معنى:"كفتاه"

(1)

.

ونقل ابن التين عن قول الجماعة أنه يريد فيما ندب من صلاة الليل. وقال ابن بطال: هو نص أن قارئ الآيتين داخل في: {مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} .

(1)

"شرح ابن بطال" 10/ 280.

ص: 164

وأغرب الحسن ومحمد بن سيرين حيث قالا: صلاة الليل فرض علي كل مسلم، ولو قدر حلب شاة. يتأولان هذِه الآية.

والكنَّة: -بفتح الكاف- امرأة الابن.

وقولها: (ولم يفتش لنا كنفًا) أي لم يكشف لنا سترًا. عبرت بذلك عن امتناعه عن الجماع. وبخط الدمياطي: لم يدخل يده معها كما يدخل الرجل يده مع زوجته في دواخل أمورها. قال: وأكثر ما يروى بفتح الكاف والنون في الكنف، وهو الجانب. يعني أنه لم يقربها.

وقوله عليه السلام: ("صم أفضل الصوم") فيه دلالة على أن هذا أفضل من صيام الدهر، وإن أسقط منه ما لا يجوز صومه من الأيام.

وقوله: ("صم ثلاثة أيام" قلت: أطيق أكثر من ذلك؛ قال: "أفطر يومين وصم يومًا"). قال أبو عبد الملك والداودي: هذا وهم في الرواية. يريد أن ثلاثة أيام في الجمعة أكثر من صيام يوم بعد يومين. وهو إنما طلب من الشارع أن يزيده في العمل، وهذا تدريج إلى النقص من العمل. قال الداودي: إلا أن يريد ثلاثة أيام من قوله: "أفطر يومًا وصم يومًا" وهذا خروج عن الظاهر. قال: واختلفت الرواية: كيف كان لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: إنه عليه السلام أتاه، وقيل: لقيه.

وقوله: (فلما طال عليه، ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم) يحتمل أن يكون سكوته عن ذكر ذلك أول ما ذكرت له ذلك؛ لأنه رآها راضية بذلك، فلما كرر عليها السؤال تخوف أن تتعلق بولده ولها عليه حق فذكره.

وقول البخاري: (وقال بعضهم: في ثلاث، وفي خمس، وأكثرهم على سبع) يشبه أن يكون أراد بالثلاث والسبع ما رواه الإسماعيلي عن البغوي، ثنا جدي، ثنا هشيم عن حصين ومغيرة، عن مجاهد، عن ابن

ص: 165

عمرو والحسن ذكرها البزار

(1)

. وفي "مسند أحمد" أنه عليه السلام نقله من أربعين ليلة إلى سبع زاد ابن داود ولم ينزل عن سبع. وعنده أيضًا: "لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث"

(2)

. وأمره عليه السلام أن يقرأه في سبع ليالٍ؛ أخذ به جماعة من السلف. روي ذلك عن عثمان بن عفان، وابن مسعود وتميم الداري وعن إبراهيم النخعي مثله. وذكر أبو عبيد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن قراءة القرآن في سبع، فقال: حسن، ولأن أقرأه في عشرين أو في النصف أحب إلي من أن أقرأه في سبع، وسلني لم ذلك؟ أردده وأقف عليه

(3)

. وكان أبي بن كعب يختمه في ثمان، وكان الأسود يختمه في ست، وعلقمة في خمس

(4)

.

وروى الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث

(5)

.

وعن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث"

(6)

.

(1)

"البحر الزخار" 6/ 338 (2346).

(2)

"المسند" 2/ 165، 189، وسيأتي له مزيد تخريج قريبًا.

(3)

"فضائل القرآن" ص 158.

(4)

السابق ص 177 - 178.

(5)

"فضائل القرآن" ص 179. قال الحافظ ابن كثير في "فضائل القرآن" ص 254: حديث غريب جدًّا، وفيه ضعف؛ فإن الطيب بن سلمان هذا بصري، ضعفه الدارقطني، وليس هو بذاك المشهور.

(6)

"فضائل القرآن" ص 179. ورواه أيضًا أبو داود (1390، 1694)، والترمذي (2949)، وابن ماجه (1347)، وأحمد 2/ 164، 165، 189، 195. صححه ابن حبان 3/ 35 (758). وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المسند"(6535، 6546، 6775، 6841): إسناده صحيح، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(1257)، وفي "الصحيحة"(1513).

ص: 166

وروي عن معاذ بن جبل

(1)

.

وكانت طائفة تقرأ القرآن كله في ليلة أو ركعة، روي ذلك عن عثمان بن عفان وتميم الداري، وعن علقمة وسعيد بن جبير أنهما قرءا القرآن في ليلة بمكة، وكان ثابت البناني يختم القرآن كل يوم وليلة في شهر رمضان، وكان سليم يختم القرآن في ليلة ثلاث مرات. ذكر ذلك أبو عبيد، وقال: الذي أختار من ذلك ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الكراهة لذلك

(2)

.

قلت: وأكثر ما بلغنا قراءة ثمان ختمات في اليوم والليلة. قال السلمي: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: إن ابن المكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات.

فائدة:

سعد بن حفص شيخ البخاري هو أبو محمد الطلحي الكوفي، يقال له: الضخم، مولى آل طلحة، مات سنة خمس عشرة ومائتين، انفرد به عن الخمسة، وليس في شيوخ الستة من اسمه سعد سواه.

وقوله: (وأحسبني سمعت أنا من أبي سلمة) قائل ذلك هو يحيى بن أبي كثير.

(1)

رواه أبو عبيد في "الفضائل" ص 179، وصححه الحافظ ابن كثير في "الفضائل" ص 254.

(2)

"فضائل القرآن" ص 181 - 183.

ص: 167

‌35 - باب البُكَاءِ عِئدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ

5055 -

حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَالَ الأَعْمَشُ: وَبَعْضُ الْحَدِيثِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ» . قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» . قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)} [النساء: 41]. قَالَ لِي «كُفَّ" أَوْ "أَمْسِكْ". فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ. [انظر: 4582 - مسلم: 800 - فتح 9/ 98].

5056 -

حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ» . قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» . [انظر: 4582 - مسلم: 800 - فتح 9/ 98].

ذكر فيه حديث عبد الله رضي الله عنه: "اقْرَأْ عَلَيَّ". السالف. ورواه من حديث سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله.

قال الأعمش: وبعض الحديث حدثني عمرو بن مرة، عن إبراهيم. أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله.

سفيان هذا هو ابن سعيد بن مسروق الثوري.

وقوله: (وعن أبيه) أي: والد سفيان، وهو سعيد.

وأبو الضحى سلف غير مرة أنه مسلم بن صبيح، ولم يدرك أبو الضحى

ص: 168

ابن مسعود

(1)

، وقد روى عن مسروق، عن ابن مسعود.

ثم ساقه عن قيس

(2)

بن حفص، ثنا عبد الواحد، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة السلماني، عن ابن مسعود، فذكره، وقيس هذا هو ابن حفص بن القعقاع أبو محمد البصري الدارمي مولاهم، من أفراده عن الخمسة، وليس في شيوخ الستة من اسمه قيس غيره، فهو من الأفراد.

قال البخاري: مات سنة تسع وعشرين ومائتين أو نحوها

(3)

. وقال غيره: سنة سبع.

ولا شك في حسن البكاء عند قراءة القرآن، وقد فعله الشارع وكبار الصحابة، وإنما بكى الشارع -والله أعلم- عند هذِه الآية؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به، وسؤال الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن كما سلف، ذكره أبو عبيد، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

وعن الأعمش، عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن في زمن أبي بكر رضي الله عنه سمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر رضي الله عنه: هكذا كنا ثم قست القلوب.

(1)

وقع بهامش الأصل: هذا قاله الدمياطي في "حواشيه" على البخاري في هذا المكان، فاعلمه.

(2)

وقع بالأصل: بعدها: بن قيس، وقال بهامشها: حذف قيس الثاني هو الصواب.

(3)

"التاريخ الكبير" 7/ 156 (703)، وفيه: أنه مات سنة (سبع) وانظر "تهذيب الكمال" 24/ 23 (4899).

ص: 169

وقال الحسن: قرأ عمر: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8)} [الطور: 7 - 8] فربا ربوة عِيدَ

(1)

منها عشرين يومًا.

وقال عبيد بن عمير: صلى بنا عمر صلاة الفجر فقرأ سورة يوسف، حتى إذا بلغ:{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84] بكى حتى انقطع فركع.

وفي حديث آخر: لما قرأ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} [يوسف: 86] بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف.

وعن ابن المبارك، عن مسعر، عن عبد الأعلى التيمي قال: من أوتي من العلم ما لا يبكيه فليس بخليق أن يكون (علما ينفعه)

(2)

؛ لأن الله نعت العلماء فقال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107].

وقرأ عبد الرحمن بن أبي ليلى سورة مريم، فلما أتى إلى قوله:{خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] فسجد بها، فلما رفع رأسه قال: هذِه السجدة فأين البكاء

(3)

؟

فصل:

وكره السلف الصعق والغشي عند قراءة القرآن، ذكر أبو عبيد بإسناده عن أبي حازم قال: مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن أو سمع تذكر وخر من خشية الله. فقال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله وما نسقط.

(1)

ورد بهامش الأصل: من العيادة، أي: مرض فعاده الناس عشرين يومًا.

(2)

في الأصل: (علمًا لا ينفعه) والمثبت من "فضائل القرآن".

(3)

انظر الآثار السابقة في "فضائل القرآن" لأبي عبيد ص 135 - 140.

ص: 170

وعن عكرمة قال: سئلت أسماء: هل كان أحد من السلف يغشى عليه من القراءة؟

فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون. وقال هشام بن حسان: سُئلت عائشة رضي الله عنها عمن صعق عند قراءة القرآن، فقالت: القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال، ولكنه كما قال الله تعالى:{تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ} الآية [الزمر: 23].

وسئل ابن سيرين عن ذلك فقال: ميعاد بيننا وبينه أن يجلس بحائط ثم يقرأ عليه القرآن كله، فإن وقع فهو كما قال

(1)

.

(1)

انظر الآثار السابقة في "فضائل القرآن" لأبي عبيد ص 214 - 215.

ص: 171

‌36 - باب مَنْ راءى بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ أَوْ تَأَكَّلَ بِهِ أَوْ فَخَرَ بِهِ

هو بالخاء المعجمة، ويروى بالجيم.

5057 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . [انظر: 3611 - مسلم: 1066 - فتح 9/ 99].

5058 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينَ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ» . [انظر:3344 - مسلم: 1064 - فتح 9/ 99]

5059 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ -أَوْ خَبِيثٌ- وَرِيحُهَا مُرٌّ» . [انظر: 5020 - مسلم: 797 - فتح

9/ 100]

ص: 172

ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها: حديث سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قال عَلِيٌّ رضي الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ" .. الحديث.

ثانيها: حديث أَبِي سَعِيدٍ: "يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاَتكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ .. " الحديث. ويأتي في استتابة المرتدين

(1)

.

ثالثها؛ حديث أبي موسى: "الْمُؤْمِنُ الذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ .. " إلى آخره، سلف قريبًا.

ومعنى "لا يجاوز حناجرهم": لا يرتفع إلى الله، ولا يؤجرون عليه؛ لعدم خلوص النية بقراءة ذلك، ولذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم قراءة المنافق لما كانت رياء وسمعة بطعم الريحانة المرة الذي لا يلتذ به آكله، كما لا يلتذ المنافق والمرائي بأجر قراءته وثوابها.

وقال حذيفة: أقرأ الناس بالقرآن منافق يقرؤه لا يترك ألفًا ولا واوًا، ولا يجاوز ترقوته

(2)

.

وقال ابن مسعود: أعربوا القرآن فإنه عربي، فسيأتي قوم يثقفونه ليس بخياركم

(3)

. وروى أبو عبيد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: "تعلموا القرآن، واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله".

وذكر أيضًا عن زاذان قال: من قرأ القرآن ليستأكل به الناس جاء يوم

(1)

يأتي برقم (6931) كتاب: استتابة المرتدين، باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة" 2/ 257 (8736).

(3)

"المعجم الكبير" 9/ 139.

ص: 173

القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم وقال ابن مسعود: سيجيء على الناس زمان يسأل فيه بالقرآن، فإذا سألوكم فلا تعطوهم

(1)

.

وقوله: ("ينظر في النصل") هو حديدة السهم. و"القدح": عوده و"الفُوق" منه موضع الوتر وجمعه: أفواق ووفوق وفقا.

فائدة:

قوله: (عن سويد بن غفلة قال: قال علي) وذكره الداودي عن سويد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اختلف في صحبة سويد، والصحيح ما هنا أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا وهم، فالذي هنا أنه سمعه من علي رضي الله عنه.

قال الداودي: وفي قوله: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم" أنهم تعلقوا بشيء من الإيمان. وخالفه غيره؛ لأن الإيمان مكانه القلب، وإذا لم يصل إليه لم يكن له إيمان. والحنجرة: أسفل الحلقوم.

وقوله: ("فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة") اختلف في تأويله، فقال مالك: من قدر عليه منهم استتيب، فإن تاب وإلا قتل

(2)

.

وقال سحنون: من كان منهم يقرؤه ودعا إلى بدعته قوتل حتى يؤتى عليه أو يرجع إلى الله، ومن لم يتق منهم بداره ولم يدع إلى بدعته، صنع به ما صنع عمر بضبيع

(3)

(4)

يسجن ويكرر عليه الضرب حتى يموت.

(1)

"فضائل القرآن"(206 - 209).

(2)

"المدونة" 1/ 497، وقارن "المنتقى" 7/ 205.

(3)

في الأصل: (بصبيغ) والصواب ما أثبتناه.

(4)

"المنتقى" 7/ 206.

ص: 174

‌37 - باب اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ

5060 -

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ". [5061، 7364، 7365 - مسلم: 2267 - فتح 9/ 101]

5061 -

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلاَّمُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدَبٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اْخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ» . [انظر: 5060 - مسلم: 2667 - فتح 9/ 101]

تَابَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبَانُ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَوْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَجُنْدَبٌ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ.

5062 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ آيَةً، سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فَاقْرَآ" أَكْبَرُ عِلْمِي قَالَ: "فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ» . 6/ 246 [انظر: 2410 - فتح 9/ 101].

ذكر فيه حديث جرير، أخرجه من حديث حماد بن زيد وسلامة بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني -واسمه عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري- عن جندب بن عبد الله أنه عليه السلام قَالَ:"اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا اْئْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اختَلَفْتُمْ قُومُوا عَنْهُ".

تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران. ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان. وقال غندر عن شعبة، عن أبي عمران: سمعت جندبًا قوله.

وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله. وجندب أصح وأكثر.

ص: 175

وقال في كتاب الاعتصام: قال يزيد بن هارون، عن هارون الأعور. وهذا أخرجه النسائي عن عبد الله بن الهيثم، عن مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى النحوي.

وقول ابن عون أخرجه النسائي أيضًا عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الله بن عون به

(1)

.

وأخرجه الإسماعيلي عن عبد الكريم، ثنا بندار، ثنا معاذ، ثنا ابن عون به. قال الإسماعيلي: وعن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر مثله.

وقول غندر أخرجه الإسماعيلي عن ابن عبد الكريم، ثنا بندار، ثنا شعبة به.

وقوله: ("اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم") فيه الحض على الألفة والتحذير من الفرقة في الدين، فكأنه قال عليه السلام اقرءوا القرآن والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا اختلفتم فقوموا عنه، أي: فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة فقوموا عنه. أي: فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة، وارجعوا إلى التحكم الموجب للألفة، وقوموا عن الاختلاف وعن ما أدى إليه [وقاد إليه لا أنه]

(2)

أمرهم بترك قراءة القرآن باختلاف القراءات التي أباحها لهم؛ لأنه قال لابن مسعود الآتي، وللرجل الذي أنكر عليه مخالفته له في القراءة:"كلاكما محسن" فدل أنه لم ينهه عليه السلام عما جعله فيه محسنًا، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدي إلى الهلاك بالفرقة في الدين.

(1)

"السنن الكبرى" 5/ 33، 34.

(2)

في الأصل: (وعلى ذي الهيئة لأنه) وهو مشكل والمثبت من شرح ابن بطال.

ص: 176

وحديث النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"كِلَاكُمَا مُحْسِن فَاقْرَآ" أكثر عِلْمِي قَالَ: "فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اختَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ الله".

وقد سلف في أول الخصومات

(1)

.

قال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات، فأمروا بالقيام عند الاختلاف؛ لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه الآخر فيكون جاحدًا لما أنزل الله.

آخر فضائل القرآن ولله الحمد والمنَّة.

(1)

سلف برقم (2410).

ص: 177

67

كِتابُ النِّكَاحِ

ص: 179

‌67 - كِتابُ النِّكَاحِ

هو في اللغة الضم، وهو عندنا حقيقة في العقد مجاز في الوطء

(1)

، وعكس أبو حنيفة وقال به بعض أصحابنا

(2)

، وقيل: إنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وله عدة أسماء جمعها أبو القاسم اللغوي

(3)

فبلغت ألف اسم وأربعين اسمًا

(4)

.

(1)

انظر: "النجم الوهاج" 7/ 7 - 8.

(2)

انظر: "كشف الأسرار" 1/ 86، 2/ 45 - 46.

(3)

علي بن جعفر بن علي بن محمد، أبو القاسم السعدي الصقلي اللغوي، ولد بصقلية سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة، وأخذ عن أهل العلم واللغة والنحو فيها، وبرع في النحو وترك فيه تصانيف مشهورة، كذلك في اللغة والصرف والعروض والشعر. قدم مصر في حدود الخمس مائة، وبالغوا في إكرامه، وجلس للدرس فيها إلى أن مات في سنة أربع عشرة وخمس مائة.

انظر: "لسان الميزان" 4/ 209.

(4)

ذكر المصنف ذلك في "عجالة المحتاج" 3/ 1161.

ص: 181

‌1 - باب التَّرْغِيبُ فيِ النِّكَاحِ

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} الآية [النساء: 13].

5063 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّي» . [مسلم: 104 - فتح 9/ 104].

5064 -

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَعُولُوا (3)} [النساء: 3]. قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا، يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ. [انظر؛ 2494 - مسلم: 3018 - فتح 9/ 104].

ذكر فيه حديث أنس: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .. الحديث.

وفي آخره: "وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا.

ص: 182

وفيه: أن النكاح من سنن الإسلام. وفي الترمذي أنه من سنن المرسلين

(1)

، فلا رهبانية في شريعتنا، وأن من ترك النكاح رغبة عن السنة فهو مذموم مبتدع، ومن تركه من أجل أنه أرفق له وأعون على العبادة فلا ملامة عليه، كما قاله المهلب، إذ لم يرغب عن سنة نبيه وطريقته.

وفيه: الاقتداء بالأئمة في العبادة، والبحث عن أحوالهم وسيرهم في الليل والنهار، وأنه لا يجب أن يتعدى طرق الأئمة الذين وصفهم الله ليقتدى بهم في الدين والعبادة، وأنه من أراد الزيادة على سيرهم فهو (مقل)

(2)

، وفي الأخذ بالعبادة بالتوسط والقصد أولى حتى لا يعجز عن شيء منها ولا ينقطع دونها لقوله عليه السلام:"خير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل"

(3)

وعند داود وأتباعه أنه واجب في حق الخائف. أي: العقد دون الدخول مرة في العمر، فإن عجز عن الطول نكح أمة للحديث الآتي:"من استطاع منكم الباءة فليتزوج" وآخر الحديث يرد عليه، وأن المقصود به الوطء، فكيف يحصل المقصود بالعقد بالمرأة؟

ومن قدر على غض بصره وتحصين فرجه فلا يجب عليه.

وعند أكثر العلماء أنه لا يجب

(4)

، وفي رواية عن أحمد: يجب

(1)

الترمذي (1080). وقال: حديث أبي أيوب حديث حسن غريب.

(2)

كذا في الأصل، وفي "شرح ابن بطال": مفسد.

(3)

سيأتي برقم (6464) كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل من حديث عائشة بنحوه.

(4)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 466 - 468، "أحكام القرآن" لابن العربي 3/ 1377.

ص: 183

التزويج أو التسري عند خوف العنت

(1)

، وهو وجه لنا

(2)

، والآية خيرته بين النكاح والتسري في قوله:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:: 3] والتسري لا يجب بالاتفاق، ثم الآية قصدت لبيان أعداد النساء: فقط.

وقوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] هو أمر للأولياء بالإنكاح لا للأزواج به، والحكمة في النكاح الاختبار، والابتلاء، وكثرة النسل، والعفة وغير ذلك، وسيأتي أن خير هذِه الأمة أكثرها نساء

(3)

.

فصل:

وذكر البخاري أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا} [النساء:3] إلى آخره سلف في تفسير سورة النساء

(4)

.

وفيه من الفقه:

ما قاله مالك من صداق المثل والرد إليه فيما فسد صداقه ووقع الغبن في مقداره؛ لقولها: (من سنة صداقها)، فوجب أن يكون الصداق

(1)

نقل عنه بشر بن موسى أنه قال: إلى رأي من يذهب الذي لا يتزوج؟! وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم له تسع نسوة، وكانوا يجوعون. قال بشر: ورأيته لا يرخص في تركه. "طبقات الحنابلة" 1/ 328.

ونقل عنه الفضل بن زياد، وقد قيل له: ما تقول في التزويج في هذا الزمان؟ فقال: مثل هذا الزمان ينبغي للرجل أن يتزوج، ليت أن الرجل إذا تزوج ثنتين. وقال: ما يأمن أحدكم أن ينظر النظر فيحبط عمله. قلت له: كيف يصنع؟ من أين يطعمهم؟ فقال: أرزاقهم عليك! أرزاقهم على الله عز وجل. "بدائع الفوائد" 4/ 54.

(2)

انظر: "النجم الوهاج" 7/ 12.

(3)

سيأتي برقم (5069) كتاب النكاح باب كثرة النساء: موقوفًا على ابن عباس.

(4)

سلف برقم (4573)، باب:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} .

ص: 184

معروفًا لكل طبقة من الناس على قدر أحوالهم، وقد قال مالك: و (للناس)

(1)

مناكح قد عرفت لهم وعرفوا لها

(2)

. أي: للناس صدقات وأكفاء، فإذا كان الله تعالى قد نهى [عن] نكاح اليتيمة حتى يبلغها صداق مثلها، فواجب أن لا يجوز نكاح بقبضة تبن، ولا بما لا خطر له، ولا حطب، وعنده أن أقله هو الذي يؤدي إليه النظر على كتاب الله ويصححه القياس من أنه لا يستباح عضو مسلمة بأقل مما استباحه الشارع من عضو مسلم بالسرقة، وذلك ربع الدينار، فما كان أقل من ذلك فلا

(3)

.

وجوابه: السنة ثبتت بأقل منه وهو وقوعه على نعلين، وجاء أنه ما يراضى به الأهلون، ومنع ما ذكره من القياس.

وفيه: أن تفسير القرآن لا يؤخذ إلا عمن له علم به كما كانت عائشة أولى الناس بعلمه من قبل الشارع لاختصاصها منه.

وفيه: أن المرأة غير اليتيمة لها أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه تعالى إنما حرج ذلك في اليتامى، وأباح سائر النساء بما أجبن إليه من الصداق.

وفيه: أن لولي اليتيمة أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها.

(1)

في الأصل: الناس.

(2)

عزاه ابن القاسم في "المدونة" لغير مالك 2/ 145.

(3)

انظر: "التفريع" 2/ 371، "المنتقى" 3/ 278.

ص: 185

‌2 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ". وَهَل يَتَزَوَّجُ مَنْ لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّكَاحِ

؟

5065 -

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَخَلَيَا، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . [انظر: 1905 - مسلم: 1400 - فتح 9/ 106].

ذكر فيه حديث عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ بن عفان بِمِنًى فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَخَلَوا، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَلَمَّا رَأى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ (إلا)

(1)

هَذا أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ. فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يَا مَعْشَرَ الشَّبَاب، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ".

(1)

كذا في الأصل.

ص: 186

‌3 - باب مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ البَاءَةَ فَلْيَصُمْ

5066 -

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم:«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . [انظر: 1905 - مسلم: 1400 - فتح 9/ 112].

ذكر فيه أيضًا بزيادة الأسود: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ

" الحديث بزيادة: "فَإِنَّهُ أَغَض لِلْبَصَرِ وَأًحْصَنُ لِلْفَرْجِ"، وقد سلف في الصوم، وجماعة الفقهاء على أنه مندوب إليه للقادر عليه كما سلف، ورددنا على أهل الظاهر، وقد تركه جماعة من الصحابة مع القدرة وعكفوا على العبادة، ولم ينكر.

وقول معاذ بن جبل: زوجوني لئلا ألقى الله أعزب

(1)

. وقول عمر لأبي الزوائد: لم لا تتزوج؛ لا يمنعك منه إلا عجز أو فجور

(2)

. محمول على تأكده، وهو أبو الزوائد: صحابي لم يتزوج؛ ولأنه قضاء شهوة فلم يجب، ولا يقاس على الغذاء؛ لأنه يؤدي تركه إلى الهلاك، بخلافه، وفي قيام الإجماع على أن من صبر ولم يقتحم محرمًا، أنه غير مرتكب الإثم حجة لما قلناه أن الأمر يحمل على الندب. وحاصل

(1)

رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 439 (15903).

(2)

رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 170 (10384) وابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 439 - 440.

ص: 187

مذهبنا أن الناس في النكاح قسمان: تائق، وغيره. وكل منهما واجد أهبة وفاقدها، فالتائق الواجد يستحب في حقه، والفاقد يكسر شهوته بالصوم، وغير التائق الفاقد يكره في حقه، والواجد يستحب، إن لم يتعبد. والمسألة مبسوطة في كتب الفروع فلتراجع منه.

فصل:

قول عثمان لعبد الله رضي الله عنهما: (إن لي إليك حاجة). فيه: جواز ذلك للخليفة. وقوله: (فخلوا) في بعض النسخ: (فخليا). وذكره ابن التين بلفظ: فخليا، ثم قال: صوابه: فخلوا؛ لأنه من ذوات الواو مثل قوله: {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا} [الأعراف: 189].

فائدة:

في إسناد الثاني عمارة، وهو ابن عمير التيمي، تيم اللات بن ثعلبة الكوفي، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك.

ص: 188

‌4 - باب كَثْرَةِ النِّسَاءِ

5067 -

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهَا وَلَا تُزَلْزِلُوهَا وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تِسْعٌ، كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ. [مسلم: 1465 - فتح 9/ 112].

5068 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ.

وَقَالَ ليِ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [انظر: 268 - مسلم: 309 - فتح 9/ 112].

5069 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الأَنْصَاريُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً. [فتح 9/ 113].

ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها:

حديث عطاء: حَضَرْنَا مَعَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: هذِه زَوْجَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهَا وَلَا تُزَلْزِلُوهَا وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تِسْعٌ، كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ.

الشرح:

هذا حديث أخرجه مسلم والنسائي أيضًا

(1)

، وهذِه الواحدة هي

(1)

"سنن النسائي" 6/ 53.

ص: 189

سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة؛ ابتغاء رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية المفارقة، وتوفي صلى الله عليه وسلم وهي في عصمته، والباقيات: عائشة، وحفصة، وأم سلمة هند، وأم حبيبة رملة، وهؤلاء قرشيات، وميمونة الهلالية، وزينب بن جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وصفية بنت حيي الإسرائيلية. ووهم عطاء فقال: التي لم يقسم لها صفية، وهو من وهم ابن جريج عليه كما قاله الحفاظ.

وفيه: أن حرمة المسلم ميتا كحرمته [حيًّا]

(1)

؛ لأن ابن عباس راعى من توقيرها بعد موتها كحياتها.

والزعزعة: تحريك الشيء إذا أردت رفعه، وكذلك تحريك الريح الشجرة، والزلزلة: الاضطراب، أخذ من زلزلة الأرض، ذكره في الفتن.

الحديث الثاني:

حديث سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ على نِسَائِهِ فِي الليلة الواحدة، وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ.

هذا الحديث سلف في الغسل معلقًا بقوله: وقال شعبة عن قتادة أن أنسًا حدثهم: تسع نسوة. وقد أسنده هنا كما علمت ثم قال هنا: وقال لي خليفة: ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة أن أنسًا حدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث مسدد

(2)

.

الحديت الثالث:

حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا.

(1)

ساقطة من الأصل لا يستقيم السياق بدونها.

(2)

ورد بهامش الأصل: وهو الحديث الذي ساقه قبله وشيخه فيه مسدد.

ص: 190

قَالَ: فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هذِه الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً.

فيه: الحض الظاهر على ذلك، ولم يرد ابن عباس أن من كثر نساؤه من المسلمين أنه خيرهم، وإنما قاله على معنى الحض والندب إلى النكاح وترك الرهبانية في الإسلام، وأنه عليه السلام الذي يجب علينا الاقتداء به واتباع سنته كان أكثر أمته نساءً؛ لأنه أحل له منهن تسع فأكثر بالنكاح، ولم يحل لأحد من أمته غير أربع.

وتزوج سعيد بن جبير كما أمره ابن عباس، وحصل من نسله من اتصف بالعلم.

فائدة:

شيخ البخاري في هذا هو علي بن الحكم أنصاري مروزي الملجكاني من بعض قرى مرو، روى عنه، وقال: مات سنة ست وعشرين ومائتين

(1)

، وروى النسائي عن رجل عنه.

وفي إسناده: رقبة، وهو ابن مصقلة العبدي الكوفي أبو عبد الله. وطلحة: اليامي، ويقال: الأيامي صحيح.

(1)

"التاريخ الصغير" 2/ 254.

ص: 191

‌5 - باب مَنْ هَاجَرَ أَوْ عَمِلَ خَيْرًا لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَلَهُ مَا نَوى

5070 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» . [انظر: 1 - مسلم: 1907 - فتح 9/ 115].

حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ -وهو قرشي حجازي- ثثَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ، ولكل امرئ مَا نَوى" .. الحديث.

قد سلف بفوائده أول الكتاب.

قال محمد بن الحسين الآجري: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجب على جميع المسلمين ممن هو بمكة أن يهاجر وَيَدَعُوا أهليهم وعشائرهم، يريدون بذلك وجه الله، فكان الناس يهاجرون على هذا النعت، فخرج الرجل من مكة مهاجرًا في الظاهر، وقد شمله الطريق مع الناس ولم يكن مراده الله ورسوله، وإنما كان مراده تزويج امرأة من المهاجرات هاجرت قبله، أراد تزويجها، فلم يعده في المهاجرين، وسمي: مهاجر أم قيس.

ص: 192

‌6 - باب تَزْوِيجِ المُعْسِرِ الذِي [مَعَهُ] القُرْآنُ وَالإِسْلَامُ

فِيهِ سَهْل عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

5071 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. [انظر: 4615 - مسلم: 1404 - فتح 9/ 116].

فيه حديث سهل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يريد حديث الذي أنكحها على ما معه من القرآن، وقد سلف

(1)

.

ثم ساق حديث ابن مسعود: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ.

وذكره بعده وقال: ليس لنا شيء. وزاد: ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية

(2)

[المائدة: 87].

وجه الاستنباط على ما ترجمه أنه لما نهى أصحابه المعسرين عن الخصاء، ووكلهم إلى النكاح دل على جواز تزويج المعسر، ولو لم يجز التزويج إلا للأغنياء، لحظره عليهم من أجل عسرتهم، وحصل الشطط

(3)

، فهو دليل في حديث ابن مسعود، ونص في حديث سهل بقوله:"قد زوجتكها بما معك من القرآن"

(4)

وكتاب الله شاهد لهذا

(1)

سلف برقم (2310)، كتاب: الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح.

(2)

سيأتي برقم (5075) باب: قول الرجل لأخيه: انظر أي زوجتي شئت حتى أنزل لك عنها.

(3)

"المتواري" 280 - 281 بتصرف.

(4)

سلف برقم (5029). كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.

ص: 193

المعنى، وهو قوله:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] الآية. ودل أن الكفاءة إنما هي في الدين لا في المال، فإذا استجازت المرأة أو الولي التقصير في المال، جاز النكاح.

وادعى المهلب أن قوله: (تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام) -. دال على (أن من)

(1)

لم يملكها إياه على التعليم، ولو كان عليه لما كان معسرًا.

وقوله: (والإسلام) يدل على ذلك، لأنها كانت مسلمة، فلا يجوز أن يعلمها الإسلام، فيكون على معنى الأجرة، وإنما راعى له عليه السلام حرمة حفظ القرآن وعلى التعليم فقد يجوز أن لا تتعلم شيئًا، ولا يستحقه الزوج، وقد ملكه الشارع إياها قبل التعليم

(2)

.

هذا كلامه، ومراد البخاري المعسر من المال لا ما ذكره.

وفي الدارقطني بإسناد ضعيف من حديث عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود في قصة الواهبة أنه عليه السلام في الثالثة قال الخاطب: أحفظ سورة البقرة وسورًا من المفصل:

"أنكحتها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها" فتزوجها الرجل على ذلك

(3)

.

وفي النسائي من حديث عسل بن سفيان -وفيه ضعف- عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه فيها أنه لما ملكته أمرها، وقال له: أحفظ البقرة أو التي تليها، قال:"فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك"

(4)

.

(1)

هكذا في الأصل، ولعل الصواب: أنه، كما في ابن بطال.

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 166.

(3)

"سنن الدارقطني" 3/ 249 - 250 والحديث بلفظ "قد أنكحتكها".

(4)

"السنن الكبرى" للنسائي 3/ 313 (5506).

ص: 194

وعند أبي داود: والتي تليها

(1)

. وروى ابن أبي شيبة وغيره من حديث أنس رضي الله عنه أنه عليه السلام سأل رجلًا من أصحابه فقال: "يا فلان تزوجت؟ " قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به. قال:"أليس معك {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)}؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن"

(2)

وفي غيره: "ثلث القرآن"

(3)

.. الحديث.

وفي رواية أبي الشيخ: "أليس معك آية الكرسي"؟ قال: بلى. قال: "ربع القرآن"

(4)

. وزعم ابن حبيب فيما حكاه ابن الطلاع عنه أنه منسوخ بقوله: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"

(5)

وهو عجيب وأين التاريخ؛ قال غيره: إنه من خواصه دون الصحابة فمن بعدهم، سوى الشافعي، إذ لعل المرأة كانت تحفظ تلك السور بعينها، أو لعلها لو قرأتها لم تحفظها، وهي إنما كانت رضيت برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يتزوج أحد من الصحابة بأقل من خمسة دراهم، وليس كما زعم، فالحديث شاهد بنفي الخصوصية ثم الأصل عدمها.

وزعم ابن الطلاع أنه يقال: إن هذِه المرأة كانت خولة بنت حكيم ويقال: أم شريك. قلت: وقيل غير ذلك كما أوضحته في "الخصائص"

(6)

.

(1)

"سنن أبي داود"(2112).

(2)

لم أجده عن ابن أبي شيبة ورواه أحمد في "مسنده" 3/ 221.

(3)

رواه الترمذي (2895).

(4)

رواها أيضًا أحمد في "مسنده" 3/ 221.

(5)

رواه الدارقطني في "سننه" 3/ 221 - 227 عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعائشة، وابن حبان في "صحيحه" 9/ 386 (4075) عن عائشة.

(6)

"غاية السول في خصائص الرسول" ص 194 - 195.

ص: 195

‌7 - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لأَخِيهِ: انْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَي شِئْتَ حَتَّى أنزِلَ لَكَ عَنْهَا

رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ [انظر: 2048]

5072 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَعِنْدَ الأَنْصَارِيِّ امْرَأَتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَأَتَى السُّوقَ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ:«مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟» . فَقَالَ تَزَوَّجْتُ أَنْصَارِيَّةً. قَالَ: «فَمَا سُقْتَ؟» . قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» . [انظر: 2049 - مسلم: 1427 - فتح 9/ 116].

ثم ساقه من حديث أنس رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ .. الحديث سلف في البيوع بفوائده وضبط ألفاظه.

وفيه: ما كان عليه الصدر الأول من هذِه الأمة من الإيثار على أنفسهم وبذل النفس لإخوانهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه.

وفيه: جواز عرض الرجل أهله على أهل الصلاح من إخوانه.

وفيد: أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوجها.

وفيه: المواعدة (بطلاق)

(1)

المرأة لمن يحب أن يتزوجها.

وفيه: تنزه الرجل عما يبذل له، ويعرض عليه من المال وغيره، والأخذ بالشدة على نفسه في أمر معاشه.

(1)

في الأصل: (به طلاق) والمثبت من "شرح ابن بطال" 7/ 167.

ص: 196

وفيه: أن العيش من متجر أو صناعة أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الصدقات والهبة وشبهها.

وفيه: مباشرة الفضلاء للتجارات بأنفسهم، وتصرفهم في الأسواق في معايشهم، وليس ذلك بنقص لهم.

وفيه: سؤال الرجل عمن تزوج وما نقد؛ ليعينه الناس على وليمته ومؤنته.

وفيه: سؤاله عما تزوج من البكر والثيب، والبكر أولى للملاعبة والانهمال للحلال.

ص: 197

‌8 - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ

.

5073 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا. [5074 - مسلم: 1402 - فتح 9/ 117].

5074 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ لَقَدْ: رَدَّ ذَلِكَ - يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ التَّبَتُّلَ لَاخْتَصَيْنَا. [انظر: 5073 - مسلم: 1402 - فتح 9/ 117]

5075 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)} . [المائدة: 87][انظر: 4615 - مسلم: 1404 - فتح 9/ 117].

5076 -

وَقَالَ أَصْبَغُ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ. فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ» . [فتح 9/ 177].

ذكر فيه أحاديث

(1)

:

(1)

ورد في هامش الأصل: في الحاشية التي بالأصل ما لفظه: في النهي عن التبتل أيضًا عن عائشة مرفوعًا، أخرجه أبو بكر الفريابي في كتاب النكاح.

ص: 198

أحدها:

حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: رَدَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا.

وفي لفظ: لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ -يَعْنِي: النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم على عُثْمَانَ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ التَّبَتُّلَ لَاخْتَصَيْنَا. وقد أخرجه مسلم أيضًا.

ثانيها:

حديث قيس قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يعني ابن مسعود-: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لنَا شيء .. الحديث سلف قريبًا وسيأتي

(1)

.

ثالثها:

وَقَالَ أَصْبَغُ: أَخْبَرَنِي ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّي رَجُلٌ شَابٌّ، وإني أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ. فَسَكَتَ عَنّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ".

الشرح:

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

كذا وقع في الأصول: (وقال أصبغ .. ) إلى آخره، وكذا ذكره أبو مسعود وخلف، وخالف ذلك أبو نعيم والطرقي فقالا: رواه

(1)

سلف برقم (5071) باب: تزويج المعسر، وهذا آخر موضع له في البخاري، ولعله سيأتي في شرحه.

ص: 199

البخاري عن أصبغ. ووصله الإسماعيلي فرواه عن القاسم، ثنا الرمادي، ثنا أصبغ به.

وأما ما وقع في كتاب الطرقي: أصبغ بن محمد فغير جيد؛ لأنا لا نعلم في البخاري شيخًا اسمه أصبغ بن محمد، بل ولا في باقي الستة

(1)

، وإنما هذا أصبغ بن الفرج وَرّاَق ابن وهب، وأخرجه النسائي من حديث أنس بن عياض، عن الأوزاعي، عن الزهري به.

وقال: الأوزاعي لم يسمعه من الزهري، وهو حديث صحيح

(2)

.

ثانيها:

العنت بالتحريك: الحمل على المكروه، وقد عنت يعنت، وأعنته غيره. فالعنت: الإثم، وقد عنت: اكتسب إثمًا، والعنت: الفجور والزنا وكل أمر شاق، ذكره فى "المنتهى" وفى "التهذيب": الإعنات: تكليف غير الطاقة

(3)

.

وقال ابن الأنباري: أصله التشديد.

ثالثها:

التبتل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعا إلى العبادة، وأصله القطع، ومنه فاطمة البتول، ومريم البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة، وصدقة بتلة. أي: منقطعة عن مالكها.

(1)

ورد في هامش الأصل: في "ثقات" ابن حبان و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: أصبغ بن محمد بن عمرو. وفي "الميزان": أصبغ بن محمد بن أبي منصور. مجهول، والأول توفي سنة 284.

(2)

"سنن النسائي" 6/ 59 - 60.

(3)

"تهذيب اللغة" 3/ 2585.

ص: 200

قال الطبري: والتبتل الذي أراده عثمان بن مظعون هو ما عزم عليه من ترك النساء: والطيب وكل ما يلتذ به مما أحله الله لعباده من الطيبات مطلقًا، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ} الآية [المائدة: 87] الآية.

وروي هذا عن ابن عباس وجماعة.

وقول أبي زيد: التبتل: العزوبة. يريد نوعًا من أنواع التبتل.

رابعها:

إن قيل: من أين يلزم من جواز التبتل عن النساء: جواز الاختصاء، وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وربما أفضى بصاحبه إلى الهلاك، وهو محرم بالاتفاق؟ فالجواب: إن ذلك لازم من حيث أن مطلق التبتل يتضمنه، (وكأن قائل الحقيقي)

(1)

الذي يؤمن معه شهوة النساء: هو الخصاء، وكأنه أخذه بأكثر ما يدل عليه الاسم، والألم العظيم مغتفر في جنب صيانة الدين، فقد يغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه كقطع اليد للأكَلَةِ، وكالكي والبطِّ، وغير ذلك، ودعوى إفضائه إلى الهلاك غالبًا غير مسلم، بل وقوع الهلاك منه نادر، فلا يلتفت إليه، وخصاء البهائم يشهد لذلك، وما ذكرناه إنما هو تقدير ما وقع لسعد، ولا يظن أن ذلك يجوز لأحد اليوم، بل هو محرم بالإجماع، وكل ما ذكرناه إنما هو يمشي على الأخذ بظاهر قوله:(لاختصينا) ويحتمل أن يريد سعد: لمنعنا أنفسنا منع المختصي، والأول هو الظاهر.

(1)

كذا في الأصل، وفي "المفهم" للقرطبي 4/ 89 (وكأن قائل ذلك وقع له أن التبتل الحقيقي). وهو الأليق بالسياق.

ص: 201

قال المهلب: وإنما نهى عليه السلام عن التبتل والترغيب من أجل أنه مكاثر بهم الأمم يوم القيامة، وأنه في الدنيا يقاتل بهم طوائف الكفار، وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال، فأراد عليه السلام أن يكثر النسل

(1)

.

قلت: وإذا كان التبتل الذي لا جناية فيه على النفس إنما هو منعها عن المباح لها، فمنعها ما فيه جناية عليها بإيلامها -وهو الخصاء- أحرى أن يكون منهيًّا عنه، وثبت أن قطع شيء من الأعضاء من غير ضرورة تدعو إلى ذلك حرام.

وأما حديث أبي أمامة رفعه: "أربعة لعنهم الله فوق عرشه وأمنت عليه الملائكة، الذي يخصي نفسه عن النساء .. "

(2)

الحديث، فهو منكر كما قاله أبو حاتم في "علله"

(3)

.

ولا التفات إلى ما روي: "خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ

(4)

الذي لا أهل له ولا ولد"

(5)

، فإنه ضعيف بل موضوع، وكذا قول حذيفة: إذا كان سنة خمسين ومائة فلأن يربي أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولدًا

(6)

.

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 168.

(2)

رواه الطبراني في "الكبير" 8/ 99 (7489) بلفظ "الذي يحصن نفسه عن النساء".

(3)

"العلل" لابن أبي حاتم 1/ 413 (1240) وفيه الحديث بلفظ "الذي يخصي نفسه عن النساء".

(4)

ورد بهامش الأصل: حاشية: الحاذ -بالحاء المهملة ثم ألف ثم ذال معجمة- الظهر. وهو حديث رواه أبو يعلى الموصلي من حديث حذيفة، ورواه الخطابي في كتاب "العزلة" من حديثه وحديث أبي أمامة. قال شيخنا العراقي: حديث ضعيف. انتهى. وفي حفظي عن ابن حزم أنه قال: إنه موضوع، قاله

في "المحلى".

(5)

رواه الخطابي في "العزلة" ص 52.

(6)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" 7/ 27 مرفوع من حديث حذيفة.

ص: 202

ومما يوهن ذلك أنه لو قيل بذلك لبطل النسل والجهافى والدين، وغلب أهل الكفر مع ما فيه من تربية الكلاب.

فرع:

قال ابن حزم: وليس النكاح فرضًا على النساء: لقوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} [النور: 60] الآية، وقوله عليه السلام في الخبر الثابت:"الشهادة سبع سوى القتل" فذكر عليه السلام "المرأة تموت بجمع شهيدة"

(1)

، قال: و [هي] التي تموت في نفاسها. "والمرأة تموت بكرًا لم تطمث"

(2)

. وفيما ذكره نظر، فالنساء شقائق الرجال. وحديث علي:"ثلاث لا تؤخرها" منها: "الأيم إذا وجدت كفؤًا"

(3)

.

وللحاكم في حديث عائشة مرفوعا: "ما من شيء خير لامرأة من زوج أو قبر"

(4)

ولابن الجوزي في كتاب "النساء" من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه قال عمر رضي الله عنه: زوجوا أولادكم إذا بلغوا ولا تحملوا آثامهم. وعن خليد بن دعلج قال: قال الحسن: بادروا ببناتكم التزويج.

وللخلال في "علله" عن ابن أبي نجيح المكي رفعه: "مسكينة مسكينة امرأة ليست لها زوج" قالوا: يا رسول الله، وإن كانت غنية من المال؟ قال:"وإن كانت غنية من المال" وقال بمثل ذلك في الرجل.

(1)

رواه أبو داود (3111) والنسائي 4/ 13 - 14 من حديث جابر بن عتيك.

(2)

"المحلى" 9/ 441 وما بين المعكوفين زيادة منه.

(3)

رواه الترمذي (171، 1075) وقال: هذا حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل.

(4)

لم أقف عليه عند الحاكم وعند الطبراني في "الأوسط" 8/ 151 (8240) من حديث ابن عباس بلفظ "للمرأة ستران" قال: وما هما قال: "الزوج والقبر" قال العجلوني في "كشف الخفاء" 1/ 407: وهو ضعيف جدًا.

ص: 203

قال ابن معين: هذا مرسل. وأخرجه أبو نعيم والطبراني في "الأوسط" أيضًا

(1)

.

فصل:

ينعطف على ما مضى: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم ما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك لها بعض الخبث والمشقة أو أمنه؛ وذلك لرده عليه السلام التبتل على عثمان بن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسوله وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون؛ إذ كان خير الهدي هديه، فإذا كان ذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لبس ذلك من حله، وآثر أكل الفول والعدس على أكل خبز البر والشعير، وترك أكل اللحم والودك؛ حذرًا من عارض الحاجة إلى النساء، فإن ظن الظان أن الفضل في غير ذلك، قلنا: لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف فضل ما بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى للإنسان بالنفس إصلاحها وعونها له على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة؛ لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعاته.

(1)

"معرفة الصحابة" لأبي نعيم 6/ 3039 (7540)، "المعجم الأوسط" للطبراني 6/ 348 (6589).

ص: 204

فصل:

وفيه: أن خصاء بني آدم حرام، وذلك أن التبتل إذا كان منهيًّا عنه ولا جناية فيه على النفس غير منعه المباح، فمنعها ما له فيه جناية عليها بإيلامها وتعذيبها بقطع بعض الأعضاء أحرى أن يكون منهيًّا عنه، فثبت بها أن قطع شيء من أعضاء الإنسان من غير ضرورة تدعو إلى ذلك حرام، كما أسلفناه، وسواء في ذلك الصغير والكبير، ولأن فيه تغيير خلق الله، ولما فيه من قطع النسل وتعذيب الحيوان كما أسلفناه، وأما غير الآدمي فإن كان لا يؤكل فكذلك، كما قاله البغوي، وأما المأكول فيجوز في صغره دون كبره

(1)

.

فصل:

وقوله: ("فاختص على ذلك أو ذر"). وقع في بعض الأصول: "اقتصر". بدل: "اختص". وهذا مثل قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] لأنه أمر بعد حظر، فهو في معنى الزجر.

قال ابن الجوزي: ليس بأمر، وإنما المعنى: إن فعلت أو لم تفعل فلابد من نفوذ القدر، وقد رأينا بعض جهال الأحداث يزهد في صباه، فلما اشتدت عليه العزوبة

(2)

جب نفسه، وبعضهم جبَّها قال: بحيائه من ربه. فانظر ما يصنع الجهل بأهله، فأول ما يقال لهذا: ليس لك أن تتصرف في شيء إلا بإذن من رب العالمين، وهذا أمر لا يقال ما أذن له، بل قد حرمه ثم ينبغي أن الله وضع هذا الأمر لحكمة وهي إيجاد النسل، فمن تسبب في قطعه فقد ضاد الحكمة، ثم من النعمة على

(1)

"التهذيب" للبغوي 5/ 211.

(2)

ورد بهامش الأصل: في الأصل الغريزة.

ص: 205

الرجل خلقه رجلًا ولم يُجعل

(1)

امرأة، فإذا جب نفسه اختار النقص على التمام، فلو مات من ذلك استحق النار مع مكابدته في العاجلة شدة لا توصف، ومنع نفسه لذة ووجود ولد يذكر به أو يثاب عليه، وكان نسبه متصلًا من آدم إليه فتسبب بقطع ذلك المتصل مع تشويهه نفسه وهواه يعد له بما رجاه، فإن قطع الآلة لا يزيل ما في القلب من الشهوة بل يزاد أضعافًا فيما ذكره الجاحظ في كتاب "الحيوان"

(2)

وكتاب "الخصيان"، والعجيب من المتزهد الذي قال: إنه استحيا من الله مما وضعه الله فيه، فلو شاء الله لم يضع هذا في نفسه.

فصل:

وفي حديث أبي هريرة إثبات القدر، وأن المرء لا يفعل باختياره شيئًا لم يكن سبق في علم الله سبحانه.

فصل:

قول ابن مسعود: (ثم أرخص لنا أن ننكح بالثوب). يعني: المتعة التي كانت حلالًا في أول الإسلام ثم نسخت بالعدة والميراث والصدقات.

(1)

ورد في هامش الأصل: لعله يجعله، وما في الأصل صحيح، ويكون على ما لم يسم فاعله.

(2)

" الحيوان" 1/ 107.

ص: 206

‌9 - باب نِكَاحِ الأَبْكَارِ

وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ لِعَائِشَةَ: لَمْ يَنْكِحِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكْرًا غَيْرَكِ.

5077 -

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ:«فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا» . تَعْنِى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا. [فتح 9/ 120].

5078 -

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ» . [انظر: 3895 - مسلم: 2438 - فتح 9/ 120].

ثم ساق حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرة لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ:"فِي التي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا". تَعْنِي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا.

وحديث عائشة أيضًا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُكِ فِي المَنَامِ مَرَّتَيْنِ، إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هذِه امْرَأتكَ فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأقولُ: إِنْ يَكُنْ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضهِ".

الشرح:

هذا أسنده البخاري -أعني قول ابن أبي مليكة- في تفسيره في سورة النور عن محمد بن المثنى، ثنا يحيى، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين،

ص: 207

عنه، فذكره مطولًا

(1)

.

وفي الحديث الثاني ضرب الأمثال وتشبيه الإنسان بالشجر. والحديث الثالث يأتي في التعبير في باب كشف المرأة في المنام

(2)

، وقد سلف في باب تزويجها قبل الهجرة، وأخرجه مسلم أيضًا.

وفي رواية: "جاء بك الملك"

(3)

. وفي "طبقات ابن سعد" عنها: لما جاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة فقال: تزوجها فإنها امرأتك

(4)

. ولابن حبان في "صحيحه": جاء بي جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خرقة حرير فقال: هذِه زوجتك في الدنيا والآخرة

(5)

.

وفي لفظ: قلت: يا رسول الله من أزواجك في الجنة؟ قال: "أما إنك منهن" قالت: فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكرًا غيري

(6)

.

فصل:

والسرقة بفتح السين واحدة السرق وهي شقق الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير.

قال أبو عبيدة: وأحسبها فارسية، وأصلها سرة وهو الجيد

(7)

. وادعى المهلب أنها كالكِلة والبرقع، وهو غريب.

(1)

سلف برقم (4753).

(2)

سيأتي برقم (7011).

(3)

رواها أبو يعلى 7/ 471 - 472 (4498).

(4)

"الطبقات الكبرى" 8/ 63.

(5)

"صحيح ابن حبان" 6/ 16 (7094).

(6)

"صحيح ابن حبان" 16/ 8 (7096).

(7)

انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 307.

ص: 208

فصل:

قوله: ("فأكشفها") يحتمل -كما قال ابن المنير- أن يكون إنما رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، ويكون الضمير في "فاكشفها" للسرقة

(1)

.

فصل:

لم يشك عليه السلام فيما رأى، فإن رؤيا الأنبياء وحي، إنما احتمل عنده أن تكون الرؤيا اسمًا، واحتمل أن تكون كنية، فإن للرؤيا أسماء وكنى، فسموها بأسمائها وكنوها بكناها، واسمها أن تخرج بعينها، وكنيتها أن تخرج على مثالها وهي أختها أو قرينتها أو جارتها أو سميتها. نبه عليه ابن العربي في "سراجه" وذكر القاضي عياض أن هذِه الرؤيا يحتمل أن تكون قبل النبوة، وإن كانت بعدها فله ثلاثة معان:

أولها: أن تكون الرؤيا على وجهها، فظاهره لا يحتاج إلى تعبير وتفسير فسيمضيه الله وينجزه، فالشك عائد على أنها رؤيا على ظاهرها، أو تحتاج إلى تعبير وصرف عن ظاهرها.

ثانيها: المراد إن كانت هذِه الزوجية في الدنيا يمضه الله، فالشك أنها هل هي زوجته في الدنيا أم في الآخرة، ويرده رواية ابن حبان السالفة.

ثالثها: أنه لم يشك، أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك، وهذا نوع من أنواع البلاغة يسمى مزج الشك باليقين

(2)

.

(1)

"المتواري" ص 382.

(2)

"إكمال المعلم" 7/ 445.

ص: 209

فصل:

فيه: فضل الأبكار على غيرهن، وقد حض الشارع على نكاحهن في حديث جابر الآتي:"هلا جارية تلاعبها وتلاعبك" وفي حديث كعب بن عجرة أنه عليه السلام قال لرجل: "هلا بكرًا تعضها وتعضك" أخرجه ابن أبي خيثمة في الأول من "فوائده"

(1)

.

وفي رواية لمسلم: "فهلا بكرًا تلاعبها"

(2)

.

وفي ابن ماجه من حديث عتبة بن عويم بن ساعدة

(3)

، عن أبيه، عن جده مرفوعا:"عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا وأرضى باليسير"

(4)

.

ومن حديث زر، عن عبد الله مرفوعًا مثله

(5)

، وقال بعد:"باليسير" يعني: من العمل.

وأخرجه أبو نعيم في "الطب النبوي" من حديث ابن عمر مرفوعًا، زاد بعد:"أرحامًا": "وأسخن إقبالًا، وأرضى باليسير من العمل"

(6)

.

(1)

رواه أيضا الطبراني في "الكبير 19/ 49 - 150 (328) من حديث كعب بن عجرة.

(2)

مسلم (715) بعد حديث رقم (1466) كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات اليد، من حديث جابر.

(3)

ورد في هامش الأصل: الحديث في "أطراف المزي" في مسند عتبة بن عويم بن ساعدة، رواه ابن ماجه في النكاح عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن طلحة التيمي، عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري، عن أبيه، عن جده. وراجعت ابن ماجه فوجدته كذلك فيها، فصوابه أن يقول: من حديث عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جده.

(4)

ابن ماجه (1861).

(5)

رواه الطبراني في "الكبير" 10/ 140 (10244).

(6)

"الطب النبوي" 2/ 471 - 472 (448).

ص: 210

وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. وقيل في تفسير "أنتق أرحامًا": أقبل للولد. وفي رواية: "وأطيب أخلاقًا"

(1)

.

وفي البكر معان أخر: حداثة السن، وللنفس في ذلك من الحظ ما هو معلوم، وفرة الحرارة المحركة للباءة، وعدم تعلقها بغير زوجها، إذ المرأة يتعلق قلبها بآتي عذرتها، وأن الطباع تنبو عمن كان لها زوج قديمًا، والتهيؤ للولد، وأن المداعبة تليق بهن دون غيرهن من الكبار، وفي المداعبة انبعاث على اجتماع الماء وكثرته.

(1)

رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 159 - 160 (10342) عن مكحول قال: قال رسول الله .. الحديث. بلفظ: "وأغر أخلاقًا" ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 52 بنحوه.

ص: 211

‌10 - باب نكاح الثَّيِّبَاتِ

وَقَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ".

5079 -

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَفَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةٍ، فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي، فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ، فَإِذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«مَا يُعْجِلُكَ؟» . قُلْتُ كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُسٍ. قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟» . قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قَالَ: «فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ!» . قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ قَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاً -أَيْ: عِشَاءً- لِكَىْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ» . [انظر: 443 - مسلم: 715 - فتح 9/ 121].

5080 -

حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَارِبٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ تَزَوَّجْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا تَزَوَّجْتَ» . فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلِلْعَذَارَى وَلِعَابِهَا» . فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَقَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ» .

ثم ساق حديث جابر: قَفَلْنَا مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةٍ .. الحديث. وفيه: "فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ! ". وفي رواية: "مالك وللعذارى ولعابها".

الشرح:

حديث أم حبيبة أسنده بعد عن الحكم بن نافع، ثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته عنها

(1)

.

(1)

سيأتي برقم (5101) كتاب: النكاح، باب:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} .

ص: 212

ووجه مطابقته للترجمة أنه خاطب أزواجه ونهاهن أن يعرض عليه ربائبه لحرمتهن، وهو تحقيق أنه عليه السلام تزوج الثيب ذات البنت. نبه عليه ابن المنير

(1)

.

وحديث جابر سلف في الصلاة وعدة مواضع.

وقوله: ("ولعابها") هو بضم اللام وكسرها. قال عياض: رواية مسلم بالكسر لا غير، يريد الملاعبة

(2)

. وقال المازري: رواية أبي ذر من طريق المستملي بالضم

(3)

، وكذا قال صاحب "المطالع": أنها رواية أبي الهيثم. وكأنه ذهب إلى اللعاب -وهو الريق- يريد رشفه وامتصاصه.

وقال ابن بطال: هو مصدر لاعب ملاعبة ولعابًا، كما تقول: قابل مقابلة وقبالًا

(4)

.

وقال ابن التين: هو من اللعب، وقيل: من اللعاب، وعلى هذا الضم والكسر.

والعذارى: الأبكار.

فصل:

وفيه: جواز نكاح الثيبات للشبان إذا كان ذلك لمعنى كالمعنى الذي قصد له جابر من سبب أخواته، وذلك أن يكون للناكح بنات أو أخوات غير بالغات يحتجن إلى قيم أو متعهد.

(1)

"المتواري" ص 181.

(2)

"إكمال المعلم" 4/ 674.

(3)

"المعلم بفوائد مسلم" 1/ 439.

(4)

"شرح ابن بطال" 7/ 172.

ص: 213

وفيه: أن نكاح الأبكار للشبان أولى لحضه عليه بقوله: "فهلا جارية".

وفيه: سؤال الإمام عن أحوال أصحابه في نكاحهم ومفاوضتهم في ذلك.

وفيه: أن ملاعبة الأهل مطلوبة؛ لأن ذلك يحبب الزوجين بعضهما لبعض ويخفف المؤنة بينهما، ويرفع حياء المرأة عما يحتاج إليه الرجل في مباعلتها، قال تعالى في نساء أهل الجنة:{عُرُبًا أَتْرَابًا (37)} [الواقعة: 37] والعروب المتحببة إلى زوجها، ويقال: الغنجة العاشقة له، ويقال: الحسنة التبعل.

فصل:

قوله: ("أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا") يريد: حتى يستقبلكم خبر قدومكم إلى أهليكم فتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة. أي: تصلح كل امرأة نفسها لزوجها ما غفلت عنه لغيبته، وإنما معنى ذلك؛ لئلا يجد منها ريحًا أو حالة يكرهها، فيكون ذلك سببًا إلى بغضها، وهذا من حسن أدبه.

فإن قلت: هذا مخالف لقوله: "لا يطرقن أحدكم أهله ليلًا"

(1)

قلت: إن هذا قاله لمن يقدم بغتة من غير أن يعلم أهله، وأما هنا فتقدم خبر مجيء الجيش والعلم لوصوله وقت كذا وكذا، فتستعد الشعثة وتستحد المغيبة.

(1)

سيأتي برقم (5244) كتاب النكاح، باب لا يطرق أهله ليلًا إذا طال الغيبة، من حديث جابر بن عبد الله.

ص: 214

فصل:

قوله: ("لا تعرضن") قال ابن التين: ضبط بضم الضاد، ولا أعلم له وجهًا؛ لأنه إنما خاطب النساء أو واحدة منهن، فإن كان خطابه لجماعة النساء -وهو الأبين- فصوابه تسكينها؛ لأنه فعل مستقبل مشى على أصله مع نون جماعة النساء، ولو أدخلت عليه النون المشددة لكان تعرضنان؛ لأنه تجتمع ثلاث نونات فيفرق بينهن بألف، ولو كانت النون الخفيفة لم يصح؛ لأنها لا تدخل في جماعة النساء ولا في الاثنين، وإن كان خطابه لأم حبيبة خاصة، فتكون الضاد مكسورة والنون مشددة، فإن كان الفعل مؤكدًا بالنون الخفيفة كانت النون ساكنة.

ص: 215

‌11 - باب تَزْوِيجِ الصِّغَارِ مِنَ الكِبَارِ

5081 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ:«أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكِتَابِهِ وَهْيَ لِي حَلَالٌ» . [فتح 9/ 123].

ذكر فيه حديث عروة بن الزبير أنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ عَائِشَةَ إلى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ:"أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكتَابِهِ، وَهْيَ لِي حَلَالٌ".

هذا الحديث من أفراده، وهو مرسل كما ترى، وقد نبه على ذلك الحميدي

(1)

والدارقطني

(2)

وأبو نعيم الأصبهاني وأبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي، وأما أبو العباس الطرقي فأخرجه في كتابه مسندًا عنه، عن عائشة رضي الله عنها.

واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في تعيين الرواية ما ترجم عليه، فأما صغر عائشة فمعلوم من غير هذا. وفي "الطبقات" من حديث: لما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، قال أبو بكر: يا رسول الله، قد كنت وعدت بها أو ذكرتها لمطعم بن عدي لابنه جبير بن مطعم فدعني حتى أسلها منهم، ففعل

(3)

.

وفي لفظ: فطلقها جبير بن مطعم

(4)

.

وقام الإجماع على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن

(1)

"الجمع بين الصحيحين" 4/ 109 (3221).

(2)

"الإلزامات والتتبع" ص 344 (186).

(3)

الطبقات" 8/ 58.

(4)

رواه الدارقطني 3/ 278 - 279.

ص: 216

في المهد، كما حكاه ابن بطال

(1)

، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن، وكانت عائشة رضي الله عنها حين تزوج بها عليه السلام بنت ست سنين، وبنى بها بنت تسع سنين كما ذكره البخاري بعد هذا في إنكاح الرجل ولده الصغير

(2)

.

قال ابن المنذر: وفي هذا الحديث دليل على أن نهيه عليه السلام عن إنكاح البكر حتى تستأذن، أنها البالغ التي لها إذن، إذ قد أجازت السنة أن يعقد الأب النكاح على الصغيرة التي لا إذن لها

(3)

.

واختلف العلماء في تزويج الأولياء غير الآباء اليتيمة الصغيرة، فقال ابن أبي ليلى ومالك والليث والثوري والشافعي وابن الماجشون وأحمد وأبو ثور: ليس لغير الآباء تزويج اليتيمة الصغيرة، فإن فعل فالنكاح باطل

(4)

.

وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال: يزوج الوصي الصغيرة دون الأولياء إذا كان وصي الأب

(5)

(6)

، والجد عند الشافعي عند عدم الأب كالأب

(7)

.

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 172.

(2)

سيأتي برقم (5133) كتاب: النكاح.

(3)

"الإشراف" 1/ 24 بمعناه.

(4)

انظر: "الاستذكار" 16/ 57 - 58، "الإشراف" 1/ 26، "المغني" 9/ 402.

(5)

هكذا بالأصل، وفي "شرح ابن بطال": وصيها لها.

(6)

قال ابن المنذر في "الإشراف" 1/ 27: وأما الجارية فلا يزوجها إلا أبوها، ولا يزوجها أحد من الأولياء، ولا الأوصياء حتى تبلغ للحيض، فزوجها الوصي برضاها جاز، وكذلك وصي الوصي إن زوجها برضاها فذلك جائز، هذا قول مالك.

(7)

"الأم" 5/ 11.

ص: 217

وقالت طائفة: إذا زوج الصغيرة غير الأب من الأولياء فلها الخيار إذا بلغت.

روي هذا عن عطاء والحسن وطاوس، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة ومحمد، إلا أنهما جعلا الجد كالأب لا خيار في تزويجه.

وقال أبو يوسف: لا خيار لها في جميع الأولياء

(1)

.

وقال أحمد: لا أرى للوصي ولا للقاضي أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ تسع سنين، فإذا بلغت ورضيت فلا خيار لها

(2)

.

وحجة من جعل لها الخيار إذا بلغت أنه عليه السلام لما أمر باستئمار اليتيمة - ولا تستأمر إلا من لها ميزة ومعرفة، كان لها الخيار والاستئمار إذا بلغت.

وحجة الأول قوله: "تستأمر اليتيمة في نفسها"

(3)

ولا يصلح استئمارها إلا ببلوغها، ولا يجوز أن يكون العقد موقوفًا على استئمارها بدليل امتناع الجميع من دخول النكاح في النكاح ووقوفها إلى مدة الخيار.

وفرق مالك بين اليتيمة واليتيم، وأجاز للوصي تزويج اليتيم قبل البلوغ من قبل أن اليتيم لما كان قادرًا على رفع العذر الذي يرفعه الولي إن كرهه بعد بلوغه جاز؛ لقدرته على الخروج منه، وليس كذلك؛ لأنها لا تقدر إذا بلغت على رفع العقد؛ لأن الطلاق ليس بيد

(1)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 257، "الإشراف" 1/ 26.

(2)

"مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج" 1/ 342 (851) وفيها (قال أحمد: لا أرى للولي) بدلًا من للوصي.

(3)

رواه أبو داود (2093)، والترمذي (1109)، والنسائي 6/ 87 من حديث أبي هريرة، والنسائي 6/ 84 من حديث ابن عباس.

ص: 218

النساء:، فافترقا بهذِه العلة، ولأن السنة وردت في منع العقد على اليتيمة حتى تستأمر، ولا يصح استئمارها إلا بعد البلوغ، هذا قول مالك

(1)

.

فصل:

قال المهلب: وفي حديث عائشة من الفقه جواز خطبة الرجل لنفسه إلى ولي المخطوبة إذا علم أنه لا يرده؛ لتأكد ما بينهما، ويحتمل قول أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(إنما أنا أخوك) أن يعتقد أنه لا يحل له أن يتزوج ابنته للمؤاخاة والخلة التي كانت بينهما، فأعلمه أن أخوة الإسلام ليست كأخوة النسب والولادة، فقال: إنها لي حلال بوحي من الله، كما قال إبراهيم للذي أراد أن يأخذ منه زوجته: هي أختي -يعني في الإيمان- لأنه لم يكن أحد مؤمن يومئذ غيرهما

(2)

.

قلت: ويجوز أن يكون خطبها بواسطة، يؤيده رواية ابن أبي عاصم من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام أرسل خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون تخطبها عليه، فقال لها أبو بكر: وهل تصلح؟ إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال:"ارجعي فقولي له: أنت أخي في الاسلام، وابنتك تصلح لي" فأتت أبا بكر فذكرت فقال: ادع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأنكحه

(3)

.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 399.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 174 - 175.

(3)

"الآحاد والمثاني" 5/ 389 - 390 (3006).

ص: 219

‌12 - باب إِلَى مَنْ يَنْكِحُ وَأَيُّ النِّسَاءِ خَيرْ؟ وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيِرْ إِيجَابٍ

5082 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُو نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ» . [انظر:3434 - مسلم: 2527 - فتح 9/ 125]

ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الابِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ على وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ على زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ".

وسلف في أحاديث الأنبياء، ويأتي في النفقات

(1)

.

وأخرجه مسلم أيضًا.

وفيه: الحث على زواج أهل الصلاح والدين، وشرف الإبل؛ لأن ذلك يمنع من ركوب الإثم وتقحم العار، ولهذا المعنى قال عليه السلام:"عليك بذات الدين تربت يداك"

(2)

وإنما يركب الإبل نساء العرب ونساء قريش من العرب فلنساء قريش خير نساء العرب، وقد بين عليه السلام

بما استوجبن ذلك، وهو حنوهن على أولادهن، ومراعاتهن لأزواجهن، وحفظهن لأموالهم، وإنما ذلك لكرم نفوسهن، وقلة غائلتهن لمن عاشرنه وطهارتهن من مكايدة الأزواج ومشاحتهن.

وفيه: مدح الرجل نساء قومه وولياته بفضائلهن.

ومعنى "أحناه": أشفق وأرأف لا تحتاج في تربيته إلى الإشفاق

(1)

سيأتي برقم (5365) باب: حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة.

(2)

رواه مسلم برقم (715/ 54) بعد رقم (1466) كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح البكر، من حديث جابر، وسيأتي برقم (5090) من حديث أبي هريرة بنحوه.

ص: 220

والرفق، يقال: حنا عليه يحنو، وأحنى يحني، وحنى يحني.

"وأرعاه على زوج في ذات يده" يحتمل في ماله الذي استرعاها عليه.

وقوله: (وما يستحب أن يتخير لنطفه). هو لفظ حديث أخرجه ابن ماجه

(1)

من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء" وأخرجه الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح الإسناد، وذكر له متابعًا

(2)

. وخولف.

(1)

ورد في هامش الأصل: في سنده في ابن ماجه والحاكم الحارث بن عمران، وهو متهم وقد ذكر له الحاكم متابعًا والمتابع له عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف.

(2)

"سنن ابن ماجه"(1968)، "المستدرك" 2/ 163.

ص: 221

‌13 - باب اتِّخَاذِ السَّرَارِيِّ وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا

5083 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ وَحَقَّ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرَانِ» . قَالَ الشَّعْبِيُّ: خُذْهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقَهَا». [انظر: 97 - مسلم: 154 - فتح 9/ 126]

5084 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَّ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ بَيْنَمَا إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ- فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ قَالَتْ: كَفَّ اللهُ يَدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَنِي آجَرَ» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. [انظر: 2217 - مسلم: 2371 - فتح 9/ 126]

5085 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، أُمِرَ بِالأَنْطَاعِ فَأَلْقَى فِيهَا مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ. فَلَمَّا اْرْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ. [انظر: 371 - مسلم: 1365 - فتح 9/ 126].

ص: 222

ذكر فيه أحاديث:

أحدها:

حديث الشعبي عن أبي بردة، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أيّمَا رَجُلٍ كانَتْ عِنْدَهُ وَليدَةٌ فَعَلَّمَهَا إلى أَن قال "ثم أَعْتَقَهَا وتزوجها فله أجران .. " الحديث -وسلف في العتق

(1)

وغيره- قال الشعبي خذها بغير شيء، قد كان الرجل يركب فيما دونه إلى المدينة وقال أبو بكر عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أعتقها ثم أصدقها".

وهذا أسنده الإسماعيلي عن الحسن، ثنا مسلم بن سلام، ثنا أبو بكر -يعني: ابن عياش- عن أبي حصين بلفظ: "ثم تزوجها بمهر جديد كان له أجران".

ورواه ابن حزم من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي بكر.

قال ابن حزم: تفرد به يحيى، وهو ضعيف جدًا، والخبر مشهور من رواية الثقات ليس فيه:"بمهر جديد"

(2)

.

وأبو بكر هذا اسمه كنيته على الصحيح. وقيل: اسمه شعبة. وأبو حصين بفتح الحاء اسمه عثمان بن عاصم أسدي كاهلي، كوفي، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، ومات قبله أبو بكر بن عياش سنة اثنتين. وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وتسعين ومائة، وذكر أنه أكبر من الثوري بسنة

(3)

، وهو مولى واصل الأسدي.

(1)

سلف برقم (2544) باب: فضل من أدب جاريته وعلمها.

(2)

"المحلى" 9/ 504 - 505.

(3)

ذكر المزي في "التهذيب" 3/ 134 - 135 أنه أكبر من سفيان بأربع سنين.

ص: 223

واسم أبي بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضَّار الأشعري قاضي الكوفي، مات سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث ومائة، وقيل: قبل موسى بن طلحة بأيام، ومات موسى سنة ست

(1)

ومائة. ومات عامر بن شراحيل الشعبي على قولٍ. ورواية الشعبي عن أبي بردة في الأولى تدخل في المدبج. ومات أبو موسى سنة أربع أو اثنتين وأربعين عن ثلاث وستين. وقيل: سنة خمس أو إحدى أو اثنتين وخمسين.

فصل:

قوله: ("ثم أصدقها هو") بيان لقوله قبله: "وتزوجها فله أجران" وظاهره توقف حصولهما عليه.

وفيه: دلالة للشافعي ومالك أن عتقها لا يكون صداقًا، وأن فعله في صفية خاص به

(2)

، وأخذ بظاهر حديث صفية أحمد وإسحاق وجعله عوضًا من بضعها

(3)

.

فصل:

قوله: ("وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران").

قال الداودي: قوله: "من أهل الكتاب" يعني: كان على دين عيسى. قال: وأما اليهود ومن كفر من النصارى فليسوا من ذلك؛ لأنه لا يجازى على الكفر بالخير.

واستدل بقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ} [القصص: 53، 54] الآية.

(1)

ورد بهامش الأصل: صوابه: ثلاث، ويقال: سنة أربع.

(2)

انظر: "عيون المجالس" 3/ 1057، "مختصر المزني" بهامش "الأم" 3/ 262 - 263.

(3)

انظر: "المغني" 9/ 453.

ص: 224

الحديت الثاني:

حديث مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

وعنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ بَيْنَمَا: إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَةُ -فَذكَرَ الحَدِيثَ- فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ، قَالَتْ: كفَّ اللهُ يَدَ الكَافِرِ وَأًخْدَمَنِي هاجر". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. كذا هو في الأصول الأول مرفوعًا، والثاني وقفه على أبي هريرة. وفي بعضها رفعه.

وذكر أبو مسعود وخلف: أنه موقوف، وأبى ذلك الطرقي وغيره. وهذا الحديث سلف في البيع وأحاديث الأنبياء

(1)

. ووجه دخوله هنا أن هاجر كانت أمة مملوكة وهبها الكافر، وقبول إبراهيم لها، وأولدها بعد أن ملكها فهي سرية.

فصل:

واتخاذ السراري مباح؛ لقوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] فأباح الله تعالى ملك اليمين كما أباح النكاح، ورغب عليه السلام في عتق الإماء وتزويجهن بقوله: إن فاعل ذلك له أجران.

وفي "مسند أحمد" بإسناد فيه ضعف من حديث ابن (عمرو)

(2)

رضي الله عنهما مرفوعًا: "انكحوا أمهات الأولاد، فإني أباهي بكم يوم القيامة"

(3)

.

(1)

سلف في البيوع برقم (2217) باب: شراء المملوك من الحربي .. وسلف في أحاديث الأنبياء برقم (3357) باب قول الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} .

(2)

في الأصل: (عمر) والمثبت "من مسند أحمد".

(3)

"مسند أحمد" 2/ 171 - 172.

ص: 225

فصل:

هذِه الثلاث في الظاهر لا في الباطن (لأن)

(1)

معنى أختي: في الإسلام، وسقيم سأسقم؛ كقوله:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] و {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} [الأنبياء: 63] أي: إن نطقوا فهو الفاعل.

وقول أبي هريرة رضي الله عنه: (يا بني ماء السماء) يريد أنهم يتبعون مواضع القطر ليس لهم موطن.

الحديث الثالث:

حديث أنس في قصة صفية سلف في المغازي في غزوة خيبر

(2)

، وذكر خلف: أنه رواه أيضًا في الأطعمة

(3)

. ويحتاج إلى تأويل قوله: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين .. إلى آخره مع الحديث الذي بعده: (أعتقها وجعل عتقها صداقها) وراويهما أنس فإنه إذا جعل عتقها صداقها كيف يشكون ويقولون: إن نكحها فهي من أمهات المؤمنين، ويحتمل أن يكون قائل ذلك من لم يعلم عتقه عليه السلام لها.

فصل:

واحتج به من أوجب الوليمة، وهو أحد قولي

(4)

الشافعي وداود

(5)

.

فصل:

ذكر ابن المرابط في قول أنس السالف في غزوة خيبر أصدقها نفسها. أنه من روايته وظنه، وإنما قال ذلك؛ مدافعة للسائل، ألا ترى أنه قال:

(1)

في الأصل: (لا) والمثبت هو الملائم للسياق.

(2)

سلف برقم (4200).

(3)

سيأتي برقم (5387) باب: الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة.

(4)

ورد بهامش الأصل: المذهب أنها سنة، وفي قول أو وجه: واجبة.

(5)

انظر: "الأم" 4/ 39 - 40، و"المحلى" 9/ 450.

ص: 226

(فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين)، فكيف علم أنس أنه أصدقها نفسها قبل ذلك، وقد صح أنه لم يعلم أنها زوجة إلا بالحجاب. فدل على أن قوله هذا لم يشهده عليه نبينا عليه الصلاة والسلام ولا غيره، وإنما ظنه أنس والناس معه ظنًّا مع أن كتاب الله أحق أن يتبع، قال تعالى:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا} الآية [الأحزاب:50]. وهو دال على أنه عتقها وخيرها في نفسها فاختارته فنكحها بما خصه الله تعالى بغير صداق.

قلت: روى أبو الشيخ ابن حَيَّان من حديث شاذ بن فياض، ثنا هاشم بن سعيد، ثنا كنانة، عن صفية قالت: أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل عتقي صداقي

(1)

.

وذكر رزين وابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر وغيرهم أنه عليه السلام أصدق صفية جارية تدعى رزينة

(2)

.

فصل:

روى أنس رضي الله عنه أنه عليه السلام استبرأ صفية بحيضة. ذكره الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"

(3)

وأنكره ابن المديني

(4)

.

(1)

رواه أيضًا الطبراني في "الكبير" 24/ 73 - 74 (194)، و"الأوسط" 5/ 164 (4953).

(2)

ذكرها ابن الأثير في "أسد الغابة" 7/ 109 (6913) وعزاها لابن عبد البر، وابن منده، وأبي نعيم، وترجم لها أبو نعيم في "معرفة الصحابة" 6/ 3334 (3879)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 397 (3373)، ولم يذكرا أنه صلى الله عليه وسلم أصدقها لصفية.

(3)

رواه الحارث كما في "بغية الباحث" ص 162 (500).

(4)

انظر: "تاريخ بغداد" 12/ 135.

ص: 227

وروي أيضًا من حديث إسماعيل بن عياش، عن الحجاج بن أرطاة، عن الزهري، عن أنس، وهو ضعيف

(1)

.

فصل:

قد أسلفت الخلاف في عتق الأمة على أن يكون صداقها، وهو ممتنع عند أكثر العلماء أنه إنما يكون صداقا إذا قارن العقد أو صادف عقدًا، فأما إن تقدم عليه فلا يصح، والعتق هنا مقدم على العقد، فلم يكن صداقًا، فمن أعتقها على أن تزوِّجه من نفسها فأبت فلا لزوم عليها؛ لأن الإجبار ساقط عنها بزوال الرق، فكان لها الخيار.

وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيمن أعتق جارية وتزوجها، فذهب قوم إلى أنه إن أعتقها وجعل عتقها صداقها فهو جائز، فإن تزوجته فلا مهر لها غير العتاق على حديث صفية. روي هذا عن أنس أنه فعله، وهو راوي حديث صفية، وهو قول سعيد بن المسيب والنخعي وطاوس والحسن وا بن شهاب، وإليه ذهب الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق

(2)

.

وقال آخرون: ليس لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذا، وإنما كان ذلك خاصًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى أباح له أن يتزوج بغير صداق، ولم يجعل ذلك لأحد من المؤمنين غيره. هذا قول مالك وأبي حنيفة وزفر ومحمد والشافعي

(3)

.

(1)

رواه ابن عدي في "الكامل" 2/ 525، وقال في 2/ 527: والحجاج بن أرطاة إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري، وعن غيره وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يكتب الحديث، ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 52/ 427.

(2)

انظر: "المغني" 9/ 453.

(3)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 272، و"الاستذكار" 16/ 67 - 69.

ص: 228

وقد روى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه السلام فعل في جويرية بنت الحارث مثل ما فعله في صفية، أنه أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، لكن قال ابن عمر: أنه خاص به.

قال (الطبري)

(1)

: ونظرنا في عتق رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية كيف كان، فروى ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس، فكاتبت نفسها وجاءت تستعين رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها، فقال لها:"هل لك في خير من ذلك، أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟ " قالت: نعم، فتزوجها. فبينت عائشة العتاق الذي ذكره ابن عمر الذي جعله مهرها، أنه أداؤه عنها، كاتبها لتعتق بذلك الأداء ويكون مهرها لها.

فلما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل ذلك مهرًا لها، كان ذلك له خاصًّا دون أمته، كما كان خاصًّا أن يجعل العتاق الذي تولاه هو مهرًا

(2)

.

فإن قلت: لم جعل العتق كالمال؟ قيل: لأنها ملكية بعض ما كان له؛ فلذلك لم يجب عليها بذلك العتاق.

فصل:

قد أسلفنا الكلام على رواية: "ثم أصدقها".

قال ابن حزم: ولو صحت لم يكن فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنه يجوز له نكاحها إلا بمهر جديد، ونحن لا نمنع من أن يجعل لها مهرًا آخر،

(1)

كذا في الأصل (الطبري)، وجاء في "شرح ابن بطال" 7/ 177 (الطحاوي) وقال محققه: من "هـ" وفي الأصل (الطبري) اهـ. وهي النسخة التي يبدو أن المصنف نقل منها، وانظر "شرح معاني الآثار" 3/ 21 - 22.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 77 - 178.

ص: 229

وقد سلف عنه أنه تفرد به يحيى، وأنه ضعيف جدًّا

(1)

. وليس كما ذكر، فقد قال فيه ابن نمير: كان ثقة، وهو أكبر من هؤلاء كلهم. ورضيه يحيى بن معين، وخرَّج له الشيخان، وهو حافظ، صاحب حديث، صدوق

(2)

.

قال الحاكم: وسئل عنه أبو بكر الأعين، فقال: ثقة، وقد ظلم.

وزعم الواقدي أنه عليه السلام جعل صداق جويرية عتق كل أسير من بني المصطلق -قاله الشعبي- وقيل: أربعين أسيرًا- قاله مجاهد

(3)

.

وعند الطبراني: أن أباها لما أسلم زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4)

. قال ابن المنذر: قضى كتابتها وتزوجها كما فعل في حديث صفية سواء.

ولما ذكر ابن حزم ما ذكره الطحاوي عن أحمد بن داود، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن ابن عون قال: كتب إليَّ نافع: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها. أخبرني بذلك ابن عمر وذلك في ذلك الجيش

(5)

.

قال الطحاوي: كذا روى هذا ابن عمر، ثم قال: هو من بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا أنه يجدد لها صداقًا.

(1)

"المحلى" 9/ 505.

(2)

انظر "معرفة الرجال" لابن معين 1/ 104 (470)، "تهذيب الكمال" 31/ 419.

(3)

انظر "مغازي الواقدي" ص 409.

(4)

لم أقف على رواية الطبراني، وفي "الطبقات" 8/ 117 عن عبد الله بن أبي الأبيض مولى جويرية عن أبيه قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق فوقعت جويرية في السبي فجاء أبوها فافتداها ثم أنكحها رسول الله.

(5)

"المحلى" 9/ 503.

ص: 230

ثم ساقه عن سليمان بن شعيب، ثنا الخصيب، ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما مثل ذلك، قال: فهذا ابن عمر قد ذهب إلى أن الحكم في ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن يكون ذلك شيئًا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون على ذلك المعنى الذي استدللنا به على خصوصيته عليه السلام بذلك دون الناس، ثم نظرنا فوجدنا عائشة رضي الله عنها قد روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما جاءته جويرية تستعينه في كتابتها قال لها:"هل لك في خير من ذلك، أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟ " قالت: نعم، فتزوجها، فبينت عائشة العتاق الذي ذكر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وجعل مهرها كيف هو، فهو أداؤه عنها كتابتها لتعتق بذلك الأداء، ثم كان بذلك الإعتاق الذي وجب بأداء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الذي كاتبها مهرا لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، وليس لأحد أن يفعله؛ لأنه خاص به دون الأمة

(1)

.

قال

(2)

: الذي نعرفه عن ابن عمر هو ما رويناه عن سعيد بن منصور، ثنا هشيم وجرير كلاهما، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي قال: كان ابن عمر يقول في الرجل يعتق الجارية ثم يتزوجها كالراكب بدنته، قال: فإنما كره ابن عمر زواج المرء من أعتقها لله فقط، فبطل كيدهم الضعيف في هذِه المسألة

(3)

.

قلت: النخعي لم يسمع من ابن عمر البتة -كما صرح به هو وغيره- قال: وقوله: هو من بعده في مثل هذا أنه يحدد لها صداقًا.

(1)

انظر "شرح معاني الآثار" 3/ 20 - 21.

(2)

أي: ابن حزم.

(3)

"المحلى" 9/ 503 - 504.

ص: 231

قال: ولم يذكر كلام ابن عمر كيف كان، ولعله لو أورده لكان خلافًا لظن الطحاوي، وهذا الحديث ليس مما رواه أصحاب حماد بن سلمة، فهو أمر ضعيف من كل جهة، والخبر الأول من رواية يعقوب بن حميد وهو ضعيف

(1)

.

قلت: والخصيب السالف ثقة، وممن ذكره فيهم ابن حبان وقال: ربما أخطأ

(2)

. وصححه الحاكم من طريقه

(3)

، وقال: لم يتكلم فيه أحد بحجة، وخرج له البخاري، وقال: ابن عدي لا بأس به وبروايته.

ثم قال ابن حزم: وذكروا الخبر الذي رويناه من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة: أن جويرية قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث المذكور أولًا.

قال: يقال قبل كل شيء: هذا خبر لا تقوم به حجة؛ إنما رويناه عن ابن إسحاق من طريقين ضعيفين: أحدهما: من طريق زياد البكائي، والآخر: من حديث أسد بن موسى وكلاهما ضعيف

(4)

.

قلت: أسد ثقة -كما صرح به غير واحد، وقد رواه عن ابن إسحاق أيضًا، عن يونس بن بكير- كما أفاده البيهقي في "دلائله"

(5)

.

(1)

"المحلى" 9/ 504.

(2)

"الثقات" 8/ 232.

(3)

خرج له الحاكم في "المستدرك" أحاديث منها 2/ 57 عن الخصيب بن ناصح ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ.

(4)

"المحلى" 9/ 504.

(5)

"دلائل النبوة" 4/ 49 - 50.

ص: 232

فرع:

نقل ابن أبي شيبة عن عطاء: أنها لو قالت لعبدها: أعتقتك على أن تتزوجني فكأنها بدأت بعتقه، وكذا قاله أبو عبيد بن عمير، ولما سئل مجاهد عن هذا غضب وقال: في هذا عقوبة من الله ومن السلطان. وفي رواية عن عطاء وعبيد: تعتقه ولا تشارطه

(1)

.

فصل:

فيه من الفقه أنه يجوز للسيد إذا أعتق أمته أن يزوجها من نفسه دون السلطان، وكذلك الولي في وليته، وفيه اختلاف للعلماء يأتي في باب: إذا كان الولي هو الخاطب.

فصل:

قال ابن المنذر: وفي تزويجه عليه السلام صفية من نفسه إجازة النكاح بغير شهود إذا أعلن. وهو قول الزهري، وأهل المدينة ومالك وعبيد الله بن الحسن وأبي ثور، وروي عن ابن عمر أنه تزوج ولم يحضر شاهدين، وأن الحسن بن علي زوج عبد الله بن الزبير وما معهما أحد من الناس، ثم أعلنوه بعد ذلك. وقالت طائفة: لا يجوز النكاح إلا بشاهدي عدل.

روي ذلك عن ابن عباس وعطاء والنخعي وسعيد بن المسيب والحسن. وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بشاهدين، ويجوز أن يكونا محدودين في قذف أو فاسقين أو أعميين.

وقام الإجماع على رد شهادة الفاسق. وكان يزيد بن هارون من أصحاب الرأي ويقول: أمرنا الله بالإشهاد عند التبايع، فقال: {وَاشْهَدُوا

(1)

"ابن أبي شيبة" 4/ 27 (17432، 17433).

ص: 233

إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وأمر بالنكاح ولم يأمر بالإشهاد عليه، وعن أصحاب الرأي: إن البيع الذي أمر الله بالإشهاد عليه جائز من غير شهود، وإن النكاح الذي لم يأمر فيه بالإشهاد عنده لا يجوز إلا بشهود.

قال ابن المنذر: وقد اختلف في ذلك أصحاب الرسول، وجاء الحديث الثابت الدال على إجازة النكاح بغير شهود، وهو حديث تزويجه عليه السلام صفية، ألا ترى أن أصحابه اختلفوا، فلم يعرفوا أكانت زوجة أو ملك يمين، واستدلوا على أنه تزوجها بالحجاب، فدل ذلك على أنه عليه السلام لم يشهدهم على إنكاحها واجتزأ فيه بالإعلام، ولو كان هناك شهود ما خفي ذلك عليهم

(1)

.

قلت: نكاحه عليه أفضل الصلاة والسلام لا يحتاج إلى شهود؛ لأنه مأمون لا يقع منه جحد أصلًا بخلافنا، وفيه الحكم بالدليل.

فصل:

قوله: الما ارتحل وَطَّى لها خلفه). فهو معنى قوله في غزوة خيبر: يحوي لها وراءه بعباءة، أي: يدير كساء حول سنام البعير لتركب عليه، وهو الحوية قال الأصمعي: والحوية: كساء محشو بثمام أو ليف يجعل على ظهر البعير، وفي قصة بدر أن أبا جهل -لعنه الله- بعث عمير بن وهب ليحزر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف عمير برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع قال: رأيت الحوايا عليها المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع

(2)

.

(1)

"الإشراف" 1/ 33 - 34.

(2)

انظر: "غريب الحديث" للخطابي 1/ 576.

ص: 234

‌14 - باب تَزْوِيجِ المُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]

5087 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ:«وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» . قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا» . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟! إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ» . فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ:«مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» . قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا. فَقَالَ: «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 3310 - مسلم: 1425 - فتح 9/ 131].

ذكر فيه حديث سهل في قصة الواهبة، وفي آخره:"اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". وقد سلف بالترجمة المذكورة، وذكره في اللباس والوكالة وفضائل القرآن

(1)

وأخرجه مسلم، وهو دال على جواز نكاح المعسر، وأن الكفاءة إنما هي في الدين لا في المال، فإذا استجازت المرأة أو الولي التقصير في المال جاز النكاح،

(1)

سلف برقم (2310)، (5029)، (5071)، (5871).

ص: 235

والأصح عندنا: أن المال ليس شرطًا في الكفاءة

(1)

، وقد روي عن - عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ابتغوا الغناء في النكاح، ما رأيت من قعد بعد هذِه الآية {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]

(2)

وفي "مستدرك الحاكم" من حديث عائشة مرفوعًا: "تزوجوا النساء: فإنهن يأتينكم بالمال" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين

(3)

، وصح أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حق على الله أن يعينهم: المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء"

(4)

وقال ابن الجلاب: إذا علمت المرأة بفقره عند النكاح فلا مقام لها.

فصل:

في حديث سهل جواز خطبة المرأة الرجل لنفسها إذا كان صالحًا ولا عار عليها في ذلك.

وفيه: أن النساء: يخطبن إلى الأولياء، فإن لم يكن ولي فالسلطان ولي من لا ولي له.

وفيه: إجازة النكاح بلفظ الهبة من قولها: جئت أهب نفسي لك. وكذا البيع وكل لفظ يقتضي التأبيد دون التأقيت، قاله القاضيان: ابن القصار

(5)

وابن بكير.

(1)

انظر: "طرح التثريب" 7/ 20 - 21.

(2)

رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 170 - 171 (10385) بنحوه.

(3)

"المستدرك" 2/ 161.

(4)

رواه الترمذي (1655)، والنسائي 6/ 15 - 16، وابن ماجه (2518)، وأحمد 2/ 251.

(5)

انظر: "عيون المجالس" 3/ 1068 (755).

ص: 236

وذكر أبو حامد عن مالك (إنْ)

(1)

ذكر المهر مع هذا اللفظ صح وجاز العقد وإلا لم يجز، ولم ينعقد النكاح.

وكذا قوله: "ملكتكها".

وقال المغيرة والشافعي: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح

(2)

.

والأول من خواصه، كما أن له أن يتزوج بغير مهر وولي، ولأن المخاطب لا يدخل في الخطاب إلا فيما كان من أمر الله كما قاله القاضي أبو بكر والجمهور كما حكاه ابن التين خلافًا لبعض أصحابنا، وليس منعنا أن يتزوج بلفظ الهبة منعًا للشارع، وكذلك الولاية في النكاح؛ لأنه تزوج أم سلمة بغير ولي، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم.

وادعى ابن حبيب أن حديث سهل هذا منسوخ بقوله "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"

(3)

.

وروا ية: "ملكتكها" الصحيح رواية: "زوجتكها"

(4)

بإجماع أهل الحديث، والأولى وهم من معمر، لكن البخاري ذكرها عن غيره، ولأنها قضية عين، فليس الاحتجاج بأحدهما أولى من الآخر.

(1)

في الأصل: أنه والمثبت هو الصواب.

(2)

"مختصر المزني" بهامش "الأم" 3/ 272.

(3)

رواه ابن حبان 9/ 386 (4075) من حديث عائشة، ورواه بدون ذكر لفظ "شاهدي عدل" أبو داود (2085)، والترمذي (1101) وابن ماجه (1881) من حديث أبي موسى.

(4)

سلف برقم (5029).

ص: 237

فصل:

(وصعد النظر فيها وصوبه) فيه جواز النظر إلى المرأة إذا أراد نكاحها. وهو قول الأئمة مالك والشافعي وأحمد.

وعن بعض المتأخرين منعه

(1)

.

فصل:

وقوله: (ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه). هو حشمة منه وحياء ولم يواجهها إني لا أتزوجك، وإن ذكر في باب: إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة فقال: "مالي اليوم في النساء حاجة"

(2)

.

فصل:

فيه أن الشارع له الاجتهاد. وهو ظاهر.

فصل:

قوله: ("ولو خاتمًا من حديد") فيه كما قال ابن المنذر أن أقل المهر لا توقيت فيه

(3)

؛ إذ الخاتم من حديد لا يساوي عشرة كقول أبي حنيفة، ولا ربع دينار (مالك)

(4)

، أو ثلاثة دراهم

(5)

.

قال الشافعي: ما جاز أن يكون ثمنًا أو أجرة جاز أن يكون صداقًا

(6)

.

(1)

انظر: "بداية المجتهد" 3/ 938، "مختصر المزني" بهامش "الأم" 3/ 256، "المغني" 9/ 489.

(2)

سيأتي برقم (5141).

(3)

انظر: "الإشراف" 1/ 36 - 37.

(4)

هكذا بالأصل، ولعل الصواب: كقول مالك.

(5)

انظر: "الاستذكار" 16/ 71.

(6)

انظر: "مختصر المزني" بهامش "الأم" 4/ 17.

ص: 238

وقال ربيعة وابن وهب عند ابن حبيب؛ يجوز كالدرهم والسوط والنعلين أخذًا بظاهر هذا الحديث

(1)

.

وروي عن ربيعه: نصف درهم

(2)

. وقيل: ما يساوي ثلاثة دراهم.

وقال النخعي: أقله أربعون درهمًا. وقال سعيد بن جبير: خمسون

(3)

. ولا وجه لهما.

فصل:

فإن كان الشيء حقيرًا فسدت التسمية عندنا، ورجع إلى مهر المثل. وعند ابن القاسم: إذا تزوج على أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، إن لم يدخل خير بين أن يتم لها ثلاثة دراهم أو يفرق بينهما، وإن دخل أجبر على أن يتم ربع دينار، وإن طلق قبل البناء كان لها نصف الدرهمين؛ لأنه صداق مختلف فيه

(4)

.

وقال غيره: يفسخ قبل ويثبت بعد ولها صداق المثل.

واختلف إذا لم يتم قبل البناء ربع دينار وفرق بينهما، فقال محمد: لها نصف ما كان أصدقها.

وقال ابن حبيب: لا شيء لها

(5)

، وهو أبين كما قال ابن التين، واختار الشيخ أبو الحسن بن القابسي قول محمد، وأجاب الأبهري وأجاب عن الخاتم بأنه خاص بذلك الرجل، ولا دليل يشهد له.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 450.

(2)

رواه البيهقي 7/ 241.

(3)

انظر: "الاستذكار" 16/ 74.

(4)

"المدونة" 2/ 173 - 174.

(5)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 464.

ص: 239

وقال ابن القصار: يحتمل أن يكون أراد منه تعجيل شيء يقدمه من الصداق؛ لأنه لم يقل: أن ذلك الشيء إذا أتى به يكون جميع الصداق. وهو بعيد أيضًا.

فصل:

[فيه] دلالة على أنه إذا قال: زوجني. فقال: زوجتك. أنه لا يحتاج أن يقول ثانيًا: قبلت نكاحها.

وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي كالبيع خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: لابد أن يقول: قبلت

(1)

. وهو أحد التأويلات في قوله في "المدونة": بعني سلعتك. أن المشتري لا يلزمه

(2)

، وأول بعضهم بعني، أي: تبيعني.

فصل:

قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: قوله: ("بما معك من القرآن") هذا خاص بذلك الرجل. قلت: لا.

قال: والدليل على ذلك أنه زوجها من ذلك الرجل ولم يستأمرها في تزويجه. وليس في الحديث ما يدل أنها أرادت غيره. قلت: هو ولي المؤمنين.

قال: وأيضًا فلم يعلم ما معه من السور.

وظاهر الحديث أي: زوجتك لأن فيك قرآنًا.

قلت: قد أسلفنا في باب: تزويج المعسر: "قم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك"

(3)

.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 464.

(2)

انظر: "المدونة" 3/ 264.

(3)

رواه أبو داود (2112) من حديث أبي هريرة.

ص: 240

وقال الشافعي: زوجها منه ليعلمها السور، وكذلك احتج به القاضي عبد الوهاب على صحة العقد في النكاح بالإجارة

(1)

.

قال: وفي كتاب مسلم: "انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن"

(2)

.

وقد اختلف في النكاح بالإجارة على ثلاثة أقوال: فقال مالك -وهو عند محمد-: هو مكروه. وقال أصبغ: هو جائز. وقال ابن القاسم: هو ممنوع ويفسخ قبل البناء

(3)

.

وقيل: معنى: "بما معك" أي: لأجل فضيلة القرآن، ورُد عليه بأنْ قيل: لو كان كذلك لقال: لما معك؛ لأن الباء إنما هي للبدل والعوض، كقولك: بعتك ذا بكذا، ولأنه سأله عما يصدقها ولم يطلب فضله، أو لو قصده لسأله عن نسبه، وهل هو قرشي أو غيره، وإنما قصد المهر، فإن قيل: فقد لا تتعلم فينقض بجواز تعليمها الكتاب، وقد (لا)

(4)

تتعلم، وعند المالكية خلاف في حذق المتعلم، واشترطه ابن سحنون.

فصل:

وفي الحديث دلالة على صحة النكاح، وإن لم يتقدمه خطبة -بالضم- وخالف فيه داود

(5)

.

(1)

انظر: "المعونة" 1/ 498.

(2)

مسلم (1425/ 77) كتاب النكاح، باب: الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن، وخاتم حديد ..

(3)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 466.

(4)

كذا في الأصل ويستقيم بدونها السياق.

(5)

انظر: "عيون المجالس" 3/ 1076 - 1077، "المغني" 9/ 466.

ص: 241

وفيه: أن المراد إذا زوجها الولي فرضيت بالقرب جاز، وفيه اختلاف عن مالك.

قال مرة: لا أحب المقام عليه. وقال: لا يجوز إذا رضيت، فلم يفرق بين قرب وبعد، وأجازه مرة إذا قرب، ومنعه إذا بعد. حكاه أصبغ

(1)

.

فصل:

وفيه: جواز القراءة عن ظهر قلب، وقد بوب البخاري لذلك فيما سلف قريبًا.

فصل:

وفيه: أن المؤمنين ليس عليهم أن يصدق بعضهم عن بعض كمواساة الأكل والشرب.

وفيه: ابتغاء الجمال.

وفيه: أن السلطان ولي من لا ولي له، وكذا ترجم عليه البخاري.

وفيه: المراوضة في الصداق.

وفيه: خطبة الرجل لنفسه.

وفيه: أن الزوج يقدم شيئًا من الصداق، وقد قال عيسى عن ابن القاسم: وإن أهدى إليها فلا يدخل حتى يقدم ربع دينار. وأجازه بعضهم، وما أحب ذلك حتى يقدمه

(2)

.

وفيه: أن النكاح لا يكون إلا بصداق.

(1)

انظر: "المنتقى" 3/ 312.

(2)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 456.

ص: 242

‌15 - باب الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ

وَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} [الفرقان: 54].

5088 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهْوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ:{وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ ثُمَّ الْعَامِرِيِّ -وَهْيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ- النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. [انظر: 4000 - مسلم: 1453 - فتح 9/ 131].

5089 -

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ» . قَالَتْ: وَاللهِ لَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، قُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» . وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ. [مسلم: 1207 - فتح 9/ 132].

5090 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» . [مسلم: 1466 - فتح 9/ 132].

5091 -

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» . قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ

ص: 243

أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» . قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» . [6447 - فتح 9/ 132].

ذكر فيه أربعة أحاديث:

أحدها:

حديث أبي اليَمَانِ، عن شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهْوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، كَمَا تبَنَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تبَنَّى رَجُلًا فِي الجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ:{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} إلى قَوْلِهِ: {وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] فَرُدُّوا إلى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو القُرَشِيِّ ثُمَّ العَامِرِيِّ -وامْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ- النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَرى سَالِمًا وَلَدًا وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

ثانيها:

حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: "لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ". قَالَتْ: والله لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي، قُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي". وَكَانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ.

ص: 244

ثالثها:

حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا، ودِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَالتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ".

رابعها:

حديث سَهْلٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"مَا تَقُولُونَ فِي هذا؟ ". قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُل مِنَ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ:"مَا تَقُولُونَ فِي هذا؟ ". قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هذا".

ورواه النسائي

(1)

من حديث أبي اليمان بإسناده مختصرًا، ومن حديث يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عروة وابن عبد الله بن ربيعة

(2)

، عن عائشة

(3)

. قال الذهلي في هذا الحديث: ورواه عقيل، عن الزهري، عن عروة وابن عبد الله بن ربيعة، عن عائشة.

ورواه شعيب عن الزهري، عن عروة وابن عبد الله بن ربيعة، عن عائشة وأم سلمة، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن عروة وابن عبد الله بن ربيعة، عن عائشة وأم سلمة

(4)

.

(1)

يعني الحديث الأول.

(2)

ورد بهامش الأصل: حاشية: قال المزي في "أطرافه": ابن عبد الله بن ربيعة، كذا عنده -أي: النسائي- وأظنه: ابن أبي ربيعة وهو الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة المخزومي، والله أعلم. ["التحفة" 12/ 100 (16686)].

(3)

"النسائي" 6/ 63 - 64.

(4)

رواه النسائي في "الكبرى" 3/ 268 (5334).

ص: 245

ورواه يونس، عن الزهري، عن عروة وابن عبد الله بن ربيعة في قصة سالم مولى أبي حذيفة وسهلة بنت سهيل.

قال: ورواه عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة

(1)

.

ورواه معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. ورواه ابن أخي ابن شهاب، عن عمه مثل حديث معمر

(2)

. ورواه مالك، عن الزهري، عن عروة، لم يذكر عائشة

(3)

.

قال: وهذِه الوجوه عندنا محفوظة (غير)

(4)

حديث ابن مسافر، فإنه لم يتابعه عليه أحد من أصحاب الزهري. غير أني لست أقف على هذا الرجل المقرون مع عروة، إلا أني أتوهم أنه إبراهيم -وأما أبو (عائذ الله)

(5)

فمجهول ليس بمعروف-[بن]

(6)

عبد الرحمن بن عبد الله بن ربيعة ابن أم كلثوم بنت الصديق، فإن الزهري قد روى عنه حديثين، وهو برواية يونس بن يزيد ويحيى بن سعيد الأنصاري أشبه من حيث قالا: عن ابن عبد الله بن ربيعة، وهذا عندي (أراد)

(7)

-والله أعلم- إبراهيم بن عبد الرحمن الذي ذكرناه

(8)

.

(1)

رواه الطبراني 24/ 291 (741)، والحاكم 2/ 163 - 164.

(2)

رواه ابن الجارد في "المنتقى" 3/ 33 (690)، والطبراني في "الأوسط" 9/ 73 (9159).

(3)

"الموطأ" ص 374.

(4)

في الأصل: (من)، والصواب ما أثبتناه.

(5)

في الأصل: (أبو عبد الله)، والمثبت هو الصواب، ويقال: هو ابن عبد الله بن ربيعة.

(6)

ليست في الأصل، والمثبت من"تهذيب الكمال".

(7)

في الأصل: (أوجه)، والمثبت من "تهذيب الكمال".

(8)

انظر: "تهذيب الكمال" 34/ 16 - 17 (7465). وقال ابن حجر في "الفتح" =

ص: 246

الشرح:

هذا الحديث -أعني: الأول- سلف في باب مجرد عقب باب: شهود الملائكة بدرًا من حديث عقيل، عن الزهري. وأخرجه أبو داود من حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنها

(1)

.

قال الحميدي في "جمعه": وأخرجه البرقاني في كتابه بطوله من حديث أبي اليمان بسنده بزيادة: فكيف ترى [يا]

(2)

رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "أرضعيه" فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أختها وأخيها

(3)

أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها -وإن كان كبيرًا- خمس رضعات فيدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس حتى يكون في المهد، وقلن لعائشة- رضي الله عنها: والله ما ندري لعله رخصة لسالم دون الناس.

وفي مسلم في حديث القاسم، عن عائشة: جاءت سهلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم. فقال: "أرضعيه" فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم وقال:

= 9/ 134: والذي أظن أن قول الذهلي أشبه بالصواب، ثم ظهر لي أنه أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، فإن هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريقه من وجه آخر، فهذا هو المعتمد، وكأن ما عداه تصحيف والله أعلم. اهـ.

قلت: هو عند مسلم (1454/ 31) من حديث أم سلمة.

(1)

أبو داود (2061).

(2)

ليست في الأصل، والمثبت من "الجمع بين الصحيحين".

(3)

كذا في الأصل وفي "الجمع بين الصحيحين" إخوتها وأخواتها.

ص: 247

"قد علمت أنه رجل كبير". وفي رواية ابن أبي مليكة: "أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في وجه أبي حذيفة" فرجعت وقالت: أرضعته، فذهب الذي في وجه أبي حذيفة

(1)

.

ولمالك: "أرضعيه خمس رضعات"

(2)

، وهو ترسيخ لحديث أم الفضل الصحيح المرفوع:"لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان"

(3)

.

وعن أبي هريرة: "لا تحرم المصة ولا المصتان" صححه عبد الحق

(4)

. وحديث أم الفضل الآخر المرفوع: "يحرم من الرضاعة المصة والمصتان" ضعيف

(5)

.

فصل:

قولها: (وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد) وقع في "الموطأ" أن اسمها فاطمة بنت الوليد

(6)

، ووهم من ضبطه بضم الهمزة والتاء.

وقوله: (وهو مولى لامرأة من الأنصار) هي سلمى، وقيل ثبيتة بنت يعار، وقال أبو طوالة: عَمْرَةُ بنت يعار فيما ذكره أبو عمر

(7)

.

(1)

"الجمع بين الصحيحين" 4/ 178 - 179.

(2)

"الموطأ" ص 374 - 375.

(3)

رواه مسلم (1451) كتاب: الرضاع، باب: في المصة والمصتين.

(4)

"الأحكام الوسطى" 3/ 183 وقال: قال أبو عمر: لا يصح مرفوعًا وصححه غيره لأن الذي رفعه ثقة. اهـ.

قلت: الحديث رواه النسائي في "الكبرى" 4/ 300 (5461) والدارقطني 3/ 173 والبيهقي 7/ 456.

(5)

رواه ابن حزم في "المحلى" 10/ 16 بلفظ "الرضعة والرضعتان" وقال: أما هذا الخبر فخبر سوء موضوع.

(6)

"الموطأ" ص 374.

(7)

"الاستيعاب" 4/ 361 - 362 ت (3301) وانظر: "أسد الغابة" 7/ 46 ت (6790).

ص: 248

فصل:

اختلف العلماء في الأكفاء من هم، فقال مالك: الأكفاء في الدين دون غيرهم، والمسلمون بعضهم لبعض أكفاء، ويجوز أن يتزوج العربي والمولى العربية

(1)

.

روي ذلك عن عمر قال: لست أبالي أي المسلمين نكحت وأيهم أنكحت

(2)

. وبمثله عن ابن مسعود، ومن التابعين عن عمر بن عبد العزيز وابن سيرين

(3)

.

وقال أبو حنيفة: قريش كلهم أكفاء بعضهم لبعض، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، ولا يكون أحد من العرب كفؤًا لقريش ولا أحد من الموالي كفؤًا للعرب، ولا يكون كفؤًا من لا يجد المهر والنفقة

(4)

.

وقال الشافعي: ليس نكاح غير الأكفاء بمحرم (فأرده)

(5)

بكل حال، وإنما هو تقصير بالمتزوجة والأولياء، فإن تزوجت غير كفؤٍ فإن رضيت به وجميع الأولياء جاز، ويكون حقًّا لهم تركوه، وإن رضيت به وجميع الأولياء إلا واحدًا منهم فله فسخه

(6)

.

وقال بعضهم: إن رضيت به وجميع الأولياء لم يجز. وكان الثوري يرى التفريق إذا نكح مولى عربية، ويشدد فيه

(7)

.

(1)

انظر: "المدونة" 2/ 145.

(2)

رواه عبد الرزاق 6/ 152 (10321) وابن أبي شيبة 4/ 27 (17429).

(3)

انظر: "الإشراف" لابن المنذر 1/ 17.

(4)

انظر: "الهداية" 1/ 218.

(5)

في الأصل: (فارد به) والمثبت من "مختصر المزني" بهامش "الأم" 3/ 264، و"شرح ابن بطال" 7/ 183.

(6)

انظر: "الأم" 5/ 13، "مختصر المزني" بهامش "الأم" 3/ 264،

(7)

رواه عبد الرزاق 6/ 154 (10330).

ص: 249

وقال أحمد: يفرق بينهما

(1)

.

واحتج الذين

(2)

جعلوا الكفاءة في النسب والمال، فقالوا: العار به يدخل على الأولياء والمناسبين؛ لأن حق الكفاءة رفع العار عنها وعنهم. قالوا: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: قريش بعضهم لبعض كفؤ والموالي بعضهم لبعض كفؤ إلا الحاكة والحجامين.

ورواه نافع عن مولاه مرفوعًا. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو حديث منكر، ورواه هشام الرازي فزاد فيه: أو دباغ قال: فخرج عليه الدباغون، حتى إن بعض الناس حسن الحديث، وقال: إنما معناه أو دباب. كذا أراد هؤلاء الذين يتخذون الدباب

(3)

.

واحتج أهل المقالة الأولى بحديث عائشة الذي في الباب أن أبا حذيفة تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه، وهي سيدة أيامى قريش، وسالم مولى لامرأة من الأنصار، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم رسول الله صلى الله عليه وسلم[المقداد]

(4)

وهو عربي حليف الأسود بن عبد يغوث، تبناه ونسب إليه، وهو وجه إيراد البخاري له في الباب، حيث قال في آخره:(وكانت تحت المقداد بن الأسود).

وروى الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان، عن أبيه: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال

(5)

.

(1)

انظر: "المغني" 9/ 387.

(2)

ورد بهامش الأصل: في هامش الأصل ما لفظه: أجاز مالك نكاح المولى للعربية ومنعه المغيرة.

(3)

"علل الحديث" 1/ 423 (1275).

(4)

ليست في الأصل، والمثبت من "شرح ابن بطال".

(5)

"سنن الدارقطني" 3/ 300 - 301.

ص: 250

واحتجوا بحديث الباب: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" وهو وجه إيراد البخاري له هنا، فجعل العمدة ذات الدين، فينبغي أن يكون العمدة في الرجل مثل ذلك.

ألا ترى قوله في حديث سهل حين فضل الفقير الصالح على الغني، وجعله خيرًا من ملء الأرض منه.

وذكره البخاري أيضًا في الرقاق

(1)

، وذكره أبو مسعود في "أطرافه": أن مسلمًا أخرجه، وذكره الخليلي وابن الجوزي في المتفق عليه

(2)

.

واحتجوا أيضًا بقوله عليه السلام لبني بياضة: "أنكحوا أبا هند" فقالوا: يا رسول الله، أتزوج بناتنا من موالينا؟ فنزلت {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} الآية [الحجرات: 13] رواه أبو داود

(3)

، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا:"إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" ثم رواه الليث، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة مرسلًا.

قال محمد: وهو (أشبه)

(4)

. وعن أبي حاتم المزني مرفوعًا: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" ثم قال: غريب، ولا يعلم لأبي حاتم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره

(5)

.

(1)

سيأتي برقم (6447)، باب: فضل الفقر.

(2)

قال ابن حجر في "النكت الظراف" 4/ 114 (4720): قال الحميدي: ذكره أبو مسعود في المتفق ولم أجده في مسلم. اهـ. وذكره ابن الجوزي في المتفق وأهمل التنبيه الذي ذكره الحميدي. وذكره في أفراد البخاري خلف والطرقي، وغيرهما. وهو الصواب. اص. وانظر "الجمع بين الصحيحين" للحميدي 1/ 553 - 554 (915).

(3)

رواه أبو داود مختصرًا برقم (2102) وحسَّن الحافظ إسناده في "تلخيص الحبير" 3/ 164 ورواه البيهقي في "الكبرى" 7/ 136 بتمامه.

(4)

في الأصل: (ابن أشته) والمثبت من "سنن الترمذي".

(5)

الترمذي (1085).

ص: 251

وأجاب بعضهم عن حديث سالم وغيره أن ذلك كان قبل أن يدعى إلى أبويهما وأنهم كانوا يرون أن من تبنى أحدًا فهو ابنه، وآخر حديث سالم صريح فيه.

وقال المهلب: الأكفاء في الدين هم المتشاكلون، وإن كان في النسب [تفاضل]

(1)

، فقد نسخ الله ما كان يحكم به العرب في الجاهلية من شرف الأنساب بشرف الصلاح والدين، فقال تعالى:{إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الآية [الحجرات: 13]، وقد نزع بهذِه الآية مالك بن أنس.

وأما دعوى دخول العار عليها وعلى الأولياء فيقال: مع الدين لا عار، فمعه [يحمل]

(2)

كل شيء، وفي النسب مع عدم الدين كل عار، وقد تزوج بلال امرأة قرشية كما سلف، وأسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وهي قرشية

(3)

، وقد كان عزم عمر بن الخطاب على تزوبج ابنته من سلمان الفارسي حتى قال عمرو بن العاصي لسلمان: لقد تواضع لك أمير المؤمنين. فقال سلمان: لمثلي يتواضع، والله لا أتزوجها أبدا. ولولا أن ذلك جائز ما أراده عمر ولا هم به؛ لأنه لا يدخل العار نفسه وعشيرته

(4)

.

فصل:

قد أسلفنا وجه دخول حديث ضباعة هنا، وقد أجازه طائفة عملًا به -أعني: الاشتراط

(5)

- ومنهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار

(1)

ليست في الأصل، والمثبت من "شرح ابن بطال" 7/ 184.

(2)

في الأصل: (ما يحمل)، والمثبت موافق للسياق.

(3)

رواه مسلم (1480) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.

(4)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 184 - 185.

(5)

يعني: الاشتراط في الحج.

ص: 252

وابن عباس. ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة وعطاء وعلقمة وشريح وعبيدة. ذكره ابن أبي شيبة

(1)

وعبد الرزاق، وهو الأظهر عند الشافعي، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور

(2)

.

وأنكر الاشتراط طائفة أخرى وقالوا: هو باطل

(3)

.

روي ذلك عن ابن عمر وعائشة. وهو قول النخعي والحكم وطاوس وسعيد بن جبير

(4)

، وإليه ذهب مالك والثوري وأبو حنيفة، وقالوا: لا ينفعه اشتراطه ويمضي على إحرامه حتى يتم

(5)

. وكان ابن عمر ينكر ذلك ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يشترط، فإن حبس أحدكم بحابس عن الحج فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة، ويحلق (و)

(6)

يقصر، وقد حل من كل شيء حتى يحج قابلًا، ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا

(7)

.

وأنكر ذلك طاوس وسعيد بن جبير، وهما رويا الحديث عن ابن عباس، وأنكره الزهري

(8)

، وهو راويه عن عروة

(9)

.

(1)

انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 324 - 325.

(2)

انظر: "الأم" 2/ 134، و"المغني" 5/ 92.

(3)

ورد بهامش الأصل: في حاشية الأصل ما لفظه: وقع في ابن بطال: قال به بعض الشافعية.

(4)

انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 324 - 325.

(5)

انظر: "المبسوط" 4/ 108، "التمهيد" 15/ 191.

(6)

ورد بهامش الأصل: لعله أو.

(7)

سلف برقم (1810) بنحوه.

(8)

انظر: "التمهيد" 15/ 192.

(9)

رواه مسلم (1207/ 105) عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، كتاب: الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه. وهو حديث الباب.

ص: 253

فهذا كله مما يوهن الاشتراط وادعاء خصوصها وليس بظاهر. وادعى ابن المرابط أن عدم ذكره لهذا الحديث في كتاب الحج دلالة على أن الاشتراط عنده لا يصح، وهو عجيب.

وفيه دليل على أن الإحصار لا يقع إلا بعذر مانع، وأن المرض وسائر العوائق لا يقع بها الإحلال، وإلا لما احتاجت إلى هذا الشرط.

وهو قول ابن عباس، قال: لا حصر إلا حصر العدو

(1)

، وروي معناه عن ابن عمر

(2)

.

وقولها: (محلي حيث حبستني) فيه دليل على أن المحصر يحل حيث يحبس، وينحر بدنة هناك، حرامًا كان أو حلالًا.

فصل:

وحديث أبي هريرة- رضي الله عنه: "تنكح المرأة لأربع" إلى آخره. هو إخبار عن عادة الناس في ذلك.

قال المهلب: وهو دال على أن للزوج الاستمتاع بمالها، فإنه يقصد لذلك، فإن طابت به نفسًا فهو له حلال، وإن منعت فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من صداق، واختلفوا إذا أصدقها وامتنعت الزوجة أن تشتري شيئًا من الجهاز، فقال مالك: ليس لها أن تقضي به دينها، وأن تنفق منه في غير ما يصلحها، إلا أن يكون الصداق شيئًا كثيرًا فتنفق منه شيئًا يسيرًا في دينها

(3)

.

(1)

رواه البيهقي في "الكبرى" 1/ 219.

(2)

رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 206 (13553).

(3)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 186.

ص: 254

وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي: لا تجبر على شراء ما لا تريد، والمهر لها تفعل فيه ما شاءت، واحتجوا بأجمعهم بأنها لو ماتت والصداق بحاله أن حكمه حكم سائر مالها.

والحديث دال على أن للزوج الاستمتاع بمالها والارتفاق بمتاعها، ولولا ذلك لم يفدنا قوله:"تنكح المرأة لمالها" فائدة، ولساوت العبد الفقير في الرغبة فيها، فقول مالك أشبه بدليل الحديث.

فائدة:

زاد الزمخشري في "ربيعه" في الحديث مرفوعًا: "فمن نكح للجمال عاقبه الله بالغيرة، ومن نكح للنسب عاقبه الله بالذل، فلا يخرج من الدنيا حتى يكثر حبسه ويخرق ثيابه ويشج وجهه، ومن نكح للمال لم يخرج من الدنيا حتى يبتليه الله بمالها، ثم يقسو عليها فلا تعطيه شيئًا، ومن نكح للدين أعطاه الله المال والجمال والنسب وخير الدنيا والآخرة".

فصل:

ترب معناه: افتقر، وقيل: استغنى ولم يدع بالفقر، وإنما هي حكمة جرت على ألسنتهم من غير قصد لمعناها كعقرى حلقى ونحوه. وسيأتي أيضًا في الأدب.

فصل:

وحديث سهل في الباب هو ابن سعد.

وذكره الحميدي

(1)

وأبو مسعود وابن الجوزي في المتفق من مسند سهل، وأبى ذلك الطرقي وخلف فعزياه إلى مسلم، و (حري) بالحاء معناه: حقيق.

(1)

"الجمع بين الصحيحين" 1/ 553 - 554 (915).

ص: 255

فصل:

يتعلق بما ذكرناه من تتمة الحديث الأول. ذكر البخاري قريبًا في باب: لا رضاع بعد حولين، من حديث عائشة السالف في الشهادات:"فإنما الرضاعة من المجاعة"

(1)

.

وقد اتفق جمهور العلماء على أن رضاع الكبير لا يحرِّم.

وفيه حديث في الدارقطني من حديث أبي هريرة، وفي آخره:"لا رضاع بعد فطام، وإنما يحرم من الرضاع ما في المهد"

(2)

.

وعند مالك، عن ابن دينار، عن ابن عمر: إنما الرضاعة رضاعة الصغير.

وعن نافع، عن ابن عمر: لا رضاعة لكبير ولا رضاعة إلا ما أرضع في الصغر

(3)

.

وعن أم سلمة قالت: لا رضاع بعد فطام

(4)

وقال ابن مسعود: الرضاع ما أنبت اللحم والعظم

(5)

.

ومن حديث جويبر، عن الضحاك، عن النزال، عن علي: لا رضاع بعد الفصال. وعن عمرو بن دينار، عمن سمع ابن عباس رضي الله عنهما: لا رضاع بعد الفطام، وكذا قاله الحسن والزهري وقتادة وعكرمة

(6)

.

(1)

سلف برقم (2647) كتاب: الشهادات، وسيأتي برقم (5102).

(2)

"سنن الدارقطني" 4/ 175.

(3)

انظر: "الموطأ" ص 373، 375.

(4)

رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 545 (17050).

(5)

رواه أبو داود (2059).

(6)

انظر هذِه الآثار في "مصنف عبد الرزاق" 7/ 464 - 466.

ص: 256

وروى هشام، بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة مرفوعًا:"لا يُحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام"

(1)

. ولابن عدي عن ابن عباس مرفوعًا: "لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين"

(2)

، وشذ الليث وأهل الظاهر فقالوا: يحرم

(3)

.

وحكاه عبد الرزاق، عن علي بن أبي طالب وعطاء

(4)

؛ ذهابًا إلى حديث سالم.

وجوابه أنه منسوخ، أو خاص، كما قالت أمهات المؤمنين

(5)

(6)

، كما نبه عليه ابن بطال وغيره

(7)

.

فإن وقع ذلك لم يلزم بها حكم لا في النكاح ولا في الحجاب.

وقال داود: يرفع تحريم الحجاب لا غير.

وقال ابن المواز: لو أخذ هذا في الحجاب لم أعبه، وتركه أحب إلي، وما علمت أخذ به هنا إلا عائشة

(8)

.

وقد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير؛ لأن الخلاف كان أولًا ثم انقطع، وما حكاه عن عائشة فيه نظر؛ لأن نصَّ

(1)

رواه الترمذي (1152) وقال: حسن صحيح.

(2)

"الكامل في الضعفاء" 8/ 399.

(3)

انظر: "المحلى" 10/ 17 - 20.

(4)

"مصنف عبد الرزاق" 7/ 458 (13883)، 461 (13888).

(5)

رواه مسلم (1454/ 31) كتاب: الرضاع، باب: رضاعة الكبير.

(6)

ورد في هامش الأصل: قالت أم سلمة: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذِه إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة .. الحديث.

(7)

"شرح ابن بطال" 7/ 197.

(8)

انظر: "النوادر والزيادات" 5/ 75 - 76.

ص: 257

حديث "الموطأ" عنها أنها كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصة

(1)

، وقد اعتمد الجمهور على الخصوصية بأمور منها:

أن ذلك مخالف للقواعد: منها: قاعدة الرضاع؛ فإن الله تعالى قال بعد {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} : {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] فهذِه أقصى مدة الرضاع المحتاج إليها عادة، فما زاد عليها بمدة مؤثرة فغير محتاج إليها عادة ولا يعتبر شرعًا لندورها، والنادر لا يسلم له.

ومنها: تحريم الاطلاع على العورة، فلا خلاف أن ثدي الحرة عورة، وأنه لا يجوز الاطلاع عليه، ويبعد الإرضاع من غير اطلاع

(2)

، ونفس الالتقام اطلاع.

ومنها: أنه مخالف لحديث أم سلمة من عند الترمذي صحيحًا: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الطعام"

(3)

، وقد سلف.

وللحديث السالف: "إنما الرضاعة من المجاعة"

(4)

وهو دال على أن الرضاعة المعتبرة إنما هي في الزمان الذي يغني فيه عن الطعام، وذلك إنما يكون في الحولين عند الشافعي

(5)

وما قاربها من الأيام اليسيرة بعدها عند مالك، وقد اضطرب أصحابه في تحديدها، فالكثير

(1)

"الموطأ" ص 374 - 375.

(2)

ورد بهامش الأصل: قال السهيلي في "روضه" في هجرة عمر وعياش: فإن قيل: كيف جاز له أن ينظر إلى ثديها، فقد روي في ذلك أنها حلبت له في مشعط، وشرب اللبن. ذكر ذلك محمد بن حبيب. انتهى.

(3)

الترمذي (1152) وقال: حسن صحيح.

(4)

سلف برقم (2647) من حديث عائشة.

(5)

"الأم" 5/ 24.

ص: 258

يقول: شهر

(1)

، وكان مالك يشير إلى أنه لا يفطم الصبي دفعة واحدة في يوم واحد، بل في أيام وعلى التدريج، قليل الأيام التي تخاذل فيها فطامه حكمها حكم الحولين؛ لقضاء العادة بمعاودة الرضاع فيها، وجمهور العلماء -كما قال ابن بطال- أن ما كان بعد الحولين لا يحرم

(2)

.

روي عن ابن مسعود وابن عباس، وعليه الشعبي وابن شبرمة، وهو قول الثوري

(3)

والأوزاعي ومحمد وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور

(4)

، وهو قول مالك في "الموطأ"

(5)

.

وفيه قول آخر: روى الوليد بن مسلم، عن مالك: ما كان بعد الحولين شهرًا وشهرين يحرم

(6)

.

وقول آخر عن أبي حنيفة: ما كان بعدها بستة أشهر فإنه يحرم

(7)

.

وقول آخر: قال زفر بن الهذيل: ما دام يجتزئ باللبن ولم يطعم، وإن أتى عليه ثلاث سنين فهو رضاع

(8)

وقال الأوزاعي فيما نقله ابن حزم: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه، ثم رجع في الحولين لم

(1)

"المدونة" 2/ 68.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 198.

(3)

انظر هذِه الآثار في "مصنف عبد الرزاق" 7/ 463 (13894)، (13895)، "وابن أبي شيبة" 3/ 544 (17045).

(4)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 315، "الأم" 5/ 25، "المغني" 11/ 319 و"الإشراف" 1/ 94.

(5)

"الموطأ" ص 374.

(6)

"المدونة" 2/ 68.

(7)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 314.

(8)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء"2/ 315.

ص: 259

يحرم هذا الرضاع الثاني شيئًا وإن تمادى رضاعه

(1)

.

وجمع ابن التين خمسة أقوال في "المدونة": الرضاع حولان وشهر وشهران

(2)

، وفي "المجموعة": الأيام اليسيرة

(3)

.

وقال عبد الملك: الشهر ونحوه

(4)

، وعنده في "المبسوط" تعتد بنقص [و] زيادة الشهور.

وقاله سحنون عن أبيه

(5)

. وقال محمد بن عبد الحكم، عن مالك: لا يحرم ما زاد على الحولين

(6)

. وذكر الداودي عنه: يحرم بعد سنتين ونصف.

(1)

"المحلى" 10/ 18.

(2)

"المدونة" 2/ 289.

(3)

انظر: "النوادر والزيادات" 5/ 75.

(4)

السابق 5/ 75.

(5)

السابق 5/ 75.

(6)

وهو في "الموطأ" ص 374.

ص: 260

‌16 - باب الأَكْفَاءِ فِي المَالِ، ونكاح المُقِلِّ المُثْرِيَةَ

5092 -

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ، قَالَتْ: وَاسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} إِلَى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 3] فَأَنْزَلَ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الأَوْفَى فِي الصَّدَاقِ. [انظر: 2494 - مسلم: 3018 - فتح 9/ 136].

ذكر فيه عن عائشة رضي الله عنها {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] السالف في تفسير سورة النساء

(1)

.

والمثرية: الكثيرة المال، يقال: ثري القوم إذا كثروا، وأثروا: إذا كثرت أموالهم.

ووجه الترجمة: أن الرجل إذا كانت قرابته ملية، وهو غير ملي فيجوز أن يتزوجها إذا أقسط في صداقها وعدل، فصح بهذا أن الكُفُؤ في المال هو تبع للدين على ما سلف، فإن رأى ولي اليتيمة تزويجها من رجل يقصر ماله عن مالها، وكان صالحًا يعدل فيها وفي صداقها، فلا بأس بذلك أيضًا.

وحديث عائشة دال على أنه يجوز للولي أن يتزوج يتيمته إذا رضيت

(1)

سلف برقم (7574).

ص: 261

به دون السلطان، وقد أجازه الحسن البصري وربيعة ومالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وابن حزم، وقال زفر والشافعي: لا يجوز أن يتزوجها إلا بالسلطان أو يزوجها منه ولي هو أقعد بها منه أو مثله في القعود. وقاله أيضًا داود بن علي

(1)

، واحتجوا بأن الولاية من شرط العقد، وكما لا يكون الشاهد ناكحًا ولا منكحًا، كذلك لا يكون الناكح منكحًا، ويفسخ النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده.

وفيه قول آخر، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه.

قال ابن بطال: وروي هذا عن المغيرة بن شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابن المنذر

(2)

، وسيأتي في البخاري أن المغيرة خطب امرأة هو أولى الناس بها فأمر رجلًا فزوجه

(3)

. وسيأتي مسندا

(4)

. واحتج الأولون بالهبة لها حيث يتخذ العاقد والقابض، وكذلك النكاح.

ألا ترى أنه عليه السلام زوج المرأة من الرجل بما معه من القرآن، فكذلك أن يزوجها من نفسه لو قبلها -كما فعل في خبر صفية حين جعل عتقها صداقها، وجويرية كما سلف.

وكذا حديث الباب أيضًا، فإن الله تعالى لما عاتب الأولياء أن يتزوجوهن إن كن من أهل المال والجمال إلا على سنتهن من الطلاق،

(1)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 259 - 260، "عيون المجالس" 3/ 1066 - 1068، "الإشراف" 1/ 30 - 31، "المحلى" 9/ 473 - 474.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 246 وانظر: "الإشراف" 1/ 30 - 31.

(3)

سيأتي بعد حديث (5130) باب: إذا كان الولي هو الخاطب.

(4)

ورد بهامش الأصل: هو تعليق مجزوم به في البخاري وقوله: ضبط. أي: في كتاب غيره، وسيأتي عن أبي عُبيد أنه أسنده بسند صحيح قريبا.

ص: 262

وعاتبهم على ترك نكاحهن إذا كن قليلات الأموال، فاستحال أن يكون ذلك منه تعالى فيما لا يجوز نكاحه؛ لأنه لا يجوز أن يعاتب أحدًا على ترك ما هو حرام عليه.

ألا ترى أنه أمر وليها أن يقسط لها في صداقها، ولو أراد بذلك بالغًا لما كان في ذكره أعلا شبيهًا في الصداق، يعني: إذا كان له أن يراضيها على ما يشاء، ثم يتزوجها على ذلك، فثبت أن الذي أمر أن يبلغ بها أعلا شبيهًا في الصداق هي التي لا أمر لها في صداقها المولى عليها وهي غير بالغ، وما أسلفناه من عند البخاري عن المغيرة قد أسنده أبو عبيد عن سالم بإسناد صحيح عن قبيصة، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير قال: أراد المغيرة

(1)

أن يتزوج [امرأة هو وليها، فأمر]

(2)

وليها من غير ثقيف فزوجها إياه

(3)

.

وحدثنا هشيم، ثنا محمد بن سالم عن الشعبي: أراد المغيرة أن يتزوج بنت عمه عروة بن مسعود، فأرسل إلى عبد الله بن أبي عقيل، فقال له: زوجنيها. فقال: ما كنت لأفعل، أنت أمير البلد وابن عمها، فأرسل إلى عثمان بن أبي العاصي فزوجها إياه

(4)

.

وقال البخاري: وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ فقالت: نعم. فقال: قد تزوجتك.

وقال عطاء: لتشهد أني قد نكحتك، أو لتأمر رجلًا من عشيرتها

(5)

.

(1)

بعدها في الأصل: (بن شعبة) وعليها في الأصل: (لا .. إلى).

(2)

ساقطة من الأصل، وأثبتناها من "مصنف عبد الرزاق".

(3)

رواه عبد الرزاق 6/ 201 - 202 (10502) عن الثوري به.

(4)

رواه سعيد بن منصور في "سننه" ط. الأعظمي 1/ 153 (549).

(5)

رواه عبد الرزاق 6/ 201 (10501) بنحوه.

ص: 263

والأول رواه ابن سعد، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد: أن أم حكيم قالت .. الحديث

(1)

.

والثاني رواه ابن أبى خيثمة، عن أبيه، عن سفيان، عنه. قال ابن المنذر: كان عطاء يجيز للمرأة أن تزوج نفسها إذا كان بشهادة

(2)

.

وذكر أبو الفرج الأموي في "تاريخه" بإسناد جيد: أن النوار جعلت أمرها بيد ابن عمها همام بن غالب، فزوجها من نفسه فلم ينكر عليه من كان في عصره من الصحابة والتابعين

(3)

.

وأما فعل المغيرة فهو من باب الأدب في النكاح أن يأمر الولي رجلًا بعقد نكاحه مع وليته، ولو تولى هو عقده إذا رضيت به لكان حسنًا.

قال أبو عبيد: وجدنا سُنَّتين في هذا الباب:

الأولى: أن يكون الولي هو الذي تزوجها من نفسه من غير أن يولي ذلك أحدًا سواه كما فعل عليه السلام بصفية وجويرية، إذ تزوجهما من غير أن توليا ذلك غيره؛ لأنه كان هو المعتق والسلطان، ولم يكن هنا أولى بنسب من أهل الإسلام، وكان الشارع أولى الناس بهما.

الثانية: أن يأمر رجلًا فيكون هو الذي يخاطب الولي بالنكاح كفعل ميمونة إذ جعلت أمرها إلى العباس

(4)

، وكفعل أم سلمة، إذ زوجها ولدها

(5)

، وقد كان بعضهم تناول في هذِه الأحاديث أنها مرخصة، والمرأة تولي أمرها لرجل فيتزوجها، ولا رخصة في ذلك؛ لأن الزوج هنا ولي، فلو زوجها من نفسه كان جائزًا، وكذلك إذا أذن لمعرفته فهذا على

(1)

"الطبقات الكبرى" 8/ 472.

(2)

"الإشراف" 1/ 28.

(3)

انظر: "الأغاني" 9/ 367 - 368.

(4)

رواه النسائي 6/ 88 وأحمد 1/ 270 من حديث ابن عباس.

(5)

رواه النسائي 6/ 81 - 82 وأحمد 6/ 295 من حديث أم سلمة.

ص: 264

كل حال نكاح ولي، ولو أن هذا الولي جعل أمرها إلى غريب فزوجها منه كان جائزًا؛ لأنه لابد من أن يكون للمنكح ولاية عليها، وإن كان الزوج أقرب إليها منه.

وقال أبو حنيفة في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] وفي قوله: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} [النساء: 127]: أن اليتيمة لا تكون إلا غير بالغة، يدل على أن لوليها أن ينكحها قبل البلوغ، وهو أحد أقوال مالك وليس بالمشهور، والآخر: لا ينكحها. والآخر: يتزوجها إذا احتاجت

(1)

.

وقد يقال: إن من لم يبلغ لم يرث شيئًا إلا أن يقول الولي واليتامى مجاز؛ لقوله: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] سماهم يتامى وقد بلغوا.

وفيه: أن للولي حقًا في الولاية. ومعنى الآية: أن الله تعالى خاطب الأولياء إن خفتم أن تقوموا بالعدل فتزوجوا غيرهن ممن طاب لكم من النساء، ثم ذكر العدد، وهو قول عائشة.

وقال ابن عباس: معناها قصر الرجال على أربع لأجل أموال اليتامى، نزلت جوابًا لتحرجهم على القيام بإصلاح أموال اليتامى، وفسر عكرمة قول مولاه هذا بأن لا تكثروا من النساء فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى، وقال السدي وقتادة: معناه: إن خفتم الجور في أموالهم فخافوا مثله في النساء، فإنهن كاليتامى في الضعف ولا تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف

(2)

.

(1)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 2/ 77 - 78، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 405 - 406

(2)

انظر هذِه الآثار في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 147، "تفسير الطبري" 3/ 574 - 577 (8463 - 8469).

ص: 265

‌17 - باب مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن: 14].

5093 -

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ» . [انظر: 2099 - مسلم: 2225 - فتح 9/ 137].

5094 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِى الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» . [انظر: 2099 - مسلم:

2225 -

فتح 9/ 137].

5095 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِى الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ» . [انظر: 2859 - مسلم: 2226 - فتح 9/ 137].

5096 -

حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما، - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» . [مسلم: 2740 - فتح 9/ 137].

ذكر فيه أحاديث:

أحدها:

حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ".

وفي لفظ عن ابن عمر ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ".

ص: 266

ثانيها:

حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي المرأة والْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ". وقد سلفا في الجهاد

(1)

.

وفي إسناد الثاني -من حديث ابن عمر- عمر بن محمد العسقلاني، وهو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أخو واقد وعاصم وزيد وأبي بكر، مدني، نزل عسقلان ومات بها مرابطًا بعد أخيه أبي بكر بقليل، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد الله، وخرج سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: سنة خمسين.

وقد أسلفناه في الجهاد الكلام على ذلك وأنه حقيقة

(2)

.

وأنه قول مالك، ويؤيده قوله: الشؤم في كذا - أو إنما الشؤم في كذا، وإن منهم من قال: إنه ليس حقيقة.

يؤيده رواية: "إن كان الشؤم في شيء" والآية التي ذكرها البخاري نزلت في نساء أهل مكة يمنعن أزواجهن وأولادهن من الهجرة وتعلقن بهم فنزلت الآية

(3)

.

قال أبو عبد الملك: ويجوز أن يكون على الحقيقة، وأن الشيطان يلقي على الرجل ما يشغله عن الطاعة في بعض الأوقات ويدله على المعصية، وقد يعقه فيرتكب كبيرة، ولما كان الشؤم من قبل الزوجة كان الحديث مطابقًا لما بوب عليه.

(1)

سلف الأول برقم (2858) وسلف الثاني برقم (2859).

(2)

سلف في حديث رقم (2858)، باب: ما يذكر من شؤم الفرس.

(3)

انظر: "تفسير الطبري" 12/ 117 - 118 رواها عن ابن عباس وعكرمة والضحاك.

ص: 267

وعن البخاري: شؤم الفرس إذا كان حرونًا، وشؤم المرأة سوء خلقها، وشؤم الدار جارها

(1)

. وعن ابن عباس مرفوعًا: "شؤم الفرس صعوبة رأسه، ومنع جانبه، وشؤم المرأة كثرة حداثها وسوء خلقها، وشؤم الدار سوء جوارها وضيق فنائها"

(2)

.

الحديث الثالث:

حديث أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ".

هذا الحديث أخرجه عن آدم، ثنا شعبة، عن سليمان التيمي قال: سمعت أبا عئمان النهدي عن أسامة به.

وأخرجه مسلم في الدعوات والترمذي في الاستئذان من حديث المعتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة وسعيد بن زيد، قال الترمذي: رواه غير واحد من الثقات، عن سليمان ولم يذكروا سعيد بن زيد، ولا نعلم أحدًا قال: عن أسامة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل غير المعتمر

(3)

.

وقال الدارقطني: أسامة وحده أحب إلي

(4)

، وأخرجه النسائي في عشرة النساء

(5)

، وابن ماجه في الفتن من حديث سليمان التيمي أيضًا

(6)

.

وفيه: أن فتنة النساء: أعظم مخافة على العباد؛ لأنه عليه السلام عم جميع

(1)

نقله عنه أبو ذر الهروي، انظر:"اليونينية" 7/ 8.

(2)

انظر "تفسير الطبري" 12/ 117 - 118 رواها عن ابن عباس وعكرمة والضحاك.

(3)

مسلم (2740) كتاب: الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، والترمذي (2785).

(4)

"علل الدارقطني" 4/ 431.

(5)

"السنن الكبرى" 5/ 364 (9153).

(6)

ابن ماجه (3998).

ص: 268

الفتن بقوله: "ما تركت بعدي .. " إلى آخره.

ويشهد لصحته قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الآية [آل عمران: 14]، فقدم النساء على جميع الشهوات، وقد روي عن بعض أمهات المؤمنين أنها قالت: من سيئاتنا قدمنا على جميع الشهوات.

فالمحنة بالنساء أعظم المحن على قدر الفتنة بهن، وقد أخبر تعالى مع ذلك أن منهن لنا عدوًّا فينبغي للمؤمنين الاعتصام به والرغبة إليه في النجاة من فتنتهن، والسلامة من شرهن.

وقد روي في الحديث: "لما خلق الله المرأة فرح لها الشيطان فرحًا عظيمًا، هذِه حبالتي التي لا يكاد يخطئني من نصبتها له" وفي الحديث: "النساء حبائل الشيطان"

(1)

وفي "ربيع الأبرار" قال عليه السلام: "استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونو امن خيارهن على حذر" وفي حديث آخر: "اتق سلاح إبليس النساء"، و"لقي عيسى عليه السلام إبليس وهو يسوق خمسة أحمر عليها أحمال، فسأله، فقال: أحمل تجارة وأطلب مشترين، أحدهما الكيد قال: من يشتريه؟ قال: النساء: .. " الحديث، وقال علي: النساء شر كلهن وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن، وفي رواية: قالوا: يا رسول الله، ما فتنتهن؟ قال:"إذا لبسن ريط الشام، وحلل العراق، وعصب اليمن، وملن كما تميل أسنمة البخت، فإذا فعلن ذلك كلفن المعسر ما ليس عنده"

(2)

.

(1)

رواه القضاعي في "مسند الشهاب" 1/ 66 - 68 (55) من حديث زيد بن خالد الجهني، ورواه ابن أبي شيبة 7/ 124 - 125 (34541) عن ابن مسعود موقوفًا، وانظر تخريجه في "المقاصد الحسنة"(586).

(2)

رواه بنحوه ابن المبارك في "الزهد" ص 271 - 272 (785)، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 236 - 237 من حديث معاذ بن جبل.

ص: 269

فصل:

سيأتي إن شاء الله تعالى في الطب في باب: الطيرة رد على من زعم أن أحاديث الشؤم تعارضها.

وقد أسلفناه في الجهاد أيضًا. وذكر أبو محمد القاسم بن عساكر في "تحقيقه" أن الإمام أحمد لما سئل عن حديث ابن مسعود مرفوعًا: "الطيرة شرك وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" وأصله في الترمذي مصححًا فقال: قوله: "وما منا". من كلام ابن مسعود ليس مرفوعًا

(1)

، يقصد: وما منا إلا ويقع في قلبه شيء على ما جرت به العادة ومضت به التجارب، لكنه لا يقر فيه، (بل يحسن اعتاده إن لامه رسول الله)

(2)

، فيسأله الخير ويستعيذ به من الشر ويمضي لوجهه متوكلًا على الله، كما رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيت من الطيرة ما تكره فقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك"

(3)

من طريق منقطعة.

ولأبي داود من حديث ابن أبي وقاص مرفوعًا: "إن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة والدابة والدار"

(4)

وعن أبي سعيد من حديث عطية عنه مثله

(5)

، وكذا روته أم سلمة

(6)

وسهل بن سعد

(7)

.

(1)

"سنن الترمذي"(1614).

(2)

هكذا صورتها في الأصل، والمعنى غير واضح.

(3)

رواه أبو داود (3919) عن عروة بن عامر مرفوعًا.

(4)

"سنن أبي داود"(3921).

(5)

"شرح معاني الآثار" 4/ 314.

(6)

"المعجم الأوسط" 7/ 234 (7368).

(7)

سلف برقم (2859) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما يذكر من شؤم الفرس.

ص: 270

وعن ابن عمر: "لا عدوى ولا طيرة" وعن ابن عباس مثله.

أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد

(1)

، وكذا عن أبي قتادة وجابر وأبي الدرداء والسائب بن يزيد وبريدة وأنس وأبي أمامة وعبد الله بن زيد وحابس التميمي وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة بأسانيد جيدة

(2)

.

قال الحليمي في "منهاجه": والتطير قبل الإسلام كان من وجوه منها: زجر الطير، وصوت الغراب، ومرور الظبي، والعجم ينفرون برؤية ظبي يذهب به إلى المعلم ويتمنون برجوعه، وكذا يتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، والحمال المثقل الحمل، وهذا كله باطل، وقد نهينا عن الباطل.

وحديث: "الشؤم في ثلاث" ليس من التطير في شيء كما سلف.

وقوله: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"

(3)

هو من باب تجنب المضار؛ لأن الجذام معدٍ ومنفر -أعني: يعدي من شخص إلى شخص، ويوجد في النسل، والمعدي الجرب والجدري والحصبة والبَخَر والرمد، والمرض الوبائي، والمنفسة البرص والدق والمالتموليا والصداع والنقرس.

فالأمر بالفرار من المجذوم لهذا لا للتطير.

وأما أكله مع المجذوم

(4)

فيحتمل أن يكون ذلك استشفاء له بالإصابة

(1)

"سنن ابن ماجه"(86) من حديث ابن عمر.

(2)

انظر "شرح معاني الآثار" 4/ 307 - 314.

(3)

سيأتي معلقًا برقم (5707) كتاب: الطب، باب: الجذام من حديث أبي هريرة، ووصله أحمد 2/ 443.

(4)

رواه الترمذي (1817) من حديث جابر، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد، عن المفضل بن فضالة.

ص: 271

من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتماع يده في القصعة مع يده ثقة بالله وتوكلًا عليه، وأما نهيه عن تسمية الغلام يسارًا

(1)

وشبهه فإنما هو لئلا يقال: ليس هنا وشبهه.

(1)

رواه مسلم (2136) كتاب: الآداب، باب: كراهة التسمية بالأسماء القبيحة، من حديث سمرة بن جندب.

ص: 272

‌18 - باب الحُرَّةِ تَحْتَ العَبْدِ

5097 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ:«لَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ؟» . فَقِيلَ: لَحْمٌ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ:«هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» . [انظر: 456 - مسلم: 1075، 1504 - فتح 9/ 138].

ذكر فيه حديث عائشة في قصة بريرة كان فيها ثَلَاثُ سُنَنٍ عتقت وخيرت.

وقال عليه السلام: "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". الحديث سلف في العتق

(1)

، وليس فيه هنا التصريح بكون زوجها عبدًا ولا غيره، وقد تجاذبت فيه الروايات، فقائل: كان حرًّا، وقائل: كان عبدًا، فلا يتمحض للبخاري استدلاله، لاسيما ولم يأت في حديثه بشيء من ذلك.

نعم ترجح عنده عبوديته -كما ستعلمه- ولذلك ترجم به، وقد قام الإجماع على أن الحرة يجوز لها أن تنكح العبد إذا رضيت؛ لأن ولدها منه حر تبع لها؛ لقوله عليه السلام:"كل ذات رحم فولدها بمنزلتها"

(2)

أي: في العتق والرق، ذكره ابن بطال

(3)

.

وذكر ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: أصل الكفاءة مستنبط من حديث بريرة؛ لأن زوجها صار غير كفؤ لها؛ فلذا خيرها

(4)

.

(1)

سلف برقم (2536).

(2)

لم أجده مرفوعًا ولكنه من قول مالك ذكره في "الموطأ" ص 507.

(3)

"شرح ابن بطال" 7/ 189.

(4)

انظر لقول الشافعي: "السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 213.

ص: 273

وقام الإجماع على أن الأمة إذا أعتقت تحت العبد كانت زوجًا له، وأن لها الخيار في البقاء معه أو مفارقته، وذلك أنها حدث لها حال فمال رفعها عن العبد ونقص عنها الزوج، وأيضًا فهي حين عقد عليها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها، فصار لها الآن الخيار؛ لأنها أكمل حالًا منه، وأما إذا كان زوجها حرًّا فلا خيار لها عند جمهور العلماء؛ لأنهما متساويان فلا فضلة لها عليه، خلافًا للكوفيين إذ أثبتوا لها الخيار حرًّا كان زوجها أو عبدًا

(1)

.

وورد عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها أن زوجها كان حرًّا

(2)

.

ويأتي في أبواب التخيير من الطلاق ومستوفٍ إن شاء الله تعالى.

(1)

"الإجماع" لابن المنذر ص 75.

(2)

"الاستذكار" 17/ 153 - 155، "الإشراف" لابن المنذر 1/ 65.

وانظر: "المبسوط" 5/ 98 - 99، "المنتقى" 4/ 45، "أسنى المطالب" 3/ 181، "الفروع" 5/ 225.

ص: 274

‌19 - باب لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ

لِقَوْلِهِ تَعَالى: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: يَعْنِي مَثْنَئى أَو ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ. وَقَوْلُهُ تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]، يَعْنِي: مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ.

5098 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ {وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3]. قَالَتِ: الْيَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَهْوَ وَلِيُّهَا، فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهَا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. [انظر: 2494 - مسلم: 3018 - فتح 9/ 139].

ثم ساق حديث عائشة رضي الله عنها: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] إلى آخره وسلف.

وقام الإجماع أنه لا يجوز لأحد أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة في النكاح

(1)

.

وقال قوم لا يعتد بخلافهم: أنه يجوز الزيادة إلى تسع، محتجين بأن معنى الآية إفادة الجمع؛ بدليل فعل الشارع، ولنا به أسوة، وحجة الجماعة أن المراد بالآية التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع؛ لأنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن لفظ الاختصار، ولقال فانكحوا تسعًا، والعرب لا تدع أن تقول: تسعة، وتقول: اثنان وثلاثة وأربعة، فلما قال:{مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] صار التقدير: مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع. فتقيد التخيير؛ كقوله تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ

(1)

"مراتب الإجماع" لابن حزم ص 63.

ص: 275

مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]؛ ولأنه تعالى قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] واللغة لا تدفع التخيير بين شاهدين بينهما تفاوت، ولا يجوز أن يقال: فإن خفتم أن لا تعدلوا في التسع فواحدة؛ لأنه يصير بمنزلة من يقول: إن خفت أن تخرج إلى مكة على طريق الكوفة فامض إليها على طريق كذا، وبالقرب من مكة طرق كثيرة لا يخاف منها، فعلم أنه أراد التخيير بين الواحدة والاثنتين، وبين الاثنتين والثلاث.

وأما قولهم: أنه عليه السلام مات عن تسع ولنا به أسوة.

فإنا نقول: أن ذلك من خصائصه، كما خص بأن ينكح بغير صداق، وأن أزواجه لا تنكح بعده وغير ذلك.

وموته عن تسع كان اتفاقا، وصح أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له عليه السلام:"اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن"

(1)

فسقط قولهم.

(1)

رواه الترمذي (1128)، وابن ماجه (1953)، وأحمد 2/ 13. من حديث ابن عمر.

ص: 276

1

كِتَابُ الرَّضَاعِ

ص: 277

كِتَابُ الرَّضَاعِ

‌20 - باب {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23] وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ

5099 -

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«أُرَاهُ فُلَانًا» . لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: «نَعَمِ الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» . [انظر: 2646 - مسلم: 1444 - فتح 9/ 139].

5100 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَلَا تَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟ قَالَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» . وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ. [انظر: 2645 - مسلم: 1447 - فتح 9/ 140].

5101 -

حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا

ص: 279

قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ:"أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أختِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي". قلْت: فَإِنَّا نحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ ". قلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: "لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَغرِضْنَ عليَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لأبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أنَي سُقِيتُ فِي هذِه بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ. [5106، 5107، 5123، 5372 - مسلم: 1449 - فتح 5/ 140].

ذكر فيه أحاديث:

أحدها:

عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُل يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أُرَاهُ فُلَانًا". لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: "نَعَم الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ". وسلف في الشهادات والخمس

(1)

.

ثانيها:

حديث يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَلَا تتَزَوَّجُ بنت حَمْزَةَ؟ قَالَ: "إِنَّهَا ابنةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ".

(1)

سلف برقم (3105) باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 280

قال: وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا شُعْبَةُ، سمِعْتُ قَتَادَةَ، سمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زيدٍ مِثْلَهُ.

وهذا

(1)

أخرجه مسلم، عن محمد بن يحيى القطيعي، عنه، وأتى به البخاري بشأن سماع قتادة فيه، فإنه مدلس صرح بسماعه. وسلف في الشهادات.

الحديث الثالث:

حديث زينب بنت أم سلمة، عن أم حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ:"أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ ". إلى أن قال: "فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". إلى آخره.

وهذِه القطعة سلفت، وتأتي في النفقات

(2)

.

وقولها: (انكح أختي) في رواية مسلم: أنها عزة -بفتح العين وتشديد الزاي

(3)

- قال القاضي: ولا نعلم هذِه في بنات أبي سفيان إلا من هذا الحديث

(4)

.

وقيل: إنها حمنة وقيل: درة، حكاه المنذري

(5)

.

وقول بنت أبي سلمة هي درة. كذا ذكره بعد في باب الجمع بين الأختين، وغيره

(6)

، وهي بضم الدال المهملة.

(1)

ورد بهامش الأصل: أي: التعليق، وقوله: عنه. أي: عن بشر بن عمر.

(2)

سيأتي برقم (5372) كتاب: النفقات، باب: المراضع من المواليات وغيرهن.

(3)

"صحيح مسلم"(1449/ 16) كتاب: الرضاع، باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة.

(4)

"إكمال المعلم" 4/ 634.

(5)

"مختصر سنن أبي داود" 3/ 10.

(6)

سيأتي برقم (5107) باب: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} ورقم (5372) باب: المراضع من المواليات وغيرهن.

ص: 281

وحكى عياض عن بعض رواة مسلم فتحها معجمة

(1)

.

قال النووي: وهو تصحيف، ولا شك فيه

(2)

. ووقع في كتاب "الصحابة" لأبي موسى أنها حمنة، ثم قال: والأشهر غيره

(3)

.

وقوله: (أُرِيَهُ بعضُ أهله) هو العباس، كما أفاده السهيلي

(4)

.

والحيبة -بكسر الحاء، وكذا الحوبة: الحزن والهم وسوء الحال. وكذا للمستملي كالحموي، ولغيرهما بالخاء المعجمة، قاله عياض

(5)

.

قال غيره: والحيبة بضم أيضًا: الحاجة والمسكنة وأصل الياء في حيبة الواو، فقلبت ياء لانكسار ما قبلها.

وكانت ثويبة أرضعته عليه السلام، وعمه حمزة، وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد.

وكان عليه السلام يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة ويصلها من المدينة حتى ماتت بعد فتح خيبر -وكانت خديجة تكرمها، وأعتقها أبو لهب بعد الهجرة إلى المدينة- فلما بلغه موت ثويبة سأل عن ابنها مسروح، فقيل له: مات، فسأل عن قرابتها، فقيل له: لم يبق منهم أحد.

قال أبو نعيم: ولا أعلم أحدًا ثبت إسلامها غير ابن منده

(6)

.

(1)

"إكمال المعلم" 4/ 632.

(2)

"شرح النووي" 10/ 25.

(3)

انظر: "أسد الغابة" 7/ 71.

(4)

"الروض الأنف" 3/ 67.

(5)

انظر "مشارق الأنوار" 1/ 219، وقال: بالخاء هو تصحيف.

(6)

"معرفة الصحابة" 6/ 3284، وانظر:"الأسد" 7/ 46، و"الإصابة" 4/ 257.

ص: 282

وقوله: (غير أني سقيت في هذِه) يعني النقير التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع.

كذا رواه البيهقي في "دلائله" وقال في آخره: رواه البخاري في الصحيح

(1)

.

وكذا قال البغوي في "شرح السنة" مرادهما في أصل الحديث

(2)

.

قيل: أراد الوقبة التي بين الإبهام والسبابة.

وقال القرطبي في "مفهمه": سقي نطفة من ماء في جهنم بسبب ذلك، قال: وذلك أنه جاء في "الصحيح": أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل بك؟ فقال: سقيت في مثل هذِه. وأشار إلى ظفر إبهامه

(3)

.

ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في الدنيا، بل يوسع عليه بها في دنياه، وهذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه أيضًا.

وقال ابن التين: كأنها إشارة إلى حفرة في إبهامه إذا نصبها ومدها.

قال: وكذلك بينه في بعض الروايات: سقيت في النقرة التي بين الإبهام وبين السبابة.

وقال ابن بطال: روى علي بن المديني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.

وفيه: قال: ما وجدت بعدكم راحة غير أني سقيت في هذِه -وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه- بعتقي ثويبة.

(1)

"دلائل النبوة" 1/ 149.

(2)

"شرح السنة" 9/ 66.

(3)

"المفهم" 4/ 182.

ص: 283

قال ابن بطال: فبان ههنا أنه سقط من رواية البخاري: راحة، بعد قوله:(لم ألق بعدكم)؛ لأنه لا يتم الكلام على ما رواه البخاري.

وكذلك سقط منه: وأشار إلى النقرة .. إلى آخره، ولا يقوم يعني: الحديث- إلا بذلك، ولا أعلم ممن جاء الوهم

(1)

.

فصل:

قوله: ("ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب") وقوله بعده: ("الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة") هو إجماع لا خلاف فيه بين الأمة، وقد قال تعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] فإذا كانت الأم والخالة هذِه محرمة فكذا زوجها؛ لأنه والده؛ لأن اللبن منهما جميعًا، وانتشرت الحرمة إلى أولاده، فأخوها صاحب اللبن عم، وأخوها خال، فيحرم من الرضاع العمات والخالات والأعمام وبناتهن كالنسب.

قال ابن المنذر: إذا أرضعت امرأة الرجل جارية حرمت على ابنه وأبيه وجده وبني بنيه وبني بناته وكل ولد ذكر وولد ولده وعلى كل جد له من قبل أبيه وأمه، وإذا كان المرضع غلامًا حرم عليه ولد المرأة التي أرضعته، وأولاد الرجل الذي أرضع هذا الصبي بلبنه وهو زوج المرضعة، ولا تحل له عمته من الرضاعة ولا خالته ولا بنت أخيه من الرضاعة

(2)

.

(1)

"شرح صحيح البخاري" لابن بطال 7/ 195.

(2)

"الإشراف" 1/ 91 - 92.

ص: 284

فصل:

سبب كون بنت حمزة بنت أخيه عليه السلام قد أسلفناه، فإن ثويبة أرضعت أولًا حمزة ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبا سلمة على ما قاله مصعب الزبيري، فالثلاثة أخوة من الرضاعة.

وقال ابن إسحاق: كان حمزة أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين

(1)

، وقيل: بأربع

(2)

.

فصل:

قول أم حبيبة (انكح أختي) وجهه أنها لم تعلم حرمة الجمع بين الأختين، ولذلك قاله لها ولسائر أزواجه:"لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن فإن بناتكن ربائب لي" والربيبة حرام مثل الجمع بين الأختين.

وقوله في بنت أبي سلمة: "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي" من أجل أن أبا سلمة أخ للنبيّ صلى الله عليه وسلم فكانت بنته حرامًا؛ لأنها ربيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها بنت أخيه من الرضاعة.

قال ابن المنذر: ولا بأس أن يتزوج الرجل التي أرضعت ابنه وكذلك يتزوج المرأة التي هي رضيع ابنه، ولأخي هذا الصبي المرضع أن يتزوج المرأة التي أرضعت أخاه ويتزوج ابنتها التي هي رضيع أخيه، وما أراد من ولدها وولد ولدها، وإنما يحرم نكاحهن على المرضع، وهذا مذهب مالك والكوفيين والشافعي وأبي ثور

(3)

.

(1)

انظر "عيون الأثر" 1/ 90.

(2)

انظر "الاستيعاب" 1/ 423 - 424 (559)، وقال ابن عبد البر: وهذا لا يصح عندي.

(3)

"الإشراف" 1/ 92.

ص: 285

فصل:

وفيه من الفقه: أن الكافر قد يعطى عوضًا عن أعماله التي يكون مثلها قربة لأهل الإيمان بالله كما في حق أبي طالب وقد سلف

(1)

، غير أن التخفيف عن أبي لهب أقل من التخفيف عن أبي طالب؛ لأن أبا لهب كان مؤذيًا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم، فلم يحق له التخفيف بعتق ثويبة إلا بمقدار ما تحمل النقرة التي تحت إبهامه من الماء، وخفف عن أبي طالب أكثر من ذلك؛ لنصرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحياطته له، وقيل: إنه من تفضل عليه.

قال ابن بطال: وصح قول من تأول في معنى الحديث الذي جاء عن الله تعالى أن رحمته سبقت غضبه لا تقطع عن أهل النار المخلدين، إذ في قدرته أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفًا، بالإضافة إلى ذلك العذاب، فقد جاء في حديث أبي سعيد أن الكافر إذا أسلم يكتب له ثواب الأعمال الصالحة، وقد قال عليه السلام:"إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب له كل حسنة عملها ومحي عنه كل سيئة عملها"، وقال عليه السلام لحكيم بن حزام في كتاب الزكاة:"أسلمت على ما سلف من خير" وقد سلف حديث حكيم بن حزام في كتاب الرقاق في باب من تصدق في الشرك ثم أسلم

(2)

، وفي العتق في باب عتق المشرك

(3)

، وسلف حديث أبي سعيد الخدري في الإيمان، في باب: حسن إسلام المرء

(4)

.

(1)

سلف برقم (3883).

(2)

سلف برقم (1436).

(3)

سلف برقم (2538).

(4)

سلف برقم (41).

ص: 286

ومر هناك من الكلام في معانيه ما فيه كفاية

(1)

فصل:

أسلفنا أن الجمع بين أختين في عقد واحد حرام، وهو إجماع

(2)

، قال تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] وقد أسلم فيروز الديلمي على أختين فقال عليه السلام: "اختر أيتهما شئت" حسنه الترمذي

(3)

.

واختلف في الأختين بملك اليمين، وكافة العلماء على التحريم أيضًا، وشذ أهل الظاهر خلا ابن حزم فيه

(4)

، قاسوه على الملك، وحملوا الآية على المنكوحات، فإنه عطف ذلك عليهم، ولا يلزم فقد يكون الأول خاصًا، والثاني عامًا، واحتجوا بما روي عن عثمان رضي الله عنه: حرمتهما آية وأحلتهما آية

(5)

، وحكاه الطحاوي عن علي وابن عباس، والآية المحلة لهما:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] وقد روي المنع عن عمر وعلي أيضًا وابن مسعود وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير

(6)

، وفي "المصنف" عن ابن المسيب ومحمد بن الحنفية بإسناد جيد مثل قول عثمان

(7)

، وأول الآيات تحريم الأمهات والبنات واللتان لا يستقر الملكٍ عليهن بالشراء فكذلك بين الأختين في النكاح والوطء بالملك.

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 195 - 196.

(2)

"الإجماع" لابن المنذر ص 106.

(3)

الترمذي (1135).

(4)

"المحلى" 10/ 3.

(5)

رواه مالك في "الموطأ" ص 333، وعبد الرزاق 7/ 189 (12728)، وابن أبي شيبة 3/ 471 (16251).

(6)

انظر "مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 470 - 472.

(7)

"مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 472.

ص: 287

قال الطحاوي: والقياس أن يكون أيضًا محرمين وأن يكون حكمهما كحكمهما في النكاح، وأما ابن حزم فوافق الجماعة في التحريم، قال: إن اجتمع في ملك أختان فهما جميعًا عليه حرام حتى تخرج إحداهما من ملكه بموت أو بيع أو هبة أو شبهه

(1)

.

فصل:

وقام الإجماع أيضًا على ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع والمرضعة

(2)

، وأنه يصير بمنزلة ابنها من الولادة، يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحل له النظر إليها والخلوة بها والمسافرة، ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من كل وجه ولا يورث ولا نفقة ولا عتق بالملك ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنه القصاص بقتله فيهما كالأجنبي في هذِه الأحكام، وقام الإجماع أيضًا على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع وبين الرضيع وأولاد المرضعة

(3)

، وأن ذلك لولدها من النسب للأحاديث المذكورة هنا وفي الشهادات.

وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه لكونه زوج المرضعة أو وطئها بملك أو شبهه، فمذهب العلماء كافة ثبوت حرمة الرضاعة بينه وبين الرضيع ويصير ولدًا له، وأولاد الرجل إخوة الرضيع، وإخوة الرجل أعمام الرضيع، وأخواته عماته، ويكون أولاد الرضيع أولادًا للرجل، ولم يخالف في ذلك إلا أهل الظاهر وابن علية، فقالوا: لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع

(4)

، كذا نقله الخطابي وعياض

(1)

"المحلى" 9/ 521.

(2)

"الإقناع في مسائل الإجماع" 3/ 1184 - 1185.

(3)

المصدر السابق 3/ 1186.

(4)

انظر: "المحلى" 10/ 2 وما بعدها.

ص: 288

عنهما، زاد: وابن المسيب

(1)

، وقد نقله ابن المنذر مع سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء أخيه والنخعي وأبي قلابة والقاسم

(2)

.

قال ابن بطال: وروي أيضًا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير، واحتجوا بقوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] ولم يذكر البنت والعمة كما ذكرهما في النسب

(3)

، حجة الجمهور الأحاديث الواردة في عم عائشة وحفصة المذكورين قبلُ، وحديث الباب:"يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" والحديث عن الآية بأنه ليس نص على إباحة البنت والعمة ونحوهما؛ لأن ذكر الشيء لا يدل على سقوط الحكم عما سواه لو لم يعارضه دليل آخر، كيف وقد جاءت هذِه الأحاديث الصحيحة الصريحة، ولما ذكر الترمذي حديث علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن علي رفعه:"إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب" قال: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ولا نعلم بينهم في ذلك اختلافًا

(4)

، وقال في حديث عائشة رضي الله عنها:"إنه عمك فليلج عليك": العمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة، كرهوا لبن الفحل، والأصل في هذا حديث عائشة، وقد رخص بعض أهل العلم في لبن الفحل، والقول الأول أصح

(5)

.

(1)

"معالم السنن" 3/ 158، "إكمال المعلم" 4/ 629.

(2)

"الإشراف" 1/ 95.

(3)

"شرح ابن بطال" 7/ 200.

(4)

الترمذي (1146).

(5)

السابق (1148).

ص: 289

فصل:

قال ابن المرابط: حديث عم حفصة قبل حديث عم عائشة، وهما متعارضا الظاهر وغير متعارضين في المعنى، عم حفصة أرضعته المرأة مع عمر بن الخطاب فالرضاعة فيهما من قبل المرأة، وعم عائشة إنما هو من قبل الفحل، كانت امرأة أبي القعيس أرضعتهما فجاء أخو أبي القعيس فاستأذن، فأبت

الحديث

(1)

. فأخبرها الشارع أن الرضاعة من قبل الفحل تحرم كما حرم من قبل المرأة التي أخبرها في حديث حفصة فصح أن حديث أخي أبي القعيس بعد حديث حفصة صحيح إلا أن قوله: (أخي) أن عم عائشة مثل عم حفصة رضع مع أبيها عمر وعم عائشة لم يرضع مع أبي بكر كما رضع عم حفصة مع عمر، وأما مع عائشة فسبب عمومته غير سبب عمومة عم حفصة؛ لأنه إنما استحق العمومة من أجل أنه أخو فحل المرأة وبعلها التي أرضعت عائشة فكانت عمومته من قبل الفحل وعم حفصة من قبل الرضاع نفسه فبينهما اختلاف في الأسباب ودرجات في معنى العمومة؛ لأن عمومة عم عائشة الذي هو سبب لبن الفحل إنما هو قطع الذرائع بأبعد أسبابها فلذلك رفعه من لم ير لبن الفحل محرمًا لما دخلت على الناس داخلة الحرج على الأصل في سلم قطع الذرائع إذا دخل الحرج رفع، ولكن في هذا الموضع لا يجوز هذا؛ لأنه عليه السلام لما رفع بهذا الحكم منه في لبن الفحل الحجاب الذي افترضه الله تعالى على أمهات المؤمنين علمنا أنه حكم لازم خارج عن الأحكام التي هي لقطع الذرائع؛ لأنه لا يرفع الفرائض إلا فريضة

(1)

سلف برقم (2644).

ص: 290

مثلها لا دونها فإذا صح هذا أن لا يحكم في الشيئين حكمًا واحدًا، وإنما هي على حسب ما بلغت عليه من الشدة واللين.

فصل:

قد عرفت مذهب أهل الظاهر ومن معهم أن الرضاع لا تثبت حرمته بين الرجل والرضيع، واحتجوا بأن عائشة رضي الله عنها كان تدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أختها ولا تدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها

(1)

.

وفي "مصنف ابن أبي شيبة" أن رافع بن خديج زوج ابنته ابن أخيه رفاعة بن خديج وقد أرضعتهما أم ولد له سوى أم ابنه الذي أنكحها إياه، وعن الشعبي أنه كان لا يرى لبن الفحل شيئًا، ثنا ابن علية عن أيوب قال: أول ما سمعت لبن الفحل ونحن بمكة، فجعل إياس ابن معاوية يقول: وما بأس بهذا يكره هذا، وعن مكحول أنه كان لا يرى بلبن الفحل بأسًا

(2)

.

وذكره أبو عمر في "استذكاره" عن سالم بن عبد الله ومكحول والحسن على اختلاف عنه، وجابر بن عبد الله قال: وقضى به عبد الملك بن مروان، وقال: ليس الرجل من الرضاعة في شيء، وقال ابن سيرين: نبئت أن ناسًا من أهل [المدينة]

(3)

اختلفوا فيه، فمنهم من كرهه، ومنهم من لم يكرهه.

(1)

انظر: "المحلى" 10/ 2 - 3.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة" 4/ 19 (17355 - 17360).

(3)

ساقطة من الأصل، وفي هامشه:(سقط شيء) اهـ. وقد أثبتناها من "الاستذكار".

ص: 291

وعن مالك: اختلف في أمر الرضاعة من قبل الأب، ونزل [برجال]

(1)

من أهل المدينة في أزواجهم منهم محمد بن المنكدر وابن أبي حبيبة فأما هذان ففارقا نساءهما

(2)

.

وروى البيهقي في "المعرفة" بإسناد جيد عن زينب بنت أم سلمة أنها سألت عن هذا، والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: إنما الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا فعملت بقولهم. وذكره ربيعة عن ابن عباس. قال عبد العزيز بن محمد: وذلك رأي ربيعة ورأي فقهائنا، وأنكر حديث عمرو بن الشريد عن ابن عباس: في اللقاح واحد، قال: حديث رجلٍ من أهل الطائف، وما رأيت من فقهاء أهل المدينة أحدًا شك في هذا إلا أنه روي عن الزهري (خلافهم فما)

(3)

التفتوا إليه وهؤلاء أكثر وأعلم. قال الشافعي: فقلت له -يعني: لبعض أصحاب مالك أتجد بالمدينة من علم الخاصة شيئًا أولى أن يكون عامًا ظاهرًا عند أكثرهم من ترك تحريم لبن الفحل فقد تركناه وتركته، ومن يحتج لقوله [إذ]

(4)

كنا نجد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كالدلالة على ما يقول.

قال البيهقي: وهذا إنما أورده على طريق الإلزام فيمن يحتج في بعض المواضع بخبر الواحد؛ لقول بعض أهل المدينة وترجيحهم ما قال الأكثرون من المدنيين أن لبن الفحل لا يحرم بما ثبت عن

(1)

في الأصل: (رجال) والمثبت من "مصنف ابن أبي شيبة" و"الاستذكار".

(2)

"الاستذكار" 18/ 251 - 253 بتصرف، وأثر ابن سيرين رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 18 (17349).

(3)

في الأصل تشبه: (فلان ثم ما). ولعله تصحيف لتشابه الرسم.

(4)

غير موجودة بالأصل والمثبت من "المعرفة".

ص: 292

رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حرم من الرضاع ما يحرم من النسب

(1)

.

وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول بتحريم لبن الفحل ويذهب إليه، قلت له: أبو القعيس هو لبن الفحل؟ قال: هو لبن الفحل، قال: وسمعت أبا عبد الله يكلم رجلًا وأرسله إلى (

)

(2)

فقال له: قل له: أنت تذهب إلى خبر الواحد وتحتج به وترد لبن الفحل وهو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال الرجل: ليس نرده يا أبا عبد الله إلا من كلام القاسم فيه، قال أبو عبد الله: وكذا إذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم فيه القاسم ومن أشبهه تركناه، يعني كأنه يريد بكلام القاسم ما ذكره أبوالقاسم البلخي في كتاب "الضعفاء ومعرفة الرجال" عن محمد بن إسماعيل، ثنا أبو قتادة، عن الحسن بن عمارة، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: اتهم الناس حديث عروة بن الزبير في حديث أفلح في الرضاع، وفي حديث أبي بكر إنما هو مال الوارث.

فصل:

قولها -أعني: عائشة رضي الله عنها (لو كان فلان حيا -لعمها من الرضاعة- دخل علي). سئل أبو الحسن

(3)

عنه: هل هو من الحديث التي ذكرت فيه: أبت أن تأذن له؟ فالأول ذكرت أنه ميت والثاني أنه حي. فأجاب بأنهما عمان من الرضاعة أحدهما رضع مع أبي بكر امرأة واحدة وهو الذي في حديث مالك: لو كان فلان حيًا، والآخر: أخو أبيها من الرضاعة من قبل الفحل فإن أباها رضع بلبن ذلك

(1)

"معرفة السنن والآثار" 11/ 251 - 253.

(2)

كلمة غير واضحة بالأصل.

(3)

هو القابسي، كذا ذكره النووي في "شرح مسلم" 10/ 20، ونقل هذِه العبارة عن أبي الحسن.

ص: 293

الفحل، وكان لذلك الفحل ابن من غير تلك المرأة.

وقال ابن أبي حازم: نرى أن المرأة التي أرضعت عائشة امرأة أخي الذي استأذن عليها وهذا هو الصحيح بدليل قولها: (إنما أرضعتني المرأة) وأبين من ذلك ما سلف من أن أفلح استأذن عليها، فلم تأذن له .. الحديث.

فالعمومة من الرضاعة أربع:

أحدها: أن ترضع جدها.

ثانيها: أن يرضع أبوها مع امرأة.

ثالثها: إن يرضع أبوها امرأة لها زوج وله ولد من غير تلك المرأة.

رابعها: أن ترضع جدتها هي امرأة ولها زوج له أخ ومع هذا كان لبن الفحل ضعيفًا عند عائشة.

فصل:

في حديث أم حبيبة حب المرء لغيره ما يحب لنفسه.

وفيه: تحريم الجمع بين الأختين، وتحريم الربيبة كما سلف، وتحريم ابنة الأخ من الرضاعة.

ص: 294

‌21 - باب مَنْ قَالَ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ

لِقَوْلِهِ عز وجل: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]. وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ.

5102 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِي. فَقَالَ: «انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» . [انظر: 2647 - مسلم: 1455 - فتح 9/ 146].

ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنه -اأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِي. فَقَالَ: "انْظُرْنَ من إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ". قد سلف في آخر باب: الأكفاء في الدين الكلام على ذلك واضحًا وهو ظاهر لما ترجم له، وأخذ أيضًا منه أن المصة تحرم وهو قول مالك

(1)

، واحتج بعضهم له بقوله لعائشة:"ائذني له" وهذا رضاع لا توقيت فيه، واحتج له بعضهم بحديث المرأة السوداء الآتية

(2)

قريبًا.

وقولها: (قد أرضعتكما). واعتبر الشافعي خمس رضعات متفرقات، وحكي عن إسحاق أيضًا

(3)

وقيل: عشر، وقيل: تسع، وحجة الجمهور ما ذكر في الآية ظاهر، أعني: في اعتبار الحولين أنه تعالى أخبر أن تمام الرضاعة حولان فعلم أن ما بعدهما ليس برضاع، إذ لو كان ما بعد رضاعًا لم يكن كمال الرضاع حولين،

(1)

"المدونة" 2/ 69.

(2)

في هامش الأصل: ينبغي أن يقالى أو الأحسن: الآتي.

(3)

"الأم" 5/ 25، "مسائل أحمد برواية الكوسج" 1/ 340 (1119).

ص: 295

ويشهد لهذا قوله: "إنما الرضاعة من المجاعة" وهذا المعنى لا يقع برضاع الكبير.

وقوله: ("انظرن من إخوانكن") أي: حققوا صحة الرضاعة ووقتها فإن الحرمة إنما تثبت إذا وقعت على شرطها وفي وقتها.

قال المهلب: أي: ما سبب أخوته؟ فإن حرمة الرضاع إنما هو في الصغر حتى يشب، الرضاعة من المجاعة لا حين يكون الغذاء بغير الرضاع في حال الكبر

(1)

، قال ابن بطال: والقول قول من قال بالحولين بشهادة الكتاب والسنة

(2)

.

وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس مرفوعًا:"لا رضاع إلا ما كان في الحولين"

(3)

، وقد سلف من رواية ابن عدي أيضًا

(4)

، وأيضًا فقد قال الله تعالى:{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] فعلم أن ما جاء بعدهما خلافهما، قال ابن المنذر: والذي يعتمد عليه في ذلك الآية السالفة وليس لما بعد التمام حكم.

فصل:

اختلف في مقدار الرضاع الذي تثبت به الحرمة، كما ذكرناه قريبًا.

قال ابن المنذر: قالت طائفة: يحرم قليله وكثيره، وهو قول علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ومكحول وطاوس والحكم، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والثوري والكوفيين لإطلاق الآية، وقالت طائفة: إنما

(1)

انظر: شرح ابن بطال" 7/ 97 - 198.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 198.

(3)

رواه عبد الرزاق 7/ 465 (13903).

(4)

"الكامل في الضعفاء" 8/ 399.

ص: 296

يحرم ثلاث، روي عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق، وأبو ثور وأبو عبيد، واحتجوا بالحديث السالف:"لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان"

(1)

(2)

.

وقالت طائفة: لا يقع إلا بخمس متفرقات؛ احتجاجًا بقول عائشة: كان فيما نزل في القرآن: (عشر رضعات يحرمن) ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما نقرأ في القرآن

(3)

، وروي عنها أيضًا أنه لا يحرم إلا بسبع

(4)

، وروي: بعشر، أمرت أختها أم كلثوم أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات ليدخل عليها

(5)

، وروي مثله عن حفصة أم المؤمنين

(6)

.

وقيل: إن أحاديثها في الرضاع اْضطربت فوجب تركها والرجوع إلى الإطلاق، نقله ابن بطال عن العلماء

(7)

، قال الطحاوي: فكيف يجوز أن تأمر عائشة بعشر وهي منسوخة وتركت أن تأخذ بالخمس الناسخة، وحديث الإملاجة لا يثبت؛ لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة عن أبيه، ومرة عن عائشة رضي الله عنها، ومثل هذا الاضطراب يسقطه. قلت: لا.

قال الطحاوي: وأكثر في ذلك أنَّا رأينا الذي يحرم لا عدد فيه، ويحرم قليله وكثيره، ألا ترى لو أن رجلًا جامع امرأته بنكاح أو ملك

(1)

رواه مسلم (1451) كتاب: الرضاع، باب: المصة والمتين.

(2)

"الإشراف" 1/ 93، وانظر:"المغني" 11/ 311.

(3)

رواه مسلم (1452) كتاب: الرضاع، باب: التحريم بخمس رضعات.

(4)

"مصنف عبد الرزاق" 7/ 466 (13911)، (13921)، الدارقطني 4/ 183.

(5)

"ابن أبي شيبة" 3/ 542 (17025).

(6)

"الموطأ" ص 373.

(7)

"شرح ابن بطال" 7/ 198 - 199.

ص: 297

مرة واحدة أن ذلك يوجب حرمتها على أبيه وابنه وحرمة أمها وابنتها عليه، فكذلك الرضاع

(1)

.

قلت: لا؛ فالعدد هنا ثابت.

(1)

انظر: "شرح مشكل الآثار" 11/ 480 - 494 بمعناه.

ص: 298

‌22 - باب لَبَنِ الفَحْلِ

5103 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا -وَهْوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ. [انظر: 2644 - مسلم: 1445 - فتح 9/ 150].

ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا -وَهْوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- بَعْدَ أَنْ نزَلَ الحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ. سلف في الشهادات وهو في تفسير سورة الأحزاب

(1)

، وسلف أيضًا قريبًا باختلاف العلماء فيه وأن الذي عليه الكافة أنه يحرم.

وممن روي عنه ذلك علي وابن عباس وعطاء وطاوس، وإليه ذهب الأربعة والأوزا عي والكوفيون وإسحاق وأبو ثور

(2)

، وحديث الباب حجة لهم؛ لأن عائشة كانت رضعت [من]

(3)

امرأة أبي القعيس بلبنه فصار أبو القعيس أبًا لعائشة، وصار أخوه عمًّا لعائشة، فأشكل هذا على عائشة إذ لا رضاعة حقيقة إلا من امرأة؛ لقوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} الآية [النساء:23]، فلم تر للرجل حكمًا في الرضاع، فقالت: يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فأخبرها عليه السلام أن لبن الفحل يحرم بقوله:"إنه عمك فائذني له"

(4)

.

(1)

سلف برقم (2644)، (4796).

(2)

"الإشراف" 1/ 95، وانظر:"مختصر اختلاف العلماء" 2/ 318، "النوادر والزيادات" 5/ 76، "الأم" 5/ 25، "المغني" 9/ 520.

(3)

زيادة يقتضيها لسياق.

(4)

سلف برقم (4796).

ص: 299

قال ابن المنذر: والسنة مستغنى بها عما سواها، ومن جهة النظر أن سبب اللبن هو ماء المرأة والرجل، فوجب أن يكون الرضاع منهما كما كان الولد لهما، وإن اختلف سببهما على أن الجد لما كان سببًا في الولد تعلق ولد الولد به كتعلقه بولده، كذلك حكم الرجل والمرأة، وقد سئل ابن عباس عن رجل له امرأتان، فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية، فقال: لا يجوز للغلام أن يتزوج الجارية

(1)

؛ لأن النكاح واحد، أي: الأمهات، وإن افترقن فإن الأب واحد الذي هو سبب اللبن للمرأتين والغلام والجارية أخوات لأب من الرضاعة، وقد سلف أيضًا.

(1)

الترمذي (1149)، عبد الرزاق 7/ 473 - 474 (13942)، ابن شيبة 4/ 18 (17342).

ص: 300

‌23 - باب شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ

5104 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ، سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. وَهْيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ: «كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟! دَعْهَا عَنْكَ» وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى يَحْكِى أَيُّوبَ. [انظر: 88 - فتح 9/ 152].

ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث- رضي الله عنه السالف في العلم والشهادات والبيوع

(1)

، هذا الحديث أخذ به الليث، واختلف في مذهب مالك في شهادة واحدة مع النسوة واثنين مع عدمه، هل يفرق بذلك أم لا؟

واختلف في الأب والأم إذا قالا ذلك قبل عقد النكاح

(2)

، وروي عن ابن عباس وطاوس جواز شهادة واحدة فيه إذا كانت مرضية، وتستحلف مع شهادتها، وهو قول الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق عملًا بقوله فيه:"كيف وقد قيل؟! " وبنهيه، وذكر عن الأوزاعي أنه اختار شهادة امرأة واحدة في ذلك إذا شهدت قبل أن تتزوجه فأما بعده فلا، وروي عن عمر بن الخطاب أنه لا يقبل في ذلك إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين دون رجل

(3)

، وبه قال

(1)

سلف برقم (2052)، (2640).

(2)

"المدونة" 2/ 291.

(3)

انظر: "المغني" 11/ 340 - 341.

ص: 301

الحكم، قال مالك: كان ذلك قد فشا وعرف من قولهما. هذِه رواية ابن القاسم، وروى ابن وهب أنه تقبل شهادة امرأتين

(1)

، وهو قول الكوفيين، وقال مالك: تقبل شهادة امرأتين، وإن لم يفش ذلك من قولهما

(2)

.

وقالت طائفة: لا يقبل في ذلك أقل من أربع نسوة، روي ذلك عن عطاء

(3)

والشعبي

(4)

، وهو قول الشافعي، قال: ولو شهد في ذلك رجلان أو رجل وامرأتان لجاز، وتأول أهل هذِه المقالات غير الأولى.

قوله: "كيف وقد قيل؟! " إنما هو على وجه التنزه والتورع لا على الإيجاب، وروى ابن مهدي عن حفص بن غياث، عن [حذلم]

(5)

العبسي، عن رجل ابن رجل من عبس، قال: سألت عليًا رضي الله عنه وابن عباس عن رجل تزوج امرأته فجاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما فقالا: يتنزه عنها فهو خير، وأما أن يحرمها عليه حد فلا. وقال زيد بن أسلم: إن عمر بن الخطاب لم يجز شهادة امرأة واحدة في الرضاع، وأنه عليه السلام أخبر عن رضاع امرأة فتبسم وقال:"كيف وقد قيل؟! "

(6)

.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 5/ 184.

(2)

"المدونة" 2/ 291.

(3)

رواه عبد الرزاق 7/ 483 (13972).

(4)

انظر: "المغني" 11/ 341.

(5)

في الأصل (غلام) والمثبت من "شرح ابن بطال".

(6)

"شرح ابن بطال" 7/ 202 - 203.

ص: 302

‌24 - باب مَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} الآية. إِلَى قَوْلِهِ: {عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 23 - 24]. وَقَالَ أَنَسٌ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:24]: ذَوَاتُ الأَزْوَاجِ الحَرَائِرُ حَرَام {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] لَا يَرى بَأْسًا أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ. وَقَالَ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: مَا زَادَ على أَرْبَعٍ فَهْوَ حَرَامٌ، كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ.

5105 -

وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي حَبِيبٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ. ثُمَّ قَرَأَ:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23] الآيَةَ. وَجَمَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَجَمَعَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَيْنَ ابْنَتَىْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ، وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى الْكِنْدِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ، فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ: إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ، وَيَحْيَى هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَرَّمَهُ. وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تَحْرُمُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ حَتَّى يُلْزِقَ بِالأَرْضِ. يَعْنِي: يُجَامِعَ. وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَحْرُمُ. وَهَذَا مُرْسَلٌ. [فتح 9/ 153].

ص: 303

وقال لنا أَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنِي حَبِيبٌ، عَنْ سَعِيدٍ بن جبير، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ. ثُمَّ قَرَأَ:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] الآيَةَ. وجمَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ بنت عَلِيٍّ وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ. وَقَالَ ابن سيرِينَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَكَرِهَهُ الحَسَنُ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَجَمَعَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِي بَيْنَ ابنتَي عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ واحدة، وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، وَقَالَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: إِذَا زَنى بِأُخْتِ اْمْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وُيرْوى عَنْ يَحْيَى الكِنْدِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ، فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ: إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ. ويحْيَى هذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِهَا لا تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ أَنَّ ابن عَبَّاسٍ حَرَّمَهُ. وَأَبُو نَصْرٍ هذا لَمْ يُعْرَفْ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابن عَبَّاسٍ. وَيُرْوى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَبَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ: تَحْرُمُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ عليه حَتَّى يُلْزِقَ بِالأَرْضِ. يَعْنِي: يُجَامِعَ. وَجَوَّزَهُ ابن المُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَحْرُمُ. وهذا مُرْسَلٌ.

الشرح:

الرواية ثابتة عن ابن عباس -كما قال ابن بطال- أن السبع المحرمات بالنسب المذكورات في الآية إلى قوله: {الْأُخْتِ} ، والسبع المحرمات بالصهر والرضاع الأمهات من الرضاع والأخوات منها وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، والسابعة:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}

(1)

[النساء: 22].

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 204.

ص: 304

والأمهات: المراد به الوالدات ومن فوقهن من الجدات من قبل الأمهات والآباء، والبنات: المراد به بنات، الأصلاب ومن أسفل منهن من بنات الأبناء والبنات وإن سفلن، والأخوات: المراد الأشقاء وغيرهن من الآباء والأمهات، والعمات: المراد أخوات الآباء من الآباء والأمهات ومن الآباء أو من الأمهات، وكذلك أخوات الأجداد ومن كل واحدة من الجهات الثلاث وإن علون، والمراد بالخالات: أخوات الأمهات الوالدات لآبائهن وأمهاتهن أو لآبائهن أو لأمهاتهن، وأخوات الجدات كأخوات الأمهات في الحرمة؛ لأنه إذا كان لهن حكم الأمهات كان أيضًا لأخواتهن حكم أخوات الأمهات، وبنات الأخ: المراد بنات الأخ من الأب والأم أو من الأب أو من الأم، وبنات بنيهم وبنات بناتهن وإن سفلن، وبنات الأخت: كذلك أيضًا من أي جهة كن وأولاد أولادهن وإن سفلن، {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23] هو على الأم المرضعة ومن فوقها من أمهاتها وإن بعدن، وقام ذلك مقام الوالدة ومقام أمهاتها، وكذلك حكم الأخوات من الرضاعة حكم اللواتي من النسب، وتحرم زوجة الرجل على ابنه، دخل بها أو لم يدخل، وعلى أجداده. وعلى ولد ولده الذكور والإناث، ولا تحل لبني بنيه، ولا لبني بناته ما تناسلوا؛ لقوله تعالى:{وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ} الآية [النساء: 23].

وقوله: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22] ولم يذكر تعالى دخولًا، فصارتا محرمتين بالعقد والملك، والرضاع في ذلك بمنزلة النسب، والمراد بـ {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} آباء الآباء وآباء الأمهات ومن فوقهم من الأجداد، وكل هذا من المحكم المتفق على تأويله، وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء

ص: 305

اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن، فإن بعض السلف اختلفوا إذا بانت الابنة قبل الدخول بها هل تحرم أمها أم لا، مذهب جمهورهم على التحريم، وأنها حرام بالعقد على البنت، ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم، وبه قال جميع أئمة الفتوى بالأمصار

(1)

.

وقالت طائفة: الأم والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى وتأولوا الآية على غير تأويله فقالوا: المعنى: وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن وربائبكم أيضًا كذلك، وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعًا، روى هذا القول الخلاس عن علي بن أبي طالب

(2)

، ورواية عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وهو قول ابن الزبير لم يختلف عنهما ولم يقل به أحد من [أئمة]

(3)

الفتوى، وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة؛ لأنه لا تصح روايته عنه عند أهل العلم بالحديث وإن كان أثبتها أحمد بقوله: كان على شرطة علي، ذكره العقيلي

(4)

وغيره، والصحيح عن ابن عباس مثل قول الجماعة

(5)

.

روى سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23] هي مبهمة

(6)

، لا تحل بالعقد على الابنة.

(1)

انظر "تفسير القرطبي" 5/ 105.

(2)

رواه ابن أبي شيبة 3/ 472 (16261).

(3)

زيادة يقتضيها السياق.

(4)

"الضعفاء الكبير" 2/ 29.

(5)

انظر: "تفسير القرطبي" 5/ 106.

(6)

"المصنف" 3/ 474 (16273).

ص: 306

وكذلك روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سئل زيد بن ثابت عن رجل تزوج امرأة ثم فارقها قبل أن يصيبها هل تحل له أمها؟ فقال: لا؛ الأم مبهمة، وإنما الشرط الربائب

(1)

. وهذا الصحيح عن زيد هو ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية، ثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن زيد أنه كان لا يرى بها بأسًا إذا طلقها ويكرهها إذا ماتت عنده

(2)

.

وأما ابن المنذر فلما ذكر عن زيد ما سلف قال: وهذا هو الصحيح لدخول جميع أمهات النساء: في الآية

(3)

، وأيضًا فإن الاستثناء راجع إلى الربائب؛ لأنهم أقرب مذكور، ولا يرجع إلى أمهات النساء، والدليل عليه أن العرب تحمل الوصف على أقرب الموصوفين دون أن تحمله على أبعدهما، وإن شرك بينهما فيه، تقول: هذا جحر ضب خربٍ، والضب ليس بخرب، وإنما هو الجحر قصدًا إلى جري الكلام على طريقة واحدة؛ ولأن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدًا لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت نساء زيد الظريفات على أن يكون الظريفات نعتًا لهما

(4)

.

قال ابن المنذر: احتج بعضهم بما وقع بالحديث السالف: "لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن"

(5)

ولم يقل اللاتي في حجري، ولكنه سوى بينهن في التحريم

(6)

، وقد أجمع عوام علماء الأمصار

(1)

"الموطأ" ص 330.

(2)

"المصنف" 3/ 472 (16262).

(3)

"الإشراف" 1/ 77.

(4)

انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 53.

(5)

سلف برقم (5101) كتاب: النكاح، باب:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} .

(6)

"الإشراف" 1/ 78.

ص: 307

على أدن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له تزويج ابنتها، وهو قول مالك

(1)

ومن تبعه وأصحاب الرأي ومن وافقهم من أهل الكوفة

(2)

والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام والشافعي

(3)

وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ومن تبعهم من أهل الحديث

(4)

، وروي عن جابر بن عبد الله وعمران بن حصين أنهما قالا: إذا طلقها قبل أدن يدخل بها تزوج ابنتها

(5)

.

واختلفوا في معنى الدخول الذي يصح به تحريم الربائب، فقالت طائفة: الدخول: الجماع، روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار وعبد الكريم، وفيه قول ثان وهو أن تحريم ذلك (التفتيش)

(6)

والقعود بين الرجلين هكذا قال عطاء، وقال حماد بن أبي سليمان: إذا نظر الرجل إلى فرج امرأته فلا يحل له أن ينكح أمها ولا ابنتها.

وقال الأوزاعي: إذا دخل بالأم وعراها أو لمسها بيده، أو أغلق بابا، أو أرخى سترًا فلا يحل له نكاح ابنتها

(7)

، وسيأتي أيضًا.

فصل:

اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 24] فقالت طائفة: المحصنات في هذِه الآية كل أمة ذات زوج من المسلمين

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 507 - 508.

(2)

انظر: "المبسوط" 4/ 199 - 200.

(3)

"الأم" 5/ 132 - 133.

(4)

انظر: "المغني" 9/ 517.

(5)

انظر: "الإشراف" 1/ 77 - 78.

(6)

صورتها في الأصل: التنفيس، وما أثبتناه من "الإشراف".

(7)

انظر: "الإشراف" 1/ 78.

ص: 308

والمشركين فهن حرام على غير أزواجهن، إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشتر من مولاها فتحل له. ويبطل ببيع سيدها إياها النكاح بينها وبين زوجها، روي هذا القول عن ابن مسعود وأبي بن كعب وجابر وأنس.

وقال: بيع الأمة طلاق لها وهو قول النخعي وابن المسيب والحسن

(1)

وقالت أخرى: المحصنات في الآية ذوات الأزواج المسبيات منهن بملك اليمين هن السبايا التي فرق بينهن وبين أزواجهن السبي فحللن بما صرن له بملك اليمين من غير طلاق كان من زوجها، روي ذلك عن ابن عباس قال: كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وهو قول زيد بن أسلم ومكحول وقالوا: إن هذِه الآية نزلت في سبي أوطاس، وقالوا: ليس بيع الأمة طلاقها

(2)

. وأن الآية نزلت في السبي خاصة وبهذا قال مالك والكوفيون وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واحتجوا بحديث بريرة، ولو كان بيع الأمة طلاقًا ما خيرت

(3)

.

قال الطحاوي: والقياس يوجب فساد قول من جعل بيع الأمة طلاقها؛ لأنها لا فعل للزوج في ذلك ولا سبب له، والطلاق لا يقع إلا من الأزواج.

وقال آخرون: المحصنات في الآية وإن كن ذوات الأزواج فإنه يدخل في ذلك محصنة عفيفة ذات زوج وغيرها مسلمة أو كتابية في أن الله حرم الزنا، وأباحهن بالنكاح أو الملك روي هذا عن علي وابن عباس ومجاهد، وهو معنى قول ابن المسيب، وبرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنا، ومعنى الآية عندهم: إلا ما ملكت أيمانكم يعني

(1)

انظر: "الإشراف" 1/ 198، "تفسير الطبري" 4/ 4 - 6.

(2)

انظر: "الإشراف" 1/ 198، "تفسير الطبري" 4/ 3 - 4.

(3)

انظر: "الإشراف" 1/ 104.

ص: 309

يملكون عصمتهن بالنكاح ويملكون الرقبة بالشراء

(1)

، والمراد بانقضاء العدة الاستبراء بالوضع من الحامل وتحقيقه من الحائض، وفي مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين سرية فأصابوا حيًا من العرب يوم أوطاس، فيهم نساء لهن أزواج، فكان ناس من الصحابة تأثموا من غشيانهن من أجل أزواجهن فنزلت:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] فهن حلال لكم، إذا انقضت عدتهن

(2)

.

فصل:

قول أنس إلى آخره أخرجه ابن أبى شيبة، عن يحيى بن سعيد، عن التيمي، عن أبي مجلز عنه

(3)

.

قال ابن التين: وذلك ينزع الرجل أمته من عبده، وقيل: هم السبايا سبيا معًا أو متفرقين يفسخ نكاحها، قال: وهذا المعروف من مذهب مالك، وقيل: إذا سبيا معًا فلا فسخ.

فصل:

وقول ابن عباس: (ما زاد) إلى آخره أخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره"، عن جويبر، عن الضحاك، عنهم. وقوله:(وقال لنا أحمد .. ) إلى آخره. كأنه أخذه عنه مذاكرة. وأخرجه البيهقي عن أبي عمرو الكاتب، ثنا الإسماعيلي، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا يعقوب، ثنا يحيى بن سعيد به

(4)

.

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 207 - 208.

(2)

مسلم (1456) كتاب: الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء.

(3)

"المصنف" 3/ 530 (16885).

(4)

"سنن البيهقي" 7/ 159.

ص: 310

فصل:

قوله: (جمع عبد الله بن جعفر بين بنت علي وامرأة علي) أخرجه أبو عبيد، عن إسماعيل بن عمرو، عن ابن أبي ذئب، عن مولى لبني هاشم أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب تزوج بنت علي بن أبي طالب، وتزوج معها ليلى بنت مسعود امرأة علي فكانتا عنده جميعًا، وفي حديث ابن لهيعة عن يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني غير واحد أن عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته ثم ماتت بنت علي فتزوج عليها بنتًا له أخرى، قال: وثنا قبيصة عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مهران قال: جمع ابن جعفر بين بنت علي وامرأته في ليلة، وعند ابن سعد من حديث ابن أبي ذئب حدثني عبد الرحمن بن مهران أن جعفرًا تزوج بنت علي وتزوج معها امرأة علي ليلى بنت مسعود، وقال ابن سعد: فلما توفيت زينب تزوج بعدها أم كلثوم بنت علي، بنت فاطمة

(1)

.

قال ابن بطال: وإنما فعل ذلك؛ لأن الابنة كانت من غير تلك المرأة، وهذا جائز عند الأربعة والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور؛ لأنه إنما حرم على الرجل أن يتزوج المرأة وابنتها، وليس بحرام عليه أن يتزوج المرأة وربيبتها لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله، بل هما داخلان في جملة قوله:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] وفي قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز هذا النكاح، وكرهه الحسن وعكرمة.

(1)

"الطبقات" 8/ 464 - 465.

ص: 311

وقال ابن المنذر: وثبت رجوع الحسن عنه

(1)

.

وحجة الذين كرهوه ولم يجيزوه ما أصله العلماء في معنى الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.

قال الشعبي: انظر فكل امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يجز له نكاح الأخرى، ولا يجوز الجمع بينهما، قيل له: عمن؟ قال: عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الثوري: تفسير هذا أن يكون من النسب، وليس بين امرأة الرجل وابنته من غيرها نسب يجمعهما، فكذلك يجوز الجمع بينهما وعلى هذا التفسير جماعة الفقهاء، ولذلك أجاز أكثر العلماء أن ينكح المرأة وينكح ابنة ابنتها من غيره وكره ذلك طاوس ومجاهد

(2)

.

قوله: (وجمع الحسن .. ) إلى آخره. أخرجه أبو عبيد في كتاب "النكاح" بالنية عن حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار أن الحسن بن محمد أخبره أن حسن بن حسن بن علي بنى في ليلة واحدة ببنت محمد بن علي وبنت عمر بن علي فجمع بين ابنتي العم، وأن محمد بن علي قال: هو أحب إلينا منهما -يعني: ابن الحنفية.

قال ابن بطال: وكرهه مالك وليس بحرام وهو قول عطاء وجابر بن زيد وقال: إنما كره ذلك للقطيعة وفساد ما بينهما ورخص فيه أكثر العلماء

(3)

.

(1)

"الإشراف" 1/ 82. وقال ابن المنذر: وأما إسناد حديث عكرمة ففيه مقال.

(2)

"مصنف عبد الرزاق" 6/ 263، "مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 519 - 520.

(3)

"شرح ابن بطال" 7/ 208 - 209.

ص: 312

قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا أبطل هذا النكاح، وهما داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين به بكتاب ولا سنة ولا إجماع، وكذلك معنى الجمع ابنتي عمة وابنتي خالة

(1)

.

وفي "المصنف" عن عطاء يكره الجمع بينهما، لفساد بينهما وكذا ذكره عن الحسن، وحدثنا ابن نمير عن سفيان حدثني خالد الفأفأ، عن عيسى بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة

(2)

. وفي "علل الخلال" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن، قيل: من كره ذلك منهم؟ فقال: أبو بكر وعمر وعثمان، وهذا حديث مجهول لا أصل له.

فصل:

وقوله: (وقال ابن سيرين: لا بأس به .. ) إلى آخره.

أخرجه أبو عبيد بن سلام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيوب، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسًا بذلك، ورواه كذلك عن ابن أبي مريم، عن الليث، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار قال: وكذلك قول سفيان وأهل العراق لا يرون به بأسا، ولا أحسبه إلا قول أهل الحجاز، وكذلك هو عندنا، ولا أعلم أحدًا كرهه إلا شيئًا عن الحسن ثم كأنه رجع عنه، قال: وثنا ابن عيينة، عن سلمة بن علقمة قال: إني لجالس عند الحسن إذ سأله رجل عن ذلك فكرهه قال: فقال له بعضهم: يا أبا سعيد هل ترى بينهما شيئًا، فنظر ساعة ثم

(1)

"الإشراف" 1/ 82 - 83.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 519 (16767).

ص: 313

قال: ما أرى بينهما شيئًا، وأجازه أكثر أهل العلم وفعل ذلك عبد الله بن صفوان بن أمية، وأباحه ابن سيرين وسليمان بن يسار والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيد، وقال مالك: لا أعلم ذلك حرامًا، وبه نقول، والإسناد إلى عكرمة في كراهته فيه

(1)

.

قال: وفي "علل الخلال" بإسناد جيد أن رجلًا من الصحابة يقال له: صلة من أهل مصر جمع بين امرأته وابنته من غيرها، قال أبو طالب: قال أبو عبد الله: قد فعل ذلك رجل من الصحابة، ونقله أيضًا ابن جعفر، وإسناده صالح جيد، وعبد الله بن أبي شيبة، قال أيوب: نبئت أن سعيد بن قرط -رجلًا له صحبة- جمع بينهما.

فصل:

قوله: (وكرهه جابر بن زيد للقطيعة) هذا أخرجه أبو عبيد، عن يزيد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عمرو بن هرم، عنه.

فصل:

قوله: (وقال ابن عباس: إذا زنا بأخت امرأته لم تحرم عليه امرأته) هذا أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن هشام، عن قيس بن سعد، عن عطاء، وحدثنا عبد الصمد، عن سعيد، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس به، وعن الزهري كذلك، وقال: لا يحرم حرام حلالا

(2)

. وكذا قاله ابن أشوع، زاد: جسرتُ عليها، وهابه إبراهيم والشعبي، وقال أيضًا: عطاء وقتادة وأكثر العلماء على

(1)

انظر: "الإشراف" 1/ 82.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 480 (16345).

ص: 314

الإباحة كما نقله ابن بطال

(1)

، وإنما حرم الله الجمع بين الأختين بالنكاح خاصة، لا بالزنا، ألا ترى أنه يجوز نكاح واحدة بعد أخرى، من الأختين، ولا يجوز ذلك في المرأة وابنتها من غيره.

والكوفيون على أنه إذا زنى بالأم حرم عليه بنتها وكذا عكسه، وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق أنه تحرم عليه أمها وبنتها

(2)

، وهي رواية ابن القاسم في "المدونة"

(3)

وقالوا: الحرام يحرم الحلال، وخالف فيه ابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة وربيعة والليث، فقال: الحرام لا يحرم الحلال، وهو قول في "الموطأ"

(4)

، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وحجة هذا القول أنه ارتفع الصداق في الزنا ووجوب العدة والميراث ولحوق الولد ووجب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز، ورخص أكثر الفقهاء في تزويج المرأة التي زنى بها، وشبه ابن عباس ذلك بالذي يسرق تمر النخلة فيأكلها ثم يشتريها وكره ذلك ابن مسعود وعائشة والبراء وقالوا: لا يزالان زانيين ما اجتمعا

(5)

.

فصل:

قوله: (ويروى عن يحيى الكندي .. ) إلى آخره، وفي آخره (ويحيى هذا غير معروف ولم يتابع عليه) في كتاب "الثقات" لابن حبان

(6)

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 210.

(2)

انظر: "المغني" 9/ 526.

(3)

"المدونة" 2/ 202.

(4)

"الموطأ" ص 330 - 331.

(5)

انظر: "الإشراف" 1/ 84.

(6)

"الثقات" 7/ 608.

ص: 315

و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم

(1)

وتاريخ [البخاري]

(2)

يحيى بن قيس الكندي روى عن شريح، روى عنه أبو عوانة وشريك والثوري، فيجوز أن يكون هذا.

وقوله: (ويذكر عن أبي نصر .. ) إلى آخره، وفي رواية: عن أبي النصر أو نصر، أبو نصر هذا عرفه أبو زرعة بأنه أسدي، وأنه ثقة، وروى عن ابن عباس أنه سأله عن قوله تعالى:{وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)} [الفجر: 1، 2] وهو ظاهر في سماعه منه، لا كما قال البخاري، أنه لا يعرف سماعه منه.

وقوله: (ويروى عن عمران) إلى آخره، التعليق عن عمران أخرجه ابن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عنه

(3)

.

والتعليق عن جابر والحسن أخرجه أيضًا عن أبي أسامة، عن هشام، عن قتادة قال: كان جابر بن زيد والحسن يكرهان أن يمس الرجل أم امرأته يعني في الرجل يقع على أم امرأته

(4)

، قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن قال: إذا فجر بأم امرأته أو بابنة امرأته حرمتا عليه، وحدثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن في رجل فجر بابنة امرأته قال: يفارق امرأته.

(1)

"الجرح والتعديل" 9/ 182 (754).

(2)

غير واضحة بالأصل، والمثبت من "عمدة القاري" 16/ 293، وانظر "التاريخ الكبير" 8/ 299 (3077).

(3)

"المصنف" 3/ 469 (16226).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 469 (16236).

ص: 316

والتعليق عن بعض أهل العراق أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن حفص، عن ليث، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها

(1)

، وثنا جرير، عن حجاج، عن أبي هانئ الخولاني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمُّها ولا ابنتها"

(2)

، وثنا جرير عن مغيرة، عن إبراهيم وعامر في رجل وقع على ابنة امرأته، قال: حرمتا عليه كلتاهما، قال إبراهيم: كانوا يقولون: إذا اطلع الرجل من المرأة

على ما لا يحل له أو لمسها بالشهوة فقد حرمت عليه وولدها جميعًا

(3)

، وثنا عبيد الله، عن شعبة: سألت الحكم وحمادًا عن رجل زنى بأم امرأته؟ فقا لا: أحب إلينا أن يفارقها

(4)

.

قال ابن المنذر: وهو قول عطاء والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وكذلك إن وطئ الابنة والأم زوجته حرمت عليه، وقالت طائفة: إذا غشي أم امرأته أو ابنة امرأته لم تحرم عليه زوجته كذلك، قال ابن عباس، وبه قال الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والشافعي ومالك وأبو ثور وبه نقول؛ وذلك أن الصداق لما ارتفع في الزنا ووجوب العدة والميراث ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز كما سلف

(5)

.

(1)

"المصنف" 3/ 469 (16228).

(2)

"المصنف" 3/ 469 (16229).

(3)

"المصنف" 3/ 469 (16230).

(4)

"المصنف" 3/ 469 (16233).

(5)

"الأشراف" 1/ 84.

ص: 317

وقال ابن بطال: أما تحريم النكاح باللواط فإن أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لا يحرمون النكاح به، وقال الثوري: إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد قال: إذا تلوط بابن امرأته أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته، وقال الأوزاعي: إذا لاط غلام بغلام وولد المفجور به لم يجز للفاجر أن يتزوجها؛ لأنها بنت من قد دخل هو به وهو قول أحمد

(1)

(2)

.

فصل:

(وقوله: وجوزه ابن المسيب .. ) إلى آخره، التعليق عن سعيد بن المسيب رواه ابن أبي شيبة، عن ابن علية عن يزيد الرشك عنه

(3)

، قال الداودي: إنما حرم الحسن وغيره أخت المرأة إذا زنى بأختها تنزيهًا وتوقيًا، وإذا قلنا بالتحريم لمن زنى بابنة امرأة وأمها وقلنا تحرم عليه امرأته هل ينزه فيؤمر بذلك أو يخير عليه؟ فيه تردد، وعند المالكية إذا وطئ ابنته ظانا أنها امرأته، هل تحرم عليه امرأته أم لا؟

قال سحنون: لا، وأُنكر عليه، ونزلت بشخص ففارق.

وقول أبي هريرة: (لا يحرم عليه حتى تلزق بالأرض) وهو بفتح الزاي.

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 210 - 211.

(2)

انظر: "المغني" 9/ 528 - 529.

(3)

"المصنف" 3/ 469 (16237).

ص: 318

‌25 - {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]

وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ وَاللِّمَاسُ هُوَ الجِمَاعُ. وَمَنْ قَالَ: بَنَاتُ وَلَدِهَا (هن بناتها)

(1)

فِي التَّحْرِيمِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لأُمِّ حَبِيبَةَ: "لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ". وَكَذَلِكَ حَلَائِلُ وَلَدِ الأَبْنَاءِ هُنَّ حَلَائِلُ الأَبْنَاءِ، وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةَ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ؟ وَدَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، وَسَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ابن ابنتِهِ ابنا.

5106 -

حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ:«فَأَفْعَلُ مَاذَا؟» . قُلْتُ: تَنْكِحُ. قَالَ: «أَتُحِبِّينَ؟» . قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ أُخْتِي. قَالَ:«إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي» . قُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ. قَالَ: «ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ» . قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ» . وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ. [انظر: 5101 - مسلم: 1449 - فتح 9/ 158].

ثم ساق حديث أم حبيبة قلت: يا رسول الله، هل لك في ابنة أبي سفيان .. الحديث السالف.

وفيه قَالَ: "بنت أُمِّ سَلَمَةَ".

وفي آخره: وَقَالَ اللَّيْثُ: ثَنَا هِشَامٌ: دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ.

(1)

كذا بالأصل، وفي أصل "اليونينية"(من بناته) وذكره الحافظ في "الفتح" 9/ 158 (هن من بناتها)، وذكر اختلاف النسخ الشيخ زكريا الأنصاري في "المنحة" 8/ 353 فأثبت (من بناته) وقال: وفي نسخو (هن بناتها) أي: هن كبناته. اهـ

ص: 319

وقد اختلف العلماء في معنى الدخول بالأمهات، وقد أسلفناه في الباب الذي قبل، وأن ابن عباس قَالَ: إنه الجماع.

قَالَ ابن بطال: ولم يقل بهذا أحد من الفقهاء، واتفق الفقهاء أنه إذا لمسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها

(1)

.

قلت: لا، فالخلاف فيه للشافعي، والأظهر من مذهبه أنه لا يحرم به

(2)

.

ثم اختلفوا في النظر، فقال مالك: إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيء من محاسنها بلذة حرمت عليه أمها وابنتها.

وقال الكوفيون: إذا نظر إلى (فرجها)

(3)

للشهوة، كان بمنزلة اللمس للشهوة. وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز بالنظر حَتَّى يلمس، قَالَ: وهو قول الشافعي

(4)

.

قلت: قد أسلفنا أنه خلاف الأظهر في مذهبه، وقد روي التحريم بالنظر عن مسروق، والتحريم باللمس عن النخعي والقاسم ومجاهد

(5)

، وأجمع الفقهاء عَلَى أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم وإن لم تكن الربيبة في حجره

(6)

.

وشذ أهل الظاهر عن جماعة الفقهاء، وقالوا: لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجره، واحتجوا بظاهر الآية، قالوا: فتحريمها بشرطين

(1)

"ابن بطال" 7/ 211.

(2)

انظر: "الوسيط" 3/ 149.

(3)

في الأصول (وجهها) والصواب ما أثبتناه كما في "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 309.

(4)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 309 - 310، "المدونة" 2/ 200 - 201.

(5)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 310.

(6)

انظر: "الإشراف" 1/ 77 - 78.

ص: 320

أن تكون في حجره، وأن تكون أمها دخل بها، فإذا عدم أحدهما لم يوجد التحريم؛ لأن الزوج إنما جعل محرمًا لها من أجل ما يلحق من المشقة في استتارها عنه، وهذا المعنى لا يوجد إلا إذا كانت في حجره.

واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لو لم تكن ربيبتي في حجري"

(1)

فشرط الحجر. ورووا عن علي إجازةَ ذَلِكَ

(2)

، أخرجه صالح بن أحمد عن أبيه

(3)

، وأخرجه أبو عبيد أيضًا.

لكن قَالَ ابن المنذر والطحاوي: إنه غير ثابت عنه، فيه إبراهيم بن عبيد بن رفاعة لا يعرف، وأكثر أهل العلم تلقوه بالدفع والخلاف، واحتجوا في دفعه بقوله:"فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن" فدل ذَلِكَ عَلَى انتفائه، ووهَّاه أبو عبيد أيضًا وإن تابعه إبراهيم بن ميسرة، كما أخرجه عبد الرزاق

(4)

.

ويدفعه قوله: "لا تعرضن علي بناتكن" فعمهن ولم يقل: اللاتي في حجري، ولكنه سوى بينهن في التحريم، لكن دعوى ابن المنذر والطحاوي عدم معرفة إبراهيم بن عبيد غريب، فقد روى عنه جماعة من أهل العلم: ابن إسحاق، وابن أبي ذئب وغيرهما، ووثقه أبو زرعة وابن حبان، وأخرج له مسلم، وصحح الحاكم حديثه في "مستدركه"

(5)

.

وأحسن من ذَلِكَ ذكره في الصحابة أبو موسى المديني، وقال: ذكره فيهم عبدان.

(1)

سبق برقم (5101).

(2)

انظر: "المحلى" 9/ 527 - 531.

(3)

"مسائل أحمد" برواية صالح ص 139 - 140 (509).

(4)

"المصنف" 6/ 279 (10835).

(5)

"المستدرك" 4/ 164. وانظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 2/ 113، "الثقات" 6/ 12، "تهذيب الكمال" 2/ 145 (211).

ص: 321

وإبراهيم بن ميسرة ثقة، خرجوا حديثه، وكان ثقة مأمونًا فقيهًا، وثقه أحمد ويحيى وغيرهما

(1)

.

والجواب عن الآية أن هذا القيد جرى عَلَى الغالب فلا مفهوم له، كما في قوله:{إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} [الأحزاب: 50]. وكما في وطء الأم بملك اليمين يحرم عليه ابنتها وإن لم تكن في حجره.

فصل:

روى أبو قرة

(2)

في "سننه" من حديث المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا:"أيما رجل نكح امرأة فدخل بها، فلا يحل له نكاح ابنتها" والمثنى واهٍ. وفي رواية عن أبيه بمثله وزيادة: "وإن لم يدخل بها فلينكحها".

وروى ابن جريج: أخبرت عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن ابن أم الحكم قَالَ: قَالَ رجل: يا رسول الله، إني زنيت بامرأة في الجاهلية، أفأنكح ابنتها، قَالَ:"لا أرى ذَلِكَ يصلح لك أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها"

(3)

وهو منقطع في موضعين.

(1)

إبراهيم بن ميسرة الطائفي، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب روى عنه الثوري وابن عيينة. انظر:"التاريخ الكبير" للبخاري 1/ 328، "تهذيب الكمال" 2/ 221 (255).

(2)

هو المحدث الإمام الحجة، أبو قرة موسى بن طارق الزبيدي، قاضي زبيد، ارتحل وكتب عن موسى بن عقبة، وابن جريج، وعدة، وعنه أحمد بن حنبل، وأبو حمة محمد بن يوسف الزبيدي، ألَّف سننا وروى له النسائي وحده.

انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" 8/ 148، "سير أعلام النبلاء" 9/ 346.

(3)

"مصنف عبد الرزاق" 7/ 202 (12784).

ص: 322

فائدة: أبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخو هاشم والمطلب ونوفل أولاد عبد مناف بن قصي.

أمه صفية بنت حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، عمة ميمونة، ولبابة أم الفضل، ولبابة الصغرى، وأم حفيد بنات الحارث بن حزن فولد أبو سفيان: حنظلة قتل يوم بدر كافرًا، ولا عقب له، وأم حبيبة أم المؤمنين.

وأم حبيب أميمة ولدت أبا سفيان بن حويطب، ثم خلف عليها صفوان بن أمية، فولدت له عبد الرحمن.

وأمهم جميعًا صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة عثمان ومروان ومعاوية وعتبة.

وجويرية تزوج بها السائب بن أبي حبيش بن المطلب، ثم خلف عليها عبد الرحمن بن الحارث بن أمية الأصغر.

وأم الحكم ولدت عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي المالكي الذي يقال له: عبد الرحمن ابن أم الحكم، وأمهم جميعًا هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.

ويزيد وأمه زينب بنت نوفل بن خلف بن فوالة بن جذيمة بن علقمة بن فراس بن كنانة.

ومحمدًا وعنبسةَ وأمهما عاتكة بنت أبي أزيهر الدوسي، وعمرًا، أسر يوم بدر وعُمّر.

وصخرة، تزوجها سعيد بن الأخنس الثقفي، فولدت له هند، تزوجها الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عبد الله.

ص: 323

وأمهم جميعًا صفية بنت أبي عمرو بن أمية.

وميمونة تزوجها (عروة)

(1)

بن مسعود بن معتب الثقفي، فولدت له، ثم خلف عليها المغيرة بن شعبة، وأمها لبابة بنت أبي العاصي بن أمية.

ورملة تزوجها سعيد بن عثمان بن عفان، فولدت له محمدًا، ثم خلف عليها عمرو بن سعيد بن العاصي، فقتل عنها، وأمها أمامة بنت أبي سفيان من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة

(2)

.

(1)

في الأصل: عمرو، والمثبت هو الصواب كما في "نسب قريش"، و"طبقات ابن سعد" 8/ 240.

(2)

انظر: "نسب قريش" ص 123 - 127.

ص: 324

‌26 - باب {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]

5107 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ:«وَتُحِبِّينَ» . قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللهِ إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ:«بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ» . فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ» . [انظر: 5101 - مسلم: 1449 - فتح 9/ 159].

ساق فيه حديث أم حبيبة أيضًا ويأتي في النفقات، وفقه الباب سلف في أول الرضاع.

ص: 325

‌27 - باب لَا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا

5108 -

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعَ جَابِرًا رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. [انظر:

5108 -

مسلم: 1408 - فتح 9/ 160]. وَقَالَ دَاوُدُ وَابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

5109 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم -قَالَ:«لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» . [انظر: 5108 - مسلم: 1408 - فتح 9/ 160].

5110 -

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا. فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ. [انظر: 5108 - مسلم: 1408 - فتح 9/ 160].

5111 -

لأَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. [انظر: 2644 - مسلم: 1445 - فتح 9/ 160].

حدثنا (عَبْدَانُ)

(1)

، أَنَا عَبْدُ اللهِ، أَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعَ جَابِرًا رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا.

وَقَالَ دَاوُدُ وَابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه. حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا". أخرجه مسلم والنسائي

(2)

.

(1)

في (س): عبد الله، وهي خطأ.

(2)

مسلم (1408/ 33) كتاب النكاح، و"المجتبي" 6/ 96.

ص: 326

حَذَثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ المًرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا. فَنَرى خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ. لأَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.

الشرح:

قَالَ الترمذي في "علله": حَدَّثنَا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود، عن شعبة، عن عاصم قَالَ: قرأت عَلَى الشعبي كتابًا فيه: عن جابر يرفعه: نهى أن تنكح المرأة عَلَى عمتها أو عَلَى خالتها. فقال الشعبي: سمعت هذا من جابر وسألت محمدًا عنه فقال: يحدث الشعبي عن صحيفة جابر، ولم يعرف محمد حديث أبي داود عن شعبة

(1)

.

والتعليق عن داود أخرجه مسلم عن محرز بن عون، عن علي بن مسهر عنه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة

(2)

.

وقال (الترمذي)

(3)

: ثنا الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون، عن داود، عن الشعبي

(4)

، ورواه أبو داود، عن النفيلي، عن زهير، والنسائي عن إسحاق بن (إبراهيم)

(5)

، عن المعتمر بن سليمان، كلاهما عن داود عن الشعبي به بلفظ: "لا تنكح المرأة عَلَى عمتها ولا عَلَى خالتها، ولا تنكح العمة عَلَى بنت أخيها، ولا الخالة عَلَى بنت أختها،

(1)

"العلل الكبير" 1/ 442.

(2)

مسلم (1408/ 39) كتاب النكاح.

(3)

في الأصول: المهدي، وهو تحريف، وصوابه ما أثبتناه.

(4)

الترمذي (1126).

(5)

في الأصول: كثير، والمثبت هو الصواب كما في "المجتبى".

ص: 327

ولا تتزوج الصغرى عَلَى الكبرى، ولا الكبرى عَلَى الصغرى"

(1)

.

والتعليق عن ابن عون، أخرجه النسائي موقوفًا عن محمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد بن الحارث، ثنا ابن عون، وأخرجه البيهقي أيضًا كذلك من طريق ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن الشعبي، عن أبي هريرة بلفظ: نهى أن يتزوج عَلَى ابنة أخيها، أو ابنة أختها

(2)

.

ورواه عن أبي هريرة أيضًا من غير ذكر البخاري جماعة: منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن وعراك بن مالك عند مسلم

(3)

، وعبد الملك بن يسار عند النسائي

(4)

، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية عند ابن أبي حاتم في "علله"

(5)

، ومحمد بن سيرين عند ابن ماجه

(6)

.

ولما خرجه الترمذي من حديث الأعمش، عن أبي صالح في "علله" قَالَ: كأن محمدًا لم يعرفه من هذا الوجه

(7)

.

وقال ابن عبد البر: طرق حديث أبي هريرة متواترة، ورواه عنه جماعة

(8)

قَالَ الشافعي: لم يُرو هذا من وجه يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة، وقد رُوِي من وجه لا يثبته أهل الحديث.

(1)

أبو داود (2065) واللفظ له، والنسائي 6/ 98.

(2)

النسائي في "السنن الكبرى" 3/ 294 (5431)، البيهقي في "الكبرى" 7/ 166.

(3)

مسلم (1408/ 34، 37) كتاب النكاح.

(4)

"المجتبي" 6/ 97.

(5)

"العلل" 1/ 419 - 420.

(6)

ابن ماجه (1929).

(7)

"العلل الكبير" 1/ 444.

(8)

"الاستذكار" 16/ 167.

ص: 328

قَالَ البيهقي: هو كما قَالَ الشافعي. وقد رُوِي ذَلِكَ عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن عمرو وأبي سعيد وأنس وعائشة كلهم مرفوعًا، زاد الترمذي وأبا أمامة وسمرة

(1)

.

قَالَ البيهقي: إلا أن شيئًا من هذِه الروايات ليس من شرط الشيخين، وإنما اتفقا ومن قبلهما ومن بعدهما من الحفَّاظ عَلَى إثبات حديث أبي هريرة في هذا الباب والاعتماد عليه دون غيره.

وقد أخرج البخاري رواية عاصم، عن الشعبي، عن جابر، والحفاظ يرون أنها خطأ، وأن الصحيح رواية ابن عون وداود

(2)

.

قلت: قد روى النسائي في كتابه "الكبير" عن إبراهيم بن الحسن، ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن أبي (الزبير)

(3)

، عن جابر

(4)

.

وقال أبو عمر: زعم بعض الناس أن هذا الحديث لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من حديث أبي هريرة

(5)

.

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه القائل فيه الترمذي: حسن صحيح. يرفعه: نهى أن تتزوج المرأة عَلَى عمتها أو عَلَى خالتها

(6)

.

وعند أبي داود مرفوعًا: أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة، وبين الخالتين والعمتين

(7)

.

(1)

عقب حديث (1125).

(2)

"السنن الكبرى" 7/ 166.

(3)

في الأصول: الزناد، والمثبت هو الصواب كما في النسائي.

(4)

"السنن الكبرى" 3/ 294 (5434).

(5)

"الاستذكار" 16/ 167.

(6)

الترمذي (1125).

(7)

أبو داود (2067).

ص: 329

وقد صح: "إنكم إذا فعلتم ذَلِكَ قطعتم أرحامكم"

(1)

وفي "مراسيل أبي داود"، عن عيسى بن طلحة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة عَلَى قرابتها مخافة القطيعة

(2)

.

وفي حديث أبي سعيد: نهى عن نكاحين: أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. أخرجه ابن ماجه

(3)

.

وقال الترمذي: سألت محمدًا عنه فقال: رواه بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن عبد الملك بن يسار -أخيه- عن أبي هريرة، ورواه زيد بن أسلم، عن أبي سعيد مرسلًا

(4)

.

وفي ابن ماجه من حديث أبي موسى: "لا تنكح المرأة عَلَى عمتها ولا عَلَى خالتها"

(5)

.

ولابن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "لا (تقدمن)

(6)

عَلَى عمتها، ولا عَلَى خالتها"

(7)

وأخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد إلى عمرو أنه قَالَ ذَلِكَ يوم فتح مكة، وفي رواية أن عمرو بن العاص ضرب رجلًا تزوج بامرأة عَلَى خالتها، وفرق بينهما

(8)

.

(1)

رواه الطبراني في "الكبير" 11/ 337 (11931).

(2)

"المراسيل" ص 182.

(3)

ابن ماجه (1930).

(4)

"العلل الكبير" 1/ 442.

(5)

ابن ماجه (1931).

(6)

كذا في الأصول.

(7)

"الاستذكار" 16/ 168.

(8)

ابن أبي شيبة 9/ 513 (16763، 16765).

ص: 330

وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث ابن عمر فقال: هو خطأ، إنما رواه جعفر بن برقان، عن رجل، عن الزهري، عن سالم، عنه. وليس هذا من صحيح حديث الزهري

(1)

.

وقال الترمذي في "علله": سألت محمدًا عنه، فقال: غلط إنما هو عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة

(2)

.

وقال أحمد في رواية مهنا: ليس هذا الحديث صحيحًا، هو باطل، وحديث جعفر مضطرب، وإنما يرويه قبيصة عن أبي هريرة ليس فيه شيء غير هذا. قالوا: ولم يسمع جعفر من الزهري.

ولأبي عبيد من حديث ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن رجل من السكاسك

(3)

، عن أبي الدرداء، ولابن أبي شيبة من حديث أبي بكر بن عياش، عْن أبي حصين، عن يحيى، عن مسروق، عن عبد الله موقوفًا

(4)

.

إذا تقرر ذَلِكَ فقام الإجماع عَلَى أنه لا يجوز الجمع بين المرأة وأختها وإن عَلَت، ولا بين المرأة وخالتها وإن عَلَت، ولا يجوز نكاح المرأة عَلَى ابنة أخيها، ولا عَلَى بنت أختها وإن سَفلت. كما سلف.

قَالَ ابن المنذر: لست أعلم في ذَلِكَ خلافًا، إلا عن فرقة من الخوارج، ولا يلتفت إلى خلافهم مع الإجماع والسنة.

وذكر ابن حزم أن عثمان البتي أباحه

(5)

، وذكر الإسفراييني أنه قول طائفة من الشيعة محتجين بقوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}

(1)

"العلل" 1/ 402.

(2)

"العلل الكبير" 1/ 441.

(3)

السَّكاسِكُ: حي من اليمن، والنسبة إليه: سَكْسَكيُّ. "العين" 5/ 272.

(4)

ابن أبي شيبة 3/ 518 (16756).

(5)

"المحلى" 9/ 524.

ص: 331

[النساء: 24] قَالَ أبو عبيد: فيقال لهم: لم يقل تعالى إني لست أحرم عليكم شيئا بعد، وقد فرض الله تعالى عَلَى العباد طاعة رسوله في الأمر والنهي، وكان مما نهى عن ذَلِكَ، وهي سنة بإجماع.

قَالَ ابن شهاب: لا يجمع بين المرأة وخالة أمها، ولا بينها وبين خالة أبيها، ولا بين المرأة وعمة أبيها، ولا بينها وعمة أمها

(1)

.

وعقد ربيعة ومالك في هذا أصلًا فقالا: كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكرًا لم يحل له نكاح الأخرى، فلا يجوز له الجمع بينهما، (وإنما جاز الجمع بين المرأة وربيبتها، لا فحرام ذَلِكَ لأنا لو جعلنا موضع الربيبة ذكرًا لم يحل له زوجة أبيه، وإذا جعلنا موضع الزوجة رجلًا لم يحرم أن يتزوج ابنة رجل أجنبي

(2)

)

(3)

.

وعبارة عبد الملك بن حبيب: لا يجمع بين المرأة وعمتها، وعمة أبيها، وخالة أمها، وكذلك المرأة وخالتها، وخالة خالتها، وخالة أبيها، وعمة أبيها

(4)

.

فأما خالة عمتها فقال ابن الماجشون: قَالَ لي: إن تكن أم العمة وأم الأب واحدة، فهي كالخالة؛ لأنها خالة أبيها، وإن تكن أمها غير أم الأب، فلا بأس بالجمع بينهما، إنما هي امرأة أجنبية، ألا ترى أن أباها ينكحها.

وقال غيره: إنما ينكح خالة العمة أخو العمة؛ لأنها أخت لأب، والخئولة إنما تحرم من قبل الأم، فإذا كانت من قبل الأب فلا حرمة

(1)

رواه أحمد في "مسنده" 2/ 452.

(2)

كذا بالأصول والعبارة بها اضطراب.

(3)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 515.

(4)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 516.

ص: 332

لها، كرجل له أخ لأب (كذلك الأخ له أخت لأم)

(1)

وأخت لأب؛ لأنهما لا يجتمعان، لا إلى أب ولا إلى أم.

قَالَ ابن الماجشون: وأما عمة خابتها فإن تك خالتها أخت أمها لأبيها، فإن عمة خالتها عمة أمها فلا يجتمعان، ألا ترى أنه لو كان في موضعها رجل لم تحل له، وإن كانت خالتها أخت أمها لأمها دون أبيها، فلا بأس أن يجمع بينها وبين عمة خالتها؛ لأنها منها أجنبية، لو كانت إحداهما رجلًا حلت له الأخرى.

وورد في حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين عمتين أو بين خالتين

(2)

، قيل في العمتين: أن تكون كل واحدة عمة الأخرى، وذلك أن يتزوج الرجلان كل واحد منهما أم الآخر، فيولد لهما ابنتان، فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى، والخالتان أن يتزوج كل واحد ابنة الآخر فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى.

وأما قول الزهري فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة؛ لأن عروة حَدَّثَني عن عائشة رضي الله عنها قالت: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب. فهذا استدلال غير صحيح من الزهري؛ لأنه استدل عَلَى تحريم من حرمت بالنسب فلا حاجة إلى نسبها بما حرم من الرضاع.

قَالَ ابن المنذر: ويدخل في معنى هذا الحديث تحريم نكاح الرجل المرأة عَلَى عمتها من الرضاعة، وخالتها منها؛ لأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب

(3)

.

(1)

من (غ).

(2)

رواه أبو داود (2067) من حديث ابن عباس.

(3)

"الإشراف" 1/ 82.

ص: 333

قَالَ ابن عبد البر: شغبت فرقة، فقالوا: لم يجمع العلماء عَلَى تحريم الجمع بين المرأة والعمة لحديث أبي هريرة، وإنما أجمعوا عَلَى ذَلِكَ بمعنى نص القرآن في النهي عن الجمع بين الأختين، والمعنى في ذَلِكَ أن الله حرم نكاح الأخوات فلا يحل لأحد نكاح أخته من أي وجه كانت، فكان المعنى في ذَلِكَ أن كل امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يحل له نكاح الأخرى، لم يحل لأحد الجمع بينهما

(1)

.

قلت: وهذا رواه معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة، عن أبي حريز، عن الشعبي قَالَ: كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرًا لم يجز له أن يتزوج أخرى، والجمع بينهما حرام، قلت له: عمن؟ قَالَ: عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم

(2)

.

قَالَ ابن عبد البر: وهذِه الفرقة تنطعت وتكلفت استخراج علة لمعنى الإجماع؟ وهذا لا معنى له؛ لأن الله تعالى لما حرم عَلَى عباده من هذِه الأمة اتباع غير سبيل المؤمنين، واستحال ذَلِكَ أن يكون في غير الإجماع؛ لأن الاختلاف لا يكون اتباع سبيل المؤمنين، فبان بهذا أن من اتبع غير سبيلهم، وما أجمع عليه المؤمنون فقد فارق جماعتهم وخلع ربقة الإسلام من عنقه، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، ووضح بهذا أن متى صح الإجماع وجب الاتباع، ولم يحتج إلى علة تستخرج برأي لا يجمع عليه

(3)

.

(1)

"الاستذكار" 16/ 171 - 172.

(2)

انظر: "التمهيد" 18/ 281 - 282.

(3)

"الاستذكار" 16/ 172.

ص: 334

‌28 - باب الشِّغَارِ

5112 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. [6960 - مسلم: 1415 - فتح 9/ 162].

حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجُ الآخَرُ ابنتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ.

هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة

(1)

، أيضًا وكما رواه الإسماعيلي من حديث محرز بن عون، ومعن بن عيسى، عن مالك به إلى قوله الشغار، قَالَ محرز: قَالَ مالك: والشغار أن يزوِّجَ الرجلُ ابنته. وقال: قال معن: والشغار أن يزوج (الرجل)

(2)

ابنة الرجل.

وفي "الموطآت" للدراقطني: حَدَّثنَا أبو علي محمد بن سليمان، ثَنَا بندار، عن ابن مهدي، عن مالك: نهي عن الشغار، قَالَ بندار: والشغار تقول: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي. وفي رواية خالد بن مخلد: قَالَ مالك: سمعت أن الشغار. فذكره. وفي رواية للبخاري ومسلم أيضًا من حديث عبيد الله بن عمر، (عن نافع)

(3)

قلت لنافع: ما الشغار؟

فقال .. الحديث

(4)

.

(1)

مسلم (1415/ 57) كتاب النكاح، باب: تحريم نكاح الشغار، وأبو داود (2074)، والترمذي (1124)، والنسائي 6/ 112، وابن ماجه (1883).

(2)

من (غ).

(3)

من (غ).

(4)

سياتي برقم (6960) كتاب الحيل، باب: الحيلة في النكاح، ورواه مسلم (1415/ 58).

ص: 335

وقال الخطيب: تفسير الشغار ليس مرفوعًا وإنما هو من قول مالك وصل بالمتن المرفوع، بيَّنَ ذَلِكَ القعنبي وابن مهدي ومحرز في روايتهم عن مالك

(1)

.

قلت: وقد سلف في رواية ابن مهدي أنه من قول بندار؛ وكذا تقدم عن معن.

وقال الشافعي: لا أدري تفسير الشغار في الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك

(2)

.

وفي "صحيح مسلم": "لا شغار في الاسلام"

(3)

.

وقد روى هذِه السنة -وهي مشهورة- جماعة منهم أبو هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار، والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، زوجني أختك وأزوجك أختي. أخرجه مسلم

(4)

. وجابر مرفوعًا: نهي عن الشغار

(5)

.

قَالَ البيهقي: ورواه نافع بن يزيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بزيادة.

والشغار: ينكح هذِه بهذِه بغير صداق، بضع هذِه صداق هذِه، وبضع هذِه صداق هذِه، قَالَ: يشبه إن كانت هذِه الرواية صحيحة، أن يكون هذا التفسير من قول ابن جريج، أو مَنْ فوقَهُ

(6)

.

(1)

"الفصل للوصل" 1/ 408.

(2)

"الأم" 5/ 68.

(3)

مسلم (1415/ 60).

(4)

مسلم (1416/ 61).

(5)

مسلم (1417/ 62).

(6)

"معرفة السنن والآثار" 10/ 168.

ص: 336

ولما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن نمير وأبي أسامة، عن عبيد الله بلفظ: نهي عن الشغار. قَالَ: زاد ابن نمير: الشغار: أن يقول الرجل: زوجني ابنتك حَتَّى أزوجك ابنتي، وزوجني أختك حَتَّى أزوجك أختي

(1)

.

ولأبي داود بإسناد جيد أن العباس بن عبد الله أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله

(2)

، زاد أحمد في "مسنده": وهو خليفة

(3)

.

قَالَ الأثرم عنه: إذا كانا صداقًا فليس بشغار

(4)

إلا أن الأحاديث كلها ليس كما روى ابن إسحاق في حديث معاوية، وابن إسحاق ليس ممن يعتمد عَلَى حديثه.

ولما ذكره ابن حزم قَالَ: هذا معاوية بحضرة الصحابة ولا يعلم له منهم مخالف يفسخ هذا النكاح، وفيه ذكر الصداق، وهو خبر صحيح، وعبد الرحمن بن هرمز راويه شاهد هذا الحكم بالمدينة لاسيما في هذِه القصة

(5)

.

وللترمذي وقال: صحيح عن الحسن، عن عمران بن حصين قَالَ صلى الله عليه وسلم:"لا شغار في الاسلام"

(6)

.

(1)

ابن أبي شيبة 4/ 34 (17495).

(2)

أبو داود (2075).

(3)

"المسند" 4/ 94.

(4)

"المحلى" 9/ 516.

(5)

الترمذي (1123).

(6)

نقل القاضي هذه الرواية بمعناها عن الأثرم والميموني عنه "الروايتين والوجهين" 2/ 106.

ص: 337

ورواه أبو الشيخ من حديث حبيب بن أبي فضالة المالكي قَالَ: وقد سمع من عمران.

وللنسائي من حديث حميد، عن أنس مرفوعًا بنحوه، ثم قَالَ: هذا خطأ والصواب الذي قبله

(1)

. يعني من حديث عمران، وأخرجه الترمذي من هذا الوجه، وصححه

(2)

، وأخرجه ابن ماجه من حديث ثابت، عن أنس

(3)

، وصححه ابن حزم

(4)

، وأخرجه أبو الشيخ من حديث أبان وقتادة والأعمش عن أنس، وعند أبي القاسم بن مطير

(5)

من طريق أم يحيى امرأة وائل بن حجر قَالَ: وفي الكتاب الذي كتبه لي ولقومي: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى وائل بن حجر والأقيال العباهلة من حضرموت" فذكر حديثًا فيه: "ولا شغار في الاسلام"

(6)

.

(1)

"المجتبى" 6/ 111.

(2)

أما حديث عمران فهو برقم (1123)، وأما حديث أنس فقد قال الترمذي: وفي الباب عن أنس ولم يروه، والله أعلم.

(3)

ابن ماجه (1885).

(4)

"المحلى" 9/ 514.

(5)

هو الإمام، الحافظ، الثقة، محدث الإسلام، علم المعمرين، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 119.

(6)

رواه الطبراني في "الكبير" 22/ 46، و"الصغير"(1176)، وقال الهيثمي في "المجمع" 9/ 375: رواه الطبراني في "الكبير" و"الصغير" وفيه محمد بن حجر وهو ضعيف. اهـ.

قال أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 130:

قال أبو عبيدة وغيره من أهل العلم: دخل كلام بعضهم في بعض في الأقيال =

ص: 338

قَالَ البيهقي: ورواه أولاد وائل، عن آبائهم، عن وائل مرفوعًا

(1)

.

ولأبي الشيخ في كتاب النكاح بإسناد جيد من حديث أبي الحصين الحميري، عن أبي ركانة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المشاغرة. والمشاغرة: أن يقول الزوج: زوج هذا من هذا بلا مهر.

ومن حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده رفعه:"لا شغار في الاسلام"، ومن حديث محمد بن يعقوب الزهري، عن عبد الله بن الحارث الحمصي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا بمثله.

فصل:

اختلفوا كما قَالَ ابن المنذر في الرجل يتزوج الرجل ابنته عَلَى أن يزوجه الآخر ابنته، ويكون مهر كل واحد منهما نكاح الأخرى. فقالت طائفة: النكاح جائز، ولكل واحدة منهما صداق مثلها.

هذا هو قول عطاء وعمرو بن دينار والزهري والليث ومكحول والثوري والكوفيين، وإن طلقها قبل الدخول بها فلها المتعة في قول النعمان ويعقوب.

= العباهلة قال: الأقيال: ملوك باليمن دون الملك الأعظم، واحدهم قَيْل، يكون ملكًا عَلَى قومه ومخلافه ومحجمه.

والعباهلة: الذين قد أُقروا عَلَى ملكهم لا يزالون عنه. اهـ.

وقال ابن الأثير في "النهاية" 4/ 122: الأقيال (الأقوال): جمع قَيْل، وهو الملك النافذ القول والأمر، أصله: قَيْولِ (فَيْعِل) من القول، فحذفت عينه. اهـ.

وقال في 3/ 174: وواحد العباهلة: عبهل، والتاء لتأكيد الجمع، ويجوز أن يكون الأصل: عباهيل جمع عُبْهُول أو عِبْهال، فحذفت الياء وعوض منها الهاء والأول أشبه. اهـ.

(1)

"السنن الكبرى" 7/ 200.

ص: 339

وقالت طائفة: عقد النكاح عَلَى الشغار باطل، وهو كالنكاح الفاسد في كل أحكامه. هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.

وكان مالك وأبو عبيد يقولان: نكاح الشغار مفسوخ عَلَى كل حال

(1)

، ووقع في ابن بطال أن با لأول قَالَ أحمد وإسحاق وأبو ثور

(2)

.

وفيه قول ثالث: وهو أنهما إن كانتا لم يدخل بهما فسخ، ويستقبل النكاح بالبينة والمهر، فإن دخل (بهما)

(3)

فلهما مهر مثلهما، وهو قول الأوزاعي.

واختلفوا إذا قَالَ: أزوجك أختي عَلَى أن تزوجني أختك، عَلَى أن يسميا لكل واحدة منهما مهرًا، أو سميا لإحداهما، فقالت طائفة: ليس هذا بالشغار المنهي عنه، والنكاح ثابت، والمهر فاسد، ولكل واحدة منهما مهر مثلها إن دخل، أو ماتت، أو مات عنها، أو نصفه إن طلقها قبل أن يدخل بها. هذا قول الشافعي وابن القاسم، وكرهه مالك، ورآه من باب الشغار، وبمعناه قَالَ الأوزاعي، وأجازه الكوفيون، ولها ما سمي لها.

وقال أحمد بن حنبل: إذا كان في الشغار صداق فليس بشغار

(4)

.

وحجة الذين قالوا: العقد في الشغار صحيح، والمهر فاسد، ويصح بمهر المثل، إجماع العلماء عَلَى أن الخمر والخنزير لا يكون فيها مهر لمسلم، وكذلك الغرر والمجهول، وسائر ما نهي عن ملكه أو ملك على غير وجهه وسنته.

(1)

"الإشراف" 1/ 45.

(2)

ابن بطال 7/ 219.

(3)

من (غ).

(4)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 219 - 220، "الإشراف" 1/ 45.

ص: 340

وقام الإجماع عَلَى أن النكاح عَلَى المهر الفاسد إذا فات بالدخول فلا يفسخ بفساد صداقه، ويكون فيه مهر المثل، ولو لم يكن نكاحًا منعقدًا حلالًا ما صار نكاحًا، بالدخول والأصل في ذَلِكَ أن التزويج يضمن بنفسه لا بالعوض فيه؛ بدليل تجويز الله النكاح بغير صداق؛ لقوله تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة:236] فلما وقع الطلاق دلَّ عَلَى صحة النكاح، دون تسمية صداق؛ لأن الطلاق غير واقع إلا عَلَى الزوجات، وكونهن زوجات دليل عَلَى صحة النكاح بغير تسمية.

وحجة الذين أبطلوا النكاح ظاهر النهي عنه، والنهي يقتضي تحريم المنهي عنه وفساده. قَالَ ابن المنذر: ودلَّ نهيه صلى الله عليه وسلم عنه عَلَى إغفال من زعم أنه (يجعل)

(1)

ما أباحه الله في كتابه من عقد النكاح عَلَى غير صداق معلوم، قياسًا عَلَى ما نهى عنه في الشغار، ولا يشتبه ما نهى الله عنه بما أباحه، وهذِه غفلة.

فصل:

أصل الشغار في اللغة الرفع، من قولهم: شغر الكلب برجله: إذا رفعها ليتبول، فكأن المتناكحين رفعا المهر بينهما، وقال أبو زيد: رفع رجله بال أو لم يبل.

وعبارة صاحب "العين": رفع إحدى رجليه ليبول

(2)

، وقال أبو زيد: شغرت بالمرأة شغورًا رفعت رجليها عند الجماع، وقيل: لأنه رفع العقد من الأصل، فارتفع النكاح والعقد معًا، وقيل: من شغر بالمكان: إذا

(1)

في الأصل: يحل، والمثبت من (غ).

(2)

"العين" 4/ 358.

ص: 341

خلا، لخلوه عن الصداق أو عن الشرائط. وفي "الغريبين" كان من أنكحة الجاهلية يقول الرجل للآخر: شاغرني وليتي بوليتك؛ لأن كل واحد منهما يشغر إذا نكح.

وعند القرطبي: عاوضني

(1)

.

قَالَ ابن سيده: هو أن يتزوج الرجل امرأة ما عَلَى أن يزوجك أخرى بغير مهر، وخص بعضهم به القرائب فقال: لا يكون الشغار إلا أن تنكحه وليتك عَلَى أن ينكحك وليته

(2)

.

قَالَ أبو نصر: وهو بكسر الشين، وهو في الشريعة أن يزوجه عَلَى أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق بينهما، وإنما هو البضع بالبضع.

قَالَ ابن قتيبة: وكل منهما يشغر إذا نكح، وأصل الشغار للكلب كما سلف. فكنَّى بهذا عن النكاح إذا كان عَلَى هذا الوجه، وجعل له علمًا

(3)

.

قَالَ ابن حزم: ولا يحل هذا النكاح وهو أن يتزوج هذا ولية هذا، سواء ذكرا في ذَلِكَ صداقًا لكل واحد منهما، أو لأحدهما دون الآخر، أو لم يذكرا في شيء من ذَلِكَ صداقًا، كل ذَلِكَ سواء يفسخ أبدا، ولا نفقة فيه، ولا ميراث ولا صداق ولا شيء من أحكام الزوجية، فإن كان عالمًا فعليه الحد كاملًا، ولا يلحق به الولد، وإن كان جاهلًا فلا حد عليه ويلحقه الولد، وكذلك المرأة، ولذلك إذا قَالَ: أزوجك ابنتي عَلَى أن تزوجني ابنتك بمائة دينار فلا خير في ذَلِكَ.

(1)

"المفهم" 4/ 110.

(2)

"المحكم" 5/ 234.

(3)

"غريب الحديث" 1/ 207.

ص: 342

وروينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء التفرقة بين النكاحين بعقد أحدهما بالآخر، ذكرا صداقًا أم لم يذكرا فأبطله، ومن النكاحين لا يفقد أحدهما بالآخر فأجازه قَالَ: وهو قولنا، وما نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين خلافًا لما ذكرنا عن معاوية بن أبي سفيان -يعني: الحديثين المذكورين قبل- فلو خطب أحدهما إلى الآخر فزوجه، ثم خطب الآخر إليه فزوجه، فذلك جائز ما لم يشترط أحدهما عَلَى الاخر أن يزوجه

(1)

.

وقال أبو عمر ابن عبد البر: قام إجماع الفقهاء عَلَى أن نكاح الشغار مكروه ولا يجوز

(2)

.

وقال الخطابي لما ذكر حديث معاوية: إذا وقع النكاح عَلَى هذِه الصفة كان باطلًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وأصل الفروج عَلَى الحظر، والحظر لا يرتفع بالحظر، وإنما يرتفع بالإباحة، ولم يختلف الفقهاء أن نهيه عن نكاح المرأة عَلَى عمتها وخالتها عَلَى التحريم، وكذلك نهيه عن نكاح المتعة فكذلك هذا

(3)

.

وكذا قَالَ ابن التين: لم يختلف الفقهاء في النهي لثبوت هذِه الأخبار، وأن النهي فيه للتحريم، وإنما اختلفوا فيه إذا نزل، فقال مالك: يفسخ قبل وبعد. وقال عنه علي بن زياد: يثبت بالدخول، ولها صداق المثل

(4)

.

وقال أبو حنيفة: العقد صحيح، والشرط باطل، حجتنا الأخبار.

(1)

"المحلى" 9/ 513 - 514 بتصرف.

(2)

"الاستذكار" 16/ 202.

(3)

"معالم السنن" 3/ 164.

(4)

"النوادر والزيادات" 4/ 451، "المنتقى" 3/ 309.

ص: 343

قالوا: لا يحتج علينا بها؛ لأن نكاح الشغار هو الخالي من المهر، ونحن ولا نخليه منه؛ لأن الشرط يسقط، ويجب المهر فيخرج العقد عن أن يكون شغارًا

(1)

.

وجوابه أن النهي يتناول وقوع العقد عَلَى الصفة المذكورة فإسقاطهم المسمى وإيجابهم غيره لا يخرجه عَلَى الفساد بمنزلة من باع درهمًا بدرهمين، فذكر له نهي الشارع عنه فأسقط أحد الدرهمين، أن ذَلِكَ لا يصح، كذلك ما نحن فيه وفساده في عقد، وذلك أنه ملك بضع ابنته لشخصين الرجل وابنته، وذلك يوجب فساد العقد؛ لأن المهر يجب أن يكون ملكًا للمنكوحة فصار كما لو قَالَ لرجلين: زوجت ابنتي لكل واحد منكما؛ ولا عقد جعل فيه المعقود له معقودًا به، فلم يصح، أصله إذا قَالَ لعبده: زوجتك ابنتي عَلَى أن تكون رقبتك مهرها؛ ولأنه عقد شرط فيه المعقود به لغير المعقود له، فلم يصح، أصله إذا قَالَ: بعتك عبدي هذا عَلَى أن يكون ملكًا لزيد.

قَالَ الشيخ أبو الحسن: وإنما اختلف قول مالك في فسخه بَعْدُ لاختلاف الناس في تأويل الشغار؛ لأن المتفق عليه النهي وباقيه من تفسير نافع.

قلت: وإليه أشار مسلم وأبو داود، وحسنه الترمذي

(2)

.

وعلئ كل حال إن كان مرفوعًا فناهيك، وإن كان من الصحابي فهو أولى من تفسير غيره، وكذا من قول الراوي، والشغار في الأختين كالبنتين.

(1)

انظر: "المبسوط" 5/ 105.

(2)

مسلم (1415)، أبو داود (2074)، الترمذي (1124).

ص: 344

كذا فسره أبو داود عن نافع

(1)

، وغلط من خصه بالثاني معللًا؛ بأنه يحتاج إلى رضاها، وقيل: يفسخ. قيل: ويثبت بعد (عَلَى)

(2)

الخلاف في ذَلِكَ، فقد جعل مالك في "المدونة" الشغار في المولاتين كالابنتين

(3)

، وذكر بعض البغاددة أن فساده في صداقه.

(1)

أبو داود (2074).

(2)

من (غ).

(3)

"المدونة" 2/ 139.

ص: 345

‌29 - باب هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَن تَهَبَ نَفسَهَا لأَحَدٍ

5113 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللاَّئِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: {تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 51] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.

رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [انظر: 4788 - مسلم: 1464 - فتح 9/ 164].

ذكر فيه حديث ابن فضيل، عن هشام، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُل. فَلَمَّا نَزَلَتْ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 51] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارعُ فِي هَوَاكَ.

رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ المُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

هذا الحديث تقدم في سورة الأحزاب من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، وأبو سعيد هذا هو محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، المثنى الجزري، روى عنه: أبو النضر هاشم، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وجماعة، انفرد به مسلم عن البخاري، وروى له أيضًا الترمذي، وكان مؤدب موسى الهادي، ومات ببغداد في خلافته، وكانت من المحرم سنة تسع وستين إلى ربيع الأول.

قَالَ ابن سعد: كان من قضاعة من أنفسهم، فلما كان أبو جعفر.

ص: 346

المنصور بالجزيرة ضم أبا سعيد إلى المهدي، والمهدي يومئذٍ ابن عشر سنين أو نحوها، وقدم معه بغداد، وضم أبو جعفر المنصور إلى المهدي سفيان بن حسين، فضم المهدي أبا سعيد المؤدب إلى علي بن المهدي، ولم يزل معه إلى أن مات في خلافة موسى الهادي بن المهدي

(1)

، قَالَ ابن معين: ثقة. وقال أبو داود: جزري ثقة، معلم (موسى)

(2)

.

وقال يعقوب بن سفيان: كان مؤدب (موسى)

(3)

قبل أن يستخلف، وهو ثقة. وقال ابن نمير: صالح، لا بأس به. وقيل: دفن أبو سعيد في مقابر الخيزران

(4)

.

فصل:

روي عنها أنها قالت هذا -يعني: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، إلى آخره- لما نزلت {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب: 50] وقد سلف أيضًا قَالَ ابن القاسم، عن مالك: الموهوبة خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لأحد بعده أن يتزوج بغير صداق، وقوله تعالى:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] ولا خلاف فيه بين العلماء

(5)

.

واختلفوا في عقد النكاح هل يصح بلفظ الهبة، مثل أن يقال: وهبت لك ابنتي ووليتي، ويسمي صداقًا أو لم يسم. وهو يريد بذلك النكاح،

(1)

"الطبقات" 7/ 326.

(2)

من (غ).

(3)

من (غ).

(4)

انظر ترجمته في: "الطبقات" 7/ 326، "المعرفة والتاريخ" 2/ 454، "الثقات" 9/ 56، "تهذيب الكمال" 26/ 452.

(5)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 220، وفي "النوادر والزيادات" 4/ 451 عزي هذا القول لابن المواز.

ص: 347

فقال ابن القاسم: هو عندي جائز كالبيع عند مالك لأن من قَالَ: أهب لك كذا عَلَى أن تعطيني كذا، فهو بيع

(1)

.

وقال ابن المواز: لم يختلف قول مالك وأصحابه إذا تزوج عَلَى الهبة أنه يفسخ قبل البناء. واختلفوا إذا دخل بها، فقال ابن القاسم وعبد الملك: لا يفسخ، ولها صداق المثل

(2)

. وبهذا قَالَ أبو حنيفة والثوري

(3)

، وقال أشهب وابن عبد الحكم وابن وهب وأصبغ: إنه يفسخ، وإن دخل بها. قَالَ أصبغ: لأن فساده في البضع

(4)

.

وبهذا قَالَ الشافعي قَالَ: لا يصح النكاح بلفظ الهبة، ولا يصح عنده إلا بأحد لفظين: التزويج أو الإنكاح

(5)

.

وهو قول المغيرة وابن دينار وأبي ثور

(6)

، ووجهه أن الله تعالى جعل انعقاد النكاح بها خاصًّا لنبيه، فلو انعقد نكاح به لم يقع الخصوص.

ولما أجمعوا أنه لا ينعقد هبة بلفظ نكاح، كذلك لا ينعقد نكاح بلفظ هبة، وأيضًا فإن الهبة لا تتضمن العوض، فوجب ألا ينعقد به النكاح كالإحلال والإباحة. واحتج من أجازه بأن الواهبة إنما قصدت بلفظ الهبة التزويج برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل صلى الله عليه وسلم أن النكاح بهذا اللفظ لا ينعقد، ودعوى الخصوص فهي أنها بلا مهر فقط.

(1)

انظر: "الاستذكار" 16/ 68.

(2)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 451.

(3)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 291.

(4)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 451.

(5)

"الأم" 5/ 225، "مختصر المزني" 3/ 271 - 272.

(6)

انظر: "الاستذكار" 16/ 68.

ص: 348

والفرق فيما قاسوا عليه أن النكاح لا يفهم منه الهبة والتمليك بخلافها، وقولهم أن الهبة لا تتضمن العوض فيبطل بزوجتكها عَلَى أن لا مهر، فإنه ينعقد عندهم، ولفظ الهبة إذا قصد بها النكاح يتضمن العوض لقوله:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} وكذا الإحلال والإباحة إذا قصد به النكاح صح، وضمن العوض عندنا.

ص: 349

‌30 - باب نِكَاحِ المُحْرِمِ

5114 -

حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُحْرِمٌ. [انظر: 1837 - مسلم: 141 - فتح 9/ 165].

حدثنا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا ابن عُيَيْنَةَ، أَنَا عَمْرٌو، أن جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُحْرِمٌ.

هذا الحديث سلف في الحج من وجه آخر عن ابن عباس، وأنها ميمونة، وفي أفراد مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه:"المحرم لا ينكح ولا ينكح"

(1)

وقد سلف أنه من خصائصه، وقيل: إن ابن عباس كان يرى أن بتقليد الهدي يصير محرمًا فظن ذَلِكَ، وقال ابن المسيب: وهم فيه

(2)

. حكاه عنه أبو داود، وذكر عن ميمونة: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف

(3)

. وفي الرجعة عندنا خلاف، وبالجواز أجاب مالك

(4)

.

(1)

مسلم (1409/ 41) كتاب النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم.

(2)

انظر: "المنتقى" 2/ 239.

(3)

أبو داود (1843).

(4)

" الموطأ" ص 230.

ص: 350

‌31 - باب نَهْي النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ أخِيرًا

5115 -

حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه -قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ. [انظر: 4216 - مسلم: 1407 - فتح 9/ 166].

5116 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ، فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوَهُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ. [فتح 9/ 167].

5117، 5118 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا» . [مسلم: 1405 - فتح 9/ 167].

5119 -

وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا» . فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَبَيَّنَهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. [فتح 9/ 167].

ساق فيه أحاديث

أحدها:

حديث الحسن بن محمد بن علي وأخيه عَبْدُ اللهِ بن محمد عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ المُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ.

هذا الحديث سلف في غزوة خيبر عنهما، عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -

ص: 351

نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية

(1)

، وأسلفنا طرفًا من الكلام عليها، وأخرجه أيضًا في الذبائح

(2)

وترك الحيل

(3)

ومسلم

(4)

والترمذي

(5)

والنسائي

(6)

وابن ماجه

(7)

.

ثانيها:

حديث أبي جمرة -بالجيم- نصر بن عمران الضبعي البصري، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديدة وفي النساء: قلة أو نحوه. قال ابن عباس: نعم.

هذا الحديث من أفراده، وعند الإسماعيلي: إنما كان ذَلِكَ في الجهاد والنساء قليل. فقال عبد الله: صدق. وللترمذي من حديث موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له (شيئه)

(8)

حَتَّى إذا نزلت الآية: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6].

(1)

سلف برقم (4216) كتاب: المغازي.

(2)

سيأتي برقم (5523) باب: لحوم الحمر الإنسية.

(3)

سيأتي برقم (6961) كتاب: الحيل، باب: الحيلة في النكاح وليس في باب: ترك الحيل.

(4)

مسلم (1407) كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة.

(5)

الترمذي (1121).

(6)

النسائي 7/ 202 - 203.

(7)

ابن ماجه (1961).

(8)

في الأصل (شأنه)، وفي (غ): شينه، والمثبت من الترمذي.

ص: 352

قَالَ ابن عباس: فكل فرج سواهما فهو حرام

(1)

، قَالَ أبو عيسى: إنما (رويت)

(2)

: الرخصة عن ابن عباس ثم رجع عن قوله، حيث أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3)

.

قَالَ الحازمي: هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عبيدة.

وأما ما يحكى عن ابن عباس فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه بطول العزبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه، فيوشك أن يكون سبب رجوعه عنه قول علي وإنكاره عليه.

وقد روينا أن ابن جبير قَالَ له: هل تدري ما صنعت وبما أفتيت؟ فقد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء قَالَ: وما قالوا؟ قلت: قالوا:

قد قلت للشيخ لما طال مجلسه

يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس

هل لك في رَخصة الأطراف آنسة

تكون مثواك حَتَّى يصدر الناس

فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا حلَّلت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير وما يحل للمضطرين، وما هي إلا كالميتة وشبهه

(4)

.

قَالَ الخطابي، فهذا يبين لك أنه سلك فيه مذهب القياس، وشبهه بالمضطر إلى الطعام الذي به قوام النفس وبعدمه يكون التلف، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة، ومصابرتها ممكنة، وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج، فليس أحدهما في حكم الضرورة

(5)

.

(1)

الترمذي (1122).

(2)

من (غ).

(3)

الترمذي عقب حديث رقم (1121).

(4)

"الاعتبار" ص 138 - 139.

(5)

"معالم السنن" 3/ 163 - 164.

ص: 353

وقد بين سهل بن سعد الساعدي ذَلِكَ بقوله فيما ذكره ابن عبد البر: إنما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لعزيمة كانت بالناس شديدة، ثم نهى عنها بعد ذَلِكَ

(1)

.

قَالَ ابن جريج: أخبرني عطاء أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يراها حلالًا حَتَّى الآن. ويقرأ فيه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). وقال ابن عباس: في حرف أُبي بن كعب (إلى أجل مسمى)، قَالَ: وسمعت ابن عباس يقول: رحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله يرحم بها عباده، ولولا نهي عمر ما احتاج إلى الزنا إلا شقي

(2)

. قَالَ أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرونها حلالًا، عَلَى مذهبه، وحرمها سائر الناس.

وروى الليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن عمار، مولى الشريد: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قَالَ: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قَالَ: المتعة كما قَالَ الله، قلت: هل عليها (عدة)

(3)

؟ قَالَ: نعم، حيضة. قلت: يتوارثون؟ قَالَ: لا

(4)

.

(1)

"التمهيد" 10/ 109 - 110.

(2)

انظر: "مصنف عبد الرزاق" 7/ 496، 498 (14021، 14022).

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في "تفسيره" 4/ 15: وأما ما روي عن أُبي بن كعب وابن عباس من قراءتهما: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه. اهـ.

(3)

في الأصل (حيضة)، والمثبت من "الاستذكار" 16/ 296، وهو المناسب للسياق.

(4)

"الإستذكار" 16/ 295، 296، وأثر ابن عباس رواه الجصاص في "أحكام القرآن" 2/ 95.

ص: 354

الحديث الثالث:

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عن سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنهم قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا، فَاسْتَمْتِعُوا".

زاد مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر -وفي بعض الروايات وعمر- حَتَّى نهى عنها عمر. وفي رواية وذكر المتمتعين: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما

(1)

.

قلت: سيأتي بعد عنه أنه صلى الله عليه وسلم نهانا عنها في تبوك

(2)

، وللدارقطني في "أفراده": نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الاستمتاع ثم قال: تفرد به يزيد ابن سنان، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم.

الحديث الرابع:

قال البخاري: وَقَالَ ابن أَبِي ذِئْبٍ: ثنا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إلّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَينَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَإِن أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا تزايدا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا". فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟

هذا التعليق أسنده الإسماعيلي، عن ابن ناجية، ثَنَا أبو موسى محمد بن المثنى لفظه، وبندار وحميد بن زنجويه قالوا: ثَنَا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن ابن أبي ذئب، عن إياس بلفظ "أيما رجل

(1)

"مسلم "(1405) كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ.

(2)

رواه أبو يعلى في "مسنده" 11/ 503 - 504 (6625).

ص: 355

وامرأة أيام الحج تراضيا فعشرة ما بينهما ثلاثة أيام" وفي رواية أبي العميس، عن إياس: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنه.

قال البيهقي: زعم زاعم أنه نُهي بضم النون وكسر الهاء، يريد بالناهي عمر بن الخطاب، قيل له: المحفوظ نهى بفتح النون والهاء.

ورأيته في كتاب بعضهم: نها بالألف عَلَى أنها إن كانت الرواية كما قال بضم النون، فيحتمل أن يكون المراد: الشارع، ويحتمل عمر.

ورواية الربيع بن سبرة، عن أبيه من عند مسلم: تمتعت ثلاثًا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم -قَالَ:"من كان عنده شيء من هذِه النساء: التي يتمتع بها، فليخل سبيلها" وفي رواية: وذلك في فتح مكة أذن لنا في متعة النساء، فلم يخرج حَتَّى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله عز وجل قد حرم ذَلِكَ إلى يوم القيامة"

(1)

فالحجة بأن الناهي في هذا إنما هو الشارع، فيكون أولى من رواية من أبهمه

(2)

.

قَالَ البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع عليه في تاريخه

(3)

، وعند أحمد، وذلك في حجة الوداع

(4)

.

وذهب أبو داود إلى أنه أصح ما روي في هذا

(5)

، ورجحه ابن عبد البر وغيره، وهو قوله: وذلك في حجة الوداع

(6)

، وخالف ذَلِكَ

(1)

مسلم (1406)، كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة.

(2)

"السنن الكبرى" 7/ 204.

(3)

"معرفة السنن والآثار" 10/ 176.

(4)

"المسند" 3/ 404.

(5)

أبو داود (2072).

(6)

"التمهيد" 10/ 105.

ص: 356

البيهقي، فقَالَ: الفتح أكثر

(1)

، وذُكر في كتاب "ما أغرب به شعبة عن سفيان بن سعيد"

(2)

: أن الأجل كان بينهما عشرة أيام، وعند ابن شاهين: قبل يوم التروية، كان الإذن، وفي يوم التروية كان المنع

(3)

، وفي لفظ في عشرة الإذن، وفي لفظ: وذلك عمره.

ثم قَالَ البخاري: (قَالَ أبو عبد الله: وقد بينه عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منسوخ)، وهو كما قَالَ، وقد أسنده في "صحيحه" أولًا؛ لأن عليًّا رضي الله عنه قَالَ لابن عباس: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر. وللنسائي: وقال محمد بن مثنى: يوم (حنين)

(4)

، وقال: هكذا حَدَّثَنَا عبد الوهاب الثقفي من كتابه عن يحيى بن سعيد، عن مالك

(5)

.

وللبيهقي من حديث ابن لهيعة عن موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن عَلَي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة قَالَ: وإنما كانت فيمن لم يجد، فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت

(6)

، وهو معنى ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" من حديث المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج نزل

(1)

"السنن الكبرى" 7/ 202، بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في نكاح المتعة زمن الفتح، فتح مكة، ثم حرمها إلى يوم القيامة.

(2)

هو كتاب: "إغراب شعبة عَلَى سفيان، وسفيان عَلَى شعبة" من تصنيف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.

(3)

"ناسخ الحديث ومنسوخه" 1/ 347.

(4)

في الأصول: خيبر، وهو تحريف وتصحيف. والمثبت من "المجتبي".

(5)

"المجتبى" 6/ 126 وقد نبه الدارقطني على أنه وهم تفرد به عبد الوهاب، كذا نقله عنه ابن حجر في "الفتح" 9/ 168.

(6)

"السنن الكبرى" 7/ 207.

ص: 357

بثنية الوداع فرأى مصابيح وسمع نساء يبكين، فقال:"ما هذا؟ " قالوا نساء كانوا تمتع منهن أزواجهن. فقال صلى الله عليه وسلم: "هَدَمَ -أو قَالَ: حَرّم المتعة- النكاحُ والطلاق والعدة والميراث"

(1)

.

وللبيهقي فيه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فنزلنا بثنية الوداع، قَالَ: وكذلك رواه إسحاق بن إبراهيم وجماعة عن المؤمل، عن عكرمة، عن المقبري

(2)

.

وللحازمي من حديث ابن عقيل، عن جابر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك حَتَّى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام، فرأى صلى الله عليه وسلم نسوة يبكين في رحالنا فقال:"من هؤلاء؟ " فقلنا: يا رسول الله، نسوة تمتعنا منهن، فغضب حَتَّى احمرت وجنتاه واشتد غضبه، ثم قام خطيبًا، فنهى عن المتعة (فتوادعنا)

(3)

يومئذ الرجال والنساء ولم نعد، ولا نعود لها أبدًا؛ فبها يومئذ سميت بثنية الوداع

(4)

.

وعند ابن عبد البر من حديث إسحاق بن راشد عن الزهري -ولم يتابع عليه- عن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي: نهى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن نكاح المتعة

(5)

.

فصل:

ذكر الطحاوي عن علي وابن عمر رضي الله عنهم أن النهي عنها كان يوم خيبر

(6)

.

(1)

"صحيح ابن حبان" 9/ 456.

(2)

"السنن الكبرى" 7/ 207.

(3)

في الأصول: فتواعدنا، وهو تحريف والمثبت من "الاعتبار".

(4)

"الاعتبار" ص 138.

(5)

"الاستذكار" 16/ 289 وقد نبه الحافظ في "الفتح" 9/ 168 على أنه خطأ.

(6)

"شرح معاني الآثار" 3/ 24 - 25.

ص: 358

ورواه مالك ومعمر ويونس، عن ابن شهاب في هذا الحديث كذلك

(1)

.

وقد رويت آثار أن نهيه عنها كان في غير يوم خيبر. وروى أبو (العميس)

(2)

، عن إياس بن سلمة، عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم أذن فيها عام أوطاس ثم نهى عنها

(3)

، وروى عكرمة بن عمار عن سعيد المقبري أنه حرمها في غزوة تبوك

(4)

، وقد سلف أيضًا، وقال عمرو، عن الحسن: ما حلت قط إلا ثلاثًا في عمرة القضاء، ما حلت قبلها ولا بعدها

(5)

. وحديث سبرة السالف كان عام الفتح، وعنه أنه كان عام حجة الوداع.

(1)

انظر: "الاستذكار" 16/ 288.

(2)

في الأصول: القعيس، والمثبت من "مسلم".

(3)

رواه مسلم (1405/ 18) كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة ..

(4)

رواه أبو يعلى 11/ 503 - 504 (6625)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 26، وابن حبان 9/ 456 (4149)، والبيهقي في "الكبرى" 7/ 207 بهذا الإسناد من حديث أبي هريرة قال الهيثمي في "المجمع" 4/ 264: رواه أبو يعلى وفيه مؤمل بن إسماعيل، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.

(5)

رواه عبد الرزاق 7/ 503 - 504 (14040) قال الحافظ في "الفتح" 9/ 169: قوله: ما كانت قبلها ولا بعدها. هذِه الزيادة منكرة من راميها عمرو بن عبيد، وهو ساقط الحديث، وقد أخرجه سعيد بن منصور من طريق صحيحة عن الحسن بدون هذِه الزيادة. اهـ.

يشير إلى ما رواه سعيد بن منصور 1/ 217 (844) من طريق هشيم أنا منصور عن الحسن ثم ساقه دون هذِه الزيادة، إلا أنه عقب بعدها من نفس الطريق بهذِه الزيادة برقم (845)، والله أعلم.

تنبيه: وقع في "المصنف" 7/ 503: عن معمر والحسن قالا

وهو خطأ، وما أثبته المصنف هو الصواب.

ص: 359

قَالَ الطحاوي: فكل هؤلاء الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النهي عنها في ذَلِكَ السفر بعد ذَلِكَ فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر.

وحديث ابن مسعود السالف في البخاري أنه كان في الغزو، وحديث سبرة خارج عنه، وحديث سلمة في غزوة أوطاس وهو وقت ضرورة (قال: وأخلق بحديث سبحة أن يكون خطأ لزوال الضرورة)

(1)

.

وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة فأما عبد العزيز بن الربيع بن سبرة فرواه عن أبيه، وذكر أنه عام الفتح، وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فذكر أن ذَلِكَ كان في الفتح، وأنهم شكوا العزبة، فرخص لهم فيها، ومحال أن يسألوها في حجة الوداع؛ لأنهم حجوا بالنساء، فلما اختلفت المواطن المذكور فيها الإباحة في حديث سبرة نفي النهي المطلق فقط

(2)

.

فالحاصل سبع روايات: خيبر، حنين، الفتح، أوطاس، تبوك، عمرة القضاء، حجة الوداع، وهو هنا، ولما أسلفنا عن الحسن، والجمع متعين، فيكون مرات ثم استقر النهي.

فصل:

روى البيهقي من حديث الحكم بن عتيبة عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنه قَالَ: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والعدة والصداق والميراث، وفي "صحيح الإسماعيلي": ففعلناها، ثم تُرك ذَلِكَ.

(1)

من (غ).

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 224 - 225.

ص: 360

وفي لفظ: ثم جاءتحريمها بعد

(1)

.

ولابن شاهين من حديث أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عنه: أحلت للصحابة ثلاثة أيام في غزاة شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العزوبة، ثم نسختها آيه النكاح

(2)

.

وحديث ابن مسعود السالف في النكاح لم يذكر فيه إلا الإباحة، وتلا قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] قَال الشافعي فيما حكاه عنه الحاكم: ذكر ابن مسعود الإرخاص فيها. ولم يؤقت شيئًا يدل أهو قبل خيبر أو بعدها؟ فأشبه حديث علي في النهي عنها أن يكون -والله أعلم- ناسخًا له فلا يجوز بحال.

قَال البيهقي: وروينا في حديث ابن مسعود أنه قَالَ: كنا ونحن شباب. فأخبر أنهم كانوا يفعلون ذَلِكَ وهم شباب؛ لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وله بضع وستون سنة، وكان فتح خيبر سنة سبع، وفتح مكة سنة ثمان، فكان سنة عام الفتح يقرب من أربعين سنة، والشباب قبل ذَلِكَ، فأشبه حديث علي أن يكون ناسخا له

(3)

. وهو كما قَالَ البيهقي، فمن تأمله وجد كلامه في غاية المتانة.

وذكر أبو عبد الرحمن العُتَقِي

(4)

في "تاريخه" أن مولد ابن مسعود سنة ثلاث وعشرين من مولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحضوره كان

(1)

"السنن الكبرى" 7/ 207.

(2)

"ناسخ الحديث ومنسوخه" ص 352.

(3)

"معرفة السنن والآثار" 10/ 175 - 176.

(4)

ورد بهامش الأصل: العتقي بضم العين المهملة، ثم مثناة فوق مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء النسبة من حجر حمير، وهو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله العتقي صاحب "تاريخ المغاربة" نسبه عند عبد الغني.

ص: 361

أيضًا فوق الثلاثين، وقد ذكر نسخها كما سلف.

وقد رواه أيضًا عنه عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل، عن قيس، عنه

(1)

فوافق عليًّا في النسخ.

والظاهر أن حديثه: "يا معشر الشباب" السالف، بعد ذَلِكَ، وقد سلفت روايته في البخاري: قَالَ لنا النبي صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ، ولا ينافيه رواية الفريابي في "كتاب النكاح" خرج عَلَى فتية عزاب فقال:"يا معشر الشباب".

فصل:

روى النهي أيضًا جماعات منهم: عمر بن الخطاب، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح: أنه صلى الله عليه وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثة أيام، ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا تمتع وهو محصن إلا رجمته، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أنه عليه السلام أحلها بعد إذ حرمها

(2)

.

وعند ابن الطلاع قَالَ أبو عبيد في حديثه: قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحسب رجلًا منكم يخلو بامرأة ثلاثا إلا ولّاها الدبر"

(3)

.

(1)

رواه عبد الرزاق 7/ 506 من طريق ابن عيينة عن إسماعيل عن قيس عنه.

(2)

ابن ماجه (1963). قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" ص 278 - 279: إسناد حديث عمر فيه مقال، أبو بكر بن حفص اسمه إسماعيل الأبلي ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كتبت عنه وعن أبيه وكان أبوه يكذب، قلت: لا بأس به؟ قال: لا يمكنك أن تقول لا بأس به.

وأبان بن أبي حازم وثقه أحمد وابن معين والعجلي وابن نمير وغيرهم وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه" والحاكم في "المستدرك" وضعفه العقيلي والنسائي. اهـ. والحديث حسنه الألباني في "صحيح ابن ماجه"(1598).

(3)

رواه سعيد بن منصور في "سننه" 1/ 217 عن الحسن مرسلًا.

ص: 362

والدارقطني: عن ابن عباس أن عمر نهى عن المتعة التي للنساء وقال: إنما أحل الله ذَلِكَ للناس عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنساء يومئذٍ قليل، ثم حرمها عليهم بعد

(1)

.

وفي "المصنف" قَالَ ابن المسيب: يرحم الله عمر، لولا أنه نهى عنها صار الزنا جهارًا.

وله أن ابن عمر نهى عنها فقال: حرام. قيل له: إن ابن عباس يفتي بها. قَالَ: فهلا تزمزم بها أيام عمر

(2)

.

زاد البيهقي: والله لقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر وما كنا مسافحين

(3)

.

ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه، أخرجه ابن شاهين بإسناد جيد عنه: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من النساء، ثم قَالَ لنا:"إن جبريل أتاني وأخبرني أن الله قد حرمها". وله من حديث ابن خالد الجهني وكعب بن مالك وأنس

(4)

.

وفي البيهقي عن أبي ذر: إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متعة النساء: ثلاثة أيام، ثم نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم

(5)

.

وفي مسلم: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة: متعة النساء، ومتعة الحج

(6)

.

(1)

"السنن" 3/ 258 - 259.

(2)

ابن أبي شيبة 3/ 546 (17066، 17067).

(3)

"السنن الكبرى" 7/ 202.

(4)

"ناسخ الحديث ومنسوخه" ص 353 - 354.

(5)

"السنن الكبرى" 7/ 207.

(6)

مسلم (1224/ 163) كتاب الحج، باب: جواز التمتع.

ص: 363

فصل:

لما حرمها صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع تأبدَ النهيُ، فلم يبق اليوم فيه خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة. قَالَ الحازمي الأستاذ: ذهب إليه بعض الشيعة. وروي عن ابن جريج أيضًا جوازه

(1)

.

قلت: قد ذكروا عنه رجوعه، قَالَ أبو طالب: قَالَ أبو عبد الله أحمد: قَالَ ابن جريج بالبصرة: اشهدوا أني قد رجحت عن المتعة بعد بضعة عشر حديثًا أرويه فيها.

وأما ابن حزم توسع قَالَ: إن جماعة من السلف ثبتت عَلَى تحليلها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم من الصحابة: أسماء بنت الصديق، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حُريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، ورواه جابر عن (جميع)

(2)

الصحابة مدة رسول الله، ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافته.

واختلف في إباحتها عن ابن الزبير (وعن علي فيها توقف وعن عمر)

(3)

أنه إنما أنكرها إذ لم يشهد عليها عدلان، وأباحها بشهادة عدلين، ومن التابعين: طاوس وعطاء وسعيد، وسائر فقهاء مكة

(4)

. قلت: ولهذا -والله أعلم- قَالَ الأوزاعي فيما ذكره الحاكم في "علومه": يترك من قول أهل الحجاز خمس منها: المتعة بالنساء

(5)

.

(1)

"الاعتبار" ص 137.

(2)

في الأصل: جمع من، والمثبت من (غ) وهو الموافق "للمحلى".

(3)

في الأصول: وعليّ وعن عمر فيها توقف، والمثبت من "المحلى".

(4)

"المحلى" 9/ 519 - 520.

(5)

"معرفة علوم الحديث" ص 65.

ص: 364

وقال ابن عبد البر في "جامع العلم": أطلق ابن شهاب عَلَى أهل مكة زمانه أنهم ينقضون عُرى الإسلام، ما استثنى منهم أحدًا. وأظن ذَلِكَ، لما روي عنهم في الصرف ومتعة النساء

(1)

.

ونقل ابن بطال عن بعضهم: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس تحليلها، وروي عنه أنه رجع عنها بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة، لكن الذي اتفق عليه أهل الأمصار من أهل الرأي والأثر تحريمها

(2)

.

قَالَ ابن عبد البر: اتفق أئمة الأمصار مالك وأصحابه، وسفيان، وأبو حنيفة، والشافعي، ومن سلك سبيلهما من أهل الحديث والفقه والنظر، والليث بن سعد في أهل مصر والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، ومحمد بن جرير عَلَى تحريمها لصحة النهي عندهم (عنها)

(3)

.

واختلفوا في معنى منها، وهو: الرجل يتزوج المرأة عشرة أيام أو شهرًا أو أيامًا معلومة وأجلًا معلومًا، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي: هذا نكاح المتعة، وهو باطل، يفسخ قبل الدخول وبعد، وقال زفر: إن تزوجها عشرة أيام ونحوها أو شهرًا، فالنكاح ثابت، والشرط باطل، وهو شاذ.

وقالوا كلهم إلا الأوزاعي: إذا نكح المرأة نكاحًا صحيحًا، ولكنه نوى في حين عقده عليها ألا يمكث معها إلا شهرًا أو مدة معلومة، فإنه لا بأس به ولا تضر في ذَلِكَ نيته إذا لم يشترط ذَلِكَ في نكاحه.

(1)

"جامع بيان العلم وفضله" 2/ 1098 (2141).

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 225.

(3)

من (غ).

ص: 365

قَالَ مالك: فليس عَلَى الرجل إذا نكح (أن ينوي إذا لم توافقه امرأته أن يطلقها)

(1)

.

وقال الأوزاعي: ولو تزوجها بغير شرط، ولكنه نوى ألا يحبسها إلا شهرًا أو نحوه ويطلقها، فهي متعة، ولا خير فيه.

قَالَ أبو عمر: في حديث ابن مسعود بيان أن المتعة نكاح إلى (أجل)

(2)

، وهذا يقتضي الشرط الظاهر فإذا سلم العقد منه صح.

قَالَ: وقد روي عن ابن عباس أنه انصرف عن المتعة، والصَّرْفُ أنه قَالَ: نسخ المتعة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].

وروي عنه أنه قَالَ: الاستمتاع هو النكاح، وهي كلها آثار ضعيفة، لم ينقلها أحد يحتج به، والآثار عنه بإجازة المتعة أصح، ولكن العلماء خالفوه فيها قديمًا وحديثًا، حَتَّى قَالَ ابن الزبير: لو تمتع ابن عباس لرجمته

(3)

. وقد ذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يحد فاعله، فيحمل قول هذين عَلَى التغليظ. قَالَ مالك عند ابن حبيب: ولا يبلغ به الحد كنكاح السر

(4)

. وقال ابن نافع: يحد بخلاف السر.

قَالَ أبو عمر: ولم يختلف العلماء أن المتعة نكاح إلى أجل، لا ميراث فيه، والفرقة تقع إلى انقضاء الأجل من غير طلاق، وليس هذا حكم الزوجية عند أحد من المسلمين، وقد حرم الله الفروج

(1)

كذا في الأصول، وفي "الاستذكار": أن ينوي حبس امرأته إن وافقته وألا يطلقها. وفي "التمهيد" أن ينوي حبس امرأئه، وحبسه إن وافقته، وإلا طلقها.

(2)

في الأصول: الرجل، وهو خطأ، والمثبت من "الاستذكار".

(3)

"الاستذكار" 16/ 299، 300 - 302.

(4)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 559.

ص: 366

إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين، وقد نزعت عائشة والقاسم بن محمد وغيرهما في تحريمها ونسخها بقوله:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)} الآية [المؤمنون: 5]

(1)

. ونقله الترمذي أيضًا عن ابن عباس

(2)

، وقد روي عن على وابن عباس في قوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} قالا: فنسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة.

وما ذكره الشيعة خالفوا فيه قواعدهم إذ عمدتهم الرجوع إلى قول علي وأولاده، وقد أسلفنا عن علي نسخه، وأنكر عَلَى ابن عباس اعتقاد أنها غير منسوخة، وكذا روي عن جعفر بن محمد الصادق.

روى البيهقي من حديث بسام الصيرفي قال: سألت جعفر بن محمد عن المتعة فوصفها له فقال: في ذَلِكَ الزنا

(3)

.

قَالَ الخطابي: وتحريمها كالإجماع بين المسلمين

(4)

.

وقال ابن التين: ثبت عن ابن عباس رجوعه عنها.

تذنيب:

قد أسلفنا قول ابن عمر وغيره فيها، وقال هو وابن الزبير: هي السفاح

(5)

. وكذا قَالَ عروة: هو الزنا صُراح

(6)

، وقيل: ليس بزنا، وما أحل الشارع الزنا بحال.

(1)

"الاستذكار" 16/ 296 - 297.

(2)

عقب حديث (1121).

(3)

"السنن الكبرى" 7/ 207.

(4)

"معالم السنن" 3/ 163.

(5)

روى أثر ابن عمر عبد الرزاق 7/ 505 (14042).

(6)

رواه سعيد بن منصور 1/ 219 (200).

ص: 367

وقال نافع عنه: متعتان كانتا عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء:، ومتعة الحج

(1)

. فهذا عمر رضي الله عنه نهى عنها بحضرة الصحابة، فلم ينكر ذَلِكَ عليه منكر، وفيه دليل عَلَى متابعتهم له عَلَى ما نهى عنه، وهو دال عَلَى النسخ.

وابن عباس يقول: إنما أبيحت والنساء قليل، فلما كثرت ارتفع المعنى الذي من أجله أبيحت.

وحكمة تكرار النهي حَتَّى في حجة الوداع أن من عادته تكرير مثل هذا في مغازيه، وفي المواضع الجامعة ومن جملتها حجة الوداع لينقل لمن لم يسمع، فأكده حَتَّى لا يبقي شبهة لأحد يدعي تحليلها؛ ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرًا، وحديث سبرة دال عَلَى إبطال قول زفر، وأن العقد لا يوجب دوامه، ولو أوجب الدوام لكان بفسخ الشرط الذي تعاقدا عليه، ولا يفسخ النكاح إذا كان ثبت عَلَى صحته وجوازه قبل النهي، ففي أمره بالمفارقة دليل عَلَى أن مثل هذا العقد لا يجب به ملك بضع.

(1)

رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 2/ 146، وابن عبد البر في "التمهيد" 10/ 112 - 113، 23/ 364 - 365.

ص: 368

‌32 - باب عَرْضِ المَرْأَةِ نَفسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ

5120 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسٌ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَكَ بِي حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا وَاسَوْأَتَاهْ وَاسَوْأَتَاهْ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا. [6123 - فتح 9/ 174]. .

5121 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ:«مَا عِنْدَكَ؟» . قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: «اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِى وَلَهَا نِصْفُهُ -قَالَ سَهْلٌ: وَمَا لَهُ رِدَاءٌ -فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ» . فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلَسُهُ قَامَ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُ أَوْ دُعِي لَهُ فَقَالَ:«مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» . فَقَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا -لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا- فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". [انظر: 2310 - مسلم: 1425 - فتح 9/ 175].

ذكر فيه حديث سهل بن سعد في الواهبة، وقد سلف، وقال في آخره:"أملكتكها بما معك من القرآن".

وفي نسخة: " أملكناكها".

رواه عنه أبو حازم، واسمه: سلمة بن دينار -مولى الأسود بن سفيان المخزومي، وقيل: مولى لبني ليث- القاص، من عباد أهل

ص: 369

المدينة وزهادهم، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومائة، وقيل سنة أربعين

(1)

.

ذكر فيه أيضًا حديث مرحوم -وهو العطاء بن عبد العزيز بن مهران البصري، مولى آل معاوية بن أبي سفيان- سَمِعْتُ ثَابتًا البُنَانِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ ابنةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسٌ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَكَ في حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا وَاسَوْأَتَاهْ وَاسَوْأَتَاهْ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا.

ويأتي في الأدب، وأخرجه النسائي هنا

(2)

، وفي "التفسير" أيضًا

(3)

، وابن ماجه هنا

(4)

، وهما ظاهران عَلَى ما ترجم له، وهو جواز عرض المرأة نفسها عَلَى الرجل الصالح، وتعريفها رغبتها فيه؛ لصلاحه وفضله، أو لعلمه وشرفه، أو لخصلة من خصال الدين، وأنه لا عار عليها في ذَلِكَ ولا غضاضة، بل ذَلِكَ زائد في فضلها، لقول أنس لابنته: هي خير منك.

وفيه: أن الرجل الذي تعرض المرأة نفسها عليه لا ينكحها، إلا إذا وجد في نفسه رغبة فيها.

وكذلك صوب الشارع النظر فيها وصعده، فلما لم يجد في نفسه رغبة فيها سكت عن إجابتها.

(1)

انظر: ترجمته في "التاريخ الكبير" 4/ 78، "الجرح والتعديل" 4/ 159، "تهذيب الكمال" 11/ 272 - 279.

(2)

"المجتبى" 6/ 78 - 79.

(3)

"تفسير النسائي" 2/ 181.

(4)

ابن ماجه (2001).

ص: 370

وفيه: جواز سكوت العالم ومن سئل حاجة، إذا لم يرد الإسعاف ولا الإجابة في المسألة، فإن ذَلِكَ أدب في الرد بالكلام وألين في صرف السائل.

وفيه: أن سكوت المرأة في الجماعات لازم لها، إذا لم يقم الدليل عَلَى أن سكوتها كان لحياء أو لحشمة، لأنه كان للمرأة أن تقول: يا رسول الله، أنا أرغب فيك، ولا أرغب في غيرك.

وكذلك يجب أن يكون سكوت كل من عقد عليه عقد في جماعة، ولم يمثعه من الإنكار خوف ولا حياء، ولا آفة في سمع ولا فهم أن ذَلِكَ العقد لازم له.

وفيه: دليل عَلَى جواز استمتاع الرجل بشورة المرأة، وبما يشترى لها من صداقها لقوله:"ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء؟ " مع علمه بأن النصف لها، فلم يمنعه من الاستمتاع بنصفه الذي جوز لها وجوز له لبسه أجمع، وإنما منع من ذَلِكَ؛ لأنه لم يكن له ثوب غيره، فخشي أن تحتاج إليه المرأة فيبقى عاريًا.

ص: 371

‌33 - باب عَرْضِ الرجل ابنتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الخَيْرِ

5122 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ - فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِى هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبِلْتُهَا. [انظر: 4005 - فتح 9/ 175].

5123 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ؟ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» . [انظر: 5101 - مسلم: 1449 - فتح 9/ 176].

ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في عرض عمر حفصة -لما تأيمت من خنيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بالمدينة- عَلَى عثمان ثم الصديق ثم خطبها صلى الله عليه وسلم، وقد سلف في المغازي، ويأتي.

ص: 372

وحديث أم حبيبة: إنا قد تحدثنا أنك تنكح درة بنت أبي سلمة .. الحديث، وقد سلف.

وحديث ابن عمر ذكره الحميدي

(1)

وأبو مسعود في مسند أبي بكر، لما انفرد به معمر عن الزهري، من قول أبي بكر لعمر: إني علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، وذكره خلف وابن عساكر في مسند عمر لقوله: خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه.

ولما أخرجه الطرقي في مسند أبي بكر قَالَ: قد أخرجت الأئمة أصحاب المسانيد هذا الحديث من عهد أحمد بن حنبل إلى زماننا في "مسنده"، لقوله السالف أنه ذكرها، وذكر الدارقطنى أن حفصة تأيمها من ابن حذافة أنه طلقها

(2)

.

وذكر أبو عمر وغيره أنه توفي عنها من جراحة أصابته بأحد

(3)

، وعلى هذين القولين يحمل قول من قَالَ: تزوج حفصة بعد ثلاثين شهرًا من الهجرة.

ورواية من روى بعد سنتين في عقب بدر، ورواية من روى توفي زوجها بعد خمسة وعشرين شهرًا.

وخنيس بضم الخاء المعجمة ثم نون مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة، وقال ابن طاهر: قَالَ يونس، عن الزهري: بفتح الخاء وكسر النون. وكان معمر بن راشد يقوله: بفتح الحاء المهملة ثم باء موحدة مكسورة ثم مثناة تحت ثم شين معجمة.

(1)

"يجمع بين الصحيحين" 1/ 88.

(2)

"العلل" 1/ 157.

(3)

"الاستيعاب" 2/ 35.

ص: 373

قَالَ الجياني: وروي أن معمرًا كان يصحف في هذا الاسم فيقول: حبيش بن حذافة، فرد عليه: خنيس فقال: لا بل هو حبيش.

قَالَ الدارقطني: وقد اختلف عَلَى عبد الرزاق عن معمر، فروي عنه خنيس بالسين المهملة عَلَى الصواب، وروي عنه: حبيش أو خنيس بالشك، وذكره البخاري وجماعات بالمهملة، والخاء عَلَى الصواب

(1)

.

أما فقه الباب فهو ظاهر لما ترجم له من عرض الرجل وليته ابنته وغيرها عَلَى الرجل الصالح ولا نقص عليه في ذَلِكَ.

وفيه: أن من عرض عليه ما فيه الرغبة فله النظر والاختيار، وعليه أن يخبر بعد ذَلِكَ بما عنده؛ لئلا يمنعها من غيره؛ لقول عثمان بعد ليالٍ: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.

وفيه: الاعتذار اقتداءً بعثمان في مقالته هذِه، ولم يقل أبو بكر: لا أريد التزويج، وقد كان يريده حين قَالَ: لو تركها لنكحتها، ولم يقل: نعم، ولا لا.

وفيه: الرخصة أن يجد الرجل عَلَى صديقه في الشيء، ويسأله، فلا يجيب إليه، ولا يعتذر بما يعذر به؛ لأن النفوس جبلت عَلَى ذَلِكَ، لاسيما إذا عرض عليه ما فيه الغبطة له.

وقوله: (وكنت أوجد عليه -يعني عَلَى الصديق- من عثمان) سببه أن الصديق لم يرد عليه الجواب، بل تركه عَلَى الرقيب؛ ولأنه أخص بعمر منه بعثمان؛ لأنه صلى الله عليه وسلم آخى بينهما، فكانت موجدته عليه أكثر؛ لثقته به، وإخلاصه له.

(1)

"تقييد المهمل" 1/ 216.

ص: 374

وفي بعض الروايات أن عمر شكى عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ينكح حفصة خير من عثمان، وينكح عثمان خيرًا من حفصة" فكان كذلك.

وفيه: كتمان السر، فإن أظهره الله أو أظهره صاحبه جاز للذي أسر إليه إظهاره، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما أظهر تزويجها أعلم أبو بكر بما كان أسر إليه منه، وكذلك فعلته فاطمة رضي الله عنها في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسر إليها أنها أول أهله لحاقًا به فكتمته حين توفي، وأسر صلى الله عليه وسلم إلى حفصة تحريم مارية، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، ولم يكن الشارع أظهره، فذم الله فعل حفصة، وقبول عائشة لذلك فقال:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . أي: مالت، وعدلت عن الحق.

وفي قول أبي بكر لعمر بعد تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، لعلك وجدت علي، دليل عَلَى أن الرجل إذا أتى إلى أخيه بما لا يصلح أن يؤتى إليه من سوء المعاشرة، أن يعتذر ويعترف، وأن الرجل إذا وجب عليه الاعتذار من شيء وطمع بشيء يقوي حجته أن يؤخر ذَلِكَ حَتَّى يظفر ببغيته ليكون أَبْرأ له عند من يعتذر إليه.

وفي قول عمر رضي الله عنه له دليل عَلَى أن الإنسان يحتج بالحق عَلَى نفسه وإن كان عليه فيه شيء.

والمعنى الذي أسر أبو بكر عن عمر ما أخبره به الشارع هو أنه خشي أبو بكر أن يذكر ذلك لعمر ثم يبدو لرسول الله صلى الله عليه وسلم[الإعراض]

(1)

عن نكاحها، فيقع في قلب عمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع في قلبه من الصديق.

(1)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 375

وفي قول أبي بكر لعمر: كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها. فيه دلالة أنه جائز للرجل أن يذكر لأصحابه، ولمن يثق به أنه يخطب امرأة قبل أن يظهر خطبتها، وقول الصديق: لم أكن لأفشي سره، يدل أنه من ذكر امرأة قبل أن يُظهر خطبتها، فإن ذكره في معنى السر، وإن إفشاء السر وغيره في النكاح أو غيره من المباح لا يجوز، وكان إسراره صلى الله عليه وسلم تزويج حفصة للصديق عَلَى سبيل المشورة، أو لأنه صلى الله عليه وسلم علم قوة إيمان الصديق وأنه لا يتغير لذلك لكون ابنته عنده، وكتمان ذَلِكَ خشية أن يبدو لرسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاحها أمر فيقع في قلب عمر ما وقع في قلبه لأبي بكر كما سلف.

وفيه: أن الصَّدِيقَ لا يخطب امرأة عَلمَ أن صديقه يذكرها لنفسه، وإن كان لم يركن إليه لما يخاف من القطيعة بينهما، ولم تخف القطيعة بين غير الإخوان؛ لأن الاتصال بينهما ضعيف غير اتصال الصداقة في الله.

وفي قول الصديق: الو تركها تزوجتها). دليل عَلَى أن الخطبة إنما تجوز بعد أن يتركها الخاطب.

وفيه: الرخصة في تزويج من عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها خطبة، أو أراد أن يتزوجها. ألا ترى قول الصديق: لو تركها تزوجتها.

وقد جاء في خبر آخر الرخصة في نكاح من عقد النبي صلى الله عليه وسلم عليها النكاح ولم يدخل بها، وأن الصديق كرهه ورخص فيه عمر.

وروى داود بن أبي هند عن عكرمة قَالَ: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من كندة يقال لها قُتيلة، فمات ولم يدخل بها ولا حجبها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، فغضب أبو بكر وقال: تزوجت امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: ما هي من نسائه، ما دخل بها، ولا حجبها،

ص: 376

ولقد ارتدت مع من ارتد. فسكت

(1)

.

وفيه: أن الأب تخطب إليه بنته، والثيب كالبكر، ولا تخطب إلى نفسها، وأنه يزوجها، وفيه فساد قول من قَالَ: إن للمرأة البالغة المالكة أمرها تزويج نفسها، وعقد النكاح عليها دون وليها، وإبطال قول من قَالَ: للثيب البالغة إنكاح من أحبت دون وليها، وسيأتي إيضاحه في باب: لا نكاح إلا بولي، وفي تركه أن يأمره باستئمارها -ولم يجئ عن عمر أن استأمرها- دليل عَلَى أن للرجل أن يزوج ابنته الثيب من غير أن يستأمرها، إذا علم أنها لا تكره ذَلِكَ، وكان الخاطب لها كفئًا؛ لأن حفصة لم تكن لترغب عن سيد الأكفاء، وأغنى علم عمر بها عن استئمارها.

فائدة:

معنى قوله: (تأيمت حفصة). صارت غير ذات زوج، بموت زوجها عنها، والعرب تدعو كل امرأة لا زوج لها، وكل رجل لا امرأة له أيمًا.

(1)

رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" 6/ 3246، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 3/ 227 من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي مرسلًا.

ورواه ابن سعد في "الطبقات" 8/ 147 عن داود بن أبي هند بلفظ قريب منه.

ورواه البزار كما في "تلخيص الحبير" 3/ 139، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 3/ 227، وابن نقطة في "تكملة الإكمال" 4/ 609 من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج قُتيلة فارتدت مع قومها فلم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحجبها فبرأها الله منه.

والحديث صححه ابن خزيمة والضياء في "المختارة" كما في "تلخيص الحبير" 3/ 139.

ص: 377

‌34 - باب قَوْلِ اللهِ عز وجل: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {حَلِيمٌ} [البقرة: 235]

{أَكْنَنْتُمْ} أَضْمَرْتُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ فَهْوَ مَكْنُونٌ.

وقال أبو عبد الله، وَقَالَ طَلْقٌ: ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنه:{فِيمَا عَرَّضْتُمْ} يَقولُ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَلَوَدِدْتُ أني يُسر لِي اْمْرَأَةٌ صَالَحِةٌ. وَقَالَ القَاسِمُ: يَقول: إِنَّكِ عَلَيَّ كَرِيمَةٌ، وَإنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنَّ اللهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا. ونَحْوَ هذا. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُعَرِّضُ وَلَا يَبُوحُ، يَقولُ: إِنَّ لِي حَاجَةً وَأَبْشِرِي، وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ نَافِقَةٌ. وَتَقُولُ هِيَ: قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقولُ. وَلَا تَعِدُ شَيْئًا، وَلَا يُوَاعِدُ وَليُّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا، وَإِنْ وَاعَدَتْ رَجُلاً فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ نَكَحَهَا بَعْدُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الحَسَنُ:{لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة: 235]: الزِّنَا. وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: {الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] قال: أن تَنْقَضِي العِدَّةُ. [فتح 9/ 178].

الشرح:

أما الآية فروى أبو محمد بن حيان في كتاب "النكاح" من حديث عبد الله بن أحمد، قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: أنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ثم قتل عني، فأرسل إليَّ الزبير بن العوام يقول: احبسي عَلَي نفسك. فقلت: نعم. فنزلت الآية.

ومعنى {أَكْنَنْتُمْ} كما ذكره، والتعليق الأول أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بلفظ: إني فيك لراغب، وإني أريد امرأة أمرها كذا وكذا، ويعرض لها بالقول. وقال أبو الأحوص، عن منصور بلفظ: يعرض الرجل فيقول: إني أريد أن أتزوج، ولا ينصب لها في الخطبة.

ص: 378

وفي حديث عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عنه قَالَ: يقول: إني لراغب ولوددت أني تزوجتك، حَتَّى يعلمها أنه يريد تزويجها من غير أن يوجب عقدة، أو يعاهدها عَلَى عهد.

وقول القاسم أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه في المرأة يتوفى عنها زوجها، ويريد الرجل خطبتها وكلامها، قَالَ: يقول: إني بك لمعجب، وإني عليك لحريص، وإني فيك لراغب، وأشباه ذلك.

وثَنَا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن، عن أبيه قَالَ: يقول في العدة: إني عليك لحريص. الحديث

(1)

.

وتعليق عطاء أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن دينار، عنه

(2)

، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق أيضًا، عن معمر، عن قتادة، عنه بلفظ: هو الفاحشة

(3)

. كأنه يريد الفعل؛ لأن الزنا لا يجوز المواعدة فيه سرًّا ولا جهرًا، وهو لفظ مستعمل مشهور عَلَى ألسنة العرب.

وعند ابن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز والحسن: هو الزنا، وكذا قاله إبراهيم وأبو الشعثاء

(4)

.

وقال الشعبي: هو أن يأخذ عليها عهدًا وميثاقًا ألا تتزوج غيره، وقَالَ مجاهد: سرًّا يخطبها في عدتها.

وقال ابن سيرين: يلقى الولي فيذكر رغبة وحرصًا.

(1)

انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 525، 526.

(2)

الذي في عبد الرزاق 7/ 53 (12150) عن ابن جربج عن عطاء.

(3)

عبد الرزاق 7/ 56 (12168).

(4)

ابن أبي شيبة 3/ 529.

ص: 379

وقال الضحاك: لا (يقاضيها)

(1)

أن لا تتزوج غيره. وكذا قَالَ سعيدبن جبير

(2)

.

وقال الشافعي: هو الجماع

(3)

، وهو التصريح فيما لا يحل له في حالته تلك.

وقوله: (ويذكر عن ابن عباس) إلى آخره، هذا التعليق أخرجه إسماعيل بن أبي زياد في "تفسيره"، عن جويبر، عن الضحاك، عنه، وعند ابن أبي شيبة جواز التعريض، عن مجاهد والحسن وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير والشعبي وأبي الضحى، وقال النخعي: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح، وقال ابن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ لفاطمة بنت قيس:"انتقلي إلى أم شريك ولا تفوتينا نفسك"

(4)

.

وأخرجه أبو الشيخ في كتاب "النكاح" من حديث يوسف بن محمد ثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا به، ثم قَالَ: وهذا الحديث لم يتابع عليه يوسف أحد، ثم ساقه من حديث أبي كريب، ثَنَا ابن إدريس بإسقاط أبي هريرة.

وفي الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عمته سكينة بنت حنظلة قالت: استأذن عَلَيَّ محمد بن عليّ بن الحسين، ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي. فقال: قد عرفت قرابتي من رسول

(1)

كلمة غير واضحة في الأصل، والمثبت من "مصنف ابن أبي شيبة".

(2)

ابن أبي شيبة 3/ 528، 529.

(3)

"الأم" 5/ 118.

(4)

ابن أبي شيبة 3/ 525، 526.

ص: 380

الله صلى الله عليه وسلم، وقرابتي من عليّ، وموضعي في العرب. قالت: فقلت: غفر الله لك أبا جعفر، أنت رجل يؤخذ عنك، تخطبني في عدتي؟! قَالَ: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علي، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال:"لقد علمت أني نبي الله، وخِيرته من خلقه، وموضعي في قومي" فكانت تلك خطبته

(1)

.

فصل:

حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} ، وهذا من المحكم المجتمع عَلَى تأويله، أن بلوغ أجله: انقضاء العدة، وأباح الله تعالى التعريض في العدة بقوله:{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235]؛ ولأنه لم يختلف العلماء في إباحة ذَلِكَ لما عدا الرخصة، وإنما منع من العقد فيها؛ لأن ذَلِكَ ذريعة إلى المواقعة فيها التي هي محبوسة عَلَى ماء الميت أو المطلق، كما منع المحرم بالحج من عقده النكاح؛ لأنه مؤدٍ إلى الوقاع، فحرم عليه السبب والذريعة إلى فساد ما هو فيه وموقوف عليه، وأباح التعريض في العدة؛ خشية أن تفوت نفسها.

فصل:

اختلف في ألفاظ التعريض، والمعنى واحد، فقال قتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى:{وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} لا يأخذ عهدها في عدتها ألا تنكح غيره قَالَ: إسماعيل بن إسحاق [هذا أحسن]

(2)

من قول من تأول في قوله: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} : أنه الزنا؛ لأن ما قبل الكلام

(1)

"السنن" 3/ 224.

(2)

زيادة يقتضيها السياق، من "شرح ابن بطال" 7/ 234.

ص: 381

وما بعده لا يدل عليه، ويجوز في اللغة أن يسمى الغشيان سرًّا، فسمي النكاح سرًّا، إذ كان الغشيان يكون فيه كما سمي التزويج نكاحًا، وهو أشبه في المعنى؛ لأنه لما أجيز له التعريض فيه، لم يؤذن لهم في غيره، فوجب أن يكون كل شيء يجاوز التعريض فهو محذور، والمواعدة تجاوز التعريض، فوسع الله عَلَى عباده في التعريض في الخطبة، لما علم منهم.

وبلغني عن الشافعي أنه احتج بهذا التعريض في التعريض بالقذف، وقال: كما لم يجعل هذا التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح، كذلك لا يجعل التعريض في القذف بمنزلة التصريح، واحتج بما هو حجة عليه، إذ كان التعريض بالنكاح قد فهم عن صاحبه ما أراد، فكذلك ينبغي أن يكون التعريض بالقذف قد فهم بالمراد، فإذا فهم أنه قاذف حكم عليه بحكم القذف، وينبغي له عَلَى قوله هذا أن يزعم أن التعريض بالقذف مباح كما أبيح التعريض بالنكاح

(1)

.

فصل:

اختلف في الرجل يخطب المرأة في عدتها جاهلًا، ويواعدها ويعقد بعد العدة: فكان مالك يقول: فراقها أحب إلي، دخل بها أو لم يدخل، ويكون بطلقة واحدة، ويدعها حَتَّى تحل

(2)

.

قَالَ الشافعي: إن صرح بالخطبة، وصرحت له بالإباحة، ولم يعقد النكاح حَتَّى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت والتصريح لها مكروه؛ لأن النكاح حادث بعد الخطبة

(3)

.

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 234.

(2)

"المدونة" 2/ 84.

(3)

انظر: "الإشراف" 1/ 19.

ص: 382

واختلفوا إذا تزوجها في العدة ودخل بها: فقال مالك والليث والأوزاعي يفرق بينهما، ولا تحل له أبدًا، قَالَ مالك والليث: ولا بملك اليمين، واحتجوا بأن عمر رضي الله عنه قَالَ: لا يجتمعان أبدًا وتعتد منهما جميعًا

(1)

.

وقال الثوري والكوفيون والشافعي: يفرق بينهما. فإذا انقضت عدتها من الأول فلا بأس أن يتزوجها. واحتجوا بإجماع العلماء أنه لو زنا بها لم يحرم عليه تزويجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة، وهو قول علي ذكره عبد الرزاق، وذكر عن ابن مسعود مثله، وعن الحسن أيضًا

(2)

.

وذكر عبد الرزاق عن الثوري، عن الأشعث، عن الشعبي، عن مسروق أن عمر رجع عن ذَلِكَ، وجعلهما يجتمعان.

واختلفوا هل تعتد منهما: فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، روي ذَلِكَ عن عمر وعلي، وهو قول الليث والشافعي وأحمد وإسحاق.

وروى ابن القاسم عن مالك أن عدة واحدة تكون لها جميعًا، سواء كانت بالحيض أو الحمل أو الشهور، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة، وحجتهم الإجماع عَلَى أن الأول لا ينكحها في بقية العدة، فدل ذَلِكَ عَلَى أنها في عدة من الثاني؛ ولولا ذَلِكَ لنكحها في عدتها منه، وهذا غير لازم؛ لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب؛ لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد أوجبا عليها لزوجين،

(1)

رواه مالك في "الموطأ" ص 331 - 332.

(2)

عبد الرزاق 6/ 208 - 209.

ص: 383

كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه

(1)

.

فصل:

قَالَ الشافعي: والعدة التي أذن بالتعريض فيها هي العدة من وفاة الزوج، ولا أحب ذَلِكَ في العدة من الطلاق الثاني احتياطًا، وإنما التي لزوجها عليها رجوع فلا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها

(2)

.

وحاصل مذهبه أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، وأما التعريض فيحرم للرجعية، ويحل التعريض في عدة الوفاة والبائن.

ومعنى قوله: (يعرض ولا يبوح) يريد: ولا يصرح. يقال: باح بسره إذا أفشاه.

وقال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يخطب معتدة من طلاق أو وفاة، فإن تزوجها قبل تمام العدة فسخ أبدًا، دخل بها أو لم يدخل، طالت مدته معها أو لم تطل، ولا توارث بينهما، ولا نفقة لها عليه، ولا صداقًا، ولا مهرًا، فإن كان أحدهما عالمًا فعليه حد الزنا من جلد أو رجم، وكذلك إن علما جميعًا، ولا يلحق الولد به إن كان عالمًا، فإن كانا جاهلين فلا شيء عليهما، فإن كان الرجل جاهلًا لحقه الولد، فإذا فسخ النكاح وتمت عدتها فله أن يتزوجها إلا أن يكون الرجل طلق امرأته، فله أن يرجعها في عدتها منه ما لم يكن طلاق ثلاث

(3)

.

(1)

انظر ما سبق في "ابن بطال" 7/ 235 - 236، "الاستذكار" 16/ 219 - 226.

(2)

"الأم" 5/ 32.

(3)

"المحلى" 9/ 478.

ص: 384

فصل:

تضمنت آية الباب أربعة أحكام: اثنان ممنوعان وهما النكاح في العدة والمواعدة، واثنان مباحان: التعريض والإكنان.

فصل:

قول عطاء: وإن واعدت رجلًا في عدتها إلى آخره هو خلاف ما في "المدونة" من التفريق، وإن لم يدخل استحبابًا، ونقل أشهب عنه يفرق مطلقًا

(1)

. زاد أشهب في "الموازية" ولا تحل له أبدًا. قَالَ عمر بن الخطاب: لا يجتمعان أبدًا، وقد سلف.

واختلف إذا دخل بعد العدة، وقد نكح فيها، فقال مالك في "المدونة": يتأبد التحريم. وقال المغيرة: يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد

(2)

. وذكر ابن الجلاب أنه إذا نكح في العدة ولم يدخل بها روايتان تأبد التحريم وعدمه، وذكر روايتين أيضًا إذا دخل في العدة عالمًا بالتحريم هل تحل أم لا ويتزوجها إذا انقضت المدة أو تأبد تحريمها عليه

(3)

، فتحصلنا عَلَى أربع مسائل: تأبده إذا واعد فيها، وإذا نكح فيها ولم يدخل، وإذا نكح فيها ودخل بعد، وإذا نكح فيها ودخل فيها عالمًا بالتحريم.

(1)

"المدونة" 2/ 84.

(2)

انظر: "المنتقى" 3/ 318.

(3)

"التفريع" 2/ 60.

ص: 385

‌35 - باب النَّظَرِ إِلَى المَرْأَةِ قَبْلَ التَّزوِيجِ

5125 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقَالَ لِي هَذِهِ امْرَأَتُكَ. فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ» . [انظر: 3895 - مسلم: 2438 - فتح 9/ 180].

5126 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَي رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ:«هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» . قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا» . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِى -قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ» . فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلَسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ:«مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» . قَالَ: مَعِي سُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا -عَدَّدَهَا- قَالَ: «أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 2310 - مسلم: 1425 - فتح 9/ 180].

ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها: "رَأَيْتُكِ فِي المَنَامِ .. " وقد سلف أول النكاح

(1)

.

(1)

سلف برقم (5078)، باب: نكاح الأبكار.

ص: 386

وحديث سهل بن سعد في الواهبة وقد سلف

(1)

، وفيه:(فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) وفي آخره: "اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ".

وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه مسلم

(2)

، والمغيرة أخرجه الترمذي -وقال: حسن- وابن ماجه

(3)

، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ للمغيرة. الحديث

(4)

. ومحمد بن مسلمة أخرجه (الترمذي)

(5)

والبيهقي وقال: مختلف في إسناده، ومداره عَلَى الحجاج بن أرطاة، وسمى المخطوبة ثبيتة بنت الضحاك أخت أبي جبيرة

(6)

.

وجابر أخرجه أبو داود بإسناد جيد

(7)

.

قَالَ البزار: لا نعلمه يروى عنه إلا من هذا الوجه، ولا أسند واقد ابن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ إلا هذا الحديث. قَالَ ابن القطان: ولا أعرفه

(8)

.

قلت: قد ذكره ابن حبان في "ثقاته"

(9)

.

(1)

سلف برقم (2310)، كتاب: الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح.

(2)

مسلم (1424)، كتاب: النكاح، باب: ندب النظر إلى وجه المرأة.

(3)

الترمذي (1087)، ابن ماجه (1865).

(4)

"صحيح ابن حبان" 9/ 351 (4043).

(5)

كذا بالأصول وهو خطأ حديث محمد بن سلمة لم يخرجه الترمذي، بل قال: وفي الباب عن محمد بن مسلمة. اهـ. أما حديث محمد بن مسلمة فهو عند ابن ماجه برقم (1864) وفيه الحجاج بن أرطاة.

(6)

"السنن الكبرى" 7/ 85.

(7)

أبو داود (2082).

(8)

"بيان الوهم والإيهام" 4/ 429.

(9)

"الثقات" 5/ 495.

ص: 387

وأبي حميد أخرجه البزار وقال: لا نعلم له طريقًا غير هذا

(1)

.

وأخرجه أحمد، وقال أبو حميد أو حميدة: الشك من زهير

(2)

. قَالَه ابن حبان في "صحيحه"

(3)

. وفي الباب أيضًا عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد خطبة امرأة بعث أم سليم تنظر إليها .. الحديث

(4)

.

وأخرجه أبو داود في "مراسيله"

(5)

، دون ذكر أنس، وذكر البيهقي الوصل من طريقين

(6)

، وذكر مهنا عن أحمد أنه منكر، وذكره الخلال في علله من حديث حماد بن سلمة عن أنس.

قَالَ أبو عبد الله: أنا وكيع، ثَنَا سفيان، عن رجل أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عائشة إلى امرأة لتنظر إليها، فلما جاءت قالت: يا رسول الله ما رأيت طائلًا؟ فقال: "لقد رأيت نجدها خالًا اقشعرت كل شعرة منك" فقالت: يا رسول الله، ما دونك ستر

(7)

.

أما فقه الباب فالنظر إلى المخطوبة سنة، لهذِه الأحاديث، ولا قائل بوجوبه إذ قد ورد، فلا بأس وشبهه، ولا يقال في الواجب.

(1)

"البحر الزخار" 9/ 165 - 166 (3714).

(2)

أحمد 5/ 424.

(3)

لم أقف عليه عند ابن حبان.

(4)

رواه بهذا اللفظ: الطبراني في "الأوسط" 6/ 204 (6195)، والضياء في "المختارة" 5/ 121 (1745).

ورواه أحمد 3/ 231، والحاكم 2/ 166، البيهقي 7/ 87 من طرق عن أنس بغير هذا اللفظ.

(5)

"المراسيل" ص 186 (216).

(6)

"السنن الكبرى" 7/ 87.

(7)

"العلل ومعرفة الرجال" 2/ 570.

ص: 388

وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها

(1)

.

وهذا قول الأربعة والثوري والكوفيين، وقالوا:(لا)

(2)

ينظر إلى غير وجهها وكفيها. و (قال)

(3)

الأوزاعي: (ينظر إليها ويجتهد وينظر إلى مواضع اللحم

(4)

. حجتهم حديث الباب، وما ذكرناه)

(5)

. واحتج الشافعي بأنه ينظر إليها بإذنها وبغيره بقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَ: الوجه والكفان

(6)

.

وحديث أبي حميد السالف فإنه صريح فيه، قَالَ: فإن لفظه: "لا حرج أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها من حيث لا تعلم"، وخالفهم آخرون وقالوا: لا يجوز لمن أراد النكاح ولا غيره أن ينظر إليها، إلا أن يكون زوجًا لها، أو ذا محرم منها، ووجهاها وكفاها عورة بمنزلة جسدها.

واحتجوا بحديث ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة، عن أبي الطفيل، عن علي أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ له:"يا علي، لا تتبع بالنظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليس لك الأخرى"

(7)

.

(1)

"شرح ابن بطال " 7/ 236.

(2)

من (غ).

(3)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 295، "الإشراف" 1/ 18 - 19.

(4)

في الأصل: قاله، والمثبت من (غ).

(5)

من (غ).

(6)

"مختصر المزني" 3/ 256.

(7)

رواه أحمد 1/ 159، وابن أبي شيبة 4/ 7 (17221) والدارمي 3/ 1779 (2751)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 14 - 15، وابن حبان 12/ 381، والطبراني في "الأوسط" 1/ 209 (674)، والحاكم 3/ 123، والضياء في "المختارة" 2/ 108 - 109. =

ص: 389

فلما حرم النظرة الثانية؛ لأنها تكون باختيار الناظر، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من الناظر، دل عَلَى أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن تكون زوجة له أو ذات محرم.

واحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذي أباحه الشارع في الآثار الأول هو النظر للخطبة لا لغير ذَلِكَ، وذلك لسبب هو حلال، ألا ترى أن رجلًا لو نظر إلى وجه امرأة لا نكاح بينه وبينها للشهادة أن ذَلِكَ جائز، وكذلك إذا نظر إلى وجهها ليخطبها.

فأما المنهي عنه فالنظر إلى غير الخطبة ولغير ما هو حلال، ورأيناهم لا يختلفون في نظر الرجل إلى صدر الأمة إذا أراد أن يبتاعها جائز له، ولو نظر إليها لغير ذَلِكَ كان عليه حرام، فكذلك نظره إلى وجهها، إن كان فعل ذَلِكَ لمعنى هو حلال، فهو غير مكروه.

وإذا ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال، خرج بذلك حكمه من حكم العورة، لأنا رأينا ما هو عورة، لا يباح لمن أراد نكاحها النظر إليه، ألا ترى أنه من أراد نكاح امرأة حرام عليه النظر

= قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقال الهيثمي في "المجمع" 4/ 277: رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني ثقات.

وقال في 8/ 63: رواه أحمد وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات. والحديث صححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(1902). ورواه أبو داود (2419)، والترمذي (2777) من حديث شريك عن أبي ربيعة عن ابن بريدة عن أبيه رفعه:"يا عَلَيّ .. " الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. والحديث صححه الألباني في "صحيح الجامع"(7953).

ص: 390

إلى شعرها وصدرها وإلى ما أسفل من ذَلِكَ من بدنها، كما يحرم ذَلِكَ منها عَلَى من لم يرد نكاحها، فلما ثبت أن النظر إلى وجهها حلال لمن أراد نكاحها ثبت أنه حلال أيضًا لمن لم يرد نكاحها، إذا لم يقصد بنظره إلى معنى هو عليه حرام، وقد قَالَ المفسرون في قوله:{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أنه الوجه والكفان، وقال ابن عباس: الوجه وباطن الكف

(1)

.

فرع:

لا يشترط رضاها ولا إذنها، وعن مالك رواية ضعيفة: لا ينظر إليها إلا بإذنها.

فرع:

إذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة تتأملها وتصفها له.

فرع:

لا ينظر إليها نظر تلذذ ولا شهوة ولا لزينة، قَالَ الإمام أحمد: ينظر إلى الوجه عَلَى غير طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها متأملًا محاسنها.

قَالَ ابن قدامة: ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة

(2)

.

وعن داود: ينظر إلى جميعها، حَتَّى قَالَ ابن حزم: يجوز النظر إلى ما ظهر وما بطن، بخلاف الجارية المشتراة، فإنه لا يجوز أن ينظر إلا إلى وجها وكفها.

(1)

رواه البيهقي في "السنن" 7/ 94 (13537) وانظر ما سبق في "شرح معاني الآثار" 3/ 15 - 18.

(2)

"المغني" 9/ 490.

ص: 391

وهذا لفظه في "محلاه": ومن أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر منها إلى ما بطن وظهر، مستقبلًا لها وغير مستقبل، وليس له ذَلِكَ في الأمة التي يريد شراءها، ولا ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط، لكن يأمر امرأة يثق بها إلى أن تنظر إلى جميع جسمها وتخبره

(1)

. (أبين

)

(2)

.

ووجه ما ذكره ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها"، لنا الآية السالفة ولأنه أبيح للحاجة فيختص بما تدعو إليه، وهو ذَلِكَ، والحديث مطلق ومن نظر إلى وجه إنسان سمي ناظرًا إليه، ومن رآه وعليه ثيابه سمي رائيًا له، كما قَالَ تعالى:{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4]. وقال: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء: 36].

وفي رواية حنبل عن أحمد: لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعو إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذَلِكَ

(3)

.

(1)

"المحلى" 10/ 31.

(2)

كلمة غير واضحة بالأصل وعليها علامة من الناسخ.

(3)

انظر: "المغني" 9/ 491.

ص: 392

‌36 - باب مَنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ

لقوله عز وجل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ. وَقَالَ تعالى {وَلَا تُنكِحُواْ اَلمُشركِينَ حتَّى يُؤمِنُوْا} [البقرة: 221] وَقَالَ تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32].

5127 -

قَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا، وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ. وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ، وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا. فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالِيَ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ. تُسَمِّى مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ. وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِى يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِىَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ، إِلاَّ نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ. [فتح 9/ 183].

ص: 393

5128 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ:{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء:127]. قَالَتْ هَذَا فِي الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ -لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ شَرِيكَتَهُ فِي مَالِهِ، وَهْوَ أَوْلَى بِهَا- فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا، فَيَعْضُلَهَا لِمَالِهَا، وَلَا يُنْكِحَهَا غَيْرَهُ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَشْرَكَهُ أَحَدٌ فِي مَالِهَا. [انظر: 2494 - مسلم: 308 - فتح 9/ 183].

5129 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، حَدَّثَنَا 7/ 21 الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنِ ابْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ- فَقَالَ عُمَرُ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ. فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ. [انظر: 4005 - فتح 9/ 183].

5130 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232]. قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلاً لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232] فَقُلْتُ الآنَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ. [انظر: 4539 - فتح 9/ 183].

وقال يحْيَى بن سُليمَانَ: ثنا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ .. الحديث.

ص: 394

وأخرجه أبو داود

(1)

، ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} إلى آخره، وقد سلف

(2)

.

وحديث عمر رضي الله عنه حين تأيمت حفصة، وقد سلف

(3)

وحديث معقل بن يسار في قوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232][البقرة: 232] أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا اْنْقَضتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا والله لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا. وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِه الآيَةَ:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] فَقُلْتُ الآنَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ. وسلف في تفسير سورة البقرة

(4)

.

الشرح:

تلا البخاري الآية الأولى؛ ليوقف النكاح عَلَى الولي، فعاتب الرب جل جلاله معقلًا عند امتناع ردها إلى زوجها، فلو كان لها أن تزوج نفسها أو تعقد النكاح، لم يعاتب أخاها عَلَى الامتناع منه، ولا أمره الشارع بالحنث، فدل عَلَى أن النكاح كان إليه دونها.

والعضل: المنع من التزويج، فمنعوا من عدم تزويجهن، كما وعظ أولياء اليتامى أن يعضلوهن إذا رغبوا في أموالهن، فلو كان العقد إليهن لم يكنَّ ممنوعات.

(1)

أبو داود (2272).

(2)

سلف برقم (2494)، كتاب: الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث.

(3)

سلف برقم (4005)، كتاب: المغازي.

(4)

سلف برقم (4529) باب: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} .

ص: 395

وأما الآية الثانية فوجه الدلالة منها أن الله تعالى خاطب الأولياء ونهاهم عن إنكاح المشركين ولياتهن المسلمات؛ من أجل أن الولد تبع الأب في دينه؛ لقوله تعالى: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [البقرة: 221] ولا مدعو في نفس الاعتبار يمكنه الإجابة إلا الولد إذ هو تبع لأبيه في الدين، ولذلك نهى الله تعالى عن إنكاح الإماء المشركات؛ لأن الذي يتزوجها يتسبب أن يولدها، فيبيعها سيدها حاملًا من مشرك؛ إذ أولاد الإماء تبع (لأمهاتهم)

(1)

في الرق، فيئول ذَلِكَ إلى تمليك أولاد المسلمين، فيحملونهم عَلَى الكفر، فنهى الله عن ذَلِكَ وحرمه في كتابه، وجوز لمن لم يستطع طولًا (لحرة)

(2)

إذا خشي العنت أن ينكح الأمة المسلمة في ملك المسلم لامتناع تمليكهن المشركين، وأباح له استرقاق ولده واستعباده لأخيه المسلم؛ من أجل أنه فداء من أن يحمله عَلَى غير دين الإسلام، والدليل عَلَى جواز إرقاق الرجل بنيه قوله صلى الله عليه وسلم في جنين المرأة عبدًا أو وليدةً

(3)

، فلما جعل صلى الله عليه وسلم عوض الجنين الحر عبدًا وأقامه مقامه، وجوز لأبيه ملكه واسترقاقه عوضًا من ابنه. علمنا أن للرجل أن ينكح من النساء من يسترق ولده منها.

إذا عرفت ذَلِكَ؛ فاتفق جمهور العلماء عَلَى أنه لا يجوز نكاح إلا بولي إما مناسبة أو وصي -عَلَى من يراه -أو سلطان، ولا يجوز عقد المرأة عَلَى نفسها بحال.

روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة، وروي

(1)

في الأصول: لأمهاتهن. ولعل الصواب ما أثبتناه.

(2)

في الأصول: يجده، والمثبت من "شرح ابن بطال" 7/ 244 وقد أشار محققه إلى أنها في النسخة التي اعتبرها أصلًا:(يجده)، وأثبت (لحرة) من نسخة أخرى.

(3)

سيأتي برقم (5759) من كتاب الطب.

ص: 396

عن شريح وابن المسيب والحسن وابن أبي ليلى، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وأبي عبيد، وحكى ابن المنذر عن الشعبي والزهري أنه إذا تزوجت بغير إذن وليها كفؤًا، فهو جائز

(1)

.

وقال مالك في المعتقة والمسكينة التي لا خطب لها فإنها تستخلف عَلَى نفسها من يزوجها، ويجوز ذَلِكَ، وكذلك المرأة يكفلها الرجل أن تزويجه عليها جائز، وأما كل امرأة لها قدر وغنى فلا يزوجها إلا الأولياء أو السلطان

(2)

.

قَالَ أبو حنيفة: إذا كانت بالغة عاقلة زالت ولاية الولي عنها، فإن عقدت بنفسها جاز، وإن ولت رجلًا حَتَّى عقد جاز.

(ووافق)

(3)

أنها إذا وضعت نفسها بغير كفؤٍ كان للولي فسخه

(4)

.

وشذ أهل الظاهر أيضًا فقالوا: إن كانت بكرًا فلابد من ولي، وإن كانت ثيبًا لم تحتج إلى ولي

(5)

، وهذا خلاف الجماعة، وقد سلف دليل الجمهور.

قَالَ ابن المنذر: روينا عن علي وابن سيرين والقاسم بن محمد والحسن بن صالح وإسحاق بن راهويه وأبي يوسف القاضي أنهم قالوا: أن الولي السلطان إذا أجازه جاز وإن كان عقد بغير ولي.

(1)

انظر: "شرح معاني الآثار" 3/ 7 - 13، "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 247 - 248، "الاستذكار" 16/ 35 - 42، "الإشراف" لابن المنذر 1/ 28، "الفروع" 5/ 157 - 176.

(2)

نقله ابن القاسم عنه، انظر:"الاستذكار" 16/ 35.

(3)

كذا في الأصول، وفي "شرح ابن بطال":(ووافقنا على).

(4)

انظر: "المبسوط" 5/ 10 - 14، "تبيين الحقائق" 2/ 117.

(5)

"المحلى" 9/ 458 - 459.

ص: 397

وقال محمد بن الحسن: إذا تزوجت بغير أمر الولي فالنكاح موقوف حَتَّى يجيزه الولي أو القاضي

(1)

. وكان أبو يوسف يقول: بضع المرأة إليها والولاية في عقد النكاح لنفسها دون وليها، وليس للولي أن يعترض عليها في نقصان ما تزوجت عليه من مهر مثلها. ثم رجع عن قوله هذا كله إلى قول من قَالَ: لا نكاح إلا بولي. وقوله الثاني هو قول محمد

(2)

.

فصل:

ادعى المهلب أنَّ في الحديث دلالة عَلَى أن الرجل إذا عضل وليته (لا يفتات)

(3)

عليه السلطان فيزوجها بغير أن يأمره بالعقد لها، ويرده عن (العضل)

(4)

. كما رد الشارع معقلًا عن ذَلِكَ إلى العقد، ولم يعقده بل دعاه إلى العقد والحنث في يمينه، إذ عقده لأخته من تحبه خير من إبرار اليمين، وأيضًا فقوله تعالى:{وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221] وقوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرن في ذَلِكَ

(5)

.

وعندنا السلطان يزوج عند العضل؛ لأنه امتنع من حق واجب عليه فقام مقامه.

فصل:

في عقد عمر عَلَى حفصة رضي الله عنهما دونها دال عَلَى أنه ليس للبالغة تزويج نفسها دون وليها، ولو كان ذَلِكَ لها لم يكن الشارع يدع

(1)

"الإشراف" 1/ 22 - 23.

(2)

"شرح معاني الآثار" 3/ 13.

(3)

لعل ما هنا أصوب مما وقع في "شرح ابن بطال": يؤكده السياق بعده.

(4)

في الأصول: (العقد) ولعل الصحيح ما أثبتناه وهو الذي في "شرح ابن بطال".

(5)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 242 - 243.

ص: 398

خطبة حفصة إلى نفسها؛ إذ كانت أولى بنفسها من أبيها، ويخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها.

وفيه: بيان قوله عليه السلام: "الأيم أحق بنفسها من وليها"

(1)

معناه: أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها، لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عليها عقدة نكاح دون وليها. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا من الصحابة ثبت عنه خلاف ما قلناه.

فصل:

قول عائشة: (إن النكاح كان عَلَى أربعة أنحاء .. فنكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته)، حجة في أن سنة عقد النكاح إلى الأولياء. وما روى مالك عنها أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب، فلما قدم قال: مثلي يفتات عليه في بناته

(2)

. وهو دال على أنه لا يفتقر إلى ولي، فمعناه الخطبة.

والكلام في الرضا والصداق دون العقد، توضحه رواية ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، عن أبيه، عنها أنها أنكحت [رجلًا]

(3)

من بني أختها امرأة من بني أخيها، فضربت بينهم بسترٍ ثم تكلمت حَتَّى إذا لم يبق إلا العقد، أمرت رجلًا فأنكح، ثم قالت: ليس إلى النساء نكاح

(4)

.

(1)

رواه مسلم (1421)، كتاب: النكاح، باب: استذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت.

(2)

"الموطأ" برواية يحيى ص 343.

(3)

ساقطة من الأصول، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

(4)

رواه ابن أبي شيبة 3/ 444 (15953) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 10، والبيهقي في "السنن" 7/ 112.

ص: 399

وفي رواية: يا فلان زوج فإن النساء لا يزوجن

(1)

.

قال ابن المنذر: وأما تفريق مالك بين المولاة والمسكينة، وبين من لها منهن قدر وغنى، فليس ذَلِكَ مما يجوز أن يفرف به؛ إذ قد سوى الشارع بين الناس جميعًا فقال:"المسلمون تتكافأ دماؤهم"

(2)

. فسوى بين الجميع في الدماء، فوجب أن يكون حكمهم فيما دون الدماء سواء

(3)

.

فصل:

قال الداودي: بقي على عائشة رضي الله عنها نحو لم تذكره وذكره الله تعالى في كتابه، قوله:{وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] كانوا يقولون: ما استتر فلا بأس به، وفيما ظهر فهو لوم. ونكاح المتعة أيضًا أهملته.

وفي الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه: كان البدل في الجاهلية أن يقول (الرجل)

(4)

للرجل: تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك

(5)

.

ومرادها: بالأنحاء: الضروب. والاستبضاع: استفعال من البضع وهو النكاح، ويطلق أيضًا على العقد والجماع، وعلى الفرج.

(1)

رواها ابن أبي شيبة 3/ 444 (15953)، ورواه عبد الرزاق 6/ 201 عن ابن جريج عن عائشة.

(2)

رواه أبو داود (2751)، وابن ماجه (2685)، وأحمد 2/ 180، والحديث صححه الألباني في "الإرواء"(2208).

(3)

" الإشراف" 1/ 23.

(4)

من (غ).

(5)

"السنن" 3/ 218.

ص: 400

فصل:

ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به. وفي نسخة: بالذي يرون فإذا لحقه فالتاطه ودُعي ابنه. ومعنى التاطه: استلحقه، وأصل اللوط: اللصوق، ومنه قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: والولد ألوط

(1)

. أي: ألصق بالقلب.

وقول معقل: (زوجتك وفرشتك). أي: جعلتها لك فراشًا، يقال: فرشته وفرشت له. مثل: وزنته ووزنت له، وكلته وكلت له.

وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ). يعني: صالحًا، وهو مما غيرته العامة، فكنوا به عمن لا خير فيه، وحقيقة اللفظ أنه كان جيدًا. وسلف حديث معقل أيضًا في تفسير سورة البقرة.

فصل:

في أفراد مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" وفي رواية: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها" وفي أخرى له: "البكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها" وربما قال: "وصمتها إقرارها"

(2)

.

(1)

هذا من قول أبي بكر رضي الله عنه كما رواه البخاري في "الأدب المفرد" ص 42 (84)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 44/ 247 من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال أبو بكر يومًا: والله ما عَلَى الأرض رجل أحب إليّ من عمر، فلما خرج رجع، فقال: كيف حلفت، أي بنية؟ فقلت له، فقال: أعز عليّ، والولد ألوط.

قال الألباني: حسن الإسناد. اهـ.

(2)

مسلم (1421).

ص: 401

ولأبي داود والنسائي على شرط الشيخين: "ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها"

(1)

.

وفي رواية لأحمد في حديث خنساء فقال عليه السلام: "هي أولى بأمرها" فانتُزعت من الذي زوجها أبوها وتزوجت من أرادت

(2)

. وله عن بريدة: جاءت امرأة فقالت: زوجني أبي ابن أخيه، فجعل عليه السلام الأمر إليها، فقالت: أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء

(3)

. وكلها دالة على اعتبار الولي.

فصل:

وقوله: (وقال يحيى بن سليمان) إلى آخره. فيه رد على ابن خزيمة عَلَى ما نقله عنه الدارقطني: لم يروه إلا ابن وهب، فقد رواه عنبسة أيضًا كما ساقه البخاري.

فصل:

في اعتبار الولي أحاديث:

أحدها:

حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذَلِكَ فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي مَن لا ولي له" أخرجه ابن حبان في "صحيحه" وقال: لا يصح في ذكر الشاهدين غيره

(4)

.

(1)

أبو داود (2100)، النسائي 6/ 85.

(2)

أحمد 6/ 328 - 329.

(3)

الذي وقفت عليه في "المسند" 6/ 136: عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، أما حديث بريدة فرواه ابن ماجه (1874) وقال الألباني في "ضعيف ابن ماجه" (411): ضعيف شاذ.

(4)

"صحيح ابن حبان" 9/ 386 (4075).

ص: 402

وأخرجه الحاكم وصححه

(1)

، وابن الجارود في "منتقاه"

(2)

. وفي كتاب "من حدث ونسي" للخطيب، عن يحيى بن معين أن يحيى بن أكثم كتب: قد اتضح عندك هذا الحديث، فصححه ثم أوضحه. وصححه أحمد في "سؤالات المروذي" له.

ثانيها:

حديث أبي موسى مرفوعًا: "لا نكاح إلا بولي". خرجه أبو داود

(3)

والترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم

(4)

، وصححه أيضًا البخاري

(5)

والترمذي

(6)

.

ثالثها:

حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها" وكنا نقول: التي تزوج نفسها هي الزانية. أخرجه الدارقطني بإسناد على شرط الصحيح

(7)

.

(1)

"المستدرك" 2/ 168 وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ.

(2)

"المنتقى" 3/ 38.

(3)

أبو داود (2085).

(4)

الترمذي (1101)، وابن ماجه (1881)، وابن حبان 9/ 388 - 389، و"المستدرك" 2/ 169 - 170.

(5)

قال الحاكم في "المستدرك" 2/ 169: رجعنا إلى الأصل الذي لم يسع الشيخين إخلاء الصحيحين عنه وهو حديث أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. اهـ. وأخرج البيهقي قول البخاري عندما سُئل عن هذا الحديث: الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث. انظر "السنن" 7/ 108.

(6)

"علل الترمذي" 1/ 429 - 430.

(7)

"السنن" 3/ 227.

ص: 403

رابعها:

حديث عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل -ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وحسنه وصححه ابن حبان، والحاكم على شرط الشيخين

(1)

، وقال ابن معين: إنه أصح ما في الباب.

وفي الباب أيضًا عن ابن عباس، أخرجه أبو الشيخ، وجابر أخرجه أبو يعلى

(2)

وأبي سعيد أخرجه الدارقطني

(3)

.

قال الحاكم: وفي الباب -يعني مرفوعًا- عن علي، ومعاذ بن جبل، والمسور بن مخرمة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو بن العاصي، وأبي ذر والمقداد بن الأسود، وأنس، وابن عباس، وجابر، وأم سلمة وزينب زوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرها صحيح

(4)

.

قُلْتُ: وتأويل "فنكاحها باطل" أي: سيبطل باعتراض الولي، بعيد. وتأول الطحاوي حديث:"لا نكاح إلا بولي" على أنه يحتمل أن يريد أقرب عصبة أو يكون من تولية المرأة ذَلِكَ من الرجال، وإن كان بعيدًا، أو أن يكون هو الذي إليه ولاية الوضع من والد الصغيرة أو مولى الأمة، أو أن يريد امرأة حرة بالغة بنفسها، فيكون ذَلِكَ على أنه ليس لأحد أن يعقد نكاحًا على بضع إلا ولي ذَلِكَ البضع، قال:

(1)

أبو داود (2083)، الترمذي (1102)، ابن ماجه (1879)، ابن حبان 9/ 384 (4074)، الحاكم 2/ 168.

(2)

"مسند أبي يعلى" 4/ 72 (2094).

(3)

"السنن" 3/ 220.

(4)

"المستدرك" 2/ 172 بتصرف.

ص: 404

وذلك أمر جائز في اللغة، قال تعالى:{فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] قيل: يريد ولي الحق، وهو الذي له الحق، فلا يتعين لأحدهما إلا بدليل.

ثم ذكر حديث تزويج عمر أمه أم سلمة وهو صغير، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره سبع سنين

(1)

.

وجوابه: أن نكاحه عليه السلام لا يحتاج إلى ولي.

وقد ذكر ابن سعد أن الذي زوجها له سلمة بن أبي سلمة، وكان أكبر من أخيه عمر، وسيأتي في باب السلطان ولي المراد بالأول.

فصل:

البخاري روى حديث معقل عن أحمد بن أبي عمرو -هو أبو علي، وأبو عمرو وهو حفص- بن عبد الله بن راشد السلمي مولاهم النيسابوري، قاضيها، مات في المحرم سنة ثمان وخمسين ومائتين بعد محمد بن يحيى بستة أشهر، وقيل: توفي سنة ستين

(2)

.

وإبراهيم شيخ والده هو ابن طهمان الهروي أبو سعيد، سكن نيسابور، ثم سكن مكة، ومات بها سنة ثلاث وستين ومائة

(3)

.

(1)

"شرح معاني الآثار" 3/ 10 - 12.

(2)

انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 48 (41)، "تهذيب الكمال" 1/ 294 (47).

(3)

انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 105، "تهذيب الكمال" 2/ 108 (186).

ص: 405

‌37 - باب إِذَا كَانَ الوَلِيُّ هُوَ الخَاطِبَ

وَخَطَبَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا، فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لِيُشْهِدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا. وَقَالَ سهْلٌ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَهَبُ لَكَ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا.

5131 -

حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قَوْلِهِ:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء: 127] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ، قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، فَيَحْبِسُهَا، فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ. [انظر: 2494 - مسلم: 3018 - فتح 9/ 188].

5132 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جُلُوسًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:«أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» . قَالَ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: «وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ؟» . قَالَ: وَلَا خَاتَمًا مِنَ حَدِيدٍ وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ، وَآخُذُ النِّصْفَ. قَالَ:«لَا، هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 2310 - مسلم: 1425 - فتح / 188].

ذكر فيه أثر المغيرة بن شعبة وابن عوف وعطاء، وقد أسلفتهن في باب الأكفاء في المال.

ص: 406

وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَهَبُ لَكَ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. وقد سلف.

وذكر فيه حديث عائشة في قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} وقد سلف.

وحديث سهل في الواهبة وقد سلف وفي آخره "زوجتكها بما معك من القرآن".

واختلف العلماء في الولي هل يزوج نفسه من وليته إذا أذنت له ويعقد النكاح، ولا يرفع ذَلِكَ إلى السلطان على أقوال سلفت هناك، وعندنا: لا يجمع بين الطرفين إلا الجد في تزويج بنت ابنه بابن ابنه

(1)

.

وقال ابن التين عن مذهبه ومذهب الشافعي: إن الخاطب يكون وليًّا. خلافًا للمغيرة وأحمد وأبي حنيفة

(2)

. ثم قال: دليلنا قصة صفية وقوله: "لا نكاح إلا بولي" وقول أم حكم: نعم، فتزوجها. يريد أنها لم تنكر ولو أنكرته. فقال مالك وغيره ذَلِكَ لها.

وفيه قول: أنه لازم لها. فإن زوجها من غيره، فألزمها ذَلِكَ مرة في "المدونة"، ومرة نعم قال: لم يلزمها

(3)

.

(1)

انظر: "البيان" 9/ 190، "روضة الطالبين" 7/ 70.

(2)

ما نقله ابن التين عن أبي حنيفة والشافعي لا يصح، والمشهور خلافه. انظر:"مختصر اختلاف العلماء" 2/ 259 - 260، "معرفة السنن والآثار" للبيهقي 10/ 72 - 73، "الإشراف" 1/ 30 - 31، "البيان" 9/ 188.

(3)

"المدونة" 2/ 148، 149. وانظر:"التفريع" 2/ 32.

ص: 407

‌38 - باب إِنْكَاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ الصِّغَارَ

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] فَجَعَلَ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ البُلُوغِ.

5133 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهْيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا. [انظر: 3894 - مسلم: 1422 - فتح 9/ 190].

ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ

سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهْيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا.

كأن البخاري أراد بهذِه الترجمة الرد على ابن شبرمة، فإنه حكي عنه أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز، ولهن الخيار إذا بلغن

(1)

.

قال الطحاوي: ولم يقل به أحد من الفقهاء غيره ولا يلتفت إليه، لشذوذه، ومخالفته دليل الكتاب والسنة، وإنما اختلفوا في الأولياء غير الآباء إذا زوج الصغيرة كما سلف.

ونقل المهلب الإجماع على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التي لا يوطأ مثلها؛ لعموم الآية، ويجوز نكاح من لم تحض من أول ما تخلق

(2)

.

وأغرب ابن حزم فقال: لا يجوز للأب ولا لغيره نكاح الصغير الذكر حَتَّى يبلغ، فإن فعل فهو مفسوخ أبدًا. واختاره قوم، ولا حجة لهم إلا قياسه على الصغيرة، ولو كان القياس حقًّا لكان قد عارض هذا

(1)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 257.

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 247.

ص: 408

قياس مثله، وهو أنهم أجمعوا أن الذكر إذا بلغ لم يكن لأبيه ولا لغيره مدخل في إنكاحه، بخلاف الأنثى الذي له فيه مدخل إما بانكاح أو بإذن؛ فلذا يجب أن يكون حكمهما مختلفين

(1)

.

قال أبو عبيد: الفرق بين الأب وغيره أنه ليس لأحد من الأولياء معه ولايِة ما لم يأت منه عضل، فيكون هو المخرج لنفسه من ولايتها.

وفيه: دلالة على جواز (نكاح من لا وطء)

(2)

لعلة بأحد الزوجين، لصغر أو آفة أو غير إرب في الجماع، بل بحسن العشرة، والتعاون على الدهر، وكفاية المؤنة والخدمة، بخلاف من يقول: لا يجوز نكاح لا وطئ فيه. ويؤيد هذا حديث سودة حيث وهبت يومها لعائشة وقالت: ما لي في الرجال من إرب.

واختلف العلماء في الوقت الذي تدخل فيه المرأة على زوجها إذا اختلف الزوج وأهلها في ذَلِكَ، فقالت طائفة: تدخل عليه وهي بنت تسع، اتباعًا لحديث عائشة رضي الله عنها، وهو قول أحمد وأبي عبيد

(3)

.

وقال أبو حنيفة: نأخذ بالتسع غير أنا نقول: إن بلغتها ولم تقدر على الجماع كان لأهلها منعها، وإن لم تبلغ التسع وقويت على الرجال لم يكن لهم منعها من زوجها

(4)

.

(1)

"المحلى" 9/ 462.

(2)

كذا بالأصول، وفي "عمدة القاري" 16/ 319:(نكاح لا وطء فيه) وهو المناسب للسياق.

(3)

انظر: "المغني" 10/ 169.

(4)

لم أجد قول أبي حنيفة فيما بين يدي من كتب المذهب، والمسألة موجودة عندهم في كتاب النفقات، قالوا: أنه لا تجب النفقة للصغيرة التي لا يجامع مثلها حتى =

ص: 409

وكان مالك يقول: لا نفقة لصغيرة حَتَّى تدرك أو تطيق الرجال

(1)

.

وقال الشافعي: إذا قاربت البلوغ وكانت جسيمة تحتمل الجماع فلزوجها أن يدخل بها، وإلا منعها أهلها حَتَّى تحتمله

(2)

.

فصل:

اختلف على هشام بن عروة في سن عائشة رضي الله عنها حين العقد، فروى عنه سفيان بن سعيد

(3)

، وعلي بن مسهر، وأبو أسامة

(4)

، وأبو معاوية

(5)

، وعباد بن عباد، وعبدة

(6)

: ست سنين.

ورواه الزهري عنه

(7)

وحماد بن زيد

(8)

وجعفر بن سليمان

(9)

فقالوا: سبع سنين. وطريق الجمع أنه كان لها ست سنين وكسر، ففي رواية: أُسقط، وفي أخرى أُثبت بدخولها في السبع، أو أنها قالته تقريبًا

(10)

.

= تبلغ مبلغًا يجامع مثلها. واختلف في حد المطيقة له عندهم، قال صاحب "البحر الرائف": والصحيح أنه غير مقدر بالسن، وإنما العبرة لالحتمال والقدرة على الجماع، فإن السمينة الضخمة تحتمل الجماع وإن كانت صغيرة السن، كذا في التبيين، وذكر العتابي أنهابنت تسع واختاره مشايخنا. اهـ. انظر:"المبسوط" 5/ 187، "البحر الرائق" 4/ 196.

(1)

"المدونة" 2/ 190.

(2)

"الأم" 5/ 85.

(3)

سيأتي برقم (5133).

(4)

سبقا برقم (3894، 3896).

(5)

رواه مسلم (1422/ 70).

(6)

رواه مسلم (1422/ 70).

(7)

رواه مسلم (1422/ 71).

(8)

رواه أبو داود (2121).

(9)

رواه النسائي 6/ 82.

(10)

انظر: "مسلم بشرح النووي" 9/ 207.

ص: 410

ويؤيد الثاني ما رواه أبو عبيدة عن أبيه من طريق ابن ماجه: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت سبع سنين

(1)

.

فصل:

حكى الداودي عن ابن أبي ليلى: لا يزويج الأب ابنته الصغيرة إلا برضاها

(2)

. وعن أحمد: توكل بنت تسع من يزوجها

(3)

. وعن طاوس أنها تخير إذا بلغت

(4)

، وما ذكره البخاري يرد عليهم.

وعندنا أن للأب وكذا الجد عند عدمه يزوج البكر صغيرة وكبيرة بغير إذنها، ويستحب استئذان الكبيرة، وهو مذهب مالك في الأب

(5)

.

وعن أبي حنيفة: لا يجوز له ذَلِكَ حَتَّى يستأذنها إذا بلغت، فإن لم تفعل وكرهته فسخ

(6)

، دليلنا قوله عليه السلام:"والبكر يزوجها أبوها".

(1)

ابن ماجه (1877).

(2)

انظر: "الإشراف" 1/ 26.

(3)

انظر: "المغني" 9/ 404 - 405.

(4)

السابق 9/ 402.

(5)

انظر: "المدونة" 2/ 140، "روضة الطالبين" 7/ 53 - 54.

(6)

"مختصر الطحاوي" ص 172.

ص: 411

‌39 - باب تَزوِيجِ الأَبِ ابنتَهُ مِنَ الإِمَامِ

وَقَالَ عُمَرُ: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيَّ حَفْصَةَ فَأَنْكَحْتُهُ [انظر: 4005].

5134 -

حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْت سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهْيَ بِنْت تِسْعِ سِنِينَ. قَالَ هِشَامٌ: وَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَة تِسْعَ سِنِينَ. [انظر: 3814 - مسلم: 1422 - فتح 9/ 190].

(وقال عمر رضي الله عنه: خَطبَ النبي صلى الله عليه وسلم حَفْصَةَ فَأَنْكَحْتُهُ) وقد سلف.

ثم ساق من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أَنَّه عليه السلام تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهْيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.

قَالَ هِشَامٌ: وَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ.

وقد سلف في الباب قبله

(1)

.

ومعنى الباب: أن الإمام وإن كان وليًّا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأولياء وخطب حفصة لأبيها عمر وأنكحه إياها، دل ذَلِكَ على أن الأب أولى من الإمام، وأن السلطان ولي من لا ولي له، وهو إجماع، ودل أيضًا على صحة مقالة مالك والشافعي والجمهور أن الولي من شروط النكاح، وأنه مفتقر إليه

(2)

؛ ولذلك خطب عائشة عليه السلام إلى أبي بكر، فزوجه.

(1)

سلف برقم (5133).

(2)

انظر: "المدونة" 2/ 151، "الأم" 5/ 11، "الإشراف" 1/ 33.

ص: 412

وقال ابن المنذر: وفي إنكاح أبي بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة على إباحة النكاح بغير شهود، إذ لا يعلم في شيء من الأخبار أن شاهدًا حضر ذَلِكَ النكاح، والأخبار التي رويت عن عائشة وغيرها بخلاف ذَلِكَ؛ لأنها واهية لا تثبت عند أهل المعرفة بالأخبار.

قُلْتُ: نكاحه عليه السلام لا يحتاج إلى شهود إلا من أنكره بخلافنا.

ص: 413

‌40 - باب السُّلْطَانُ وَلِيٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ

"

5135 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي وَهَبْتُ مِنْ نَفْسِي. فَقَامَتْ طَوِيلاً، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. قَالَ:«هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟» . قَالَ: مَا عِنْدِي إِلاَّ إِزَارِي. فَقَالَ: «إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا» . فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا. فَقَالَ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدِ» . فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ:«أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟» . قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا. فَقَالَ: «زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 2310 - مسلم: 1425 - فتح 9/ 190].

ثم ساقه من حديث سهل بن سعد باللفظ المذكور وقد سلف

(1)

.

وقام الإجماع على ما ترجمه وهو أنه ولي من لا ولي له، وأجمعوا أيضًا على أنه يزوج المرأة إذا أرادت النكاح ودعت إلى كفؤ وامتنع (الولي)

(2)

أن يزوجها.

واختلفوا إذا غاب عن البكر أبوها وعُمي خبره وضربت فيه الآجال من يزوجها؟ فقال أبو حنيفة ومالك: يزوجها أخوها بإذنها.

وقال الشافعي: يزوجها السلطان دون باقي الأولياء، وكذلك الثيب إذا غاب أقرب أوليائها

(3)

.

(1)

سلف برقم (2310)، كتاب: الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح.

(2)

من (غ).

(3)

انظر هذِه المسألة في: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 253 - 254، "النوادر والزيادات" 4/ 396، "الأم" 5/ 12.

ص: 414

حجة الأولين أن الأخ عصبة يجوز أن يزوجها بإذن مع عدم أبيها بالموت؛ لتعذر التزويج من قبله، وكذا مع حياته إذا تعذر التزويج من جهته، دليل ذَلِكَ أن فسق الأب وجنونه ينقل الولاية إلى غيره، ألا ترى أن الأب إذا مات كان الأخ أولى من السلطان. واحتج الشافعي بأن السلطان يستوفي حقوقها وينظر فى مالها إذا فُقد أبوها؛ فلذلك هو أحق بالتزويج من أخيها.

واختلفوا في الولي من هو؟ فقال مالك والليث والثوري والشافعي: هو العصبة الذي يرث دون الخال والجد للأم والأخ -عند مالك في النكاح وكذا عندنا- وقال محمد بن الحسن: كل من لزمه اسم الولي فهو ولي يزوج، وبه قال أبو ثور

(1)

.

حجة الأول أن الولاء لما كان مستحقًّا بالتعصيب لم يكن للأخ فيه مدخل؛ لعدم التعصيب، كذلك عقد النكاح؛ لأن ذَلِكَ لولاية التعصيب. قال ابن المنذر: وقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] دليل على أن الأولياء من العصب؛ لأن معقل لما منع أخته من التزويج نزلت فيه هذِه الآية، فتلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

واختلفوا من أولى بالنكاح الولي أو الوصي؟ فقال ربيعة ومالك والثوري: الوصي أولى. وقال الشافعي: الولي أولى، ولا ولاية للوصي على الصغير، وهو قول أبي حنيفة وأبي سليمان وأصحابهم

(3)

.

(1)

انظر: "الإشراف" 1/ 23.

(2)

"الإشراف" 1/ 23، بتصرف.

(3)

انظر: "المدونة" 2/ 146، "الأم" 5/ 17، "المحلى" 9/ 463.

ص: 415

حجة الأول أن الأب لو جعل ذَلِكَ إلى رجل بعينه في حياته لم يكن لسائر الأولياء الاعتراض عليه مع بقاء الأب. فكذلك بعد موته، إلا أن مالكًا قال: لا يزوج الوصي اليتيمة قبل البلوغ، إلا أن يكون أبوها أوصى إليه أن يزوجها قبل البلوغ من رجل بعينه، فيجوز وينقطع عنها ما لها من المشورة عند بلوغها.

وذكر ابن القصار أن من أصحابنا من قال: إن الموصي إذا قال: زوج بناتي ممن رأيت. فإنه يقوم مقام الأب في تزويج الصغيرة وفي تزويج البكر البالغ بغير إذنها. وهو يتخرج على مذهب مالك، وهو إذا قالت الثيب لوليها: زوجني ممن رأيت. فزوجها ممن اختار أو من نفسه ولم يعلمها بعين الرجل قبل العقد فإنه يلزمها ذَلِكَ

(1)

.

وقال ابن حزم: لا إذن للوصي في إنكاح أصلًا لرجل ولا لامرأة، صغيرين كانا أو كبيرين. أما الصغيرين فقد أسلفنا الكلام فيهما، وأن البكر لا يزوجها إلا الأب وحده، وأما الذكر فلا يزوجه أحد إلا نفسه، وأما الكبيران فلا يخلو من أن يكونا مجنونين فلا ينكحهما أب ولا غيره، أو عاقلين فلا ولي عليهما، فإن موَّه مموِّه بخبر وكيع، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من منع يتيمًا له النكاح فزنى فاللإثم بينهما" قلنا: هذا مرسل، ولا حجة في مرسل، وأيضًا يحيى ضعيف، وليس فيه للوصي ذكر، وقد يكون أراد سيد العشيرة يمنع يتيمًا من قومه النكاح ظلمًا

(2)

.

(1)

انظر: "ابن بطال" 7/ 251.

(2)

"المحلى" 9/ 463 - 464.

ص: 416

‌41 - باب لَا يُنْكِحُ الأَبُ وَغَيْرُهُ البِكْرَ وَالثَّيِّبَ إِلَّا بِرِضَاهَا

5136 -

حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ:«أَنْ تَسْكُتَ» . [6968، 6970 - مسلم: 1419 - فتح 9/ 191].

5137 -

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو -مَوْلَى عَائِشَةَ- عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي. قَالَ:«رِضَاهَا صَمْتُهَا» . [انظر: 6946، 6971 - مسلم: 1420 - فتح 9/ 191].

ذكر فيه حديث هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ:"أَنْ تَسْكُتَ".

ويأتي في الحيل

(1)

، وأخرجه أيضًا مسلم والأربعة

(2)

.

وحديث أبي عمرو (مولى عائشة)

(3)

واسمه ذكوان وكانت دَبَّرَتْه، وهو ثقة، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ البِكْرَ تَسْتَحِي. قَالَ:"رِضَاهَا صَمْتُهَا".

(1)

سيأتي برقم (6968)، (6975) باب: في النكاح.

(2)

"مسلم"(1419)، كتاب: النكاح، باب: الوفاء بالشروط في النكاح، "أبو داود"(2092)، "الترمذي"(1107)، "النسائي" 6/ 85، "ابن ماجه"(1871).

(3)

من (غ).

ص: 417

ويأتي في ترك الحيل

(1)

والإكراه

(2)

، وأخرجه مسلم أيضًا

(3)

.

الشرح:

ذكر الإسماعيلي في "جمعه" حديث يحيى بن أبي كثير أن جماعة رووا عنه هذا الحديث، عد منهم اثني عشر، منهم: الأوزاعي، وبحر ابن كنيز، وقد أسلفنا في باب لا نكاح إلا بولي حديث ابن عباس رضي الله عنهما:"يستأذنها أبوها"

(4)

.

وقال أبو داود: أبوها ليس بمحفوظ

(5)

.

وفي الباب: عن عَدي بن عدي عن أبيه عدي بن عميرة، أخرجه ابن ماجه وابن وهب

(6)

، وجعله البيهقي

(7)

وأبو عبيد العرس بن عميرة: "وأمروا النساء في أنفسهن، فإن الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها".

وفيه أيضًا: عن ابن عمر، أخرجه الدارقطني

(8)

. وزعم الترمذي أن عمر رواه كذلك -يعني مرفوعًا

(9)

- والذي في أبي عبيد عنه موقوفًا.

(1)

سيأتي برقم (6971)، باب: في النكاح.

(2)

سيأتي برقم (6946)، باب: لا يجوز نكاح المكره.

(3)

مسلم (1420)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت.

(4)

سبق تخريجه.

(5)

"أبو داود" بعد حديث (2099).

(6)

ابن ماجه (1872)، "الموطأ" لابن وهب ص 82 (234).

(7)

"السنن الكبرى" 7/ 123، وفيه: عدي بن عدي الكندي عن أبيه، عن عرس بن عميرة الكندي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل عرس بدل عدي.

(8)

"السنن" 3/ 229.

(9)

الترمذي بعد حديث (1107).

ص: 418

قال البيهقي: يحمل حديث أبي هريرة على أنه يحتمل أن يكون المراد بالبكر المذكورة فيه اليتيمة التي لا أب لها، فقد رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا:"اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها"

(1)

.

ونحن نعلم أن يحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو إذا اختلفا فالحكم لرواية يحيى؛ لمعرفته وحفظه، إلا أن هذا يشبه ألا يكون اختلافًا، فيحيى أدى ما سمع في البكر والثيب جميعًا، ومحمد أدى ما سمع في البكر وحدها، وحفظ زيادة صفة في البكر لم يروها يحيى، وليس في الحديث ما يدفعها، ومحمد وإن كان لا يبلغ درجة يحيى فقد قبل أهل العلم بالحديث حديثه فيما لا يخالف فيه أهل الحفظ. كيف وقد وافقه غيره في هذا اللفظ من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث شبابة بن سوار، عن يونس بن أبي إسحاق، سمعت أبا بردة يحدث عن أبيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن كرهت لم تكره" وهذا إسناد موصول، رواه جماعة من الأئمة عن يونس

(2)

.

وفي رواية صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: "ليس للولي مع (الثيب أمر)

(3)

، واليتيمة تستأمر". رواه معمر عن صالح، ورواه ابن إسحاق، عن صالح، عن

(1)

رواه أبو داود (2093)، والترمذي (1109)، والنسائي 6/ 87.

(2)

منهم: أبو قطن عمرو بن الهيثم، وعيسى بن يونس، وابن فضيل، ووكيع؛ ويحيى بن آدم، وعبد الله بن داود، وأبو قتيبة، وغيرهم.

انظر: "سنن الدارقطني" 3/ 241 - 242.

(3)

من (غ)، وفي الأصل: اليتيمة، ولعله سهو.

ص: 419

عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا رواه شعبة وغيره من القدماء، عن مالك، عن ابن الفضل، عن نافع. وفي الحديث الثابت عن عائشة، فذكر حديثها السالف. وفي لفظ:"تستأمر اليتيمة".

وقال الدارقطني: يشبه أن يكون قوله: "والبكر تستأمر" إنما أراد البكر اليتيمة؛ لأنا قد روينا في رواية صالح ومن تابعه ممن روى أنه السنِلا قال: "اليتيمة تستأمر" وأما قول ابن عيينة عن زياد بن سعد: "والبكر يستأمرها أبوها". فإنا لا نعلم أن أحدًا وافق ابن عيينة على هذا اللفظ، ولعله ذكره من حفظه، فسبق إليه لسانه

(1)

.

قال أحمد

(2)

: فعلى هذا الحديث في استئمار البكر ورد في الولي غير الأب.

وقوله: "الثيب أحق بنفسها من وليها"

(3)

. فيه دلالة على أن الثيب لا تجبر على النكاح، وكأنه جعل ثيبوتها علة في ذَلِكَ، ودل على أن التي تخالفها وهي البكر تجبر على النكاح، ودل قوله في البكر:"اليتيمة تستأمر في نفسها" أن التي لا أب لها لا تجبر على النكاح، فدل أن البكر التي تجبر على النكاح هي التي لها أب، وترك هذا الأصل في موضع، لدليل أقوى منه منع من استعماله لا يدل على تركه في سائر المواضع.

واستدل بعض أصحابنا بحديث ابن عمر السالف، قال: يجعل العلة في امتناع الإجبار كونها يتيمة، فدل أن التي ليست يتيمة بخلافها فيما لم

(1)

"السنن" 3/ 241.

(2)

هو أحمد بن الحسين البيهقي، صاحب "السنن".

(3)

سبق تخريجه.

ص: 420

يرد الجبر؛ لكونها أحق بنفسها من وليها

(1)

.

وقال أبو عبيد: أهل العراق لا يرون النكاح جائزًا على البكر البالغ أبدًا إلا بإذنها وإن أنكحها عليها ويوجبونه عليها بالصمت، ويرون أن زوجها إن طلقها أو مات عنها قبل دخوله ثم زوجها الأب غيره، أن حكمها حكم البكر إذًا، ولا تكون بمنزلة الثيب حَتَّى تجامع جماعًا يوجب لها الصداق

(2)

.

وفرق الخطابي بين الاستئمار والاستئذان أن الأول طلب الأمر من قبلها، وأمرها لا يكون إلابنطق، والاستئذان: طلب الإذن، وإذنها قد يعلم بسكوتها؛ لأنها إذا سكتت استدل على رضاها

(3)

.

فصل:

قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهي عن نكاح الثيب قبل الاستئمار وعن نكاح البكر قبل الاستئذان، ودل هذا الحديث على أن البكر الذي أمر باستئذانها البالغ؛ إذ لا معنى لاستئذان من لا إذن لها، ومن سخطها وسكوتها سواء

(4)

؟!

فصل:

اختلف في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يجوز للأب أن ينكح البالغ من بناته بكرًا كانت أو ثيبًا إلا بإذنها، قالوا: والأيم: التي لا زوج لها، وقد تكون بكرًا أو ثيبًا.

وظاهر هذا الحديث يقتضي أن تكون البكر لا ينكحها وليها أبًا كان

(1)

"معرفة السنن" 10/ 50 - 53 بتصرف.

(2)

انظر: "المبسوط" 4/ 217.

(3)

"أعلام الحديث" 3/ 1969.

(4)

"الإشراف" 1/ 24، بتصرف.

ص: 421

أو غيره حَتَّى يستأمرها، وذلك لا يكون إلا في البوالغ؛ لما دل عليه الحديث؛ ولتزويجه عليه السلام عائشة وهي صغيرة، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور، واحتجوا بهذا الحديث؛ لأنه عليه السلام قال قولًا عامًّا:"لا تنكح البكر حَتَّى تستأذن، ولا الثيب حَتَّى تستأمر". وكل من عقد (نكاحها)

(1)

على غير ما سنه الشارع فهو باطل. ودل الحديث على أن البكر إذا نكحت قبل إذنها بالصمت أن النكاح باطل، كما يبطل نكاح الثيب قبل أن تستأمر.

وقالت طائفة: للأب أن يزوج ابنته بغير إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، ولا يزوج الثيب إلا بأمرها، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق

(2)

.

وقال أبو قرة: سألت مالكًا عن قوله عليه السلام: "البكر تستأذن في نفسها" أيدخل في هذا الأب؟ قال: لا، لم يعن بهذا الحديث الأب، وإنما عنى به غير الأب. وإنكاح (البكر)

(3)

جائز على الصغار

(4)

، ولا خيار للواحدة منهن قبيل البلوغ.

قال ابن حبيب: وقد ساوى الشارع بين البكر والثيب في مشاورتهما في نفسهما ولم يفرق بينهما إلا في الجواب بالرضى، فإنه جعل جواب البكر بالرضى في صماتها لاستحيائها، وجعل جوابها بالكراهة لذلك في الكلام، فإنه لا حياء عليها في كراهيتها كما يكون الحياء في رضاها، ولم يلزم الشارع الثيب بالصمات حَتَّى تتكلم بالرضى؛ لمفارقتها في الحياء حال البكر؛ لما تقدم من نكاحها.

(1)

في (غ): نكاحًا.

(2)

انظر: "الإشراف" 1/ 24.

(3)

كذا في الأصل، وفي "التمهيد": الأب.

(4)

انظر: "التمهيد" 19/ 98.

ص: 422

والدليل على أن المراد باستئمار البكر غير ذات الأب حديث أبي موسى رضي الله عنه السالف: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت". ففرق بتسميته إياها يتيمة بينها وبين من لها أب، فإذا كانت يتيمًا فيلزم الأب مؤامرتها، ولا يجوز نكاحه عليها بغير إذنها.

وقول الكوفيين: الأيم: التي لا زوج لها، وقد تكون كذا، جوابه أن العرب وإن كانت تسمي كل من لا زوج لها أيمًا فهو على الاتساع. وأصل اللغة: عدم الزوج بعد أن كان. لكن المراد بالأيم هنا: الثيب، والدليل على ذَلِكَ أنه قد روى جماعة عن مالك:"والثيب أحق بنفسها من وليها" مكان قوله: "والأيم أحق بنفسها، والبكر تستأمر" فذكر الأب بعد ذكره الأيم يدل على أنها الثيب، ولو كانت الأيم هنا البكر لبطل الولي في النكاح، ولكانت كل بكر لا زوج لها أحق بنفسها من وليها، وكان هذا التأويل ردًّا لقوله تعالى:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] يخاطب بذلك الأولياء.

واختلفوا في الثيب الصغيرة، فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها جبرًا كالبكر، وسواء أصيبت بنكاح أو زنًا، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة.

وعن أبي حنيفة ومالك: إذا حملت من زنا كالبكر. وقال الشافعي: لا تزوج حَتَّى تبلغ فتزوج بإذنها، وسواء جومعت بنكاح أو زنًا. ووافقه أبو يوسف ومحمد إذا كان الوطء زنا، واعتلوا بأنها إذا خبرت الرجال كانت أعرف بخطبها من الولي، فوجب أن يكون الأمر لها.

واحتج الآخرون فقالوا: لما كانت محجورًا عليها في مالها حجر الصغير جاز أن تجبر على النكاح. وأيضًا فإنها قد ساوت البكر الصغيرة في أنه لا يصح إجبارها، فلا معنى لاستئمارها.

ص: 423

وعن أحمد رواية: أنه لا يملك إجبارها. وأخرى: نعم. ويحمل الحديث على غير الأب. وعندهم إذا بلغت تسع سنين لها إذن معتبر، وإن لم تبلغها فلا إذن لها، ولا يجوز عندهم لغير الأب تزويجها كمذهبنا.

وقال أبو حنيفة: يجوز لكل وارث -وفي رواية: يجوز لكل عصبة- ويكون لها الخيار بعد البلوغ، وعن أحمد مثله. والجد عندنا عند عدمه كالأب

(1)

.

وقال صاحب "المغني": الكبيرة لا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها إلا بإذنها في قول أهل العلم، إلا الحسن فإن عنده للأب تزويجها وإن كرهت. وقال النخعي: يزوج ابنته إذا كانت في عياله، وإن كانت بائنة مع عياله استأمرها

(2)

.

(1)

انظر هذِه المسألة في: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 256، "المنتقى" 3/ 273 - 274، "الأم" 5/ 16، "الإشراف" 1/ 31، "المغني" 9/ 407.

(2)

"المغني" 9/ 406.

ص: 424

‌42 - باب إِذَا زَوَّجَ ابنتَهُ وَهْيَ كَارِهَةٌ، فَنِكَاحُهُ مَرْدُودٌ

5138 -

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَدَّ نِكَاحَهُ. [انظر:5139. 6145، 6969 - فتح 9/ 194].

5139 -

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ وَمُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَجُلاً يُدْعَى خِذَامًا أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ. [انظر: 5138 - فتح 9/ 194].

حدثنا إسماعيلُ، حدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابني يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ خَنْسَاءَ بنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأًتَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَدَّ نِكَاحَهُ.

حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، ثنا يَزِيدُ، أَنَا يَحْيَى، أَنَ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ وَمُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى خِذَامًا أَنْكَحَ ابنةً لَهُ. نَحْوَهُ.

الشرح:.

هدا الحديث من أفراده، وقد ذكره أيضًا في ترك الحيل

(1)

والإكراه

(2)

، بل لم يخرج مسلم عن خنساء في "صحيحه" شيئًا، ومن أوهام ابن القطان عزوه إلى مسلم

(3)

، فاحذره.

(1)

سيأتي برقم (6969)، باب: في النكاح.

(2)

سيأتي برقم (6945)، باب: لا يجوز نكاح المكره.

(3)

"بيان الوهم والإيهام" 2/ 249.

ص: 425

وإسحاق هذا هو ابن منصور، كما صرح به في باب شهود الملائكة بدرًا، نبه عليه الجياني بعد أن قال: لم أجده منسوبًا لأحد

(1)

.

وخنساء، بالخاء المعجمة والمد، واسمها زينب بنت خذام -بالخاء والذال المعجمتين- بن خالد، ولقبه مطروف بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، كانت تحب أنيس بن قتادة بن ربيعة بن خالد مطروف، قتل عنها يوم أحد، وقد كان شهد بدرًا، زوجها أبوها رجلًا فخطبت إلى أبي لبابة بشير بن عبد المنذر بن رفاعة بن زَنْبر -بفتح الزاي وجزم النون- بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف، فكرهت الرجل وتزوجت أبا لبابة، فولد له السائب، روى ذَلِكَ ابن إسحاق عن الحجاج بن السائب، عن أبيه، عن جدته خنساء

(2)

.

وجاء في رواية لأبي موسى المديني في كتابه تسميتها ربعة بدل خنساء، واستغربه. وفي رواية: أم ربعة، ولها كنية. وكان خذام من أهل مسجد الضرار، ومن داره أخرج، والذي بنى المسجد، وكان رأس أهله هو جارية -بالجيم- بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف، وكان معه ولده مجمع وزيد ويزيد وبكير، وابن أخيه بجاد بن عثمان بن عامر، وعبد الله بن نبتل بن الحارث بن قيس بن زيد بن ضبيعة وعبد الرحمن بن يزيد بن حارثة أخو عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه جميلة بنت ثابت، أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأفلج قيس بن عصمة بن مالك بن أمية بن ضبيعة حمي الدبر ولد لهما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولى عمر بن

(1)

"تقييد المهمل" 3/ 978.

(2)

انظر: "تهذيب الكمال" 35/ 162 (7827)، "الإصابة" 4/ 286.

ص: 426

عبد العزيز عبد الرحمن بن يزيد قضاء المدينة في إمرته عليها.

روى له الترمذي والنسائي، وروى لأخيه مجمع بن يزيد البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(1)

، وروى لابن أخيها مجمع بن يحيى بن يزيد بن جارية مسلم والنسائي

(2)

، ومن عقب يزيد بن جارية أيضًا أبو زيد محمد بن زيد بن إسحاق بن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، ولي قضاء المدينة.

ومنهم: مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية، كان فقيهًا، وأمَّ بني عمرو بن عوف نحوًا من ثلاثين سنة حَتَّى مات.

روى له أبو داود والنسائي

(3)

.

وروى لأبيه يعقوب أبو داود أيضًا

(4)

.

وروى لابن عمه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد مسلم والنسائي

(5)

، وابنه عبد الرحمن بن مجمع.

ومنهم: إسماعيل بن ثابت بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد، كان في صحابة المهدي والرشيد حَتَّى مات، وعاصم بن سويد بن عامر بن يزيد بن جارية، كان له فضل وشرف وكان إمام بني عمرو بعد مجمع بن يعقوب.

ومن بني ضبيعة أيضًا أبو حنيفة بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة من أهل مسجد الضرار.

(1)

انظر: "تهذيب الكمال" 27/ 250.

(2)

انظر: "تهذيب الكمال" 27/ 245 - 250.

(3)

انظر: "تهذيب الكمال" 27/ 251 - 252.

(4)

انظر: "تهذيب الكمال" 32/ 363 - 364.

(5)

في "تهذيب الكمال" 2/ 45 - 47 أن الذي أخرج له البخاري تعليقًا، وابن ماجه.

ص: 427

فصل:

روى ابن ماجه هذا الحديث، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد، عن يحيى كما سلف، لكن بلفظ: فكرهت نكاح أبيها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذَلِكَ له، فرد عليها نكاح أبيها، فنكحت أبا لبابة بن عبد المنذر

(1)

.

وقال الإسماعيلي: رواه شعبة، عن يحيى، عن القاسم مرسلًا قال: فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة، وأنا أريد أن أتزوج عم ولدي. قال: فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجت عم ولدها.

قال يحيى: وهي خنساء بنت خذام، قال: وكذلك قال معمر وابن عيينة: وهي ثيب. فأرسلوه. وعند أحمد من حديث ابن إسحاق عن الحجاج بن السائب بن أبي لبابة بن عبد المنذر أن جدته أم السائب خناس بنت خذام بن خالد كانت (تحت)

(2)

رجل قبل أبي لبابة، وأبى أبوها إلا أن يلزمها العوفي حَتَّى ارتفع أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"هي أولى بأمرها" فألحقها بهواها فانتزعت من العوفي وتزوجت أبا لبابة، فولدت له أبا السائب

(3)

.

وقال أبو عمر: روى مالك هذا الحديث فقال فيه: وهي ثيب، في (درج)

(4)

[لحديث]

(5)

.

(1)

ابن ماجه (1873).

(2)

في (غ) و"المسند": عند.

(3)

"المسند" 6/ 328 - 329.

(4)

في الأصل: (د. ت. خ) وهو ما يعني أنه في أبي داود والترمذي والبخاري، ولعله تصحيف من الناسخ، والمثبت من (غ) وهو الموافق لما في "الاستذكار" 16/ 206.

(5)

زيادة يقتضيها السياق، من "الاستذكار" 16/ 206.

ص: 428

ورواه غيره فجعله من بلاغ يحيى بن سعيد، كذا ذكره ابن أبي شيبة

(1)

. وروى ابن عيينة هذا الحديث فلم يذكر فيه: وكانت ثيبًا.

رواه الحميدي وغيره عنه ولم يقم إسناده وقال فيه: قال بعض أصحاب عبد الرحمن: إنها كانت ثيبًا. وحديث ابن إسحاق يدل على صحة رواية مالك.

قال أبو عمر: وكانت خنساء هذِه تحت أنس بن قتادة -ويقال: أنيس، وهو أصح- وقتل عنها شهيدًا

(2)

، كما سلف قال: وكانت أسدية.

قُلْتُ: أهل النسب ذكروها في الأنصار، اللهم إلا أن يذكرونها أسْدية ساكنة السين فيوافق.

ورواه كرواية مالكٍ ابن فضيل عن يحيى بن سعيد عند الدارقطني.

ومن رواية شجاع بن مخلد، عن هشيم، ثنا عمرو بن أبي سلمة، ثنا أبو سلمة أن خنساء زوَّجها أبوها وهي ثيب. قال هشام: وثنا عمر، عن أبيه، عن أبي هريرة به

(3)

.

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة أن رجلًا أنكح ابنته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيبًا وكرهت ذَلِكَ، فذكرت ذَلِكَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: " (كنت)

(4)

نهيتيه أن يزوجك؟ " قالت: نعم. فجعل أمرها بيدها، فردته. فقال أبي: لا يوصلون هذا الحديث يقولون: أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، وهو أشبه

(5)

.

(1)

"المصنف" 3/ 443 - 444 (15948).

(2)

"الاستذكار" 16/ 210.

(3)

"السنن" 3/ 231 - 232.

(4)

من (غ).

(5)

"علل الحديث" 1/ 414 (1243).

ص: 429

قال أبو عمر: وإذا كانت ثيبًا كان حديثًا مجتمعًا على صحته والقول به؛ لأن القائلين: لا نكاح إلا بولي، يقولون: إن الثيب لا يزوجها أبوها ولا غيره من أوليائها إلا بإذنها. ومن قال: ليس للولي مع الثيب أمر. فهو أحرى باستعمال هذا الحديث. وكذلك الذين أجازوا عقد النكاح بغير ولي

(1)

.

وروى النسائي من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن يزيد، عن خنساء بنت خذام قالت: أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر، فشكوت ذَلِكَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"لا تنكحها وهي كارهة"

(2)

.

وعزاها عبد الحق إلى أبي داود أيضًا

(3)

، وليس كذلك فالذي فيه كما في البخاري

(4)

، وقد يجاب عن هذِه الرواية بأنه يجوز أن يكون الراوي أخبر بما شاهد من العقد عليها وأخبرت هي بحقيقة الأمر، وهو عدم الدخول بها.

فصل:

جاء في رواية أنها قالت: يا رسول الله (إن)

(5)

عم ولدي أحب إليَّ منه

(6)

-يعني: أبا لبابة- وذلك مجاز؛ لأنها إذا نكحت عمهم جمعت شملهم.

(1)

"الاستذكار" 16/ 208.

(2)

"السنن الكبرى" 3/ 282 - 283 (5382).

(3)

"الأحكام الوسطى" 3/ 144.

(4)

انظر: "سنن أبي داود"(2101).

(5)

في الأصول: (ابن) والصحيح ما أثبتناه كما في "المصنف" لعبد الرزاق 6/ 148.

(6)

رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 148 (10309).

ص: 430

فصل:

قد جاءت أحاديث بمثل حديث خنساء:

منها: حديث عطاء، عن جابر أن رجلًا زوج ابنته بكرًا ولم يستأذنها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرق بينهما. خرجه النسائي

(1)

وقال: والصحيح إرساله، والأول وهم، وأفهمه كلام الإمام أحمد فيما حكاه الأثرم عنه.

ومنها: أن ابن عمر تزوج ابنة خاله، وأن عمها هو الذي زوجها. الحديث. وفيه: فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد نكاحها. أخرجها الدارقطني وقال: لا يثبت عن ابن أبي ذئب، عن نافع، والصواب حديث ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين

(2)

.

ومنها: حديث ابن عباس أن جارية بكرًا أنكحها أبوها وهي كارهة، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين، قال أبو داود: والصحيح مرسل

(3)

. وقال أبو حاتم: رفعه خطأ

(4)

. وأما ابن القطان فصححه

(5)

. وقال ابن حزم: إسناده صحيح في غاية الصحة، ولا معارض له

(6)

.

ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الدارقطني

(7)

.

(1)

"السنن الكبرى" 3/ 283.

(2)

"السنن" 3/ 229.

(3)

"أبو داود"(2097) وقال فيه: رواه الناس مرسلاً معروف. ولم يقل: والصحيح مرسل.

(4)

"علل الحديث" 1/ 417.

(5)

"بيان الوهم والإيهام" 2/ 250.

(6)

" المحلى" 8/ 335.

(7)

"السنن" 3/ 233.

ص: 431

وذكره النسائي في باب: البكر يزوجها أبوها

(1)

.

فصل:

اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنه لا يجوز ويرد؛ احتجاجًا بحديث خنساء وغيره، وشذ الحسن البصري والنخعي فخالفا الجماعة، فقال الحسن: نكاح الأب جائز على ابنته بكرًا كانت أو ثيبًا كرهت أو لم تكره.

وقال النخعي: إن كانت الثيب في عياله زوجها ولم يستأمرها، وإن لم تكن في عياله أو كانت نائية عنه أستأمرها. ولم يلتفت أحد من الأئمة إلى هذين القولين؛ لمخالفتهما للسنة الثابتة في خنساء وغيرها، وما خالفها فمردود

(2)

.

واختلف الأئمة القائلون بحديث خنساء إن زوجها بغير إذنها ثم بلغها فأجازت: فقال إسماعيل القاضي: أصل قول مالك لا يجوز وإن أجازته، إلا أن يكون بالقرب، كأنها في فور، ويبطل إذا بعد؛ لأن عقده عليها بغير أمرها ليس بعقد، ولا يقع فيه طلاق.

وقال الكوفيون: إذا أجازته جاز، وإذا أبطلته بطل.

وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: إذا زوجها بغير إذنها فالنكاح باطل وإن رضيت؛ لأنه عليه السلام رد نكاح خنساء ولم يقل: إلا أن تجيزه، واستدل به الشافعي على إبطال النكاح الموقوف على إجازة من له الإجازة، وهو أحد قولي مالك، وقد يقال: محله إذا رضيت دون ما إذا كرهت

(3)

.

(1)

"السنن الكبرى" 3/ 283.

(2)

انظر: "الإشراف" 1/ 25.

(3)

انظر: "الاستذكار" 16/ 209، "الإشراف" 1/ 29.

ص: 432

واستدل الخطابي به على أبي حنيفة في قوله: لا تزوج البكر البالغ إلا برضاها؛ وذلك أن الثيوبة إنما ذكرت ليعلم علة الحكم، فدل أن حكم البكر بخلاف ذَلِكَ

(1)

، وهذا ياتي في رواية أنها ثيب، دون رواية أنها بكر.

(1)

"أعلام الحديث" 3/ 1972.

ص: 433

‌43 - باب تَزوِيجِ اليَتِيمَةِ

لِقَوْلِهِ: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا} [النساء: 3] وإذَا قَالَ الولي للخاطب: زَوِّجْنِي فُلَانَة. فسكت سَاعَةً أَوْ قَالَ: مَا مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا. أَوْ لَبِثَا ثُمَّ قَالَ: زَوَّجْتُكَهَا. فَهْوَ جَائِزٌ. فِيهِ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

5140 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها -قَالَ لَهَا يَا أُمَّتَاهْ:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} إِلَى: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ. إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} إِلَى: {وَتَرْغَبُونَ} [النساء: 127] فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ، رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا وَالصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبًا عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ. قَالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ. [انظر: 2494 - مسلم: 3018 - فتح 9/ 197].

ثم ساق حديث عائشة رضي الله عنها في: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا} الحديث بطوله، وقد سلف

(1)

.

ومعنى هذا الباب أن الولي شرط في النكاح، فمخاطبة الله الأولياء بإنكاح اليتامى إذا خافوا أن لا يقسطوا فيهن، واحتج أبو حنيفة

(1)

سلف برقم (2494) كتاب: الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث.

ص: 434

ومحمد بن الحسن بهذِه الآية في أنه يجوز للولي أن يزوج من نفسه اليتيمة التي لم تبلغ

(1)

-وقد سلف- لأن الله تعالى لما عاتب الأولياء أن (يتزوجوهن)

(2)

إذا كن من أهل المال والجمال لا على سنتهن من الصداق، وعاتبهم على ترك نكاحهن إذا كن قليلات المال والجمال استحال أن يكون ذَلِكَ منه فيما لا يجوز نكاحه؛ لأنه لا يجوز أن يعاتب أحد على ترك ما هو حرام عليه، ألا ترى أنه أمر وليها أن يقسط لها في صداقها، ولو أراد بذلك بالغًا لما كان لذكره أعلى سنتها في الصداق معنى، إذ كان له أن يراضيها على ما شاء ثم يتزوجها على ذَلِكَ حلالًا.

قال تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} الآية [النساء: 4]. فثبت أن الذي أمر أن يبلغ بها أعلى سنتها في الصداق هي التي لا أمر لها في صداقها، المولي عليه وهي غير بالغ.

ولا يجوز عند مالك والشافعي وجماعة أن تتزوج اليتيمة التي لا أب لها قبل البلوغ، ويفسخ النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده، وقد سلف الخلاف في باب تزويج الصغار

(3)

. وكان من حجة من خالف أبا حنيفة في ذَلِكَ أنه قد يكون في اليتامى من يجوز حد البلوغ وبعده وهي سفيهة لا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها، فأمر الله أولياءهن بالإقساط في الصدقات، فلم تدل الآية على جواز نكاح اليتيمة غير البالغ -كما زعم أبو حنيفة-، وليس هذا أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة.

(1)

انظر: "المبسوط" 5/ 18.

(2)

في الأصل: تزوجهن. والمثبت من (غ).

(3)

انظر: "التمهيد" 19/ 102 - 103، "الأم" 5/ 17.

ص: 435

‌44 - باب إِذَا قَالَ الخَاطِبُ لِلْوَلَيِّ: زَوِّجْنِي فُلَانَة. فَقَالَ: قَذ زَوَّجْتُكَ بِكَذَا وَكَذَا. جَازَ النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَقُل لِلزَّوْجِ: أَرَضِيتَ أَوْ قَبِلْتَ

5141 -

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَ:«مَا لِي الْيَوْمَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ» . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: «مَا عِنْدَكَ؟» . قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: «فَمَا عِنْدَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» . قَالَ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 2319 - مسلم: 1425 - فتح 9/ 198].

ثم ذكر حديث سهل بن سعد رضي الله عنه السالف، وفي آخره:"فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". وترجم عليه الباب الذي قبله أيضًا.

قال المهلب: بساط الكلام ومفهوم القصة أغنى في هذا الحديث عن أن يوقف الخاطب على الرضى، وليس هذا في كل نكاح، بل يجب أن يسأل الزوج أرضي بالصداق والشرط أم لا؟ إلا أن يكون مثل هذا المعسر الراغب في النكاح، فلا يحتاج إلى توقيفه على الرضى لعلمهم به

(1)

.

فصل:

قوله: (فقال: "مَا لِي اليَوْمَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ"). قال الداودي: إن يكن هذا محفوظًا فإنما قاله إذ لم يردها بعد أن نظر إليها، إذ لا ينظر إلا وهو يريد النكاح، ولعله يريد: ما لي في مثلك من النساء حاجة، أو يكون جواز النظر لمن يريد النكاح من خواصه عليه السلام.

(1)

انظر: "ابن بطال" 7/ 257 - 258.

ص: 436

‌45 - باب لَا يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ

5142 -

حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ. [انظر: 2139 - مسلم: 1412 - فتح 9/ 198].

5143 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا» . [6064، 6066، 6724 - مسلم: 2563 - فتح: 9/ 198].

5144 -

«وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ، أَوْ يَتْرُكَ» . [انظر: 2140 - مسلم: 1520،1515،1413 - فتح 9/ 199].

ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ.

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه يأثره على النبي صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عباد إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ".

الشرح:

قد أسلف البخاري في البيوع مثله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا في الخطبة

(1)

.

(1)

سلف برقم (2140)، باب: لا يبيع على بيع أخيه.

ص: 437

وقد أخرجه مسلم والأربعة

(1)

.

وسلف حديث ابن عمر في البيع على بيع أخيه

(2)

، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه

(3)

.

وفسر ابن التين البيع على بيع أخيه بالسوم على سومه، وقال يزيد: لأنه لو وقع البيع لما سئل عن بيعه بعد ذَلِكَ، وهو عجيب فإنه قد يكون زمن خيار المجلس أو شرط ثم قال هذا بعد التراكن، وأما في أوله فلو ترك ذَلِكَ لأخذه المشتري بما يريد وبياعات المسلمين في أسواقهن يتزايدون فيها، وكرهه بعض السلف.

فصل:

الخِطبة -بكسر الخاء- مصدر خطب المرأة خطبة، والضم في الوعظ وغيره.

فصل:

أغرب بعضهم فادعى أن هذا النهي منسوخ بخطبة الشارع لأسامة فاطمة بنت قيس على خطبة معاوية وأبي جهم. روي عن الحسن بن علي أنه لا يكاد يبلغه أن رجلًا خطب امرأة إلا خطبها. وفقهاء الأمصار على عدم ذَلِكَ وأنه باقٍ، وخطبة الشارع والحسن إنما كان في حالة لم يتناولها النهي، وذلك قبل الركون دون ما بعده.

(1)

مسلم (1413)، كتاب النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، أبو داود (2080)، الترمذي (1134)، النسائي 6/ 71 - 73، ابن ماجه (1867).

(2)

سلف برقم (2139).

(3)

مسلم (1412) كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، أبو داود (2081)، ابن ماجه (1868).

ص: 438

قال ابن المرابط: لا أعلم أحدًا ادعى نسخه. واستثنى ابن القاسم من النهي ما إذا كان الخاطب فاسقًا، وهو مذهب الأوزاعي وابن المنذر فيما إذا كان الأول كافرًا، وهو خلاف قول الجمهور.

والحديث خرج على الغالب فلا مفهوم.

وقال ابن نافع: يخطب وإن رضيت بالأول حَتَّى يتفقا على صداق.

وخطأه ابن حبيب يريد لأن نكاح التفويض صحيح وإن لم يسميا فيه مهرًا. وعندنا أنه إنما يحرم إذا صرح بالإجابة فإن لم يجب ولم يرد فلا تحريم، وكذا إذا أذن، وعند المالكية ثلاثة أقوال بعد الركون

(1)

.

ثالثها: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويؤدب ويحلل، وعند أبي حنيفة والشافعي: لا فسخ مطلقًا مع التحريم

(2)

.

فصل:

أغرب أبو سليمان فقال: إن هذا النهي للتأديب لا للتحريم.

ونقل عن أكثر العلماء أنه لا يبطل، وعند داود بطلان نكاح الثاني

(3)

، ونحى ابن حزم إليه حيث قال: لا يحل لأحد أن يخطب على خطبة مسلم، سواء ركنا وتعارفا أو لم يكن شيء من ذَلِكَ، إلا أن يكون أفضل لها في دينه وحسن صحبته، فله حينئذٍ أن يخطب على خطبة غيره

(4)

.

قُلْتُ: يرده حديث قدامة بن مظعون أنه زوج ابن عمر ابنة أخيه

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 391 - 392، "المنتقى" 3/ 264.

(2)

انظر: "الاستذكار" 16/ 12.

(3)

"معالم السنن" لأبي سليمان الخطابي 3/ 166.

(4)

"المحلى" 10/ 33 - 34.

ص: 439

عثمان، فخطبها المغيرة بن شعبة، فركنت هي وأمها في المغيرة، ففرق عليه السلام بينها وبين ابن عمر وزوجها المغيرة

(1)

.

والأحاديث دالة على إطلاق التحريم، وقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر أنه عليه السلام قال:"لا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه حَتَّى يذر، ولا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه حَتَّى يذر"

(2)

.

وهو قول ابن عمر وعقبة بن عامر وابن هرمز.

وعبارة ابن العربي: اختلف علماؤنا هل الحق فيه لله أو للخاطب، فقيل بالأول فيتحلل، فإن لم يفعل فارقها، قاله ابن وهب

(3)

.

وقيل: إن النهي في حال رضي المرأة وركونها إليها، وقد فسره في "الموطأ" دون ما إذا لم تركن ولم يتفقا على صداق

(4)

. قال أبو عبيد: وهو وجه الحديث، وبه يقول أهل المدينة وأهل العراق أو أكثرهم.

حجة الشافعي (وغيره)

(5)

خطبته عليه السلام لأسامة كما سلف، وكنا بينا أن تلك الحالة غير النهي كما سلف.

فصل:

من قال بالفسخ تعلق بالنهي وأنه يقتضي بالفساد، فلا تحصل به الاستباحة، وأجاب من لم يره بأن النهي لأمر خارج عنه فصار كالبيع على بيع أخيه.

(1)

رواه ابن ماجه (1878)، أحمد 2/ 130، الدارقطني 2/ 76، الحاكم 2/ 167.

(2)

مسلم (1414)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه.

(3)

"عارضة الأحوذي" 5/ 72.

(4)

"الموطأ" ص 324.

(5)

يقصد الطحاوي، كما في ابن بطال 7/ 259.

ص: 440

فصل:

قوله: ("إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ") يريد أن تحقيق الظن قد يوقع في الإثم، وقد قال تعالى:{إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].

وقوله: ("أَكْذَبُ الحَدِيثِ") يريد: بعضه.

فصل:

والتجسس بالجيم والحاء معناهما واحد عند جماعة وهو: التطلب لمعرفة الأخبار، قاله الحربي، وقال ابن الأنباري: إنما نسق أحدهما على الآخر؛ كقولهم: بعدًا وسحقًا. وقيل: بالجيم: البحث عن عورات الناس، وبالحاء: الاستماع للحديث، وقيل: الأول في الخير والثاني في الشر، قال تعالى:{اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا} [يوسف: 87] وقيل: أكثر التجسس في الشر، بالجيم. وقال ابن حبيب بالحاء: أن تسمع ما يقول أخوك فيك، وبالجيم: أن ترسل من (قيل لك)

(1)

عما يقال لك في أخيك من السوء

(2)

.

(1)

كذا في الأصول، ولعل صوابه: قِبَلك.

(2)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" 1/ 272 بتصرف.

ص: 441

‌46 - باب تَفسِيرِ تَرْكِ الخِطْبَةِ

5145 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ قَالَ عُمَرُ: لَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا.

تَابَعَهُ يُونُسُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: 4005 - فتح 9/ 201].

ذكر فيه حديث ابن عمر عن عمر السابق في تأيم حفصة إلى آخره.

ثم قال: تَابَعَهُ يُونُسُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. يعني أنهم جعلوه من مسند ابن عمر

(1)

، وقد سلف في النكاح هذا في مسند عمر.

وابن أبي عتيق هذا اسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي عتيق.

فإن قُلْتَ: كيف ترجم على هذِه الترجمة وقد سلف أن الخطبة جائزة على خطبة الغير إذا لم يكن ركون، والشارع حين أخبر أبا بكر لم يكن أعلم بهذا عمر، فضلًا عن ركونه؟ قُلْتُ: أجاب عنه ابن بطال بأن

(1)

ورد بهامش الأصل: الذي ظهر لي أن هذا الحديث هنا من مسند عمر لا ابنه، وأنهم تابعوا الزهري على أنه من مسند عمر، ولم أر المزي في "أطرافه" جعله من مسند ابن عمر، إنما جعله في مسند أبي بكر، وجعله في مسند عمر، والله أعلم.

ص: 442

الصديق علم أنه عليه السلام إذا خطب إلى عمر ابنته يسر بذلك ويشكر الله تعالى على هذِه النعمة، فقام علم الصديق بهذِه الحالة مقام الركون والتراضي منهما؛ فكذلك كل من علم أنه لا يصرف إذا خطب لا ينبغي الخطبة على خطبته حَتَّى يترك كما فعل الصديق

(1)

.

وقال ابن المنير: الظاهر عندي أن البخاري أراد أن يحقق امتناع الخطبة بامتناع أبي بكر هذا، ولم ينبرم الأمر من الخاطب والولي، فكيف لو تراكنا؟ وكأنه من البخاري استدلال بالأولى

(2)

.

وزعم ابن المرابط أن هذِه القصة فيها ما يفسر بعض هذا أنه مكروه وإن لم يكن ركون، لاسيما بين الإخوان، فإنه يورث عداوة فى النفوس من أجل الغيرة وما يولد منها.

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 261.

(2)

"المتواري" ص 285.

ص: 443

‌47 - باب الخُطْبَةِ

5146 -

حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» . [5767 - فتح 9/ 201].

ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ رسولُ الله:"إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا".

الشرح:

هذا الحديث ذكره في الطب، وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن عمار وابن مسعود وعبد الله بن الشخير

(1)

.

والمشرق هنا مشرق المدينة، وللترمذي: فعجب الناس من كلامهما، فالتفت إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إن من البيان سحرًا" أو "إن بعض البيان سحرٌ"

(2)

.

والرجلان: الزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، واسمه سنان، هتمه قيس بن عاصم، وكانا وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة في وفد بني تميم، سبعين أو ثمانين، فيهم الأقرع بن حابس، وقيس بن عاصم، وعطاء بن حاجب.

روى البيهقي في "دلائله" من حديث مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيد بني تميم والمطاع منهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم

(1)

أبو داود (5007)، الترمذي (2028).

(2)

الترمذي (2028).

ص: 444

بحقوقهم، وهذا يعلم ذَلِكَ -يعني عمرو- فقال عمرو: إنه شديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك! والله يا رسول الله إنه للئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قُلْتُ: أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت. فقال عليه السلام:"إن من البيان سحرًا، إن من البيان سحرًا".

وفي حديث محمد بن الزبير الحنظلي قال عليه السلام لعمرو: "أخبرني عن هذا -يعني: الزبرقان- فأما هذا -يعني قيس بن عاصم- فلست أسألك عنه" قال: وأراه قد كان عرفه

(1)

.

ولأبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتكلم بكلام فقال عليه السلام .. الحديث

(2)

.

وعند أبي زرعة دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم .. الحديث.

ومن حديث صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن جده مرفوعًا:"إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جهلًا، وإن من الشعر حكمًا، وإن من القول عيالًا"

(3)

.

فقال صعصعة بن صوحان العبدي: صدق نبي الله صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا" فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق.

(1)

"دلائل النبوة" 5/ 316 - 317.

(2)

أبو داود (5011).

(3)

ورد بهامش الأصل: كذا أحفظه وكذا هو في "الغريبين" عَيْلا.

ص: 445

وأما قوله: "من العلم جهلًا" فهو أن يتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهل لذلك.

وأما قوله: "إن من الشعر حكمًا" فهي هذِه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس، وأما قول: " [إن]

(1)

من القول عيالًا" فعرضك كلامك على من ليس من شأنه ولا يريده

(2)

.

ورواه أبو زرعة الحافظ أحمد بن الحسين بن علي الرازي في كتاب الشعراء من حديث حسام بن مصك ومحمد بن سليم، وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به.

وذكر ابن التين أن الخاطبين، الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، مدحه الزبرقان فأبلغ، ومدحه الآخر فقصر عن بعض ما فيه. فقال الزبرقان: حسدني والله يا رسول الله على مكاني منك، ولقد كتم بعض ما يعلم، وإنه لضيق العطن لئيم الولد، والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، أرضاني ابن عمي فقلت أحسن ما فيه، وأغضبني فقلت أشر ما فيه.

فصل:

وهذا الحديث له طرق أخرى:

أحدها: طريق (عمران)

(3)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان سحرًا".

ثانيها: من طريق البراء مرفوعًا بزيادة: "إن من الشعر حكمًا". أخرجه أبو زرعة في الكتاب السالف. وقال الدارقطني في "أفراده":

(1)

زيادة يقتضيها السياق من أبي داود.

(2)

أبو داود (5012).

(3)

كذا في الأصول، ولعل صوابها: عمار كما عند مسلم (869) كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.

ص: 446

غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء، ومن حديث العرزمي محمد عنه، تفرد به أبو داود الحفري عنه.

ثالثها: طريق مطرف عن أبيه عبد الله بن الشخير: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط من بني عامر فقالوا: أنت سيدنا، وأفضل علينا فضلًا، وأطول علينا طولًا، وأنت الجفنة الغراء، فقال عليه السلام:"لا يشهدنكم الشيطان".

ثم قال: "إن من البيان سحرًا" أخرجه الطبري في "تهذيبه" من حديث مهدي بن ميمون، عن غيلان بن جرير، عن مطرف به، وأخرجه العسكري، عن غيلان، عن مطر بن حماد بن واقد، حَدَّثَنَا مهدي، فذكره مختصرًا. وزعم الترمذي أن في الباب عن ابن مسعود

(1)

، ثم ذكر حديثه، وليس فيه إلا خطبة النكاح

(2)

فلا أدري أهو مراده أم لا.

فصل:

قال ابن التين: أدخل هذا الباب في النكاح وليس هو موضعه.

قُلْتُ: بل هو موضعه، فإن قصده الخطبة عند الخطبة، ويجوز أن يريد عقد النكاح، والخطبة عند الحاجة من الأمر القديم المعمول به.

وفيه حديث ابن مسعود المشار إليه، وقد أخرجه أصحاب السنن الأربعة والحاكم، وحسنه الترمذي

(3)

.

ووجه استحبابها تسهيل أمر الخاطب والرغبة في الدعاء إليه، ألا ترى أنه عليه السلام قد شبه حسن التواصل إلى الحاجة بحسن الكلام

(1)

الترمذي (2028).

(2)

يقصد حديث رقم (1105).

(3)

أبو داود (2118)، الترمذي (1105)، النسائي 3/ 104 - 105، ابن ماجه (1892)، "المستدرك" 2/ 182 - 183.

ص: 447

فيها، واستنزال المرغوب إليه بالبيان بالسحر، وإنما هذا من أجل ما في النفوس من الأنفة في أمر (الموليات)

(1)

، فقال عليه السلام أن حسن التواصل إلى هذا (الذي)

(2)

تأنف النفوس منه حَتَّى تحبب إلى ذَلِكَ المستبشع وجه من وجوه السحر الحلال.

واستحب جمهور العلماء الخطبة في النكاح، قال مالك: هذا الأمر القديم وما قل منها فهو أفضل.

قال ابن حبيب: كانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلي على نبيه، ثم يخطب المرأة، ثم يجيب المخطوب إليه بمثل ذَلِكَ من حمد الله والصلاة على نبيه، ثم يذكر إجابته. وأوجبها أهل الظاهر فرضًا، واحتجوا بأنه عليه السلام خطب حين زوج فاطمة، وأفعاله على الوجوب.

واستدل الفقهاء على عدم وجوبها بقوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" ولم يخطب، وبقوله:"كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع" أي: ناقص ولم يقل: إن العقد لا يتم، بدليل تزويجه المرأة ولم يخطب

(3)

.

وفي أبي داود أنه عليه السلام خطب إليه رجل قال: فأنكحني من غير أن يتشهد

(4)

، وفي كتاب ابن أبي شيبة: زوج الحسين بن علي بعض بنات أخيه وهو يتعرق العرق، وزوج مسروق شريحًا ولم يخطب،

(1)

في (غ): الوليات.

(2)

من (غ).

(3)

"شرح ابن بطال" 7/ 262 - 263. وانظر: "بداية المجتهد" 3/ 937، "أسنى المطالب" 3/ 117، "المغني" 9/ 4660467.

(4)

أبو داود (2120).

ص: 448

وأنكح عمر رجلًا وهو يمشي

(1)

.

فصل:

والبيان: الإتيان بلفظ آخر لا يزيد على كشف معناه بزيادة ألفاظ رائعة تستميل القلوب وتجلبها، كما أن السحر يخرجها عن حد الاْعتدال، وهذا إذا كان اللفظ فيه صدقًا وجائزًا، والمقصود به بغير الحق كان ممدوحًا، فقد كان لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيب يلقى به الوافدين وهو ثابت بن قيس، وشاعر وهو حسان بن ثابت، وإذا كان البيان على ضد ذَلِكَ كان الذم لذلك لا للفظ، كالشعر فإنه يذم بما يتضمنه ويمدح لا للنظم.

وقيل: البيان: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي لغة كان، ولم يرد بالسحر هذا النوع، وإنما أراد به بيان بلاغة وحذق، وهو ما دخلته الصيغة بالتحسين لألفاظه حَتَّى يستميل به قلوب سامعيه، فهذا يشبه السحر في جلب القلوب، وربما حول الشيء عن ظاهر صورته فيبرزه للناظرين في معرض غيره، فهذا يمدح فاعله، والمذموم من هذا الفصل أن يقصد به الياطل واللبس فيوهمك المنكر معروفًا، وهذا مذموم، وهو أيضًا يشبه بالسحر، إذ السحر صرف الشيء عن حقيقته قال تعالى:{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89] أي: يصرفون، وهذا من باب تسمية الشيء ببعض معناه؛ لأنه سمى البيان سحرًا، وإنما هو مضارع للسحر. وحكي عن يونس أن العرب تقول: ما سحرك عن وجه كذا. أي: صرفك

(2)

.

(1)

"المصنف" 4/ 35، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(364)، وفي "الإرواء"(1824).

(2)

"تهذيب اللغة" 2/ 1640.

ص: 449

وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلًا سأله حاجة فاعتاض عليه قضاؤها، فرفق له الرجل في القول، فقال: إن هذا هو السحر الحلال، وأنجزها له.

فصل:

في الحديث فضل البلاغة والمجاز والاستعارة، وجواز الإفراط في المدح؛ لأنه لا شيء في الإعجاب والأخذ بالقلوب يبلغ مبلغ السحر، وإنما تحمد البلاغة و (اللسانة)

(1)

إذا لم تخرج إلى حد الإسهاب والتفيهق، فقد جاء في أبي داود:"أبغضكم إلى الله الثرثارون المتفيهقون"

(2)

وكان هذا -والله أعلم- إذا كان ممن يحاول تزيين الباطل وتحسينه بلفظ ويريد إقامته في صورة الحق، فهذا هو المكروه الذي ورد فيه التغليظ.

وأما قول الحق فجميل على كل حال، كان فيه إطناب أو لم يكن إذا لم يتجاوز الحق، غير أن أوساط الأمور أعدلها. وقد اتفق علماء اللغة وغيرهم على مدح الإيجاز، والاختصار في البلاغة، وإدراك المعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة

(3)

. وقيل: المراد بالبيان هنا: الذم.

واستدل متأول ذَلِكَ بادخال ملك هذا الحديث في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله

(4)

، وهو مذهبه في تأويل الحديث والأول أولى، قال تعالى:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 3، 4].

(1)

في الأصول: اللسن، والمثبت من "التمهيد".

(2)

الحديث ليس عند أبي داود، بل هو عند الترمذي برقم (2018) من حديث جابر بن عبد الله.

(3)

انظر ما سبق في "التمهيد" 5/ 174، 176.

(4)

"الموطأ" ص 610.

ص: 450

‌48 - باب ضَرْبِ الدُّفِّ فيِ النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ

5147 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ على فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ:«دَعِى هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ» . [انظر: 4001 - فتح 9/ 202].

ذكر فيه حديث الربيع بنت مُعَوِّذٍ ابن عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ عليه السلام فَدَخَلَ عليَّ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ على فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ:"دَعِي هذا، وَقولِي بِالَّذِي كنْتِ تَقُولِينَ".

سلف في المغازي

(1)

.

ولابن ماجه: "أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غدٍ إلا الله"

(2)

وقوله: (يَوْمَ بَدْرٍ) كذا هنا، وذكر الكلبي يوم بعاث، وقال ابن التين عن النسائي: حديث حسن، وإنما هو من قتل من آبائي يوم أحد. وفي بعض روايات البخاري: من قتل آبائي بإسقاط (من).

والندب: ذكر النادبة الميت بحسن الثناء والافتخار.

قال ابن العربي: وكانوا كفارًا فلم يكن في ذكرهم بحضرة الشارع حرج بما يذكرون به، ولو كانوا مسلمين لم ينبغ أن يندبوا بمدح؛ لأن ذَلِكَ مما يوجب لهم عذابًا، وإنما يندبون بترحم ودعاء

(3)

.

(1)

برقم (4001) باب بعد باب شُهُودِ المَلَائِكَةِ بَدْرًا.

(2)

ابن ماجه (1897).

(3)

"عارضة الأحوذي" 4/ 310.

ص: 451

قُلْتُ: عندنا لا يعذب به إلا إذا أوصى

(1)

فصل:

في الحديث فوائد: تشريف الربيع بدخول سيد الخلق عليها وجلوسه أمامها حيث يجلس الرأس، والضرب بالدف في العرس بحضرة شارع الملة، ومبين الحل من الحرمة، وإعلان النكاح بالدف والغناء المباح فرقًا بينه وبين ما يستتر به من السفاح، وإقبال العالم والإمام إلى العروس. وإن كان لعب ولهو مباح، فإنه يورث الألفة والانشراح. وليس الامتناع من ذَلِكَ من الحياء الممنوع بل فعله هو الممدوح المشروع، وجواز مدح الرجل في وجهه بما فيه، فالمكروه من ذَلِكَ مدحه بما ليس فيه.

فصل:

قولها: (حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ) هذِه اللغة الفصيحة، وأصله أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل عليها فيها. وأنكر غير واحد من النحويين: بنى بي. وقد وردت في أحاديث صحيحة.

فصل:

الدف داله مضمومة على الأفصح وقد تفتح، وهو الذي بوجه واحد، واختلف في الضرب بالوجه من الوجهين جميعًا كما قال ابن التين.

وقوله: ("دَعِي هذا") أي: أن الغيب لا يعلمه إلا الله وقد سلف.

فصل:

ومن أحاديث الباب على شرط الصحيح:

(1)

انظر: "روضة الطالبين" 2/ 175.

ص: 452

حديث محمد بن حاطب رفعه: "فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف" أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن. وصححه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد

(1)

.

وقال ابن طاهر: ألزم الدارقطني مسلمًا إخراجه، وهو صحيح.

وفي رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل عن غير أبيه من حديث عمرو بن يحيى المازني عن جده أبي حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره نكاح السر حَتَّى يضرب بدف، ويقول:"أتيناكم أتيناكم، فحيونا نحييكم"

(2)

.

وحديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من بعض مغازيه جاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها:"إن كنت نذرت فأوفي نذرك".

رواه الترمذي وقال: حسن صحيح

(3)

، ونازعه ابن القطان

(4)

.

ورواه ابن حبان في "صحيحه" بطريق جيد. وفيه: فقعد عليه السلام وضربت بالدف

(5)

.

(1)

الترمذي (1088)، والنسائي 6/ 127، وابن ماجه (1896)، والحاكم 2/ 184، ولم أجده عند ابن حبان.

(2)

" المسند" 4/ 77 - 78.

(3)

الترمذي (3690).

(4)

قال ابن القطان: وليس كذلك؛ لأن في إسناده عليّ بن الحسين بن واقد، فقد قال فيه أبو حاتم: ضعيف، وقال العقيلي: كان مرجئًا. اهـ.

"بيان الوهم والإيهام " 5/ 251 - 252.

(5)

ابن حبان 10/ 232 (4386).

ص: 453

وهذِه الأمة هي سديسة مولاة حفصة كما أفاده ابن طاهر في "إيضاح الأشكال"

(1)

.

وسيأتي في البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو"

(2)

.

فصل:

ومن ضعيفه حديث عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت ذا قرابة لها من الأنصار، فقال عليه السلام:"أهديتم الفتاة؟ " قالوا: نعم. قال: "أرسلتم معها من يغني؟ " قالت: قُلْتُ: لا. فقال: "إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم" أفرده ابن ماجه

(3)

. وقال أحمد: حديث منكر.

ولابن أبي حاتم: "أعلنوا النكاح وأضربو اعليه بالغربال"

(4)

.

(1)

"إيضاح الإشكال " ص 138 - 139.

(2)

سيأتي برقم (5162).

(3)

ابن ماجه (1900) قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" 2/ 107: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن الأجلح مختلف فيه، وأبو الزبير قال فيه ابن عيينة: يقولون: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقال أبو حاتم: رأى ابن عباس رؤية. اهـ.

والحديث أعله الألباني في "الضعيفة"(2981) بعنعنة أبي الزبير.

(4)

هذا الحديث رواه ابن ماجه (1895)، وسعيد بن منصور 1/ 174 (635)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" 2/ 392 - 393 (945)، وأبو نعيم في "الحلية" 3/ 265، والبيهقي 7/ 290، وابن الجوزي في "العلل" 2/ 138 (1033) من طريق خالد بن إياس، عن ربيعة الرأي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة مرفوعًا. قال أبو نعيم: تفرد به خالد بن إياس. اهـ. وقال البيهقي، كذا قال، وإنما هو خالد بن إلياس ضعيف. اهـ. وكذا ضعفه ابن الجوزي بخالد بن إياس.

والحديث ضعفه الألباني في "الإرواء"(1993) دون الشطر الأول.

ص: 454

وللترمذي مضعفًا: "واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف"

(1)

.

ولابن الأثير من الصحابة، من حديث عبد الحميد بن مهدي: ثَنَا المعافى، ثنا محمد بن سلمة، عن الفزاري، عن عبد الله بن هبار بن الأسود بن المطلب، عن أبيه أنه زوج بنتا له فضرب في عرسها بالكبر

(2)

. فلما سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هذا النكاح لا السفاح"

(3)

.

وللنسائي من حديث عامر بن سعد، عن قطر بن كعب وأبي مسعود قالا "رخص لنا في اللهو عند العرس"

(4)

زاد ابن أبي شيبة: ثابت بن وديعة

(5)

.

وروى الطبري عن السائب بن يزيد: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جواري يغنين، يقلن: حيونا نحييكم، فقال:"لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: حيانا وحياكم" فقال رجل: يا رسول الله، ترخص للناس في هذا؟ فقال:"نعم، إنه نكاح لا سفاح".

فصل:

ترجم البخاري النكاح والوليمة وذكر ما يدل للوليمة فقط، لأنه قاس النكاح عليها؛ ولأن البناء نكاح، وعندنا الضرب به في العرس والختان جائز، العرس نصًّا والختان قياسًا، وفي غيرهما وجهان، أصحهما

(1)

الترمذي (1089) وقال: حديث حسن غريب في هذا الباب، وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث. اهـ.

(2)

ورد بهامش الأصل: الكَبَر بفتح الكاف والباء الموحدة: الطبل ذو الوجهين، وقيل: الطبل الذي له وجه واحد.

(3)

"أسد الغابة" 5/ 385.

(4)

"المجتبى" 6/ 135.

(5)

ابن أبي شيبة 3/ 485 (16401).

ص: 455

الجواز وإن كان فيه جلاجل

(1)

، لإطلاق الأدلة، ومن ادعى أنها لم تكن بجلاجل فعليه الإثبات.

وقد أوضحت الكلام على الدف في "شرح المنهاج"، ولابد لك من الوقوف عليه.

(1)

انظر: "طرح التثريب" 6/ 56، "أسنى المطالب" 4/ 345.

ص: 456

‌49 - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]

وَكَثْرَةِ المَهْرِ، وَأَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] وَقَوْلِهِ: {أَوْ تَفْرِضُوا} [البقرة: 236] لَهُنَّ وَقَالَ سهْلٌ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"[انظر: 2310]

5148 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَشَاشَةَ العُرْسِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ. [انظر: 2049 - مسلم: 1427 - فتح 9/ 204].

وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

ثم ساق بإسناده حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَشَاشَةَ العروس فَسَأَلَهُ، فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ.

وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً على وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

وقد سلف في البيوع. وهذِه الآثار دالة على إيجاب المهر، ولا حد لأكثره عند العلماء، لقوله تعالى:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20] قال عمر فيما ذكره عبد الرزاق: لا تغالوا في صدقات النساء. فقالت امرأة: ليس كذلك يا عمر إن الله تعالى يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20]. وكذلك في قراءة عبد الله (ولا يحل لكم أن

ص: 457

تأخذوا منه شيئًا) فقال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته

(1)

، وروى ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل امرأة من نسائه اثنتي عشرة أوقية ونشًّا. والنش نصف الأوقية، فذلك خمسمائة وثمانون درهمًا

(2)

. وقال ابن شهاب: اثني عشر أوقية فذلك أربعمائة درهم

(3)

.

قلت: الصواب: اثنتا عشرة أوقية ونشًا، والجملة خمسمائة؛ لأن الأوقية أربعون درهمًا. والنش نصف أوقية. وكذا أخرجه مسلم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة

(4)

.

وأغرب الحاكم فاستدركه وقال: صحيح الإسناد، وعليه العمل. قال: وإنما أصدق النجاشي أم حبيبة أربعمائة دينار استعمالًا لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع لاستعانة الشارع به في ذَلِكَ

(5)

.

قلت: وقيل مائتي دينار. وفي أبو داود: أربعة آلاف درهم

(6)

، نعم في الترمذي قال عمر: ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه ولا [أنكح شيئًا من]

(7)

بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية أربعمائة وثمانون درهمًا، ثم قال: حسن صحيح

(8)

.

(1)

عبد الرزاق 6/ 180 (10420).

(2)

ورد في هامش الأصل: كذا في أصله: (وثمانون درهماً) وفيه نظر، والظاهر أنه خطأ؛ لأن الأوقية أربعون والنش عشرون فالجملة خمسمائة، والله أعلم. ثم وقفت على بقية الكلام وهو صحيح ورودًا، وقد اعترضه شيخنا المؤلف عقيبه. [قلت: الذي في عبد الرزاق 6/ 177 (10407): خمسمائة درهم، لا خمسمائة وثمانون درهمًا].

(3)

عبد الرزاق 6/ 176 - 177 (10405).

(4)

مسلم (1426) كتاب النكاح، باب: الصداق.

(5)

"المستدرك" 4/ 22.

(6)

أبو داود (2108).

(7)

زيادة يقتضيها السياق، من الترمذي.

(8)

الترمذي (1114).

ص: 458

وفي "بلغة المستعجل"

(1)

لمحمد بن أبي نصر الحميدي: صدقاته لكل واحدة من نسائه خمسمائة درهم، هذا أصح ما قيل في ذَلِكَ حاشى صفية.

وروي عن عمر أنه أصدق أم كلثوم بنت علي أربعين ألف درهم

(2)

، وأن ابن عمر أصدق صفية

(3)

عشرة آلاف درهم، وعن ابن عباس وأنس مثله

(4)

، وروي عن الحسن بن علي أنه تزوج امرأة فأرسل إليها بمائة جارية، مع كل جارية ألف درهم

(5)

. وتزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة فأرسل إليها ألف ألف درهم، فقيل في ذَلِكَ:

بضع الفتاة بألف ألف كامل

وتبيت سادات الجيوش جياعًا.

وعند ابن أبي شيبة: زوج ابن عوف على ثلاثين ألفًا، (وأصدق غيلان بن مطرف امرأة عشرين ألفًا)

(6)

.

وقال المغيرة (بن)

(7)

حكيم: أول من سن الصداق أربعمائة دينار عمر بن عبد العزيز. وقال ابن سيرين: رخص عمر أن تصدق المرأة ألفين، وعثمان في أربعة آلاف

(8)

.

(1)

هو كتاب "بلغة المستعجل في التاريخ" للحميدي صاحب "الجمع بين الصحيحين" المتوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة من الهجرة وقد سبقت ترجمته.

(2)

رواه ابن أبي شيبة 3/ 483 (16381).

(3)

ورد في هامش الأصل: بنت أبي عبيد أخت المختار.

(4)

انظر: "الإشراف" 1/ 36.

(5)

رواه ابن أبي شيبة 3/ 484 (16390).

(6)

كذا في الأصل، وهو خطأ وصوابه كما عند ابن أبي شيبة: عن غيلان عن مطرف أنه أصدق امرأة

(7)

في الأصول: (و)، والمثبت هو الصواب من ابن أبي شيبة.

(8)

ابن أبي شيبة 3/ 484.

ص: 459

وفي "الإشراف": أصدق عمر صفية عشرة آلاف -وقد سلف- وكان يزوج بناته على عشرة آلاف، وتزوج ابن عباس شميلة على عشرة آلاف، وتزوج (مالك بن أنس)

(1)

امرأته كذلك

(2)

.

وقال ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن (عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر)

(3)

، عن نافع قال: تزوج ابن عمر صفية على أربعمائة درهم (فأرسلت إليه)

(4)

أن هذا لا يكفينا، فزادها مائتين سرًّا من عمر

(5)

.

قال الحربي: أصدق النبي صلى الله عليه وسلم سودة بيتًا ورثه، وعائشة على متاع بيت قيمته خمسون درهمًا. رواه عطية عن أبي سعيد

(6)

.

وزينب بنت خذيمة أصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشًّا

(7)

، وأم سلمة على متاع قيمته عشرة دراهم

(8)

.

(1)

كذا في الأصول، وفي "الإشراف" أنس بن مالك.

(2)

"الإشراف" 1/ 36.

(3)

كذا في الأصل، وفي المطبوع من ابن أبي شيبة ط/ دار الكتب العلمية: عبد الرحمن وعبد الله بن عمر. ولما أخرجه ابن سعد في "الطبقات" 8/ 472 قال: حدثنا خالد بن مخلد البجلي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع به.

فلعل صوابه عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، فعبد الرحمن وهو ابنه يروي عن أبيه، والله أعلم.

(4)

في الأصول: فأرسلنا له، والمثبت هو المناسب للسياق، من ابن أبي شيبة.

(5)

ابن أبي شيبة 3/ 483.

(6)

رواه ابن ماجه (1895)، قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" 2/ 105: هذا إسناد ضعيف لضعف عطية. اهـ. وضعفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه"(414).

(7)

رواه ابن سعد في "الطبقات" 8/ 115.

(8)

رواه البزار كما في "كشف الأستار"(1426)، وأبو يعلى 6/ 114 (3385)، والطبراني في "الكبير" 23/ 247. زاد البزار: متاع بيت. =

ص: 460

وقيل: كان على جرتين ورحا ووسادة حشوها ليف

(1)

.

وعند أبي الشيخ: على جر أخضر ورحا برٍّ. وعند الترمذي: على أربعمائة درهم. فالله أعلم.

وفي مسلم لما قال للأنصاري وقد تزوج: "بكم تزوجتها؟ " قال: على أربع أواق. فقال عليه السلام: "أربع أواق، كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل"

(2)

.

وعند أبي الشيخ: على ثمان أواقٍ. والزوج عبد الله بن أبي حدرد.

وفي لفظ: قال له: "كم أصدقتها؟ " قال: مائتي درهم -وهي ابنة الحارث- فقال عليه السلام: "كأنكم تكتالون من واديكم هذا -يعني: بطحان- علينا نصف الصداق".

وعند ابن أبي شيبة، عن محمد بن إبراهيم التيمي أن أبا حدرد استعان النبي صلى الله عليه وسلم في مهر امرأته، فقال:"كم أصدقتها" الحديث

(3)

.

ولابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه: كان صداقنا- إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أواقٍ

(4)

.

زاد أبو الشيخ ابن حيان في كتاب "النكاح": يطبق يده في ذَلِكَ أربعمائة درهم.

= قال الهيثمي في "المجمع" 4/ 282: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني وفيه الحكم بن عطية وهو ضعيف. اهـ.

(1)

رواه أحمد 6/ 313، وابن سعد في "الطبقات" 8/ 90، وابن حبان 7/ 212، والحاكم 2/ 179 بلفظ: جرتين ورحيين ووسادة من أدم حشوها ليف. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ.

(2)

مسلم (1424/ 75) كتاب النكاح، باب: ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها.

(3)

ابن أبي شيبة 3/ 483 (16379).

(4)

ابن حبان 9/ 407، وهو عند النسائي في "المجتبى" 6/ 119.

ص: 461

وعن ابن عمر بإسناد جيد: ما أصدق النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا من بناته أكثر من ستة عشرة أوقية. وللترمذي، وصححه بلفظ: ثنتي عشرة أوقية

(1)

.

وفي رواية لأبي الشيخ: على أكثر من أربعمائة وثمانين درهمًا. وعن عدي: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو صداق بناته أربعمائة درهم.

وله بإسناد جيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ربيعة بن كعب الأسلمي امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب.

وروي عن أنس: قيمة النواة خمسة دراهم

(2)

. وفي رواية: ثلاثة دراهم وثك درهم

(3)

، وإليه ذهب أحمد

(4)

.

وقال بعض المالكية: ربع دينار

(5)

.

وقال أبو عبدة: لم يكن هناك ذهب، إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة، كما تسمى الأربعين أوقية

(6)

.

(1)

الترمذي (1033).

(2)

رواه البيهقي 7/ 237 وقال ابن التركماني في "الجواهر النقي" في سنده سعيد بن بشير، قال يحيى: ليس بشيء، وضعف أحمد أمره، وقال ابن نمير: منكر الحديث ليس بشيء، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه. اهـ.

(3)

رواه البزار كما في "كشف الأستار"(1427)، والبيهقي 7/ 237 من طريق حجاج بن أرطاة عن قتادة عن أنس. قال ابن حزم في "المحلى" 9/ 501: حجاج ساقط. اهـ. وقال ابن عبد البر في "التمهيد" 2/ 1863: حديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده. اهـ. وقال الهيثمي في "المجمع" 4/ 281: رواه البزار، وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس. اهـ.

وقال ابن التركماني في "الجوهر" حجاج ضعيف، وقتادة مدلس وقد عنعن. اهـ.

(4)

انظر: "جامع الترمذي" عقب حديث (1933).

(5)

انظر: "التمهيد" 2/ 186.

(6)

"غريب الحديث" 1/ 310.

ص: 462

واختلف في مقدار أقل الصداق الذي لا يجوز النكاح بدونه، على أحوال:

أحدها: وهو قول مالك: لا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار، وهي ثلاثة دراهم، وذلك أدنى ما يجب فيه القطع

(1)

.

ثانيها: وهو قول الكوفيين: لا يكون أقل من عشرة دراهم؛ قياسًا على القطع عندهم

(2)

.

ثالثها: وهو قول النخعي: أقله أربعون درهمًا

(3)

، وكره أن يزوج بأقلَّ من ذَلِكَ، وعنه أنه قال: في الصداق الرطل من الذهب

(4)

.

وعنه أنه قال: أكره أن يكون مثل مهر البغي، ولكن العشرة والعشرون

(5)

. قال أبو عمر: يحتمل أن يكون هذا منه على سبيل الإخبار لا أنه لا يجوز بأقل منه. وكذا ما روي عن سعيد بن جبير، فإنه كان يحب ذَلِكَ

(6)

.

رابعها: وهو قول سعيد بن جبير: أقله خمسون درهمًا

(7)

.

خامسها: لابن شبرمة: خمسة دراهم. قال أبو عمر: وفي هذا تقطع اليد عنده.

(1)

"الموطأ" ص 327.

(2)

انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 275.

(3)

رواه سعيد بن منصور 1/ 169 (606).

(4)

رواه ابن حزم في "المحلى" 9/ 495 وضعفها، وهي بلفظ: الرطل من الفضة.

(5)

رواه عبد الرزاق 6/ 179 (10416) وضعفه ابن حزم في "المحلى" 9/ 495: بالحسن شيخ عبد الرزاق.

(6)

"الاستذكار" 16/ 74.

(7)

رواه سعيد بن منصور 1/ 169 (607).

ص: 463

سادسها: لا حد في أقل الصداق، ويجوز ما تراضوا عليه، روي هذا عن سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسائر فقهاء التابعين بالمدينة: ربيعة، وأبي الزناد، ويحيى بن سعيد، وابن أبي ذئب. ومن العراق: ابن أبي ليلى، والحسن البصري، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم، وعثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن، والزنجي، وهو قول الثوري والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.

وقال الأوزاعي: كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه لا ينقضه قاضٍ

(1)

.

وقال الشافعي: كل ما كان ثمنًا لشيء أو أجرة جاز أن يكون صداقًا

(2)

.

واحتجوا بأنه عليه السلام أجاز النكاح بخاتم من حديد، وأجاز ابن وهب النكاح بدرهم ونصف درهم.

قال ابن القاسم: لو تزوجها بدرهمين ثم طلقها قبل الدخول لم يرجع إلا بدرهم. وعن الثوري: إذا تراضوا على درهم في المهر فهو جائز

(3)

. وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: النكاح جائز على موزة إذا هي رضيت

(4)

.

وقال الدراوردي لمالك: تعرقت فيها يا أبا عبد الله يقول: ذهبت فيها مذهب أهل العراق

(5)

.

(1)

"الاستذكار" 16/ 73 - 76.

(2)

"الأم" 5/ 52.

(3)

انظر: "الاستذكار" 16/ 76، 77.

(4)

رواه من طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" 21/ 116، و"الاستذكار" 16/ 77.

(5)

انظر: "التمهيد" 2/ 187.

ص: 464

واحتج مالك والكوفيون بأنه عضو مستباح ببدل من المال، فلابد أن يكون مقدرًا قياسًا على القطع، واحتجوا بأن الله تعالى لما شرط عدم الطول في نكاح الإماء، وإباحه لمن لم يجد طولًا دل على أن الطول لا يجده كل الناس، فلو كان الفلس والدانق والقبضة من الشعير ونحوه طولًا لما عدمه أحد، والطول في معنى الآية: المال، ولا يقع عثدهم اسم مال على أقل من ثلاثة دراهم، فوجب أن يمنع من استباحة الفروج بالشيء التافه

(1)

.

والنواة عند أهل اللغة زنة خمسة دراهم، وأظن الذي قال: إن أقل الصداق خمسة دراهم. إنما أخذه من حديث النواة، وهذا غفلة شديدة؛ لأن زنة النواة ثلاثة مثاقيل ونصف من الذهب، فكيف يحتج بهذا من جعل أقل الصداق خمسة دراهم من فضة؟

حجة الشافعي حديث عامر بن ربيعة أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم. فأجازه. رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن

(2)

.

وفي أطراف ابن عساكر زيادة صحيحة، ورواه أبو القاسم البغوي، عن عامر، عن أبيه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بني فزارة ومعه امرأة، فقال: إني تزوجتها، فقاك لها:"رضيت؟ " قالت: نعم، ولو لم يعطني لرضيت. فقال:"شأنك وشأنها"

(3)

.

وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير النكاح

أيسره". وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ " قال: نعم،

(1)

انظر: "الاستذكار" 16/ 72.

(2)

الترمذي (1113)، ابن ماجه (1888).

(3)

"تاريخ دمشق" 25/ 257.

ص: 465

فقال لها: "أترضين أن أزوجك فلانًا؟ " قالت: نعم. فزوجها عليه السلام، ولمَّا يفرض لها صداقًا، فدخل بها قبل أن يعطيها شيئًا، فلما حضرت الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أعطها شيئًا، وقد أعطيتها سهمي من خيبر -وكان له سهم بخيبر- فأخذته فباعته، فبلغ مائة ألف. رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، والسياق له والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين

(1)

.

وحديث جابر: إن كنا لننكح المرأة على الحفنة والحفنتين (من)

(2)

الدقيق. أخرجه أبو الشيخ بإسناد جيد واستغربه الجورقاني

(3)

.

وللبيهقي: قال عليه السلام: "لو أن رجلًا تزوج امرأة على ملء كفه من طعام لكان ذَلِكَ صداقًا". وفي رواية: "من أعطى في صداق امرأة ملء حفنة سويقا أو تمرًا فقد استحل".

قال البيهقي: رواه ابن جريج فقال فيه: كنا نستمتع بالقبضة. وابن جريج أحفظ

(4)

. وفي كتاب أبي داود عن يزيد، عن موسى بن مسلم بن رومان، عن ابن الزبير، عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا:"من أعطى في صداق ملء كفه سويقًا أو تمرًا فقد استحل"

(5)

. وموسى قال ابن القطان: لا يعرف

(6)

. وقال أبو محمد: لا نعول عليه

(7)

.

(1)

أبو داود (2117)، ابن حبان 9/ 381، "المستدرك" 2/ 182.

(2)

في الأصول: (و)، والمثبت من "الأباطيل والمناكير"

(3)

"الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" 2/ 142.

(4)

"معرفة السنن والآثار" 10/ 215 - 216.

(5)

أبو داود (2110).

(6)

"بيان الوهم والإيهام" 3/ 502.

(7)

"الأحكام الوسطى" 3/ 146.

ص: 466

وحديث ابن البيلماني عن ابن عمر مرفوعًا: "أدوا العلائق" قالوا: يا رسول الله، وما العلائق؟ قال:"ما تراضى عليه الأهلون"

(1)

. وفي حديث ابن أبي لبيبة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا:"من استحل بدرهم فقد استحل"

(2)

.

(1)

رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 501، وابن عدي 7/ 383 (1661)، والبيهقي 7/ 239 وعزاه الزيلعي في "نصب الراية" 3/ 200، والحافظ في "التلخيص" 3/ 190 للدارقطني والطبراني من حديث ابن عمر بلفظ:"أنكحوا الأيامى منكم". قالوا: فما العلائق بينهم .. الحديث.

ورواه ابن عدي 7/ 386 (1661)، والدارقطني 3/ 244، والبيهقي 7/ 239 وابن الجوزي في "التحقيق" 2/ 281 (1672) من حديث ابن البيلماني عن ابن عباس والحديث ضعفه ابن عدي، والبيهقي، وابن الجوزي، وابن القطان، والزيلعي، والمصنف في "البدر المنير" 7/ 677، وكذلك الحافظ ابن حجر.

وقد روي أيضًا هذا الحديث مرسلًا، رواه سعيد في "سننه"(619)، وابن أبي شيبة 3/ 481 (16355)، وأبو داود في "المراسيل"(215)، والطبري 2/ 501، والبيهقي 7/ 239 عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

قال البيهقي: هذا منقطع. اهـ. وقال ابن القطان: ابن البيلماني لم تثبت عدالته، ولِيْنه فيما يروي ظاهر. اهـ.

(2)

رواه البيهقي 7/ 238، وابن الأثير في "أسد الغابة" 6/ 267 من هذا الطريق وكذا ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 305، والذهبي في "المهذب"(11359) والحافظ في "الإصابة" 4/ 169 والهيثمي في "المجمع" 4/ 281 وعزياه لأبي يعلى.

ورواه أبو يعلى في "مسنده"(943)، وابن أبي شيبة 7/ 288 - 289 (36156) من طريق ابن أبي لبيبة عن جده، وكذا هو في "المطالب"(1569)، و"إتحاف الخيرة المهرة"(3281).

قال الطحاوي في "أحكام القرآن" كما في "الجوهر النقي": هذا الإسناد لا يقطع به أهل الرواية. اهـ. وقال ابن عبد في "الاستغناء" 1/ 208: إسناده ليس بالقوي. اهـ. وقال الذهبي في "المهذب"(11359): يحيى واهٍ. اهـ.

وقال الهيثمي في "المجمع" 4/ 281: فيه يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، وهو ضعيف. اهـ.

ص: 467

وعن عمر بن الخطاب في ثلاث قبضات زبيب مهر

(1)

. وقال سعيد بن المسيب: قال: لو أصدقها سوطًا حلت له

(2)

. وسئل ربيعة عما يجوز من النكاح فقال: درهم. قلت: فأقل؟ قال: ونصف. قلت: فأقل؟ قال: حبة حنطة، أو قبضة حنطة

(3)

.

قال الشافعي: سألت الدراوردي: هل قال أحد بالمدينة: لا يكون الصداق أقل من ربع دينار؟ فقال: لا والله ما علمت أحدًا قاله قبل مالك.

قال الدراوردي: أخذه عن أبي حنيفة

(4)

يعني: في اعتبار ما تقطع به اليد. قال الشافعي: وروى بعض أصحاب أبي حنيفة في ذَلِكَ عن علي، ولا يثبت مثله، ولم يخالف غيره أنه لا يكون مهرًا أقل من عشرة دراهم

(5)

.

قال البيهقي: هذا ما رواه داود الأودي، عن الشعبي، عن علي، وقد أنكره حفاظ الحديث.

قال سفيان بن سعيد: ما زال هذا ينكر عليه.

وقال أحمد: لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي هذا فصار حديثًا.

(1)

أخرجه الشافعي في "الأم" 7/ 47، فقال: حفظنا عن عمر، وقال البيهقي في "السنن" 7/ 245، و"المعرفة" 10/ 216: قال الشافعي: بلغنا أن عمر

(2)

رواه الشافعي في "الأم" 7/ 247، وعبد الرزاق 6/ 179 (10414)، 7/ 76 - 77 (12273)، وسعيد في "سننه"(640)، وابن أبي شيبة 3/ 482 (16359)، والبيهقي 7/ 55، 241.

(3)

رواه الشافعي في "الأم" 7/ 247 - 248.

(4)

"الأم" 7/ 248.

(5)

"الأم" 7/ 207.

ص: 468

وكان يحيى بن سعيد وابن مهدي لا يحدثان حديث داود

(1)

.

قلت: وإن وثقه أبو داود ويحيى بن معين والنسائي وأحمد وابن شاهين وغيرهم

(2)

، قال ابن القطان: وثقه جماعة.

وغلط فيه ابن حزم فقال: إن كان (عمّ)

(3)

ابن إدريس فهو ضعيف، وإلا فمجهول، فليس هو، وقد كتب الحميدي له من العراق بصحة حديثه

(4)

، فلا أدري رجع أم لا

(5)

، وأيضًا الشعبي عن علي في اتصاله وقفة.

قال البيهقي: وروى الحسن بن دينار -وهو متروك- بإسناد آخر عن علي أنه قال: لا مهر أقل من خمسة دراهم.

(1)

"معرفة السنن والآثار" 10/ 217 - 218. وداود هذا هو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، الزعا فري، عمّ عبد الله بن إدريس، قال أحمد وأبو دا ود: ضعيف. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة.

انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" 3/ 239، "الجرح والتعديل" 3/ 427، "تهذيب الكمال" 8/ 467 - 470.

(2)

الذي وثقه أبو داود وابن معين والنسائي وأحمد وابن شاهين هو داود بن عبد الله الأودي، الزعافري وليس داود بن يزيد، وقد بينا حاله، ولعل سبب هذا الوهم هو اتفاقهما في الاسم واللقب والنسب، فتنبه.

انظر ترجمة داود بن عبد الله الأودي في: "تاريخ الثقات" لابن شاهين (341)، و"تهذيب الكمال" 8/ 411 - 412، و"تهذبب التهذيب" 1/ 566.

(3)

في الأصول: ابن عم، وهو خطأ والمثبت هو الصواب من:"تاريخ الثقات" ص 82، "تهذيب الكمال" 8/ 412، "تهذيب التهذيب" 1/ 566.

(4)

هو حديث الوضوء بفضل المرأة كما في "إكمال تهذيب الكمال" 4/ 256، "تهذيب التهذيب" 1/ 566.

(5)

انطر كلام ابن القطان في "إكمال تهذيب الكمال" 4/ 256، و"تهذيب التهذيب" 1/ 566.

ص: 469

وروى جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليًّا قال: الصداق ما تراضى به الزوجان

(1)

. ولما رواه أبو عمر من حديث مجالد، عن عامر رماه بالانقطاع

(2)

.

قال البيهقي: وأنكر من حديث الأودي هذا ما رواه مبشر بن عبيد، عن حجاج بن أرطاة، (عن عمرو بن دينار)

(3)

، عن جابر مرفوعًا:"لا مهر دون عشرة دراهم". وهو منكر، حجاج لا يحتج به، ولم يأت به عنه غير مبشر.

وقد أجمع أهل العلم بالحديث على ترك حديثه

(4)

. وقال الجوزقاني لما ذكره: هذا (حديث)

(5)

منكر، لم يروه عن عطاء وعمرو بن دينار إلا الحجاج بن أرطاة، ولا رواه عنه إلا مبشر، وتفرد به عنه بقية

(6)

.

قال ابن عدي: هذا الحديث مع اختلاف إسناده باطل

(7)

.

وقال ابن عبد البر: لا يثبته أحد من أهل العلم بالحديث

(8)

.

وروى أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "ليس على المرء جناح أن يتزوج من ماله بقليل أو كثير"

(9)

.

(1)

"معرفة السنن والآثار" 10/ 218.

(2)

الذي في "الاستذكار" 16/ 73: عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن عليّ، وهو منقطع عندهم ضعيف. اهـ.

(3)

كذا في الأصول، وفي "معرفة السنن": عن عطاء وعمرو بن دينار.

(4)

"معرفة السنن والآثار" 10/ 218 - 219.

(5)

من (غ).

(6)

"الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" 2/ 138 (532).

(7)

"الكامل في الضعفاء" 8/ 164.

(8)

"الاستذكار" 16/ 73.

(9)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 239 ثم قال: أبو هارون العبدي غير محتج به. اهـ.

ص: 470

وروى ابن أبي لبيبة، عن أبيه، عن أبي سعيد، عند الدارقطني

(1)

، وعند أبي عمر عن أبي لبيبة الأشهلي مرفوعًا:"من استحل بدرهم في النكاح فقد استحل". وفي إسناده ضعف.

قال ابن المنذر: لا وقت في الصداق كَثُر أو قَلّ، هو ما تراضوا به، ولا نعلم حجة تثبت صداقًا معلومًا لا يجوز غيره

(2)

. وقال أبو عمر: أجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وهب له دون رقبته

(3)

.

وفيه: لا يجوز وطء في نكاح بغير صداق مسمى دينًا أو نقدًا، وأن المفوض إليه لا يدخل حتَّى يسمي صداقًا مسمى. وأغرب ابن حزم فجوزه بكل ما له نصف قل أو كثر، ولو أنه حبة برّ أو حبة شعير وشبههما

(4)

، وزوج ابن المسيب ابنته التي خطبها الخليفة بدرهمين

(5)

.

(1)

لم أقف عليه.

(2)

"الإشراف" 1/ 36 - 37.

(3)

"الاستذكار" 16/ 67.

(4)

"المحلى" 9/ 494.

(5)

رواه سعيد بن منصور 1/ 171 (620).

ص: 471

‌50 - باب التَّزوِيجِ عَلَى القُرْآنِ وَبِغَيْرِ صَدَاقٍ

5149 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: إِنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ قَامَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ، فَلَمْ يُجِبْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ: فَلَمْ يُجِبْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتِ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْكِحْنِيهَا. قَالَ:«هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» . قَالَ: لَا. قَالَ: «اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . فَذَهَبَ فَطَلَبَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟» . قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . [انظر: 2310 - مسلم: 1452 - فتح 9/ 205].

ذكر فيه حديث سهل بن سعد.

ص: 472

‌51 - باب المَهْرِ بِالْعُرُوضِ وَخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ

5150 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ:«تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ» . [انظر: 2310 - مسلم: 1425 - فتح 9/ 216].

ثم ذكر حديث سهل أَنَّه عليه السلام -قَالَ لِرَجُلٍ: "تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ".

وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فذهب قوم إلى أن النكاح على سور من القرآن مسماة جائز، وقالوا: معنى ذَلِكَ أن يعلمها تلك السور، وهذا قول الشافعي

(1)

.

وقال آخرون: لا يكون تعليم القرآن مهرًا، هذا قول مالك والليث وأبي حنيفة وأصحابه والمزني، إلا أن أبا حنيفة قال: إذا تزوج على ذَلِكَ فالنكاح جائز، وهو في حكم من لم يسم لها مهرًا، فلها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة

(2)

.

حجة الشافعي حديث الباب قبله دال على جواز كون تعليم القرآن أو سورة منه صداقًا، وكما يجوز أخذ الأجرة عليه.

وأما الطحاوي فإنه أجاب بالخصوصية

(3)

ولا يسلم له، وسبقه إليه الليث.

وفيه حديث وتبعه إليه الليث، وفيه حديث في تفسير سعيد بن منصور، وهو مرسل وضعيف. وحديث عند أبي الشيخ من حديث

(1)

"الأم" 5/ 53.

(2)

انظر: "شرح معاني الآثار" 3/ 17، 20، "الاستذكار" 16/ 81.

(3)

"شرح معاني الآثار" 3/ 18.

ص: 473

جابر وابن عباس. وفيه العزرمي، وكذا دعوى أنه زوجها منه عليه بحرمته لا على أنه مهر، كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه. أي: لإسلامه.

وأول بعضهم قوله: "وَلَوْ خاتمًا مِنْ حَدِيدٍ" على تعجيل شيء يقدمه من الصداق، وإن كان قليلًا، كقوله:"بعها ولو بضفير"

(1)

يؤيده عدوله عن ذمته إليه؛ إذ لم تجر عادتهم في وقته عليه السلام في المهور إلا بالشيء الثقيل، وكل هذِه دعاوى.

ثم قال الطحاوي: والدليل على أنه لم يتزوجها على أن يعلمها السورة عوضًا من بضعها، أن النكاح إذا وقع على مجهول فكما لم يسم، فاحتيج إلى كونه معلومًا، كالأثمان والأجرة

(2)

.

وجوابه: أن هذا ليس بمجهول، بل جاء في بعض الروايات أنه وقع على معلوم، ثم ادعى بأن الأصل المجمع عليه: لو أن رجلًا استأجر رجلًا على أن يعلمه سورة من القرآن سماها بدرهم، أن ذَلِكَ لا يجوز. قال: وكذلك لو (استأجره)

(3)

أن يعلمه شعرًا بعينه لم يجز، قال: لأن الإجارات لا تجوز إلا على أحد معنيين، إما على عمل بعينه -كغسل ثوب مثلًا- أو على وقت معلوم، وإذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة، لا على وقت معلوم، ولا على عمل معلوم، وإنما استأجره على أن يعلمه، وقد يتعلم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها، وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة

(1)

سلف برقم (2153، 2154) كتاب البيوع، باب: بيع العبد الزاني ..

(2)

"شرح معاني الآثار" 3/ 19.

(3)

في الأصول: استأجر، والمثبت هو المناسب للسياق.

ص: 474

من القرآن لم يجز؛ للمعاني المذكورة، وإذا كان التعليم لا تملك به (المنافع)

(1)

ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أن لا تملك به الإبضاع

(2)

. ولا يسلم ما ذكره.

وادعى ابن العربي أن ذكر الخاتم كان قبل النهي عنه بقوله: "إنه حلية أهل النار"

(3)

، فنسخ النهي جوازه والطلب له

(4)

، وما أبعد ما ذكره، ودعوى من ادعى أنه على وجه المبالغة كما قال:"تصدقوا ولو بفرسن شاة"

(5)

، أو أنه كان يساوي ربع دينار فصاعدًا؛ لقلة الصناع حينئذٍ بعيد، والحق أحق بالاتباع.

(1)

من (غ).

(2)

"شرح معاني الآثار" 3/ 19 - 20.

(3)

رواه أبو داود (4223)، والترمذي (1785)، والنسائي 8/ 172 من حديث بريدة بن الحصيب، قال الترمذي: هذا حديث غريب. اهـ.

(4)

"عارضة الأحوذي" 5/ 37 - 38.

(5)

رواه البخاري (2566)، ومسلم (1030) بلفظ:"يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة".

ص: 475

‌52 - باب الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ

وَقَالَ عُمَرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. وَقَالَ المِسْوَرُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ، قَالَ:"حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي".

5151 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» . [انظر: 2721 - مسلم: 1418 - فتح 9/ 217].

ثم ساق حديث أبي الخير -هو مرثد بن عبد الله اليزني- عَنْ عُقْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَحَقُّ مَا وَفَّيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ".

الشرح:

هذا التعليق أخرجه أبو عبيد، عن ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن حارثة، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن غنم قال: شهدت عمر رضي الله عنه قضى في رجل شرط لامرأته دارها، فقال: لها شرطها. فقال رجل: إذًا يطلقها. فقال: إن مقاطع الحقوق عند الشروط

(1)

.

وحديث المسور أسنده في الخمس

(2)

، وفضائل أصهار النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري، عن علي بن الحسين عنه

(3)

،

(1)

رواه من طريق ابن عيينة سعيد بن منصور في "السنن" 1/ 181، وابن أبي شيبة 3/ 489 (16443)، والبيهقي في "السنن" 7/ 249.

(2)

سلف برقم (3110)، باب: ما ذُكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم.

(3)

سلف برقم (3729) باب: ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 476

وأخرجه أيضًا في الشروط

(1)

، وحديث عقبة أيضًا في الشروط

(2)

.

واختلف العلماء في الرجل يتزوج المرأة ويشترط لها أن لا يخرجها من دارها، أو لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى، وشبه ذَلِكَ من الشروط المباحة على قولين:

أحدهما: أنه يلزمه الوفاء بذلك، ذكر عبد الرزاق وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أن رجلًا شرط لزوجته أن لا يخرجها، فقال عمر: لها شرطها، وقال: المسلمون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم

(3)

.

وقال عمرو بن العاص: أرى أن يفي لها بشرطها

(4)

.

وروي مثله عن طاوس

(5)

وجابر بن زيد

(6)

، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال إسحاق: لقول عمر رضي الله عنه: مقاطع الحقوق عند الشروط. وحملوا حديث عقبة على الوجوب

(7)

.

الثاني: لا يلزمه شيء من هذِه الشروط، روى ابن وهب، عن الليث، (و)

(8)

عمرو بن الحارث، عن كثير بن فرقد، عن ابن السباق أن رجلًا تزوج امرأة على عهد عمر رضي الله عنه فشرط لها أن لا يخرجها من دارها، فوضع عنه عمر بن الخطاب الشرط وقال:

(1)

سلف قبل حديث (2721) معلقًا.

(2)

سلف برقم (2721)، باب: الشروط في المهر عند عقدة النكاح.

(3)

"المصنف" 6/ 227 (10608).

(4)

رواه عبد الرزاق 6/ 228 (10612)، وسعيد بن منصور 1/ 182 (664).

(5)

رواه عبد الرزاق 6/ 229 (10616)، (10617).

(6)

رواه سعيد بن منصور 1/ 181 (660).

(7)

"الإشراف" 1/ 58.

(8)

في الأصول: (عن)، وهو خطأ، والمثبت من "المدونة" 2/ 160.

ص: 477

المرأة مع زوجها

(1)

. زاد أبو عبيد: ولم يلزمها الشرط. وعن علي مثله، وقال: شرط الله قبل شروطهم

(2)

. (أخرجه أبو عبيد، ولم يره شيئًا

(3)

.

قال أبو عبيد: تضارب الرواة عن عمر وعمر بن العزيز، واختلف فيه التابعون ومن بعدهم، فقال الأوزاعي: نأخذ بالقول الأول، ونرى أن لها شرطها

(4)

. وقال الليث: بالقول الآخر

(5)

، ووافقه مالك بن أنس وسفيان بن سعيد حتَّى بلغ من شدتهما فيه أن قالا: لو كانت نقصته من صداق مثلها

(6)

، كان له إخراجها. ولا يلزمه من الصداق أكثر من المسمى

(7)

.

(1)

كذا وقع في "المدونة" 2/ 160 سندًا ومتنًا. ورواه سعيد بن منصور 1/ 183 (670)، وابن حزم في "المحلى" 9/ 518، والبيهقي 7/ 249 من طريق سعيد بن منصور عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث عن كثير به. قال الحافظ في "الفتح" 9/ 218: إسناده جيد. اهـ. ورواه ابن عبد البر في "التمهيد" 18/ 169 من طريق أبي داود الطيالسي عن ليث بن سعد، عن كثير بن فرقد، عن عبيد بن السباق به.

(2)

رواه عبد الرزاق 6/ 230 - 231 (10624)، وسعيد بن منصور 1/ 182 - 183 (667)، والبيهقي 7/ 250 من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن عباد، عن عليّ. وزاد عبد الرزاق فيه: لم يره شيئًا.

تنبيه: وفع في المطبوع من عبد الرزاق: عن ابن عيينة، عن عباد بن أبي ليلى، عن المنهال، عن عبد الله، عن عليّ، وهو خطأ، والصواب كما في "سنن سعيد"، و"سنن البيهقي".

(3)

كذا في الأصول، ولعل عبارة: أخرجه أبو عبيد. مقحمة ويكون الجزء الأخير: ولم يره شيئًا. من تمام أثر عليّ كما في عبد الرزاق وكما ذكره ابن بطال في "شرحه" 7/ 270 والله أعلم.

(4)

انظر: "الاستذكار" 16/ 148.

(5)

انظر: "الإشراف" 1/ 58.

(6)

كذا بالأصول، وتتمة العبارة كما في "اختلاف الفقهاء": لو كانت نقصته من صداق مثلها على أن لا يخرجها من دارها.

(7)

انظر: "اختلاف الفقهاء" للمروزي ص 343 - 343.

ص: 478

وأما الكوفيون فإنهم وافقوهم في الإخراج، غير أنهم يقولون: لها أن ترجع بما نقصته من الصداق، وافترقوا فيه فرقتين:

فقالت إحداهما: إن كانت اشترطت عليه أن صداقها في الإقامة ألف وفي الإخراج الفان، كان لها إن أخرجها مهر مثلها، لا ينقص من الألف، ولا يزاد على الألف.

وقالت الأخرى: بل الشرطان جميعًا جائزان

(1)

.

قال أبو عبيد: والذي عندنا في ذَلِكَ نأخذ بقول يجمع المذهبين، فنأمره بتقوى الله والوفاء بالشرط، ولا نحكم عليه بذلك حكمًا، فإن أبى إلا الخروج لها كان أحق الناس بأهله.

وأجمعت الأمة على أن امرأة لو شرطت على زوجها أنه ليس له أن يغشاها، أن شرطها باطل، وله الغشيان، فكذلك هذِه لما أبت عليه بأن تصحبه كانت مانعة لفرجها منه بمنزلة تلك؛ فلهذا نرى أن شرطها مردود، ونرى أن الحكم عليها باتباعه، ثم لا يكون لها أكثر من صداقها الأول، كما قال سفيان ومالك، وليس إتمام صداق نسائها عليه بواجب.

وإلى القول الثاني ذهب عطاء والشعبي وسعيد بن المسيب والنخعي والحسن وابن سيرين وربيعة وأبو الزناد والزهري وقتادة، وهو قول مالك والليث والثوري وأبي حنيفة والشافعي

(2)

.

(1)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 269 حيث نسب الأول لأبي حنيفة، والثاني لأبي يوسف ومحمد بن الحسن.

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 270، "اختلاف الفقهاء" ص 340، "الإشراف" 1/ 58.

ص: 479

وقال عطاء: إذا شرطت أنك لا تنكح، ولا تتسرى، ولا تذهب، ولا تخرج، يبطل الشرط إذا نكحها

(1)

.

وحملوا حديث عقبة على الندب واستدلوا على ذَلِكَ بقوله في صهره: "وعدني فوفى لي" فإنما استحق المدح؛ لأنه وفَّى له متبرعًا متطوعًا، لا فيما لزمه الوفاء به على سبيل الفرض.

قال ابن المنذر: وأصح من ذَلِكَ قول من أبطل الشرط وأثبت النكاح بحديث بريرة السالف، حيث أجاز البيع وأبطل الشرط، فلما أبطل من الشروط ما ليس في كتاب الله كان من اشترط شروطًا خلاف كتاب الله أولى أن تبطل

(2)

.

من ذَلِكَ أن الله أباح للرجال النكاح أربعًا ووطء ما ملكت يمينه بقوله: {إِلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} [المؤمنون: 6] فإذا شرطت تحريم ما أحل الله له بطل الشرط وثبت النكاح، ولما كان للرجل إذا عقد نكاح امرأة أن ينقلها حيث يصلح أن ينقل إليه مثلها ويسافر بها، كان اشتراطها عليه ذَلِكَ غير أحكام المسلمين في أزواجهم، وذلك غير لازم للزوج.

وأما معنى: "أحق الشروط" إلى آخره فيحتمل أن يكون معناه المهور التي أجمع أهل العلم على أن للزوج الوفاء بها، ويحتمل أن يكون ما شرط على الناكح في عقد النكاح، فيما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وإذا احتمل الحديث معاني كان

(1)

رواه عبد الرزاق 6/ 229 (10618) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: رجل نكح امرأة وشرطت عليه: أنك إن نكحت أو تسريت أو خرجت بي فإن لي عليك كذا وكذا من المال. قال: فإن نكح فلها ذلك المال عليه؟ قال: هو من صداقها.

(2)

"الإشراف" 1/ 59.

ص: 480

ما وافق ظاهر الكتاب والسنة أولى، وقد أبطل الشارع كل شرط ليس في كتاب الله، فهذا أولى مَعْنَييه.

قال ابن بطال: وإن كان في هذِه الشروط يمين بطلاق أو عتق وجب ذَلِكَ عليه ولزمه عند مالك والكوفيين، وعند كل من يرى الطلاق قبل النكاح بشرط النكاح لازمًا، وكذا العتق، وهو قول عطاء والنخعي والجمهور.

وقال النخعي: كل شرط في نكاح فالنكاح يهدمه، إلا الطلاق

(1)

. ولا يلزمه شيء من هذِه الأيمان عند الشافعي [لأنه]

(2)

لا يرى الطلاق قبل النكاح لازمًا ولا العتق قبل الملك، واحتج بقوله:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" ومعناه: ليس في حكم الله وحكم رسوله لزوم هذِه الشروط؛ لإباحة الله تعالى أربعًا من الحرائر، وإباحته ما شاء بملك اليمين، وإباحته أن يخرج بامرأته حيث شاء، فكل شرط يحظر المباح فهو باطل

(3)

.

وسئل ابن القاسم عن الشروط التي تبطل النكاح إذا قارنته، فقال: لا نزيد، لا حصر لها في العدد

(4)

، فأما حصرها بالنفقة فبعضه يفسخ كلا نفقته، وبعضه لا كأن لا يخرجها من دارها

(5)

.

(1)

رواه عبد الرزاق 6/ 225 (15602)، وسعيد بن منصور 1/ 183 - 184 (672).

(2)

زيادة يقتضيها السياق، من "شرح ابن بطال".

(3)

"شرح ابن بطال" 7/ 271 - 272.

(4)

"المدونة" 2/ 160 بمعناه.

(5)

هو بمعناه في "المنتقى" 3/ 296، 297.

ص: 481

‌53 - باب الشُّرُوطِ التِي لَا تَحِلُّ فِي النِّكَاحِ

وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: لَا تَشْتَرِطِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا.

5152 -

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ زَكَرِيَّاءَ -هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ- عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» . [انظر: 2140 - مسلم: 1413، 1515، 1520 - فتح 9/ 219].

ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". وقد سلف في البيوع، قال الترمذي: وفي الباب عن أم سلمة

(1)

.

قال ابن حبيب: لم يبلغ العلماء بالشروط المكروهة إلى التحريم، وحملوا هذا الحديث على الندب لا إن فعل ذَلِكَ فاعل يكون النكاح مفسوخًا، وإنما هو استحسان من العمل به، وفضل في ترك ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذَلِكَ

(2)

.

قال الطحاوي: أجاز مالك والكوفيون والشافعي أن يتزوج المرأة على أن يطلق زوجته، وقالوا: إن تزوجها على ألف وأن يطلق زوجته، فعند الكوفيين جائز، فإن وفَّى بما قال فلا شيء عليه غير الألف، وإن لم يوف أكمل لها مهر مثلها. قال ربيعة ومالك والثوري: له ما سمى لها وفى أو لم يفِ. وقال الشافعي: لها مهر المثل وفى أو لم يف

(3)

.

(1)

"جامع الترمذي" عقب حديث (1191).

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 272، "المنتقى" 3/ 296.

(3)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 270.

ص: 482

فإن قلت: الحديث دل على التحريم، وكذا حديث:"لا تسأل المرأة طلاق أختها" لا الندب كما قال ابن حبيب، وأن الطلاق إذا وقع بذلك غير لازم. قلت: ليس إعلامه لنا بالتحريم في حق المرأة بموجب أن الطلاق إذا وقع غير لازم، وإنما في النهي للمرأة.

والتغليظ عليها أن لا تسأل طلاق أختها؛ ولترض بما قسم لها، فليس سؤالها ذَلِكَ بزائد في رزقها شيئًا لم يقدر لها، ودل نهيه لها عن اشتراطها طلاق أختها أن الطلاق إذا وقع بذلك ماضٍ جائز، ولو لم يكن ماضيًا لم يكن لنهيه عن ذَلِكَ معنى؛ لأن اشتراطهما ذَلِكَ كلا اشتراط، وقد ذهب في باب الشروط في الطلاق شيء من ذَلِكَ

(1)

.

(1)

انظر ما سبق في "شرح ابن بطال" 7/ 273.

ص: 483

‌54 - باب الصُّفْرَةِ لِلْمُتَزَوِّجِ

وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

5153 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ:«كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟» . قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» . [انظر: 2049 - مسلم: 1427 - فتح 9/ 221].

ئم ساق من حديث أنس رضي الله عنه، وقد سلف في البيوع.

ص: 484

‌55 - باب

5154 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَوْلَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِزَيْنَبَ فَأَوْسَعَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، فَخَرَجَ -كَمَا يَصْنَعُ إِذَا تَزَوَّجَ - فَأَتَى حُجَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُو وَيَدْعُونَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ فَرَجَعَ، لَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ بِخُرُوجِهِمَا. [انظر: 4791 - مسلم: 1428 - فتح 9/ 221].

وساق فيه عن يحيى -هو القطان- عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَوْلَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِزَيْنَبَ فَأَوْسَعَ المُسْلِمِينَ خبزًا ولحمًا، فَخَرَجَ -كَمَا يَصْنَعُ إِذَا تَزَوَّجَ- فَأَتَى حُجَرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ يَدْعُو وَيَدْعُونَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَرَأى رَجُلَيْنِ فَرَجَعَ، لَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ بِخُرُوجِهِمَا.

وذكره في التفسير بطوله، عن عبد الله بن بكر، عن حميد، وفي آخره: وقال ابن أبي مريم: أنا يحيى، حَدَّثَني حميد. ويحيى هذا هو ابن أيوب الغافقي فاعلمه.

واعترض ابن بطال فقال: الحديث ليس يتعلق بشيء من معنى الرحمة، قال: وفي رواية النسفي فيه باب

(1)

.

قلت: ولعل وجهه -والله أعلم- لينبه على أن الصفرة للمتزوج ليست قصدًا، فتركت في هذا، وقد يقع كما في الحديث قبله.

قال المهلب: اختلف في حديث أنس فى ذكر الصفرة، فروي: وبه أثر صفرة، [وروي]

(2)

: وبه وضر صفرة.

قلت: لا اختلاف بل هما واحد في المعنى.

وروي: فرأى عليه بشاسة العروس، فسأله.

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 274.

(2)

زيادة يقتضيها السياق من "شرح ابن بطال".

ص: 485

ورواية ردغ من زعفران دال على أنها مما التصق بجسمه من الثياب المزعفرة التي تلبسها العروس.

وقيل: إن من كان ينكح في [أول]

(1)

الإسلام يلبس ثوبًا مصبوغًا بصفرة، من علامة العرس والسرور.

ألا ترى قوله: فرأى عليه بشاشة العروس. وقيل: إنما كان يلبسها ليعينه الناس على وليمته ومؤنته. وقد قال ابن عباس: أحسن الألوان كلها الصفرة؛ لقوله تعالى: {صَفْرَاءُ

(2)

فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: 69] فقرن السرور بالصفرة.

وكان عليه السلام يحب الصفرة، ألا ترى قول ابن عباس

(3)

حين سئل عن صبغه بها، فقال: إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة، فأنا أصبغ بها وأحبها

(4)

. وسيأتي من أحبها ومن كرهها من العلماء في اللباس إن شاء الله تعالى.

والحديث دال أن نهيه الرجال عن المزعفر ليس على وجه التحريم، وإنما ذَلِكَ من وجه دون وجه، كذا في ابن بطال

(5)

والنهي محمول على من قصده.

ونقل ابن عبد البر عن الزهري أن الصحابة كانوا يتخلقون ولا يرون به بأسًا. وقال ابن شعبان: هذا جائز عند أصحابنا في الثياب دون

(1)

زيادة يقتضيها السياق، من "شرح ابن بطال".

(2)

زيادة يقتضيها السياق، إذ هي موضع الشاهد.

(3)

جاء في هامش الأصل: ابن عمر، هذا الذي أعرفه وهو

أستحضر الآن من قول ابن عمر.

(4)

رواه أبو داود (4064)، النسائي 8/ 140.

(5)

"شرح ابن بطال" 7/ 274 - 275 وانظر فيه قول المهلب.

ص: 486

الجسد. وكره أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما أن يصبغ الرجل ثيابه أو لحيته بالزعفران؛ لحديث أنس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل

(1)

.

وقد سلف في الحج طرف من هذا، وروينا بإسنادنا إلى الترمذي في "شمائله" من حديث قيلة: قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أسمال مُليَّتين كانتا بزعفران وقد نفضته

(2)

.

فائدة:

ذكر الزبير أن المرأة التي تزوجها عبد الرحمن ابنة أبي الخير واسمه أنس بن رافع.

(1)

"الاستذكار" 16/ 342 - 343 وحديث أنس سيأتي برقم (5846) من كتاب اللباس.

(2)

"الشمائل المحمدية"(67)، وضعفه الألباني في "مختصر الشمائل"(53).

ص: 487

‌56 - باب كَيْفَ يُدْعَى لِلْمُتَزَوِّجِ

5155 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ:«مَا هَذَا؟» . قَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» . [انظر: 2049 - مسلم: 1427 - فتح 9/ 221].

ذكر فيه حديث أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّه عليه السلام رَأى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ:"مَا هذا؟ ". قَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: "بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".

الشرح:

هذا الحديث يأتي في الدعوات أيضًا، وقد أخرجه مسلم أيضًا، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه

(1)

.

وأراد بهذا الباب -والله أعلم- ذكر قول العامة عند العرس: بالرفاء والبنين، عَلَى ما كانت تقول الجاهلية عند ذَلِكَ.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقال للمتزوج من حديث عقيل بن أبي طالب، ذكره النسائي وأبو عبيد والطبري من حديث (أشعث)

(2)

،

(1)

أبو داود (2109)، النسائي 6/ 128، ابن ماجه (1907). قلت: ورواه أيضًا الترمذي (1094) وقال: حسن صحيح. اهـ.

(2)

في الأصول: شعبة، وكذا وقع في "عمل اليوم والليلة" للنسائي (263)، وهو خطأ ظاهر، فقد رواه النسائي في "المجتبي" 6/ 128، و"السنن الكبرى" 3/ 331 (5561) بنفس السند وقال فيه: عن أشعث عن الحسن عن عقيل.

وكذا رواه ابن ماجه (1906)، والطبراني في "الكبير" 17/ 194 (516). وقد أشار الناسخ إلى هذا في الحاشية فقال: لعل صوابه أشعث. أضف إلى ذلك أن المصنف رحمه الله لم يتبين له خطأ كونه شعبة مع صريح كلام الطبري الذي ذكره بَعْدُ الدال على أن الذي رواه عن الحسن هو الأشعث. =

ص: 488

عن الحسن، عن عقيل بن أبي طالب أنه تزوج امرأة من بني جشم، فقالوا: بالرفاء والبنين. فقال: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم بارك لهم وعليهم"

(1)

.

قال الطبري: إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل. وقد حدث عن الحسن غير الأشعث

(2)

فلم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل في الباب

= والحديث قال عنه الحافظ في "الفتح" 9/ 222: رجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال. اهـ. وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه"(1547).

(1)

انظر التخريج السابق، وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قول ذلك للمتزوج فلم يرو من هذا الطريق، بل روي من طرق أخرى عن عقيل منها ما رواه أحمد 1/ 201، 3/ 451 من طريق سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: تزوج عقيل. ثم ساقه. وفيه: لا تقولوا ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن ذلك.

ورواه الدارمي 3/ 1390 (2219)، والبيهقي 7/ 148 من طريق يونس، عن الحسن، عن عقيل.

ورواه الطبراني 17/ 193 - 194 من طريق الحسن بن دينار وعليّ بن زيد، عن الحسن، عن عقيل.

ورواه عبد الرزاق 6/ 189 (15457) ومن طريقه الطبراني 17/ 193 (513) عن ابن جريج عن رجل عن الحسن عن عقيل.

(2)

فرواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" 1/ 279 - 280 (367)، والطبراني 17/ 194 (517) من حديث عليّ بن زيد عن الحسن.

ورواه الطبراني 17/ 192 - 194 (512، 518) من حديث الربيع بن صبيح وأبي هلال الراسبي، كلاهما عن الحسن.

ورواه أحمد 1/ 201، 3/ 451، والدارمي 3/ 1389 - 1390 (2219)، وابن أبي شيبة 4/ 6 (17207)، والبزار 6/ 119 (2172)، والطبراني 17/ 193 (514)، والبيهقي 7/ 148 من حديث يونس بن عبيد عن الحسن.

ورواه الطبراني 17/ 193 (513)، والحاكم 3/ 577، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" 1/ 550، والذهبي في "تذكرة الحفاظ" 3/ 1013 من حديث أبي سعيد البصري عن الحسن.

ص: 489

دعاءه عليه السلام بالبركة للمتزوج.

وفي الترمذي أنه عليه السلام كان يقول: "بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير" ثم قال: حديث حسن صحيح

(1)

.

قال الطبري: والذي أختار من الدعاء ما صحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفأ الرجل يتزوج قال: "بارك الله لك، وبارك. عليك" ورواه الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم

(2)

، وغير محظور الزيادة على ذَلِكَ.

(1)

الترمذي (1091).

(2)

رواه أبو داود (2130)، والترمذي (1091)، وابن ماجه (1905)، وأحمد 2/ 381، والدارمي 3/ 1391 (2220)، وابن حبان 9/ 359 (4052)، والحاكم 2/ 183. وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ.

ص: 490

‌57 - باب الدُّعَاءِ لِلنِّسَاءِ اللَّاتيِ يَهْدِينَ العَرُوسَ، وَلِلْعَرُوسِ

5156 -

حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: تَزَوَّجَنِى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَتْنِي أُمِّي فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ: على الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ. [انظر: 3894 - مسلم: 1422 - فتح 9/ 222].

ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَتْنِي أُمِّي أم رومان فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي البَيْتِ فَقُلْنَ: على الخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ.

الشرح:

هذا الحديث ذكره في تزويجها. و (يَهدين) بفتح الياء يقال: هديت، زاد في الأدب الكاتب: وأهديت رباعيًّا

(1)

، وهديت الطريق. وأهديت من الهدية، وذلك ما أهديت من النعم، ولم يأت في الباب بالدعاء لهن، ولعله أراد صفة دعائهن للعرس؛ لأنه قال:(فقلن: على الخير)، إلى آخره. وهذا خروج عن الظاهر.

والنسوة بكسر النون، ويجوز فتحها. والطير: الحظ، وطائر الإنسان عمله. وفي رواية: الميمون: وهي البركة.

وروي من حديث ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: شهد النبي صلى الله عليه وسلم إملاك رجل من الأنصار فقال: "على الألفة والخير والطير الميمون والسعة في الرزق، بارك الله لكم"

(2)

.

(1)

"أدب الكاتب" ص 335.

(2)

رواه الطبراني في "الكبير" 20/ 97 - 98 (191)، وفي "مسند الشاميين" 1/ 235 (416)، والبيهقي 7/ 287 إلا أن البيهقي أسقط من سنده حازم مولى بني هاشم =

ص: 491

وروى يونس بن عبدالأعلى، عن ابن وهب قال: دعوت يونس بن يزيد إلى عرسي فسمعته يقول: سمعت ابن شهاب في عرس لصاحبه يقول: بالجد الأسعد، والطائر الأيمن

(1)

.

وزوج ابن عمر بنته سودة من عروة بن الزبير فقال: قد زوجتكها، جمع الله ألفتكما على طاعته وطاعة رسوله.

= بين عصمة بن سليمان ولمازة. قال البيهقي: في إسناده مجاهيل وانقطاع. اهـ.

وقال الهيثمي: في "المجمع" 4/ 290: فيه حازم مولى بني هاشم عن لمازة، ولم أجد من ترجمهما وبقية رجاله ثقات. اهـ.

وقال الحافظ في "الفتح" 9/ 222: سنده ضعيف. اهـ.

ورواه الطبراني في "الأوسط" 1/ 43 - 44 (118) من طريق بشر بن إبراهيم عن الأوزاعي عن مكحول عن عروة عن عائشة قالت: حدثني معاذ.

قال البيهقي: إسناد مجهول. اهـ.

وقال الهيثمي: فيه بشر بن إبراهيم، وهو وضاع. اهـ.

وضعفه أيضًا الحافظ في "الفتح" 9/ 222.

(1)

رواه ابن عدي في "الكامل" 5/ 338 (1013).

ص: 492

‌58 - باب مَنْ أَحَبَّ البِنَاءَ .. قَبْلَ الغَزْوِ

5157 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمْ يَبْنِ بِهَا» . [انظر: 3124 - مسلم: 1747 - فتح 9/ 223].

ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأنبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا".

هذا الحديث تمامه: "أو بنى دارًا ولم يسكنها". وقد سلف في الخمس.

وفيه من الفقه: وجوب استثبات البصائر في الغزو، والحض على جمع الكلمة والنيات؛ لأن الكلمة إذا اجتمعت واختلفت النيات كان ذريعة إلى اختلاف ذات البين، وقد جعل الله تعالى الخذلان في الاختلاف، وجعل الاعتصام في الجماعة، فقال:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] فلما كان قلب الرجل معلقًا بابتنائه بأهله أو ببنيان يخاف فساده قبل تمامه، أو يحب الرجوع إليه، لم يوثق بثباته عند الحرب، فقطعت الذريعة في ذَلِكَ.

ص: 493

‌59 - باب مَنْ بَنَى بِامْرَأَةٍ وَهْيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِيَنَ

5158 -

حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: عَنْ عُرْوَةَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَائِشَةَ وَهْيَ ابْنَةُ سِتٍّ وَبَنَى بِهَا وَهْيَ ابْنَةُ تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا. [انظر: 3894 - مسلم: 1422 - فتح 9/ 224].

ذكر فيه حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عائِشَةَ وَهْيَ بنت سِتٍّ وَبَنَى بِهَا وَهْيَ بنت تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا.

وقد سلف في باب إنكاح الرجل ولده الصغار.

ص: 494

‌60 - باب البِنَاءِ فِي السَّفَرِ

5159 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَأُلْقِيَ فِيهَا مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ، فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ. [انظر:371 - مسلم: 1365 - فتح 9/ 224].

ذكر فيه حديث أنس في بنائه عليه السلام بصفية، وقد سلف في المغازي.

وفيه من الفقه: جواز البناء في السفر كما ترجم، وجواز بقاء المسافرين على العالم والسلطان اليومين والثلاثة، وليس ذَلِكَ من الحابس ظلمًا لهم، ولا قطعًا بهم عن سفرهم؛ لأن الثلاثة الأيام سفر، وما زاد حضر، فإن حبس الرئيس جنده أكثر من ثلاثة أيام في حاجة عرضت خشي عليه الحرج والإثم.

وفيه: أن البقاء مع الثيب عند البناء بها ثلاثة سُنَّة مؤكدة في السفر والحضر؛ من أجل حبس الشارع الجيش ثلاثة أيام ليأتي على الناس علم ذَلِكَ.

وفيه: جواز إبطال الأشغال؛ لإجابة الدعوة وإقامة سنة النكاح؛ لأنهم أبطلوا سفرهم لإقامة ابتناء الشارع، وكذلك يلزم أهل المزوج وإخوانه عونه على النكاح وإن قطع ذَلِكَ بهم عن بعض أشغالهم.

وفيه: الحكم بالدليل.

ص: 495

‌61 - باب البِنَاءِ بِالنَّهَارِ بِغَيِرِ مَرْكَبٍ وَلَا نِيرَانٍ

5160 -

حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَتْنِي أُمِّي فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ضُحًى. [انظر: 3894 - مسلم: 1422 - فتح 9/ 224].

ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَتْنِي أُمِّي فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ضُحًى.

فيه ما ترجم له، والسنة في النكاح الإعلان، وكلما زاد الإعلان مركب أو اجتماع أو نيران فهو أتم، والإعلان كاف في ذَلِكَ. وقد ذكر في هذا الحديث، في هذِه الطريق -كما سلف- اجتماع نساء الأنصار عند إدخالها ودعاؤهن لها بالبركة، وعلى خير طائر. والمراد باجتماع النساء الإعلان بالنكاح. وقد يجوز أن يبني الرجل بأهله بغير إعلان إذا كان النكاح قبل ذلك معروفًا عند من يشترطه.

ص: 496

‌62 - باب الأَنْمَاطِ وَنَحْوِهَا لِلنِّسَاءِ

5161 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلِ اتَّخَذْتُمْ أَنْمَاطًا؟» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ قَالَ:«إِنَّهَا سَتَكُونُ» . [انظر: 3631 - مسلم: 2083 - فتح 9/ 225].

ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "هَلِ أتَّخَذْتُمْ أَنْمَاطًا؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَّى لنَا أَنْمَاطٌ؟ قَالَ:"إِنَّهَا سَتَكُونُ".

الشرح:

هذا الحديث سلف في باب علامات النبوة. والأنماط: ضرب من البسط له خمل رقيق، واحدها نمط، وفي حديث علي:"خير هذِه الأمة النمط الوسط"

(1)

.

والنمط: الطريقة من الطرائق، والضرب من الضروب، يقال: ليس هذا من ذَلِكَ النمط. أي: من ذَلِكَ الضرب.

والنمط: الجماعة من الناس أمرهم واحد، [و]

(2)

كره عليٌّ الغلو والتقصير في الدين

(3)

.

وفيه من أعلام النبوة: إخباره بما يكون وكان.

وفيه: اتخاذ شورة البيوت للنساء.

(1)

رواه ابن أبي شيبة 7/ 119 (34487) بلفظ: "خير الناس هذا النمط الأوسط،

يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي".

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

انظر: "غريب الحديث" 2/ 156 - 157.

ص: 497

وفيه: دليل أن الشورة للمرأة دون الرجل، وأنها عليها في المعروف من أمر الناس القديم؛ لأنه عليه السلام إنما قال ذَلِكَ لجابر؛ لأن أباه ترك تسع بنات فقام عليهن جابر وشورهن بعد أبيه وزوجهن.

ص: 498

‌63 - باب النِّسْوَةِ اللَّاتِي يَهْدِينَ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا

5162 -

حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم «يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ» . [فتح 9/ 225].

ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إلى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَائِشَةُ، مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْو، فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ".

وقد أسلفنا هذا الحديث قريبًا في باب ضرب الدف في النكاح، وقد اتفق العلماء على جواز اللهو في وليمة النكاح، كضرب الدف وشبهه ما لم يكن محرمًا؛ وخصت الوليمة بذلك ليظهر النكاح وينتشر، فتثبت حقوقه وحرمته. قال مالك: لا بأس بالدف والكبر في الوليمة؛ لأني أراه خفيفًا، ولا ينفع ذَلِكَ في غير العرس. وقد سئل مالك عن اللهو يكون فيه البوق، فقال: إن كان كبيرًا مشهرًا فإني أكرهه، وإن كان خفيفًا فلا بأس بذلك. قال أصبغ: ولا يجوز الغناء في العرس ولا في غيره إلا مثل ما يقول نساء الأنصار، أو رجز خفيف مثل ما كان من جوابهم

(1)

، وسيأتي الخوض في ذَلِكَ قريبًا.

واعلم أنه وقع في آخر ترجمة الباب في كتاب ابن بطال: ودعائهن بالبركة

(2)

، وتوبع عليه. والحديث الذي أورده لا يطابقه، نعم حديث عائشة رضي الله عنها السالف في باب الدعاء للنساء يطابقه.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 567 بتصرف، "شرح ابن بطال" 7/ 280، "الاستذكار" 16/ 357.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 279.

ص: 499

‌64 - باب الهَدِيَّةِ لِلْعَرُوسِ

5163 -

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَاسْمُهُ الْجَعْدُ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَرُوسًا بِزَيْنَبَ، فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَدِيَّةً فَقُلْتُ لَهَا: افْعَلِي. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِي بُرْمَةٍ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِي إِلَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي:«ضَعْهَا» . ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَالَ: «ادْعُ لِي رِجَالاً -سَمَّاهُمْ- وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ» . قَالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِي أَمَرَنِي، فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَ يَدَيْهِ على تِلْكَ الْحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً، يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُمُ:«اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ» . قَالَ: حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْهَا، فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ، وَبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ الْحُجُرَاتِ، وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا. فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَإِنِّي لَفِى الْحُجْرَةِ، وَهْوَ يَقُولُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِى مِنْكُمْ وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53]. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ خَدَمَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ. [انظر: 4791 - مسلم: 1428 - فتح 9/ 226].

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ -يعني: ابن طهمان-: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ- وَاسْمُهُ الجَعْدُ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا مَرَّ بِجَنباتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَرُوسًا بِزَيْنَبَ، فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمِ: لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم هدِيَّةً فَقُلْتُ لَهَا: افْعَلِي. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِي بُرْمَةٍ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِي .. الحديث.

ص: 500

هذا أخرجه هنا معلقًا

(1)

، ثم وصله مرة بقوله: حَدَّثَنَا الصلت بن محمد، حَدَّثَنَا حماد بن زيد، عن الجعد بن عثمان، عن هشام، عن محمد بن سنان بن ربيعة، عن أنس

(2)

، ورواه مسلم عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد، وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر عن الجعد، به

(3)

. ورواه الترمذي في التفسير عن قتيبة بإسناده نحوه. وقال: حسن صحيح

(4)

. ورواه النسائي، عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي عثمان، به

(5)

، وأخرجه هنا في موضعين

(6)

، والتفسير

(7)

.

وفيه: ما ترجم له، وهو الهدية للعرس؛ من أجل أنه مشغول بأهله، ومانع لها عن تهيئة الطعام واستعماله؛ فلذلك استحب أن يهدى لهم طعام؛ من أجل انشغالهم عنه بأول اللقاء، كما كان هذا المعنى في الجنائز؛ لاشتغالهم بالحزن حتَّى تسمى ذَلِكَ الطعام تعزية، وكان الناس قديمًا يصنعونها، فأقرها الإسلام.

وفيه: قبول الهدية.

وفيه: أن من سنة العروس إذا فضل عنده طعام أن يدعوا له من حضر إليه من إخوانه؛ فيكون زيادة في الإعلان بالنكاح؛ وسببًا إلى صالح دعاء

(1)

جاء في هامش الأصل: الموصول الذي أشار إليه شيخنا هو الأطعمة من البخاري في باب: من أدخل الضيفان عشرة عشرة وهو غير هذا الحديث المعلق، فقابل بين الحديثين تجدهما غيرين بلا نزاع.

(2)

سلف برقم (5530).

(3)

مسلم (1428/ 94، 95).

(4)

الترمذي (3218).

(5)

"السنن الكبرى" 5/ 103.

(6)

قلت: بل في أكثر من موضع فأخرجه برقم (5154، 5166، 5168. 5170، 5171) من كتاب النكاح.

(7)

برقم (4791، 4792، 4793، 4794) من كتاب التفسير.

ص: 501

الأكالين؛ ورجاء البركة بأكلهم.

وفيه: علم من أعلام النبوة، وهو أكل القوم الكثير من الطعام القليل. وفي مسلم: كانوا زهاء ثلاثمائة

(1)

.

وفيه: أنه لا بأس بالصبر على الأذى من الصديق والجار، والمعرفة والاستحياء منه، لاسيما إذا لم يقصد الأذى، وإنما كان عن جهل أو غفلة، فهو أولى أن يُسْتَحيى منه لذلك.

وفيه: الهدية ولو قلت؛ لأن المودة إذا صحت سقط التكليف وإن كانت قليلة، فحال أم سليم أقل، وقد شرع الباري تعالى قبول القليل من عباده على كثير نعمه عليهم.

وفيه: اتخاذ الوليمة بعد الدخول كما قال ابن العربي

(2)

وابن التين، وهي إنما كانت قبله عند إرادته.

وفيه: دعاء الناس إلى الوليمة بغير تسمية ولا تكلف، وهي السنة، لا بالوجوه. وفي الحديث:"ادع لي رجالًا -سماهم- وادع من لقيت".

وفيه: خروجه عليه السلام ودخوله، ولم يقل لمن كان جالسًا: اخرج. وهو دال على حسن المعاملة في المجالسة حتَّى يفطن الجليس لما يراد منه بالكناية دون التصريح؛ لفرط حيائه عليه السلام.

وفيه: إذن في تكلم المرأة في الحاجة دون الحجاب، وليس كلامها عورة في هذا المقدار بل رخصة من الله.

وفيه: التسمية على الأكل

(3)

.

(1)

مسلم (1428/ 94).

(2)

"عارضة الأحوذي" 12/ 90 - 91.

(3)

انظر هذِه الفوائد الأخيرة في "عارضة الأحوذي" 12/ 91 - 94.

ص: 502

فصل:

معنى: (مر بجنبات أم سليم) أي: نواحيها، والجنبات: النواحي، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الجناب، وهو الفناء، وكأنه يقول: إذا مر بفنائها. وقوله: (وهو غَاصٌّ بِأَهْلِهِ). أي: ممتليء. وقوله: (فَبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ). النفر من الثلاثة إلى العشرة. وفي رواية: أنهم ثلاثة. وفي أخرى: اثنان. وقول أنس: إنهم قد ذهبوا. وقال قبل هذا: إنهما رجلان. ولا أدري آخبرته أم أُخبر بخروجهما، ويحتمل أن يكون حدث على الشك بعد ذَلِكَ، أو حدث أنه هو المخبر ثم طوى عليه الشك.

وفي الترمذي: وجلس طوائف يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

.

وقوله: ({نَاظِرِينَ إِنَاهُ}). أي: إدراكه ونضجه.

وقوله: وقال أنس: إنه خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين. قلت: وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين، مات سنة ثلاث أو اثنين وتسعين. وقد نيف على المائة بزيادة سنتين أو ثلاث. وجاء في باب الوليمة حق: فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت معه، حتَّى جاء عتبة حجرة عائشة

(2)

.

العتبة: -بفتح التاء- أسكفة الباب. وسلف الخلاف في وجوب الوليمة، وأن الأظهر عند الشافعية أنها سنة

(3)

، وفي قولٍ أو وجهٍ: واجبة

(4)

، وهو مذهب أحمد

(5)

.

(1)

الترمذي (3218) وقد سبق.

(2)

سيأتي برقم (5166).

(3)

انظر: "البيان" 9/ 480.

(4)

انظر: "روضة الطالبين" 7/ 333.

(5)

في نسبة المصنف الوجوب لمذهب أحمد نظر، فالمذهب أنها مستحبة قولًا واحدًا، بل لم يختلف فيها أصحاب أحمد. قال في "الإنصاف" 21/ 314: وهي مستحبة، هذا المذهب، وعليه الأصحاب. وانظر:"المغني" 10/ 192 - 193، "المحرر" 2/ 39.

ص: 503

‌65 - باب اسْتِعَارَةِ الثِّيَابِ لِلْعَرُوسِ وَغَيْرِهَا

5164 -

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ، إِلاَّ جَعَلَ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجُعِلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةٌ. [انظر: 334 - مسلم:376 - فتح 9/ 228].

ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أَنَهَا اسْتَعَارَتْ قلادة مِنْ أَسْمَاءَ .. الحديث.

سلف في التيمم، وفضل عائشة

(1)

، ووجه ما ترجم له لائح وهو استعارة عائشة القلادة؛ لتتزين بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره.

وكأن استعارة الثياب للعروس للتزين بها إلى زوجها أولى، ويحتمل أن تكون عائشة ذَلِكَ الوقت قريبة عهد بعرس، ذكره ابن بطال

(2)

، وهو بعيد.

وفيه من الفقه: جواز السفر بالعارية، وإخراجها إذا أذن بذلك صاحبها، أو علم أنه يسمح بمثل هذا.

وفيه: النهي عن إضاعة المال.

وفيه: حبس المسافرين لحاجة تخص الرئيس والعالم.

وفيه: استخدام الرئيس والسيد لأصحابه فيما يهمه شأنه؛ لأن أسيد بن حضير وغيره خرجا في طلب القلادة.

(1)

برقم (3773).

(2)

"ابن بطال" 7/ 282.

ص: 504

‌66 - باب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ

5165 -

حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» . [انظر: 141 - مسلم: 1434 - فتح 9/ 28].

ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأتِي أَهْلَهُ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا».

هذا الحديث سلف في الطهارة.

وفيه: أن الدعاء يصرف البلاء ويعتصم به من نزغات الشيطان وأذاه.

قال الطبري: فإذا قال ذلك عند جماع أهله كان قد اتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجونا له دوام الألفة بينهما، ومملوكته كذلك إذ يمكن أن يحدث بينهما، ولد.

واختلف في الضرر المدفوع، فقيل: إنه الطعن الذي يطعن المولود عند الولادة الذي عصم منه عيسى عليه السلام، فطعن شيطانه في الحجاب لما استعاذت منه أمه. وقيل: هو أن لا يصرع ذَلِكَ المولود الذي يذكر اسم الله عليه ويستعاذ من الشيطان عند جماع أمه، وكلاهما سائغ، ولا يجوز أن يكون الضرر الذي يكفاه من الشيطان كل ما يجوز أن يكون من الشيطان، فلو عصم أحد من ضرره لعصم منه من اعترض عليه في الصلاة والقراءة

(1)

.

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 283.

ص: 505

‌67 - باب الوَلِيمَةُ حَقٌّ

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ"[2048]

5166 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي على خِدْمَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّىَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، أَصْبَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا وَبَقِيَ رَهْطٌ مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَشَيْتُ، حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ على زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا فَضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ، وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ. [انظر: 4791 - مسلم: 1428 - فتح 9/ 230].

(وقال عبد الرحمن بن عوف: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ") سلف مسندًا غير مرة.

ذكر فيه حديث أنس بن مالك أَنَّهُ كَانَ ابن عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ، فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي على خِدْمَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا ابن عِشْرِينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِزَيْنَبَ ابنةِ جَحْشٍ .. الحديث.

ص: 506

الشرح:

هذِه الترجمة لفظ حديث أخرجه البيهقي من حديث أنس مرفوعًا: "الوليمة في أول يوم حق، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء وسمعة" ثم قال: ليس بقوي فيه بكر بن خنيس، تكلموا فيه

(1)

.

قلت: قال فيه ابن معين مرة: شيخ صالح لا بأس به، إلا أنه يروي عن ضعفاء، ويكتب من حديثه الرقاق. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال الجوزجاني: لا بأس به [في]

(2)

السير

(3)

وحسن له الترمذي حديث: "عليكم بقيام الليل"

(4)

.

وخرج الحاكم حديثه في "مستدركه"، وذكر ابن أبي حاتم أن مروان ابن معاوية الفزاري رواه عن عوف، عن الحسن، عن أنس مثله مرفوعًا. وقال أبوه: إنما هو الحسن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرسل

(5)

.

(1)

"السنن الكبرى" 7/ 260 - 261 وقد روي هذا الحديث عن غير أنس، رواه الترمذي (1097) من حديث ابن مسعود، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير. اهـ.

ورواه ابن ماجه (1915) من حديث أبي هريرة. قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه"(645): إسناد حديث أبي هريرة ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي مالك النخعي. اهـ. ورواه أبو داود (3745) من طريق قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عثمان الثقفي، عن رجل من ثقيف -قال قتادة: إن لم يكن اسمه زهير فلا أدري ما اسمه- أن النبي صلى الله عليه وسلم .. الحديث.

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

انظر ترجمته في: "تاريخ الثقات" للعجلي (161)، "الجرح والتعديل" 2/ 384، "تهذيب الكمال" 4/ 208 - 211.

(4)

الترمذي (3549) ولم يحسن له الترمذي الحديث، بل قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه ولا يصح من قبل إسناده. اهـ.

(5)

"العلل" 1/ 398.

ص: 507

ورواه أبو الشيخ من حديث مجاهد، عن أبي هريرة مرفوعًا:"الوليمة حق وسنة، فمن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، والخرص والعذار والتوكير أنت فيه بالخيار" قال: فقلت: ما أدري ما الخرص

(1)

. قال: طعام الولادة. والعذار: طعام الختان. والتوكير: الرجل في القوم، أو يبني الدار، فيصنع طعامًا يدعوهم، فهو بالخيار، إن شاء أجاب وإن شاء قعد

(2)

.

وفي مسند أحمد من حديث الحسن، عن عثمان بن أبي العاصي ودعي إلى ختان فأبى أن يجيب، فقيل له، قال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ندعا له

(3)

.

وروى ابن أبي شيبة، عن جرير، عن ليث، عن نافع: كان ابن عمر يطعم على ختان الصبي

(4)

، وروي عن الحسن من وجوه.

قال ابن بطال: وقوله: "الوليمة حق" يعني: أن الزوج يندب إليها وتجب عليه وجوب سنة وفضيلة، قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها فرضًا، وإنما هي على قدر الإمكان والوجود لإعلان النكاح

(5)

.

(1)

قال أبو عمر ابن عبد البر في "الاستذكار" 16/ 360: يقال للطعام الذي يصنع للنفساء: الخرص والخرصة، يكتب بالسين وبالصاد. اهـ.

(2)

ورواه أيضًا الطبراني في "الأوسط" 4/ 193 من طريق الصلت بن مسعود، قال: نا يحيى بن عثمان التيمي، قال: نا إسماعيل بن أمية، قال: حدثني مجاهد، عن أبي هريرة به. فال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا يحيى بن عثمان التيمي تفرد به الصلت بن مسعود. اهـ. قال الهيثمي في "المجمع" 4/ 52: في الصحيح طرف منه، وفيه يحيى بن عثمان التيمي وثقه أبو حاتم والرازي وابن حبان، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.

(3)

"المسند" 4/ 217.

(4)

ابن أبي شيبة 3/ 556.

(5)

"شرح ابن بطال" 7/ 284.

ص: 508

وفي حديث آخر عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا في وليمة زينب. وقد روى مالك، عن يحيى بن سعيد أنه قال: لقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يولم بالوليمة ما فيها خبز ولا لحم

(1)

.

وهذِه الوليمة كانت على صفية بنت حيي في السفر مرجعه من خيبر، قيل لأنس: فبأي شيء أولم؟ قال: بسويق وتمر.

قلت: قوله: (ولا أعلم). إلى آخره قد علمه غيره.

فللشافعي قول أنها واجبة، وقد أسلفناه عن أحمد أيضًا

(2)

، وهو مشهور مذهب مالك كما قاله القرطبي

(3)

. وفي حديث ابن بريدة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يا علي، لابد للعرس من وليمة"

(4)

.

وقال ابن حزم: فرض على كل من تزوج أن يولم بما قل أو كثر.

قال: وهو قول أبي سليمان وأصحابنا

(5)

.

وما أسلفناه عن أحمد ذكره ابن التين.

وأما ابن قدامة فقال في "المغني": يستحب لمن تزوج أن يولم ولو

(1)

"الموطأ" ص 338.

(2)

سبق بيانه أن ذلك لم يثبت عن أحمد.

(3)

الذي في "المفهم" 4/ 136 أن مشهور مذهب مالك أن الوليمة مندوب إليها، لا أنها واجبة.

(4)

رواه أحمد في "المسند" 5/ 359، و"فضائل الصحابة"(1178)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(259) والدولابي في "الذرية الطاهرة النبوية"(94)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(3017)، والطبراني في "الكبير" 2/ 20 (1153)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 36/ 437.

قال الهيثمي في "المجمع" 9/ 209: رواه الطبراني والبزار ورجالهما رجال الصحيح غير عبد الكريم بن سليط وثقه ابن حبان. اهـ.

وقال الحافظ في "الفتح" 9/ 230: سنده لا بأس به. اهـ.

(5)

"المحلى" 9/ 450.

ص: 509

بشاة. ولا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة في العرس سنَّة مشروعة، وليس بواجبة في قول أكثر أهل العلم. وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة؛ لأنه عليه السلام أمر بها عبد الرحمن؛ ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة. ولنا أنه طعام لسرورٍ حادث فأشبه سائر الأطعمة، والخبر محمول على الاستحباب؛ بدليل ما ذكرنا وكونه أمر بشاة، (فلا)

(1)

خلاف أنها لا تجب، وما ذكروه من المعنى لا أصل [له]

(2)

، ثم هو باطل

(3)

.

فرع:

الإجابة إليه فرض عين، وقيل: كفاية. وقيل: سنة.

قال ابن حزم: فرض على من دعي إلى وليمة أو طعام فليجب، إلا من عذر، فإن كان مفطرًا ففرض عليه أن يأكل، فإن كان صائمًا فليدع الله لهم.

قال: فإن قلت: فقد رويتم من طريق سفيان -يعني الحديث المخرج عند مسلم- عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: "إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك"

(4)

.

قلت: أبو الزبير لم يذكر في هذا أنه سمعه من جابر، ولا هو من رواية الليث عنه؛ فبطل الاحتجاج به، ولو صح لكان الخبر الذي فيه إيجاب الأكل زائدًا على هذا، وزيادة العدل مقبولة لا يحل تركها. وعنده أن الأكل واجب

(5)

.

(1)

في الأصل: (ولا)، والمثبت من "المغني"، وأشار محققه أنها في غير الأصل (ولا).

(2)

ليست في الأصل، وأثبتها من "المغني".

(3)

"المغني" 9/ 192، 193.

(4)

مسلم (1430).

(5)

"المحلى" 9/ 450، 451.

ص: 510

وقال عياض: لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة في وليمة العرس، واختلفوا فيما عداها.

قلت: قاله قبله أبو عمر أيضًا

(1)

، أجمعوا على وجوب الإتيان إلى الوليمة في العرس، واختلفوا فيما سوى ذَلِكَ، والخلاف ثابت في مذهبنا كما سلف.

قال عياض: ولا خلاف أنه لا حد لأقلها ولا لأكثرها.

وقال المهلب: اختلاف فعله صلى الله عليه وسلم في هذِه الولائم المختلفة يدل على أنه يجب على قدر الشأن في ذَلِكَ الوقت.

وفي البخاري في باب: من أولم بأقل من شاة أيضًا أنه أولم على بعض نسائه بمدين من شعير

(2)

، وعلى زينب بشاة

(3)

، وعلى صفية فيما ذكره ابن أبي حاتم، عن جابر: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي طرف ردائه نحو من مد ونصف تمر عجوة، فقال:"كلوا من وليمة أمكم"

(4)

.

وعند أبي الشيخ من حديث علي بن يزيد، عن أنس رضي الله عنه: شهدت عرسات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أر فيها عرسًا أفضل من عرس صفية، جيء بكبش من الخمس ودقيق شعير، فأكلنا، وسائر عرساته يبسط لنا نطع فينثر عليه زبيب أو تمر، فنأكل.

وقد أسلفنا أن الوليمة على صفية لم يكن فيها لحم، إنما هو الحيس فيما رواه البخاري وغيره، وعند ابن حبان: بسويق وتمر

(5)

.

(1)

"الاستذكار" 16/ 353.

(2)

سيأتي برقم (5172).

(3)

سياتي برقم (5168).

(4)

"العلل" 1/ 419.

(5)

ابن حبان 9/ 368.

ص: 511

وليس في قوله لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة" منعًا لما دون ذَلِكَ، وإنما جعل الشاة غاية في التقليل؛ ليساره وغناه، وأنها مما يستطاع عليها ولا تجحفه؛ ألا ترى أنه أولم على صفية بحيس كما سلف ليس فيها خبز ولا لحم، وأولم على غيرها بمدين من شعير، ولو وجد حينئذٍ شاة لأولم بها؛ لأنه كان أجود الناس وأكرمهم.

قلت: ويحتمل أنه قال له ذَلِكَ لعسر الصحابة حين هجرتهم، وكان أول قدومه، فلما توسعوا بفتح خيبر وشبه ذَلِكَ أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيس وشبهه؛ ليبين الجواز. ويؤخذ من حديث ابن عوف الوليمة بعد البناء مطلقًا غير مقيدة وقد سلف ويأتي.

فصل:

حقيقة الوليمة: الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم، وهو الاجتماع لاجتماع الزوجين، قاله الأزهري وغيره

(1)

.

قال ابن الأعرابي: أصلها تمام الشيء واجتماعه، والفعل منه: أولم.

وفي "المحكم": هي طعام العرس والإملاك. وقيل: هي كل طعام صنع لعرس، وغيره

(2)

. قال الشافعي: كل دعوة دعي إليها رجل، والختان، وحادث سرور من تركها لم يبن لي أنه عاص كما تبين في وليمة العرس، قال: ولا أحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاب إلى دعوة في غير وليمة، ولا أعلمه أولم على غير عرس

(3)

.

(1)

"تهذيب اللغة" 4/ 3954، "المجمل" 2/ 938.

(2)

"المحكم" 12/ 99.

(3)

"الأم" 6/ 178.

ص: 512

والوليمة أنواع ذكرتها في "لغات المنهاج" فراجعها.

فصل:

قوله في الحديث: (فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم) أي: يحملنني ويبعثنني على ملازمة خدمته والمداومة عليها، وروي بالطاء المهملة والهمز من المواطأة على الشيء على خدمته.

ص: 513

‌68 - باب الوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ

5167 -

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ-: «كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟» . قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. وَعَنْ حُمَيْدٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ على الأَنْصَارِ، فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ على سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ: أُقَاسِمُكَ مَالِي، وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ. قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ. فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَتَزَوَّجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». [انظر: 2049 - مسلم: 1365 - فتح 9/ 232].

5168 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا أَوْلَمَ على زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ. [انظر: 4711 - مسلم: 1428 - فتح 9/ 232].

5169 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ. [انظر: 371 -

مسلم: 1365 - فتح 9/ 232].

5170 -

حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ بَيَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: بَنَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ، فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالاً إِلَى الطَّعَامِ. [انظر: 4791 - مسلم: 1428 - فتح 9/ 232].

ذكر فيه أحاديث:

أحدها: حديث أنس في قصة عبد الرحمن، وفي آخره:"أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". وقد سلف.

ثانيها: حديث أنس: مَا أَوْلَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم علَى شَيءِ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ على زينَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ.

وأخرجه مسلم أيضًا.

ص: 514

ثالثها: حديثه أيضًا: أَنَّه صلى الله عليه وسلم أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ.

رابعها: حديثه أيضًا: بَنَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ، فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ.

وقد سلف الكلام على ذَلِكَ في الباب قبله.

وفي حديث عبد الرحمن: استحبابُ الذبح في الولائم لمن وجد ذَلِكَ.

وفيه: أن الوليمة قد تكون بعد البناء؛ لأن قوله: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" كان بعد البناء، وروى أشهب عن مالك أنه لا بأس بالوليمة بعد البناء. وإنما معنى الوليمة اشتهار النكاح وإعلانه إذ قد تهلك البينة، قاله ربيعة ومالك

(1)

. فكيفما وقع به الاشتهار جاز النكاح.

والحيس: التمر، والسمن، والأقط. قال ابن وضاح: ينزع نواه ويخلط بالسويق.

وقول أنس: (فدعوت رجالًا إلى طعام).

فيه: أن لصاحب الوليمة أن يبعث الرسل فيمن يحضر وليمته، وإن لم يتولَّ ذَلِكَ بنفسه.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 571 - 572، "المنتقى" 3/ 348.

ص: 515

‌69 - باب مَنْ أَوْلَم عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ

5171 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: ذُكِرَ تَزْوِيجُ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ عِنْدَ أَنَسٍ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم -أَوْلَمَ على أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا أَوْلَمَ بِشَاةٍ. [انظر: 4791 - مسلم: 1428 - فتح 9/ 237].

ذكر فيه حديث ثَابِتٍ قَالَ: ذُكِرَ تَزْوِيجُ زَيْنَبَ ابنةِ جَحْشٍ عِنْدَ أَنَسٍ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم -أوْلَمَ على أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا، أَوْلَمَ بِشَاةٍ.

وقد سلف أيضًا، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا

(1)

، ولا شك أن من زاد في وليمته فهو أفضل؛ لأن ذَلِكَ زيادة في الإعلان واستزادة من الدعاء بالبركة في الأهل والمال، وليس في الزيادة في الوليمة سرف لمن وجد، وإنما السرف لمن استأصل ماله أو أجحف بأكثره، هذا معنى السرف في كل حال مثل الطَّيِّب من الطعام، والثياب للجمعة والأعياد، وشبه ذَلِكَ.

(1)

مسلم (1428)، والنسائي في "الكبرى"(6602)، وابن ماجه (1908).

ص: 516

‌70 - باب مَنْ أَوْلَمَ بِأَقَلَّ مِنْ شَاةٍ

.

5172 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. [فتح 9/ 238].

ذكر فيه حديث محمد بن يوسف -هو الفريابي كما نص عليه أبو نعيم وغيره- عن سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورِ ابن صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ.

هذا الحديث سلف قريبًا

(1)

، وأن الوليمة إنما تكون على قدر الوجود واليسار، وليس فيها حد لا يجوز الاقتصار على دونه، وهذا يدل على أنها ليست بفرض؛ لأن الفروض من الله ورسوله مقدرة مُبَيَّنَة.

وفيه: إجابة الدعوة إلى الوليمة، وإن كان المدعو إليه قليلًا حقيرًا.

فصل:

صفية بنت (شيبة بن)

(2)

عثمان بن أبي طلحة العبدرية، قتل جدها يوم أحد كافرًا، قتله عليٌّ، مختلف في صحبتها

(3)

، وكأن أحاديثها مرسلة. روى لها أبو يعلى وحده

(4)

.

(1)

أي: في أثناء شرحه حديثَ (5166).

(2)

من (غ).

(3)

انظر: "الاستيعاب" 2/ 269.

(4)

كذا في الأصول، وهو خطأ ظاهر، يبينه حديث الباب؛ قال المزي في "تهذيب الكمال" 35/ 212: روى لها الجماعة. اهـ. فأخرج لها النسائي في "الكبرى"(6607) حديث الباب، وروى لها مسلم كما في (2081)، والترمذي كما في (2412). وأخرج لها أيضًا البخاري تعليقا بعد حديث (1349)، وابن ماجه (3109) حديث:"يا أيها الناس إن الله حرم مكة .. " الحديث. =

ص: 517

قال الدمياطي: والصحيح في رواية صفية عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

قال أبو الحسن: انفرد البخاري بالإخراج عن صفية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من الأحاديث التي تعد فيما أخرج من المراسيل. وقد اختلف في رؤيتها النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

.

وذكر الحافظ البرقاني أن الحديث اختلف فيه على الثوري؛ فقال أبو أحمد الزبيري، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن يمان: عن الثوري، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنها. وقال ابن مهدي ووكيع والفريابي، وروح بن عبادة: عن الثوري، عن منصور، عن أمه أنه عليه السلام، ليس فيه عائشة.

قال البرقاني: وهذا القول أصح؛ لأن البخاري أخرجه عن الفريابي كذلك ولم يخرج خلافه.

قال البرقاني: وصفية هذِه ليست بصحابية، فحديثها مرسل.

قال الحميدي: وفي كتاب النسائي نصرة لمن لم يقل عائشة

(2)

. وأغفله أبو مسعود فلم يذكره، وهو لازم له وإن كان مرسلًا؛ لأنه أخرج المراسيل ونبه عليها في غير موضع من كتابه.

= قال المزي في "تحفته"(15908): لو صح هذا الحديث لكان صريحا في سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في إسناده أبان بن صالح، وهو ضعيف، والله أعلم. اهـ وأخرج لها أيضًا أبو داود (1878)، وابن ماجه (2947) حديثًا، وفيه: اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح طاف على بعير يستلم الركن بمحجن .. الحديث.

قال المزي في "تحفته"(15909): هذا الحديث ضعف قول من أنكر أن تكون لها رؤية، فإن إسناده حسن. والله أعلم. اهـ.

(1)

انظر ترجمتها في: "طبقات ابن سعد" 8/ 469، "الاستيعاب" 4/ 427، "تهذيب الكمال" 35/ 211.

(2)

فقد ذكر النسائي في "الكبرى"(6607) أنه مرسل.

ص: 518

قال البرقاني: ومن الرواة من غلط فيه، فقال: عن منصور ابن صفية، عن صفية بنت حيي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

.

ولما ذكر الإسماعيلي هذا في كتابه قال: هذا غلط لا شك فيه.

فصل:

ومنصور (خ، م) هذا هو ابن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري الحجبي المكي.

قال أبو حاتم: صالح الحديث، وكان خاشعًا بكاءً

(2)

، قُتِلَ جدُّه الحارث كافرًا يوم أحد، قتله قُزْمَان، وقَتَل أيضًا أخاه كلاب بن طلحة، وقيل: قَتَل كلابًا ابن عوف، وقتل أخويهما مُسَافِع والجلاس ابني طلحة عاصمُ بنُ ثابت بنِ (أبي)

(3)

الأَقْلح، وقُتل جده طلحة بن أبي طلحة يومئذ أيضًا كافرًا مع أولاده، قتله علي، وقُتل أخاه أيضًا كافرًا، وقُتل عثمان بن أبي طلحة، وأخوهما أبو (سعد)

(4)

بنُ أبي طلحة قُتل يومئذٍ كافرًا قتلَهُ سعد بن أبي وقاص، وقيل: قتله علي.

وأرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله حمزة. وأبو يزيد بن عمير بن هاشم قتله قُزْمان.

(1)

انظر قول البرقاني عند الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" 4/ 312 - 313.

(2)

انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" 5/ 487، "الجرح والتعديل" 8/ 174، "تهذيب الكمال" 28/ 538.

(3)

من (غ).

(4)

تحرفت في الأصول إلى: سعيد، والمثبت من "طبقات ابن سعد" 2/ 41، "سيرة ابن هشام" 3/ 81.

ص: 519

وصُؤَاب غلام لهم حبشي قتله قزمان، وقيل: علي، وقيل: سعد، وقيل أبو دجانة. والقاسط بن شريح بن هاشم، قتله قزمان مولى بني ظفر - أحد عشر رجلًا- وقتل منهم يومئذٍ النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف

(1)

، وزيد بن يعيص

(2)

مولى.

(1)

انظر أسماء من قتل من المشركين في أُحُد في "طبقات ابن سعد" 2/ 40 - 41، 43، "سيرة ابن هشام" 3/ 81 - 82.

(2)

كذا في الأصول، ولم يتبين لنا قراءتها.

ص: 520

‌71 - باب حَقِّ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ وَالدَّعْوَةِ

وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ. وَلَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ.

5173 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» . [انظر: 5179 - مسلم: 1429 - فتح 9/ 240].

5174 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«فُكُّوا الْعَانِيَ، وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ» . [انظر: 3046 - مسلم: 3046 - فتح 9/ 240]

5175 -

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَشْعَثِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ - رضى الله عنهما -: أَمَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَالْقَسِّيَّةِ، وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ. تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَالشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ فِى إِفْشَاءِ السَّلَامِ. [انظر: 1239 - مسلم: 2066 - فتح 9/ 240]

5176 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِىُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى عُرْسِهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهْىَ الْعَرُوسُ، قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ. [انظر: 5182، 5183، 5519، 5597، 6685 - مسلم: 2006 - فتح 9/ 240].

ذكر فيه أربعة أحاديث:

ص: 521

أحدها:

عن ابن عمر رضي الله عنهما: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا". وأخرجه مسلم.

ثانيها:

حديث أبي موسى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"فُكُّوا العَانِيَ، وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَعُودُوا المَرِيضَ".

وسلف في الجهاد في باب فكاك الأسير؛ والعاني: الأسيرُ.

ثالثها:

حديث أبي الأحوص، عَنِ الأَشْعَثِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: قال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنهما: أَمَرَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ .. الحديث.

سلف في الجنائز، وقال فيه: وعن المياثر والقسية. ثم قال: تابعه أبو عوانة والشيباني عن أشعث في إفشاء السلام.

وأبو الأحوص اسمه: سلام بن سليم الحنفي الكوفي، مات سنة تسع وسبعين ومائة

(1)

، وفيها مات مالك، وحماد بن زيد، وخالد بن عبد الله الطحان.

والتسميت بالسين المهملة والمعجمة.

والمياثر: [ثياب]

(2)

حمر كانت من مراكب العجم، كما قاله ابن فارس

(3)

. وقال الداودي: هو ما يغشى به عيدان السرج من الأحمر.

(1)

انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" 6/ 379، "الجرح والتعديل" 4/ 259.

(2)

زيادة يقتضيها السياق من "المجمل".

(3)

"المجمل" 2/ 915.

ص: 522

والقسّية: بتشديد السين، ثياب يؤتى بها من مصر فيها الحرير.

والإستبرق: غليظ الديباج، وغَلِطَ الداودي فقال: هو الحسن من رقته. وقيل: أصله استبرهْ، ونهى عنه تأكيدًا له، ثم حرم الديباج كله.

رابعها:

حديث سهل بن سعد قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في عُرْسِهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهْيَ العَرُوسُ. قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.

ويأتي بعده. أخرجه مسلم أيضًا.

و (أبو أُسيد) بضم الهمزة اسمه مالك بن ربيعة بن البدن، وقيل: البدي، وقيل: اسم البدن: عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، أخ الأوس، قيل: إنه آخر من مات من البدريين سنة ستين أو سنة خمس وستين، له عقب بالمدينة وبغداد

(1)

.

وأم أسيد هذِه هي أم المنذر وأسيد، واسمها: سلامة بنت وهب بن سلامة بن أمية، ذكرها أهل النسب ولم يذكرها أحد من جملة الصحابة. وقد صح أن ابنها الذي حنكه النبي صلى الله عليه وسلم لما جيء به إليه؛ فدل أن لها صحبة لا جرم ذكرها الذهبي فيهم، ولم يذكر اسمها فقال: أم أسيد الأنصارية امرأة أبي أسيد، ذكر عرسها سهل بن سعد، أخرجه البخاري

(2)

.

(1)

انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" 3/ 557 - 558، "الثقات" 3/ 375، "تهذيب الكمال" 27/ 138.

(2)

"تخريد أسماء الصحابة" 2/ 312.

ص: 523

وقولها: (أَنْقَعَتْ). قال الجوهري: نقع الماء في الموضع استنقع، وأنقعني الماء: أرواني، وأنقعت الشيء في الماء، ويقال: طال إنقاع الماء واستنقاعه حتَّى اصفرَّ

(1)

.

وقوله: (وَهْيَ العَرُوسُ). قال صاحب "العين": رجل عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عراس، قال: والعروس نعت استوى فيه المذكر والمؤنث، ماداما في تعريسهما أيامًا إذا عَرَّسَ أحدهما بالآخر، وأحسن ذَلِكَ أن يقال للرجل: مُعْرِسٌ؛ لأنه قد أَعْرَسَ، أي: اتخذ عِرْسًا

(2)

.

إذا تقرر ذَلِكَ، فالوليمة طعام العرس كما سلف. ونقل ابن بطال اتفاق العلماء على وجوب الإجابة إليها

(3)

، وسبقه إليه ابن عبد البر

(4)

، والخلاف فيه مشهور عندنا كما سلف، وله شروط منها: ألا يكون هناك منكر، وقد رجع (ابن مسعود)

(5)

(وابن عمر)

(6)

لما رأيا التصاوير -كما سيأتي

(7)

- ومحل الخوض فيها كتب الفروع.

(1)

"الصحاح " 3/ 1293.

(2)

"العين" 1/ 328 بتصرف.

(3)

"شرح ابن بطال" 7/ 287.

(4)

"الاستذكار" 16/ 353.

(5)

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 9/ 249: كذا في رواية المستملي والأصيلي والقابسي وعبدوس؛ وفي رواية الباقين: أبو مسعود والأول تصحيف فيما أظن، فإنني لم أر الأثر المعلق إلا عن أبي مسعود ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع لعبد الله بن مسعود أيضا لكن لم أقف عليه. اهـ. وقد تعقبه العيني في "عمدة القاري" 16/ 360 بقوله: إن بعض الظن إثم لا يلزم من عدم رؤيته الأثر المذكور إلا عن أبي مسعود أن لا يكون أيضًا لعبد الله بن مسعود، مع أن القائل -أي: ابن حجر- قال: يحتمل أن يكون وقع ذلك لعبد الله بن مسعود، فإذا كان هذا الاحتمال موجودا كيف يحكم بالتصحيف بالظن. اهـ.

(6)

كذا في الأصول، وصوابها: أبو أيوب كما سيأتي في البخاري.

(7)

سيأتي في باب: هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة.

ص: 524

والمراد بإجابة الداعي في العرس، قال مالك: ذَلِكَ في العرس خاصة؛ لإفشاء النكاح، وكره لأهل الفضل أن يجيبوا للطعام يدعون إليه، يريد في غير العرس

(1)

.

وهو ما اختلف فيه العلماء في غير العرس من الدعوات، فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجب إتيان وليمة العرس، ولا يجب إتيان غيرها من الدعوات.

وقال الشافعي: إجابة وليمة العرس واجبة، ولا أرخص في ترك غيرها مثل: النفاس، والختان، وحادث سرور. ومن تركها فليس بعاصٍ

(2)

.

وقال أهل الظاهر: كل دعوة فيها طعام واجب

(3)

.

حجتهم حديث أبي موسى والبراء رضي الله عنهما، وهما عامَّان في كل دعوة، وتأوله مالك والكوفيون على العرس خاصة؛ بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه السلام قال:"إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها". وأخرجه مسلم أيضًا.

وفي رواية له: "إذا دعي أحدكم فليجب، عرسًا كان أو نحوه". وله: "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا"

(4)

.

ولابن ماجه: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب"

(5)

.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 570 - 571.

(2)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 292، "الاستذكار" 16/ 351 - 352، "الأم" 6/ 178.

(3)

انظر: "المحلى" 9/ 450.

(4)

مسلم (1429) كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة.

(5)

ابن ماجه (1914).

ص: 525

ولأبي الشيخ

(1)

: "من دعاكم فأجيبوه". وهو مفسر، وفيه بيان وتفسير ما أجمل عليه السلام في قوله:"أَجِيبُوا الدَّاعِيَ". والمفسر يقضي على المجمل.

قال ابن حبيب: وقد أبيحت الوليمة أكثر من يوم، وأولم ابن سيرين ثمانية أيام، ودعى في بعضها أبي بن كعب، كذا ذكره ابن بطال

(2)

: ابن سيرين.

والذي أخرجه البيهقي وغيره: سيرين، كما ستعلمه.

وكره قوم ذلك أيامًا وقالوا: اليوم الثاني فضل والثالث سُمعة.

وأجاب الحسن رجلًا دعاه في اليوم الثاني، ثم دعاه في الثالث فلم يجبه، وفعله ابن المسيب وحصب الرسول. أخرجه أبو داود وفي رواية: قال: أهل رياء وسمعة

(3)

.

وقال ابن مسعود: نهينا أن نجيب من يرائي بطعامه.

وقول من أباحها بغير توقيت أولى؛ لقول البخاري: ولم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ولا يومين. وذلك يقتضي الإطلاق ومنع التحديد؛ إلا بحجة يجب التسليم لها.

ولم يرخص العلماء للصائم في التخلف عن إجابة الوليمة. وقال الشافعي: إذا كان المجيب مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا

(4)

. واحتج بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1)

ورد بهامش (غ): لأبي الشيخ من حديث عبد الله مرفوعا: "اقبلوا الهدية، وأجيبوا الداعي".

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 288، وكذا "النوادر والزيادات" 4/ 568 - 569.

(3)

أبو داود (3745، 3746).

(4)

"الأم" 6/ 178.

ص: 526

"إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصل" أخرجه مسلم

(1)

. أي: فليَدْعُ

(2)

.

وفعله ابن عمر ومد يده وقال: بسم الله كلوا، فلما مد القوم أيديهم، قال: كلوا فإني صائم

(3)

.

وقال قوم: ترك الأكل مباح، وإن لم يصم أجاب الدعوة، وقد أجاب علي بن أبي طالب ولم يأكل، وقال مالك: أرى أن يجيبه في العرس وحده إن لم يأكل أو كان (صائما)

(4)

. وحجته: حديث جابر السالف.

فصل:

ذكر في الترجمة: الوليمة سبعة أيام. ولم يأت به في الحديث، وقصد الرد على من أنكر اليوم الثالث، فاستدل على ذلك بإطلاق إجابة الداعي من غير تقييد، فاندرج فيه السبعة المدعى أنها ممنوعة، روى ابن أبي شيبة عن أبي أسامة، عن هشام، عن حفصة قالت: لما تزوج أبي سيرين دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعاهم وفيهم: أُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت.

قال هشام: وأظنها قالت: ومعاذ، فكان أُبي صائمًا، فلما طعموا دعا أُبي وأمن القوم

(5)

.

(1)

مسلم (1431) كتاب النكاح، باب الأمر لإجابة الداعي إلى دعوة.

(2)

ورد في هامش (س): في هامش أصله لأبي الشيخ من حديث ابن مسعود مرفوعا: "وإن كان صائما فليدع بالبركة".

(3)

رواه البيهقي 7/ 263.

(4)

في الأصول: طعاما، وهو تحريف، والمثبت من "المنتقى" 3/ 350.

(5)

"مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 556 - 557 (17157).

ص: 527

وأخرجه البيهقي من حديث محمد عن حفصة أن سيرين عرس بالمدينة، فأولم فدعا الناس سبعًا، وكان ممن دعا أبي بن كعب، وهو صائم، فدعا لهم بخير وانصرف. وكذا ذكره حماد بن زيد، إلا أنه لم يذكر حفصة في إسناده. وقال معمر عن أيوب: ثمانية أيام. والأول أصح

(1)

.

وقال الداودي: جاء أن الوليمة سبعة أيام. ودل أن فوقه رياء وسمعة، وسيأتي حديث أنها في اليوم الأول حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة. وفي حديث صفية أنه عليه السلام أقام في طريق خيبر ثلاثة أيام، يبني عليه (بصفية)

(2)

عنده.

فصل:

وقوله: (ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يومًا ولا يومين) كأنه لم يصح عنده فيه حديث أنس السالف، ومثله أحاديث أُخر:

أحدها: حديث الحسن عن عبد الله بن عثمان الثقفي عن رجل أعور من بني ثقيف كان يقال: له معروف -أي: يثنى عليه خير، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه- أنه عليه السلام قال:"الوليمة أول يوم حق، والثاني معووف، واليوم الثالث رياء وسمعة" أخرجه أبو داود

(3)

، ولما ذكر البخاري في "تاريخه الكبير" زهيرًا هذا قال: لا يصح إسناده ولا يعرف له صحبة

(4)

.

(1)

"السنن الكبرى" 7/ 261.

(2)

في الأصول: بحفصة. وفي هامش (س)، (غ): صوابه: صفية.

(3)

أبو داود (3745).

(4)

"التاريخ الكبير" 3/ 245 (1412).

ص: 528

وقال ابن عمر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي إلى الوليمة فليجب"

(1)

. ولم يخص ثلاثة أيام من غيرها، وهذا أصح.

قال أبو عمر: في إسناده نظر يقال: إنه -يعني حديثه- هذا مرسل، وليس له غيره

(2)

.

وقال الباوردي: روي عنه حديث واحد لم يثبت: "الوليمة أول يوم حق" اختلف أصحاب الحسن عنه في رواية هذا الحديث، وليس يعرف في الصحابة

(3)

.

قلت: قد ذكره فيهم أبو حاتم الرازي والبستي وأبو نعيم والفلاس وابن زبر وابن قانع والعسكري والأزدي والترمذي وابن السكن، وذكره أيضًا ابن أبي خيثمة في "تاريخه الأوسط"، والبغويان، وأحمد في "مسنده الكبير"، وابن عبسة وقال: لا أعلم لزهير غيره. وأبو نعيم وابن منده ومحمد بن سعد كاتب الواقدي

(4)

، وذكر غير واحد أن الحسن روى عنه. ودخول عبد الله بن عثمان بينهما لا يضره؛ لأنه معدود أيضًا من الصحابة عند أبي موسى المديني، وقال أبو القاسم الدمشقي: أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد باليرموك. وقد رواه النسائي عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلًا

(5)

، فاعتضد.

(1)

رواه مسلم (1429).

(2)

"الاستيعاب" 2/ 98 (824).

(3)

انظر: "الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة" 1/ 228.

(4)

انظر: "مسند أحمد" 5/ 28، "جامع الترمذي" عقب حديث (1094)، "الجرح والتعديل" 3/ 568، "معجم الصحابة" للبغوي 2/ 513، "معرفة الصحابة" لابن قانع 1/ 240 (274)، "الثقات" 3/ 143، "معرفة الصحابة" لأبي نعيم 3/ 1225، "الإنابة" لمغلطاي 1/ 227 - 228، "الإصابة" 1/ 554 (2830).

(5)

"السنن الكبرى" 4/ 137 - 138 (6597).

ص: 529

ثانيها: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سَمَّع سَمَّعَ اللهُ به" أخرجه الترمذي، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله البكائي، وزياد كثير الغرائب والمناكير. وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد مع شرفه (يكذب)

(1)

في الحديث

(2)

.

قلت: هو من فرسان الصحيحين، وأثنى عليه جماعة.

ثالثها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة" أخرجه ابن ماجه

(3)

؛ وفي إسناده عبد الملك بن حسين النخعي، أبو مالك الواسطي، استشهد به الحاكم، وتكلم فيه غير واحد

(4)

.

(1)

في الأصول: لا يكذب. وهو خطأ والمثبت من الترمذي.

(2)

كذا وقع في المطبوع من "جامع الترمذي"(1097)، وأشار إليه العلامة مغلطاي في "إكمال التهذيب" 5/ 115 فقال بعد أن ساقه: كذا ألفيتُهُ في نسخة جيدة -أي: لا يكذب- والذي في تاريخ البخاري عن محمد -أي: ابن عقبة- قال وكيع: هو أشرف من أن يكذب. اهـ وهذا هو الصحيح، كما في "التاريخ الكبير" 3/ 360 (1218)، "الضعفاء" للعقيلي 2/ 80 (529)، "الكامل" لابن عدي 4/ 137 (691)، "المجروحين" 1/ 303، "تهذيب الكمال" 9/ 487.

(3)

ابن ماجه (1915).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" 2/ 109: فيه عبد الملك بن حسين وهو ضعيف، وله شاهد من حديث ابن مسعود رواه الترمذي. اهـ

والحديث ضعفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه"(420).

(4)

قال ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. =

ص: 530

‌72 - باب مَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ

5177 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم. [مسلم: 1432 - فتح 9/ 244].

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ -هو عبد الرحمن بن هرمز- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

هذا الحديث أخرجه هكذا موقوفًا على أبي هريرة، وأخرجه مسلم كذلك، ومرة مرفوعًا.

وقوله: (فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ). يقتضى رفعه، وقد أخرجه أهل التصنيف في المسند كما أخرجوا حديث ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنه قال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"

(1)

.

= انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" 5/ 411 (1336)، "الجرح والتعديل" 5/ 347 (1641)، "تهذيب الكمال" 34/ 247 - 249.

(1)

رواه موقوفًا مالكٌ في "الموطأ" ص 64، قال ابن عبد البر في "التمهيد" 7/ 194: هذا الحديث يدخل في المسند لاتصاله من غير ما وجه. اهـ

ورواه مرفوعًا من هذا الطريق أحمدُ 2/ 460، 517، والنسائي في "الكبرى" 2/ 198، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 43، والبيهقي 1/ 35.

وقد سلف هذا الحديث في البخاري عن أبي هريرة من غير هذا الطريق برقم (887)، وهو عند مسلم (252).

ص: 531

وحديث أبي الشعثاء عن أبي هريرة أنه رأى رجلًا خارجًا من المسجد بعد الآذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم

(1)

، ومثل هذا لا يكون رأيًا، وإنما كان توقيفًا، نبه على ذلك ابن بطال

(2)

، ومثله حديث عمار:"من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم"

(3)

، وكذا قال ابن عبد البر: ظاهره أنه موقوف من رواية الجمهور من أصحاب مالك، إلا أن قوله:(فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ). يقتضي رفعه عندهم، وقد رواه (روح بن القاسم)

(4)

عن مالك فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بئس الطعام طعام الوليمة" الحديث، ورواه معمر عن الزهري عن ابن المسيب والأعرج عن أبي هريرة.

قال عبد الرزاق: وربما قال معمر في هذا الحديث: ومن لم يأت الدعوة، فقد عصى الله ورسوله

(5)

.

قال أبو عمر: وحديث أبي هريرة هذا مسند عندهم إلا رواية من رواه مرفوعًا بغير إشكال مما يشهد لما ذكرنا

(6)

.

ولأبي الشيخ: قال إبراهيم بن بشار الرمادي: قالوا لسفيان: هذا مرفوع. قال: لا، ولكن فيه: فقد عصى الله ورسوله.

(1)

رواه مسلم (665) كتاب المساجد، باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 289.

(3)

سبق تخريجه في كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الهلال فصوموا".

(4)

في الأصول: روح وابن القاسم، وهو خطأ والمثبت هو الصواب، وهو روح بن القاسم التميمي العنبري، أبو غياث البصري.

انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" 9/ 252 - 254.

(5)

عبد الرزاق 10/ 447 - 448 (19662).

(6)

"الاستذكار" 16/ 439 - 351.

ص: 532

ولما ذكره الدارقطني في "الغرائب" من رواية لإسماعيل بن مسلمة بن قعنب

(1)

، عن مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال .. الحديث، قال: قال لنا أبو بكر النيسابوري: أخطأ إسماعيل هذا في رفعه، وهو في "الموطأ" من كلام أبي هريرة

(2)

. وقال في كتابه "المواطآت": أسنده إسماعيل، ولم يصنع شيئًا.

قلت: أخرجه أبو الشيخ من حديث مخلد بن يزيد، عن هشام، عن محمد بن سيرين وعبد الله بن أبي مغيث قالا: ثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فذكره. وعنده أيضًا من طريق مجاهد، عن أبي هريرة: الوليمة حق وسنة، فمن دعي فلم يجب .. الحديث، موقوفًا، ومن طريق العُمري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" ومن طريق عمران بن مسلم، وإبراهيم الصائغ، عن نافع عنه مرفوعًا:"شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعا لها الغني ويترك الفقير، ومن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله". وأخرجه أبو داود من حديث درست بن زياد -وهو واهٍ- عن أبان بن طارق، ولا يعرف

(3)

.

(1)

ورد في هامش (س): إسماعيل بن مسلمة بن قعنب أخو عبد الله.

قال الذهبي: ما علمت به بأسًا، إلا أنه ليس في الثقة كأخيه. ثم ذكر حديثه هذا الذي رفعه قال: فَوَهِمَ، وإنما هُوَ في "الموطأ" من كلام أبي هريرة.

(2)

وكذا قال في "العلل" 9/ 117.

(3)

أبو داود (3741) قال المنذري في "تهذيب السنن" 5/ 290: في إسناده أبان بن طارق البصري؛ سئل أبو زرعة عنه فقال: شيخ مجهول، وقال أبو أحمد بن عدي: وأبان بن طارق لا يعرف إلا بهذا الحديث. وهذا الحديث معروف به، وليس له أنكر من هذا الحديث. وفي إسناده أيضًا درست بن زياد، ولا يحتج بحديثه، ويقال: هو درست بن حمزة، وقيل: بل هما اثنان ضعيفان. اهـ

ص: 533

فصل:

قوله: (وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ). يريد -والله أعلم-: الإجابة.

وقوله: (فَقَدْ عَصى اللهَ وَرَسُولَهُ). هذا شديدٌ والعصيانُ لا (يطلق)

(1)

إلا على ترك واجب وكأنه لما بغير الأمر عما كان عليه فأمر بها طاعة لله ولرسوله.

فصل:

من شروط الوجوب أن يعم بدعوته، فإن خص الأغنياء، فالإجابة غير واجبة عندنا، وبه صرح ابن حبيب من المالكية، كما سيأتي.

ولا خلاف بين الصحابة والتابعين في وجوب الإجابة إلى دعوة الوليمة -كما قاله ابن بطال- إلا ما روي عن ابن مسعود أنه قال: نهينا أن نجيب من يدعو الأغنياء ويترك الفقراء. وقد دعا ابن عمر في دعوته الأغنياء والفقراء، فجاءت قريش والمساكين معهم، فقال ابن عمر للمساكين: ها هنا اجلسوا، لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون.

قال ابن حبيب: ومن فارق السنة في وليمة فلا دعوة له، ولا معصية في ترك إجابته. وقد حدثني (المغيرة)

(2)

أنه سمع سفيان الثوري يقول: إنما تفسير وجوب إجابة الدعوة إذا دعاك من لا يفسد عليك دينك ولا قلبك. ثم روى عن ابن مسعود قال: إذا اتُّخِذَت النجد، وخُص الغني، وتُرِك الفقير أمرنا أن لا نجيب؛ وعن أبي هريرة رضي الله عنه

(1)

في الأصول: يتعلق، والمثبت هو الصواب.

وفي إسناده أيضا درست بن زياد، ولا يحتج به، ويقال: هو درست بن حمزة، وقيل: هما اثنان ضعيفان. اهـ

(2)

في الأصل: ابن المغيرة. وهو خطأ، والمثبت من ابن بطال.

ص: 534

أنه كان يقول: أنتم العاصون في الدعوة، تَدْعون من لا يأتي وتَدَعون من يأتيكم. يعني بمن لا يأتي: الأغنياء، ومن يأتيهم: الفقراء، وليس يحرم الطعام بدعوة الأغنياء وترك الفقراء، وإنما المحرم فعل صاحب الطعام فيه إذا تعمد ذلك

(1)

.

فرع:

إذا حضر الوليمة فالأولى أن يبتدئ بالأكل منها مَنْ أمره الشارع بالبداءة، روى أبو الشيخ من حديث ثابت بن ثوبان قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام فقال: "يؤم الناس في الطعام الأمير، أو رب الطعام، أو خيرهم". ثم قال "خذ يا أبا عبيدة جزءًا"، وإنه كان صائمًا يومئذ.

(1)

"شرح ابن بطال" 7/ 289 - 290.

ص: 535

‌73 - باب مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ

5178 -

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَىَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ» . [انظر: 2568 - فتح 9/ 245].

حدثنا عَبْدَانُ-واسمه: عبد الله بن عثمان بن جبلة- عَنْ أَبِي حَمْزَةَ -بالحاء والزاي، واسمه: محمد بن ميمون السكري المروزي- عَنِ الأَعْمَشِ -واسمه سليمان بن مهران الكاهلي- عَنْ أَبِي حَازِمٍ -واسمه سلمان الأشجعي، مولى عزة، جالس أبا هريرة خمس سنين، ثقة، توفي في حدود المائة- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَو دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِليَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ".

هذا الحديث أخرجه في الهبة عن محمد بن بشار، عن ابن أبي عدي، [عن شعبة]

(1)

، عن سليمان به وقال:"لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ -أو كُرَاعٌ- لَقَبِلْتُ". وهو راجع إلى التواضع وترك التكبر، والائتلاف لقبول اليسير، والإجابة إليه؛ لأن الهدية تؤكد المحبة، وكذلك الدعوة إلى الطعام، ولا يبعث على ذلك إلا محبة الداعي وسروره بأكل المدعو إليه من طعامه، والتحبب إليه بالمؤاكلة، وتوكيد الذمام معه بها؛ فلذلك [حض]

(2)

على قبول التافه من الهدية، وإجابة النزر من الطعام

(3)

.

(1)

ساقط من الأصل؛ والمثبت من "الصحيح".

(2)

زيادة يقتضيها السياق، من "شرح ابن بطال".

(3)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 290.

ص: 536

‌74 - باب إِجَابَةِ الدَّاعِي فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهَا

5179 -

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا» . قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِى الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهْوَ صَائِمٌ. [انظر: 5173 - مسلم: 1429 - فتح 9/ 246].

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - هو البغدادي من أفراده- ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ -وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج-: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا» . قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بن عمر يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِى الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهْوَ صَائِمٌ.

هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وهو حجة لمن أوجب حضور الوليمة وغيرها. وقد سلف أن إجابة الدعوة في غير العرس عند مالك والكوفيين مندوب إليها، وروى ابن وهب أنه سئل مالك عن الرجل يحضر الصنيع فيه اللهو، قال: ما يعجبي للرجل ذي الهيئة أنه يجيب الدعوة؛ لأن في ذلك مذلة ومخالطة لمن لا يشاكله. وسئل عن الدعوة في الختان فقال: ليس تلك من الدعوات، وإن أجاب فلا بأس.

قال مالك: ويجيب وإن لم يأكل، ويجيب وإن كان صائما

(1)

. فاختار بعضهم الأكل للمفطر للحديث السالف.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 571 - 572، "شرح ابن بطال" 7/ 291، "الاستذكار" 16/ 357.

ص: 537

‌75 - باب ذَهَابِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إِلَى الْعُرْسِ

5180 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: أَبْصَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ مُمْتَنًّا فَقَالَ:«اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ» . [انظر: 3785 - مسلم: 2508 - فتح 9/ 248].

ذكر فيه حديث أنس رضي الله عنه: أَبْصَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ مُمْتَنًّا فَقَالَ:"اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ".

وذكره في فضل الأنصار.

معنى (ممتنًّا) مفضلًا عليهم بذلك؛ لأن الأنصار أحب الناس إليه، فقال أنس: هو عليه السلام ممتن علينا بمحبته وتخصيصه

(1)

.

قال عياض: كذا ضبطه المتقنون بسكون الميم وكسر التاء، قيل: معناه: طويلًا

(2)

، وضبطه أبو ذر:(ممتنًّا)، وفسره:(متفضلًا)، ورواه ابن السكن:(يمشي)، بدلًا منه، وهو تصحيف، وذكر في الفضائل ممثلا بكسر الثاء، أي: منتصبًا قائمًا، كما تقدم، وضبطناه في مسلم:(ممثَلا) بالفتح، قال الوقشي: صوابه ممثِلا بسكون الميم وكسر الثاء. أي: قائما، ويؤيد هذِه الرواية الأخرى: فمثل قائمًا. أي: انتصب.

وفيه: استحباب شهود النساء والصبيان الأعراس؛ لأنها شهادة لهم عليها، ومبالغة في الإعلان بالنكاح.

(1)

"شرح ابن بطال " 7/ 291.

(2)

"إكمال المعلم" 7/ 550.

ص: 538

‌76 - باب هَلْ يَرْجِعُ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا فِي الدَّعْوَةِ

؟

وَرَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ صُورَةً فِى الْبَيْتِ، فَرَجَعَ. وَدَعَا ابْنُ عُمَرَ أَبَا أَيُّوبَ رضي الله عنهم، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْرًا عَلَى الْجِدَارِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ أَخْشَى عَلَيْهِ فَلَمْ أَكُنْ أَخْشَى عَلَيْكَ، وَاللهِ لَا أَطْعَمُ لَكُمْ طَعَامًا، فَرَجَعَ.

5181 -

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مَا بَالُ هَذِهِ النِّمْرِقَةِ؟» . قَالَتْ: فَقُلْتُ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» . وَقَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» . [انظر: 2105 - مسلم: 2107 - فتح 9/ 249].

ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها في النمرقة.

وقد سلف في البيع.

والنُّمرقة بضم النون، وحكي كسرها. والنمرق أيضًا: وسادة صغيرة، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرجل نمرقة، ويقال: نمروق أيضًا، وقيل: المرافق، وقيل: المجالس، ولعله يعني: الطنافس وشبهها، ومثل حديث عائشة حديث عليٍّ رضي الله عنهما، أخرجه النسائي من حديث قتادة، عن ابن المسيب، عنه: دعوت النبي صلى الله عليه وسلم -

ص: 539

فدخل، فرأى سترًا فخرج وقال "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير"

(1)

. ولأبي داود من حديث سفينة نحوه، وقال:"إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتًا مرقومًا"

(2)

.

وهذِه الأحاديث دالة على أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله عنه ورسوله، وما كان مثله من المناكير، ألا ترى أنه عليه السلام رجع من بيت عائشة حين رأى النمرقة بالتصاوير، وقد حُكِيَ الوعيد في المصورين أنهم أشد الناس عذابًا، وأنه يقال: أحيوا ما خلقتم، فلا ينبغي حضور المنكر والمعاصي، ولا مجالسة أهلها عليها؛ لأن ذلك إظهار للرضى بها، ومن كثر سواد قوم فهو منهم، ولا يأمن فاعل ذلك حلول سخطِ الرَّبِّ جل جلاله، وعقابه عليهم، وشمول لعنته لجميعهم.

وفي أبي داود من حديث جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل وهو منبطح على بطنه. قال أبو داود: هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري، وهو منكر

(3)

. وللنسائي من حديث جابر رفعه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر"

(4)

. ولأحمد مثله من حديث القاسم بن

(1)

"المجتبى" 8/ 213.

(2)

أبو داود (3755)، ورواه ابن ماجه (3360)، وفيهما: مزوقًا بدلًا من مرقومًا.

قال المنذري في "تهذيب السنن" 5/ 295: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده سعيد بن جهمان، أبو حفص الأسلمي البصري، قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به.

(3)

أبو داود (3774). وقال الألباني في "الإرواء"(1982): منكر.

(4)

"السنن الكبرى"(6741).

ص: 540

أبي القاسم، عن قاصِّ الأجناد بالقسطنطينة، عن عمر، به

(1)

.

وروى ابن وهب عن مالك أنه سُئِلَ عن الرجل يدعَى إلى الوليمة وفيها شراب، أيجيب الدعوة؟ قال: لا؛ لأنه أظهر المنكر

(2)

.

وقال الشافعي: إذا كان في الوليمة خمر أو منكر، وما أشبهه من المعاصي نهاهم، فإن انتهوا وإلا رجع، وإن علم أن ذلك عندهم لم أحب له أن يجيب.

وقال مرة: وإذا دعي إلى الوليمة وفيها المعصية نهاهم، فإن نَحّوا ذلك عنه، وإلا لم أحب له أن يجلس، فإن رأى صورًا ذات أرواح لم يدخل إن كانت منصوبة لا توطأ، فإن كانت توطأ أو كانت صورًا غير ذات أرواح، فلا بأس أن يدخل

(3)

.

وقال الطحاوي: لم نجد عن أصحابنا في ذلك شيئًا إلا في إجابة دعوة وليمة العرس خاصة، فإنها تجب عندهم، قال: وقد يقال: إن طعام الوليمة إنما هو طعام العرس خاصة.

واختلفوا في اللهو واللعب يكون في الوليمة، فقال الليث: إذا كان فيها الضرب بالعود واللهو فلا ينبغي أن يشهدها

(4)

. ورخص في ذلك الحسن.

قال ابن القاسم: وإن كان فيها لهو كالمزامير والعود فلا يدخل. وعن مالك: إذا دعي ورأى لهوًا خفيفًا مثل الدف والكبر فلا يرجع. وقال أصبغ: أرى أن يرجع. وذكر ابن المواز عن مالك قال: إذا

(1)

"المسند" 1/ 20.

(2)

انظر: "شرح ابن بطال " 7/ 292.

(3)

"الأم" 6/ 178 - 179.

(4)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 292 - 293، 294.

ص: 541

رأى أحدًا من اللعابين فليخرج، مثل أن يجعل ضاربًا على جبهته أو يمشي على حبل.

وقال ابن وهب عن مالك: لا أحب لذي الهيئة أن يحضر اللعب.

قيل له: فالكَبَر والمزمار وغيره من اللهو ينالك سماعه وتجد لذته وأنت في طريق أو مجلس؟ قال: فليقم عن ذلك المجلس، وقد رجع ابن مسعود في وليمة

(1)

، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من كثر سواد قوم فهو منهم"

(2)

.

وقد مر ابن عمر بزمر، فجعل إصبعيه في أذنيه ومشى، وجعل يقول لنافع: أتسمع شيئا، قال: لا، فنحى يديه، ثم قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع زمارة راعٍ، ففعل مثل ما فعلت. أخرجه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"

(3)

. وقال أبو داود: حديث منكر

(4)

.

وقال أبو حنيفة: إذا حضر الوليمة فوجد فيها اللعب، فلا بأس أن يقعد يأكل.

(1)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 571 - 572، "شرح ابن بطال" 7/ 293.

(2)

رواه أبو يعلى كما في "إتحاف الخيرة المهرة"(3297)، و"المطالب العالية"(1660)، وعلي بن معبد في "الطاعة والمعصية" كما في "نصب الراية" 4/ 346؛ من حديث ابن مسعود.

ورواه ابن أبي عاصم في "السنة"(1464)، والخطيب البغدادي في "تاريخه" 10/ 40 - 41، من حديث أنس.

ورواه نعيم بن حماد في زوائده على "الزهد" لابن المبارك (12) من حديث أبي ذر موقوفا.

وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف؛ كما في "الكاشف"(3194)، "التقريب"(3862).

(3)

ابن حبان 2/ 468 (193).

(4)

أبو داود (4924).

ص: 542

وقال محمد: إذا كان الرجل مِمَّن يُقْتَدى به فأحب لي أن يرجع

(1)

.

وروي أن الحسن وابن سيرين كانا في جنازة وهناك نوح، فانصرف ابن سيرين، فقيل ذلك للحسن، فقال: إن كنا متى رأينا باطلًا تركنا حقًّا؛ أَسْرَع في ديننا

(2)

.

واحتج الكوفيون في إجازة حضور اللعب بأنه عليه السلام رأى لعب الحبشة، ووقف له، وأراه عائشة

(3)

، وضُرب عنده في العيد بالدف والغناء، فلم يمنع من ذلك

(4)

.

وحجة من كرهه أنه عليه السلام لما لم يدخل البيت الذي فيه الصورة التي نهى عنها، فكذلك كل ما كان مثلها من المناكير.

(1)

انظر: "مختصر اختلاف العلماء" 2/ 293.

(2)

ذكره ابن بطال 7/ 293، وابن عبد البر في "الاستذكار" 16/ 359.

ورواه علي بن الجعد (2231) بلفظ آخر فقال: عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يتبعان الجنازة التي فيها نوح، ينهيان عن النوح، فإذا أبين لم يدعا الجنازة.

(3)

سلف برقم (454).

(4)

سلف برقم (949).

ص: 543

‌77 - باب قِيَامِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْعُرْسِ وَخِدْمَتِهِمْ بِالنَّفْسِ

5182 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ، فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلاَّ امْرَأَتُهُ أُمُّ أُسَيْدٍ، بَلَّتْ تَمَرَاتٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ لَهُ فَسَقَتْهُ؛ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ. [انظر: 5176 - مسلم: 2006 - فتح 9/ 251].

ذكر فيه حديث سهل رضي الله عنه في عرس أبي أسيد وقد سلف قريبًا.

رواه هناك، عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي حازم، عن سهل، ورواه هنا عن سعيد بن أبي مريم، ثنا أبو غسان -واسمه: محمد بن مطرف الليثي المدني- حدثني أبو حازم -واسمه: سلمة بن دينار القاضي المدني- عن سهل قال: لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ، فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ (إِلَّا)

(1)

امْرَأَتُهُ أُمُّ أُسيْدٍ، بَلَّتْ تَمَرَاتٍ في تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ لَهُ فَسَقَتْهُ؛ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ.

ثم ساقه بعد، عن يحيى بن بكير، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم .. الحديث. ووقع في رواية النسفي: قال أبو حازم: لما عرس أبو أسيد .. الحديث. منقطعًا فيما بين أبي حازم وأبي أسيد؛ لأنه لم يدركه، ولكنه وصله في الباب الذي بعده،

(1)

ساقطة من الأصل، والمثبت من (غ)، وهو الموافق لما جاء في "الصحيح". وفي إسناده أيضًا درست بن زياد، ولا يحتج به، ويقال: هو درست بن حمزة، وقيل: هما اثنان ضعيفان. اهـ

ص: 544

وأشار إليه بقوله: عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد أن أبا أسيد .. الحديث.

فصل:

والتور: قدح من أي شيء كان، قاله الداودي.

وفيه: إيثار بعض القوم دون بعض.

وفيه: إِتْيانه عليه السلام وحضوره لمن دعاه.

وقوله: (أَمَاثَتْهُ لَهُ) قال الخطابي: أي مرسته بيدها، أي: وعَرَكَتْهُ، يريد التمر في الماء، يقال: مِثْتُ الشيءَ أَمِيثُهُ وأَمُوثُهُ إذا دفته

(1)

.

وقال ابن فارس: وماث الشيء في الماء، يموثه ويمثيه إذا دافه

(2)

.

وقال في باب الدال و (القاف)

(3)

: دُفْت الدواء دوفًا: إذا بللته بماء. ويقال: مَدُوف ومَدْووف مثل مَصُون ومَصْوون، وليس لهما نظير

(4)

.

ووقع في رواية أبي الحسن وغيره: أماثته، رباعيًّا، وأهل اللغة ذكروه ثلاثيًّا كما سلف. وحكى الهروي مثت وأمثت معًا، ثلاثي ورباعي.

وقال ابن دريد: مِثْتُ أميث، ومُثت بالضم وأَمُوث مَوْثًا ومَيْثًا

(5)

. زاد يعقوب: وموثانًا

(6)

إذا مرسته. ولم يذكر أمثت.

(1)

"أعلام الحديث" 3/ 1984.

(2)

"المجمل" 2/ 820.

(3)

كذا في الأصول، ولعل صوابها الفاء ليستقيم المعنى.

(4)

انظر: "المجموع المغيث" 1/ 683، مادة: دوف.

(5)

"جمهرة اللغة" 1/ 433.

(6)

"إصلاح المنطق" ص 136.

ص: 545

وقال ابن القوطية: ماث الشيء مَوْثًا ومَيْثًا: ذاب في الماء، والأرض لانت، والرَّجُلُ الشيء، والدواء في الماء: عركه ليذوب

(1)

.

وقال صاحب "العين": مثت الماء في الملح ميثًا: أذبته، وقد انماث

(2)

.

وقوله: (فَسَقَتْهُ؛ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ) أي: برته به، والتحف: البر واللطف.

قال الخليل: هي بتاء مبدلة من واو -يريد أنها من الوحف: وهو [من]

(3)

النبات الريان

(4)

- ويقال: فلان يتوحف. أي: يأكل طرف الفاكهة

(5)

.

(1)

"الأفعال" لابن القوطية ص 299.

(2)

"العين" 8/ 250.

(3)

زيادة يقتضيها السياق.

(4)

انظر: "العين" 3/ 308، "تهذيب اللغة" 4/ 3850.

(5)

"العين" 3/ 193.

ص: 546

‌78 - باب النَّقِيعِ وَالشَّرَابِ الَّذِى لَا يُسْكِرُ فِي الْعُرْسِ

5183 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ دَعَا النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَهْيَ الْعَرُوسُ -فَقَالَتْ أَوْ- قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا أَنْقَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِى تَوْرٍ. [انظر: 5176 - مسلم: 2006 - فتح 9/ 251].

ساق فيه أيضًا حديثها.

وفيه: خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها.

وفيه: أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه ويستخدمهن لهم.

وفيه: شرب الشراب الذي لا يسكر في العرس، وأن ذلك من الأمر المعروف القديم.

ص: 547

‌79 - باب الْمُدَارَاةِ مَعَ النِّسَاءِ. وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ»

5184 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ» . [انظر: 3331 - مسلم: 1468 - فتح 9/ 252].

ثم أسنده عنه من حديث أبي هريرة: "الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ، إِنْ أَقمْتَهَا كسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفيهَا عِوَجٌ".

هذا الحديث ثبت بألفاظ أخر، ففي لفظ:"فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا"، ذكره في الباب بعده، وفي آخر عند مسلم:"لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها"

(1)

، وفي لفظ لأبي بكر جعفر بن محمد الفريابي في "كتاب النكاح":"لن تستقيم لك المرأة على خليقة واحدة، إنما هي كالضلع، فاستمتع بها على ما كان فيها من عوج".

ومن حديث سمرة بن جندب مرفوعًا بإسناد فيه شيخ لا يعرف: "إنما المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامتها تكسرها، فدارها تعش بها، فدارها تعش بها"

(2)

. وقد نظم هذا المعنى:

(1)

مسلم (1468/ 59) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.

(2)

رواه أحمد 5/ 8، والروياني في "المسند" 2/ 76 (851) من طريق محمد بن جعفر، وابن أبي شيبة 4/ 202، من طريق هوذة بن خليفة، وابن أبي الدنيا في "العيال"(470)، من طريق ابن المبارك، ثلاثتهم عن عوف بن أبي جميلة، عن رجل، عن سمرة، به. =

ص: 548

هي الضلع العوجاء ليس يقيمها

أَلا إِنَّ تقويمَ الضلوعِ انكسارُها

أتجمع ضعفًا واقتدارًا على الفتى

أليس عجيبًا ضعفها واقتدارها

وقول البخاري: باب المداراة، كذا هو في الأصول قال ابن فارس: دارأت فلانًا إذا دفعته، وداريته خَتَلْتُهُ ولاينته، وقد سوى أبو (عبيد)

(1)

بينهما في باب ما يهمز وما لا يهمز

(2)

، والضِّلع بكسر الضاد وفتح اللام، وقيل بسكونها.

قال ثابت

(3)

في "دلائله" بعد أن حكى اللغتين: وإنما سميت بذلك المرأة؛ لأنها من المر خلقت.

= وقد جاء التصريح باسم الرجل وأنه أبو رجاء العطاردي؛ عند البزار كما في "كشف الأستار"(1476، 1477) من طريق محبوب بن الحسن، وجعفر بن سليمان ورواه ابن حبان 9/ 485 (4178)، والطبراني 4/ 244 (6992)، وفي "الأوسط" 8/ 231 (8489) من طريق جعفر بن سليمان وحده، ورواه الحاكم 4/ 174 من طريق أبي عاصم؛ كلهم (محبوب، وجعفر، وأبو عاصم) عن عوف بن أبي جميلة، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة، به.

قال الهيثمي في "المجمع" 4/ 354: رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، وسمى الرجل أبا رجاء العطاردي، والطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، وفي إسناد أحمد رجل لم بسم، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني مساتير ومن لم يعرف.

(1)

في الأصل: عبيدة، والمثبت من (غ) وهو الموافق لما في "المجمل".

(2)

"المجمل" 1/ 324، وانظر:"غريب الحديث" 1/ 202.

(3)

هو ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف، أبو القاسم السَّرقُسْطي، الأندلسي اللغوي، العلامة الإمام الحافظ، من تصانيفه: كتاب "الدلائل في الغريب" مما لم يذكره أبو عبيد ابن قتيبة ولا مات قبل إكماله فأكمله أبوه، وكان سماعهما واحدا، ورحلتهما واحدة، توفي ثابت في رمضان سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.

انظر ترجمته في: "جذوة المقتبس" ص 185، "المنتظم" 6/ 203، "سير أعلام النبلاء" 14/ 562 - 563.

ص: 549

قال أبو زيد: يقال هو المرء والأمر، وهي المرأة، والمرأة والمرة (والمريان)

(1)

، ولا تجمع.

وقوله: ("كَالضِّلَعِ"): يريد أنها عوجاء كالضلع.

والعوج قال ابن السكيت: هو بفتح العين فيما كان منتصبًا كالحائط والعود، وما كان في نشاط أو دين أو معاش فهو بكسر العين، يقال: في دينه عوج. ويؤيد ما ذكره قوله تعالى: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)}

(2)

[طه: 107].

وقال غيره: هو بالفتح في كل شخص مرئي، وبالكسر فيما ليس بمرئي (كالرأي والكلام)

(3)

. وقال أبو عمرو الشيباني: هو بالكسر فيها جميعًا، ومصدرها بالفتح معًا، حكاه ثعلب عنه

(4)

.

وقال الجوهري: هو بالفتح مصدر قولك عوج بالكسر فهو أعوج، والاسم: العِوج بكسر العين

(5)

.

وقوله: "وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه" ولم يقل أعلاها، والضلع مؤنثة، وكذلك قوله:"لم يزل أعوج". ولم يقل عوجاء؛ لأن تأنيثه ليس بحقيقي.

وقال الداودي: إنما قال "كَالضِّلَعِ"؛ لأنها خلقت من ضلع آدم، من قصيرته، نام نومة، فاستل الملَك ضِلْعَهُ، فخلقت منه حواء، فاستيقظ آدم

(1)

في (غ): المرايان.

(2)

نقله عنه الجوهري في "الصحاح" 1/ 331.

(3)

من (غ)، وانظر:"النهاية في غريب الحديث" 3/ 315.

(4)

هو بنصه عن ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 164، وذكره ثعلب في "مجالسه" 1/ 85، ولم يعزه لأحد.

(5)

"الصحاح" 1/ 331.

ص: 550

وهي جالسة عنده، فضمها إليه.

قال: وقوله: ("أعوج شيء في الضلع أعلاه") ضربه مثلًا على المرأة؛ لأن فيه اللسان وهو الذي يبقي من المرأة. وقيل في قوله تعالى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] أنها كان في لسانها طول فأذهب عنها ذلك

(1)

.

وروي عنه عليه السلام أنه قال في آدم: "فضلته بثلاث: كانت زوجته عونًا عليه وكانت زوجتي عونًا لي، ووسوس إليه شيطانًا وأعانني الله على شيطاني فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير"

(2)

.

(1)

عزاه ابن كثير في "تفسيره" 9/ 439 إلى عطاء، واستظهر القول بأنها كانت عاقرا لا تلد فولدت.

قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" 9/ 79: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أصلح لزكريا زوجه كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودا حسنة الخلق؛ لأن كل ذلك من معاني إصلاحه إياها، ولم يخصص الله جل ثناؤه بذلك بعضا دون بعض في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا وضع على خصوص ذلك دلالة، فهو على العموم ما لم يأت ما يجب التسليم بأن ذلك مراد به بعض دون بعض.

(2)

رواه البيهقي في "الدلائل" 5/ 448، والخطيب في "تاريخه" 3/ 331، وفي "تالي تلخيص المتشابه"(248)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية"(280)، من طريق محمد بن الوليد بن أبان، ثنا إبراهيم بن صدقة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلت على آدم أن عليه السلام بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني الله حتى أسلم، وكن أزواجي عونا لي، وكان شيطان آدم كافرا وزوجته كانت عونا له على خطيئته".

قال البيهقي: فهذِه رواية محمد بن الوليد بن أبان، وهو في عداد من يضع الحديث.

وقال ابن الجوزي: لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار"(1421): فيه محمد بن الوليد بن أبان القلانسي. =

ص: 551

فصل:

والمداراة أصل الألفة واستمالة النفوس؛ من أجل ما جَبَلَ اللهُ عليه خَلْقَهُ وطَبَعَهم من اختلاف الأخلاق، وقد قال عليه السلام:"مداراة الناس صدقة"

(1)

.

= قال ابن عدي: كان يضع الحديث.

وقال الألباني في "الضعيفة"(1100): موضوع.

ورواه الدولابي في "الذرية الطاهرة النبوية"(30)، من طريق عبد الله بن وهب، حدثني عبد الرحمن بن زيد قال: قال آدم عليه السلام: إني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجلًا من ذريتي، نبي من الأنبياء، يقال له: أحمد، فضل علي باثنتين: زوجته عاونته فكانت له عونا، وكانت زوجتي كونا وعونا، وأن الله أعانه على شيطانه فأسلم وكفر شيطاني.

(1)

رواه ابن أبي الدنيا في "مداراة الناس"(3)، وابن حبان (471)، وابن السني في "اليوم والليلة"(325)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" 3/ 608 - 609 (752)، وابن عدي في "الكامل" 13/ 87 - 188 (470)، 8/ 487 (2066)، وأبو نعيم في "الحلية" 8/ 246، والبيهقي في "الشعب"(8445)، والقضاعي في "مسند الشهاب" 1/ 88 (91)، والخطيب في "تاريخه" 8/ 58، وابن الجوزي في "العلل المتناهية"(1215)، "العلل"، من طريق يوسف بن أسباط، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر.

قال أبو حاتم كما في "علل ابنه" 2/ 285: حديث باطل لا أصل له.

ورواه الطبراني في "الأوسط" 1/ 146 (463)، ابن عدي في "الكامل" 8/ 484 (2065) من طريق يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر.

قال الهيثمي في "المجمع" 8/ 17: فيه يوسف بن محمد بن المنكدر، وهو متروك، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.

وقال الحافظ في "الفتح" 10/ 528: أخرجه ابن عدي والطبراني في "الأوسط"، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر، ضعفوه. اهـ

والحديث ضعفه الألباني في "الضعينة"(4508).

ص: 552

وقد عرفنا في هذا الحديث أن سياسة النساء أخذ العفو منهن والصبر على عوجهن، وأن من رام إقامة ميلهن عن الحق، وأراد تقويمهن، عُدِمَ الانتفاع بهن وتجنبهن لقوله:"إِنْ أقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا" ولا غنى بالإنسان عن امرأة؛ يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه ودنياه، فلذلك قال عليه السلام إن الاستمتاع بالمرأة لا يكون إلا بالصبر على عوجها.

ص: 553

‌80 - باب الْوَصَاةِ بِالنِّسَاءِ

5185 -

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ» . [6018، 6136، 6138، 6475، مسلم: 47 - فتح 9/ 252].

5186 -

«وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِى الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» . [انظر: 3331 - مسلم: 1468 - فتح 9/ 253].

5187 -

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ كُنَّا نَتَّقِي الْكَلَامَ وَالاِنْبِسَاطَ إِلَى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَيْبَةَ أَنْ يُنْزَلَ فِينَا شَيْءٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا. [فتح 9/ 254].

ذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ"، "وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ .. ".

الحديث كما سلف، وفيه ميسرة وهو ابن عمار الأشجعي الكوفي.

وحديث ابن عمر: كُنَّا نَتَّقِي الكَلَامَ وَالاِنْبِسَاطَ إلى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم هَيْبَةَ أَنْ يُنْزَلَ فِينَا شَيء، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا.

الشرح:

ما أورده ظاهر لما ترجم له، والوصاة بهن تدل على أنه لا يستطاع بعولتهن على ما سلف في الحديث السابق. وإنما هو تنبيههم، وإعلام بترك الاشتغال بما لا يستطاع، والتأنيس بالأخذ بالصبر على ما يذكر في الحديث أنه يجب أن يتقي من عاقبة الكلام الجافي، والمفاوضة،

ص: 554

والبلوغ إلى ما تدعو النفس إليه من ذلك إذا خشي سوء عاقبته، وهو معنى قوله تعالى:{لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: 101]. فالصبر على البعض خير من فقد الكل، فإن لم يخشَ سوء العاقبة فله أن يبلغ غاية ما يريد، كما فعل في حديث ابن عمر فيما يحل له من الكلام فيه.

قال الداودي: وقول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نتقي، إلى آخره. ليس من هذا، إنما أخبر أنهم كانوا يتقون الخوضَ في القول وما يرد من ألفاظ الناس؛ خشية أن ينزل فيهم قرآن.

ص: 555

‌81 - باب قول الله عز وجل: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]

5188 -

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهْيَ مَسْئُولَةٌ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ» . [انظر: 893 - مسلم: 1829 - فتح 9/ 254].

ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "كُلُّكُمْ رَاعِ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

الحديث سلف في الصلاة والاستقراض والعتق وغير موضع

(1)

، وهو مفسر للآية المذكورة؛ لأنه أخبر عليه السلام أن الرجل مسئول عن أهله، وإذا كان كذلك فواجب عليه أن يعلمهم ما يقيهم من النار. وقال زيد بن أسلم: لما نزلت هذِه الآية قالوا: يا رسول الله، هذا وقينا أنفسنا، فكيف بأهلينا؟ قال:"تأمرونهم بطاعة الله، وتنهوهم عن معاصي الله"

(2)

وروي ذلك عن علي.

والرعاية منها ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب كما نبه عليه سيدي عبد الله بن أبي جمرة

(3)

، فهي بمعنى الحفظ والأمانة، ومنه قولهم: رعاك الله. أي: حفظك، وراعي الغنم: أي: الحافظ لها والأمين.

(1)

سبق برقم (2409، 2554، 2558، 2751)، وسيأتي برقم (5200، 7138).

(2)

أخرجه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 6/ 375.

(3)

ورد بهامش الأصل: ذكر لي شيخنا المؤلف أنه ابن أبي جبرة -بالباء- وأنه رآه كذلك بمكة، فذاكرته أنا بما قاله الذهبي في "المشبته": بأنه ابن أبي جمرة - بالميم- وأصلحته أنا في خطي على ما قاله الذهبي.

ص: 556

قال: وهل يتعدى لأكثر مما في الحديث أم لا؟ إن فهمت العلة عديناه، و [يكون]

(1)

الحديث من باب التنبيه (بالأقل على الأكثر)

(2)

؛ إذ هي الأمانة والحفظ، وقواعد الشربعة من هذا كثير، والأهل في الحديث مبهم فيطلق على الزوجة، كقول أسامة في حديث الإفك: أهلك يا رسول الله. والأهل (إنما)

(3)

تطلق على من تلزمه نفقته شرعًا؛ كقول نوح صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45]. وكقوله في قصة أيوب صلى الله عليه وسلم: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} [ص: 43]. وكان الزوجة وولده. وقال في الحديث: "والرجل راعِ في مال أبيه"

(4)

، ولم يذكر: الأب راعٍ في مال ولده؛ لأن الابن دخَل في قوله: "أَهْلِهِ". والأهل تطلق على العبيد. قال صلى الله عليه وسلم: "سلمان من أهل البيت"

(5)

، قال: وكان عبدًا له، أي: منتميًا. إليه

(6)

.

(1)

زيادة يقتضيها السياق من شرح ابن أبي جمرة على الصحيح.

(2)

في الأصول: بالأكثر على الأقل، وهو خطأ والمثبت من شرح ابن أبي جمرة.

(3)

كذا بالأصل، والمعنى يستقيم بدونها.

(4)

سبق برقم (893)، وهو عند مسلم (1829).

(5)

سبق تخريجه.

(6)

"بهجة النفوس" لابن أبي جمرة 2/ 46.

ص: 557

‌82 - باب حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الأَهْلِ

5189 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا. قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ، غَثٌّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَي، وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ. قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّى أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ. قَالَتِ الثَّالِثَةُ زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ. قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرٌّ، وَلَا قُرٌّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآمَةَ. قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ. قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ، قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ -أَوْ عَيَايَاءُ- طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاًّ لَكِ. قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ. قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ. قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ. قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِى أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِى أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ، أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجِعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا، وَغَيْظُ جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا، قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا

ص: 558

بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا وَأَخَذَ خَطِّيًّا وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ. قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ» .

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ: وَلَا تُعَشِّشُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: فَأَتَقَمَّحُ. بِالْمِيمِ، وَهَذَا أَصَحُّ. [مسلم: 2448 - فتح 9/ 254].

5190 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ. [انظر: 454 - مسلم: 892 - فتح 9/ 255].

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيْهِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا،

قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ، غَثٌّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ.

قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّى أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ.

قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ.

قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآمَةَ.

قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.

ص: 559

قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.

قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ -أَوْ عَيَايَاءُ- طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاًّ لَكِ.

قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ.

قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ.

قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.

قَالَتِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيِّ أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ، أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجِعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا، وَغَيْظُ جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا، خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا وَأَخَذَ خَطِّيًّا وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا

ص: 560

وَقَالَ كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ. قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ» .

هذا الحديث عظيم حفيل جم الفوائد، أفرد بالتأليف

(1)

، أفرده أبو القاسم بن حبان، والقاضي، وابن قتيبة، وقد أخرجه مسلم في "صحيحه"، وكذا الترمذي في "شمائله"، والنسائي في عشرة النساء؛ عن علي بن حجر به

(2)

.

ويختصر الكلام عليه في وجوه:

أحدها:

الحديث أخرجه النسائي من حديث عباد بن منصور، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة

(3)

، والمحفوظ حديث هشام، عن أخيه، كما أسلفناه.

قال عياض: اختلف في سند هذا الحديث ورفعه مع أنه [لا]

(4)

اختلاف في صحته، وإن الأئمة قد قبلوه ولا مخرج له -فيما انتهى إلي- إلا من رواية عروة عن عائشة، فروي من غير طريق [عن]

(5)

(1)

وممن أفرده بالتأليف: عبد الباقي بن عبد المجيد المكي، وسماه "مطرب السمع في شرح حديث أم زرع"، كما في "كشف الظنون" 2/ 1718. ومحمد بن عبد الملك السمرقندي الملقب بأمير معزي. "هدية العارفين"493. وابن ناصر الدين الدمشقي، وسماه "ريع الفرع"، كما في "هدية العارفين " 553 وغيرهم.

(2)

مسلم (2448)، "الشمائل المحمدية"(254)، "السنن الكبرى"(9138).

(3)

"السنن الكبرى" 5/ 358 (9139/ 7).

(4)

زيادة يقتضيها السياق من "بغية الرائد" ص 18.

(5)

زيادة يقتضيها السياق من "بغية الرائد" ص 18.

ص: 561

عروة عنها من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كله هكذا، رواه عباد بن منصور والدراوردي، وعبد الله بن مصعب الزبيري، ويونس بن أبي إسحاق؛ كلهم عن هشام، عن أبيه، عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذا رواه أبو معشر عن هشام، لكنه قال: عن هشام وغيره من أهل المدينة، عن عروة، عنها مرفوعًا بطوله.

وكذا رفعه القاسم بن عبد الواحد، إلا أنه قال: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، عنها، مرفوعًا، كذا ذكره النسائي

(1)

.

وقال الدارقطني: عمر، عن أبيه، عن عائشة، جعلوه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم نصًّا من غير احتمال، وأسندوه بطوله.

وكذا ظاهر رواية حنبل بن إسحاق، عن موسى بن إسماعيل، عن سعيد بن سلمة عن هشام، إلا أنه قال: عن هشام، عن أخيه، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ" ثم أنشأ يحدث حديث أم زرع بطوله. وكذا قال أحمد بن داود الحراني، عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

وكذا حكاه عنه الماسم بن سلام

(3)

، وكذلك رفعه الهيثم بن عدي عن هشام، إلا أنه قال: عن أخيه يحيى بن عروة، عن عروة، وساقه كله من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم نصًّا.

(1)

"السنن الكبرى" 5/ 358 (9139/ 8).

(2)

رواية حنبل بن إسحاق، وأحمد بن داود الحراني، رواهما علي بن المديني في كتاب "من روى عنه من أولاد العشرة" ص 172 - 178.

(3)

"غريب الحديث" 1/ 364.

ص: 562

رواه علي بن حجر، وابن جناب، وسليمان بن عبد الرحمن، وغُنْدَر، وهشام بن عمار، ومحمد بن جعفر الوَرْكَاني، وصالح بن مالك الخوارزمي، عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبد الله بن عروة، عن عروة عنها من قولها.

وكذا أسنده سويد بن عبد العزيز، عن هشام وحسن الحلواني، عن ابن أبي الحسام

(1)

، عنه. وكذا رواه أبو عقبة

(2)

، عن أبيه عقبة بن خالد، عن هشام، إلا أنه قال: عن أبيه، عن عائشة. وكذا قاله ابن أبي أويس، ويوسف بن زياد، وسليمان بن بلال، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، وأبو معاوية الضرير، عنه مختصرًا.

وكذا ساقه داود بن شابور، عن عمر بن عبد الله بن عروة [عن عروة]

(3)

، ويقال عن أبيه، عن عائشة من قولها. وقال عقبة بن خالد أيضًا: عن هشام، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله مختصرا، يريد قوله:"كنت لك" إلى آخره، وكذا قال أبو أويس وإبراهيم بن أبي يحيى، عن ابن رومان، عن عروة، عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال النسائي إثر حديث عقبة: يريد قوله: "كُنْتُ لَكِ" إلى آخره

(4)

.

(1)

هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام القرشي، العدوي، أبو عمرو المدني.

انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" 3/ 479، "تهذيب الكمال" 10/ 477 - 480.

(2)

هو خالد بن عقبة بن خالد السكوني، أبو عقبة الكوفي. قال النسائي: صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات". مات سنة سبع وأربعين ومائتين.

انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" 3/ 345 (1555)، "تهذيب الكمال" 8/ 133.

(3)

زيادة يقتضيها السياق من "بغية الرائد" ص 20.

(4)

"السنن الكبرى" 5/ 358 (9139/ 6).

ص: 563

وقد وقع مفسرًا عن غير النسائي، قال أحمد بن حنبل: فذكر منه حرفًا، قال:"كُنْتُ لَكِ" إلى آخره. وفي رواية ابن حبيب: قالت عائشة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يقول لها إذا (عبر)

(1)

: "يا عائشة كنْتُ لَكِ كأَبِي زَرْعِ لأُمِّ زَرْعِ". زاد في بعض الروايات: "إنه طلقها وإني لا أطلقك". ذكَرها أحمَد بن خالد في "مسنده".

وعند ابن الأنباري: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الألفة والوفاء لا في الفرقة والجلاء". قال: وقال عروة: إنما يرد هذا الحديث بهذا الحرف، فذكره

(2)

.

قال القاضي: ولا خلاف في قوله: "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ". والخلاف في بقيته.

وقال الخطيب أبو بكر: المرفوع من "كُنْتُ" إلى آخره، وما عداه فمن كلام عائشة رضي الله عنها حدثت به هي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بَيَّنَ ذلك عيسى بنُ يونسَ في روايته، وأبو أويس، وأبو معاوية، وقد رُوِيَ أنَّ القائلَ في حديث سعيد بن سلمة:(ثم أنشأ يحدث الحديث) هُوَ هِشَامٌ، حكى أن أباه أنشأ يحدث الحديث، فأوهم السامع من ذلك أن عائشة أخبرت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3)

.

وقال الآجري، عن أبي داود: لما حدث هشام بن عروة بحديث أم زرع هجره أبو الأسود، يتيم عروة، وقال: لم يحدث عروة بهذا، إنما كان تحديثًا بهذا يقطع السفر.

(1)

كذا بالأصل؛ ولم يتبين معناها.

(2)

"بغية الرائد" ص 18 - 20.

(3)

"الفصل للوصل" 1/ 279 - 280.

ص: 564

وفي كتاب العقيلي: قال أبو الأسود بن محمد عبد الرحمن: لم يكن أحد يرفع حديث أم زرع غير هشام. وقال الدارقطني: الصحيح عن عائشة أنها هي حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصة النسوة، فقال لها حينئذٍ:"كنْتُ لَكِ" إلى آخره.

وقول عيسى بن يونس، وسعيد بن سلمة، وسويد بن عبد العزيز، ومن تابعهم؛ عن هشام، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، عنها، وهو الصواب.

ولا يدفع قول عقبة: عن هشام، عن (ابن)

(1)

رومان، عن عروة، عنها

(2)

.

الوجه الثاني:

في الخبر الذي حكاه ابن الأنباري من رواية الهيثم بن عدي، عن هشام أنها قالت: جلس إحدى عشرة امرأة في الجاهلية. والهيثم متكلم فيه. وفي الخبر الذي رواه الدراوردي أنهن من بطن من بطون اليمن، وأنهن اجتمعن بقرية من قرى اليمن

(3)

. وروي أيضًا في هذا الحديث من رواية أحمد بن عبيد بن ناصح، عن الهيثم بسنده، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد اجتمع نساؤه ليخصني بذلك-: "يا عائشة كنت لك كأبي زرع لأم زرع". قلت: يا رسول الله، ومن أبو زرع؟ فقال:"اجتمع نسوة من قريش بمكة، إحدى عشرة امرأة .. " وساق الحديث، وهو مخالف للأول.

(1)

في الأصول: أبي، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب.

(2)

"بغية الرائد" ص 20 - 22.

(3)

رواه الزبير بن بكار في "الأخبار الموفقيات" ص 462، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" 23/ 176.

ص: 565

قال عياض: وقرأت في بعض كتب الأدباء أن امرأة زوجت إحدى عشرة ابنة لها في ليلة ودخل بهن أزواجهن، فأمهلتهن سنة ثم زارتهن، فسألت كل واحدة عن زوجها. فأخبرتها بصفةٍ، فوافق حديث أم زرع كلام صاحبة (المس مس أرنب) بنصه، وصاحبة (رفيع العماد)، وصاحبة (زوجي لحم جمل غث)، وخالف في البواقي.

ويشبه أنه موضوع، فإن ألفاظه تنبئ عن ذلك، رُكِّبَ على حديث أم زرع، ولا يصح أن يكون (هو)

(1)

هذا؛ لصحة حديث أم زرع وضعف هذا، وإنما ذكرنا في بعض روايات حديث أم زرع ما دل أنهن غير أخوات

(2)

.

الوجه الثالث: في بيان أسمائهن:

قال الخطيب: لا أعلم أحدًا سمَّى النسوة في حديث إلا من الطريق الذي أذكره، وهو غريب جدًّا، ثم ساقه من حديث الزبير بن بكار، حدثني محمد بن الضحاك الحزامي، عن الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي بعض نسائه فقال: "أنا لك كأبي زرع" قلت: يا رسول الله، وما حديث أبي زرع؟ فقال:"إن قرية من قرى اليمن كان بها بطن من بطون اليمن، وكان منهن إحدي عشرة امرأة، وإنهن خرجن إلى مجلس من مجالسهن". فذكر الحديث.

وسمَّى الثانية عمرة (بنت عمرو)

(3)

، وسمى الثالثة حُيَّى بنت كعب،

(1)

من (غ).

(2)

"بغية الرائد" ص 25.

(3)

من (غ).

ص: 566

والرابعة مهرة

(1)

بنت أبي هزومة، أو مرومة، والخامسة كبشة، والسادسة هند، والسابعة حُبَّى بنت علقمة، والثامنة بنت أوس بن عبد، والعاشرة كبشة بنت الأرقم، وأم زرع بنت أكيمل بن ساعدة

(2)

.

قلت: وكما ساقه أبو القاسم عبد الحكيم بن حبان في كلامه على هذا الحديث من هذا الوجه، ساقه من طريق الأسود بن خير المعافري، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وفاطمة، وقد جرى بينهما كلام فقال:"ما أنت بمنتهية يا حميراء -أو يا شقيراء- عن ابنتي، إن مثلي ومثلك كمثل أبي زرع وأم زرع" فقالت: يا رسول الله، حدثنا عنهما، فقال:"كانت قرية فيها إحدى عشرة امرأة، وكان الرجال خلوفًا -يعني غيبا- فقلن: تعالين نتذاكر أزواجنا بما فيهم ولا نكذب". فذكر نحو حديث أبي بشر، وسماها ابن دريد في "وشاحه": عاتكة.

الوجه الرابع:

قولها: (جَلَسَ). كذا في الأصول، ووقع في مسلم بنون

(3)

، وهنا: امرأة، وفي أخرى: نسوة.

وللنسائي: اجتمعن

(4)

.

(1)

كذا في الأصول، وفي "الأخبار الموفقيات": مهرد، وفي "المعجم الكبير": هدد، وفي "الأسماء المبهمة": مهدد.

(2)

رواه الزبير بن بكار في "الأخبار الموفقيات" ص 462 - 464، ومن طريقه الطبراني 23/ 176 - 177، والخطيب في "الأسماء المبهمة" ص 528 - 530.

(3)

قال النووي في "شرح مسلم" 15/ 212: قولها: (جلس إحدى عشرة امرأة) هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها جلسن بزيادة نون، وهي لغة قليلة.

وقال القاضي عياض في "بغية الرائد" ص 26: وفي رواية الطبري من "صحيح مسلم" فيما حدثنا به عبد الله بن محمد الفقيه، عنه: جلسن.

(4)

"السنن الكبرى" 5/ 356 (9139/ 5).

ص: 567

ولأبي عبيد: اجتمعت. بالتاء

(1)

.

قال ابن التين: وقوله: (جَلَسَ إِحْدى عَشْرَةَ امْرَأَةً)، أي: جمع مثل: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} . قال عياض: والأحسن في الكلام حذف علامة التأنيث ونون الجماعة

(2)

. وباب العدد في العربية أن ما بين الثلاثة إلى العشرة مضاف إلى جنسه، ومن أحد عشر إلى تسعة وتسعين مميز بواحد يدل على جنسه. وما بعد هذا مضاف إلى واحد من جنسه، وقد جاء هنا: النسوة، وهو جنس بعد إحدى عشرة، وهو خارج عن وجه الكلام، ولا يصح نصبه على التفسير؛ إذ لا تفسير في العدد إلا بواحد. ولا يصلح إضافة العدد الذي قبله إليه، ووجه نصبه عندي على إضمار: أعنى، أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشر)

(3)

، وهو الأظهر، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى:{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} [الأعراف: 160] الأسباط بدل من {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} ، وليس بتفسير فيما قاله الفارسي وغيره

(4)

.

وقولها: (جَلَسَ إِحْدى عَشْرَةَ). قال النحويون: يجوز: جلست، كما تقول في واحد: جلست امرأة. ولو قلت: قام الرجال جاز. ويجوز: قامت، بتقدير: قامت جماعة الرجال، قال تعالى:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} [الحجرات: 14].

الوجه الخامس:

فيه: جواز نقل الأخبار عن حسن المعاشرة، وضرب الأمثال بها،

(1)

"غريب الحديث" 1/ 364.

(2)

"بغية الرائد" ص 26.

(3)

في الأصول: أحد عشر. والمثبت من "بغية الرائد".

(4)

"بغية الرائد" ص 31.

ص: 568

والتأسي بأهل الإحسان من كل أمة، ألا ترى أن أم زرع أخبرت عن أبي زرع بجميل عشرته فتمثله الشارع.

وفيه: جواز تذكير الرجل امرأته بإحسانه إليها؛ لأنه لما جاز من النساء كفران العشير جاز تذكيرهن بالإحسان.

الوجه السادس:

قول المرأة الأولى: (زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ، غَثٌّ). أي: مهزول، يقال: غث يغث، والغث: الفاسد من الطعام، والأصل هنا: الهزيل؛ لقولها بعد: (لَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ). قال أبو سعيد النيسابوري: ليس شيء من الغثاث من الأزواج الثمانية هو أخبث غثاثة من الجمل؛ (لأنه)

(1)

يجمع خبث طعم وخبث ريح، حتى ضرب به المثل

(2)

.

وقولها: (على رأسِ جَبَلٍ) قال أبو عبيد: تصف قلة خيره وبعده مع القلة، كالشيء في (قبة)

(3)

الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة؛ لقولها: (لَا سَهْل فَيُرْتَقَى) يعني: الجبل (ولا سمين فينتقى)

(4)

يعني: يستخرج نِقْيه، بكسر النون وسكون القاف، وهو: المخ. ومن روى: (فينتقل)، يريد: ليس سمين فينقله الناس إلى بيوتهم فيأكلونه، بل يتركونه رغبة عنه

(5)

كرواية

(6)

. وصفت زوجها بالبخل، وقلة الخير،

(1)

من (غ).

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 299.

(3)

في هامش (س): لعله قمة.

(4)

من (غ).

(5)

"غريب الحديث" 1/ 366.

(6)

كذا بالأصول، وفيه سقط، ولعله يكون:(كرواية: ولا له عندي معول). وهذِه الرواية قد ذكرها القاضي في "بغية الرائد" ص 7 بعد قولها: ولا سمين فينتقل.

ص: 569

وبُعْده من أن ينال خيره مع قلته -كما أسلفناه- كاللحم الهزيل المنتن الذي يزهد فيه فلا يطلب، فكيف إذا كان على رأس جبل صعب وعر لا ينال إلا بمشقة. وذهب الخطابي إلى أن تمثيلها بالجبل الوعر إشارة إلى سوء خلقه والذهاب بنفسه وترفيعها تِيْهًا وكِبْرًا. تريد: مع أنه مع قلة خيره يتكبر على عشيرته، فيجمع إلى البخل سوء الخلق

(1)

، وهو تشبيه الجلي بالخفي، والتوهم بالمحسوس، والحقير بالخطير.

قال عياض: ويجوز في (غث) الرفعُ وصفًا لـ (لحم)، والكسر وصفًا للجمل، وقد روي بالوجهين، ومنهم من رواه:(لحم غث). بالرفع على ما تقدم، وبالكسر على الإضافة بتقدير حذف (جمل) وإقامة وصفه مقامه.

وقوله

(2)

: (لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى). يجوز فيه ثلاثة أوجه، كلها مروية: نصب (لا سهل) دون تنوين، ورفعها، وخفضها منونة. وأَعْرَبُهَا عندي الرفع في الكلمتين

(3)

.

واستدل بعض العلماء من هذا أن ذكر السوء والعيب إذا ذكره أحد فيمن لا يعرف بعينه واسمه أنه ليس بغيبة، وإنما الغيبة أن يقصد معينًا بما يكره؛ لأنه عليه السلام قد حكى عن بعض هؤلاء النسوة ما ذكرنه من عيب أزواجهن، ولا يحكي عن نفسه أو غيره إلا ما يجوز ويباح، ذكره الخطابي

(4)

.

(1)

"أعلام الحديث" 3/ 1988.

(2)

كذا في الأصول، وصوابها قولها.

(3)

"بغية الرائد" ص 48.

(4)

"أعلام الحديث" 3/ 2000. "بغية الرائد" ص 48.

ص: 570

قال عياض: ورأيت أبا عبد الله محمد بن علي التميمي

(1)

لا يرتضي هذا القول، وقال: إنما كان يكون هذا حجة أن لو سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة تغتاب زوجها ولا تسمِّيهِ فأقرها عليه، وأما هذِه الحكاية عن نساء مجهولات غير حاضرات، فينكر عليهن، فليس بحجة في جواز ذلك وحالهن كحال من قال: في العالم من يسرق ويزني. فلا يكون غيبة، ولكن المسألة لو نزلت لوصف امرأة زوجها بما هو غيبة وهو معروف عند السامع، فإن ذلك ممنوع، ولو كان مجهولًا لكان لا حرج فيه على رأي بعضهم، وللنظر فيه مجال

(2)

.

فصل:

في بعض الروايات: (جبل وعر). أي: غليظ حَزَن يصعب الصعود إليه، وروي:(على رأس قوز وعر). قال أبو بكر: القوز: العالي من الرمل (كأنه جبل)

(3)

، فالصعود فيه سياق.

ويجوز في قوله: (وَلَا سَمِينٍ). الرفع صفة لـ (لحم)، والخفض: نعت للجبل، ذكره ابن التين. وقيل: ليس مما يرغب فيه فينقله الناس إلى بيوتهم.

الوجه السابع:

قول الثانية: (لَا أَبُثُّ). أي: لا أنشر ولا أذكر، ورواه بعضهم:(أنث) بالنون رفعها، هما واحد إلا أن النون أكثر ما يستعمل في الشر. ومعنى (أذره) أدعه. و (العُجَر) تعقد العروق والعصب في الجسد حتى تراها ناتئة من الجسد.

(1)

هو المازري.

(2)

"المعلم بفوائد مسلم" 2/ 343، و"بغية الرائد" ص 54 - 55.

(3)

من (غ).

ص: 571

و (البُجَر) كذلك إلا إنها مختصة بالبطن، فيما ذكره الأصمعي، واحدها بجرة، ومنه قيل: رجل أبجر، إذا كان عظيم البطن، وامرأة بجراء. يقال: فلان بجرة، إذا كان ناتئ السرة عظيمها

(1)

. وقال الأخفش: العجر: العقد في سائر البدن، والبجر يكون في القلب.

وقال أبو سعيد النيسابوري: لم يأت أبو عبيد بالمعنى في هذا، وإنما عنت أن زوجها كثير العيوب في أخلاقه، منعقد النفس عن المكارم

(2)

.

وقال ابن فارس: البجرة: خروج السرة، والرجل (أبجر)

(3)

. وفي "المبدأ": (وصبت)

(4)

إليه بِعُجَرِي وبُجَرِي؛ أي: بأمري كله.

وقال الداودي: العُجَر والبجر: عُروق البطن والذراعين، وبالجملة فإنها أرادت أن تكني عن جميع عيوبه من غير تفسير.

وقال ابن الأعرابي: العجر: نفخة في الظهر، فإذا كانت في السرة فهي بجرة، ثم ينقلان إلى الهموم والأحزان

(5)

.

قال الأصمعي: يستعمل ذلك في المعايب. أي: أذكر عيوبه. وقال يعقوب: أسراره. وعبارة غيره: عيوبه الباطنة، وأسراره الكامنة.

قال ثعلب في العجر والبجر: ومنه قول علي في الجمل لما رأى طلحة ابن عبيد الله قتيلا: أعزز عليَّ أبا محمد أن أراك معفرًا (تحت)

(6)

نجوم

(1)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 366 - 367.

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 299.

(3)

في الأصول: البجر. والمثبت من "المجمل" 1/ 116.

(4)

كذا بالأصل، وفي "المجمل": أفضيت.

(5)

انظر: "المعلم بفوائد مسلم" 1/ 335.

(6)

من (غ).

ص: 572

السماء وفي بطون الأودية شقيت نفسي وقتلت معشري، إلى الله أشكو عجري وبجري

(1)

. أي: همومي وأحزاني، وقيل: العجر ظاهر، والبجر باطنها.

قال الشاعر:

لم يبق عندي ما يباع بدرهم

يكفيك عجر حالتي عن بجري

إلا بقايا ماء وجهٍ صنته

لأبيعه فعسى تكون المشتري

والهاء في (أذره) عائدة على الخبر أي: لطوله وكثرته إن بدأتة [لم أقدر]

(2)

على إتمامه، ويعضده رواية: ولا أقدر قدره.

وفيه: تأويل آخر ذكره أحمد بن عبيد بن ناصح: أن الهاء عائدة على الزوج، وكأنها خشيت فراقه إن ذكرته

(3)

. وقاله الداودي أيضًا.

وعلى هذا تكون (لا) زائدة، كما في قوله تعالى:{مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12]، ويحتمل عدم زيادتها -كما ذكره القرطبي- وأنها خافت أن لا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها

(4)

، ويحتمل -كما قال عياض- رجوع

(5)

الهاء إلى الزوج تأولًا آخر، أي: إن أخبرت بشيء من عيوبه ونقائصه أفضى ذلك إلى ذكر شيء أقبح منه، وقد عاهدت صواحبها أن لا تكتم شيئًا من صفاته عنهن، فكرهت ما تعاقدت عليه معهن، وذهبت إلى ستر عيوبه لكثرتها، ولم تر أن

(1)

أثر علي، رواه الخطابي في "غريب الحديث" 2/ 156 - 157.

(2)

ساقطة من الأصول استدركناها من "بغية الرائد".

(3)

انظر: "بغية الرائد" ص 60 - 61.

(4)

"المفهم" 6/ 336.

(5)

في (س): (جاز رجوع)، وضبب عليها الناسخ في (غ). وهو الصواب؛ لاكتمال المعنى.

ص: 573

تذكر بعضًا دون بعض، فإنها إن ذكرت شيئًا تسبب به إلى ذكر شيء آخر، فرأت الإمساك أولى، يدل على هذا ما وقع في بعض طرقه: أخاف أن لا أذره من سوء. قال عياض: أرى -والله أعلم- أن زوج هذِه كان مستور الظاهر رديء الباطن، فلم ترد هتك ستره، وأنها إن تكلمت بما عاقدت عليه صواحبها كشفت من قبائحه ما استتر، بل لَوَّحت وما صرَّحت، وجملت وما شرحت، واكتفت بالإيماء والإجمال في الخبر عنه، ولم تهتك الحجاب عن عوراته ما عرفت منه

(1)

.

الوجه الثامن: قول الثالثة: (الْعَشَنَّقُ) -بفتح العين المهملة، ثم شين معجمة، ثم نون مشددة، ثم قاف- وهو الطويل، قاله الأصمعي وأبو عبيد

(2)

. وعبارة الجوهري عن الأصمعي أنه الطويل الذي ليس بمقل ولا ضخم، من قول عشانقة، والمرأة عشنَّقة

(3)

، تقول: ليس عندي شيء أكثر من طوله بلا نفع فله مَنْظر بلا مَخْبر، والطول في الغالب دليل السفَهِ، وقد علل ذلك ببعد الدماغ من القلب، فإن ذَكَرْت ما فيه من العيوب طلقني، وإن سكت تركني معلقة لا أيمًا ولا ذات بعل. ومنه قوله تعالى:{فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]. وخطأهم في ذلك عبد الملك بن حَبيب وقال: العشنق: المقدام على ما يريد الشرس في أموره، بدليل وصفها له

(4)

. وقال أبو سعيد النيسابوري: الصحيح غير ما ذكره أبو عبيد أنه من الرجال الطويل النجيب، الذي ليس أمره إلى امرأته وأمرها إليه، فهو يحكم فيها بما يشاء وهي

(1)

"بغية الرائد" ص 61 - 62.

(2)

"غريب الحديث" 1/ 199.

(3)

"الصحاح" 4/ 1525 - 1526.

(4)

انظر: "بغية الرائد" ص 63.

ص: 574

(تخافه)

(1)

. وقال صاحب "العين": إنه الطويل العنق

(2)

. وقال ابن قتيبة: وقيل: إنه القصير. قال ابن الأنباري: فكأنه جعله من الأضداد. ولا (أعرفه)

(3)

عند أهل اللغة

(4)

.

قلت: فَوَصْفُهَا له على رأي أبي عبيد - (مدح)

(5)

؛ لأن العرب تمدح الرجال والسادة بطول القامة، ويحتمل أن تريد علاقة بالحب؛ فلذلك كانت تكره النطق خوف المفارقة. وعند غيره أنها ذَامَّةٌ له تخبر أن له مَنْظرًا بلا مَخْبر.

فائدة:

العشنط بمعنى العشنق

(6)

.

الوجه التاسع:

قول الرابعة: (تِهَامَةَ). من بلاد الحجاز.

وقال ابن بطال: إنها اسم مكة، وحرها شديد نهارًا، وليلها معتدل، فتذهب الشدة وتعتدل.

وخصته بهذا ورضيته بحسن صحبتها، وجميل عشرتها، واعتدال حاله، وسلامة باطنه، وثقتها به، وذلك أن الحرَّ والقُرَّ -بضم القاف، وهو البرد- كلاهما فيه أذى إذا اشتد، وهذا لا غائلة عنده، ولا شر فأخافه، ولا يسأمني، ولا يستثقل بي فيملَّ صحبتي

(7)

.

(1)

في الأصول: تخالفه، وهو خطأ، والمثبت من "شرح ابن بطال" 7/ 300.

(2)

"العين" 2/ 287.

(3)

في الأصول: (أعرف)، والمثبت هو الصواب.

(4)

انظر: "بغية الرائد" ص 63.

(5)

من (غ).

(6)

انظر: "الفائق" 3/ 50.

(7)

"شرح ابن بطال" 7/ 300.

ص: 575

زافى في رواية: (والغيث غيث غمامة)

(1)

. أي: جوده ينهل، فيحيي به الأنام كغيث الغمام

(2)

.

الوجه العاشر:

قول الخامسة: (فَهِدَ) -بفتح الفاء وكسر الهاء. وقد تسكن- تصفه إذا دخل البيت بكثرة النوم، والغفلة في منزله على وجه المدح له؛ لأن الفهد كثير النوم، يقال: أنوم من فهد. وأَسِد -بفتح الهمزة وكسر السين- وَصفٌ له بالشجاعة، ومعناه: إذا صار بين الناس أو خالط الحرب كان كالأسد، يقال: أسد واسْتَأْسَد بمعنى، وَصَفَتْهُ بالصفة الغالبة على هذين الحيوانين من السلاطة

(3)

والسكون في حال الخلوة، والعرب تمتدح بذلك قال:

أسد ضار إذا هيجته

وأب برّ إذا ما قدرا

يعلم الأقصى إذا استغنى

ولا يعلم الأدنى إذا ما افتقرا

ومن هذا المعنى قوله:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه

إذا هو ما استغنى ويبعد بالفقر

وكان عليّ إذا سمعه يقول: ذاك طلحة بن عبيد الله

(4)

.

وقولها: (وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) أي: لا يتفقد ما ذهب من ماله، ولا يلتفت إلى معايب البيت وما فيه، كأنه ساهٍ عن ذلك، يوضحه قولها:(وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) يعني: عما كان عندي قبل ذلك.

(1)

رواها الزبير بن بكار في "الأخبار الموفقيات" ص 462، ومن طريقه الخطيب في "الأسماء المبهمة" ص 529.

(2)

انظر: "بغية الرائد" ص 69.

(3)

السلاطة: القهر، وقيل: هو التمكن من القهر. "تاج العروس" 10/ 294.

(4)

انظر: "الاستيعاب" 2/ 320 - 321.

ص: 576

قال عياض: قولها هذا يقتضي تفسيرين لعهد: عهد قبل، فهو يرجع إلى تفقد المال، وعهد الآن فهو بمعنى الإغضاء عن المعايب والاحتمال. وقال ابن أبي أويس: تقول إن دخل وثب عليَّ وثوب الفهد، وإن خرج كان كالأسد جُرْأَة وإقدامًا. بقولها هذا يحتمل أن تريد به البطش بها والضرب لها، أو تريد به المبادرة إلى جماعها، وكثرة الحظ من استمتاعها دون ملاعبتها، وتقديم الإيناس. قال ابن حبيب: وصفته بأنه في اللين والدعة والغفلة كالفهد، ولم ترد النوم.

قال عياض: وقد ظهر لي فيه وجه آخر مع صحة ما ذكروه، وذلك أنه يتوقف قولها:(فَهِدَ) على الاشتقاق من خلق الفهد، والمثل المضروب به في النوم. وفي الفهد أيضًا مثل آخر ذكره أصحاب الأمثال، كما ذكروا الأول، وهو قولهم: أكسب من فهد. قال أبو عبد الله حمزة الأصبهاني في "شرح الأمثال": وذلك أن الفهود الهرمة التي تعجز عن الصيد تجتمع على فهد فتي، فيصيد عليها كل يوم شبعها، فلا يمنع أن يكون قولها:(إذا دَخَلَ فَهِدَ). أي: إذا جاء المنزل جاء بالكسب والخير والفوائد كما يفعل الفهد في كسبه، ولا فرق بين هذا وبين الأول، إذ كل واحد منهما إنما اشتق من خلق الفهد. وكانت العرب تتمادح بالكسب والاستفادة. قال عياض: هذا التأويل عندي لا يبعد، وإن كان الأول أظهر وأليق بالكلام، لمطابقة لفظه ومعناه

(1)

.

الوجه الحادي عشر:

قول السادسة اللَّف في المطعم: الإكثار منه مع التخليط من صنوف استقصائه حتى لا يبقي منه شيئًا، فمعنى (لف): قمش صنوف الطعام

(1)

"بغية الرائد" ص 70 - 71، 73 - 74.

ص: 577

وخلط، يقال: لف الكتيبة بالكتيبة إذا خلطها. والاشتفاف في الشرب أن يستقصي ما في الإناء من الشراب ولا يسئر فيه سؤرًا، وإنما أخذ من الشفافة وهي البقية التي تبقى في الإناء من الشراب، فإذا شربها صاحبها قيل اشتفها. وروي: استف -بالسين المهملة- وهو قريب من معناه

(1)

.

وقولها: (وَإِنِ اضْطَجَعَ التَفَّ). تعني: رقد ناحية ولم يباشرها، وقيل: رقد وهجع، وهما بمعنى واحد، وقيل: إذا نام التف في ثيابه. وهذا يقتضي المدح والذم، فالمدح بمعنى أنه ينام في ثيابه مستوفزًا لصارخ يصرخ، أو داعٍ يدعو، والثاني: أنه يأتي وهو تعبان، فيكسل عن نزع ثيابه، فينام فيها، أو يكون نومه في ثيابه أدعى لكثرة النوم، وذلك منه مذموم، قالت امرأة في زوجها: يشبع ليله لطاف، وينام ليله يخاف.

وقولها: (وَلَا يُولِجُ الكَفَّ). أي: لا يدخل يده، و (الْبَث): الحزن (فأحسبه)

(2)

كان بجسدها عيبًا وداءً تكتئب له، فكان لا يدخل يده في بدنها ليمس ذلك العيب فيشق عليها، تصف بالكرم، (قاله)

(3)

أبو عبيد

(4)

.

وأُنْكِر عليه، إنما عليه شكت قلة تعهده إياها تقول: يلتف منتبذًا عنها إذا نام لا يقرب منها، فيولج داخل ثوبها، فيكون منه إليها ما يكون من الرجل إلى أهله.

(1)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 367، "الفائق" 3/ 50، "بغية الرائد" ص 80.

(2)

من (غ).

(3)

في (غ): قال.

(4)

"غريب الحديث" 1/ 368.

ص: 578

ومعنى (البث): ما تظهر المرأة من الحزن على عدم الخلوة منه، كأنها ذمته بالنهم والشره وقلة الشفقة، وإن (أرادها)

(1)

لم يدخل يده في ثوبها ليجسها متعرفًا؛ لما بها على عادة الناس الأباعد فضلًا عن الأزواج

(2)

، ولا معنى لما توهمه أبو عبيد من أن الداء بجسدها فيتأول بذلك ترك التفقد منه لذلك على الكرم، وذلك أن أول الكلام ذم، واستلام له، ومهانته، وسوء المعاشرة والمرافقة، فكيف يكون آخره مدحًا ووصفًا بالكرم؟ والعرب تذم الرجل بكثرة الأكل والشرب، وتمدح بقلتها، ثم إنها وصفته بعد بقلة الاشتغال بها، والتعطيل لها، وعدم مضاجعتها وإدنائها من نفسه، وأنه لا همة له في المباضعة التي هي من ممادح الرجال، فإن العرب كانت تتمادح بالقوة على الجماع؛ لأنه دليل على صحة الذكورة، وتذم بضده، وممن رده عليه القتيبي والخطابي وابن حبيب وابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري:

لا حجة على أبي عبيد في هذا؛ لأن النسوة كن تعاهدن على أن لا يكتمن (شيئًا)

(3)

من أخبار أزواجهن، فمنهن من وصفه بالخير في جميع أموره، ومنهن بضد ذلك، ومنهن من وصفت ما فيه من الخير وما فيه من الشر.

قال عياض: ويؤيد ما ذهبوا إليه ما أشار إليه عروة بن الزبير بقوله: هؤلاء خمسة يشكون. وقالت امرأة عبد الله بن عمرو لعمرو بن العاصي وسألها: كيف وجدت زوجك؟ فقالت: من خير الرجال لم يفتش لنا

(1)

كذا بالأصول وفي "الفائق": رآها عليلة.

(2)

انظر: "الفائق" 3/ 50.

(3)

من (غ).

ص: 579

كنفًا

(1)

. ومنه قول عائشة رضي الله عنها تصف رجلًا

(2)

بالعفة: ما كشف من كنف أنثى قط

(3)

. أي: أنه لم يكن يشتغل بالنساء ولا له فيهن مذهب، فعبرت عن ذلك بكشف الكنف، وهو الثوب الذي يكنفها أي: يسترها، ومنه قولهم: في كنف الله وحفظه، أي: ستره.

وقيل: معنى (لا يولج الكف) أي: لا يتفقد أموري وما يهمني من مصالحي، وهو كقولهم: ما أدخل فلان يده في الأمر، أي: لم يشتغل به ولم يتفقد، قاله أحمد بن عُبيد بن ناصح ونحوه عن ابن أبي أويس

(4)

.

الوجه الثاني عشر:

قول السابعة: (عَيَايَاءُ أَوْ غَيَايَاءُ)، شك من الراوي، هل قاله بالمعجمة أو المهملة، والأكثر بغير شك، والشاك عيسى بن يونس، وعقبة بن خالد، وسائر الرواة يقولونه بالمهملة، وأما المعجمة فليس بشيء، قال ابن قتيبة: هو تصحيف، والعياياء من العي، وهو من الإبل الذي لا يضرب النُوق ولا يلقح، وكذلك هو في الرجال كأنه عيي عن ذلك.

والطباقاء -بالمد- من العي، الأحمق الفدم

(5)

. وعبارة بعضهم: إنه المفحم الذي انطبق عليه الكلام، أي: انغلق، وصفته بعجز الطرفين

(6)

، وعند ابن حبان: الذي فيه رعانة وحمق، كالمطبق عليه في حمقه

(1)

سلف برقم (5052).

(2)

ورد بهامش الأصل: هو صفوان بن المعطل.

(3)

سلف برقم (4141) في آخر حديث الإفك.

(4)

انظر: "بغية الرائد" ص 84 - 87.

(5)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 369.

(6)

انظر: "الفائق" 3/ 51.

ص: 580

ورعونته. وقال ابن أبي أويس: (عياياء طباقاء) أي: عيي مطبق عيا لا يتصرف ولا يتوجه لوجهٍ.

وقيل: الطباقاء من الرجال: الثقيل الصدر، الذي (يطبق)

(1)

صدره على صدر المرأة عند المباضعة. قالت امرأة آمرئِ القيس تذمُّه: ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع (الإراقة)

(2)

بطيء الإفاقة

(3)

.

قال الجاحظ: وهو عكس الخصي، فإنه بطيء الإراقة سريع الإفاقة.

وقال يعقوب: العياياء: الذي لا يهتدي لوجهٍ

(4)

.

وقال الداودي: غياياء من الغي، وعياياء من العجز والجهل والظلمة.

وقال ابن التين: وأنكر أبو عبيد المعجمة

(5)

.

قلت: ووقع في كتاب ابن بطال عنه: (عياياء) بالعين ليس بشيء إنما هو بالغين المعجمة

(6)

، كذا رأيته في أصله، ومعجمة في الحاشية تصحيح عليها.

لكن سيأتي عن القاضي ما يرده.

(1)

في الأصول: لا يطبق. وهو خطأ؛ لأنه إذا كان لا يطبق صدره على صدر المرأة عند المباضعة، فهذِه صفة مدح لا ذم، وهي في مقام الذم، وما أثبتناه هو الذي في "بغية الرائد" ص 90، "المفهم" 6/ 339.

(2)

في الأصول: الإرادة، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب، يوضحه قول الجاحظ بعدُ: بطيء الإراقة.

(3)

انظر: "بغية الرائد" ص 90.

(4)

"بغية الرائد" ص 89.

(5)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 368.

(6)

الذي وقع في "شرح ابن بطال" 7/ 300 إنما هو (بالعين) ولم يقل المعجمة.

ص: 581

وقال ابن فارس: العِيُّ خلاف البيان، يقال: رجل عيي وعياياء، وفحل عياياء إذا لم يهتد للضراب، قال: والطباقاء من الرجال: العيي، ومن الأبل: الذي لا يحسن الضراب

(1)

، جعله مثل عياياء، فكأنه كرره لما اختلف اللفظ مثل بعدًا وسحقًا، وعبس وبسر.

وقال القاضي عياض: قول أبي عبيد أن الغياياء -بالمعجمة- ليس بشيء ولم يفسره، وتابعه على ذلك سائر الشراح، فقد ظهر لي فيه معنى صحيح -إن شاء الله- في اللغة، بَيِّنٌ في التأويل، وهو أن يكون مأخوذًا من الغياية، وهي كل ما أظل الإنسان فوق رأسه من سحاب وغيره، ومنه سميت الراية غياية، فكأنه غطى عليه من جهله، وسترت مصالحه، وقد يمكن أن يكون أيضًا من الغي، وهو الانهماك في الشر، أو من الغي وهي الخيبة. قال تعالى:{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} لأنه خائب من كل فضيلة

(2)

.

وقولها: (كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ)، أي: كل داء من أدواء الناس فهو فيه، ومن أدوائه

(3)

، فقد اجتمعت فيه المعايب، فيحتمل أن يكون (داءٌ) خبرًا لـ (كل)، يعني: من كل داء في الناس فهو فيه، وأن يكون [له]

(4)

صفة لـ (داء) و (داء) خبر لـ (كل)، أي: كل داء فيه بليغ منتهاه، كما تقول: إن زيدًا رجل، وإن هذا الفرس فرس

(5)

.

وقولها: (شَجَّكِ)، أي: أصاب شجك.

(1)

"مجمل اللغة" 1/ 592، 2/ 611.

(2)

"بغية الرائد" ص 89 - 90.

(3)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 369.

(4)

ساقطة من الأصول، ومثبتة من "الفائق".

(5)

انظر: "الفائق" 3/ 51.

ص: 582

وقولها: (أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ). وجاء: (أو بجك) والبج: الجرح في الرأس خاصة و (الفل)

(1)

في جميع (الجسد)

(2)

، وقيل: هو الطعن، وقال ابن الأنباري:(ذلك): كسرك، ويقال: ذهب بمالك، يقال: فل القوم فانفلوا، ويقال: كسرك بخصومته، ويجوز أن يريد بالفل الإبعاد والطرد

(3)

.

وقولها: (أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ)، أي: جمع الضرب والخصومة.

والشج: الجرح من الطعنة؛ وصفته بالحمق والتناهي في جميع النقائص والعيوب، وسوء العشرة مع الأهل، وعجزه عن حاجتها مع ضربها وأذاه لها، فإذا حدثته سبها، وإذا مازحته قبحها، وإذا غضب إما أن يشجها في رأسها أو يكسر عضوًا من أعضائها، وهو معنى (ذلك)، أو طعنها وهو معثى (بجك). قال ابن دريد:(بج)

(4)

القرحة إذا شقها وكل شق بج، وجمع ذلك كله لها من الضرب، والجرح، وكسر الأعضاء، والكسر بالخصومة، وموجع الكلام، وأخذ مالها.

الوجه الثالث عشر:

قول الثامنة؛ وصفته بحسن الخلق ولين الحديث كمس ظهر الأرنب ولينه. و (الزرنب): نبت من الطيب، واحدها زرنبة، قاله ابن حبان في "شرحه". يحتمل أن تكون أرادت طيب (ريح)

(5)

جسده أو طيب الثناء في الناس وانتشاره فيهم كريح الزرنب. قيل: يشبه ورق الطرفاء،

(1)

من (غ).

(2)

من (غ).

(3)

انظر: "الفائق" 3/ 51، "بغية الرائد" ص 91.

(4)

من (غ).

(5)

في الأصول: أريج، والمثبت هو الصواب، كما في "غريب الحديث" 1/ 369.

ص: 583

ويسمى رِجْل الجراد لشبهها بها، وقيل: إنه الزعفران، وقيل: إنه المسك، وأنشد لسلمى أم الخير أم الصديق إذ كانت تنقزه:

عتيق وما عتيق

ذو المنظر الأنيق

رشفت منه ريق

كالزرنب العتيق

لأن غير المسك لايقال فيه العتيق، إنما هو من صفات المسك، وقيل: إنه صنف من الآس، وزعم ابن البيطار أنه أضرب عن كلام صاحب "الفلاحة" وإسحاق بن عمران. -يعني ما ذكره عياض من أنها شجرة عظيمة- قال: لأنه ليس بمعروف في زماننا هذا ولا من قبله أيضًا. وجاء في رواية أبي عبيد: (وأغلبه والناس يغلب)

(1)

، وصفته بالشجاعة. قال معاوية ووصف النساء يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام. وقال الأعشى الحِرْمَازي:

.................... وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ

(2)

.

الوجه الرابع عشر:

قول التاسعة إلى أن قالت: (مِنَ النَّادِ). هو بحذف الياء، وهو

المشهور في الرواية ليتم السجع، وإن كان الفصيح في العربية إتيانها،

وصفته بالشرف وسناء الذكر نسبًا وسؤددًا في قومه، فهو رفيع فيهم،

وأصل العماد: عماد البيت، وجمعها عمد، وهي العيدان التي تعمد

(1)

رواها النسائي في "الكبرى" 5/ 357 (9139/ 5)، والزبير في "الأخبار الموفقيات" ص 462.

(2)

رواه أحمد 2/ 201، وأبو يعلى (6871)، والبيهقي 10/ 240.

وهو عجز بيت صدره: وقَذَفَتْني بَيْنَ عِيصٍ مُؤْتَشِبْ.

انظر: "غريب الحديث" للخطابي 1/ 240، "النهاية في غريب الحديث" 1/ 113، "لسان العرب" 1/ 214.

ص: 584

بها البيوت. وإنما هذا مثل تعني: أن بيته [رفيع]

(1)

(في)

(2)

حَسَبِهِ، رفيع في قومه

(3)

.

فبيته عالٍ بحِشْمَته وسعادته لا كبيت غيره من الفقراء، تقصد ارتفاعه؛ ليراه أرباب الحوائج والأضياف فيأتونه، وهذِه صفة بيوت الأجواد.

وتريد بالنجاد -بكسر النون- حمائل السيف، فكأنها وصفته بطول القامة، فإن كان طويلًا كانت حمائل سيفه طول، فوصفته بالطول والجود، وهو مما يمدح به الشعراء قال مروان في الرشيد:

قصرت حمائله عليه فقلصت

ولقد تأنق قَيْنُها فأطالها

وقال الأعشى في هَوْذَة بن علي:

رفيع العماد طويل النجاد

يحمي المضاف ويعطي الفقير

وقولها: (عَظِيمُ الرَّمَادِ) وصفته بالجود وكثرة الضيافة من لحم الإبل وغيرها، فإذا فعل ذلك عظمت ناره وكثر وقودها، فيكون الرماد كثيرًا

(4)

، وقيل: لأن ناره لا تطفأ ليلًا؛ ليهتدي بها الضيفان، ومن عادة الكرام يعظمون النيران في الظلمة ويوقدونها على التلال؛ ليهتدى بها. قالت الخنساء في أخيها:

وإن صخرًا لتأتم الهداة [به]

(5)

(كأنه)

(6)

علم في رأسه نار

(1)

زيادة يقتضيها السياق، مثبتة من "غريب الحديث".

(2)

في الأصل: تعني، والمثبت من (غ).

(3)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 370.

(4)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 370.

(5)

ساقطة من الأصول، ومثبتة من "الإيضاح في علوم البلاغة" ص 189.

(6)

من (غ).

ص: 585

وقال غيرها:

متى تأته تَعْشو إلى ضوء ناره

تجد خير نار عندها خير موقد

(1)

وقولها: (قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النَّادِ)، تريد (أنه ينزل)

(2)

بين ظهراني الناس ليعلموا مكانه، فينزلوا عليه ولا يبعد عنهم ولا يتوارى منهم، بخلاف اللئام

(3)

.

والناد: المجتمع للمشاورة يبدو القوم حواليه، ولا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله فَكَنَّتْ عن ارتفاع بيته في الحسب برفيع العماد. وعن طول قامته بطول النجاد، وعن كثرة القرى بعظيم الرماد، وعلم مكانه بقريب الناد.

الوجه الخامس عشر:

قول العاشرة تريد تعظيمه، و (ما) استفهامية، وفيها معنى التعظيم والتهويل وحقيقته: فمَا مَالِكٌ وما هو؟ أَيْ: أَيُّ شيء هو، ما أعظمه وأكبره وأكرمه، ومثله قوله:{الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2)} [الحاقة: 1 - 2]. و {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)} [القارعة: 1 - 2]. أَيْ: أيُّ شيء هي، ما أعظم أمرها.

وقولها: (مَالِكٌ خَيْر مِنْ ذَلِكِ). زيادة في التعظيم، وتفسير لبعض الإبهام، وأنه خير مما أُشِيرُ إليه من ثناء وطيب ذكر، أو فوق ما أعتقِدُهُ فيه من سؤدد وفخر.

(1)

عزاه في "إصلاح المنطق" ص 198 للحطيئة.

(2)

في الأصل: إن نزل، والمثبت من (غ)، وهو الموافق لما في "غريب الحديث".

(3)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 370. بتصرف

ص: 586

وقولها: (لَهُ إِبِلٌ قَلِيلَاتُ المَسَارحِ (كَثِيرَاتُ)

(1)

المَبَارِكِ). يعني: لا يوجههن ليسرحن نهارًا إلا قليلًا، ولكنهن يتركن بفنائه باركات، فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبة عنه ولكنها بحضرته فيقريه من ألبانها ولحومها

(2)

. ويروى: عظيمات المبارك، وهو كناية عن سمنها وعظم جِرْمها. وعند ابن قتيبة: إذا تركت إبله كانت كثيرة؛ لكثرة من ينضم إليها ممن يلتمس لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلة، لقلة من ينضم إليها من الأضياف والعفاة

(3)

، وقيل: إنها إذا بركت كانت كثيرة؛ لوفور عددها، وإذا سرحت كانت قليلة؛ لكثرة ما نحو منها للأضياف. وفي رواية الهيثم عن هشام في آخر ذلك: وهو أمام القوم في المهالك.

وقولها: (إِذَا سمِعْنَ صَوْتَ المِزْهَرِ) تريد: العود الذي يضرب به، معناه: أنه مما كثرت عادته للضيفان وإطعامهم وشربهم، وضرب المعازف عليهم، ونحر الإبل؛ فلذلك صارت الإبل إذا سمعت ذلك أيقنَّ أنهن منحورات.

وقال أبو سعيد النيسابوري: إن كن لا يسرحن إلا قليلًا من النهار، ثم تحبس في المبارك سائر النهار فهي هالكة هزالًا، وإن كن يسرحن بالليل فقد (ضاع)

(4)

أضياف الليل. والتفسير: أن مسارحها قليلة؛ لقلة الإبل، وكثرة مباركها بالفناء؛ لكثرة ما تثار فتحلب ثم تترك،

(1)

من (غ)، وفي (س): قليلات.

(2)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 371.

(3)

العفاة: السائلون.

(4)

في الأصول: ضاف، وهو خطأ، والمثبت من "شرح ابن بطال" 7/ 302، "بغية الرائد" ص 108.

ص: 587

فالقليلة إذا فعل بها هذا كثرت مباركها. وقوله: المِزْهَر: العود؛ نَحْنُ نُنْكِرُهُ؛ لأن العرب كانوا لا يعرفون العود إلا من خالط الحضر منهم، والعود إنما أحدث بمكة والمدينة، والذي نذهب إليه أنه المُزْهِر، وهو الذي يَزْهَرُ النارَ للأضياف والطريق، فإذا سمعت صوت ذلك وحسه ومعمعة النار، أيقنت بالعقر

(1)

.

وقال عياض: لا نعرف أحدًا رواه (المُزْهِر) كما قال النيسابوري، وإن كان يصح؛ لأن زهور السراج والنار تلألأ سَنَاها، والذي رواه الناس كلهم (المِزْهَر)، وهو الصواب.

قال: وقوله إن العرب لا تعرف العود إلا من خالط منهم الحضر، فمن أخبره أن المذكورات لم يخالطن الحضر؛ لأنا ذكرنا في بعض طرق هذا الحديث أنهن كن بقرية من قرى اليمن، والقرى مرتقى الحاضرة، وفي طريق: أنهن من مكة. مع أن العرب جاهليتها وإسلامها فيها بدويها وحضريها قد ذكرت في أشعارها المزاهر وأشباهها

(2)

.

وقال الدوادي: هو الذي يضرب به، وكان للأضياف.

الوجه السادس عشر:

قول الحادية عشرة: (زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فَمَا أَبُو زَرْعٍ). هو كقول العاشرة: (مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ).

وقولها: (وَأَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ) هو بتشديد الياء من أذني على التثنية.

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 302 - 303.

(2)

"بغية الرائد" ص 112.

ص: 588

والنَّوَس: الحركة من كل شيء متدلٍّ، يقال: ناس يَنُوس نَوْسًا وأَنَاسَهُ غيرُهُ إناسَةً، وقال [ابن]

(1)

الكلبي: إنما سمي ملك اليمن ذو نُواسٍ؛ لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه

(2)

، تريد: حلاني قرطه وشنوفًا ينوس بأذني

(3)

.

وقولها: (مَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ) لم ترد العضد خاصة، إنما أرادت الجسد كله، تقول: إنما أسمنني بإحسانه إليَّ، فإذا سمنت العضد سمن الجسد

(4)

. وقيل: قصدت بذكرها سجع الكلام.

وقولها: (وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي) أي: فرحني ففرحت، وقد بجح الرجل يبجح إذا فرح

(5)

، وقال ابن الأنباري: معناه: عظمني. وقال ابن أبي أويس: وسع على وتَرَّفني.

وقولها: (فوَجَدَنِي في أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ)، تريد: تصغير غنم.

و (بشق) أهل الحديث يقولون بالكسر، قال أبو عبيد: وهو بالفتح: اسم موضع

(6)

. وصوبه الهروي، وقال النووي: إنه المعروف عند أهل اللغة، وحكاهما ابن الأنباري وأنه اسم موضع، قال ابن أبي أويس وابن حبيب: هو جبل لقلتهم

(7)

، زاد ابن أبي أويس: وقلة غنمهم

(8)

.

(1)

ساقطة الأصول، ومثبتة من "غريب الحديث" 1/ 371 "شرح ابن بطال" 7/ 303، "بغية الرائد" ص 118.

(2)

"غريب الحديث" 1/ 371.

(3)

انظر: "المفهم " 6/ 343.

(4)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 371.

(5)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 371.

(6)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 372.

(7)

في "شرح مسلم": يعني: بشق جبل لقلتهم.

(8)

"شرح مسلم" 15/ 217.

ص: 589

قال عياض: كأنها تريد أنهم لقلتهم وقلة غنمهم حملهم على سكنى شق الجبل، أي: ناحيته أو بعضه؛ لأن الشق يقع على الناحية من الشيء وعلى بعضه، والشق أيضًا: النصف. فيكون التفسير على رواية من روى بالفتح -وهو أليق بقولها: لقلتهم- شق في الجبل كالغار ونحوه.

وله وجه آخر ذهب إليه نفطويه، وهو بالحديث أولى وأوضح لغة.

ومعنى: الشق -بالكسر- الشظف من العيش والجهد منه، قال ابن دريد: يقال: هو بشق وشظف من العيش، (أي: بجهد)

(1)

منه، وعليه نزول قوله تعالى:{إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ}

(2)

[النحل: 7].

قال الداودي: يروى بشق بفتح الباء والشين، وبكسرهما، والتشديد في القاف، فمن رواه بالتخفيف: أراد موضعًا، ومن شدد هو الجهد من قوله:{بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} .

وقولها: (فجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ). الصهيل: أصوات الخيل، والأطيط: أصوات الإبل. يعني: أنه ذهب بها إلى أهله، وهم أهل خيل وإبل، وكان أهلها أصحاب غنم، ليسوا بأصحاب خيل ولا إبل.

قال عياض: وأصل الأطيط: أعواد المحامل والرِّحَال، ويشبه أن يريد بالأطيط هذا المعنى، فكأنها تريد أنهم أصحاب محامل ورفاهية؛ لأن المحامل لا يركبها إلا أصحاب السعة، وكانت قديمًا من مراكب العرب

(3)

.

(1)

في (س): والجهد، والمثبت من (غ).

(2)

"بغية الرائد" ص 122.

(3)

"بغية الرائد" ص 124.

ص: 590

قلتُ: قد ذكر المبرد أن أول من عمل المحامل الحجاج بن يوسف الثقفي، وفيه قول الراجز:

أول عبد عمل المحاملا

أخزاه ربي عاجلًا وآجلا

(1)

.

وقولها: (دَائِسٍ وَمُنَقٍّ)، قال أبو عبيد: تأوله بعضهم من دِيَاس الطعام، وهو دِرَاسُهُ، وأهل العراق يقولون: الدياس، وأهل الشام يقولون: الدراس، قال: ولا أظنها واحدة من هاتين الكلمتين، فليسا من كلام العرب، فإن كان كما قيل فأرادت أنهم أصحاب زرع

(2)

.

وقال أبو سعيد: الدياس: الطعام الذي أهله في دياسة، وعندهم من الطعام مقتنى فخيرهم متصل

(3)

. وقال ابن التين: يريد أنهم أصحاب زرع، يدوسونه إذا حصد وينقونه مما يخالطه. وأما:(منقّ): فالمحدثون يقولونه بالكسر، قال أبو عبيد: ولا أدري معناه، وأحسبه منق بالفتح، أرادت به تنقية الطعام

(4)

، وأرادت أنهن أصحاب زرع.

قال الهروي: وقال بعضهم: المنقي: الغربال.

وقال إسماعيل بن أبي أويس: المنقِّ -بالكسر- نقيق (أصوات)

(5)

المواشي والأنعام، تصف كثرة ماله.

وقال أبو سعيد النيسابوري: هو مأخوذ من نقنقة الدَّجَاج يقال: أنق الرجل إذا اتخذ دجاجًا ينقنق أي: أنهم أهل طير. أي: نقلني من فقر إلى عمران.

(1)

"الكامل في اللغة والأدب" 1/ 228.

(2)

"غريب الحديث" 1/ 372.

(3)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 304.

(4)

"غريب الحديث" 1/ 373.

(5)

في الأصول: أصحاب، وهو خطأ، والمثبت من "بغية الرائد" ص 125، "شرح مسلم" 15/ 218.

ص: 591

وقال ابن سراج: ويجوز أن يكون (منق) بالإسكان أي: وأنعام ذات نقى. أي: سمان

(1)

. وعند ابن قتيبة: قال أبو عبيد: المنَق مفتوح النون، ولا أعرف كسرها، وقال غيره بكسرها.

وقال النووي: المراد الذي ينقي الطعام، أي: يخرجه من تِبْنِه وقشوره، وهو أجود من قول الهروي: هو الذي ينقيه بالغربال

(2)

.

وقولها: (فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ). أي: فلا يقبح عليَّ قول يقبل مني. (وأشرب فأتقمح)، أي: يرويني الشراب حتى لا أحب الشرب، مأخوذ من الناقة المقامح، وهي التي ترد الماء فلا تشرب. وترفع رأسها ريًّا، وكل رافع رأسه فهو مقمح وقامح قال تعالى:{فَهُمْ مُقْمَحُونَ} [يس: 8] أي: لا يستطيعون الشرب، وكانت في قوم عندهم قلة الماء.

قال أبو عبيد: أي: أروى حتى أدع الشرب من شدة الري. قال: ولا أراها قالت هذا إلا من عزة الماء الذي عندهم، وبعضهم يرويه: فأتقنَّح، بالنون، ولا أعرف هذا الحرف ولا أرى المحفوظ إلا بالميم

(3)

.

وقال أبو سعيد: فأتقنَّح: هو الشرب على رسل لكثرة اللبن؛ لأنها ليست بناهبة غيرها، وإنما تنتهب ما كان قليلًا يخاف عجزه، ويقول الرجل لصاحبه إذا أحثه على أن يأكل أو يشرب: والله لتقمحنه.

والتقمح: الازدياد من الشرب، وقال ابن السكيت في التقنح الذي لم يعرفه أبو عبيد: أتقنح: أقطع الشراب. [قال]

(4)

أبو زيد: قال الكلابيون: قنحت تنقح قنحًا وهو: التكاثر في الشراب بعد الري.

(1)

انظر: "بغية الرائد" ص 125.

(2)

"شرح مسلم" 15/ 218.

(3)

"غريب الحديث" 1/ 373.

(4)

ساقطة من الأصول، ومثبتة من "شرح ابن بطال".

ص: 592

وقال أبو حنيفة: يقال: قنحت من الشراب قنحًا، وقنحتُ أقنحُ قنحًا: تكارهت عليه بعد الري. والغالب: تقنحت. والترنح: كالتقنح

(1)

.

قال عياض: حكى أبو علي القالي في "البارع" و"الأمالي": قنحت الإبل تقنح -بفتح النون في الماضي والمستقبل- قنحًا بإسكانها. وقال شمر: قنحًا: إذا تكارهت الشرب، ومن رواه بالفاء والتاء (أتفتح) إن لم يكن وهمًا فمعناه: التكبر والزهو والتيه. ويكون هذا الكبر والتيه من الشراب، لنشوة سكره، وهو على الجملة يرجع إلى عزتها عنده، وكثرة الخير لديها، أو يكون معنى أنفتح: كناية عن سمن جسمها واتساعه

(2)

.

قال عياض: ولم يروه في الصحيح إلا بالنون، وكذا هو في جميع النسخ. وقال البخاري: قال بعضهم: فأتقمح، بالميم.

قال: وهو أصح، والذي بالنون معناه: أقطع الشرب وأتمهل فيه، وقيل: هو الشرب بعد الري.

وقولها: (فَأَتَصبَّحُ). أي: أنام الصبيحة؛ لأنها لها من يكفيها الخدمة من الإماء وشبهها.

وقولها: (عُكُومُهَا رَدَاح)، تريد: الأحمال والأعدال التي فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع، واحدها عكم، كجلد وجلود. والرداح: العظيمة، تقول: هي كثيرة الحشو

(3)

. يقال للمرأة: رداح؛ إذا كانت عظيمة العجز، ثقيلة الأوراك.

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 304 - 305.

(2)

"بغية الرائد" ص 127 - 128.

(3)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 373 - 374.

ص: 593

وقال ابن حبيب: إنما هو دراح. أي: ملاء، وليس كما قال الشارح: رداح.

قال (عياض: ما قاله)

(1)

أبو عبيد وغيره صحيح معروف، ومعناه ظاهر، وما أدري لم أنكر ابن حبيب وهو بنفسه معنى ما فسره هو به مع مساعدة سائر الرواة لما قاله أبو عبيد، فإن روايتهم كلهم رداح. قال: ولم أسمعها من شيخ، ولا وجدته في جماهير اللغة وصحاح العربية، إلا أن يكون وهم عليه، وإنما أراد: رِداح بكسر الراء، وأنكر فتحها فقط، فلقوله وجه، ويكون (رداح) هنا بمعنى ما قاله أبو عبيد، لكنه جمع (رادح)

(2)

كقائم وقيام، وكذا وجدته مضبوطًا عند بعض رواة الحديث بكسر الراء

(3)

.

وقولها: (وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ)، هو بفتح الفاء أي: واسع كبير.

وقولها: (كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ)، هذا من تمادح الرجال، وأصل الشطبة ما شطب من جريد النخل وهو سعفه، وذلك أنه تنشق منه قضبان دقاق ينسج منها الحصر، يقال للمرأة التي تفعل ذلك: شاطبة، وجمعها شواطب، فأخبرت أنه مهفهف ضرب اللحم، شبهته بتلك الشطبة

(4)

.

وعبارة ابن التين: أرادت أنه ضرب الجسم، وهو مما يمدح به الرجال.

(1)

من (غ).

(2)

في الأصول: ردح، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب؛ لمناسبة (قائم) و (قيام).

(3)

"بغية الرائد" ص 132 - 133.

(4)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 374.

ص: 594

وقال أبو سعيد: تريد كأنه سيف مسلول من غِمْد، شبهته بذي شطب يمان، وسيوف اليمن كلها مشطبة، وفي كتاب ابن حبان: الشطبة والشطب: ما شطب من سعف النخل.

وقولها: (وتكفيه -وفي لفظ: وتشبعه- ذراع الجفرة) فالجَفْرَة: الأنثى من أولاد الغنم، وقيل: من أولاد الماعز، والذكر: جفر، وهي التي لها من العمر أربعة أشهر، ومنه الغلام الجفر، والعرب تمدح الرجل بقلة الأكل والشرب كما مرَّ، وزاد فيه بعضهم: كريم (الخل)

(1)

برود الظل، وفي الإلِّ. أي: وَافِيّ العهد، وبرد الظل كناية عن طيب العشرة، ولا يخادن أخدان السوء.

وقولها: (وَمِلْءُ كِسَائِهَا)؛ وصفتها بالسمن، و (غيظ جارتها): أي ضرتها. أرادت أن ضرتها ترى من حسنها ما يغيظها.

وقولها: (ومَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا). هو بالباء الموحدة، ويروى بالنون، وأحدهما قريب المعنى من الآخر: لا تظهر سرنا.

وقال ابن الأعرابي: النُّثَّاث المغتابون للمسلمين، والأول أشبه، بمعنى الخدمة.

وقولها: (وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا). وفي رواية: لا تنقل. يعني: الطعام لا تأخذه فتذهب به، تصفها بالأمانة. والتنقيث: الإسراع في السير. أي: لا تذهب به وتخون

(2)

.

(1)

في الأصول: الجد، وهو تحريف، والمثبت من "بغية الرائد" ص 148، "التدوين في أخبار قزوين" 1/ 367، "فتح الباري" 9/ 271.

(2)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 375.

ص: 595

وعبارة بعضهم: النقث: النقل، والتنقيث: مبالغة. وقال ابن حبيب: لا تفسده ولا تفرقة. وقال ابن أبي أويس: لا تسرق. وقال أبو سعيد: التنقيث: إخراج ما في منزل أهلها إلى (الأجانب)

(1)

، وهو النقث والنفث، والثاء والفاء يتعاقبان

(2)

. وقال ابن فارس: نقث القوم حديثهم: خلطوه، كما ينقث الطعام

(3)

.

وقولها: (وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا). التعشيش: -بالعين المهملة- مأخوذ من عشعش (الخبز)

(4)

إذا فسد؛ تريد: أنها تحسن الطعام المخبوز، وتتعهده بأن نطعم منه أولًا فأولًا طريًّا، ولا تهمل أمره فيطرح ويفسد

(5)

، ذكره ابن التين، ثم قال: وقال الداودي: أراد أنها لا تتسمع إلى أخبار الناس فتأتينا بها.

وقال يعقوب فيما حكاه ابن قتيبة: تريد النميمة وما شاكلها.

وقال ابن حبان: تريد أنها عفيفة الفرج لا تفسق. وعبارة بعضهم: لا تخبئ خبيئًا كعش الطائر، أوكأنها لا تَقُمّ البيت فهو كعش الطائر في قذره وقشبه.

وقال النووي: لا تترك القمامة والكناسة فيه مفرقة كعش الطائر، بل هي مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه.

وقيل: لا تسرق طعامنا فتخبأه في زوايا البيت

(6)

.

(1)

في الأصول: جانب، والمثبت من "شرح ابن بطال" 7/ 306، "بغية الرائد" ص 149.

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 306.

(3)

"المجمل" 2/ 881.

(4)

في الأصول: الخمر، وهو تحريف، والمثبت صوابه، كما في "أعلام الحديث" 3/ 1999، "إكمال المعلم" 7/ 467.

(5)

انظر: "أعلام الحديث" 3/ 1998 - 1999.

(6)

"شرح مسلم" 15/ 220.

ص: 596

وقال سعيد بن سلمة، عن هشام: تعشعش بيتنا تعشيشًا.

فائدة:

في رواية الهيثم عن هشام: ضيف أبي زرع، وما ضيف أبي زرع؟ في شبع وري ورتع. قال ابن قتيبة: الرتع: جمع رتعة من قوله تعالى: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}

(1)

[يوسف: 12]. وقال أبو عبيد

(2)

: يلهو ويتنعم

(3)

. وقال الكلبي: يرتع: يذهب ويجيء وينشط ويلهو ويلعب. وفي رواية أيضًا: طهاة أبي زرع، فما طهاة أبي زرع؟ لا تفتر ولا تعدى (تقدح)

(4)

قدرًا وتنصب (أخرى)

(5)

فتلحق الآخرة الأولى؛ تريد بالطهاة الطباخين، واحدهم طاهي يقال: طها الرجل إذا طبخ. ولا تعدى. تريد: لا تصرف عن اتخاذ ذلك.

وقولها: (تقدح قدرًا) معناه: تغرف قدرًا، يقال: قدح: إذا غرف، والمقدحة المغرفة، وأصلها المقدوح. كالجريح والمجروح.

فائدة:

أسلفنا معنى قولها: (وَمِلْءُ كِسَائِهَا). وجاء في رواية: صِفْر ردائها بكسر الصاد المهملة وهو الخالي.

قال الهروي: أي: ضامرة البطن، فالرداء ينتهي إلى البطن.

(1)

"غريب الحديث" لابن قتيبة 1/ 484.

(2)

كذا بالأصل: أبو عبيد، ولعله أبو عبيدة.

(3)

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 303.

(4)

في الأصول: للقدح، والمثبت من "التدوين في أخبار قزوين" 1/ 368، "فتح الباري" 9/ 272.

(5)

في الأصول: الأخرى، والمثبت من "التدوين في أخبار قزوين" 1/ 368، "فتح الباري" 9/ 272.

ص: 597

وقال غيره: معناه أنها خفيفة أعالي البدن -وهو موضع الرداء- ممتلئة أسفله -وهو موضع الكساء- توضحه رواية: وملء إزارها.

قال عياض: أرادت امتلاء منكبيها وقيام نهديها بحيث يدفعان الرداء عن أعالي بدنها فلا يمسه، فيصير خاليًا بخلاف أسفله

(1)

.

فصل:

سلف معنى قوله: (وَغَيْظُ جَارَتِهَا). وفي رواية: عَقْر جارتها. بالعين المفتوحة والقاف الساكنة.

قال عياض: كذا ضبطناه عن جميع شيوخنا، وضبطه الجياني:(عُبْر) بضم العين وإسكان الباء، وكذا ذكره (ابن الأنباري)

(2)

، وكأن الجياني أصلحه من كتاب ابن الأنباري، وفسره على وجهين: أحدهما من الاعتبار (أي)

(3)

: ترى من حسنها وعفتها ما تعتبر به. والثاني: من العَبْرة: هي البكاء. أي: ترى من ذلك ما يبكيها لحسدها وغيظها، ومن رواه بالقاف فمعناه: تغيظها، فتصير كمعقورة، وقيل: تدهشها، من قولهم: عَقْرًا إذا دهش

(4)

.

وعند الإسماعيلي: وذكرت كلب أبي زرع.

فصل:

قولها: (وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ). تريد بالأوطاب أسقيه اللبن،

(1)

"إكمال المعلم" 7/ 466.

(2)

في الأصول وفي "شرح مسلم" للنووي 15/ 219 ابن الأعرابي، والمثبت من "إكمال المعلم" 7/ 467: وهو الصواب يوضحه ما ذكره بعد.

(3)

من (غ).

(4)

"إكمال المعلم" 7/ 467 بتصرف.

ص: 598

واحدها: وطب، قاله أبو عبيد

(1)

، وأنكره أبو سعيد وقال: هذا منكر في العربية أن يكون فَعْل يجمع على أَفْعَال، لا يقال: كلب وأكلاب، ولا وجه وأوجاه، وإنما الصحيح: الأوطب في القلة والأوطاب في الكثرة

(2)

.

ومعنى: (تمخض) تُحرَّك حتى تخرج زبدتها ويبقى المخيض، ومعنى كلامها يحتمل أنها أرادت تبكير خروجه من منزلها غدوة، وانطوى في أثناء ذلك كثرة خير داره، وغزر لبنه، وأن عندهم منه ما يشرب صريحًا ومخيضًا، ويفضل عن حاجتهم حتى يمخضوه في الأوطاب ويستخرجوا زبده وسمنه.

ويحتمل أنها تريد أن خروجه في استقبال الربيع وطيبه، وأن خروجه إما لسفر أو غيره كان في هذا الزمن، فتكون الفائدة في الاحتمال الأول: تعريفها بخروجه عنها بكرة النهار، والثاني: إعلامها بوقت خروجه عنها في أي فصل هو.

فصل:

قولها: (فَلَقِيَ مَعَهَا وَلَدَانِ كَالْفَهْدَيْنِ). وفي رواية: كالصقرين. احتاجت إلى ذكرها هنا؛ لتنبه على أحد أسباب تزويجه لها؛ لأن العرب كانت ترغب في الأولاد، وتحرص على النساء المنجبات في الخَلْق والخُلُق. لكن في رواية الخطيب أنهما أخواها لا ابناها، وأنه إنما تزوجها بكرًا.

(1)

"غريب الحديث" 1/ 375.

(2)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 306.

ص: 599

فصل:

وقولها: (يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ). يعني أنها ذات كفل عظيم، فإذا استلقت نتأ الكفل بها من الأرض حتى يصير تحت خصرها فجوة يجري فيها الرمان، وقيل: إنهما الثديان. وأنكره أبو عبيد فقال: ليس هذا موضعه

(1)

.

وحكاه ابن قتيبة عن ابن أبي أويس. قال عياض: والأول أرجح؛ لا سيما وقد روي: من تحت درعها برمانتين

(2)

.

وعبارة ابن التين وصفها بكبر الكفل والصدر.

فصل:

قولها: (فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا).

كذا في "الصحيح" وفي رواية أبي الهيثم: فاستبدلت بعده، وكل بدل أعور، فتزوجت شابًّا. والسري: بالسين المهملة أي: من سراة الناس.

وقال عياض، عن ابن السكيت: بالمعجمة يعني: سيدًا شريفًا سخيًّا.

و (ركب شريًّا) بالمعجمة، وهو الفرس الذي يستشري في سيره، أي: يلح ويمضي بلا فتور، وقال يعقوب: وهو الفرس الفائق الخيار

(3)

، ونقل ابن بطال عن ابن السكيت: ركب فرسًا شريًّا. أي: خيارًا، من قولهم: هذا من سراة المال أي: من خياره

(4)

؛ ولما

(1)

"غريب الحديث" 1/ 375 - 376.

(2)

"إكمال المعلم" 7/ 468.

(3)

"إكمال المعلم" 7/ 469، بتصرف.

(4)

"شرح ابن بطال" 7/ 307. ونَصّ عبارته كما عند الزمخشري في "الفائق" 3/ 54: الفرس الشري: الذي يشري في عدوه، أي: يلج ويتمادى، وقيل هو الفائق الخيار، من قولهم: سراة المال وشراته لخياره. عن ابن السكيت، واشتراه واستراه: اختاره. اهـ.

ص: 600

ضبطه النووي بالمعجمة ادعى فيه الاتفاق، ويأتي على ما حكاه ابن بطال عن ابن السكيت الإهمال أيضًا

(1)

.

فصل:

قولها: (وَأَخَذَ خَطِّيًّا). يعني: الرمح؛ لأنه يأتي من بلاد ناحية البحرين يقال له: الخط، فنسب الرماح إليها، وإنما أصل الرماح من الهند ولكنها تحمل إلى الخط في البحرين ثم تُفرق منها في البلاد

(2)

، وهي قرية بسيف البحر عند عمان.

قال أبو الفتح: قيل لها ذلك؛ لأنها على ساحل البحر، والساحل يقال لها: الخط، لأنه يفصل بين الماء والتراب. والخَطيّ: بفتح الخاء المعجمة في أخبار ثعلب في "فصيحه": قال ابن درستويه: والعامة تكسر الخِطية في كل حالٍ، وهو خطأ

(3)

.

قلت: في "شرح ابن هشام" يقال بكسر الخاء.

قال عياض: ولا يصح قول من قال: إن الخط منبت الرماح

(4)

.

وعند ابن سيده في "العويص": كل سيف خط

(5)

؛ قال: فأما قول سلامة بن جندل:

يأخذن بين سواد الخط فاللوب

فإن الخط هنا: الطريق، حكاه ثعلب.

وفي "معجم أبي عبيد": الخط: ساحل بين عمان إلى البصرة، ومن

(1)

شرح ابن بطال" 7/ 307، "شرح مسلم" 15/ 220.

(2)

انظر: "غريب الحديث" 1/ 376.

(3)

"تصحيح الفصحيح" لابن درستويه.

(4)

"إكمال المعلم" 7/ 469.

(5)

انظر: "المخصص" 2/ 34.

ص: 601

كاظمة إلى الشِّحر، ثم أنشد قول سلامة السالف ثم قال: واللوب: الحرار، حرار قيس. قال: وإذا كانت من حرار قيس إلى ساحل البحر، فهي نجد كلها، قال: وقيل: الخط فيها الرماح الجياد، وهي لعبد القيس

(1)

.

فصل:

قولها: (نَعَمًا) هو بفتح النون الإبل خاصة، قاله عياض وابن بطال

(2)

، وابن التين، وقال غيرهم: لجمع الإبل والبقر والغنم، والنعم تذكر وتؤنث قال تعالى:{وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} [الأنعام: 142]. ثم قال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الأنعام: 143] وركر أنواع الماشية. ووقع في رواية: (نِعمًا) بكسر النون جمع نعمة، والأشهر الأول

(3)

.

وقولها: (ثَرِيًّا) هو بفتح الثاء المثلثة ثم راء مهملة ثم مثناة تحت وهو الكثير من المال وغيره، ومنه الثروة في المال، وهي كثرته، قال الكسائي: يقال: قد ثرى بنو فلان بني فلان يثرونهم إذا كثروهم وكانوا أكثر منهم و (القياس)

(4)

ثرية، لكنه ليس من حقيقي التأنيث، ومعنى:(أراح): تأتي في الرواح بعد الزوال.

فصل:

قولها: (وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا). أي: أعطاني اثنين من كل

(1)

"معجم ما استعجم" لأبي عبيد البكري 1/ 503.

(2)

"شرح ابن بطال" 7/ 307، و"إكمال المعلم" 7/ 469.

(3)

"بغية الرائد" ص 162.

(4)

في الأصول: القياسر، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب.

ص: 602

ما يروح من الإبل والبقر والعبيد، والزوج هنا الاثنين، ويقال للواحد زوج، ويحتمل أنها أرادات صنفًا، والزوج يقع على الصنف، ومنه قوله تعالى:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7)} [الواقعة: 7] وصفته بالسؤدد في ذاته، والسعة في ذات يده، وأنه صاحب حرب وركوب، وأنه محسن إليها مفضل على أهلها، ثم إنه مع هذا كله لم يقع عندها موقع أبي زرع، وأن كثيره دون قليله، فكيف بكثيره، وأن حال هذا معيب إذا أضافته إلى حال أبي زرع، مع إساءة أبي زرع أخيرًا في تطليقها والاستبدال بها، ولكن حبها له بغض إليها الناس بعده؛ ولهذا كره أولو الرأي تزويج امرأة لها زوج طلقها؛ لميل نفسها إليه

(1)

.

وقوله: (وَمِيرِي أَهْلَكِ). أي: صليهم بالميرة، وهي الطعام، وأصله من امتيار البوادي من الحواضر.

فصل:

قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ("كنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعِ لأُمِّ زَرْعٍ") قاله؛ تطييبًا لنفسها ومبالغة في حسن معاشرتها، ثم استثَنى من ذلك الأمر المكروه منه أنه طلقها "وإني لا أطلقك"؛ تتميمًا لتطييب نفسها، وإكمالًا لطمأنينة قلبها، ورفعًا للإيهام؛ لعموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع، إذ لم يكن فيها مذمة سوى طلاقه لها.

وقد جاء في رواية أبي معاوية الضرير ما يدل أن الطلاق لم يكن من قبل أبي زرع واختياره، فإنه قال: لم تزل به أم زرع حتى طلقها.

وجاء أن عائشة قالت: بأبي أنت وأمي، بل أنت خير لي من أبي زرع. وهو جواب مثلها في فضلها وعلمها، فإنه عليه السلام لما أخبرها أنه

(1)

انظر: "بغية الرائد" ص 163 - 164.

ص: 603

لها كهو؛ لفرط محبة أم زرع له وإحسانه إليها. أخبرته هي أنه عندها أفضل. وهي له أحب من (أم زرع لأبي زرع)

(1)

.

فصل:

قد أسلفنا في الوجه الخامس أن فيه التأسي بأهل الإحسان إلى آخره، وهو ما ذكره المهلب واعترضه القاضي فقال: هذا عندي غير مسلَّم؛ لأنا لا نقول أنه عليه السلام اقتدى بأبي زرع، بل أخبر أنه لها كأبي زرع، وأَعْلَم أن حاله معها مثل حالة ذلك لا على سبيل التأسي به، فأما قوله فيه التأسي فصحيح ما لم تصادمه الشريعة

(2)

.

فصل:

قوله لها: ("كُنْتُ لَكِ") أي: أنا لك؛ كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] أي: أنتم خير أمة، ويمكن بقاؤها على ظاهرها كما قال القرطبي: إني كنت لك في علم الله السابق، ويمكن أن يكون مما أريد به الدوام كقوله:{وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}

(3)

[النساء: 134].

فصل:

في فوائده مختصرًا غير ما سلف: فيه: جواز إعلام الرجل بمحبته للمرأة إذا أمن عليها من هجر أو شبهه.

وفيه: ذكر محاسن النساء للرجال إذا كن مجهولات، بخلاف المعينات، فذلك منهي عنه في قوله:"لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها"

(4)

.

(1)

في الأصول: أبي زرع لأم زرع، والمثبت الصواب، وهو المناسب للسياق. انظر:"بغية الرائد" ص 168.

(2)

"بغية الرائد" ص 171.

(3)

"المفهم" 6/ 349 - 350.

(4)

سيأتي برقم (5240) كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها.

ص: 604

وفيه: ما يدل على التكلم بالألفاظ العربية والأسجاع، وإنما كره ذلك للتكلف.

وفيه: حسن المعاشرة مع الأهل ومحادثتهن بما لا إثم فيه، وأن بعضهن ذكرت ما في زوجها من عيبه، ولم يكن ذلك (غيبة)

(1)

إذا كانوا لا يعرفون، وإنما الغيبة مَن عين بما يكره ذكره.

وفيه: جواز قول المرء لصاحبه: بأبي أنت وأمي.

وفيه: الرد على من لم يجز قول هذا، وما يحكى عن الحسن ومن قال بقوله، وأنه لا يفدي أحدكم بمسلم، فهذِه عائشة قد قالته وأبواها مسلمان.

وفيه: شكر المرأة إحسان زوجها، وعليه ترجم النسائي، وخرج معه في الباب حديث ابن عمر:"لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر زوجها"

(2)

.

وفيه: مدح المرء في وجهه إذا علم ذلك غير مفسد ولا مغير نفسه، والشارع مظنة كل مدح، ومستحق كل ثناء، وأن من أثنى بما أثنى فهو فوق ذلك كله.

وما أحسن قول البوصيري

(3)

فيما أخبرنا غير واحد عنه:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم

واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

وقد ورد في الأثر أنه عليه السلام كان لا يقبل الثناء إلا من مكافئ

(4)

.

(1)

في الأصول: عيبًا، والمثبت هو الصواب، لمناسبته لما بعده.

(2)

"السنن الكبرى" 5/ 354.

(3)

في قصيدته المشهورة المعروفة بـ "البردة" وعليها كثير من المؤاخذات.

(4)

رواه الترمذي في "الشمائل"(352)، وابن سعد في "الطبقات" 1/ 425، والطبراني 22/ 158، والبيهقي في "الدلائل" 1/ 291، وفي "الشعب" 2/ 157.

ص: 605

قال القتبي: إلا أن يكون ممن أنعم عليه صلى الله عليه وسلم فيكافئه الآخر الثناء

(1)

، ورده ابن الأنباري وغلطه؛ لأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله؛ لأن الله تعالى جعله للناس كافة وهداهم ورحمهم به، فكلهم تحت نعمته، والثناء عليه فرض عليهم لا يتم الإسلام إلا به، وإنما المعنى لا يقبل الثناء إلا من رجل عرف حقيقة إسلامه ممن لا ينبذ بنفاق، وقيل: مكافئ: مقارب في مدحه غير مفرط فيه، قال عليه السلام:"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى عليه السلام"

(2)

.

فصل:

قال عياض: وفي قوله: "كُنْتُ لَكِ كأَبِي زَرْعِ لأُمِّ زَرْعِ في الألفة (والرفاء)

(3)

".

فائدة:

إن لم يصح النهي عنه جواز قوله للمتزوج؛ لأنه إذا قال أحد الزوجين لصاحبه، فلا يمتنع أن يقوله الأجنبي لأحدهما. وقد اختلف العلماء في هذا، فروي جوازه عن عبد الملك بن حبيب

(4)

، وعن شريح أيضًا

(5)

، وكرهه آخرون. منهم عقيل بن أبي طالب فيما رواه عنه الحسن

(6)

.

قال الطبري: ولم يسمع منه، وقد سلف قريبًا.

(1)

"غريب الحديث" 1/ 507.

(2)

سلف برقم (3445).

(3)

في الأصول: الوفاء، والمثبت من "بغية الرائد".

(4)

انظر: "النوادر والزيادات" 4/ 392.

(5)

رواه عبد الرزاق 6/ 190 (10458).

(6)

رواه عبد الرزاق 6/ 189 (10457)، وابن أبي شيبة 4/ 6 (17207).

ص: 606

فصل:

فيه جواز المزح في بعض الأحيان، وإباحة المداعبة مع الأهل، وبسط الوجه مع جميع الناس بالكلام السهل الحلو، وكان عليه السلام يمزح ولا يقول إلا حقًّا، أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد جيد، بلفظ: قال: قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال: "إني لا أقول إلا حقًّا". ثم قال: حديث حسن

(1)

. وأخرجه الزبير في "كتاب الفكاهة والمزاح" من هذا الوجه بلفظ: قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تداعبنا، قال:"إني وإن داعبتكم فإني لا أقول إلا حقًّا".

ورواه أيضًا مرسلًا عن بكر بن عبد الله المزني، وعن يحيى بن أبي كثير: كان رجل من الصحابة ضحاكًا، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"ما يعجبون، إنه ليدخل الجنة وهو يضحك"

(2)

. وعن طلحة بن خراش وعبد الرحمن بن ثابت وعبد الله بن بسر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب فخذ الفاكه بن سكن وقال: "استعطي يا أم عمرة". وقال لأبي اليسر "يا أم اليسر". قالوا: فألقى الفاكه يده على فرجه لا يشك أنه عاد امرأة فقال صلى الله عليه وسلم: "ما لك؟ " فقال: ما شككت أني عدتُ امرأة، فقال صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر أمزح معكم". وسماه من يومئذ الموقن.

وأما ما روي عن ذم المزاح والنهي عنه فيما روى ابن الأعرابي، عن المطين، عن ابن نمير، عن المحاربي، عن أبيه، عن عبد الملك، عن عكرمة، عن مولى يرفعه:"لا تمار أخاك ولا تمازحه"

(3)

.

(1)

الترمذي (1995).

(2)

رواه ابن أبي الدنيا في "مداراة الناس"(69)، من حديث يحيى بن أبي كثير.

(3)

رواه الترمذي (1995) من طريق المحاربي، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

ص: 607

وحدثنا أبو داود، وساقه إلى عبد الله بن السائب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا:"لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادًّا ولا لاعبًا"

(1)

، فليس هذا من المزاح المحمود المباح، فإنما يهيج (الضغائن)

(2)

، ويعد من السباب والكذب، أو يتسلط به على ضرر رجل أو ماله، فليس من المزاح المحمود، ولا هو من جنس ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس مما ورد عنه من ذلك شيء زائد على خفض الجناح وبسط الوجه وطلب التودد. ومن ذهب إلى أنه يسقط الهيبة كما قال أكثم بن صيفي،

فلعله في الإكثار منه والتخلق به.

وأما قول من قال: إنما سمي (المزاح)

(3)

مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق فلا يصح لفظًا ولا معنى، أما المعنى، فلما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وأما اللفظ؛ فلأن الميم في المزاح أصلية ثابتة في الاسم والفعل، ولو كان كما قال كانت تكون زائدة ساقطة من الفعل.

فصل:

وفي الحديث أيضًا أن كنايات الطلاق لا يقع بها الطلاق إلا بالنية؛ لأنه عليه السلام قال: "كنت لك كأبي زرع" ومن جملة أفعاله أنه طلق امرأته أم زرع، ولم يقع عليه عليه السلام طلاق بتشبيهه؛ لكونه لم ينو الطلاق، وقد سلف في رواية:"غير أني لم أطلقك"

(4)

.

(1)

أبو داود (5003).

(2)

في الأصول: الطغائن، هو خطأ، والمثبت هو الصواب.

(3)

من (غ).

(4)

انظر هذِه الفوائد في: "بغية الرائد" ص 171 - 185.

ص: 608

فصل:

في الباب حديث عائشة رضي الله عنها: كَانَ الحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فيَسْتُرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللهْوَ.

وقد سلف في العيد وفي المساجد

(1)

، وأن لعبهم كان في المسجد، وادعى بعضهم نسخه بقول الله تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] وبحديث: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم"

(2)

، وأبداه أبو عبد الملك بحثًا، فقال: يحتمل أن يكون منسوخًا؛ لأن نظر النساء إلى الرجال وإلى اللهو فيه ما فيه، وهو عجيب.

وقوله: (فاقدروا قدر الجارية) يقال: قدرت الأمر كذا أقدُر وأقدِر إذا نظرت فيه ودبرته، وقدر بفتح الدال كما ذكره ابن التين.

قال الهروي: قدرت على الشيء أقدر قَدْرا قَدَرًا وقدرة ومقدرة وقدرانا. قال: ومنه يقال: أقدر بدرعك.

وضَبْطُه عند ابن فارس بإسكان الدال، والمعنى: أن الجارية تطيل المقام؛ لأنها مشتهية للنظر.

(1)

سلف برقم (454، 950).

(2)

رواه ابن ماجه (750). وقد سبق تخريجه موسعًا.

ص: 609

‌83 - باب مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوْجِهَا

5191 -

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ، وَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ، فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّتَانِ قَالَ اللهُ تَعَالَى:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]؟ قَالَ وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، هُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.

ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، فَصَخِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، قَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ. فَأَفْزَعَنِي ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهَا: وَقَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ. ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ، أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَتَهْلِكِي؟! لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِى شَيْءٍ، وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ عَائِشَةَ -.

قَالَ عُمَرُ: وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟

ص: 610

فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ. فَقُلْتُ: خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، وَدَخَلْتُ على حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا، أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ. فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ.

فَدَخَلَ الْغُلَامُ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: كَلَّمْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ. فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ. فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا -قَالَ:- إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ: قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. فَدَخَلْتُ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ على رِمَالِ حَصِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئًا على وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ إِلَيَّ بَصَرَهُ فَقَالَ:«لَا» . فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ على حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَبَسُّمَةً أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسًا وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ. فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم -وَكَانَ مُتَّكِئًا.

ص: 611

فَقَالَ: «أَوَفِى هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي.

فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ قَالَ:«مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا» . مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ على عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا. فَقَالَ:«الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» . فَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.

قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَةَ التَّخَيُّرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ فَاخْتَرْتُهُ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ. [انظر: 89 - مسلم: 1479 - فتح 9/ 278].

ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد سلف في: المظالم، في باب: الغرفة بطوله

(1)

، وفي آخر: وقال عبيد بن حنين: سمع ابن عباس من عمر: اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه

(2)

، وهو مطابق لما ترجم له، وسلف بعضه في: العلم

(3)

.

وفيه: بذل الرجل المال لابنته بتحسين عشرة زوجها؛ لأن ذلك صيانة لعرضه وعرضها، وبذل المال في صيانة العرض واجب.

وفيه: تعريض الرجل لابنته بترك الاستنكار من الزوج، إذا كان ذلك يؤذيه ويحرجه.

(1)

سلف برقم (2468).

(2)

سلف برقم (4913) كتاب: التفسير، باب:{تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} .

(3)

سلف برقم (89) باب: التناوب في العلم.

ص: 612

وفيه: سؤال العالم عن بعض أمور أهله، إذا كان في ذلك سنة تنقل، ومسألة تحفظ، وإن كان فيه غضاضة، وعما لا غضاضة فيه، وإن كان من سره.

وفيه: توقير للعالم عما يخشى أن يجشمه، والمطل بذلك إذا لم يخش فواته، فإذا خشي ذلك جاز للطالب أن يفتش عما فيه غضاضة، وما لا غضاضة فيه.

وفيه: إجابة العالم في ابنته وفي امرأته مما سلف لها من خطأ، وما ضلت فيه من سنة.

وفيه: سؤال العالم في الخلوات وفي موضع التبرز، لا سيما إذا كان في شيء من أمر نسائه وأسراره، فلا يجب أن يسأل عن ذلك في جماعة الناس، ويترقب المواضع الخالية.

فصل:

وفيه -كما قال الطبري

(1)

-: الدلالة الواضحة على أن الذي هو أصلح للمرء وأحسن به الصبر على أذى أهله، والإغضاء عنهم، والصفح عما ناله منهم من مكروه في ذات نفسه دون ما كان في ذات الله، وذلك الذي ذكره عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبره على ما يكون إليه منهن من الشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذاهن وهجرهن له، ولم يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عاقبهن على ذلك، بل ذكر أن عمر هو الذي وعظهن عليه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنحو الذي ذكر عن عمر من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم تتابعت الأخبار عنه، وإلى مثله ندب أمته عليه السلام، وقد قال فيما روته عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله،

(1)

"تهذيب الآثار" مسند عمر بن الخطاب 1/ 407 وما بعدها.

ص: 613

وأنا خيركم لأهلي"

(1)

. وخطب -فيما رواه عبد الله بن زمعة- فذكر النساء فقال: "علام يعمد أحدكم فيجلد (امرأته)

(2)

جلد العبد، ولعله يضاجعها من يومه"

(3)

ويأتي هذا قريبًا في البخاري

(4)

.

(1)

رواه الترمذي (3895) كتاب: المناقب، باب: فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والدارمي 3/ 1451 (2306) كتاب: النكاح، باب: في حسن معاشرة النساء -دون شطره الأخير- والطبري في "تهذيب الآثار" 1/ 408 (679) مسند عمر بن الخطاب، وابن حبان 9/ 484 (4177)، وأبو نعيم في "الحلية" 7/ 138، والبيهقي في "السنن" 7/ 468، وفي "الشعب" 6/ 415 (8718)، 7/ 466 (11014) وعند بعضهم زيادة، كلهم من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.

ورواه البزار كما في "الكشف"(1481)، والطبري في "تهذيب الآثار" 1/ 408 (678) مسند عمر بن الخطاب. كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.

ورواه الطبراني في "الأوسط" 6/ 187 (6145) من طريق روح بن القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري، وروي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. اهـ. والحديث أورده الألباني في "الصحيحة" (285) من طريق سفيان الثوري ثم قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين. اهـ. ثم ذكر له شاهدين من حديث ابن عباس وابن عمرو.

(2)

في الأصول: أمته، والمثبت من مصادر تخريج الحديث.

(3)

سلف برقم (4942) كتاب: التفسير، سورة الشمس، وكذا رواه مسلم (2855) كتاب الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، وأحمد في "المسند" 4/ 17، واللفظ له.

(4)

سيأتي قريبًا برقم (5204) كتاب: النكاح، باب: ما يكره من ضرب النساء، كما سيأتي أيضًا برقم (6042) كتاب: الأدب، باب: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .

ص: 614

وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما (مرفوعًا)

(1)

: "علق سوطك حيث يراه الخادم"

(2)

وحديث أبي ذر: "أخف أهلك في الله ولا ترفع عنهم عصاك"

(3)

. فقيل: أسانيدهما واهية، وأفضل ما تخلق به الرجل في أهله الصفح عنهم، على ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

(1)

من (غ).

(2)

رواه البخاري في "الأدب المفرد"(1229)، والبزار كما في "الكشف"(2077)، والطبري في "تهذيب الآثار" 1/ 411 (683) مسند عمر، والطبراني 10/ 284 - 285 (10669 - 10672)، وفي "الأوسط" 4/ 341 (4382) والخطيب في "تاريخ بغداد" 12/ 203، كلهم من طريق علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه ابن عباس مرفوعًا -وجاء عند بعضهم:"حيث يراه أهل البيت"- والحديث أورده الهيثمي في "المجمع" 8/ 106 وقال: وإسناد الطبراني حسن. اهـ.

كما حسنه العجلوني في "كشف الخفاء"(1742)، والحديث أورده أيضًا الألباني في "الصحيحة" (1447) وقال: الحديث حسن إن شاء الله. اهـ.

وفي الباب عن ابن عمر، وجابر، يراجع "المقاصد الحسنة"(701).

(3)

رواه الطبري في "تهذيب الآثار" 1/ 412 (685) مسند عمر، والطبراني في "الدعاء" 3/ 1544 - 1545 (1649) كلاهما من طريق النضر بن معبد عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر مرفوعًا، بزيادة فيه.

قلت: وعبد الله بن الصامت ومحمد بن واسع كلاهما ثقة. "التقريب"(3391، 6368) وأما عن النضر بن معبد فقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه. وقال يحيى: ليس بشيء.

وقال النسائي: ليس بثقة. "الجرح والتعديل" 8/ 474 (2178)، و"لسان الميزان" 7/ 205 (8892) لكن قد تابع النضر سلامُ أبو المنذر، وهذِه المتابعة رواها الطبراني في "الدعاء" 3/ 1543 (1648).

هذا وقد ورد الحديث في "الإرواء"(2026) من رواية معاذ مرفوعًا، واستشهد له الألباني بحديثين من رواية أبي الدرداء وأم أيمن، ثم قال في الخاتمة: وجملة القول أن الحديث بهذِه الطرق والشواهد صحيح بلا ريب. اهـ.

وفي الباب أيضًا عن عبادة بن الصامت.

ص: 615

وقيل: بل صحيحة؛ ومعنى ذلك أن يضرب الرجل امرأته إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، واعتلوا بأن جماعة من الصحابة كانوا يفعلون ذلك.

روي عن جرير، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: كانت ابنة علي بن أبي طالب تحت عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فربما ضربها، فتجيء إلى الحسن بن علي فتشتكي، وقد لزق (درع حرير)

(1)

بجسدها من الضرب فيقسم عليها لَترجعن إلى بيت زوجها.

وروى أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء قالت: كنت رابعة أربع نسوة تحت الزبير، وكان إذا عتب على إحدانا أخذ عودًا من المشجب، فضربها به حتى يكسر عليها.

وروى شعبة عن عمارة قال: دخلت على أبي مجلز فذكر بينه وبين امرأته كلام، فرفع العصا فشجها قدر نصف أنملة أصبعه.

وكان محمد بن عجلان يحدث بقوله عليه السلام: "لا ترفع عصاك عن أهلك". فكان يشتري سوطًا فيعلقه في قُبَّته؛ لتنظر إليه امرأته وأهله.

وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ منه بالأدب والوعظ، وأن لا يخلو من تفقدهم بما يكون لهن (مانعًا)

(2)

من الفساد عليهم، والخلاف لأميرهم، ومنه قول العرب: شق فلان عصا المسلمين: إذا خالف ألفتهم، وفرق جماعتهم. ومن ذلك قيل للرجل إذا قام بالمكان واستقر به واجتمع إليه أمره: قد ألقى فلان عصاه، وضرب فيه أرواقه. فأما ضربها لغير (الهجر)

(3)

في المضجع فغير جائز له، بل هو محرم عليه، قالوا: وقد

(1)

كذا في الأصول، وفي "تهذيب الآثار": درع من حديد.

(2)

في الأصول: نافعًا، والمثبت هو الصواب كما في "تهذيب الآثار".

(3)

في الأصل: الهرب، والمثبت هو الصواب.

ص: 616

حرم الله أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا؛ فكذلك ضربهن بغير ما اكتسبن حرام.

قال: والصواب أنه غير جائز لأحد ضرب أحد ولا أذاه إلا بالحق؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} [الأحزاب: 58]. سواء كان المضروب امرأة أو مملوكًا أو صغيرًا؛ لأن الله تعالى قد أباح لهؤلاء ضرب من ذكر بالمعروف على ما فيه صلاحهم.

وأما حديث: "لا ترفع عصاك عن أهلك"

(1)

فمحمول على الترهيب في ذات الله؛ لئلا يركبوا ما لا ينبغي، فتبقى سبة، إذ كان عليه السلام قيمًا على أهله وراعيًا عليهم، كما جعل الأمير راعيًا على رعيته، وعلى الراعي رعاية رعيته بما يصلحهم دِينًا ودُنيا، يوضحه قوله لفاطمة بنت قيس:"أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"

(2)

. أعلمها شدته على أهله، فلو كان ما ذكروه لم يكن لتزهيده فيه بما ذكر معنى، إذ الوعظ لا يوجب لصاحبه ذمًّا وقدحًا

(3)

. وقد جاء: "أما أبو جهم فضراب للنساء"

(4)

.

فصل:

وفيه: أن لذي السلطان وغيره اتخاذ الحجبة؛ ليحول بينه وبين من أراده، ومن الوصول إليه إلا بإذنه لهم؛ لقول عمر رضي الله عنه (ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له، وعلى بابها غلام أسود).

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

رواه مسلم (1480) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.

(3)

هنا انتهى كلام الطبري رحمه الله. انظر "تهذيب الآثار" مسند عمر 1/ 407 - 425 بتصرف.

(4)

رواه مسلم (1480/ 47).

ص: 617

وفيه: بيان أن ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكن له بواب

(1)

. أن معناه: لم يكن له بواب في الأوقات التي يظهر فيها لحاجات الناس ويبرز لهم فيها، فأما في الأوقات التي يخلو بنفسه فيها فيما لا بد له منه، فإنه قد كان يتخذ فيها أحيانًا بوابًا وحاجبًا، ليُعْلِمَ مَنْ قَصَدَه أنه خالٍ بما لا بد له منه من قضاء حاجة، وتلك هي الحال التي وصف عمر أنه وجد على باب مشربته بوابًا. وتأتي زيادة في هذا المعنى في: الأحكام، في باب: ما ذكر أنه عليه السلام لم يكن له بواب

(2)

.

قال المهلب: وفيه: أن للإمام والعالم أن يحتجب في بعض الأوقات عن بطانته، وخاصة عندما يطرقه، ويحدث عليه من المشقة مع أهله وغيرهم، حتى يذهب ما بنفسه من ذلك؛ ليلقى الناس بعد ذلك وهو منبسط إليهم غير مشتكٍ لما عرض له.

فصل:

في سكوته عليه السلام عن الإذن لعمر في تلك الحال الرفق بالأصهار، والحياء منهم عندما يقع للرجل مع أهله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لو أمر غلامه برد عمر وصرفه، لم يجز لعمر أن ينصرف مرة بعد أخرى حتى أذن له عليه السلام فدخل عليه، فدل ذلك أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام وأفضل في بعض الأحايين.

فصل:

وفيه: الإبانة -كما قال الطبري- (عن أن كل)

(3)

لذة وشهوة قضاها

(1)

سلف برقم (1283) كتاب: الجنائز، باب: زيارة القبور، من حديث أنس، ورواه أيضًا مسلم (926) كتاب: الجنائز، باب: في الصبر على المصيبة.

(2)

سيأتي برقم (7154) من حديث أنس أيضًا.

(3)

في الأصول: عن أكل، والمثبت هو الصواب.

ص: 618

المرء في الدنيا فيما له مندوحة عنها، فهو استعجال من نعيم الآخرة الذي لو لم يستعجله في الدنيا كان مدخورًا له في الآخرة؛ وذلك لقوله عليه السلام:"أولئك قوم عجلت لهيم طيباتهم في الدنيا". فأخبر أن ما أوتيه فارس والروم من نعيم الدنيا تعجيل من الله لهم نظير ما ادخر لأهل عبادته عنده، فكره عليه السلام لأمته أن تؤتى مثل ما أوتي فارس والروم علي سبيل التلذذ والتنعم.

فأما على صرفه في وجوهه وتفريقه في سبله التي أمر الله بوضعه فيها، فلاشك في فضل ذلك وشرف منزلته، إذ هو من باب منازل الامتحان والصبر على المحن، مع أن الشكر على النعم أفضل من الصبر على الضراء وحدها

(1)

.

فصل:

معنى: (فَتَبَرَّزَ): خرج إلى البراز، وهو ما برز عن البيوت والدور وبعد.

ومعنى: (سكبت): صببت، يقال: سكبت أسكب سكبًا، وهو ماء مسكوب: إذا سال.

وقوله: (وَهُمْ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ)، العوالي: جمع عالية، وهو ما ارتفع من نجد إلى تهامة. والسوافل: ما سفل من ذلك. ومعنى (تراجعني): ترادني، ومنه قوله تعالى:{على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق: 8]. قيل: عني به: رد الماء في الصلب، وقيل: عني به: رد الإنسان بعد الكبر إلى الصغر، وقيل: عني به رد الإنسان بعد مماته كهيئته قبل مماته. وقد أسلفنا هناك أن المراد بالجارة الضرة، وهو كلام العرب،

(1)

انظر: "شرح ابن بطال" 7/ 313 - 314.

ص: 619

ومنه قول حَمَلَ بن مالك: كنت بين جارتين

(1)

، في معنى ضرتين. قال ابن سيرين: وكانوا يكرهون أن يقولوا: ضرة. ويقولون: إنها لا تذهب من رزقها بشيء، ويقولون: جارة. والعرب تسمي صاحب الرجل وخليطه جاره، والصاحبة والخليطة [جارة]

(2)

، وتسمى زوجة الرجل جارة؛ لاصطحابهما ومخالطة كل واحد منهما صاحبه، وقد سلف في حديث:"الجار أحق بسقبه"

(3)

.

فصل:

وفيه: الإلحاح في الاستئذان، وأن يستأذن ثلاثًا، وإن علم أنه سمعه، وقال مالك: إن علم أنه لم يسمعه فلا بأس أن يزيد على الثلاثة

(4)

، وقيل: لا يجوز ذلك لعموم النهي عن ذلك.

(1)

رواه البيهقي 8/ 114.

(2)

زيادة يقتضيها السياق من "شرح ابن بطال" 7/ 315.

(3)

سلف برقم (2258).

(4)

انظر: "المعونة" 2/ 578.

ص: 620