الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة فضيلة الشيخ
مصطفى العدوي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
فهذا كتاب الطهارة وأحكامها أعده أخي في الله الشيخ/ محمد حلاوة حفظه الله وبارك فيه، ونفع به وبعلمه وقد اعتنى فيه بهذا الباب العظيم، إذ قد بوَّب فأحسن التبويب وأورد فأحسن الإيراد، فقد أورد أدلة العلماء في المسائل سواء من الكتاب العزيز أو من السنة الصحيحة المباركة، وحكم على الأحاديث بما تستحِقّه صحةً أو ضعفًا، وجمع بين ما ظاهره التعارض، ورجح ما تقضيه المقامات من وجوه الترجيح، وذلك كما أسلفتُ بعد تخريج الأحاديث والحكم عليها، وكذا فعل بالآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وكذا فإنه وفقه الله لم يهمل أقوال الفقهاء، بل أوردها وعزاها إلى مصادرها قولًا بعد قولٍ؛ فخرج كتابه كتابًا حديثيًا فقهيًّا، فأسأل الله أن يجازيه خيرًا، ويوفقه لمزيد من العلم الشرعي والدعوة إلى الله عز وجل.
هذا، وقد نظرت في كتابه هذا وراجعتُ عمله؛ فألفيته ولله الحمد موفقًا نافعًا، فالله أسأل أن يزيده سدادًا وتوفيقًا.
وهذا، ولأخي محمد حلاوة حفظه الله كتبٌ أُخر في الفقه منها: فقه الزكاة، وفقه الصيام، ولله الحمد فعمله موفق، فأسأل الله أن يبارك فيه وفي علمه.
وصلِّ الله على نبينا محمد وسلم، والحمد لله رب العالمين.
كتبه
أبو عبد الله
مصطفى بن العدوي
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على الناس أجمعين، بعثه للإيمان مناديًا، وإلى دار السلام داعيًا وللخليقة هاديًا ولكتابه تاليًا، وفي مرضاته ساعيًا وبالمعروف آمرًا وعن المنكر ناهيًا. فسبحان من شرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمره فدعا إلى الله سرًّا وجهارًا، ليلًا ونهارًا إلى أن طلع فجر الإسلام، وأشرقت شمس الإيمان، وعلت كلمة الرحمن، وبطلت دعوة الشيطان، وأضاءت بنور رسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد تفرقها وشتاتها؛ فأشرق وجه الدهر حسنًا، وأصبح الظلام ضياء، واهتدى كل حيران فلما كمل الله به دينه، وأتم به نعمته، ونشر به على الخلائق رحمته، فبلغ رسالات ربه ونصح عباده، وجاهد في الله حق جهاده
(1)
فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 102} [آل عمران 102].
(1)
مقدمة «حادي الأرواح» لابن القيم (ص: 4).
فمن أراد عزًّا وفلاحًا، ونشد خيرًا وصلاحًا، وطلب توفيقًا ونجاحًا فعليه بتقوى الله.
في تقوى الله الخروج من المضائق، والسلامة من العوائق، والنجاة من المآزق، قال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق].
التقوى هي السبيل إلى الجنان، والطريق لرضا الرحمن، قال تعالى:{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا 63} [مريم].
وهي وصية الله للأولين والآخرين كما قال رب العالمين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة.
وبعد: فالصلاة من أعظم أركان الإسلام، وهي التي تصل العبد بربه المنَّان، أمر الله بها موسى الكليم، فقال:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي 14} [طه: 14]، وأُمِرَ بها سيد الأنبياء وخاتم المرسلين فقال له ربه الكريم:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، وقد دعا إبراهيم الخليل فقال:{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40]، وقد أثنى الله على إسماعيل؛ لأنه {كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ} [مريم: 55].
فالصلاة تفرج الكربات، وترفع بها الدرجات، وتمحى بها الخطايا والسيئات، فكم ينال الخاشع في صلاته من البركات وعظيم الخيرات، ولمَّا كانت الطهارة شرطًا لصحة هذا الركن العظيم، فقد دعا الإسلام إلى طهارة القلب من الشرك بالتوحيد والإيمان، وإلى طهارة الجوارح من الأوساخ والأدران، فالطهارة شطر الإيمان، وتكفر عن العبد الخطايا والآثام، وتَحُلّ عُقَد الشيطان، وإسباغها مع النطق بالشهادتين عند ختامها تُدخل العبد الجنان، صحَّ ذلك كله عن النبي العدنان، فروى مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا
رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»
(1)
.
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم قَالَ:«يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ»
(2)
.
وقد صح عند مسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»
(3)
.
والناظر في كتاب الرحمن، وفي سنة النبي العدنان يجد فيهما ما يصلح للعباد في كل مكان وزمان وفي الحال والمآل، حتى الأمور الجِبِلية التي جُبِل عليها الإنسان بفطرته، عَلَّمنا إيَّاها رسول الهدى، فروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: فَقَالَ: «أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ
…
».
فإذا كان نبينا قد علمنا كل شيء فلماذا نترك شريعة رب البرية ونتحاكم إلى حثالة أذهان البشرية، والله تعالى يقول:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 65} [النساء]، فلابد للمسلم أن يسير على شرع الله في دينه ودنياه، وفي عباداته ومعاملاته، وفي كل شيء من أمور حياته، قال تعالى:
(1)
مسلم (832).
(2)
البخاري (1074)، و مسلم (1259).
(3)
مسلم (234).
إنَّ المتأمل لما جاءت به الشريعة الغراء لَيَأْخُذْهُ العَجَبُ، ويشعر بالدهشة تملأ نفسه وتأثر قلبه، وتملك عليه جوارحه، فهي شريعة مبنية على رفع الحرج عن المكلفين، والتيسير على عموم المسلمين، فمن لم يجد الماء تيمم لعموم قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43].
وكذا في الشتاء القارص والبرد الحالك إذا لبس المرء الخفين أبيح له المسح عليهما، قال تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا ومحمدًا نبينا ورسولًا.
وبما تقدَّم من أهمية الطهارة، ولتعلُّق أحكامها بالصحة والسقم، والحل والسفر، والشروق والغروب، والليل والنهار ولمدة زمانها، وما يعتري المسلم فيها من عوارضَ تحتاج إلى أحكام وأجوبة، ولتفريط كثير من المسلمين - من أسف - فى تحصيل فقه الطهارة، وقصورِهم عن معرفة أحكامها وسننها وآدابها؛ رَغِبتُ فى إعداد هذا الكتاب وتأليفِه، وتعنَّيت لتحبيره جهدي، مستلهمًا من المولى عزَّ شأنه التسديد والتوفيق، سائلًا إياه أن يكون للمسلمين والمسلمات دليلًا ونبراسًا، ولطالب العلم أصلًا وأساسًا.
على كف الندى أُهدي كتابي
…
وأُرخي في محبتكم ركابي
فإن كان الذي أهدي يسيرًا
…
ففيض الوُد أكمل في النِّصاب
وسميته «الجامع لأحكام الطهارة» وقد التزمت فيه ما صحَّ عن النبي العدنان G، مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها أو للردِّ على من استدلَّ بها، وكذلك ذكرت الآثار عن الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار، ثم ذكرت أقوال الأئمة المجتهدين، ورجَّحت ما يقتضي الدليل رُجحانَه
(1)
.
(1)
قال الإمام الشافعي: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد» ، وما يفعله بعض الناس من التعصب لجماعة أو لشيخ فهذا مخالف لهدي السلف ومخالف لما عليه أئمة المذاهب، فإنهم متفقون على ذم التقليد وذم التعصب، فالواجب على المسلم أن ينصر الدليل.
وقد قسمت هذا الكتاب إلى عشرة أبواب:
الباب الأول: المياه.
والباب الثاني: النجاسات.
والباب الثالث: الأنية.
والباب الرابع: قضاء الحاجة.
والباب الخامس: خصال الفطرة.
والباب السادس: الوضوء.
والباب السابع: المسح على الحائل.
والباب الثامن: الغسل.
والباب التاسع: التيمم.
والباب العاشر: الحيض.
وهذا ترتيب منطقي فأول ما يفعله من أراد الطهارة أن يأتي بالمياه ثم توضع المياه في الأنية ثم قضاء الحاجة ثم الوضوء وإذا كان يلبس الخف يمسح عليه، وإذا أجنب فيجب عليه الغسل، وإذا فقد المرء الماء تيمم ثم ختمت بالحيض وهو خاص بالنساء.
وبعد أن أضنيتُ نفسى فى جمع هذا الكتاب، وتبويبه وترتيبه، وتخريجِ أحاديثِه وآثارِه والحكمِ عليها في ضوء قواعدِ الجرح والتعديل، قمت بعرض ما جمعته على شيخنا المفضال مصطفى بن العدوي - حفظه الله من كل سوءٍ وبارك فيه -، فراجعه على دَيدنِه فى سماحة خلقه، وبرِّه بطلاب العلم، فقدَّم له، فأفدتُ من تسديد ألحاظه، وتصويب ألفاظه؛ فكم أذكره في خلواتي، وأدعو له في صلواتي، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجعل ما قَدَّمه فى ميزان حسناته يوم يلقى مولاه، وأسألُه سبحانه أن يُسعدَه بجنته، ويشملَه برحمته، وأن يكرمَه بمغفرته، وأن يرزقه مزيدَ العلم النافعِ، ومزيد العمل الصالح وأن ينفع بعلمه وسعيه الإسلامَ والمسلمين، وأن يرزقَه الإخلاصَ فى جميع ذلك، وأن يتقبَّل منه جميعَ أعمالِه، وأن يجعلَه من أهل جنة الفردوس، وأن يجزيَه عني وعن المسلمين خير الجزاء.
وإني لأعلم أن هناك من هو أكثر أهلية مني لهذا العمل الجلل، ولكني أذكر قول القائل:
وما كنت أهلًا للذي قد كتبته
…
وإني لفي خوف من الله نادم
ولكنني أرجو من الله عفوه
…
وإن لأهل العلم لا شك خادم
ولما آمل من ثواب ونجاة في اليوم المشهود لمن خدم هذا الدين، تجرأت على الشأن الكؤود، فأسأل الله أن يتقبله مني في اليوم الموعود.
رب تقبل عملي
…
ولا تخيب أملي
أصلِح أموري كلها
…
قبل حلول أجلي
ولم أدخر جهدًا في هذا البحث إلا بذلته في تحريره وتنقيحه وتقريره، ولا أدعي الكمال والتمام والعصمةَ من الزلل والخطأ والنسيان، فقد قيل: أبى الله أن يصح إلا كتابه. وقال الشافعي: «لقد ألفت هذه الكتب ولم آل جهدًا فيها، ولابد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء] فما وجدتم في كتبي هذه ما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه، ولله در من قال:
كم من كتاب قد تصفحته
…
وقلت في نفسِ أصلحته
حتى إذا طالعته ثانيًا
…
وجدت تصحيفًا فصححته
وما أحسن ما قاله العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهذا دليل استيلاء النقص على جملة البشر، فسبحان مَنْ تنزَّه عن النقص» .
فمن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عثر فيه على تغيير أو زلل، فليعذر أخاه في ذلك متطولًا، أو ليصلح منه ما يحتاج إلى إصلاح متفضلًا، فالتقصير من الأوصاف البشرية، فليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية، فهو الذي وسع كل شيء علمًا، وأحصى مخلوقاته عينًا واسمًا.
سطره لنفسه
…
قائله وجامعه
فليعف عن زلاته
…
ناقله وسامعه
فألتمس من النبلاء الأماجد تقويم ما اعوجَّ وندَّ، والتنبيه إلى ما ندَّ عنه القلم.
وإن تَجِدْ عيبًا فَسُدَّ الخَلَلَا
…
فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فيه وعلا
وأسأل الله عز وجل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن يجعلَه فى ميزان حسناتي يوم الدين، وأسأله أن يجزي عنى والديَّ أعمَّ الجزاءِ والمثوبةِ، وأن يمتَّعهما بالصحة والعافية، وأن ينوِّرَ أوقاتهما بالهدى والتُّقى، وأن يرزقَهما جنةَ الفردوس.
هذا وما كان من توفيقٍ فمن الواحد المنان، وما كان من خطأٍ أو نسيانٍ فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه براءٌ، والله المستعان.
إذا لم يكن عون من الله للفتى
…
فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد بن علي حلاوة
مصر - كفر الشيخ - البرلس
هاتف: 01010637466
الباب الأول
تمهيد
وفيه مباحث
المبحث الأول: تعريف الطهارة.
المبحث الثاني: أقسام المياه من حيث حكمها (طهور، ونجس).
المبحث الثالث: أقسام المياه من حيث طبيعتها.
وفيه سبعة أقسام
القسم الأول: الماء المطلق، وفيه سبعة مطالب:
القسم الثاني: الماء المستعمل.
القسم الثالث: الماء المتغير بطول مُكثه.
القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث.
القسم الخامس: حكم الماء أو الثوب المشكوك فيه، وفيه مبحثان.
القسم السادس: حكم الماء الحرام، وفيه مبحثان.
القسم السابع: حكم الوضوء بالمائعات غير الماء، وفيه مبحثان.
المبحث الأول تعريف الطهارة
تطلق الطهارة في اللغة على معانٍ:
الأول: الطهارة تطلق على النظافة نقيض النجاسة.
الثاني: تطلق على طهارة القلب من الشرك، ومنه قوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41]، وقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] بكفرهم، وطهارة المشرك بإسلامه؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»
(1)
.
الثالث: تطلق على الطهارة من الذنب بالتوبة وإقامة الحد، ومنه قول ماعز والغامدية:«يَا رَسُولَ الله إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي» أي: بإقامة الحد.
الرابع: تطلق الطهارة على النزاهة والكف عن الإثم وما لا يحل، قال تعالى عن قوم لوط:{أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] يتنزهون عن إتيان الذكور.
الخامس: تطلق الطهارة على الحلال والبعد عن الحرام، ومنه قوله تعالى عن قوم لوط عليه السلام:{هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] حلال لكم بالزواج بهن، ولا يحل لكم إتيان الذكور.
السادس: تطلق الطهارة على طهارة القلب من الريبة، ومنه قوله تعالى:{ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} .
السابع: تطلق على انقطاع دم الحيض، ومنه قوله:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].
(1)
البخاري (285)، ومسلم (371).
الثامن: تطلق الطهارة على الاغتسال، ومنه قوله تعالى:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222]، وقوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
التاسع: تطلق الطهارة على الاستنجاء بالماء، ومنه قوله تعالى:{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108]، نزلت في أهل قباء، كانوا يستعملون الماء في الاستنجاء.
العاشر: تطلق الطهارة على السلامة من سائر المستقذرات، ومنه قوله تعالى:{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25].
الحادي عشر: تطلق على الطهارة من الفاحشة، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} [آل عمران: 42] من الفاحشة
(1)
.
والطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث
(2)
.
فرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:«لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» معنى أحدث: أي: أحدث الحدث الأصغر من بول أو غائط أو ريح، الذي يجب منه الوضوء، دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:«حَتَّى يَتَوَضَّأَ» .
والاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال، وكذا الحيض، ومنه قوله تعالى:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222]، أي: فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض فيحل لكم وطؤهن.
ومعنى «إزالة النجس» أي: إزالة النجس عن البدن، والثوب، والمكان، والإناء.
فإزالة النجاسة عن البدن تكون بالاستنجاء أو الغسل، فهذا رجل يعذب في قبره لعدم نظافة بدنه، ففي الصحيحين عن ابن عباس {، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا
(1)
انظر: «لسان العرب» (4/ 504)، و «القاموس المحيط» (ص 454)، و «مختار الصحاح» (2/ 379)، و «نزهة الأعين النواظر»:(ص: 421).
(2)
«الجوهرة النيرة» (1/ 2)، و «مواهب الجليل» (1/ 43 - 44)، و «المجموع» (1/ 123)، وقال ابن قدامة «المغني» (1/ 34): رفع الحدث: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ.
يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»
(1)
.
وإزالة نجاسة الثوب بطهارته؛ لعموم قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4].
وإزالة النجاسة عن المكان الذي يصلي فيه تكون بتطهيره من النجاسات، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أنس: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ» قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْه
(2)
.
فصبُّ الماء على بول الأعرابي حين بال في المسجد دليل على وجوب تطهير المسجد عن النجاسات، ووجوب طهارة المكان الذي يصلي فيه المرء.
وإزالة النجاسة عن الإناء الذي يتطهر منه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ»
(3)
.
وقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} من النجس، الذي هو انقطاع دم الحيض، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي: اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة من الحيض، حل لكم وطؤهن.
(1)
البخاري (216)، ومسلم (292).
(2)
البخاري (219)، ومسلم (284).
(3)
رواه مسلم (279).
المبحث الثاني
أقسام المياه من حيث حكمها
(طهور ونجس)
اختلف أهل العلم في أقسام المياه على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد
(1)
.
واستدلوا لذلك بالسنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»
(2)
.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 66 - 67)، و «بداية المجتهد» (1/ 271)، و «المجموع» (1/ 150)، و «كشاف القناع» (1/ 30).
(2)
إسناده صحيح: وقد اختلف في إسناده ألوانًا:
أ - فرواه مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مولى ابن الأَزْرَقِ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ: كما في الموطأ (1/ 22). وأحمد (2/ 361)، وأبي داود (83)، والترمذي (69)، والنسائي «الصغرى» (59، 332)، وابن ماجه (386) وغيرهم من طرق عن مالك. وتابع مالكًا (إسحاق بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن إسحاق) فروياه عن صفوان عند الحاكم «(1/ 141).
ب - تابع صفوانَ بن سليم، الجلاحُ، واختلف عليه: فرواه أبو النضر ويحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن حبيب، عن الجلاح، عن سعيد، عن المغيرة، عن أبي هريرة، كما أخرجه أبو عبيد «الطهور» (ص: 294).
وخالف أبا النضر ويحيى بن بكير قتيبة بن سعيد فرواه عن الليث عن الجلاح، عن المغيرة عن أبي هريرة به، عند أحمد (2/ 378)، وقد اختلف على قتيبة. فرواه النسائي (59) عن قتيبة عن مالك عن صفوان بن سلمة عن المغيرة به. ورواية أبي النضر ويحيى بن بكير أرجح من رواية قتيبة؛ لموافقة رواية مالك.
ج - ورواه محمد بن إسحاق عن يزيد عن الجلاح، عن عبد الله بن سعيد، عن المغيرة، عن أبيه، عن أبي هريرة به. عند الدارمي (728).
وأخرجه البخاري «التاريخ الكبير» (1599)، من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق، بدون والد المغيرة.
وقد روى عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة، عن رجل؛ كما في «المستدرك» (1/ 141).
وروى عنه: عن عبد الله بن المغيرة الكندي، عن رجل، كما في «المعرفة» للبيهقي (1/ 229).
وروى عنه: عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، عن رجل كما في «المستدرك» (1/ 141).
وروى عنه: عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، في «الآحاد والمثاني» (2818).
وهناك خلافات أخرى عن يحيى بن سعيد، فدل ذلك على أنه غير محفوظ عن يحيى بن سعيد.
قال البيهقي: معرفة السنن والآثار «1/ 231» : هَذَا الِاخْتِلَافُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ كَمَا يَنْبَغِي. وَقَدْ أَقَامَ إِسْنَادَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنِ الْجُلَاحِ أَبِي كَثِيرٍ، ثُمَّ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ الْجُلَاحِ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَصَارَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ صَحِيحًا، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عِيسَى عَنْهُ.
وقد صحح البخاري والدارقطني والترمذي وابن خزيمة والبيهقي وابن عبد البر والنووي وغيرهم طريق مالك =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=عن صفوان عن سعيد بن سلمة عن المغيرة عن أبي هريرة به. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيح.
وقال الدراقطني «العلل» (9/ 13): وأشبهها بالصواب قول مالك ومن تابعه عن صفوان بن سليم وقال ابن المنذر: ثابت عن رسول الله كما في «الأوسط» (1/ 247). وقال ابن عبد البر «التمهيد» (16/ 219): وهو عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء.
قال النووي «المجموع» (1/ 127): هو حديث صحيح. وكذا البيهقي «المعرفة» (1/ 152)، وكذا ابن خزيمة «صحيحه» (1/ 58 - 59)، وابن حبان (1243) وغيرهم.
وقال ابن دقيق العيد: وهذا الحديث يعل بأربع علل:
الأولى: جهالة سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، قالوا: لم يرو عن المغيرة إلا سعيد بن سلمة، ولا سعيد بن سلمة إلا صفوان بن سليم.
واعترض عليه بأن سعيدًا روى عنه غير صفوان كالجلاح. وقال النسائي: ثقة. والمغيرة وثقه النسائي، وقال أبو داود: معروف. وتصحيح الحديث من البخاري وغيره الضمني لهذا الحديث يوثق هؤلاء الرواة.
العلة الثانية: اختلفوا في اسم سعيد بن سلمة، فقيل: هذا، وقيل: عبد الله بن سعيد، وقيل: سلمة بن سعيد.
واعترض عليه: بأن الصحيح أنه سعيد بن سلمة وغيره خطأ، وهي رواية مالك.
العلة الثالثة: الإرسال. واعترض عليه بأن الصحيح أن الرواية متصلة عند مالك.
العلة الرابعة: الاضطراب. واعترض عليه بأن الاضطراب يكون مع عدم إمكان الترجيح، والراجح رواية مالك، والحديث صحيح، والله أعلم.
وجه الدلالة: أن ماء البحر ليس بنجس وهو طاهر بلا شك، وسؤال الصحابي من أجل أن يعلم هل هو طهور أم لا؟ فدل ذلك على أن الماء ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس.
واعترض عليه بما قاله شيخ الإسلام
(1)
: وَقَدْ ثَبَتَ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَالْبَحْرُ مُتَغَيِّرُ الطَّعْمِ تَغَيُّرًا شَدِيدًا لِشِدَّةِ مُلُوحَتِهِ، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَاءَهُ طَهُورٌ - مَعَ هَذَا التَّغَيُّرِ.
قلت: فدل ذلك على أن الماء قسمان: طهور ونجس.
واستدلوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»
(2)
. فإذا كان الماء الذي غمس فيه ليس بنجس، ولا يمكن التطهر منه، فهذا هو الماء الطاهر، وهو القسم الثالث من أقسام المياه.
وأما دليلهم من المعقول فقالوا: إن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو
(1)
«مجموع الفتاوى» (21/ 26).
(2)
البخاري (62)، دون قوله:«ثلاثًا» ، ومسلم (278).
النجس
(1)
.
القول الآخر: أن الماء قسمان: طهور ونجس، وهو رواية عن الإمام أحمد
(2)
.
واستدلوا لهذا القول بعموم القرآن والسنة:
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6].
فكلمة (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء؛ سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور
(3)
.
وقد استدل ابن المنذر بالآية على أن الماء قسمان: طهور ونجس، فقال: قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب، أو سنة، أو إجماع. والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون، أو طعم، أو ريح
(4)
.
أما دليلهم من السنة: فعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ:«الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»
(5)
.
(1)
«المبدع» (1/ 32).
(2)
«المغني» (1/ 21)، و «شرح الزركشي» (1/ 119).
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 25 - 26).
(4)
«الأوسط» (2/ 268).
(5)
ضعيف: مدار الحديث على سليط؛ فرواه خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه به. أخرجه أحمد (3/ 15/ 16) بإسقاط سليط، والنسائي (327)، وخالد بن أبي نوف لين الحديث.
وسليط بن أيوب لين الحديث، وقد اختلف عليه: فرواه ابن إسحاق، وقد اختلف عليه ألوانًا:
أ - فروى عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد به. أخرجه أحمد (3/ 86)، و «شرح معاني الآثار» (1/ 11).
ب - وروى عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع. أخرجه الدارقطني (1/ 31).
ج - وروى عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبيد الله بن رافع. أخرجه الطيالسي (2199).
وقد أورد البيهقي الخلاف عن ابن إسحاق، في السنن الكبرى (1/ 257) وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَلِيطٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِىيُّ وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَلِيطٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، وَقِيلَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الله بن أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ. وَقِيلَ: عَنْ سَلِيطٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنْ أَبِيهِ.
وأخرجه أحمد (3/ 319)، وأبو داود (66)، والنسائي (1/ 174) وغيرهم من طريق الوليد ابن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله. نقل ابن عبد الهادي «التنقيح» (1/ 206) عن الدارقطني «العلل» قال: (وأحسنها إسنادًا حديث الوليد بن كثير عن محمد بن كعب، وحديث ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة.
الحاصل: أنه اختلف على ابن إسحاق في الواسطة بين سليط وأبي سعيد: هل هو عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، أو عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، أو عبيد الله بن عبد الله بن رافع. وكيفما كان؛ فهو لا يُعرف حاله، كما في بيان «الوهم والإيهام» (1059).
وأخرجه الطيالسي (2155) من طريق قيس، عن طريف بن سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وفي إسناده طريف ضعيف. فالحديث ضعيف، وله شواهد لا تخلو من مقال.
في الحديث دلالة على أن الماء طهور لا ينجسه شيء، فهذا هو الماء الطهور الذي يجوز الوضوء به، والماء النجس ثابت بالإجماع، وبقي الماء الطاهر لا دليل عليه، فدل ذلك على أن الماء ينقسم إلى قسمين (طهور ونجس).
وورد في الصحيحين عن حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، {، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ- أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»
(1)
.
فالماء إذا أضيف إليه السدر لا بد أن يتغير، وإذا كان هذا المتغير بشيء طاهرٍ يطهر الميتَ،
(1)
البخاري (1265)، ومسلم (1206).
فطهارة الحي كطهارة الميت، فما طهر الميت طهر الحي
(1)
. ومع هذا التغير فهو ماء طهور، ولم يطلق عليه ماء طاهر؛ فدل ذلك على أن الماء قسمان: طهور ونجس.
وعَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ
(2)
.
وجه الدلالة: أن الماء يختلط بالعجين وَتَطَهَّر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأطلق عليه ماء طهور، وليس بطاهر، فعُلم أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس.
وقد وردت أدلة كثيرة من القرآن والسنة تدل على الماء الطهور؛ منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ماء البحر:«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» ، والإجماع ورد بالماء النجس، ولم ترد أدلة تدل على أن هناك قسمًا ثالثًا، وهو الماء الطاهر، والحاجة إلى بيانه مما يُحتاج إليه، فدل ذلك على أن الماء قسمان، وما كان ربك نسيًّا.
* * *
(1)
قال شيخ الإسلام «مجموع الفتاوى» (21/ 26): ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِغَسْلِ الْمُحْرِمِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ. وَأَمَرَ بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ. وَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ السِّدْرَ لَا بُدَّ أَنْ يُغَيِّرَ الْمَاءَ، فَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ يُفْسِدُ الْمَاءَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
(2)
رجاله ثقات: أخرجه أحمد (6/ 341 - 342)، والنسائي (240)، وابن ماجه (378) وغيرهم من طرق عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ به.
وقد تابع مجاهدًا كل من يوسف بن ماهك، وعطاء، والمطلب بن عبد الله بن حنطب وغيرهم.
أقسام المياه من حيث طبيعتها
القسم الأول: الماء المطلق، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: ماء المطر
؛ لعموم قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، ولقوله تعالى:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11].
المطلب الثاني: ماء العيون:
فعيون الماء إذا لم تتغير أحد أوصافها الثلاثة؛ فيجوز الوضوء والاغتسال والتطهر بمائها لعموم قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 21]، والينابيع هي عيون الماء.
المطلب الثالث: ماء الآبار،
والآبار: جمع بئر، وهي: ما يحفره الناس للحصول على الماء، كبئر بُضاعة، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ:«الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» .
فدل ذلك على أن ماء الآبار إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة؛ فهو طهور.
المطلب الرابع: ماء الأنهار:
كنهر النيل، قال تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32].
المطلب الخامس: الماء الناتج عن الثلج والبَرَد.
ففي البلاد الباردة ينزل الثلج، ثم يتحول إلى ماء فيجوز التطهر به. في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»
(1)
.
المطلب السادس: ماء البحار.
والبحار: جمع بحر، وهو الماء المتبحر المتسع.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة،
(1)
البخاري (744)، ومسلم (598).
فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله ويُتطهر منه
(1)
.
وقال ابن جزي: الماء المطلق، وهو الباقي على أصله، فهو طاهر مطهر إجماعًا، سواء أكان عذبًا أو مالحًا، أو من بحر أو سماء أو أرض
(2)
.
قلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد عن ابن عمرو، وأبي هريرة، وابن عمر عدم التطهر بماء البحر
(3)
.
(1)
«الإجماع» (ص: 33).
(2)
«القوانين الفقهية» (ص: 44).
(3)
روى ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 122) بإسناد صحيح عن ابن عمرو قال: (مَاءُ البَحْرِ لَا يُجْزِئ مِنْ وُضُوءٍ). وروى ابن أبي شيبة (1/ 122) بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال:(التَيَمُّمُ أَحَبّ إلىَّ مِنْ الوُضُوءِ بِمَاءِ البَحْرِ). واستدلوا بحديث ابن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا» . وجه الدلالة: إذا كان تحت البحر نار، فلا يكون فيه الطهارة والرحمة؛ فلذا لا يجوز الطهارة بماء البحر.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخرجه سعيد بن منصور رقم (2393)، وفي إسناده بشر بن أبي عبد الله الكندي، وبشير بن مسلم، وكلاهما مجهول، وقد حدث اضطراب في إسناده؛ فتارة يرويه بشير، عن ابن عمرو، وتارة يرويه عن بشير، عن رجل، عن ابن عمرو، وتارة عن بشير بلغه عن ابن عمرو. قال ابن عبد البر: هو حديث ضعيف مظلم الإسناد لا يصححه أهل العلم بالحديث؛ لأن رواته مجهولون لا يُعرفون.
الوجه الثاني: ما قاله ابن قدامة «المغني» (1/ 23): وَقَوْلُهُمْ: " هُوَ نَارٌ " إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ.
فالحاصل: أن الحديث الوارد لا يصح، وأما الآثار فلا حجة فيها؛ لا سيما إذا خالفت عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» . وقال ابن رشد «بداية المجتهد» (1/ 71): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ طَاهِرَةٌ فِي نَفْسِهَا مُطَهِّرَةٌ لِغَيْرِهَا، إِلَّا مَاءَ الْبَحْرِ؛ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ شَاذًّا، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِتَنَاوُلِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَهُ. وقال الزرقاني «شرح الموطأ» (1/ 53).): فَالتَّطْهِيرُ بِهِ حَلَالٌ صَحِيحٌ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُالسَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِهِ مُزَيَّفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ أَرَادَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ عِنْدَهُ.
ويتفرع من ماء البحر:
الماء المتغير بالملح. فذهب جمهور العلماء إلى أن الماء المتغير بالملح طهور ما دام يسمى ماء لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وروى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ- أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . فدل ذلك على أن السدر إن أضيف إلى الماء لا بد أن يتغير به، وإذا كان يتطهر به الميت، فالحي كذلك، وإذا كان السدر إذا أضيف إلى الماء لا يسلب الطهورية؛ فكذا الملح إذا أضيف إلى الماء. وروى أحمد (6/ 341) بسند رجاله ثقات عن أم هانئ قالت: اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ. إذا كان الماء قد تغير من العجين وتطهر به النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه؛ دل ذلك على أن الماء إذا تغير بشيء طاهر يبقى طهورًا ما دام يسمى ماءً.
وقد دل على جواز التطهر بماء البحر الكتاب والسنة:
قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
وكلمة: «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء سواء كان ماء بحر أو غيره. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ماء البحر، قال:«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» .
المطلب السابع: ماء زمزم.
أي: حكم رفع الحدث، وإزالة الخبث بماء زمزم.
اختلف العلماء في استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وإزالة الخبث على أقوال:
القول الأول: ذهب المالكية والشافعية إلى جواز رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم، وعند الشافعية إزالة الخبث بماء زمزم خلاف الأَوْلى
(1)
.
القول الثاني: ذهب الحنفية والمشهور عند الحنابلة إلى أنه يُكره استعمال ماء زمزم في رفع
(1)
«إعانة الطالبين» (1/ 107).
الحدث وإزالة الخبث
(1)
.
القول الثالث: يحرم فيهما، وهو قول عند الحنابلة
(2)
.
القول الرابع: يُكره فيهما
(3)
.
القول الخامس: يُستحب الوضوء بماء زمزم
(4)
.
القول السادس: يُكره الغسل دون الوضوء
(5)
.
والراجح: جواز رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم؛ لعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ، وهذا ماء طهور، ولا يجوز التيمم مع وجوده.
وأما مَنْ مَنَع إزالة الخبث ورفع الحدث بماء زمزم؛ فاستدلوا بأنه مبارك ومعظم، وأنه لا يُرفع به الحدث ولا يُزال به الخبث، بل هو للشرب؛ ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وإِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»
(6)
.
واعترض عليه بأن الماء الذي نبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم ماء مبارك، ومع ذلك توضأ منه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
أما من قال بأنه لا يُزال به الخبث؛ لأن فيه إهانة لماء زمزم، و يُرفع به الحدث؛ لأنه ماء مبارك لاقى بدنًا طاهرًا.
واعترض عليه بعموم قوله تعالى: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]، وهذا عام في ماء زمزم وغيره.
وأما مَنْ فَرَّق بين الغسل وبين الوضوء فاستدلوا بما روى عبد الرزاق عن ابن عباس
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 180)، و «الفروع» (1/ 74).
(2)
«الفروع» (1/ 74)، و «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (1/ 16).
(3)
«المغني» (1/ 28).
(4)
«الفروع» (1/ 77).
(5)
«تصحيح الفروع» (1/ 76).
(6)
مسلم (2473).
: (إِنَّى لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ هِيَ لِشَارِبٍ - أحسبه قال -: وَمُتَوَضِّئٍ حِلٌّ وَبِلٌّ)
(1)
.
واعترض عليه بأنه هذا قول ابن عباس، وقد خالفه غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فبهذا ترجح قول من قال بالجواز؛ لقوة الأدلة، وعدم وجود دليل يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم. وإذا كان الصحابة توضئوا بالماء المبارك الذي نبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
؛ فكذا يجوز الوضوء بماء زمزم.
القسم الثاني: الماء المستعمل:
صور الماء المستعمل:
الصورة الأولى: الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل.
قال الماوردي: الماء المستعمل في رفع الحدث، وهو ما انفصل من أعضاء المحدث في وضوئه، أو بدن الجنب في غسله.
فالحاصل: أن ما تقاطر من العضو الذي تتم به الطهارة ماء مستعمل بلا نزاع
(3)
.
الصورة الثانية: إذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث، هل يصير مستعملًا؟ أو انغمس في ماء قليل لرفع الجنابة، هل يصير مستعملًا؟
(1)
إسناده صحيح، ولكن ذكر الوضوء فيه على الشك: أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (5/ 114)، عن معمر، قال: أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس به. وورد من طرق أخرى عن ابن عباس، كما عند ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 41) وغيره.
(2)
روى البخاري (169)، ومسلم (2279) من حديث أنس بن مالك، أنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ..
(3)
«الحاوي» (1/ 300)، و «شرح الخرشي» (1/ 74)، وانظر:«البناية شرح الهداية» (1/ 352)، و «منح الجليل» (1/ 38)، و «المجموع» (1/ 215).
ذهب الحنفية إلى أن الجنب إذا انغمس في البئر بنية رفع الحدث، فسد الماء
(1)
.
وذهب المالكية إلى أنه إذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا
(2)
.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا
(3)
.
الصورة الثالثة: وضوء الرجال والنساء من إناء واحد، ووقوع بعض الماء المستعمل في الإناء وما يتعلق من أحكام.
تفصيل ذلك فيما يلي:
المبحث الأول: حكم الماء المستعمل المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل.
اختلف أهل العلم في حكم الماء المستعمل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الماء المستعمل طهور، وبه قال المالكية، ورواية عن الحنابلة
(4)
.
واستدلوا بالقرآن والسنة والمعقول:
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله سبحانه وتعالى أوجب التيمم على من لم يجد الماء.
وأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنهما قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ
(1)
«البحر الرائق» (1/ 95)، و «المبسوط» (1/ 53).
(2)
«حاشية الدسوقي» (1/ 75 - 76)، و «الاستذكار» (1/ 253).
(3)
«المجموع» (1/ 215)، وقال ابن قدامة في «المغني» (1/ 300): إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَلَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِارْتِفَاعِ حَدَثِهِ فِيهِ ..
(4)
«الشرح الصغير» (1/ 37)، و «بداية المجتهد» (1/ 274)، و «الإنصاف» (5/ 35).
صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ
(1)
». ولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع فيه من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسَ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ:«أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ:«سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ»
(2)
فإذا كان المسلم بدنه طاهرًا لاقى ماء طاهرًا، فالتقاء طاهر بطاهر لا يُفقد الماءَ الطُّهُورية.
واستدلوا بحديث الرُّبيع، كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينَا، فَيُكْثِرُ، فَأَتَانَا فَوَضَعْنَا لَهُ الْمِيضَأَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، مَرَّةً مَرَّةً، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ
(3)
.
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه - وهو فرض - بالماء المتبقي من غسل يديه، وهو ماء مستعمل بلا شك، استعمل في رفع الحدث.
واستدلوا بأن الماء المتردد على العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر على أول اليد، ثم يمر على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو، وهذا ماء مستعمل بيقين.
قال ابن حزم: فَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ مُتَوَضِّئٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ بِهِ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إلَى مِرْفَقِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ عُضْوٍ فِي الْوُضُوءِ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ وَالْحِسِّ يَدْرِي كُلُّ مُشَاهِدٍ لِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ قَدْ وُضِّئَتْ بِهِ الْكَفُّ وَغُسِلَتْ، ثُمَّ غُسِلَ بِهِ أَوَّلُ الذِّرَاعِ ثُمَّ آخِرُهُ، وَهَذَا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بِيَقِينٍ، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّ يَدَهُ إلَى الإِنَاءِ وَهِيَ تَقْطُرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي طَهَّرَ بِهِ الْعُضْوَ، فَيَأْخُذُ مَاءً آخَرَ لِلْعُضْوِ الآخَرِ، فَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ
(1)
البخاري (261)، ومسلم (321).
(2)
البخاري (285)، ومسلم (371).
(3)
ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 358)، وأبو داود (130)، وابن ماجه (418) وغيرهم، ومدار الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تفرد به، وهو ضعيف.
سَلِيمٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ الْعُضْوَ الثَّانِي إلاَّ بِمَاءٍ جَدِيدٍ قَدْ مَازَجَهُ مَاءٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ آخَرَ، وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ»
(1)
.
واستدلوا بأن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف فهذا الماء المستعمل طهور بالإجماع يجوز الوضوء به.
قال ابن قدامة: إَنَّ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا
(2)
.
قلت: فعُلم أن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف، ولم يرد به رفع الحدث، كان طهورًا بالإجماع، فبأي دليل يخرج عن طهوريته إذا نوى به رفع الحدث؟! وهل النية تُخْرجه عن طهوريته، والنية محلها القلب؟!
القول الثاني: ذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة أن الماء المستعمل طاهر غير طهور
(3)
.
واستدلوا بما ورد في البخاري عن المسور ومروان بن الحكم، قالا:«خَرَجَ رَسُولُ اللهِ زَمَنَ الحُدَيْبِيةَ» . .. وفيه: وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ
(4)
.
وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله، قال: جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ
(5)
.
وروى البخاري عن أبي جحيفة، قال:(خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ)
(6)
.
فاستعمال الصحابة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والتمسح به دليل على أنه الماء المستعمل طاهر.
(1)
«المحلى» (1/ 184).
(2)
«المغني» (1/ 34).
(3)
«شرح فتح القدير» (1/ 87)، و «الأم» (8/ 100)، و «الإنصاف» (1/ 35، 36).
(4)
البخاري (2734).
(5)
البخاري (194)، ومسلم (1616).
(6)
البخاري (187).
قلت: وما المانع أن يكون طهورًا يرفع به الحدث ويُزَالُ به الخبث؟
واستدلوا بأن الماء المستعمل طاهر غير طهور بما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ»
(1)
. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم حتى لا يصير مستعملًا
(2)
؛ وذلك لأن الاغتسال يؤثر في الماء.
واعترض عليه بأن قولهم: (حتى لا يصير مستعملًا) ليست علة نص عليها الحديث. ولو قلنا بأن هذه علة في الغسل، فهل يمنع الوضوء من الماء الدائم؟ فدل ذلك على بطلان هذه العلة، ثم إنهم قالوا: لو انغمس في الماء بدون نية رفع الحدث فالماء طهور؛ فهل النية تحول الماء والنية محلها القلب؟! وقد تكون العلة من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم أنه قد يبول فيه فيؤثر في الماء.
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه احتاجوا في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، ولو كان طهورًا لجمعوه؛ لأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء
(3)
.
ويجاب عنه: بأن الصحابة} كانوا يقتصدون في الوضوء، وقد ثبت من حديث أنس المتفق عليه قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ .... الحديث.
فكيف يمكن جمع هذا الماء؟! ولو أمكن جمعه لكان في ذلك مشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن، كما أن كونه لم يُجمع لا يدل على أنه لا يُتطهر به؛ ولهذا لم يجمعوه للشرب مع طهارته، وحاجتهم للشرب آكد، ولم يجمعوه لغير الشرب كالعجن والطبخ والتبرد، فعدم جمعه ليس دليلًا على عدم طهوريته.
واستدلوا بأن الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق.
(1)
مسلم (283).
(2)
«المجموع» (1/ 206).
(3)
«المجموع» (1/ 206).
واعترض عليه بعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} فيشمل الماء المستعمل وغيره. وخرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه.
واستدلوا بأن الماء استعمل في عبادة واجبة، فلا يمكن أن يستعمل في عبادة أخرى، كالعبد إذا أعتق لا يمكن أن يعتق مرة أخرى.
واعترض عليه: بأن العبد إذا أعتق صار حرًّا فكيف يعتق مرة أخرى؟!
القول الثالث: ذهب أبو حنيفة في رواية إلى أن الماء المستعمل نجس
(1)
.
واستدلوا لذلك بالقرآن والسنة:
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل
(2)
.
واعترض على قولهم: (والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة) من وجوه:
الأول: أن تجديد الوضوء يطلق عليه طهارة شرعية مع أنه متطهر.
الثاني: لو كان المحدث نجسًا لما صح حمل النبى صلى الله عليه وسلم لأُمَامَةَ في الصلاة؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
الثالث: المتوضئ لا بد أن يتساقط على ثوبه من الماء المستعمل، ومعنى ذلك أنه سوف تتنجس ثيابه، فهل حَكَم أحد بالنجاسة؟
الرابع: إنما سُمِّيَ الوضوء والغسل طهارة لرفع الحدث، ولنفي الذنوب، كما صح في الأخبار
(3)
.
أما دليلهم من السنة: فما روى مسلم عن أبي أُمَامَة، قال عمرو بن عَبَسَة السُّلَمِي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ
(1)
«البناية» (1/ 350)، و «حاشية ابن عابدين» (1/ 201).
(2)
«البناية» (1/ 353، 354).
(3)
«المغني» (1/ 48).
لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»
(1)
.
وجه الدلالة: أن الخطايا نجاسات، فيتنجس الماء المستعمل بها؛ ولذا يكون نجسًا.
واعترض عليه: بأن العبد إذا أذنب لا ينتقض وضوؤه، ولا يقال: إنه تنجس، وأن الذنوب ليست شيئًا حسيًّا يخالط الماء فينجسه.
قال ابن حزم: وَمَا عَلِمْنَا لِلْخَطَايَا أَجْرَامًا تَحِلُّ فِي الْمَاءِ.
وقال النووي: وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِهَا مَعَ الْمَاءِ الْمَجَازُ وَالِاسْتِعَارَةُ فِي غُفْرَانِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ فَتَخْرُجَ حَقِيقَةً
(2)
.
الدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ»
(3)
.
(1)
مسلم (832).
(2)
«شرح مسلم» (3/ 133).
(3)
أخرجه أحمد (2/ 433)، وأبو داود (70) وغيرهما من طريق محمد بن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة به. وقد حدث خلاف على ابن عجلان. وقد روى الحديث جماعة من الثقات الأثبات كالأعرج، وابن سيرين، وهمام بن همام وغيرهم بغير هذا اللفظ، كما في الصحيحين وغيرهما.
قال النووي «المجموع» (1/ 204): رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ خِلَافُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رِوَايَةُ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وحديث ابن عجلان شطره الأول: «لا يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» له شواهد في الصحيحين، وثبت في مسلم:«لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» يشهد لقوله: «وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ» ، ولكن علة حديث ابن عجلان أنه جمع حديثين في حديث واحد.
وجه الدلالة: أن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم جاء مقرونًا بالنهي عن البول فيه، وإذا كان البول ينجسه فكذا الاغتسال.
واعترض عليه: بأن «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» لو صح فالاشتراك في النهي لا يلزم منه الاشتراك في الحكم. ولهذا أدلة كثيرة منها: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} والأكل للإباحة، {وآتوا حقه} على الوجوب.
والراجح: أن الماء المستعمل طهور، يجوز التطهر به إذا أطلق عليه ماء؛ لعموم قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، ولم يرد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يُخرج الماء المستعمل من عموم الآية.
قال ابن المنذر: وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّدَى الْبَاقِيَ عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابِهِمَا طَاهِرٌ - دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَنْ خَالَفَ الْقَوْلَ
(1)
.
الصورة الثانية للماء المستعمل:
حكم الماء المستعمل من غمس يد القائم من نومه:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال.
القول الأول: أنه إذا غمس القائم من النوم يده في الإناء، فإن الماء ينجس. وبه قال أحمد فى روااة، والطبري
(2)
.
واستدلوا بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن غمس اليد
لاحتمال أن تكون اليد نجسة.
واعترض عليه:
بأن اليد طاهرة، و قوله صلى الله عليه وسلم:«فَلَا يَغْمِسْ» تُحمل على الاستحباب والصارف: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» ، والشك لا يقضي على اليقين.
و كون النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء - قرينة على أن الغسل ليس بواجب؛ لأن الواجب مرة.
قال ابن القيم: القول بنجاسته من أشذ الشاذ
(1)
.
(1)
«تهذيب السنن» (1/ 69). وذهب أحمد في رواية والظاهرية إلى أن غسل اليد واجب، واستدلوا بعموم قوله في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:«إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» ، والأصل في النهي التحريم.
واعترض عليه من وجوه:
الأول: بأن هناك صارفًا للوجوب وهو عموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
…
} [المائدة: 6]، ذكرت فرائض الوضوء ولم يذكر فيها غسل اليد، وروى مسلم من حديث عثمان:«مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» .
الثاني: ما قاله ابن دقيق: الأمر وإن كان ظاهره الوجوب إلا أنه يُصرف عن الظاهر لقرينة، وقد دل الدليل وقامت القرينة، فإنه علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله:«فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، إذا كان الأصل المستحب على خلافه موجودًا، والأصل الطهارة في اليد فلتستصحب.
الثالث: لَمَّا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى غسل اليد ثلاثًا، عُلم أنه ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى غسلة واحدة.
الرابع: صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ» . وإذا كان الاستنثار بعد القيام من النوم سنة بالإجماع، فكذا غسل اليدين بعد القيام من النوم.
القول الثاني: ذهب أحمد في رواية
(1)
إلى أن هذا الماء طاهر غير مطهر.
واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، فإذا نهى عنه دل ذلك على تحول الماء إلى طاهر غير مطهر.
واعترض عليه بأن الحديث لم يتعرض لحكم الماء، وإنما فيه نهي عن غمس اليد في الماء بعد القيام من النوم، والأصل في الماء أنه طهور.
القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم طهور، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد
(2)
.
قال ابن عبد البر: مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ كَانَ جُنُبًا أَوِ امْرَأَةً حَائِضًا، فَأَدْخَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ يَضُرُّهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ في يده نَجَاسَةٌ، كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَلَا يُدْخِلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا كُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ وَيَأْمُرُونَ بِهِ، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَحَدٌ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا وَيَدُهُ نَظِيفَةٌ لَا نَجَاسَةَ فِيهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ وُضُوءَهُ
(3)
.
الراجح: أن من استيقظ من نومه أو مس فرجه، فأدخل يده في وَضُوئِه فليس ذلك يضره، إلا أن يكون في يده نجاسة، وغَسل اليد بعد قيامه من نومه قبل أن يغمسها في الإناء على الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء.
الصورة الثالثة للماء المستعمل،
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد ووقوع بعض الماء المستعمل في الإناء:
أجمع العلماء على جواز وضوء الرجال جميعًا من إناء واحد، وكذا النساء من إناء واحد، وكذا النساء والرجال جميعًا إذا كانوا من المحارم، وقد نقل الإجماع غير واحد.
(1)
«مسائل أحمد رواية أبي داود» (ص: 9)، و «الإنصاف» (1/ 38).
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 20)، و «المنتقى» (1/ 47)، و «الأم» (1/ 39)، و «الفروع» (1/ 79).
(3)
«التمهيد» (18/ 252).
قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا فِي جَوَاز تَوَضُّؤِالرجلَيْن والمرأتين مَعًا
(1)
.
قال الترمذي: قول عامة الفقهاء: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد
(2)
.
وعن عائشة رضي الله عنهما قالت: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ
(3)
.
المطلب الثاني: وضوء المرأة بفضل الرجل:
قد نقل الإجماع غير واحد على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل.
قال النووي: وَأَمَّا تَطْهِيُرُ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ فَجَائِزٌ بِالْإِجْمَاع
(4)
.
المطلب الثالث: وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة:
اتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، واختلفوا في جواز وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت بالماء - على أربعة أقوال:
القول الأول: يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد
(5)
.
(1)
«مراتب الإجماع» (1/ 18).
(2)
وقال الطحاوي «شرح معاني الآثار» (1/ 26): الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء. وقد نقل الإجماع القرطبي كما في المفهم (1/ 583)، وشيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (21/ 51).
(3)
في الصحيحين، واللفظ لمسلم (321).
(4)
«شرح مسلم» (4/ 2)، «المجموع» (2/ 221، 222). وقد نقل الإجماع ابن عبد البر كما في «التمهيد» ، (2/ 218) وغيره وقد ورد حديث ظاهره يعارض هذا الإجماع، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ وهذا الحديث ظاهره الصحة إلا أن الإمام أحمد يضعف الأحاديث الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
(5)
«شرح معاني الآثار (1/ 26)، و «الاستذكار» (1/ 372)، و «الأم» (1/ 21)، و «المغني» (1/ 136).
واستدلوا بما روى مسلم، عن عمرو بن دينار: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ
(1)
.
واعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ابن عباس، عن ميمونة قالت:(كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ).
وعن ابن عباس: أنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ، فَجَاءَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِهَا فَقَالَتْ: إِنِّى اغْتَسَلْتُ مِنْهُ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»
(2)
.
فالأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة
(1)
مدار الحديث على عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، واختلف على عمرو:
فرواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء عن ابن عباس به. أخرجه أحمد (1/ 366)، ومسلم (323) وغيرهما. ورواه سفيان، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت:(كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ). أخرجه أحمد (6/ 329)، ومسلم (322)، والترمذي (62) وغيرهم.
وأخرجه البخاري (250)، فجعله من مسند ابن عباس. وقد أعل الحافظ رواية مسلم، فقال «فتح الباري» (1/ 359): أَعَلَّهُ قَوْمٌ لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؛ حَيْثُ قَالَ: عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي
…
فَذَكَرَ الحَدِيث، وَقد ورد من طَرِيق أُخْرَى بِلَا تَرَدُّدٍ لَكِنَّ رَاوِيَهَا غَيْرُ ضَابِطٍ، وَقَدْ خُولِفَ. وَالْمَحْفُوظُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
(2)
ضعيف: أخرجه أحمد (1/ 284) وغيره. ومدار الحديث على سماك، عن عكرمة، واختلف على الرفع والإرسال. وعلى كل فرواية سماك عن عكرمة مضطربة، قاله علي بن المديني. قال النسائي: سماك كان ربما لُقِّن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن. وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: قال شريك: كانوا يلقنون سماكًا أحاديثه عن عكرمة، يلقنونه عن ابن عباس، فيقول عن ابن عباس، كذا في «مسائل أبي داود» (2016). وقد اختلف في السند على الرفع والإرسال. واختلف في متنه فرُوي بلفظ:«إِنَّ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وبلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ لَا يُنَجَّسُ» . وبلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ ليسَ عليهِ جَنابة» ، وبلفظ:«إنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ» . وعلى كل فالحديث ضعيف، والله أعلم.
طهور.
القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، ويجوز إزالة النجاسة للرجل ورفع حدث المرأة والصبي
(1)
.
واستدل بحديث الحكم بن عمرو الغِفَاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُتَوَضَّأَ الرَّجلُ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ
(2)
.
(1)
«الإنصاف» (1/ 48)، و «الفروع» (1/ 83).
(2)
أعل بالوقف: مدار الحديث على أبي حاجب، وهو سوادة بن عاصم، واختلف عليه:
أ - فرواه عاصم الأحول، واختلف عليه: فرواه شعيب عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم به، كما أخرجه أحمد (5/ 66)، ورواه محمد بن بشار، وعمرو بن علي وغيرهما، عن أبي داود الطيالسي، عن عاصم به، أخرجه أبو داود (82)، والنسائي (343)، وابن ماجه (373) وغيرهم.
وأخرجه الترمذي (64) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود به. إلا أنه شك؛ فقال: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا.
ورواه يونس بن حبيب عند أبي داود الطيالسي عن عاصم به، قال: عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبهم الصحابي كما عند الطيالسي (1252)، وتابع أبو داود الربيع بن يحيى، كما عند الطبراني (3156)، وعبد الصمد كما عند أحمد (4/ 213) بلفظ:: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِفَضْلِهَا، لَا يَدْرِي بِفَضْلِ وَضُوئِهَا، أَوْ فَضْلِ سُؤْرِهَا. ووهب ابن جرير عن أحمد (4/ 213) بلفظ: نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ مِنْ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ. وأخرجه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (1/ 24) عن عبد الوهاب بن عطاء عن شعبة، ولفظه: بفضل المرأة أو بسؤر المرأة، لا يدري أبو حاجب أيهما قال. (عن فضل المرأة). وقد تابع شعبة سليمان التيمي عند أحمد (5/ 66)، وقيس بن الربيع عند الطبراني «الكبير» (3155) وفيه (عن سؤر المرأة).
ب - ورواه عمران بن حدير، عن أبي حاجب عن الحكم موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 53)، وقد قال الترمذي «العلل الكبير» (ص: 40): سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وقال أحمد: يضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: فضل وضوء المرأة، فلا يتفقون عليه. انظر التنقيح (1/ 215).
وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفُوا جَمِيعًا.
هذا الحديث إسناده صحيح ولكن فى متنه النهي: (وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ)، وقد أجمع العلماء على جواز تطهير المرأة بفضل الرجل؛ ولذا ضَعَّفَ أحمد أحاديث الباب.
وعن عبد الله بن سرجس، قال:(نَهَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ)
(1)
. واعترض عليه بأنه ضعيف.
القول الثالث: يُكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن
(2)
، وهو قول عند الشافعية
(3)
.
واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوضوء بفضل المرأة، وتوضأ بفضل ميمونة، وفِعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يعارض قوله. فإن أَمَرَ بشيء وَتَرَكَهُ دل ذلك على أن الأمر على الاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفَعَلَهُ دل ذلك على أن النهي على الكراهة، إلا إذا جاء دليل يدل على الخصوصية؛ كقوله تعالى:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، ولما قيل له: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» .
القول الرابع: ذهب ابن عمر إلى أنه لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو
(1)
ضعيف، والصحيح فيه الوقف: مدار الحديث على عاصم الأحول واختلف فيه على الوقف والرفع؛ فرواه عبد العزيز بن المختار، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس مرفوعًا، كما عند الطحاوي «شرح المعاني» (1/ 24)، والدارقطني (1/ 116).
ورواه شعبة عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس موقوفًا عليه، كما أخرجه الدارقطني (1/ 117)، وقال: هذا موقوف صحيح، وهو أَوْلى بالصواب.
قال البخارى: وحَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَوْقُوفٌ وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأٌ. كما في علل الترمذي الكبير (ص: 40) و «سنن البيهقي» (1/ 192).
(2)
روى ابن أبي شيبة (357) عن عبدة بن سليمان عن شعبة، عن قتادة، عن ابن المسيب والحسن كانا يكرهان فضل طهورها. أي: المرأة. وإسناده صحيح.
(3)
«المجموع» (2/ 221)، و «الأوسط» (1/ 292).
حائضًا
(1)
.
واعترض على هذا القول من وجهين:
الأول: أنه لم يرد في القرآن والسنة اشتراط أن تكون المرأة حائضًا أو جنبًا.
الثاني: عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ» ، ومعناه أن الأذى في مكان الحيضة، وليس في مواضع الوضوء، فلا دليل على اشتراط الحيض.
والراجح: أنه يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة؛ ذلك لأن الأصل في الماء أنه طهور إلا ما ظهر فيه النجاسات، وفضل المرأة ليس كذلك، وأما الأحاديث الواردة في الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وأنه صلى الله عليه وسلم توضأ بفضل ميمونة؛ فقد قال الإمام أحمد: إنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ
(2)
.
قال ابن عبد البر: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَتَتَوَضَّأَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِهِ انْفَرَدَتْ بِالْإِنَاءِ أَوْ لَمْ تَنْفَرِدْ، وَفِي مِثْلِ هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صِحَاحٌ. وَالَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْهَا، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ، وَالله الْمُسْتَعَانُ
(3)
.
القسم الثالث: الماء المتغير بطول مُكثه:
قال ابن المنذر
(4)
: (أَجْمَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ الَّذِي قَدْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ)
(5)
.
(1)
روى مالك «الموطأ» (1/ 52) عن ابن عمر بسند صحيح: (لا بَأْسَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا).
(2)
«فتح الباري» (1/ 300).
(3)
«التمهيد» (14/ 165).
(4)
«الأوسط» (1/ 259).
(5)
روى ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 46)، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين أنه كان يَكره الوضوء بالماء الآجن. وسنده صحيح.
وقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته باتفاق العلماء
(1)
.
القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الماء المتغير بممازجة النجاسة:
أجمع العلماء على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه، نجس؛ قليلًا كان أو كثيرًا.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوِ الْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ الْمَاءَ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا - أَنَّهُ نَجَسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَلَا يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ
(2)
.
قال الشافعي: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي من وجه لا يُثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم اختلافًا
(3)
.
قال الطحاوي: قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَغَلَبَتْ عَلَى طَعْمِ مَائِهَا أَوْ رِيحِهِ أَوْ لَوْنِهِ، أَنَّ مَاءَهَا قَدْ فَسَدَ
(4)
.
قال الباجي: ما تغير بنجاسة خالطته؛ فلا خلاف في نجاسته
(5)
.
قال ابن نجيم: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، جاريًا كان أو غير جارٍ
(6)
.
(1)
«مجموع الفتاوى» (21/ 36)، وذكر ابن مفلح الإجماع على ذلك، «المبدع» (1/ 36).
(2)
«الأوسط» (1/ 260).
(3)
«الأم» (8/ 612).
(4)
«شرح معاني الآثار» (1/ 12).
(5)
«المنتقى» (1/ 59).
(6)
«البحر الرائق» (1/ 78) ونَقَلَ الإجماع على ذلك خلق كثير، ولقد روى ابن ماجه (521) وغيره عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» ، وفي إسناده: رشدين، وهو ضعيف.
المبحث الثاني: الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره:
الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره طهور بالإجماع.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله يُتطهر منه
(1)
.
قال ابن رشد: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ الْمُسْتَبْحِرَ لَا تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ
(2)
.
المبحث الثالث: الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره:
اختلف العلماء في الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره - على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء إذا كان قليلًا فإنه ينجس وإن لم يتغير، وإذا كان كثيرًا فإنه لا ينجس إلا بالتغير
(3)
.
واستدلوا بحديث ابن عمر، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ:«إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»
(4)
.
(1)
«الإجماع» (ص: 33)، و «الأوسط» (1/ 261)
(2)
«بداية المجتهد» (1/ 245)، ونقل الإجماع ابن الهمام «شرح فتح القدير» (1/ 77 - 78)، وأبو الوليد بن رشد «مواهب الجليل» (1/ 53)، وابن عبد البر في «التمهيد» (9/ 108)، والطبري، وابن حزم، وابن قدامة، وابن تيمية وغيرهم كثير.
(3)
وبه قال الحنفية، والشافعية، وقول عند الحنابلة، كما في «شرح «فتح القدير» (1/ 70)، و «الأم» (1/ 18)، و «الكافي» (1/ 8).
(4)
هذا الحديث قد اختلف في سنده ومتنه:
أولًا: السند. فمدار الحديث على الوليد، واختلف عليه:
أ - فرواه أبو أسامة عن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر به. أخرجه أبو داود (63).
ب -عن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله، عن ابن عمر به. أخرجه النسائي (328).
ج - ورواه محمد بن إسحاق عن الوليد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله، عن ابن عمر به. أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 133) وغيره. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
د - وعن الوليد، عن محمد بن جعفر، ومحمد بن عباد، عن عبد الله، عن ابن عمر به. أخرجه أبو داود (63).
وللاختلاف في هذا الحديث فقد حكم عليه ابن المبارك، وابن عبد البر، وابن العربي، وابن القيم بالاضطراب، كما في «الأوسط» (1/ 271)، و «التمهيد» (1/ 335)، و «عارضة الأحوذي» (1/ 84)، و «تهذيب السنن» (1/ 62). وقد رجح أبو داود (63) طريق أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر، عن عبد الله، عن أبيه.
ثانيًا: الخلاف في المتن.
1 -
رُوِى الحديث: «إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الخَبَثَ» .
2 -
ورُوِى: «إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أو ثلاثًا
…
» على الشك. وهذه الرواية من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، واختلف على حماد فرواه جماعة على الشك. مثل: (وكيع، ويزيد بن هارون، وعفان
…
وغيرهم)، كما عند أحمد (2/ 23، 107)، وابن ماجه (518)، والدارقطني (1/ 22)، وغيرهم. وخالفهم جماعة، مثل:(موسى بن إسماعيل والطيالسي، وغيرهما)، عن حماد به بدون شك.
قلت: لعل هذا الشك من قِبل حماد؛ لأنه رواه عنه الثقات على كلا الوجهين. قال البيهقي «السنن» (1/ 162): ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أَوْلى.
3 -
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» .
أخرجه ابن عدي «الكامل» (6/ 34)، والدارقطني (1/ 26)، وفي إسناده: القاسم بن عبد الله العمري: متروك. وعن أبي هريرة موقوفًا: (إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). أخرجه أبو عبيد «الطهور» (ص: 231). وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. فاللفظ الصحيح: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» .
فمنطوق هذا الحديث: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» ، ومفهومه: (أن الماء إذا كان دون قلتين يحمل الخبث، ولو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن لتحديد القلتين فائدة.
واعترض عليه بأن مفهوم الحديث: «إن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث» إذا سقطت فيه
النجاسة ولم تغيره، وبأن منطوق:«إن الْمَاء لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» بالرغم مما يلقى فيها من النتن ولم يغير أوصافه الثلاثة، وهذا سيشمل القليل والكثير، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق، قُدم المنطوق على المفهوم، والمعنى الصحيح للحديث: أنه إذا كان الماء قليلًا دون القلتين فإن أقل نجاسة تغيره ويحمل الخبث، وإذا كان أكثر من قلتين فإنه يكون له القدرة على مدافعة النجاسة، والأصل في الماء قليلًا كان أو كثيرًا أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.
واستدلوا بأن الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فإنه ينجس وإن لم يتغير؛ لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» .
ففي الحديث نهي عن الاغتسال في المال الدائم الذي بال فيه وقد يتغير وقد لا يتغير، فلما يشترط التغير، دل ذلك على أن الماء إذا كان قليلًا فإنه لا يشترط التغير.
واعترض عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاغتسال في الماء الدائم الذي بال فيه؛ لأنه ينجس بذلك، وكذلك لأنه قد يوسوس من اغتسل في الماء الذي يبول فيه.
وأما الظاهرية فأخذوا بظاهر النص بمنع البول في الماء الراكد، وجوزوا أن يبول في إناء ثم يُصب في الماء. قال النووي: وهذا مذهب عجيب وفي غاية الفساد.
واستدلوا بما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ»
(1)
.
(1)
زيادة (فليرقه) شاذة؛ فمدار الحديث على الأعمش، واختلف عليه:
1 -
فرواه علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
وخالف علي بن مسهر جماعة فرووه بدون زيادة: فليرقه، فرواه: إسماعيل بن زكريا عند مسلم (279)، وأبو معاوية عند أحمد (2/ 253)، وعبد الرحمن بن حميد عند الطبراني «الصغير» (1/ 164) وغيرهم، كلهم رووه عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة به، بدون زيادة: فليرقه.
ورواه (أبو أسامة عند ابن أبي شيبة (14/ 204)، وجرير عند إسحاق بن راهويه (1/ 283)، وأبان بن تغلب عند الطبراني «المعجم الصغير» (2/ 149) وغيرهم، كلهم رووه عن الأعمش، عن أبي رزين، عن أبي هريرة بدون زيادة: فليرقه، فهؤلاء (إسماعيل بن زكريا، وأبو معاوية، وشعبة، وأبو أسامة، وجرير، وحفص بن غياث وغيرهم من الثقات الأثبات - رووا الحديث عن الأعمش بدون زيادة: فليرقه، وخالفهم: علي بن مسهر فتفرد بزيادة: فليرقه، فهي شاذة، قال النسائي «السنن» (1/ 53): لا أعلم أحدًا تابع على بن مسهر على قوله: فليرقه، قال ابن عبد البر «التمهيد» (18/ 273): وأما هذا اللفظ من حديث الأعمش (فليهرقه) فلم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ، مثل شعبة وغيره. وقال الحافظ في ترجمة علي بن مسهر: ثقة له غرائب بعد أن أضر. قلت: لعل هذه من غرائبه.
ومما يدل على شذوذ هذه الرواية رواية جماعة عن أبي هريرة من غير طريق الأعمش، بدون زيادة: فليرقه، منهم: محمد بن سيرين عند مسلم (279) وغيره، والأعرج عند مسلم (279)، وأحمد (2/ 245) وهمام بن منبه عند مسلم (279)، وأحمد (2/ 314) وغيرهما، وعبد الرحمن بن أبي عمرة عند أحمد (2/ 360) وغيره، وأبو سلمة عند عبد الرزاق (335) وغيره، وأبو رافع عند النسائي «الصغرى» (338) وغيره، وعطاء بن يسار عند الطبراني «الأوسط» (3719)، وعبيد بن حنين عند أحمد (2/ 398)، وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد عند عبد الرزاق (335)، وأحمد (2/ 271) وغيرهما، والحسن عند الدارقطني (1/ 64)، كل هؤلاء بدون زيادة: فليرقه، فهذه الزيادة بلا شك شاذة، والله أعلم.
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الإناء وإراقة الماء بمجرد ولوغ الكلب، ولم يرد أنه فرق بين الماء إذا تغير أو لم يتغير.
واعترض عليه بأن الماء الذي في الإناء وولغ فيه الكلب ينجس وهو يتغير حتمًا.
القول الثاني: ذهب مالك في رواية، وأحمد في رواية إلى أن الماء القليل والكثير لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ، والماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو باقٍ على صفته، فيصح الوضوء به.
واستدلوا بعموم ما رُوِى عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ
(1)
«المدونة» (1/ 132)، و «المغني» (1/ 31)، و «الأوسط» (1/ 266).
صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِي يُلْقَى فِيهَا مَا يُلْقَى مِنَ النَّتْنِ؟! فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، أي: إن الماء سواء كان كثيرًا أو قليلًا ولم يتغير أحد أوصافه الثلاثة فلا ينجسه شيء، وهو طهور. واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ أَوْ: ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»
(1)
.
وجه الدلالة: ما قاله الباجي
(2)
: وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَهَذَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَرْفَعُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ تَطْهِيرُهَا وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى مَا نَجُسَ مِنْهُ بِالْبَوْلِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا تَطْهِيرُهُ لِلْمُصلِّانَ فِيهِ.
المبحث الرابع: الماء المتغير بمجاورة نجاسة:
لو تغير الماء بمجاورة نجاسة كجيفة بقربه فإنه طهور، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك.
قال النووي: لَوْ تَغَيَّرَ المَاءُ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ - يَعْنِي جِيفَةً مُلْقَاةً خَارِجَ الْمَاءِ قَرِيبَةً مِنْهُ- وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَضُرُّ الْجِيفَةُ قَطْعًا بَلْ الْمَاءُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ
(3)
.
قال الحطاب: الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرَةِ شَيْءٍ لَهُ فَإِنَّ تَغَيُّرَهُ بِالْمُجَاوِرَةِ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُجَاوِرُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَاءِ أَوْ مُلَاصِقًا لَهُ. فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ إلَى جَانِبِ الْمَاءِ جِيفَةٌ أَوْ عَذِرَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَنَقَلَتِ الرِّيحُ رَائِحَةَ ذَلِكَ إلَى الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا
(4)
.
(1)
البخاري (220).
(2)
«المنتقى» (1/ 129).
(3)
«المجموع» (1/ 155).
(4)
«مواهب الجليل» (1/ 54).
المبحث الخامس: الماء المسخن بنجاسة:
اختلف أهل العلم في الماء المسخن بنجاسة على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الماء المسخن بنجاسة طهور
(1)
.
الثاني: ذهب المالكية إلى كراهة الماء المسخن بالنجاسة
(2)
.
والراجح: أن الماء المسخن بالنجاسة طهور؛ لأنه لم تقع نجاسة تغيره، والروث النجس إذا تحول إلى دخان أصبح له حكم الدخان، والدخان كله طاهر، دل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ:«لَا، هُوَ حَرَامٌ»
(3)
.
وجه الدلالة: إن شحوم الميتة إن كانت نجسة بالإجماع، فإنه يجوز الانتفاع بها في الوقود، ومعنى:«لَا، هُوَ حَرَامٌ» هو أنه لا يجوز بيعها، مع جواز الانتفاع بها في الوقود.
المبحث السادس: الماء المسخن بالشمس:
اختلف أهل العلم في الماء المسخن بالشمس على قولين:
القول الأول: أن الماء المسخن بالشمس طهور غير مكروه، وهو قول بعض المالكية، وبعض الشافعية، والحنابلة
(4)
.
والأصل في الماء المسخن بالشمس أنه طهور، وليس هناك دليل على الكراهة.
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 80)، و «المجموع» (1/ 137).
(2)
«مواهب الجليل» (1/ 80)، واختلفت الرواية عن أحمد. انظر:«شرح منتهى الإرادات» (1/ 16)، و «المغني» (1/ 29).
(3)
البخاري (2236)، ومسلم (1581).
(4)
«مواهب الجليل» (1/ 78)، و «الإنصاف» (1/ 24)، وهو قول النووي.
القول الآخر: ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية
(1)
إلى كراهية الماء المسخن بالشمس.
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:
أما دليلهم من السنة: فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فقال:«لَا تَفْعَلِي هَذَا يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ»
(2)
. واعترض عليه بأنه لا يصح.
أمادليلهم من المأثور: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ
(3)
. واعترض عليه بأنه لا يصح عن عمر.
فالراجح: أن الماء المسخن بالشمس طهور من غير كراهة.
القسم الخامس: الماء أو الثوب المشكوك فيه: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في حكم الماء إذا كان مشكوكًا فيه.
إذا تيقن طهارة الماء وشك هل وقعت فيه نجاسة، أو تيقن نجاسة الماء وشك في نقيضه، هل يبنى على اليقين أو على الشك؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يبنى على اليقين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية،
(1)
«البحر الرائق» (1/ 30)، و «منح الجليل» (1/ 40)، وقال الشافعي «الأم» (1/ 16): ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب.
(2)
موضوع: مدار الحديث على هشام، عن أبيه، عن عائشة به، ويرويه عن هشام خالد بن إسماعيل عند الدارقطني (1/ 38)، وقال: غريب جدًّا، وخالد بن إسماعيل متروك. وتابع خالدًا الهيثم بن عدي، كما في «الموضوعات» لابن الجوزي (2/ 79)، ووهب بن وهب وهو كذاب كما في «المجروحين» ابن حبان (3/ 75)، ومحمد بن مروان السدي كما في «مجمع البحرين» (1/ 311)، ومحمد بن مروان متروك.
ورواه الدارقطني (1/ 38)، وفي إسناده عمرو بن محمد منكر الحديث.
(3)
ضعيف جدًّا: أخرجه الشافعي «الأم» (1/ 3)، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى: كذاب.
والحنابلة
(1)
.
قال ابن رجب: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَوْ النَّجَاسَةَ فِي مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ بَدَنٍ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ زَوَالَهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَلَا غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا أَوْ نَجَاسَةً وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ
(2)
.
قلت: كذلك لو شك في طلوع الفجر، فإنه يأكل حتى يستيقن، ولو شك في عدد الطواف، أو عدد الطلاق، أو الركعات، ففي كل ذلك يعمل باليقين ويطرح الشك.
وقد خالف المالكية في ذلك؛ ففي «تهذيب المدونة» : ولو أيقن بالوضوء، ثم شك في الحدث، فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا، فليُعد وضوءه
(3)
.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، فيمن أيقن الوضوء وشك في الحدث وهو في الصلاة أنه لا يعيد وضوءه، وأن وضوءه صحيح، ويبني على اليقين؛ لما ورد في الصحيحين عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ:«لَا يَنْفَتِلْ أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا»
(4)
.
قال الدسوقي: مَنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَمَنْ شَكَّ خَارِجَهَا طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ
(5)
.
المبحث الثاني: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة:
اختلف أهل العلم فيما إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة:
القول الأول: ذهب الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد: أنه إذا
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 186)، و «المجموع» (1/ 219)، و «كشاف القناع» (1/ 132).
(2)
«القواعد» (ص: 339، 340).
(3)
«تهذيب المدونة» (ص: 181).
(4)
البخاري (137)، ومسلم (361).
(5)
«حاشية الدسوقي» (1/ 124).
اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أنه يتحرى
(1)
.
قال الشافعي: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ وَلَا يَعْرِفُهُ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَيُصَلِّي فِيهِ وَيُجْزِئُهُ. وإذا كان من صلى في ثوب نجس لم يعلم إلا بعد الصلاة، لم يُعد، والرسول صلى الله عليه وسلم صلى وفي نعليه أذى ولم يُعد، فإن تحرى فهو أَوْلَى
(2)
.
قال شيخ الإسلام: لأن اجتناب النجاسة من باب الترك ولهذا لا تُشترط له النية، ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته ثم علمها بعد الصلاة لم يُعد، فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على الظن طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير
(3)
.
القول الثاني: ذهب المالكية في قول، والمشهور من مذهب أحمد إلى أنه يصلي بعدد الثياب النجسة أو المحرمة، ويزيد صلاة
(4)
.
قال ابن قدامة: وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةِ، لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي وَصَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلَاةً
(5)
.
واستدلوا لذلك بأنه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فلزمه، بخلاف مَنْ تحرى فقد يخطئ، والعمل بالظن مع إمكان اليقين لا يجوز.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو التحري. وأما قول من قال: إنه يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد صلاة؛ لأنه يقينًا يكون صلى في ثوب طاهر، فهذا أحوط إذا لم يكن هناك مشقة، فإذا كانت ثَمّ مشقة فقد قال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الأحزاب: 78].
(1)
«المبسوط» (10/ 200)، و «المنتقى» (1/ 60)، و «المجموع» (1/ 151)، و «الإنصاف» (1/ 77).
(2)
«الأم» (8/ 111).
(3)
«بدائع الفوائد» (3/ 776).
(4)
«التفريع» (1/ 241)، و «الفروع» (1/ 66)، و «الإنصاف» (1/ 77).
(5)
«المغني» (1/ 82).
وذهب أبو ثور إلى أنه يصلي عريانًا
(1)
، واستدل بأن الثوب النجس كالمعدوم.
واعترض عليه بما قاله ابن القيم: وقول أبي ثور فى غاية الفساد، فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرًا وأحب إلى الله من صلاته عريانًا بادي السوءة للناظرين
(2)
.
القسم السادس: الماء الحرام، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الوضوء بالماء المحرم:
إذا سرق رجل من غيره أو غصب ماءً فتوضأ به، هل يصح وضوءه؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن من سرق ماءً فتوضأ به آثم، ويرتفع حدثه، ويُزال خبثه، واستدلوا لذلك بأن الجهة منفكة، فهو قد تطهر طهارة صحيحة، وعليه إثم الغصب أو السرقة، وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية
(3)
.
وذهب الحنابلة في المشهور إلى أنه لا يصح الوضوء بالماء المسروق أو المغصوب
(4)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»
(5)
.
قال ابن حزم: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الله تَعَالَى وَأَمْرُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مَرْدُودٌ بِحُكْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله فهو مردود غير مقبول
(6)
.
واستدلوا بما رُوِى عَنْ عَطَاءِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصلي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ» ، قَالَ: فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ يَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ يُصلى وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ وَإِنَّ الله عز وجل لَا يَقْبَلُ
(1)
«الأوسط» (2/ 166).
(2)
«إغاثة اللهفان» (1/ 176).
(3)
«تبيين الحقائق» (1/ 48)، و «حاشية الدسوقي» (1/ 144)، و «المجموع» (2/ 295).
(4)
«الإنصاف» (1/ 28)، و «المبدع» (1/ 40).
(5)
مسلم (1718).
(6)
«المحلى» (1/ 207 - 208).
صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ»
(1)
.
واعترض عليه بأن هذا الحديث منكر؛ لأنه إذا كان الله لم يقبل صلاة مسبل إزاره، فلماذا أمره بإعادة الوضوء وهو لم يُحدث؟
الراجح: أن الماء المغصوب تصح الطهارة به مع الإثم، فجهة المنع من قِبل الغصب لا من قِبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضيًا لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، والله أعلم.
المبحث الثاني: الوضوء من بئر ثمود:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز الوضوء من بئر ثمود
(2)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عُمَرَ {، أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ، وَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ
(3)
.
وجه الدلالة: أَمْره صلى الله عليه وسلم بإراقة ما سقوا، وعلف العجين للدواب، دل ذلك على نجاسة الماء.
واعترض عليه بأن هذا ماء سخط وغضب، وليس ماءً نجسًا.
(1)
منكر: أخرجه أحمد (4/ 67) من طريق هشام عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء به، ورواه النسائي «الكبرى» (9704) مختصرًا بلفظ:«إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ» ، وأخرجه أبو داود (638) من طريق موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء، عن أبي هريرة، فسمى الصحابي، وعلى كل فمدار الحديث على أبي جعفر المدني، قال ابن القطان: مجهول. وفي «التقريب» : مقبول، ومن زعم أنه محمد ابن علي بن الحسين فقد وهم.
(2)
«حاشية الدسوقي» (1/ 34)، و «مواهب الجليل» (1/ 49)، و «المجموع» (1/ 137)، و «مغني المحتاج» (1/ 20)، و «مطالب أولي النهى» (1/ 32).
(3)
البخاري (3379)، ومسلم (2981).
وذهب الشافعية في قول إلى أن الوضوء من بئر ثمود مكروه
(1)
.
والراجح: أن ماء بئر ثمود طهور؛ لأنه باقٍ على خلقته، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها؛ لأنه ماء سخط وغصب، والماء طهور، ولكن لا يجوز الوضوء منها.
القسم السابع: الوضوء بالمائع غير الماء، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حكم الطهارة بالنبيذ.
ذهب جمهور العلماء
(2)
إلى أن الحدث لا يُرفع بالنبيذ ولا غيره من المائعات إلا الماء، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، ولكن ورد خلاف في المسألة.
قال ابن المنذر
(3)
: أجمع العلماء على أن الحدث لا يُرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت. قال الغزالي: والطهورية مُخْتَصَّة بِالْمَاءِ من بَين سَائِر الْمَائِعَات، أما فى طَهَارَة الْحَدث فبالإجماع.
واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
قال النووي: فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر
(4)
.
وذهب أبو حنيفة في رواية أنه يتوضأ بالنبيذ إن لم يجد غيره
(5)
.
وذهب محمد بن الحسن إلى أنه يتوضأ بالنبيذ ويتيمم إن لم يجد غيره
(6)
.
واستدلوا لذلك بحديث ابن مسعود: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ لَقِيَ الْجِنَّ، فَقَالَ:«أَمَعَكَ مَاءٌ؟» فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: «مَا هَذَا فِي الإِدَاوَةِ؟» قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: «أَرِنِيهَا، تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ
(1)
«المجموع» (1/ 137).
(2)
«تبيين الحقائق» (1/ 35)، و «المدونة» (1/ 114)، و «الأم» (1/ 7)، و «مسائل أحمد رواية عبد الله» (1/ 22)، و «المغني» (1/ 23).
(3)
«الأوسط» (1/ 253).
(4)
«المجموع» (1/ 140).
(5)
«المبسوط» (2/ 90)، و «بدائع الصنائع» (1/ 15).
(6)
«البناية» (1/ 464)، و «فتح القدير» (1/ 118 - 119)، و «بدائع الصنائع» (1/ 15).
طَهُورٌ» فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح، ولا يجوز رفع الحدث بالنبيذ، والله أعلم.
المبحث الثاني: حكم المائع غير الماء الذي تخالطه النجاسة:
ذهب جمهور العلماء إلى أن النجاسة إذا خالطت مائعًا كفأرة وقعت في سمن فإنه يتنجس، ولا فرق بين القليل والكثير والمتغير وغير المتغير
(2)
.
واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ
(1)
إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (1/ 402)، والترمذي (1/ 422)، وابن ماجه (384) وغيرهم. قال ابن عدي: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرو بْنِ حُرَيْثٍ، عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأَبُو زيد مولى عَمْرو بن حريث مَجْهُولٌ، ولَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهو خِلافُ الْقُرْآنِ، وقال ابن حبان «المجروحين» (3/ 158): أَبُو زيد يروي عَنْ ابن مَسْعُود مَا لم يُتَابع عَلَيْهِ، لَيْسَ يدْرِي من هُوَ لَا يُعرف أَبوهُ وَلَا بَلَده، وَالْإِنْسَان إِذا كَانَ بِهَذَا النَّعْت ثمَّ لم يرو إِلَّا خَبرًا وَاحِدًا خَالف فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَالنَّظَر والرأي - يسْتَحق مجانبته فِيهَا وَلَا يحْتَج بِهِ.
وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 44 - 45): وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ فِي الوُضُوء بالنَّبيذِ، فَقَالا: هَذَا حديثٌ لَيْسَ بِقَويٍّ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غيرُ أبي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وحمَّادِ بنِ سَلَمة، عَنْ علي بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعليُّ بْنُ زَيْدٍ لَيْسَ بِقَويٍّ، وَأَبُو زَيْدٍ شيخٌ مَجْهُولٌ لا يُعْرَف، وعَلْقَمَةُ يَقُولُ: لَمْ يكنْ عبدُ الله مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ الجِنِّ، فوَدِدتُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ. قلتُ لَهما: فإنَّ معاوية بْن سَلاَّم يحدِّث عَنْ أَخِيهِ، عَنْ جَدِّه، عَنِ ابْنِ غَيْلان، عَنِ ابْنِ مَسْعُود. قَالا: وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بشيء؛ ابنُ غَيْلان مجهول، ولا يَصِحُّ فِي هَذَا الباب شيء. قال أبو بكر بن أبي داود: كان أبو زيد هذا نباذًا في الكوفة. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منكر، وورد حديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء» . أخرجه الدارقطني (1/ 75)، وابن عدي «الكامل» (7/ 170)، قال الدارقطني: هو حديث منكر.
(2)
«المبسوط» (10/ 198)، و «حاشية الدسوقي» (1/ 59)، و «المجموع» (2/ 620)، و «الإنصاف» (1/ 321).
فَمَاتَتْ، فَقَالَ:«إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، ثُمَّ كُلُوا مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ»
(1)
.
(1)
مدار هذا الحديث على الزهري، واختلف عليه: فرواه معمر بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به، وقد خالف معمر الثقات عن الزهري في متنه وسنده. أخرجه أحمد (2/ 232)، وأبو داود (3842) وغيرهما. فأما المخالفة في المتن: فزاد «وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» .
وأما المخالفة في السند: فجعل الحديث من مسند أبي هريرة، بينما الثقات والأثبات رووه عن الزهري؛ فجعلوه من مسند ميمونة؛ منهم:
1 -
سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعًا، بلفظ: إنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا، فَقَالَ:«أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» بدون ذكر التفصيل: إن كان جامدًا
…
أخرجه الحميدي «المسند» (312)، ومن طريقه البخاري في «صحيحه» (5538). قال الحميدي: فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ سُفْيَانُ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُهُ إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنِ ابْنِ عباسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا. قلت:(رواه جماعة من الثقات الأثبات عن سفيان، منهم: الحميدي، وأحمد، وابن أبي شيبة، ومحمد بن يوسف، وأبو خيثمة وغيرهم كثير بهذا اللفظ، وخالفهم إسحاق بن راهويه، فزاد في متنه: «وإن كان ذائبًا فلا تقربوه»، وقد ذكر الذهبي «سير أعلام النبلاء» (11/ 378) في ترجمة إسحاق: اسْتَغرَبُوا مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ رَاهْوَيْه عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ سِوَى حَدِيْثٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ حَدِيْثُهُ عَنْ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُوْنَةَ فِي الفَأْرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَزَادَ إِسْحَاقُ فِي المَتْنِ مِنْ دُوْنِ سَائِرِ أَصْحَابِ سُفْيَانَ هَذِهِ الكَلِمَةَ: وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا، فَلَا تَقْرَبُوْهُ. قال الذهبي: وَلَعَلَّ الخَطَأَ فِيْهِ مِنْ بَعْضِ المُتَأَخِّرِيْنَ، أَوْ مِنْ رَاوِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ.
2 -
الأوزاعي، عن الزهري به عند أحمد (6/ 330).
3 -
عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به عند ابن أبي عاصم «الآحاد والمثاني» (3101).
4 -
مالك بن أنس، عن الزهري به. واختلف على مالك على وجوه:
الأول: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة به كما في «الموطأ» ، رواية يحيى (2/ 971)، والبخاري (236) وغيرهما. =
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة السمن الذي وقعت فيه الفأرة إذا كان مائعًا، ولم يفرق بين القليل والكثير.
واعترض عليه بأن هذا الحديث شاذ. والمحفوظ ما رواه البخاري، عن ابن عباس، عن ميمونة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا،
= الثاني: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس به بدون ذكر ميمونة، كما في «الأوسط» (2/ 284)، والدارمي (2084) وغيرهما.
الثالث: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ميمونة بدون ذكر ابن عباس. ذكرها ابن عبد البر «التمهيد» (9/ 33)، وقال الدارقطني: هي رواية شاذة.
الرابع: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن مسعود مرفوعًا، رواه أبو نعيم «الحلية» (3/ 379).
الخامس: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله مرسلًا، كما في «الموطأ برواية أبي مصعب (2179)، ومع كل هذا الخلاف عن مالك فلم يذكروا ما ذكره معمر؛ فدل ذلك على أن رواية معمر شاذة سندًا ومتنًا.
أما السند: فجعل الحديث من مسند أبي هريرة، والصحيح أنه من مسند ميمونة رضي الله عنهما. أما المتن:«وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» فلا يذكره الثقات، قلت: ومما يدل على شذوذ هذه الرواية، أن معمرًا له رواية توافق رواية الجماعة في السند. (فرواية الطيالسي، وسلمة بن شبيب، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، وقد أعل رواية معمر غير واحد من أهل العلم: قال الترمذي: مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ:«إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» ، هَذَا خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ مَعْمَرٌ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ، كما في «سنن الترمذي» (1798)، وقال أبو حاتم عن رواية معمر: وَهم. كما في «العلل» (2/ 12)، وانظر:«مجموع الفتاوى» (21/ 490)، و «تهذيب السنن» (5/ 336 - 337).
فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ».
فدل ذلك على أنه إذا سقطت فأرة في سمن سواء كان جامدًا أو مائعًا؛ فإنه يلقى ما حولها ثم يؤكل؛ فدل على طهارة ما تبقى. وهذا هو الراجح، والله أعلم.
===
حاصل ما ورد فيما سبق
(1)
تطلق الطهارة في اللغة على النظافة نقيض النجاسة:
والطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث.
فرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:«لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» والاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال وكذا الحيض. ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222]، أي فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض حل لكم وطاؤهن.
ومعنى «إزالة النجاسة» أي إزالة النجس عن البدن والثوب والمكان والإناء.
وقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي من النجاسة التي هي انقطاع دم الحيض، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة حل لكم وطأهن وهذا هو رفع الحدث.
(2)
ينقسم الماء من حيث حكمه إلى قسمين:
طهور ونجس، لعموم قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} . فكلمة «ماء» نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء، سواء كان مطلقًا أو مقيدًا مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور.
وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فقد ورد النص بالماء الطهور، والإجماع ورد بالماء النجس، ولم ترد أدلة علي أن هناك قسمًا ثالثًا.
(3)
وينقسم الماء من حيث طبيعته إلى أقسام:
القسم الأول: الماء المطلق [وهو يأتي من مصادر كثيرة]:
1 -
ماء المطر: لعموم قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)} [الفرقان].
2 -
ماء العيون: لعموم قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 21] والينابيع هي عيون الماء.
3 -
ماء الآبار: جمع بئر وهو ما يحفره الناس للحصول على الماء، كبئر بضاعة ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ:«الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» .
4 -
ماء الأنهار: لعموم قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} ، والماء الناتج من الثلج والبرد، ففي البلاد الباردة ينزل الثلج، ثم يتحول إلى ماء فيجوز التطهر به.
5 -
ماء البحار: وهو الماء المتبحر المتسع، وأجمع العلماء على أن ماء البحار طهور؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
6 -
ماء زمزم: طهور ويُرفع به الحدث ويُزال به الخبث لعموم قوله تعالى: {وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو} وهذا ماء طهور، ولا يجوز التيمم مع وجوده.
القسم الثاني: الماء المستعمل:
وهو الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل فهذا ماء مستعمل وكذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث، أو وقوع بعض الماء المستعمل في الإناء الذي يتوضأ أو يغتسل منه، فهذه صور للماء المستعمل، وهو طهور لعموم قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو} كلمة «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله سبحانه وتعالى أوجب التيمم على من لم يجد الماء، وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:«كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ» .
ولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور، والماء المتردد علي العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر
على أول اليد، ثم على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو.
(4)
اتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، وذهب جمهور العلماء إلى جواز وضوء الرجل بفضل المرأة لما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم:«كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» . واعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ميمونة قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ» ولكن الأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة طهور، والأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة. قاله أحمد.
القسم الثالث: الماء المتغير بطول مكثه:
ما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته بالاتفاق.
القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه:
نجس، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، بالإجماع.
القسم الخامس: إذا تيقن طهارة الماء وشك هل وقعت فيه نجاسة فإنه يبني على اليقين ويطرح الشك وإذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، فإنه يتحرى ويصلي في أحد الثياب وتجزئه صلاته.
القسم السادس: حكم الماء الحرام، وفيه مبحثان.
المبحث الاول: الوضوء بالماء المغصوب أو المحرم تصح الطهارة به مع الإثم.
المبحث الثاني: لا يجوز الوضوء بماء بئر ثمود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يريقوا ما استقوا من بئرها لأنه ماء سخط وغضب والماء طهور لأنه باق على خلقته.
القسم السابع: لا يجوز الوضوء بالمائعات غير الماء، لعموم قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء ولم ينقلنا إلى سائل آخر.
* * *
الباب الثاني النجاسات
وفيه تمهيد وفصول
تمهيد: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف النجاسة.
المبحث الثاني: أقسام النجاسات.
المبحث الثالث: قاعدة هامة: الأصل في المياه الطهارة.
الفصل الأول: النجاسات. وفيه أقسام:
القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: نجاسة البول والغائط من الآدمي الكبير.
المبحث الثاني: نجاسة بول الصبي والجارية.
المبحث الثالث: نجاسة المذي.
المبحث الرابع: نجاسة الودي.
المبحث الخامس: نجاسة الدم. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نجاسة دم الحيض.
المطلب الثاني: نجاسة دم الإنسان.
المطلب الثالث: نجاسة دم الشهيد.
القسم الثاني: نجاسة الحيوان. وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: نجاسة الكلب.
المبحث الثاني: نجاسة الخنزير.
المبحث الثالث: نجاسة سباع والطير والبهائم.
المبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم.
المبحث الخامس: نجاسة الميتة.
المبحث السادس: في الجلالة: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الجلالة.
المطلب الثاني: حكم لحم الجلالة.
التمهيد
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: تعريف النجاسة:
النجاسة في اللغة: ضد النظافة والطهارة، فكل شيء يُستقذر فهو نجس.
وفي الشرع: مستقذر مخصوص كالبول ونحوه، فالمخاط والبصاق مثلًا قذر لغة، وليس قذرًا شرعًا، والبول قذر لغة وشرعًا
(1)
.
وفي «المصباح المنير» : نجس الشيء: إذا كان قذرًا غير نظيف
(2)
.
والنجاسة في عرف الشرع: قذر مخصوص، وهو ما يمنع جنسه الصلاة، كالبول والغائط والدم.
(1)
«موسوعة الطهارة» (13/ 16) وهي الموسوعة الذهبية في أحكام الطهارة التفصيلية، لفضيلة الشيخ: دبيان بن محمد الدبيان - حفظه الله- وهو بحث جيد ونافع وماتع، فريد في بابه مرجع للباحثين، وقد جمع فيه مصنفه بين الفقه والحديث بتحرير وإتقان، وقد تميز هذا البحث بالتوسع والإنصاف دون تعصب لقول أحد، وقد استفدت منه كثيرًا فأسأل الله أن يجازيه خيرًا الجزاء وأوفاه، وأن يبلغه أمانيه ومناه، وأن يجعل جنة الفردوس مأواه، وأن ييسر له أمر دينه ودنياه، وأن يعزه بالإسلام وأن يعز به الإسلام، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجمعني وإياه مع سيد الأنبياء والمرسلين.
(2)
«المصباح المنير» (ص: 594)، وفي «مغني المحتاج» (1/ 77): النجاسة: هي مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص، قال ابن عابدين «حاشيته» (1/ 85)
النجاسة: عين مستقذرة شرعًا، فقوله:(عين) خرج به الوصف، فإن النجاسة عين لها جرم محسوس، وليست من المعاني، وقوله:(مستقذرة شرعًا) خرج به الأشياء المستقذرة بالطبع، ولم يأت الشرع بتنجسها، كالمخاط والبصاق.
المبحث الثاني: أقسام النجاسات:
تنقسم النجاسات باعتبار ذاتها عند الحنفية إلى قسمين:
الأول: نجاسة حقيقية، وتكون مرئية كالغائط، أو غير مرئية كالبول إذا جف.
الثاني: نجاسة حكمية، وهي نجاسة الحدث.
أما الشافعية والحنابلة فقسموها إلى نجاسة حكمية وعينية.
(1)
.
وتنقسم النجاسة عند الشافعية والحنابلة باعتبار تطهيرها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: نجاسة مغلظة: وهي نجاسة الكلب، فتحتاج إلى سبع غسلات مع غسل مرة بالتراب، بخلاف غيرها من النجاسا ت.
الثاني: نجاسة مخففة: وهي نجاسة بول الطفل الرضيع، ويكفي في طهارته النضح.
الثالث: نجاسة متوسطة، وهي باقي النجاسات
(2)
.
المبحث الثالث: قاعدة هامة: الأصل في المياه الطهارة.
الأصل في المياه الطهارة ما لم يتبين نجاستها، فكل ما لم يتبين لنا أنه نجس من المياه فهو طاهر؛ قال تعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119]. فما لم يتبين تحريمه فهو حلال.
قال شيخ الإسلام: الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، وَأَنَّ النَّجَاسَاتِ مُحْصَاةٌ مُسْتَقْصَاةٌ
(3)
.
وقال الشوكاني: حق استصحاب البراءة الأصلاة وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم
(1)
«روضة الطالبين» (1/ 28).
(2)
«مغني المحتاج» (1/ 83)، و «كشاف القناع» (1/ 58).
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 542، 591).
بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك، وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة
(1)
.
قال ابن حزم: من ادعى نجاسة أو تحريمًا لم يُصدق إلا بدليل من نص قرآن أو سنة صحيحة
(2)
.
* * *
(1)
«السيل الجرار» (1/ 31).
(2)
«المحلى» مسألة (394).
الفصل الأول
النجاسات
القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي: وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: نجاسة البول والغائط من الآدمي الكبير:
أجمع العلماء على نجاسة بول وغائط الآدمي الكبير.
قال النووي: وأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين
(1)
.
نقل الإجماع فيها ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم.
وقال ابن جزي: وأما الأبوال والرجيع (الغائط) فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا
(2)
.
المبحث الثاني: نجاسة بول الصبي والجارية:
ذهب جماهير العلماء إلى نجاسة بول الصبي.
وذهب بعض الحنابلة وداود الظاهري إلى طهارة بول الصبي
(3)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ
(1)
«المجموع» (2/ 567).
(2)
«القوانين الفقهية» (ص: 35، 36)، وقد نقل الإجماع الطحاوي «شرح معاني الآثار» (1/ 109)، وابن رشد «بداية المجتهد» (2/ 175)، وابن المنذر «الأوسط» (2/ 138) وغيرهم، ومما يدل على نجاسة البول ما رواه البخاري (219)، ومسلم (258) من حديث أنس بن مالك قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:«إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عز وجل وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
(3)
«الإنصاف» (1/ 323)، و (طرح التثريب» (2/ 140).
يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ
(1)
.
واعترض عليه بما قاله القرطبي: والعجَبُ ممَّن يستدِلُّ برشِّ بولِ الصبيِّ أو بالأمرِ بِنَضْحِهِ على طهارتِهِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على ذلك! وغايةُ دلالتِهِ على التخفيف في نوعِ طهارته؛ إذْ قد رُخِّصَ في نَضْحه ورشِّه، وعُفِيَ عن غَسْله تخفيفًا، وخُصَّ بهذا التخفيف الذَّكَرُ دون الأنثى؛ لملازمتهم حَمْلَ الذُّكْرَان؛ لفرطِ فَرَحهم بهم ومحبَّتهم لهم، والله أعلم
(2)
.
المبحث الثالث: نجاسة المذي:
قال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ
(3)
.
قال ابن عبد البر: وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة أو لطول عزبه، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته
(4)
.
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ:«يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ»
(5)
.
واختلف العلماء في معنى: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ» :
فذهب الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية
(6)
إلى أنه يجب غسل موضع الحشفة، وهذا
(1)
البخاري (323)، ومسلم (287).
(2)
«المفهم» (2/ 644).
(3)
«المجموع» (2/ 571).
(4)
«الاستذكار» (1/ 199).
(5)
البخاري (269)، ومسلم (303).
(6)
«شرح معاني الآثار» (1/ 48)، و «فتح البر بترتيب التمهيد» (3/ 323)، و «المجموع» (2/ 164).
فَهْم ابن عباس
(1)
.
وذهب أكثر المالكية إلى وجوب غسل الذكر كله بعد المذي؛ لعموم الحديث: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ» ، أي: كله
(2)
.
وذهب الحنابلة وابن حزم إلى غسل الذكر كله مع الأنثيين
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وأُنثييهِ وَيَتَوَضَّأُ»
(4)
.
واعترض عليه بأن زيادة: «أُنثييهِ» لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والراجح: غسل حشفة الذكر؛ لأن هذا فهم ابن عباس.
(1)
روى عبد الرزاق (608) بإسناد صحيح، قال ابن عباس في المذي: يغسل حشفته ويتوضأ.
(2)
«مواهب الجليل» (1/ 385)، والخرشي (1/ 149).
(3)
«الفروع» (1/ 214)، و «الإنصاف» (1/ 330)، و «المحلى» (1/ 118).
(4)
ولفظة (أنثييه) ضعيفة، وليست محفوظة. أخرجه أحمد (1/ 124) وغيره من طريق هشام ابن عروة، عن أبيه، قال علي
…
به، وعلته أن عروة لم يسمع من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قاله أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهما، كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص: 149)، و «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 54)، و «تلخيص الحبير» (1/ 117).
ورواه أبو عوانة (1/ 273) من طريق سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي به، وفي إسناده سليمان بن حيان متكلم فيه، ولا يتحمل المخالفة.
وأخرجه أحمد (1/ 145) من طريق شريك، عن الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي به. وفي إسناده شريك، وهو سيئ الحفظ، وقد خالف الركين من هو أوثق منه، فزيادة:«يغسل الأنثيين» منكرة، وله شاهد من حديث رافع بن خديج، أخرجه النسائي (155)، وفي إسناده: إياس بن خليفة: مجهول، فالصحيح أن لفظة:«أنثييه» ضعيفة، وليست محفوظة، وقد روى أبو داود (211) عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَعَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ فَقَالَ «ذَاكَ الْمَذْيُ وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ» ، وفي إسناده العلاء بن الحارث قد اختلط، قد ضعفه الحافظ في «التلخيص» (1/ 117) ومعاوية بن صالح فيه مقال.
والأحوط: غسل الذكر وما حوله من الأنثيين بالاستنجاء وغسل ما أصابه.
المبحث الرابع: نجاسة الودي:
قال ابن قدامة: وَأَمَّا الْوَدْيُ فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ خَاثِرٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَوْلِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَجَارٍ مَجْرَاهُ
(1)
.
قال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ
(2)
.
المبحث الخامس: نجاسة الدم: وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نجاسة دم الحيض:
قال الشوكاني: وَاعْلَمْ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ نَجِسٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ
(3)
.
وفي الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ:«تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّى فِيهِ»
(4)
وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّى»
(5)
.
المطلب الثاني: نجاسة دم الإنسان:
قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا على أَنْ الْكثير من الدَّم أَي دم كَانَ حاشا دم السّمك وَمَا لَا يسيل دَمه -نجس
(6)
.
(1)
«المغني» (1/ 413).
(2)
«المجموع» (2/ 571). قلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد وردت رواية عن أحمد بطهارة الودي، كما في «المبدع» (1/ 249)، و «الإنصاف» (1/ 341)، وروى ابن أبي شيبة (1/ 89) بسند صحيح عن ابن عباس قال: الْمَنِيُّ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ، فَأَمَّا الْمَنِيُّ فَفِيهِ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ فَفِيهِمَا الْوُضُوءُ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ.
(3)
«نيل الأوطار» (1/ 58).
(4)
البخاري (227)، ومسلم (291).
(5)
البخاري (228)، ومسلم (333).
(6)
«مراتب الإجماع» (ص: 19).
وقال النووي: وَالدَّلَائِلُ عَلَى نَجَاسَةِ الدَّمِ مُتَظَاهِرَةٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ طَاهِرٌ. وَلَكِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ
(1)
.
قال ابن حجر: الدم نجس اتفاقًا
(2)
.
قال القرطبي: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ حَرَامٌ نَجِسٌ
(3)
.
ومع أن الأئمة يرون نجاسة الدم إلا أنهم يرون العفو عن يسير الدم، أما الدم المسفوح فنجس.
قال ابن عبد البر: وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ رِجْسٌ نَجِسٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَسْفُوحَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْجَارِي فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْكَثِيرُ، إِذِ الْقَلِيلُ لَا يَكُونُ جَارِيًا مَسْفُوحًا، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنَ الدَّمِ الْجَارِي نُقْطَةٌ فِي ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَسْفُوحِ الْكَثِيرِ وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقَلِيلِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى أَصْلِهَا فِي اللُّغَةِ
(4)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145].
وجه الدلالة: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} ، أي: نجس.
واعترض عليه بأن معنى: {رِجْسٌ} ، حرام.
وأجيب عنه: بأن أول الآية: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا} يدل على التحريم؛ فإن معنى رجس مغاير للتحريم، ويكون معنى رجس: نجسًا؛ ليدل على معنى جديد.
قالوا: إذا كان معنى: {رِجْسٌ} ، أي: نجس، ولكن نجاسة معنوية.
(1)
«المجموع» (2/ 511).
(2)
«فتح الباري» (1/ 352).
(3)
«تفسير القرطبي» (2/ 222)
(4)
«التمهيد» (22/ 230).
وأجيب عنه: كيف نقول: إن نجاسة الميتة والدم المسفوح نجاسة معنوية، وهي نجاسة حسية ظاهرة؟!
واستدلوا بأن دم الحيض نجس بالدلائل المتظاهرة، فيقاس عليه سائر الدماء.
وذهب بعض المتكلمين والشوكاني إلى أن دم الإنسان طاهر
(1)
.
واستدلوا بأن الصحابة كانوا يجاهدون ويصلون في جراحاتهم
(2)
. ويُدفن الشهيد بدمه، ولو كان نجسًا لغسل منه الدم.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنهما قالت: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلاَّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟! فَإِذَا
(1)
«المجموع» (2/ 576)، و «الدراري المضية» (1/ 26).
(2)
واستدلوا بما روى أحمد (3/ 353)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأُصِيبَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَافِلًا، وَجَاءَ زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ حَتَّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلًا، فَقَالَ:«مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ «فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ» ، قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ؟ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ. فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصلِّى، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أُوتِيتَ! فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ فَهَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، أَلَا أَهْبَبْتَنِي؟! قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأُرِيتُكَ، وَايْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا. ولكن في إسناده عقيل بن جابر: مجهول.
سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ فِيهَا
(1)
.
فعُلم أن الدم ليس بنجس؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ»
(2)
. فلو كان الدم نجسًا لورد غسل المسجد.
واستدلوا بجواز دخول المستحاضة المسجد، مع أن دمها ينزف، كما ورد في البخاري عن عائشة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ»، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ
(3)
. فدل ذلك على طهارة الدم.
واعترض عليه بأن وضع الطست تحتها دليل على اجتناب النجاسة.
وأما حديث سعد فلم يرد نص صريح أنه غسل أو لم يغسل، فليس بصريح.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من نجاسة الدم المسفوح، وأن اليسير معفو عنه.
المطلب الثالث: نجاسة دم الشهيد.
اختلف العلماء في نجاسة دم الشهيد على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى طهارة دم الشهيد، واستدلوا بما روى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ»
(4)
يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، ولو كان دم الشهيد نجسًا لأمر بغسلهم قبل دفنهم.
(5)
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي اللهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ»
(6)
. فشبه الدم بالمسك، والمسك طاهر، فيكون دم الشهيد طاهرًا.
(1)
البخاري (563)، ومسلم (1769).
(2)
مسلم (285).
(3)
البخاري (309).
(4)
البخاري (1346).
(5)
«البحر الرائق» (1/ 127)، و «الإنصاف» (1/ 328).
(6)
البخاري (2803)، ومسلم (3486).
واعترض عليه من وجهين:
الأول: تشبيه الدم بالمسك هذا يُشْبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» ليس معنى ذلك أن رائحة فم الصائم تتغير، ولكن المعنى أن الأمر الناتج عن عبادة له فضل.
الثاني: أن الريح ريح المسك في الآخرة، وأحكام الدنيا لا تقاس على أحكام الآخرة.
القول الآخر: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة دم الشهيد، وهو مذهب المالكية والشافعية، وقول عند الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بأن دم الشهيد يدخل في عموم الدم المسفوح، والإجماع الوارد على أن الدم المسفوح نجس، وقد قال تعالى عنه:{فَإِنَّهُ رِجْسٌ} والله تعالى أعلم.
* * *
(1)
«مواهب الجليل) (1/ 96)، و «حاشية الجمل» (1/ 194)، و «الإنصاف» (1/ 328).
القسم الثاني
نجاسة الحيوان
وفيه ستة مباحث
المبحث الأول: نجاسة الكلب:
اختلف أهل العلم في نجاسة عين الكلب على قولين:
القول الأول: أن الكلب نجس، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والشافعية، والحنابلة
(1)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»
(2)
.
(1)
«البناية» (1/ 367، 435)، و «الأم» (1/ 5، 6)، و «الفروع» (1/ 235).
(2)
صحيح دون لفظة: «أولاهن بالتراب» فهي شاذة، فالحديث يرويه عن أبي هريرة جمع من التابعين بدون زيادة:«أولاهن بالتراب» منهم: (همام بن منبه وعبد الرحمن الأعرج، وأبو صالح، وأبو سلمة، وأبو رزين، وثابت بن عياض، وعبيد بن حنين، وعطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي كريمة) فكلهم رووه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ غُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ» .
وخالف الجماعة الثقات محمد بن سيرين من وجه وزاد لفظة: «أولاهن بالتراب» عند مسلم (279).
وقد حدث خلاف على ابن سيرين مرة بإثباتها، ومرة بدونها، ومرة يقول السابعة، ومرة يقول «أولاهن» ، ومرة «أخراهن» .
وقد حدث عليه خلاف في الرفع والوقف فهذا يسقط رواية ابن سيرين.
وقد تابع ابن سيرين الحسن البصري عند الدارقطني جزء أبي الطاهر (98) ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. وقد تابعهما نفيع بن أبي الحارث عند النسائي (337) وقد قال البيهقي عن هذا الحديث: هذا حديث غريب.
فالحاصل أن زيادة «أولاهن بالتراب» شاذة روى الحديث الثقات عن أبي هريرة بدونها.
قال أبو داود وابن عبد البر: رواه الأعرج، وأبو صالح، وثابت الأحنف، وهمام بن منبه، وعبد الرحمن أبو السري، وعبيد بن حنين، وثابت بن عياض مولى عبد الرحمن بن زيد، وأبو سلمة كلهم عن أبي هريرة، ولم يذكر «التراب» .
فقوله: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، وإذا كان الماء الذي في الإناء يتنجس بلعاب الكلب فلعابه نجس، وإذا كان لعابه نجسًا فيقاس عليه عرقه وبوله وسائر جسده.
واستدلوا أيضًا بما روى مسلم عن ابن عباس، قال: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي» قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ:«قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ» قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ.
وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخرج الكلب وأخذ بيده ماء فنضح مكانه، فهذا يدل على نجاسة الكلب.
القول الآخر: أن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة، والمالكية
(1)
.
واستدلوا بعموم القرآن والسنة:
فأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} .
وجه الدلالة: أن الله أباح لنا الأكل مما أمسكت الكلاب، ولو كان المكان الذي أمسكت منه الكلاب نجسًا لأمر بالغسل مكانه.
واعترض عليه بأنه كيف يستدل على طهارة الكلب بأنيابه ولعابه الذي نص النبي صلى الله عليه وسلم على نجاسته، ثم إن من العلماء من قال بوجوب غسل ما أصاب الكلب لنجاسته.
(1)
«فتح القدير» (1/ 93، 102)، و «المدونة» (1/ 5، 6).
قال النووي: لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله، بخلاف الإناء
(1)
.
ثم إن الآية أنه يباح الأكل مما أمسكت الكلاب المعلمة، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، ثم إن الآية عامة، والأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب حديث خاص يدل على نجاسة لعاب الكلب، وهذا دليل خاص، والخاص يقدم على العام.
أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر قال: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ
(2)
.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: نُقل الإجماع على نجاسة بول الكلب، فكيف يستدل به على طهارة الكلب؟!
الثاني: أن النجاسة قد تطهر بالاستحالة، فإن لم تغسل فقد تطهرها الشمس.
الراجح: أن الكلب نجس، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وليس مرة بل سبع مرات الأولى بالتراب، وإذا كان لعابه نجسًا فكذا سائر جسده.
المبحث الثاني: نجاسة الخنزير:
قال النووي: نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَةِ الْخِنْزِيرِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ، وَلَكِنَّ مَذهبَ مَالكٍ طهارةُ الخنْزيرِ مَادَامَ حَيًّا
(3)
.
(1)
«المجموع» (2/ 585).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (382)، والبخاري معلقًا (174) وابن حبان (1656) وغيرهم من طريق يونس عن الزهري عن حمزة عن ابن عمر به.
وأخرجه أحمد (5489) وغيرهم من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر به بدون لفظة:«تبول» وصالح بن أبي الأخضر: ضعيف.
وقد ذكر البيهقي «السنن الكبرى» (2/ 429) قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنا العباس بن الفضل ثنا أحمد بن شبيب به، وهذه اللفظة «تبول» ليست في شيئ من نسخ الصحيح لكن ذكر الأصيلي أنه من رواية إبراهيم بن معقل النسفي «تبول وتقبل وتدبر» .
(3)
«المجموع» (2/ 586).
وقال تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145].
قالوا: معنى {رِجْسٌ} أي: نجس، ومعنى الآية أن لحم الخنزير نجس
(1)
.
واعترض عليه بما قاله الشوكاني: بأن معنى {رِجْسٌ} أي: حرام وليس نجسًا.
وأجيب عنه: بأن حَمْله على الحرام فيه بُعد؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية:(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه حرام) فيصعب أن يكون صدر الآية وآخرها على تَكرار التحريم، والصحيح أن قوله:{رِجْسٌ} دليل على النجاسة.
واستدلوا بأن الخنزير أَوْلَى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه، بخلاف الكلاب، فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه
(2)
.
المبحث الثالث: نجاسة سباع البهائم والطير:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير
(3)
.
واستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا
(1)
قال الجصاص «أحكام القرآن» (1/ 174): وَاللَّحْمُ وَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ فَإِنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَنْفَعَتِهِ وَمَا يُبْتَغَى مِنْهُ، كَمَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْمُرَادُ حَظْرُ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ فِي الصَّيْدِ، وَخَصَّ الْقَتْلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الصَّيْدُ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] فَخَصَّ الْبَيْعَ بِالنَّهْيِ; لِأَنَّهُ كَانَ أَعْظَمَ مَا يَبْتَغُونَ مِنْ مَنَافِعِهِمْ، وَالْمَعْنِيُّ جَمِيعُ الْأُمُورِ الشَّاغِلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْبَيْعِ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الصَّلَاةِ، كَذَلِكَ خَصَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدًا لِحُكْمِ تَحْرِيمِهِ وَحَظْرًا لِسَائِرِ أَجْزَائِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ وَإِنْ كَانَ النَّصُّ خَاصًّا فِي لَحْمِهِ.
(2)
«موسوعة الطهارة» (13/ 116).
(3)
«بدائع الصنائع» (1/ 64)، و «الإنصاف» (1/ 342).
يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ»
(1)
. ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع.
الدليل الثاني: ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ
(2)
.
وروى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْر
(3)
.
فدل ذلك على أن السباع ذات الناب والطير ذات المخلب محرم أكلها لنجاستها.
القول الآخر: ذهب المالكية والشافعية إلى طهارة سباع البهائم والطير
(4)
.
واستدلوا بأن السباع كالأسد والصقر يجوز بيعها والانتفاع بها؛ فهذا دليل على طهارتها، وكذا سباع الطير.
واعترض عليه بأنه ليس كل نجس لا يجوز الانتفاع به، فقد ورد في الحديث أن شحوم الميتة يُنتفع بها في طلي السفن وإن كانت نجسة بالإجماع، ويحرم أكلها.
الراجح: نجاسة السباع كالأسد والصقر وغيرهما، والله أعلم.
المبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم:
ذهب جماهير العلماء إلى نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم
(5)
.
واستدلوا بأن ريق الكلب نجس، فماذا يكون الشأن في بوله؟ وكذا بول الحيوانات غير مأكولة اللحم.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
البخاري (5530)، ومسلم (1932).
(3)
مسلم (1934).
(4)
«الاستذكار» (2/ 121)، و «روضة الطالبين» (1/ 13).
(5)
«المبسوط» (1/ 60)، و «المدونة» (1/ 116)، و «الفروع» (1/ 256).
واستدلوا بحديث ابن عمر قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» ، والسباع غير مأكولة اللحم إذا شربت من الماء؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا كان الماء قليلًا فإنه ينجس الماء بسبب شربها؛ فبولها وروثها من باب أَوْلى. واستدلوا بأن لحم الحيوان غير مأكول اللحم خبيث، فكذا بوله نجس
(1)
.
المبحث الخامس: نجاسة الميتة:
نُقل الإجماع على نجاسة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية. فقال ابن قدامة: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ
(2)
. وقال ابن رشد
(3)
: وَأَمَّا أَنْوَاعُ النَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ: مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ، وقال تعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145].
المبحث السادس: في الجلالة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الجلالة:
اختلف أهل العلم في تعريف الجلالة على ثلاثة أقوال:
(1)
«مجموع الفتاوى» (21/ 585 - 586).
قلت: وذهب داود، والشعبي إلى طهارة بول وروث غير مأكول اللحم، «الفقه الإسلامي» (1/ 171)، وروى ابن أبي شيبة (1/ 109) بسند حسن عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ الشَّعْبِيِّ فِي السُّوقِ، فَبَالَ بَغْلٌ فَتَنَحَّيْت مِنْهُ، فَقَالَ: مَا عَلَيْك لَوْ أَصَابَك.
واستدلوا بما روى البخاري (174) من حديث ابن عمر، قال:(كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ).
واعترض عليه بأنه قد يكون الأمر في أولِ الإسلام ثم نُسخ، وذلك لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الإناء من ولوغ الكلب، فدل ذلك على نجاسة ريقه، وبوله لن يكون أطهر من ريقه؛ ولأن هذه النجاسة تطهر بالاستحالة، فإذا أذهبت الشمس النجاسة فإنها تطهر.
(2)
«المغني» (1/ 53).
(3)
«بداية المجتهد» (1/ 66).
القول الأول: ما كان أكثر علفها النجاسة، وهو قول الحنابلة، وقول للحنفية، وللشافعية
(1)
.
قال ابن قدامة: قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهْ لُحُومَ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانَهَا. قَالَ الْقَاضِي: هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْقَذَرَ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، حَرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا
(2)
.
القول الثاني: أن الجلالة هي ما كان علفها النجاسة ولم يخلط بغيره، وأنتن لحمها من ذلك
(3)
.
القول الثالث: أن المراد بالجلالة: ما ظهر ريح القذر في لحمها
(4)
.
قال ابن القيم: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ، حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا.
قال الشيخ سيد سابق: والجلالة: هي التي تأكل العَذِرة، من الإبل، والغنم، والدجاج، وغيرها، حتى يتغير ريحها، فإن حُبست بعيدة عن العَذِرة زمنًا، وعُلفت طاهرًا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها، حلت؛ لأن علة النهي والتغير قد زالتْ
(5)
.
المطلب الثاني: حكم لحم الجلالة.
اختلف أهل العلم في حكم الانتفاع بالجلالة؛ مِنْ أكل لحمها، وشرب لبنها، وركوب ظهرها على ثلاثة أقوال:
(1)
«بدائع الصنائع» (5/ 39)، و «المجموع» (9/ 30).
(2)
«المغني» (9/ 329).
(3)
قال السرخسي «المبسوط» (11/ 255): وَتَفْسِيرُ الْجَلَّالَةِ الَّتِي تَعْتَادُ أَكْلَ الْجِيَفِ وَلَا تُخْلَطُ فيتَغيَّرُ لَحْمُهَا، وَيَكُونُ لَحْمُهَا مُنْتِنًا فَحَرُمَ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا لِتَأَذِّي النَّاسِ بِنَتْنِهَا، وَأَمَّا مَا يَخْلِطُ فَيَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ وَغَيْرَ الْجِيَفِ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ مِنْ لَحْمِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ.
(4)
قاله البيهقي «الشعب» (5/ 19)، وقال النووي «المجموع» 9/ 30): وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي عُرْفِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ وَإِلَّا فَلَا.
(5)
«فقه السنة» (1/ 37) تحقيق الشيخ/ مصطفى العدوي.
القول الأول: يُكره الانتفاع بالجلالة، قاله الحنفية، وقول للشافعية، وقول للحنابلة
(1)
.
القول الثاني: يحرم الانتفاع بالجلالة، وهو قول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة
(2)
.
واستدل القائلون بالتحريم والكراهة بعموم الأدلة الناهية عن الانتفاع بالجلالة، ومنها: ما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الْجَلاَّلَةِ فِى الإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا
(3)
.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لَبَنِ شَاةِ الْجَلالَةِ
(4)
، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ.
القول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه لا بأس بالانتفاع بالجلالة
(5)
.
والراجح: هو كراهة الشرب من لبن الجلالة، وأكل لحمها وركوب ظهرها، وإذا حُبست بعيدة عن النجاسة، وعُلفت طاهرًا حتى ذهب ريحها النتن، وطاب لحمها الرديء، وذهب اسم الجلالة عنها، حلت، وعلة النهي قد زالت، والله أعلم
(6)
.
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 223)، و «مغني المحتاج» (4/ 304)، و «الإنصاف» (10/ 356).
(2)
«المجموع» (9/ 30)، و «المغني» (9/ 329)، و «الإنصاف» (10/ 356).
(3)
معل: أخرجه أبو داود «السنن» (3787) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر به. وتابع عمرو بن أبي قيس عبد الوارث، عن أيوب به، عند البيهقي (5/ 254)، بلفظ:(نهى عن ركوب الجلالة). وأخرجه الترمذي (1824) من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر به. وخالف ابن إسحاق الثوري، فرواه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مرسلًا بدون ذكر ابن عمر. أخرجه عبد الرزاق (8718).
ورجح البخاري الرواية المرسلة، كما في «العلل» للترمذي (ص: 304).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (1/ 226)، وأبو داود (3786)، والترمذي (1825)، والنسائي (448) وغيرهم من طرق عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس به، أما رواية قتادة عن يحيى بن أبي كثير فقد ضعفها عدد من أهل العلم.
(5)
«المدونة» (1/ 542).
(6)
قال الكاساني «بدائع الصنائع» (5/ 40): وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُحْبَسَ الدَّجَاجُ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ. وقد روى ابن أبي شيبة (5/ 148) بإسناد صحيح، عن ابن عمر أنه كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَأْكُلُهُ.
الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها
وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: طهارة بني آدم، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: طهارة بدن المسلم.
المبحث الثاني: طهارة بدن المشرك.
المبحث الثالث: طهارة مني الإنسان.
المبحث الرابع: رطوبة الفرج.
المبحث الخامس: طهارة اللبن.
المبحث السادس: حكم القيء.
القسم الثاني: طهارة الحيوان، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الحيوان مأكول اللحم، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: طهارة الحيوان مأكول اللحم.
المطلب الثاني: طهارة الدم في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم.
المطلب الثالث: طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم.
المبحث الثاني: ما لا نفس له سائلة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف النفس.
المطلب الثاني: طهارة ما لا نفس له سائلة.
المبحث الثالث: طهارة الهرة، وهي لها نفس سائلة.
المبحث الرابع: طهارة بدن الحيوان المركوب (كالحمار والبغل).
المبحث الخامس: طهارة دم الكبد، والطحال، والسمك.
المبحث السادس: طهارة إنفحة الميتة.
القسم الثالث: طهارة أشياء غير الإنسان والحيوان،
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: طهارة الخمر.
المبحث الثاني: طهارة الطِّيب الذي فيه كحول.
القسم الأول طهارة بني آدم
وفيه ستة مباحث
المبحث الأول: طهارة بدن المسلم:
سواء كان محدثًا، أم غير محدث، وسواء كان حدثًا أكبر أم أصغر:
أجمع العلماء على طهارة المسلم إذا كان متطهرًا من الحدث الأكبر والأصغر
(1)
، وإذا أحدث حدثًا أكبر كالجنابة أو أصغر كالبول؛ فإنه طاهر عند جمهور العلماء.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ:«أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ:«سُبْحَانَ اللهِ، يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»
(2)
.
وجه الدلالة: أن أبا هريرة رضي الله عنه كان جنبًا وهو حدث أكبر، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» ، ولو كان المحدث نجسًا لما حمل النبي صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب وهو يصلي، ومعلوم أن أمامة كانت جارية وهي على حدث؛ ففي الصحيحين من حديث أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(3)
.
وروى مسلم عن عَائِشَةَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَهَا:«نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسجدِ» ، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ»
(4)
، أي: لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى.
(1)
انظر «شرح النووي» لمسلم (3/ 267).
(2)
البخاري (285)، ومسلم (371).
(3)
البخاري (516)، ومسلم (543).
(4)
مسلم (298).
والأدلة على أن المسلم طاهر سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر متوافرة ومتضافرة.
قال شيخ الإسلام: وَأَبْدَانُ الْجُنُبِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ طَاهِرَةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» . وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ فِي دُهْنٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ
(1)
.
وذهب الحنفية في قول إلى أن من أحدث فهو نجس نجاسة حكمية
(2)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]. والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل.
واعترض عليه بأن تجديد الوضوء يسمى طهارة مع أنه متطهر، فلا يشترط أن تكون الطهارة عن نجاسة، وأبو هريرة رضي الله عنه لما اعتبر أن حدثه نجاسة أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» .
والصحيح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من طهارة بدن المسلم، سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر.
المبحث الثاني: طهارة بدن المشرك:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة بدن المشرك، وبه قال الحنفية، والصحيح من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
(1)
«الفتاوى الكبرى» (1/ 226).
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 70)، و «تبيين الحقائق» (1/ 88).
(3)
«بدائع الصنائع» (1/ 64)، و «منح الجليل» (1/ 47)، و «المجموع» (1/ 320)، و «كشاف القناع» (1/ 93).
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]. فإن كان طعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حلًّا لنا، لزم من ذلك طهارة أبدانهم وأيديهم التي يباشرون بها هذا الطعام، وإذا كان يجوز للمسلم الزواج بالعفيفة من أهل الكتاب، وبالطبع يباشر جسدها، ويصاب من عرقها، عُلم من ذلك طهارة أبدانهن.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ
(1)
.
فلو كان المشرك نجس البدن لما ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمامة وهو لا يزال مشركًا بسارية في المسجد؛ فدل ذلك على طهارة بدن المشرك
(2)
.
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم:«أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»
(3)
.
القول الثاني: أن بدن المشرك نجس، وهو قول عند المالكية، وابن حزم
(4)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، فدل ذلك على نجاسة بدن المشرك، ونهى لذلك عن دخولهم المسجد الحرام، والأصل أن تُحمل الألفاظ على حقيقتها الشرعية.
واعترض عليه بأنه إذا أبيح الأكل من طعام أهل الكتاب مع أنهم يباشرون ذلك بأيديهم، فعُلم أن بدن المشرك طاهر، وأن المراد بالنجاسة في قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} نجاسة معنوية، والقرينة التي دلت على ذلك أن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك.
(1)
البخاري (4372)، ومسلم (1764).
(2)
قال السرخسي «المبسوط» (1/ 47): إن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا مُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا أَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ.
(3)
البخاري (3571)، ومسلم (682).
(4)
«القوانين الفقهية» ، و «المحلى» (1/ 137).
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قال:«فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا»
(1)
. قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن في استعمال آنية أهل الكتاب إلا بعد غسلها؛ فدل ذلك على نجاستها.
واعترض عليه بأنه لا بد من الجمع بين الأدلة، فقد أباح الله لنا الأكل من طعام أهل الكتاب، وقد أكل صلى الله عليه وسلم من طعام اليهود
(2)
، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأكل من آنية أهل الكتاب نهي احتااط واستحباب، وحَمَله بعض العلماء على أن أهل الكتاب إذا كانوا يُكثرون من أكل الخنزير وشرب الخمور فيُحمل عليه هذا الحديث ليس لنجاسة بدن المشرك، ولكن لنجاسة الخنزير.
الراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من طهارة بدن المشرك، والمراد بقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} النجاسة المعنوية، أي: نجاسة الشرك، وإنه لو نطق بالشهادتين صار طاهرًا بإيمانه طهارة معنوية؛ لأن المؤمن لا ينجس.
المبحث الثالث: طهارة مني الإنسان:
اختلف أهل العلم في طهارة مني الإنسان على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن المني طاهر
(3)
.
واستدلوا لذلك بأدلة منها الدليل الأول: ما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنهما وفيه: (وَإِنِّي
(1)
البخاري (5478)، ومسلم (1930).
(2)
روى البخاري (3169) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة أكله عند اليهود ووضع السم في الشاة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالُوا: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ.
(3)
«المجموع» (1/ 146)، و «مسائل أحمد رواية أبي داود» (1/ 32)، وعند أحمد رواية أن المني نجس، وعنه: أنه يعفى عن يسيره، وقال ابن حزم «المحلى» (1/ 134): المني طاهر، في الماء كان أو في الجسد أو الثوب لا تجب إزالته، والبصاق مثله لا فرق. اه.
لأَحُكُّهُ - أي: المَنِيَّ- مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَابِسًا بِظُفُرِي)
(1)
. فعائشة رضي الله عنهما كانت تفركْ المَنِيَّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النجاسات.
واعترض عليه بأن تطهير النجاسة لا يُشترط غسلها بالماء، فطهارة النجاسة في أسفل النعل بدلكه بالأرض، وطهارة ذيل المرأة إذا أصابه نجاسة يطهره ما بعده من التراب.
الدليل الثاني: روى ابن خزيمة عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحُكُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وهُو يصلي
(2)
، فدل ذلك على طهارة المني إذ كان يصلي به النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان نجسًا لوجب غسله قبل الصلاة.
الدليل الثالث: عن عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْلُتُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَيَحُتُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ.
(3)
فإذا كان النبي يسلت المني من ثوبه وهو رطب من غير غسل دل ذلك على طهارته.
وصح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، أَمِطْهُ عَنْكَ بِعُودٍ أَوْ إِذْخِرٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ أَوِ الْمُخَاطِ
(4)
.
(1)
مسلم (250).
(2)
رجاله ثقات: أخرجه ابن خزيمة (290)، قال: حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا إِسْحَاقُ - يَعْنِي الْأَزْرَقَ- نا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ به.
(3)
رواه أحمد، وإسحاق بن راهويه «مسنده» (1185)، وابن خزيمة (294)، وفي إسناده عكرمة بن عمار، قال الحافظ: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب. قلت: وباقي رجاله ثقات، والراوي عن عكرمة عبد الله بن عبيد الله بن عمير.
(4)
إسناده صحيح: رواه الشافعي «الأم» (1/ 56)، وابن المنذر «الأوسط» (2/ 159) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن جريج، كلاهما يخبر عن عطاء، عن ابن عباس به. ورواه الطبراني «الكبير» (11/ 148) من طريق شريك عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا، قال ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (21/ 590): وأما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمنكر باطل لا أصل له. قال البيهقي (2/ 418): هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد رُوي مرفوعًا ولا يصح رفعه.
القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أن المني نجس ويجب تطهيره
(1)
.
واستدلوا لذلك بما رود في الصحيحين عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»
(2)
.
فغسل فرجه من المني فهذا دليل على نجاسة المني.
قال شيخ الإسلام: الاستنجاء من المني فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال
(3)
.
واعترض عليه بأن الغسل لا يدل على النجاسة؛ لأنه قد يغسل ما يستقذر كالمخاط وغيره، وليس هو نجسًا بالإجماع.
الدليل الثاني: استدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ
(4)
. فدل غسل المني على نجاسته، إذ الطاهر لا يحتاج إلى تطهير.
واعترض عليه بأن المخاط وكل ما يُستقذر قد يُغسل، وليس بنجس، فليس الغسل دليلًا على النجاسة، ووَرد أن عائشة رضي الله عنهما كانت تفرك المني إذا كان يابسًا ولا تغسله.
الدليل الثالث: عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَسْقِي نَاقَةً لِي، فَتَنَخَّمْتُ فَأَصَابَتْ نُخَامَتِي ثَوْبِي، فَأَقْبَلْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنَ الرِّكْوَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«يَا عَمَّارُ، مَا نُخَامَتُكَ وَلَا دُمُوعُ عَيْنَيْكَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ، إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ مِنَ الْمَاءِ الْأَعْظَمِ وَالدَّمِ وَالْقَيْءِ»
(5)
.
(1)
«الدر المختار» (1/ 312)، و «الاستذكار» (3/ 113).
(2)
البخاري (260)، ومسلم (317).
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 594).
(4)
البخاري (229)، ومسلم (288).
(5)
موضوع: أخرجه أبو يعلى (1611)، وفي إسناده: ثابت بن حماد: متهم بالوضع، وعلي بن زيد ضعيف. قال البيهقي (1/ 14): هذا باطل لا أصل له، وكذا قاله ابن تيمية «الفتاوى» (21/ 594).
واعترض عليه بأن هذا الحديث باطل.
الدليل الرابع: عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَنَّ عُمَرَ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ، فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ، فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً، فَرَكِبَ، حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ الاِحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: قد أَصْبَحْتَ وَمَعَك ثِيَابٌ، فَدَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًاه لَكَ يَا بْنَ الْعَاصِ، إنْ كُنْتَ تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ثِيَابًا؟ فوَالله لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَ سُنَّةً، أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ، وَأَنْضِحُ مَا لَمْ أَرَ
(1)
.
قال الباجي: وَقَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ) يُرِيدُ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَا كَانَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ حَتَّى أَسْفَرَ الصُّبْحُ رَأَى أَنَّ تَطْهِيرَ ثَوْبِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ أَوْلَى مِنْ مُبَادَرَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِهِ وَتَتَبُّعَهُ لَهُ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ التَّأْخِيرَ وَأَمَرَهُ بِاسْتِبْدَالِ ثَوْبٍ - دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ الثَّوْبِ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا عِنْدَهُمْ لَمَا اشْتَغَلَ عُمَرُ بِغُسْلِهِ. وَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ لَقِيلَ لَهُ: تَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِإِزَالَةِ مَا لَمْ تَلْزَمْ إزَالَتُهُ
(2)
.
واعترض عليه بأن إسناده منقطع، فيحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر.
الدليل الخامس: واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنهما: «إذا وجدتِ المني رطبًا فاغسليه، وإذا وجدته يابسًا فحُكيه»
(3)
.
(1)
أخرجه مالك «الموطأ» (1/ 50)، قال النووي «المجموع» (1/ 226): يَحْيَى وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَلَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، بَلْ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: يَحْيَى ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عُمَرَ بَاطِلٌ. وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ ابْنِ مَعِينٍ.
(2)
«المنتقى» (1/ 103).
(3)
لم أقف عليه مسندًا، قال الحافظ:«الدراية في تخريج الهداية» (1/ 91): لم أجده بهذه السياقة.
واعترض عليه بما قاله ابن الجوزي: هذا الحديث لا يُعرف، إنما المنقول أنها هي كانت تفعل ذلك من غير أن يكون أمرها
(1)
.
أما دليلهم من المعقول: فاستدلوا بقياس المني على المذي، قال الباجي: دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجسًا كالمذي
(2)
.
واعترض عليه بما قاله ابن القيم: المني والمذي هما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة، فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم يستحكم طبخه - دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة
(3)
.
واستدلوا بأن المني خارج من مخرج البول، وكل ما خرج من مخرج البول نجس.
واعترض عليه بأنه قد يخرج من مخرج واحد ما هو طاهر وما هو نجس، فيخرج من الدبر الريح وهو طاهر، ويخرج الغائط وهو نجس، ويخرج من الفم المخاط وهو طاهر، ويخرج القيء وهو نجس على قول.
واستدلوا بأنه إذا كانت نواقض الوضوء نجسة كالبول والغائط، وإذا كان المني يوجب الغسل فنجاسته من باب أَوْلى.
واعترض عليه بأن هذه القاعدة ليست مطردة، فخروج الريح ناقض للوضوء بالإجماع، مع أن الريح طاهر بالإجماع لا يُغسل مكانه ولا ما أصاب من الثياب، وكذا مس الفرج ليس بنجس وهو ناقض للوضوء، وكذا أكل لحم الجزور طاهر وهو ناقض للوضوء، ولو مس بولًا أو غائطًا مع أنه نجس بالإجماع لا ينقض وضوءه بل يغسل ما مسه فقط، وكذا لو جامع ولم يُنزل فإن عليه الغسل بالرغم من أنه لم يُمنِ.
قال الشافعي: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي الْفَرْجِ الْحَلَالِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ مَاءٌ فَأَوْجَبْت عَلَيْهِ الْغُسْلَ، وَلَيْسَتْ فِي الْفَرْجِ نَجَاسَةٌ، وَإِنْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي دَمِ خِنْزِيرٍ، أَوْ خَمْرٍ، أَوْ عَذِرَةٍ
(1)
«التحقيق» (1/ 107).
(2)
«المنتقى» (1/ 103).
(3)
«بدائع الفوائد» (3/ 639).
وَذَلِكَ كُلُّهُ نَجِسٌ. أَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَالْغُسْلُ إنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ مِنْ نَجَاسَةٍ كَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ مِنْ الَّذِي غَيَّبَهُ فِي حَلَالٍ نَظِيفٍ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ الْخَلَاءُ وَالْبَوْلُ أَقْذَرَ مِنْهُ، ثُمَّ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُ مَوْضِعِهِمَا الَّذِي خَرَجَا مِنْهُ، وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ
(1)
.
والراجح: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من أن المني طاهر؛ لأن عائشة كانت تحك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان نجسًا لما جاز له الصلاة فيه، وصح عن ابن عباس {أنه قال: إنه بمنزلة المخاط. والمخاط طاهر، فدل ذلك على طهارة المني. ودل على ذلك أن المني مبتدأ خلق بني آدم والأنبياء والرسل، فهل يليق أن يكون أصل هؤلاء نجسًا؟ والله يقول:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70].
قال الشافعي: بَدَأَ الله عز وجل خَلْقَ آدَمَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَجَعَلَهُمَا مَعًا طَهَارَةً. وَبَدَأَ خَلْقَ وَلَدِهِ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، فَكَانَ فِي ابْتِدَائِهِ خَلْقَ آدَمَ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا الطَّهَارَةُ دَلَالَةَ أَنْ لَا يَبْدَأَ خَلْقُ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ طَاهِرٍ لَا مِنْ نَجِسٍ.
وقال ابن القيم: والله تعالى أحكمُ من أن يجعل مَحَالَّ وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسة فهو أكرم من ذلك، وأيضًا فإن الله تعالى أخبر عن هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصُّلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعَذِرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره، ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السَّوِي، فالمهين ههنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث، وأيضًا فلو كان المني نجسًا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات؛ ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب، فلقد أبعد النجعة مَنْ جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة. والناس إذا سَبُّوا الرجل قالوا:(أصله خبيث) و (هو خبيث الأصل)
(2)
.
(1)
«الأم» 1/ 56).
(2)
«بدائع الفوائد» (3/ 640).
المبحث الرابع: رطوبة الفرج:
قال ابن عابدين: وَأَمَّا رُطُوبَةُ الْفَرْجِ الْخَارِجِ فَطَاهِرَةٌ اتِّفَاقًا
(1)
.
قلت: وأما رطوبة الفرج الداخل فطاهرة على قول جمهور العلماء
(2)
.
ولو كانت رطوبة الفرج نجسة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ولنقله لنا أمهات المؤمنين وأصحاب النبي الأمين، فلما لم يَرد ذلك عُلم طهارة رطوبة الفرج {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] والأصل الطهارة حتى يثبت خلافه، والله أعلم.
المبحث الخامس: طهارة اللبن:
لبن المرأة المسلمة طاهر بالإجماع. وكذا لبن مأكول اللحم؛ كالإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والظباء وغيرها من الصيود، طاهر بنص القرآن، والأحاديث الصحيحة، والإجماع
(3)
.
وقال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66].
قال الكاساني: خرجت الآية مخرج الامتنان، والمنة موضع النعمة تدل على الطهارة
(4)
.
المبحث السادس: حكم القيء:
ذهب الحنفية والشافعية في المشهور عنهم إلى نجاسة القيء مطلقًا سواء تغير أم لم يتغير
(5)
.
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 313).
(2)
«حاشية الطحاوي» (1/ 64)، و «شرح مسلم» (3/ 198)، و «المبدع» (1/ 255).
(3)
«المجموع» (1/ 301).
(4)
«بدائع الصنائع» (1/ 63).
(5)
اختلف أهل العلم في حكم القيئ على أقوال:
القول الأول: أن القيئ نجس مطلقًا سواء تغير أم لم يتغير، وهذا قول الحنفية في المشهور، وقول عند الشافعية كما في «بدائع الصنائع» (1/ 26)، و «المجموع» (2/ 570).
القول الثاني: أن القيئ طاهر مطلقًا سواء تغير أم لا وهو قول الشوكاني كما في «السيل الجرار» (1/ 43).
القول الثالث: أن القيئ إذا خرج متغيرًا فهو نجس وإن خرج غير متغير فهو طاهر وهو قول بعض الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية «تبيين الحقائق» (1/ 9)، و «حاشية الدسوقي» (11/ 51)، و «المجموع» (2/ 570).
واستدلوا لذلك بحديث عمار، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَسْقِي نَاقَةً لِي، فَتَنَخَّمْتُ، فَأَصَابَتْ نُخَامَتِي ثَوْبِي، فَأَقْبَلْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنَ الرِّكْوَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«يَا عَمَّارُ، مَا نُخَامَتُكَ وَلَا دُمُوعُ عَيْنَيْكَ إِلاَّ بِمَنْزِلَةِ المَاءِ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ، إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ البَوْلِ وَالغَائِطِ وَالمَنِيِّ مِنَ المَاءِ الأَعْظَمِ وَالدَّمِ وَالقَيْءِ» ، فدل ذلك على أن القيء ينقض الوضوء، وهو نجس. واعترض عليه بأن هذا الحديث باطل.
واستدلوا بحديث أبي الدرداء رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَاءَ فَأَفْطَرَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَنَا صَبَبْتُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَضُوءَهُ
(1)
. قالوا: إن القيء إذا كان ينقض الوضوء فهو نجس.
واعترض على هذا الاستدلال من وجوه:
الأول: أن القيء مختلف في نقضه للوضوء، والراجح أنه لا ينقض الوضوء.
الثاني: لو قلنا: إن القيء ينقض الوضوء، فليس كل ناقض للوضوء نجسًا، فأكل لحم الجزور ينقض الوضوء وهو طاهر بالإجماع، وكذا الريح طاهر وهو ناقض الوضوء.
الثالث: أن القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، ولو كان هذا القيء نجسًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، ونقله لنا أمهات المؤمنين وصحابة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الفعل يكثر ويتكرر وقوعه، فلما لم يُحفظ دليل على نجاسته عُلم أنه طاهر، إذ إن الأصل الطهارة، والله أعلم.
* * *
(1)
سيأتي تخريج هذا الحديث في نواقض الوضوء.
القسم الثاني طهارة الحيوان
وفيه ستة مباحث
المبحث الأول: الحيوان مأكول اللحم، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: طهارة الحيوان مأكول اللحم:
وَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ طَاهِرٌ، قَالَ الله تَعَالَى:{وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] فَكُلُّ حَلَالٍ هُوَ طَيِّبٌ، وَالطَّيِّبُ لَا يَكُونُ نَجِسًا بَلْ هُوَ طَاهِرٌ
(1)
.
المطلب الثاني: طهارة الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم:
قال ابن تيمية: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ اللَّحْمَ بِالْقِدْرِ فَيَبْقَى الدَّمُ فِي الْمَاءِ خُطُوطًا، وَهَذَا لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي الْعَفْوِ عَنْهُ
(2)
.
وقال ابن العربي: قال الإمام الحافظ: الصحيح أن الدم إذا كان مفردًا حرم منه كل شيء، وإن خالط اللحم جاز؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، إنما حرم الدم بالقصد إليه
(3)
.
وفي «الجوهرة النيرة» : أما الذي يبقى في اللحم بعد الذكاة فهو طاهر
(4)
.
ودل على ذلك عموم قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} .
فنصت الآية على الدم المسفوح، وهذا غير مسفوح.
(1)
«المحلى» (1/ 137).
(2)
«مجموع الفتاوى» (21/ 542)، وفي «الفروع» (1/ 254)، وقال الشيخ تقي الدين فيه: لا أعلم خلافًا في العفو عنه، وأنه لا ينجس العرق، بل يؤكل معها.
(3)
«الجامع لأحكام القرآن» (2/ 291).
(4)
«الجوهرة النيرة» (1/ 38).
قال المرداوي: المحرم هو الدم المسفوح وأما الدم الذي يبقى في خلال اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق - فمباح
(1)
.
المطلب الثالث: طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم:
اختلف أهل العلم في حكم بول وروث الحيوان مأكول اللحم على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية والمشهور عند الحنابلة إلى طهارة بول وروث الحيوان المأكول
(2)
.
قال شيخ الإسلام: وَبَوْلُ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ، لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى تَنَجُّسِهِ، بَلْ الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا سَلَفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ
(3)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا
(4)
. فلو كانت أبوال الإبل نجسة لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من أبوالها، فدل ذلك على طهارة أبوال الإبل.
وروى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: أُصلي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، فإذا كان من شروط الصلاة طهارة البقعة التي يصلي فيها، وقد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة في مرابض الغنم مع أنها لا تخلو من البول والروث، فدل ذلك على طهارة بول وورث الغنم.
وفي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، {، قَالَ: (طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ
(5)
. فإدخال البعير المسجد، والطواف عليه، وقد يبول البعير أثناء الطواف، فلو كان بوله وروثه نجسًا لما أدخله المسجد.
(1)
«الإنصاف» (1/ 327).
(2)
«مواهب الجليل» (1/ 94)، و «مسائل أحمد رواية عبد الله» (1/ 31)، و «المبدع» (1/ 338).
(3)
«الفتاوى الكبرى» (5/ 313).
(4)
البخاري (233)، ومسلم (1671).
(5)
البخاري (1608)، ومسلم (1272).
واستدلوا بأن الحَمَام يسكن في المسجد الحرام من غير نكير مع أنه يبول، فهذا دليل على طهارته، إذ لو كان بوله نجسًا لأُخرج من المسجد خاصة، فقد أمر الله بتطهير المسجد الحرام بقوله:{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].
واستدلوا بما قاله ابن تيمية: فَإِنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُزْرَعُ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ ذَلِكَ الْحَبَّ وَيُقَرُّونَ عَلَى أَكْلِهِ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّ الْحُبَّ لَا يُدَاسُ إلَّا بِالدَّوَابِّ، وَنَتَيَقَّنُ أَنْ لَا بُدَّ أَنْ تَبُولَ عَلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي يَبْقَى أَيَّامًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُقَدِّمَاتٌ يَقِينِيَّةٌ
(1)
.
القول الثاني: أن بول وروث الحيوان المأكول نجس، وهو مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ {، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ
…
»، فكلمة:«البول» تدل على نجاسة جميع الأبوال، فهنا «أل» تدل على الاستغراق، أي: عامة الأبوال.
واعترض: بأن المراد بالبول بول الآدمي، دل عليه السياق، و «أل» للعهد الذهني.
واستدلوا بما روى البخاري عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ:«هَذَا رِكْسٌ»
(3)
، أي: نجس.
(1)
«مجموع الفتاوى» (21/ 584).
(2)
«المجموع» (2/ 547)، و «المستوعب» (1/ 315).
(3)
مدار هذا الحديث على أبي إسحاق فرواه عنه زهير، كما عند البخاري (156) قال: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: - لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ - وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله به، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قلت: فتابع زهير يوسف عند البخاري معلقًا.=
واعترض عليه: بأن الروثة قد تكون روثة حمار أو غير مأكول اللحم، وهي نجسة، حتى لو كانت روثة البهائم أو مأكول اللحم؛ فإنه لا يستنجى بها؛ لأنها طعام إخواننا من الجن.
والراجح: طهارة بول وروث الحيوان المأكول، والله أعلم.
= ورواه أحمد (4299) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم به.
ورواه الترمذي (17) قال: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ به وقال، وَهَكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ. وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَعَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَرَوَى زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَرَوَى زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، هَلْ تَذْكُرُ مِنْ عَبْدِ اللهِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.
سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَصَحُّ؟ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله، أَشْبَهَ، وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ.
وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا عِنْدِي حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ، وَقَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، لأَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ. وسَمِعْت أَبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، إِلاَّ لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ. وَزُهَيْرٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ بِذَاكَ لأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ بِأخِرَةٍ.
وَسَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتَ الْحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ، وَزُهَيْرٍ، فَلَا تُبَالِي أَنْ لَا تَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا إِلاَّ حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ. وَأَبُو إِسْحَاقَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ. وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ.
المبحث الثاني: ما لا نفس له سائلة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف النفس: النفس: هو الدم، وفي الحديث عن أم سلمة قالت: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ:«أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فقوله: «أَنُفِسْتِ؟» يعني: نزل منكِ الدم بالحيض؟ وكذا النفاس يسمى بذلك لنزول الدم.
المطلب الثاني: طهارة ما لا نفس له سائلة:
ذهب جمهور العلماء إلى أن ما لا نفس له سائلة إذا سقط في الماء فإنه طاهر، وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روى البخاري عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً»
(2)
.
وجه الدلالة ما قاله ابن القيم: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِمَقْلِهِ، وَهُوَ غَمْسُهُ فِي الطَّعَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ لَكَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا أَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ، ثُمَّ عُدِّيَ هَذَا الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالنَّحْلَةِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، إِذِ الْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ التَّنْجِيسِ هُوَ الدَّمَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَفْقُودًا فِيمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ انْتَفَى الْحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ
(3)
.
القول الثاني: أن ما لا نفس له سائلة إذا سقط في الماء نَجَّسَ الماء، وهو قول عند الشافعية
(4)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، فإذا مات الذباب
(1)
«المبسوط» (1/ 51)، و «المدونة» (1/ 115)، و «الأم» (1/ 5)، و «المغني» (1/ 41).
(2)
البخاري (5782).
(3)
«زاد المعاد» (3/ 210).
(4)
«الأم» (1/ 5).
فهو نجس.
قلت: ولكن هذه الآية عامة، وقد استثني من هذه الآية ما لا نفس له سائلة، وحديث غمس الذباب ثم الشرب من الإناء دليل على الطهارة، إذ لو كان نجسًا لأمر بإراقة ما في الإناء، فكما أن إهاب الميتة إذا دُبِغَ فقد طهر؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ، فكذا ما لا نفس له سائلة.
المبحث الثالث: طهارة الهرة، وهي لها نفس سائلة، أو هل ينجس الماء إذا ولغت الهرة فيه؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة سؤر الهرة، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما ورد عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ، عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ»
(2)
.
(1)
«المنتقى» (1/ 62)، و «الأم» (1/ 6)، و «الفروع» (1/ 246).
(2)
أخرجه مالك «الموطأ» (1/ 44)، وأحمد (5/ 303)، وأبو داود (75)، والترمذي (92)، وابن ماجه (367) من طرق عن إسحاق، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم يحيى حميدة عن كبشة به.
قال ابن منده: أم يحيى اسمها حميدة، وخالتها كبشة، لا يُعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلها محل الجهالة.
في «سنن البيهقي» (1/ 245): قال أبو عيسى: سألت محمدًا - يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره. وقال الترمذي «السنن» (1/ 153): هذا حديث حسن صحيح، وهذا أحسن شيء رُوي في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث، عن إسحاق بن عبد الله، ولم يأت أحد أتم من مالك. وقال الدارقطني «العلل» (6/ 163): وأحسنها إسنادًا ما رواه مالك، قال البيهقي: إسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» يدل على طهارة الهرة وسؤرها.
المبحث الرابع: طهارة بدن الحيوان المركوب كالحمار والبغل:
ذهب جمهور العلماء إلى طهارة بدن الحمار والبغل، وبه قال المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8].
فسَخَّر الله الخيل، والبغال، والحمير لتركب، ولا شك أن من ركبها فإنه قد يصاب من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لما أباحها الله لهم.
قال ابن قدامة: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْكَبُهَا، وَتُرْكَبُ فِي زَمَنِهِ، وَفِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا لِمُقْتَنِيهِمَا. فَأَشْبَهَا السِّنَّوْرَ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«إنَّهَا رِجْسٌ» . أَرَادَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ
(2)
. قلت: أي أكلها.
وذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أن الحمار والبغل نجسان
(3)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: إِنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ
(4)
.
واعترض عليه بأن المنهي عنه أكل لحم الحمر، وقوله:«فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أي: أكل لحوم الحمر. أما أبدان الحمر وعرقها فهي طاهرة، وكذا البغال.
(1)
«التاج والإكليل» (1/ 91)، و «المجموع» (2/ 590)، و «الإنصاف» (1/ 342).
(2)
«المغني» (1/ 44).
(3)
«شرح الزركشي» (1/ 142).
(4)
البخاري (4198)، ومسلم (1940).
المبحث الخامس: طهارة دم الكبد والطحال والسمك:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»
(1)
.
قال المرداوي: والكبد والطحال، وهما دمان، ولا خلاف في طهارتهما.
قال الجصاص: لما أباح الله السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه، وقد تلقى المسلمون هذا الخبر بالقبول في إباحة السمك من غير إراقة دمه، وجب تخصيص الآية:{أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} في إباحة دم السمك؛ إذ لو كان محظورًا لما حل دون إراقة دمه، كالشاة وسائر الحيوان ذوات الدماء
(2)
.
المبحث السادس: أنفحة الميتة:
اختلف أهل العلم في أنفحة الميتة إذا أُخذت من حيوان رضيع على قولين:
القول الأول: ذهب أبو حنيفة، ورواية عن أحمد إلى طهارة إنفحة الميتة
(3)
.
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:
(1)
صحيح موقوفًا له حكم الرفع: مدار الحديث على زيد بن أسلم، واختلف عليه في الوقف والرفع: فرواه عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه به، كما عند الشافعي «مسنده» (2/ 173)، وأحمد (2/ 97)، وابن ماجه (3218) وغيرهم، وأخرجه ابن عدي «الكامل» (1/ 388)، والبيهقي (9/ 275) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الرحمن، وعبد الله، وأسامة أبناء زيد بن أسلم، عن أبيه به، وأولاد زيد كلهم ضعفاء، وخالفهم سليمان بن بلال، فرواه عن زيد ابن أسلم، عن ابن عمر موقوفًا عند البيهقي (1/ 254)، قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. وصحح الموقوف الدارقطني «العلل» (1/ 266)، وأبو زرعة وأبو حاتم، وإن كان الصحيح في الحديث الوقف فإن له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي:«أحل لنا» فيحصل الاستدلال بهذه الرواية؛ لأنها في معنى المرفوع، والله أعلم.
(2)
«أحكام القرآن» (1/ 174).
(3)
«البحر الرائق» (1/ 112)، و «الإنصاف» (1/ 92)، و «الفتاوى» (21/ 102).
أما دليلهم من السنة، فعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّمْنِ، وَالْجُبْنِ، وَالْفِرَاءِ قَالَ:«الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ الله فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»
(1)
.
وجه الدلالة: (وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) يدل على أن إنفحة الميتة طاهرة لأنه فيها تحريم. واعترض عليه بأن الحديث لا يصح.
وأما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: ذَكَرْنَا الْجُبْنَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِح الْمَيْتَةِ. فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ وَكُلُوهُ
(2)
.
وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ طَلْحَةَ كَانَ يَضَعُ السِّكِّينَ، وَيَذْكُرُ اسْمَ اللهِ، وَيَقْطَعُ وَيَأْكُلُ
(3)
.
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الإنفحة، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم
(4)
.
(1)
ضعيف: رواه الترمذي (1726)، وابن ماجه (3367) من طريق سيف عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا، والحديث فيه علتان:
الأولى: في إسناده سيف بن هارون: ضعيف.
الثانية: وخالفه سفيان بن عيينة: فرواه عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، ذكره الترمذي (1/ 192)، وقال: وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أُراه محفوظًا، روى سفيان عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث «العلل» (2/ 10)، فقال: رواه الثقات، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، ليس فيه سلمان، وهو الصحيح.
(2)
صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (8/ 100)، عن أبي معاوية عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو به.
(3)
صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (8/ 100)، عن الفضيل بن دُكين، عن عمرو بن عثمان، عن موسى به. وورد عن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن، فقال: لا بأس به، ضع السكين، واذكر اسم الله عليه وكل. أخرجه ابن أبي شيبة (8/ 100)، وهو ضعيف. في إسناده: جحش مجهول.
(4)
«تفسير القرطبي» (2/ 220)، و «روضة الطالبين» (1/ 16)، و «المبدع» (1/ 74).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3].
وكذا استدلوا بما روى ثَوْرُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنْ لَا تَأْكُلُوا مِنَ الْجُبْنِ إِلاَّ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ
(1)
.
واعترض عليه بأنه ضعيف، وقد ثبت عن عمر خلافه.
والراجح: ما قاله شيخ الإسلام: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ وَأَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا فَإِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ
(2)
.
* * *
(1)
ضعيف: أخرجه البيهقي «الكبرى» (10/ 6)، وفي إسناده إبراهيم العقيلي: مجهول. وروى البيهقي بسند حسن، قال ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه: كُلُوا الْجُبْنَ مَا صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ. واعترض عليه بأنه ليس بصريح في المسألة.
(2)
«مجموع الفتاوى» (21/ 103).
القسم الثالث طهارة أشياء غير الإنسان والحيوان
وفيه مبحثان
المبحث الأول: طهارة الخمر.
اختلف العلماء في نجاسة الخمرعلي قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الخمر، وهو قول الأئمة الأربعة
(1)
. واستدلوا بعموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]. فالله وصف الخمر بأنها رجس، أي: نجسة نجاسة حسية.
واعترض عليه من وجوه:
الأول: أن الله قرن بين الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، وإذا كان الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية، عُلم أن الخمر كذلك.
الثاني: أن في الآية قرينة تدل على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية وليست الحسية، وهى قوله:{رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]، وعمل الشيطان ليس حسيًّا، وإنما هو معنوي، أي: إن الشيطان يزين الخمر. وقد دلت آيات من الكتاب العزيز على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية، وهي نجاسة الشرك، قال تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب 33]، وقال تعالى:{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125]، والآيات كثيرة.
الثالث: ما قاله النووي: وَلَا يَظْهَرُ مِنْ الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّجْسَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ
(1)
«فتح القدير» (9/ 31 - 32)، و «المنتقى» (1/ 43)، و «الأم» (1/ 52)، و «المغني» (1/ 49).
الْقَذَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِالِاجْتِنَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّجَاسَةُ
(1)
.
الرابع: عن ابن عباس: قوله: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90].، يقول: سخط
(2)
.
واستدلوا بما روى الطيالسي، عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي بِأَرْضٍ أَهْلُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَكَيْفَ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ فَقَالَ:«دَعُوهَا مَا وَجَدْتُمْ مِنْهَا بُدًّا، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ» - أَوْ قَالَ: «اغْسِلُوهَا، ثُمَّ اطْبُخُوا فِيهَا وَكُلُوا» - قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: «وَاشْرَبُوا»
(3)
.
وجه الدلالة: أن غسل الأواني بسبب أكل لحم الخنزير وشرب الخمر - دليل على نجاستهما.
واعترض عليه بأن لفظة: (يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ) ضعيفة لعلتين:
الأولى: أن أبا قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة.
الثانية: أن الحديث في الصحيحين بدون زيادة أكل لحم الخنزير وشرب الخمر.
واستدلوا بأنه إذا كان حرم بيع الخمر وعدم الانتفاع به، وقد أمر الرسول بإراقتها، فهذا دليل على النجاسة.
واعترض عليه: بأنه لا يشترط أن يكون كل حرام نجسًا، وقد قرن بين تحريم الخمر وتحريم بيع الأصنام، والأصنام ليست نجسة، ولكن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، وهناك بعض الأشياء يحرم بيعها ويجوز الانتفاع بها، كما في الحديث: أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى
(1)
«المجموع» (2/ 582).
(2)
ضعيف: أخرجه الطبري «تفسيره» (7/ 32).
(3)
أخرجه الطيالسي (1014)، ولفظ الصحيحين: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا
…
».
بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ:«لَا، هُوَ حَرَامٌ» . أي: البيع حرام، أما الانتفاع بالميتة في طلي السفن والاستصباح، ودهن الجلود، وغير ذلك من وجوه الانتفاع فمباح.
القول الآخر: أن الخمر طاهرة، وبه قال ربيعة، وبعض الشافعية، وداود
(1)
.
واستدلوا بأن الأصل طهارة الشيء، والنجاسة تحتاج إلى دليل يقتضي نجاسة الخمر، والأدلة التي ذكروها تدل على تحريم الخمر، وليس فيها دليل صحيح صريح على نجاسة الخمر، والسم محرم الأكل وليس نجسًا.
وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا. فَخَرَجْتُ، فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ»
(2)
ولو كانت الخمر نجسة لما سُكبت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التخلي في طريق الناس، ولم يرد أنهم غسلوا الأواني ولو كانت الخمر نجسة لغُسلت الأواني بعد إراقتها.
والراجح: أن الأصل في الأعيان الطهارة، ولم يأت دليل صحيح صريح يفيد نجاسة الخمر، والأدلة التي وردت تفيد تحريم الخمر، وعدم الانتفاع بها، وعدم بيعها وليس فيها ما يفيد النجاسة.
المبحث الثاني: طهارة الطِّيب الذي فيه كحول.
إذا كان الطيب فيه كحول وإذا شُرب يسكر؛ فإنه يحرم استعماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» .
«كُلُّ مُسْكِرٍ» يشمل كل مسكر، سواء كان من العطور أو العنب أو غيرهما.
وقد أمر الله باجتناب الخمر، فلا يجوز الانتفاع بها بأي وجه من وجوه الانتفاع.
(1)
«الجامع لأحكام القرآن» (6/ 288)، و «المجموع» (2/ 581)، ورجحه الشوكاني كما في «السيل الجرار» (1/ 35)، والصنعاني «سبل السلام» (1/ 61).
(2)
البخاري (2464)، ومسلم (3662).
الفصل الثالث تطهير النجاسات
وفيه تمهيد وتسعة مباحث
تمهيد: حكم إزالة النجاسة أو هل تصح العبادات لو كان الإنسان ملتبسًا بالنجاسة؟
المبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء، وفيه ثمانية مطالب.
المبحث الثاني: تطهير الإناء من ولوغ الكلب.
المبحث الثالث: تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض.
المبحث الرابع: تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة.
المبحث الخامس: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة والسكين بالمسح.
المبحث السادس: تطهير جلد الميتة بالدباغ.
المبحث السابع: التطهير بالدلك.
المبحث الثامن: التطهير بالاستحالة.
المبحث التاسع: الأسآر.
التمهيد: حكم إزالة النجاسة
يختلف حكم إزالة النجاسة من عبادة إلى أخرى، فهناك عبادات لا يشترط لها إزالة النجاسة، فذكرِ الله لا يجب له الطهارة؛ فعن عائشة رضي الله عنهما قالت:(كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللهَ عز وجل عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنهما حين حاضت: «افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» . فالحائض تفعل كل مناسك الحج من وقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي، وتُكثر من ذكر الله، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر. أما الصلاة فيشترط لها الطهارة من الحدثين، وكذا الطواف.
المبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء: وفيه ثمانية مطالب:
الأصل في تطهير النجاسات الماء، فالماء يطهر البدن بالاستنجاء، والمذي، والودي بالغسل، وكذا الثوب والبقعة وغير ذلك.
المطلب الأول: حكم النية للاستنجاء.
نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية
(1)
.
المطلب الثاني: الاستنجاء من البول والغائط.
قد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على نجاسة البول والغائط، ومنهم ابن عبد البر، وابن رشد، وابن المنذر، والطحاوي
(2)
، وغيرهم.
وأجمع العلماء على جواز الاستجمار
(3)
، ودلت على ذلك النصوص المستفيضة.
(1)
«تفسير القرطبي» (5/ 213)، و «المجموع» (1/ 354) وغيرهما.
(2)
«التمهيد» (9/ 109)، و «بداية المجتهد» (2/ 175)، و «الإجماع» (34)، و «شرح معاني الآثار» (1/ 109).
(3)
«مجموع الفتاوى» (22/ 167).
المطلب الثالث: لا يستنجى من الريح:
قال النووي: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَالنَّوْمِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَالذَّكَرِ، وَحُكى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ، وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ
(1)
.
قال ابن قدامة: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ اسْتِنْجَاءٌ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا
(2)
.
المطلب الرابع: هل يستنجى من الحصاة والدود؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن الحصاة والدود إذا خرج ناشفًا، فإنه لا يستنجى منه؛ لأن الاستنجاء شُرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا، والحصاة إذا كانت طاهرة وخرجت ناشفة، فهي تشبه الريح، والريح لها رائحة منتنة، فإذا كان لا يستنجى منه فالحصاة الناشفة أَوْلَى.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عن الشافعية، وبعض الحنابلة
(3)
.
وذهب الشافعية في قول، والحنابلة في المشهور عنهم إلى أنه يشرع الاستنجاء؛ لأنه خارج من مخرج الغائط
(4)
.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أنه لا يجب الاستنجاء إذا خرجت الحصاة ناشفة.
المطلب الخامس: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن
(5)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ
(1)
«المجموع» (2/ 113).
(2)
«المغني» (1/ 100).
(3)
«البحر الرائق» (1/ 252)، و «حاشية الدسوقي» (1/ 113)، و «روضة الطالبين» (1/ 17)، و «المغني» (1/ 100).
(4)
«مغني المحتاج» (1/ 46)، و «المغني» (1/ 100)
(5)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 345)، و «الفواكه الدواني» (1/ 132)، و «روضة الطالبين» (1/ 72)، و «الإنصاف» (1/ 110).
الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ
…
(1)
.
قولها: (حَتَّى إِذَا ظَنَّ)، دل ذلك على غلبة الظن، وغسل الجنابة طهارة.
واعترض عليه بأن الظن يأتي بمعنى اليقين: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20].
وأجيب عليه: بأن (ظن) تفيد اليقين بقرينة، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ولا توجد قرينة هنا.
وذهب بعض الحنفية، وقول عند الحنابلة إلى أنه لا بد من اليقين في الاستنجاء
(2)
.
واستدلوا بماروى مسلم عن ابن عباس {: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ»
(3)
. فإن كان هذا الرجل يعذب لأنه كان لا يستنزه من بوله كان لا بد من اليقين عند قضاء الحاجة أنه تطهر.
واعترض عليه بأن معنى الحديث: بأنه لا يهتم بالاستنجاء، أما إذا غلب على ظنه أنه أنقى المحل فقد تطهر، والله يقول:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقد تؤدي كثرة الاستنجاء إلى الوسوسة.
فالراجح: أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن، والله أعلم.
المطلب السادس: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء.
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصح الوضوء قبل الاستنجاء، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة
(4)
.
(1)
البخاري (273)، ومسلم (316).
(2)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 345)، و «الإنصاف» (1/ 110).
(3)
مسلم (292).
(4)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 123)، والخرشي (1/ 141)، و «المهذب» (1/ 27)، و «الإنصاف» (1/ 115). والمشهور عند الحنابلة أنه لا يصح الوضوء قبل الاستنجاء.
واستدلوا بأن من توضأ ثم لف على يده خرقة حتى لا يمس فرجه واستنجى، فإن طهارته صحيحة.
واستدلوا بما روى البخاري عن علي، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ»
(1)
.
واعترض عليه: بأنه وردت عند مسلم «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ»
(2)
.
ثم إن الواو لا تقتضي الترتيب، والأصل هو الاستنجاء قبل الوضوء، ولو توضأ ثم لف على يده خرقة واستنجى من غير أن يمس ذكره، فهو جائز على قول جماهير أهل العلم.
قال الحافظ: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر ولكن من يقول بمسه يشترط أن يكون ذلك بحائل.
والسنة أن يستنجى قبل الوضوء ليخرج من الخلاف، وليأمن من عدم انتقاض طهره
(3)
.
المطلب السابع: نَضْح الماء على الفرج والسراويل بعد الوضوء:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب نضح الفرج أو السراويل بشيء من الماء
(4)
.
واستدلوا بما ورد عَنْ أَبِي الْحَكَمِ، أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ»
(5)
.
(1)
البخاري (269).
(2)
مسلم (303).
(3)
«المجموع» (2/ 127).
(4)
«البحر الرائق» (1/ 253)، «التاريخ والإكليل» (1/ 282)، و «المجموع» (2/ 130)، و «الفروع» (1/ 122)، و «الإنصاف» (1/ 109)، و «المغني» (1/ 103).
(5)
ضعيف: مدار هذا الحديث على الحَكَم واختلف عليه ألوانًا:
فرواه أحمد (3/ 410) وغيره من طرق (شعبة، وأبي عوانة، وجرير) عن منصور عن الحكم ابن سفيان أو أبي الحكم بن سفيان، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عبد الرزاق (586، 587) وأحمد (4/ 179) وغيرهما من طرق (معمر، والثوري) وغيرهما عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو سفيان بن أبي الحكم مرفوعًا.
ورواه الطيالسي (1268) وغيره عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم، عن أبيه مرفوعًا.
ورواه أبو داود (167) من طريق زائدة عن منصور، عن مجاهد عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه.
وأخرجه الحاكم (609) من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن رجل عن أبيه.
وصحح أبو زرعة عن مجاهد عن الحكم. ورجح أبو حاتم عن الحكم عن أبيه كما في «العلل» (1/ 46). وقال البخاري «التاريخ الكبير» (2/ 329): وقال بعض ولد الحكم بن سفيان: لم يدرك الحكم النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا تصريح من أهل بيته أن الحكم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم.
فالحاصل أن هذا الحديث مضطرب قاله الترمذى ورجح أبو حاتم وغيره طريق الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم والحكم لم يدرك النبى صلى الله عليه وسلم فالحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
وفي الباب أحاديث كحديث أبي هريرة وعمار وابن عباس وأسامة بن زيد، ولكن لا تصح.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبالتالي لا يستحب نضح الفرج بعد الوضوء لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على نضح الفرج بعد الوضوء والأصل براءة الذمة، والله أعلم.
المطلب الثامن: إذا تجاوز الخارج موضع العادة هل لا بد من الاستنجاء أم يكفي الاستجمار؟
ذهب جمهور العلماء
(1)
إلى أن الغائط إذا تجاوز الحد المعتاد فإن الحجارة لا تجزئ لأنها لا تنقي، ويتعين الماء الطهور.
أما الحنفية فقالوا: يكفي بكل مائع مزيل
(2)
.
والراجح: أن النجاسة تُزال بأي مزيل بالماء أوبالحجارة أوبالمناديل وغيرذلك، ويُشترط أن تُزال عين النجاسة، والأفضل هو الماء لأنه أفضل في الإنقاء، وقد تكون المناديل الورقية أفضل من الأحجار، وإذا تعذر استخدام الماء، فالأحجار تجزئ إذا كانت تنقي، والأمر على حَسَب الاستطاعة.
قال شيخ الإسلام: ويجزي الاستجمار ولو بواحدة في الصفحتان والحشفة وغير ذلك
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 339)، و «مواهب الجليل» (1/ 285)، و «الأم» (1/ 22)، و «المجموع» (2/ 142)، و «المبدع» (1/ 89)، و «الإنصاف» (1/ 105).
(2)
«البحر الرائق» (1/ 254).
لعموم الأدلة بجواز الاستجمار، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك تقدير
(1)
.
المبحث الثاني: تطهير الإناء من ولوغ الكلب.
روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» .
المبحث الثالث: تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض:
في الصحيحين من حديث أسماء رضي الله عنهما قالت: إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال صلى الله عليه وسلم:«تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقُرُضُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصلي فِيهِ»
(2)
.
المبحث الرابع: تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة.
لتطهير الأرض التي أصابتها النجاسة وجهان:
الوجه الأول: صَبُّ الماء عليها؛ لما ورد في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»
(3)
.
الوجه الثاني: جفاف الأرض: روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ قال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ
(4)
.
قال الحافظ ابن حجر: وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: «لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى،
(1)
الاختيارات (ص: 90).
(2)
البخاري (227)، ومسلم (110 - 291).
(3)
البخاري (220).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (382)، وقد سبق تخريجه.
فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ»
(1)
.
المبحث الخامس: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف، والمرآة والسكين بالمسح:
وذلك لأن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، وكذلك فإن الصحابة} كانوا يقاتلون، وكان يصيب سيوفهم الدم، ولم يُنقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بغسلها. وكذا فالأجسام الصقيلة ليس فيها مسام؛ فلا تدخل فيها النجاسة، فإذا مُسحت طهرت.
المبحث السادس: تطهير جلد الميتة بالدباغ:
روى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:«أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»
(2)
.
قال أبو داود: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ، فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَه: إِهَابٌ، إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا وَقِرْبَةً
(3)
.
قال الجوهري: والإهاب: الجلد ما لم يُدبغ
(4)
.
المبحث السابع: التطهير بالدلك::
عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ»
(5)
.
قال الخطابي: قال مالك: إن الأرض يُطهر بعضها بعضًا، إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يُطهر بعضها، فأما النجاسة مثل البول ونحوه
(1)
«فتح الباري» (1/ 279).
(2)
مسلم (105)(366).
(3)
«السنن» (1/ 371، 372).
(4)
«الصحاح» (1/ 89).
(5)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (6/ 435).
يصيب الثوب أو بعض الجسد، فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل، وهذا إجماع
(1)
.
المبحث الثامن: التطهير بالاستحالة:
قال ابن القيم: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَطَهَارَةُ الْخَمْرِ بِالِاسْتِحَالَةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ لِوَصْفِ الْخُبْثِ، فَإِذَا زَالَ الْمُوجِبُ زَالَ الْمُوجَبُ، وَهَذَا أَصْلُ الشَّرِيعَةِ فِي مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا بَلْ وَأَصْلُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ إذَا اسْتَحَالَتْ، وَقَدْ نَبَشَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ التُّرَابَ، وَقَدْ أَخْبَرَ الله سُبْحَانَهُ عَنْ اللَّبَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ، حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ إذَا سُقِيَتْ بِالْمَاءِ النَّجَسِ ثُمَّ سُقِيَتْ بِالطَّاهِرِ حَلَّتْ لِاسْتِحَالَةِ وَصْفِ الْخُبْثِ وَتَبَدُّلِهِ بِالطَّيِّبِ، وَعَكْسُ هَذَا أَنَّ الطَّيِّبَ إذَا اسْتَحَالَ خَبِيثًا صَارَ نَجَسًا كَالْمَاءِ وَالطَّعَامِ إذَا اسْتَحَالَ بَوْلًا وَعَذِرَةً، فَكَيْفَ أَثَّرَتِ الِاسْتِحَالَةُ فِي انْقِلَابِ الطَّيِّبِ خَبِيثًا وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي انْقِلَابِ الْخَبِيثِ طَيِّبًا؟! وَاَلله تَعَالَى يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنْ الْخَبِيثِ وَالْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَصْلِ، بَلْ بِوَصْفِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ
(2)
.
قال شيخ الإسلام: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ لَكِنْ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ، وَاَلله تَعَالَى يَخْلُقُ أَجْسَامَ الْعَالَمِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَيُحِيلُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَهِيَ تُبَدَّلُ مَعَ الْحَقَائِقِ لَيْسَ هَذَا هَذَا
(3)
.
(1)
«معالم السنن» (1/ 102).
(2)
«إعلام الموقعين» (1/ 445).
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 608).
المبحث التاسع: الأسآر، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سؤر الآدمي:
سؤر الآدمي طاهر، سواء كان محدثًا أو غير محدث، وسواء كان رجلًا أو امرأة، دل على ذلك النصوص المستفيضة، وقد كان الصحابة} يشرب بعضهم من سؤر بعض، ولو كان سؤر الآدمي نجسًا لبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
في الصحيحين عن أَنَسِ رضي الله عنه: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ لَبَنًا، وَأَتَى دَارَهُ، فَحَلَبْتُ شَاةً، فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ البِئْرِ، فَتَنَاوَلَ القَدَحَ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ:«الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ»
(1)
.
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ
(2)
.
وسؤر الكافر طاهر؛ لأن الله أباح طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم، والأكل من آنيتهم. وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان جنبًا فاغتسل من ذلك الماء.
المطلب الثاني: طهارة سؤر ما يؤكل لحمه:
قال ابن قدامة: أجمع الفقهاء على طهارة سؤر ما يؤكل لحمه
(3)
.
المطلب الثالث: طهارة سؤر الهرة:
عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ، أَنَّهَا صَبَّتْ لِأَبِي قَتَادَةَ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بْنَةَ أَخِي أَتَعْجَبِينَ؟ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ أَوالطَّوَّافَاتِ» .
(1)
البخاري (5619)، ومسلم (2029).
(2)
مسلم (300).
(3)
«المغني» (1/ 45)، وقال ابن المنذر «الإجماع» (ص: 34): وأجمعوا على أن سؤر ما أُكل لحمه طاهر، ويجوز شربه والوضوء به.
خلاصة ما ورد في النجاسات
المبحث الأول: تعريف النجاسة في الشرع: هي قذر مخصوص وهي ما يمنع من الصلاة كالبول والغائط.
المبحث الثاني: أقسام النجاسات:
القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي:
المخرج الأول: خروج الغائط من الدبر. نجس بالإجماع، ولعموم قوله تعالى:{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6].
المخرج الثاني: النجاسة التي تخرج من القُبل كالبول والمذي والودي
1 -
نجاسة البول: بول الآدمي الكبير نجس بالإجماع، وبول الصبي الصغير نجس عند الجمهور، وبعض الحنابلة والظاهرية يقول بطهارة بول الصبي الصغير الذي لم يأكل الطعام.
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نضح من بول الصبي الرضيع ولم يغسله.
واعترض عليه بأن التخفيف في تطهير النجاسة لا يدل علي الطهارة فثوب المرأة الطويل إذا أصابه نجاسة يطهره ما بعده من التراب، وقيل: إن هذا تخفيف في رش الماء من بول الصبي دون الجارية لكثرة حمل الذكران لفرحهم بهم.
2 -
نجاسة المذي: أجمعت الأمة على نجاسة المذي وهو الذي يخرج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ ابْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» .
3 -
نجاسة الودي: وهو ماء أبيض يخرج عقيب البول، وحكمه حكم البول فهو يخرج
عقباه ويجري مجراه فهو نجس بالإجماع.
4 -
خروج دم الحيض من فرج المرأة نجس بالإجماع.
5 -
الدم المسفوح نجس لعموم قوله تعالى: {قلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] أي نجس.
المخرج الثالث: خروج البول والغائط من غير السبيلين نجس لعموم قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43].
القسم الثاني: نجاسة الحيوان غير الأنسان:
1 -
نجاسة لعاب الكلب: لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» . يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، فإذا كان الماء ينجس بلعاب الكلب، فلعابه نجس.
2 -
نجاسة الخنزير: نقل ابن المنذر إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، ودل على ذلك عموم قوله تعالى:{أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145].
3 -
ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير.
واستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ» ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع.
4 -
نجاسة الميتة: نُقل الإجماع على نجاسة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية.
5 -
والجلالة: هي التي تأكل العَذِرة، من الإبل، والغنم، والدجاج، وغيرها، حتى يتغير ريحها، فإن حُبست بعيدة عن العذرة زمنًا وعُلفت طاهرًا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها، حلت؛ لأن علة النهي قد زالت.
الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها
القسم الأول: طهارة الآدمي، وفيه:
1 -
طهارة المسلم سواء كان محدثًا أو غير محدث لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» .
2 -
طهارة بدن المشرك: لعموم قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 3] فإذا كان طعامهم حِلًا لنا لزم من ذلك طهارة أيديهم التي يباشرون بها الطعام، وإذا كان يجوز للمسلم الزواج بالعفيفة من أهل الكتاب وبالطبع يباشر جسدها ويصاب من عرقها، ولو كان المشرك نجس البدن لما ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال، بسارية في المسجد وهو لا يزال مشركا فدل ذلك على طهارة بدن المشرك، أما المراد من قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} فهو نجاسة معنوية، أي نجاسة الشرك، وأنه لو تشهد بالشهادتين صار طاهرًا بإيمانه لأن المؤمن لا ينجس.
3 -
طهارة المني: لعموم قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]. وإذا كان مبتدأ خلق بني آدم ومنهم الأنبياء والرسل فهل يكون أصل هؤلاء نجسًا، وصح عن ابن عباس رضي الله عنه قال:«الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ» قلت: وإذا كان المخاط طاهرًا فكذا المني. والله أعلم.
4 -
طهارة رطوبة فرج المرأة: قال ابن عابدين: وأما رطوبة الفرج الخارج فطاهرة اتفاقًا. ولو كانت رطوبة فرج المرأة نجسة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ولنقله لنا أمهات المؤمنين، فلما لم يرد ذلك علم طهارة رطوبة الفرج.
5 -
طهارة اللبن: فلَّبن المرأة طاهر بالإجماع، وكذا لبن مأكول اللحم، قال تعالى ممتنًا على عباده:{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [المائدة: 66].
6 -
طهارة القيء: أن القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، ولو كان هذا
القيء نجسًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، ونقله لنا أمهات المؤمنين وصحابة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الفعل يكثر ويتكرر وقوعه، فلما لم يُحفظ دليل على نجاسته عُلم أنه طاهر، إذ إن الأصل الطهارة، والله أعلم.
القسم الثاني: أنواع الحيوان الطاهر:
1 -
طهارة الحيوان مأكول اللحم: وقد نقل ابن حزم الإجماع على طهارة لحمه.
2 -
طهارة الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم.
3 -
طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَر بعض المرضى بالشرب من أبوال الإبل. فهذا يدل على طهارتها، وطاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير وقد يبول البعير أثناء الطواف، ولو كان بوله وروثه نجسًا لما أدخله النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، والحمَام يسكن في المسجد الحرام من غير نكير مع أنه يبول.
4 -
طهارة ما لا نفس له سائلة: لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» .
5 -
ذهب جمهور العلماء إلى طهارة سؤر الهرة: لعموم ما ورد عن أبي قتادة أنه أصغى الإناء للهرة حتى شربت منه ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» .
6 -
طهارة بدن الحيوان المركوب كالحمار والبغل: لعموم قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [المائدة: 8]. فسَخَّر الله الخيل، والبغال، والحمير لتُركب، ولا شك أن من ركبها فإنه قد يصاب من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لما أباحها الله لهم.
7 -
طهارة دم الكبد والطحال والسمك: لعموم قول ابْنِ عُمَرَ، «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» .
8 -
إنفحة الميتة طاهرة. وهل الخمر نجسة؟ الأصل في الأعيان الطهارة ولم يأت دليل صحيح صريح يدل على نجاسة الخمر، والأدلة التي وردت تفيد تحريم الخمر وعدم الانتفاع بها وغير ذلك، وليس فيها ما يفيد النجاسة، والله أعلم.
الفصل الثالث: تطهير النجاسات
1 - حكم ازالة النجاسة:
هناك عبادات يشترط لها إزالة النجاسة كالصلاة، وهناك عبادات لا يشترط لها إزالة النجاسة كالذكر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.
2 - الأصل في تطهير النجاسات الماء،
فالماء يطهر البدن بالاستنجاء وكذا يُطَهِّر من المذي والودي بغسل، ويُطَهّر الثوب والمكان وغير ذلك.
3 - تطهير الإناء من ولوغ الكلب:
لما روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» .
4 - تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض:
في الصحيحين من حديث أسماء رضي الله عنهما قالت: إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال صلى الله عليه وسلم:«تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقُرُضُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصلي فِيهِ» .
5 - تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة:
لتطهير الأرض التي أصابتها النجاسة وجهان: الوجه الأول: صَبُّ الماء عليها؛ لما ورد في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» .
الوجه الثاني: جفاف الأرض: روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ قال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
6 - تطهير جلد الميتة بالدباغ:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:«أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» .
7 - التطهير بالدلك:
فعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ» .
8 - التطهير بالاستحالة:
قال شيخ الإسلام: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ لَكِنْ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ، وَاَلله تَعَالَى يَخْلُقُ أَجْسَامَ الْعَالَمِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَيُحِيلُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَهِيَ تُبَدَّلُ مَعَ الْحَقَائِقِ لَيْسَ هَذَا هَذَا.
* * *
الباب الثالث: الآنية
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: حكم استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروز وغيرهما
إلا الذهب والفضة.
المبحث الثاني: الآنية المتخذة من الذهب والفضة، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.
المطلب الثاني: حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.
المطلب الثالث: حكم الطهارة في أواني الذهب والفضة.
المطلب الرابع: حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة.
المطلب الخامس: حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب.
المطلب السادس: حكم الإناء المضبب بالفضة.
المبحث الثالث: في طهارة آنية الكفار.
المبحث الرابع: الآنية المتخذة من الميتة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأواني المتخذة من جلود الميتة.
المطلب الثاني: حكم الأواني المتخذة من عظام الميتة وقرنها.
المطلب الثالث: حكم الأواني المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها.
المبحث الأول حكم استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروز وغيرهما إلا الذهب والفضة
حُكي الإجماع على جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة غير الذهب والفضة.
قال ابن حجر: وَقد نَقَل ابن الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ بَعْدَهُ
(1)
.
قلت: ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد حدث خلاف في المسألة.
وهذا القول ذهب إليه الحنفية والمشهور عند المالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بأن الأصل في الأشياء الإباحة، دل على الأصل عموم قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، وقوله:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 29].
قال ابن حزم: فَصَحَّ أن كل مسكوت عن ذكره بتحريم أو أمر فهو مباح
(3)
.
وقال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 129].
قال بعض المالكية: وحكى قولًا في مذهب الشافعية أنه يحرم الأكل والشرب وسائر الاستعمال في الأواني النفيسة
(4)
.
(1)
«فتح الباري» (10/ 100).
(2)
«البناية» (1/ 82)، و «الشرح الكبير» للدسوقي (1/ 64)، و «المجموع» (1/ 308)، و «الإنصاف» (1/ 79).
(3)
«المحلى» (2/ 224).
(4)
«مواهب الجليل» (1/ 129)، و «المجموع» (1/ 308).
واستدلوا بأنه إذا كانت العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فهي محرمة، فمن باب أَوْلى هذه الأواني النفيسة التي هي أغلى ثمنًا من الذهب والفضة.
واعترض عليه بأن هذه الأواني من الياقوت والزبرجد نادرة ولا يعرفها إلا خواص الناس، والحكم للغالب.
والراجح: جواز استعمال الأواني النفيسة من الزبرجد والياقوت غير الذهب والفضة.
* * *
المبحث الثاني الآنية المتخذة من الذهب والفضة
وفيه ستة مطالب
المطلب الأول: حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة:
حكى الإجماع على تحريم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.
واعترض عليه بأن هذا الإجماع منخرم فقد ورد خلاف في المسألة
(1)
.
ولكن ذهب إلى التحريم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إن الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ- إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»
(3)
.
(1)
فقد ورد قول للشافعي في القديم كما في «المجموع» (1/ 302)، ورواية عن أحمد كما في «الإنصاف» (1/ 80) على أن النهي عن الأكل والشرب للكراهة.
واعترض عليه بأن هذا الوعيد الشديد يدل على التحريم بلا شك، وذهب داود الظاهري إلى أنه يحرم الشرب خاصة دون الأكل.
(2)
«البحر الرائق» (1/ 210)، و «التمهيد» (16/ 104)، و «الأم» (1/ 10)، و «الإنصاف» (1/ 97).
(3)
مدار الحديث على نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة. وقد اختلف على نافع في متنه: فرواه علي بن مسهر عن نافع به عند مسلم (2065) بذكر الأكل والذهب، وتابع علي بن مسهر أبو أسامة كما عند ابن أبي شيبة «المصنف» (5/ 103). وخالفهما جماعة من الثقات الأثبات عن نافع بلفظ:«الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» بدون ذكر الأكل والذهب، منهم: مالك كما في «الموطأ» (2/ 924)، والبخاري (5634)، ومسلم (2065)، والليث بن سعد عند مسلم (2065)، ويحيى بن سعيد القطان عند مسلم (2065)، وأيوب السختياني، ومحمد بن بشر، وموسى بن عقبة عند مسلم (2065)، وجرير بن حازم عند أحمد (6/ 304)، وصخر بن جويرية عند الطيالسي (1601)، وإسماعيل بن أمية عند النسائي «الكبرى» (6874)، وغيرهم. فدل ذلك أن ذكر الأكل. قال البيهقي: وذكر الأكل والذهب غير محفوظ في غير رواية عليِّ بن مسهر.
واعترض عليه بأن ذكر الأكل والذهب ليس محفوظًا من حديث أم سلمة، وأن المحفوظ ما ورد في الصحيحين عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» .
واستدلوا بما روي عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ»
(1)
.
المطلب الثاني: حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.
نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كالادهان والتطيب والوضوء وغيرها من سائر الاستعمالات.
فقال ابن عبد البر: وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ لَا يُجِيزُونَ اسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي مِنَ الذَّهَبِ، كَمَا لَا يُجِيزُونَ
(1)
مدار الحديث على عبد الرحمن بن أبي ليلى:
1 -
فرواه مجاهد عن عبد الرحمن عن حذيفة مرفوعًا به، وانفرد مجاهد من وجه عنه بذكر الأكل، أي:«وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا» ، واختلف على مجاهد، فرواه سيف بن أبي سليمان عند البخاري (5426)، ومسلم (2067)، وابن أبي نجيح عند البخاري (5837)، ومسلم (2067)، ومنصور عند مسلم (2067) ثلاثتهم عن مجاهد به بذكر الأكل مع الشرب، ورواه عبد الله بن عون عند البخاري (5633)، ومسلم (2067)، وأبو بشر عند ابن ماجه (3414) بالاقتصار على ذكر الشرب.
2 -
عن الحكم بن أبي ليلى بدون ذكر الأكل عند البخاري (5623)، ومسلم (2067).
3 -
عن يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى بدون ذكر الأكل عند مسلم (2067).
4 -
أخرجه البزار (7/ 287) من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بدون ذكر الأكل.
أما طريق عبد الله بن حكيم فقد رواه مسلم (2067) بدون ذكر الأكل.
ذَلِكَ مِنَ الْفِضَّةِ
(1)
.
وقال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا
(2)
(3)
.
قلت: ورد خلاف في المسألة: قال الشوكاني: وَأَمَّا حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَتِمُّ مَعَ مُخَالَفَةِ دَاوُدَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ
(4)
.
فالصحيح أن هذا قول الجمهور وليس في المسألة إجماع.
واستدلوا لذلك بأن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة محرم، وعلة التحريم هي السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، ويقاس عليه سائر الاستعمال؛ لأن العلة في تحريم الأكل والشرب موجودة في الاستعمال.
وذهب الصنعاني
(5)
والشوكاني
(6)
إلى أنه لا يحرم إلا الأكل والشرب؛ لأن الأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، دل ذلك على أن ما عداهما جائز، ولو كان الاستعمال حرامًا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان ربك نسيًّا.
(1)
«التمهيد» (16/ 105)، و «الاستذكار» (26/ 270).
(2)
«المغني» (1/ 101).
(3)
وممن نقل الإجماع ابن مفلح كما في «المبدع» (1/ 66).
(4)
«نيل الأوطار» (1/ 67). قال النووي «المجموع» (1/ 306) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ وَإِلَّا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وقال ابن مفلح «الفروع» (1/ 97): إن التحريم هو قول الجمهور مما يدل على أنه لا إجماع في الباب. وقال الحافظ ابن حجر «فتح الباري» (10/ 100). فيما نقله عن القرطبي: في الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَيُلْحَقُ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْلُ التَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَأَغْرَبَتْ طَائِفَةٌ شَذَّتْ فَأَبَاحَتْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ التَّحْرِيمَ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
(5)
«سبل السلام» (1/ 63).
(6)
«نيل الأوطار» (1/ 67).
واعترض عليه بأن ذكر الأكل والشرب لا يدل على التخصيص؛ لأنه خرج مخرج الغالب وأن الله حرم الأكل والشرب لأنه نوع من الاستعمال، ولهذا شواهد: قال تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10]، وليس المحرم أكل مال اليتيم فقط ولكن المحرم سائر الاستعمالات، وذِكْر بعض أفراد العام لا يخصصه.
فالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، وذكر بعض أفراد العام لا يخصصه.
المطلب الثالث: حكم الطهارة في آنية الذهب والفضة.
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الطهارة في آنية الذهب والفضة صحيحة مع الإثم، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد
(1)
.
واستدلوا لذلك بأن حقيقة الوضوء هو جريان الماء على الأعضاء فليس هذا بمحرم، كما أنه لو أكل في إناء الذهب لم يكن المأكول حرامًا، إنما المحرم إناء الذهب، فكذا الطهارة.
قال الشافعي: وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي شَرِبَ وَلَا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ فِيهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَكَانَ الْفِعْلُ مِنْ الشُّرْبِ فِيهَا مَعْصِيَةً، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُنْهَى عَنْهَا وَلَا يَحْرُمُ الْمَاءُ فِيهَا؟ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللهُ-: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إنَّمَا نَهَى عَنْ الْفِعْلِ فِيهَا لَا عَنْ تِبْرِهَا، وَقَدْ فُرِضَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَتَمَوَّلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا لَمْ يَتَمَوَّلْهَا أَحَدٌ وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا
(2)
.
القول الثاني: لا تصح الطهارة في آنية الذهب والفضة، وهو قول في مذهب المالكية ورواية عند الحنابلة، وبه قال داود الظاهري
(3)
.
(1)
«البحر الرائق» (8/ 211)، و «مواهب الجليل» (1/ 506)، و «المجموع» (1/ 307)، و «المغني» (1/ 58).
(2)
«الأم» (1/ 23).
(3)
«الفواكه الدواني» (2/ 319)، و «المغني» (1/ 58)، و «المجموع» (1/ 307)، و «المحلى» (1/ 208).
واستدلوا بأنه لما حرم استعمال الإناء كان التطهر به معصية، دل ذلك على أنه لا يجزئ التطهر منه.
واعترض عليه: بأنه لا تلازم بين التحريم والصحة إلا إذا كان في ركن العبادة أو شرطها، أما إذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، كما لو صلى رجل وفي يده خاتم ذهب فهو محرم ويأثم مع صحة الصلاة.
قال شيخ الإسلام: وَالْإِنَاءُ فِي الطَّهَارَةِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا؛ فَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا
(1)
.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة الطهارة مع الإثم، والنهي عن استعمال الآنية لم يكن عائدًا للوضوء وإنما هو لأمر خارج، والله أعلم.
المطلب الرابع: حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة.
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة في المشهور عنهم
(2)
.
استدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» ، مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، دل ذلك على تحريم الاتخاذ والاستعمال للمؤمنين في الدنيا
(3)
، وإذا كانت العلة في الاستعمال السرف والخيلاء فهي موجودة في الاتخاذ
(4)
، والاتخاذ ذريعة للاستعمال.
قال ابن عبد البر: مَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَهَا لَا يَسْلَمُ مِنْ بِيعَهَا أَوِ اسْتِعْمَالِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَأْكُولَةً وَلَا مَشْرُوبَةً، فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا غَيْرَ اسْتِعْمَالِهِ
(5)
.
(1)
«الفتاوى الكبرى» (1/ 438).
(2)
«الاستذكار» (26/ 270)، و «المجموع» (1/ 308)، و «الإنصاف» (1/ 97).
(3)
«المنتقى» (7/ 236) للباجي.
(4)
«المجموع» (1/ 308).
(5)
«الاستذكار» (26/ 270).
وذهب الحنفية وقول عند المالكية وبعض أصحاب الشافعي ورواية عند أحمد
(1)
إلى جواز اتخاذ أواني الذهب والفضة.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين أن حذيفة رضي الله عنه اقْتَنَى إِنَاءٍ مِنْ الفِضَّةٍ.
واستدلوا بأن الأحاديث وردت بتحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، والاتخاذ غير ذلك فلا يدخل في هذه النصوص.
واستدلوا بجواز اتخاذ أواني الفضة بالقياس على جواز اتخاذ ثياب الحرير.
واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق فإن ثياب الحرير إذا كانت محرمة للرجال فقد أبيحت للنساء، أما تحريم آنية الذهب والفضة فمحرمة على النساء والرجال.
فالراجح: حرمة اتخاذ أواني الذهب والفضة؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا» مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، وإذا كانت العلة في الاستعمال هي السرف والخيلاء فهو موجودة في الاتخاذ، وإذا رآها الفقير فقد ينكسر قلبه فهو لا يجد ما يسد جوعته ويواري سوءته وهذا الغني يتخذ هذه الأواني، والله أعلم.
المطلب الخامس: حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: بجواز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، وهو قول أبي حنيفة وبعض المالكية وقول عند الشافعية، وبعض الحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بأن المحرم هو آنية الذهب والفضة، والمضبب بالذهب لا يطلق عليه إناء ذهب.
(1)
«حاشية ابن عابدين» (6/ 342)، و «حاشية الصاوي» (1/ 26)، و «المجموع» (1/ 308)، و «الإنصاف» (1/ 80).
(2)
«بدائع الصنائع» (5/ 132)، و «مواهب الجليل» (1/ 129)، و «المجموع» (1/ 312)، و «المغني» (1/ 59).
واستدلوا بالقياس، فكما أنه يحرم على الرجل لبس الحرير وأبيح إن كان يسيرًا وكان تابعًا، فكذا المضبب بالذهب إذا كان كذلك. وكما أنه يحرم إناء الفضة وإذا كان مضببًا جاز، فكذا الذهب.
واعترض عليه بأن النص أباح المضبب بالفضة، والفضة أقل ثمنًا من الذهب وأوسع ولذا أبيح الخاتم من الفضة.
القول الثاني: يحرم التضبيب بالذهب، وهو المشهور عن المالكية، والشافعية، والحنابلة
(1)
، واستدلوا بعموم النصوص التي تدل على تحريم آنية الذهب والفضة، فيدخل في النص القليل والكثير من الضبة، واستثنى الفضة بالنص فبقي ضبة الذهب على التحريم.
واعترض عليه بأنه إذا أبيحت ضبة الفضة فيقاس عليه الذهب لأن النص المحرم جَمَع بين حكمها، فلما أبيح ضبة الفضة أبيحت ضبة الذهب.
المطلب السادس: حكم الإناء المضبب بالفضة:
ذهب جمهور العلماء إلى جواز التضبيب بالفضة، وإليه ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة
(2)
، واستدلوا لذلك بما روى البخاري
(3)
من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» قَالَ عَاصِمٌ: رَأَيْتُ القَدَحَ وَشَرِبْتُ فِيهِ. فدل ذلك على أن المضبب بالفضة جائز.
وذهب مالك في قول ورواية عن أحمد أنه لا يجوز التضبيب بالفضة مطلقًا
(4)
.
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:
أما دليلهم من السنة فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ شَرِبَ مِنْ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ
(1)
«المنتقى» (7/ 236)، و «روضة الطالبين» (1/ 46)، و «الإنصاف» (1/ 79).
(2)
«البحر الرائق» (8/ 212)، و «روضة الطالبين» (1/ 45)، و «المبدع» (1/ 67).
(3)
«البخاري» (3109).
(4)
«التمهيد» (16/ 111)، و «مواهب الجليل» (1/ 129)، و «الإنصاف» (1/ 83).
فِضَّةٍ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»
(1)
.
واعترض عليه بأن زيادة (أو إناء فيه شيء من ذلك) منكرة.
أما دليلهم من المأثور:
1 -
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنه كَانَ لَا يَشْرَبُ مِنْ قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ، وَلَا ضَبَّةُ فِضَّةٍ»
(2)
.
2 -
وعَن عمْرَة أَنَّهَا قَالَتْ: كنا مع عائشة فما زلنا بها حتى رخصت لنا فِى الحلي ولم ترخص لنا فِي الْإِنَاء المفضض
(3)
.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو جواز الوضوء في الإناء المضبب بالفضة؛ لما ورد أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب في آنية الفضة، ولا يقال للإناء المضبب بالفضة إنه إناء من فضة فلا يدخل في عموم النهي.
* * *
(1)
إسناده ضعيف: وزيادة «أو إناء فيه شيء» زيادة منكرة، أخرجه الدارقطني (1/ 40)، والبيهقي «السنن الكبرى» (1/ 45)، وفي «تنقيح التحقيق» (1/ 321)، قال ابن القطان: حديث ابن عمر لا يصح، وزكريا هو وأبوه لا يُعرفان.
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 104).
(3)
أخرجه البيهقي «السنن الكبرى» (1/ 29).
المبحث الثالث في طهارة آنية الكفار
اختلف أهل العلم في طهارة آنية الكفار على خمسة أقوال:
القول الأول: يُكره استعمال أواني المشركين قبل غسلها، وهو قول الحنفية
(1)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ:«أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ المُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ»
(2)
.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمال أواني الكفار مع وجود غيرها والنهي إذا كان للتحريم فقد وردت أدلة تصرف النهي للكراهة كقوله تعالى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (5)} [المائدة]، وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم من طعام أهل الكتاب.
القول الثاني: ذهب مالك إلى أنه يجب غسل ما استعملوه من الآنية، ولا يجب غسل ما صنعوه ولم يستعملوه
(3)
لعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا» ، والنهي للتحريم، وأهل الكتاب يأكلون الميتة فيغلب على آنيتهم النجاسة.
واعترض عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من طعام أهل الكتاب، ولو كان محرمًا ما فعله صلى الله عليه وسلم. وأما التفريق الذي فرقوه فليس عليه دليل.
(1)
«البحر الرائق» (8/ 232)، و «المبسوط» (1/ 97).
(2)
«البخاري» (5478)، و «مسلم» (1930).
(3)
«مختصر خليل» (ص 11)، و «مواهب الجليل» (1/ 121).
القول الثالث: إذا تيقن طهارتها لم يُكره له استعمالها، وإن لم يَتَقن طهارتها كره استعمالها حتى تُغسل، وبه قال الشافعية
(1)
.
القول الرابع: يباح استعمال آنية الكفار حتى يُعلم نجاستها، وبه قال الحنابلة
(2)
، واستدلوا لذلك بما روي في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ. قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ: «فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتَبَسِّمًا»
(3)
. والجراب إناء من آنية أهل الكتاب، ولو كان غسله واجبًا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري عن أبي هريرة وفيه: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» ، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:«مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» ، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ
(4)
. فالنبي صلى الله عليه وسلم أكل من طعام اليهود في آنيتهم، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأحدهم اغتسل منها. واستدلوا أيضًا بأن الأصل في أواني المشركين الطهارة حتى يُعلم نجاستها.
القول الخامس: يجب غسل أواني المشركين ولا يجب غسل أواني أهل الكتاب، وهو قول عند الحنابلة
(5)
. واستدلوا بأن أهل الكتاب تحل ذبيحتهم بخلاف المشركين، فكذا لا يجب غسل أوانيهم بخلاف المشركين.
واعترض عليه: بما ورد في الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة.
والراجح: أنه يستحب غسل آنية المشركين وأهل الكتاب جمعًا بين حديث أبي ثعلبة والأدلة التي تُجوز ذلك، والله أعلم.
(1)
«المجموع» (1/ 319، 320).
(2)
«المغني» (1/ 62)، و «الإنصاف» (1/ 85).
(3)
«البخاري» (5508)، و «مسلم» (1772)، واللفظ له.
(4)
«البخاري» (3169).
(5)
«المغني» (1/ 62)، و «الإنصاف» (1/ 85).
المبحث الرابع الآنية المتخذة من الميتة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: هل الدباغ يطهر جلود الميتة أم لا؟
اختلف أهل العلم في هذه المسالة على أقوال:
القول الأول: أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ مطلقًا، وبه قال مالك، وهو المشهور من مذهب الحنابلة
(1)
.
واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة:
أما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3].
فإذا كان الجلد جزء من الميتة فلا يطهر بالدباغ كاللحم.
واعترض عليه بأن الذي يحرم بالموت هو اللحم.
أما الشعر فهو طاهر على قول الجمهور اذا جز سواء في حال الحياة أو بعد الموت، أما الجلد فقد صح فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ»
(2)
.
(1)
حاشية الدسوقي (1/ 54، 55)، (1/ 70)، والمغني (1/ 53).
(2)
حسن: مدار الحديث على زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس ورواه سليمان بن بلال عن زيد به. كما أخرجه مسلم (366). ورواه ابن عيينة عن زيد به بلفظ: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» . أخرجه أحمد (1/ 219)، والترمذي (1728)، وابن ماجه (3609). ورواه مالك، وسفيان الثوري، وعبد العزيز بن محمد بن زيد به باللفظين معًا كما في الموطأ (2/ 498)، وعبد الرازق (190)، الترمذي (1728) ومدار الحديث على عبد الرحمن بن وعلة وإن كان ضعفه أحمد فقد وثقه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم: شيخ وقال الحافظ: صدوق.
أما دليلهم من السنة فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ: أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنِ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1)
هذا الحديث قد اختلف في سنده ومتنه ألوانًا: أما الخلاف في سنده، فرواه الحكم بن عتيبة، واختلف عليه:
الطريق الأول: فرواه جماعة منهم: (محمد بن جعفر ووكيع ومنصور والأعمش) وغيرهم كثير عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى عن عكيم مرسلًا، أخرجه احمد (4/ 311)، والنسائي (3250)، والترمذي (1729)، وابن ماجه (3613) وغيرهم.
الطريق الثاني: الحكم عن رجال مجهولين عن عبد الله بن عكيم به. أخرجه ابو داود (4128).
الطريق الثالث: الحكم عن عبد الله بن عكيم به. أخرجه أحمد (4/ 310) وأرجح هذه الروايات ما رواه الجماعة من الثقات كغندر ووكيع ومنصور والأعمش وغيرهم عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم. وراه القاسم بن مخيمرة واختلف عليه، فرواه القاسم عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة عند الطحاوي «شرح معاني الآثار» (1/ 468)، ورواه القاسم عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم. رواه ابن حبان (1279).
وكما اختلفوا في سنده فقد اختلفوا في متنه: فقيل: قبل وفاته بثلاثة أيام، فقيل: قبل وفاته بشهر، وقيل: قبل وفاته بشهر أو شهرين.
قال الترمذي (4/ 194) سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل موته بشهرين أو كان يقول: كان هذا آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة. وفي «التمهيد» (4/ 164) قال داود بن علي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فضعفه وقال: ليس بشيء إنما يقول: حدثني الأشياخ.
وقال ابن عبد البر: وهذا اضطراب كما ترى يوجب التوقف عن العمل بمثل هذا الخبر.
وقال النووي: وحديث ابن عكيم أعل بأمور ثلاثة:
أحدها: الاضطراب في إسناده.
الثاني: الاضطراب في متنه، فروى قبل موته بثلاثة أيام، وروى بشهرين، وروى بأربعين يومًا.
الثالث: الاختلاف في صحبته، قال البيهقي وغيره: لا صحبة له فهو مرسل.
القول الثاني: أن الدباغ يطهر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير وهو قول الظاهرية
(1)
واستدلوا بما روى مسلم عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله يقول: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ»
(2)
.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: وَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَاةً مَيِّتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟» فقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ: قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا»
(3)
.
وانفرد مسلم في رواية بلفظ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وزيادة: «فَدَبَغْتُمُوهُ» شاذة
(4)
.
عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طَهُورُ كُلِّ أَدِيمٍ دِبَاغُهُ»
(5)
.
(1)
«المحلى» لابن حزم (1/ 132).
(2)
مسلم (366).
(3)
البخاري (1492)، ومسلم (363).
(4)
مدار الحديث علي الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، واختلف على الزهري فيه: فرواه ابن عيينة عن الزهري بذكر «فَدَبَغْتُمُوهُ» ورواه مالك في الموطأ (2/ 498)، وصالح بن كيسان عند البخاري (2221) ومسلم (365)، يونس بن يزيد عند البخاري (1421) ومسلم (363) ومعمر عند عبد الرزاق (184، 185) و أحمد (1/ 365) وغيرهم عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس بدون زيادة: «فَدَبَغْتُمُوهُ» ؛ فتبين شذوذ ذكر الدباغ من طريق ابن عيينة.
قال ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (21/ 101): ليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ ولم يذكر عامة أصحاب الزهري عنه لكن ذكره ابن عيينة، ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه، وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ لأجل الحديث فهذا شذوذ في المتن، وفي نفس الحديث شذوذ في السند أيضًا لابن عيينة فهناك خلاف عليه في جعل الحديث من مسند ميمونة، وأصحاب الزهري الثقات الأثبات جعلوا الحديث من مسند ابن عباس.
(5)
أخرجه الدارقطني (1/ 49)، والبيهقي (1/ 21) وغيرهما من طريق إبراهيم بن الهيثم عن علي بن عياش عن محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عائشة به. وقال الدارقطني: إسناده حسن كلهم ثقات.
القول الثالث: إن الدباغ لا يطهر ما تحله الذكاة وهو قول مالك في رواية وقول عند الحنابلة
(1)
.
عن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أَتَى عَلَى بَيْتٍ قُدَّامُهُ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ النَّبِيُّ الشَّرَابَ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ:«دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» . وفي لفظ: «ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ» ، وفي لفظ:«دِبَاغُهُ طَهُورُهُ»
(2)
.
وجه الدلالة بأن ذكاة الأديم دباغه، فإن الدباغ ينزل منزلة الذكاة فالذي يحل جلده إذا مات حتف أنفه، وما لا يحل أكل لحمه إذا ذكى ذكاة شرعية كالحمار الدباغ لا يحل جلده إذا مات حتف أنفه.
واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الحديث ضعيف. الثاني: أن قد ورد لفظة: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» فهو يدل على أن الدباغ يطهر كل إهاب، وهو يوافق حديث:«إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ» .
قال أبو ثور: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ فِي جِلْدِ خِنْزِيرٍ وَإِنْ دُبِغَ فَلَمَّا كَانَ الْخِنْزِيرُ حَرَامًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ ذُكِّيَ وَكَانَتْ السِّبَاعُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَإِنْ ذُكِّيَتْ كَانَ حَرَامًا أَنْ يُنْتَفَعَ بِجِلُودِهَا وَإِنْ دُبْغَتْ قِيَاسًا عَلَى ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً
(3)
.
عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ
(4)
.
(1)
البيان والتحصيل (1/ 101)، الإنصاف (1/ 87).
(2)
إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (5/ 6) وفي إسناده جون بن قتادة مجهول، قال أحمد: لا أعرفه، وقال الترمذي: لا أدري من هو. وقال ابن المديني: جون معروف. وقال مرة أخرى: مجهول. فالراجح أن جون مجهول والحديث ضعيف، والله أعلم.
والفرق بين قوله: «ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ» فإن الدباغ ينزل منزلة الذكاة فالذي يحل أكل لحمه بالذكاة فالدباغ يحل جلده إذا مات والذي لا يحل أكل لحمه كالحمار فالدباغ لا يحل جلد. أما قوله: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» فهو يدل على أن الدباغ يطهر كل إهاب سواء كانت الزكاة أم لا؟
(3)
الاستذكار (15/ 326).
(4)
الحديث يرويه قتادة عن أبي المليح به. ورواه عن قتادة سعيد بن أبي عروبة، وسعيد أثبت في قتادة ولم يختلف على قتادة، أخرجه أحمد (5/ 74). ورواه شعبة عن يزيد الرشك عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا أخرجه الطبراني «الكبير» (1/ 192) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به. وأخرجه البزار (2332) من طريق محمد بن المثنى عن شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه فوافق حديث سعيد بن أبي عروبة. وعلى كل حال فقتادة أثبت من يزيد الرشك، ويزيد حصل عليه خلاف كثير مما يوهن رواية يزيد. فالصحيح رواية قتادة عن أبي المليح عن أبيه أن رسول الله نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ، وإسناده صحيح، والله أعلم.
القول الرابع: أن الدباغ يطهر جميع جلود الميتة بما في ذلك ما لا يؤكل لحمه إلا الكلب والخنزير وبه قال الشافعية
(1)
(2)
.
قال الشافعي: وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسا عليها إلا جلد الكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسًا حيًّا
(3)
.
فالشافعي استدل بطهارة جميع الجلود لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ» . واستثنى الكلب والخنزير لأنهما مما إذا كانا نجاسان وهم حيّان فكذا بعد الموت.
أما الحنفية فيرون طهارة جلد الكلب بالدباغ أما الخنزير فلا يطهر بالدباغ. وكذا استثنى جلد الإنسان فلا يجوز الانتفاع به لاحترامه
(4)
.
المطلب الثاني: حكم الأواني المتخذة من عظام الميتة وقرنها
(5)
.
اختلف أهل العلم في حكم الآنية المتخذة من عظام الميتة على قولين:
(1)
الأم (1/ 9)، والمجموع (1/ 275).
(2)
الأم (1/ 9)، والمجموع (1/ 275).
(3)
الأم (1/ 22).
(4)
«البحر الرائق» (1/ 112)، و «بدائع الصنائع» (1/ 63).
(5)
الآنية المتخذة من عظام مأكول اللحم إذا ذكي تذكية شرعية يحل استعمالها، ويحرم استعمال الآنية المتخذة من عظام الآدمي لكرامة المؤمن وتحريم المثلة بالكافر.
القول الأول: ذهب الحنفية إلى جواز اتخاذ الآنية من عظام الميتة
(1)
.
واستدلوا بأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم؛ ولذا ما لا نفس له سائلة كالذباب إذا وقع في الإناء فمات فلا يتنجس الإناء، فالعظم أَوْلى بعدم التنجيس.
القول الآخر: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن عظام الميتة نجسة مثل لحم الميتة
(2)
. واستدلوا بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، والعظم من جملتها فيكون محرمًا، وعموم قوله تعالى:{قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ 78 قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 78]، وما يحيا فهو يموت، ولأن دليل الحياة الإحساس والألم، والألم في العظم أشد من الألم في اللحم والجلد.
واعترض عليه بما قاله شيخ الإسلام: وَأَمَّا الْعِظَامُ وَنَحْوُهَا فَإِذَا قِيلَ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ لِأَنَّهَا تُحِسُّ وَتَأْلَمُ. قِيلَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ: أَنْتُمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ لَا يُنَجِّسُ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مَعَ أَنَّهَا مَيِّتَةٌ مَوْتًا حَيَوَانِيًّا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ» . وَمَنْ نَجَّسَ هَذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَاتِ الْوَاقِعَ فِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا، فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ؛ فَلَا يُنَجِّسُ. فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ وَلَا كَانَ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ. فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ الْكَامِلُ الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ لَا يُنَجِّسُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَكَيْفَ يُنَجِّسُ الْعَظْمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ!
(3)
.
(1)
«البحر الرائق» (1/ 112)، و «بدائع الصنائع» (1/ 63).
(2)
«التمهيد» (9/ 52)، و «الأم» (1/ 23)، و «المغني» (1/ 99).
(3)
«الفتاوى» (21/ 99).
المطلب الثالث: حكم الأواني المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها.
أجمع العلماء على أن الشعر والصوف والوبر إذا جُز من حيوان طاهر وهو حي، فإنه طاهر، واختلفوا فيما إذا جز من حيوان ميت:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة الشعر والصوف والوبر؛ لأنها لا تدخلها الحياة
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)} [النحل].
وجه الدلالة: أن الله ذكر بعض النعم والانتفاع بها، وهي أصواف الشاة، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، وبهذا يجوز اتخاذ الآنية من الشعر والصوف والوبر.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ 5} [النحل: 80]. وقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} والدفء الذي يحصل من الأنعام ما يتدفأ به من شعرها وصوفها ووبرها، وذلك يقتضي إباحة الانتفاع بالشعر والصوف والوبر من الأنعام حال الحياة والموت.
وفي الصحيحين عن عَبْدِ الله بْنَ عَبَّاسٍ {قال: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ:«هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» ، قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا»
(2)
، أما الشعر والصوف والوبر فلا بأس بذلك.
قال ابن القيم: وَيَدْخُلُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ بَيْعُ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَحِلُّهَا الْحَيَاةُ، وَتُفَارِقُهَا بِالْمَوْتِ، كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالْعَصَبِ، وَأَمَّا الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةِ، وَلَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ
(3)
.
(1)
«شرح فتح القدير» (1/ 96)، و «المنتقى» (1/ 180)، و «مجموع الفتاوى» (21/ 617).
(2)
«البخاري» (1494)، و «مسلم» (363).
(3)
«زاد المعاد» (5/ 573).
وقال ابن تيمية: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ طَاهِرًا
(1)
. قلت: فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه حال الحياة.
وذهب الشافعية في المشهور عنهم، ورواية عن أحمد أن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس
(2)
. واستدلوا بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وهذا عام في كل أجزاء الميتة من شعر وصوف ووبر وغيره.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] هذا عام، {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: 80] هذا خاص في طهارة الشعر والصوف والوبر، والخاص مقدم على العام.
الثاني: أن الشعر لا تدخله الحياة
(3)
.
* * *
(1)
«مجموع الفتاوى» (21/ 98).
(2)
«المجموع» (1/ 291)، و «الإنصاف» (1/ 92).
(3)
انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 97، 98).
خلاصة الآنية
(1)
يجوز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة غير الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة.
(2)
يحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» .
(3)
ذهب جمهور العلماء إلى أن الطهارة في آنية الذهب والفضة صحيحة مع الإثم.
(4)
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة. دل على ذلك عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةٍ» مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، دل ذلك على تحريم الاتخاذ والاستعمال للمؤمنين في الدنيا، وإذا كانت العلة في الاستعمال السرف والخيلاء فهي موجودة في الاتخاذ، والاتخاذ ذريعة للاستعمال. وإذا رآها الفقير فقد ينكسر قلبه وهو لا يجد ما يسد جوعته ويواري سوءته وهذا الغني يتخذ هذه الأواني.
(5)
يجوز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، لأن المحرم هو آنية الذهب، والمضبب بالذهب لا يطلق عليه إناء ذهب.
(6)
ذهب جمهور العلماء إلى جواز التضبيب بالفضة؛ لما روى البخاري من حديث أنس أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم: «انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه، فدل ذلك على أن المضبب بالفضة جائز.
(7)
يستحب غسل آنية المشركين وأهل الكتاب قبل الأكل؛ لعموم قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم من طعام أهل الكتاب، روى البخاري من حديث أبي هريرة: وفيه «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ،. قَالَ:«هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» ، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى
ذَلِكَ؟»، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأحدهم اغتسل منها وكان جنبًا.
أما ما ورد عن أبي ثعلبة: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ:«أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمال أواني الكفار مع وجود غيرها وقد يكونون يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فدل ذلك على استحباب غسل آنية المشركين.
الآنية المتخذة من الميتة:
1 -
يطهر جلد الميتة بالدباغ؛ لما روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» فدل الحديث على أن الدباغ يُطهر كل إهاب.
2 -
يجوز اتخاذ الآنية المتخذة من عظام الميتة لأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم؛ ولذا ما لا نفس له سائلة كالذباب إذا وقع في الإناء فمات فلا يتنجس الإناء، فالعظم أَوْلى.
3 -
أجمع العلماء على أن الشعر والصوف والوبر إذا جُزَّ من حيوان طاهر وهو حي؛ فإنه طاهر، وذهب جمهور العلماء إلى طهارة الشعر والصوف والوبر؛ لأنها لا تدخلها الحياة. وقد قال الله تعالى:{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ 80} [النحل: 80]. أن الله ذكر بعض النعم والانتفاع بها وهي أصواف الشاة.
* * *
الباب الرابع قضاء الحاجة
وفيه تمهيد و أربعة فصول
التمهيد، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مقدمة لا بد منها.
المبحث الثاني: تعريف الاستنجاء.
المبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة.
الفصل الأول: ما يستحب عند قضاء الحاجة، وفيه ثلاثة عشر مبحثًا:
المبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء.
المبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث.
المطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء.
المبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند دخول الخلاء.
المبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج.
المبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا.
المبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض.
المبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.
المبحث الثامن: يستحب عند الاستنجاء أن يبدأ بغسل القبل قبل الدبر
حتى لا تتنجس يده.
المبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر.
المبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة.
المبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة.
المبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان:
الأول: قول: غفرانك.
الثاني: قول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
المبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء.
الفصل الثانى: ما يُكره عند قضاء الحاجة، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: يُكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء.
المطلب الثاني: الكلام في الخلاء.
المبحث الثاني: يُكره الاستنجاء باليد اليمنى.
المبحث الثالث: يُكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يُكره مطلقًا.
المبحث الرابع: البول قائمًا.
المبحث الخامس: يُكره البول في الشق كالجحر.
الفصل الثالث: ما يباح عند قضاء الحاجة وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة.
المبحث الثاني: يباح البول في الإناء.
المبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع.
الفصل الرابع: ما يحرم عند قضاء الحاجة.
التمهيد
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: مقدمة لا بد منها.
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وأصحابه أجمعين، فالناظر في الشريعة الغراء يجدها شريعة كاملة وشاملة لما يُصلح العباد في الحال والمآل، حتى الأمور الجبلية قد علَّمنا إياها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم؛ فروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ
…
(1)
.
فإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم قد علَّمنا كل شيء، فلماذا نتحاكم إلى حثالة أذهان البشرية ونترك شريعة رب البرية؟! قال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} [النساء: 65]، وقال:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [النساء: 38].
المبحث الثاني: تعريف الاستنجاء:
هو مَسْح موضع الأذى أو غسله، وفي الصحاح: استنجى: مسح موضع النجو أو غسله
(2)
.
(1)
مسلم (1/ 153).
(2)
انظر: «لسان العرب» (15/ 306)، واستجمر: أي استنجى بالجمار، وهي الأحجار الصغيرة، كما في «تاج العروس» (60/ 213). والاستطابة: تطلق على الاستنجاء، ومعناها: طيب المكان الذي يخرج منه البول والغائط بإزالة ما يعلق به من أذى، وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ؛ فَإِنَّهُنَّ تُجْزِئُ عَنْهُ» .
والاستنقاء، أي: طلب النقاوة والنظافة. «النهاية في غريب الحديث» (1/ 112).
المبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة:
قال النووي: فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ الْعُيُونِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ
(1)
.
ودل على ذلك عموم قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]. وروى مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ»
(2)
.
وروى أحمد وغيره بإسناد حسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ»
(3)
.
* * *
(1)
المجموع (3/ 166).
(2)
صحيح مسلم (338)
(3)
أخرجه أحمد (5/ 423)، أبو داود (4017)، والترمذي (2769)، والنسائي (الكبرى)(8972) وغيرهم من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.
الفصل الأول ما يستحب عند قضاء الحاجة
وفيه ثلاثة عشر مبحثًا
المبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء:
وقد نقل النووي الإجماع على استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء
(1)
، ودل على ذلك النصوص الكثيرة فمنها: ما ورد في الصحيحين عَنْ المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَقَالَ:«يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ» ، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ
(2)
.
هل يشرع الابتعاد في الغائط فقط أو البول والغائط؟
الابتعاد في الغائط لأن فيه زيادة تَكَشُّف، وإذا كان المقصود التستر فقد يحصل لمن بال قائمًا بإرخاء ذيله. ففي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ:«ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ
(3)
.
فدل هذا الحديث على أن النبي أمر حذيفة أن يكون قريبًا منه وهو يبول وأن هذا جائز، فلا بأس على من يبول بقرب الناس إذا كان لا يخشى من ظهور عورته.
المبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث:
نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على استحباب قول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث
(1)
المجموع (2/ 92)
(2)
البخاري (363) ومسلم (274)
(3)
البخاري (224) ومسلم (273)
والخبائث عند دخول الخلاء
(1)
.
قال النووي: وهو مجمع على استحبابه، لا فرق بين البنيان والصحراء
(2)
.
وفي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ
(3)
قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائث»
(4)
.
وقال الجمهور: يُشرع قول هذا الدعاء في الصحاري وفي البنيان، فإذا كان المكان معدًّا لقضاء الحاجة قال الذكر قبل دخوله، وإن كان في الصحاري قال الذكر قبل أن يشمر ثوبه.
المطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء:
نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية عند دخول الخلاء فقال: وهذا الأدب (يعني: قول التسمية) متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان
(5)
.
وهذا الإجماع منخرم فهناك قول للمالكية بأنه لا يشرع التسمية مطلقًا
(6)
.
واستدل جمهور العلماء بما ورد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلْتُمْ الْخَلَاءَ،
(1)
قال الخطابي (معالم السنن)(1/ 61): الخبث بضم الباء، جميع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم. قال ابن العربي: أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، و إن كان من المِلل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، وقيل: الخبث: الشر والمكروه: والخبائث: الشياطين. فكأنه استعاذ من الشر وأهله.
(2)
شرح النووي (4/ 71).
(3)
معنى «إذا دخل» إذا أراد أن يدخل، قال ابن دقيق في شرحه لحديث أنس: يحتمل أن يراد به: إذا أراد الدخول كما في قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النحل].
(4)
البخاري (142)، ومسلم (375).
(5)
المجموع (1/ 88).
(6)
الخرشي (1/ 143).
فَقُولُوا: بِسْمِ الله: أَعُوذُ بِالله مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»
(1)
واعترض عليه بأن زيادة (بِسْمِ الله) شاذة ولا تصح عن رسول الله.
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: «بِسْمِ الله»
(2)
.
واعترض عليه بأن الأحاديث التي ذُكر فيها بسم الله لا تصح. والصحيح أن يقول الداخل إلى الخلاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» بدون ذكر التسمية.
(1)
مدار الحديث على عبد العزيز بن صهيب عن أنس، واختلف عليه: فرواه عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب به، وتفرد بزيادة (باسم الله).
ورواه الثقات كشعبة عند البخاري (142)، وإسماعيل بن علية عند مسلم (375)، وحماد بن زيد عند أبي داود (4) وحماد بن سلمة عند أبي يعلى (3914) وغيرهم، بدون زيادة (بسم الله).
وأخرجه ابن أبي شيبة (1/ 11) بزيادة بسم الله، وفي إسناده: أبو معشر ضعيف، فالصحيح أن هذه الزيادة شاذة لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه ابن عدي (الكامل)(3/ 198) من طريق زيد العمي عن أنس به، وفي إسناده: زيد العمي: ضعيف. وسعيد بن مسلمة: قال البخاري: منكر الحديث.
وأخرجه تمام (الفوائد)(ق 270/ 1) من طريق عاصم الأحول عن أنس، وفيه محمد بن خلف لم أقف عليه، فالحديث عن أنس لا يصح.
(2)
ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (606)، وابن ماجه (297). وفي إسناده: محمد بن حميد، فقد اتهمه بالكذب النسائي وأبو زرعة وابن وارة، وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد، فإن أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه؟ قال: إنه لو عرفه كما عرفناه لما أثنى عليه أصلاً. وإن كان وثقه ابن معين، ففي الجرح والتعديل (7/ 232): قال أبو حاتم الرازي: سألني يحيى بن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر، فقال: أي شيء تنقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه الشيء، فنقول: ليس هذا هكذا، إنما هو كذا وكذا، فيأخذ القلم فيغيره على ما نقول. قال: بئس هذه الخصلة.
وفي إسناده الحكم بن عبد الله النصري: لين الحديث.
المبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء:
روى البيهقي عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ، وَغَطَّى رَأْسَهُ
(1)
.
قلت: إسناده ضعيف لكن الأولى لبس الحذاء لأنه يقي من النجاسة، فإذا دخل حافيًا فقد تتنجس رجلاه.
المبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج:
نقل النووي الإجماع على استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء.
وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج فقال: وهذا الأدب متفق على استحبابه
(2)
وكذا نقل الإجماع ابن قاسم في حاشيته
(3)
.
واستدلوا بأن ما كان من ذلك من باب التكريم قدم فيه اليمين.
قال شيخ الإسلام: وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي تَشْتَرِكُ فِيهَا الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى تُقَدَّمُ فِيهَا الْيُمْنَى إذَا كَانَتْ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ؛ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتُقَدَّمُ الْيُسْرَى فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ
(4)
.
قال النووي: يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْيُمْنَى فِي كُلِّ مَا كانَ مِنْ بَابِ التَّكريمِ كَلُبْسِ النَّعْلِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ و يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ باليَسارِ
(1)
ضعيف: أخرجه البيهقي (1/ 96) من طريق إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله عن حبيب به. فحبيب بن صالح لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف.
(2)
المجموع (2/ 91)
(3)
الروض المربع (1/ 122)
(4)
مجموع الفتاوى (21/ 108)
فىِ كُلِّ مَا هو ضِدُّ ذَلِكَ كخَلْعُ النَّعْلِ وَالْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَدُخُولُ الْخَلَاءِ
(1)
.
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ»
(2)
.
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليَمِينِ، وَإِذَا انْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ اليُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ»
(3)
.
المبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا:
قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه
(4)
.
قال العراقي: يندب لقاضي الحاجة أن يتحرى أرضًا لينة من نحو تراب أو رمل؛ لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه، فإذا لم يجد إلا صُلبة لَيَّنها بنحو عود
(5)
.
(1)
شرح النووي (14/ 74)
(2)
مسلم (267) واللفظ للبخاري (154).
(3)
البخاري (5856)، ومسلم (2097). وروى الحاكم بإسناد صحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:«مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى» . «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، فَقَدِ احْتَجَّ بِشَدَّادِ بْنِ سَعِيدٍ أَبِي طَلْحَةَ الرَّاسِبِيِّ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» وروى أحمد (6/ 265) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَلِطَعَامِهِ، وَكَانَتِ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى. والحديث ضعيف وله شاهد من حديث حفصة.
(4)
المجموع (2/ 98).
(5)
الجامع الصغير (495). ووردت أحاديث في الباب، روى أحمد (المسند) (4/ 399) عن أبي التياح عن شيخ لهم عن أبي موسى قال رسول الله:«إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَراِضينِ، فَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» . وإسناده ضعيف لإبهام شيخ أبي التياح، وروي الطبراني (الأوسط) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:«كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَبَوَّأُ لِبَوْلِهِ كَمَا يَتَبَوَّأُ لِمَنْزِلِهِ» ورواه ابن عدي (الكامل)(3/ 377) وإسناده ضعيف قال الهيثمي (المجمع)(1/ 204): رواه الطبراني في (الأوسط) وهو من رواية يحيى بن عبيد عن أبيه ولم أر من ذكرهما وبقية رجاله موثقون.
وروى ابن عدي (الكامل)(5/ 31) عن أبي قتادة: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَبَوَّأُ لِلْبَوْلِ كَمَا يَتَبَوَّأُ الرجل لنفسه منزلاً. وفي إسناده عمر بن هارون البلخي وهو متروك، وفي الباب حديث طلحة ابن أبي قنان وهو لا يصح.
المبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض:
قال النووي: هذا الأدب مستحب بالاتفاق.
وفي رواية لأحمد: يحرم ذلك
(1)
وفي قول للحنابلة: يجوز بلا كراهة إذا أمن النظر إلى العورة
(2)
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ
(3)
.
وعَنْ بَهْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ:«احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا» . قُلْتُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَالله أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ»
(4)
.
(1)
الفروع (1/ 116).
(2)
الفروع (1/ 116).
(3)
ضعيف: مدار هذا الحديث على الأعمش، فرواه أبو داود (14) من طريق وكيع عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر به، وفيه رجل مبهم. رَوَاهُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ:، فالأعمش لم يسمع من أنس، وفي علل الترمذي (ص 25) ذكر حديث ابن عمر، وحديث أنس، وقال: فَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ فَقَالَ: كِلَاهُمَا مُرْسَلٌ، وَلَمْ يَقُلْ: أَيُّهُمَا أَصَحُّ، فالظاهر أن حديث ابن عمر فيه مبهم، والأعمش لم يسمع من أنس.
(4)
إسناده حسن: رواه أحمد (5/ 423)، وأبو داود (4017)، والترمذي (2769) وغيرهم من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
قال ابن حجر: ظاهر الحديث يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقًا.
قال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائمًا ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة
(1)
.
فالحاصل أنه يستحب أن لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الارض.
المبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بما ورد عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى مُدْلِجٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الْخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى
(3)
. واعترض بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستدلوا بأن الاعتماد علي الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة إكرام لليمين.
قال الشوكاني: لم يصح دليل من قرآن ولا سنة ولا إجماع على استحباب الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة، فلا يستحب ذلك
(4)
.
المبحث الثامن: أن يبدأ بالقبل قبل الدبر:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان في حال الاستنجاء يستحب له تقديم غسل القبل
(1)
السيل الجرار (1/ 64).
(2)
البحر الرائق (1/ 256)، والخرشي (1/ 141)، والمجموع (2/ 104)، والفروع (1/ 114).
(3)
ضعيف: أخرجه البيهقي (1/ 96) والطبراني (الكبير)(7/ 160)، رقم (6605) وفي إسناده زمعة بن صالح ضعيف، وفيه رجل من بني مدلح وأبوه وكلاهما مبهم.
(4)
السيل الجرار (1/ 64).
قبل الدبر من أجل أن يأمن التلوث عند غسل الدبر؛ لأن يده قد تمس ذكره، فتتنجس يده
(1)
.
المبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب قطع الاستنجاء على وتر
(2)
لما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ»
(3)
.
المبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
(4)
.
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:
أما السنة: فعَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ، وَغَطَّى رَأْسَهُ
(5)
. واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.
وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ
(6)
.
(1)
حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص 31)، والشرح الكبير (1/ 106).
(2)
شرح معاني الأثار (1/ 121123)، والتمهيد (11/ 17)، والمجموع (2/ 112)، والمغني (1/ 102)، والمبدع (1/ 95).
(3)
البخاري (162) ومسلم (237) وروى مسلم (239) من حديث جَابِرَ: أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ» .
(4)
البحر الرائق (1/ 256)، ومواهب الجليل (1/ 270)، والمجموع (1/ 109)، والمبدع (1/ 82).
(5)
ضعيف جدًّا: أخرجه البيهقي (1/ 96) وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: ضعيف، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، طَرَقه لصوص، فأخذوا متاعه، فاختلط. وفي إسناده محمد بن يونس متهم بالوضع.
(6)
موضوع: أخرجه ابن عدي (الكامل)(6/ 293).
واعترض عليه بأنه حديث موضوع.
أما دليلهم من المأثور: فعن عُرْوَةُ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ، فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَظَلُّ حِين أَذْهَبُ إلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطّيًا رَأْسِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي
(1)
.
عَنِ ابْنِ طَاوسٍ قَالَ: أَمَرَنِي أَبِي إذَا دَخَلْتُ الْخَلَاءَ أَنْ أُقَنِّعَ رَأْسِي
(2)
.
قلت: أن تغطية الرأس حال قضاء الحاجة لا تصل للاستحباب، والأحاديث الواردة في الباب لا تصح عن رسول الله. والله أعلم.
المبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة:
نقل النووي الإجماع على استحباب عدم إطالة القعود فوق الحاجة
(3)
.
ولكن هذا الإجماع فيه نظر ففي مذهب الحنابلة ثلاث روايات: فهناك رواية بالتحريم
(4)
وهناك رواية بالجواز
(5)
.
روى الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلاَّ عِنْدَ الغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ»
(6)
. وهذا الحديث لا يصح عن رسول الله.
وقال ابن المنذر: وروينا عن لقمان أنه قال لمولاه: إن طول القعود على الخلاء يجمع منه
(1)
رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 100) عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال: أخبرني عروة عن أبيه عن أبي بكر به.
(2)
رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 101) من طريق ابن علية عن ابن طاوس به.
(3)
المجموع (2/ 105) وحكاه ابن قاسم في حاشيته.
(4)
كشاف القناع (1/ 67).
(5)
الإنصاف (1/ 97096).
(6)
ضعيف: أخرجه الترمذي (2800) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَأَبُو مُحَيَّاةَ اسْمُهُ: يَحْيَى بْنُ يَعْلَى.
الكبد ويأخذ منه الناسور.
واعترض عليه بما قاله الشوكاني: ومما يُضحك منه التمسك بما رُوي عن لقمان الحكيم أنه يورث الباسور. فيا الله العجب ممن لا يتحاشى عن تدوين مثل هذا الكلام في كتب الهداية، ولقد أبعد النجعة من اعتمد في مثل هذه المسألة الشرعية على لقمان الحكيم
(1)
.
قلت: وإذا ثبت عن طريق الطب أن الإطالة تضر بصحة الإنسان فإن هذا له اعتبار.
والراجح: استحباب عدم إطالة القعود فوق الحاجة، وعدم كشف العورة إلا لحاجة؛ لعموم قوله تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)} [الانفطار] فالله مطلع علينا ناظر إلينا.
المبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قول غفرانك:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب قول غفرانك لمن خرج من الخلاء
(2)
.
واستدلوا لذلك بما روى أحمد وغيره، عن عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ:«غُفْرَانَكَ»
(3)
.
وسبب طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة ما قَالَه الْخَطَّابِيُّ: وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا
(1)
السيل الجرار (1/ 71).
(2)
حاشية ابن عابدين (1/ 345)، والتاج والإكليل (1/ 391)، والمجموع (2/ 90)، والمغني (1/ 101).
(3)
ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 155)، وأبو داود (30) وغيرهما من طريق عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه قال: حدثتني عائشة به. وفي إسناده: يوسف بن أبي بردة. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (9/ 226) وسكت عليه وقال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات)(7/ 638) وابن حبان والعجلي متساهلان في توثيق المجاهيل، وقال الشيخ مصطفى العدوي: وإن حسنه البعض فله وجه لكون يوسف بن أبي بردة لم يطعن فيه طاعن، وقد حسن الحديث جملة من العلماء واغتفر ذلك لكونه في فضائل الأعمال، والله أعلم.
الذِّكْرَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ الله تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعالى إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ الله تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ، فَرَأَى شُكْرَهُ قَاصِرًا عَنْ بُلُوغِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ.
قال ابن القيم: في هذا من السر أن النجو يُثقل البدن ويؤذيه باحتباسه والذنوب تُثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحَمِد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه، وأسرار كلماته وأدعيته فوق ما يخطر بالبال
(1)
.
المطلب الثاني: قول «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافاني.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، قَالَ:«الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافاني»
(2)
.
(1)
إغاثة اللفهان (1/ 58، 59).
(2)
ضعيف: أخرجه ابن ماجه (301) وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، قال البخاري (التاريخ الكبير) (1/ 372): تركه ابن المبارك وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن مهدي وقال في الزوائد: متفق على ضعفه، وله شاهد رواه النسائي في «عمل اليوم والليلة» كما في «تحفة الأشراف» (9/ 194، 195) من طريق يحيى بن بكير، عن شعبة، عن منصور، عن أبي الفيض عن أبي ذر: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» .
وهذا الحديث له علتان:
الأولي: خالف يحيى بن بكير محمد بن جعفر فرواه عن شعبة عن منصور قال: سمعت رجلًا يرفع الحديث إلى أبي ذر قوله كما في التحفة ومحمد بن جعفر أوثق من يحيى بن بكير لا سيما في شعبة، وقال الدارقطني (العلل) (6/ 235): يرويه شعبة واختلف عليه: فرواه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن شعبة عن منصور، عن أبي الفيض عن سهل بن أبي حثمة وأبي ذر عن النبي. وليس هذا القول بمحفوظ، وغيره يرويه عن شعبة عن منصور عن رجل يقال له الفيض عن أبي حثمة عن أبي ذر موقوفًا وهو أصح.
الثانية: أن الصحيح في هذا الحديث الوقف؛ روى ابن أبي شيبة (المصنف)(7/ 12) رقم (10) قال: حدثنا عبدة بن سليمان ووكيع عن سفيان عن منصور عن أبي علي أن أبا ذر كان يقول: إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، قَالَ:«الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» ، قال أبو زرعة: وهِم شعبة في هذا الحديث، ورواه الثوري فقال: عن منصور عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر. وهذا هو الصحيح
قلت (محمد): إذا كانت هذه الرواية الموقوفة هي الراجحة ففي إسنادها أبو علي الأزدي: لين الحديث. وروى ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 12) رقم (11) قال: حدثنا عبدة عن جوبير عن الضحاك، قال: كان حذيفة
…
موقوفًا به وفي إسناده: جوبير ضعيف جدًّا. وروى ابن أبي شيبة (1/ 12) رقم (13) قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا هريم، عن ليث، عن المنهال بن عمرو قال: كان أبو الدرداء إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، قَالَ:«الْحَمْدُ لِله الَّذِي أماط عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، والمنهال بن عمرو لم يدرك أبا الدرداء.
فالحاصل أن حديث أنس مرفوعًا ضعيف، وحديث أبي ذر الصحيح فيه أنه موقوف ضعيف ولا يصح عن حذيفة ولا عن أبي الدرداء، فلا يصح في الباب حديث، والله أعلم.
المبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
(1)
.
واستدلوا لذلك بالسنة: فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ دَعَا بِمَاءٍ فَاسْتَنْجَى، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ
(2)
.
(1)
البحر الرائق (1/ 253)، وحاشية الدسوقي (1/ 105)، والمجموع (2/ 129)، والمغني (1/ 103).
(2)
إسناده ضعيف: مدار هذا الحديث على إبراهيم بن جرير، واختلف عليه: فرواه عنه شريك عن إبراهيم عن أبي زرعة عن أبي هريرة به، أخرجه أحمد (2/ 454)، وأبو داود (45) وغيرهما، ورواه جماعة (محمد بن يوسف، وشعيب بن حرب، وأبو نعيم وغيرهم) عن أبان بن عبد الله البجلي عن إبراهيم بن جرير عن أبيه جرير بمعناه، أخرجه الدارمي (676) والنسائي (51) وغيرهما.
قال النسائي: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، وابراهيم بن جرير لم يسمع عن أبيه؛ وخالفهم جماعة (محمد بن عبد الله بن الزبير، وأبو داود الطيالسي، وغيرهما عن أبان عن مولى لابي هريرة، ومولى أبي هريرة مجهول فالحديث ضعيف. والله أعلم.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ
(1)
.
فقوله: (فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ) يدل على تنظيف اليد بالصابون أو غيره بعد الاستنجاء لكي تذهب الرائحة، فالإسلام دين الطهارة والنظافة والله يحب المتطهرين، فالحمد لله أن رضى الإسلام لنا دينًا؛ ولذا ندعو جميع الشعوب إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة قال تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، وقال تعالي:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3].
* * *
(1)
البخاري (260)، ومسلم (217).
الفصل الثانى ما يُكره عند قضاء الحاجة
وفيه خمسة مباحث
المبحث الاول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، و فيه مطلبان:
المطلب الاول: يُكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء.
أجمع العلماء على جواز ذكر الله في القلب حال قضاء الحاجة
(1)
.
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكره أن يذكر الله داخل الخلاء، وبه قال الحنفية وقول عند المالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ
(3)
. فدل ذلك على كراهة ذكر الله في أماكن الخلاء.
واعترض عليه بأنه يحتمل أنه لم يرد عليه لأنه على غير طهر، دل على ذلك ما رواه أبو داود بسند صحيح عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ أَنَّهُ أتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ:«إِنِّى كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله عز وجل إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ»
(4)
. وأجيب عليه: بأن الرسول كان يذكر الله علي كل أحيانه، ولو سلم عليه وهو على غير هذا الحال لرد عليه.
واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ
(1)
حاشية العدوي على الخرشي (1/ 145)
(2)
البحر الرائق (1/ 256)، وحاشية الدسوقي (1/ 106)، والمجموع (2/ 103)، والمبدع (1/ 79).
(3)
مسلم (375).
(4)
سنن أبي داود (17).
خَاتَمَهُ
(1)
. واعترض عليه بأن الحديث معل.
واستدلوا بأن عدم ذكر الله في هذا المكان فيه تكريم لاسم الله سبحانه وتعالى وتكريم أسماء الله وإبعادها عن الأماكن الخبيثة وصونها عن ذلك من تعظيم الله.
القول الآخر: أنه لا مانع من ذكر الله داخل الأماكن المعدة، فإذا عطس فليحمد الله ولو كان على حاجته. وهو قول مالك
(2)
وصح ذلك عن ابن سيرين
(3)
و الشعبي
(4)
وإبراهيم
(5)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.
و (كل) من ألفاظ العموم فتعم ذكر الله في كل حال ومنه حال قضاء الحاجة.
واعترض عليه بأنه وردت أدلة تدل بعمومها علي استثناء هذا المكان من ذكر الله.
واستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرُّهُ»
(6)
. فإذا كان الإنسان يذكر الله بعد كشف العورة عند الوقاع فلا مانع من ذكر
(1)
ضعيف: أخرجه أبو داود (19) قال: حدثنا نصر بن عليِّ، عن أبي علي الحنفي عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس به، وهذا السند وإن كان ظاهره الصحة فقد أعله الحفاظ بعلتين، الأولى: أن همامًا وهم في هذا الحديث. الثانية: أن ابن جريج لم يسمعه من الزهري، قال أبو داود: هذا حديث منكر، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام، قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ.
وحكم عليه الدارقطني بالشذوذ كما في (التلخيص الحبير)(1/ 107/ 108).
(2)
التاج و الإكليل (1/ 392)، والفواكه الدواني (2/ 348، 349).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 108) قال: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد به.
(4)
رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 108).
(5)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 108).
(6)
البخاري (6388)، ومسلم (1434).
الله حال البول والغائط.
واستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ
(1)
. فإذا كان النبي يذكر الله مع قربه من موضع الحيض دل ذلك على إباحة ذكر الله مع قضاء الحاجة.
والراجح: أنه يكره ذكر الله داخل الخلاء لما روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. وردُّ السلام واجب؛ فلما لم يرد عليه رسول الله في هذا المكان، عُلم كراهة ذكر الله في أماكن الخلاء وخاصة حال قضاء الحاجة، والله أعلم.
المطلب الثاني: الكلام في الخلاء:
ذهب جمهور العلماء إلى أن الكلام في الخلاء يُكره لغير حاجة
(2)
.
واستدلوا لذلك بما روى أحمد عن أَبُي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَينِ عَوْرَتَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فَإِنَّ الله يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»
(3)
.
(1)
البخاري (7549)، ومسلم (301).
(2)
فتح القدير (1/ 213)، والتاج والإكليل (1/ 397)، والمجموع (2/ 103)، والفروع (1/ 114).
(3)
ضعيف: أخرجه أحمد (3/ 36)، وأبو داود (15) وغيرهما من طرق عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد به.
ولهذا السند علل:
الأولى: في إسناده هلال بن عياض قال الذهبي: لا يُعرف.
الثانية: أن الصحيح في هذا الحديث الإرسال، فقد خالف عكرمة بن عمار الأوزاعي فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن رسول الله مرسلًا. أخرجه الحاكم (560) والبيهقي (1/ 100).
قال أبو حاتم: الصحيح في هذا المعنى حديث الأوزاعي وحديث عكرمة وهم.
الثالثة: الاختلاف على عكرمة. انظر العلل للدارقطني.
الرابعة: نقل الذهبي عن أحمد والبخاري ويحيى القطان أن أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى ابن أبي كثير ضعاف.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.
الحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الكلام في الخلاء لغير حاجة، وإن كان الحديث الوارد في الباب ضعيفًا لكن لا ينبغي الكلام في مثل هذه الحالة إلا لحاجة.
المبحث الثاني: يُكره الاستنجاء باليد اليمنى:
ذهب جمهور العلماء إلى كراهة مس الفرج باليمين، وكذا كراهة الاستنجاء باليمين
(1)
. واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أبي قتادة: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ»
(2)
.
وعن سَلْمَانَ قال: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ.
وحَمَل الجمهور النهي على الكراهة وعللوا ذلك بأن القرينة الصارفة هي أنه أدب من الآداب. قالوا: لأنه لو استنجى باليمين فإذا أراد أن يأكل بيمينه فقد يتأذى بذلك.
وذهب بعض الحنفية وابن حزم والشوكاني إلى أنه يحرم مس الفرج باليمين حال البول، وكذا الاستنجاء باليمين
(3)
.
واستدلوا بعموم هذه الأحاديث وأن النهي للتحريم.
وذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية
(4)
إلى أنه يكره مس الذكر باليمين ويحرم الاستنجاء بها. واستدلوا بأن الاستنجاء فيه مباشرة للنجاسة وهو أقبح من مس الذكر لأنه طاهر. واعترض عليه: بأن مس الذكر حال البول قد تتنجس اليد.
الحاصل أن جمهور العلماء يحمل الكثير من النصوص في الفضائل والآداب في الأمر
(1)
بدائع الصنائع (1/ 119)، وشرح فتح القدير (1/ 216)، ومواهب الجليل (1/ 290)، والخرشي (1/ 141)، والمجموع (2/ 125)، والمغني (1/ 103).
(2)
البخاري (154) ومسلم (267).
(3)
البحر الرائق (1/ 255)، المحلى (1/ 108)، ونيل الأوطار (1/ 106).
(4)
الفروع (1/ 93).
والنهي على الاستحباب والكراهة، ومنها هذا النهي فحملوه على الكراهة.
المبحث الثالث: يُكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يُكره مطلقًا
(1)
:
لأن النصوص الصحيحة قيدت ذلك، ففى الصحيحين عن أبي قتادة: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ»
(2)
ولأن مس الذكر باليمين عرضة للتنجس، أما في غير هذه الحالة فإن هذا الموضع طاهر وقد تلحق بذلك بعض المشقة، وقد قال تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185]. وإذا استنجى بيمينه فإن ذلك يجزئه لأن المقصود إزالة النجاسة مع الكراهة على قول الجمهور.
ومن قال التحريم فإنهم اختلفوا فمنهم من ذهب إلى أنه يجزي مع التحريم.
وذهب ابن حزم إلى أن النهي للبطلان. وهذا قول ضعيف لأن النجاسة زالت.
والراجح أن مس الذكر يكره حال البول ولا يكره مطلقًا، وإذا استنجى بيمينه فإن ذلك يجزئه مع الكراهة لأن المقصود إزالة النجاسة. والله أعلم.
المبحث الرابع: البول قائمًا:
اختلف أهل العلم في حكم البول قائمًا علي قولين:
القول الاول: ذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يكره البول قائمًا من غير عذر
(3)
.
واستدلوا لذلك بالجمع بين الأدلة:
فروى أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْهُ، مَا بَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
(4)
.
(1)
فتح الباري (شرح حديث 154).
(2)
البخاري (154) ومسلم (267).
(3)
حاشية ابن عابدين (1/ 344)، والمجموع (2/ 100)، والإنصاف (1/ 99).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (6/ 192) وغيره من طريق سفيان عن المقدام عن أبيه قالت عائشة. به.
وفي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ
(1)
. وفعل النبي لبيان الجواز.
القول الثاني: ذهب المالكية والمشهور عن الحنابلة إلى جواز البول قائمًا
(2)
.
واستدلوا بحديث حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.
عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، قَالَ:«رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا»
(3)
.
عَنْ زَيْدٍ قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بَالَ قَائِمًا»
(4)
.
والراجح أن للبائل قائمًا ثلاث حالات:
الأولى: يكره البول قائمًا إذا أمن البائل من تطاير البول عليه.
الثانية: ويحرم البول قائمًا إذا كان البول يتطاير على البائل
(5)
.
الثالثة: ويجوز البول واقفًا من عذر بالاتفاق.
(1)
البخاري (224) ومسلم (273).
(2)
المدونة (1/ 131)، والفروع (1/ 117).
(3)
رجاله ثقات: مصنف ابن أبي شيبة (1/ 173).
(4)
إسناده صحيح: مصنف ابن أبي شيبة (1/ 115).
(5)
قال الشوكاني «السيل» (1/ 66): إن كان البول في الصلب أو التهوية به مما يتأثر عنه عود شيء منه إلى البائل فتجنب ذلك واجب لأن التلوث به حرام وما يتسبب عنه الحرام حرام.
المبحث الخامس: يُكره البول في الشق كالجحر:
ذهب الأئمة الأربعة إلى كراهة البول في الشق كالجحر وغيره
(1)
، بل قد نقل النووي الإجماع
(2)
.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْجُحْرِ» ، قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: «يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ»
(3)
.
ومن استدلالهم: أن البول في الحجر فيه اعتداء علي الهوام، وقد تخرج بعض الهوام كالحيات وغيرها وقد يكون فيه اعتداء علي البائل وقد يتلوث بالنجاسة، والله أعلم.
* * *
(1)
مراقي الفلاح (ص 23)، والخرشي (1/ 144)، ومختصر خليل (ص 15)، والمجموع (2/ 100/ 101)، والمغني (1/ 108)، والفروع (1/ 116).
(2)
المجموع (2/ 101).
(3)
رجاله ثقات: أخرجه أحمد (5/ 82)، وأبو داود (29) وغيرهما، من طرق عن معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس، وفي سماع قتادة من ابن سرجس خلاف فأثبت السماع على بن المديني كما في تلخيص الحبير (1/ 106) وأبو حاتم كما في المراسيل (ص 75) وأحمد كما في رواية ابنه عبد الله، وعن حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أنس، قيل: فأبن سرجس؟ فكأنه لم يره سماعًا. وفي الباب ما قد رواه الطبراني (الكبير)(6/ رقم 5359) عن ابن سيرين قال: بَيْنَا سَعْدٌ يَبُولُ قَائِمًا، إِذِ اتَّكَأَ فَمَاتَ، قَتَلَتْهُ الْجِنُّ، فَقَالُوا: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ، سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ. قال الهيثمي (مجمع الزوائد) (1/ 206): ابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، وقد تابع ابن سيرين قتادة وعطاء وغيرهما ولا يصح من هذه المتابعات شيء. والله أعلم.
الفصل الثالث ما يباح عند قضاء الحاجة
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الاول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة:
ذهب جمهور العلماء إلى كراهة استقبال عين الشمس والقمر عند قضاء الحاجة ولا يكره الاستدبار، وهو المشهور عن الحنفية وقول للمالكية وأكثر الشافعية والحنابلة
(1)
. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَفَرْجُهُ بَادٍ لِلشَّمْسِ، وَنَهَى أن يبول وَفَرْجُهُ بَادٍ لِلْقَمَرِ
(2)
.
واعترض عليه بأنه حديث باطل لا أصل له.
واستدلوا بأن الله أقسم بالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها، فدل ذلك على كراهة قضاء الحاجة إلى عين الشمس والقمر.
واعترض عليه بما قاله الشوكاني: وأما استقبال القبلة النيرين فهذه من غرائب أهل الفروع، فإنه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما رُوي في ذلك فهذا كذب على رسول الله ومن رواية الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس علي القبلة، فقد اتسع الخرق علي الراقع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا تورد يا سعد الإبل!! وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين فإن الأصل باطل، فكيف بالفرع؟ وكان ينبغي لهذا القائس أن يُلحق السماء، فإن لها شرفًا عظيمًا لكونها مستقر الملائكة، ثم يُلحق الأرض لأنها مكان العبادات والطاعات، ومستقر عباد الله الصالحين، فحينئذٍ تضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة، وسبحان الله ما يفعل بالتساهل
(1)
لبحر الرائق (1/ 256)، وحاشية ابن عابدين (1/ 342)، والتاج والإكليل (1/ 407)، وأسني المطالب (1/ 46)، والمغني (1/ 107) ومطالب أولي النهى (1/ 67).
(2)
تلخيص الجبير (1/ 180) قال الحافظ: وهو حديث باطل لا أصل له.
في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكى لها تارة ويضحك منها أخرى
(1)
.
وذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية أنه يكره استقبالهما واستدبارهما
(2)
.
وذهب بعض المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى جواز استقبالهما
(3)
.
قال ابن القيم: لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع
(4)
.
والراجح أن استقبال الشمس والقمر ببول أو غائط جائز، والله أعلم.
المبحث الثاني: يباح البول في الإناء:
قال الشوكاني: جواز إعداد الآنية للبول فيها بالليل، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا
(5)
.
ومذهب الحنابلة أن البول في الإناء يكره لغير حاجة
(6)
.
وروى النسائي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا
(7)
.
(1)
نيل الأوطار (1/ 70).
(2)
حاشية ابن عابدين (1/ 342)، وأسنى المطالب (1/ 46).
(3)
منح الجليل (1/ 103/ 104)، والمجموع (2/ 110)، والإنصاف (1/ 100).
(4)
مفتاح السعادة (2/ 205).
(5)
نيل الاوطار (1/ 115).
(6)
الإنصاف (1/ 99)، والفروع (1/ 85).
(7)
إسناده صحيح: أخرجه النسائي (33) وأخرجه البخاري (2741)(4459) ومسلم (1636) بدون ذكر البول، بلفظ:«فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟» ، فهل رواية النسائى بذكر البول شاذة أو يجمع بين الروايات؟ قال النووي (المجموع) (2/ 108): وهو محمول على الرواية الصحيحة الصريحة في البول. وفي الباب عَنْ حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّهَا قَالَتْ:«كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ» أخرجه أبو داود (34) وفي إسناده: حكيمة، غير معروفة.
والأصل أن البول في الإناء جائز إذا أمن عدم تنجيس البائل، والله أعلم.
المبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع:
قال ابن قدامة: عُفِيَ عَنْ أَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ
(1)
.
قلت: دل علي ذلك النصوص الكثيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، وَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ»
(2)
. فإن كان النعل يطهر بالتراب مع بقاء الأثر، وإذا كان ذيل المرأة إذا تنجس يطهره ما بعده من التراب الطيب
(3)
، وإزالة الأثر بالكلية فيه مشقة وحرج وقد قال تعالي:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وقد يؤدي ذلك إلى الوسوسة المنهي عنها والله أعلم.
* * *
(1)
المغني (1/ 411) وقال البهوتي كشاف القناع (1/ 192): وأثر الاستجمار نجس لأن بقية الخارج من السبيل يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه.
(2)
رواه أحمد (المسند)(3/ 20/ 92) بإسناد صحيح.
(3)
رواه أحمد (6/ 434) بإسناد صحيح عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ» .
الفصل الرابع ما يحرم عند قضاء الحاجة
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: في المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الاول: يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل.
المطلب الثاني: يحرم البول في المسجد.
المطلب الثالث: يحرم البول على القبر.
المطلب الرابع: استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط.
المطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه
المبحث الثاني: الأشياء التي يحرم الاستجمار بها وفيه تمهيد وخمسة مطالب:
التمهيد: ما يستنجى به.
المطلب الاول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس.
المطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث.
المطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية.
المطلب الرابع: يحرم الاستنجاء بالطعام.
المطلب الخامس: يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب والمسروق.
المبحث الثالث: يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وما يتعلق به.
المبحث الرابع: يحرم مسح الذكر ونتره بعد الفراغ من البول إنما الواجب غسله فقط.
الفصل الرابع ما يحرم عند قضاء الحاجة
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: في المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها
المطلب الاول: يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل:
اختلف أهل العلم في حكم البول في الطريق والظل علي قولين:
القول الاول: يحرم البول في الطريق والظل النافع؛ وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية ورواية عند أحمد
(1)
.
واستدلوا لذلك بالقران والسنة:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} [الأحزاب: 58] والذي يتغوط في الطريق أو الظل، فقد آذى المؤمنين بذلك.
وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ» ، قَالُوا: وَمَا اللاَّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»
(2)
.
اتقوا اللاعنين: أي الملعون فاعلهما أو الجالب للعن.
وقال النووي: ينبغي أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث لما فيه من إيذاء المسلمين.
وروى أبو داود عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ»
(3)
.
(1)
حاشية الخرشي (1/ 145)، والمجموع (1/ 102)، والمغني (1/ 108).
(2)
مسلم (269).
(3)
إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (26) وغيره، وفي مصباح الزجاجة (1/ 48) قال: فيه أبو سعيد الحميري، قال ابن القطان: مجهول. وقال أبو داود والترمذي وغيرهما: روايته عن معاذ مرسلة.
القول الثاني: ذهب الحنفية وبعض المالكية والمشهور عن الشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يُكره قضاء الحاجة في الطريق والظل النافع
(1)
.
واستدلوا بأن هذه الأدلة تدل على الكراهة ولا تصل إلى التحريم.
واعترض عليه بأن ظاهر حديث «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ» يدل على التحريم لأن فاعل المكروه لا يُلعن
(2)
.
والراجح: أنه يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل النافع؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ» ، قَالُوا: وَمَا اللاَّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» ، والطريق إذا لم تكن مطروقة والظل الذي لا ينتفع به لا بأس بالتبول فيهما، وكذا مجامع الناس لا تقضى فيها الحاجة.
قال ابن عابدين: ينبغي تقييده بما إذا لم يكن محلًّا للاجتماع على محرم.
المطلب الثاني: يحرم البول في المسجد:
لما روى مسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عز وجل، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ»
(3)
.
وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا»
(4)
فإذا كان البصاق في المسجد خطيئة، فماذا يكون البول وغيره.
(1)
البحر الرائق (1/ 256)، ومواهب الجليل (1/ 276)، وروضة الطالبين (1/ 66)، والفروع (1/ 116).
(2)
الخرشي (1/ 145).
(3)
مسلم (285).
(4)
البخاري (415)، ومسلم (552).
وإذا كان مَنْ أكل الثوم فلا يقرب المسجد فكيف بقضاء الحاجة؟!
أما البول في إناء في المسجد فيجوز عند الضرورة لأنه يؤمن تنجيس المكان، أما إذا لم يكن هناك ضرورة فلا يجوز ذلك، والله أعلم.
المطلب الثالث: يحرم البول على القبر:
وهو مذهب الجمهور
(1)
.
ودل على ذلك ماروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ»
(2)
. فإذا كان الجلوس على القبر محرمًا، فماذا يكون البول والتغوط على القبر؟
وبعض العلماء كأبي حنيفة ومالك يفسر الجلوس بالجلوس لقضاء الحاجة، وعلى كلٍّ، فقضاء الحاجة على القبر محرم، ويكره التغوط بالقرب من القبر لأن فيه أذية لزائري القبور وحرمة الميت كحرمة الحي.
المطلب الرابع: استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط:
اختلف أهل العلم في حكم استقبال القبلة ببول أو غائط علي ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، وهو المشهور من مذهب الحنفية وبعض المالكية ورواية عن أحمد
(3)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ:
(1)
مواهب الجليل (2/ 253)، والأم (1/ 277، 278)، والمغني (2/ 92) وذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد إلى كراهة البول على القبر، انظر: البحر الرائق (2/ 109) والإنصاف (1/ 100)، وفي رواية لأحمد بالجواز كما في الإنصاف (1/ 99).
(2)
مسلم (971).
(3)
شرح معاني الآثار (4/ 236)، وعارضة الأحوذي (1/ 27)، والفروع (1/ 111).
فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى
(1)
.
النهي في هذا الحديث مطلق، وهذا يشمل الصحراء والبينان والنهي للتحريم. وروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ
(2)
.
وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا»
(3)
. والأصل في النهي التحريم.
القول الثاني: يجوز استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط مطلقًا وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود
(4)
.
واستدلوا بما روى أحمد عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ نَهَانَا عَنْ أَنْ نَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ أَوْ نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إِذَا أَهْرَقْنَا الْمَاءَ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة
(5)
.
(1)
البخاري (394) ومسلم (264).
(2)
مسلم (262).
(3)
مسلم (265).
(4)
المنتقى شرح الموطأ (1/ 336).
(5)
إسناده حسن: أخرجه أحمد (3/ 360) وأبو داود (13) وغيرهما، وفي إسناده ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث وأبان بن صالح أخطأ المزي وابن عبد البر وابن حزم فضعفوه وقد وثقه الأئمة كابن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم، قال ابن حجر: وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجهَّله وابن عبد البر فضعفه. واستدلوا أيضًا بما روى أحمد (6/ 137) وغيره من طريق خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَقْبَلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ» . ولهذا الحديث علتان: الأولى: في إسناده، خالد بن أبي الصامت: مجهول. والثانية: قد اختلف فيه ألوانًا، فرواه أحمد (6/ 183) من طريق خالد الحذاء عن رجل عن عراك، عن عائشة به، ورواه إسحاق بن راهويه (94/ 1) من طرق خالد الحذاء عن عراك عن عائشة بدون ذكر خالد بن أبي الصلت، وذكر البخاري «التاريخ الكبير» (3/ 155) وابن أبي حاتم (50) عن عراك عن عائشة موقوفًا ورجح البخاري وأبو حاتم أن الصحيح في هذا الحديث الوقف.
وهذا الفعل لبيان الجواز.
القول الثالث: ذهب جمهور العلماء: إلى أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط فى الصحراء، ويجوزفى البنيان، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا» .
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ
(2)
.
واستدلوا بحديث جابر قال: (رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ).
قال ابن حجر: وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى جَوَازِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ فِي الْأَبْنِيَةِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْبَالِهَا، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ لَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِهِ بِحَدِيث ابن عُمَرَ إِلَّا جَوَازُ الِاسْتِدْبَارِ فَقَطْ، وَلَا يُقَالُ: يُلْحَقُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلْحَاقُهُ بِهِ لِكَوْنِهِ فَوْقَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فَقَالُوا بِجَوَازِ الِاسْتِدْبَارِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ، حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَبِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ
(3)
.
(1)
المدونة (1/ 117)، والأم (1/ 176)، والمغنى (1/ 107).
(2)
البخارى (148)، ومسلم (266).
(3)
فتح الباري (1/ 246).
المطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه:
ذهب جمهور العلماء إلى كراهية استقبال الريح حال البول
(1)
.
واستدلوا لذلك بالسنة والمعقول:
أما من السنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ»
(2)
. «ولا يستقبل الريح» زيادة منكرة.
أما دليلهم من المعقول: فهو أن في استقبال الريح تعرضًا للتلوث بالنجاسة لأنها قد تَرُد عليه بوله، وإن كانت الأحاديث الواردة في الباب لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان البائل يستقبل الريح ويرتد عليه فهو ممنوع لأن الطهارة واجبة، والله أعلم.
* * *
(1)
البحر الرائق (1/ 256)، وحاشية الدسوقي (1/ 107)، والمجموع (2/ 109)، والإنصاف (1/ 100)
(2)
زيادة (وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ) منكرة، أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار)(4/ 233) وفي إسناده ابن لهيعة، ضعيف، ورواه مسلم (265) بلفظ:«إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» فدل ذلك على أن لفظة: «وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ» زيادة منكرة، انفرد بها ابن لهيعة، وحديث أبي هريرة في مسلم بدون هذه الزيادة وله شواهد: الأول: شاهد عائشة، أخرجه الدارقطني (1/ 56) وفي إسناده مبشر وهو متروك. والشاهد الثاني: أخرجه ابن عدي (الكامل)(7/ 163) وفي إسناده: يوسف بن السفر كان يضع الحديث.
المبحث الثاني الأشياء التي يحرم الاستجمار بها
وفيه تمهيد و وخمسة مطالب
تمهيد: ما يستنجى به:
ذهب جمهور العلماء إلى جواز الاستجمار بكل طاهر منقٍّ من حجر أو ورق أو غيرهما
(1)
. واستدلوا لذلك بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْثٍ» .
وهذا منطوق، والمفهوم إتني بغيرهما، فدل ذلك على جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ حجر وورق وغيرهما.
وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز الاستجمار بغير الماء والحجارة لأنه ورد النص بذلك
(2)
.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ، من حجر أو ورق أو خشب أو غيرهم مما يزيل النجاسة كالمناديل الورقية، ولما خص النبي صلى الله عليه وسلم النهي بالعظم والروثة دل ذلك على إباحة ما سواهما إذا كان ينقي، فالزجاج وغيره إذا كان لا ينقي فإنه لا يجزي؛ لإن النجاسة عين خبيثة لها طعم أو لون أو رائحة، والمطلوب إزالة كل ذلك، فإن ذهب طعمها ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها وأصبح المحل طاهرًا، والله أعلم.
المطلب الأول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس:
اختلف أهل العلم علي قولين:
القول الأول: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون الأحجار
(1)
البحر الرائق (1/ 253)، وحاشية ابن عابدين (1/ 337)، والمنتقى (1/ 68، 67)، والأم (1/ 22)، والمهذب (1/ 28)، والمبدع (1/ 91)، والفروع (1/ 92).
(2)
المحلى (1/ 108).
طاهرة
(1)
.
واستدلوا لذلك بما روي البخاري عن عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ:«هَذَا رِكْسٌ»
(2)
.
قوله: «هذا ركس» ، أي نجس، فهذا فيه دليل على أنه يشترط أن تكون الأحجار طاهرة.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يجزي الاستجمار بكل ما يزيل النجاسة ولو كان المزيل نجسًا.
قال الكاساني: أمَّا الاستِنْجَاءُ بالَّروْثِ فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ مُقِيمًا سُنَّةً، وَمُرْتَكِبًا كَرَاهَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَكُونُ بِجِهَةِ كَذَا، وَبِجِهَةِ كَذَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّوْثَ نَجَسٌ فِي نَفْسِهِ، وَالنَّجَسُ كَيْفَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؟ (وَلَنَا) أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ، إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ بِالرَّوْثِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّجَسِ وَإِفْسَادِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ
(3)
.
والراجح: يشترط أن تكون الأحجار طاهرة، والله أعلم.
المطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث:
اختلف أهل العلم فى حكم الاستنجاء بعظم أو روث علي قولين:
القول الأول: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث. وهو قول بعض الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة
(4)
.
(1)
المنتقى (1/ 68/ 69)، والأم (1/ 22)، ومطالب أولي النهى (1/ 77).
(2)
البخاري (156).
(3)
بدائع الصنائع (1/ 18).
(4)
مراقي الفلاح ص 210، والكافي في فقه أهل المدينة (1/ 17)، والمهذب (1/ 28)، والفروع (1/ 92).
واستدلوا بحديث سلمان: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ. وروى البخاري من حديث أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا بِرَوْثَةٍ» فَقُلْتُ: مَا بَالُ العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ»
(1)
.
القول الثاني: يُكره الاستنجاء بعظم أو روث، وهو قول بعض المالكية وبعض الحنفية
(2)
، والصارف من التحريم إلى الكراهة هو أن كان العظم والروث نجسًا، فقد ورد في حديث جابر الانتفاع بشحم الميتة في طلاء السفن، فهذا صارف للتحريم إلى الكراهة.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من تحريم الاستنجاء بالعظم والروث.
المطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية:
ذهب جماهير العلماء إلى تحريم الاستنجاء بالكتب الشرعية
(3)
.
واستدلوا لذلك بأن الاستنجاء بها فيه إهانة لها، وهذا منهي عنه، وكذا الكتب الشرعية لا تخلو من آيات قرانية وأحاديث نبوية، وهذه يجب توقيرها وعدم إهانتها، فمن فعل ذلك فعليه التوبة.
أما الاستجمار بكتب غير شرعية وليس فيها آيات قرانية ولا أحاديث نبوية فإنها جائزة إذا أزالت النجاسة
قال النووي: وَمِنَ الْأَشْيَاءِ المُحْتَرمةِ الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا شيئ من علوم الشرع فإنِ استنجي بشئٍ منه عَالِمًا أَثِمَ
(4)
.
وقال في موضع: ولو استنجي بشيئ مِنْ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَالْعِيَاذُ بِاَلله عَالِمًا صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا.
(1)
البخاري (3860).
(2)
مواهب الجليل (1/ 288)، والبحر الرائق (1/ 255).
(3)
الخرشي (1/ 151)، والتمهيد (1/ 347)، والطالبين (1/ 68).
(4)
المجموع (2/ 137).
المطلب الرابع: يحرم الاستنجاء بالطعام:
ذهب جماهير العلماء إلى تحريم الاستنجاء بالطعام
(1)
.
قال ابن عبد البر: ما يجوز أكله لا يجوز الاستنجاء به
(2)
.
قال النووي: فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَظْمٍ وَلَا خُبْزٍ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَطْعُومِ، فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ عَصَى وَلَا يُجْزِئُهُ
(3)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ»
(4)
. وإذا كان طعام الجن منهيًّا عنه فطعام الإنس أولى، والاستنجاء بالطعام فيه كفران للنعمة وامتهان لها.
قال ابن تيمية: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ
(5)
وإذا استنجى بالطعام هل يجزئه؟
(1)
مواهب الجليل (1/ 286)، والمجموع (1/ 135)، والمغني (1/ 104).
(2)
الكافي (ص 17).
(3)
المجموع (2/ 135).
(4)
مسلم (450).
(5)
مجموع الفتاوى (21/ 475) وقال في بدائع الصنائع (1/ 18): وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالْعَظْمِ وَلَا بِالرَّوْثِ فَإِنَّ الْعَظْمَ زَادُ إخْوَانِكُمْ الْجِنِّ، وَالرَّوْثُ عَلَفُ دَوَابِّهِمْ» فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ مُقِيمًا سُنَّةً، وَمُرْتَكِبًا كَرَاهَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَكُونُ بِجِهَةِ كَذَا، وَبِجِهَةِ كَذَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، حَتَّى لَا تَجُوزَ صَلَاتُهُ إذَا لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْأَحْجَارِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالْأَحْجَارِ فَيُرَاعَى عَيْنُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّوْثَ نَجَسٌ فِي نَفْسِهِ، وَالنَّجَسُ كَيْفَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؟ (وَلَنَا) أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ، إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ بِالرَّوْثِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّجَسِ، وَإِفْسَادِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ.
ذهبت الحنفية والمالكية إلى أنه يجزئه مع الإثم لأن النجاسة إذا أزيلت بأي مزيل فإنها تطهر.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئه الاستنجاء بالمطعوم، واستدلوا بأن هذا الفعل مخالف لأمر الله ورسوله،؛ لأن الرخصة لا تباح بمعصية.
والراجح ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أنه يجزئه إذا أزيلت النجاسة مع الإثم.
المطلب الخامس: يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب والمسروق:
لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ» .
قال ابن حزم: مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ أَوْ مِنْ إنَاءٍ كَذَلِكَ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ ذَلِكَ الْمَاءَ وَذَلِكَ الإِنَاءَ فِي غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ حَرَامٌ
(1)
.
المبحث الثالث: يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار و ما يتعلق به: وفيه مطالب:
المطلب الأول: هل يشترط في الاستجمار ثلاثة أحجار؟ اختلف أهل العلم على قولين:
القول الأول: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء ولو بحجر واحد، وإليه ذهب الحنفية والمالكية
(2)
.
واستدلوا لذلك بما روى البخاري عن عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ»
(3)
.
قال الطحاوي: فَلَمَّا أَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْحَجَرَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِهِمَا يُجْزِئُ مِمَّا يُجْزِئُ مِنْهُ الِاسْتِجْمَارُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ، لَمَا اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ
(1)
المحلى (1/ 207).
(2)
بدائع الصنائع (1/ 19)، والمنتقى (1/ 68)، والتمهيد (1/ 17).
(3)
البخاري (156).
وَلَأَمَرَ عَبْدَ اللهِ أَنْ يَبْغِيَهُ ثَالِثًا، فَفِي تَرْكِهِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَائِهِ بِالْحَجَرَيْنِ
(1)
.
واعترض عليه بما قاله ابن حزم: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ عليه السلام لَهُ بِأَنْ يَأْتِيَهُ بِأَحْجَارٍ، فَالأَمْرُ بَاقٍ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْ إبْقَائِهِ
(2)
.
واستدلوا بأن المقصود من الاستنجاء الإنقاء وقد يحصل بحجر.
واعترض عليه بأن الإنقاء لا يكون بحجر واحد وأنه ورد ألا نستنجي بأقل من ثلاث ولا قياس مع النص.
القول الآخر: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار
(3)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن سلمان: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.
والنهي للتحريم. وقد حكى الإجماع ابن المنذر وابن حزم بوجوب ثلاثة أحجار، وهذا الإجماع منخرم ولكن حديث سلمان كافٍ في وجوب ثلاثة أحجار، والله أعلم.
المطلب الثالث: عدد الغسلات عند الاستنجاء
اختلف أهل العلم في عدد الغسلات عند الاستنجاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يعتبر عدد معين، بل المطلوب الإنقاء بأي عدد كان، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وقول عند الحنابلة
(4)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ:«تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَليِّ»
(5)
. هنا لم يحدد عدد الغسلات. وقال النبي للمستحاضة: «فَاغْسِلِي عَنْكِ
(1)
شرح معاني الأثار (1/ 122).
(2)
المحلى (1/ 113).
(3)
الأم (1/ 22)، والمجموع (2/ 120)، والمغني (1/ 102).
(4)
بدائع الصنائع (1/ 21)، والتمهيد (1/ 22)، والمغني (1/ 106)، والمبدع (1/ 238).
(5)
البخاري (277)، ومسلم (291).
الدَّمَ وَصَلِّي»
(1)
. ولم يحدد عدد الغسلات فكذا البول والغائط.
القول الثاني: أن عدد الغسلات سبع مرات، وهو قول الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما رُوي في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ»
(3)
.
واعترض عليه بأن نجاسة الكلب مغلظة لا يقاس عليها غيرها، فإنه لم يُذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا في نجاسة الكلب، أما دم الحيض مع أنه مُجمع على نجاسته فقال النبي:«اغسلي عنك الدم» ولم يحدد عدد الغسلات ولم يذكر التراب، فدل ذلك على فساد هذا القياس.
القول الثالث: أن عدد الغسلات ثلاث، وهو قول عند الحنابلة
(4)
.
واستدلوا بحديث سلمان: (لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)
واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق، فإن الماء يزيل النجاسة أكثر من الأحجار.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يعتبر عدد معين بل المطلوب الإنقاء.
المطلب الثالث: هل يكتفى بحجر واحد له ثلاث شعب؟
ذهب الشافعية والمشهور عند الحنابلة إلى أنه يكفي الحجر الواحد ذو الثلاث شعب
(5)
. واستدلوا بأنه يمسح به ثلاث مسحات، وهذا المعنى في ثلاثة أحجار.
وذهب ابن حزم وابن المنذر ورواية عن أحمد إلى أن الحجر ذا الثلاث شعب لا يكفي بل
(1)
البخاري (228)، ومسلم (333).
(2)
الإنصاف (1/ 313).
(3)
البخاري (172) ومسلم (297).
(4)
الإنصاف (1/ 313)، والمغني (1/ 106).
(5)
الأم (1/ 22)، وكشاف القناع (1/ 69)، والمغني (1/ 105).
لابد من ثلاثة أحجار
(1)
. وهذا لظاهر النص، فعن سلمان:(لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ).
واعترض عليه بأنه لو كان للحجر ثلاث شعب ومسح به ثلاث مسحات فحصل الإنقاء وهو بمعنى ثلاثة أحجار.
المبحث الرابع: يحرم مسح الذكر عند الفراغ من البول ونتره إنما الواجب غسله:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يجب سلت الذكر
(2)
.
واستدلوا بما روى النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ:«إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ»
(3)
.
واعترض عليه بأن الاستبراء لا يقتضي مسح الذكر ولكن هو الاستنجاء أو الاستبراء بالغسل وليس سلت الذكر.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب ذلك
(4)
.
واستدلوا بعموم قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ»
(5)
.
دل على مسح ذكره بشماله.
واعترض عليه بأن هذا الاستنجاء بغسل الذكر وليس سلته.
قال ابن تيمية: سَلْتُ الْبَوْلِ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَالْبَوْلُ يَخْرُجُ بِطَبْعِهِ وَإِذَا فَرَغَ انْقَطَعَ بِطَبْعِهِ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ: كَالضَّرْعِ إنْ تَرَكْته قَرَّ وَإِنْ
(1)
المحلى (1/ 108)، والأوسط (1/ 354)، والمغني (1/ 105).
(2)
حاشية ابن عابدين (1/ 344)، والتاج والإكليل (1/ 407، 408)، ومواهب الجليل (1/ 182).
(3)
النسائي (2068) وأصل الحديث في الصحيحين.
(4)
أسنى المطالب (1/ 49)، والإنصاف (1/ 102)، ومطالب أولي النهى (1/ 72).
(5)
البخاري (5630) ومسلم (367).
حَلَبْته دَرَّ. وَكُلَّمَا فَتَحَ الْإِنْسَانُ ذَكَرَهُ فَقَدْ يَخْرُجُ مِنْهُ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ. وَقَدْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ وَسْوَاسٌ وَقَدْ يُحِسُّ مَنْ يَجِدُهُ بَرْدًا لِمُلَاقَاةِ رَأْسِ الذَّكَرِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَخْرُجْ، وَالْبَوْلُ يَكُونُ وَاقِفًا مَحْبُوسًا فِي رَأْسِ الْإِحْلِيلِ لَا يَقْطُرُ، فَإِذَا عَصَرَ الذَّكَرَ أَوْ الْفَرْجَ أَوْ الثُّقْبَ بِحَجَرِ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ خَرَجَتْ الرُّطُوبَةُ، فَهَذَا أَيْضًا بِدْعَةٌ، وَذَلِكَ الْبَوْلُ الْوَاقِفُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لَا بِحَجَرِ وَلَا أُصْبُعٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ كُلَّمَا أَخْرَجَهُ جَاءَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَرْشَحُ دَائِمًا
(1)
.
فالحاصل أنه يغسل ذكره بعد انقطاع البول، هذا هو المأمور به والمشروع، والله أعلم.
* * *
(1)
مجموع الفتاوى (21/ 106).
نتائج بحث قضاء الحاجة
الأول: الناظر في الشريعة يجدها شريعة كاملة وشاملة لما يصلح في الحال والمآل، حتى الأمور الجبلية عَلَّمنا إياها رسول الهدى؛ روى مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالُوا لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. وقال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، وقال:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38].
الثاني: الاستنجاء: هو مسح موضع الأذى أو غسله.
1 -
استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء بالإجماع في الغائط، ودلت الأحاديث المستفيضة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى حاجته أبعد.
وفي الصحيحين عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَقَالَ:«يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ» ، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. أما في البول فلا بأس أن يبول بقرب الناس إذا كان لا يخشى الابتعاد في الغائط؛ لأن فيه زيادة تكشف. ففي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ:«ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ.
2 -
استحباب التعوذ من الخبث والخبائث بالإجماع، في الصحيحين عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» . قيل: ذكران الشياطين وإناثهم. وقال ابن العربي: أصل الخبث في كلام العربي المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الِملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. وقيل: الخبث: الشر والمكروه: والخبائث: الشياطين، فكأنه استعاذ من الشر وأهله، ومعنى:(إذا دخل)، إذا أراد أن يدخل، ومنه قوله تعالي: {فَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98].
ورد في رواية: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث» ، زيادة (بسم الله) لا تصح عن رسول الله.
3 -
يستحب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء، روى البيهقي، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ. ولكن إسناده ضعيف، والأولى لبس الحذاء؛ لأنه يقي من النجاسات، فإذا دخل حافيًا فقد تنجس رجلاه.
4 -
استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج.
5 -
يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه.
وينبغي إذا كان الحمام بلديًّا أن يكون ما يقعد عليه نازلًا لئلا يعود الرشاش عليه.
6 -
يستحب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض، فعن ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ بَرَزَ حَتَّى لا يَرَى أَحَدًا، وَكَانَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ. ولكنه حديث ضعيف، وأصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشفها إلا لضرورة؛ ولذا لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الأرض.
7 -
يستحب تقديم غسل القبل قبل الدبر من أجل أن يأمن من تلوث يده.
8 -
يستحب قطع الاستنجاء على وتر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» .
9 -
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة، واستدلوا بأحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح عن أبي بكر أنه قال:(إِنِّي لأَظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطِّيًا رَأْسِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي عز وجل.). أما حديث حبيب بن صالح: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ. فلا يصح.
10 -
يستحب عدم إطالة القعود على الحاجة فوق الحاجة؛ لأن ستر العورة واجب، ولا يحل كشفها إلا لضرورة، وتقدر بقدرها، وهذا ينافي ما يفعله كثير من الناس من التوسع في
الحمامات ويقضى فيه الكثير من الوقت وهو بيت الخبث والخبائث.
11 -
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب قول: (غفرانك)، عند الخروج من الخلاء، والحديث ضعيف. الخطابي في ذلك وجهين:
الأول: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ الله تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعالى إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ الله تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ.
12 -
يستحب تنظيف اليد بعد الاستنجاء، دل على ذلك أن النبي اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط ثم غسلها ثم توضأ، فدل ذلك على تنظيف اليد بالصابون بعد الاستنجاء كي تذهب الرائحة، فالإسلام دين الطهارة والنظافة:{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]، فالحمد لله الذي رضى لنا الإسلام دينًا.
الخامس: ما يباح عند قضاء الحاجة.
1 -
يباح استقبال الشمس والقبر حال قضاء الحاجة.
2 -
يباح البول في الإناء. روى النسائي عن عائشة: لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالطست ليبول فيه.
3 -
الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه.
السادس: المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها:
1 -
يحرم قضاء الحاجة في الظل والطريق؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ،؟ قَالَ:«الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» .
2 -
يحرم البول في المسجد؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ ولَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» .
3 -
يحرم البول على القبر؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تُفْضِيَ إِلَى جِلْدِهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .
فإذا كان الجلوس على القبر محرمًا؛ فماذا بالبول والغائط؟
4 -
يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط في الصحاري دون البنيان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا» ، واستثنى البنيان بحديث ابن عمر:(لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ).
5 -
يحرم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه؛ لأن المكلف مأمور بالتحرز من النجاسة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
6 -
الاشياء التي يحرم الاستنجاء بها: - يحرم الاستنجاء بالشيء النجس.
3 -
لا يستجمر بما هو محترم، سواء كان محترمًا لحق الله كالكتب الشرعية، أو محترمًا لحق آدمي كطعامه، أو محترمًا لحق حيوان كالاستنجاء بالعلف ودواب الطعام.
4 -
يحرم الاستنجاء بالطعام، وإذا كان طعام الجن منهيًّا عن الاستنجاء به فطعام الإنس أولى.
5 -
يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب أو المسروق.
6 -
يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أجحار.
يجب غسل الذكر بعد الفراغ من البول، ويحرم مسح الذكر ونتره؛ لأن الأصل أن البول يخرج بطبعه، فإذا انقطع غسل ذكره، وأما عصر الذكر والتكلف الذي يؤدي إلى الوسوسة فمحرم.
* * *
الباب الخامس خصال الفطرة
فسنن الفطرة تدخل في باب الطهارة لأن تقليم الأظفار والختان وغير ذلك تدخل في باب
التنظف وتدخل أيضًا في باب الزينة.
تمهيد: تعريف الفطرة وخصالها.
الفصل الأول: الختان.
الفصل الثاني: الاستحداد.
الفصل الثالث: تقليم الأظفار ونتف الإبط.
الفصل الرابع: قص الشارب وإعفاء اللحية.
الفصل الخامس: حلق الشعر وغسل البراجم.
الفصل السادس: السواك.
تمهيد: تعريف الفطرة وخصالها
المبحث الأول: تعريف الفطرة:
أصل الفطر: الشق، ومنه قوله تعالى:{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ 1} [الإنفطار: 1] أي: انشقت
(1)
.
وفي الحديث: «قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ» أي انشقتا.
تطلق الفطرة على معانٍ:
الأول: الخلقة، والفاطر الخالق، قال تعالى:{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] أي خلقني.
الثانى: الابتداء، عَنْ مُجَاهِدٍ، عن ابْنَ عَبَّاسٍ قال: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَنَا فَطَرْتُهَا. يَقُولُ: أَنَا ابْتَدَأْتُهَا
(2)
.
الثالث: السنة
(3)
، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«مِنَ السُّنَّةِ قَصُّ الشَّارِبِ» فقوله: «من السنة» أي من الفطرة.
الرابع: الإسلام
(4)
، قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 1]«فطرة الله» أي الإسلام، وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ مَوْلُودٍ
(1)
انظر: لسان العرب، مادة فطر.
(2)
أخرجه الطبري في (تفسيره)(7/ 158) في إسناده ابن وكيع لكن تابعه ابن بشار كما في التمهيد (18/ 78)، وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر: صدوق لين الحفظ.
(3)
المجموع (1/ 338).
(4)
التمهيد (18/ 72).
يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ»، «على الفطرة» أي على الإسلام.
الخامس: الميثاق والعهد المأخوذ على ذرية آدم
(1)
.
المبحث الثاني: خصال الفطرة:
في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الإبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ»
(2)
.
وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقٌ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ»
(3)
.
ونفصل سنن الفطرة في الفصول الأتية: على حَسَب هذا الحديث:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الإبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ» .
===
(1)
طرح التثريب (7/ 227، 228).
(2)
البخاري (5891) ومسلم (257).
(3)
ضعيف: فمدار الحديث على طلق بن حبيب واختلف عليه: فرواه مصعبَ بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة مرفوعًا. أخرجه مسلم (261) وغيره. وهذا الحديث ضعيف لضعف مصعب بن شيبة. وقد خالف مصعبًا كل من سليمان التيمي عند النسائي «الصغرى» (5041)، وأبو بشر (جعفر بن إياس) عند النسائي (5042)، فرواياه عن طلق بن حبيب من قوله، قال:«عشر من الفطرة» . قال النسائي: حديث سليمان التيمي، وجعفر بن إياس أولى بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكر الحديث. وقال الدارقطني: تفرد به مصعب بن شيبة، وخالفه أبو بشر وسليمان التيمي، فروياه عن طلق بن حبيب قوله غير مرفوع، وسليمان وجعفر أثبت من مصعب، وأصح حديثًا. انظر السنن (1/ 94) قال أحمد:«الوضوء من الحجامة» حديث منكر، رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير منها هذا الحديث، وعشرة من الفطرة. كما في «الضعفاء الكبير» (4/ 197).
الفصل الأول: الختان
وفيه سبعة مباحث
المبحث الأول: تعريف الختان.
المبحث الثاني: وقت الختان.
المبحث الثالث: حكم ختان الذكر.
المبحث الرابع: حكم ختان المرأة.
المبحث الخامس: خنان الخنثى.
المبحث السادس: حكم ختان الميت.
المبحث السابع: فوائد الختان.
الفصل الأول
الختان
المبحث الأول: تعريف الختان:
قال الحافظ: الْخِتَانُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ: مَصْدَرُ خَتَن، أَيْ قَطَعَ، والخَتْن بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ: قَطْعُ بَعْضٍ مَخْصُوصٍ مِنْ عُضْوٍ مَخْصُوصٍ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: خِتَانُ الذَّكَرِ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ، وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةِ قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ مِنْهُ دُونَ اسْتِئْصَالِهِ
(1)
.
المبحث الثاني: وقت الختان:
اختلف أهل العلم في وقت وجوب الختان على أربعة أقوال:
القول الأول: أن وقت وجوب الختان عند البلوغ، ويستحب في الصغر في اليوم السابع، وهو المشهور عن الشافعية، والحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بالمأثور والمعقول:
أما دليلهم من المأثور: فعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: سُئِلَ ابْن عَبَّاس: مثل من أَنْت حِين قُبض النَّبِي صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَنا يَوْمئِذٍ مختون. وَكَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك
(3)
. حتي يدرك: أي حتي يبلغ.
(1)
وانظر: روضة الطالبين (3/ 148)، (10/ 180)، وفتح الباري (10/ 340).
(2)
المجموع (1/ 350)، وتحفة المحتاج (9/ 200)، والإنصاف (1/ 124).
(3)
البخاري (6299).
أما المعقول: فقالوا: الصلاة لا تجب إلا بالبلوغ فكذا الطهارة وكذا الختان.
واستدلوا على استحباب الختان في اليوم السابع بما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَبْعَةٌ مِنَ السُّنَةِ فِي الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِعِ: يُسَمَّى، ويُخْتَنُ، وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى، وتُثْقَبُ أُذُنُهُ، ويُعَقُّ عَنْهُ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، ويُلَطَّخُ بِدَمِ عَقِيقَتِهِ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ شَعَرِهِ فِي رَأْسِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً»
(1)
.
القول الثاني: أن الختان يُكره في اليوم السابع، وهو المشهور من مذهب المالكية ورواية عن الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بأن اليهود تختن في اليوم السابع، وقد أُمرنا بمخالفتهم.
واعترض عليه بأننا أُمرنا بمخالفة ما عندهم من الباطل، وقد يكون عندهم حق في بعض الأمور، فنحن أولى باتباع هذا الحق منهم.
روى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى الله فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ
(3)
.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي بَابِ الْخِتَانِ نَهْيٌ يَثْبُتُ وَلَا لِوَقْتِهِ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ وَلَا سُنَّةٌ تُتَّبَعُ، وَالْأَشْيَاءُ على الإباحة ولا يجوز حظر شيئ مِنْهَا إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا نَعْلَمُ مَعَ مَنْ مَنَعَ أَنْ يُخْتَنَ
(1)
ضعيف: أخرجه الطبراني في الأوسط (558)، وفي إسناده: القاسم بن المساور ذكره الخطيب (تاريخ بغداد)(12/ 427) ولم يذكر فيه شيئًا. وفي إسناده رواد بن الجراح ضعفه البخاري والنسائي وأبوحاتم، والعقيلي، ووثقه ابن معين وقال أحمد: لا بأس به، وقال الحافظ: صدوق اختلط بأخره فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف.
(2)
المنتقى (7/ 223)، والإنصاف (1/ 125).
(3)
مسلم (1130).
الصَّبِيُّ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ حُجَّةً
(1)
.
القول الثالث: أن وقت الختان من سبع سنين إلى عشر سنين، وهي رواية عن مالك، وقول عند الحنابلة، وقول لبعض الحنفية
(2)
.
واستدلوا لذلك بما روى أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ» .
اعترض عليه بأن هذا الحديث أسانيده ضعيفة، ولو صح فليس فيه حجة لأن هذا الأمر للاستحباب ولا تجب عليه الصلاة إلا بالبلوغ. وهذا الأمر لتدريب الصبيان على الطاعات وتعويدهم القربات.
القول الرابع: أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ.
وهو قول للشافعية، ورجحه الإمام ابن القيم من الحنابلة فقال: وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونًا، فإن ذلك لا يتم الواجب إلا به
(3)
.
وأما قول ابن عباس: (كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) أي حتى يقارب البلوغ فهو كقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك، وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم موت النبي مختونًا وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله بضعة وثمانين يومًا أنه كان قد ناهز الاحتلام وقد أمر النبي الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر، فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ؟!
وهناك أقوال أخرى ولكنها عارية عن الأدلة فأعرضت عن ذكرها.
الراجح: أنه كلما عجل بختن ولده كان أفضل، وإذا بلغ وجب الختان في حقه.
(1)
المجموع (1/ 352).
(2)
المنتقى (7/ 233)، الإنصاف (1/ 124)، والبحر الرائق (7/ 96).
(3)
طرح التثريب (2/ 76)، والمجموع (1/ 350)، وتحفة المودود (182).
المبحث الثالث: حكم ختان الذكر.
اختلف أهل العلم في حكم ختان الذكر على قولين:
القول الأول: أن الختان واجب في حق الرجال، وهو المشهور عن الشافعية، والحنابلة
(1)
، واستدلوا بأن إبراهيم عليه السلام اختتن وقد أُمرنا باتباعه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّومِ»
(2)
، فكون إبراهيم يختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم يدل علي وجوبه.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عز وجل:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] قَالَ: ابْتَلَاهُ اللهُ عز وجل بِالطَّهَارَةِ: خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ:
فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ الرَّأْسِ.
وَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَغَسْلُ مَكَانِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ
(3)
. وقد أُمرنا باتباع ملة إبراهيم فقال تعالي: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78].
واعترض عليه بأن هذه الخصال منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ»
(4)
. قوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ» تدل على وجوب الختان.
وعَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ جَاءَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ. فَقَالَ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ» يَقُولُ: احْلِقْ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي آخَرُ مَعَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِآخَرَ: «أَلْقِ
(1)
المجموع (1/ 349)، وتحفة المحتاج (9/ 198)، والمحرر (1/ 11).
(2)
البخاري (3356) ومسلم (2370).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (1/ 149).
(4)
مسلم (349).
عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ»
(1)
.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيَخْتَتِنْ»
(2)
.
عن عَلِىٍّ رضي الله عنه قَالَ: وَجَدْنَا فِى قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِى الصَّحِيفَةِ: «إِنَّ الأَقْلَفَ لَا يُتْرَكُ فِى الإِسْلَامِ حَتَّى يَخْتَتِنَ وَلَوْ بَلَغَ ثَمَانِينَ سَنَةً»
(3)
.
أما دليلهم من المعقول: فهو أن الجلدة التي تغطي الحشفة قد تحبس البول فينجس بها، والطهارة شرط لصحة الصلاة.
واعترض عليه بأنه يمكن تطهير النجاسة، وليس الختان شرطًا في صحة الطهارة.
واستدلوا بأنه إذا كان يجوز كشف العورة للختان وستر العورة واجب، فدل ذلك علي وجوب الختان.
واعترض عليه بأنه قد يترك الواجب لغير الواجب، فالإنصات للجمعة واجب، وصلاة ركعتين عند الدخول إلى المسجد مستحبة، فالداخل والإمام على المنبر يترك الإنصات مع وجوبه، ويصلي السنة.
واستدلوا بأنه من شعار المسلمين؛ ولذا يطلق على أمة محمد أمة الختان.
(1)
ضعيف جدًّا: أخرجه أحمد (3/ 415) من طريق ابن جريج قال: أخبرت عن عثيم به، وفي الحديث علل: قول ابن جريج: (أخبرت عن عثيم) إنما حدثه به إبراهيم بن أبي يحيى، قال أحمد: كان قدريًّا معتزلًا جهميًّا، كل بلاء فيه. وعثيم بن كثير بن كليب وأبوه كلاهما مجهول: قاله ابن القطان كما في (التلخيص)(1/ 153).
(2)
ضعيف: ذكره الحافظ (التلخيص الحبير)(4/ 82) عن حرب بن إسماعيل في مسائله (قلت): كان يحيى بن القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. وروى البخاري (الأدب المفرد)(1288) عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن بلال عن يونس، عن ابن شهاب قال: وكان الرجل إذا أسلم أُمر بالاختتان وإن كان كبيرًا. وهذا قول الزهري وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3)
موضوع: أخرجه البيهقي (8/ 324) وفي إسناده محمد بن الأشعث متهم بالكذب.
واعترض عليه بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة، فمنها ما هو واجب كالصلاة والصيام، ومنها ما هو مستحب كالأذان والعيدين.
القول الثاني: أن الختان سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية
(1)
.
واستدلوا لذلك بحديث أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ»
(2)
.
وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ»
(3)
فإذا قرن الختان بالمستحبات دل ذلك على استحباب الختان.
(1)
حاشية ابن عابدين (6/ 371)، شرح الخرشي (3/ 48)، وطرح التثريب (2/ 75).
(2)
ضعيف: مدار الحديث على الحجاج واختلف عليه: فرواه سريج عن عباد بن العوام عن الحجاج عن أبي المليح به، أخرجه أحمد (5/ 75)، ورواه البيهقي (8/ 325)، قال البيهقي: الحجاج بن أرطاة لا يُحتج به وقيل: عنه، عن مكحول، عن أبي أيوب. وهو منقطع. ورواه ابن أبي شيبة (5/ 317)، عن عباد بن العوام عن حجاج عن رجل عن أبي المليح عن شداد به. ورواه محمد بن فضيل وحفص بن غياث كلاهما عن حجاج عن أبي المليح عن أبيه عن شداد به. كما في الطبراني (الكبير)(7/ 273)، رقم (7112)، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث (2/ 247)، فقال: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أَبِي: الَّذِي أَتَوَهَّمُ أَنَّ حَدِيثَ مَكْحُولٍ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حَدِيثَ حَجَّاجٍ مَا قَدْ رَوَاهُ مَكْحُولٌ، عَنْ أَبِي الشِّمَالِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: التَّعَطُّرُ وَالْحِنَّاءُ وَالسِّوَاكُ فَتَرَكَ أَبَا الشِّمَالِ، فَلا أَدْرِي هَذَا مِنَ الْحَجَّاجِ، أَوْ مِنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الْخَتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ.
وله شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه الطبراني (الكبير)(11590)، من طريق أيوب عن محمد الوزان، ثنا الوليد ثنا ابن ثوبان عن محمد بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس به، وأخرجه الطبراني (الكبير)(12009) موقوفًا على ابن عباس وكلا الحديثين الموقوف والمرفوع ضعيف عن ابن عباس، والله أعلم.
(3)
البخاري (5891)، ومسلم (257).
واعترض عليه بأن دلالة الاقتران ضعيفة ولذلك من شواهد القرآن، قال تعالى:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 144]. ولا خلاف أن الأكل للإباحة، وآتوا حقه للوجوب وهي الزكاة المفروضة، وأيضًا بعض العلماء قالوا بأن الخصال المذكورة في الحديث واجبة.
قال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته علي صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟!
المبحث الرابع: حكم ختان المرأة:
من العلماء من نقل الإجماع على إباحة الختان ومنهم من نقل الاستحباب.
قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا على إباحة الْخِتَان للنِّسَاء
(1)
.
قال ابن القيم: لا خلاف في استحبابه للأنثى
(2)
.
واختلف العلماء في وجوب الختان للمرأة علي قولين:
القول الأول: يجب ختان المرأة كما يجب على الرجل، وهو قول الشافعية، وقول الحنابلة
(3)
.
قال النووي: الْخِتَانُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَنَا
(4)
.
واستدلوا بما ورد من أدلة في المسألة السابقة.
والقول الآخر: أن ختان الإناث سنة. وهو قول الحنفية، والمالكية، ورجحه الحنابلة
(5)
. واستدلوا بما مضى من الأدلة.
(1)
مراتب الإجماع (157).
(2)
تحفة المودود (206).
(3)
طرح التثريب (2/ 75)، والمحرر (1/ 11)، و المغني (1/ 63).
(4)
المجموع (1/ 300).
(5)
شرح فتح القدير (1/ 63)، ومواهب الجليل (3/ 259)، والمغني (1/ 63).
قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِنَّ. هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ أَحْمَدُ: الرَّجُلُ أَشَدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَمْ يَخْتَتِنْ، فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ مُدَلَّاةٌ عَلَى الْكَمَرَةِ، وَلَا يُنَقَّى مَا ثَمَّ، وَالْمَرْأَةُ أَهْوَنُ
(1)
.
(1)
المغني (1/ 63).
قال الشيخ دبيان بن محمد الدبيان (3/ 114، 120): شبهة وردها: في بعض البلاد الإسلامية صدق قرار وزاري بمنع إجراء ختان الإناث بالمستشفيات أو العيادات العامة والخاصة، وقصر إجرائها على الحالات المرضية. وقامت على إثره هجمة شرسة علي ختان المرأة. وقد ألغت محكمة القضاء الإداري في تلك البلاد قرار وزير الصحة. وجاء في جريدة القبس في تاريخ (14/ 11/ 1989)، بأن نحو مائتي مسلم في بلغاريا قتلوا، وهم يقاومون أوامر صدرت بتحريم الختان، سواء بالنسبة للذكور والإناث، وهناك من يصف خفاض الإناث بأنه وحشية. وهي حملة غريبة ودخيلة علي الأمة الإسلامية، تدعي أن خفاض الإناث ينجم عنه أضرار سيئة تلحق بالفتاة من الناحية الصحية كالنزيف وإصابة مجرى البول
…
إلى آخر ما هنالك من أضرار تنجم عن سوء إجراء عملية الخفاض.
وأريد أن أثبت أن ختان المرأة مشروع في الإسلام، وليس فيه خلاف في مشروعيته، وإنما الخلاف في وجوبه: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» فقوله: «وألزق الختان بالختان» دليل على أن المرأة تختن، وأن هذا معروف في زمن الصحابة، وواضح أن من عادتهم ختان الأنثى. نعم قد يقوم بالختان من لا يحسن الختان من النساء والرجال، ورأيت كثيرًا في مجتمعنا في السابق من يذهب في ختان الأولاد إلى الحلاقين، والعوام الذين لا يحسنون المهنة، فينجم عن ذلك أضرار بالغة، ولا يعني هذا أن يترك الختان من أجل سوء التصرف، بل ينبغي أن تكون هناك توعية للناس بأن يذهبوا إلى الأطباء المتخصصين. والله الموفق.
قال أحد الأطباء: إن ما يتم في مناطق كثيرة من العالم، ومنه بعض بلاد المسلمين مثل الصومال والسودان وأرياف مصر من أخذ البظر بأكمله، أو أخذ البظر والشفرين الصغيرين، أو أخذ ذلك كله مع إزالة الشفرين الكبيرين، فهو مخالف للسنة، ويؤدي إلى مضاعفات كثيرة، وهو الختان المعروف باسم الختان الفرعوني، وهو على صفة لا علاقة ما بالختان الذي أمر به المصطفي صلى الله عليه وسلم. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومضار هذا النوع من الختان المخالف للسنة، كما يلي:
أولًا: المضاعفات الحادة: مثل النزيف والالتهابات الميكروبية نتيجة إجراء عملية الختان في مكان غير معقم، وأدوات غير معقمة، وبواسطة خاتنة لا تعرف من الطب والجراحة إلا ما تعلمته من الخاتنات مثلها.
ثانيًا: مضاعفات متأخرة: مثل البرود الجنسي، والرتق وهو التصاق فتحة الفرج مما يؤدي إلي صعوبة الجماع، وصعوبة الولادة، وتعسرها عند حدوثها.
وهذا كله ناتج عن مخالفة السنة، واتباع الأهواء والعادات الفرعونية، ولا بد أن يجري الختان كما أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم يجب أن يتم بواسطة طبيبة لديها التدريب الكافي لإجراء الختان، وفي مكان معقم، وبأدوات معقمة، مثل أي عملية جراحية.
ولذا فإن الضجة المفتعلة ضد ختان البنات لا مبرر لها؛ لأن المضاعفات، والمشاكل ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما: الأول: مخالفة السنة.
الثاني: إجراء العملية بدون تعقيم، ومن قبل غير الأطباء. ولو تمت أي عملية بدون تعقيم، كان الذي يجريها لا علاقة له بالطب مضاعفاتها فستكون مروعة.
* فرع في أنواع الخفاض: جاء في تقرير الدكتور مأمون الحاج إبراهيم، أستاذ أمراض النساء والولادة بكلية الطب بجامعة الكويت بيان أنواع كيفية ممارسة الخفاض:
النوع الأول: يقصد به إزالة قطعة الجلد التي في أعلى الفرج على ما سبق وقد يزاد على ذلك.
النوع الثاني: خياطة الشفرين الصغيرين، من غير إزالة أجزاء منهما، وذلك لتضييق فتحة المهبل، وهذا مخالف للشرع.
النوع الثالث: وُيعرف باسم الخفاض الفرعوني، وهو أشدها، والذي بدأت ممارسته في مصر القديمة أيام الفراعنة. وفي هذا النوع تتم إزالة البظر والشفريين الصغيرين، ومعظم الشفرين الكبيرين، ثم تتم عملية خياطة الجانبين لقفل فتحة المهبل، وتُترك فتحة صغيرة جدًّا في الجزء الأسفل من المهبل لخروج البول، ودم الحيض، والشفران الصغيران يقعان بين الشفرين الكبيرين، وفيهما الأنسجة الدموية والأعصاب، ويشكلان مع البظر أكثر الأعضاء الجنسية حساسية. أما البظر فيقع في مقدمة الأعضاء التناسلية الخارجية، فوق فتحة البول، وهو أكثر الأعضاء حساسية عند المرأة. ويصاحب هذا النوع كثير من المضاعفات مثل النزيف الحاد، والتهاب مجاري البول، والالتهاب التناسلي، أو الموت، خاصة أنه يُعمل بواسطة نساء غير مؤهلات طبيًّا، وليس لهن دراية بالعمليات الجراحية.
المبحث الخامس: ختان الخنثى:
اختلف أهل العلم في ختان الخنثى: فمن قائل: بختان الخنثى ومن قائل: لا يختتن، ومن قائل: يختن نفسه، وأقوال أخرى في المسألة وكلها عارية عن الأدلة.
ومع تقدم الطب الحديث الآن أصبح كثير من الأطباء باستطاعتهم أن يتحققوا من الخنثى وهل هو رجل أو امرأة، فقد يقولون هذا رجل لوجود خصيتين مختفيتين أو لوجود هرمون الذكورة فيكون حكمه حكم الرجال، أو يقولون: إن هذه امرأة لوجود رحم في جوفها ووجود مبايض أو لوجود الحيض. وإن عجز الطب عن تحديد الجنس وكان له ذكر وفرج، ختنهما جميعًا لأن الختان لا يضر.
المبحث السادس: حكم ختان الميت:
ذهب المالكية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة إلى أن الميت لا يختن بعد موته
(1)
. واستدلوا لذلك بأن المقصود من الختان الطهارة وقد زالت هذه الحاجة بالموت.
وذهب ابن حزم وبعض الشافعية إلى أن الميت يختن بعد موته إن لم يكن مختونًا، وإذا كان المقصود من الغسل النظافة ويجوز أخذ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط، فكذا يجوز الختان
(2)
.
واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق فتقليم الأظفار بخلاف الختان الذي فيه قطع عضو من أعضائه
(3)
.
وعند الشافعية في وجه: يختن الكبير دون الصغير
(4)
.
(1)
التاج والإكليل (3/ 52)، والمجموع (1/ 351)، و المغني (2/ 211).
(2)
المجموع (1/ 351).
(3)
تحفة المودود (214).
(4)
المجموع (1/ 351)، ومغني المحتاج (5/ 541).
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الميت لا يختن بعد موته لأن المقصود من الختان الطهارة وقد زالت هذه الحاجة بالموت، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»
(1)
. قوله صلى الله عليه وسلم: «غرلًا» أي غير مختونين، فما الفائدة من قطع عضو سيبعث يوم القيامة به وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى
(2)
.
المبحث السابع: فوائد الختان:
ذكرت الدراسات الطبية أن عملية الختان لها فوائد لا تكاد تحصر، فمنها الوقاية من الالتهابات في القضيب، والوقاية من سرطان القضيب وغير ذلك
(3)
.
(1)
البخاري (6526)، ومسلم (2860).
(2)
تحفة المودود (214).
(3)
قال الشيخ دبيان محمد الدبيان: ذكر الطبيب محمد علي الباز في كتابه الختان فصلًا في ذكر فوائد الختان، وقد نقل بحثه من مقالات، وبحوث غربية عن أضرار ترك الختان، وسوف أنقل لك هذا الفصل لأهميته.
نقل الطبيب من مقال للدكتور البرفيسور (wiseewell Te) نشرته المجلة الأمريكية لطبيب الأسرة، وقد استعرض المكاسب الصحية الهامة للختان من أهمها ما يلي.
الأول: الوقاية من الالتهابات الموضعية في القضيب، الناتجة عن وجود القلفة، ويسمى ضيق القلفة ويؤدي إلى حقن البول، إجراء الختان لعلاجها، أما إذا أزمنت فإنها تعرض الطفل المصاب لأمراض عديدة في المستقبل من أخطرها سرطان القضيب.
الثاني: أثبتت الأبحاث العديدة أن الأطفال غير المختونين يتعرضون لزيادة كبيرة في التهابات المجاري البولية، وفي بعض الدراسات بلغت النسبة (39) ضعف ما هي عليه عند الأطفال غير المختونين، وفي دراسات أخرى كانت النسبة عشرة أضعاف وفي دراسة أخرى تبين أن (95 %) من الأطفال الذين يعانون من التهابات المجاري البولية هم من غير المختونين، بينما كانت نسبة الأطفال المختونين لا تتعدى (5 %)، والتهابات المجاري البولية عند الأطفال خطيرة في بعض الأحيان.
الثالث: الوقاية من سرطان القضيب. قد أجمعت الدراسات على أن سرطان القضيب يكاد يكون معدومًا لدي المختونين، بينما نسبته لدى غير المختونين ليست قليلة وفي البلاد التي لا يختن بها =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إلا الأقليات المسلمة مثل الصين وبولندا فإن سرطان القضيب يشكل ما بين (12 إلي 22 %) من مجموع السرطانات التي تصيب الرجال، وهي نسبة عالية جدَّا.
الرابع: الأمراض الجنسية: فقد وجد الباحثون أن الأمراض الجنسية التي تنتقل عبر الاتصال الجنسي (غالبًا بسبب الزنا واللواط) تنتشر بصورة أكبر وأخطر لدى غير المختونين، وخاصة الهربس والقرحة الرخوة (Chancroid) والزهري، والكانديدا (فطر المبيضة) والسيلان والثآليل الجنسية.
وهناك أبحاث عدة تؤكد أن الختان يقلل من احتمال الإصابة بالإيدز، وأن غير المختونين يصابون بالإيدز بنسبة أعلى من قرنائهم من المختونين، ولكن ذلك لا ينفي أن المختون إذا تعرض للعدوى نتيجة اتصال جنسي بشخص مصاب بالإيدز قد لا يصاب بهذا المرض الخطير، وليس الختان واقيًا منه، وليست هناك وسيلة حقيقية للوقاية من هذه الأمراض الجنسية العديدة سوى الابتعاد عن الزنا والخنا واللواط، وغيرها من القاذورات.
الخامس: وقاية الزوجة من سرطان عنق الرحم.
يرتبط سرطان عنق الرحم بعوامل عديدة، أهمها: عدد المخاللين لهذه المرأة، وكلما زاد الزنا وزاد عدد المخاللين والمتصلين بها زادت احتمالات الإصابة بهذا المرض الخبيث .. وهذا هو أهم العوامل. وهناك عامل الزمن، فكلما كان التعرض للاتصال الجنسي مبكرًا في حياة المرأة كان احتمال الإصابة بهذا المرض أكثر. وقد لاحظ الباحثون أيضًا أن زوجات المختونين أقل تعرضًا للإصابة بسرطان عنق الرحم من غير المختونين. وقد تبين أن سرطان القضيب وسرطان عنق الرحم كلاهما مرتبط بفيروسات الثآليل الجنسي (Human papilloma viruses) وخاصة المجموعة رقم (16، ورقم 18).
وبما أن هذه الثآليل الجنسية معدية، وبما أن غير المختونين أكثر تعرضًا لهذا، فإن احتمال إصابة زوجة غير المختون أكبر مما هي عليه عند المختون.
السادس: أن عملية الختان بسيطة وسهلة، وغير مكلفة إذا تم إجراؤها في الطفل المولود. ففي الولايات المتحدة تتم ولادة (8، 1) مليون طفل ذكر سنويًّا، وتبلغ كلفة العملية مائة دولار لكل طفل مولود، أما إذا تُرك هؤلاء الأطفال دون ختان فإن (10 إلى 15 %) منهم سيحتاجون للختان في سن متقدمة بسبب ضيق القلفة، وحقب البول، والتهابات الحشفة، والقلفة، وذلك يحتاج إلى إدخال المريض المستشفى، وإجراء العملية تحت التخدير العام، وتصل كلفة العملية ما =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بين (2000 إلى 5000) دولار بالإضافة إلى التغيب عن الدراسة أو العمل، ومعنى ذلك ببساطة أن إجراء عملية الختان لليافعين والمراهقين سيكلف ما بين (360 - 900) مليون دولار. هذا إذا لم نحسب الأمراض التي يصاب بها غير المختونين، وكلفتها الباهظة .. ولهذا فإن عملية الختان في أثناء الطفولة الباكرة هي عمل اقتصادي كبير.
السابع: أن مضاعفات عملية الختان في الطفولة إذا تم إجراؤها بيد طبيب مجرب ضئيلة جدًّا، وهي لا تتعدى اثنين من كل ألف طفل، وأغلبها من النوع البسيط مثل النزف الذي يمكن التحكم فيه بسرعة، وقد أظهرت الدراسات التي شملت أكثر من مليوني طفل مختون حدوث وفاة واحدة بسبب الختان، وكان الطفل مصابًا بالناعور (الهيموفليا) والذي أجرى عملية الختان غير طبيب.
الثامن: أن عملية تنظيف القلفة لدى غير المختونين التي يدعو لها بعض الأطباء في الغرب غير مجدية كما يقول (البرفيسور ويزويل) في مقاله الذي نشرته مجلة طبيب الأسرة الأمريكية، وقد أثبتت الأبحاث العديدة التي أجريت على الأطفال غير المختونين في الولايات المتحدة وأوربا صعوبة تنظيف القلفة (الغرلة) وما تحتها بانتظام، ولا يوجد أي دليل على أن عملية التنظيف ستقي من السرطان والمضاعفات الأخرى المرتبطة بعدم الختان، بل إن الأطباء أنفسهم لا يعرفون كيف يتم تنظيف القلفة بالطريقة المثلى، إذ لا توجد هذه الطريقة مما حدا بجمعية الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية أن تنصح بترك قضيب الطفل دون محاولات التنظيف، وشد القلفة التي قد تنتهي بنزف. والحل الصحيح هو إجراء عملية الختان في وقت مبكر.
هذه بعض الفوائد لعملية الختان، والتي ننهي بها بحث الختان، و أرجو أن أكون قد أتيت فيه على جل مباحث الختان. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
الفصل الثاني الاستحداد
وفيه ثمانية مباحث
المبحث الأول: تعريف الاستحداد.
المبحث الثاني: حكم الاستحداد (حلق العانة).
المبحث الثالث: وقت الاستحداد.
المبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا.
المبحث الخامس: كيفية الاستحداد.
المبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر.
المبحث السابع: حكم حلق عانة الميت.
المبحث الثامن: استخدام النورة.
الفصل الثاني
الا ستحداد
المبحث الأول: تعريف الاستحداد:
الاستحداد في اللغة: يعني الاحتلاق بالحديد
(1)
، أي: حلق العانة بالحديدة.
وفي الشرع: قال النووي: الاستحداد: إزالة شعر العانة، هو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو نورة أو حلق، مأخوذ من الحديدة، وهي الموسى التي يُحْلَق بها
(2)
.
قال النفراوي: الاستحداد حلق العانة: هي ما فوق العسيب والفرج وما بين الدبر والأنثيين
(3)
.
المبحث الثاني: حكم الاستحداد، (حلق العانة):
ذهب جمهور العلماء إلى أن الاستحداد سنة
(4)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ»
(5)
.
قال ابن قدامة: الاستحداد مُسْتحَبُّ، لأنَّه مِنَ الفِطْرَةِ وَيَفْحُشْ بِتَرْكْهِ
(6)
.
(1)
تاح العروس (4/ 412).
(2)
تحرير ألفاظ التنبيه (253).
(3)
الفواكه الدواني (2/ 306).
(4)
البحر الرائق (1/ 50)، والتمهيد (21، 61، 68)، والمجموع (1/ 342)، والمغني (1/ 64).
(5)
البخاري (5891)، ومسلم (257).
(6)
المغني (1/ 64).
وقال النووي: مُعظم هذه الخَصَالِ ليست بِواجبة عند العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبها كالختان، والمضمضة والاستنشاق، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره، كما قال تعالى:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] والإيتاء واجب والأكل مباح.
وذهب ابن العربي، والشوكاني، إلى وجوب خصال الفطرة ومنها وجوب الاستحداد
(1)
. واستدلوا لذلك بما روي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا»
(2)
، فهذا يدل على أن ترك الشارب محرم، وأن أخذ الشارب واجبًا، وإذا كان الأخذ من الشارب واجب فكذا حلق العانة واجب، وأن الإنسان لو ترك أظفاره وشاربه وغير ذلك لم تبق له صورة الآدميين، قال تعالي: عن أصحاب الكهف الذين مكثوا أكثر من ثلاثة قرون: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18].
قال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟!
(3)
.
وعلى هذا القول فلكل من الزوجين أن يجبر الآخر على الاستحداد، وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وعموم التنظيف له، فالزوج لا بد أن يتنظف لزوجته لعموم قوله تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] والزوجة لا بد أن تتنظف وتتجمل لزوجها لعموم قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 228].
قال ابن قدامة: وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ
(4)
.
(1)
شرح النووي على مسلم (3/ 148).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (4/ 366، 368)، والنسائي «الكبري» (13، 14)، والترمذي (2761) وغيرهم من طرق عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم به.
(3)
العدة شرح العمدة (1/ 351).
(4)
المغني (7/ 225).
فالحاصل أن الاستحداد مُسْتحَبٌ ويجب إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ.
المبحث الثالث: وقت الاستحداد:
اختلف أهل العلم في وقت الاستحداد على قولين:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب حلق العانة ونتف الإبط كل جمعة، وبه قال الحنفية، والمالكية، وحكاه النووي عن الشافعي ورواية عن أحمد
(1)
.
واستدلوا لذلك بأنه إذا كان يستحب الاغتسال لكل جمعة، فكذا يستحب التنظيف بحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار وغيرها.
وذهب الشافعية إلى أن حلق العانة ليس له وقت محدد، فمتى طالت استحب حلقها، وهذا يختلف باختلاف الأماكن والأشخاص.
المبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا:
اختلف أهل العلم في حكم ترك الاستحداد فوق الأربعين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحرم ترك العانة ونتف الإبط أكثر من أربعين يومًا، وإليه ذهب الحنفية
(2)
.
واستدلوا بما رواه مسلم عَنْ أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
(3)
.
(1)
الفتاوى الهندية (1/ 357) والمفهم (1/ 515)، قال النووي في المجموع (1/ 339): وقد نص الشافعي علي أنه يستحب تقليم الأظفار والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة. الفروع (1/ 131).
(2)
حاشية ابن عابدين (6/ 407).
(3)
مسلم (258) وقد انتقد هذا الحديث القرطبي فقال في (تفسيره)(2/ 107): هذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان، قال العقيلي: في حديثه نظر، وقال أبو عمر: ليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه، وهذا الحديث ليس بالقوي من جهة النقل.
وقد رد علي هذا النووي في (شرح مسلم)(3/ 150) فقال: قد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر ابن سليمان، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم. وقد تابعه غيره. وقد تابع جعفرًا، صدقة بن موسى. فقد أخرجه أحمد (3/ 122، 203) من طريق صدقة عن أبي عمران الجوني عن أنس قال: وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قَصْ الشَّارِبِ وَتَقْليمِ الأظْفَار وحَلْقِ العَانةَ في كل أَرْبَعين يومًا. وفي إسناده: صدقة فيه مقال.
قال الشوكاني: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُضْبَطُ بِالْأَرْبَعِينَ الَّتِي ضَبَطَ بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا
(1)
.
وقال النووي: معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا.
القول الثاني: أن تأخير الاستحداد أربعين يومًا يُكره كراهة شديدة، وبه قال الشافعية، والمشهور عند الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بحديث أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قالوا إن النهى للكراهة وليس للتحريم.
القول الثالث: ما قاله ابن عبد البر: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ وَقَّتَ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
(3)
.
وفي الفتاوى الهندية: يحلق عانته في كل أسبوع مرة، فإن لم يفعل ففي كل خمسة عشر يومًا، ولا يُعذر في تركه وراء الأربعين ويستحق الوعيد.
المبحث الخامس: كيفية الاستحداد:
اختلف أهل العلم في كيفية الاستحداد على ثلاثة أقوال:
القول الأول: السنة في الرجل حلق العانة، والسنة في المرأة نتف العانة، وهو مذهب
(1)
نيل الأوطار 1/ 169).
(2)
روضة الطالبين (3/ 234)، وكشاف القناع (1/ 77).
(3)
التمهيد (21/ 68) وقال القرطبي: إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل.
الحنفية، والشافعية
(1)
.
واستدلوا بأن المرأة أشد حاجة إلى إزالة الشعر وتأخر نموه أكثر من الرجل ولذا كان يستحب للمرأة النتف وللرجل الحلق.
واعترض عليه بأنه ورد في الحديث «حَلْق الْعَانَةِ» وهذا يشمل الذكر والأُنثي.
وفي الصحيحين: «حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ» أي: المرأة الغائب عنها زوجها وهذا دليل خاص.
القول الثاني: السنة حلق العانة للرجل والمرأة. وهو مذهب المالكية
(2)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ
…
»
(3)
.
وفي البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «مِنَ الْفِطْرَةِ حَلْقُ الْعَانَةِ
…
»
(4)
ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة حلق العانة للرجل والمرأة.
وورد في الصحيحين: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، {؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ لَيْلاً، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ
…
»
(5)
.
وهو استعمال الحديدة في حلق العانة.
القول الثالث: ذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلي أنه بأي شيء تزال العانة فلا بأس بذلك
(6)
. واستدلوا بأن المقصود إزالة الشعر والتنظيف بأي مزيل.
والراجح: أن الحلق أفضل لأنه ورد في الأحاديث الصحاح حلق العانة والاستحداد وهو
(1)
حاشية ابن عابدين (6/ 406)، وتحفة المحتاج (9/ 375).
(2)
الثمر الدواني (682).
(3)
البخاري (5891) ومسلم (257).
(4)
البخاري (5890).
(5)
البخاري (5246) ومسلم (715).
(6)
المغني (1/ 64) والإنصاف (1/ 122).
استعمال الحديدة، والله أعلم.
المبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر:
اختلف العلماء في حكم شعر الدبر على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يستحب حلق شعر الدبر، وهو قول بعض الحنفية.
قال ابن عابدين: والعانة: الشعر القريب من فرج الرجل والمرأة، ومثلها شعر الدبر وهو أولى بالإزالة لئلا يتعلق به شيء من الخارج عند الاستنجاء بالحجر
(1)
.
القول الثاني: يباح حلق الدبر، وهو مذهب المالكية وبعض الشافعية
(2)
.
واستدلوا بأن الشعر قد ينهى عن حلقه كشعر اللحية وقد يؤمر بحلقه كشعر العانة وشعر لم يؤمر فيه ولم ينه عنه فهذا على الإباحة كشعر الدبر.
القول الثالث: لا يشرع حلق الدبر وهو قول بعض المالكية
(3)
.
واستدلوا بأنه ليس هناك دليل من قول الرسول ولا من فعله ولا من فعل الصحابة. وعليه فلا يُشرع.
قال الشوكاني: الِاسْتِحْدَادُ إنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ حَلْقَ الْعَانَةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَلَا دَلِيلَ عَلَى سُنِّيَّةِ حَلْقِ الشَّعْرِ النَّابِتِ حَوْلَ الدُّبُرِ، وَإِنْ كَانَ الِاحْتِلَاقُ بِالْحَدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ.
والراجح: ما قاله النووي: لا مانع مِنْ حَلْقِ شَعْرِ الدُّبُرِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِمَنْ يُعْتَمَدُ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنَظُّفَ وَسُهُولَةَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ
(4)
.
(1)
حاشية ابن عابدين (2/ 481).
(2)
حاشية العدوي (2/ 579)، والمجموع (1/ 341).
(3)
حاشية العدوي (2/ 579).
(4)
المجموع (1/ 341).
المبحث السابع: حكم حلق عانة الميت:
اختلف أهل العلم في حكم حلق عانة الميت على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يحرم حلق عانة الميت لأن في ذلك كشفًا لعورته، وبه قال الحنفية والمشهور من مذهب أحمد
(1)
.
القول الثاني: يكره حلق عانة الميت، وإليه ذهب المالكية، والشافعية
(2)
.
القول الثالث: أنه يباح حلق عانة الميت. وهو قول عند الشافعية
(3)
.
واستدلوا بأنه يجوز من باب التنظيف.
قال ابن حزم: وَإِنْ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً، أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا، أَوْ عَانَتُهُ أُخَذَ كُلَّ ذَلِكَ; لأنَّ النَّصَّ قَدْ صَحَّ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَهَّزَ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى إلاَّ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا.
والراجح: أن حلق عانة الميت محرم لأن في ذلك كشفًا لعورته، وإذا أمكن إزالة شعر العانة بدون النظر إلى العورة وعدم ملامسة البشرة بالنورة أو كان الذي يباشر ذلك الزوجة فَلَا بَأْسَ.
قال ابن قدامة: وَإِنْ اطَّلَى بِنَوْرَةٍ فَلَا بَأْسَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَلِي عَوْرَتَهُ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا؛ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ أَمَةٍ
(4)
.
(1)
بدائع الصنائع (1/ 301)، وفتح القدير (2/ 111)، والمغني (2/ 210).
(2)
المنتقى (2/ 7)، والتاج والإكليل (2/ 52)، والمجموع (5/ 141).
(3)
الشافعي في الأم (1/ 319) فإذا كان في عانته شعر فمن الناس من كره أخذه عنه، ومنهم من رخص فيه، فمن رخص فيه لم ير بأسًا أن يحلق بالنورة. وانظر المجموع (5/ 141) والمحلى (5/ 177).
(4)
المغني (1/ 64)(قلت): استعمال النورة جائز ولكنها لا تخلو من مواد كيماوية قد تؤثر في الجلد، والأفضل في حلق العانة الاستحداد الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثامن: استخدام النورة:
النورة: طلاء بشرة العانة بالنورة ليزيل الشعر الذى عليها.
قال النووي: وَالسُّنَّةُ فِي الْعَانَةِ الْحَلْقُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَلَوْ نَتَفَهَا أَوْ قَصَّهَا أَوْ أَزَالَهَا بِالنُّورَةِ، جَازَ
(1)
.
وعن أم سلمة: «أَنّ النَبِّيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَنَوَّرُ وَ يَلِي عَانَتَهُ بِيَدِهِ
(2)
.
* * *
(1)
المجموع (1/ 130، 131).
(2)
مدار الحديث على حبيب بن أبي ثابت ويرويه عن حبيب جماعة: فرواه كامل بن العلاء عن حبيب عن سلمة به، أخرجه الطيالسي (1610). ولهذا الحديث علتان:
الأولى: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة كما في المراسيل (47).
الثانية: رواه منصور عن حبيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلًا كما عند عبد الرزاق (1127) وأخرجه البيهقي (1/ 152) وقال: أسنده كامل بن العلاء وأرسله من هو أوثق منه، وللحديث طرق أخرى لا يصح منها طريق أعرضت عنها لعدم الإطالة، وورد في الباب أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتنور. وكلها ضعيفة، فعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتنور، فإذا كثر شعره حلقه، ضعيف جدًّا. أخرجه البيهقي (1/ 52)، وفي إسناده مسلم الملائي: ذاهب الحديث. وعن الحسن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر لا يطيلون. أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 105) وهو مرسل. وورد عن قتادة أيضًا، أخرجه أبو داود (المراسيل) (328) ومراسيل قتادة والحسن من أضعف المراسيل. ورد حديث في هذا المعني عن يعلى بن مرة عند الطبراني (الكبير) (22/ 266) وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي: منكر الحديث.
الفصل الثالث
فى تقليم الأظفار ونتف الإبط
وفيه تمهيد وتسعة مباحث
المبحث الأول: حكم تقليم الأظفار، ونتف الإبط.
المبحث الثاني: وقت تقليم الأظفار، ونتف الإبط.
المبحث الثالث: كيفية تقليم الأظفار.
المبحث الرابع: إزالة الوسخ الذي تحت الظفر.
المبحث الخامس: دفن الظفر والشعر.
المبحث السادس: من توضأ ثم قلم أظفاره، هل يعيد الوضوء؟
المبحث السابع: من توضأ ثم نتف إبطه هل يعيد الوضوء.
المبحث الثامن: توفير الأظفار في الحرب.
المبحث التاسع: السنة نتف الإبط وليس الحلق.
الفصل الثالث
تقليم الأظفار ونتف الإبط
تمهيد: معني تقليم الأظفار:
هو أخذ ما طال منها، وذلك لتحسين الهيئة وإزالة القباحة من طول الأظفار، ومنع الوسخ الذين يكون تحت الظفر وقد يمنع من كمال الطهارة.
المبحث الأول: حكم تقليم الأظفار، ونتف الإبط:
قال النووي: أَمَّا تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ: وَسَوَاءٌ فِيهِ الرجل والمرأة وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ
(1)
. وأما نتف الإبط فمتفق على أنه سنة.
أما إذا طالت الأظفار وفحشت فيحرم تركها من غير تقليم.
قال ابن دقيق العيد: وفي تقليم الأظفار معنيان: أَحَدُهُمَا: تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ وَالزِّينَةِ، وَإِزَالَةُ الْقَبَاحَةِ مِنْ طُولِ الْأَظْفَارِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، لِمَا عَسَاهُ يَحْصُلُ تَحْتَهَا مِنَ الْوَسَخِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْرُجَ طُولُهَا عَنْ الْعَادَةِ خُرُوجًا بَيِّنًا، وَهَذَا الَّذِي أَشَرْنَا إلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ طُولُهَا عَنِ الْعَادَةِ يُعْفَى عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ يَسِيرِ الْوَسَخِ، وَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ: فَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ مَانِعٌ مِنَ حُصُولِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى
(2)
(3)
.
(1)
المجموع (1/ 393، 341).
(2)
إحكام الأحكام (1/ 124، 125).
(3)
روى أحمد عن رجل من بني غفار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لمَ يَحْلِقْ عَانَتَه وَيُقَلِّم أَظْفَارَه وَيُجْزِ شَارِبَه فَليسَ مِنَّا» وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث و «ليس منا» ليست صريحة في الإستدلال، بل لها قرائن محتفة بها فقد قال: صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» وهذا علي سبيل الاستحباب وقد قال صلى الله عليه وسلم: «منْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» فهذا على سبيل التحريم.
قال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟!.
قال تعالي عن أهل الكهف لما طالت أظفارهم وشواربهم وشعرهم: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18].
فالحاصل أن تقْلِيم الْأَظْفَار ونتف الإبط سنة إلا إذا طالت وفحشت فيحرم تركها.
المبحث الثاني: وقت تقليم الأظفار، ونتف الإبط:
اختلف العلماء في وقت تقليم الأظفار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يستحب تقليم الأظفار كل جمعة. وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول عند الحنابلة.
(1)
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:
أما دليلهم من السنة: فعَنْ أَبِي عَبْدِ الله الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ ويَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاةِ»
(2)
.
وعَنِ ابْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْخُذُ شَارِبَهُ وَأَظْفَارَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ
(3)
.
(1)
حاشية ابن عابدين (6/ 406)، والفواكه الدواني (2/ 306)، والفروع (1/ 130).
(2)
ضعيف: أخرجه الطبراني (الأوسط)(846)، قال الهيثمي:(مجمع الزوائد)(2/ 170): رواه البزار والطبراني (الأوسط) وفي إسناده إبراهيم بن قدامة. قال البزار: ليس بحجة إذا تفرد وقد تفرد به. وضعفه الحافظ (الفتح)(10/ 346).
(3)
ضعيف جدًّا: أخرجه أبوالشيخ (أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)(810) وفي إسناده محمد بن القاسم: متروك.، وكذا في إسناده: محمد بن سليمان ضعيف.
وله شواهد: فعن عبد الله بن محمد بن حاطب، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من شاربه، أو ظفره يوم الجمعة. أخرجه أبو الشيخ (أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم (4/ 109) وله علتان: الأولى في إسناده إبراهيم بن قدامة: ضعيف. الثانية: عبد الله بن محمد لم يدرك أحدًا من الصحابة.
2) شاهد ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقص أظفاره يوم الجمعة» أخرجه أبوالشيخ (أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه)(4/ 107) وفي إسناده الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وفيه عبد العزيز بن أبي رواد فيه مقال.
شاهد عائشة: أخرجه الطبراني (الأوسط)(4746) وفي إسناده: أحمد بن ثابت بن عتاب: كذاب، والعلاء بن هلال: منكر الحديث.
شاهد ابن عباس مرفوعًا: «من قلم أظافيره يوم الجمعة قبل الصلاة أخرج الله منه كل داء وأدخل مكانه الشفاء والرحمة» وفي إسناده طلحة بن عمرو: متروك.
وأما دليلهم من المأثور: فعن ابْنَ عُمَرَ أنه كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَقُصُّ شَارِبَهُ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ
(1)
.
القول الثاني: يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس، وهو قول عند الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: «من أَرَادَ أَنْ يَأْمَن الْفقر وشكاية الْعَمى والبرص وَالْجُنُون فليقلم أَظْفَاره يَوْم الْخَمِيس بعد الْعَصْر»
(3)
. واعترض عليه بأنه لا أصل له.
القول الثالث: إن التوقيت في تقليم الأظفار معتبر بطولها، فإذا طالت قلمها ولا تؤخر عن أربعين يومًا.
واستدلوا بما رواه مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
(4)
.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (3/ 244).
(2)
الفروع (1/ 130) والإنصاف (1/ 122).
(3)
أخرجه الديلمي (مسند الفردوس)(5865) وقال: ولا أعلم له أصلًا. وروى ابن الجوزي (الموضوعات)(1451): وعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ السَّبْتِ خَرَجَ مِنْهُ الدَّاءُ وَدَخَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الأَحَدِ خَرَجَتْ مِنْهُ الْفَاقَةُ وَدَخَلَ فِيهِ الْغِنَى، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ خَرَجَتْ مِنْهُ الْعِلَّةُ وَدَخَلَتْ فِيهِ الصِّحَّةُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ خَرَجَ مِنْهُ الْبَرَصُ وَدَخَلَ فِيهِ الْعَافِيَةُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ خَرَجَ الْوِسْوَاسُ وَالْخَوْفُ وِدَخَلَ فِيهِ الأَمْنُ وَالصِّحَّةُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ خَرَجَ مِنْهُ الْجُذَامَ وَدَخَلَ فِيهِ الْعَافِيَةِ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَخَرَجَ مِنْهُ الذُّنُوبُ» . حديث موضوع.
(4)
مسلم (520).
قال القرطبي: هذا تحديد المدة، والمستحب تَفَقُّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل.
الحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تقليم الأظفار كل جمعة و الأحاديث الواردة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة لا تصح، ولكن صح عن ابن عمر أنه كان يقلم أظفاره، وقص شاربه في كل جمعة، وإن كان يستحب غسل الجمعة للتنظف، فكذا تقليم الأظفار ويقص الشارب وغير ذلك من سنن الفطرة من باب التنظيف، ولا تُترك أكثر من أربعين يومًا لحديث «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. والله أعلم.
المبحث الثالث: كيفية تقليم الأظفار:
اختلف العلماء في كيفية تقليم الأظفار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم السباحة ثم إبهام اليسرى، وهو قول للحنابلة
(1)
.
القول الثاني: يبدأ فيها بالوسطى، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السباحة، وهو قول للحنابلة
(2)
.
القول الثالث: يبدأ بسبابة يمناه بلا مخالفة، وهو قول بعض الشافعية، وقول عند الحنابلة
(3)
.
وهناك أقوال أخر ولا يصح في هذا الباب حديث خاص ولو قدم يده اليمني علي اليسري لعموم حديث عائشة، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ
(1)
كشاف القناع (1/ 75)، ومطالب أولي النهى (1/ 86).
(2)
الإنصاف (1/ 122).
(3)
طرح التثريب (2/ 78) والإنصاف (1/ 122).
وَطُهُورِهِ»
(1)
. لكان أحسن، والله ولي التوفيق.
المبحث الرابع: إزالة الوسخ الذي تحت الظفر.
اختلف العلماء في حكم إزالة الوسخ الذي تحت الظفر على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تجب إزالة الوسخ مطلقًا، ولا يصح الوضوء مع وجود هذا الوسخ، وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بحديث وَاصِلِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَزْدِيَّ فَصَافَحْتُهُ فَرَأَى أَظْفَارِي طِوَالًا، فَقَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «يَسْأَلُنِي أَحَدُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَيَدَعُ أَظْفَارَهُ كَأَظْفَارِ الطَّيْرِ تَجَمَّعُ فِيهَا الْخَبَاثَةُ وَالتَّفَثُ»
(3)
. واعترض عليه بأنه لا يصح.
(1)
البخاري (168).
(2)
المجموع (1/ 340) والمغني (1/ 86).
(3)
ضعيف: أخرجه الطيالسي (596) ووقع عنده خطأ فقال عن واصل بن سليم والصواب: أبو واصل سليمان بن فروخ، ورواه أحمد (5/ 417) فرواه عن وكيع فجعله من مسند أبي أيوب الأنصاري، ثم بين أن وكيعًا أخطأ والصحيح أنه أبو أيوب العتكي. وعلة هذا الحديث الإرسال، فأبو أيوب تابعي أرسله ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن أبي حاتم (العلل)(2/ 288) سألت أبي عن حديث رواه أبو داود الطيالسي، عن قريش بن حبان، عن واصل بن سليم
…
الحديث، فسمعت أبي يقول: هذا خطأ، ليس هو واصل بن سليم، بل إنما هو أبو واصل سليمان بن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، هو أبو أيوب: يحيى بن مالك العتكي من التابعين. قال ابن أبي حاتم: ولم يفهم يونس بن حبيب أن أبا أيوب الأزدي، وهو العتكي، فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري. قال البخاري: سليمان بن فروخ أبو واصل، قال: لقيني أبو أيوب، هو الأزدي، مرسل.
قال البيهقي «الكبرى» (1/ 176): وهذا مرسل، أبو أيوب العتكي غير أبي أيوب الأنصاري.
وله شواهد: 1 - فعن وابصة بن معبد يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتي سألته عن الوسخ الذي يكون في الأظفار فقال: «دَعْ مَا يُريبَكْ إلى مَا لا يُرَيَبكْ» أخرجه الطبراني «الكبير» (22/ 147) وفي إسناده طلحة بن زيد الرقي: منكر الحديث.
2 -
عن قيس، قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، فلما قضى صلاته، قالوا: يا رسول الله وهمت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وما لي لا أهم، ورفغ أحدكم بين ظفره، وأنملته. مرسل: ومدار الحديث على إسماعيل عن قيس واختلف عليه فرواه سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس به، أخرجه العقيلي (الضعفاء) (2/ 21) ورواه الضحاك بن زيد عن إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم به. أخرجه البزار في مختصر مسنده (170) والصحيح الرواية المرسلة، وسفيان بن عيينة أوثق من الضحاك. والضحاك قال عنه ابن حبان: كان ممن يرفع المراسيل، ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به لما كثر منه (المجروحين) (1/ 379) قال الحافظ (فتح الباري) (10/ 345): والرفغ (بضم الراء وفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة) يُجمع على أرفاغ، وهي مغبن الجسد، كالإبط، وما بين الأنثيين، وكل شيء يجتمع فيه الوسخ .... والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكون بها رفاغكم فيتحلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة. قال أبو عبيد: أنكر عليهم طول الأظفار وترك قصها، وفيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها، ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأصبع.
أما دليلهم من المعقول: فقال ابن حجر: قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء، ولم يمعن غسله فيكون إذا صَلَّى حَامِلًا للنَّجَاسَّة
(1)
.
القول الثاني: لا يجب إزالة الوسخ، وبه قال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بأن هذا الأمر مما عمت به البلوى ولو كان غسله واجبًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
القول الثالث: إن كان ما تحت الظفر يسيرًا عفي عنه وإن فحش وجب إزالته، وهو مذهب المالكية، وقول ابن دقيق العيد، وابن تيمية
(3)
.
واستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنهما قالت: ما كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ
(1)
فتح الباري (10/ 345).
(2)
تحفة المحتاج 1/ 187) والمغني (1/ 86).
(3)
الفواكه الدواني (1/ 140)، وإحكام الأحكام (1/ 125)، والفتاوى الكبرى (5/ 303).
تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا
(1)
.
وهذا دليل على أن الوسخ القليل تحت الظفر معفو عنه، وإنما أزالت الدم بظفرها.
المبحث الخامس: دفن الظفر والشعر:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بالسنة: فعَنْ مِيلِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، ثُمَّ دَفَنَهَا، وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ هَكَذَا»
(3)
.
وعن عبد الجبار عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يأمُرُ بِدَفْنِ الشَّعْرِ والأَظَفار
(4)
.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم: «ادْفِنُوا الأَظْفَارَ وَالشَّعَرَ وَالدَّمَ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ»
(5)
.
وعن عبد الله بن بسر قال صلى الله عليه وسلم: «قُصُّوا أَظَافِيرَكُمْ وَادْفِنُوا قُلَامَاتِكُمْ وَنَقُّوا بَرَاجِمَكُمْ»
(6)
.
وهذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنه لا يستحب دفن الأظفار
(1)
البخاري (312).
(2)
الفتاوى الهندية (5/ 358)، والمجموع (1/ 342).
(3)
ضعيف: أخرجه الطبراني (الكبير)(20/ 322)، والبيهقي (الشعب)(5/ 232)، والبزار (مسنده) (1226) وفي إسناده: محمد بن سليمان، وعبيد الله بن سلمة بن وهرام: وكلاهما ضعيف.
(4)
ضعيف: أخرجه البيهقي: (شعب الإيمان)(5/ 232) وقال: هذا إسناد ضعيف وله طرق كلها ضعيفة.
(5)
ضعيف جدًّا: أخرجه ابن عدي (الكامل)(4/ 201) وفي إسناده عبد الله بن عبد العزيز ابن أبي رواد أحاديثه مناكير كما في الجرح والتعديل (5/ 104) والضعفاء الكبير (2/ 279).
(6)
ضعيف: أخرجه الحكيم «النوادر» (169) قال العراقي (طرح التثريب (/ 84) وفي إسناده عمر بن أبي عمر البلخي جهله الجوزقاني وجعله الحافظ هو وابن رباح واحدا وقال: كذبوه. وقال ابن عدي: عمر بن بلال ليس بمعروف، «الكامل» (5/ 56) ..
والشعر.
المبحث السادس: من توضأ ثم قلم أظفاره هل يعيد الوضوء؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يعيد الوضوء. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة
(1)
. واستدلوا بما رُوى عن أبي مجلز، قال: رأيت ابن عمر أخذ من أظفاره، فقلت له: أخذت من أظفارك، ولم تتوضأ؟ قال: مَا أَكْيَسَكَ؟! أَنْتَ أَكْيَس ممنْ سَمَّاهُ أَهْلَهُ كَيْسًا
(2)
.
وقَالَ علي: مَا زَادَهُ إِلَّا طَهَارَةً يَعْنِي الْأَخْذَ مِنَ الشَّعْرِ والظفر
(3)
.
وأما دليلهم من المعقول: فهو أن تقليم الأظفار ليس بحدث حتي ينتقض الوضوء.
وذهب مجاهد
(4)
وابن جرير إلى أن عليه أن يعيد الوضوء.
وذهب عطاء
(5)
وإبراهيم وحماد
(6)
وغيرهم إلى أنه يغسل موضع الأظفار.
والأصح ما ذهب إليه جماهير أهل العلم، أي صحة وضوء من قلم أظفاره ولا إعادة عليه، وغسل رؤوس الأصابع بعد القص
(7)
.
المبحث السابع: من توضأ ثم نتف إبطه هل يعيد الوضوء؟
لم يأت في قرآن ولا سنة ولا إجماع إيجاب الوضوء من نتف الإبط.
(1)
المبسوط (1/ 65)، المنتقي (شرح الموطأ)(1/ 39)، والأم (1/ 36)، والفروع (1/ 186، 187).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 55).
(3)
إسناده ضعيف: المطالب العالية (72) عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه به.
(4)
رواه ابن أبي شيبة (1/ 56) بسند صحيح.
(5)
رواه عبد الرزاق في (المصنف)(1/ 126) بسند صحيح.
(6)
المصنف لابن أبي شيبة (1/ 56).
(7)
استحب الشافعية، والحنابلة: غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار، قال ابن قدامة: قيل: إن الحك قبل غسلها يضر بالجسد وليس هناك ما يدل على الاستحباب والله أعلم.
وأما ما ورد عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا حَكَّ إِبْطَهُ، أَوْ مَسَّهُ، فَقَالَ:«قُمْ فَاغْسِلْ يَدَيْكَ أَوْ تَطَهَّرْ»
(1)
.
فاعترض عليه بأن هذا لم يصح عن عمر.
وما ورد عن عبد الله بن عمرو «أنَّه كَان يَغْتَسلِ مِنْ نَتْفِ الإبِطِ»
(2)
فإسناده صحيح، إلا أن هذا الاغتسال للتنظيف والتبرد؛ لأن الشعر الذي نتفه ربما آذاه.
فمن توضأ ثم نتف إبطه لا يتوضأ، والله أعلم.
المبحث الثامن: توفير الأظفار في الحرب:
استحب الحنفية والحنابلة، توفير الأظفار في الحرب
(3)
.
واستدلوا لذلك بالسنة، والمأثور، والمعقول:
أما دليلهم من السنة: فعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا نحفى الْأَظْفَارَ فِي الْجِهَادِ وَقَالَ: «إنَّ الْقُوَّةَ فِي الْأَظْفَارِ»
(4)
.
أما دليلهم من المأثور: فعن عُمَرَ قَالَ: وَفِّرُوا أَظْفَارَكُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهَا سِلَاحٌ
(5)
.
أما دليلهم من المعقول: فهو أن المجاهد إذا سقط السلاح من يده ودنا منه العدو ربما
(1)
ضعيف: رواه ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 54)، قال أبو زرعة طلق بن حبيب عن عمر مرسل. انظر جامع التحصيل (ص 315)، وروى ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 126) بإسناده عن عمر «من نقي أنفه أو نتف إبطه توضأ» وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم، ومجاهد لم يسمع من عمر.
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 55).
(3)
البحر الرائق (5/ 82).
(4)
ضعيف جدًّا: أخرجه الجصاص في «أحكام القرآن» (3/ 102) وفي إسناده عيسى بن إبراهيم الهاشمي: متروك.
(5)
ضعيف: أخرجه مسدد (المطالب العالية (2012) وفي إسناده من أبهم في السند فقال: «عن أشياخه» وفي إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، ضعيف.
يتمكن من دفعه بأظافيره
(1)
.
قال أحمد: يحتاج إليه في أرض العدو
(2)
.
فالحاصل أن توفير الأظفار قد يباح في الحروب القديمة إذا كان يحتاج إليه، أما إذا كانت الحروب بالأسلحة والقنابل كما هو موجود الآن. فإن الأظفار تقلم.
المبحث التاسع: السنة نتف الإبط وليس الحلق:
ودليل ذلك حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفِّطْرَة خمَس»
…
وذكر منها الاسِّتِحْدَاد، وَنَتْفِ الإبطِ
(3)
.
والحكمة في العانة الحلق وفي الإبط النتف.
وَ «نَتْفُ الْآبَاطِ» إزَالَةُ مَا نَبَتَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ بِهَذَا الْوَجْهِ، أَعْنِي النَّتْفَ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَا يُؤَدِّي إلَى الْمَقْصُودِ، إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَوْلَى، وَقَدْ فَرَّقَ لَفْظُ الْحَدِيثِ بَيْنَ إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الْإِبْطِ، فَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ الِاسْتِحْدَادَ وَفِي الثَّانِي النَّتْفَ وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رِعَايَةِ هَاتَيْنِ الْهَيْئَتَيْنِ فِي مَحِلِّهِمَا، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّ الشَّعْرَ بِحَلْقِهِ يَقْوَى أَصْلُهُ، وَيَغْلُظُ جِرْمُهُ، وَلِهَذَا يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ تَكْرَارَ حَلْقِ الشَّعْرِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرَادُ قُوَّتُهُ فِيهَا، وَالْإِبْطُ إذَا قَوِيَ فِيهِ الشَّعْرُ وَغَلُظَ جِرْمُهُ كَانَ أَفْوَحَ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ الْمُؤْذِيَةِ لِمَنْ يُقَارِبُهَا، فَنَاسَبَ أَنْ يُسَنَّ فِيهِ النَّتْفُ الْمُضْعِفُ لِأَصْلِهِ، الْمُقَلِّلُ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَأَمَّا الْعَانَةُ فَلَا يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ مَا يَظْهَرُ فِي الْإِبْطِ، فَزَالَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلنَّتْفِ، ورُجِعَ إلَى الِاسْتِحْدَادِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنِ غَيْرِ مُعَارِضٍ
(4)
.
(1)
البحر الرائق (5/ 82).
(2)
المغني (9/ 167).
(3)
البخاري (5891) ومسلم (257).
(4)
إحكام الأحكام (1/ 125)
الفصل الرابع
قص الشارب وإعفاء اللحية
وفيه تمهيد ومبحثان
المبحث الأول: قص الشارب، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم قص الشارب.
المطلب الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟
المبحث الثاني: إعفاء اللحية، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: تعريف اللحية.
المطلب الثاني: حكم حلق اللحية.
المطلب الثالث: حكم الأخذ من اللحية.
المطلب الرابع: حكم نتف الشيب.
المطلب الخامس: تغيير الشيب بغير السواد.
المطلب السادس: تغيير الشيب بالسواد.
الفصل الرابع قص الشارب وإعفاء اللحية
تمهيد:
المقصود بالشارب:
الشعر النابت على الشفة العليا.
قص الشارب هو قص طرف الشعر المستدير على الشفة
(1)
.
قال ابن دقيق العيد: وَالْأَصْلُ فِي قَصِّ الشَّوَارِبِ وَإِحْفَائِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مُخَالَفَةُ زِيِّ الْأَعَاجِمِ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الصَّحِيحِ، حَيْثُ قَالَ «خَالِفُوا الْمَجُوسَ». وَالثَّانِي: أَنَّ زَوَالَهَا عَنْ مَدْخَلِ الطَّعَامِ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ، وَأَنْزَهُ مِنْ وَضَرِ الطَّعَامِ
(2)
.
المبحث الأول: فى قص الشارب، وفيه مطلبان.
المطلب الأول: حكم قص الشارب.
حكى الإجماع على استحباب قص الشارب غير واحد من أهل العلم.
قال النووي: أما قص الشارب فمتفق على أنه سنة
(3)
.
وذهب ابن حزم وابن العربي والشوكاني إلى وجوب قص الشارب
(4)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»
(5)
وروى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «جُزُّوا
(1)
الفواكه الدواني (2/ 305).
(2)
إحكام الأحكام (1/ 124).
(3)
المجموع (1/ 340)، وانظر: طرح التثريب (2/ 76).
(4)
المحلى (1/ 423).
(5)
البخاري (5892) ومسلم (259).
الشَّوَارِبَ»
(1)
وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا»
(2)
فهذه أوامر تدل على وجوب إحفاء الشارب والأمر للوجوب وليس هناك قرينة تدل على الاستحباب.
والحاصل أن قص الشارب سنة، أما إذا طال على العادة فيجب قصه.
المطلب الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟
اختلف العلماء في حكم قص الشارب على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الشارب يقص ولا يحلق، وبه قال المالكية
(3)
والشافعية
(4)
، وقول عند الحنابلة
(5)
. واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفِّطْرَةُ خمَسٌ
…
وذَكَرَ منها» «قَصُّ الشَّارِبِ»
(6)
، وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال:«وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ» .
وروى أحمد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا»
(7)
.
كل هذه الأحاديث وغيرها تدل على قص الشارب وليس حلقه.
(1)
مسلم (260).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (4/ 366).
(3)
الفواكه الدواني (2/ 305)، والمنتقى، (7/ 266)، قال مالك: أري أن يؤدب من حلق شاربه وقال أيضًا: حلقه من البدع، وقال إن حلقه مثلةً.
(4)
طرح التثريب (2/ 76)، وتحفة المحتاج (9/ 375). قال النووي: في المجموع (1/ 340): ثم ضابط قص الشارب أن يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله
(5)
الإنصاف 1/ 121، 122).
(6)
البخاري (5891) ومسلم (257).
(7)
إسناده صحيح: أحمد في «المسند» (41/ 366، 368).
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد
(1)
إلى أن الحف أولى من القص.
واستدلوا لذلك بما روى البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ {، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى» .
وروى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ»
(2)
وفي البخاري من حديث ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»
(3)
.
وجه الدلالة من قوله صلى الله عليه وسلم: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» وقوله صلى الله عليه وسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ» وقوله صلى الله عليه وسلم: «وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» ، ما قاله الحافظ ابن حجر: فَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ لِأَنَّ الْجَزَّ وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ الثَّقِيلَةِ قَصُّ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْجِلْدَ، وَالْإِحْفَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الِاسْتِقْصَاءُ وَمِنْهُ «حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ الْزَقُوا الْجَزَّ بِالْبَشَرَةِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْصَاءِ. وَالنَّهْكُ بِالنُّونِ وَالْكَافِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ. وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخِتَانِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِلْخَافِضَةِ: «أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي» أَيْ لَا تُبَالِغِي فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ. وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ أهل اللُّغَة، وَقَالَ ابن بَطَّالٍ: النَّهْكُ التَّأْثِيرُ فِي الشَّيْءِ وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِئْصَالِ
(4)
.
وعن عُثْمَانَ بْن عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَأَبَا أُسَيْدٍ الْبَدْرِيَّ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ} يَأْخُذُونَ مِنَ الشَّوَارِبِ كَأَخْذِ الْحَلْقِ، وَيُعْفُونَ اللِّحَى، وَيَنْتِفُونَ الْآبَاطَ
(5)
.
(1)
الفتاوى الهندية (4/ 230 - 231).
(2)
مسلم (260).
(3)
البخاري (5892) و مسلم (54)، (259).
(4)
فتح الباري (10/ 359)
(5)
أخرجه الطبراني (الكبير)(1/ 151) وفي إسناده يحيى بن أيوب المصري: صدوق، وفي إسناده: عثمان بن عبيد الله بن رافع، قال الهيثمي: عثمان هذا لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.
واعترض عليه بأنه اختلف على الصحابة: فعَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: " رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُمُّونَ شَوَارِبَهُمْ وَيُعْفُونَ لِحَاهُمْ وَيَصُرُّونَهَا: أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَالْحَجَّاجَ بْنَ عَامِرٍ الثُّمَالِيَّ، وَالْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِيكَرِبَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ الْمَازِنِيَّ، وَعُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيَّ، كَانُوا يَقُمُّونَ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ
(1)
.
واستدلوا بالقياس على الحج فكما أن الحلق أفضل من التقصير في الحج، فكذا حلق الشارب أفضل من قصه
(2)
.
واعترض عليه بأن أكثر الأحاديث صريحة في قص الشارب وإن كان في بعض الأحاديث بالإحفاء ولا قياس مع النص.
القول الثالث: ذهب الطبري إلى أنه يخير بين الأمرين (القص، والإحفاء) للجمع بين الأدلة فقد دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء.
واعترض عليه بما قاله ابن عبد البر: الإحفاء محتمل لأخذ الكل، والقص مفسر المراد، والمفسر مقدم على المجمل
(3)
.
وأجيب عنه، بأن لو سلمنا في لفظة «أحفوا» فماذا نفعل في لفظة «انهكوا» ، ولفظة «جزوا» كل هذا في الصحاح. فدل ذلك علي ثبوت الأمرين، وإن كان كلاهما جائزًا وإن كان أحاديث القص أكثر وأصح، فالأفضل القص، والحلق جائز.
قال النووي: وَالْمُخْتَارُ فِي الشَّارِبِ تَرْكُ الِاسْتِئْصَالِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَبْدُو بِهِ طَرَفُ الشَّفَةِ
(4)
.
(1)
أخرجه البيهقي (السنن الكبرى)(1/ 151) وإسناده حسن. وفي إسناده إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل الشام وشرحبيل شامي فيكون حسنًا، والله أعلم.
(2)
شرح معاني الآثار (4/ 231).
(3)
فتح الباري (10/ 359).
(4)
قال النووي: «شرح مسلم» (3/ 498): قال القاضي: وَأَمَّا الشَّارِبُ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى اسْتِئْصَالِهِ وَحَلْقِهِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم أَحْفُوا وَانْهَكُوا وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى مَنْعِ الْحَلْقِ وَالِاسْتِئْصَالِ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَكَانَ يَرَى حَلْقَهُ مُثْلَةً وَيَأْمُرُ بِأَدَبِ فَاعِلِهِ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ أَعْلَاهُ، وَيَذْهَبُ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِحْفَاءَ وَالْجَزَّ وَالْقَصَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
المبحث الثاني: إعفاء اللحية، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: تعريف اللحية:
قال الجوهري: اللحية اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن
(1)
.
وفي المصباح: اللحية: الشعر النازل على الذقن
(2)
.
فتخلص أن اللحية قد تشمل الشعر الذى علي الذقن والخدين أو الشعر الذي على الذقن دون الخذين.
والراجح: شمول اللحية للشعر النابت علي الخدين والذقن؛ لأن النصوص المستفيضة عن النبي العدنان صلى الله عليه وسلم تدل على أنه كان كث اللحية وأمر بإعفاء اللحية، ولم يرد أنه أخذ شعر الخدين.
المطلب الثاني: حكم حلق اللحية:
قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا أَنْ حلق جَمِيع اللِّحْيَة مثلَة لَا تجوز
(3)
.
(1)
مختار الصحاح (248).
(2)
المصباح المنير (2/ 551) قال ابن نجيم: اللحية: الشعر النابت بمجتمع اللحيين والعارض وما بينهما وبين العذار كما في البحر الرائق (1/ 16)، قال الخرشي (شرح مختصر خليل) (1/ 121): اللحية وَهِيَ مَا يَنْبُتُ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّحَى بِفَتْحِ اللَّامِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ، وفي تحفة المحتاج (1/ 204): واللحية: هي الشعر النابت على الذقن التي هي مجتمع اللحيين، ومثلها العارض.
(3)
مراتب الإجماع (182).
قال ابن عابدين: وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا وَهِيَ دُونَ القبضة كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ، وَمُخَنَّثَةُ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ، وَأَخْذُ كُلِّهَا فِعْلُ يَهُودِ الْهِنْدِ وَمَجُوسِ الْأَعَاجِم
(1)
.
واستدلوا بالنصوص المستفيضة بإعفاء اللحية، ففي البخاري: عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى»
(2)
.
وفي مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى»
(3)
.
المطلب الثالث: حكم الأخذ من اللحية:
وردت النصوص المستفيضة بإعفاء اللحية: روى البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، {، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى» .
وروى مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» .
قال النووي: والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيئ أصلًا
(4)
.
وذهب جمهور العلماء إلى أن له أن يأخذ من اللحية ما زاد عن القبضة، وهو مذهب الحنفية
(5)
، ........................................................................
(1)
تنقيح الفتاوى الحامدية (1/ 329). (قلت): وقد ورد أن حلق اللحية مكروه وهو وجه ضعيف عند الشافعية، أسنى المطالب (1/ 551).
(2)
البخاري (5892).
(3)
مسلم (260).
(4)
المجموع (1/ 344).
(5)
قال في البحر الرائق (3/ 12):: الإعفاء تركها تكثر وتكثر والقص سنة فيها، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد منها على قبضة قطعها، كذلك ذكر محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة. قال: وبه نأخذ. وفى (رد المحتار)(2/ 550): وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ أَيْ الْوَارِدُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، تَرْكُهَا حَتَّى تَكْثُرَ، وَالسُّنَّةُ قَدْرُ الْقَبْضَةِ، فَمَا زَادَ قَطَعَهُ.
والمالكية
(1)
، والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما روى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ
(3)
.
وورد عند ابن أبي شيبةعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: التَّفَثُ: الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ، وَالأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ، وَالأَظْفَارِ، وَاللِّحْيَةِ
(4)
.
قال ابن تيمية: وأما إعفاء اللحية فإنه يُترك، ولو أخذ ما زاد علي القبضة لم يكره
(5)
.
المطلب الرابع: حكم نتف الشيب:
اختلف العلماء في حكم نتف الشيب على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يكره نتف الشيب، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وجمهور الحنابلة
(6)
.
(1)
قال القرطبي: (المفهم)(1/ 512): لا يجوزُ حَلْقُها، ولا نَتْفُها، ولا قَصُّ الكثير منها،، فأما أخذُ ما تطايَرَ منها وما يُشَوِّهُ ويدعو إلى الشهرةِ طُولاً وعَرْضًا: فحَسَنٌ عند مالك وغيره من السلفِ. وانظر المدونة (1/ 340)، والمنتقى (7/ 266)، والتمهيد (24/ 145).
(2)
سُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الْأَخْذِ مِنَ اللِّحْيَةِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْهَا مَا زَادَ عَنِ الْقَبْضَةِ. وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَيْهِ، قُلْتُ لَهُ: مَا الْإِعْفَاءِ؟ قَالَ: يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: كَأَنَّ هَذَا عِنْدَهُ الْإِعْفَاءُ. كما في (الوقف والترجل) للخلال (129) و (أحكام أهل الملل)(للخلال 11)، وانظر (مسائل أحمد رواية ابن هانئ)(2/ 151) والشافعي يرى أن يأخذ من اللحية في الحج والعمرة.
قال الشافعي في (الأم)(2/ 232): وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبَيْهِ حَتَّى يَضَعَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا لله، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّأْسِ لَا فِي اللِّحْيَةِ.
(3)
البخاري (5892).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 429).
(5)
شرح العمدة (1/ 36).
(6)
المنتقى (7/ 270)، سئل مالك عن نتف الشيب، قال: ما علمته حرامًا، وتَرْكه أحب إلى»، والمجموع (1/ 344)، والمغني (1/ 66)، والإنصاف (1/ 123).
واستدلوا لذلك بما روى أحمد بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَشِيبُ فِي الْإِسْلَامِ شَيْبَةً إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً»
(1)
.
وروى ابن حبان بسند حسن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ شَابَ شَيْبَة فِي الْإِسْلَامِ كُتِبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَرُفِعَ له بها درجة»
(2)
. وروى الطيالسي بسند صحيح عن أبي نجيح السلمي، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ نُورًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(3)
.
القول الثاني: يحرم نتف الشيب. وهذا القول حُكى عن الشافعي وقاله ابن مفلح
(4)
. واستدلوا بأن هذه الأحاديث تدل علي التحريم.
القول الثالث: أنه لا بأس بنتف الشيب. وهو قول بعض الحنفية
(5)
.
واستدلوا بأن الأحاديث الواردة في الباب ضعيفة والأصل الإباحة.
قال عمر بن بدر الموصلي: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من كراهة نتف الشيب، والله أعلم.
(1)
رواه أحمد (2/ 179) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(2)
صحيح ابن حبان (2985) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
(3)
أبو داود الطيالسي (1154)، والحديث طويل وهذه فقرة منه من طريق هشام عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي به.
(4)
المجموع (1/ 344)، والفروع (1/ 131).
(5)
حاشية ابن عابدين (2/ 418).
المطلب الخامس: تغيير الشيب بغير السواد:
اختلف العلماء في تغيير الشيب بغير السواد على أربعة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن خضاب الشيب بغير السواد من حمرة أو صفرة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما ورد فى الصحيحين عن أَبَى هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ»
(2)
. ففي الحديث الأمر بالصبغ مخالفة لليهود.
وروى مسلم عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَضَبَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ، كَانَ فِي لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ؟ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ، بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ
(3)
.
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أنه يباح تغيير الشيب
(4)
.
قال ابن عبد البر: جاء عن جماعة كثيرة من السلف من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين أنهم خضبوا بالحمرة، والصفرة، وجاء عن جماعة كثيرة منهم أنهم لم يخضبوا، وكل ذلك واسع كما قال مالك، والحمد لله
(5)
.
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَدْ مَلأَتْ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ
(6)
.
القول الثالث: يجب تغيير الشيب، وهو قول عند الحنابلة
(7)
.
(1)
حاشية ابن عابدين (6/ 422)، والمجموع (1/ 345)، والإنصاف (1/ 123).
(2)
البخاري (3462)، ومسلم (2103).
(3)
مسلم (2341).
(4)
الموطأ (2/ 949).
(5)
التمهيد (21/ 84).
(6)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه)(5/ 186).
(7)
مسائل ابن هانئ (1835).
القول الرابع: يُكره تغيير الشيب، وهو مروي عن عمر
(1)
، وسعيد بن جبير
(2)
.
واستدلوا بما روى مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ نُورًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . والصبغ يُذهب الشيب فكره لذلك.
والراجح: جواز الخضاب بغير السواد. والله أعلم.
المطلب السادس: تغيير الشيب بالسواد:
اتفق العلماء على جواز الخضاب بالسواد في الحرب واختلفوا في غير الحرب على أربعة أقوال
(4)
:
القول الأول: يحرم الخضاب بالسواد، وهو قول عند الشافعية
(5)
.
واستدلوا بما ورد عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ»
(6)
.
(1)
ورد عند الطبراني في «الأوسط» (1825) عن سليم بن عامر، قال: رأيت أبا بكر الصديق يخضب بالحناء والكتم، وكان عمر لا يخضب وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة» وهذا الحديث معل بما رواه مسلم (2341): عن ثَابِت، قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ. وَقَالَ: لَمْ يَخْتَضِبْ، وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا.
(2)
كما في (المصنف) لابن أبي شيبة (5/ 184).
(3)
مسلم (2341).
(4)
فتح الباري (6/ 499).
(5)
المجموع (1/ 345).
(6)
مدار الحديث على أبي الزبير عن جابر، واختلف على أبي الزبير في لفظة:(واجتنبوا السواد) فرواه ابن جريج عند مسلم (2102) وأيوب السختياني عند أبي عوانة (5/ 513)، وليث بن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أبي سليم عند عبد الرزاق (11/ 154)، والأجلح، عند أبي يعلى (1819)، ومطر بن طهمان الوراق عند الطبراني (الكبير)(8325)، كلهم رووه عن أبي الزبير به بلفظة:(واجتنبوا السواد).
وخالفهم: زهير بن معاوية عند الطيالسي (1753)، وعزرة بن ثابت عند النسائي «الصغري) (5242)، فروياه عن أبي الزبير عن جابر ولم يقولا: (وجنبوه السواد)، وهذه الرواية أرجح، وذلك أن أبا الزبير الذي عليه مدار الحديث أنكر زيادة (وجنبوه السواد) فعند الطيالسي قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَحَدَّثَكَ جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأَبِي قُحَافَةَ: «غَيِّرُوا، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» فَقَالَ: لَا. وهذه الرواية مختصرة والأمر بالتغيير ثابت إنما المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: «وجنبوه السواد» .
ودل على ذلك ما رواه أحمد (3/ 338) قال: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأَبِي قُحَافَةَ، أَوْ جَاءَ عَامَ الْفَتْحِ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَامِ، أَوْ مِثْلُ الثَّغَامَةِ. قَالَ حَسَنٌ: فَأَمَرَ بِهِ إِلَى نِسَائِهِ، قَالَ:«غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ» . قَالَ حَسَنٌ: قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لأَبِي الزُّبَيْرِ: أَقَالَ: «جَنِّبُوهُ السَّوَادَ؟» قَالَ: لَا. فإما أن يكون الخطأ من أبي الزبير في زيادة «وجنبوه السواد» أو من الرواة الذين رووه بالزيادة.
وله شاهد من حديث أنس بن مالك. أخرجه أحمد (3/ 160) عن محمد بن سلمة عن هشام عن محمد بن سيرين عن أنس وفيه قصة لأبي قحافة، وفي متنه «وجنبوه السواد» وهذا شاذة لأن محمد بن سلمة خالفه جماعة بدون هذه الزيادة منهم. عبد الله بن إدريس عند مسلم (2341) وروح عند أحمد (3/ 206) ووهب بن جرير عند الطحاوي (شرح مشكل الآثار) (3691) ثلاثتهم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنه لم يكن رأى من الشيب. قال ابن إدريس كأنه يقلله، وقد خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم، وليس فيه «وجنبوه السواد» فدل ذلك على أن هذه الزيادة شاذة.
(قلت): ومما يؤيد ذلك رواية جماعة غير هشام عن محمد بن سيرين بدون زيادة «وجنبوه السواد» منهم. أيوب عند البخاري (5894)، وعاصم الأحول عند مسلم (2341) ويزيد بن هارون عند الطيالسي (2100) ثلاثتهم عن ابن سيرين عن أنس بدون زيادة «وجنبوه السواد» . ويرويه جماعة عن أنس بدون زيادة «وجنبوه السواد» منهم قتادة عند البخاري (3550)، ومسلم (2341). وحميد الطويل عند أحمد (3/ 178) ومعاوية بن قرة عند مسلم (2431) وغيرهم كلهم رووه عن أنس بدون زيادة «وجنبوه السواد» .
وله شاهد من حديث أسماء. ومدار الحديث علي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عن أسماء فرواه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عن ابن إسحاق به بزيادة «وجنبوه السواد» أخرجه الطحاوي «شرح مشكل الآثار» (9/ 302).
وخالف عبد الرحمن المحاربى إبراهيم بن سعد عند أحمد (6/ 349، 350) وجرير بن حازم عند الطبراني (الكبير)(24/ 89) فروياه عن ابن إسحاق بدون زيادة «وجنبوه السواد» فعلم أن هذه الزيادة ضعيفة وشاذة وله شاهد عن أبي هريرة ولا يصح. والله أعلم.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِى آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»
(1)
.
القول الثاني: يُكره الخضاب بالسواد في غير الحرب، وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة
(2)
. هؤلاء جمعوا بين أحاديث المنع من الخضاب وبين
(1)
أخرجه أحمد (1/ 273)، وأبو داود (2/ 42) وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به مرفوعا، وفي هذا الحديث إشكالان:
الأول: ما ذكره الحافظ ابن حجر أن الحديث اختلف في رفعه ووقفه، ولم أقف على الطريق الموقوف، فقال في الفتح (6/ 499) ولأبي داود وصححه ابن حبان حديث ابن عباس مرفوعًا «يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِلَا يَجِدُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ» وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع.
الإشكال الثاني: أن من هو عبد الكريم هل هو الجزري أو ابن أبي المخارق فعند أبي داود (2/ 42) والبيهقي (شعب الإيمان)(5/ 215) رقم (6414) عبد الكريم الجزري، وعند ابن الجوزي (الموضوعات) (1455) قال: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله والمتهم به عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري، وقد تَعقب الحافظ هذا القول في (القول المسدد) (ص 48) فقال: أخطأ ابن الجوزي فإن عبد الكريم الذي هو في الإسناد هو ابن مالك الجزري الثقة المخرج له في الصحيح.
قلت: ويدل على أن هذا الراوي هو عبد الكريم الجزري أن عبيد الله بن عمرو الرقي قال: كان صدوقًا ولكنه كان ينفرد بالأشياء المناكير، فلا يعجبني الاحتجاج بما انفرد.
فالحاصل في سنده عبد الكريم إن كان الجزري فثقة، وإن كان بن أبي المخارق فهو كذاب.
(2)
حاشية ابن عابدين (6/ 422) والموطأ (2/ 949) والمجموع (1/ 325) والمغني (1/ 67).
فعل الصحابة على أن النهي للكراهة فروى عبد الرزاق عن الزهري قال: «إن الحسين بن علي يخضب بالسواد
(1)
. قال وكان الحسن بن علي يخضب بالسواد
(2)
.
روى ابن أبي شيبة عن أبي عُشَانَةَ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ وَيَقُولُ: نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا
(3)
.
القول الثالث: أن الخضاب بالسواد جائز بلا كراهة، وهو قول عند الحنفية
(4)
، وصح عن عدد من الصحابة والتابعين.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أَبَى هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ»
(5)
.
فإذا كان اليهود لا يصبغون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم أمر بالصبغ بالسواد.
وروى أحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى»
(6)
. فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتغيير الشيب بالسواد وغيره.
القول الرابع: أن الخضاب يجوز للمرأة، ولا يجوز للرجل
(7)
. واستدلوا بأن المرأة إذا كان لها أن تلبس الذهب دون الرجل لأن حاجتها إلى الزينة أشد فكذا الخضاب يجوز للمرأة دون الرجل.
الحاصل هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من كراهة الخضاب بالسواد، والله أعلم.
(1)
رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (المصنف)(20184).
(2)
رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (المصنف)(20190).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(5/ 184).
(4)
حاشية ابن عابدين (6/ 756).
(5)
البخاري (3462)، ومسلم (2103).
(6)
إسناده حسن: رواه أحمد (2/ 499) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
(7)
كتاب الوقف والترجل (139)، وهو قول إسحاق.
الفصل الخامس حلق شعر الرأس وغسل البراجم
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: حكم حلق شعر الرأس:
اختلف العلماء فى حكم حلق شعر الرأس على أربعة أقوال:
القول الأول: أن ترك الشعر أفضل إلا مَنْ شق عليه تعهده فالحلق أفضل، وهو قول الشافعية
(1)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ {قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ
(2)
.
وفي الصحيحين: قوله صلى الله عليه وسلم عن عيسى: «تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ»
(3)
.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الشعر ولقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. وهذا عيسى من أولي العزم من الرسل الذين وصفهم الله في كتابه {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90].
القول الثاني: يكره حلق شعر الرأس لغير نسك، وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد
(4)
.
قال النووي: لَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَلَقَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَة
(5)
.
(1)
المجموع (1/ 347).
(2)
البخاري (3358)، ومسلم (2337).
(3)
البخاري (3256)، ومسلم (169).
(4)
حاشية العدوي 2/ 444)، والفروع (1/ 132).
(5)
المجموع (1/ 247).
القول الثالث: أن حلق الشعر سنة، وهو مذهب الحنفية
(1)
.
القول الرابع: يباح حلق الشعر، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما روى أبو داود: عَنْ عبدِ الله بن جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدِ الْيَوْمِ» . ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي» . فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ» فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رؤوسنا
(3)
.
والراجح: أن ترك الشعر أفضل من حلقه مع تعهده وتنظيفه، دل على ذلك ما رُوى عن البراء أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ.
وعَنْ هِشَامٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَجَابِرًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمَّةٌ
(4)
.
وسئل أحمد عن تطويل الشعر فقال: تدبرت مرة، فإذا هو عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
(5)
.
قلت: أما في الحج فتحلق الرأس لعموم قوله تعالي: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27].
المبحث الثاني: ما المراد بالقزع المنهي عنه؟
قال القرطبي: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع، وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه
(6)
.
(1)
حاشية ابن عابدين (6/ 407).
(2)
الإنصاف (1/ 122)، وكشاف القناع (1/ 79).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (4192)، والنسائي (5227).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 187).
(5)
كتاب الوقوف والترجل من الجامع لمسائل أحمد للخلال (117، 118).
(6)
قال في المفهم (5/ 441)، اختلف في المعنى الذي لأجله كُره، فقيل: لأنه من زي أهل الدعارة والفساد، وقيل: لأنه تشبه وكأن هذه العلة أشبه.
وروى مسلم: عَنِ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْقَزَعِ. قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ وَمَا الْقَزَعُ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ
(1)
.
قال المازري: إذا كان القزع في مواضع كثيرة فمنهي عنه بلا خلاف، وإن لم يكن كذلك كالناصية وشبهها فاختلف في جوازه.
قال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَزَعِ إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمُدَاوَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ
(2)
.
المبحث الثالث: غسل البراجم:
البراجم: المفاصل والعُقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع فيها الوسخ
(3)
.
وغسل البراجم: تنظيف المواضع التي يجتمع فيها الوسخ، والمراد الاعتناء بها في الاغتسال
(4)
. روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ
…
»
(5)
، وذكر منها «وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ» .
قال النووي: وَأَمَّا غَسْلُ الْبَرَاجِمِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ
(6)
.
* * *
(1)
مسلم (2120).
(2)
شرح النووي (14/ 100).
(3)
البحر الرائق (1/ 50)، وحاشية ابن عابدين (5/ 258).
(4)
حاشية السندي على النسائي (8/ 127).
(5)
مسلم (261) والحديث فيه ضعف وقد سبق بيانه.
(6)
المجموع (1/ 341).
الفصل السادس
السواك
وفيه عشرة مباحث
المبحث الأول: تعريف السواك.
المبحث الثاني: حكم السواك.
المبحث الثالث: أفضل السواك.
المبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع والخرقة؟
المبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟
المبحث السادس: حكم السواك للصائم.
المبحث السابع: حكم التسوك في المسجد.
المبحث الثامن: ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك.
المبحث التاسع: هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر؟
المبحث العاشر: هل يستاك بيده اليسرى؟
الفصل السادس السواك
المبحث الأول: تعريف السواك:
في اللسان: السواك: ما يدلك به الفم من العيدان.
قال النووي: السواك هو استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهاب التغير
(1)
.
المبحث الثاني: حكم السواك:
قال النووي: فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ
(2)
.
وقال الشوكانى: لو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون
(3)
.
قال ابن عبد البر: فضل السواك مجمع عليه، لا اختلاف فيه
(4)
.
وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي- أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»
(5)
.
قالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ
(6)
.
(1)
المجموع (1/ 326).
(2)
المجموع (1/ 327).
(3)
نيل الأوطار (1/ 134).
(4)
التمهيد (3/ 172).
(5)
البخاري (887)، ومسلم (42).
(6)
المجموع (1/ 271).
المبحث الثالث: أفضل السواك:
ذهب جمهور العلماء إلى أن أفضل السواك الأراك
(1)
.
واستدلوا لذلك بما روى أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ. فَقَالَ:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُد»
(2)
.
ثم يأتي في الأفضلية جريد النخل؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم استن به في آخر حياته
(3)
.
المبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع، والخرقة؟
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صلى الله عليه وسلم «يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الأَصَابِعُ»
(4)
.
عن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْأَصَابِعُ تَجْرِي
(1)
وجاء في الفتاوى الهندية (1/ 7): وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ مِنْ أَشْجَارٍ مُرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ نَكْهَةَ الْفَمِ وَيَشُدُّ الْأَسْنَانَ وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ. وقال البهوتي: السواك من أراك أو عرجون أو زيتون. المحرر (1/ 10)، وفي مواهب الجليل (1/ 265): وَيَتَجَنَّبُ مِنْ السِّوَاكِ مَا فِيهِ أَذًى لِلْفَمِ كَالْقَصَبِ فَإِنَّهُ يَجْرَحُ اللِّثَةَ وَيُفْسِدُهَا وَكَالرَّيْحَانِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ فِيهِ فَسَادٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
(2)
أخرجه أحمد، والطيالسي (355) عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود به.
(3)
روى البخاري (4296) عَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنهما، قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَكَانَتْ إِحْدَانَا تُعَوِّذُهُ بِدُعَاءٍ إِذَا مَرِضَ، فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ:«فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» ، وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً، فَأَخَذْتُهَا، فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا وَنَفَضْتُهَا، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا، فَسَقَطَتْ يَدُهُ، أَوْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ، فَجَمَعَ اللهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. وجه الدلالة: في يده جريدة رطبة فاستن بها.
(4)
ضعيف جدًّا: أخرجه ابن عدي (الكامل)(5/ 334)، وفي إسناده: عبد الحكم: منكر.
مَجْرَى السِّوَاكِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاكٌ»
(1)
.
واعترض عليه بأن هذه الأحاديث إن كانت لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد من السواك أنه يطهر الفم وينظفه، فإذا نظف الفم الأصبع والخرقة وغير ذلك فإنه يستحب فالله يحب المتطهرين.
المبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟
لا شك أن السواك أفضل من معجون الأسنان بكل حال.
أولًا: مرضاة الرب.
ثانيًا: خفيف الحمل.
ثالثًا: يُفعل في كل وقت، وفي كل مكان.
رابعًا: المعجون يحتاج إلى الماء كما يحتاج إلى فرشاة خاصة، بخلاف السواك.
خامسًا: بعض الناس يكون عنده حساسية من المعجون أو من الفرشاة.
كل هذا وغيره يجعل السواك أفضل من المعجون ولكن هل يصيب السنة لو فعل ذلك بالمعجون؟
الجواب: إذا كان السواك مطهرة للفم مرضاة للرب فالمعجون يصيب السنة من حيث إنه مطهرة للفم
(2)
.
(1)
ضعيف جدًّا: أخرجه الطبراني (الأوسط)(6437)، وفي إسناده: كثير بن عمرو: متروك.
(2)
موسوعة الطهارة (4/ 615) ومن الناحية الطبية يقولون: «إن المسواك يفوق جميع الوسائل والطرق المستعملة لتنظيف الأسنان، فالمسواك منظف آلي يقوم مقام الفرشاة لاحتوائه على ألياف سيليولوزية طبيعية خير من ألياف الفرشاة، أو المسحوق المنظف، بل أفضل منه؛ لما يحتويه من مواد مطهرة مثل: العصف، والسنجرين، وبيكربونات الصوديوم.
المبحث السادس: حكم السواك للصائم:
يباح السواك للصائم في أول النهار وآخره، وهو قول عمر، وابن عمر، وابن الزبير، ورُوي عن أبي هريرة وعائشة، وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» ، ولم يستثن مفطرًا دون صائم ففيه دلالة علي أن السواك للصائم عند كل صلاة فضيلة فهو كالمفطر.
أما حديث: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» فلا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما حديث «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» فليس فيه نهي عن السواك
(1)
.
المبحث السابع: حكم التسوك في المسجد:
ذهب جمهور العلماء إلى إباحة الاستياك في المسجد
(2)
.
واستدلوا بما رواه البخاري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»
(3)
.
قال ابن تيمية: السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ، بَلْ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ فِي ثِيَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَمْتَخِطَ فِي ثِيَابِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ الله الثَّابِتَةِ عَنْهُ، بَلْ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا جَازَ الْوُضُوءُ فِيهِ، مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِيهِ السِّوَاكُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ يَسْتَاكُ عِنْدَهَا، فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ؟
(4)
.
(1)
انظر كتاب «الجامع العام في فقه الصيام» (239، 241) وقد توسعت في هذا البحث.
(2)
تحفة المحتاج (1/ 219)، وكشاف القناع (1/ 374)، ومطالب أولي النهي (2/ 263).
(3)
البخاري (887).
(4)
الفتاوى الكبرى (1/ 272، 302).
ذهب بعض الحنفية والمالكية إلي كراهة الاستياك في المسجد
(1)
.
واستدلوا بما روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عز وجل»
(2)
والمستاك قد يخرج من أسنانه بقايا الطعام والقذر، والمساجد يجب صيانتها عن هذا القذر.
قال القرطبي: حجةٌ لمالكٍ في منعِ إدخال الميِّت المسجدَ، وتنزيهِهَا عن الأقذار جملةً، فلا يُقَصُّ فيها شعر، ولا ظُفُر، ولا يتسوَّكُ فيها؛ لأنه مِنْ بابِ إزالةِ القَذَر
(3)
.
واعترض عليه بما قاله العراقي: وَلَوْ سَلِمَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ فَهُوَ لَا يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا يُزِيلُهُ فِي السِّوَاكِ، فَإِذَا كَانَ السِّوَاكُ مَحْفُوظًا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ، وَقَدْ نُدِبَ إلَى السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَيُؤْمَرُ حَاضِرُ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَاكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ
(4)
.
المبحث الثامن: ذِكر المواضع التي يتأكد فيها السواك:
لا شك أن السواك مسنون في كل وقت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «السِّوَاكُ مُطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»
(5)
.
قال الشوكاني: أُطْلِقَ فِيهِ السِّوَاكُ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بِحَالَة «مَخْصُوصَة» فَأَشْعَرَ بِمُطْلَقِ شَرْعِيَّتِهِ، وَهُوَ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ
(6)
.
(1)
الفواكه الدواني (1/ 265)، والتاج والإكليل (1/ 618).
(2)
مسلم (587).
(3)
المفهم (1/ 544).
(4)
طرح التثريب (2/ 141).
(5)
أخرجه البخاري معلقا برقم (4916).
(6)
نيل الأوطار (1/ 133، 134).
وإن كان السواك مستحبًّا في كل وقت، لكن في بعض الأوقات أشد استحبابًا:
• عند الصلاة: في الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»
(1)
.
• عند الوضوء: يسن الاستياك عند الوضو، فقد. روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» .
اختلف العلماء في محل السواك من الوضوء. فقيل: قبل الوضوء.
واستدلوا بما روى ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ»
(2)
. أي قبل كل وضوء.
وقيل: عند المضمضة وردت عند أحمد: «مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» قالوا: المعية تقتضي المصاحبة لأن من تسوك بعد غسل الكفين وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء. وقالوا: لأن التسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء.
• عند الانتباه من النوم: فعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ
(3)
.
قال ابن دقيق العيد: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عند الْقِيَامُ مِنِ النَّوْمِ وَعِلَّتُهُ: أَنَّ النَّوْمَ مُقْتَضٍ لِتُغَيِّرْ الْفَمِ، وَالسِّوَاكُ هُوَ آلَةُ التَّنْظِيفِ لِلْفَمِ، فَيُسَنُّ عِنْدَ مُقْتَضَى التَّغَيُّر
(4)
.
• عند تغير الفم: قال العراقي: تَغَيُّرُ الْفَمِ سَوَاءٌ فِيهِ تَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ أَوْ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ كَصُفْرَةِ الْأَسْنَانِ
(5)
.
(1)
البخاري (887)، ومسلم (252).
(2)
المصنف (1/ 155).
(3)
البخاري (889)، ومسلم (47، 255).
(4)
إحكام الأحكام (1/ 109).
(5)
طرح التثريب (1/ 66).
وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السِّوَاكُ مُطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ
(1)
.
فالسواك سبب لطهارة الفم وسبب لمرضاة الرب، وتطهير الفم إنما شرع لمناجاة الله عز وجل ولذا شُرع عند الصلاة، ولتلاوة كتاب الله.
• عند دخول البيت: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ
(2)
.
قال القرطبي: الحكمة في ذلك أنه ربما تغير رائحة الفم عند محادثة الناس، فإذا دخل البيت كان من حسن معاشرة الأهل إزالة ذلك
(3)
.
• عند قراءة القرآن: روى البيهقى بسند صحيح، عَنْ عَلِىٍّ رضي الله عنه قَالَ: أُمِرْنَا بِالسِّوَاكِ وَقَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَليِّ أَتَاهُ الْمَلَكُ فَقَامَ خَلْفَهُ يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ وَيَدْنُو، فَلَا يَزَالُ يَسْتَمِعُ وَيَدْنُو حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَلَا يَقْرَأُ آيَةً إِلاَّ كَانَتْ فِى جَوْفِ الْمَلَكِ»
(4)
.
• عند الجمعة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ»
(5)
.
واستنبط الحنفية بأن السواك كما يستحب يوم الجمعة لاجتماع الناس، فكذا في العيدين وفي مجامع الناس مطلقًا
(6)
.
• عند الاحتضار: عَنْ عَائِشَةَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
أخرجه البخاري معلقا (4916).
(2)
مسلم (1/ 151).
(3)
شرح السيوطي علي سنن النسائي (1/ 13).
(4)
رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (4181) والبيهقى (السنن الكبرى)(1/ 38)، وهناك خلاف في سماع أبي عبد الرحمن السلمي من علي، فأثبته شعبة والبخاري، ونفاه أبو حاتم الرازي كما في المراسيل (107).
(5)
مسلم (846).
(6)
حاشية ابن عابدين (1/ 168).
اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ:«فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» . ثَلَاثًا، ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي
(1)
.
فالرسول صلى الله عليه وسلم استاك عند سكرات الموت، وَطَّيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمه عند اقتراب الملائكة منه فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان يستحب السواك عند الصلاة للقاء الله ولئلا تتأذى الملائكة فكذا يستحب السواك عند لقاء الله في الآخرة.
المبحث التاسع: هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن المتسوك يبدأ بجانب فمه الأيمن
(2)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ
(3)
.
فإذا كان يستحب التيمن في الطهور واستعمال السواك من الطهارة، وإذا كان يبدأ باليمن في الوضوء، فكذا يبدأ بالجانب الأيمن في الفم في السواك.
المبحث العاشر: هل يستاك بيده اليمنى أم اليسرى؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أن التسوك يكون باليد اليمنى
(4)
.
استدلوا لذلك بما روى أحمد: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْعَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى
(1)
البخاري (4438).
(2)
حاشية ابن عابدين (1/ 113)، وحاشية الدسوقي (1/ 102)، والمجموع (1/ 336)، والإنصاف (1/ 128).
(3)
البخاري (618)، ومسلم (268).
(4)
البحر الرائق (1/ 21)، وحاشية ابن عابدين (1/ 114)، و مواهب الجليل (1/ 265)،
والخرشي (1/ 138، 139) مغني المحتاج (1/ 183)، و الإنصاف (1/ 128).
لِطَهُورِهِ، وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى
(1)
.
إسناده ضعيف ولكن في الطهارة، والوضوء، والغسل يبدأ بالأيمن، والسواك تطهير للفم فيبدأ بالأيمن كالوضوء، والغسل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في طهوره.
القول الثاني: أن التسوك باليد اليسرى أفضل، وهو قول بعض الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة
(2)
.
قال ابن تيمية: الِاسْتِيَاكَ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ كَالِاسْتِنْثَارِ وَالِامْتِخَاطِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إزَالَةُ الْأَذَى وَذَلِكَ بِالْيُسْرَى كَمَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَاتِ كَالِاسْتِجْمَارِ وَنَحْوِهِ بِالْيُسْرَى وَإِزَالَةُ الْأَذَى وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا بِالْيُسْرَى
(3)
.
واعترض عليه: بأن الاستنجاء يكون فيه مباشرة باليد، بينما الاستياك يكون بمباشرة السواك.
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور من استعمال السواك باليد اليمنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في طهوره، والاستياك نوع من الطهور فيكون باليمين.
(1)
ضعيف: مدار الحديث على سعيد بن أبي عروبة: واختلف عليه: فرواه عبد الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنِ النَّخَعِيِ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ به. أخرجه أحمد (6/ 265)، وأبو داود (34)
ورواه مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عند أحمد (6/ 265)، وعبدة بن سليمان عند إسحاق بن راهويه (1639)، وعيسى بن يونس عند أبي داود (33) ثلاثتهم عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ به، بإسقاط الأسود، فذكرالأسود في السند شاذ لأن رواية هؤلاء الثقات الأثبات بدونه، وهم أرجح من عبد الوهاب.
ومما يؤيد ذلك ما رواه أحمد (6/ 170) قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُفْرِغُ يَمِينَهُ لِمَطْعَمِهِ وَلِحَاجَتِهِ، وَيُفْرِغُ شِمَالَهُ لِلاِسْتِنْجَاءِ وَلِمَا هُنَاكَ، وعلته أن النَّخَعِي لم يسمع مَنْ عَائِشَةَ.
(2)
كشاف القناع (1/ 73).
(3)
مجموع الفتاوى (21/ 108).
نتائج بحث سنن الفطرة
الفائدة الأولى:
أصل الفطر: الشق، ومنه قوله تعالى:{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ 1} [الإنفطار] أي: انشقت.
وتطلق على الخلقة، ومنه قوله تعالى:{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22] أي: خلقني. وتطلق على الإسلام، ومنه قوله تعالى:{فِطْرَتَ اللَّهِ} أي: الإسلام، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» .
الفائدة الثانية: خصال الفطرة: منها ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ» .
الفائدة الثالثة: السنة الأولى من سنن الفطرة: الختان، وفيه:
1 -
أصل الختن في اللغة: القطع، وفي الشرع: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، وختان الأنثى: قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ مِنْهُ دُونَ اسْتِئْصَالِهِ
(1)
.
2 -
أول من اختتن: أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن من الرجال، وذهب جمهور العلماء إلى أن سارة أول من اختتنت من النساء.
3 -
وقت الختان: يجب على الوليِ أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونًا، وكلما عجل بختن ولده كان أفضل، وإذا بلغ وجب الختان في حقه.
(1)
«فتح الباري» (10/ 340).
4 -
حكم ختان الذكر: الختان واجب في حق الرجال؛ دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّومِ» .
فهذا يدل على وجوبه، والحشفة قد تحبس البول فينجس بها، والطهارة شرط لصحة الصلاة.
5 -
حكم ختان النساء: قال ابن القيم: لَا خلاف فِي اسْتِحْبَابه للْأُنْثَى وَاخْتلف فِي وُجُوبه، وَعَنْ أَحْمد فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: يجب على الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَالثَّانيِة: يخْتَص وُجُوبه بالذكور، وَحجَّة هَذِه الرِّوَايَة حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس: الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء. والحديث ضعيف.
6 -
صدر قرار وزاري بمنع ختان الإناث، ويصفون خفاض الإناث بأنه وحشية، وادعوا كذبًا وزورًا أنه ينجم عنه أضرار سيئة تلحق بالفتاة كالنزيف.
وقد أجمع العلماء على استحباب ختان الإناث، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» . دليل على أن أمة محمد فيها الختان.
7 -
الميت لا يختن بعد موته؛ لأن المقصود من الختان الطهارة، وقد زالت هذه الحاجة بالموت، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر:«إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً» غرلاً: أي غير مختونين، فما الفائدة من قطع عضو سيبعث يوم القيامة به، وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى؟!
8 -
من فوائد الختان: الوقاية من الالتهابات في القضيب الناتجة عن وجود القلفة، والوقاية من الالتهابات في المجاري البولية، والوقاية من سرطان القضيب، والوقاية من الأمراض الجنسية.
السنة الثانية من سنن الفطرة: الاستحداد.
1 -
الاستحداد في اللغة: حلق العانة بالحديدة.
وفي الشرع: إزالة شعر العانة، وهو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو حلق.
2 -
حكم الاستحداد: ذهب جمهور العلماء إلى أن الاستحداد سنة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ» . وقد تجب سنن الفطرة إذا خرجت عن العادة؛ لأن الإنسان لو ترك أظفاره وشاربه وعانته وغير ذلك لم تبق له صورة الآدميين، قال تعالى عن أصحاب الكهف الذين مكثوا أكثر من ثلاثة قرون:{لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18]. وعلى هذا فلكل من الزوجين أن يجبر الآخر على الاستحداد، وتقليم الأطفار، ونتف الإبط، وعموم التنظيف إذا خرج عن العادة، فالزوج لا بد أن ينتظف لزوجته؛ لعموم قوله تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، والزوجة لا بد أن تنتظف وتتجمل لزوجها؛ لعموم قوله تعالى:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
3 -
وقت الاستحداد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب حلق العانة كل جمعة، فإذا كان يستحب الاغتسال يوم الجمعة للتنظيف، فكذا الاستحداد.
4 -
ونص على عدم ترك العانة ونتف الإبط أكثر من أربعين يومًا، روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ:«وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» .
5 -
هل الحلق أفضل أم النتف؟ ذهب الحنفية والشافعية إلى أن السنة في الرجل حلق العانة؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وَحَلْقِ الْعَانَةِ» ، والسنة في المرأة النتف؛ لأن المرأة أشد حاجة إلى إزالة الشعر وتأخر نموه أكثر من الرجل، ولكن ورد في الصحيحين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا دَخَلْتَ لَيْلاً، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» .
6 -
حلق شعر الدبر: لا مانع من حلق شعر الدبر، وإن قصد به التنظف وسهولة الاستنجاء، فهو حسن مندوب، والله أعلم.
7 -
حلق عانة الميت محرم؛ لأن في ذلك كشفًا لعورته، وإذا أمكن إزالة شعر العانة بالنورة، و يباشر ذلك الزوجة فيجوز ذلك.
8 -
يجوز استخدام النورة وهو الطلاء بالنورة ليزال بها الشعر.
السنة الثالثة والرابعة: تقليم الأظفار ونتف الإبط:
1 -
معنى تقليم الأظفار: أَخْذ ما طال منها، وفيه تحسين للهيئة، ومنع الوسخ الذي يكون في الظفر، والذي يمنع من كمال الطهارة.
2 -
حكم تقليم الأظفار: قال النووي: أَمَّا تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ونَتْفُ الْإِبْطِ فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الرجل والمرأة وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ.
أما إذا طالت الأظفار عن المعتاد، فقد يتعلق بها من الأوساخ ما يمنع من حصول الطهارة، فيجب تقليمها؛ لأن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، قال تعالى عن أهل الكهف لما طالت أظفارهم وغير ذلك:{لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18].
3 -
وقت تقليم الأظفار ونتف الإبط، ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب تقليم الأظفار كل جمعة، واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ ويَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاة. والحديث ضعيف، وصح عن ابن عمر أنه كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه في كل جمعة.
وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس. واستدلوا بحديث أبي هريرة: من أَرَادَ أَنْ يَأْمَن الْفقر وشكاية الْعَمى والبرص وَالْجُنُون، فليقلم أَظْفَاره يَوْم الْخَمِيس بعد الْعَصْر. واعترض عليه: بأنه لا أصل له.
وهناك قول ثالث: إن التوقيت في تقليم الأظفار معتبر بطولها فإذا طالت قلمها.
قال القرطبي: المستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل. قلت: ولا تترك أكثر من أربعين يومًا.
4 -
إزالة الوسخ تحت الظفر إذا خرج عن العادة، أما إذا كان ما تحت الظفر يسيرًا عفي عنه؛ لأن هذا الأمر مما عمت به البلوى، ولو كان غسله واجبًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.
5 -
دفن الظفر والشعر: ففي الحديث عن النبي أنه كَانَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعرِ وَالأَظَفَارِ، ولم يصح في الباب حديث؛ ولذا لا يستحب دفن الظفر ولا الشعر.
6 -
من توضأ أو نتف إبطه ثم قلمه، هل يعيد الوضوء؟ لا يعيد لأن تقليم الأظفار ليس بحدث حتى ينتقض وضوءه.
7 -
توفير الأظفار في الحرب، ففي الحديث:«وَفِّرُوا أَظْفَارَكُمْ فِي أَرْضِ العَدُو؛ فِإِنَّهُ سِلَاح» ، ولم يصح في هذا الباب حديث، واستدلوا بأن المجاهد إذا سقط السلاح من يده فربما يتمكن من دفع العدو بأظافيره. قلت: وهذا في الحروب القديمة، أما الآن فالحروب بالأسلحة والقنابل فلا يستحب توفير الأظفار.
8 -
من السنة نتف الإبط، وليس الحلق، ففي الحديث:«وَنَتْفُ الآبَاطِ» .
السنة الخامسة: قص الشارب:
1 -
قص الشارب مستحب بالإجماع، وفي الحديث:«الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ» .
2 -
هل يقص الشارب أو يحلق؟ أكثر الأحاديث على قص الشارب؛ لحديث: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ
…
» وذكر منها «قَصُّ الشَّارِبِ» ، وفي الحديث:«وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ» ، وفي الحديث:«مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» ، فكل هذه الأحاديث تدل على قص الشارب، وفي الباب أحاديث أُخر، وهي:«جُزُّوا الشَّوَارِبَ» ، و «وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ» ، و «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» ، وكل هذه الألفاظ في الصحاح، وتدل على المبالغة في الإزالة، والجمع بين هذه الأحاديث أن أحاديث القص أكثر وأصح وأصرح، فالأفضل القص، والحلق جائز، والله أعلم.
السنة السادسة: إعفاء اللحية:
1 -
تعريف اللحية: هي الشعر النابت على الذقن والخدين.
2 -
حكم اللحية: اتفقوا على أن حلق جميع اللحية مثلة ولا يجوز، وفي الحديث:«خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى» ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى» ، قال ابن
عابدين: الأخذ من اللحية دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد.
3 -
حكم الأخذ من اللحية: في الحديث: «وَاعْفُوا اللِّحَى» ، «وَأَرْخُوا اللِّحَى» ، قال النووي: المختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيء أصلًا. وذهب جمهور العلماء إلى أخذ ما زاد على القبضة، واستدلوا بما ورد في البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» ، وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.
4 -
حكم نتف الشيب: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة نتف الشيب؛ لما روى أحمد بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَشِيبُ فِي الإِسْلَامِ شَيْبَةً، إِلاَّ كَتَبَ الله لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» .
5 -
تغيير الشيب بغير السواد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن تغيير الشيب بغير السواد من حمرة أو صفرة، لعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» .
6 -
تغيير الشيب بالسواد: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة تغيير الشيب بالسواد.
واستدلوا بما روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» . واعترض عليه: بأن لفظة: «وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» فيها ضعف.
السنة السابعة والثامنة: حلق الشعر وغسل البراجم:
1 -
ترك شعر الرأس أفضل من حلقه مع تعهده وتنظيفه، وهذا فعل الأنبياء والمرسلين، وكذا سيد المرسلين وصحابته الغر الميامين، ويجوز حلقه.
2 -
القزع: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع وأبقى مواضع أنه القزع المنهي عنه، روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْقَزَعِ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: «يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ» . قلت: ويدخل فيه ما يفعله بعض الحلاقين من تطويل الشعر على الناصية وتقصيره من الجوانب.
3 -
غسل البراجم: أي غسل المفاصل والعُقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع
فيها الوسخ، قال النووي: أما غسل البراجم فمتفق على استحبابه.
السنة التاسعة: السواك:
1 -
تعريفه: وهو: استِعمَالُ عُودٍ أَوْ نَحوه فِي الأَسْنَانِ لِإِذهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحْوَهُ.
2 -
حكمه: السواك سنة بالإجماع، وفي الحديث:«لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» .
3 -
أفضل السواك الأراك، ثم يأتي جريد النخل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استن به في آخر حياته.
هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟
الجواب: السواك أفضل من المعجون لأمور: الأول: فيه مرضاة للرب. الثاني: خفيف الحمل. الثالث: لا يحتاج إلى ماء كالمعجون. الرابع: لا يسبب ضررًا في اللثة كالمعجون.
5 -
يباح السواك للصائم في أول النهار وآخره لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» .
6 -
يستحب عند الانتباه من النوم لحديث حُذَيْفَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
وعند دخول البيت: فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» . وعند قراءة القرآن، وعند الجمعة، وعند الاحتضار.
7 -
يستحب استعمال السواك باليد اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في طهوره، والاستياك نوع من الطهور فيكون باليمين.
* * *
الباب السادس الوضوء
وفيه تمهيد وأربعة فصول
التمهيد:
الفصل الأول: شروط صحة الوضوء.
الفصل الثاني: فرائض الوضوء.
الفصل الثالث: سنن الوضوء.
الفصل الرابع: نواقض الوضوء.
التمهيد
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: تعريف الوضوء لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني: فضل الوضوء.
المبحث الثالث: حكم الوضوء.
المبحث الرابع: الوضوء في شريعة مَنْ قبلنا.
التمهيد
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: تعريف الوضوء لغة واصطلاحًا:
أَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ.
(1)
والوضوء فى الشرع: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ
(2)
.
المبحث الثاني: فضل الوضوء:
1 -
الوضوء يُكفر الخطايا والذنوب والآثام، روى مسلم من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ
…
»
(3)
.
2 -
الطهور شطر الإيمان، دل على ذلك ما رواه مسلم
(4)
عن أبي مالك الأشعري قال:
(1)
انظر: «تاج العروس» (1/ 276، 277)، و «لسان العرب» (1/ 194)، و «مختار الصحاح» (303). والوُضُوءُ بالضمِّ: الفِعْلُ، وَبالفَتْح مَاؤُهُ المُعَدُّ لَهُ، قوله تعالى:{وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [الْبَقَرَة: 24] فَقَالَ: الوَقُودُ، بِالفَتْح: الحَطَبُ، والوُقُود، بالضمّ: الاتِّقَادُ، وَهُوَ الفِعْلُ وقيل: هما لغتان بمعنى واحد: يعني بالفتح والضم.
(2)
«أسنى المطالب» (1/ 28). في حدود ابن عرفة الوضوء: غُسْلٌ وَمَسْحٌ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ لِرَفْعِ حَدَثٍ.
(3)
«مسلم» (832).
(4)
«مسلم» (223).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ»
(1)
.
3 -
تميز أمة محمد بالوضوء يوم القيامة عن سائر الأمم، ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ»
(2)
.
4 -
حل عقدة الشيطان بالوضوء، ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ»
(3)
.
5 -
إسباغ الوضوء ونطق الشهادتين بعده من أسباب دخول الجنة، روى مسلم من حديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»
(4)
.
المبحث الثالث: حكم الوضوء:
يختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى: فقد يكون واجبًا إذا أراد المحدث الصلاة؛
(1)
قال النووي «شرح مسلم» (2/ 102): وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَنْتَهِي تَضْعِيفُهُ إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَصَارَتْ كَالشَّطْرِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي الشَّطْرِ أَنْ يَكُونَ نِصْفًا حَقِيقِيًّا. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يكون مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَانْقِيَادٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُمَا شَطْرَانِ لِلْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الصَّلَاةَ فَهِيَ انْقِيَادٌ فِي الظَّاهِرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(2)
«البخاري» (136)، و «مسلم» (246).
(3)
«البخاري» (1074)، و «مسلم» (1259).
(4)
«مسلم» (234).
لعموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل
(1)
.
وقد يكون مستحبًّا إذا أراد النوم
(2)
، ويستحب للمسلم البقاء على طهارة
(3)
.
والوضوء بالماء المغصوب أو المسروق محرم. وهكذا يختلف حكم الوضوء من عبادة إلى أخرى.
المبحث الرابع: الوضوء في شريعة مَنْ قبلنا:
ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل مما خُصت به هذه الأمة
(4)
.
واستدلوا لذلك بما روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ
(1)
«الإجماع» (29).
(2)
روى «البخاري» (247). عن البَرَاءِ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ:«لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» .
(3)
روى «البخاري» (1449)، و «مسلم» (2458). من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ:«يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ» ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا، فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.
(4)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 90)، و «شرح الزرقاني» (1/ 64)، و «مغني المحتاج» (1/ 61)، و «الفروع» (1/ 325).
أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا. فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ»
(1)
.
وجه الدلالة: «فقامت توضأ» ، فدل ذلك على أن الوضوء كان في شريعة إبراهيم، أي أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا.
أما دليل أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة، فقد ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ»
(2)
.
وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلِيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»
(3)
.
* * *
(1)
«البخاري» (6950). وكذلك في قصة جريج العابد، روى البخاري (2482) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ!! وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا!! فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ!! فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ» .
(2)
«البخاري» (136)، و «مسلم» (246).
(3)
«مسلم» (247).
الفصل الأول شروط صحة الوضوء
الشرط الأول: الإسلام:
فلا يصح الوضوء من كافر، وكذا جميع العبادات، دل على ذلك عموم قوله تعالى:{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ} [التوبة: 54]
(1)
.
(1)
هذه المسألة مبنية على أصل هو: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
قد أجمع العلماء على مخاطبة الكفار بأصول الشريعة كالتوحيد، قال تعالى:{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158].
واختلفوا في مخاطبة الكفار بفروع الشريعة:
فذهب جمهور العلماء إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ويعاقبون على تركها في الآخرة، قال تعالى:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} [المدثر] فكان من أسباب العذاب وموجباته إهمال حق المسكين، وهذا الحق من فروع الشريعة، وقال تعالى:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت] فأوجب لهم الويل بكفرهم وإخلالهم بالزكاة. وهذا الذي أوتي كتابه بشماله قال: {يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)} [الحاقة: 25 - 26] قال الله: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)} [الحاقة] والسبب في هذا {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} [الحاقة] يعذب بإضاعة حق اليتيم، وهذا من فروع الشريعة.
واستدل الجمهور بالقياس، فكما أن الكافر يُلزم بالنواهي بالإجماع فإذا سرق قُطع وإذا زنا حُد، فكذا يُلزم بالأوامر.
وذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية إلى أن الكافر لا يخاطب بفروع الشريعة، واستدلوا بما ورد في الصحيحين، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ {، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» . ففي الحديث أن الصلاة والزكاة والصيام لا تجب إلا بعد الإيمان. واستدلوا أيضًا بأن الكافر ليس أهلاً لأداء العبادات.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن الكافر لا يطالب بالفروع كالصلاة والزكاة والصوم وغيرها في الدنيا مع كفره لأن لا يُقبل منه حتى يسلم فيطالب بالأصول والفروع، ولا يلزمه قضاء ما مضى إذا أسلم، ويعاقب ويعذب على ترك الفروع في الآخرة زيادة على عذاب الكفر. «انظر المجموع» (3/ 5)، وفي «أصول السرخسي» (1/ 74)، قال: مخاطبته بالأوامر والنواهي، وإيجاب الشيء عليه لا يلزم منه صحته لو فعله، لأن المانع من قِبله هو، وليس من قِبل الشرع، فإذا أُمر الإنسان بأن يفعل فعلاً، وكان هناك مانع يمنع من صحة الفعل، إن كان المانع من قِبل الشرع، كالعجز عن الفعل سقط الفعل، وإن كان المانع من قِبل المكلف أثم ولم يرتفع عنه الخطاب. انظر «الشامل الميسر» لمحمد صبحي (1/ 142).
الشرط الثاني: التكليف:
المكلف هو البالغ العاقل، فلا يجب الوضوء على طفل ولا مجنون.
ويصح الوضوء من الطفل المميز، ولا يصح وضوء مجنون ولا غير مميز.
عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ»
(1)
.
قال شيخ الإسلام: والأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده، فأما
(1)
ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة، أصحها حديث عائشة. أخرجه أحمد (6/ 100، 101)، والنسائي (6/ 156)، وأبو داود (4398). وابن ماجه (2041) وغيرهم، من طرق عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة مرفوعًا. قال أحمد: حماد بن سلمة عنده عن حماد بن أبي سليمان تخليط. وقال الترمذي «العلل الكبير» (ص 225): سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون محفوظًا. قلت له: روى الحديث غير حماد؟ قال: لا أعلمه. وقال ابن رجب «شرح البخاري» (5/ 294): قال النسائي: ليس في الباب حديث صحيح إلا حديث عائشة فإنه حسن. قلت: في الباب حديث علي وأبي قتادة وابن عباس وثوبان وغيرهم، ولا يصح منهم حديث.
المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين.
الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس:
فلو توضأت الحائض أو النفساء لم يرتفع حدثهما.
الشرط الرابع: طهارة الماء:
فلا يصح الوضوء بالماء النجس.
الشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء:
فإن عجز عن استعمال الماء لمرض ونحوه، فإنه يسقط. لعموم قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ولقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
واشترط الحنابلة أن يكون الماء مباحًا. فيحرم الوضوء بالماء المغصوب ويبطل. والصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة وضوئه مع الإثم؛ فليس هذا شرطًا في صحة الوضوء.
الشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء:
كخروج الريح في وسط الوضوء فيجب عليه الإعادة، ويستثنى من ذلك المعذور كصاحب سلس البول والمستحاضة وغيرهما.
الشرط السابع: عدم الحائل الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة:
فإذا توضأ وهناك حاجز يمنع وصول الماء إلى البشرة كالشمع، أو دهان، أو طلاء الأظفار، أو أدوات التجميل، وكل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة، فإنه لا بد من إزالته؛ لأن الله تعالى أمر بغسل أعضاء الوجه واليدين إذا كانت مكشوفة، فإن كان على العضو المغسول ما يمنع من وصول الماء فهو لم يغسل، وكذا مثبتات الشعر التي يسمونها الجيل التي يستعملها الشباب، فلو أدى استعمالها إلى وجود طبقة عازلة تحول بين شعر الرأس الذي يجب مسحه وبين الماء الذي يتم المسح به، فلا يصح الوضوء
(1)
.
(1)
الذي يعمل في طلاء الجدران والأخشاب يغسل يديه بمنظفات ويحاول إزالته بقدر استطاعته، وما بقي منه فإنه يعفى عنه لعموم قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ولقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وكذا من يعمل بصيد الأسماك فإنه يبقى على يديه من أثر السمك ما يكون إزالته صعبًا وعسيرًا، فإنه ينظف ما يستطيع ولا حرج فيما بقي، والله أعلم.
الشرط الثامن: قيام الحدث:
فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء؛ وذلك لما روى البخاري من حديث عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ
(1)
.
وعن بريدة أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ
(2)
.
وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وأَصْحَابُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَلَمْ يُحْدِثْ وُضُوءًا لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ، وَلَا أَمَرَ النَّاسَ بِإِحْدَاثِ وُضُوءٍ، وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَمَّا قَدِمَ مُزْدَلِفَةَ صَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ لِلْعِشَاءِ
(3)
.
الشرط التاسع: النية:
تعريف النية: النية لغة: القصد والعزم
(4)
.
قال البهوتي: النية شرعًا: هي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله
(5)
.
(1)
«البخاري» (214).
(2)
«مسلم» (277).
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 371، 372).
(4)
«معجم مقاييس اللغة» (5/ 366).
(5)
وقال ابن عابدين «حاشية» (1/ 105) النية: قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى الله تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ. وفي «حاشية العدوي» (1/ 203): النية: قَصْدُ الْمُكَلَّفِ الشَّيْءَ الْمَأْمُورَ بِهِ. وقال النووي «المجموع» (1/ 353): النِّيَّةُ عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى عَمَلِ فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ.
هل يجهر بالنية قبل الوضوء؟
قال ابن تيمية: وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرِيرَهَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ، بَلْ مَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَدَّبَ تَأْدِيبًا يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ التَّعَبُّدِ بِالْبِدَعِ وَإِيذَاءِ النَّاسِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ
(1)
.
وقال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ صلى الله عليه وسلم فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ
(2)
.
وذهب الحنفية
(3)
والشافعية إلى أنه يستحب التلفظ بالنية عند الوضوء، قالوا: الحاج إذا أراد النسك جهر بالنية باللسان فيقول: (لبيك حجًّا) فكذا يقول: نويت الوضوء
(4)
.
واعترض عليه: بأن الجهر في الحج ورد النص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بينما الجهر بالنية في بداية الوضوء لم يرو فيه حديث صحيح، ولو كان الجهر بالنية عند الوضوء وفي بداية الصلاة مشروعًا لبينه الشرع وما كان ربك نسيًّا.
* * *
(1)
«الفتاوى الكبرى» (1/ 214).
(2)
«زاد المعاد» (1/ 296).
(3)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 108).
(4)
«المجموع» (6/ 302).
الفصل الثاني فرائض الوضوء
فرائض الوضوء ستة
الفرض الأول: غسل الوجه.
الفرض الثاني: غسل اليدين، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: غسل المرفقين مع اليدين.
المبحث الثاني: كيف يغسل من كان أقطع اليدين أو بعضهما؟
المبحث الثالث: في الوسخ يكون تحت الظفر.
الفرض الثالث: مسح الرأس وبيان المقدار الواجب مسحه.
الفرض الرابع: غسل الرجلين.
الفرض الخامس: الترتيب.
الفرض السادس: الموالاة.
الفصل الثاني
فرائض الوضوء
من فرائض الوضوء غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك.
قال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فَرْضٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَمْرِ الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُسْلِمَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَغَسْلِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ
(1)
.
وقال ابن رشد: فَرَائِضُ الوُضُوءِ ثَمَانِيَةٌ: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهِيَ الَّتِي نَصَّ اللهُ تبارك وتعالى عَلَيْهَا: غَسْلُ الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ
(2)
.
قال الطحاوي: نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَرَأَيْنَا الأَعْضَاءَ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَى فَرَضِيَتِهَا فِي الوُضُوءِ: الوَجْهُ، وَاليَدَانِ، وِالرِّجْلَانِ، والرَّأْسُ
(3)
.
دل على ذلك الكتاب والسنة. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6]. وأما السنة، فالأحاديث الكثيرة المستفيضة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.
(1)
«التمهيد» (4/ 31).
(2)
«مقدمات ابن رشد» (1/ 53).
(3)
«شرح معاني الآثار» (1/ 33)، وقد نقل الإجماع على ذلك الخرشي في «حاشيته» (1/ 120)، والماوردي «الحاوي» (1/ 112)، وابن مفلح «الفروع» (1/ 147) وغيرهم كثير.
الفرض الأول: غسل الوجه:
قال ابن عبد البر: العُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الوَجْهِ فَرْضٌ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ القُرْآَنُ وَالأَحَادِيْثُ الكَثِيْرَةُ المُسْتَفِيْضَةُ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
حد الوجه:
ذهب جمهور العلماء إلى أن حد الوجه: من منبت الشعر إلى الذقن طولًا، وعرضه من الأذن إلى الأذن
(1)
.
وقول (منابت الرأس أو الشعر المعتاد) خرج به الأجلح والأفرع والأنزع.
أما الأجلح: وهو من كان ينحسر شعره عن مقدم رأسه؛ فلا يجب عليه غسلَ ذلك الموضع بِلَا خلاف لأنه من الرأسِ
(2)
.
أما الأفرع: هو من نبت الشعر على جبهته
(3)
. أما الأنزع: وهو من به بياض انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدمة الرأس، فلا يجب غسلهما؛ لأنهما من الرأس. وهو قول الجمهور
(4)
.
الحاصل في غسل الوجه:
1 -
أن حد الوجه منابت الرأس المعتاد إلى الذقن طولًا وعرضه من الأذن إلى الأذن.
2 -
الأجلح إذا انصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع؛ لأنه ليس من الوجه بل هو من الرأس.
3 -
الأفرع هو الذي ينزل شعره على وجهه. فعليه أن يغسل مع الوجه ما نزل عن منابت الشعر المعتاد. قال النووي: وَلَوْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَنْ الْمَنَابِتِ الْمُعْتَادَةِ إلَى الْجَبْهَةِ نُظِرَ إنْ عَمَّهَا
(1)
انظر «المبسوط» (1/ 6)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (1/ 105).
(2)
«المجموع» (1/ 406).
(3)
«مواهب الجليل» (1/ 184، 185).
(4)
«البحر الرائق» (1/ 12)، و «الشرح الصغير» (1/ 105)، و «الإنصاف» (1/ 156).
وَجبَ غَسْلُهَا كُلِّها بلا خِلافٍ وإنْ سَتَرَ بعضها فَطَرِيقَانِ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وُجُوبُ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَسْتُورِ.
4 -
الأنزع: وهو من به بياض انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، ولا يجب غسلهما لأنهما من الرأس.
5 -
شعر اللحية: فالوجه يجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر سقط غسل ما تحته عند عامة العلماء، وقال أبو عبد الله البلخي: إنه لا يسقط غسله،. وقال الشافعي: إذا كان الشعر كثيفًا يسقط، وإن كان خفيفًا لا يسقط.
والراجح وجوب غسل الوجه قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر فيغسل ظاهر اللحية ولا يجب غسل ما تحت الشعر، ولو كان ذلك واجبًا لبين النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ولنقله لنا صحابته الكرام، وقد وردت أحاديث في الصحيحين عن عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد وغيرهما، وليس فيها هذه المشقة والتعنت. والله يقول:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، والأحاديث الواردة في تخليل اللحية لا يصح منها حديث كما قال الإمام أحمد وسوف يأتي بحثها.
6 -
المتوضئ إذا غسل وجهه فعليه أن يغسل جزءًا من رأسه وسائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا، وليس بواجب وذلك لاستيعاب الوجه
(1)
.
7 -
الظاهر من الفم والأنف والشارب وغيرها التي على ظاهر الوجه تُغسل لأن كل هذا داخل في حدود الوجه.
8 -
ما تحت الذقن لا يغسل مع الوجه. قال في مواهب الجليل: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَ الذَّقْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا
(2)
.
(1)
«مواهب الجليل» (1/ 187)، و «المجموع» (1/ 146)، و «المغني» (1/ 33).
(2)
«مواهب الجليل» (1/ 185).
9 -
أما البياض الواقع بين الأذن والعذار
(1)
. فذهب جمهور العلماء إلى أن هذا البياض من الوجه يجب غسله ولأنه من الوجه في حق الطفل والمرأة فيغسل
(2)
كذا في حق الملتحي.
وقيل: إنه لا يجب غسل البياض بين الأذن والعذار.
قال ابن رشد: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عنْ مَالِكٍ
(3)
.
الفرض الثاني: غسل اليدين.
قال الماوردي: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
(4)
.
وفيه ثلاثة مباحث:
•
المبحث الأول: غسل المرفقين مع اليدين:
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين
(5)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ
(6)
.
قال الشافعي: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء.
واعترض على هذا الإجماع بأنه منخرم فقد ورد عن مالك في رواية وأحمد والظاهرية أنه
(1)
والعذار: هو الشعر النابت المحاذي للأذنين بين الصدغ والعارض وهو أول ما ينبت للأمرد غالبًا
(2)
«المبسوط» (1/ 6)، و «المجموع» (1/ 407)، و «المغني» (1/ 81).
(3)
«بداية المجتهد» (1/ 119).
(4)
«الحاوي» (1/ 112).
(5)
«بدائع الصنائع» (1/ 4)، و «حاشية الدسوقي» (1/ 87)، و «المغني» (1/ 84، 85).
(6)
«مسلم» (246).
لا يجب إدخال المرفقين في غسل اليدين
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، فكلمة {إلى} لانتهاء الغاية، أي حتى المرافق فلا يجب دخول المرفقين في غسل اليدين كما قال تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ولا يدخل الليل في الصيام فإلى هنا للغاية.
واعترض عليه بأن معنى {إلى} في الآية بمعنى (مع)، أي: واغسلوا أيديكم مع المرافقين، والذي يحدد ذلك هو السياق. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين لما أنزل إليه، ففي صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل اليدين مع المرفقين فتعين حمل الآية على هذا المعنى. ولهذا المعنى شواهد، منها قوله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] أي مع أموالكم.
وقد قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] والقطع إنما هو للكف والذي بَيَّن هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6] والتيمم يكون بالضرب بالكف والذي بَيَّن هو النبي صلى الله عليه وسلم.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين، وحد غسل اليدين من أطراف الأصابع مع إدخال المرفقين في غسل اليدين.
المبحث الثاني: كيف يغسل من كان أقطع اليد أو بعضهما؟
إذا كان الرجل أقطع اليد وجب غسل ما بقي من محل الفرض بالإجماع
(2)
.
وقد قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
(3)
.
فيجب عليه غسل ما بقي من محل الفرض، وسقط عنه ما عجز عنه.
وإن كان مقطوع اليد من المفصل ففيه قولان:
(1)
«المنتقى» للباجي (1/ 36)، و «الإنصاف» (1/ 157)، و «المحلى» (1/ 294).
(2)
وقد نقل الإجماع النووي كما في «المجموع» (1/ 424)، والحطاب كما في «مواهب الجليل» (1/ 191)
(3)
«البخاري» (7388)، و «مسلم» (1337).
القول الأول: أنه يجب عليه غسل رأس العضد وهو قول عند الشافعية، والمشهور عن الحنابلة
(1)
.
القول الثاني: أنه لا يجب عليه غسل رأس العضد وهو قول عند الشافعية
(2)
.
والراجح: أنه يغسل رأس العضد الذي على المرفق، وأما إذا قطع ما فوق المرفق فإنه يمسه بالماء لأن محل الفرض قد سقط بزوال العضو الواجب وليس له بدل، والله أعلم.
المبحث الثالث: في الوسخ يكون تحت الظفر:
إذا كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء هل يصح وضوءه؟
اختلف أهل العلم: فمنهم من قال: تجب إزالة الوسخ ولا يصح الوضوء مع وجوده
(3)
. ومنهم من قال: يصح الوضوء ويعفى عن الوسخ ولوكان كثيرا
(4)
. ومنهم من قال: يعفى عن اليسير
(5)
.
والصحيح أنه يصح الوضوء مع وجود هذا الوسخ إذا كان يسيرًا ولم يخرج عن المعتاد، وقد كان الأعراب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعاهدون نظافة أظفارهم وقد كانوا يعملون بجمع الحطب ولم يرد عن رسول في ذلك نص، ولو كان يجب في ذلك شيء لبينه صلى الله عليه وسلم
(6)
.
قال ابن تيمية: وَإِنْ مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ صَحَّتِ الطَّهَارَةُ، وَهُوَ وَجْهٌ
(1)
«البيان في مذهب الشافعي» (1/ 122، 123)، و «كشاف القناع» (1/ 101).
(2)
«المجموع» (1/ 424».
(3)
اختار هذا القول المتولي من الشافعية كما في «المجموع» (1/ 340)، وقال ابن قدامة «المغني» (1/ 86): إذَا كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ حَتَّى يُزِيلَهُ.
(4)
«تحفة المحتاج» (1/ 187)، و «المجموع» (1/ 340)، و «المغني» (1/ 86).
(5)
«إحكام الأحكام» (1/ 125).
(6)
انظر «سنن الفطرة في تقليم الأظفار» من هذا الكتاب.
لِأَصْحَابِنَا، وَمِثْلُهُ كُلُّ يَسِيرٍ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ حَيْثُ كَانَ، كَدَمٍ وَعَجِينٍ
(1)
.
•
الفرض الثالث: مَسْح الرأس وبيان المقدار الواجب مسحه:
من فروض الوضوء مسح الرأس بالنص والإجماع.
قال تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن مسح الرأس من فروض الوضوء.
المقدار الواجب مسحه من الرأس.
اختلف أهل العلم في المقدار الواجب مسحه من الرأس على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية وبعض الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة
(2)
. واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، وفيه:«ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ»
(3)
.
وقال تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] والمراد بمسح الرأس: مسح جميع الرأس
(4)
، والباء هنا للإلصاق، وبَيَّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في الأحاديث الصحاح.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع
(1)
«الفتاوى الكبرى» (5/ 303)، وقال في «الفواكه الدواني» (1/ 140): وَلَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ مَا تَحْتَ أَظَافِرِهِ مِنِ الْأَوْسَاخِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عنِ الْمُعْتَادِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَلْمُ ظُفْرِهِ السَّاتِرِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ.
(2)
«الاستذكار» (2/ 30)، و «المجموع» (1/ 431)، و «الإنصاف» (1/ 16).
(3)
«البخاري» (185)، و «مسلم» (235).
(4)
قال ابن العربي «أحكام القرآن» (2/ 64): قوله تعالى: {برؤوسكم} الرأس عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها الوجه، فلما ذكره الله في الوضوء وعَيَّن الوجه للغسل بقي باقيه للمسح.
الرأس
(1)
.
واستدلوا بما روى أحمد عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ
(2)
.
قال الطحاوي: لَمَّا اكْتَفَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْأَثَرِ بَمَسْحِ النَّاصِيَةِ عَلَى مَسْحِ مَا بَقِيَ مِنَ الرَّأْسِ، دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ هُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُو رُبْعُ الرَّأْسِ
(3)
.
واعترض عليه بما قاله ابن العربي: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْبَعْضِ؟ قُلْنَا: بَلْ هُوَ نَصٌّ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ الْجَمِيعُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعِمَامَةِ وَالرَّأْسِ. فَلَمَّا مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى مَا أَدْرَكَ مِنْ رَأْسِهِ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِيهِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْحَائِلِ مِنْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ، وَنَقَلَ الْفَرْضَ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي هَذَيْنِ
(4)
.
واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ»
(5)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.
وروى عبد الرزاق قال: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ الْعِمَامَةُ يُؤَخِّرُهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَلَا يَحُلُّهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه
(6)
. واعترض عليه بأنه لم يصح عن رسول الله وهو مرسل.
قال ابن القيم: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ الْبَتَّةَ،
(1)
«المبسوط» (1/ 63)، و «بدائع الصنائع» (1/ 4)، و «حاشية ابن عابدين» (1/ 99).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (4/ 255).
(3)
«شرح معاني الآثار» (1/ 31).
(4)
«الجامع لأحكام القرآن» (2/ 64).
(5)
إسناده ضعيف: «سنن أبي داود» (147) وفي إسناده أبو معقل، قال ابن القطان: مجهول وعبد العزيز بن مسلم الأنصاري: لين الحديث.
(6)
مرسل: «المصنف» (739).
وَلَكِنْ كَانَ إِذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ كَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ
…
ثم قال: وَأَمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى النَّاصِيَةِ مُجَرَّدَةً فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْه
(1)
.
أما دليلهم من المأثور فعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً»
(2)
.
القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه لو مسح على شعرة أو شعرات من رأسه أجزأه
(3)
. واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]. والباء للتبعيض أي: امسحوا بعض رؤوسكم، كما تقول: مسحت بالحائط، وهو مسح بجزء من الحائط.
واعترض عليه: بأن الباء إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرًا زائدًا، فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول:(مسحت رأس فلان) وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: وامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون برؤوسكم شيئًا بهذا، ولو أراد بعض الرأس لقال: امسحوا رؤوسكم.
قلت: وهذا مثل قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ 29} [الحج: 29]، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، أى: الطواف بجميع البيت، فكذلك مسح الرأس لقوله تعالى:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] أى: مسح جميع الرأس لا يجوز مسح بعضها.
واستدلوا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح بناصيته، فهذا يدل على عدم وجوب الاستيعاب، والناصية أقل من الربع، فدل ذلك على أنه لو مسح على شعرة أو شعرات أجزأه.
واعترض عليه بأن ذلك لم يصح.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس، بَيَّن النبي أن المراد ب
(1)
«زاد المعاد) (1/ 193).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 22).
(3)
«المجموع» (1/ 430)، و «الحاوي» (1/ 114).
انظر: مجموع الفتاوى (21/ 129) بتصرف.
{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} جميع الرأس وهو المبين للناس ما أُنزل إليه، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد:«ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» ، فهذا بيان لما أجمل في قوله تعالى:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} كما في عموم قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ 29} . وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك في مسح الرأس لا يجوز مسح بعض الرأس، ثم إن مَنْ مسح جميع الرأس أجزاه بلا خلاف.
قال ابن عبد البر: الفرائض لا تؤدى إلا باليقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن، وفَعَل أكمل ما يلزمه
(1)
.
الفرض الرابع: غسل الرجلين:
ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى:{فَاغْسِلُوا} أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم.
والأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.
وقال الطحاوي: رَأَيْنَا الْأَعْضَاءَ الَّتِي قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ. فَكَانَ الْوَجْهُ يُغْسَلُ كُلُّهُ، والْيَدَانِ، وَكَذَلِكَ الرِّجْلَانِ
(2)
.
وقال ابن قدامة: وَالمَفْرُوْضُ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافِ خَمْسَةٌ: النِّيةُ
…
وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ.
القول الثاني: أن فرض الرجلين المسح، حُكِي هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأنس، وهو مذهب الحسن البصري وعكرمة والشعبي.
قال ابن حزم: المسح مذهب لعلي وابن عباس وأنس}
(1)
.
واعترض عليه بما قاله الحافظ بن حجر بعد ذكر الإجماع على غسل الرجلين: وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عليٍّ وابن عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ
(2)
.
وصح عن أنس
(3)
، والحسن
(4)
، والشعبي
(5)
، وعكرمة
(6)
المسح على القدمين.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} ، والاستدلال بقراءة جر (وأرجلكم) من قوله تعالى:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} .
قال ابن حزم: الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْمَسْحِ، وَسَوَاءٌ قُرِئَ بِخَفْضِ اللَّامِ أَوْ بِفَتْحِهَا، هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَطْفٌ عَلَى الرُّءُوسِ: إمَّا عَلَى اللَّفْظِ وَإِمَّا عَلَى الْمَوْضِعِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَضِيَّةٍ مُبْتَدَأَةٍ
(7)
.
واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين لما في القرآن، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل الرجلين.
قال ابن العربي: وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: إِنَّ قِرَاءَةَ الخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى الرَّأسِ، فَهُمَا
(1)
«المحلى» (1/ 301).
(2)
«فتح الباري» في شرح الحديث (163).
(3)
روى ابن أبي شيبة (1/ 298) بسند صحيح، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إذَا مَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ بَلَّهُمَا.
(4)
وروى ابن أبي شيبة (1/ 298) بسند صحيح عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَكَانَ يَقُولُ: يُمْسَحُ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا.
(5)
وروى ابن أبي شيبة (1/ 298) بسند صحيح عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ
(6)
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أيوب قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه.
(7)
«المحلى» (1/ 301).
يُمْسَحَانِ بِكَفٍّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خِفْافٌ أَوْ تَلقَينَا هَذَا القَيْدَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ إَذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلِيْهِ خِفَافُ، وَالمُتَوَاتِرُ عَنْهُ غَسْلُهُما، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِفِعْلِهِ الحَالَ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الرِّجْلُ وَالحَالَ الَّذِي تُمْسَحُ فِيهِ
(1)
.
والثاني: ما قاله النووي: لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ لِحُمِلَ الْمَسْحُ عَلَى الْغَسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ، كَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ العربُ تُسميِّ خفيفَ الغُسْل مسحًا. وَروى البيهقي بإسناده عن الأعمش قال: كانوا يقرؤُوُنَها وَكَانُوا يَغْسِلُون
(2)
.
وقال ابن العربي: من المستعمل في أرض الحجاز: تمسَّحنا للصلاة، أي توضأنا.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:«وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»
(3)
.
واعترض عليه بما قاله ابن العربي: ولفظة: (نمسح على أرجلنا)، قد يتمسك به من قال بجواز المسح على الرجلين، ولا حجة فيه لأربعة أوجه:
الأول: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أنهم يقولون:(تمسَّحنا للصلاة): أي توضأنا.
والثاني: قوله: (وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء)، يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلها، فإن المسح لا يحصل منه بلل الممسوح.
والثالث: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» .
(1)
«المفهم» (1/ 496).
(2)
«المجموع» (1/ 450).
(3)
«البخاري» (96)، و «مسلم» (241).
الرابع: أننا لو سلَّمنا أنهم مسحوا لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا.
الفرض الخامس: الترتيب:
اختلف أهل العلم في حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الترتيب فرض
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6].
وجه الدلالة: أن الله أمر بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فلما ذكر الله ممسوحًا بين مغسولات دل ذلك على وجوب الترتيب، ولو لم يجب الترتيب لما قطع النظير عن نظيره ولكانت المغسولات في نسق وفي الآخرة المسح.
قال في (المهذب): فَأَدْخَلَ المَسْحَ بَيْنَ الغُسْلَينِ وَقَطَعَ النَّظَيرَ عَنِ نَّظِيره، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إِيجَابَ التَّرْتِيبِ.
واعترض على هذه الاستدلال بأن هذا الأمر للاستحباب.
وأجيب عنه بما قاله النووي: فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْن:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْوَاجِبِ لَا لِلْمَسْنُونِ، فَلَيْسَ فِيهَا شيءٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ.
الدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مَذْهَبَ الْعَرَبِ إذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ وَعَطَفَتْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ تَبْتَدِئُ
(1)
«الوسيط» (1/ 375)، و «مغني المحتاج» (1/ 54)، و «الإنصاف» (1/ 138). وقال النووي: الله تَعَالَى ذَكَرَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَاتٍ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ إذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مُتَجَانِسَةً وَغَيْرَ مُتَجَانِسَةٍ جَمَعَتِ الْمُتَجَانِسَةَ عَلَى نَسَقٍ ثُمَّ عَطَفَتْ غَيْرَهَا، لَا يُخَالِفُونَ ذَلِكَ إلَّا لِفَائِدَةٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا لَمَا قَطَعَ النَّظِيرَ عَنْ نظِيرِهِ.
الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، لَا يُخَالَفُ ذَلِكَ إلَّا لِمَقْصُودٍ، فَلَمَّا بَدَأَ سُبْحَانَهُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ دَلَّ الْأَمْرِ على التَّرْتِيبِ.
أما دليلهم من السنة: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات الصحابة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، ولم يثبت صفة غير مرتبة، وفِعله صلى الله عليه وسلم بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز.
قال ابن القيم: وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوءُهُ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا لَمْ يُخِلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً
(1)
.
(2)
، و «ثُمَّ» دليل على أن الترتيب واجب.
القول الآخر: ذهب الحنفية
(3)
، والمالكية
(4)
إلى أن الترتيب في أعضاء الوضوء سنة. واستدلوا بعموم قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ .... } [المائدة: 6] والواو لا تقتضي الترتيب كما في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وجائز عند الجميع أن يعتمر قبل أن يحج، ومثل ذلك كثير في القرآن، فدل على أن الواو لا توجب رتبة، وقد قال تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ
(1)
«زاد المعاد» (1/ 194).
(2)
«مسلم» (832).
(3)
«أحكام القرآن» للجصاص (2/ 507)، و «المبسوط» (1/ 55)، و «بدائع الصنائع» (1/ 18).
(4)
«المدونة» (1/ 14).
الرَّاكِعِينَ 43} [ال عمران]، ومعلوم أن السجود بعد الركوع
(1)
.
واعترض عليه: بأن الواو إذا كانت أحيانًا لا تقتضي ترتيبًا، فأحيانًا تقتضي ترتيبًا، والذي يحدد ذلك السياق، والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين لما أنزل عليه وتوضأ مرتبًا كما أمره الله، دل ذلك على وجوب الترتيب كما في قوله تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فبدأ رسول الله بالصفا، والأمر للوجوب والنبي هو المبين، فقد بدأ الله بذكر الوجه فاليدين وكذا فعل النبي، فدل ذلك على وجوب الترتيب.
أما دليلهم من المأثور: فعن علي قال: مَا أُبَالِي إِذَا تَمَّمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ
(2)
.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: أن هذا القول لا يصح عن علي.
الثاني: أنه لو صح فهو محمول على تقديم الشمال على اليمين وليس تقديم اليد على الوجه، وورد عن علي تقديم الشمال على اليمين كما ورد من طريق الحارث عنه وقد قال الإمام عبد الله بن أحمد: قَالَ أبي: وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَليّ وَابْن مَسْعُود: (مَا أُبَالِي بِأَيّ أعضائي بدأت) قَالَ: إِنَّمَا يَعْنِي الْيُسْرَى قبل الْيُمْنَى، وَلَا بَأْس أَنْ يبْدَأ بيسار قبل يَمِين لِأَن مخرجها من الْكتاب وَاحِد، قَالَ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] فَلَا بأس أَنْ يبْدَأ باليسار قبل الْيَمين
(3)
.
واستدلوا بما ورد عن ابن مسعود: لَا بَأْسَ أَنْ تبْدأَ بِرِجْلَيْكَ قَبْلَ يَدَيْكَ فِي الْوُضُوءِ
(4)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن ابن مسعود، والمحفوظ عن ابن مسعود هو جواز تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى.
(1)
انظر «التمهيد» (2/ 18) بتصرف.
(2)
إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 43).
(3)
«مسائل عبد الله» (1/ 99، 100).
(4)
إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 43)، وهو منقطع فمجاهد لم يسمع من ابن مسعود.
واستدلوا بما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ
(1)
. هذا الأثر لم أقف له على إسناد.
واستدلوا بالقياس فقالوا: كما لا يجب الترتيب في طهارة الجنابة فكذا في الوضوء.
واعترض عليه بأنه قياس مع الفارق لأن النبي هو المبين، والنبي أعطى لأحد الصحابة إناء وقال له:«أفرِغه عليك» ، ولو انغمس الجنب في الماء ارتفع حدثه، بخلاف الوضوء فلو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح له.
والراجح هو وجوب الترتيب كما ذكر الله في كتابه من غسل الوجه فاليدين فالرأس فالرجلين، دل على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي، وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك الترتيب لتركه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال لبيان الجواز.
الفرض السادس: الموالاة:
أي تتابع غسل الأعضاء، بعضها إثر بعض، بألا يقطع المتوضئ وضوءه بعمل أجنبي، يُعد في العرف انصرافًا عنه
(2)
.
اتفق العلماء على أن التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر.
قال النووي
(3)
: التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا يَضُرُّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
واختلف العلماء في حكم الموالاة بين أفعال الوضوء على قولين:
القول الأول: تجب الموالاة. وهو مذهب المالكية والحنابلة وقول الشافعي في القديم
(4)
.
استدلوا بما روى مسلم عَنْ جَابِرٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ
(1)
لم أقف له على إسناد: وقال النووي «المجموع» (1/ 471): إنه ضعيف لا يُعرف.
(2)
فقه السنة (1/ 81).
(3)
«المجموع» (1/ 478).
(4)
«المدونة» (1/ 15)، و «المغني» (1/ 93)، و «المجموع» (1/ 478).
ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى»
(1)
.
قال القاضي عياض: في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله: «أحسِن وضوءك» ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته.
وروى أحمد عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ
(2)
.
واستدلوا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي، وكلهم وصفوه متواليًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك التوالي لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القيم: وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوءُهُ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا لَمْ يُخِلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً
(3)
.
القول الثاني: ذهب الحنفية وقول الشافعي في الجديد والظاهرية إلى استحباب الموالاة
(4)
. واستدلوا بأن الله أمر بغسل هذه الأعضاء فكيفما غسل هذه الأعضاء فقد امتثل الأمر.
(1)
«مسلم» (243) من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر، وقد أعل الإمام أحمد هذا الحديث لأن معقل بن عبيد الجزري ضعيف في أبي الزبير، فقال ابن رجب في (علل الترمذي) (344): معقل بن عبيد الله الجزري ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة، ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء. ومما أنكر على (معقل) بهذا الإسناد حديث "الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء".
قلت: ومما يؤيد قول أحمد متابعة ابن لهيعة لمعقل، كما عند ابن ماجة (666)، وأحمد (1/ 21، 22) وابن لهيعة ضعيف، ومعقل يسقط ابن لهيعة من السند كما قال أحمد، فالحديث ضعيف، والله أعلم.
(2)
ضعيف: أخرجه أحمد (3/ 424)، وأبوداود (175) وغيرهما، وفي إسناده بقية بن الوليد، وهو مدلس تدليس التسوية، ولم يصرح بالتحديث إلى نهاية السند، وله شاهد أخرجه الدارقطني (1/ 109) وغيره عن ابن عمر عن أبي بكر وعمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، به.
(3)
«زاد المعاد» (1/ 194).
(4)
«البحر الرائق» (1/ 27)، و «المجموع» (1/ 478)، و «المحلى» (1/ 312).
واعترض عليه بأن النبي كان يوالي في وضوئه بين الأعضاء وهو المبين لما أُنزل إليه.
واستدلوا بأن عبد الله بن عمر بال في السوق، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسهُ ثم دُعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.
وهذا وإن كان إسناده صحيحًا إلا أنه ليس بصريح ثم إن الموقوف يحتج به إذا خلت المسألة من المرفوعات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف إذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة مستفيضة عن جماعات من الصحابة وكان وضوءه متواليًا لم يُخل منه مرة واحدة؟! فدل ذلك على وجوب الموالاة في الوضوء.
حد الموالاة:
الموالاة لغة: التتابع.
وفى الشرع ما قاله الكاساني: هِيَ أَنْ لَا يَشْتَغِلُ الْمُتَوَضِّئُ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهُ
(1)
.
وفي التاج: الْمُوَالَاةُ أَنْ يَفْعَلَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ
(2)
.
وقال ابن عابدين: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَفَّ الْعُضْوُ الْأَوَّلُ بَعْدَ غَسْلِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ وِلَاءٌ
(3)
.
وفى المواهب: الموالاة هي الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ الطَّهَارَةِ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ.
* * *
الفصل الثالث
سنن الوضوء
ويشتمل على أربعة أقسام
القسم الأول: سنن قبل الوضوء وفيه مبحثان:
المبحث الأول: هل يستحب التسمية قبل الوضوء؟
المبحث الثاني: يستحب أن يتسوك قبل الوضوء.
القسم الثاني: سنن أثناء الوضوء وفيه أحد عشر مبحثًا:
المبحث الأول: غسل الكفين ثلاثًا، وفيه مطلبان:
المبحث الثاني: المضمضة والاستنشاق، وفيه سبعة مطالب.
المبحث الثالث: هل يستحب تخلية اللحية في غسل الوجه وفيه مطلبان:
المبحث الرابع: في إطالة الغرة والتحجيل.
المبحث الخامس: في مسح الأذنين، وفيه مطلبان:
المبحث السادس: لا يستحب مسح العنق.
المبحث السابع: تخليل الأصابع.
المبحث الثامن: استحباب تحريك الخاتم.
المبحث التاسع: التثليث في الوضوء، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: استحباب الوضوء مرتين أو ثلاثًا عدا الرأس والأذنين.
المطلب الثاني: حكم الزيادة على الثلاث.
المطلب الثالث: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه.
المبحث العاشر: التيامن.
المبحث الحادي عشر: الدلك.
القسم الثالث: سنن بعد الوضوء وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أذكار ما بعد الوضوء.
المبحث الثاني: هل يستحب تنشيف الأعضاء؟
القسم الرابع: متفرقات في سنن الوضوء، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة.
المبحث الثاني: استقبال القبلة حال الوضوء.
المبحث الثالث: في تخفيف الوضوء المستحب.
المبحث الرابع: حكم الاستعانة في الوضوء.
المبحث الخامس: حكم الكلام أثناء الوضوء.
الفصل الثالث
القسم الأول: سنن قبل الوضوء
وفيه مبحثان
المبحث الأول: هل يستحب التسمية قبل الوضوء؟
اختلف أهل العلم في حكم التسمية قبل الوضوء على أربعة أقوال:
القول الأول: أن التسمية في الوضوء واجبة وهو قول عند الحنابلة
(1)
.
واستدلوا لذلك بعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عز وجل»
(2)
.
(1)
كشاف القناع (1/ 90) و مطالب أولي النهى (1/ 99). قال أبو داود (مسائله)(ص 11): سَمِعْتُ أَحْمَد يَقُولُ: إِذَا بَدَأَ يَتَوَضَّأُ، يَقُولُ: بِسْمِ الله. قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتْرُكَهُ خَطَأً وَلَا عَمْدًا، وَلَيْسَ فِيهِ إِسْنَادٌ. قلت: أي يصح.
(2)
إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (3/ 41)، وابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 12)، وعبد بن حميد (المنتخب)(910)، وغيرهم من طرق عن كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن جده به. وفي إسناده: ربيح بن عبد الرحمن. قال فيه ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وذكره ابن حبان في (الثقات). لكن قال فيه البخاري: منكر الحديث. كما في العلل للترمذي (ص 33)، قال أبو زرعة: شيخ. كما في الجرح والتعديل (3/ 518).
فالحاصل أن ربيح بن عبد الرحمن لين الحديث. وقال أحمد بن حفص السعدي: سئل أحمد بن حنبل عن التسمية في الوضوء فقال: لا أعلم حديثًا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف. انظر: الكامل (3/ 173)، ومع أن ربيح بن عبد الرحمن لين الحديث. ففي إسناده كثير بن زيد فيه مقال.
ولهذا الحديث شواهد:
1 -
شاهد أبي هريرة: قال رسول الله: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ» ، رواه أحمد ((2/ 418)، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأبو داود (101) وغيرهما من طرق عن محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه عن أبي هريرة به وأخطأ الحاكم فقال: يعقوب بن أبي سلمة وقال: إسناده صحيح. كما في المستدرك (519) والصحيح يعقوب بن سلمة ولذا تعقبه الذهبي، وانظر البدر المنير (3/ 228)، ونصب الراية (12/ 3).
وهذا الحديث فيه ثلاث علل:
الأولى: ضعف يعقوب بن سلمة.
الثانية: جهالة سلمة الليثي وضعفه.
الثالثة: الانقطاع بين يعقوب وأبيه، والانقطاع بين أبيه وأبي هريرة.
قال البخاري (التاريخ الكبير)(4/ 76): لا يُعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه.
وأخرجه الدارقطني (1/ 71)، والبيهقي (1/ 44)، من طريق محمود بن محمد الظفري عن أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا:«مَا تَوَضَّأَ مَنْ لَمْ يَذْكِرِ اسمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَمَا صَلَّى مَنْ لَم يَتَوَضَّأْ» . وفي إسناده: محمود بن محمد الظفري قال الدارقطني: ليس بالقوي، فيه نظر. قال البيهقي: وهذا الحديث لا يُعرف من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه، وكان أيوب بن النجار يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا وهو حديث: التقى آدم وموسى. ذكره يحيى بن معين فيما رواه عنه ابن أبي مريم فكان حديثه هذا منقطعًا.
ورواه الطبراني (المعجم الصغير)(1/ 131) رقم (196). وفي إسناده إبراهيم بن محمد الأنصاري: ذو مناكير. وذكره ابن حجر في (لسان الميزان): هذا الحديث في ترجمة إبراهيم، وقال: وهو منكر.
وروى الطبراني (الأوسط)(9/ 63) رقم (931) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أحدُكم مِنْ مَنامِه فَلا يُدْخِل يدَه فِي الإِنَاءِ حَتَّى يغسِلَها فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ، وَيُسَمِّي قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهًا» . وزيادة «وَيُسَمِّي قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا» منكرة، تفرد بها عبد الله بن محمد بن يحيى وهو متروك.
(2)
شاهد سهل: أخرجه ابن ماجه (400) وفي إسناده عبد المهيمن: منكر الحديث. وتابع عبد المهيمن، ابن أبي عباس كما في الطبراني (الكبير)(5699) ولكنه ضعيف، والمشهور أنه حديث عبد المهيمن.
(3)
شاهد عائشة: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 12) رقم (16)، وإسحاق بن راهويه (1) =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَة: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ سَمَّى فَتَوَضَّأَ، وَيُسْبِغُ الْوُضُوء. وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال، متروك الحديث.
قال ابن عدي: بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع إسحاق بن راهويه فإذا أول حديث أخرجه هذا الحديث، فأنكره جدًّا، وقال: هذا أول حديث يكون في الجامع عن حارثة.
(4)
وروى الطبراني (الأوسط)(2/ 26) رقم (1115) وغيره من طريق عيسى بن سبرة عن أبيه عن جده به، قال الهيثمي (المجمع) (1/ 228): وعيسى بن سبرة وأبوه وعيسى بن يزيد لم أر من ذكر أحدًا منهم.
(5)
شاهد علي: روى ابن عدي (الكامل)(5/ 243) من طريق عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي مرفوعًا به: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْه» وفي إسناده عيسى بن عبد الله، قال فيه أبو نعيم: روى عن أبيه عن آبائه أحاديث مناكير، وقال فيه ابن حبان (المجروحين) (2/ 121): يروي عن أبيه عن آبائه أشياء موضوعة، لا يحل الاحتجاج به.
(6)
شاهد سعيد بن زيد: وروى أحمد (المسند)(5/ 381) من طريق ابن حرملة، عن أبي ثفال المزني أنه قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن بن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنها سمعت أباها
…
مرفوعًا به.
ولهذا الحديث علل:
الأولى: أن مدار الحديث على أبي ثفال المزني، وهو ضعيف.
الثانية: ما قاله البخاري: أبو ثفال عن رباح بن عبد الرحمن في حديثه نظر.
الثالثة: أنه حدث خلاف على أبي ثفال، فجعل تارة في مسند سعيد بن زيد كما ذكر، وجعل تارة من مسند أسماء بنت سعيد بن زيد، وجعل تارة من مسند أبي هريرة كما رواه الطحاوي (شرح معاني الآثار)(1/ 27).
(7)
شاهد أنس: وذكر عبد الحق في «البدر المنير» (3/ 251) من طريق عبد الملك بن حبيب عن أسد بن موسى عن حماد عن ثابت عن أنس. قال الحافظ (التلخيص)(1/ 128): وعبد الملك شديد الضعف.
وصحح هذه الأحاديث بمجموع الطرق المنذري (الترغيب)(1/ 88) قال: ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها عن الوضوء وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال، فإنها تتعضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وصححه بمجموع الطرق ابن الصلاح وابن الملقن في (البدر التمام) (3/ 253) والعراقي. وقد قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً. (التلخيص الحبير)(1/ 1208).
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَوَضَّئُوا بِاسْمِ اللهِ»
(1)
.
واعترض عليه بأن زيادة التسمية ضعيفة
(2)
.
=
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وصححه بمجموع الطرق ابن الصلاح وابن الملقن في (البدر التمام) (3/ 253) والعراقي. وقد قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً. (التلخيص الحبير)(1/ 1208).
(1)
ضعيف: أخرجه أحمد (3/ 165)، وعبد الرزاق (20535) وغيرهما من طريق معمر، عن ثابت وقتادة، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَظَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَضُوءًا، فَلَمْ يَجِدُوا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَاهُنَا مَاءٌ» قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ثُمَّ قَالَ: «تَوَضَّئُوا بِاسْمِ الله» فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ - بَيْنَ أَصَابِعِهِ - وَالْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، حَتَّى تَوَضَّئُوا عَنْ آخِرِهِمْ. قَالَ ثَابِتٌ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ تُرَاهُمْ كَانُوا؟ قَالَ: نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ.
وذِكر التسمية في الحديث شاذة، تفرد بها معمر عن ثابت وقتادة. قال ابن رجب «شرح البخاري» (1/ 299): رواية معمر عن قتادة ليست بالقوية. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد. وقال الدارقطني في «العلل»: معمر سيئ الحفظ لحديث قتادة. وقال الحافظ: معمر ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهاشم شيئًا.
وقد خالف معمرًا جماعة فلم يذكروا التسمية:
1 -
سعيد بن أبي عروبة كما عند البخاري (3572)، ومسلم (2279) عن قتادة عن أنس.
2 -
وهشام الدستوائي عن قتادة عن أنس كما عند مسلم (2279).
3 -
وهمام عن قتادة عن أنس كما عند أحمد (3/ 289).
4 -
حماد بن زيد عن ثابت عن أنس كما عند البخاري (200)، ومسلم (2279).
قلت: وقد رواه حميد الطويل عن أنس بدون ذكر التسمية كما عند البخاري (195).
ورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، كذا بدون ذكر التسمية كما عند البخاري (169)، ومسلم (2279). ورواه الحسن البصري قال: حدثنا أنس كما عند البخاري (3574).
فهذه الرواية تدل على أن رواية معمر عن ثابت وقتادة بذكر التسمية في الحديث ضعيفة.
(2)
«التلخيص» (1/ 129). قال الحافظ: أصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة.
القول الثاني: أن التسمية شرط لصحة الوضوء، وهو قول داود الظاهري
(1)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ» .
القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن التسمية في الوضوء سنة. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد. والمشهور عن المالكية أن التسمية من فضائل الوضوء
(2)
.
واستدلوا لهذا بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ» .
وجه الدلالة ما قاله العيني: لما كَانَ حَال الوقاع أبعد حَال من ذكر الله تَعَالَى وَمَعَ ذَلِك تُسن التَّسْمِيَة فِيهِ، فَفِي سَائِر الْأَحْوَال بِالطَّرِيقِ الأَوْلى؛ فَلذَلِك أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب للتّنْبِيه على مَشْرُوعِيَّة التَّسْمِيَة عِنْد الْوضُوء
(3)
.
واعترض عليه بأن التسمية لا تشرع عند كل فضل كالأذان إذ لا تستحب التسمية قبله لعدم ورود الدليل الصحيح.
واستدلوا بالجمع بين أحاديث لا وضوء لمن لم يذكر الله، وبين الأحاديث الواردة في الوضوء ولم يذكر فيها التسمية، فدل ذلك على أن التسمية مستحبة.
واعترض عليه من وجهين:
الوجه الأول: أن الأحاديث التي استدلوا بها على أنه لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه لا يصح منها حديث، وأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة وضوء النبي لم يذكر فيها
(1)
«عون المعبود» (1/ 121).
(2)
«البحر الرائق» (1/ 19)، و «حاشية ابن عابدين» (1/ 108، 109)، و «الأم» (1/ 31)، و «حاشية الدسوقي» (1/ 103)، و «المجموع» (1/ 385)، و «المغني» (1/ 73).
(3)
«عمدة القاري» (2/ 266).
التسمية، ففي الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
(1)
. فعثمان وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه التسمية.
الوجه الثاني: أن أحاديث التسمية لو صحت فيصعب الجمع بينها وبين الأحاديث الأخرى لأن المتن: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ» ، فالمعنى: فكما أنه لا تصح صلاة بغير وضوء، فكذا لا يصح وضوء بغير تسمية.
وكيف يليق بالصحابة وهم يصفون وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أن يهملوا التسمية؟! ففي الصحيحين من حديث عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ،
(2)
ثم وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر التسمية.
القول الرابع: أن التسمية في الوضوء مكروهة. وهو قول في مذهب مالك
(3)
.
واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
…
} [المائدة: 6]. والآية لم تذكر فيها التسمية ولو كانت مشروعة لذكرت.
واعترض عليه: بأن هناك سننًا للوضوء لم تُذكر في الآية.
وأجيب عنه: بأن السنن وردت بأدلة صحيحة.
(1)
«البخاري» (159)، و «مسلم» (236).
(2)
«البخاري» (185)، و «مسلم» (235).
(3)
«حاشية العدوي» (1/ 182).
واعترض عليه: بأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على المشروعية، ولم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت التسمية واجبة لبينها الصحابة}.
المبحث الثاني: يستحب أن يتسوك قبل الوضوء:
دليل ذلك ما رواه أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ»
(1)
.
* * *
(1)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (2/ 460) عن مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبي هريرة به. والحديث في الموطأ (1/ 66).
القسم الثاني سنن أثناء الوضوء
وفيه أحد عشر مبحثًا
المبحث الأول: غسل الكفين ثلاثًا، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: غسل الكفين ثلاثًا في ابتداء الوضوء سنة بالإجماع.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ يُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالَهَا، وَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ غَسَلَهُمَا مَرَّةً وَإِنْ شَاءَ غَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ، وَغَسْلُهُمَا ثَلَاثًا أَحَبُّ إِلَيَّ
(1)
.
(قلت) وعموم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} [المائدة: 6] فهذه الآية فيها فرائض الوضوء، وما ذكر في السنة ما عدا الآية فهو سنة وقد وردت السنة بغسل الكفين عند ابتداء الوضوء.
قال النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُوْنَ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ فِي غُسْلِ الأَعْضَاءِ المَغْسُولَةِ هُوَ مَرَّة مَرَّة إِذَا أَسْبَغَ، وَأَنَّ الاِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِمَا
(2)
.
المطلب الثاني: السنة أن يغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء:
وفي الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ
…
(3)
وجه الدلالة أنه غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض
(1)
«الإجماع» (ص 34)، و «الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف» (1/ 375).
(2)
«شرح مسلم» (1/ 106 - 114).
(3)
«البخاري» (160)، و «مسلم» (226).
فدل على أن ذلك هو السنة.
قال الماوردي: غَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ سُنَّةٌ عَلَى كُلِّ مُتَوَضِّئٍ أَوْ مُغْتَسِلٍ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. إن كان في يده نجاسة، وتغير الماء بالنجاسة نجس إجماعًا
(1)
.
المبحث الثانى: المضمضة والاستنشاق، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: حكم المضمضة والاستنشاق:
اختلف أهل العلم في حكم المضمضة والاستنشاق على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، وبه قال المالكية والشافعية
(2)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، والمذكور في الآية فرائض الوضوء، وليس فيها المضمضة والاستنشاق فدل ذلك على أن المضمضة والاستنشاق سنة، ومما يؤكذ هذا المعنى ما رواه مسلم
(3)
أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» .
القول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق واجبة وهذا هو المشهور عن الحنابلة
(4)
. واستدلوا لذلك بما ورد في الأخبار من الأمر بالمضمضة والاستنشاق والأمر يقتضي الوجوب، ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ»
(5)
. وإذا كان الأمر بالاستنشاق فيه أمر بالمضمضة لأنه كالعضو الواحد فالأمر يقتضي الوجوب.
(1)
«الحاوي» (1/ 101).
(2)
«مواهب الجليل» (1/ 313)، «الأم» (1/ 41).
(3)
«مسلم» (231).
(4)
«الفروع» (1/ 144)، «الإنصاف» (1/ 152، 153)، «المحرر» (1/ 11).
(5)
«البخاري» (162)، و «مسلم» (237).
واعترض عليه بأن الفرائض هى التي ذُكرت في الآية تجعل هذا الأمر للاستحباب حتى يُجمع بين الأدلة.
واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ»
(1)
. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح.
(1)
ضعيف: أخرجه الدارقطني «السنن» (1/ 116): من طريق هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به. تَابَعَهُ دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ فَوَصَلَهُ، وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُمَا. لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ حَمَّادٍ غَيْرُ هَذَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا يَرْوِيهِ عَنْهُ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَذْكُرُ أَبَا هُرَيْرَةَ. وقال البيهقي (1/ 52): هُدْبَةُ أَرْسَلَهُ مَرَّةً، وَوَصَلَهُ أُخْرَى، وَتَابَعَهُ دَاوُدُ ابْنُ الْمُحَبَّرِ، عَنْ حَمَّادٍ فِي وَصْلِهِ، وَغَيْرُهُمَا يَرْوِيهِ مُرْسَلًا. فالصحيح في هذا الحديث الإرسال.
وله شواهد: عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ» . مدار هذا الحديث على ابن جريج عن سليمان بن موسى، واختلف عليه في الاتصال والارسال، فرواه عصام بن يوسف عن ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان ابن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة به. أخرجه الدارقطني «السنن» (1/ 84). ورواه وكيع، عن ابن جريج عن سلميان بن موسى مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَتَمَضْمَضْ وَلْيَسْتَنْشِقْ» .
وقد رجح الدارقطني المرسل فقال: تفرد به عصام عن ابن المبارك ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب عصامًا حدث به من حفظه فاختلط عليه، فاشتبه عليه حديث ابن جريج عن سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة:«أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» . وقال البيهقي «الكبرى» (1/ 52): وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوُضُوءُ إِلَّا بِهِمَا، وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» . أخرجه الدارقطني (1/ 100).
وفي إسناده علتان:
الأولى: في إسناده جابر الجعفي، متهم بالكذب.
الثانية: رواه الدارقطني (1/ 101) من طريق أبي مطيع عن إبراهيم عن جابر عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وقال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب.
القول الثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»
(1)
.
قال ابن المنذر: وَالَّذِي بِهِ نَقُولُ إِيجَابُ الِاسْتِنْشَاقِ خَاصَّةً دُونَ الْمَضْمَضَةِ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَمَرَ بِالِاسْتِنْشَاقِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَضْمَضَةِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثُرْ» وَأَمْرُهُ عَلَى الْفَرْضِ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْقَوْلِ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْأَمْرَ فَرْضًا، وَاعْتَلَّ الشَّافِعِيُّ فِي وُقُوفِهِ عَنْ إِيجَابِ الِاسْتِنْشَاقِ أَنَّهُ ذَكَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافًا فِي أَنْ لَا إِعَادَةَ عَلَى تَارِكِهِمَا
(2)
.
وقال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا، وَأَفْعَالُهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَفَعَلَ الِاسْتِنْثَارَ وَأَمَرَ بِهِ وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُرَادِهِ
(3)
.
قلت: والراجح أ ن المضمضة والاستنشاق سنة لعدم ذكرهما فى الأية، والله أعلم.
المطلب الثاني: يستحب تقديم المضمضة على الاستنشاق:
قال ابن نجيم: الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى سُنَنٍ مِنْهَا تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِالْإِجْمَاعِ
(4)
.
ودل على سنية ذلك مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا التقديم
(5)
.
وذهب الشافعية في أصح الوجهين والحنابلة في رواية إلى أن تقديم الفم على الأنف شرط
(1)
أخرجه أحمد (4/ 32، 33)، وأبو داود (2366)، والترمذي (788)، والنسائي (1/ 66)، وابن ماجه (407) وغيرهم. وفي إسناده عاصم بن لقيط بن صبرة، ذكره ابن حبان في الثقات قال النسائي: ثقة. و النسائي يوثق بعض المجاهيل.
(2)
«الأوسط» (1/ 379).
(3)
«فتح البر بتمهيد ابن عبد البر» (3/ 208).
(4)
«البحر الرائق» (1/ 22).
(5)
«بدائع الصنائع» (1/ 21) بتصرف.
في صحة الوضوء، ولو أن المتوضئ قدم الأنف على الفم فإن وضوءه باطل
(1)
.
واستدلوا لذلك بأن الفم والأنف عضوان مختلفان، فيشترط الترتيب بينهما كما يشترط الترتيب بين الوجه والفم.
واعترض عليه: بأن الفم والأنف كالعضو الواحد؛ ولذا فإنه يمضمض ويستنشق من الغرفة الواحدة، ثم يعود الثانية.
والراجح أن تقديم المضمضة على الاستنشاق سنة، والله أعلم.
المطلب الثالث: يستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق:
وفي الحديث: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» .
قال النووي: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ
(2)
.
قال الخرشي: يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ وَهِيَ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَقَاصِي الْحَلْقِ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُهُ لِأَقْصَى الْأَنْفِ
(3)
.
وقال النووي: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُبَلِّغَ الْمَاءَ أَقْصَى الْحَلْقِ وَيُدِيرَهُ فِيهِ
(4)
.
وفي مطالب أولي النهى: أَنْ يُبَلِّغَ الْمَاءَ أَقْصَى الحَنَكِ ووجْهَي الأَسْنَانِ واللِّثَةِ
(5)
.
الحاصل: أن المبالغة في المضمضة في إدارة الماء في أكثر الفم من مقدم الأسنان حتى أقصى الحلق، والمبالغة في الاستنشاق جذب الماء لأقصى الأنف.
(1)
«المجموع» (1/ 400)، و «المغني» (1/ 84).
(2)
«المجموع» (1/ 396).
(3)
«الخرشي» (1/ 134).
(4)
«المجموع» (1/ 396).
(5)
«مطالب أولي النهى» (1/ 95).
المطلب الرابع: حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم:
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم وهو قول الجمهور
(1)
.
واستدلوا بالسنة والمعقول:
أما دليلهم من السنة فعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» .
أما المعقول: فإن الصائم إذا بالغ في المضمضة فإنه يخشى من نزول الماء إلى الجوف.
القول الثاني: يحرم المبالغة للصائم، وهو قول بعض الشافعية وبعض الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بأن النهي في الحديث: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» للتحريم، وإذا كانت القُبلة تحرم على الصائم إذا خشي الإنزال، فكذا يحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق إذا خشي فساد الصوم.
القول الثالث: تكره المبالغة في الاستنشاق دون المضمضة وهو قول بعض الشافعية
(3)
. واستدلوا بأن النص ورد في النهي عن الاستنشاق دون المضمضة فوجب الاقتصار على ما ورد في النص، وما كان ربك نسيًّا، وقالوا في المضمضة يمكن رد الماء بإطباق حلقه بخلاف الاستنشاق فلا يمكن ذلك.
واعترض عليه: بأن النص الوارد في الاستنشاق لا يخلو من مقال، فصار العمدة في المسألة أنه يكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق لأنه يخشى من نزول الماء إلى الجوف والله أعلم.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 21)، و «الخرشي» (1/ 134)، و «المجموع» (1/ 392)، و «الإنصاف» (1/ 133).
(2)
«المجموع» (1/ 396)، و «الإنصاف» (1/ 133)، و «المغني» (1/ 157).
(3)
«مغني المحتاج» (1/ 58).
المطلب الخامس: استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال
(1)
.
واستدلوا لذلك بالسنة والقياس:
أما دليلهم من السنة: فما رواه أحمد عن عبد خير قال: جلس علي
…
وفيه: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى
(2)
.
أما دليلهم من القياس: فهو أنه لما كان الاستنثار فيه إزالة للوسخ الذي في الأنف، فدل على أن ذلك يكون بالشمال.
واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَلِطَعَامِهِ، وَكَانَتِ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى. ويدخل في ذلك قضاء الحاجة وإزالة الوسخ الذي في الأنف.
قال الخرشي: وَمِنِ السُّنَنِ الِاسْتِنْثَارُ وَهُوَ نَثْرُ الْمَاءِ أَيْ طَرْحُهُ مِنْ أَنْفِهِ بِنَفَسِهِ بِالسَّبَّابَةِ
(1)
«شرح فتح القدير» (1/ 36)، «الخرشي» (1/ 134)، «المجموع» (1/ 397)، «المغني» (1/ 84).
(2)
زيادة «وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى» ضعيفة، أخرجه أحمد (1/ 135)، وأبو داود (112)، والنسائي (91) وغيرهم عن زائدة بن قدامة عن خالد بن علقمة عن عبد خير قال: جلس علي .... به وخالف زائدة أبو عوانة كما عند أحمد (1/ 154) وشعبة كما عند الطيالسي (149) وسفيان الثوري كما في «زوائد المسند» (1/ 115) لعبد الله بن أحمد وغيرهم كلهم رووه عن خالد بن علقمة، عن عبد خير عن علي فلم يذكروا الاستنثار بالشمال.
قلت: وقد رواه غير خالد بن علقمة عن عبد خير فلم يذكروا الاستنثار بالشمال، منهم:
الأول: حسن بن عقبة المرادي عن عبد خير به كما عند أحمد (1/ 123)، وإسناده صحيح.
الثاني: أبو إسحاق السبيعي عن عبد خير كما عند الترمذي (49) وغيره.
الثالث: عبد الملك بن سلع الهمداني عن عبد خير كما عند أحمد (1/ 110)، وغيره، وقد تابع عبد خير أبو حية بن قيس عن علي كما عند أحمد (1/ 120) ولكن أبو حية مجهول.
وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى مَاسِكًا لَهُ مِنْ أَعْلَاهُ يَمُرُّ بِهِمَا عَلَيْهِ لِآخِرِهِ.
المطلب السادس: استحباب الاستنثار بعد الاستنشاق:
الاستنثار: هُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ بِرِيحِ أَنْفِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا
(1)
.
ذهب جمهور العلماء إلى أن الاستنثار سنة.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ»
(2)
.
وذهب ابن حزم إلى أن الاستنثار فرض
(3)
.
واستدل بعموم قوله: «ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» والأمر للوجوب.
واعترض عليه بأن المضمضة والاستنشاق والاستنثار سنة لأن الفروض ذكرت في آية المائدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] وليست المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الآية، وقد روى مسلم عن عُثْمَانَ بْن عَفَّان، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» .
فالراجح أن الاستنثار سنة.
المطلب السابع: استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة:
دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث وُهَيْبٌ، قال: حدثنا عَمْرٍو بن يحيى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، وفيه:«ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ»
(4)
.
(1)
«فتح الباري» في شرح حديث (161).
(2)
«البخاري» (162)، و «مسلم» (237).
(3)
«المحلى» (1/ 296).
(4)
«البخاري» (192)، و «مسلم» (235).
وفي رواية أيضًا في الصحيحين من طريق خَالِد بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ وفيه:«فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ» .
وفي البخاري عن ابن عباس: «أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ»
(1)
. قال الحافظ: وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ.
قال النووي: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَكُونَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا
(2)
.
قال ابن القيم: وَلَمْ يَجِئ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ.
قلت: فدل هذا على الجمع بين المضمضة والاستنشاق. وهذا قول عند المالكية والمنصوص عن الشافعي والمشهور من مذهب الحنابلة
(3)
.
وذهب الحنفية وقول في مذهب المالكية وهو قول أكثر الشافعية
(4)
أنه يفصل بين المضمضة والاستنشاق.
واستدلوا بما رُويَ عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:«دَخَلْتُ - يَعْنِي - عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ»
(5)
.
(1)
«البخاري» (140).
(2)
«شرح مسلم» (3/ 621).
(3)
«المنتقى» (1/ 45)، «الأم» (1/ 24)، «المغني» (1/ 169 - 170).
(4)
«البحر الرائق» (1/ 22)، «الخرشي» (1/ 134)، «المجموع» (1/ 397).
(5)
ضعيف: رواه أبو داود (139) من طريق ليث يذكر عن طلحة عن أبيه عن جده به.
ولهذا الحديث علل:
الأولى: في إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف.
الثانية: وفي إسناده طلحة لا يُعرف من هو، في الجرح والتعديل (4/ 473): سئل أبو زرعة عن طلحة الذي يروي عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي يتوضأ
…
الحديث، فقال: لا أعرف أحدًا سمى والد طلحة إلا أن بعضهم يقول: ابن مصرف.
الثالثة: ما قاله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: وعلة هَذا الخبر عندنا الْجَهْل بِحَال مصرف بن عَمْرو، وَالِد طَلْحَة بن مصرف، كما في «البدر المنير» (3/ 284) وجد طلحة بن مصرف اختلف في صحبته وأنكر صحبته ابن معين، وأثبت صحبته ابن مهدي. انظر «البدر المنير» (3/ 282). وإن لم يكن طلحة بن مصرف وكان طلحة آخر فهذا مجهول وأبوه مجهول وجده مجهول- فالحديث لا يصح والله أعلم.
واعترض عليه بأنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو صح فهو لبيان الجواز.
وعَنْ أَبِي مَطَرٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ فِي الْمَسْجِدِ، عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرِنِي وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عِنْدَ الزَّوَالِ. فَدَعَا قَنْبَرًا فَقَالَ: «ائْتِنِي بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ثَلاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا، فَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا»
(1)
.
واعترض عليه بأن في إسناده مختار بن نافع: منكر الحديث.
قال النووي: وَأَمَّا الْفَصْلُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وقال: فلا يحتج به لو لم يعارضه شيئٌ فَكَيْفَ إذَا عَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ
(2)
.
واستدلوا بأن الفم والأنف عضوان منفصلان والمتوضئ لا ينتقل إلى عضو حتى ينتهي من الذي قبله، فدل ذلك على الفصل بين المضمضة والاستنشاق.
واعترض عليه بأن هذا القياس فاسد مع وجود النصوص الصحيحة.
والراجح أنه يجمع بين المضمضة والاستنشاق من ثلاث غرفات كما ورد في الأحاديث
(1)
أخرجه أحمد «المسند» (1/ 158) وفي إسناده مختار بن نافع: منكر الحديث.
(2)
«المجموع» (1/ 398).
الصحاح، منها:«فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ» ، هذا هو السنة مع جواز الفصل بين المضمضة والاستنشاق والله أعلم.
المطلب الثامن: في صفة الجمع بين المضمضة والاستنشاق:
في ذلك صفتان:
الصفة الأولى: أن يأخذ ثلاث غرفات، من كل غرفة يتمضمض ويستنشق.
روى البخاري من حديث عَبْدِ الله بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ»
(1)
.
الصفة الثانية: أن يأخذ غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات، وروى البخاري عن عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ:«ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ»
(2)
.
والجمع بين الروايات ما قاله الحافظ ابن حجر: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِبَاقِي الرِّوَايَاتِ فَهُوَ أَوْلَى
(3)
.
المبحث الثالث: تخليل اللحية في الوضوء وفيه مطلبان:
المطلب الأول: معنى تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعر اللحية مع التخليل بالأصابع حتى يصل الماء إلى بشرته.
(1)
«البخاري» (192) قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا وهيب عن عمر بن يحيى عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد به.
(2)
«البخاري» (199) قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا سليمان قال حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد به.
(3)
«فتح الباري» (1/ 363).
المطلب الثاني: حكم تخليل اللحية:
اختلف العلماء في حكم تخليل اللحية في الوضوء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يستحب تخليل اللحية الكثيفة، وهو قول الحنفية وقول للمالكية والشافعية والحنابلة
(1)
.
واستدلوا لذلك بالسنة فعن عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ»
(2)
.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 23)، «مواهب الجليل» (1/ 189)، «تحفة المحتاج» (1/ 234)، «الإنصاف» (1/ 134)، «كشاف القناع» (1/ 106).
(2)
ضعيف: مدار الحديث على عمر بن أبي وهب، فرواه ابن المبارك وشعبة وعبد الصمد بن عبد الوارث وغيرهم عن عمر بن أبي وهب عن موسى بن ثروان عن طلحة بن عبيد الله عن عائشة به. أخرجه أحمد (6/ 234)، وإسحاق بن راهويه «مسنده» (1371)، وغيرهما. ورواه زيد بن الحباب عن عمر عن موسى بن طلحة عن عائشة، أخرجه أحمد (6/ 233). وموسى بن طلحة خطأ، والصواب موسى عن طلحة. فهذا الحديث تفرد به موسى عن طلحة، وتفرد به طلحة عن عائشة، ولا يدرى هل سمع طلحة من عائشة أم لا؟. قال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ قال: يخللها، قد رُوي فيها أحاديث ليس يثبت فيهم حديث. كما في مسائل أحمد (40)، وانظر «حاشية ابن القيم» على سنن أبي داود (1/ 170). قال ابن دقيق: والذي اعتل به في هذا الحديث الاضطراب.
قيل: موسى بن ثروان من رواية شعبة، وقيل: ابن ثروان من رواية وكيع.
وللحديث شواهد:
1 -
روى عبد الرزاق (125)، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا. وفيه: وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي، وفي إسناده عامر بن شقيق، قال فيه النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات لكن ضعفه ابن معين وأبو حاتم، ومع ذلك فقد خالف من أوثق منه عن أبي وائل، وخالف جميع من روى الحديث عن عثمان حيث لم يذكروا تخليل اللحية.=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=
وقد خالف عامرًا عبدة بن أبي لبابة عن أبي وائل عن عثمان به بدون ذكر تخليل اللحية، وعبدة ابن أبي لبابة أوثق من عامر بن شقيق. وقد روى هذا الحديث عدد من التابعين عن عثمان بدون ذكر التخليل والحديث في الصحيحين منهم حمران مولى عثمان. قال البخاري: أصح شيء عندي حديث عثمان. قيل: إنهم يتكلمون في هذا. قال: هو حسن. فقوله: (أصح شيء) لا يقتضي أنه صحيح، والحسن الذي في كلام البخاري لا يراد به الحسن الاصطلاحي عند المتأخرين.
2 -
شاهد عمار: روى ابن أبي شيبة (1/ 19)، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ. وفي إسناده عبد الكريم بن أبي أمية، ضعيف. وفي سنده انقطاع بين عبد الكريم وحسان. قال البخاري «التاريخ الكبير» (3/ 31): لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الْكَرِيمِ مِنْ حَسَّانَ، قال أحمد: لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الْكَرِيمِ مِنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ حَدِيثَ التَّخْلِيلِ، انظر سنن الترمذي (29). ووقع في رواية أبو يعلى (1604) التصريح بالتحديث بين عبد الكريم وحسان، ولعله حدث خطأ لا سيما في أدوات التحمل قد يحدث فيها خطأ؛ لأن هذا مخالف لنصوص الأئمة.
3 -
شاهد أنس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وخلل لحيته بأصابعه من تحتها، وقال: بهذا أمرني به. ومدار هذا على محمد بن حرب، فرواه محمد بن وهب بن أبي كريمة عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن أنس به، أخرجه الحاكم «المستدرك» (1/ 149) ورواه يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب عن الزبيدي، أنه بلغه عن أنس، كما ذكره الحافظ في «التلخيص الحبير» (1/ 150). ويزيد بن عبد ربه أوثق من محمد بن وهب بن أبي كريمة. فالصحيح فيه الإرسال.
وتابع الزهري يزيد الرقاشي عند ابن أبي شيبة (1/ 20)، واختلف على يزيد، وعلى كل فيزيد ضعيف. ووردت طرق أخرى عن أنس لا تخلو من مقال.
4 -
شاهد أبي أمامة. ومداره على أبي غالب واختلف عليه. فرواه عمر بن سليم عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعًا، ورواه آدم أبو عباد عن أبي غالب أنه رأى أبا أمامة يخلل لحيته. أي موقوف في «التاريخ الكبير» (3/ 2/ 161). وآدم أوثق من عمر بن سليم فيكون الموقوف أصح. وفي إسناده أبو غالب: ضعيف.
5 -
شاهد أبي أيوب. رواه أحمد «المسند» (5/ 417)، وغيره. في إسناد واصل بن السائب الرقاشي: منكر الحديث ومع هذا فهناك انقطاع بين أبي سورة وأبي أيوب، قال البخاري: لا يُعرف لأبي سورة سماع من أبي أيوب، كما في «العلل الكبير» للترمذي. =
القول الثاني: يجب تخليل اللحية وهو قول للمالكية
(1)
.
واستدلوا بالأدلة الواردة بتخليل اللحية وقالوا: هذه الأدلة تصل إلى الوجوب.
القول الثالث: يكره تخليل اللحية، ذكره ابن عبد البر عن مالك
(2)
.
واستدلوا بأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة الوضوء لم يذكر فيها تخليل اللحية.
= 6 - شاهد ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ، ثُمَّ شَبَكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا، رواه ابن ماجه (432) من طريق الأوزاعي عن عبد الواحد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه الدارقطني (1/ 152) من طريق إِسْمَاعِيل بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ، ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ قَيسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ مرسلًا، ورواه الدارقطني من طرق وقال: الصواب هو المرسل. ورجح أبو حاتم المرسل كما في «العلل لأبي حاتم» (1/ 31)، وعلى كل فمدار الحديث على عبد الواحد بن قيس وهو ضعيف.
7 -
شاهد عبد الله بن أبي أوفى، أخرجه أبوعبيد «الطهور» (82)، وفي إسناده أبو ورقاء العبدي: متروك.
8 -
شاهد أبي بكرة، أخرجه البزار (164)، وإسناده ضعيف.
9 -
شاهد جابر، رواه ابن عدي «الكامل» (1/ 403)، وفي إسناده أصرم عن مقاتل بن حيان، منكر الحديث، قاله البخاري كما في «التاريخ الكبير» (2/ 56).
10 -
عن كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بَاطِنَ لِحْيَتِهِ وَقَفَاهُ.
رواه الطبراني «المعجم الكبير» (19/ 181)، وفي إسناده مصرف بن عمرو، وأبوه وجده لا يُعرفون، قاله ابن القطان كما في «الوهم والإيهام» (3/ 316).
وله شواهد عن أم سلمة، وابن عباس، وأبي الدرداء وغيرهم، ولكن لا يصح في هذا الباب حديث.
(1)
«مواهب الجليل» (1/ 189)، «الفواكه الدواني» (1/ 139).
(2)
في «التمهيد» (20/ 121): قال مالك: تخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس. وعاب ذلك على من فعله.
وكل الأحاديث التي وردت في تخليل اللحية لا يصح منها حديث.
قال أحمد: ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التخليل شيء
(1)
.
المبحث الرابع: في إطالة الغرة والتحجيل، فيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الغرة والتحجيل.
الغرة: (بالكسر) بياض في الجبهة:
وفي الشرع: الغرة غسل شيء من مقدم الرأس مع الوجه، والتحجيل هو تجاوز غسل المرفقين في غسل اليدين، وتجاوز الكعبين في غسل الرجلين
(2)
.
المطلب الثاني: حكم إطالة الغرة والتحجيل:
اختلف أهل العلم في حكم إطالة الغرة والتحجيل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة
(3)
إلى أنه يشرع إطالة الغرة والتحجيل.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ.
وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ
(1)
«حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (1/ 170).
(2)
«لسان العرب» (5/ 14)، (11/ 144)، و «النهاية في غريب الحديث» (1/ 346). وأَصل الغُرَّة الْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ، وكأَنه عُبّر عَنِ الْجِسْمِ كُلِّهِ بالغُرَّةِ.
وفى النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 354) قال: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «غُرٌّ مُحَجَّلون مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» الغُرُّ: جَمْعُ الأَغَرِّ، مِنَ الغُرَّة: بياضِ الوجْه، يُريد بَياض وجُوهِهم بِنُورِ الوُضوء يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(3)
«فتح القدير» (1/ 36)، «المجموع» (1/ 458 - 460)، «المغني» (1/ 74).
اسْتَطَاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ»
(1)
.
واعترض على هذا الحديث من وجهين:
الأول: ما قاله الحافظ ابن حجر: لَمْ أَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ رِوَايَةِ نُعَيْمٍ هَذِهِ. أي رواه الثقات بدونها
(2)
.
الثاني: ما قاله ابن القيم: لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ تَجَاوَزَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، وَلَكِنْ أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُ حَدِيثَ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدَيْنِ وَرِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ، فَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إِدْخَالِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِطَالَةِ
(3)
.
القول الثاني: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة
(4)
.
واستدلوا بأنه لا يمكن إطالة إلا في اليد والساق بخلاف الوجه، فإن الوجه يجب استيعابه.
القول الثالث: ذهب المالكية
(5)
إلى أنه لا يشرع إطالة الغرة والتحجيل، واختاره من الحنابلة ابن القيم
(6)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}
(1)
«مسلم» (246)، وروى «البخاري» (136)، و «مسلم» (246) من طريق نعيم ولفظه:«إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» .
(2)
«فتح الباري» (1/ 236).
(3)
«زاد المعاد» (1/ 196).
(4)
«المجموع» (1/ 459).
(5)
«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (1/ 128)، «حاشية الدسوقي» (1/ 103).
(6)
«زاد المعاد» (1/ 196).
[المائدة: 6] فحدد الله في كتابه موضع الوضوء.، وردت صفة الوضوء عن عدد متوافر من الصحابة أن رسول الله كان يغسل اليدين إلى المرفقين والأرجل إلى الكعبين، فدل ذلك على أنه لايجوز مجاوزة ما حد الله ورسوله؛ ولذا اعتبره المالكية من الغلو ومجاوزة الحد.
المبحث الخامس: مسح الأذنين: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم مسح الأذنين:
قال ابن هبيرة: وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا، وعنه أنه سنة
(1)
.
وقال القرطبي: وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق
(2)
.
ودل على أن مسح الأذنين سنة ما ورد فى الصحيحين: من حديث عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ
…
ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»
(3)
.
وفي الصحيحين من حديث حمران وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»
(4)
، وهذا الحديث من أصح الأحاديث في بيان صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه:«مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .
وفيه «ثم مسح رأسه» ، ثم غسل رجليه، ولم يذكر بينهما مسح الأذنين، ولو كان مسحًا واجبًا لذكر فيهما مسح الأذنين فعُلم أنه مسح الأذنين سنة.
القول الثاني: يجب مسح الأذنين. وهو قول بعض المالكية والمشهور من مذهب الحنابلة
(1)
«الإفصاح» (1/ 74).
(2)
«الجامع لأحكام القرآن» (6/ 90).
(3)
«البخاري» (185)، و «مسلم» (235).
(4)
«البخاري» (159)، و «مسلم» (236).
(1)
«المنتقى» (1/ 75)، «الإنصاف» (1/ 62، 63)، «الأوسط» (1/ 405).
(2)
ضعيف: مدار هذا الحديث على ابن جريج، واختلف عليه، فرواه أبو كامل عن غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به. رواه البزارفي «مسنده» ، وأخرجه الدارقطني (1/ 98، 99)، وتابع أبا كامل الربيع بن بدر كما عند الدارقطني (1/ 99) والربيع متروك، وخالفهما جماعة منهم وكيع، وعبد الرزاق وسفيان وعبد الوهاب وغيرهم، كلهم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم. أي مرسلًا. كما عند الدارقطني (1/ 99)، وقد صرح ابن جريج بالتحديث في الرواية المرسلة كما عند أبي عبيد «الطهور» (360)، وقد رجح الدارقطني الرواية المرسلة. وقد بين الحافظ علة هذا الخبر فقال: رواه الدارقطني، وهذا رجاله رجال مسلم إلا أن له علة، فإن أبا كامل الجحدري تفرد به عن غندر وتفرد به غندر عن ابن جريج وخالفه من هو أحفظ منه وأكثر عددًا فرووه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم معضلًا كما في النكت (1/ 412)، وروى الطبراني (الكبير) (10/ 391): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ قَارِظِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«اسْتَنْشِقُوا مَرَّتَيْنِ، وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وزيادة (وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ) وَهِمَ فيها الطبراني، ودل على ذلك أن الجماعة رووه بدون هذه الزيادة، فرواه ابن أبي شيبة (1/ 33)، وأبو داود (141) عن إبراهيم بن موسى وابن المبارك كما في «سنن النسائي» (5/ 278)، وأسد بن موسى كما في «المنتقى» (77) وابن الجارود وغيرهم، فتبين من هذا شذوذ الطبراني، ورواه الدارقطني (1/ 101)، وفي إسناده القاسم بن غصن، ضعيف، وروى عن ابن عباس موقوفًا عليه كما رواه ابن أبي شيبة (1/ 24)، وفي إسناده عليّ بن زيد وهو مشهور الضعف.
وللحديث شواهد:
الأول: حديث أبي أمامة، وفي إسناده سنان بن ربيعة وشهر بن حوشب، كلاهما فيه ضعف.
الثاني: حديث عبد الله بن زيد كما رواه ابن ماجه (443)، وفي إسناده سويد بن سعيد، فيه ضعف.
الثالث: حديث ابن عمر، أخرجه الدارقطني (1/ 102) وفيه علل: الأولى: في إسناده يحيى ابن العريان، ذكره الخطيب «تاريخه» (14/ 161)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الثانية: في إسناده أسامة بن زيد فيه مقال. الثالثة: اختلف فيه على أسامة على الوقف والرفع. فرواه حاتم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بن إسماعيل عن أسامة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، أخرجه الدارقطني (1/ 102)، وقد خالف حاتمًا أبو أسامة، فرواه موقوفًا عند ابن أبي شيبة (1/ 24)، قال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب عن ابن عمر من قوله، وله طرق عن ابن عمر لا تصح.
الرابع: حديث عائشة أخرجه الدارقطني (1/ 100)، وله علتان:
1 -
في إسناده محمد بن الأزهر، كَذَّبه أحمد. 2 - أن الصحيح في هذا الحديث الإرسال.
الخامس: حديث أبي هريرة وله طرق: الطريق الأول: مداره على ابن جريج واختلف عليه، فرواه علي بن عاصم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الأُذُنَان مِنَ الرَّأْسِ» ، أخرجه الدارقطني (1/ 100). ورواه محمد بن جعفر (غندر) عن ابن جريج. أخرجه الدارقطني (1/ 99). ورواه وكيع وسفيان وعبد الرزاق وغيرهم عن ابن جريج عن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وهو الصواب وقد سبق بيانه.
ورواه الدارقطني (1/ 101)، من طريق إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن أبي هريرة وقد اختلف فيه على إسماعيل وقد سبق بيانه في حديث ابن عباس، وقد أخرجه ابن ماجه (445) وغيره من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به مرفوعًا، وفي إسناده عمرو بن الحصين متروك. وأخرجه الدارقطني (1/ 102) عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، قال الدارقطني: البختري بن عبيد ضعيف، وأبوه مجهول.
السادس: حديث أبي موسى، ومداره على عبد الرحيم بن سليمان، أخرجه الدارقطني (1/ 102) من طريق علي بن جعفر بن زياد عن عبد الرحيم عن أشعث بن سوار عن الحسن عن أبي موسى مرفوعًا وفي إسناده علل:
الأولى: الحسن لم يسمع من أبي موسى.
الثانية: خالف علي بن جعفر ابن أبي شيبة (1/ 24) فرواه موقوفًا، قال الدارقطني: تابعه (أي: ابن أبي شيبة) إبراهيم بن موسى الفراء وغيره، عن عبد الرحيم، قال: والصواب موقوف، الحسن لم يسمع من أبي موسى. وقال ابن عدي «الكامل» (1/ 373): لا أعلم رفع هذا الحديث عن عبد الرحيم غير جعفر بن زياد ورواه غيره موقوفًا عن عبد الرحيم.
الشاهد السابع: حديث أنس، رواه الدارقطني (1/ 104)، وغيره، وفي إسناده عبد الحكم، قال الدارقطني: لا يحتج به. ورواه الطبراني «مجمع البحرين» (416) وفي إسناده عمر بن أبان، قال الذهبي «الميزان» (3/ 181) عن أنس في الوضوء لا يُعرف.
وجه الدلالة: أن مسح الرأس يقتضي معها مسح الأذنين؛ لأن الأذنين من الرأس، فإذا كان الأذنان من الرأس فإذا كان في الأحاديث غسل برأسه اقتضى ذلك مسح الأذنين مع الرأس. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.
واستدلوا بما رواه مالك من حديث عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ وفيه: «فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ»
(1)
. قال السندي: اُسْتُدِلَّ بقوله: «حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» على أن الأذنين من الرأس؛ لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس. واعترض عليه: بأنه ضعيف.
(2)
.
(1)
مرسل: وروى مالك «الموطأ» (1/ 31) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله الصُّنَابِحِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» . وقال مالك: عبد الله الصنابحي وهو خطأ والصواب أبو عبد الله الصنابحي. قال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل البخاري فقال: وهم فيه مالك، وهو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي، وقال علي بن المديني ما قاله البخاري. فالحديث منقطع، الصنابحي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وروى مالك «الموطأ» (1/ 32) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه ولم يذكر مسح الرأس ولا الأذنين. وروى مسلم (832) من حديث عمرو بن عبسة وفيه:«ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ» . ولم يتعرض فيه لمسح الأذن.
(2)
مدار الحديث على زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، فرواه الجماعة بدون ذكر مسح الأذنين، منهم: سفيان الثوري عند البخاري (157)، وسليمان بن بلال عند البخاري
= (140)، وداود بن قيس عند أحمد (1/ 336).، ومعمر عند عبد الرزاق (126)، وأبو بكر بن محمد عند عبد الرزاق (129)، وورقاء بن عمر عند البيهقي (1/ 73)، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير عند البيهقي (1/ 73).
أما من ذكر مسح الأذنين فهم: ابن عجلان عند النسائي (102)، وهشام بن سعد عند أبي داود (137)، وعبد العزيز الدراوردي عند النسائي (101)، وابن ماجه (403)، ولا يخلو هؤلاء الثلاثة من المقال، مع مخالفتهم للثقات. فالراجح رواية الجماعة بدون ذكر مسح الأذنين. وورد عن ابن عباس في قصة مبيته عند خالته ميمونة وفيه: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً»، أخرجه أحمد (1/ 369، 370)، وفي إسناده عباد بن منصور، ضعيف. وورد الحديث في الصحيحين، وفيه ذكر الوضوء مجملًا ولم يذكرمسح الأذنين فالحديث ضعيف.
وهناك أحاديث وردت في مسح الأذنين:
1 -
فعَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ. وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا» وإسناده ضعيف، أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (125)، وقد سبق تخريجه.
2 -
شاهد الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ:«أَتَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَوَضَعْنَا لَهُ الْمِيضَأَةَ، فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ، بَدَأَ بِمُؤَخَّرِهِ، وَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» . رواه أحمد (6/ 359)، وغيره، ومدار الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف.
3 -
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ مَاءً يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ أَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» ، شاذ، والحديث مداره على عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد، ورواه عنه جماعة منهم عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، واختلف عليه: فرواه هاشم بن القاسم عن عبد العزيز يذكر مسح الأذنين، وخالف هاشمًا جماعة منهم أحمد بن يونس كما عند البخاري (197)، وأحمد بن عبد الله كما عند ابن ماجه (1093) وأبو الوليد وسهل بن حماد كما عند أبي داود (100)، وغيرهم بدون ذكر مسح الأذنين، وروى الحديث الثقات الأثبات عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا مسح الأذنين، منهم: مالك، كما في «الموطأ» (1/ 18)، ومن طريقه البخاري (185)، ومسلم (235) ووهيب بن خالد كما عند البخاري (186)، ومسلم (235) وسليمان بن بلال كما عند البخاري (199)، ومسلم (235) وخالد بن عبد الله الطحان كما عند البخاري (191)، ومسلم (23 وغيرهم كثير =
واعترض عليه، بأن الأحاديث تدل على مسح الأذنين وإن كانت لا تخلو من مقال فقد أجمع العلماء على أن مسح الأذنين سنة من سنن الوضوء وليس هناك دليل صحيح على أن الأذنين من الرأس، والفرض الذي في كتاب الله بالإجماع هو مسح الرأس، فدل ذلك على أن مسح الأذنين سنة.
المطلب الثاني: في صفة مسح الأذنين:
قال ابن عابدين: يمسح باطنهما بباطن السبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين
(1)
. وفى حديث ابن عباس: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنِهِمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ وَظَاهِرِهِمَا بَإِبْهَامَيْهِ» .
=فلم يذكروا مسح الأذنين. وروى مسلم (236) من طريق حبان بن واسع، عن أبيه عن عبد الله بن زيد بدون ذكر مسح الأذنين، فهذه الزيادة شاذة بلا شك.
4 -
وروى أبو داود (135) عن مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«يَا رَسُولَ الله كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» ، ثُمَّ قَالَ:«هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ -» .
مدار هذا الحديث على موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، واختلف على موسى: فرواه أبو عوانة بهذا اللفظ كما عند أبي داود (135)، ورواه سفيان عن موسى، واختلف على سفيان، فرواه أبو أسامة عن سفيان كرواية أبي عوانة كما عند ابن أبي شيبة (1/ 165)، وخالف أبا أسامة يعلى بن عبيد عن موسى كما عند أحمد (2/ 180) بلفظ قال:«هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ، وَتَعَدَّى، وَظَلَمَ» .
وتابع يعلى بن عبيد، الأشجعي عن سفيان به كما في «المنتقى» (75) لابن الجارود، وابن خزيمة (174)، فمن نقص في الحديث ضعيفة. قال السندي في حاشيته «سنن النسائي» (1/ 88): والمحققون على أنه وهم؛ لجواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين. قال الحافظ: إسناده جيد، لكن عده مسلم في جملة ما أنكره على عمرو بن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاث، كما في «فتح الباري» (1/ 233).
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 243).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ» .
وعن أبي وائل عن عثمان وفيه: أنه توضأ، فمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ.
وعن الْمِقْدَامِ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ وفيه: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا
(1)
.
قلت: وكل الأحاديث في مسح الأذنين ضعيفة.
وقال البهوتي: وكيف مسح الأذنين أجزأ.
فالحاصل: أنه يمسح باطن الأذنين بالسبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين وتمسح الأذنان معًا، ولا يقدم اليمنى على اليسرى
(2)
.
المبحث السادس: في مسح العنق
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يستحب مسح العنق
(3)
.
قال ابن القيم: ولم يصح عنه في مسح العنق حديث البتة
(4)
.
وذهب الحنفية وقول عند الشافعية ورواية عن الحنابلة إلى أنه يستحب مسح العنق في الوضوء
(5)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عبد الله بن زيد وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ» . قالوا: فالقفا يدخل في العنق.
واعترض: بأن حد مسح الرأس إلى القفا، وليس في الحديث سنية مسح العنق.
(1)
ضعيف، أخرجه أحمد (4/ 132)، وفي إسناده: عبد الرحمن بن ميسرة: مجهول.
(2)
«المجموع» (1/ 443).
(3)
«حاشية الدسوقي» (1/ 103)، «إعانة الطالبين» (1/ 49)، «الإنصاف» (1/ 137).
(4)
«زاد المعاد» (1/ 195).
(5)
«البحر الرائق» (1/ 29)، و «روضة الطالبين» (1/ 61)، و «شرح العمدة» (1/ 193).
واستدلوا بما وردعَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ، وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ بِمَرَّةً
(1)
.
قال: القذال: أي القفا. فدل هذا الحديث على استحباب مسح القفا.
وعَن ابْن عمر {أنه إذا توضأ مسح عنقه ويقول: قال النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «من تَوَضَّأ وَمسح عُنُقه وُقِي الغل يَوْم الْقِيَامَة»
(2)
.
واعترض عليه بما قاله النووي: وَلم يَصح فِي مسح الرَّقَبَة شَيْء
(3)
.
الراجح أنه لا يشرع مسح العنق في الوضوء، لأنه لايصح فى مسح العنق حديث.
(1)
ضعيف: أخرجه أحمد (3/ 418) وفيه علل:
الأولى: ليث بن أبي سليم فيه ضعف.
الثانية: طلحة لا يدرى من هو، فإن كان طلحة بن مصرف فمصرف هذا مجهول كما قال ابن القطان «البدر المنير» (3/ 284)، وجد طلحة مختلف في صحبته. وقد ورد هذا السند في حديث الفصل بين المضمضة والاستنشاق، ورواه ابن أبي شيبة (1/ 27) عند حفص ابن غياث عن ليث به. ولفظه:«رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ هَكَذَا، وَأَمَرَّ حَفْصٌ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى مَسَحَ قَفَاهُ» . وأخرجه البيهقي وفيه: «أبصر النبي صلى الله عليه وسلم حيث توضأ مسح رأسه وأذنيه وأمر يديه على قفاه» وضَعَّفه البيهقي. قال النووي «المجموع» (1/ 488): ضعيف باتفاق. وضَعَّفه الحافظ كما في «التلخيص» (1/ 92).
(2)
قال الحافظ في «التلخيص» (1/ 93): قال أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» ثم ذكر السند والمتن. قال ابن الملقن في هذا الحديث: غريب لا أعرفه إلا من كلام موسى بن طلحة كذلك رواه أبو عبيد في غريبه. وقال الحافظ (1/ 92): رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: «مَنْ مَسَحَ قَفَاهُ مَعَ رَأْسِهِ وُقِيَ الْغُلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
(3)
«البدر المنير» (1/ 38).
المبحث السابع: تخليل الأصابع، وفيه مطالب:
المطلب الأول: معنى تخليل الأصابع: قال ابن سِيده: قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل إليها الماء إلا بتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته، ولكن لأداء فرض الغسل
(1)
.
المطلب الثاني: استحباب تخليل الأصابع في الوضوء:
اختلف العلماء في حكم تخليل الأصابع في الوضوء على أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى استحاب تخليل الأصابع، وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما روى أبو داود عن لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ:«أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»
(3)
. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّلاةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خَلِّلْ
(1)
انظر «الفتاوي الهندية» (1/ 7).
(2)
«تبيين الحقائق» (1/ 5)، «شرح فتح القدير» (1/ 30)، «مقدمات ابن رشد» (1/ 83)، «المجموع» (1/ 455)، «شرح منتهى الإرادات» (1/ 48)، «كشاف القناع» (1/ 102).
(3)
أخرجه أبو داود (142)، والترمذي (788)، والنسائي (1/ 66)، وابن ماجه (4070)، وغيرهم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن أبيه مرفوعًا، وفي إسناده عاصم ابن لقيط، روى عن أبيه لقيط بن صبرة، وعنه أبو هشام إسماعيل بن كثير المكي، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، له عندهم حديث واحد في المبالغة في الاستنشاق، فالراجح أن عاصمًا مجهول، والنسائي يوثق بعض المجاهيل، وكذا ابن حبان يذكر بعض المجاهيل في كتابه الثقات.
أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ»
(1)
.
القول الثاني: أن التخليل واجب في اليدين والرجلين، وهو قول عند المالكية
(2)
.
واستدلوا بحديث لقيط بن صبرة، وفيه:«وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ وَيُخَلِّلُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَيُدَلِّكُ عَقِبَيْهِ، وَيَقُولُ:«لَا يُخَلِّلُ الله تَعَالَى بَيْنَهَا بِالنَّارِ»
(3)
.
وجه الدلالة: «خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ» ، هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
واعترض عليه بأن في إسناده عمر بن قيس: منكر الحديث.
قال الشوكاني: وَالْأَحَادِيثُ قَدْ صَرَّحَتْ بِوُجُوبِ التَّخْلِيلِ وَثَبَتَتْ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِعْلِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إمْكَانِ وُصُولِ الْمَاءِ بِدُونِ تَخْلِيلٍ وَعَدَمِهِ، وَلَا بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَالتَّقْيِيدُ
(1)
أخرجه أحمد (1/ 287)، وفي إسناده صالح مولى التوأمة فيه ضعف، وعبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد. وعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، صَاحِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ» ، أخرجه أحمد (4/ 229)، وغيره، ومدار الحديث على ابن لهيعة وهو ضعيف.
وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَتَوَضَّأُ، وفيه: ثُمَّ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ» ، وفي إسناده عامر بن شقيق فيه ضعف، أخرجه الدارقطني (1/ 86).
(2)
«الجامع لأحكام القرآن» (2/ 75).
(3)
منكر: أخرجه الدارقطني (1/ 95): وقال الحافظ في «التلخيص الحبير» (1/ 94): روى زيد بن أبي الزرقاء عن الثوري عن أبي مسكين واسمه حر بن مسكين عن هزيل بن شرحبيل عن ابن مسعود مرفوعًا: «لِيَنْهَكَنَّ أَحَدُكُمْ أَصَابِعَهُ قَبْلَ أَنْ تُنْهِكَهُ النَّارُ» . وخالف زيد بن أبي الزرقاء عبد الرزاق (68) فرواه عن الثوري موقوفًا، ورواه أبو الأحوص عن أبي مسكين موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 19).
ورواه وكيع عن سفيان بن منصور عن طلحة عن عبد الله قال: «خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ بِالْمَاءِ قَبْلَ أنْ تَحْشُوهَا النَّارُ» ، أخرجه ابن أبي شيبة (19) ورجاله ثقات.
بِأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ بِعَدَمِ إمْكَانِ وُصُولِ الْمَاءِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ
(1)
.
واعترض عليه بأن الله ذكر في كتابه غسل الرجلين، وكذا الأحاديث الصحاح، في صفة الوضوء كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما ليس فيهما ذكر تخليل الأصابع، ولو كان واجبًا لذكر في الأحاديث الصحاح، والأحاديث التي فيها تخليل الأصابع لا تخلو من مقال.
القول الثالث: تخليل أصابع الرجلين واجب في اليدين، سنة في الرجلين، وهو قول للمالكية
(2)
.
قال الخرشي: وَإِنَّمَا وَجَبَ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ دُونَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ شِدَّةِ اتِّصَالِ مَا بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَهُمَا الْبَاطِنَ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قال ابن العربي: وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْيَدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالدَّلْكِ، غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ تَخْلِيلَهَا بِالْمَاءِ يُقَرِّحُ بَاطِنَهَا، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ، وَمَا عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ فِي تَخْلِيلٍ تَتَقَرَّحُ بِهِ الْأَقْدَامُ؟!
(3)
.
واعترض عليه بأن الأحاديث الواردة في الباب عامة: «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» ، وهذا يشمل أصابع اليدين والرجلين.
القول الرابع: أن التخليل «يفعل أحيانًا» وهذا هو السنة.
قال ابن القيم: كَذَلِكَ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ لَمْ يَكُنْ يُحَافِظُ عَلَيْهِ، وَفِي " السُّنَنِ " عَنِ المستورد بن شداد:«رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ» ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ عَنْهُ فَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا؛ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِ وُضُوئِهِ كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد
(4)
.
والراجح: أنه إذا كان الماء يصل إلى الأصابع بغير تخليل فإنه لا يجب عليه التخليل،
(1)
نيل الأوطار (1/ 196).
(2)
«المنتقى» للباجي (1/ 37).
(3)
«الجامع لأحكام القرآن» (2/ 75).
(4)
«زاد المعاد» (1/ 189).
والأحاديث التي في الباب لا يصح منها حديث، والله أعلم.
المطلب الثالث: في صفة تخليل الأصابع:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يبدأ في اليدين بالتشبيك، وفي الرجلين يخلل بخنصر يده اليسرى بادئًا بخنصر رجله اليمنى حتى يصل إلى الإبهام، ثم يبدأ بإبهام الرجل اليسرى ويختم بالخنصر
(1)
.
وذهب بعض الشافعية إلى أنه يخلل رجله بخنصر يده اليمنى
(2)
.
وهناك بعض الأقوال الأخرى ولا تخلو من مقال.
وفي الباب حديث المستورد قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ» .
قلت: ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل خاص صحيح فيما أعلم يفيد تعيين اليد اليمنى أو اليسرى للتخليل.
المبحث الثامن: استحباب تحريك الخاتم:
ذهب جمهور العلماء إلى أن من كان في أصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه أو خلعه، وإن تحقق وصوله استحب تحريكه، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة
(3)
.
(1)
«فى شرح فتح القدير» (1/ 30) قال: صِفَتُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ أَنْ يُخَلِّلَ بِخِنْصِرِ يَدِهِ الْيُسْرَى خِنْصِرَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَخْتِمَ بِخِنْصِرِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى. وانظر «البحر الرائق» (1/ 22)، «حاشية العدوي» (1/ 197)، «كشاف القناع» (1/ 2)، «المغني» (1/ 76).
(2)
«المجموع» (1/ 455).
(3)
«بدائع الصنائع» (1/ 22)، «المجموع» (1/ 427)، «المغني» (1/ 153).
واستدلوا بما روى ابن ماجه
(1)
عن أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ، حَرَّكَ خَاتَمَهُ.
وإن كان هذا الحديث ضعيفًا، لكن غسل الأصابع ثابت فيغسل ما تحت الخاتم ليعم الماء جميع البشرة، أما إن كان الخاتم واسعًا ووصل الماء فلا حاجة إلى التحريك، وإن كان ضيقًا
فلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته
(2)
.
وذهب مالك إلى أنه لا يجب عليه تحريك خاتمه
(3)
، وأن الخاتم قد يشق نزعه عند كل وضوء، وإذا كان ما تحته يسيرًا فيعفى عنه.
واعترض عليه بأن الأمر بغسل اليد والأصابع يشمل غسل ما تحت الخاتم.
فالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من إيصال الماء إلى ما تحت الخاتم، سواء كان واسعًا أم ضيقًا وأنَّ غسل اليدين إلى المرفقين واجب من رؤوس الأصابع حتى نهاية المرفقين، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» ، وكان هذا التوعد على ترك جزء من القدم لم يمسه الماء، فقد دل ذلك على عدم ترك ما تحت الخاتم أو الساعة والله أعلم.
المبحث التاسع: التثليث في الوضوء وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين في الوضوء وبه قال الحنفية وقول عند المالكية والحنابلة
(4)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ
(1)
منكر: أخرجه ابن ماجه (449)، وفي إسناده معمر بن محمد بن عبيد الله: منكر الحديث، وأبوه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع: منكر الحديث.
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 22).
(3)
«الفواكه الدواني» (1/ 49)، «المنتقى» (1/ 36).
(4)
«شرح معاني الآثار» (1/ 29)، و «المنتقى» (1/ 36)، و «المغني» (1/ 94).
عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
(1)
.
الحديث فيه استحباب الثلاث غسلات، ما عدا الرأس فإنها تمسح مرة واحدة.
وذهب الشافعي إلى استحباب الغسلة الثانية والثالثة في جميع الأعضاء بما فيها الرأس والأذنان
(2)
. واستدلوا بما روى مسلم أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
(3)
.
وجه الدلالة: «توضأ النبي ثلاثًا ثلاثًا» فيدخل في ذلك مسح الرأس ثلاثًا.
واعترض عليه بأن هذا حديث مجمل، وورد مفصلًا، وفيه غسل سائر أعضاء الوضوء ثلاثًا عدا مسح الرأس فهى مرة واحدة.
قال البيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، اعْتَمَدَ الشَّافِعِىُّ فِى تَكْرَارِ الْمَسْحِ وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ الْمُفَسَّرَةُ عَنْ حُمْرَانَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ وَقَعَ فِيمَا عَدَا الرَّأْسِ مِنَ الأَعْضَاءِ وَأَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ شَقِيقِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا
(1)
البخاري (159)، ومسلم (236).
(2)
«المجموع» (1/ 461)، «روضة الطالبين» (1/ 59)، «سنن البيهقي» (1/ 62).
(3)
أخرجه مسلم (230) من طريق أبي أنس مالك بن عامر الأصبحي، وقد رواه الدارقطني «السنن» (1/ 92) من طريق صالح بن عبد الجبار عن البيلماني عن أبيه عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، وفيه:(وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا) وفي إسناده البيلماني هو محمد بن عبد الرحمن: منكر الحديث، وقد اختلف في إسناده، وأخرجه أحمد (1/ 61)، وفي إسناده زيد بن دارة: مجهول الحال، وأخرجه أبو داود (107) وفي إسناده عبد الرحمن بن وردان: لين الحديث.
ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ هَذَا
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القول الثالث: ما قاله ابن القاسم: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا. وَقَالَ: إنَّمَا قَالَ الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] فَلَمْ يُوَقِّتْ تبارك وتعالى وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ
(2)
.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين.
وأختم بما قاله النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً وَعَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً مَرَّةً وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَبَعْضُ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا وَبَعْضُهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضُهَا مَرَّةً، قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَاخْتِلَافُهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَنَّ الثَّلَاثَ هِيَ الْكَمَالُ وَالْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ.
ورجح شيخ الإسلام: أن الأفضل أن يتوضأ أحيانًا مرة مرة، وأحيانًا مرتين مرتين، وأحيانًا ثلاثًا ثلاثًا، وأحيانًا ينوع في الوضوء الواحد بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا؛ ليفعل السنن على جميع وجوهها
(3)
.
(1)
مدار الحديث على عامر بن شقيق وهو لين الحديث، واختلف عليه. فرواه أبو داود عن يحيى بن آدم عن إسرائيل عن عامر عن شقيق به، ولفظة:«وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» منكرة؛ لأن الرواة الأثبات الثقات (وكيع وابن مهدي وأبو عامر العقدي وغيرهم) رووا الحديث عن إسرائيل عن عامر بن شقيق به، ولم يذكروا:«وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» فهذه اللفظة منكرة.
أخرجه أحمد (1/ 75)، وعبد الرزاق (125)، وابن الجارود «المنتقى» (72)،.
(2)
«المدونة» (1/ 113).
(3)
«مجموع الفتاوى» (22/ 337). وانظرشرح النووي على مسلم (3/ 106)
المطلب الثاني: هل الزيادة على الثلاث من الإسراف؟
قال الشوكاني: لا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث.
وفي «البحر الرائق» : أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثٍ مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ مِنْ الْإِسْرَافِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَاءَ نَهْرٍ أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ مَاءً مَوْقُوفًا عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ أَوْ يَتَوَضَّأُ حَرُمَتْ الزِّيَادَةُ وَالسَّرَفُ بِلَا خِلَافٍ وَمَاءُ الْمَدَارِسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوقَفُ وَيُسَاقُ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ
(1)
.
واستدلوا بأن الزيادة على الثلاث من الإسراف بالسنة والمعقول:
أما دليلهم من السنة: فروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» ، ثُمَّ قَالَ:«هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ -» .
أما دليلهم من المعقول: فإن الزيادة عن الثلاث تورث الوسوسة.
قال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى.
والراجح: أنه يكره الزيادة على الثلاث والله أعلم.
قال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّلَاثِ الْمُسْتَوْعِبَةِ لِلْعُضْوِ
(2)
.
(1)
(1/ 30). وقال ابن تيمية «الفتاوى الكبرى» (1/ 224): فَاَلَّذِي يُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حَتَّى يَغْتَسِلَ بِقِنْطَارِ مَاءٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لَلسُّنَّةِ، وَمَنْ تَدَيَّنَ بِهِ عُوقِبَ عُقُوبَةً تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمُتَدَيِّنِينَ بِالْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لَلسُّنَّةِ.
قال ابن حزم: ويكره الإكثار من الماء في الغسل والوضوء والزيادة على الثلاث في غسل أعضاء الوضوء لأنه لم يأت عن رسول الله أكثر من ذلك، «المحلى» (المسألة 208).
(2)
«شرح مسلم» (2/ 111).
المطلب الثالث: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه:
ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الإسراف في الماء واستحباب الاقتصاد في الوضوء.
واستدلوا بما روى أحمد من حديث عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَيَكُونُ من بعدي قَوْمٌ من هَذِهِ الْأُمَّةِ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّهُورِ»
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1)
مدار هذا الحديث على حماد بن سلمة: فرواه سليمان بن حرب وعفان وموسى بن إسماعيل وعبد الصمد وغيرهم، كلهم عن حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نعامة عن عبد الله بن مغفل به، أخرجه أحمد (4/ 87)، وأبو داود (96)، وابن ماجه (3864)، وغيرهم، وحماد بن سلمة وإن كان سمع من الجريري قبل الاختلاط كما في (الكواكب النيرات)(183)، فإن أبا نعامة لم يسمع من عبد الله بن مغفل، قال الذهبي في تعليقه على المستدرك (1/ 162): فيه إرسال. ورواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أبي نعامة به كما عند أحمد (4/ 86)، ويزيد: ضعيف ولعله أخطأ، والصواب رواية الجماعة. ورواه أبو الوليد الطيالسي عن حماد عن الجريري عن أبي العلاء، عن عبد الله بن مغفل، أخرجه ابن حبان (6763) وهذه الرواية معلة لمخالفتها لرواية الجماعة فجعل بدلًا من أبي نعامة أبي العلاء وأبو الوليد الطيالسي في روايته عن حماد مقال. قال أبو حاتم في ترجمة أبي الوليد: إن سماعه من حماد فيه شيء وكأنه سمع منه بآخره، وكان حماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره كما في تهذيب الكمال، ورواية الجماعة أَوْلى بالصواب وفيها انقطاع بين الجريري وأبو نعامة.
وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص، أخرجه أحمد (1/ 172) قال حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ: قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ عَبَايَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدٍ (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ عَبَايَةَ الْقَيْسِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ أن سعدًا .... الحديث. وأبو عباية اسمه: قيس بن عباية، انظر:«تعجيل المنفعة» (1319). فأبو عباية يحدث به مرة عن عبد الله بن مغفل ومرة يحدث به عن مولى سعد أن سعدًا. وفي إسناده زياد بن مخراق، قال الأثرم: سألت أحمد عنه فقال: ما أدري، قال قلت له: روى حديث سعد أن النبي قال: «يكون بعدي قوم يعتدون في الدعاء» ، فقال: لم يقم إسناده. قلت: فهو لا يصح.
الْإِسْرَافَ: هُوَ الِاسْتِعْمَالُ فَوْقَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ
(1)
.
قال الكاساني: لَا يُسْرِفَ فِي الْوُضُوءِ وَلَا يُقَتِّرَ، وَالْأَدَبُ فِيمَا بَيْنَ الْإِسْرَافِ، وَالتَّقْتِيرِ؛ إذْ الْحَقُّ بَيْنَ الْغُلُوِّ، وَالتَّقْصِيرِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا»
(2)
.
وعلى هذا التعريف فقد يخطئ من يقتر في الماء إلى حد لا يسبغ معه الوضوء.
والإسراف نسبي على حسب توافر الماء وقلته أو عدمه. والله أعلم.
والحاصل: ما ذهب الجمهور من كراهة الإسراف في الماء.
المبحث العاشر: من سنن الوضوء التيامن:
قال النووي: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، لَوْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْلُ وَصَحَّ وُضْوءُهُ
(3)
.
قال ابن المنذر: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِيَسَارِهِ قَبْلَ يَمِينِهِ
(4)
.
وفي الصحيحين: من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»
(5)
.
وروى أحمد: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا لَبِسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ، فَابْدَءُوا بِأَيَامِنِكُمْ»
(6)
.
(1)
«البحر الرائق» (1/ 30).
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 23).
(3)
«شرح مسلم» (3/ 160).
(4)
«الأوسط» (1/ 387)، ونقل عن أحمد والشافعي القول بأن الترتيب بين اليمنى واليسرى واجب كما في «فتح الباري» (1/ 270)، و «المبدع» (1/ 110)، ولا يصح هذا القول عنهما، ونقل النووي كما في «شرح مسلم» (1/ 160) القول عن الشافعي بكراهة البداءة باليسار.
(5)
«البخاري» (168)، «مسلم» (268).
(6)
إسناده صحيح: رواه أحمد (2/ 354)، وأبو داود «4141)، وابن ماجه (412).
أما مَنْ قَدَّمَ يده اليسرى على اليمنى صح وضوءه وفاته الفضل لعموم قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6].
وجه الدلالة: ما قاله أبو عبيد: لِأَنَّ التَّنْزِيلَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِيَمِينٍ قَبْلَ يَسَارٍ، إِنَّمَا نَزَلَ بِالْجُمْلَةِ فِي ذِكْرِ الْأَيْدِي، وَذِكْرِ الْأَرْجُلِ، فَهَذَا الَّذِي أَبَاحَ الْعُلَمَاءُ تَقْدِيمَ الْمَيَاسِرِ عَلَى الْمَيَامِن.
المبحث الحادي عشر: من سنن الوضوء: الدلك:
ذهب جمهور العلماء إلى أن دلك أعضاء الوضوء مستحب.
قال النووي: لَا يَجِبُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْوَجْهِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ لَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْل، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، هَذَا مَذْهَبُنَا
(1)
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ
(2)
.
واستدلوا لهذا بأن الرجل الذي أصابته الجنابة أعطاه النبي إناء وقال: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» ، ولو كان الدلك شرطًا لأخبره به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وروى مسلم عن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ»
(3)
. (ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ) أى: أن الطهارة بمجرد إفاضة الماء.
وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن الدلك شرط في الوضوء والغسل
(4)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} .
وجه الدلالة: ما قَالَه عَطَاءٌ فِي الْجُنُبِ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: لَا، بَلْ يَغْتَسِلُ غُسْلَانِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ:{حَتَّى تَغْتَسِلُوا} وَلَا يُقَالُ: اغْتَسَلَ إلَّا لِمَنْ دَلَكَ نَفْسَهُ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ طَهَارَةٌ عَنْ
(1)
«المجموع شرح المهذب» (1/ 382).
(2)
انظر: «أحكام القرآن للجصاص» (2/ 522)، «حاشية ابن عابدين» (1/ 123)، «المغني» (1/ 290).
(3)
«مسلم» (330).
(4)
«المدونة» (1/ 132، 133)، وهو قول المزني كما في «المجموع» (1/ 214).
حَدَثٍ، فَوَجَبَ إمْرَارُ الْيَدِ فِيهَا، كَالتَّيَمُّمِ
(1)
.
واعترض عليه بأن من صب الماء عليه بغير دلك يسمى مغتسلًا.
قال ابن حزم: مَنْ غَمَسَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فِي الْمَاءِ وَنَوَى بِهِ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، أَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ حَتَّى عَمَّهَا الْمَاءُ وَنَوَى بِذَلِكَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، أَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، أَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَيْرُهُ وَنَوَى هُوَ بِذَلِكَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَ غُسْلٍ يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ اسْمَ الْغُسْلِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّدَلُّكِ بِالْيَدِ فَقَد ادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ
(2)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «وادلكي بيدك» الأمر للوجوب واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله
(3)
.
واستدلوا بأنه إذا كان يشترط في التيمم المسح، أي التدليك، فكذا في الوضوء.
واعترض عليه بما قاله ابن قدامة: أما قياسه (أي الوضوء على التيمم) فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر في الغالب إمرار التراب إلا باليد
(4)
.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن دلك أعضاء الوضوء مستحب لعموم قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أصابته الجنابة: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» . ولو أن رجلًا جنبًا انغمس في نهر أو بحر أن ذلك يجزئه، فدل ذلك على أن التدليك مستحب وليس بشرط. الله أعلم.
* * *
(1)
«المغني» (1/ 290).
(2)
«المحلى» (مسألة 115).
(3)
«مواهب الجليل» (1/ 218).
(4)
«المغني» (1/ 290).
القسم الثالث سنن بعد الوضوء
وفيه مبحثان
المبحث الأول: أذكار ما بعد الوضوء.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: يستحب أن يقول بعد فراغه من الوضوء: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»
(1)
.
المطلب الثانى: هل يستحب أن يقول بعد الوضوء اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ؟
روى الترمذي عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»
(2)
.
(1)
روى مسلم (234) من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ!! فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ. فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ قَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا، قَالَ:«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» .
(2)
زيادة (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) شاذة. مدار الحديث على معاوية بن صالح واختلف عليه، فرواه زيد بن الحباب عن معاوية عن ربيعة الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر به.
وخالف زيد بن الحباب جماعة في السند والمتن، منهم: ابن مهدي كما عند مسلم (234). وابن وهب عند أبي داود (169) والليث بن سعد عند أحمد (4/ 145، 146)، وغيرهم، كلهم عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة بن عامر به بدون زيادة «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» ، فهذه شاذة، وهذه المخالفة في المتن.
أما المخالفة في السند فزيد بن الحباب جعل الحديث يرويه أبو إدريس وأبو عثمان عن عمر وقد تابع أبا إدريس أبو عثمان كما في «مسلم» (234) من طريق ابن مهدي عن معاوية بن صالح عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بدون الزيادة، وقد تابعهما عبد الوهاب ابن بخت كما عند أحمد (4/ 145، 146)، والبيهقي (1/ 78)، بدون الزيادة، فكل هذا يدل على شذوذ لفظه:«اللهم اجعلني من التوابين» .
واعترض عليه بأن زيادة «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» شاذة ولا تصح عن رسول الله. ولذا فلا تقال عقب الوضوء.
المطلب الثالث: هل يستحب رفع البصر إلى السماء عند ذكر الدعاء بعد الوضوء؟
عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» .
قلت: وزيادة «رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» منكرة
(1)
.
المطلب الرابع: في الأذكار التي تقال عند غسل الأعضاء:
قال ابن حجر: قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنَ السُّنَنِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الدَّعَوَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْوُضُوءِ، فَيَقُولُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا. وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي، وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي. وَعِنْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي
(1)
أخرجه أحمد (1/ 19)، وأبو داود (170)، وغيرهما من طريق أبي عقيل عن ابن عم أبي عقيل، عن عقبة بن عامر به، وابن عم أبي عقيل مجهول، ومع جهالته فقد ذكر زيادة «ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» لم يرويه الأثبات الثقات فهي شاذة، والله أعلم.
عَلَى النَّارِ. وَرُوِيَ: اللَّهُمَّ احْفَظْ رَأْسِي وَمَا وَعَى، وَبَطْنِي وَمَا حَوَى. وَرُوِيَ اللَّهُمَّ أَغِثْنِي بِرَحْمَتِكَ، وَأَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ بَرَكَتِكَ، وَأَظِلَّنِي تَحْتَ عَرْشِكَ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّكَ. وَعِنْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَعِنْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ
(1)
.
قال الخرشي: وَمَا يُقَالُ عِنْدَ فِعْلِ كُلِّ عُضْوٍ فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا وَلَا يُعْمَلُ بِه
(2)
.
المبحث الثانى: هل يستحب تنشيف الأعضاء؟
أجمع العلماء على أن التنشيف بالمناديل وغيره بعد الوضوء والغسل لا يحرم.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل، وبه قال الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية والمشهور من قول الحنابلة
(3)
.
واستدلوا لذلك بما روى الترمذي من حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ:«رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ»
(4)
.
وروى الترمذي أيضًا من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ:«كَانَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الوُضُوءِ»
(5)
.
(1)
«التلخيص الحبير» (1/ 137).
قال النووي في الروضة: هذا الدعاء لا أصل له، وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث.
(2)
«الخرشي» (1/ 139). حكم قراءة سورة القدر بعد الوضوء: سئل ابن حجر الهيثمي عَنْ حَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ فِي أَثَرِ وُضُوئِهِ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا حَشَرَهُ الله مَحْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ» مَنْ رَوَاهُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: رَوَاهُ الديْلمِي، وَفِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ وَاَلله أَعْلَمُ.
(3)
«المبسوط» (1/ 73)، «المدونة» (1/ 125)، «المجموع» (1/ 468)، «المغني» (1/ 95)، «الفروع» (1/ 156)، «الإنصاف» (1/ 166).
(4)
إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (54)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الإفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.
(5)
ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (53) حَدِيثُ عَائِشَةَ لَيْسَ بِالقَائِمِ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا البَابِ شَيْءٌ. وَأَبُو مُعَاذٍ: يَقُولُونَ: هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
روى ابن ماجه من حديث سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم «تَوَضَّأَ، فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ»
(1)
.
واعترض على هذه الأحاديث بما قاله الترمذي: ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء.
وذهب الحنابلة في قول إلى كراهة التمسح بالمنديل ونحوه في الوضوء والغسل
(2)
.
واستدلوا بما روى البخاري من حديث مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «وَضَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ» وفيه: «ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» قَالَتْ: «فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ»
(3)
. وفي رواية: «ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا»
(4)
. وفي مسلم: «ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ»
(5)
. وجه الدلالة: رَدُّ النبي صلى الله عليه وسلم للمنديل دليل على الكراهة.
واعترض عليه من وجهين: الأول: ما قاله ابن رجب: واستدل بعضهم برد النبي الثوب على ميمونة على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيهِ على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحبًّا، ولا أن فعله هو أولى، لا دلالة للحديث على أكثر من ذلك، كذا قاله الإمام أحمد وغيره من العلماء. والثاني: ما قاله ابن دقيق العيد: بأن نفضه الماء بيديه يدل على أن لا كراهة للتنشيف؛ لأن كلا منهما إزالة.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل ونحوه بعد الوضوء والغسل.
(1)
ضعيف: أخرجه ابن ماجه (468)، وله علتان:
الأولى: في إسناده الوضين بن عطاء، فيه مقال.
الثانية: الانقطاع، فمحفوظ بن علقمة لم يسمع من سلمان الفارسي.
(2)
«الإنصاف» (1/ 166).
(3)
«البخاري» (274).
(4)
«البخاري» (259).
(5)
«مسلم» (317).
القسم الرابع متفرقات في سنن الوضوء
وفيه خمسة مباحث
المبحث الأول: استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة:
روى البخاري من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ
(1)
.
والحديث فيه استحباب الوضوء لكل صلاة مع جواز جمع أكثر من صلاة بوضوء واحد، دل على ذلك ما رواه مسلم من حديث بُرَيْدَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ
…
»
(2)
.
المبحث الثاني: استقبال القبلة حال الوضوء:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب استقبال القبلة حال الوضوء
(3)
.
قال ابن مفلح: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا تَصْرِيحَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ
(4)
.
قلت: ليس ثَمَّ دليل على استحباب استقبال القبلة حال الوضوء؛ ولذا فالوضوء على حسب ما تيسر ولا يتقصد استقبال القبلة بذلك؛ لأن هذا لم يرد عن رسول الله، ولو كان هذا
(1)
«البخاري» (214).
(2)
«مسلم» (217).
(3)
«تبيين الحقائق» (1/ 6)، «حاشية ابن عابدين» (1/ 125)، الخرشي (1/ 137)، «المجموع» (1/ 489)، «شرح منتهى الإرادات» (1/ 46).
(4)
«الفروع» (1/ 152).
مستحبًّا لنقله الصحابة الكرام، وما كان ربك نسيًّا.
المبحث الثالث: في تخفيف الوضوء المستحب:
روى أحمد عن النَّزَّالِ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا رضي الله عنه صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أُتِيَ بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ كَفًّا فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ فَضْلَهُ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ هَذَا وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ، هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ
(1)
.
وجه الدلالة: ما قاله ابن مفلح: توضأ علي فمسح وجهه ويديه ورأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثله.
وروى مالك عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ
(2)
.
المبحث الرابع: حكم الاستعانة في الوضوء:
الاستعانة على الوضوء لها حالتان:
الحالة الأولى: إذا لم يقدر على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه إما متبرعًا، وإما بأجرة المثل إذا وجدها. وهذا لا خلاف فيه
(3)
.
الحالة الثانية: أن تكون الاستعانة بمن يصب عليه الماء.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
فذهب المالكية والحنابلة إلى إباحة الاستعانة بصب الماء على المتوضئ
(4)
.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (1/ 135)، ورواه البخاري (5616) بمعناه بدون لفظة:«هذا وضوء من لم يحدث» .
(2)
«الموطأ» (1/ 48)، وإسناده من أصح الأسانيد.
(3)
«المجموع» (1/ 425).
(4)
«مواهب الجليل» (1/ 219)، «المغني» (1/ 95)، «كشاف القناع» (1/ 106).
واستدلوا لذلك بما روى في الصحيحين عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ
…
وفيه: «فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»
(1)
.
وفي الصحيحين: قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ:
…
فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: «المُصَلَّى أَمَامَكَ»
(2)
.
وذهب الحنفية وقول عند الشافعية إلى أنه تكره الاستعانة بأحد في الوضوء
(3)
وأن من آداب الوضوء ألا يستعين المتوضئ على وضوئه بأحد
(4)
.
واستدلوا بما روى ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَا يَكِلُ طُهُورَهُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا، يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ»
(5)
.
وفي الباب حديث أبي الجنوب
(6)
، وحديث العباس بن عبد الرحمن المدني
(7)
.
ومن أدلتهم أن الصحابة بايعوا رسول الله على عدم سؤال الناس شيئًا
(8)
.
(1)
«البخاري» (182)، و «مسلم» (274).
(2)
«البخاري» (181) واللفظ له، و «مسلم» (1280).
(3)
«مراقي الفلاح» (ص 33)، «فتح القدير» (1/ 36)، «المجموع» (1/ 383).
(4)
«بدائع الصنائع» (1/ 23)، «تبيين الحقائق» (1/ 6، 7).
(5)
ضعيف: أخرجه ابن ماجه (362) وله علتان: الأولى: ضعف مطهر بن الهيثم، الثانية: علقمة ابن أبي حمزة: مجهول.
(6)
أخرجه أبو يعلى والحديث ضعيف جدًّا؛ لضعف أبي الجنوب والنضر بن منصور، كما في «التلخيص الحبير» (1/ 168).
(7)
ضعيف جدًّا: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 178) رقم (2045).
(8)
روى مسلم من حديث عَوْف بْن مَالِكٍ الْأَشْجَعِي، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ:«أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ:«عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.
والراجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من إباحة الاستعانة بصب الماء على المتوضئ. واستدلوا لذلك بما روى في الصحيحين عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ
…
وفيه: «فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ، فدل ذلك على إباحة الإستعانة بصب الماء على المتوضئ.
المبحث الخامس: حكم الكلام أثناء الوضوء:
يجوز الكلام أثناء الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أم هانئ وهو يغتسل وإذا كان يجوز الكلام أثناء الغسل مع ما فيه من تعري فالجواز في الوضوء من باب أَوْلى.
في الصحيحين عن أُمِّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ. قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ:«مَنْ هَذِهِ» ، فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
(1)
.
وذهب المالكية وفي المشهور من مذهب الحنابلة إلى أن يكره الكلام أثناء الوضوء
(2)
.
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:
أما السنة فعن عثمان أنه توضأ وفيه: وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، فَلَمَّا فَرَغَ كَلَّمَهُ مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّنِي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا
(1)
«البخاري» (357)، و «مسلم» (336).
(2)
قال القاضي عياض في شرح مسلم: إن العلماء كرهوا الكلام في الوضوء والغسل. «الإنصاف» (1/ 137).
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ»
(1)
. واعترض عليه بأنه ضعيف.
وروى أحمد عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذِ قَالَ: سَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ قَالَ:«لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ»
(2)
.
واعترض علاه من وجهين: الأول: أن المحفوظ أنه سلم عليه وهو يبول.
الثاني: لو صح فليس فيه دلالة لأن عدم الرد ليس من أجل أن يتوضأ ولكن من أجل أنه على غير طهارة.
أما دليلهم من المعقول: فمنع من الكلام أثناء الوضوء لئلا ينشغل عن الدعاء المأثور.
واعترض عليه بأن الدعاء المأثور الصحيح إنما هو بعد الوضوء ولا يصح أثناء الوضوء دعاء مأثور.
والراجح: أنه يجوز الكلام أثناء الوضوء؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم أم هانئ وهو يغتسل، مع أن الانشغال بإسباغ الوضوء أولى من الكلام.
(1)
ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (1/ 92)، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني: ضعيف جدًّا، وأبوه مجهول كما في «التلخيص الحبير» ، وصالح بن عبد الجبار مجهول الحال، قاله ابن القطان كما في «نصب الراية» (1/ 32).
(2)
ضعيف: مدار هذا الحديث على قتادة، واختلف عليه، فرواه شعبة كما عند الحاكم (592)، ومعاذ بن معاذ كما في «سنن النسائي» (37)، وهشام الدستوائي كما في سنن الدارمي (2641)، ثلاثتهم عن قتادة بلفظ:«أنه سلم على النبي وهو يبول، وأنه صلى الله عليه وسلم تيمم لرد السلام» ، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، واختلف على سعيد فرواه الجماعة عنه (روح بن عبادة، ويزيد بن زريع، ومحمد بن جعفر) وغيرهم عن سعيد عن قتادة بلفظ: «أنه سلم على النبي وهو يتوضأ» ، كما عند أحمد (5/ 80)، وابن ماجه (350)، ورواه أبو داود (17) عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن سعيد بلفظ وهو يبول، قلت: ورواية الجماعة (شعبة، ومعاذ، وهشام) بلفظ: «وهو يبول» أولى من الرواية بلفظ «وهو يتوضأ» فدل ذلك على أن المحفوظ أن المهاجر سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول.
الفصل الرابع نواقض الوضوء
وفيه خمسة مباحث
المبحث الأول: الخارج من السبيلين، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: خروج البول والغائط.
المطلب الثاني: خروج الريح.
المطلب الثالث: خروج المذي.
المطلب الرابع: خروج الودي.
المطلب الخامس: في الخارج النادر من السبيلين كالحصى والدود.
المبحث الثاني: خروج النجس من البدن من غير السبيلين، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: خروج البول والغائط من غير السبيلين.
المطلب الثاني: في خروج النجس غير البول والغائط من غير السبيلين.
المبحث الثالث: زوال العقل، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: زوال العقل بجنون أو إغماء.
المطلب الثاني: زوال العقل بنوم.
المبحث الرابع: نقض الوضوء بمس الذكَر، وفيه أربعة مطالب.
المبحث الخامس: أكل لحم الجزور هل ينتقض وضوءه؟
المبحث الأول الخارج من السبيلين
وفيه خمسة مطالب
•
المطلب الأول: خروج البول والغائط:
خروج البول والغائط حدث ينقض الوضوء بالكتاب والسنة والإجماع.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الخَارِجِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الوُضُوء
(1)
.
وقال ابن حزم: وَأَمَّا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. على أنه حدث ينقض الوضوء.
وقال ابن قدامة: الخَارِجِ مِنَ السَّبِيْلَيْنِ، وهو نوعان: معتاد فينقض بلا خلاف. لقول الله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}
(2)
.
وأما السنة فمستفيضة على أن البول والغائط حدث ناقض للوضوء.
•
المطلب الثاني: خروج الريح:
خروج الريح من الدبر حدث ناقض للوضوء.
قال ابن المنذر: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْغَائِطِ مِنَ الدُّبُرِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
(3)
.
(1)
«الأوسط» (1/ 113)، و «المحلى» (1/ 218).
(2)
«الكافي» (1/ 41)، وقد نقل الإجماع النووي كما في «المجموع» ، وأبو بكر كما في «الجوهرة النيرة» (1/ 7)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (1/ 240).
(3)
«الأوسط» (1/ 113).
وقال ابن حزم: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْفَسْوِ وَالضُّرَاطِ
(1)
.
وقال ابن قدامة: الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا
(2)
.
وروى البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ
(3)
.
•
المطلب الثالث: خروج المذي:
قال ابن المنذر: وَلَسْتُ أَعْلَمُ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ
(4)
.
عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَه فَقَالَ:«يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ»
(5)
.
قال ابن عبد البر: وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول غربة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته
(6)
.
وقال ابن قدامة: الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا
(7)
.
(1)
«المحلى» (1/ 218).
(2)
«المغني» (1/ 111).
(3)
«البخاري» (135)، ورواه مسلم (225) بدون زيادة: قال رجل من حضر موت.
(4)
«الأوسط» (1/ 346).
(5)
«البخاري» (269)، و «مسلم» (303) واللفظ له.
(6)
«الاستذكار» (1/ 199).
(7)
«المغني» (1/ 111).
•
المطلب الرابع: خروج الودي:
قال ابن المنذر: الْوَدْيُ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى أَثَرِ الْبَوْلِ
(1)
.
وقال ابن عابدين: الوَدْيُ مَاءٌ ثَخِينٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ
(2)
.
وقال ابن قدامة: الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا
(3)
.
وقال النووي: أَجْمَعَت الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْي
(4)
.
•
المطلب الخامس: في الخارج النادر من السبيلين كالحصى والدود:
نقل بعض أهل العلم الإجماع على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء من غير تفريق بين المعتاد كالبول والغائط وبين النادر كالحصى والدود.
قال أبو بكر الحنفي: الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ مُتَّفَقٌ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
(5)
.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الخارج حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
(6)
.
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة
(7)
إلى أن الخارج من السبيلين المعتاد وغير المعتاد ينقض الوضوء.
وذهب المالكية: إلى أنه إذا خرج من السبيلين وهو غير معتاد فإنه لا ينقض كالحصاة
(1)
«الأوسط» (1/ 135).
(2)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 165).
(3)
«المغني» (1/ 111).
(4)
«المجموع» (2/ 571).
(5)
«الجوهرة النيرة» (1/ 7).
(6)
«الأوسط» (1/ 113).
(7)
«بدائع الصنائع» (1/ 24)، و «مغني المحتاج» (1/ 32)، و «الفروع» (1/ 174).
والدودة
(1)
.
واستدلوا بأن الحصاة إذا خرجت ناشفة وغير متغيرة بنجاسة فهي طاهرة ولا تنقض الوضوء.
واعترض عليه بأن الريح طاهرة، وتنقض الوضوء بالإجماع.
واستدلوا بأنه لم يأت نص من قرآن ولا سنة يدل على نقض الوضوء إذا كان الخارج غير معتاد كالحصاة.
والأحوط في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور العلماءُ أي أن كل ما يخرج من السبيلين فإنه ناقض للوضوء؛ لأن الريح طاهرة وإذا خرجت من الدبر كانت حدثًا وإذا خرجت من الفم لم تكن ناقضة، وأما قول المالكية أن الخارج غير المعتاد لا ينقض الوضوء فيناقش بأن الودي نادر وغير معتاد وخروجه ينقض الوضوء بالإجماع، والله أعلم.
* * *
(1)
«الخرشي» (1/ 152)، و «مواهب الجليل» (1/ 291).
المبحث الثاني
خروج النجس من البدن من غير السبيلين
اختلف أهل العلم في خروج البول والغائط من غير السبيلين على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن خروج البول والغائط من غير السبيلين ينقض الوضوء مطلقًا
(1)
.
واستدلوا بأن العبرة بالخارج لا بالمخرج، ودل على ذلك عموم قوله تعالى:{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6]، فالغائط إذا خرج من أي مخرج فإنه ينقض الوضوء.
القول الثاني: فصَّلوا في المسألة: إذا كان المخرج المعتاد لم ينسد فلا ينقض الوضوء، وإذا كان المخرج المعتاد انسد وكان مخرج البول والغائط تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء، وإذا كان المخرج فوق المعدة فلا ينقض الوضوء. وهذا هو قول المالكية والمشهور عند الشافعية
(2)
.
واستدلوا بأن المخرج إذا كان فوق المعدة أشبه القيء والتجشؤ، وإذا كان تحت المعدة أشبه الغائط.
الحاصل: أنه إذا انسد المخرج وكان مخرج البول والغائط تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء على قول الجماهير، وأما إذا كان فوق المعدة فإذا خرج بول أو غائط فإنه ينقض أيضًا، لعموم قوله تعالى:{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6]، فالغائط إذا خرج من أي مخرج فإنه ينقض الوضوء؛ لأن العبرة بالخارج لا يالمخرج، والله أعلم.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 24)، و «كشاف القناع» (1/ 124).
(2)
«حاشية الدسوقي» (1/ 118)، و «المجموع» (2/ 8)، و «مغني المحتاج» (1/ 33).
المبحث الثالث زوال العقل
وفيه مطلبان
•
المطلب الأول: زوال العقل بجنون أو إغماء:
قال ابن المنذر: وَأَجْمَعُوا عَلَى إِيجَابِ الطَّهَارَةِ عَلَى مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ
(1)
.
وقال النووي: أَجْمَعَت الْأُمَّةُ عَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْجُنُونِ وَبِالْإِغْمَاء
(2)
.
•
المطلب الثاني: زوال العقل بنوم:
اختلف أهل العلم في نقض الوضوء بالنوم على خمسة أقوال:
القول الأول: أن النوم لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهو مذهب أبي موسى وابن عمر وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد والأعرج وشعبة
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة .... وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43].
فذكر في الآية نواقض الوضوء ولم يذكر النوم، فدل ذلك على النوم ليس بناقض.
واعترض عليه من وجوه:
الأول: أن الآية لم تحصر نواقض الوضوء بل ذكرت بعضها، والسنة بينت الباقي، وزوال العقل بإغماء أو جنون ناقض بالإجماع ولم تذكره الآية.
(1)
«الأوسط» (1/ 66).
(2)
«المجموع» (2/ 5).
(3)
«شرح مسلم» شرح حديث (376).
الثاني: أن الآية لها تأويلات، منها ما ذكره الشافعي قال: سمعت مَنْ أرضى علمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من النوم
(1)
.
قلت: والآية تدل على وجوب الوضوء لمن قام إلى الصلاة من غير طهر، أو تجديد الوضوء إذا كان متوضئًا.
واستدلوا بأن النوم ليس بحدث وأن الحدث ما خرج من القبل والدبر، ودل على ذلك عموم قول النبى صلى الله عليه وسلم:«لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» . ففي الحديث أن الوضوء مما خرج من القبل والدبر، والنوم ليس منها فليس بناقض.
واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستدلوا بما روى مسلم عن أَنَسٍ قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ»
(2)
.
(1)
«الأم» (1/ 12).
(2)
«مسلم» (376) مدار الحديث على قتادة عن أنس مرفوعًا، ويرويه عن قتادة جماعة.
فرواه شعبة عن قتادة، ويرويه عن شعبة جماعة، منهم خالد بن الحارث عند مسلم (376)، وأبو عامر العقدي عند أبي عوانة (1/ 266)، وشبابة عند أبي يعلى (3240)، وهاشم بن القاسم عند الطحاوي في (مشكل الآثار)(3448) أربعتهم عن شعبة عن قتادة عن أنس به. بهذا اللفظ.
ورواه يحيى بن سعيد عن شعبة، واختلف على يحيى؛ فرواه أحمد (3/ 277) بهذا اللفظ أيضًا.
ورواه محمد بن بشار عن يحيى، فزاد فيه زيادات شاذة.
ورواه عن ابن بشار تمتام، فزاد فيه «على عهد رسول الله» وهي شاذة؛ لأن الثقات لم يذكروها.
ورواه محمد بن عبد السلام الخشني عن ابن بشار به بلفظ «كان أصحاب رسول الله ينتظرون، فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة» أخرجه ابن حزم (المحلى)(1/ 213) وهذا شاذ من رواية شعبة والصحيح من رواية أحمد عن ابن بشار لإمامته ولموافقته للثقات.
وقد أورد الحافظ «في التلخيص الحبير» (1/ 21) أن الحديث رواه البزار في (مسنده) من طريق عبد الأعلى، عن شعبة به، بلفظ «كان أصحاب رسول الله ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة» .
قلت: وهذا المتن شاذ لمخالفة عبد الأعلى للثقات، مثل: خالد بن الحارث، وأبي عامر العقدي، وشبابة وغيرهم.
ويرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة واختلف على سعيد:
فرواه خالد بن الحارث عن سعيد عن قتادة عن أنس أو عن أناس من أصحاب النبي أنهم كانوا يضعون جنوبهم، فينامون منهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ» كما عند أبي يعلى في (المسند) (3199) ورواه أبو نعيم في (المستخرج) (829) عن بندار عن ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة بلفظ: كان أصحاب رسول الله ينامون، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤن. وهذا اللفظ موافق لرواية الجماعة فهو أرجح من لفظ خالد بن الحارث، وإن كان رواه البزار (282) عن ابن المثنى عن ابن أبي عدي بلفظ خالد بن الحارث.
ويرويه هشام عن قتادة. فرواه من هذا الوجه ابن أبي شيبة (1/ 123)، وأبو داود (200) وغيرهم به، بلفظ «كان أصحاب رسول الله يخفقون برؤوسهم، ينتظرون صلاة العشاء ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون»
فزاد هشام «يخفقون برؤوسهم» . ويرويه أبوهلال الراسبي عن قتادة. بلفظ: «كنا نأتي مسجد النبي ننتظر الصلاة، فمنا من ينعس وينام، ثم يصلي ولا يتوضأ» أخرجه الطحاوي (مشكل الآثار)(3444)، والدارقطني في (السنن) (1/ 130) وفي إسناده: أبو هلال الراسبي: لين الحديث.
ويرويه معمر عن قتادة عن أنس، قال: لقد رأيت أصحاب رسول الله يوقظون للصلاة، وإني لأسمع لبعضهم غطيطًا. أخرجه عبد الرزاق (483) ومعمر ضعيف في قتادة.
قال ابن معين: قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، لم أحفظ عنه الأسانيد.
وفي الصحيحين: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:«أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ»
(1)
.
واعترض عليه على وجهين:
الأول: بأن المراد بالنوم نوم الجالس الممكن مقعدته
(2)
.
والثاني: بأن المراد النوم الخفيف الذي يشعر معه بما يفعل، فإن أحدث شعر، ويعبر عنه
(1)
«البخاري» (642)، و «مسلم» (376).
(2)
حكاه ابن حجر عن ابن المبارك وابن مهدي والشافعي «التلخيص الحبير» (1/ 210).
بالسِّنة
(1)
، أي مقدمة النوم.
واستدلوا بما روى البخاري: عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِالعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ
(2)
. ولم يرد أنهم توضئوا قبل الصلاة.
واعترض عليه بأن عدم ذكر الوضوء لا ينافي أنهم توضئوا، وإذا لم يتوضئوا فإن المراد بالنوم هو النعاس الذي يستشعر معه ما حوله، وقد يكون ممكنًا مقعدته وهو جالس.
القول الثاني: أن النوم حدث ناقض للوضوء مطلقًا
(3)
.
واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ»
(4)
.
واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى أحمد عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ
(5)
.
(1)
قال القرطبي في المفهم: وهذا النوم في هذه الأحاديث هو الخفيف المعبر عنه بالسنة التي ذكرها الله تعالى، في قوله تعالى:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255].
(2)
«البخاري» (569)، و «مسلم» (638).
(3)
حُكى هذا القول عن أبي هريرة وأبي رافع وعروة بن الزبير وعطاء والحسن البصري وابن المسيب والزهري والمزني وابن حزم كما في «المجموع» (2/ 13).
(4)
ضعيف: أخرجه أبو داود (203)، وأحمد (1/ 111) ولهذا الحديث علل:
الاولى: الانقطاع فعبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من علي، «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 47).
الثانية: الوضين بن عطاء سيئ الحفظ.
الثالثة: بقية مدلس ولم يصرح بالتحديث إلى نهاية السند.
وله شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الْعَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ» ، أخرجه الدارمي (722) وغيره، وفي إسناده أبو بكر ابن أبي مريم، ضعيف، وقد كان قد سُرق بيته فاختلط.
(5)
إسناده حسن: أخرجه أحمد (4/ 239)، والنسائي (1/ 83)، والترمذي (96)، وغيرهم عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال به.
وجه الدلالة: أنه قرن في الحديث بين البول والغائط والنوم، فكما أن البول ينقض الوضوء فكذا النوم، ولم يفرق بين قليل النوم وكثيره والمضجع والقاعد.
واعترض عليه بأن المراد النوم الثقيل الذي يزول معه العقل.
واستدلوا بالقياس، فكما أن من زال عقله بجنون أو إغماء عليه الوضوء بالإجماع، فكذا من زال عقله بنوم.
واعترض عليه بأن النوم الخفيف الذي يشعر معه بما حوله لا يصح قياسه على المجنون لأنه لا يزال عقله، أما النوم الثقيل الذي يزال معه العقل فيصح قياسه.
القول الثالث: ذهب أبو حنيفة إلى أن من نام مستلقيًا أو مضجعًا انتقض وضوءه
(1)
.
واستدلوا بما روى أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ سَاجِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ»
(2)
.
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَا وَضُوءَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَضَعَ جَنْبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ»
(3)
.
وعَن حُذَيْفَة بن اليمان قَالَ: كنت في مسجد المدينة جالسًا أخفق حتى احتضنني رجل من خَلْفي فَالْتَفت فَإِذا أنا بالنَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقلت: يا رسول الله، هَلْ وَجب عَليّ الْوضُوء؟ قَالَ: «لَا،
(1)
«شرح فتح القدير» (1/ 48، 49)، و «حاشية ابن عابدين» (1/ 142).
(2)
ضعيف: أخرجه أحمد (1/ 256)، وغيره، وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمن الدالاني: ضعيف، وقد خالف من هو أوثق منه. وقد رواه أبو داود (202)، وغيره بلفظ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْتَ. فَقَالَ: «إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» ، قال أبو داود: قوله: «إنما الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد بن خالد الدالاني عن قتادة. وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا. وذكر أبو داود علة أخرى في السند وهي أن قتادة لم يسمع هذا الحديث من أبي العالية.
(3)
منكر: أخرجه الطبراني «الأوسط» (6060)، وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر: منكر الحديث، قاله البخاري. ورواه ابن عدي في «الكامل» (6/ 468)، من طريق آخر عن عمرو به وفي إسناده مهدي بن هلال، كذاب.
حَتَّى تضع جَنْبك»
(1)
.
وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ ثم قال: «الوُضُوءُ عَلَى مَنْ اضْطجَعَ»
(2)
.
أما دليلهم من المأثور: وعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَا يَتَوَضَّأُ، وَإِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا أَعَادَ الْوُضُوءَ
(3)
.
وعن أَبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْتَبِي النَّائِمِ وَلَا عَلَى الْقَائِمِ النَّائِمِ وَلَا عَلَى السَّاجِدِ النَّائِمِ وُضُوءٌ، حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِذَا اضْطَجَعَ تَوَضَّأَ
(4)
.
القول الرابع: من نام ممكنًا مقعده من الأرض لم ينتقض وضوءه، وهو المشهور عن الشافعية
(5)
، واستدلوا بحديث أَنَسٍ، قَالَ:«كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ»
(6)
.
وجه الدلالة: (حتى تخفق رؤوسهم) وهذا يدل على أنهم كانوا ينامون وهم قعود.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: قال عمر: «نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ» . أي وهم ينتظرون صلاة العشاء بكونهم جلوسًا، فدل ذلك على أن نوم الجالس لا ينقض وضوءه.
القول الخامس: النوم الثقيل ناقض للوضوء دون الخفيف، وهو قول المالكية
(7)
.
(1)
منكر: أخرجه البيهقي (1/ 20)، وفي إسناده بحر بن السقاء: متروك الحديث.
(2)
موضوع: أخرجه الطبراني «الكبير» (7948)، وفي إسناده جعفر بن الزبير، كذاب.
(3)
إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (485).
(4)
أخرجه البيهقي «الكبرى» (1/ 122)، وفي إسناده أبو صخر حميد الخراط مختلف فيه، وقد يحسن حديثه، وفي الباب عن عمر بن الخطاب قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ. أخرجه مالك «الموطأ» (1/ 21)، وهو ضعيف لانقطاعه فزيد بن أسلم لم يسمع من عمر. وفي الباب عن جابر موقوفًا ولا يصح.
(5)
«المهذب» (1/ 23)، و «روضة الطالبين» (1/ 74)، وذهب الحنابلة إلى أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء من قاعد أو قائم. انظر «المبدع» (1/ 159)، و «الإنصاف» (1/ 199).
(6)
واللفظ الصحيح عن أنس «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» وقد سبق تخريجه.
(7)
«التمهيد» (18/ 241)، و «حاشية الدسوقي» (1/ 119)، و «مواهب الجليل» (1/ 294، 295).
واستدلوا بحديث أَنَسٍ، أَوْ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ فَيَنَامُونَ، مِنْهُمْ مَنْ يَتَوَضَّأُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ» .
واستدلوا بحديث: «وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة برأسه»
(1)
. فدل ذلك على أن النوم الثقيل يوجب الوضوء والنوم الخفيف لا يوجبه، وهذا القول يجمع بين الأدلة.
والراجح: أنه إذا زال العقل بنوم وأن المرء إذا أحدث في تلك الحالة لا يعلم، فهذا النوم الذي ينقض الوضوء، أما أول النوم وهو النعاس - وصفته أن المرء إذا كُلم فيه سمع وإن حُدث علم - فهذا لا ينقض الوضوء، وهذا القول يجمع بين الأدلة.
قال ابن حبان: الرُّقَادُ لَهُ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، فَبِدَايَتُهُ النُّعَاسُ الَّذِي هُوَ أَوَائِلُ النَّوْمِ، وَصِفَتُهُ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا كُلِّمَ فِيهِ يَسْمَعُ، وَإِنْ أَحْدَثَ عَلِمَ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَمَايَلُ تَمَايُلًا، وَنِهَايَتُهُ زَوَالُ الْعَقْلِ، وَصِفَتُهُ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَحْدَثَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ تَكَلَّمَ لَمْ يَفْهَمْ. فَالنُّعَاسُ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى أَحَدٍ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ النَّاعِسُ، وَالنَّوْمُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ وُجِدَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ النَّائِمُ، عَلَى أَنَّ اسْمَ النَّوْمِ قَدْ يَقَعُ عَلَى النُّعَاسِ، وَالنُّعَاسُ عَلَى النَّوْمِ، وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالله فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255]
(2)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَكَانَ يَقْظَانَ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَشَعَرَ بِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ حَدَثًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ
(3)
.
* * *
(1)
أخرجه أبو يعلى (3199) وهذا اللفظ ضعيف، وقد سبق.
(2)
صحيح ابن حبان (3/ 383).
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 229).
المبحث الرابع نقض الوضوء بمس الذكر
وفيه ثلاثة مطالب
•
المطلب الأول: مس الرجل:
اختلف أهل العلم في مس الذكر هل ينقض الوضوء؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن مس الرجل ذكره ينقض الوضوء وهو قول بعض المالكية
(1)
ومذهب الشافعية
(2)
والحنابلة
(3)
ولكن الشافعية يقيدون المس بباطن الكف والحنابلة يقيدون النقض بمسه بالكف.
واستدلوا بحديث عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ. فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ هَذَا. فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»
(4)
.
(1)
وهو قول أصبغ من المالكية، انظر «حاشية الدسوقي» (1/ 121).
(2)
«الأم» (1/ 19، 20)، و «المجموع» (2/ 38)، و «روضة الطالبين» (1/ 75).
(3)
«كشاف القناع» (1/ 126)، و «المبدع» (1/ 160)، و «الإنصاف» (1/ 202).
(4)
أخرجه مالك «الموطأ» (1/ 42)، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه سمع عروة به.
وقد تابع مالكًا ابن علية كما في «المسند» (6/ 406)، وشعبة كما في «مسند الطيالسي» (1657)، وسفيان بن عيينة في الراجح عنه كما في «مسند أحمد» (6/ 406)، وغيرهم
قال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان فقد احتجا بجميع رواته، واحتج البخاري بمروان بن الحكم في عدة أحاديث، فهو على شرط البخاري بكل حال.
وفي إسناده مروان بن الحكم، قال الذهبي: له أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، رمى طلحة بسهم وفَعَل وفَعَل «الميزان» (4/ 98). وقال الحافظ: لا تثبت له صحبة، قال عروة بن الزبير: مروان لا يتهم في الحديث .. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وصحح هذا الحديث يحيى بن معين في «التلخيص الحبير» (1/ 215) وفي «سؤالات مضر بن محمد» : قلت ليحيى بن معين: أي شيء يصح في مس الذكر؟ قال: حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن مروان عن بسرة، فإنه يقول فيه:(سمعت) ولولا هذا لقلت: لا يصح فيه شيء. قال ابن حجر: فأثبت صحته لهذا الطريق خاصة، وصححه ابن عبد البر من حديث مالك، وتابع مالكًا الزهري، وقد اختلف عليه ألوانًا:
فرواه (شعيب، والليث، وعقيل) كلهم عن الزهري به، كما في «مسند أحمد» (6/ 407)، والطحاوي (1/ 72)، والبيهقي (1/ 132)، وهذا الطريق هو أصح الطرق عن الزهري لموافقته رواية مالك وسفيان وشعبة وابن علية وغيرهم.
فرواه شعبة عن معمر عن الزهري عن عروة عن بسرة به بدون ذكر مروان، كما أخرجه النسائي (445). وهذه الرواية خطأ لأمرين:
الأول: شعبة بصري، قال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة ففيه أغاليط.
الثاني: ورواه عبد الرزاق «المصنف» (411) عن معمر عن الزهري عن عروة عن مروان عن بسرة، وعبد الرزاق أثبت في معمر من شعبة. ورواه ابن جريج عن الزهري عن عبد الله عن عروة عن بسرة عن زيد بن خالد الجهني، فجعل الحديث من مسند زيد كما أخرجه عبد الرزاق (412). ولهذا الطريق علتان:
الأولى: أن ابن جريج ليس بشيء في الزهري، قاله ابن معين.
والثانية: ما قاله أبو حاتم: أخشى أن يكون ابن جريج أخذ هذا الحديث من إبراهيم بن أبي يحيى. ورواه إبراهيم بن إسماعيل عن عمرو بن شريح عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مس فرجه فليتوضأ» ، كما في «شرح معاني الآثار» (1/ 74)، وفي إسناده إبراهيم: ضعيف.
ورواه بشر بن أبي بكر عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي بكر بن محمد عن عروة عن بسرة بإسقاط مروان، أخرجه الطحاوي (1/ 72). وقال مسلمة بن صلة: بشر بن بكر روى عن الأوزاعي أشياء انفرد بها، فهذه رواية شاذة لمخالفة الثقات.
وطريق هشام بن عروة عن أبيه وقد اختلف عليه ألوانًا:
فرواه (أبو أسامة وسفيان الثوري وعبد الله بن إدريس، وغيرهم) كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة، كما عند الترمذي (83)، وابن ماجه (479)، وابن حبان «الموارد» (213) وغيرهم، وهذا أصح الطرق، وقد وردت طرق أخرى بإسقاط مروان كما عند أحمد (6/ 406)، وورد عن عروة عن أبيه عن مروان، ثم إن عروة سأل بسرة فصدقت ما قال مروان، كما عند الدارقطني (1/ 146).
وورد عن هشام بن عروة عن أبي بكر عن عروة بذكر واسطة أبي بكر بن هشام وأبيه كما عند الطحاوي =
وعَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، لَيْسَ دونها حِجَابٌ، فقد وجب عليه الوضوء»
(1)
.
القول الثاني: ذهب الحنفية وبعض المالكية إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء
(2)
.
واستدلوا بما رُويَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ هِيَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ أَوْ مُضْغَةٌ»
(3)
.
القول الثالث: إنْ مَسَّ الذكر بشهوة أعاد الوضوء، وإن مسه بغير شهوة لم ينقض، وهو قول جماعة من البغداديين من أصحاب مالك
(4)
.
= «شرح معاني الآثار» (1/ 73). وله طرق أخرى عن هشام، والصحيح من هذه الطرق: هشام عن أبيه عن مروان عن بسرة لموافقته لرواية الجماعة، قال الشيخ مصطفى العدوي: الذي أذهب إليه في هذا الحديث أنه ضعيف لجهالة الواسطة بين مروان وبسرة، وما ذُكر من كون عُروة يسأل بسرة فصدقته معلول، والله أعلم.
(1)
ضعيف: أخرجه الشافعي «الأم» (34)، وأحمد (2/ 333)، وغيرهما من طرق عن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، وفي إسناده يزيد بن عبد الملك، ضعيف، ولكنه تابعه نافع بن عبد الرحمن أبو نعيم القاري، كما عند الطبراني «المعجم الصغير» (1/ 42)، ونافع بن عبد الرحمن وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وقال أحمد: كان يؤخذ عنه القرآن، ليس في الحديث بشيء. وقال: منكر الحديث. وقال الحافظ: صدوق ثبت بالقراءة، ولكن المحفوظ أنه حديث يزيد بن عبد الملك، وذِكر نافع قد يكون غير محفوظ، والله أعلم.
(2)
«تبيين الحقائق» (1/ 12)، و «مواهب الجليل» (1/ 299).
(3)
ضعيف: أخرجه أحمد (4/ 23)، وأبو داود (128، 183)، والترمذي (85)، والنسائي (165) وغيرهم، من طرق عن قيس بن طلق عن أبيه، ومدار الحديث على قيس بن طلق وإن كان وثقه ابن معين في رواية فقد ضعفه في أخرى، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: قيس ابن طلق ليس ممن تقوم به حجة. انظر «سنن الدارقطني» (1/ 139)، والبيهقي (1/ 135)، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أحمد: غيره أثبت منه. وقال النسائي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه، بما يكون لنا قبول خبره. انظر «تهذيب التهذيب» (8/ 356).
(4)
«الخرشي» (1/ 156)، و «مواهب الجليل» (1/ 299)، و «الاستذكار» (3/ 25).
هؤلاء جمعوا بين حديث (من مس ذكره - أي بشهوة - فليتوضأ).
وحديث (إنما هو بضعة منك) أي كان بغير شهوة.
واعترض على حديث (إنما هو بضعة منك) بأنه لا يصح عن رسول الله.
الراجح: هو ما ذهب إليه جمهورالعلماء إلى أن من مس ذكره بدون حائل انتقض وضوءه لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ، وأن المرأة إذا مست فرجها، فيجب عليها أن تتوضأ.
وسئلت اللجنة الدائمة رقم (6320) عن حكم من مس ذكره أثناء التنشيف بعد اغتساله، فأجابت: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: ينتقض وضوءه إذا مسه بدون حائل لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ» وبالله التوفيق.
•
المطلب الثاني: مس المرأة ذكر الرجل أو فرج الصغير:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المرأة إذا مست ذكر الرجل فإنه يجب عليها الوضوء.
واستدلوا بلفظ فى حديث بُسْرَة بِنْت صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم «يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ»
(1)
.
واعترض عليه: بأن هذا اللفظ شاذ. والرواية الصحيحة: «إذا مَسَّ أحدكم ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» .
واستدلوا بالقياس، فَإِذَا انْتَقَضَ بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ فَبِمَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ أَوْلَى.
واعترض عليه بأن العلة في النقض من مس الذكر تعبدية وليست معقولة المعنى.
(1)
شاذ: رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن بسرة به، واختلف على معمر فرُوي بألفاظ أخرى وقد روى الحديث مالك وسفيان بن عيينة وابن علية وغيرهم، عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة بلفظ:«مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ، وقد سبق تخريج هذا الحديث، ولا شك أن هذا هو اللفظ الصحيح، ولفظ أن الرسول يأمر بالوضوء من مس الفرج شاذ.
وذهب الحنفية إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا.
والمالكية فرقوا، يقولوا إنْ مسه بشهوة وإلا فلا.
والراجح: أن من مس ذكر غيره لا ينتقض وضوءه وخاصة مس المرأة فرج طفلها لأنه لم يأت نص بذلك. قال ابن عبد البر: الوُضُوءُ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ فَرْجَهُ قَاصِدًا مُفْضِيًا، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُوجِبُ الظَّاهِرَ والأصل أن الوضوء المجتمع عَلَيْهِ لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ غَيْرِ مُحْتَمِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ
(1)
.
•
المطلب الثالث: مس الأنثيين والأليتين والرفغين:
ذهب الأئمة الأربعة إلى أن مَنْ مَسَّ أنثييه أو أليتيه أو رفغيه لا ينتقض وضوءه.
وذهب عروة بن الزبير إلى أنه يجب عليه الوضوء، ودل على ذلك حديث بُسْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:«مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رَفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ»
(2)
.
واعترض عليه بأن ذِكر الأنثيين والرفغين مدرج من كلام عروة.
والراجح: أن مَنْ مَسَّ أنثييه أو رفغيه لا ينتقض وضوءه، والله أعلم.
(1)
«فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر» (3/ 342) وعلى ذلك، فإن مس فرج الميت في الغسل لا ينقض الوضوء، ولا ينتقض وضوء الملموس لأن الأحاديث جاءت في اللامس، ولا يجب الوضوء على مس فرج البهيمة؛ لأن الوضوء يجب بمس المرء فرجه لا فرج غيره، من مس حلقة الدبر لا ينتقض وضوءه، واستدلوا بأن النص الوارد «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» فدل على أن مس الدبر لا ينقض الوضوء.
(2)
ذكر الأنثيين والرفغين مدرج. أخرجه الدارقطني (1/ 148) وقال: كذا رواه عبد الحميد بن جعفر، عن هشام ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب وحماد بن زيد وغيرهما، قال النووي «المجموع» (2/ 44): هذا حديث باطل موضوع، وإنما هو من كلام عروة. وأخرجه الدارقطني (1/ 148) من طريق أيوب عن هشام عن عروة عن بسرة مرفوعًا:«مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وكان عروة يقول: «إذا مَسَّ رَفْغَيْهِ أَوْ أُنْثَيَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» »، فتبين أن هذا مدرج من قول عروة.
المبحث الخامس من أكل لحم الجزور هل ينتقض وضوءه؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعي في القديم وأحمد إلى أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه
(1)
.
واستدلوا بما روى مسلم: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا»
(2)
.
وروى أحمد عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا» وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ فَقَالَ: «لَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا» ، وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَقَالَ:«لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ» وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَالَ:«صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ»
(3)
.
(1)
«المجموع» (2/ 66)، و «الفروع» (1/ 183)، و «الإنصاف» (1/ 216)، و «صحيح ابن خزيمة» (1/ 21)، وابن حبان (3/ 432)، و «سنن الترمذي» (1/ 120).
(2)
«مسلم» (360). وفي إسناده: جعفر بن أبي ثور، قال فيه الحافظ: مقبول. قلت: أي لين الحديث، وقد انفرد، فقد صحح حديثه الإمام أحمد، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: حديث البراء وحديث جابر بن سمرة جميعًا صحيح إن شاء الله تعالى، «مسائل أحمد رواية عبد الله» (1/ 65)، وقد صححه إسحاق كما نقله عنه البيهقي «السنن» (1/ 159)، قال ابن خزيمة: لم نر خلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضًا صحيح من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه.
(3)
إسناده صحيح: مدار الحديث على عبد الرحمن بن أبي ليلى واختلف عليه:
1 -
فرواه الأعمش عن عبد الله الرازي، عن ا بن أبي ليلى عن البراء به، أخرجه أحمد (4/ 303)
2 -
ورواه حجاج بن أرطأة عن عبد الله عن عبد الرحمن عن أبيه عن أسيد بن حضير، عند أحمد (4/ 352)
3 -
ورواه عبيدة الضبي عن عبد الله عن عبد الرحمن عن ذي الغرة الجهني، رواه عبد الله ابن أحمد «زوائد المسند» (5/ 112).
4 -
ورواه جابر الجعفي عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سليك الغطفاني.
وقد رجح أحمد وإسحاق وأبو حاتم وغيرهم أن الصحيح رواية الأعمش عن عبد الله عن عبد الرحمن عن البراء. قال البيهقي «السنن» (1/ 359): بلغني عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنهما قالا: قَدْ صَحَّ فِي هَذَا البَابِ حَدِيْثَانِ عَنِ النَّبِي، حَدِيْث البَرَاءِ، وحَدِيْث جَابِر بِنْ سمرة. وقال الترمذي «العلل الكبير» (1/ 152): الصحيح ما رواه الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن النبي، والأعمش أحفظ. كما رجح ذلك ابن خزيمة والبيهقي وغيرهم، انظر «صحيح ابن خزيمة» (1/ 22)، و «السنن الكبرى للبيهقي» (1/ 159).
القول الآخر: أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور
(1)
.
واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:«كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ»
(2)
.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 32)، و «المنتقى للباجي» (1/ 65)، و «المجموع» (2/ 66).
(2)
ضعيف: أخرجه أبو داود (392)، ومدار هذا الحديث على محمد بن المنكدر عن جابر، ولهذا الحديث علتان:
الأولى: في السند، أن محمد بن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل كما في المعرفة للبيهقي (1/ 395)، وقد روى أحمد (3/ 307)، ثنا سفيان: سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرًا، وظننته سمعه من ابن عقيل، وقد ذكر البيهقي أن ابن المنكدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله. وهذا وهم، فقد قال البخاري (التاريخ الصغير»: قال بعضهم عن ابن المنكدر: سمعت جابرًا ولا يصح.
الثانية: في المتن، فإذا كان مدار الحديث على محمد بن المنكدر عن جابر به فقد اختلف على ابن المنكدر: فرواه شعيب بن حمزة عن محمد بن المنكدر بهذا اللفظ. ورواه ابن عيينة وأيوب ومعمر وروح وغيرهم، عن ابن المنكدر عن جابر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نَزَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَرَّبَت لَهُ لحَمًا، فَأَكَلَ ثُمَّ حَانَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَتَوضَّأَ، وَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَقَرَّبَت لَهُ فَضْلُ طَعَامِهِ فَأَكَلَ فَحَانَت صَلَاةُ العَصْرِ، فَصَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ. كما أخرجه أحمد (3/ 307)، وابن ماجه (489)،، قال ابن أبي حاتم «العلل» (1/ 64): سمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه.
روى ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:«الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ»
(1)
.
وعَنْ يَحْيَى قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، فَقَالَ:«الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يُخْرِجُهُ إِلَّا خَبِيثًا»
(2)
.
الراجح: أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه؛ لما روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» .
وعن البراء قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا» .
أما من قالوا: إن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء فاستدلوا بحديث جابر ابن عبد الله: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.
فاعترض عليه من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله.
الثاني: أن حديث ترك الوضوء مما مست النار حديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، وإذا تعارض العام والخاص قُدم الخاص على العام، ثم إنه لو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل كون النار قد مستها، لم يختلف الحكم في لحم الغنم؛ لأن النار أيضًا قد مستها.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 52) رقم (535)، وروى عبد الرزاق «المصنف» (653) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا النَّارُ بَرَكَةُ الله، وَمَا تُحِلُّ مِنْ شَيْءٍ وَلَا تُحَرِّمُهُ وَلَا وُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَا وُضُوءَ مِمَّا دَخَلَ، إِنَّمَا الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ مِنَ الْإِنْسَانِ. وإسناده صحيح.
(2)
رجاله ثقات: أخرجه ابن الجعد «مسنده» (447)، و يحيى هو ابن وثاب قد ورد عن علي ابن أبي طالب وابن مسعود أن الوضوء مما خرج. ولا يصح عنهما، والله أعلم.
•
المبحث السادس: شرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء:
اختلف أهل العلم فيمن شرب لبن إبل هل يتوضأ منه؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الوضوء.
وعن أحمد في رواية أنه يتوضأ من لبن الإبل
(1)
.
واستدلوا بحديث ابن عمر يقول: سمعت رسول الله يقول: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ، وَصَلُّوا فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ»
(2)
.
والراجح: أن شرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يصح حديث في الوضوء من ألبان الإبل، وإنما الصحيح الوضوء من أكل لحم الإبل، والله أعلم.
* * *
(1)
«المغني» (1/ 122)، و «الإنصاف» (1/ 218).
(2)
ضعيف: مدار الحديث على عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر، واختلف عليه في الوقف والرفع: فرواه بقية عن خالد بن يزيد عن عطاء بن السائب عن محارب عن ابن عمر مرفوعًا، أخرجه ابن ماجه (497). ولهذا الحديث علل:
الأولى: عطاء بن السائب: تغير بآخره.
الثانية: وخالد بن يزيد: غير مشهور.
الثالثة: ورواه ابن إسحاق عن عطاء عن محارب عن ابن عمر موقوفًا.
ذكره ابن أبي حاتم «العلل» (48) وقال: حديث ابن إسحاق أشبه موقوفًا، وقال ابن عبد الهادي «التنقيح» (1/ 176): وقد رُويَ هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر وهو أشبه.
وفي الباب حديث أسيد، وابن عمرو، وسمرة في الوضوء من ألبان الإبل، ولا يصح حديث.
الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء
وفيه ستة مباحث
المبحث الأول: مس بدن المرأة.
المبحث الثاني: خروج الدم والقيء و الرعاف.
المبحث الثالث: القهقهة.
المبحث الرابع: تغسيل الميت.
المبحث الخامس: أكل ما مست النار إلا لحم الجزور.
المبحث السادس: الردة.
الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء
المبحث الأول: مس بدن المرأة:
اختلف أهل العلم في حكم مس بدن المرأة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا ينقض الوضوء من مس بدن المرأة، وبه قال الحنفية
(1)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ورِجلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فِإِذَا سَجَدَ غَمَزَني فقَبضتُّ رِجلِي، فِإِذَا قَامَ بَسطتُّها
(2)
.
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»
(3)
. فعائشة رضي الله عنهما تمس قدم النبي وهو يصلي، ولو كان لمس المرأة ينقض الوضوء لخرج صلى الله عليه وسلم من الصلاة، ولو كان مس المرأة ناقضًا للوضوء لما مس الرسول الله عائشة وهو في الصلاة مما يدل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء.
وعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عُرْوَةُ: قُلْتُ لَهَا: مَنْ هِيَ إِلاَّ أَنْتِ؟ قَالَ: فَضَحِكَتْ
(4)
.
(1)
«البحر الرائق» (1/ 47)، و «المبسوط» (1/ 68).
(2)
البخاري (382) ومسلم (512).
(3)
مسلم (486).
(4)
ضعيف: أخرجه أحمد (المسند)(6/ 210)، وأبو داود (179)، والترمذي (86) وابن ماجه (502) وغيرهم من طرق عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة به. وفي الحديث علل: العلة الأولى: صرح أبو داود أن حبيبًا لا يروي إلا عن عروة المزني، وعلى كل فعروة المزني مجهول، وحبيب لم يسمع من عروة بن الزبير قاله أحمد وابن معين والبخاري وأبو حاتم وابن القطان، وسفيان وغيرهم كما في المراسيل (ص/ 28)، والسنن للترمذي (1/ 135)، وتهذيب الكمال (5/ 362).
العلة الثانية: حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث.
العلة الثالثة: أن الثابت عن عروة عن عائشة في القبلة للصائم، وليس في الوضوء من القبلة.
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يُحَدِّثُ وُضُوءًا
(1)
.
القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقًا
(2)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} . واللمس هو ملاقاة البشرتين، دل على ذلك قوله تعالى:{فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7]، ولذا نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ فِي البَيْع، وَالمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِك
(3)
. فكذا لمس المرأة باليد أو غيرها ينقض الوضوء.
واعترض على هذا الاستدلال بأن السياق هو الذي يحكم المعنى، فإذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمس عائشة وهو يصلي وهذا غير ناقض للوضوء، دل ذلك على أن المراد بقوله:
{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] أنه الجماع.
واستدلوا بأن ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ، وَمِنَ اللَّمْسِ بِيَدِهِ، وَمِنَ
(1)
ضعيف: أخرجه الطبري في تفسيره (5/ 106) من طريق يزيد بن سنان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به. ولهذا الحديث علتان:
الأولى: ضعف يزيد بن سنان.
والثانية: مخالفة يزيد للثقات فقد روى الثقات عن عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يُقَبِّلُها وَهُوَ صَائِمٌ وفي الباب ما رواه الطبراني (الأوسط)(7227) عن أبي مسعود الأنصاري أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهَا، فَتَنَاوَلَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَمْ يَنْهَهُ. وفي إسناده: ليث ضعيف.
(2)
المجموع (2/ 29)، ومغني المحتاج (1/ 34).
(3)
البخاري (2144)، ومسلم (1512).
الْقُبْلَةِ إِذَا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ» وَكَانَ يَقُولُ: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} قَالَ: «هُوَ الْغَمْزُ»
(1)
.
وعن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ- مِنَ الْمُلَامَسَةِ، فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ
(2)
.
واعترض بأن قول ابن مسعود لا يصح عنه، وقول ابن عمر معارض بقول ابن عباس في تفسير قوله:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} . قال: هو الجماع
(3)
. وهذا موافق لفعل الرسول، فالرسول مس عائشة وهو يصلي، وكذا مست عائشة الرسول وهو يصلي ولم يتوضأ، فدل ذلك على أن المراد باللمس فى الآية الجماع. وورد اللمس في القرآن وأريد به الجماع، قال تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236] وقال: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 237]. وقال: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} .
ولو عقد رجل على امرأة ثم مسها بِيده بِحضرة جماعة ولم يخل بِها، فطلقها - فلها نصف الصداق، فدل ذلك على المراد بالمس فى هذه الآيات الجماع.
قال ابن المنذر: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ رَجُلاً لَو تَزَوّجَ امْرَأَةً ثُمَّ مَسَّهَا بِيَدِه أَوْ قَبَّلَهَا بِحَضرَةِ جَمَاعَة وَلَمْ يَخلُ بِهَا، فَطَلَّقَها - أَنَّ لَهَا نِصْف الصِّدَاق
…
القول الثالث: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء وبغيرشهوة لا ينقض، وهو قول المالكية والحنابلة
(4)
.
واستدل بما قال ابن المنذر: وَمَا زَالَ النَّاسُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يَتَعَارَفُونَ أَنْ يُعَانِقَ الرَّجُلُ أُمَّهُ وَجَدَّتَهُ وَيُقَبِّلَ ابْنَتَهُ فِي حَالِ الصِّغَرِ قُبْلَةَ الرَّحْمَةِ، وَلَايَرَوْنَ ذَلِكَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُوجِبُ
(1)
ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (499)، والأوسط (1/ 118)، والطبراني (الكبير)(9/ 285) وهو منقطع، وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود ..
(2)
إسناده صحيح: أخرجه مالك (الموطأ)(1/ 43).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(1/ 153).
(4)
المدونة (1/ 13)، المحرر (1/ 13)، الإنصاف (1/ 211).
وُضُوءًا عِنْدَهُمْ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَدَثًا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَيُوجِبُ الْوُضُوءَ لَتَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ
(1)
.
والراجح: القول بأن لمس بدن المرأة بشهوة أو بغير شهوة لا ينقض الوضوء.
قال ابن تيمية: وَأَمَّا وُجُوبُ الْوُضُوءِ مِنْ مُجَرَّدِ مَسِّ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا رَوَى أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْ ذَلِكَ؛ مَعَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ غَالِبٌ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يُنَاوِلُ امْرَأَتَهُ شَيْئًا وَتَأْخُذُهُ بِيَدِهَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ ابْتِلَاءُ النَّاسِ بِهِ، فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَكَانَ النَّبِيُّ يَأْمُرُ بِذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَيَشِيعُ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَوْ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ - مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ - عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ.
المبحث الثاني: خروج الدم والقيء والرعاف:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية والشافعية إلى أن القيء والرعاف وما يخرج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء
(2)
.
واستدلوا بما روى أحمد: عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ، أَوْ رِيحٍ»
(3)
.
(1)
الأوسط (1/ 131): وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قَبَّل أمه.
(2)
حاشية الدسوقي (1/ 118) مواهب الجليل (1/ 1293)، المجموع (2/ 8).
(3)
ضعيف: مدار هذا الحديث على سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وقد اختلف في متنه: فرواه شعبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه أحمد (2/ 471) وغيره، وتابع شعبة سعيد بن أبي عروبة كما عند أبي عبيد (الطهور) (404) وخالفهما في متن هذا الحديث: جرير بن عبد الحميد كما عند مسلم (362)، وحماد بن سلمة كما عند أحمد (2/ 414)، وخالد بن عبد الله الواسطي كما عند ابن خزيمة (28)، وعبد العزيز الدراوردي كما عند الترمذي (75)، أربعتهم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ:«إِذَا أوجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ، فهذا هو اللفظ الصحيح، وأما لفظ:«لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» فهو وهم. قال أبو حاتم: هذا وهم، اختصر شعبة متن هذا الحديث فقال:«لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» ورواه أصحاب سهيل عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا كَانَ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ فَوَجَدَ رِيْحًا فِي نَفسِهِ فَلَا يَخْرُجَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وكذا رجح ابن خزيمة هذه الرواية (1/ 18، 19)، مما يؤيد ذلك ما أخرجه أحمد (2/ 330) من طريق الضحاك ابن عثمان عن أبي هريرة وفيه:«فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وإسناده صحيح.
واعترض عليه بأن المحفوظ من الحديث فيمن شك في الحدث وهو في الصلاة. فقال الرسول: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحً» .
وعن أنس بن مالك، قال: احْتَجَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ مَحَاجِمِهِ
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.
وعن ثوبان: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَأَصَابَهُ غَمٌّ آذَاهُ فَتَقَيَّأَ فَقَاءَ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَفْطَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرِيضَةٌ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَيْءِ؟ قَالَ: «لَوْ كَانَ فَرِيضَةً لَوَجَدْتَهَ فِي الْقُرْآنِ» وَقَالَ: ثُمَّ صَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْغَدَ فَسَمِعْتُهُ، يَقُولُ:«هَذَا مَكَانُ إِفْطَارِي أَمْسِ»
(2)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح.
وأما دليلهم من المأثور: فعن بكر بن عبد الله المزني قال: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فِي وَجْهِهِ فَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، فَحَكَّهُ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
(3)
.
(1)
ضعيف: أخرجه الدارقطني (1/ 157) وفي إسناده: صالح بن مقاتل، ليس بالقوي، وأبوه غير معروف وسليمان بن داود مجهول، قاله الدارقطني كما في نصب الراية (1/ 43).
(2)
منكر: أخرجه الدارقطني (1/ 159) وفي إسناده: عتبة بن السكن: منكر الحديث.
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 128).
وعَنْ عَطَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي أَوْفَى بَصَقَ دَمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
(1)
.
وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه؛ أَنَّهُ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهَا دَمٌ فَمَسَحَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالتُّرَابِ ثُمَّ صَلَّى
(2)
.
4 -
وعن مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَتْ مُخَضَّبَةً دَمًا فَفَتَّهُ، ثُمَّ صَلَّى فَلَمْ يَتَوَضَّأْ
(3)
.
واستدلوا ببراءة الذمة، فلا يصح دليل بوجوب الوضوء من القيء والحجامة.
قال ابن المنذر: إن الْفَرَائِضَ إِنَّمَا تَجِبُ بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ، بَلْ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَطَهَّرَ طَاهِرٌ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي نَقْضِ طَهَارَتِهِ بَعْدَ حُدُوثِ الرُّعَافِ وَالْحِجَامَةِ وَخُرُوجِ الدِّمَاءِ مِنْ غَيْرِ الْقَرْحِ وَالْقَيْءِ وَالْقَلْسِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: انْتُقِضَتْ طَهَارَتُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ تُنْقَضْ قَالَ: فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُنْقَضَ طَهَارَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِجْمَاعِ مِثْلِهِ أَوْ خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا مُعَارِضَ لَهُ
(4)
.
واستدلوا بما قاله الشافعي: لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِي الْبُصَاقِ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ وَالْمُخَاطِ وَالنَّفَسِ يَأْتِي مِنْ الْأَنْفِ، وَالْجُشَاءِ الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ يَأْتِي مِنَ الْفَمِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ فِي قَيْءٍ وَلَا رُعَافٍ وَلَا حِجَامَةٍ وَلَا شَيْءٍ خَرَجَ مِنِ الْجَسَدِ وَلَا أُخْرِجَ مِنْهُ غَيْرِ الْفُرُوجِ الثَّلَاثَةِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَالذَّكَرِ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ عَلَى نَجَاسَةِ مَا يَخْرُجُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّيحَ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ وَلَا تُنَجِّسُ شَيْئًا فَيَجِبُ بِهَا الْوُضُوءُ كَمَا يَجِبُ بِالْغَائِطِ، وَأَنَّ الْمَنِيَّ غَيْرُ نَجَسٍ وَالْغُسْلُ يَجِبُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ تَعَبُّدٌ
(5)
.
(1)
إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق (571) وعطاء هو ابْنِ السَّائِبِ.
(2)
إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 128).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 128).
(4)
الأوسط (1/ 173).
(5)
الأم (1/ 18).
القول الآخر: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن خروج القيء والرعاف حدث ناقض للوضوء
(1)
، واستدلوا بما روى الترمذي عَنْ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَاءَ فَأَفْطَرَ. قَالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءه
(2)
.
وجه الدلالة: (أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءه) يدل على أن القيء ينقض الوضوء.
واعترض عليه بما قاله ابن المنذر: وَلَيْسَ يَخْلُو هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا أو غيرَ ثابتٍ: فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ؛ كَمَا أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٌ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَجِبَ فِيهِ فَرْضٌ.
وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ» .
واعترض: بأنه لا يصح
(3)
.
(1)
بدائع الصنائع (1/ 24) وكشاف القناع (1/ 124) والفروع (1/ 176).
(2)
إسناده حسن: أخرجه الترمذي (87) وقد توسعت في تخريجه في كتاب الجامع العام في فقه الصيام (151).
(3)
مدار هذا الحديث على إسماعيل بن عياش واختلف عليه: (1) فروى إسماعيل، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. أخرجه ابن ماجه (1221)(2) ورواه الوليد ابن مسلم عن إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة به كما في (السنن الكبرى) للبيهقي (1/ 142)(3) ورواه داود بن رشيد عن إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه وابن أبي مليكة، أخرجه الدارقطني (1/ 153/ 154)(4) ورواه الربيع بن نافع عن إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا كما في الدارقطني (1/ 154).
ولهذا الحديث ثلاث علل:
الأولى: أن مدار الحديث على إسماعيل وهو ضعيف عن غير أهل الشام وابن جريج من أهل الحجاز.
الثانية: أن إسماعيل مع ضعفه فقد اختلف عليه ألوانًا مما يزيده ضعفًا.
الثالثة: أن أصحاب ابن جريج قد خالفوا إسماعيل فرووا الحديث مرسلًا وهو الصحيح فروى (عبد الرزاق) وأبو عاصم، ومحمد بن عبد الله الأنصاري وغيرهم عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا، كما فى المصنف (3618) وسنن الدارقطني (1/ 155) والبيهقي (1/ 142) وقد رجح أبوحاتم الإرسال كما في العلل (1/ 31)، وقال الدارقطني (1/ 154): أصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا، وكذا رجح البيهقي كما في السنن الكبرى (2/ 255).
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَرْجِعْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ»
(1)
.
وعن ابن عباس قال: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ
(2)
.
وعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: رَعَفْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَنِي أَنْ أُحْدِثَ وُضُوءًا
(3)
.
وعن عمر بن عبد العزيز قال: قال تميم الداري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ»
(4)
.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ وُضُوءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَمًا سَائِلًا»
(5)
.
وعن زيد بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْقَلْسُ حَدَثٌ»
(6)
.
(1)
منكر: أخرجه الدارقطني (1/ 157)، وفي إسناده أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم: متروك الحديث، قاله الدارقطني، وقال أحمد: يروي أحاديث مناكير، ليس بشيء.
(2)
ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (1/ 156) وفي إسناده: عمر بن رياح: متروك
وأخرجه الدارقطني (1/ 152/ 153) وفي إسناده سليمان بن أرقم: متروك.
(3)
ضعيف: أخرجه الطبراني (الكبير)(6/ 239) وقال: عن يزيد بن أبي خالد: (وهو خطأ)، والصواب يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني وهو ضعيف، وكذا جعفر بن زياد الأحمر ضعيف.
(4)
ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (1/ 157). وفيه علتان:
الأولى: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم ولا رآه.
الثانية: يزيد بن خالد، ويزيد بن محمد كلاهما مجهول.
(5)
ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (1/ 157) وفي إسناده محمد بن الفضل: كذاب.
(6)
أخرجه الدارقطني (1/ 155) وفي إسناده سوار بن مصعب: متروك.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ: مِنْ إقْطَارِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ السَّائِلِ، وَالْقَيْءِ، وَمِنْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ، وَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ، وَقَهْقَهَةِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ، وَخُرُوجِ الدَّمِ»
(1)
.
وروى البخاري عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ:«لَا؛ إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وقال: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ»
(2)
. و إذا كان أَمَر فاطمة بالوضوء من دم الاستحاضة، فقد دل ذلك على أن خروج دماء العروق من أي مكان يوجب الوضوء
واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: لفظة «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» ليست من قول النبي، إنما من قول عروة.
والثاني: أن الراجح أن الدم ليس بنجس ولا ينقض الوضوء فالصحابة كانوا يصلون في جراحاتهم.
أما دليلهم من القياس فإذا كان خروج النجس من السبيلين ينقض الوضوء، فكذا خروج النجس من أي مكان من الجسد.
واعترض عليه بما قاله ابن المنذر: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَبَّهَ مَا يَخْرُجُ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ بِمَا يَخْرُجُ مِنَ أَوِ الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ رِيحٍ تَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ وَبَيْنَ الْجُشَاءِ الْمُتَغَيِّرُ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الرِّيحُ الْخَارِجُ مِنَ الدُّبُرِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجُشَاءَ لَا وُضُوءَ فِيهِ، فَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْحَدَثِ وَبَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِ الْحَدَثِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَاسَ عَلَى مَا خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِ الْحَدَثِ
(3)
.
(1)
أخرجه البيهقي في (الخلافيات)(658) وفي إسناده: سهل بن عفان مجهول، والجارود بن يزيد ضعيف.
(2)
البخاري (228) ومسلم (234) بدون لفظة: «توضئي لكل صلاة» .
(3)
الأوسط (1/ 175).
والراجح أن خروج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولاً أو غائطاً؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا يصح دليل بوجوب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء، والله أعلم.
المبحث الثالث: القهقهة:
ذهب جمهور العلماء إلى أن القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء
(1)
.
واستدلوا بالبراءة الأصلية فلم يأت دليل صحيح بأن القهقهة تنقض الوضوء إذ ليست القهقهة بحدث. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: إذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِد الْوُضُوءَ
(2)
.
وذهب الحنفية إلى أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء
(3)
.
واستدلوا بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه قال: بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَوَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، فَضَحِكْنَا مِنْهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ كَامِلًا وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا
(4)
.
(1)
المدونة (1/ 190) المهذب (1/ 24) المغني (1/ 116).
(2)
المصنف (1/ 340) رقم (3908).
(3)
المبسوط (1/ 77)، شرح فتح القدير (1/ 45)، بدائع الصنائع (1/ 32).
(4)
ضعيف: ومدار الحديث على ابن اسحاق واختلف عليه:
فرواه إبراهيم بن سعد، عن ابن اسحاق، عن الحسن بن دينار عن الحسن بن أبي الحسن عن أبي المليح به. أخرجه الدارقطني (1/ 160/ 161)، وفي إسناده: الحسن بن دينار: متروك. ورواه محمد بن مسلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار، عن قتادة عن أبي المليح أخرجه الدارقطني (1/ 162).
وقد ذكر الدارقطني (1/ 161) رواية ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن خالد الحذاء عن أبي المليح عن أبيه وقال: فوهم قبيح وإنما رواه خالد الحذاء عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عنه كذلك سفيان الثوري وهشيم ووهيب وحماد بن سلمة وغيرهم، وقد اضطرب ابن اسحاق في روايته عن الحسن بن دينار. وله شاهد عن أنس، أخرجه الدارقطني (1/ 163) وفي إسناده داود بن المحبر وهو متروك.
وقد أورد الدارقطني طرقًا كثيرة من طريق قتادة، أصحها ما يرويه قتادة عن أبي العالية مرسلًا.
وعن جابر قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ»
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح.
والراجح أن القهقهة لا تنقض الوضوء.
المبحث الرابع: تغسيل الميت:
ذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ غَسَّل ميتًا لا ينتقض وضوءه
(2)
.
لأنه لا يصح في وجوب الغسل حديث.
وذهب أحمد في رواية إلى مَنْ غَسَّل ميتًا انتقض وضوءه
(3)
.
واستدل بالسنة والمأثور والمعقول:
أما من السنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ غُسْلِهَا الْغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِهَا
(1)
منكر: أخرجه الدارقطني (1/ 172)، ومدار هذا الحديث على الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، فرواه يزيد بن سنان عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به.
ولهذا الحديث علتان:
الأولى: يزيد بن سفيان ضعيف.
الثانية: أن يزيد بن سنان قد خالف الثقات في المتن ووقفوه عن جابر. فرواه (سفيان الثوري ووكيع ومعاوية الضرير وغيرهم) عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر يقول: من ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء. أخرجه الدارقطني (1/ 172)، وأبو يعلى (2313). وفى الباب حديث عمران بن حصين، أخرجه الدارقطني (1/ 156)، وفي إسناده: عمر بن قيس المكي: متروك، وحديث أبي هريرة، أخرجه الدارقطني (1/ 164)، وفي إسناده عبد الكريم، وعبد العزيز بن الحصين، وكلاهما متروك الحديث.
(2)
المبسوط (1/ 82)، بدائع الصنائع (1/ 32)، الفروع (1/ 184).
(3)
الإنصاف (1/ 215)، المغني (1/ 123).
الْوُضُوءُ»
(1)
. أي: الجنازة أو الميت.
(1)
ضعيف: مدار الحديث على سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، واختلف على سهيل في الحديث ألوانًا، فرواه ابن جريج كما عند أحمد (2/ 272)، وعبد العزيز بن المختار كما عند الترمذي (393) وحماد بن سلمة كما عند ابن حبان (1161) وغيرهم كلهم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا.
ورواه ابن عيينة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني في العلل (1/ 162).
ورواه الحميدي وابن عمر وغيرهما عن ابن عيينة عن سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة مرفوعًا كما عند أبي داود (3162) والدارقطني (العلل)(10/ 162)، ورواه ابن علية، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة موقوفًا، رواه البخاري (التاريخ الكبير)(1/ 396)
وأخرجه الدارقطني (العلل) عن ابن علية بدون ذكر (أبي صالح).
ورواه وهيب بن خالد عن سهيل عن أبيه عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة مرفوعًا كما أخرجه البيهقي (1/ 301) ورواه ابن أبي ذئب، واختلف عليه: فرواه عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا كما عند الدارقطني (العلل)(10/ 379) من طريق ابن أبي فديك عنه، وقد أغرب ابن أبي فديك، ورواه حبان بن علي عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني وقال: حديث المقبري أصح.
ورواه حجاج عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا، كما عند أحمد (2/ 433)، وقال البيهقي: هذا المشهور من حديث ابن أبي ذئب، وصالح مولى التوأمة ليس بالقوي.
وأخرجه أبو داود (3161) من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعًا، قال الدارقطني: سهيل يشبه أن يكون يضطرب فيه.
ورواه ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا أخرجه البيهقي (1/ 301)، ورواه (عبدة بن سليمان، ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء) عن القعقاع بن حكيم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا كما أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 470) والبيهقي (1/ 302) وللحديث طرق أخرى لا تخلو من مقال. وقد تضافرت أقوال أهل العلم على أن الصحيح في هذا الحديث الوقف (1) قال أبو حاتم «العلل» (1/ 351): إنما هو موقوف على أبي هريرة، لا يرفعه الأثبات (2) وصحح الوقف البخاري كما في التاريخ الصغير (1/ 397)، (3) وقال البيهقي (1/ 303): والصحيح عن أبي هريرة من قوله موقوفًا غير مرفوعًا، (4) قال أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء (5) قال ابن المديني: لا يثبت فيه حديث، وقاله الذهلي وابن المنذر وغيرهما، فهذا الحديث لا يصح.
أما من المأثور: فعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَلَى مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا غُسْلٌ؟ قَالَ: «لَا، قَدْ إِذَنْ نَجَّسُوا صَاحِبَهُمْ، وَلَكِنْ وُضُوءٌ
(1)
.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: أنه اختلف على ابن عباس، والصحيح عنه بعدم ذكر الوضوء.
الثاني: أن الوضوء قد يكون على الاستحباب عنده.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِذَا غَسَّلْتَ الْمَيِّتَ فَأَصَابَكَ مِنْهُ أَذًى فَاغْتَسِلْ، وَإِلَّا إِنَّمَا يَكْفِيكَ الْوُضُوءُ»
(2)
. واعترض عليه بأنه لا يصح عنه.
وأما دليلهم من المعقول
فاستدلوا بأن العادة أن الغاسل قد تقع يده على فرج الميت فلذا يجب الوضوء.
واعترض بأن لا يجوز للغاسل مسح فرج الميت قاصدًا، وأنه لابد من مراعاة الضوابط الشرعية من عدم رؤية العورات وعدم مس الفرج بحسب الاستطاعة.
والراجح أنه لا يجب الوضوء على من غسل ميتًا، و الحديث الوارد في الباب لا يصح.
(1)
أخرجه عبد الرزاق (6101)، ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ولم يذكر زيادة الوضوء. وأخرجه ابن أبي شيبة (2/ 469) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. ولم يذكر هنا الوضوء. وروى البيهقي (3/ 398) من طريق أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، إنَّ مَيِّتَكُم يَمُوتُ طَاهِرًا، ولَيْسَ بِنَجَسٍ فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُم» وفي إسناده أبو شيبة، ضعفه البيهقي.
وقد رد عليه الحافظ في التهذيب فقال: وهم البيهقي في ذلك، وكأنه ظنه جده إبراهيم بن عثمان، وقال في التلخيص: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتج به النسائي ووثقه الناس
…
فالإسناد حسن.
(2)
ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (6107) وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، ضعيف.
المبحث الخامس: أكل ما مست النار إلا لحم الجزور:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار
(1)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
(2)
. فدل ذلك على أن النبي أكل ما مست النار ثم صلى ولم يتوضأ.
وذهبت عائشة وطلحة وابن عمر إلى أنه يجب الوضوء مما مست النار
(3)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»
(4)
.
واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الوضوء مما مست النار مستحب ليس بواجب، وهو رواية عن أحمد وابن تيمية
(5)
.
الثاني: أن الوضوء مما مست النار منسوخ.
واستدلوا على النسخ بحديث جَابِرِ قَالَ: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»
(6)
.
قلت: وإن كان هذا ضعيفًا الحديث فإنه لا يجب الوضوء مما مست النار إلا في أكل لحم الإبل لما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ
(1)
التمهيد (3/ 332) والمفهم (1/ 603).
(2)
البخاري (207) ومسلم (354).
(3)
الأوسط (2/ 213) والتمهيد (3/ 331).
(4)
مسلم (351).
(5)
مجموع الفتاوى (20/ 524)، شرح العمدة (1/ 330).
(6)
ضعيف: أخرجه أبو داود (السنن)(192) ومحمد بن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر وإنما سمعه ابن عقيل وفيه ضعف، قاله الشافعي كما (المعرفة للبيهقي)(1/ 395).
يَتَوَضَّأْ. فالنبي أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.
المبحث السادس: الردة:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الردة لا تنقض الوضوء لأنها ليست بحدث، وبه قال الحنفية وقول للمالكية ووجه عند الشافعية
(1)
.
قال ابن حزم: وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً فَاغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضِ ثُمَّ ارْتَدَّا ثُمَّ رَاجَعَا الإِسْلَامَ دُونَ حَدَثٍ يَكُونُ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ بِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَهُمْ يُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَنْقُضُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، وَلَا غُسْلَ الْحَيْضِ، وَلَا أَحْبَاسَهُ السَّالِفَةَ، وَلَا عِتْقَهُ السَّالِفَ، وَلَا حُرْمَةَ الرَّجُلِ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ؟! فَهَلاَّ قَاسُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْغُسْلِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ أَصَحَّ قِيَاسٍ لو كان شيءٌ من القياس صحيحًا
(2)
.
القول الثاني: أن الردة تبطل الوضوء، وهو قول بعض المالكية ووجه في مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة
(3)
.
واستدلوا بعموم قَوْلِ الله تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} أي يحبط كل عمل بما فيه الوضوء فينقض.
واعترض عليه بما قاله ابن حزم: فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ الله تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ 65} [الزمر] قلنا: هَذَا عَلَى مَنْ مَاتَ كَافِرًا لَا عَلَى مَنْ رَاجَعَ الإِسْلَامَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى:{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [الزمر: 65] وقوله تعالى: {وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ 65} شَهَادَةٌ
(1)
المبسوط (1/ 116/ 117)، المنتقى (1/ 66)، المجموع (2/ 5).
(2)
المحلي (1/ 241).
(3)
الخرشي علي مختصر خليل (1/ 157)، المجموع (2/ 5)، المغني (1/ 115).
صَحِيحَةٌ قَاطِعَةٌ لِقَوْلِنَا؛ لأنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنِ الآُمَّةِ فِي أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الإِسْلَامَ وَمَاتَ مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلْ مِنْ الرَّابِحِينَ الْمُفْلِحِينَ، وَإِنَّمَا الْخَاسِرُ مَنْ مَاتَ كَافِرًا
(1)
.
واستدلوا بما روى مسلم عن أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» . فإذا كان الطهور شطر الإيمان، والردة تبطل الإيمان فهي تبطل الوضوء
(2)
.
القول الثالث: أن الردة تبطل التيمم دون الوضوء، وهو وجه عند الشافعية
(3)
.
وهذا القول أضعف الأقوال.
والراجح أن الردة لا تنقض الوضوء لأنها ليست بحدث، والله أعلم.
* * *
(1)
المحلي (1/ 241).
(2)
مسلم (223).
(3)
المجموع (2/ 5)
حاصل ما ورد الوضوء
1 -
الْوُضُوءِ لغة: مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ.
وشرعًا: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ.
2 -
فضل الوضوء:
1 -
الوضوء يكفر الخطايا والذنوب والآثام.
2 -
الطهور شطر الإيمان، روى مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» .
3 -
تميز أمة محمد بالوضوء يوم القيامة عن سائر الأمم، في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» .
4 -
حل عقدة الشيطان بالوضوء.
5 -
إسباغ الوضوء ونطق الشهادتين بعده من أسباب دخول الجنة، روى مسلم من حديث عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» .
3 -
حكم الوضوء:
يختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى، فقد يكون واجبًا إذا أراد المحدث الصلاة؛ لعموم قوله تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]، وقد يستحب الوضوء إذا أراده للنوم.
الوضوء كان في شريعة من قبلنا.
ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل مما خُصت به هذه الأمة. روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ!! فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ» .
أما دليل أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة: ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» .
* * *
الفصل الأول
في شروط صحة الوضوء
الشرط الأول: الإسلام، فلا يصح الوضوء من كافر.
الشرط الثاني: التكليف: المكلف هو البالغ العاقل: فلا يجب الوضوء على طفل ولا مجنون. ويصح الوضوء من الطفل المميز، ولا يصح وضوء مجنون ولا غير مميز.
الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس: فلو توضأت الحائض أو النفساء لم يرتفع حدثهما.
الشرط الرابع: طهارة الماء: فلا يصح الوضوء بالماء النجس.
الشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء، فإن عجز عن استعمال الماء لمرض أو لعجز عنه، فإنه يسقط لعموم قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، ولقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
الشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء، كخروج الريح في وسط الوضوء فيجب عليه الإعادة، ويستثنى من ذلك المعذور كصاحب سلس البول والمستحاضة وغيرهما.
الشرط السابع: عدم الحائل الذي يحول بين وصول الماء إلى البشرة.
فإذا توضأ وهناك حاجز يمنع وصول الماء إلى البشرة كالشمع والعجين، أو الدهان، أو طلاء الأظافر، أو أدوات التجميل، وكل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة؛ فإنه لا بد من إزالته بقدر المستطاع؛ لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين إذا كانت مكشوفة.
الشرط الثامن: قيام الحدث: فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء.
الشرط التاسع: النية: وهي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى.
والنية شرط لصحة الوضوء لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، والنية محلها القلب، وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية ليس بمشروع.
قال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ صلى الله عليه وسلم فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.
الفصل الثاني
فرائض الوضوء
من فروض الوضوء غسل الوجه واليدين إلى المرفقين وغسل الرجلين ومسح الرأس. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك.
قال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فَرْضٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَمْرِ الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُسْلِمَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَغَسْلِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ.
دل على ذلك الكتاب والسنة: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، وأما السنة، فالأحاديث الكثيرة المستفيضة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.
الحاصل في غسل الوجه:
حد الوجه: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن طولًا، وعرضه من الأذن إلى الأذن.
الأجلح إذا انصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع لأنه ليس من الوجه بل هو من الرأس.
الأفرع هو الذي ينزل شعره على وجهه، فعليه أن يغسل مع الوجه ما نزل عن منابت الشعر المعتادة.
الأنزع: وهو الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس لا يجب عليه غسلهما لأنهما من الرأس.
المتوضئ إذا غسل وجهه فعليه أن يغسل جزءًا من رأسه وسائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا وليس بواجب وذلك لاستيعاب الوجه.
الظاهر من الفم والأنف والشارب وغيرهما تغسل لأن كل هذا داخل في حدود الوجه.
البياض الواقع بين الأذن وآخر اللحية (العذار).
ما تحت الذقن لا يغسل مع الوجه. قال في مواهب الجليل: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَ الذَّقْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
الفرض الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين:
قال الماوردي: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين.
الفرض الثالث: مسح الرأس:
من فروض الوضوء مسح الرأس بالنص والإجماع. قال تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} ، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم أن مسح الرأس من فروض الوضوء.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس.
الفرض الرابع: غسل الرجلين:
ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض، واستدلوا بعموم قول تعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى:{فَاغْسِلُوا} أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم. واستدلوا بالأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.
الفرض الخامس: الترتيب:
الترتيب فرض، دل على ذلك عموم قوله تعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} .
والله سبحانه وتعالى أمر بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فلما ذكر الله ممسوحًا بين مغسولات دل ذلك على وجوب الترتيب، ولو لم يجب الترتيب لما قُطع النظير عن نظيره ولكانت المغسولات في نسق وفي الآخر المسح. دل على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، والله أعلم.
الفرض السادس: الموالاة:
ودلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه متواليًا مع كثرتهم. ولو جاز ترك التوالي لبينة النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
الفصل الثالث
ما ذُكر في سنن الوضوء
1 -
التسمية: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب التسمية قبل الوضوء، واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا صَلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ، وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» . وهذا الحديث لا يصح، والأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء لم تذكر التسمية.
2 -
السواك؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» .
3 -
غسل الكفين ثلاثًا.
4 -
المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ، واستحباب المضمضة والاستنشاق باليمين، والاستنثار بالشمال «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنثَره بِيَدِهِ الْيُسْرَى» ، ولفظة «وَنثَره بِيَدِهِ الْيُسْرَى» ضعيفة، استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ» .
5 -
تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعر اللحية مع التخليل بالأصابع حتى يصل الماء إلى بشرته، وفي الحديث عن عائشة «كَانَ رسولُ اللهِ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ» ، وجميع الأحاديث الواردة في تخليل اللحية ضعيفة.
6 -
إطالة الغرة، وهي غسل شيء من مقدم الرأس مع الوجه، وأما التحجيل، فهو تجاوز غسل المرفقين في غسل اليدين وتجاوز الكعبين في غسل الرجلين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ فَليفْعَلْ» .
7 -
مسح باطن الأذن وظاهرهما.
8 -
مسح العنق لا يُشرع في الوضوء، وذهب بعض العلماء إلا استحباب مسح العنق.
واستدلوا بحديث: «من توضأ فمسح عُنقَه لم يُغَل بالأغَلالِ يوم القيامة» ، وهو حديث منكر.
9 -
تخليل الأصابع، ولا يصح في الباب حديث.
10 -
استحباب تحريك الخاتم: ورد في الحديث: «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ» ، والحديث ضعيف، لكن وصول الماء إلى بشرة اليدين يجب، وكذا يستحب تحريك الساعة والخاتم لوصول الماء تحتهما، والله أعلم.
11 -
استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين، لحديث حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ علي كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل برجليه ثلاث مرار إلى الكعبين.
12 -
قول الذكر بعد الوضوء: روى مسلم عن عمر «مَنْ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ثم قال عقبه: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» ، زيادة «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ» شاذة وزيادة «ثم رفع يده إلى السماء» شاذة.
* * *
الفصل الرابع
نواقض الوضوء
الناقض الأول: الخارج من السبيلين: كالبول والغائط والريح والمذي والودي كل ذلك ينقض الوضوء بالإجماع.
الناقض الثاني: خروج البول والغائط من غير السبيلين، لعموم قوله تعالى:{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6].
الناقض الثالث: زوال العقل بجنون أو إغماء ينقض بالإجماع.
الناقض الرابع: زوال العقل بنوم، والنوم الذي يزول معه العقل ينقض الوضوء على أي حال، قال تعالى عن نفسه:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255]. وقد ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ؛ لأنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، فكان يقظان، فلو خرج منه شيء لشعر به.
الناقض الخامس: مس الذكر؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، أما الحديث الذي فيه رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «إنما هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ منك» لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا المرأة إذا مست فرجها فلتتوضأ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» ، أما مس المرأة فرج الغير وخاصة الصغير فلا ينقض الوضوء؛ لأن النص ورد فيمن مس ذكره وليس ذكر غيره، وكذا مس الأنثيين والأليتين والرفغين لا ينقض الوضوء، وحديث:«مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ رُفْغَيْهِ فليَتَوضأْ» ضعيف.
الناقض السادس: أكل لحم الجزور؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ، قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم» .
الفصل الخامس
ما لا ينقض الوضوء
1 -
القهقهة: ورد عن جابر بسند صحيح قال: «إِذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ» ، أما حديث جابر:«مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ» ، فهو حديث منكر.
2 -
القيء والرعاف وكذا الدم، فالخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولًا أو غائطًا لأن الأصل براءة الذمة، ولا يصح دليل يوجب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء والدم، والله أعلم.
3 -
مس بدن المرأة، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ.
أما المراد بقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} فالمراد بها الجماع، دل على ذلك آيات منها عموم قوله تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} : أي تجامعوهن.
4 -
الردة، فلو أن رجلًا مسلمًا توضأ ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، فوضوءه صحيح.
5 -
أكل ما مست النار، ففي الصحيحين عن ابن عباس «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» .
6 -
تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، أما حديث:«مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ» ، لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7 -
من توضأ ثم شك وهو يصلي أن وضوءه انتقض فلا يخرج من الصلاة؛ في الصحيحين عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» .
الباب السابع
المسح على الحائل
التمهيد:
مقدمة لا بد منها: وفيها ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: رفع الحرج:
إن هذه الشريعة الغراء مبنية على اليسر ورفع الحرج، لا عنت فيها ولا مشقة.
فهذا المسافر يقصر الصلاة وكذا يفطر في رمضان، وهذا المريض يصلي قائمًا مع القدرة فإن لم يستطع فقاعدًا فإن لم يستطع فعلى جنب، والذي يلبس الخفين وهناك مشقة في خلعهما عند الوضوء يمسح عليهما وخاصة في أيام البرد القارص. قال تعالى:{يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، وقال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وقال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا ومحمداً نبيًّا ورسولًا.
المبحث الثاني: لماذا ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة؟
ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة بالرغم من أنه من المسائل الفقهية: للتنبيه على أن حكم هذه المسألة فرق بين أهل السنة وأهل البدع:
فالرافضة ينكرون المسح على الخفين مع أنهم يَدَّعون محبة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وقد ثبت عنه المسح على الخفين، وكذا ثبت النهي عن نكاح المتعة من حديث عليّ رضي الله عنه، فتبين من ذلك أنهم لا يتبعون عليًّا ولا آل البيت الطيبين ولكن يتبعون سنة الشيطان الرجيم.
فخالف الرافضة أهل السنة من وجهين:
الوجه الأول: أنكروا المسح على الخفين مع استفاضة الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على جواز ذلك.
الوجه الثاني: أنكروا غسل الرجلين ورأوا المسح على القدمين، فوقعوا فيما توعد به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
قال ابن عبد البر بعد ذكر حديث المغيرة: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» : وَفِيهِ الْحُكْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَخْذُولٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ إِلَّا قَوْمًا ابْتَدَعُوا فَأَنْكَرُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالُوا: إِنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَعَسَى الْقُرْآنُ نَسَخَهُ. وَمَعَاذَ الله أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم كِتَابَ الله، بَلْ بَيَّنَ مُرَادَ الله مِنْهُ كَمَا أَمَرَهُ الله عز وجل فِي قَوْلِهِ:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وَقَالَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بينهم} [النساء: 65] الآية.
وَالْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَازَ عَلَيْهِمْ جَهْلُ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَعَاذَنَا الله مِنَ الْخِذْلَانِ، رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: (رَأَيْتُ جَرِيرًا يَتَوَضَّأُ مِنْ مِطْهَرَةٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟! فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَفْعَلَهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ؟! قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانُوا يَعْنِي- أَصْحَابَ عَبْدِ الله وَغَيْرَهُمْ- يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِهِ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.
ثم قال: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ، وَعَمِلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَجْمَعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، كُلُّهُمْ يُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. اه
المبحث الثالث: الفرق بين الخف والجورب والجبيرة:
الخف: ما يُلبس في الرِّجل من جلد رقيق.
الجورب: ما يُلبس في الرِّجل على هيئة الخف من غير الجلد.
الجبيرة: العيدان التي تُجبر بها العظام
(1)
.
(1)
مختار الصحاح (ص/ 68)، المعجم الوسيط (1/ 247).
الفصل الأول: المسح على الخفين والجوربين
المبحث الأول: جواز المسح على الخفين:
ذهب جمهور العلماء إلى جواز المسح على الخفين في السفر والحضر
(1)
.
قال الجصاص: ثَبَتَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ حَيْثُ يُوجِبُ الْعِلْمَ
(2)
.
وفي الصحيحين عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَقَالَ:«يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإِدَاوَةَ» ، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.
وروى البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ «النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ»
وروي البخاري عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ»
(3)
والأحاديث في هذا الباب متوافرة
(4)
.
شبهات المانعين من المسح على الخفين:
استدلوا بعموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] أي بالفتح، فأمَر الله بغسل الرجلين فكيف يمسح على الخفين؟!
(1)
المبسوط (1/ 97)، حاشية الدسوقي (1/ 141)، الأم (1/ 49 - 50)، المغني (1/ 174)
(2)
أحكام القرآن (3/ 353)
(3)
البخاري (204)
(4)
البخاري (202)
واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث جرير قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ»
(1)
قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
الثاني: ما قاله القرطبي في تفسير الآية: قِيلَ: إِنَّ الْخَفْضَ فِي الرِّجْلَيْنِ إِنَّمَا جَاءَ مُقَيَّدًا لِمَسْحِهِمَا لَكِنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خُفَّانِ، وَتَلَقَّيْنَا هَذَا الْقَيْدَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، إِذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلَيْهِمَا خُفَّانِ، فَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم بِفِعْلِهِ الْحَالَ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهِ الرِّجْلُ وَالْحَالَ الَّتِي تُمْسَحُ فِيهِ، وَهَذَا حَسَنٌ
(2)
.
وقال ابن العربي: جَاءَتِ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بِأَنَّ النَّصْبَ يُوجِبُ الْعَطْفَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَدَخَلَ بَيْنَهُمَا مَسْحُ الرَّأْسِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَظِيفَتُهُ كَوَظِيفَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ لَا بَعْدَهُمَا، فَذُكِرَ لِبَيَانِ التَّرْتِيبِ لَا لِيَشْتَرِكَا فِي صِفَةِ التَّطْهِيرِ، وَجَاءَ الْخَفْضُ لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ يُمْسَحَانِ حَالَ الِاخْتِيَارِ عَلَى حَائِلٍ، وَهُمَا الْخُفَّانِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَعَطَفَ بِالنَّصْبِ مَغْسُولًا عَلَى مَغْسُولٍ، وَعَطَفَ بِالْخَفْضِ مَمْسُوحًا عَلَى مَمْسُوحٍ، وَصَحَّ الْمَعْنَى فِيهِ
(3)
.
المبحث الأول: المسح على الجوربين:
اختلف أهل العلم في جواز المسح على الجوربين على أقوال: القول الأول: ذهب بعض الحنفية وقول للشافعية والحنابلة إلى جواز المسح على الجوربين الصفقين
(4)
.
(1)
البخاري (387) ومسلم (272) واللفظ له.
(2)
تفسير القرطبي (6/ 93).
(3)
أحكام القرآن (2/ 72).
(4)
ذهب محمد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفية وأرجح القولين عن الشافعية والحنابلة إلى جواز المسح على الجوربين الصفيقين. انظر المبسوط (1/ 102)، والمجموع (1/ 526)، والمغني (1/ 181).
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى جواز المسح على الجوربين المجلدين أو المنعلين. شرح معاني الآثار (1/ 97) والأم (1/ 49).
وذهب مالك في قول إلى جواز المسح على الجورب المجلد. كما في المدونة (1/ 143).
واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:
أما دليلهم من السنة: فعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ
(1)
.
(1)
ضعيف: أخرجه أحمد (2/ 252)، وأبو داود (159)، والترمذي (99)، والنسائي (الكبرى)(130)، وابن ماجه (559) وغيرهم من طريق وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة به.
وفي إسناده أبو قيس وهو عبد الرحمن بن ثروان، قال فيه أحمد: يخالف في أحاديثه.
وقد تضافرت أقوال أهل العلم على إعلال هذا الحديث. فقد أخرجه مسلم في كتاب التمييز (2/ 202) وقال: هذا خبر ليس بمحفوظ المتن. وقال البيهقي (1/ 284): قال يحيى بن منصور: رأيت مسلم بن الحجاج ضَعَّف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي وهزيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا عن المغيرة، فقالوا: ومسح على الخفين. وقال: نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل؟! وقال أبو داود (السنن)(159): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. وقال أحمد: هذا حديث منكر.
فالحاصل أنه ضَعَّف هذا الحديث كل من: مسلم، وابن مهدي، وأحمد، وسفيان الثوري، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم. انظر السنن الكبرى للبيهقي (1/ 284) والسنن الكبرى للنسائي (130) والعلل للدارقطني (7/ 112). أما تصحيح الترمذي بعد ذكر العلماء لتضعيف الحديث فقد قال النووي (المجموع) (1/ 500): وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال:(حديث حسن صحيح) فهؤلاء مقدمون عليه، بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد مقدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة، وإن كان صحح الحديث ابن حزيمة وابن حبان وغيرهما من المتأخرين، ولا شك أن كلام المتقدمين مقدم فهم أهل هذا العلم وصيارفته.
وله شواهد: (1) شاهد أَبِي مُوسَى رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ. أخرجه ابن ماجه (560)، وفي الحديث علتان ذكرهما البوصيري (الزوائد) (1/ 80) فقال الضحاك: لم يسمع من أبي موسى، وعيسى (ابن سنان) ضعيف لا يُحتج به.
(2)
شاهد بلال رضي الله عنه: «كان رسول الله يمسح على الخفين والجوربين» أخرجه الطبراني (الكبير)(1/ 350)، ومدار الحديث على ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال، واختلف عليه: فرواه يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال: كان يمسح على الخفين والجوربين. ولهذا الحديث علتان: الأولى: ضعف يزيد. والثانية: خالف يزيدَ الحكمُ بن عتيبة فرواه عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال قال: كان رسول الله يمسح على الخفين وعلى الخمار. رواه مسلم (275) وهذا المحفوظ. قلت: ولا يصح في الباب حديث.
أما دليلهم من المأثور: فقال ابن قدامة: الصَّحَابَة رضي الله عنهم مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا
(1)
.
وقال ابن القيم: الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأويله- مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن، ومراد الله منه
(2)
.
بعض الآثار عن الصحابة في المسح على الجوربين:
أثر عليّ بن أبي طالب عن عمرو بن حريث، أن عليًّا توضأ ومسح على الجوربين
(3)
.
أثر أبي مسعود الأنصاري عَنْ هَمَّامٍ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ
(4)
.
عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ
(5)
.
وعن رَجَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْبَرَاءَ بن عازب تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ
(6)
.
(1)
المغني (1/ 274).
(2)
تهذيب السنن (1/ 123).
(3)
إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 172).
(4)
صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 171) عن ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم عن همام به، ورواه عبد الرزاق (774) عن الثوري، عن منصور عن خالد بن سعد قال: إن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين والنعلين.
(5)
صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 172) عن وكيع عن هشام عن قتادة عن أنس به. وأخرجه عبد الرزاق (779) عن معمر عن قتادة عن أنس به، وإن كانت رواية معمر عن قتادة فيها مقال فمعمر متابع، وأخرجه أحمد (كتاب العلل) (3/ 375) قال: حدثني محمد بن عبيد بن حساب، قال: حدثنا أبو رجاء الكلبي، عن أبي الطفيل عن أنس به، وهذا إسناد صحيح.
(6)
إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 172) وفي إسناده: رجاء بن ربيعة وهو صدوق.
وقد وردت بعض الآثار عن الصحابة عن ابن عمر وبلال وسهل وغيرهم، ولكنها لا تصح عنهم.
القول الثاني: ذهب مالك في رواية إلى أنه لا يجوز المسح على الجوربين مطلقًا
(1)
.
واستدل بأن الأصل هو غسل الرجلين وهو ظاهر القرآن.
واعترض على هذا الاستدلال من وجوه:
الأول: أننا نفهم القرآن والسنة بفهم الصحابة، والصحابة مسحوا على الجوربين.
قال ابن القيم: الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه
(2)
.
الثاني: إذا ثبت المسح على الخفين مع عدم التعارض مع القرآن، ثبت المسح على الجوربين إذ لا فرق، فالخف ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس في الرجل من صوف، والشريعة لا تفرق بين متماثلين.
الثالث: إذا كانت الحكمة من المسح على الخفين هي رفع الحرج والمشقة والعنت فهي أَوْلى في المسح على الجوربين لأنها أكثر استعمالًا وأوسع انتشارًا.
فلذا يجوز المسح على الجوربين.
أما دليلهم من القياس فقالوا: فإذا ثبت المسح على الخفين ثبت المسح على الجوربين إذ لا فرق، فالخف ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس في الرجل من صوف، والشريعة لا تفرق بين متماثلين.
يقول شيخ الإسلام: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَلَّدَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ، فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، فَفِي السُّنَنِ: أَنَّ النَّبِيَّ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ هَذَا مِنْ صُوفٍ وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، كَمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ وَمَحْظُورِهِ وَمُبَاحِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ
(1)
المدونة (1/ 143) التمهيد (11/ 157).
(2)
تهذيب السنن (1/ 123).
أَبْقَى مِنَ الصُّوفِ، فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى. وَأيضًا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّة
(1)
.
المبحث الثالث: في المسح على النعلين:
اختلف أهل العلم في حكم المسح على النعلين على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز المسح على النعلين، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بأن الأصل غسل الرجلين كما ورد في القرآن. والنعال لا تقاس على الخفين؛ لأن النعال لا تستر محل الفرض فتكون تحت الكعب، فمالك لا يرى المسح على الخف إذا قطع أسفل الكعب، فالنعل من باب أَوْلى
(3)
.
والشافعي يرى أن الخف إذا لم يستر الكعبين أو ما يحاذيهما فلا يمسح عليهما، وعليه فلا يرى المسح على النعال؛ لأن النعال لا تستر المحل المفروض
(4)
.
القول الآخر: جواز المسح على النعلين، وبه قال علي بن أبي طالب.
واستدلوا بالسنة والمأثور والمعقول:
أما دليلهم من السنة فعن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ
(1)
مجموع الفتاوى (21/ 214).
(2)
«شرح معاني الآثار» (1/ 98)، «الشرح الصغير» (1/ 154)، «مسائل عبد الله» (1/ 122»، وفي «مسائل ابن هانئ» (1/ 18): ولا يمسح على النعلين إلا أن يكونا في جوربين. وفي «مسائل صالح» (379): وسألته عن المسح على النعلين فقال: إذا كان في القدم جوربان قد ثبتا في القدم فلا بأس أن يمسح النعلين.
(3)
«المدونة» (1/ 143).
(4)
«الأم» (1/ 49).
وَالنَّعْلَيْنِ
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، واللفظ الصحيح:«وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» .
وعَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي يَوْمًا تَوَضَّأَ فَمَسَحَ النَّعْلَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَمْسَحُ عَلَيْهِمَا؟! فَقَالَ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ»
(2)
.
وعن ابن عباس: «أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ»
(3)
.
وعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَنَعْلَاهُ فِي رِجْلَيْهِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، وَيَقُولُ: كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَفْعَلُ
(4)
.
(1)
أخرجه أحمد (2/ 252) وهو ضعيف وقد سبق تخريجه.
(2)
ضعيف: أخرجه أحمد (4/ 9)، فيَعْلَى بن عطاء لم يدرك أوسًا «الكبرى» للبيهقي (1/ 287).
(3)
ضعيف: مدار الحديث على زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس مرفوعًا، يرويه عن زيد جماعة، واختلف عليه في متنه: فرواه سفيان واختلف عليه: فرواه رواد عن سفيان به عند ابن عدي «الكامل» (3/ 177) وفيه «وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» ، ورواد إن كان لا بأس به فقد حدث عن سفيان بأحاديث مناكير كما قال أحمد وابن معين وغيرهما، وتابع روادًا زيد بن الحباب عن سفيان به عند البيهقي (1/ 286).
وخالفهما جماعة، منهم (يحيى القطان كما عند أبي داود (138)، ومحمد بن يوسف كما عند البخاري (157)، وأبو عاصم النبيل كما عند الدارمي (696) ووكيع كما عند الترمذي (42)، وغيرهم كثير، رووه عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا:«أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً» ولم يذكروا: «وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» ، فتبين شذوذ:«وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» من رواية سفيان لأن الثقات الأثبات رووه عنه بدونها.
ورواه ابن عجلان عند ابن أبي شيبة (1/ 17) وغندر وورقاء بن عمر عند البيهقي (1/ 73)، وأبو بكر بن محمد عند عبد الرزاق (129) عن زيد به بغسل الرجلين، ورواه هشام بن سعد عند أبي داود (137)، بذكر مسح أسفل النعل، والدراوردي عند أبي عبيد «الطهور» (105)، ومعمر عند عبد الرزاق (783) بذكر المسح على النعلين.
(4)
قال الزيلعي «نصب الراية» (1/ 188): قال البزار: حدثنا إبراهيم بن سعد ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر به. وصحح الحافظ إسناده في «الدراية» (1/ 83) ولكن تفرد البزار مع ما فيه من المقال ورواه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (1/ 97) من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب بلفظ: «كَانَ إذا تَوَضَّأُ وَنَعْلَاهُ فِي قدميه، مسح على ظهر قدميه بيده ويقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع هكذا» .
واستدلوا أيضًا بما روى الطبري (6/ 134) عن عبدِ اللهِ بنِ الْحَجَّاحِ بْنِ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ:«أَتَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ عَلَيْهَا قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» وزيادة (مسح على نعليه) شاذة، قال الطبري نفسه تعليقًا على هذه الرواية بعد أن خرجها: وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ، فَإِنَّ الثِّقَاتَ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ حَدَّثُوا بِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. ثم ذكر من روى الحديث بدون هذه الزيادة فتبين شذوذها.
واعترض عليه بأنه لا يصح في المسح على النعلين حديث.
وأما دليلهم من المأثور: فعن أَبِي ظَبْيَانَ؛ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا»
(1)
.
أما دليلهم من القياس فقالوا: يجوز المسح على النعلين كما يمسح على الخفين.
واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق، فالخف يستر الكعب - أي محل الفرض - والنعل يكون أسفل الكعب لا يغطي محل الفرض.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه لا يجوز المسح على النعل لأنه لا يصح في المسح على النعلين حديث، ولا يصح قياس النعل على الخف، والله أعلم.
المبحث الرابع: المسح على الخِرَق واللفائف:
قال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْجَبَلِ يَلُفُّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ لَفَائِفَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرَبًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللِّفَافَةَ لَا تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا، إنَّمَا تَثْبُتُ بِشَدِّهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا
(2)
.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 173) عن ابن إدريس عن الأعمش عن أبي ظبيان به.
(2)
«المغني» (1/ 182).
وفي التاج: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخِرَقِ إذَا لَفَّ بِهَا رِجْلَيْهِ
(1)
.
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَكَوْا إِلَيْهِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ
(2)
»
(3)
.
قال ابن تيمية: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَهِيَ بِالْمَسْحِ أَوْلى مِنْ الْخُفِّ وَالْجَوْرَبِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ اللَّفَائِفَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْحَاجَةِ فِي الْعَادَةِ وَفِي نَوْعِهَا ضَرَرٌ: إمَّا إصَابَةُ الْبَرْدِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْحِفَاءِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْجُرْحِ، فَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ فَعَلَى اللَّفَائِفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلى، وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُلَ الْمَنْعَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فَضْلًا عَنْ الْإِجْمَاعِ، وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ
(4)
.
* * *
(1)
«التاج والإكليل» (1/ 467).
(2)
العصائب: هي ما يعصب به الرأس وهي العمائم.
والتساخين: كل ما يسخن به الرجل من الخف والجورب والخرق وغيرها.
(3)
ضعيف: أخرجه أحمد (5/ 277)، وأبوداود (146)، من طريق يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد ابن سعد عن ثوبان به. وعلته أن هناك خلافًا فى سماع راشد بن سعد من ثوبان: فنفى السماع أحمد كما فى العلل (1/ 104) وابن أبى حاتم كما فى المراسيل (ص: 59)، وقال البخاري: راشد سمع من ثوبان كما فى التاريخ الكبير.
قلت: إن كان البخاري أثبت السماع فقد ضَعَّف الحديث كما فى الدراية (1/ 72) قال: عَنْ ثَوْبَان قَالَ بعث رَسُول اللهَ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة فَأَصَابَهُمُ الْبرد فَأَمرهمْ أَنْ يمسحوا عَلَى العصائب والتساخين. أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم، وَإِسْنَاده مُنْقَطع وَضَعَّفه البييهقي وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث لَا يَصح.
(4)
«مجموع الفتاوى» (21/ 185)، وانظر «الفتاوى الكبرى» (1/ 319).
الفصل الثاني شروط المسح على الخفين
الشرط الأول: طهارة الخف، فلا يصح المسح على خف نجس.
الشرط الثاني: يُشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى ولا يجزئ المسح في الجنابة.
الشرط الثالث: يُشترط لبس الخف على طهارة مائية، أما إذا تيمم لفقد الماء ثم لبس الخف فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه.
الشرط الرابع: يُشترط لبس الخفين بعد كمال الطهارة، فإذا توضأ وبعد غسل رجله اليمنى لبس فيها الخف ثم اليسرى فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فليس له أن يمسح على الخفين لأنه يشترط أن يُلبس بعد الانتهاء من الوضوء تمامًا.
الشرط الخامس: إذا كان سليم القدمين يمسح على الخفين معًا، فلو غسل رجلًا ومسح على الأخرى لا يجزئ.
الشرط السادس: يُشترط ثبوت الخف على القدم، فإن سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه.
هذا الإجمال وإليك التفصيل.
الشرط الأول: طهارة الخف، فلا يصح المسح على خف نجس.
قال النووي: لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ مِنْ جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ
(1)
.
(1)
«المجموع» (1/ 539). وقال الماوردي «الإنصاف» (1/ 181): طَهَارَةُ عَيْنِهِ (أي الخف)، إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ بِلَا نِزَاعٍ
الشرط الثاني: يشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى.
قال ابن قدامة: جَوَازَ الْمَسْحِ مُخْتَصٌّ بِهِ (أي الوُضُوءِ)، وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا
(1)
.
قال النووي: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ، وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا
(2)
.
الشرط الثالث: لبس الخف على طهارة مائية:
إذا تيمم لفقد الماء ثم لبس الخف فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه، على قول الجمهور. قال مالك
(3)
: وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ. وَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وقال السرخسي: وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ نَزَعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ
(4)
.
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَجْنَبَ، فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَاءٍ، فَاسْتَتَرَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ
(1)
«المغني» (1/ 362).
(2)
«المجموع» (1/ 505). وروى عبد الرزاق (795) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ فَقُلْتُ: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ. فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ. قُلْتُ: حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنْ ذَلِكَ، هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا، أَوْ كُنَّا مُسَافِرِينَ، لَا نَنْزِعَ أَخْفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. إسناده حسن.
(3)
«الموطأ» (1/ 37).
(4)
«المبسوط» (1/ 105)، وانظر «المجموع» (1/ 545)، و «الفروع» (1/ 160).
ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ»
(1)
.
الشرط الرابع: لُبس الخفين بعد كمال الطهارة:
إذا توضأ وبعد غسل رجله اليمنى لبس فيها الخف ثم اليسرى لبس فيها الخف فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فهل يصح له المسح على الخفين؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يمسح على الخفين؛ لأنه إذا غسل رجله اليمنى ثم ألبسها الخف قبل أن يغسل اليسرى فقد لبس الخف قبل تمام الطهارة، وشرط لبس الخف لكي يمسح عليه أن يكون بعد كمال الطهارة، أي بعد أن ينتهي من غسل الرجل اليسرى، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث المغيرة، قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ:«دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» . فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.
(1)
ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (913)، وأحمد (5/ 155) وغيرهما، وفي إسناده: عمرو بن بجدان وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح هذا الحديث الترمذي والحاكم، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: عمرو بن بجدان معروف؟ قال: لا. وقال ابن حجر: لا يُعرف حاله. وقد ضَعَّفه ابن القطان وبَيَّن الاختلاف فيه فقال في كتابه «الوهم والإيهام» (3/ 327): لَا يُعرف لعَمْرو بْن بجدان هَذَا حَال، وَإِنَّمَا روى عَنهُ أَبُو قلَابَة، وَاخْتلف عَنهُ: فَيَقُول خَالِد الْحذاء: عَنهُ، عَنْ عَمْرو بن بجدان، وَلَا يخْتَلف فِي ذَلِك على خَالِد. وَأما أَيُّوب فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أبي قلَابَة، فَاخْتلف عَلَيْهِ: فَمنهمْ من يَقُول: عَنهُ عَنْ أبي قلَابَة، عَنْ رجل من بني عَامر. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ رجل فَقَط. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ رَجَاء بن عَامر. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ عَمْرو بن بجدان، كَقَوْل خَالِد. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ أبي الْمُهلب. وَمِنْهُم من لَا يَجْعَل بَينهمَا أحدًا، فَيَجْعَلهُ عَنْ أبي قلَابَة، عَنْ أبي ذَرٍ. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ أبي قلَابَة أَنْ رجلًا من بني قُشَيْر، قَالَ: يَا نَبِي الله. هَذَا كُله اخْتِلَاف على أَيُّوب فِي رِوَايَته إِيَّاه عَنْ أبي قلَابَة، وجميعه فِي علل الدَّارَقُطْنِيّ وسننه، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا شكّ فِيهِ. وله شاهد من حديث أبي هريرة:«الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ: الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فليتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فإن ذلك خير» ، رواه البزار، وقال الحافظ «التلخيص» (1/ 271): صححه ابن القطان لكن قال الدارقطني في «العلل» : إن إرساله أصح.
(2)
«حاشية الدسوقي» (1/ 143)، «الأم» (1/ 124)، «مسائل ابن هانئ» (1/ 20).
قوله: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»
(1)
أي: في الخف، أي بعد كمال الوضوء، أي بعد غسل الرجل اليمنى واليسرى.
وذهب الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن من توضأ فغسل رجله اليمنى ثم أدخلها في الخف قبل غسل الرجل اليسرى فإذا أحدث فأراد أن يتوضأ، فله أن يمسح على الخفين
(2)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» .
وجه الدلالة: أن مَنْ غسل الرجل اليمنى ثم أدخلها في الخف فقد أدخلها وهي طاهرة وكذلك اليسرى.
والراجح: قول الجمهور، ومعنى «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» أي أنه مسح عليهما بعد الانتهاء من الوضوء.
الشرط الخامس: يشترط إذا كان سليم القدمين يمسح على الخفين معًا:
قال النووي: لَوْ لَمْ يَكُنْ للرَّجل إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّهَا بِلَا خِلَافٍ
(3)
.
وقال في موضع آخر: تَنْبِيهٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مُهِمَّةٍ مِنْ أُصُولِ الْبَابِ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي رِجْلٍ
(1)
«البخاري» (206)، و «مسلم» (274)، واستدلوا أيضًا بما روى ابن خزيمة في صحيحه (192) عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه:«رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» . وجه الدلالة: «وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ» . ولكن في إسناده: المهاجر بن مخلد: ضعيف.
وروى عبد الرزاق من حديث صفوان بن عسال: «أَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهُورٍ ثَلَاثًا، إِذَا سَافَرْنَا» . زيادة: «إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهُورٍ» شاذة، فالحديث مداره على عاصم عن زر عن صفوان به. ورواه الثوري عند عبد الرزاق (792)، وابن عيينة عند أحمد (4/ 240)، وهمام عند أحمد (4/ 239)، وشعبة عند الطيالسي (1166) وغيرهم كثير، كلهم عن عاصم بدون زيادة «إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهُورٍ» فهي زيادة شاذة.
(2)
«شرح فتح القدير» (1/ 147)، «مجموع الفتاوى» (21/ 209).
(3)
«المجموع» (1/ 561).
دون الأخرى ومَسَحَ عَلَيْهِ وغَسَلَ الأخَرَ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ
(1)
.
الشرط السادس: يشترط ثبوت الخف على القدم:
فإذا كان الخف يسقط من القدم عن محل الفرض فلا يمسح عليه لأن النص ورد في الخف المعتاد
(2)
، وأما إذا كان الخف واسعًا ولا يثبت إلا بشده بخيط أو بغيره فإنه يمسح عليه لأن الإذن بالمسح على الخف وما في معناه مطلق غير مقيد.
قال ابن تيمية في ثبوت الخف بنفسه: وَقَدِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَدِّهِ بِشَيْءِ يَسِيرٍ أَوْ خَيْطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُمْسَحْ، وَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ إلَّا بِالشَّدِّ - كالزربول الطَّوِيلِ الْمَشْقُوقِ: يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ لَا يَسْتُرُ إلَى الْكَعْبَيْنِ إلَّا بِالشَّدِّ - فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَد بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ بِنَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا؛ وَأَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ، فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ لا يَشتَرطُ فِي الْجَوْرَبَيْنِ أَنْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ إذَا ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ جَازِ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، فَغَيْرُهُمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلى، وَهُنَا قَدْ ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ وَهُمَا مُنْفَصِلَانِ عَنْ الْجَوْرَبَيْنِ. فَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِشَدِّهِمَا بِخُيُوطِهِمَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَوْلى بِالْجَوَازِ
(3)
.
فالحاصل: أن الخف إذا ثبت على القدم، سواء كان بنفسه أو بشده بخيط أو بغيره على محل الفرض، مسح عليه، أما إذا سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه.
* * *
(1)
«المجموع» (1/ 523).
(2)
انظر «المبسوط» (1/ 102)، «حاشية الدسوقي» (1/ 143)، «روضة الطالبين» (1/ 126).
(3)
«مجموع الفتاوى» (20/ 148).
الفصل الثالث ما لا يُشترط في المسح على الخفين
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا،
فلو كان الخف محرمًا أو مغصوبًا فإنه يجزئ المسح عليه مع الإثم.
المبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله، بل ما يطلق عليه خف يجزئ المسح عليه إذا كانت الفتوق يسيرة.
المبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف.
المبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد، بل يجوز أن يكون من صوف أو غير ذلك.
هذا الإجمال وإليك التفصيل.
المبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز المسح على الخف المحرم، وهو قول بعض الشافعية والمشهور عن الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بأنه إذا كانت الصلاة لا تُقبل في الثوب المسبل فكذا لا يصح المسح على شيء محرم، دل على ذلك ما رواه عطاء بن يسار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ»
(2)
.
(1)
«المجموع» (1/ 538)، «تصحيح الفروع» (1/ 164).
(2)
ضعيف: أخرجه أحمد (4/ 67) وغيره. وفي إسناده أبو جعفر المدني: مجهول.
واعترض عليه بأنه هذا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستدلوا بأن المسح إنما جاز لمشقة النزع، وهذا عاصٍ بترك النزع واستدامة اللبس، فينبغي ألا يُعذر
(1)
، وكذا تجويز المسح على الخف المحرم يؤدي إلى إتلافه فيُمنع، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»
(2)
، أي مردود عليه، فالمسح على الخف المحرم مردود لأنه خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: ذهب الحنفية وأكثر الشافعية إلى أن مَنْ مسح على خف محرم وهو يتوضأ فهو يجزئه مع الإثم
(3)
لانفكاك الجهة؛ لأن الغصب أمر خارج عن الطهارة، فالغاصب مأذون له في المسح على الخفين، والمنع عارض، فعليه إثم الغصب.
القول الثالث: ذهب بعض المالكية إلى التفريق بين ما كان محرمًا لِحَقِّ الله فإذا كان الخف من حرير لا يمسح عليه وهو عاصٍ بلبسه وما كان محرمًا لحقِّ آدمي كالحق المغصوب يمسح عليه وعليه إثم الغصب
(4)
.
والراجح: أن المسح يجزئ وعليه إثم الغصب لانفكاك الجهة، فالغاصب مأذون له في المسح على الخفين، والمنع عارض، فعليه إثم الغصب، والله أعلم.
المبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله.
إن كان الخرق فوق الكعب جاز المسح بلا خلاف
(5)
.
وأما إذا كان الخرق دون الكعب فقد اختلف العلماء في هذا الشرط على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يمسح على الخف وإن كان فيه فتق أو خرق إذا كان يطلق عليه خف وبإمكانه أن
(1)
«المجموع» (1/ 538).
(2)
«مسلم» (1718).
(3)
«شرح فتح القدير» (1/ 47)، «المجموع» (1/ 538، 539).
(4)
«حاشية الدسوقي» (1/ 181).
(5)
«المجموع» (1/ 523).
يمشي به
(1)
.
واستدلوا بأن الأحاديث التي وردت في المسح على الخفين مطلقة وغير مقيدة بكون الخف ليس فيه خرق، ولو كان هذا شرطًا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنقله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام: فَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِينَ بَلَّغُوا سُنَّتَهُ وَعَمِلُوا بِهَا - لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَقْيِيدُ الْخُفِّ بِشَيْءِ مِنَ الْقُيُودِ، بَلْ أَطْلَقُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْخِفَافِ وَأَحْوَالِهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ فَهِمُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا
(2)
.
واشتراط كون الخفاف سليمة من الخروق ينافي المقصود من الرخصة، فإن المقصود من المسح على الخفين التيسير على المكلفين؛ ولهذا اكتفى الشرع بمسح ظاهره بينما في غسل القدمين يكون جميع القدم، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:«وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» . فلو قلنا: لا يجوز المسح إلا على الخف السليم بطل المقصود من الرخصة، لاسيما والناس المحتاجون إلى ذلك هم الأكثر، وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين، فإن سبب الرخصة هو الحاجة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد:«أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟!» ، فَبَّين أن منكم من لا يجد إلا ثوبًا واحدًا، فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب.
القول الثاني: لا يمسح على الخف إذا كان فيه خرق، وهو قول الشافعي في الجديد والمشهور عن الحنابلة
(3)
.
واستدلوا بأن القدر الذي ظهر من الخرق فرضه الغسل، والجمع بين الغسل والمسح لا يجوز.
واعترض عليه بما قاله ابن تيمية: وَقَوْلُ الْقَائِلِ: (إنَّ مَا ظَهَرَ فَرْضُهُ الْغَسْلُ) مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمَاسِحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَسْتَوْعِبُهُ بِالْمَسْحِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ بَلْ يَمْسَحُ أَعْلَاهُ دُون أَسْفَلِهِ وَعَقِبَهُ وَذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ الرِّجْلِ، فَمَسْحُ بَعْضِ الْخُفِّ كَافٍ عَمَّا يُحَاذِي الْمَمْسُوحَ وَمَا لَا يُحَاذِيهِ، فَإِذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي الْعَقِبِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا مَسْحُهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ لَا يَجِبُ مَسْحُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ ظَهْرِ
(1)
«الأوسط» (1/ 448)، «مجموع الفتاوى» (21/ 172).
(2)
«مجموع الفتاوى» (21/ 175).
(3)
«الحاوي» (1/ 362) مسائل أحمد رواية أبي داود (ص 16).
الْقَدَمِ.
القول الثالث: التفريق بين الخرق الكبير والخرق اليسير، وهو قول الحنفية والمالكية
(1)
.
واستدلوا بأنه إذا كان ستر العورة واجبًا في الصلاة وظهور يسير العورة معفو عنه، فمن باب أَوْلى فالخرق اليسير في الخف معفو عنه.
قال ابن تيمية: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخِفَافَ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو كَثِيرٌ مِنْهَا عَنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَقَادُمِ عَهْدِهَا، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقُرَّاءَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمْ تَجْدِيدُ ذَلِكَ. وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ:«أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟!» وَهَذَا كَمَا أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَ يَكْثُرُ فِيهَا الْفَتْقُ وَالْخَرْقُ حَتَّى يَحْتَاجَ لِتَرْقِيعِ، فَكَذَلِكَ الْخِفَافُ، وَالْعَادَةُ فِي الْفَتْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفِّ أَنَّهُ لَا يُرَقَّعُ وَإِنَّمَا يُرَقَّعُ الْكَثِيرُ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الضَّيِّقِ حَتَّى إنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَجَدُوا تَقَلَّصَ الثَّوْبُ فَظَهَرَ بَعْضُ الْعَوْرَةِ وَكَانَ النِّسَاءُ نُهِينَ عَنْ أَنْ يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ لِئَلَّا يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مَنْ ضِيقِ الْأُزُرِ، مَعَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ سَتْرِ الرِّجْلَيْنِ بِالْخُفِّ، فَلَمَّا أَطْلَقَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ؛ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ، وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُ
(2)
.
والراجح: أنه يجوز المسح على ما يطلق عليه خف، سواء كان فيه فتق أو خرق؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بَلَّغوا سنته ولم يُنقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، والله أعلم.
المبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف:
يُشترط في الخف حتى يمسح عليه عند الجمهور أن يمكن متابعة المشي عليه
(3)
.
وذهب الشافعية في وجه إلى أن ذلك ليس بشرط
(4)
.
قال الشيخ الدبيان: إنه ليس بشرط، وأن الذي لا يمكن المشي فيه إن كان لضيقه فإن كان لا
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 11)، «حاشية الخرشي» (1/ 180).
(2)
«مجموع الفتاوى» (21/ 174).
(3)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 263)، «حاشية الخرشي» (1/ 179، 180)، «روضة الطالبين» (1/ 126)، «شرح العمدة» (1/ 520).
(4)
«المجموع» (1/ 528).
يضره وكان لا يحتاج للمشي كما لو كان راكبًا أو مقعدًا فما المانع من المسح عليه، فهو لا يحتاج إلى المشي حتى نشترط إمكان متابعة المشي عليه، والمسح على الخفاف والجوارب ورد مطلقًا غير مقيد بشيء، فَمَنْ وضع قيدًا طُلب منه الدليل
(1)
.
المبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُشترط أن يكون الخف من جلد
(2)
.
قال ابن تيمية: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، كَمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ وَمَحْظُورِهِ وَمُبَاحِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ أَبْقَى مِنَ الصُّوفِ، فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى. فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا أَنْزَلَ الله بِهِ كُتُبَهُ
(3)
.
* * *
(1)
«موسوعة الطهارة» (5/ 213).
(2)
«مراقي الفلاح» (ص 53)، وقال النووي «المجموع» (1/ 522): اتفق أصحابنا على أنه لا يشترط في الخف جنس الجلود. وقال ابن قدامة «المغني» (1/ 373): وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ سَاتِرٍ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا.
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 214).
الفصل الرابع
صفة المسح على الخفين ومدته
وفيه ثمانية مباحث
المبحث الأول: المقدار المجزئ في المسح على الخفين.
المبحث الثاني: هل يمسح أسفل الخف؟
المبحث الثالث: هل يمسح على الخفين معًا كالأذنين أم تُقدم اليمنى على اليسرى؟
المبحث الرابع: مدة المسح وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: ابتداء مدة المسح.
المطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر.
المطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر.
المطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.
المطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام.
المبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟
المبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما.
المبحث السابع: إذا لبس خفًّا ثم مسح عليه ثم أحدث، ثم لبس خفًّا فوقه
هل يمسح على الأعلى؟
المبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟
الفصل الرابع
صفة المسح على الخفين ومدته
المبحث الأول: المقدار المجزئ في المسح على الخفين.
اختلف أهل العلم في المقدار المجزئ في المسح على الخفين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف، وهو قول الحنابلة.
القول الثاني: إنْ مسح خفه بإصبع أو إصبعين لم يجزه، وإنْ مسح بثلاثة أصابع أجزأه. وبه قال الحنفية.
واستدلوا بما روى أبو العلاء، قال: رَأَيْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بَالَ، ثُمَّ أَتَى دِجْلَةَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَمَسَحَ أَصَابِعَهِ عَلَى الْخُفِّ وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي الْخُفِّ
(1)
.
وجه الدلالة: «فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ» وأقل الأصابع ثلاثة.
واعترض عليه بأن في إسناده أبا العلاء وهو مجهول.
وعن أيوب قال: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً عَلَى ظُهُورِهِمَا» قَالَ: فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفِّ
(2)
.
وجه الدلالة: «فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ» ، والأصابع جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وهذا الأثر صحيح لكنه ليس بصريح في هذا الحكم.
القول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه يجب استيعاب أعلى الخف بالمسح
(3)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق (1/ 219) رقم (852).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (1/ 219) رقم (851).
(3)
«المنتقى» (1/ 82).
واستدلوا بما ورد عن عليّ رضي الله عنه قال: «مَا كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَّا أَحَقَّ بِالْغَسْلِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ»
(1)
.
وجه الدلالة: المسح على ظاهر الخف يوجب استيعاب الظاهر.
وعن المغيرة قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى ظُهُورِالْخُفَّيْنِ»
(2)
.
والراجح: هو أن الواجب مسح أكثر ظاهر الخف؛ وذلك لأن الأحاديث التي وردت في المسح على الخفين مطلقة غير مقيدة، واستيعاب ظاهر الخف فيه مشقة، خاصة أن المسح يكون بالأصابع، والله يقول:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وشرع الله المسح على الخفين للتيسير والتسهيل على المكلفين وقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، والله أعلم.
المبحث الثاني: هل يمسح أسفل الخف؟
اختلف أهل العلم في حكم مسح أسفل الخفين على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يمسح أعلى الخف ولا يمسح أسفل الخف
(3)
.
(1)
رجاله ثقات: أخرجه أبو داود (163) عن محمد بن رافع عن يحيى بن آدم قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن عليٍّ به.
(2)
والصحيح يمسح على الخفين وزيادة «ظهور» منكرة، رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي الزناد عن عروة عن المغيرة به، أخرجه أحمد (4/ 246، 247).
وخالف عبد الرحمن بن أبي الزناد جماعة بالمسح على الخفين، منهم:
1 -
عروة بن المغيرة عند البخاري (206)، ومسلم (174).
2 -
مسروق عند البخاري (363)، ومسلم (274)، وغيرهما كثير بالمسح على الخفين وليس فيه كلمة «ظهور» ، فهذه زيادة منكرة لأنه انفرد بها عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو متكلم فيه وقد خالف الثقات، والله أعلم.
(3)
«تبيين الحقائق» (1/ 48)، «الإنصاف» (1/ 184)، «مسائل أحمد» (ص/ 15) رواية أبي داود.
واستدلوا بما ورد عن عليٍّ قال: «مَا كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَّا أَحَقَّ بِالْغَسْلِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ»
(1)
.
القول الآخر: قال مالك: إنْ مَسَح الأعلى فقط وصلى يعيد الصلاة ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت أجزأه
(2)
.
دل على ذلك حديث المغيرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَأَعْلَاهُ»
(3)
. واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.
والراجح: هو أنه يمسح أعلى الخف ولا يمسح أسفله (باطنه) لقول علي: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ» ، والله أعلم.
المبحث الثالث: هل يمسح الخفين معًا كالأذنين، أم تُقدم اليمنى على اليسرى؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يمسح الخفين معًا كالأذنين، وهو قول الحنفية والمشهور عن الحنابلة
(4)
.
(1)
رجاله ثقات: أخرجه أبو داود (163)، وهناك بعض الأحاديث الأخرى التي استدلوا بها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر الخف، وأعرضت عنها لضَعْفها ولعدم الإطالة.
(2)
انظر «المدونة» (1/ 142)، وهو مذهب الشافعي، انظر «الأم» (8/ 103).
(3)
ضعيف: ومدار الحديث على ثور عن رجاء عن كاتب المغيرة، فرواه الوليد بن مسلم عن ثور عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة به، أخرجه أحمد (4/ 251). ولهذا الحديث علتان:
الأولى: الإرسال، فرواه ابن المبارك عن ثور قال: حُدثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، والوليد مدلس تدليس تسوية ولم يصرح إلى نهاية السند، وابن المبارك أوثق منه، فالصحيح فيه الإرسال.
العلة الثانية: عن ثور قال: (حُدثت عن رجاء) فهنا انقطاع بين ثور ورجاء، وقد ضَعَّف هذا الحديث البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأحمد والدارقطني والترمذي وأبو داود وغيرهم. انظر «العلل للترمذي» (1424)، و «العلل للدارقطني» (1/ 110)، و «العلل لابن أبي حاتم (1/ 54)، و «التلخيص الحبير» (1/ 159).
(4)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 267)، و «الإنصاف» (1/ 185).
واستدلوا بما رُوى عن المغيرة قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ:«دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» . فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا
(1)
.
وجه الدلالة: «فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» أي معًا كالأذنين من غير تقديم اليمنى على اليسرى.
القول الآخر: يُستحب تقديم اليمنى على اليسرى، وهو قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بأن المسح بدل الغسل، وإذا كان يستحب في غسل الرجلين تقديم اليمنى على اليسرى فكذا المسح بدل عنه.
والراجح: استحباب مسح الخفين معًا كالأذنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح عليهما، أي معًا، ولو قدم اليمنى على اليسرى في المسح لبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام.
المبحث الرابع: مدة المسح وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: ابتداء مدة المسح.
إذا كان المقيم يمسح يومًا وليلة فمتى يبدأ المسح؟ إذا لبس الخف، أو بعد أول حدث، أو يُستحب بعد أول مسحة؟
ذهب أحمد في رواية والأوزاعي إلى أن المسح يُحسب من أول مسح بعد الحدث.
قال المرداوي: وَيَمْسَحُ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِثُمَّ يَمْسَحُ إلَى مِثْلِهَا مِنِ الْغَدِ
(3)
.
دل على ذلك ما رواه مسلم عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً
(1)
«البخاري» (206)، و «مسلم» (274).
(2)
«مواهب الجليل» (1/ 324)، و «الأم» (8/ 103)، و «الإنصاف» (1/ 185).
(3)
«مسائل أحمد رواية أبي داود» (1/ 167)، و «الإنصاف» (1/ 177). وبه قال أبوثور.
لِلْمُقِيمِ»
(1)
. فدل الحديث على أن المقيم يمسح يومًا وليلة، فالمدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث.
وذهب جمهور العلماء إلى أن المدة تبتدئ من أول حدث بعد لبس الخف. وبه قال الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة
(2)
.
وقال الشعبي وإسحاق: يمسح عليه خمس صلوات، وتبتدئ المدة من أول صلاة صلاها بعد لبس الخف
(3)
.
والراجح: أن للمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وتبتدئ المدة من أول مسح بعد الحدث.
المطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر.
عَنْ شُرَيْحِ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ:«جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» .
المطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر.
قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ الْمُسَافِرِ
(4)
.
المطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.
(1)
أخرجه مسلم (276).
(2)
«المبسوط» (1/ 99)، «الأم» (1/ 35)، «المبدع» (1/ 142)، واستدلوا بحديث صفوان:«كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا فِي السَّفَرِ أَنْ لَا نَنْزِعَ أَخْفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ نَوْمٍ وَغَائِطٍ وَبَوْلٍ» ، يدل ذلك على أن المدة تبتدئ من أول حدث بعد لبس الخف. واعترض عليه بأن الحديث يدل على جواز المسح على الخفين يومًا وليلة، ولكن إذا كان حدث أكبر فلا بد من نزع الخف.
(3)
«الأوسط» (1/ 444)، «المجموع» (1/ 512).
(4)
«المغني» (1/ 179)، وهذا الإجماع منخرم فقد وردت رواية عن أحمد بأن من لبس الخف وهو مقيم ثم سافر أنه يمسح كما يمسح المقيم. انظر «الإنصاف» (1/ 179).
يباح المسح في كل ما يطلق عليه سفر؛ لعموم قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} .
قال ابن تيمية: لَمْ يَحُدَّ صلى الله عليه وسلم لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَطْلَقَ لَهُمُ التَّيَمُّمَ فِي كُلِّ سَفَر
(1)
.
المطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام:
إذا لبس خفيه وهو مسافر ثم أقام، فإنه لا يخلو من حالين:
الأول: إذا كان لم يمسح في سفره حتى أقام، مسح يومًا وليلة.
الثاني: إذا مسح في سفره أقل من يوم وليلة ثم أقام، أكمل مسح اليوم والليلة، وإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة ثم أقام فقد انتهت مدته لأنه لما أقام كان حكمه حكم المقيم، وهذا قول جمهور العلماء
(2)
.
قلت: وجِماع هذا الباب أن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإن لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر فمسح، فحكمه حكم المسافر، وإن لبس الخفين وهو مسافر ثم أقام فمسح، فحكمه حكم المقيم، والله أعلم.
المبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟ أي إذا كان المسافر عاصيًا بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟
هذا لا يخلو من حالين:
الأول: ما قاله النووى: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ
(3)
.
(1)
«الفتاوى» (24/ 135)، وقد توسعت في هذا المبحث في كتاب فقه الصيام ص (102).
(2)
«البحر الرائق» (1/ 189)، «الأم» (1/ 51)، «الفروع» (1/ 167، 168).
(3)
«المجموع» (4/ 224).
الحال الثاني: نقل النووي الإجماع على أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا خِلَافٍ
(1)
.
قلت: وهذا الإجماع منخرم فإن عند الحنفية يباح للمسافر سفر المعصية كقطع الطريق أو غيره المسح على الخفين
(2)
.
واستدلوا بعموم الأدلة التي تُجوز للمسافر المسح على الخفين، ولو كان السفر لمعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع، وكذا رجح قول الحنفية شيخ الإسلام فقال: المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورًا بها أحد من المسافرين
(3)
.
المبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن من لبس خفًّا على خف أنه يباح له المسح عليه، وبه قول الحنفية ورواية عند مالك والقول القديم عند الشافعي والحنابلة
(4)
.
واستدلوا بحديث بلال رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ»
(5)
.
(1)
«المجموع» (1/ 510).
(2)
«مراقي الفلاح» (ص 163).
(3)
«مجموع الفتاوى» (24/ 110).
(4)
«العناية شرح الهداية» (1/ 155، 156)، «المنتقى» (1/ 82)، «المجموع» (1/ 531).
(5)
ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 162)، وأحمد (6/ 15)، وغيرهما من طرق عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي إدريس عن بلال به، وأخرجه الروياني «مسنده» (735) عن أبي قلابة عن بلال به فهو منقطع.
وقال البخاري «التاريخ الكبير» (1/ 390): قال حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي إدريس عن بلال، وقال غير واحد عن أيوب عن أبي قلابة عن بلال مرسل.
وأخرجه ابن أبي شيبة (1/ 168) وغيره من طريق أبي عبد الله مولى التيم بن مُرة عن أبي عبد الرحمن قال: كنت جالسًا مع عبد الرحمن بن عوف فمر بنا بلال
…
الحديث، وفي إسناده أبو عبد الله مجهول.
وأخرجه الطبراني «مسند الشاميين» (1372) من طريق مكحول عن الحارث بن معاوية الكندي عن بلال به، وفي إسناده: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة شيخ الطبراني فيه مقال. وفى «مسند الشاميين» (1142) وشيخ الطبراني لم أقف عليه، وفي «المعجم الكبير» (1/ 340) عن شريح عن علي بن أبي طالب، قال: زعم بلال .. وذكر الحديث، وهو منكر مخالف لحديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده ليث وهو ضعيف.
وجه الدلالة: أن الموق قصير يُلبس فوق الخف
(1)
.
واستدلوا بأن حكم الخفين حكم الخف الواحد، والحاجة تدعو إليه، خاصة في البلاد الباردة، فدل ذلك على الجواز، والله أعلم.
القول الآخر: لا يجوز المسح على أعلى الخفين، وهذا قول مالك في رواية وقول الشافعي في الجديد
(2)
. واستدلوا بأن الرخصة وردت في المسح على الخفين.
واعترض عليه بأنه لا فارق بين خف وخفين، والحاجة تدعو إليه.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز المسح على أعلى الخفين، والله أعلم.
المبحث السابع: إذا لبس خفًّا، ثم مسح عليه، ثم أحدث ثم لبس خفًّا فوقه، هل يمسح على الأعلى؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يمسح إلا على الأسفل، وبه قال الحنفية والمالكية وقول للشافعية والحنابلة
(3)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» ، وهذا لبس الخف
(1)
له شواهد: شاهد من حديث أنس، رواه البيهقي «السنن الكبرى» (1/ 289) وعلته الانقطاع، فعاصم الأحول لم يسمع من أنس. وشاهد أبي ذر، أخرجه الطبراني «الأوسط» (6/ 214)، وفي إسناده المسيب بن واضح: ضعيف، وساق له ابن عدي «الكامل» (6/ 389) أحاديث منكرة.
()«مختار الصحاح» (266)، «شرح فتح القدير» (1/ 158)،
(2)
«المنتقى» (1/ 82)، «المجموع» (1/ 531).
(3)
«المبسوط» (1/ 102)، «الخرشي» (1/ 178)، «المجموع» (1/ 531)، «الروض المربع» (1/ 289).
الأعلى وهو محدث فلا يجوز المسح عليه.
أما إذا لبس خفين فوق بعض ثم مسح على الأعلى فإذا نزع الأعلى هل يمسح على الأسفل؟
فالجواب: لا يمسح عليه؛ لأن خلع الأعلى يبطل المسح على الأسفل لأن حكم المسح تعلق به.
المبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المسح على الخفين رافع للحدث
(1)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن ابن عُمَرَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ»
(2)
، فإذا كانت لا تُقبل صلاة بغير طهور، فإذا كان ماسح الخفين صلاته صحيحة فدل ذلك على أن المسح على الخفين رافع للحدث.
القول الآخر: ذهب المالكية إلى أن المسح على الخفين مبيح وليس رافعًا
(3)
.
واستدلوا بأن المسح على الخفين مبيح كالتميم.
والراجح: أن المسح على الخفين رافع للحدث؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» . فالمسح على الخفين كغسل الرجلين، والله أعلم.
(1)
«المجموع» (1/ 561)، «الإنصاف» (1/ 169).
(2)
«مسلم» (224).
(3)
«مواهب الجليل» (1/ 323).
الفصل الخامس
مبطلات المسح على الخفين
المبطل الأول: إذا خلع خفيه وهو على طهارة المسح وقبل تمام المدة، فهل ينتقض وضوءه بمجرد خلع الخفين، أم أنه على طهارة حتى يحدث؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب ابن حزم وابن تيمية إلى أن من توضأ ثم مسح على خفيه ثم خلع الخفين، فهو على طهارة ما لم يُحْدث
(1)
.
واستدلوا بما روى أبو ظَبيان قال: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَ النَّاسِ»
(2)
.
واستدلوا بأن الرجل إذا تطهر ومسح على خفيه فخلع الخفين ليس بحدث حتى يعتبر ناقضًا للطهارة.
القول الثاني: تبطل طهارته، وهو قول للشافعي والمشهور عن الحنابلة
(3)
.
واستدلوا بالمأثور والمعقول:
أما دليلهم من المأثور، فعَنْ مَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ قَالَا: إِذَا مَسَحَ ثُمَّ خَلَعَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ
(4)
.
(1)
«المحلى» (1/ 340، 341).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 171) وزيادة: «ثم تقدم فأم الناس» عند البيهقي.
(3)
«المجموع» (1/ 553)، «مسائل ابن هانئ» (1/ 19).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 170).
وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ
(1)
.
أما دليلهم من المعقول فإن الماسح على الخفين إذا خلعهما وجب عليه غسل الرجلين، وإذا كان يشترط الموالاة فقد انتقض وضوءه.
واعترض عليه: بأنه إذا مسح على رأسه في الوضوء ثم حلق شعره لا ينتقض وضوءه، فكذا المسح على الخفين.
القول الثالث: يجب عليه أن يغسل قدميه إذا خلع الخفين ولا تُشترط الموالاة، وبه قال الحنفية، وقول للشافعي، ورواية عن أحمد
(2)
. واستدلوا بما روى يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ ابْنَ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فِي الرَّجُلِ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ، قَالَ: يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ
(3)
. واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والراجح: أن من توضأ ثم مسح على خفيه ثم خلع الخفين فهو على طهارة ما لم يُحْدث؛ لأن خلع الخفين ليس بحدث، وصح عن عليّ أنه خلع الخفين وصلى ولم يتوضأ، وهو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أُمرنا باتباع سنتهم، والله أعلم.
المبطل الثاني: انتهاء مدة المسح.
تنتهي مدة المسح بعد يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.
فإذا انقضت مدة مسحه ولم يحدث، فعليه نزع خفيه وهو على وضوئه حتى ينتقض، وهذا قول ابن حزم وابن تيمية
(4)
.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 171).
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 12)، «روضة الطالبين» (1/ 132)، «القواعد لابن رجب» (ص 314).
(3)
ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 170)، وفي إسناده يزيد الدالاني وإن كان قد يحسن حديثه إذا لم ينفرد بأصل مثل هذا، وقد قال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معلولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات؟! «المجروحين» (3/ 105).
(4)
انظر: «المحلى» (1/ 321)، «الاختيارات» (ص 15).
وقول عند الشافعية أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يُحْدث فعليه نزع خفيه وغسل القدمين
(1)
.
وذهب الشافعية في قول والحنابلة أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يُحدث فعليه نزع خفيه وقد انتقض وضوءه
(2)
.
والراجح: أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يحدث فعليه نزع خفيه وهو على وضوئه حتى يحدث؛ لأن خلع الخفين ليس بحدث، والله أعلم.
المبطل الثالث: يبطل المسح مع وجود الحدث الأكبر.
قال النووي: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ، وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا
(3)
.
وقال ابن قدامة: وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا
(4)
.
* * *
(1)
«المبسوط» (1/ 103)، «المجموع» (1/ 557).
(2)
«المجموع» (1/ 553»، «الإنصاف» (1/ 190).
(3)
«المجموع» (1/ 505).
(4)
«المغني» (1/ 362).
الفصل السادس أحكام المسح على العمامة والجبيرة
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: حكم المسح على العمامة.
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: جواز المسح على العمامة وهو المشهور عن الحنابلة والظاهرية
(1)
.
واستدلوا بما روى مسلم عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخُفَّيْن
(2)
.
وعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ»
(3)
.
(1)
«مسائل أحمد رواية عبد الله» (1/ 124)، «المحلى» (1/ 303).
(2)
«مسلم» (83)(274).
(3)
معلول: ورواه البخاري (205). ومدار الحديث على يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه.
واختلف على يحيى بن أبي كثير: فرواه عنه الأوزاعي كما عند البخاري (205) بذكر المسح على العمامة والخفين.
وخالف الأوزاعي جماعة من الثقات فرووه عن يحيى بالمسح على الخفين دون العمامة، منهم شبيان عند البخاري (204)، وأبان بن يزيد العطار عند أحمد (4/ 179)، وحرب بن شداد عند الطيالسي (1254)، وعلي بن المبارك عند أحمد (4/ 139)، أربعتهم عن يحيى بذكر المسح على الخفين دون العمامة.
ورواه عبد الرزاق (746) عن معمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو بن أمية: رأيت رسول الله يمسح على خفيه. بدون ذكر العمامة، وأسقط من السند جعفرًا. وذكر الحافظ عن ابن منده فذكر عن معمر إثبات المسح على العمامة.
قلت: فهل المسح على العمامة شاذ أم لا؟ لو قال قائل بشذوذها كان له وجهة قوية والله أعلم.
وروى مسلم عن بلال أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ والخِمَارِ
(1)
.
واستدلوا بحديث ثَوْبَانَ، قَالَ:«بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ» .
واستدلوا بحديث سلمان قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهِ وَخُفَّيْهِ»
(2)
.
(1)
يرويه عن بلال جماعة:
الأول: ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال به.
فرواه (أبو معاوية، وابن نمير، وعيسى بن يونس، وعلي بن مسهر) أربعتهم عن الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال به، رواه مسلم (84 - 275)، وأحمد (6/ 12، 14).
ورواه زائدة، وحفص كلاهما عن الأعمش به ولكن قالا بدلًا من كعب بن عجرة البراء بن عازب، أخرجه ابن خزيمة (1/ 183) وغيره. وتابع الأعمش بذكر البراء بن عازب ليث بن أبي سليم عند ابن أبي شيبة (1/ 167). ورواه الثوري عن الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال به، بإسقاط الواسطة بين ابن أبي ليلى وبلال- أخرجه عبد الرزاق (736)، وأحمد (6/ 15).
ومن خلال هذه الروايات يتبين أن المحفوظ: الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال. ولكن تابع الأعمش جماعة بدون ذكر كعب منهم: شعبة عند أحمد (6/ 13)، (2) وزيد بن أبي أنيسة عند أحمد (6/ 14)، والسند إليه ضعيف، (3) عبد الله بن محرز عند عبد الرزاق (754)، والسند إليه ضعيف، (4) والثوري عند أحمد (6/ 13)، وأبان بن تغلب، وابن أبي ليلى عند الحميدي (150). كلهم عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال به، أي بإسقاط كعب، وسقوط الصحابي لا يضر إذا تأكدنا من سماع ابن أبي ليلى من بلال.
الثاني: رواية أبي إدريس الخولاني عن بلال به عند أحمد (6/ 15) ولفظه (رأيت رسول الله يمسح على الموقين والخمار).
الثالث: رواه مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا مَكْحُولٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ خِمَارٍ، عَنْ بِلَالٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ. أخرجه أحمد (6/ 13)، وإسناده حسن.
الرابع: رواه أحمد (6/ 13) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن بلال، وفيه (يمسح على العمامة وعلى الخفين)، وفي إسناده أبو عبد الله مولى بني تميم: مجهول.
(2)
أخرجه أحمد (5/ 439)، وفي إسناده أبو مسلم مولى زيد بن صوحان، وفي إسناده: أبو شريح، وكلاهما لين الحديث، وفي الباب عن أبي طلحة وأنس وأبي أمامة ولا يصح عنهم حديث.
واستدلوا بالمأثور: فعَنْ حُمَيْدِ بْنِ غُسَيْلَةَ، قَالَ:«رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ»
(1)
.
وَعَنْ سُوَيْدِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِنْ شِئْتَ فَامْسَحْ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَانْزِعْهَا»
(2)
.
قال ابن المنذر: لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ لَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَلِقَوْلِهِ: «إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ رَشَدُوا» ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي»
(3)
.
وَعَنْ عَاصِمٍ قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَسًا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ»
(4)
.
وَعَنْ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ:«رَأَيْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ»
(5)
.
القول الآخر: ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية
(6)
.
واستدلوا بالكتاب والسنة والمأثور:
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} ، والعمامة ليست رأسًا فيمسح عليها.
واعترض عليه: فكما أن المسح على الخفين لا ينافي غسل الرجلين فكذا المسح على العمامة لا ينافي المسح على الرأس، بل هي رخصة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي هو المبين لكلام الله ومفسر له.
(1)
إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 28).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 29).
(3)
«الأوسط» (1/ 468).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (738).
(5)
إسناده حسن: أخرجه ابن المنذر «الأوسط» (1/ 468).
(6)
«المبسوط» (1/ 101)، و «المدونة» (1/ 124)، و «الأم» (7/ 29).
أما دليلهم من السنة: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ»
(1)
.
وجه الدلالة: أن الرسول لم يمسح على العمامة ومسح مقدمة رأسه.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله.
الثاني: وإن صح فإنه لا يعارض المسح على العمامة؛ لأن المسح ليس بفرض، ولكن المتطهر إن شاء مسح برأسه وإن شاء مسح على عمامته، كالماسح على الخفين، المتطهر بالخيار إن شاء غسل رجليه وإن شاء مسح على خفيه
(2)
.
أما دليلهم من المأثور: فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ
(3)
.
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ: «أَمِسَّ الْمَاءَ الشَّعْرَ»
(4)
.
(1)
إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (147)، وفي إسناده أبو معقل وعبد العزيز بن مسلم، وكلاهما مجهول.
(2)
«الأوسط» (1/ 469).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 29).
(4)
إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 29). عن أَبى عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ.
شروط المسح على العمامة.
1) لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر، فلا يجوز المسح على العمامة في الحدث الأكبر بالإجماع.
2) هل يشترط أن تكون العمامة التي يمسح عليها لها ذؤابة؟
الراجح أن ما يطلق عليه عمامة يمسح عليها، سواء كان لها ذؤابة أم لا. انظر:«الفتاوى» (21/ 187).
3) هل يشترط لبس العمامة على طهارة؟
المشهور عن الحنابلة اشتراط ذلك قياسًا على الخف كما في «المغنى» (1/ 176)، وفي رواية عن أحمد، ورجح ابن تيمية وابن حزم عدم اشتراط ذلك كما في «الإنصاف» (1/ 172)، و «المحلى» (1/ 103).
4) هل يشترط التوقيت في المسح على العمامة؟
المشهور عند الحنابلة أن يمسح المقيم على العمامة يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها كما في «مسائل أحمد» (49) رواية أبي داود قياسًا على الخف.
والظاهرية يقولون بالمسح على العمامة بلا توقيت؛ لأنه لم يأت دليل خاص في ذلك كما في «المحلى» (1/ 309).
مسألة: إذا خلع العمامة بعد أن مسح عليها فالمشهور عن الحنابلة أنه تبطل الطهارة، قال عبد الله في مسائله (1/ 123): سألت أبي عن الرجل يمسح على عمامته ثم يخلع العمامة؟ قال: يعيد الوضوء.
وقال ابن حزم «المحلى» (1/ 337): ولو مسح على عمامة أو خمار ثم نزعهما فليس عليه إعادة الوضوء ولا مسح رأسه، بل هو طاهر كما كان ويصلي كذلك.
قلت: ليست هذه الآثار صريحة في المنع من المسح على العمامة.
قال ابن المنذر: وَلَيْسَ فِي إِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُحِيطُ بِجَمِيعِ السُّنَنِ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَنْكَرَ ذَلِكَ لَوْ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ لَرَجَعَ إِلَيْهَا، بَلْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَظُنَّ مُسْلِمٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ بِالْقَوْمِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَمَا لَمْ يَضُرَّ إِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، ولم يُوهِنُ تَخَلُّفُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ إِذَا أَذِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، كَذَلِكَ لَا يُوهِنُ تَخَلُّفُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ.
المبحث الثاني: المسح على القلانس:
قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة. وقد روينا عن أنس أنه مسح عليها
(1)
.
قلت: هذا إجماع منخرم فقد وردت رواية عن أحمد بالمسح على القلنسوة.
والراجح: عدم المسح على القلانس؛ لأن القلنسوة لم يرد فيها نص صحيح بجواز المسح عليها، وكذا فإنها سهلة الخلع، فلا تقاس على العمامة، والله أعلم.
المبحث الثالث: في حكم المسح على الجبيرة.
اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب المسح على الجبيرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد من
(1)
«الأوسط» (1/ 472).
الحنفية، وهو قول المالكية وقول الشافعي في القديم، والمشهور عند الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روى جَابِرٌ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ:«قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ: يَعْصِبَ، شَكَّ مُوسَى -عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ»
(2)
.
عَنْ عليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ
(3)
.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 13)، و «المدونة» (1/ 129 - 130)، و «المجموع» (2/ 367)، و «مسائل ابن هانئ» (1/ 18، 20).
(2)
ضعيف: ومدار الحديث على عطاء، فرواه الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر به كما أخرجه أبو داود (336). ورواه الأوزاعي بلغني عن عطاء عن ابن عباس يخبر أن رجلاً أصابه جرح في عهد رسول الله قد أصابه احتلام فأمر بالاغتسال فمات، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟» أخرجه أحمد (1/ 330)، والزبير بن خريق ضعيف الحديث.
ورواه أبو مغيرة عند الدارمي (752)، والوليد عند الدارقطني (1/ 192) عن عطاء: فبلغنا أن رسول الله سئل عن ذلك فقال: «لو غسل جسده وترك حيث أصابه الجرح» رواية مرسلة. وأخرجه عبد الرزاق (867) عن الأوزاعي عن رجل عن عطاء به.
ورواه ابن ماجه (572) عن هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، ثنا الأوزاعي عن عطاء به. وفي «العلل» (1/ 37) عن أبي حاتم وأبي زرعة قالا: روى هذا الحديث ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس، وأفسد الحديث، أي ذكر الواسطة بين الأوزاعي وعطاء وهي إسماعيل ضعيف.
فالحاصل: أن المسح على الجبيرة من حديث جابر لا يصح، وحديث ابن عباس ليس فيه المسح على الجبيرة.
(3)
موضوع: أخرجه عبد الرزاق (623)، وابن ماجه (657)، وفي إسناده: عمرو بن خالد الواسطي: كان يضع الحديث، وفي «العلل» لأحمد (3/ 15): سمعت رجلًا يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الجبائر؟ فقال: باطل، ما حَدَّث به معمر قط، ولو حَدَّث بهذا عبد الرزاق كان حلال الدم.
وروى الدارقطني (1/ 226) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الْجَبَائِرِ تكُونُ عَلَى الْكَسِيرِ كَيْفَ يَتَوَضَّأُ صَاحِبُهَا وَكَيْفَ يَغْتَسِلُ إِذَا أَجْنَبَ؟، قَالَ:«يَمْسَحَانِ بِالْمَاءِ عَلَيْهَا فِي الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ» ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي بَرْدٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا اغْتَسَلَ؟ قَالَ: «يَمُرُّ عَلَى جَسَدِهِ» ، وَقَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)} [النساء: 29]«وَيَتَيَمَّمُ إِذَا خَافَ» .
وفي إسناده: خالد بن يزيد المكي: كذاب. وزيد بن علي بن الحسين لم يدرك جده عليِّ بن أبي طالب.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ
(1)
.
وعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ:«بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ» .
القول الثاني: أن صاحب الجبيرة يكفيه التيمم ولا يمسح عليها، وهو قول للشافعية
(2)
.
واستدلوا بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ {أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فِي شِتَاءٍ فَسَأَلَ فَأُمِرَ بِالْغَسْلِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«مَا لَهُمْ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ الله - ثَلَاثًا - قَدْ جَعَلَ الله الصَّعِيدَ - أَوْ: التَّيَمُّمَ - طَهُورًا» ، شَكَّ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ أَثْبَتَهُ بَعْدُ
(3)
.
القول الثالث: أنه لا يجب على صاحب الجبيرة المسح ولا التيمم، وبه قال ابن حزم.
والراجح: قول جمهور العلماء، أي أنه يمسح على الجبائر، والله أعلم.
(1)
أخرجه الدارقطني (1/ 205) وقال: لا يصح مرفوعًا، وأبو عمارة ضعيف جدًّا.
(2)
«المجموع» (1/ 367).
(3)
أخرجه ابن الجارود «المنتقى» (128)، وفي إسناده الوليد ين عبيد الله ضَعَّفه الدارقطني، ووثقه ابن معين وقد صحح حديثه ابن حبان وابن خزيمة.
وروى أحمد (4/ 203، 204)، بإسناده إلى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ: فَاحْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:«يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتِ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، وَذَكَرْتُ قَوْلَ الله عز وجل:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
حاصل ما ورد في المسح على الخفين
1 -
لقد رفع الله الحرج عن أمة خير المرسلين، فسَهَّل عليهم شرائع الدين، فهذا المسافر يقصر الصلاة، ويفطر في رمضان وفي البلاد الباردة والأيام الشتوية الحالكة، فإذا لبس المرء خفين أو جوربين فإنه يجوز المسح عليهما؛ لرفع الحرج والمشقة عن المكلفين، قال تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
2 -
ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة؛ لأن الشيعة الرافضة المبتدعة لا يمسحون على الخفين بالرغم من ثبوت المسح على الخفين عن عليّ بن أبي طالب، وكذا ثبت النهي عن نكاح المتعة عن عليّ رضي الله عنه، ومع ذلك يبيحون نكاح المتعة، فتبين من ذلك أنهم لا يتبعون عليًّا ولا آل البيت الطيبين، إنما يتبعون سنة الشيطان الرجيم، قال تعالى:{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 28} [الأعراف].
3 -
الخف: ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس من الصوف.
4 -
يجوز المسح على الخفين بالنصوص المستفيضة، فعن مغيرة قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.
5 -
يجوز المسح على الجورب لأنه لا فرق بينه وبين الخف.
6 -
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز المسح على النعلين. واستدلوا بأن الأصل غسل الرجلين كما ورد في القرآن، والنعال لا تقاس على الخفين؛ لأن النعال لا تستر محل الفرض فتكون تحت الكعب.
* * *
خلاصة الفصل الثاني
شروط المسح على الخفين
الشرط الأول: طهارة الخف فلا يصح المسح على خف نجس.
الشرط الثاني: يشترط لبس الخف على طهارة مائية، أما إذا تيمم لفقد الماء، ثم لبس الخف، فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه.
الشرط الثالث: يشترط لبس الخفين بعد كمال الطهارة، فإذا توضأ وبعد غسل رجله اليمني لبس فيها الخف ثم اليسرى، فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فليس له أن يمسح على الخفين لأنه يشترط أن يلبسه بعد الانتهاء من الوضوء تمامًا.
الشرط الرابع: إذا كان سليم القدمين فإنه يمسح على الخفين معًا، فلو غسل رجلًا ومسح على الأخرى لا يجزئ:
الشرط الخامس: يشترط ثبوت الخف على القدم، فإن سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه.
* * *
خلاصة الفصل الثالث
ما لا يُشترط في المسح على الخفين
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا، فلو كان الخف محرمًا أو مغصوبًا فإنه يجزئ المسح عليه مع الإثم.
المبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله بل ما يطلق عليه خف يجزئ المسح إذا كانت الفتوق يسيرة.
المبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف حتى يمسح عليه.
المبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد، بل يجوز أن يكون من صوف أو غير ذلك.
* * *
خلاصة الفصل الرابع
صفة المسح على الخفين
1) المقدار المجزئ في المسح على الخفين مسح أكثر الخف لأن الأحاديث وردت مطلقة غير مقيدة، واستيعاب ظاهر الخف فيه مشقة وعنت خاصة وأن المسح بالأصابع فلايمكن الاستعاب، قال تعالى:{يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
2) لا يمسح أسفل الخف بل يمسح أعلاه لما ورد عن عليّ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ» .
3) يمسح على الخفين معَا كالأذنين؛ لعموم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم «فمَسَح عَلَيهِمَا» أي معًا كالأذنين، لا يقدم اليمنى على اليسرى، ولو قَدَّم النبي صلى الله عليه وسلم اليمنى على اليسرى لذكر ذلك التفصيل صحابته الكرام.
4) ابتداء مدة المسح من أول مسح بعد الحدث.
5) مدة المسح، روى مسلم في صحيحه: عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.
6) مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.
يباح المسح في كل ما يطلق عليه سفر لعموم قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]. وأطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر.
وقال شيخ الإسلام: ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر.
7) سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين أم لا؟ هذا لا يخلو من حالين:
الأول: ما قاله النووي: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ
الحال الثاني: إذا سافر لقطع طريق أو غيره من سفر المعصية فإنه لا يمسح على الخفين بغير خلاف.
خلاصة الفصل الخامس
مبطلات المسح على الخفين
1) خلع الخفين: من توضأ ثم مسح خفيه ثم خلعهما فهو على طهارة ما لم يُحْدث، وصح عن عليّ أنه تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا، ثم تقدم فَأَمَّ الناس، ودل ذلك على أن خلع الخفين ليس بحدث حتى ينقض الوضوء.
2) انتهاء مدة المسح.
3) يُبطل المسحَ الحدثُ الأكبر بالإجماع فلا يجزئ المسح في جنابة ولا في غسل مستحب.
* * *
الباب الثامن الغسل
وفيه ثمانية فصول
الفصل الأول: موجبات الغسل.
الفصل الثاني: فروض الغسل.
الفصل الثالث: آداب الغسل.
الفصل الرابع: صفة غسل الجنابة.
الفصل الخامس: ما يحرم على الجنب.
الفصل السادس: ما لا يحرم على الجنب.
الفصل السابع: ما يستحب وما يكره وما يباح للجنب.
الفصل الثامن: الأغسال المستحبة.
الفصل الأول
موجبات الغسل
الموجب الأول: نزول المني.
الموجب الثاني: الجماع.
الموجب الثالث: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا.
الموجب الرابع: انقطاع دم الحيض والنفاس.
الفصل الأول
موجبات الغسل
الموجب الأول: نزول المني، وفيه ستة مطالب:
المبحث الأول: خروج المني، وفيه مطالب:
المطلب الأول: خروج المني دفقًا بلذة يوجب الغسل بالإجماع.
قال ابن قدامة: خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِشَهْوَةٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فِي يَقَظَةٍ أَوْ فِي نَوْمٍ. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ
(1)
. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا
(2)
.
المطلب الثاني: خروج المني حال النوم:
من انتبه من نومه فرأى منيًّا، اغتسل بالإجماع.
قال ابن نجيم: يَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا
(3)
.
قال الإمام مالك: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَرَأَى بَلَلًا عَلَى فَخِذَيْهِ، وَفِي فِرَاشِهِ، قَالَ: يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مَذْيًا تَوَضَّأَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ كَانَ مَنِيًّا اغْتَسَلَ
(4)
.
وفي الصحيحين عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ:«نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ»
(5)
.
(1)
«المغني» (1/ 128).
(2)
وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم النووي «المجموع» (2/ 158)، والكاساني «بدائع الصنائع» (1/ 160)، وابن جزي «القوانين الفقهية» ص (30، 31) وغيرهم كثير.
(3)
«البحر الرائق» (1/ 58).
(4)
«المدونة» (1/ 31).
(5)
«البخاري» (282)، و «مسلم» (313).
المطلب الثالث: إذا رأى في منامه احتلامًا ولم يجد بللًا؟
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ احْتَلَمَ أَوْ جَامَعَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ
(1)
ونَقَل الإجماع ابن الهمام
(2)
.
قلت: ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد وردت رواية عن أحمد بوجوب الغسل.
واستدلوا لذلك بأن العبرة بانتقال المني مع اللذة.
وهذا القول منتقض بأن العبرة بخروج المني كما أن العبرة بخروج الريح ليس بتحركه، وعموم حديث أم سليم قالت: هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ» .
المطلب الرابع: خروج المني بغير شهوة:
اتفق العلماء على أن المني إذا خرج دفقًا بلذة وجب الغسل.
واختلفوا في خروج المني بغير شهوة لعلة أو مرض:
فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الغسل إلا إذا خرج دفقًا بشهوة
(3)
.
واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} . فإذا خرج بدون دفق فلا يجب منه الغسل ولا يكون منه الولد.
واستدلوا بما روى أحمد عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إِذَا خَذَفْتَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ»
(4)
.
(1)
«الأوسط» (2/ 83).
(2)
«شرح فتح القدير» (1/ 62).
(3)
«المبسوط» (1/ 67)، «بدائع الصنائع» (1/ 36)، «المغني» (1/ 128)، «المبدع» (1/ 177).
(4)
شاذ: أخرجه أحمد (1/ 107) من طريق الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن عليّ به.
وقد ورد من طرق كثيرة عن عليّ بدون ذكر هذه الزيادة: فرواه ابن عباس عند مسلم (303)، ومحمد ابن الحنفية في البخاري (178)، ومسلم (303)، وهانئ بن هانئ عند أحمد (1/ 108)، وأبو عبد الرحمن السلمي في البخاري (296)، وعائش بن أنس عند أحمد (6/ 5)، وسليمان بن يسار عن المقداد في «الموطأ» (1/ 40) كل هؤلاء وغيرهم رووه عن عليّ بدون ذكر هذه الرواية، فهذه الرواية شاذة.
واعترض عليه بأن هذه الرواية شاذة، تفرد بذكرها بعض الرواة عن عليّ، وأما الأثبات الثقات عن عليّ مثل محمد بن الحنفية، وابن عباس، وعائش بن أنس، وأبي عبد الرحمن السلمي، وغيرهم، فرووه عن عليّ بلفظ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ.
وذهب الشافعي إلى أن خروج المني بدفق أو بغيره وسواء بلذة أم بغير لذة -يوجب الغسل
(1)
.
واستدلو لذلك بما ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ، فإذا نزل ماء المني بشهوة أو بغير شهوة وجب عليه أن يغتسل بالماء لكي يصلي، وكذا لو استيقظ من نومه فوجد بللًا أي منيًّا ولا يدري هو بشهوة أو بغيرشهوة، وجب عليه الغسل.
واعترض عليه بأن الأصل أن المني الذي يخرج عند الاحتلام وغيره يكون دفقًا والحكم للغالب.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن الذي يوجب الغسل هو الماء الدافق؛ لعموم قوله تعالى: {خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} ، والله أعلم.
المطلب الخامس: هل يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج؟
ذهب أبو حنيفة والمشهور عند المالكية أنه لا يُشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فإذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة وجب الغسل؛ لأن العبرة بوجود اللذة وخروج المني، فإن وجدت اللذة حال انتقال المني، وخرج المني بعد ذلك فقد وجب الغسل
(2)
.
(1)
قال النووي «المجموع» (2/ 158): وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ خُرُوجِهِ بِجِمَاعٍ أَوْ احْتِلَامٍ أَوْ اسْتِمْنَاءٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، سَوَاءٌ خَرَجَ بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ تَلَذَّذَ بِخُرُوجِهِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ خَرَجَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا وَلَوْ بَعْضُ قَطْرَةٍ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ فِي النَّوْمِ أَوْ الْيَقَظَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْعَاقِلِ وَالْمَجْنُونِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْغُسْلَ عِنْدَنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَا يَجِبُ إلَّا إذَا خَرَجَ بِشَهْوَةٍ وَدَفْقٍ.
(2)
«المبسوط» (1/ 67)، «شرح فتح القدير» (1/ 61)، «الخرشي» (1/ 162).
وذهب أبو يوسف وقول للمالكية إلى أنه يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج
(1)
.
واستدلوا بأن العبرة بنزول المني في حالة الشهوة، أما لو نزل بعد ذلك فهو يشبه المذي.
وذهب الحنابلة إلى أنه يجب الغسل إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة ولو لم يخرج
(2)
.
واعترض عليه بأن العبرة بخروج المني كما أنه لا عبرة بتحرك الريح في البطن إلا بخروجه.
قال ابن قدامة: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّقَ الِاغْتِسَالَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ، بِقَوْلِهِ:«إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» «إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ» فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ
(3)
.
والحاصل: أن المني إذا خرج مقرونًا بلذة فإنه يجب عليه الغسل بالإجماع، وأما إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة فعليه الاغتسال.
وأما قول من قال: (العبرة بانتقال المني من مكانه ولو لم ينزل)، فهذا قول ضعيف لأن العبرة بنزول المني بلذة كما أنه لا عبرة بتحرك الريح في البطن إلا بخروجه.
المطلب السادس: إذا شك هل هو مني أو مذي؟
من انتبه من نومه فوجد بللًا في ثوبه أو بدنه فشك هل هو مني أو مذي، وجب عليه الغسل؛ لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة. وهذا هو قول الحنفية والمالكية
(4)
.
وذهب الشافعية إلى أن من انتبه من نومه فوجد بللًا وشك هل هو مني أو مذي، لا يجب عليه الغسل مطلقًا
(5)
.
وذهب الحنابلة إلى أن من رأى بللًا وشك هل هو مني أو مذي، فإن لم يتقدم نومه سبب من نظر
(1)
«المبسوط» (1/ 67)، «المنتقى» (1/ 100).
(2)
«الإنصاف» (1/ 230).
(3)
«المغني» (1/ 129).
(4)
«شرح فتح القدير» (1/ 62)، «البحر الرائق» (1/ 95)، «الشرح الصغير» (1/ 162).
(5)
«المجموع» (2/ 162).
أو فكر أو مداعبة أو انتشار لم يجب عليه الغسل، وإن تقدم سبب من ذلك وجب عليه الغسل
(1)
.
الراجح: أنه يستحب له الغسل ولا يجب حتى يتيقن أنه مني أو يغلب على ظنه.
الموجب الثاني: الجماع، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: التقاء الختانين.
اتفق العلماء على أنه إذا التقى الختانان ونزل المني فقد وجب الغسل، وذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم يُنزل
(2)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ»
(3)
. وورد في رواية عند مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ»
(4)
.
وذهب داود الظاهري إلى أن من جامع فلم ينزل فليس عليه إلا الوضوء.
واستدل لذلك بما ورد في الصحيحين عن أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ:«يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي»
(5)
.
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ» ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ»
(6)
.
وروى مسلم عن أبي سعيد: قَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ،
(1)
«الإنصاف» (1/ 228، 229).
(2)
قال الترمذي: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَائِشَةُ، وَالفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ.
(3)
«البخاري» (291)، و «مسلم» (348).
(4)
«مسلم» (348).
(5)
«البخاري» (293)، و «مسلم» (346).
(6)
«البخاري» (180)، و «مسلم» (345).
مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»
(1)
.
واعترض بأن هذه الأدلة نُسخت، دل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أُبَيّ بْن كَعْبٍ، «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ الله فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ»
(2)
.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم يُنزل.
واستدلوا لذلك بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ» ، وزاد مسلم:«وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» .
وأما الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن من جامع ولم يُنزل فلا غسل عليه وإنما عليه الوضوء، فهي منسوخة بما رواه أبو داود بإسناد صحيح:«أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ الله فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ» .
المطلب الثاني: يُشترط إيلاج الَحشَفة كاملة:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يشترط إيلاج الحشفة كاملة لوجوب الغسل بالتقاء الختانين
(3)
. دل علاه عموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ» .
قال النووي: أَمَّا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَالْمُرَادُ بِإِيلَاجِهَا إدْخَالُهَا بِكَمَالِهَا فِي فَرْجِ حَيَوَانٍ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَيَجِبُ الْغُسْلُ
(4)
.
(1)
«مسلم» (343).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه أبو داود «السنن» «215)، قال: حدثنا محمد بن مهران البزار الرازي، حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد حدثني أُبي بن كعب به.
(3)
فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها، والمحاذاة هي التقاء الختانين ليس المراد بالتقاء الختانين التصاقهما وضم أحدهما إلى الآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب غسل بإجماع الأمة.
(4)
«المجموع» (2/ 149).
وذهب بعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أنه يجب الغسل بإيلاج بعض الَحشَفة
(1)
.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أن التقاء الختانين هو تغييب الحَشَفة كاملة في الفرج.
المطلب الثالث: الإيلاج في الدبر:
ذهب جمهور العلماء إلى أن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل
(2)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى عن قوم لوط: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ، فسمى الإتيان في الدبر فاحشة، وقال تعالى عن الزنا في القُبل:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} ، فإذا كان الإيلاج في القبل فاحشة ويوجب الغسل، فكذا الإتيان في الدبر فاحشة ويوجب الغسل.
واعترض على هذا الاستدلال بأن الفاحشة قد تطلق على ما لا يوجب الغسل اتفاقًا. وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة وقد أطلق على ذلك فاحشة، روى الطبري عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تعالى:{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} [الأعراف: 28]: «فَاحِشَتُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً» . قلت: والذي يطوف عريانًا لا يجب عليه الغسل اتفاقًا.
واعترض عليه بأنه ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تَطْوَافًا؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} .
وذهب ابن حزم إلى أن الإيلاج في الدبر لا يوجب الغسل
(3)
، وحكى الدسوقي قولًا شاذًّا لمالك
(4)
.
واستدلوا بأنه لم يأتِ نص من قرآن ولا سنة يوجب الغسل من الإيلاج في الدبر، وجاءت النصوص بالغسل من التقاء الختانين، وما كان ربك نسيًّا.
(1)
«الإنصاف» (1/ 232).
(2)
«البحر الرائق» (1/ 61)، «حاشية الدسوقي» (1/ 129)، «الأم» (1/ 37)، «المغني» (1/ 131).
(3)
«المحلى» (1/ 274).
(4)
«حاشية الدسوقي» (1/ 129)، «مواهب الجليل» (1/ 308).
واعترض عليه بأن الإيلاج في الدبر محرم، والنص ورد في الموضع المعتاد، ولا يمنع ذلك أن الوطء في الدبر يوجب الغسل.
والراجح: أن الإتيان في الدبر محرم، ولو فعل فيجب عليه الغسل، والله أعلم.
المطلب الرابع: إذا أولج ذكره في فرج مع وجود حائل:
لو لف على ذكره كيسًا أو واقيًا وأدخله في فرج، فهل يجب عليه الغسل؟
اختلف أهل العلم فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجب الغسل مطلقًا، وهو قول لبعض المالكية ووجه عند الشافعية وقول عند الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بأن العبرة بالتقاء الختانين، سواء بعازل أو بغير عازل.
القول الثاني: لا غسل عليه مطلقًا، وهو وجه عند الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة
(2)
. واستدلوا بأن الإيلاج وقع على العازل ولم يمس الختان الفرج.
القول الثالث: إذا كان الحائل رقيقًا وجب الغسل، وإذا كان غير رقيق لم يجب، وهو قول عند المالكية ووجه عند الشافعية
(3)
.
والراجح: أنه إذا حدث إيلاج بعازل أو بغير عازل فإنه يجب الغسل؛ لأنه تحصل به اللذة والاستمتاع، والله أعلم.
الموجب الثالث: من موجبات الغسل: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا:
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب غسله، وبه قال الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة
(4)
.
(1)
«مواهب الجليل» (1/ 308)، «المجموع» (2/ 152)، «المستوعب» (1/ 228).
(2)
«المجموع» (2/ 152)، «روضة الطالبين» (1/ 82)، «الإنصاف» (1/ 132).
(3)
«مواهب الجليل» (1/ 308)، «حاشية العدوي» (1/ 183)، «المجموع» (2/ 152).
(4)
«المبسوط» (2/ 58)، «حاشية الدسوقي» (1/ 407)، «الأم» (1/ 274)، «المبدع» (2/ 220).
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»
(1)
.
وفي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ {، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا»
(2)
.
قال الكاساني: لقد غُسل أشرف الخلق على الله سبحانه وتعالى، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغسيل ابنته، وغُسل أبو بكر بعده، والناس يتوارثونه خلفًا عن سلف، ولم ينقل أحد من المسلمين أنه مات فدُفن من غير غسل إلا الشهداء
(3)
.
وقد نقل الإجماع على وجوب غسل الميت غير واحد من أهل العلم:
قال ابن الهمام: وغُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ
(4)
.
وقال النووي: وَغُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ
(5)
.
وقد أنكر الحافظ ابن حجر دعوى الإجماع على النووي فقال: وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَتَّى إِنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ
(6)
.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم عطية: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» . قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» استدلوا به على سنية الغسل.
(1)
«البخاري» (1263)، و «مسلم» (939).
(2)
«البخاري» (1256)، و «مسلم» (1206).
(3)
«بدائع الصنائع» (2/ 257).
(4)
«شرح فتح القدير» (2/ 105).
(5)
«المجموع» (5/ 112).
(6)
«فتح الباري» (3/ 126).
واعترض عليه بأنَّ «إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» إن كان يحتمل معناه إن رأيتن الغسل فإن المعنى الأرجح إن رأيتن الزيادة في العدد؛ هو قول جمهور العلماء. والراجح: هو وجوب غسل الميت.
الموجب الرابع من موجبات الغسل انقطاع الحيض والنفاس:
دل على ذلك القرآن والسنة: قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} ، فلا يجوز إتيان الحائض والنفساء إلا بشرطين:{حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي انقطاع الدم، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فإذا اغتسلن من الحيض أو النفاس.
وروى البخاري من حديث عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ:«لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» .
فقوله صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» دليل على وجوب الغسل من الحيض، فإذا انقطع دم الحيض والنفاس وحضرت الصلاة وجب الاغتسال، وذلك لأداء الصلاة لعموم قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} .
قال النووى: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ
(1)
.
* * *
(1)
«المجموع» (2/ 168) وممن نقل الإجماع أيضًا الكاساني «بدائع الصنائع» (1/ 138) وابن مفلح كما في «المبدع» (1/ 185)، وغيرهما، قال ابن المنذر «الأوسط» (2/ 248): أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفساء الاغتسال عند خروجها من النفاس. وقال ابن حزم «المحلى» (مسألة 261): وكذلك الغسل من النفاس واجب بالإجماع.
الفصل الثاني فروض الغسل
وهي ثلاثة
الفرض الأول: الماء الطهور مع القدرة عليه:
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يُرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت والدهن والمرق
(1)
.
وقال في موضع آخر: وقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} فَالطَّهَارَةُ عَلَى ظَاهِرِ كِتَابِ اللهِ بِكُلِّ مَاءٍ إِلَّا مَاءً مَنَعَ مِنْهُ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَالْمَاءُ الَّذِي مَنَعَ الْإِجْمَاعَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَغْلُبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ بِلَوْنٍ أَوْ طَعْمٍ أَوْ رِيحٍ
(2)
.
الفرض الثاني: النية:
ذهب جمهور العلماء إلى أن النية شرط لصحة الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وبعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
(1)
«الأوسط» (1/ 253).
(2)
«الأوسط» (2/ 268).
(3)
«حاشية الدسوقي» (1/ 85)، «المجموع» (1/ 355)، «المغني» (1/ 156).
وذهب الحنفية
(1)
إلى أن النية سنة.
وسبب اختلافهم ما قاله ابن رشد: تَرَدُّدُ الْوُضُوءِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَحْضَةً - أَعْنِي: غَيْرَ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْبَةُ فَقَطْ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا- وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْعِبَادَةَ الْمَفْهُومَةَ الْمَعْنَى غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْوُضُوءُ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْعِبَادَتَيْنِ؛ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجْمَعُ عِبَادَةً وَنَظَافَةً، وَالْفِقْهُ أَنْ يُنْظَرَ بِأَيِّهِمَا هُوَ أَقْوَى شَبَهًا فَيُلْحَقَ بِهِ
(2)
.
الفرض الثالث: تعميم الجسد بالماء:
اتفق العلماء على أن تعميم الجسد كله بالماء فرض من فروض الغسل.
نقل الإجماع على ذلك النووي
(3)
وغيره لعموم قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أصابته الجنابة: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» .
* * *
(1)
«شرح فتح القدير» (1/ 32)، «بدائع الصنائع» (1/ 19).
(2)
«بداية المجتهد» (1/ 103).
(3)
«المجموع» (2/ 212).
الفصل الثالث آداب الغسل
وفيه مبحثان
المبحث الأول: عدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء
والغسل.
المبحث الثاني: وجوب ستر العورة وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس.
المطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة.
المطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا.
المطلب الرابع: حكم دخول الحمام.
المطلب الخامس: هل يقاس حكم المَصِيف على حكم الحمامات؟
المبحث الأول
عدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء والغسل
قال النووي: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذَمِّ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي: حَرَامٌ
(1)
.
وقال في موضع آخر: وَالْإِسْرَافُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ
(2)
.
واتفق العلماء على أنه لا يُشترط قدر معين في ماء الغسل.
قال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لا يُشترط فِيهِ قَدْرٌ مُعِينٌ، بَلْ إذَا اسْتَوْعَبَ الْأَعْضَاءَ كَفَاهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الطَّبَرِيُّ
(3)
.
وإذا كان لا يُشترط قدر معين في الغسل، فهل يستحب أن يغتسل بالصاع؟
ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب الغسل بالصاع
(4)
.
وذهب الحنفية إلى أن أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع
(5)
.
واستدلوا بما روى البخاري من طريق أَبي جَعْفَرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ:«يَكْفِيكَ صَاعٌ» ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي.
(1)
«المجموع» (2/ 220).
(2)
«المجموع» (1/ 294).
(3)
«المجموع» (2/ 219).
(4)
«المجموع» (1/ 294)، «الفروع» (1/ 205)، «كشاف القناع» (1/ 155).
(5)
«بدائع الصنائع» (1/ 35).
فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ» ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ
(1)
.
وروى مسلم من حديث سَفِينَةَ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ»
(2)
.
وذهب المالكية إلى أنه لا تقدير في ماء الغسل مطلقًا.
واستدلوا بأن الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدار الماء الذي يغتسل به مقادير متفاوتة، فدل ذلك على أنه ليس هناك مقدار معين يمكن استحبابه، بل المراد هو إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء.
روى مسلم من حديث عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ»
(3)
.
وروى مسلم عن سَفِينَةَ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ»
(4)
.
وفي الصحيحين من حديث أَنَسٍ، قَالَ:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ»
(5)
.
وفي الصحيحين عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ»
(6)
. قال ابن عيينة والشافعي: هو ثلاثة آصع
(7)
.
(1)
«البخاري» (252).
(2)
«مسلم» (336).
(3)
«مسلم» (321).
(4)
«مسلم» (336).
(5)
«البخاري» (201)، و «مسلم» (326).
(6)
«البخاري» (250)، و «مسلم» (319).
(7)
«فتح الباري» (201).
ففي هذه الأحاديث ما يدل على أنه لا يستحب مقدار معين في الغسل.
قال ابن عبد البر: أَجْمَعُوا على أَنَّ الْمَاءَ لَا يُكَالُ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ، مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِحَدِيثِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ وَمَنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْفَرَقِ - لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُكَالُ (الْمَاءُ) لِوُضُوءٍ وَلَا لِغُسْلٍ، لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّحْدِيدِ الَّذِي لَا يُتَجَاوَزُ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا مَا كَرِهُوا الْكَيْلَ بَلْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ اقْتِدَاءً وَتَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلَا يَكْرَهُونَهُ
(1)
.
وقال ابن حجر: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، كَابْنِ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ
(2)
.
والراجح: أن مقدار الماء الذي يغتسل به ليس له حد معين، بل يختلف باختلاف الأشخاص وعلى حَسَب وجود الماء من عدمه، والإسراف نسبي، بل المراد إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء، والله أعلم.
* * *
(1)
«التمهيد» (8/ 105).
(2)
«فتح الباري» شرح حديث (201).
المبحث الثاني
وجوب ستر العورة
وفيه خمسة مطالب
المطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس:
ستر العورة عن نظر الأجانب واجب، وكَشْف العورة لناظر من غير حاجة محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30].
وروى مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ»
(1)
.
قال النووي: فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنِ الْعُيُونِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ
(2)
.
المطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة:
اختلف أهل العلم في حكم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة على قولين:
القول الأول: يحرم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة وهو قول في مذهب الحنفية والأصح عند الشافعية والمشهور عند الحنابلة
(3)
.
واستدلوا بما روى أحمد من حديث بَهْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ:«احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنِ
(1)
«مسلم» (338).
(2)
«المجموع» (3/ 166).
(3)
«حاشية الطحاوي» (ص/ 36)، «شرح النووي لمسلم» (4/ 32)، «الفروع» (1/ 329).
اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا». قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ»
(1)
.
قال ابن حجر: حَدِيثِ بَهْزٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَرِّيَ فِي الْخَلْوَةِ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا.
قال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة كما يكون عند خروج الحاجة فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائمًا ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة
(2)
.
القول الآخر: ذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية إلى أنه يُكره كشف العورة من غير حاجة
(3)
. واستدلوا بأن عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه، فكما أنه يباح النظر إلى عورة زوجته وما ملكت يمينه، فعورته أَوْلى بالجواز، وتحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل حتى لا يكون وسيلة في الوقوع في المحرم، وهذا منتفٍ في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله صلى الله عليه وسلم:«فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» .
والراجح: القول باستحباب ستر العورة إذا كان الإنسان خاليًا، والله أعلم.
المطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا:
ذهب جماهير العلماء إلى جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا
(4)
.
وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ!! فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ،
(1)
سبق تخريجه.
(2)
«السيل الجرار» (1/ 64).
(3)
«المبسوط» (3/ 265)، «الفواكه الدواني» (2/ 595).
(4)
«المبسوط» (30/ 265)، «حاشية العدوي» (2/ 595)، «المجموع» (2/ 227)، «المغني» (1/ 146).
فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ!! حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَالله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ!! وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا»
(1)
. فموسى عليه السلام كليم الله اغتسل عريانًا.
وروى البخاري: من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ»
(2)
.
وجه الدلالة ما قاله الشوكاني: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَصَّ الْقِصَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى مُوَافَقَتِهِمَا لِشَرْعِنَا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ غَيْرُ مُوَافِقٍ لَبَيَّنَهُ
(3)
.
وذهب ابن أبي يعلى إلى أنه لا يجوز كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا
(4)
.
واستدل بحديث بهز: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» .
واعترض عليه بأن موسى اصطفاه الله بكلامه وبرسالاته اغتسل عريانًا. وأيوب نبي الله الصابر المحتسب اغتسل، وأقرهما خاتم الأنبياء والمرسلين، ودل ذلك على الإباحة.
واستدل بما روى ابن عدي عن جابر، قَال: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْمَاءَ إِلا بِمِئْزَرٍ فَإِنَّ للماء عامرًا»
(5)
. واعترض عليه بأن الحديث موضوع.
والراجح: مذهب جمهور العلماء، أي جواز كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا.
(1)
«البخاري» (278)، و «مسلم» (339).
(2)
«البخاري» (7493).
(3)
«نيل الأوطار» (1/ 318).
(4)
«طرح التثريب» (2/ 225).
(5)
موضوع: الكامل في ضعفاء الرجال (7/ 194)، وفي إسناده يحيى بن سعيد، قال النسائي: يروي عن الزهري أحاديث موضوعة.
المطلب الرابع: حكم دخول الحمام
(1)
:
اختلف أهل العلم في حكم دخول الحمام، فمنهم من منع ومنهم من أجاز.
وممن حرم دخول الحمام: علي وابن عمر {.
فعن عليّ قَالَ: «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ»
(2)
.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَا تَدْخُلِ الْحَمَّامَ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ»
(3)
.
أدلة من قال بجواز دخول الحمام: استدلوا بالسنة: فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «احْذَرُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامُ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! يُنَقِّي الْوَسَخَ. قَالَ: «فَاسْتَتِرُوا»
(4)
. فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمام مع الاستتار.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما دليلهم من المأثور: فعن ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ»
(5)
.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ، يُذْهِبُ الدَّرَنَ، وَيُذَكِّرُ النَّارَ»
(6)
.
(1)
(الْحَمِيمُ) الْمَاءُ الْحَارُّ و (اسْتَحَمَّ) أَيِ: اغْتَسَلَ بِالْحَمِيمِ. أي: الماء الحار. حمام، بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَاءِ الْمُعَدُّ لِلْحُمُومِ فِيهِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ لِتَنْظِيفِ الْبَدَنِ وَالتَّدَاوِي.
انظر: «مختار الصحاح» (ص 157)، و «الشرح الكبير» (4/ 43).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 103).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 103)، وفي «المطالب العالية» عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب يكرهه، وابن سيرين لم يسمع من عمر.
(4)
ضعيف: معل بالإرسال، أخرجه البزار (211)، و «كشف الأستار» (319)، قال عتبة: وهذا رواه الناس عن طاوس مرسلًا ولا نعلم أحدًا وصله إلا يوسف عن يعلى عن الثوري عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، ورواه ابن أبي شيبة (1/ 105)، عن وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه رفعه، ورواه عبد الرزاق (1116)، عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه مرسلًا، فالصحيح فيه الإرسال.
(5)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 103).
(6)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (1/ 103).
أدلة مَنْ فرَّق فأباح دخول الحمام للرِجال وحرم على النساء: ما رواه الطيالسي عَنْ أَبِي مَلِيحٍ الْهُذَلِيِّ، أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الْحَمَّامَاتِ؟! سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتَ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ»
(1)
.
وروى أحمد من حديث عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَآزِرِ
(2)
.
والراجح: أنه قد يكون دخول الحمام محرمًا إذا اشتمل على فعل محرم، وذلك إذا ترتب عليه تكشف للعورات، وإضاعة للصلوات، وإذا كان فيه اختلاط النساء بالرجال. وقد قالت عائشة:«لَوْ رَأَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ»
(3)
. فهذا قولها في المساجد التي زجر النبي صلى الله عليه وسلم الرجال أن يمنعوهن إذا أردن الخروج إليها، فكيف بالحمامات؟! وقد يكون دخول الحمام واجبًا إن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذٍ، وقد يكون مستحبًّا مثل غسل الجمعة إذا لم يوجد مكان غير الحمام، وقد يكون مكروهًا كأن يترتب عليه الوقوع في بعض المكروهات كالإسراف في الماء.
المطلب الخامس: هل يقاس حكم اَلِمصيف على حكم الحمامات؟
يحرم المكث في المصيف إذا كان فيه إضاعة للصلوات وتكشف للعورات واختلاط للنساء بالرجال وسماع للموسيقى.
وإذا كان هذا المصيف ليس فيه إضاعة للصلوات ولا ارتكاب للمحرمات ولا تكشف للعورات ولا اختلاط الرجال بالنساء، أبيح.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه الطيالسي (1518)، عن شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي مليح
(2)
إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 132)، وفي إسناده أبو عذرة: مجهول، وفي الباب حديث عمر وأبي هريرة وجابر وأبي أيوب. ولا يصح حديث.
(3)
«البخاري» (869)، و «مسلم» (445).
الفصل الرابع صفة غسل الجنابة
وفيه تسعة مباحث
المبحث الأول: حكم التسمية في أول الغسل.
المبحث الثاني: يُسن غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال.
المبحث الثالث: سنن قبل الوضوء:
السنة الأَولى: غسل اليدين بعد غسل الفرج وقبل الوضوء.
وهل يغسل يديه أو اليمنى فقط؟
السنة الثانية: استحباب غسل الكفين في ابتداء الغسل.
المبحث الرابع: استحباب الوضوء في غسل الجنابة: وفيه أحد عشر مطلبًا:
المطلب الأول: يستحب الوضوء في غسل الجنابة
المطلب الثاني: يستحب تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين
فيستحب تأخيرهما بعد الغسل.
المطلب الثالث: إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر؟
المطلب الرابع: السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا،
وغسل الرأس ثلاثًا.
المطلب الخامس: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل.
المطلب السادس: هل يستحب غسل الرأس في وضوء الغسل أو المسح؟
المطلب السابع: استحباب تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة:
المطلب الثامن: هل يقاس تخليل شعر اللحية على تخليل شعر الرأس؟
المطلب التاسع: استحباب التثليث في غسل الرأس.
المطلب العاشر: هل تنقض المرأة الضفائر في غسل الجنابة؟
المطلب الحادي عشر: هل يجب غسل ظاهر الشعر فقط
أم يجب غسل ظاهره وباطنه؟
المبحث الخامس: استحباب التيامن في الاغتسال.
المبحث السادس: حكم غسل البدن ثلاث مرات.
المبحث السابع: حكم تأخير غسل الرجلين.
المبحث الثامن: الموالاة في غسل الجنابة.
المبحث التاسع: تدليك البدن في الغسل.
الفصل الرابع
صفة غسل الجنابة
وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: حكم التسمية في أول الغسل:
اختلف العلماء في حكم التسمية في بداية الغسل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية إلى أن التسمية سنة
(1)
.
واستدلوا بما روى أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ الله، فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ»
(2)
.
واعترض على هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن هذا الحديث ضعيف.
الثاني: لو صح فهو حديث عام وليس كل عبادة تُشرع فيها التسمية، فقد تكون التسمية بدعة كالتسمية في الأذان وفي الإقامة وفي الحج والعمرة، وقد تكون التسمية شرطًا كالتسمية للذبح، وقد تكون مستحبة كما في قراءة القرآن وفي بداية الأكل، فليس كل فعل تُشرع فيه التسمية
(3)
.
واستدلوا بأن التسمية مستحبة في الطهارة الصغرى فكانت مستحبة في الطهارة الكبرى
(1)
«حاشية ابن عابدين» (1/ 156)، و «حاشية الطحاوي» (ص/ 67)، و «المجموع» (2/ 510).
(2)
ضعيف: وقد سبق تخريجه.
(3)
قال القرافي «أنواع البروق في أنواع الفروق» (1/ 132): فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات وما لم تشرع فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، والقصد من هذا الفرق بيان عسره والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا انتبه على الإشكال استفاده أو حثه ذلك على طلب جوابه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ» .
واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.
القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى وجوب التسمية للغسل
(1)
.
القول الثالث: لا تستحب التسمية للجنب. وهو وجه عند الشافعية
(2)
.
واستدلوا بأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة الغسل لم تذكر فيها التسمية، ولو كانت التسمية مستحبة لذكرت في صفة الغسل وما كان ربك نسيًّا.
والراجح: أن التسمية لا تستحب في الغسل لعدم ثبوت التسمية في الغسل، مع أن الغسل يتكرر من النبي وقد حكت أمهات المؤمنين صفة غسل النبي الأمين، فلما لم تُذكر التسمية عن النبي الأمين ولاالصحابة الغر الميامين دل ذلك على أنها لا تستحب.
المبحث الثانى: يُسن غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال:
دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ»
(3)
. فيسن غسل فرجه قبل الاغتسال.
قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال
(4)
.
المبحث الثالث: سنن وآداب قبل الوضوء:
السنة الأَوْلى: غسل اليدين قبل الاستنجاء.
روى البخاري عن ابن عباس عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى
(1)
الفروع (1/ 204)، الإنصاف (1/ 252).
(2)
المجموع (2/ 210).
(3)
«البخاري» (260)، و «مسلم» (317).
(4)
«شرح العمدة» (1/ 162).
الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.
فدل هذا الحديث أن غسل الكفين يكون عند ابتداء الغسل وقبل الاستنجاء، وفي هذا الحديث أن غسل اليدين كان قبل غسل الفرج بلفظ (ثم) وهي تفيد الترتيب.
وقد ورد عند البخاري أيضًا من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وُضُوءهُ لِلصَّلَاةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ.
وهنا إشكال وهو أنا ذكرنا آنفًا أن غسل الفرج قبل الوضوء وفي هذا الحديث ذكر غسل الفرج بعد الوضوء.
وأجاب عن هذا الإشكال ابن حجر فقال: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ لِأَنَّ غَسْلَ الْفَرْجِ كَانَ قَبْلَ الْوُضُوءِ إِذِ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ السَّتْرِ فِي الْغُسْلِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا غَسْلَ الْيَدَيْنِ ثُمَّ غَسْلَ الْفَرْجِ ثُمَّ مَسْحَ يَدَهُ بِالْحَائِطِ ثُمَّ الْوُضُوءَ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَأَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ
(1)
.
وهل يغسل يديه أو اليمنى فقط؟
يغسل يديه كلتيهما، وبهذا قال جماهير أهل العلم، ودلت على ذلك السنة.
ورجح بعض المالكية غسل يده اليمنى فقط.
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:
أما السنة: ففي البخاري من حديث ميمونة: «فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ» .
فهذا يعني غسل اليمنى فقط.
واعترض عليه من وجهين:
الوجه الأول: أن أكثر الروايات عن ميمونة «صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا» .
(1)
«فتح الباري» شرح حديث (249).
ولو أسقطنا حديث ميمونة للخلاف فيه، فقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ»
(1)
.
الوجه الثاني: أن كلمة (يده) مفرد مضاف فتعم كلتا يديه.
أما المأثور: فعن ابْنِ عُمَرَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا
(2)
.
واعترض بأن أثر الصحابي يسقط الاستدلال به إذا صح الحديث بخلافه.
أما دليلهم من المعقول فهو ما قاله الباجي: وَيَكْفِي غَسْلُ الْيُمْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيُمَكِّنَّهُ غَرْفُ الْمَاءِ بِهَا، وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَهَا لِأَنَّهُ يَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُبَاشِرُ النَّجَاسَةَ وَلَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِيُمْنَاهُ فَلِذَلِكَ غَسَلَهَا لِيَتَنَاوَلَ بِهَا الْمَاءَ
(3)
.
واعترض عليه بأنه لا قياس مع النص.
والراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء، أي أنه يغسل يديه كلتيهما قبل الوضوء وقبل غسل الفرج.
السنة الثانية: استحباب غسل الكفين في ابتداء الغسل:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن غسل الكفين في غسل الجنابة من مرة إلى ثلاث مرات، وعلى ذلك دلت النصوص، وبه قال الأئمة الأربعة
(4)
.
وروى أحمد أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ أَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى،
(1)
«البخاري» (248).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه مالك «الموطأ» (102) عن نافع عن ابن عمر.
(3)
«المنتقى» للباجي (1/ 95).
(4)
«بدائع الصنائع» (1/ 34)، «الفواكه الدواني» (1/ 147)، «المجموع» (2/ 209)، «الإنصاف» (1/ 252).
فَغَسَلَهَا سَبْعًا، قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ
(1)
. واعترض عليه بأن إسناده لا يصح.
المبحث الرابع: استحباب الوضوء في غسل الجنابة وفيه أحد عشر مطلبًا:
المطلب الأول: يستحب الوضوء في غسل الجنابة.
ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء في غسل الجنابة سنة
(2)
.
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»
(3)
، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإفراغ الماء على بدنه، ولو كان الوضوء واجبًا لأمره به.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ»
(4)
، ولم يذكر لها الوضوء، ولو كان واجبًا لأمرها به (وإنما) تدل على الحصر.
قال القرافي: اتَّفَقَ أئمَّةُ الْفِقْهِ عَلَى أَنَّ الوُضُوء غَيْرُ وَاجِبٍ سَوَاءٌ طَرَأَتِ الْجَنَابَة على الْحَدث أَوْ الطَّهَارَة، إِلَّا الشَّافِعِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا قَبْلَ الْجَنَابَةِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِدُخُولِهِ مَعَهُ إِذَا اجْتمعَا أَوْ سبقت الْجَنَابَة فَكَذَلِك هَهُنَا، وَلِأَنَّ الْكُبْرَى تَدْخُلُ فِي الْكُبْرَى فَالصُّغْرَى أَوْلى
(5)
.
وذهب داود الظاهري وأبو ثور ورواية عن أحمد
(6)
إلى أن الوضوء شرط لصحة الغسل، وهو قول ضعيف. واعترض عليه بما سبق من أدلة الجمهور.
(1)
أخرجه أحمد (1/ 307)، وأبو داود (246)، وفي إسناده: شعبة مولى ابن عباس، فيه ضعف.
(2)
«شرح فتح القدير» (1/ 56)، «مختصر خليل» (ص 15)، «المجموع» (2/ 215)، «الإنصاف» (1/ 252).
(3)
«البخاري» (337) في حديث طويل.
(4)
«مسلم» (330).
(5)
«الذخيرة» (1/ 310).
(6)
«المجموع» (2/ 215)، «الفروع» (1/ 205).
وقد حكى ابن جرير الإجماع على صحة الغسل بدون وضوء
(1)
.
والراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من سنية الوضوء عند غسل الجنابة.
المطلب الثاني: يستحب تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين فيستحب تأخيرهما بعد الغسل.
وعلى ذلك دلت السنة: روى البخاري عن ابن عباس عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» .
ومن العلماء من رأى غسل الرجلين مع الوضوء. واستدلوا بما رُوي في الصحيحين عن عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ
(2)
. فدل ذلك على أن غسل الرجلين كان مع الوضوء.
فالسنة تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين، لكنه مخير بين تأخير غسل الرجلين إلى نهاية الغسل، أو غسل الرجلين مع الوضوء، فكل ذلك من السنة للجمع بين الأدلة.
المطلب الثالث: إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقًا، وبهذا قال الحنفية والمالكية وأصح الأقوال في مذهب الشافعية
(3)
. وهو قول ابن تيمية
(4)
.
(1)
«المجموع» (2/ 215).
(2)
«البخاري» (248)، و «مسلم» (316).
(3)
«البناية» (1/ 173)، «البحر الرائق» (1/ 24)، «الشرح الصغير» (1/ 173)، «حاشية الدسوقي» (1/ 140)، «المجموع» (2/ 224 - 225).
(4)
«مجموع الفتاوى» (21/ 396).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43].
فأباح الله الصلاة بالاغتسال من غير وضوء، فدل ذلك على أن من اغتسل وهو محدث حدثًا أكبر وأصغر من غير وضوء أن له أن يصلي بهذا الغسل.
والقرآن على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال، وأنه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة، والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر كما في قصة الرجل الذي أصابته الجنابة قال له النبي صلى الله عليه وسلم:«خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»
(1)
ولم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه وله أن يصلي بهذا الغسل ولم يطلب منه الوضوء.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ»
(2)
.
(1)
البخاري (337) في حديث طويل.
(2)
مسلم (330) قال ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (21/ 396): لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا الِاغْتِسَالُ وَأَنَّهُ إذَا اغْتَسَلَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ. وَالْمُغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. كَمَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَنَّ عَلَيْهِ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْوُضُوءِ وَلَا تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْقُرْآنُ يَقْتَضِي: أَنَّ الِاغْتِسَالَ كَافٍ. وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ حَدَثٌ آخَرُ، بَلْ صَارَ الْأَصْغَرُ جُزْءًا مِنْ الْأَكْبَرِ، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْأَصْغَرِ جُزْءٌ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الْأَكْبَرِ فَإِنَّ الْأَكْبَرَ يَتَضَمَّنُ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَاَللَّوَاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ:«اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» . فَجَعَلَ صِفَةَ غَسْلِ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ جُزْءًا مِنِ الْغُسْلِ لَكِنَّهُ يُقَدَّمُ كَمَا تُقَدَّمُ الْمَيَامِنُ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ نَقَلُوا غُسْلَهُ كَعَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شَعْرِهِ ثُمَّ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ. وَلَا يَقْصِدُ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ. فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ لَا يَغْسِلَانِ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَلَا يَنْوِيَانِ وُضُوءًا بَلْ يَتَطَهَّرَانِ وَيَغْتَسِلَانِ كَمَا أَمَرَ الله تَعَالَى. وَقَوْلُهُ:{فَاطَّهَّرُوا} أَرَادَ بِهِ الِاغْتِسَالَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَيْضِ:{حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أَرَادَ بِهِ الِاغْتِسَالَ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ إلَّا بِهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَرْتَفِعُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ.
فاكتفى بالإفاضة ولم يذكر الوضوء (وإنما) للحصر، والطهارة الكبرى متضمنة للطهارة الصغرى، ولأنه يلزم من رفع الأكبر رفع الأصغر.
القول الثاني: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع.
وهذا القول نص عليه أحمد وهو وجه عند الشافعية
(1)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
واعترض عليه بأنه إذا ارتفع الحدث الأكبر فهذا متضمن لارتفاع الحدث الأصغر.
القول الثالث: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ، سواء توضأ قبل الغسل أو توضأ بعده، وهو أحد قولي الشافعي وقول عند الحنابلة
(2)
.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه يجزئ الغسل عن الوضوء، وقد دل على ذلك القرآن {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» ولم يشترط الوضوء.
قال شيخ الإسلام: الَّذِينَ نَقَلُوا صِفَةَ غُسْلِهِ كَعَائِشَةَ رضي الله عنهما ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شَعْرِهِ ثُمَّ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ، وَلَا يَقْصِدُ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْل
(3)
.
وقال ابن حزم: وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ أَجْزَأَ فِيهِمَا عَمَلٌ وَاحِدٌ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَهُمَا جَمِيعًا
(4)
.
وفي «الشرح الصغير» قال: وضوء الجنب لا يبطله إلا الجماع
(5)
.
(1)
«كشاف القناع» (1/ 89)، «المجموع» (2/ 223).
(2)
«المجموع» (2/ 223)، «شرح العمدة» (1/ 376).
(3)
«مجموع الفتاوى» (21/ 397).
(4)
«المحلى» (مسألة 95).
(5)
«الشرح الصغير» (1/ 176).
المطلب الرابع: السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا.
اختلف العلماء في وضوء الغسل، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة أو ثلاثًا:
فذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثًا ثلاثًا، وبه قال الحنفية ووجه في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَة بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ. وإذا كان يستحب التثليث في وضوء الصلاة، فكذا وضوء الغسل.
واستدلوا أيضًا بما روى أحمد: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ جَنَابَةٍ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ غَسْلًا حَسَنًا، ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، فَإِذَا خَرَجَ غَسَلَ قَدَمَيْه
(2)
.
السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا، وغسل الرأس ثلاثًا وهو الصحيح.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 34)، و «حاشية الدسوقي» (1/ 136)، و «مغني المحتاج» (1/ 73)، «الفروع» (1/ 204)
(2)
ضعيف: مدار الحديث على أبي سلمة عن عائشة ويرويه عن أبي سلمة عطاء بن السائب ويرويه عن عطاء حماد بن سلمة عند أحمد (6/ 96) وزائدة عند ابن أبي شيبة (1/ 64) وذكر المضمضة والاستنشاق ثلاثًا ولم يذكر غسل الوجه واليدين و عمر بن عبيد، أخرجه النسائي (243) وخالفهم شعبة فرواه عن عطاء ولم يذكر التثليث أخرجه أحمد (1/ 173/ 174)، قال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب، وجميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان.
وخالف عطاء، بكير بن عبد الله كما عند مسلم (321) فرواه عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةُ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ بَدَأَ بِيَمِينِهِ، فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَغَسَلَهَا، ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِهِ، وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. فبكير أوثق من عطاء مع ماحدث عليه من اختلاف، فذكر التثليث لا يصح.
والقول الآخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قدميه
(1)
.
وفي البخاري من حديث عائشة: فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا، وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا
(2)
.
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا
(3)
.
المطلب الخامس: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل مسنونان في الوضوء
(4)
.
واستدلوا بالقرآن والسنة:
أما القرآن فعموم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} والطهارة تشمل جميع البدن ويدخل في ذلك تنظيف الفم بالمضمضة وتنظيف الأنف بالاستنشاق.
أما دليلهم من السنة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلَاثًا فَرِيضَةً
(5)
. واعترض عليه بأنه باطل.
(1)
البخاري (265) ومسلم (317).
(2)
البخاري (248).
(3)
مسلم (316).
(4)
شرح فتح القدير (1/ 25/ 26) بدائع الصنائع (1/ 34).
(5)
باطل: أخرجه الدارقطني (1/ 115) وسقط من السند ابن سيرين كما في العلل (3/ 108) وقال: هَذَا بَاطِلٌ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا بَرَكَةُ، وَبَرَكَةُ هَذَا يَضَعُ الْحَدِيثَ. ورواه وكيع وغيره، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين مرسلًا، وصوبه الدارقطني في «العلل» (1/ 104).
القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل والوضوء
(1)
.
القول الثالث: ذهب المالكية والشافعية إلى أن المضمضة والاستنشاق سنة
(2)
:
واستدلوا بما روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه الرجل الذي أصابته جنابة فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إناء من ماء وقال له صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» .
واستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» فدل ذلك أن تعميم الجسد بالماء مع النية هذا هو الفرض، أما الوضوء ومنه المضمضة والاستنشاق، فهو السنة فهذا هو الراجح.
المطلب السادس: هل يستحب غسل الرأس في وضوء الغسل أو المسح؟
قال ابن رجب: غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه
(3)
.
والأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة غسل النبي لم يذكر فيها مسح الرأس.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من مضمضة واستنشاق وغسل الوجه واليدين، ولم يذكر مسح الرأس، ثم أفاض على جسده ثم تحول من مكانه فغسل قدميه، فدل ذلك على أن السنة غسل الرأس في وضوء الغسل.
قال أبو داود: قِيلَ لِأَحْمَدَ: " يَمْسَحُ رَأْسَهُ - أَعْنِي: الْجُنُبَ - إِذَا تَوَضَّأَ؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ
(1)
الفروع (1/ 144)، الإنصاف (1/ 152/ 153).
(2)
الخرشي (1/ 133)، منح الجليل (1/ 128)، الأم (1/ 4).
(3)
شرح البخاري (1/ 239).
يَمْسَحُ، وَهُوَ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ؟!
(1)
.
وقال ابن رجب: وأما القول بأنه لا يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صبًّا، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة، فهذا قد وَروي صريحًا عن ابن عمر {ونص عليه إسحاق بن راهويه، نقله عنه حرب.
وقال الكاساني: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ لِأَنَّ تَسْيِيلَ الْمَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُبْطِلُ مَعْنَى الْمَسْحِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ
(2)
.
القول الآخر: يمسح الرأس في وضوء الغسل، وهو قول الجمهور
(3)
.
واستدلوا بما رُوي في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ
(4)
.
قولها: (وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) أي الوضوء الكامل بما فيه مسح الرأس. واعترض عليه بأن هذا مجمل، فيُحمل حديث عائشة «توضأ وضوءه للصلاة» أنه غسل رأسه كما هو مبين في حديث ميمونة أنه غسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه.
والراجح: أن السنة غسل الرأس في وضوء الغسل؛ لأن في حديث ميمونة أنه غسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، فبعد غسل اليدين أفاض على جسده أي: غسل رأسه ثم غسل قدميه، وقد رُوي عن الحسن عن أبي حنيفة أن تسييل الماء عليه بعد ذلك يبطل المسح، فلم يكن فيه فائدة، والله أعلم.
(1)
مسائل أبي داود (136).
(2)
بدائع الصانع (1/ 35).
(3)
بدائع الصنائع (1/ 35)، حاشية الدسوقي (1/ 137)، مغني المحتاج (1/ 73)، كشاف القناع (1/ 152)، المغني (1/ 287).
(4)
البخاري (272) ومسلم (316).
المطلب السابع: استحباب تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة:
في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشَعْرِ، ثُمَّ يَصُبُّ الماء عَلَى رَأْسِهِ ..... الحديث.
قال ابن رجب: هذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنبه لها أكثر الفقهاء مع توسعهم في القول في سنن الغسل وآدابه
(1)
.
المطلب الثامن: هل يقاس تخليل شعر اللحية على تخليل شعر الرأس؟
لا يقاس لأنه لم يصح في تخليل شعر اللحية حديث، لكن في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ:(ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشَعْرِ)، فهذا يدل على أنه ثبت في غسل الجنابة تخليل شعر الرأس ولم يثبت في تخليل شعر اللحية حديث.
قال مالك عن تخليل اللحية: ولم يأتِ عن النبي عليه السلام أنه فعله في وضوئه، وجاء أنَّه خلل أصول شعره في الجنابة
(2)
.
وهناك قول بوجوب تخليل اللحية في الغسل.
قال ابن حبيب: و مَنْ ترك تخليل لحيته في ذلك و أصابع رجليه، لم يُجْزِه
(3)
.
واستدلوا لذلك بما قاله الباجي: قَوْلُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ؛ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِيعَابَ جَمِيعِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ وَاجِبٌ، وَالْبَشَرَةُ الَّتِي تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَوَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا وَمُبَاشَرَتِهَا بِالْبَلَلِ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَى الشَّعْرِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَنِيَابَةُ الْإِبْدَالِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛
(1)
شرح البخاري (1/ 311).
(2)
انظر النوادر (1/ 33).
(3)
النوادر (1/ 64).
وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْغُسْلِ
(1)
.
واعترض على القول بالوجوب من وجهين:
الأول: عموم قول النبي للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» فدل ذلك على أن الواجب هو إفراغ الماء على البدن مع النية.
الثاني: أنه وردت أحاديث كثيرة في صفة غسل النبي ولم يرد فيها تخليل شعر اللحية ولو كان واجبًا أو مستحبًّا لذُكر.
المطلب التاسع: استحباب التثليث في غسل الرأس:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب التثليث في غسل الرأس، وبه قال الحنفية وقول في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة وفيه
…
ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ غرفات
(3)
وفي رواية للبخاري: ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ
(4)
.
وروي مسلم عَنْ جُبَيْرٍ، قَالَ: تَمَارَوْا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَغْسِلُ رَأْسِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ»
(5)
. وفي لفظ البخاري: «فأفيض على رأسي ثلاثًا» وأشار بيديه كلتيهما
(6)
.
وذهب بعض المالكية إلى أنه لا يشرع التكرار في غسل الرأس.
(1)
المنتقى (1/ 94).
(2)
العناية شرح الهداية (1/ 58)، مواهب الجليل (1/ 316)، المجموع (2/ 214)، الفروع (1/ 204)، كشاف القناع (1/ 152).
(3)
البخاري (282) ومسلم (316).
(4)
البخاري (248).
(5)
مسلم (327).
(6)
البخاري (254).
واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ
(1)
.
قال القرطبي (المفهم): لا يُفْهَمُ من هذه الثلاثِ حَفَنَاتٍ أنه غسَلَ رأسَهُ ثلاثَ مرَّات؛ لأنَّ التكرارَ في الغُسْلِ غيرُ مشروع؛ لما في ذلك مِنَ المشقة، وإنما كان ذلك العددُ لأنه بدَأَ بجانبِ رأسِهِ الأيمنِ، ثم الأيسَرِ، ثم على وَسَطِ رأسه، كما في حديثِ عائشة.
واعترض عليه بما قاله ابن رجب: وهو خلاف الظاهر، والظاهر والله أعلم: أنه كان يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأَولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى.
قلت: ولا يمكن حمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا أَنَا، فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ» وفي لفظ البخاري «فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا» فأشار بيديه كلتيهما - على مرة واحدة.
فالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من استحباب التثليث في غسل الرأس، ولا فرق بين الرجل والمرأة، وقد روى مسلم عن عائشة: لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ
(2)
.
المطلب العاشر: هل تنقض المرأة الضفائر في غسل الجنابة؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة لا تنقض ضفائر شعرها في غسل الحيض والجنابة، وبه قال المالكية والشافعية ورواية عن أحمد
(3)
.
واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:
أما دليلهم من السنة: فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ والحيضة؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ
(1)
مسلم (318).
(2)
مسلم (331).
(3)
المدونة (1/ 134)، الأم (1/ 40)، المغني (1/ 298).
تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». و زيادة: (والحيضة) شاذة
(1)
.
واستدلوا بما روي مسلم عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ:«تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا، فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا» فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِينَ بِهَا» فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ. وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: «تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُور أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ»
(1)
مدار هذا الحديث على أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة ويرويه عن أيوب:
1) سفيان الثوري واختلف عليه: فرواه عبد بن حميد عند مسلم (330)، وأحمد بن منصور الرمادي في (سنن البيهقي الكبرى)(1/ 181) فروياه عن عبد الرزاق عن الثوري، بذكر زيادة (والحيضة).
ورواه إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن الثوري، بدون ذكر زيادة (والحيضة) كما في مسند أبي عوانة (1/ 315) والطبراني (الكبير)(23/ 296).
2) ورواه سفيان بن عيينة عن أيوب به بدون ذكر (الحيضة) عند مسلم (330)، وأحمد (6/ 289).
3) ورواه روح بن القاسم عن أيوب به بدون ذكر (الحيضة) عند مسلم (330).
فالحاصل: أن مدار الحديث على أيوب عن سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة، فرواه عن أيوب "ابن عيينة وروح بن القاسم" وهذان قد اتفقا على عدم ذكر الحيضة.
ورواه الثوري عن أيوب واختلف على الثوري: فرواه يزيد بن هارون بدون ذكر (الحيضة) وهي موافقة لرواية ابن عيينة وروح بن القاسم، ورواه عبد الرزاق عن الثوري واختلف عليه فرواه إسحاق بن إبراهيم دون ذكر الحيضة، وخالفه عبد بن حميد وأحمد بن منصور بذكر الحيضة.
قال ابن القيم: (تهذيب السنن)(1/ 295) اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب فاقتصرا على الجنابة، واختلف فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه ما قاله ابن عيينة وروح، وقال عبد الرزاق عنه: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف عليه لرجحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة، ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة.
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ
(1)
.
وجه الدلالة «تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا» فذكر الدلك ولم يذكر النقض، ولو كان نقض الشعر واجبًا لبينه رسول الله لصحابته.
أما دليلهم من المأثور: فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ نِسَاءَ ابْنِ عُمَرَ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ كُنَّ يَغْتَسِلْنَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَلَا يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، وَلَكِنْ يُبَالِغْنَ فِي بَلِّهَا
(2)
.
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنَّا نَغْتَسِلُ وَعَلَيْنَا الضِّمَادُ
(3)
وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مُحِلاَّتٌ وَمُحْرِمَاتٌ
(4)
.
وعَنْ سَالِمٍ، خَادِمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:«كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَجْعَلْنَ رُءُوسَهُنَّ أَرْبَعَ قُرُونٍ، فَإِذَا اغْتَسَلْنَ جَمَعْنَهُ عَلَى وَسَطِ رُءُوسِهِنَّ، وَلَمْ يَنْقُضْنَهُ»
(5)
.
القول الثاني: أن المرأة لا تنقض رأسها في غسل الجنابة ويجب نقض رأسها في غسل المحيض، وهو قول بعض المالكية والمشهور عن الحنابلة والظاهرية
(6)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ؛ فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي
(1)
أخرجه مسلم (332) وأخرجه ابن أبي شيبة (1/ 78) بلفظ: تَأْخُذُ سِدْرَتَهَا وَمَاءَها فَتَتَوَضَّأُ. فزاد " فَتَتَوَضَّأُ " وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف.
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 74).
(3)
الضماد: ما يلطخ به الشعر، مما يلبده ويسكنه.
(4)
إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (254) عن عبد الله بن داود، عن عمر بن سويد، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة به.
(5)
ضعيف جدًّا: أخرجه الطبراني (الأوسط)(7082)، وفي إسناده: عمر بن هارون: متروك.
(6)
المنتقى (1/ 96)، كشاف القناع (1/ 154)، والمحلى مسألة (192).
بِحَجٍّ» فَفَعَلْتُ
(1)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وَانْقُضِي رَأْسَكِ» دليل على أن المرأة تنقض شعر رأسها عند غسل المحيض.
واعترض على هذا الاستدلال بما قاله ابن رجب: وهذا الحديث لا دلالة فيه على واحد مِنْ الأمرين؛ فإن غسل عائشة الذي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بهِ لَم يكن مِنْ الحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كانَ قَدْ انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هَذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج، فَهوَ غسل للإحرام في حال الحيض، كَما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل
(2)
.
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضِهَا نَقَضَتْ شَعْرَهَا وَغَسَلَتْهُ بِخَطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ، وَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا الْمَاءَ وَعَصَرَتْهُ»
(3)
.
واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله.
والراجح أن المرأة لا تنقض ضفائر شعر رأسها لا في غسل الحيض ولا الجنابة.
المطلب الحادي عشر: هل يجب غسل ظاهر الشعر فقط أم يجب غسل ظاهره وباطنه؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب وصول الماء إلى أصول الشعر والمسترسل، وبه قال المالكية والشافعية
(1)
البخاري (317) ومسلم (1211).
(2)
شرح ابن رجب للبخاري (2/ 104)، ثم قال: وقد يحمل مراد البخاري رحمه الله على وجه صحيح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام: لأن غَسَلَ الإحرام لايتكرر، فلا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه؛ فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر.
(3)
إسناده ضعيف: أخرجه الطبراني (المعجم الكبير)(1/ 260) فذكر في سنده سلمة بن صبيح، وأخرجه البيهقي (1/ 182) فذكر مسلم بن صبيح وسواء هو مسلم بن صبيح أو سلمة بن صبيح فهو مجهول، قال ابن رجب: ليس بالمشهور. كما في شرح البخاري (2/ 109).
والحنابلة في المشهور عنهم
(1)
.
واستدلوا لذلك بالسنة: فعن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ»
(2)
. واعترض عليه بأنه لا يصح.
وعَنْ علي، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ»
(3)
.
(1)
المدونة (1/ 134)، المجموع (1/ 215)، الفروع (1/ 205).
(2)
أخرجه أبو داود (248) والترمذي (106) وابن ماجه (597) وغيرهم. وفي إسناده: الحارث بن وجيه ضعيف، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر. كما في العلل (53) وضَعَّفه الدارقطني العلل (8/ 103).
(3)
ضعيف والصحيح فيه الوقف: مدار الحديث على عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي.
واختلف على عطاء.
1) فرواه حماد بن سلمة عن عطاء عن زاذان عن علي مرفوعًا. أخرجه أحمد (1/ 94).
وعطاء بن السائب مختلط، واختلفوا في سماع حماد بن سلمة من عطاء: فقال ابن معين، وأبو داود والطحاوي وغيرهم: إن حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء. كما في الكواكب النيرات (ص/ 61) وقال الحافظ: إن حمادًا سمع منه قبل الاختلاط وبعده. كما في "التهذيب"(7/ 183).
2) وتابع حمادًا شعبة فرواه عن عطاء عن زاذان عن عليّ مرفوعًا، كما في العلل للدارقطني (3/ 208) وشعبة ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط إلا حديثين وهذا الحديث منهما.
قال ابن القطان: ما حَدَّث سفيان وشعبة عن عطاء بن السائب صحيح إلا حديثين، كان شعبة يقول: سمعتهما منه بآخرة عن زاذان. كما في الجرح والتعديل (6/ 332). وقال عبد القيوم محقق الكواكب النيرات: وقد بذلت مجهودي أن أقف على الحديثين الذين سمعهما شعبة عن عطاء بن زاذان، فوجدت في غرائب شعبة لابن المظفر حديثًا واحدًا بهذا السند، وهو حديث عليِّ رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله يقول: «من ترك موضع شعرة من جنابة
…
» فذكر الحديث فشعبة سمع هذا الحديث من عطاء بعد الاختلاط كما في العلل للدارقطني (3/ 308).
وخالف حماد بن سلمة وشعبة، حماد بن زيد فرواه عن عطاء عن زاذان عن عليّ موقوفًا كما في العلل للدارقطني (3/ 308) وقال النسائي وابن القطان وأبو حاتم: إن حماد بن زيد سمع من عطاء قبل الاختلاط، والصحيح رواية حماد بن زيد على الوقف، ولا يغتر مغتر بمتابعة شعبة لحماد بن سلمة فإنه سمع هذا الحديث من عطاء بعد الاختلاط والله أعلم.
وعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ - كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا» قُلْتُ: وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ؟ قَالَ: «غُسْلُ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً» . أخرجه ابن ماجه (598). ولهذا الحديث علتان: الأولى: ضعف عتبة بن أبي حكيم. الثانية: الانقطاع بين طلحة بن نافع وأبي أيوب الأنصاري كما في المراسيل (ص/ 100).
القول الآخر: أنه يستحب غسل أصول الشعر والمسترسل ولا يجب، وهو قول الحنفية وبعض الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ:«لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ»
(2)
. ولو كان غسل باطن الرأس واجبًا، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنقض ضفائرها حتى يصل الماء إلى بشرة الجلد التي تحت الضفائر.
قال ابن قدامة: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبُلُّ الشَّعْرَ الْمَشْدُودَ ضَفْرُهُ فِي الْعَادَةِ
(3)
.
قلت: فدل ذلك على أن المطلوب أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات، دل على ذلك ما رواه مسلم عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ. فَقَالَتْ: يَا عَجَبا لاِبْنِ عَمْرٍو هَذَا، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ؟! لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَة إِفْرَاغَاتٍ
(4)
.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أصابته جنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» ، فدل على أن الواجب إفراغ الماء على البدن وتعميم البدن بالماء.
(1)
مراقي الفلاح (ص/ 43)، ورجحه ابن قدامة في (المغني)(1/ 301، 302).
(2)
مسلم (330).
(3)
المغني (1/ 302).
(4)
مسلم (331).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ. هذا لفظ مسلم
(1)
أما لفظ البخاري: فكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ.
المبحث الخامس: استحباب التيامن في الاغتسال:
في الصحيحين واللفظ لمسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ
(2)
.
وفي صفة غسل النبي تقديم اليمنى على اليسرى في اليد والرجل، وتقديم الجانب الأيمن في الرأس، وكذا الكتف.
وفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّه
(3)
.
وفي الصحيحين من حديث أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: «ابْدَأْنَ
(1)
مسلم (329).
(2)
البخاري (258) ومسلم (318).
(3)
مدار الحديث على الأشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق، عن عائشة، واختلف في لفظه على الأشعث وهذا لفظ البخاري (168)، ورواه البخاري (426) من طريق سليمان بن حرب، وأحمد (6/ 94) من طريق بهز، كلاهما عن شعبة عن الأشعث بلفظ «كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله» وفي مسلم (67/ 268) دون قوله «ما استطاع» مع تقديم وتأخير، وورد عند البخاري (5926) وغيره بدون قولها:«في شأنه كله» .
وورد أيضًا بلفظ «كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره في شأنه كله» بدون واو، قال الحافظ: لِلْأَكْثَرِ مِنَ الرُّوَاةِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وفي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ.
قال الحافظ: وَأَمَّا عَلَى إِسْقَاطِهَا فَقَوْلُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِيُعْجِبُهُ لَا بِالتَّيَمُّنِ، أَيْ يُعْجِبُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ
…
إِلَخْ أَيْ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا وَلَا فِي فَرَاغِهِ وَلَا شُغْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا»
(1)
.
فلهذه الأحاديث العامة والخاصة يستحب التيامن في الاغتسال، أي: غسل اليد اليمنى قبل اليسرى، وغسل الجانب الأيمن قبل الأيسر، وكذا التيامن في الغسل كله.
وقد وصفت ميمونة وعائشة غسل النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه تقديم اليد اليمنى على اليسرى، وتقديم الجانب الأيمن من الرأس، وكذا الكتف الأيمن، وكل ما فيه يمين ويسار فيقدم فيه الأيمن، والله ولي التوفيق.
المبحث السادس: حكم غسل البدن ثلاث مرات:
اختلف العلماء في حكم غسل البدن ثلاث مرات على قولين:
القول الأول: يستحب غسل البدن ثلاث مرات، وهو قول الحنفية والشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة
(2)
.
قال النووي: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
(3)
.
واستدلوا لذلك بما روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا
(4)
.
وإذا كان غسل يديه ثلاثًا، فكذا سائر البدن يغسل ثلاثًا.
واعترض عليه بأن الصحيح الوارد أن غسل اليدين ثلاثًا، ويغسل باقي الأعضاء مرة، ويصب الماء على الرأس ثلاثًا.
واستدلوا أيضًا بما روى أحمد أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ
(1)
البخاري (167)، ومسلم (42/ 939).
(2)
بدائع الصنائع (1/ 34) روضة الطالبين (1/ 90)، الإنصاف (1/ 253).
(3)
المجموع (2/ 213).
(4)
مسلم (316).
جَنَابَةٍ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ غَسْلاً حَسَنًا، ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، فَإِذَا خَرَجَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ"
(1)
. وإذا كان التثليث في سائر أعضاء الوضوء فكذا يكون التثليث في غسل البدن.
واعترض عليه بأنه لا يصح.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: ثَلَاثًا. فَقَالَ: إِنِّي كَثِيرُ الشَّعَرِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ شَعَرًا مِنْكَ وَأَطْيَبَ
(2)
.
القول الثاني: لا يستحب إفاضة الماء على جميع البدن ثلاث مرات، وهو المشهور من المالكية وقول شيخ الإسلام
(3)
.
وقال ابن رجب: حكت ميمونة غسل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عددًا؛ إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل - مع شك الراوي: هل كان غسلهما مرتين أو ثلاثًا، وهذا الشك هو من الأعمش. ثم قال: وأطلقت الغسل في الباقي، فظاهره أنه لم يكرر غسل شيء من جسده، لا في الوضوء ولا في الغسل بعده
(4)
.
والراجح: أن يستحب التثليث في غسل اليدين والرأس، وباقي أعضاء الوضوء والغسل مرة، والله أعلم.
المبحث السابع: حكم تأخير غسل الرجلين:
يستحب تأخير غسل الرجلين عند تمام الغسل عند الجمهور
(5)
.
دل على ذلك حديث ميمونة: ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى
(1)
ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 96) وقد سبق.
(2)
إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 54) وغيره وفي إسناده: عطية العوقي: ضعيف.
(3)
الشرح الصغير (1/ 172) وشرح الخرشي (1/ 171) والإنصاف (1/ 253).
(4)
شرح ابن رجب للبخاري (1/ 264).
(5)
شرح فتح القدير (1/ 58)، الشرح الصغير (1/ 172)، الفروع (1/ 204).
جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. فتوضأ صلى الله عليه وسلم ولم يغسل رجليه ثم اغتسل ثم غسل رجليه، و (ثم) تفيد الترتيب، فدل ذلك على استحباب تأخير الرجلين في غسل الجنابة.
وفي القول الراجح عند المالكية والمشهور من مذهب الشافعية
(1)
أن غسل القدمين يكون مع الوضوء.
واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، يراد به الوضوء الكامل ومنه غسل الرجلين مع الوضوء ولم يرد في حديث عائشة أنه أخر غسل الرجلين.
واعترض عليه بأن حديث عائشة مجمل وحديث ميمونة مبين، وإذا تعارض المجمل والمبين قُدم المبين والله أعلم.
المبحث الثامن: الموالاة في غسل الجنابة.
فيه: قولان لأهل العلم:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الموالاة سنة
(2)
.
واستدلوا بأن غسل النبي صلى الله عليه وسلم كان متواليًا، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه فَرَّق غسله. فهذا دليل الاستحباب، والواجب في الغسل «تعميم الجسد بالماء مع النية» هذا الفرض، دل على ذلك قول النبي:«خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» .
وفي حديث ميمونة «ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فإذا جاز عدم الموالاة بين أعضاء الوضوء في الغسل فيتوضأ ثم يغتسل ثم يغسل رجليه ولم يكن هناك موالاة بين غسل الرأس وغسل الرجلين؛ فدل ذلك على أن الموالاة مستحبة.
قال ابن حزم: وإذا جاز أن يجعل رسول الله بين وضوئه وغسله وبين تمامها بغسل رجليه
(1)
أسهل المدارك (1/ 67) المعونة (1/ 132) روضة الطالبين (1/ 89).
(2)
حاشية ابن عابدين (1/ 156) المجموع (2/ 213) الإنصاف (1/ 257).
مهلة خروجه من مغتسله، فالتفريق بين المدد لا نص فيه ولا برهان
(1)
.
القول الثاني: تجب الموالاة في الغسل، وهو قول المالكية
(2)
.
واستدلوا بأن الغسل المنقول كان متواليًا ولم يرد أن رسول الله فَرَّق غسله. واعترض عليه بأن الواجب في الغسل هو تعميم جميع الجسد مع النية، قال صلى الله عليه وسلم:«خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» .
والراجح: أن الموالاة في الغسل سنة مستحبة وليست واجبة، والله أعلم.
المبحث التاسع: تدليك البدن في الغسل:
ذهب جمهور العلماء إلى أن التدليك ليس بفرض
(3)
.
واستدلوا لذلك بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» .
وبقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» . ولم يطلب إلا إفاضة الماء، ولم يأمر بالدلك، ولو كان الدلك فرضًا لجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وذهب المالكية إلى أن التدليك فرض
(4)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} قال عطاء: في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلاً؛ لأن الله تعالى قال:{حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ولا يقال: (اغتسل) إلا إذا دلك نفسه.
واعترض عليه بأن الاغتسال هو جريان الماء على العضو.
قال ابن حزم: من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد، ادعى ما لا برهان
(1)
المحلى (1/ 312).
(2)
المدونة (1/ 28) حاشية الدسوقي (1/ 133) الخرشي (1/ 168).
(3)
حاشية ابن عابدين (1/ 156) المغني (1/ 183).
(4)
المدونة (1/ 27).
له به
(1)
.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: استحباب الدلك، وأن الواجب في الغسل هو إفراغ الماء على البدن، والدلك سنة لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» والله أعلم.
* * *
(1)
المحلى (مسألة 115).
الفصل الخامس ما يحرم على الجنب
وفيه مبحثان
المبحث الأول: تحرم الصلاة:
دل على ذلك القرآن والسنة وإجماع الأمة: قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} .
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا:«مَكَانَكُمْ» ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ
(1)
.
وقال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى المُحْدِثِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ، سَوَاءٌ إنْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، لَكِنَّهُ إنْ صَلَّى جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَدَثِ وَتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَقَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً
(2)
.
المبحث الثاني: يحرم الطواف.
هل يُشترط للطواف الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه تشترط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وأن الطواف كالصلاة. وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية والحنابلة
(3)
.
أما دليلهم على اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر، فهو ما ورد في الصحيحين عن عائشة أن صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا
(1)
«البخاري» (275)، و «مسلم» (605).
(2)
«المجموع» (2/ 78).
(3)
«المدونة» (2/ 402)، و «المجموع» (8/ 17)، و «الإنصاف» (4/ 16).
قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ الله وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَلْتَنْفِرْ»
(1)
.
وفي الصحيحين: قالت عائشة: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عليَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ:«مَا لَكِ أنفِسْتِ؟» . قُلْتُ: نَعَمْ؟ قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»
(2)
، وفي رواية:«فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» . وإذا كانت الحائض تُمنع من الطواف بالبيت بالإجماع، فكذا يُمنع الجنب قياسًا على الحائض.
قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن رشد والنووي وابن حزم وغيرهم.
أما دليلهم على الطهارة من الحدث الأصغر: فهو ما روى البخاري عن عائشة قالت: «إَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً
…
»
(3)
.
قال الشنقيطي: وُضُوءُ النبي صلى الله عليه وسلم لِطَوَافِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - قَدْ دَلَّ دَلِيلَانِ عَلَى أَنَّهُ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَهَذَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالتَّحَتُّمِ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ لِلطَّوَافِ لَزِمَنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَهُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْوُضُوءِ لَهُ، وَمِنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي أَتَى بِهِ عَلَيْهَا كُلِّهَا بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ الله، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ وَالتَّحَتُّمِ؛ وَلِذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ; لِأَنَّ قَطْعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلسَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي
(1)
«البخاري» (4401)، و «مسلم» (382 - 1211).
(2)
«البخاري» (294)، و «مسلم» (1211).
(3)
«البخاري» (1614)، و «مسلم» (1235).
قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} لِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ إِلَى الْمِرْفَقِ وَإِلَى الْمَنْكِبِ
(1)
.
واعترض على هذا الاستدلال بأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج منها الركن ومنها الواجب ومنها السنة.
وقد روى مسلم: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ:«لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ»
(2)
.
والسؤال: هل رمي الجمار على الراحلة واجب؟
قال ابن القيم: في حديث: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه صلى الله عليه وسلم فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء
(3)
.
واستدلوا بأن الطواف كالصلاة وإذا كان يشترط للصلاة الطهارة من الحدثين فكذا الطواف، دل على ذلك ما رُوى عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ»
(4)
.
(1)
«أضواء البيان» (5/ 203).
(2)
«مسلم» (1293).
(3)
«تهذيب السنن» (1/ 53).
(4)
مدار الحديث على طاوس عن ابن عباس. ويرويه عن طاوس جماعة، منهم:
1) عطاء بن السائب واختلف عليه: فرواه جرير بن عبد الحميد عند الترمذي (3/ 93)، وأبي يعلى (2599)، والثوري عند الحاكم (1/ 459)، وابن عيينة عند الحاكم (1/ 459)، والفضيل بن عياض عند الدارمي (1847) وغيرهم عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا.
وخالفهم ابن فضيل فرواه عن عطاء موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 134)، رقم (12806) ولا شك أن رواية الجماعة أَوْلى من رواية ابن فضيل من طريق عطاء، ولكن العلة أنه خالف عطاء على الوقف جماعة من الثقات، وحديثهم أولى بالصواب.
2) ورواه عبد الله بن طاوس عن ابن عباس موقوفًا عند عبد الرزاق (9789).
3) ورواه إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، أخرجه عبد الرزاق (9790)، والنسائي «الكبرى» (2/ 406)، والبيهقي (5/ 87)، وإذا كان ورد مرفوعًا عن عبد الله بن طاوس عند الطبراني (11/ 340، 341)، فقد قال الحافظ «التلخيص» (1/ 226): رفعه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وهو ضعيف، ورواه الحسن بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي، موقوفًا عند النسائي (2922).
فتلخص أن مدار الحديث على طاوس عن ابن عباس فرواه عبد الله بن طاوس والحسن بن مسلم، وإبراهيم بن ميسرة عن طاوس موقوفًا، ورواه عطاء بن السائب وليث بن أبي سليم عن طاوس مرفوعًا عند الطبراني (11/ 43)، وعطاء مختلط وليث ضعيف، فالراجح رواية عبد الله بن طاوس، والحسن بن مسلم، وإبراهيم بن ميسرة، قال الحافظ «التلخيص» (1/ 225): رجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي، وقال الترمذي: روى هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء.
واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: الطهارة سنة من الحدث الأصغر والأكبر إلا الحيض.
قال ابن تيمية: لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَدْ حَجَّ مَعَهُ خَلَائِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدِ اعْتَمَرَ عُمَرًا مُتَعَدِّدَةً وَالنَّاسُ يَعْتَمِرُونَ مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ فَرْضًا لِلطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيَانًا عَامًّا، وَلَوْ بَيَّنَهُ لَنَقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ
(1)
.
وقال ابن القيم: لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمرته ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا، وتأخير البيان عن وقته ممتنع
(2)
.
واستدلوا بما روى مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ» .
أما دليلهم من المأثور: فقد روى ابن أبي شيبة عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا وَمَنْصُورًا
(1)
«مجموع الفتاوى» (21/ 273).
(2)
«تهذيب السنن» (1/ 52 - 53).
وَسُلَيْمَانَ عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا
(1)
.
الراجح: أنه تشترط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؛ لعموم قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26]، فإذا وجب تطهير مكان الطائف فتطهير بدن الطائف من الحدثين الأصغر والأكبر أَوْلى.
وأن عائشة لما حاضت قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» ، وإذا كانت الحائض تُمنع من الطواف لوجود الحدث، فكذا يُمنع الجنب قياسًا على الحائض؛ لأن كليهما حدث أكبر.
وكذا ورد أن صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» ، أي أن النبي والصحابة يُحبسون ويمكثون بمكة حتى تطهر صفية وتطوف، فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحدث لصحة الطواف.
وروى البخاري من حديث عائشة قالت: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» . فدلت مجموع هذه الأدلة عل وجوب الطهارة من الحدثين للطواف، وهذا قول جماهير العلماء، والله أعلم.
* * *
(1)
إسناده صحيح: «المصنف» (3/ 283)، رقم:(14349) عن غندر عن شعبة به.
الفصل السادس ما لا يحرم على الجنب والحائض
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: لا يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن.
المبحث الثاني: لا يحرم على الجنب والحائض مس المصحف.
المبحث الثالث: لا يحرم على الجنب ولا الحائض المكث في المسجد.
المبحث الرابع: لا يحرم على الجنب الأذان.
المبحث الأول
لا يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن
اختلف أهل العلم في جواز قراءة القرآن للحائض على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحائض لا تقرأ شيئًا من القرآن، وبه قال الحنفية والشافعية والمشهور عن الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا»
(2)
.
(1)
«المبسوط» (3/ 152)، «الحاوي» (1/ 384)، «الإنصاف» (1/ 347).
(2)
ضعيف: ومدار الحديث على موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، ويرويه عن موسى جماعة، منهم: إسماعيل بن عياش عن موسى به مرفوعًا به. أخرجه الترمذي (131).
ولهذا الحديث علتان:
الأولى: إسماعيل بن عياش، قال ابن معين: ثقة صدوق فيما روى عن أهل الشام، وضعيف في غير أهل الشام ومما روى عن غيرهم مخلط فيه. وكذا قال البخاري، وأحمد، وابن المديني، والدارمي، وغيرهم. فموسى بن عقبة حجازي ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة.
العلة الثانية: أنه قد اختلف فيه على إسماعيل بن عياش: فرواه الفضل بن زياد، وعلي بن حجر، والحسن بن عرفة، وهشام بن عمار وغيرهم عن إسماعيل، عن موسى، عن نافع، عن ابن عمر به، أخرجه الترمذي (131)، وابن ماجه (595) وغيرهما. ورواه (إبراهيم بن العلاء الزبيدي، وسعيد بن يعقوب الطالقاني)، كلاهما عن إسماعيل عن موسى عن عبيد الله بن عمر عن نافع به، فزاد في الإسناد عبيد الله ابن عمر، أخرجه الدارقطني (1/ 117)، وابن عدي «الكامل» (1/ 298)، وقال: هذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه غير ابن عياش وعامة من رواه عن ابن عياش عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل وأنكر على إسماعيل بن عياش كما في «الضعفاء» للعقيلي (1/ 90).
وقال أبو حاتم «العلل» (1/ 49). هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله.
وأخرجه الدارقطني (1/ 117) من طريق عبد الملك بن مسلمة حدثني المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة به، وفي إسناده عبد الملك بن مسلمة: ضعيف.
وأخرجه الدارقطني (1/ 118) عن محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل، عن أبي معشر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ لَا يَقْرَأنِ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا» وفي إسناده رجل مبهم، وأبو معشر ضعيف.
وعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقْرِئُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا»
(1)
.
(1)
إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (1/ 83)، وأبو داود (229)، والنسائي (265) وابن ماجه (594) وغيرهم، من طرق عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن عليّ به.
ولهذا الحديث علتان:
الأولى: في إسناده عبد الله بن سلمة، فيه ضعف. قال الشافعي: إن أهل الحديث لا يثبتونه، وقال البيهقي «معرفة السنن والآثار» (1/ 32): وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي ثُبُوتِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ سَلَمَةَ الْكُوفِيِّ، وَكَانُ قَدْ كَبُرِ، وَأُنْكِرَ مِنْ حَدِيثِهِ وَعَقْلِهِ بَعْضُ النَّكْرَةِ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ مَا كَبر قَالَهُ شُعْبَةُ، وقال الخطابي «معالم السنن» (1/ 156): كان أحمد يوهن حديث على هذا، ويُضعف أمر عبد الله بن سلمة. وقال النووي «المجموع» (12/ 183): قال الترمذي: حسن صحيح. وقال غيره من المحققين: هو حديث ضعيف.
العلة الثانية: حدث خلاف في الحديث في الرفع والوقف والإرسال، ذكره الدارقطني «العلل» (3/ 248)، فهذا مما يوهن هذا الحديث.
وهناك متابع لعبد الله بن سلمة وهو أبو الغَريف. أخرجه أحمد (3226) عن عَائِذِ، حَدَّثَنِي عَامِرُ، عَنْ أَبِي الْغَرِيفِ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِوَضُوءٍ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَذِرَاعَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ:«هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ فَأَمَّا الْجُنُبُ فَلا، وَلَا آيَةَ» . ولهذا الطريق علتان: الأولى: ضَعْف أبي الغريف. الثانية: قوله: «ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ فَأَمَّا الْجُنُبُ فَلا، وَلَا آيَةَ» من كلام علي وليس مرفوعًا للنبي، دل على ذلك ما راوه الدارقطني «سننه» (1/ 118) من طريق يزيد بن هارون قال عامر بن السمط: ثنا أبو الغريف الهمداني: كنا مع على في الرحبة فخرج إلى أقصى الرحبة ..... وفيه اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا». قال الدارقطني: هو صحيح عن عليّ وتابع يزيد بن هارون على الوقف جماعة، منهم الثوري عند عبد الرزاق (1306)، وإسحاق في «الأوسط» (2/ 96، 97)، فالحديث لا يصح.
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا عليّ إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تَقْرَأِ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ
…
»
(1)
.
وله شواهد:
1 فعَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا النُّفَسَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا»
(2)
.
2 -
عَنْ مَالِكِ بْنِ عُبَادَةَ الْغَافِقِيِّ، قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جُنُبٌ، فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَجَرَّنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَكَلْتَ وَأَنْتَ جُنُبٌ. قَالَ:«نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأْتُ أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ، وَلَكِنِّي لَا أُصَلِّي وَلَا أَقْرَأُ حَتَّى أَغْتَسِلَ»
(3)
.
3 -
عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ، فَقَامَ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، وَفَزَعَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَضْجَعِهِ، فَقَامَتْ وَخَرَجَتْ فَرَأَتْهُ عَلَى جَارِيَتِهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى الْبَيْتِ فَأَخَذَتِ الشَّفْرَةَ ثُمَّ خَرَجَتْ، وَفَرَغَ فَقَامَ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُ الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: مَهْيَمْ؟ فَقَالَتْ: مَهْيَمْ لَوْ أَدْرَكَتُكَ حَيْثُ رَأَيْتُكَ لَوَجَأْتُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ بِهَذِهِ الشَّفْرَةِ!! قَالَ: وَأَيْنَ رَأَيْتِنِي؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ عَلَى الْجَارِيَةِ!! فَقَالَ: مَا رَأَيْتِنِي، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ. قَالَتْ: فَاقْرَأْ!! فَقَالَ:
(1)
ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (1/ 118) وفي إسناده: الحارث: كذاب، وأبو مالك النخعي: ضعيف، وأبو نعيم النخعي: ضعيف. ورواه ابن أبي شيبة (1113) عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق عن الحارث عن عليّ. قال: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ تَكُنْ جُنُبًا. فهذا ضعيف موقوف.
(2)
أخرجه الدارقطني (2/ 87) وفي إسناده محمد بن فضل قال ابن معين: كان كذابًا. ورواه الدارقطني (1/ 121) من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا، ويحيى ضعيف جدًّا. ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (2/ 97) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الزبير أنه سأل جابرًا عن المرأة الحائض والنفساء هل تقرأ شيئًا من القرآن؟ فقال جابر: لا. وفي إسناده ابن لهيعة، ضعيف.
(3)
ضعيف: أخرجه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (1/ 88)، والدارقطني «السنن» (1/ 119) وغيرهما وفي إسناده ابن لهيعة ضعيف، وثعلبة بن أبي الكنود ذكره ابن حبان في «الثقات» (4/ 99)، وذكره البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عنه كما في «التاريخ الكبير» (2/ 175) و «الجرح والتعديل» (2/ 463)، وتابع ابن لهيعة الواقدي كما في «الخلافيات» للبيهقي (2/ 20). والواقدي: متروك.
أَتَانَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ
…
كَمَا لَاحَ مَشْهُورٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِع
أَتَى بِالْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا
…
بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ
…
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ
فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِالله وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ!! ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أنه لم يصح عن رسول الله.
الثاني: ما قاله ابن حزم: فَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الْجُنُبَ مِنْ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلَمَةَ عن عليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَحْجِزُهُ عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لَا يُلْزِمُ، وَلَا بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ.
وَقَدْ يُتَّفَقُ لَهُ صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَصُمْ قَطُّ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَزِدْ قَطُّ فِي قِيَامِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَكَلَ قَطُّ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا أَكَلَ مُتَّكِئًا، أَفَيَحْرُمُ أَنْ يُصَامَ شَهْرٌ كَامِلٌ غَيْرُ رَمَضَانَ أَوْ أَنْ يَتَهَجَّدَ الْمَرْءُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى خِوَانٍ أَوْ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا؟ هَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا،
(1)
القصة ضعيفة والأبيات ثابتة عن ابن رواحة من طرق أخرى، أخرجه الدارقطني (1/ 120). وفي إسناده: زمعة بن صالح: ضعيف، وعكرمة لم يسمع من ابن رواحة. قال النووي:«المجموع» (2/ 159): ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع. وقال محمد رشيد رضا في «فتاويه» (3/ 970): أما وجه من حكى بوضعها، فهو ما فيه من نسبة تعمد الكذب من صحابي من الأنصار الأولين الصادقين الصالحين، وتسمية الشعر قرآنًا، أي نسبته إلى الله عز وجل القائل فيه:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} وإقرار النبي له على ذلك بالضحك الدال على الاستحسان كما صرح به في بعض الروايات، وقد صرح العلماء بأن من نسب إلى القرآن ما ليس منه كان مرتدًّا.
قلت: ولهذا الحديث شواهد كلها ضعيفة.
وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ فِي نَهْيِ الْجُنُبِ وَمَنْ لَيْسَ عَلَى طُهْرٍ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ
(1)
.
أما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ
(2)
.
وعن ابن عمر أنه قال: «لَا يَسْجُد الرَّجُلُ وَلَا يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ»
(3)
.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ هَلْ تَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا
(4)
.
واعترض عليه: بأنه لا يصح.
القول الثاني: جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، وهو قول الشافعي في القديم ورواية عن أحمد وابن تيمية وابن القيم والظاهرية والبخاري والطبري وابن المنذر
(5)
.
واستدلوا بعموم حديث عائشة: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»
(6)
. وذِكْر الله يشمل التسبيح والتحميد وقراءة القرآن.
والدليل على أن القرآن ذِكْر عموم قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وعموم قوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [الحجر: 9].
وفي الصحيحين من حديث عائشة لما خرجَتْ للحج فحاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «فَافْعَلِي
(1)
«المحلى» (مسألة 116).
(2)
صحيح: أخرجه عبد الرزاق (1307)، وابن أبي شيبة (1/ 97) وغيرهما.
(3)
صحيح: وقد سبق.
(4)
أخرجه الدارقطني (1/ 121) وفي إسناده يحيى بن أبي أنيسة: متروك. قلت وورد عن ابن مسعود بهذا المعنى، أخرجه ابن أبي شيبة (1087)، وفيه انقطاع بين إبراهيم النخعي وابن مسعود.
(5)
«روضة الطالبين» (1/ 86)، و «المجموع» (2/ 387)، و «فتح الباري» (1/ 407)، و «المحلى» (1/ 94)، و «مجموع الفتاوى» (26/ 11)، و «الإنصاف» (1/ 249)، و «الأوسط» (2/ 99).
(6)
«البخاري» (305)، و «مسلم (117).
مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».
فالحائض يباح لها كل شيء بما في ذلك قراءة القرآن إلا الطواف بالبيت.
واعترض عليه بأن ذلك مقصور على أفعال الحج من طواف ورمي وغيرهما، وليست قراءة القرآن من أفعال المناسك، فلا يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:«فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ» .
وأجيب عنه بما قاله الحافظ: وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَه ابْنُ رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ أِنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْر وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرا لِله فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِر، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ
(1)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن ابن عباس {في حديث طويل أن رَسولَ اللهِ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا وَفِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 64}
(2)
. فإذا كان يجوز لغير المسلم أن يقرأ آية من كتاب الله، فيجوز قراءة القرآن للحائض والجنب من باب أَوْلى.
قال ابن حزم: بعض الآية والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يُمنع من آية أو يُمنع من أخرى.
والراجح: القول بجواز قراءة القرآن للحائض والجنب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه. والذِّكْر قد يكون بقراءة القرآن وقد يكون بغيره، ولا يصح دليل في منع الحائض من قراءة القرآن.
(1)
«فتح الباري» (1/ 408).
(2)
«البخاري» (7)، و «مسلم» (1773).
قال مالك: فَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَهَا أَنْ تَقْرَأَ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ طُهْرَهَا. يُرِيدُ فَإِنْ طَهُرَتْ وَلَمْ تَغْتَسِلْ بِالْمَاءِ فَلَا تَقْرَأُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ طُهْرَهَا
(1)
.
قال شيخ الإسلام: لَيْسَ فِي مَنْعِهَا (أي الحائض) مِنَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ أَصْلًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ:«لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَحَادِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَغْلَطُ فِيهَا كَثِيرًا وَلَيْسَ لِهَذَا أَصْلٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَا عَنْ نَافِعٍ وَلَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَصْحَابُهُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِنَقْلِ السُّنَنِ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِنَّ كَالصَّلَاةِ، لَكَانَ هَذَا مِمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأُمَّتِهِ وَتَعْلَّمُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ إلَى النَّاسِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ نَهْيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ حَرَامًا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ الْحَيْضِ فِي زَمَنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ
(2)
.
وقال ابن القيم: جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهَا التَّعَوُّضُ عَنْهَا زَمَنَ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَمْتَدُّ بِهَا غَالِبُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ، فَلَوْ مُنِعَتْ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَفَاتَتْ عَلَيْهَا مَصْلَحَتُهَا، وَرُبَّمَا نَسِيَتْ مَا حَفِظَتْهُ زَمَنَ طُهْرِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَمْنَعِ الْحَائِضَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَحَدِيثُ «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» لَمْ يَصِحَّ؛ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ
(3)
.
* * *
(1)
«التاج والإكليل» (1/ 317)، ومالك يفرق بين الجنب والحائض، فالجنب لا يقرأ حتى يتطهر لأن له أن يسرع في الاغتسال بخلاف الحائض. (قلت): ولا دليل على ذلك.
(2)
«مجموع الفتاوي» (26/ 191).
(3)
«إعلام الموقعين» (3/ 23).
المبحث الثاني
لا يحرم على الجنب والحائض مس المصحف
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم على المحدث مس المصحف، وهو قول الأئمة الأربعة
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ 77 فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ 78 لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ 79} [الواقعة: 79].
وجه الدلالة: إنه لقرآن كريم لا يمسه إلا طاهر من الحدث الأصغر والأكبر، فدل ذلك على حرمة مس المصحف للمحدث، سواء كان حدثًا أصغر أم أكبر.
واعترض عليه: بأن المراد بالمطهرون: الملائكة، والضمير في قوله {لَا يَمَسُّهُ} يعود إلى الكتاب المكنون وهو أقرب مذكور.
قال ابن المنذر: قال أنس
(2)
وابن جبير ومجاهد والضحاك وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة
(3)
.
قلت: وهو قول ورد عن ابن عباس
(4)
.
وعن مجاهد قال: القرآن: كتابه المكنون: الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار، لا يمسه
(1)
«شرح فتح القدير» (1/ 168)، «بدائع الصنائع» (1/ 33 - 34)، «مختصر خليل» (ص 14)،، مغني المحتاج (1/ 36)، «المجموع» (2/ 77)، «الإنصاف» (1/ 222)، «المغني» (1/ 202).
(2)
أخرجه ابن المنذر وسعيد ين منصور عن أنس رضي الله عنه {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ 79} قال: الملائكة عليهم السلام. عن أبي الأحوص عن عاصم الأحول عن أنس. وسنده حسن.
(3)
«الأوسط» (1/ 103) والطبري في «تفسيره» (23/ 150)، وثبت عن ابن مجاهد وأبي العالية.
(4)
«تفسير الطبري» (11/ 659)، وإسناده ضعيف؛ لضعف حكيم بن جبير.
إلا المطهرون. قال: الملائكة عليهم السلام
(1)
.
قال الزركشي: ورد بأن المشهور عن السلف وأهل التفسير أن الكتاب اللوح المحفوظ، وأن {الْمُطَهَّرُونَ} الملائكة، ويؤيده الآية الأخرى:{كَلا إِنَّهَا تَذِكْرةٌ فَمَنْ شَاءَ ذِكْرهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} وأيضًا الإخبار بأنه {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} أي مصون، لا تناله أيدي الضالين، وهذه صفة اللوح المحفوظ
(2)
.
أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر {قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»
(3)
.
وله شواهد:
1 -
فعَنْ حَكيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ:«لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى طُهْرٍ»
(4)
.
(1)
«الدر المنثور» (8/ 26)، والطبري «تفسيره» (23/ 151) وإسناده حسن.
(2)
«شرح الزركشي» (1/ 210)، وانظر الطبري (23/ 152)، والبغوي في «تفسيره» (5/ 19) «لا يمسه» أي: ذلك الكتاب المكنون، «إلا المطهرون» وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة.
(3)
ضعيف: أخرجه الدارقطني (1/ 122)، والبيهقي (1/ 88) وغيرهما من طريق سعيد بن محمد بن ثواب ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه به
وقد أعل هذا الطريق بثلاث علل:
الأولى: ابن جريج مدلس وقد عنعن.
الثانية: سليمان بن موسى وإن كان وثقه الدارقطني وابن سعد ودحيم، فقد قال البخاري: عنده مناكير. وقال المديني: مطعون عليه. وقال النسائي: في حديثه شيء. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب. وذكره العقيلي في الضعفاء. وقال الحافظ: صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل.
(قلت): هل يُقبل حديث مَنْ هذا حاله، في أمر تحتاج إليه عموم أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟
الثالثة: في إسناده سعيد بن محمد بن ثواب لم يوثقه إلا ابن حبان.
(4)
ضعيف: أخرجه الدارقطني (1/ 122)، والحاكم (3/ 485)، والطبراني «الكبير» (3135) وغيرهم.
ولهذا الحديث علل:
الأولى: في إسناده مطر الوراق، فإن كان ذكره ابن حبان في الثقات، فقد قال: ربما أخطأ. وإن كان قال فيه العجلي: لا بأس به. فقد ضَعَّفه النسائي، وأبو داود، ويحيى بن القطان، وأبو زرعة، وشعبة، والدارقطني، وابن عدي.
الثانية: في إسناده: سويد بن إبراهيم الجحدري: قال الحافظ في «لسان الميزان» (7/ 240): لين.
الثالثة: في إسناده إسماعيل بن إبراهيم. في التقريب: لين الحديث.
2 -
عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ - وَكَانَ شَابًّا -: وَفَدْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَنِي أَفْضَلَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «
…
وَلَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ»
(1)
.
2 -
عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»
(2)
.
3 -
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ لَقِيَ عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تَعْمِدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ يَا عُمَرُ؟! إِنَّ خَتَنَكَ سَعِيدًا وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوا وَتَرَكَا دِينَهُمَا الَّذِي هُمَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَشَى عُمَرُ إِلَيْهِمْ ذَامِرًا حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْبَابِ. قَالَ: وَكَانَ عِنْدَهُمَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: خَبَّابٌ يُقْرِئُهُمَا سُورَةَ طَهْ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ بِحِسِّ عُمَرَ دَخَلَ تَحْتَ سَرِيرٍ لَهُمَا، فَدَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي رَأَيْتُهَا عِنْدَكُمَا؟ قَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا. قَالَ: لَعَلَّكُمَا صَبَوْتُمَا وَتَرَكْتُمَا دِينَكُمَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: يَا عُمَرُ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ فَأَقْبَلَ عَلَى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا. قَالَ: فَدَفَعَتْهُ أُخْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَ وَجْهَهَا فَأَدْمَى وَجْهَهَا، فَقَالَتْ وَهِيَ غَضْبَى: يَا عُمَرُ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، قَالَ: فَلَمَّا يَئِسَ عُمَرُ، قَالَ: أَعْطُونِي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأَهُ. فَقَالَتْ أُخْتُهُ:
(1)
ضعيف جدًا: أخرجه الطبراني «الكبير» (8336)، وفي إسناده: إسماعيل بن رافع: ضعيف جدًّا، وفي السند محمد بن سعيد بن عبد الملك، قال فيه الذهبي: تابعي صغير أرسل لا يُدرى من هو. «الميزان» (3/ 564)، وفي السند هشام بن سليمان المكي: لين الحديث.
(2)
«في بيان الوهم والإيهام» (3/ 465)، قال ابن القطان: وهو إسناد في غاية الضعف، لم أجد للنضر ابن شفي ذكرًا في شيء من مظان وجوده وهو مجهول جدًّا، وأما الخصيب بن جحدر، فقد رماه ابن معين بالكذب، واتقى أحمد حديثه، وقال أبو حاتم: له أحاديث مناكير. انظر «نصب الراية» (1/ 199).
إِنَّكَ رِجْسٌ وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، قُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ
(1)
.
4 -
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرَآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ
(2)
.
واعترض بأن هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو صحت فقد يكون المراد:«لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ» أي مشرك لعموم قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ، ولما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ:«أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ:«سُبْحَانَ الله، يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»
(3)
.
قال ابن حزم: وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْآثَارَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ لَمْ يُجِزْ لِلْجُنُبِ مَسَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مُرْسَلَةٌ وَإِمَّا صَحِيفَةٌ لَا تُسْنَدُ وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ وَإِمَّا عَنْ ضَعِيفٍ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ
(4)
.
القول الثاني: يجوز مس المصحف للمحدث والحائض، ويستحب الطهارة له، وهو قول
(1)
ضعيف: أخرجه الحاكم (4/ 65)، والبيهقي «الكبرى» (1/ 88) وفي إسناده: القاسم بن عثمان ضعيف. وفي الباب حديث ثوبان وابن عباس وغيرهما ولا يصح منهم حديث.
(2)
أخرجه أبو عبيد «فضائل القرآن» (1214)، ومالك «الموطأ» (296) وأبو داود «المراسيل» (90) وغيرهم من طريقي مالك ومحمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر به. قال البيهقي «معرفة السنن» (1/ 318): رواه الشافعي وهو منقطع. وأخرجه عبد الرزاق (1328)، والنسائي «السنن» (4872)، من طريق مالك، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه به.
وأخرجه أبو داود «المراسيل» (898)، والدارقطني (1/ 121)، وفي إسناده محمد بن عمارة يخطئ.
وأخرجه الدارمي (2312) من طرق عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن عبد الله به. واختلف في اسم سليمان هل هو ابن داود أو ابن أرقم، ورجح النسائي ابن أرقم. (قلت): وهو متروك، انظر «نصب الراية» (2/ 342) و «الرسالة» للشافعي (ص 422).
(3)
«البخاري» (285)، و «مسلم» (371).
(4)
«المحلى» (1/ 83).
ابن المنذر وابن حزم
(1)
لعموم حديث عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذِكْر الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»
(2)
، والذِّكْر قد يكون بقراءة القرآن وقد يكون بغيره من التسبيح والتحميد والتكبير، دل على أن القرآن ذِكْر عموم قول الله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 9} .
واستدلوا أيضًا بأنه إذا كان مس المصحف بحائل بعصا أو غيره جائزًا، فمسه باليد أَوْلى لأن يد المسلمة طاهرة، دل على هذا المعنى ما رواه مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ:«يَا عَائِشَةُ: نَاوِلِينِي الثَّوْبَ» فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَنَاوَلَتْهُ
(3)
. فالرسول طلب من عائشة الثوب، فقالت: إني حائض، أي: كيف أعطيك الثوب بيدي وأنا حائض؟! فقال النبي: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» أي: إن كان الحيض نجسًا فهو في الفرج، بينما اليد التي تعطني الثوب طاهرة، فكذا اليد التي تمس المصحف طاهرة، وممايدل على طهارة يد الحائض ما رواه مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:«كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا حَائِضٌ»
(4)
. فلوكانت اليد نجسة بسبب الحيض لما غسلت عائشة رأس النبي.
قال ابن المنذر: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُنَجِّسُ مَا تَمَسُّ إِذْ لَيْسَ جَمِيعُ بَدَنِهَا نَجِسًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنْ بَدَنَهَا غَيْرُ نَجِسٍ إِلَّا الْفَرْجَ ثَبَتَ أَنَّ النَّجَسَ فِي الْفَرْجِ لِكَوْنِ الدَّمِ فِيهِ وَسَائِرُ الْبَدَنِ طَاهِرٌ
(5)
.
واستدلوا بأنه إذا كان المشرك نجسًا لقوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، وجائز له أن يمس صحيفة بها آية من كتاب الله، فمسُّ المسلم للمصحف أَوْلى بالجواز؛ لأن المسلم لا ينجس. دل على هذا المعنى ما ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى هرقل عظيم الروم: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ
(1)
«الأوسط» (2/ 103)، و «المحلى» (مسألة 116).
(2)
«مسلم» (373).
(3)
«مسلم» (229).
(4)
«مسلم» 297).
(5)
«الأوسط» (2/ 104).
الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 64}
(1)
.
وجه الدلالة: ما قاله ابن حزم: فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى هِرَقْلَ آيَةً وَاحِدَةً. قِيلَ لَهُمْ: وَلَمْ يَمْنَعْ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ، فَإِنْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الْآيَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا فَلَا تَقِيسُوا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَهَا
(2)
.
واستدلوا بأنه لا يجب الوضوء لمس المصحف، بل الوضوء للصلاة لما روى مسلم من حديث سَعِيدِ بْن حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ:«إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً» ، قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ» وَزَعَمَ عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ
(3)
.
واستدلوا بالقياس: فإذا كان يجوز قراءة القرآن للمحدث فكذا يجوز مس المصحف.
قال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ، وَالْأَفْضَلُ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ لَهَا.
قلت: وقد ذهب حبر الأمة ابن عباس إلى جواز مس المصحف للمحدث
(4)
.
والراجح: جواز مس المصحف للحائض والجنب، دل على ذلك أن مس المصحف يكون باليد، ويد وبدن الحائض والجنب طاهر، ودل على ذلك ما رواه مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ:«يَا عَائِشَةُ: نَاوِلِينِي الثَّوْبَ» فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَنَاوَلَتْهُ.
(1)
«البخاري» (7)، و «مسلم» (1773).
(2)
«المحلى» (مسألة 116).
(3)
رواه عبد بن حميد «المنتخب» (690) قال: أخبرنا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس به وفيه:«إنما أُمرتم بالوضوء والصلاة» .
(4)
ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» () والشوكاني في «فتح القدير» (5/ 160).
فالرسول يطلب من عائشة الثوب فقالت: إني حائض، أي كيف أعطيك الثوب بيدي وأنا حائض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» ثبت أن النجس في الفرج لكون الدم فيه، أما اليد فهي طاهرة فلا مانع أن تمس بها المصحف.
وبعث النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا فيه آية من كتاب الله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ
…
} إلى قوله {مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وإذا جاز للمشرك أن يمس صحيفة بها آية من كتاب الله، فمسُّ المصحف للمسلم أَوْلى بالجواز لأن المؤمن لا ينجس.
أما من حرم على الحائض والجنب مس المصحف فاستدلوا بعموم قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ 77 فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ 78 لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ 79} [الواقعة].
واعترض عليه بأن جمهور أهل التفسير على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والمطهرون الملائكة، ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى:{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ 13 مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ 14 بِأَيْدِي سَفَرَةٍ 15 كِرَامٍ بَرَرَةٍ 16} ، وأيضًا الإخبار بأنه في كتاب مكنون، أي مصون لا تناله أيدي الضالين، وهذا صفة اللوح المحفوظ.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» ، ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله شواهد كلها ضعيفة. وإذا كان يجوز مس المصحف بعصًا أو بغيرها فمسه باليد أَوْلى لأن اليد طاهرة.
* * *
المبحث الثالث لا يحرم على الجنب ولا الحائض المكث في المسجد
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للحائض المكث في المسجد، وبه قال الحنفية
(1)
، والمالكية
(2)
، والشافعية
(3)
، والحنابلة
(4)
.
واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة.
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلموا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} .
وجه الدلالة: أن الله نهى الجنب عن قربان الصلاة، أي: مواضع الصلاة، وهي المساجد إلا مجتازًا
(5)
، وإذا نهى الجنب عن المكث في المسجد؛ فكذا الحائض.
واعترض عليه: بأنه ذِكْر في أول الآية: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} أي: لا تصلِّ وأنت جنب، والضمير يعود إلى الصلاة، أي أن الجنب وهو مسافر لا يقرب الصلاة إلا إذا لم يجد الماء فيتيمم ويصلي.
وأجيب عنه بما قاله الشافعي: قال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلم بِالْقُرْآنِ: مَعْنَاهَا: لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ. وما أَشْبَهَ ما قال بِمَا قال لِأَنَّهُ ليس في الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ في مَوْضِعِهَا
(1)
«البحر الرائق» (1/ 205)، «شرح فتح القدير» (1/ 165).
(2)
«المدونة» (1/ 186)، «منح الجليل» (1/ 174).
(3)
«المهذب» (1/ 45)، «المجموع» (2/ 156)، «الحاوي» (1/ 384).
(4)
«المغني» (1/ 200)، «المبدع» (1/ 260)، «مجموع الفتاوى» (26/ 123 - 215).
(5)
«الأوسط» (2/ 109).
وهو المسْجِدُ
(1)
.
واعترض عليه: بأنه لا يقاس الحائض على الجنب؛ لأن الجنب له أن يسرع في التطهر، أما الحائض فليس لها ذلك.
واستدلوا بما روى البخاري من حديث أم عطية قالت: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ»
(2)
. قولها: «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: مكان الصلاة، فدل ذلك على منع الحائض من دخول المسجد.
واعترض على هذا الاستدلال: بأن المراد «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: تعتزل الحائض الصلاة، دل على ذلك ما رواه مسلم عن أم عطية قالت:«أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ»
(3)
. أي: أن المراد باعتزال الحيض المصلى هو حال الصلاة ليتسع المكان للنساء الطاهرات ثم يختلطن بهن بعد الصلاة
(4)
، ثم إن الصلاة كانت في الفضاء وليست في المسجد.
واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جَاءَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ المسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا
(1)
«الأم» (1/ 54)، قلت: وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس، أخرجه الدارمي (1174)، وابن المنذر في «الأوسط» (2/ 106)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 443)، وفي إسناده عيسى ابن ماهان، قال فيه الحافظ: صدوق. وورد عن أنس كما عند الدارمي (1175) والبيهقي في «الكبرى» (2/ 443) وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر، منكر الحديث.
وورد عن ابن مسعود كما عند عبد الرزاق (4121)، وابن المنذر في «الأوسط» (2/ 106)، والبيهقي (2/ 443) وهو ضعيف، فإن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود.
وقد رواه الطبري في «تفسيره» (4/ 102) بإسناد فيه ضعف، وهو مرسل.
(2)
البخاري (351)، ومسلم (890).
(3)
مسلم (890).
(4)
شرح البخاري لابن رجب (2/ 142).
جُنُبٍ»
(1)
، وهذا أصرح ما ورد في الباب وليته صح.
وأيضًا من أصرح ما ورد أثر عائشة قالت: كن المعتكفات إذا حِضن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن
(2)
. قلت: وهذا الحديث لم أقف له على إسناد.
الدليل الثالث: في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وفيه:«افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»
(3)
، منع الطواف للحائض؛ وذلك لئلا يتلوث المسجد.
واعترض على هذا الاستدلال بأن المنع من الطواف فقط ليس فيه المنع من دخول المسجد، بل الطواف أخص.
(1)
ضعيف: أخرجه أبو داود (232)، وابن خزيمة (1327)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 67)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 442) من طريق عبد الواحد بن زياد عن أفلت بن خليفة قال: حدثتني جسرة بن دجاجة، قالت: سمعت عائشة
…
به.
ولهذا الحديث ثلاث علل:
الأولى: تفرُّد جسرة بهذا الحديث، وقد قال البخاري: عند جسرة عجائب.
الثانية: في إسناده أفلت بن خليفة وإن كان قال فيه أحمد: لا بأس به، فقد قال ابن المنذر: أفلت لا يجوز الاحتجاج بحديثه. كما في «الأوسط» (2/ 110)، وقال ابن حزم: أفلت غير مشهور ولا معروف. كما في «المحلى» (2/ 253)، وقال الخطابي في «معالم السنن» (1/ 158): وضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت راوية مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه.
الثالثة: أنه اختلف على جسرة، فرواه الأفلت عنها عن عائشة، ورواه ابن غنية عن أبي الخطاب الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة .. الحديث. أخرجه ابن ماجه (645)، والطبراني في «الكبير» (23/ 373)(ح 883)، وابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 99) وقال: قال أبو زرعة: يقولون: عن جسرة عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة. وقال ابن حزم في «المحلى» (2/ 185): وأما مَحْدُوجٌ فَسَاقِطٌ يَرْوِي المُعْضِلَاتِ عن جَسْرَةَ، وأبو الْخَطَّابِ الْهَجَرِيُّ مَجْهُولٌ. وسرد الطرق وقال: وهذا كُلُّهُ بَاطِلٌ.
(2)
عزاه ابن قدامة في «المغني» (4/ 487) لأبي حفص العكبري، وهو عند ابن مفلح في «الفروع» (3/ 176)، وقال: إسناده جيد.
(3)
البخاري (305)، ومسلم (120 - 1211).
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ
(1)
. ولو كان يجوز للحائض دخول المسجد لدخلت المسجد ورجَّلته فيه.
واعترض عليه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأنه قد يكون في المسجد رجال أجانب أو أن المسجد ليس محلًّا للترجل أو غير ذلك من الأسباب، فليس فيه دلالة على منع الحائض من دخول المسجد.
القول الآخر: يجوز للحائض المكث في المسجد. وهو قول المزني من الشافعية
(2)
وقول الظاهرية
(3)
.
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: لَقِيَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فقال:«أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فقال له، فقال:«سُبْحَانَ الله يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»
(4)
. فإذا كان المؤمن لا ينجس، فهو طاهر، فلا يُمنع من دخول المسجد، وقد يقال: إن المؤمن لا ينجس، أي: طاهر بإيمانه طهارة معنوية، وإن المشرك نجس بالشرك.
واستدلوا بما روى سعيد بن منصور عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاة
(5)
.
وجه الدلالة: أنه إذا كان الجنب يجلس ويمكث في المسجد إذا توضأ، فكذا الحائض.
واعترض عليه بأن الحديث في إسناده هشام بن سعد، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم.
وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ
…
} الآية، أي: أن الجنب لا يمكث في المسجد إلا مارًّا به، وهذا أرجح الأقوال في تفسير الآية.
(1)
البخاري (2031)، ومسلم (297).
(2)
«المجموع» (2/ 160).
(3)
«المحلى» مسألة (262).
(4)
البخاري واللفظ له (285)، ومسلم (371).
(5)
أخرجه سعيد بن منصور (646)، وابن المنذر «الأوسط» (1/ 108) وفي إسناده هشام بن سعد، ضعيف الحديث.
واستدلوا بما روى مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسْجِدِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ»
(1)
.
وجه الدلالة: أن عائشة دخلت المسجد وهي حائض.
واعترض عليه: بأن إتيان عائشة بالخمرة مِنَ المَسجد ليس بمكث، ولكنه مرور، والمرور للحائض في المسجد جائز.
وأجيب: بأن الحديث مطلق «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ من المسْجِدِ» فدخول عائشة المسجد يشمل المرور والمكث. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ» أي أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة أو الثوب، ويدك طاهرة فليست الحيضة في اليد. وإن كان منع الحائض من المسجد هو تلويثه فلتستثفر بثوب لتمنع.
واعترض عليه بما نقل النووي عن الْقَاضِي عِيَاضٍ قال: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَيْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لِتُنَاوِلِهُ إِيَّاهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهَا أَنْ تُخْرِجَهَا لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُعْتَكِفًا وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي حُجْرَتِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَإِنَّمَا خَافَتْ مِنْ إِدْخَالِ يَدِهَا الْمَسْجِدَ، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهَا بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْيَدِ مَعْنًى.
واستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة: أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، وفيه: .. فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ في المسْجِدِ
…
(2)
.
فهذه امرأة تنظف المسجد وتمكث فيه، والحيض كتبه الله على بنات آدم، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالخروج من المسجد وقت الحيض.
قال ابن رجب: استدل بحديث عائشة أهل الظاهر على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا
(1)
مسلم (298).
(2)
البخاري (439).
عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من المحيض
(1)
.
وأجيب عنه بما قاله ابن حزم: فَهَذِهِ امْرَأَةٌ سَاكِنَةٌ في مَسْجِدِ النبي صلى الله عليه وسلم، وَالَمعْهُودُ من النِّسَاءِ الْحَيْضُ، فما مَنَعَهَا عليه السلام من ذلك وَلَا نَهَى عَنْهُ وَكُلُّ ما لم يَنْهَ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ فَمُبَاحٌ
(2)
.
واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»
(3)
فإذا كان المشرك يمكث في المسجد يومًا واثنين وثلاثة فمن باب أَوْلى جواز مكث الحائض في المسجد.
والأصل جواز مكث الحائض في المسجد، وليس هناك دليل صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد، والله أعلم.
* * *
(1)
شرح البخاري لابن رجب (3/ 254).
(2)
«المحلى» (2/ 253).
(3)
البخاري (462).
المبحث الرابع لا يحرم على الجنب الأذان
اختلف العلماء في حكم أذان الجنب على أقوال:
القول الأول: يُكره أذان الجنب، وهو قول الحنفية وقول عند المالكية والشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روى البيهقي عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَقٌّ وَسُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَا يُؤَذِّنُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ
(2)
.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِّئٌ»
(3)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح منهما حديث
واستدلوا بالقياس، فكما أن الصلاة يشترط لها الطهارة، فكذا الأذان.
واعترض عليه بأن المُحْدث حدثًا أصغر يجوز له الأذان، ولايجوزله الصلاة، فدل ذلك على أن هذا القياس فاسد.
القول الثاني: لا بأس بالأذان للجنب في غير المسجد، وهو قول في مذهب المالكية وقول عند الحنابلة
(4)
لأنه لم يأت نص صحيح بالنهي عن أذان الجنب، بل صح أن النبي كان يذكر
(1)
«البحر الرائق» (1/ 277)، «مواهب الخليل» (1/ 435)، «كشاف القناع» (1/ 329).
(2)
منكر: أخرجه البيهقي الكبرى (1/ 577) وفي إسناده: سلمة بن سليمان الضبي: منكر الحديث.
وفيه انقطاع: عبد الجبار لم يسمع من أبيه وائل بن حجر، قاله ابن معين «جامع التحصيل» (219).
(3)
ضعيف: أخرجه الترمذي (200) وفي إسناده يحيى بن معاوية: ضعيف، وقد روى عن أبي هريرة موقوفًا عند ابن أبي شيبة (1/ 211).
(4)
«مواهب الخليل» (1/ 435)، و «الإنصاف» (1/ 415).
الله على كل أحيانه، والجنب لا يُمنع من ذِكْر الله، فكذا لا يُمنع من الأذان.
قال ابن حزم: لم يأت نص من كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنب يمنعه، فصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو مباح
(1)
.
والراجح: أنه يباح للجنب الأذان، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، والأذان ذِكْر، وليس هناك دليل يمنع من صحة أذان الجنب، والله أعلم.
* * *
(1)
«المحلى» (3/ 143).
الفصل السابع
ما يستحب وما يُكره وما يباح للجنب
وفيه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يستحب للجنب وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: يستحب الوضوء إذا أراد أن ينام.
المبحث الثاني: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء.
المبحث الثالث: يستحب الوضوء إذا أراد أن يأكل.
القسم الثاني: ما يكره للجنب، يكره اغتسال الجنب في الماء الدائم.
القسم الثالث: يباح ذبيحة الجنب وعرقه وبدنه طاهر، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: يحل ذبيحة الجنب.
المبحث الثاني: طهارة جسد الجنب وعرقه.
القسم الأول ما يستحب للجنب
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: يستحب الوضوء إذا أراد أن ينام.
ففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ»
(1)
.
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ
(2)
.
المبحث الثاني: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء.
روي مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ»
(3)
.
المبحث الثالث: يستحب الوضوء إذا أراد أن يأكل.
اختلف أهل العلم في وضوء الجنب للأكل والشرب على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الجنب إذا أراد أن يأكل فإنه يستحب له أن يتوضأ قبل أن يأكل
(4)
.
واستدلوا بما روي مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ
(1)
البخاري (287) ومسلم (306).
(2)
البخاري (288) ومسلم (305).
(3)
مسلم (308).
(4)
المهذب (1/ 30)، المجموع (2/ 178)، الفتاوى (21/ 343).
أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»
(1)
.
القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه إن كان الأذى قد ما أصابهما ويأكل وإن لم يتوضأ
(2)
.
واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ
(3)
.
والراجح: أن الجنب إذا أراد أن يأكل فإنه يستحب له أن يتوضأ قبل أن يأكل، وذلك لأن النبي إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ».
أما ما ورد أنه إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ. فشاذة ولا تصح عن رسول الله.
* * *
(1)
مسلم (305).
(2)
بدائع الصنائع (1/ 38)، المدونة (1/ 30).
(3)
زيادة «وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ» ضعيفة.
فمدار الحديث عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، فرواه يونس عن الزهري، واختلف على يونس فرواه عبد الله بن المبارك عن يونس به باللفظ المذكور، أي بذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل مرفوعًا، أخرجه أحمد (6/ 118، 119)، وأبو داود (223) وغيرهما، وخالف ابن المبارك ابُن وهب فقد اقتصر على ذكر الوضوء للنوم بدون ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل، أخرجه النسائي (الكبرى) (9044) وغيره. قلت: ومما يدل على شذوذ ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل: ما رواه الليث بن سعد عند مسلم (305)، وسفيان بن عيينة عند أحمد (6/ 36)، وابن جريج عند أحمد (6/ 200) وغيرهم عن الزهري به، بدون ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل، فالأثبات الثقات (الليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وابن جريج وغيرهم رووه عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة به بدون ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل، فتتبين شذوذ هذه الزيادة وأنها من قول عائشة وليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القسم الثاني يكره للجنب الاغتسال في الماء الدائم
اختلف العلماء في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحرم اغتسال الجنب في الماء الدائم، وهو قول لأبي حنيفة وابن حزم
(1)
. واستدلوا بما روى مسلم من حديث أبي هريرة، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ»
(2)
فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» والنهي عن الاغتسال للتحريم.
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة اغتسال الجنب في الماء الدائم، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة
(3)
.
واستدلوا بأن بدن الجنب طاهر لاقى ماء طاهرًا فانصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
القول الثالث: يجوز اغتسال الجنب في الماء الدائم ما لم يَبُل فيه، فإذا بال فيه منع من الاغتسال
(4)
. واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»
(5)
.
واستدلوا بالنهي عن البول والاغتسال معًا، أي: نهى عن الجمع بينهما.
و (ثم) بمعنى الواو. فإذا اغتسل فقط بدون بول جاز.
قال النَّوَوِيُّ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ دُونَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا، وَضَعَّفَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَفْظٌ وَاحِدٌ فَيُؤْخَذُ النَّهيُ عَنِ الْإِفْرَادِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ
(6)
.
والراجح: أن النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم للكراهة، والله أعلم.
(1)
بدائع الصنائع (1/ 67)، المحلى (1/ 203).
(2)
مسلم (283).
(3)
مواهب الجليل (1/ 75)، المجموع (2/ 108)، الفروع (1/ 116).
(4)
فتح الباري (1/ 347).
(5)
البخاري (238).
(6)
فتح الباري شرح حديث (238).
القسم الثالث يباح ذبيحة الجنب وعرقه وبدنه طاهر
وفيه مبحثان
المبحث الأول: حِل ذبيحة الجنب.
قال النووي: نقل ابن المنذر الاتفاق على حل ذبيحة الجنب، وإذا دل القرآن على حِل ذبيحة الكتابي، قال تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} مع أنه نجس، قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} فالذي نفت السنة عنه النجاسة أَوْلى
(1)
.
ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ:«أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ:«سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» .
قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، جَازَ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَذْبَحَ.
المبحث الثاني: طهارة جسد الجنب وعرقه.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ
(2)
.
وقال ابن تيمية: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ فِي دُهْنٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، بَلْ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ عَرَقُهَا طَاهِرٌ، وَثَوْبُهَا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهَا طَاهِرٌ
(3)
.
(1)
المجموع (9/ 88).
(2)
المغني (1/ 135).
(3)
الفتاوي الكبرى (1/ 226).
قلت: وهذا الإجماع منخرم فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن جسد الجنب نجس
(1)
.
واستدل لذلك بعموم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} والطهارة لا تكون إلا من نجاسة إذ تطهير الطاهر لا يُعقل.
واعترض عليه: بأن تجديد الوضوء يطلق عليه طهارة مع أنه متطهر.
والراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن جسد الجنب وعرقه طاهر، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ:«أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ:«سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»
(2)
. فدل هذا الحديث على أن بدن الجنب طاهر وكذلك الحائض جسدها طاهر، ولقد أجمع أهل العلم على طهارة جسد الحائض وتضافرت الأدلة على ذلك، والله أعلم.
* * *
(1)
البناية (1/ 350) حاشية ابن عابدين (1/ 201).
(2)
البخاري (238) ومسلم (371).
الفصل الثامن
الأغسال المستحبة
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام
القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: غسل الجمعة.
المبحث الثاني: غسل العيدين.
المبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟
القسم الثاني: الاغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الاغتسال للإحرام.
المبحث الثاني: الاغتسال لدخول مكة.
المبحث الثالث: الاغتسال يوم عرفة.
المبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟
القسم الثالث: أغسال مستحبة أخرى، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: استحباب غسل من أسلم.
المبحث الثاني: الاستحباب غسل لمن أفاق من الإغماء.
المبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟
المبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟
الفصل الثامن الأغسال المستحبة
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام
القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: غسل الجمعة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: يستحب غسل يوم الجمعة.
قال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَكْفِي وَيُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ
(1)
.
وهذا الإجماع منخرم فقد حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر وجوب غسل الجمعة
(2)
وصح عن عمرو بن سليم ورواية عن أحمد وأهل الظاهر.
ولذا فقد اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن غسل الجمعة سنة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة
(3)
.
واستدلوا بالسنة، فعَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ»
(4)
.
(1)
التمهيد (10/ 80).
(2)
فتح الباري شرح حديث رقم (879).
(3)
«المبسوط» (1/ 90)، و «المنتقى» (1/ 185)، و «المجموع» (4/ 404)، و «الفروع» (1/ 202).
(4)
ضعيف: ومدار الحديث على الحسن، واختلف عليه:
1 -
قتادة عن الحسن عن سمرة، فرواه (همام، وشعبة، وأبو عوانة وغيرهم) كلهم رووه عن قتادة به، أخرجه أحمد (5/ 11)، وأبو داود (354)، والنسائي (1380) والترمذي (497) وغيرهم.
ولهذا الحديث علتان:
الأولى: الخلاف في سماع الحسن عن سمرة، قال علي بن المديني والترمذي بالسماع، وقال شعبة وابن معين: الحسن لم يلق سمرة. وقال النسائي: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة. وبه قال الدارقطني. انظر نصب الراية (1/ 89).
العلة الثانية: قد اختلف فيه على الحسن.
2 -
ورواه معمر عند عبد الرزاق (5311)، وسعيد عند البيهقي (1/ 296) وغيرهما عن قتادة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
3 -
وعن الحسن عن أنس به. أخرجه الطحاوي (1/ 119).
4 -
وعن يزيد عن أنس. أخرجه الطيالسي (2110).
5 -
وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة. أخرجه الطيالسي (1350).
قال الحافظ (التلخيص)(655): ورواه أبو حرة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة ووهم في اسم صحابيه
وقد ذكر الدارقطني أن الصواب من هذه الروايات رواية يزيد بن زريع وغيره، عن سعيد، عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
قلت: والراجح أن الحسن لم يسمع من سمرة فالحديث ضعيف وله شواهد لا تصح.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا»
(1)
.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ» دليل على الاستحباب في غسل الجمعة لا للوجوب.
وفي الصحيحين عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا
(1)
البخاري (902) ومسلم (847).
إِنْ وَجَدَ»
(1)
.
واستدلوا بدلالة الاقتران، فكما أن الطِّيب مستحب بالإجماع فكذا الغسل.
واعترض عليه من وجهين: الأول: أن دلالة الاقتران ضعيفة في الاستدلال، قال تعالى:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} والأكل مباح. (وآتوا حقه) هو الزكاة وهي ركن من أركان الإسلام.
الثاني: روى البخاري: عن عَمْرٌو بن سليم الأنصاري قال: وهو الراوي لهذا الحديث: أَمَّا الغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ، فَاللهُ أَعْلَمُ، أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا.
وأجيب عنه: بأن دلالة الاقتران في الغالب تفيد التساوي في الحكم.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَر بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ
(2)
.
وجه الدلالة ما قاله ابن عبد البر: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ أَنَّ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَأْمُرْ عُثْمَانَ بِالِانْصِرَافِ لِلْغُسْلِ وَلَا انْصَرَفَ عُثْمَانُ حِينَ ذِكَّرهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا فَرْضًا لِلْجُمُعَةِ مَا أَجْزَأَتِ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِهِ، كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِوُضُوءٍ لِلْمُحْدِثِ أَوْ بِالْغُسْلِ لِلْجُنُبِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا جَهِلَهُ عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ
(3)
.
قال القاضي عياض: وهذا قول من عمر وإقرار بمحضر جماعة الصحابة، ولا مُنكر له ولا مخالف، فهو كالإجماع، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يَعدون هذا إجماعًا
(4)
.
(1)
البخاري (880) ومسلم (846).
(2)
البخاري (878) ومسلم (845).
(3)
التمهيد (5/ 247).
(4)
إكمال المعلم (3/ 233).
روي مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا»
(1)
.
وجه الدلالة ما قاله القرطبي: ذِكْر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن الوضوء كاف. قلت: ولوكان الغسل واجبًا لذُكْر في الحديث.
واعترض عليه بما قاله الحافظ: ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: من اغتسل
(2)
.
القول الثاني: أن غسل الجمعة واجب، وهو رواية عن أحمد وقول الظاهرية
(3)
.
واستدلوا بما روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ، {؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ»
(4)
.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حَقٌّ لله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ»
(5)
.
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»
(6)
.
قال الشافعي: فكان قولُ رسول الله في: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ» ، وأمْرُه بالغسل، يحتمل معنيين: الظاهرُ منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارَةُ لِصَلاة الجُمْعَةِ إلاَّ بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجُنُبِ غيْرُ الغسل، ويحتمل أنه واجبٌ في الاختيار والأخْلاق والنَّظافة.
(1)
مسلم (11/ 160).
(2)
فتح الباري شرح حديث (879).
(3)
الإنصاف (1/ 247)، المحلى (2/ 8).
(4)
البخاري (877/ 894/ 919).
(5)
البخاري (898) ومسلم (849) واللفظ له.
(6)
البخاري (879) ومسلم (846).
ثم ذكر واقعة عمر مع عثمان، وقال: فلَمَّا لم يتركْ «عثمان» الصلاة للغسل، ولمَّا لمْ يأمره «عمر» بالخروج للغسل: دلَّ ذلك على أنهما قد عَلِمَا أن أمْرَ رسول الله بالغسل على الاختيار
(1)
.
وقال الحافظ: وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بِدُونِ الْغُسْلِ مُجْزِئَةٌ، لَكِنْ حَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِهِ وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ شَرْطٌ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، كَأَنَّ أَصْلَهُ قَصْدُ التَّنْظِيفِ وَإِزَالَةُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ الَّتِي يَتَأَذَّى بِهَا الْحَاضِرُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ
(2)
.
القول الثالث: أن غسل الجمعة واجب على من كان به رائحة كريهة
(3)
. دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» فأذية المسلمين محرمة
الحاصل: أن غسل الجمعة مستحب عند جماهير العلماء، وقد يجب الاغتسال على من كان به رائحة كريهة، وإذا كان من أكل بصلاً أو ثومًا يعتزل المسجد، فكذلك من كان له رائحة كريهة فليغتسل لعدم أذية المسلمين والملائكة المقربين، وإذا كان التدخين حراماً، فينبغي لمن يدخن أن يغسل أسنانه ويحاول أن يضع منظفات لئلا تشم من فمه رائحة كريهة.
المطلب الثاني: وقت غسل الجمعة:
اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة
(4)
.
(1)
الرسالة (ص 303).
(2)
فتح الباري شرح حديث (879).
(3)
الإنصاف (1/ 247).
(4)
حاشية العدوي (1/ 379)، إعانة الطالبين (2/ 72) كشاف القناع (1/ 150).
واستدلوا بما روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ {أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» .
وفي البخاري من حديث ابن عمر أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا؟: وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. فأنكر عمر تركه الغسل عن صلاة الجمعة، ولو كان جائزًا إلى غروب الشمس لما أنكر عليه.
القول الثاني: أن وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو قول ابن حزم وبعض الحنفية
(1)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» . وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» . واليوم يكون من الفجر إلى غروب الشمس.
واعترض عليه بأن هذه الأحاديث مطلقة وتقيد بصلاة الجمعة، وبالأحاديث الأخر ولأن فيها اجتماع الناس، ويوضح أن المقصود بالجمعة هي صلاة الجمعة ما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً»
(2)
. فهنا قوله: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ» فأطلق يَوْمَ الجُمُعَةِ، «غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ» أي ثم ذهب لصلاة الجمعة، دل ذلك على أن المراد بيوم الجمعة هو صلاة الجمعة.
القول الثالث: أن غسل الجمعة يكون بمنزلة الوضوء لصلاة الجمعة، فلو اغتسل لصلاة الجمعة ثم أحدث وجب عليه الغسل حتى يصلي به الجمعة. وبه قال أبو يوسف من الحنفية
(3)
قلت: وهذا القول من أضعف الأقوال، والله يقول: {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
(1)
المحلى (2/ 19) حاشية ابن عابدين (1/ 169).
(2)
البخاري (881) ومسلم (850).
(3)
تبيين الحقائق (1/ 18) شرح فتح القدير (1/ 67).
حَرَجٍ}
والراجح: أن وقت الغسل المستحب هو من فجر يوم الجمعة إلى صلاة الجمعة.
المطلب الثالث: مَنْ يُسن له غسل الجمعة:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن غسل الجمعة يسن لكل من أراد حضور الجمعة، سواء الرجل والمرأة والصبي وغيرهم، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية والصحيح عند الشافعية
(1)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ {أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» ولفظ (أحد) نكرة مضافة فتشمل الرجل والمرأة والصغير والكبير.
وفي الصحيحين من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» «من اغتسل ثم راح» تدل على أن الغسل مستحب لكل من راح إلى الجمعة.
القول الثاني: أن غسل الجمعة مستحب لكل بالغ من الرجال والنساء، وهو قول عند الشافعية والظاهرية
(2)
.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» فكلمة (كل) من ألفاظ العموم، فتعم كل بالغ من الرجال والنساء.
وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«حَقٌّ لِله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» .
«حَقٌّ لِله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» يشمل الرجال والنساء لأن النساء شقائق الرجال وهذا في كل
(1)
الفتاوى الهندية (1/ 16)، حاشية العدوي (1/ 379)، المجموع (4/ 405).
(2)
المجموع (4/ 405)، المحلى (1/ 266).
شيء إلا إذا ورد ما يدل على التخصيص، وهذا هو الراجح.
المبحث الثاني: غسل العيدين:
قال ابن رشد: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْغُسْلِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
(1)
.
وقال ابن عبد البر: وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ حَسَنٌ لِمَنْ فَعَلَهُ، وَالطِّيبُ يَجْرِي عِنْدَهُمْ مِنْهُ، وَمَنْ جَمَعَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ
(2)
.
المبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟
ذهب الشافعية والمشهور عن الحنابلة إلى استحباب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء
(3)
.
واستدلوا بالقياس على الجمعة، فإذا كان غسل الجمعة موضعًا يجتمع فيه الناس فيستحب الاغتسال فيه دفعًا للروائح الكريهة، فكذا صلاة الكسوف والاستسقاء. وذهب الحنابلة في قول إلى أنه لا يستحب الغسل لصلاة الكسوف والاستسقاء
(4)
. وذلك لأنه لم ينقل عن النبي ولا أصحابه الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء.
وقياسهم على الجمعة قياس مع الفارق، فالجمعة عيد للمسلمين وفيه فرحة، والاستسقاء والكسوف موطن افتقار وذل وانكسار للواحد القهار، فلا يستحب فيه الغسل إلا لمن له رائحة كريهة تنبعث فتؤذي من جاوره، وقد يصل إلى الإيجاب.
(1)
بداية المجتهد (1/ 216).
(2)
الاستذكار (7/ 11) قلت: ولا يصح حديث عن رسول الله في استحباب الغسل للعيدين، ومن أراد المزيد فلينظر الجامع العام في فقه الصيام (ص 543).
(3)
المجموع (2/ 234)، الإنصاف (1/ 247)، الفروع (1/ 202).
(4)
الإنصاف (1/ 247).
القسم الثاني: الأغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الغسل للإحرام.
قال النووي: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا
(1)
. روى مسلم. فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي»
(2)
.
وروى مسلم عن جابر {
…
وفيه: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنهما، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ:«مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ: فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ»
(3)
.
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز. قال: وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما رُوى عن الحسن البصري أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذِكْره.
المبحث الثاني: يستحب الاغتسال لدخول مكة:
روى البخاري عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ {إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ
(4)
.
وفي رواية لمسلم أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذَكْرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ فَعَلَهُ
(5)
.
(1)
المجموع (7/ 220).
(2)
مسلم (1218).
(3)
مسلم (1213).
(4)
البخاري (1573).
(5)
مسلم (1259).
المبحث الثالث: يستحب الغسل يوم عرفة:
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسل يوم عرفة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
(1)
.
واستدلوا بالسنة والمأثور:
فمن السنة: عن الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ- وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ
…
الحديث
(2)
.
أما دليلهم من المأثور: فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ
(3)
.
وروى الشافعي عَنْ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا رضي الله عنه عَنِ الْغُسْلِ فَقَالَ: «اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ» ، فَقَالَ: الْغُسْلُ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ؟ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ»
(4)
.
الحاصل: أنه إن كان لا يصح استحباب في غسل يوم عرفة حديث، فقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب استحباب غسل يوم عرفة، ومما يدل على ذلك أنه قرنه بغسل العيدين والجمعة، وثبت أن ابن عمر الصحابي الجليل المقتدي بالنبي الأمين كان يغتسل يوم عرفة، والله أعلم.
(1)
بدائع الصنائع (1/ 35)، مواهب الجليل (3/ 104)، والأم (2/ 146) والفروع (1/ 203).
(2)
موضوع: أخرجه أحمد (4/ 78) وفي إسناده يوسف بن خالد: كذاب زنديق.
(3)
إسناده صحيح: أخرجه مالك (الموطأ)(1/ 322).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه الشافعي عن ابن علية عن شعبة عن عمرو بن مرة عن زاذان به.
المبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاغتسال لمزدلفة ورمي الجمار
(1)
.
قال الشافعي: وأُحب له أن يغتسل لرمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة
(2)
.
والراجح: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ فِي الْحَجِّ إلَّا ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ: غُسْلُ الْإِحْرَامِ وَالْغُسْلُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ وَالْغُسْلُ يَوْمَ عَرَفَةَ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ كَالْغُسْلِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَلِلطَّوَافِ وَالْمَبِيتِ بمزدلفة فَلَا أَصْلَ لَهُ لَا عَنْ النَّبِيِّ ولا عَنْ أَصْحَابِهِ
(3)
.
القسم الثالث: أغسال أخري مستحبة، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: استحباب غسل من أسلم:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الكافر إذا أسلم يستحب له الغسل، وإذا جامع زوجته ولم يغتسل فيجب عليه الغسل
(4)
.
واستدلوا بأن الكافر إذا بال ولم يتطهرفيجب عليه أن يتطهر إذا أسلم، فإن كان هذا من الحدث الأصغر فالحدث الأكبر أَوْلى.
واعترض عليه بعموم قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} والاسلام يَجُبُّ ما قبله. رواه مسلم.
وأجيب بما قاله النووي: أما الآيةُ والحَدِيثُ فالمُرادُ بهَما غُفَرانُ الذّْنُوبِ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ كان عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ قِصَاصٌ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ. وَلِأَنَّ إيجَابَ الْغُسْلِ لَيْسَ مُؤَاخَذَةً وَتَكْلِيفًا بِمَا وَجَبَ فِي الْكُفْرِ. بَلْ هُوَ إلْزَامُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ جُنُبٌ
(1)
شرح فتح القدير (1/ 66)، المجموع (2/ 234) الإنصاف (1/ 250).
(2)
الأم (2/ 221).
(3)
مجموع الفتاوى (26/ 132).
(4)
بدائع الصنائع (1/ 90) حاشية الدسوقي (1/ 131/ 132) الحاوي (1/ 217).
وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْجُنُبِ.
القول الثاني: يجب عليه الغسل. وهو قول المالكية
(1)
والمشهور عن مذهب الحنابلة
(2)
.
واستدلوا: بما رُوى عن قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ
(3)
.
واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة أن ثمامة لما أُسر وفيه: فَمَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَأَسْلَمَ فَحَلَّهَ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى حَائِطِ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ
(4)
.
فثمامة أسلم فأمره النبي أن يغتسل، فهذا دليل على وجوب الغسل لمن أسلم.
واعترض عليه بأن لفظ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ) شاذ والمحفوظ ما ورد في الصحيحين وغيرهما: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطْلِقُوا ثُمَامَةَ» ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ
…
الحديث
(5)
.
فدل هذا على أن ثمامة اغتسل قبل أن يعلن إسلامه ولم يأمره النبي بذلك.
وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قال: لَمَّا أَسْلَمْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ لِي:
(1)
حاشية الدسوقي (1/ 130/ 131) مواهب الجليل (1/ 311).
(2)
الإنصاف (1/ 236) كشاف القناع (1/ 145) الفروع (1/ 199).
(3)
ضعيف: أخرجه أحمد (5/ 61) وأبو داود (355) والنسائي (188) والترمذي (605) وغيرهم من طرق (عبد الرحمن بن مهدي، وابن القطان، ومحمد بن كثير العبدي وغيرهم عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس، وفيه انقطاع بين خليفة وجده قيس بن عاصم.
ورواه أحمد عن وكيع عن سفيان عن الأغر عن خليفة عن أبيه عن جده به، فزاد في الإسناد حصين بن قيس وهو مجهول، وحدث على وكيع خلاف، وقد تابع وكيعًا قبيصة بن عقبة بزيادة في السند (حصين بن قيس) قال أبو حاتم (العلل) (1/ 24): هذا خطأ، أخطأ قبيصة في هذا الحديث، إنما هو الثوري عن الأغر خليفة عن جده قيس.
(4)
شاذ: أخرجه عبد الرزاق (9834) عن عبيد الله وعبد الله ابني عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة به.
(5)
البخاري (4372) ومسلم (1764).
«اغْتَسِلْ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاحْلِقْ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ»
(1)
. واعترض عليه بأنه لا يصح.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: إن الكافر إذا أسلم يستحب له الغسل، وإذا جامع زوجته وأسلم قبل أن يغتسل وجب عليه الغسل، دل على استحباب غسل الكافر إذا أسلم ما ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ:«أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. ودل على عدم الوجوب عموم قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} ، وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«الإسلام يجُبّ ما قبله» ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ:«ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله» . ولم يذكر الغسل، ولو كان واجبًا لذِكْر لمعاذ، ولم يرد في حديث صحيح أن الكافر يجب عليه الغسل عند إسلامه، وما أكثرَ الصحابة الذين أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويجب الغسل على من جامع زوجته أو احتلم ولم يغتسل قبل إسلامه لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة، والصلاة لا تصح من الجنب حتى يغتسل.
المبحث الثاني: استحباب الغسل لمن أفاق من الإغماء:
قال النووي: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَفَاقَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
(1)
ضعيف: أخرجه الطبراني (الصغير)(880) و الكبير (22/ 82) والحاكم (المستدرك)(6428) وغيرهما، وفي إسناده: منصور بن عمار، ليس بالقوي، قاله أبو حاتم الجرح والتعديل (8/ 176)، وكذا سليم بن منصور ابنه فيه ضعف، ومعروف الخياط: ضعيف.
وله شواهد:
1) فعن ابن عمر أن النبي أمر رجلًا أسلم أن يغتسل، ذكره ابن دقيق العيد (الإمام) (3/ 39) قال: روي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر. قلت: وهو متروك.
2) وعن قتادة الرهاوي قال: أتيت رسول الله فقال لي: «يا قتادة اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر» أخرجه الطبراني (المعجم الكبير)(19/ 14)، وفي إسناده قتادة بن الفضل قال أبو حاتم: شيخ، والفضل بن قتادة، وهشام بن قتادة ذكرهما ابن حبان في الثقات ولم يوثقهما معتبر وقد ضعف الحديث الحافظ:(التلخيص الجبير)(2/ 68).
3) وورد عن أبي البراء ولا يصح، وفي إسناده سالم البلخي، ضعيف الحديث.
واعترض عليه بأن الإجماع منخرم وحُكي وجه ضعيف شاذ عن الشافعية وقول عند الحنابلة أن الغسل يجب على المغمى عليه إذا أفاق
(1)
.
وأما مالك فقيل له: فالمجنون أعليه الغسل إذا أفاق؟ قال: لا، ولكن عليه الوضوء
(2)
.
واستدلوا بسنية الغسل لمن أغمي عليه ثم أفاق بما روى البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ:«ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»
(3)
، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ.
قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» فَاغْتَسَلَ، دَلِيلُ الِاسْتِحْبَابِ بِالْغُسْلِ مِنَ الْإِغْمَاءِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ الْإِغْمَاءُ اسْتُحِبَّ تَكَرُّرُ الْغَسْلِ لِكُلِّ مَرَّةٍ فَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْإِغْمَاءِ مَرَّاتٍ كَفَى غَسْلٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ حَمَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْغَسْلَ هُنَا عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِغْمَاءَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْهُ فَإِنَّ الْغَسْلَ مُسْتَحَبٌّ مِنَ الْإِغْمَاءِ
(4)
.
المبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟
اختلف العلماء في حكم الغسل لمن غسل ميتًا على أربعة أقوال:
القول الأول: ذهب الحنفية إلى أنه لا يسن الغسل من تغسيل الميت
(5)
.
واستدلوا بالسنة والمأثور:
أما دليلهم من السنة فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ
(1)
المجموع (2/ 26) الفروع (1/ 203).
(2)
المدونة (1/ 12).
(3)
البخاري (687) ومسلم (418).
(4)
شرح مسلم (4/ 136).
(5)
فتح القدير (1/ 66) بدائع الصنائع (1/ 32).
مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ؛ فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ»
(1)
.
واعترض عليه بأن الصحيح الوقف على ابن عباس.
أما المأثور: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ: على الَّذِي يُغَسِّلُ الْمُتَوَفَّينَ غُسْلٌ؟ قَالَتْ: لَا
(2)
.
وصح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَفَّنَ مَيِّتًا وَحَنَّطَهُ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً
(3)
.
عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ الْمُزَنِيُّ قَالَ: غَسَّلَ أَبَاكَ أَرْبَعٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجْرَةِ، فَمَا زَادُوا عَلَى أَنِ احْتَجَزُوا عَلَى ثِيَابِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا تَوضَّئُوا وَصَلَّوْا عَلَيْهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ يَقُولُ: «أَلَا تَتَّقُونَ الله، تَغْتَسِلُونَ مِنْ مَوْتَاكُمْ، أَأَنْجَاسٌ هُمْ؟»
(4)
.
القول الثانى: يجب الغسل لمن غسل ميتًا، وهو قول في مذهب الحنابلة
(5)
.
واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ»
(6)
.
وعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ،
(1)
ضعيف: مدار الحديث على سليمان بن بلال واختلف عليه: فرواه أبو شيبة عن خالد بن مخلد عن سليمان عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس به أخرجه الحاكم (1/ 386).
وخالف خالد بن مخلد، معلى بن منصور، وأبو سلمة منصور بن سلمة فروياه عن سليمان بن بلال به، موقوفًا على ابن عباس كما في سنن البيهقي (1/ 306).
وتابع عكرمة عطاء بن أبي رباح على الوقف كما في مصنف ابن أبي شيبة (2/ 469)، ورواه البيهقي (1/ 306) من طريق سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس موقوفًا، فالصحيح الوقف.
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(2/ 469).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف)(2/ 470).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (المصنف)(6103).
(5)
المبدع (1/ 191) المغني (1/ 134) وهو قول ابن حزم (المحلى)(1/ 270).
(6)
ضعيف: أخرجه أحمد (2/ 454) والصحيح في الحديث الوقف، رجح ذلك أبو حاتم وأحمد والبخاري وغيرهم وقد سبق تخريجه في نواقض الوضوء.
وَغَسْلِ الْمَيِّتِ»
(1)
.
وعن حذيفة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ»
(2)
.
وعن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من غسل ميتًا فليغتسل»
(3)
.
واعترض على هذه الأدلة: بأنه لم يصح عن رسول الله حديث في وجوب الغسل، قاله أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والذهلي وابن المنذر
(4)
.
القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن من غسل ميتًا يستحب له الغسل، وبه قال
(1)
ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 152) وفي إسناده مصعب بن شيبة، ضعيف. قال البخاري: حديث عائشة في هذا الباب ليس بذلك. كما في السنن للبيهقي (1/ 301)، قال أحمد بن محمد بن هانئ: ذكرت لأبي عبد الله الوضوء من الحجامة، فقال: ذاك حديث منكر، رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن الغسل من الحجامة، قلت: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم الغسل من أربع. فقال: لا يصح، هذا رواه مصعب بن شيبة وليس بقوي. قلت لأبي زرعة: لم يرو عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: لا. وقد ضَعَّفه البيهقي والخطابي وابن عبد البر كما فى الاستذكار (8/ 202).
(2)
ضعيف: مدار هذا الحديث على أبي إسحاق، واختلف عليه: فرواه يزيد بن زريع عن معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة به، أخرجه الطبراني "الأوسط" (3/ 14) وخالف معمرًا جماعة من الثقات: شعبة كما عند أحمد (1/ 97) والثوري كما عند أبي داود (4/ 32) وإسرائيل كما في سنن البيهقي (1/ 304) وغيرهم، كلهم عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن عليّ بن أبي طالب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالاغتسال من دفن أبيه، قال الدارقطني (العلل) (4/ 146): قال يزيد بن زريع عن معمر عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، قال: ولا يثبت هذا عن أبي إسحاق، والمحفوظ قول الثوري وشعبة ومن تابعهما عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي. وقال ابن أبي حاتم (العلل) (1046): سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة قال: قال رسول الله: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» قال أبي: هذا حديث غلط.
(3)
إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (4/ 246) عن ابن إسحاق، قال: وقد كنت حفظت من كثير من علمائنا بالمدينة، قال الهيثمي (المجمع) (3/ 22): في إسناده من لم يسم
(4)
انظر: سنن البيهقي الكبرى (1/ 301) والأوسط (5/ 351) قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح في هذا الباب شيء.
المالكية والشافعية وبعض الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بالأحاديث الواردة في وجوب الغسل وحملوا الأمر على الندب.
واستدلوا أيضًا بما روى الدارقطني بسند صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:«كُنَّا نُغَسِّلُ الْمَيِّتَ فَمِنَّا مَنْ يَغْتَسِلُ وَمِنَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ»
(2)
.
القول الرابع: يجب الغسل من تغسيل الكافر دون المسلم، وهو قول للحنابلة
(3)
.
واستدلوا بما روى أحمد عن عليّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ فَوَارِهِ» ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ» قَالَ: فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِي:«اغْتَسِلْ»
(4)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.
والراجح: أنه لا يثبت حديث في وجوب أو استحباب الغسل لمن غسل ميتًا، والأصل براءة الذمة والله أعلم.
المبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟
اختلف أهل العلم في حكم الغسل من الحجامة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسل من الحجامة، وبه قال الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة
(5)
.
واستدلوا بالسنة والمأثور:
(1)
الذخيرة (1/ 290) الأم (1/ 38) كشاف القناع (1/ 151).
(2)
سنن الدارقطني (2/ 72).
(3)
المبدع (1/ 191).
(4)
أخرجه أحمد (1/ 97) وفي إسناده ناجية بن كعب قال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن المديني مجهول. وضَعَّفه البيهقي وابن حبان ووثقه العجلي وابن حجر، وهو ضعيف
(5)
شرح فتح القدير (1/ 66) المجموع (2/ 234) الفروع (1/ 203).
أما السنة: فعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغَسْلِ الْمَيِّتِ»
(1)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح.
أما دليلهم من المأثور: فعن زادان أن عليًّا كان يغتسل من الحجامة
(2)
.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إذَا احْتَجَمَ الرَّجُلُ فَلْيَغْتَسِلْ. وَلَمْ يَرَهُ وَاجِبًا
(3)
.
القول الثاني: وذهب بعض الحنفية إلى أن هذه الأدلة تصل بالأمر إلى الوجوب
(4)
.
القول الثالث: وذهب الحنابلة في الأصح إلى أنه لا يستحب الاغتسال من الحجامة
(5)
.
واستدلوا بأثر عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا احْتَجَمَ غَسَلَ أَثَرَ مَحَاجِمِهِ
(6)
.
والحاصل في هذه المسألة: أنه لا يصح حديث في الاغتسال للحجامة عن رسول الله، وصح عن عليّ وابن عباس استحباب الاغتسال للحجامة وصح عن ابن عمر أنه كان يغسل محاجمه. والأمر واسع في هذه المسألة.
* * *
(1)
ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 152) وفي إسناده مصعب بن شيبة ضعيف، وقد سبق تخريجه.
(2)
إسناده صحيح: أخرجه الشافعي (الأم)(7/ 165).
(3)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 48).
(4)
حاشية الطحاوي (ص 70).
(5)
الإنصاف (1/ 251) الفروع (1/ 183).
(6)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 47).
خلاصة ما ورد في باب الغسل
الفصل الأول: موجبات الغسل
الموجب الأول: خروج المني:
1 -
خروج المني يقظة أو منامًا بدفق يوجب الغسل من الرجل والمرأة.
2 -
من انتبه من نومه فرأى منيًّا اغتسل بالإجماع، وفي الصحيحين عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ:«نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ» .
3 -
من رأى احتلامًا ولم يجد بللًا لا غسل عليه بالإجماع.
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا أنه لا غسل عليه.
4 -
خروج المني بغير دفق لمرض أو علة لا يوجب الغسل عند جمهور العلماء لعموم قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ 5 خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ 6} [الطارق]، فإذا خرج بغير دفق فلا يجب منه الغسل ولا يكون منه الولد.
الموجب الثاني: التقاء الختانين:
1 -
اتفق العلماء على أنه إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ» . وورد في رواية عند مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» . ويشترط لوجوب الغسل بالتقاء الختانين إيلاج الحَشَفة كاملة، والحشفة هي موضع الختان.
2 -
الإيلاج في الدبر من الكبائر العظام، وقد كرر الله ذِكْر إهلاك قوم لوط بسبب هذا الذنب العظيم، ولا يجوز إتيان المرأة في دبرها لعموم قوله تعالى:{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [العنكبوت: 28] فسمى الإتيان في الدبر فاحشة، وقال تعالى عن الزنا في الُقبل: {وَاللَّاتِي
يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 15].
3 -
إذا أولج ذكره مع وجود حائل - أي: واقٍ - فإنه يجب عليه الغسل.
الموجب الثالث: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا العموم قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة لما مات رجل: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» .
الموجب الرابع: انقطاع دم الحيض، فإذا طهرت المرأة من المحيض فإنه يجب عليها الغسل؛ لعموم قوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي اغتسلن.
ما لا يوجب الغسل: إسلام الكافر لا يوجب الغسل لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» ، أما الأحاديث الواردة أن «عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ» فهي ضعيفة، أما حديث ثمامة بن أثال: وفيه قول النبي: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فليس فيه أن النبي أمره أن يغتسل، فهذا لا يفيد وجوبًا، والله أعلم.
فرائض الغسل:
الفرض الأول: النية؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
الفرض الثاني: تعميم جميع الجسد بالماء؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» .
آداب الغسل:
1 -
عدم الإسراف في استعمال الماء مع إحكام الغسل.
2 -
أن يستتر عن أعين الناس؛ لأن ستر العورة واجب.
3 -
جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا.
ما يحرم على الجنب:
1 -
يحرم على الجنب الصلاة.
(2)
يحرم على الجنب الطواف لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» ، ويقاس الجنب على الحائض لأن كليهما حدث أكبر.
ما لا يحرم على الجنب:
(1)
يجوز للجنب أن يمكث في المسجد.
(2)
يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وكذا الحائض؛ لعموم حديث عائشة:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَذِكْر اللَّهَ عز وجل عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» .
(3)
يجوز للجنب أن يمس المصحف.
ما يستحب للجنب:
1 -
يستحب للجنب أن يتوضأ إذا أراد أن ينام، فعن عائشة قالت:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ» .
2 -
استحباب الوضوء لمعاودة الوطء، روى مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» .
الأغسال المستحبة
1 -
غسل الجمعة: لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
2 -
الغسل للإحرام: اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة.
3 -
الغسل للعيدين: أجمع العلماء على استحباب الغسل للعيدين.
صفة الغسل
نلخص صفة الغسل على ما ورد فى الحديث الآتي:
في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ
وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ».
الصفة
…
الشاهد من الحديث
النية أن ينوي رفع الحدث
…
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»
لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذِكْر معين قبل الغسل
…
عن ميمونة: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَاءً لِلْغُسْلِ
يغسل يديه مرتين أو ثلاثًا
…
فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
ثم يفرغ الماء على شماله فيغسل مذاكيره، وما أصابه من أذى
…
ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ
ثم يغسل يديه بالصابون
…
ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ
ثم يتمضمض ويستنشق
…
ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ
ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين
…
وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ
ثم يفرغ على رأسه الماء مع التدليك ثم يفيض على رأسه يبدأ بالجانب الأيمن ثم الأيسر ثم أعلى الرأس
…
ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ
ثم يفيض على سائر جسده
ثم يتنحى ويغسل قدميه
* * *
الباب التاسع باب التيمم
وفيه فصول
الفصل الأول: بين يدي التيمم، وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: تعريف التيمم.
المبحث الثاني: مشروعية التيمم.
المبحث الثالث: في بدء مشروعية التيمم.
المبحث الرابع: التيمم من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
المبحث الخامس: هل التيمم رفع للحدث أم مبيح؟
المبحث السادس: الأسباب الموجبة للتيمم.
المبحث السابع: يباح التيمم مع وجود الماء في أحوال.
المبحث الثامن: إذا عدم الماء والصعيد.
الفصل الثاني: شروط التيمم:
الشرط الأول: النية.
الشرط الثاني: الإسلام.
الشرط الثالث: التكليف.
الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.
الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم.
الشرط السادس: التيمم يكون بالأرض.
الفصل الثالث: فروض التيمم:
الفرض الأول: النية.
الفرض الثاني: مسح الوجه واليدين. وهل يجب للتيمم ضربتان في الأرض أم ضربة
واحدة؟
الفصل الرابع: صفة التيمم:
الفصل الخامس: مبطلات التيمم.
* * *
الفصل الأول بين يدي التيمم
وفيه ثمانية مباحث
المبحث الأول: تعريف التيمم:
التيمم لغة: القصد، ومنه قوله تعالى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} أي: اقصدوا، ومنه قول الشاعر:
فَمَا أَدْرِي، إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا
…
أُرِيدُ الخَيْرَ، أَيُّهما يَلِيني؟
أَأَلخَيْر الَّذِي أَنَا أَبْتَغيهِ
…
أمِ الشَّر الَّذِي هُوَ يَبْتَغِيني؟
(1)
قال البهوتي: التيمم شرعًا: مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص
(2)
.
المبحث الثاني: مشروعية التيمم:
دل على مشروعية التيمم الكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43].
وأما السنة: ففي الصحيحين: عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا،
(1)
«النهاية في غريب الحديث» (5/ 299)، «مختار الصحاح» (ص 310)، «لسان العرب» (12/ 23).
(2)
«كشاف القناع» (1/ 160)، قال الكاساني «بدائع الصنائع» (1/ 45): عبارة عن استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة. وقال الصاوي على «الشرح الصغير» (1/ 179)، في تعريف التيمم: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية.
وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ»
(1)
.
المبحث الثالث: في بدء مشروعيته:
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى التِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ!! فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ
(2)
.
المبحث الرابع: التيمم من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم
-:
ففي الصحيحين من حديث جَابِرٍ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ»
(3)
.
قال الخطابي: وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لُطْفًا مِنِ الله بِهَا وَإِحْسَانًا
(4)
.
(1)
«البخاري» (335)، و «مسلم» (521).
(2)
«البخاري» (334)، و «مسلم» (367).
(3)
«البخاري» (335)، و «مسلم» (521).
(4)
«مواهب الجليل» (1/ 325)، و «منح الجليل» (1/ 143): وهو من خصائص هذه الأمة إجماعًا.
المبحث الخامس: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن التيمم رافع للحدث كالوضوء، وبه قال الحنفية وقول عند المالكية وابن تيمية من الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ، ومعنى الحديث: كما أنه يصلي في أي مكان على الأرض، فكذا يتيمم منها إذا فقد الماء.
القول الآخر: التيمم لا يرفع الحدث، إنما هو مبيح للصلاة، وهو قول مالك والقول الجديد للشافعي، والمشهور عند الحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه: «فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إذَا هُوَ بِرَجُلِ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: «مَا مَنَعَك يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟» قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك» . وفي ختام هذا الحديث أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إناء من ماء، وقال:«اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك» ، فدل ذلك على أن الحدث لم يرتفع وإنما هو مبيح لفعل الصلاة مع بقاء الحدث.
واعترض عليه بأنه إذا وُجد الماء بطل التيمم.
والراجح: أن التيمم رافع للحدث كالماء، والله أعلم.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 55)، و «مواهب الجليل» (1/ 348)، «مجموع الفتاوى» (21/ 352).
(2)
«المنتقى» (1/ 109)، «المجموع» (2/ 328)، «كشاف القناع» (1/ 175).
المبحث السادس: الأسباب الموجبة للتيمم وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عدم وجود الماء:
قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ طَهُورُ
(1)
.
ودل على ذلك عموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6].
المطلب الثاني: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا وجد ماء لا يكفي الوضوء أو الغسل، فإنه يتيمم ويدع الماء، وهو قول الحنفية والمالكية والقول القديم للشافعي
(2)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]. فدلت الآية على أن الطهارة تكون بالماء إذا وجد، وعند فقده يكون التيمم، فإذا غسل بعض الأعضاء وتيمم عن الباقي فقد جمع بين الأمرين، والجمع بين الأمرين خلاف الآية، وأن فرضه التيمم إذا لم يكن الماء كافيًا لطهارة وأن الماء أصل والتيمم بدل، فكيف يجُمع بين الأصل والبدل؟!
القول الثاني: ذهب الشافعي في الجديد والحنابلة إلى أن من وجد ماء لا يكفي للطهارة فإنه يستعمل الماء الموجود ويتمم عن الباقي
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ، وهذا واجد لبعض الماء، فيتطهر بما وجد ويتيمم عن الباقي، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} .
المبحث السابع: يباح التيمم مع وجود الماء في أحوال:
الأول: يباح التيمم للمريض إذا كان يضره الماء.
(1)
«التمهيد» (9/ 270)، و «الاستذكار» (2/ 3).
(2)
«المبسوط» (1/ 113)، «مختصر خليل» (ص 19)، «المهذب» (1/ 34).
(3)
«المهذب» (1/ 34)، «المغني» (1/ 150).
قال السرخسي: أَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ الْهَلَاكَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَالتَّيَمُّمُ جَائِزٌ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ
(1)
.
الحال الثاني: يباح التيمم إذا كان الماء الذي معه لا يكفي إلا لشربه.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ وَمَعَهُ مِقْدَارُ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ - أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ وَيَتَيَمَّمُ
(2)
.
دل على ذلك عموم قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 29]
الحال الثالث: إذا كان الماء لا يأتيه إلا بعد خروج الوقت. إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فيتيمم ويصلي لعموم قوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} [النساء: 103].
وفي المدونة: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنِ الْمُسَافِرِ يَأْتِي الْبِئْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَهُوَ يَخْشَى إنْ نَزَلَ يَنْزِعُ بِالرِّشَا وَيَتَوَضَّأُ يَذْهَبُ وَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَلْيَتَيَمَّمْ وَلْيُصَلِّ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَفَيُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا تَوَضَّأَ؟ قَالَ: لَا
(3)
.
المبحث الثامن: إذا عدم الماء والصعيد:
يصلي على حَسَب استطاعته ولا يعيد؛ لعموم قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ
(4)
. فدل ذلك على أن الصحابة لما فقدوا الماء صلوا بغير وضوء قبل أن ينزل التيمم، فشكوا للنبي ذلك ولم يَرِد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بقضاء الصلاة، والطهارة شرط لصحة الصلاة ويسقط عند العجز.
* * *
(1)
«المبسوط» (1/ 112).
(2)
«الأوسط» (2/ 28).
(3)
«المدونة» (1/ 44).
(4)
«البخاري» (3773)، و «مسلم» (367).
الفصل الثاني شروط التيمم
الشرط الأول: النية؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
الشرط الثاني: الإسلام فلا يصح التيمم من كافر.
الشرط الثالث: التكليف، والمكلف هو البالغ العاقل، والصبي إذا تيمم أجزأ.
الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور، فإذا أحدث أثناء التيمم أعاد التيمم من البداية.
الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم؛ لعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
هل يشترط دخول الوقت لصحة التيمم؟
لا يُشترط دخول الوقت لصحة التيمم، بل يصح التيمم لعموم قوله تعالى:{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء، ولم يفرق بين قبل دخول الوقت أو بعده، ولا يوجد دليل يمنع من صحة التيمم قبل دخول الوقت، والله أعلم.
الشرط السادس: التيمم يكون بالأرض، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التيمم بالتراب. يجوز التيمم بالتراب بالإجماع.
قال ابن المنذر: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ ذِي الْغُبَارِ جَائِزٌ إِلَّا مَنْ شَذَّ
(1)
.
(1)
«الأوسط» (2/ 37).
وقال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ جَائِزٌ
(1)
.
المطلب الثاني: التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض:
اتفق العلماء على أن التيمم بالتراب جائز، واختلفوا فيما عداه من الأرض على قولين:
القول الأول: التيمم جائز بكل ما صعد من الأرض من جنسها من تراب أو رمل أو غير ذلك، وبه قال الحنفية والمالكية
(2)
.
واستدلوا بالقرآن والسنة.
أما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} .
وجه الدلالة: ما قاله الباجي: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو رملًا أو حجرًا، قاله ابن الأعرابي والزَّجَّاج، قال أبو إسحاق: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة
(3)
.
واعترض على هذا الاستدلال بما قال الشافعي: لا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار
(4)
.
فحاصل الاعتراض أن الصعيد لا يقع إلا على تراب ذي غبار، والطيب يعني الأرض الطيبة التي تنبت، دل على ذلك عموم قوله تعالى:{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ وَأَرْضُ الْحَرْثِ
(5)
.
وأجيب عنه بأن الأثر لا يصح، ولو صح فليس فيه دلالة؛ لأن قوله:«أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ» لا ينفي أن ما عداه من الأرض ليس بصعيد، ودل على أن الأرض التي لا تنبت يطلق
(1)
«الإستذكار» (1/ 309).
(2)
«المبسوط» (1/ 108)، «مواهب الجليل» (1/ 350»، «التمهيد» (19/ 281).
(3)
«تفسير الطبري» (15/ 196).
(4)
«الأم» (1/ 50).
(5)
ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 148)، وفي إسناده قابوس بن ظبيان: ضعيف.
عليها صعيد عموم قوله تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا 8} [الكهف]، والجرز: هي الأرض التي لا نبات عليها ولا زرع ولا غرس
(1)
.
وفي المصباح المنير: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك
(2)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . وهذا يشمل التراب والرمل وكل ما على الأرض.
القول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طهور، ولا يجوز التيمم بالرمل ولا غير التراب من مكونات الأرض
(3)
.
واستدلوا بما روى مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» .
قال ابن رجب: إن الحديث جعل الأرض كلها مسجدًا، وخص الطهورية بالتربة وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذِكْر التربة لا معنى له، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم
(4)
.
واعترض عليه: بأن حديث: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» مطلق وعام يشمل جميع الأرض من تراب ورمل وغير ذلك. «وجعلت لي تربتها طهورًا» ذِكْر بعض أفراد العام (التراب)(لا يخصصه). كما في قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مُخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات
(5)
.
(1)
«تفسير ابن كثير» (3/ 73).
(2)
«المصباح المنير» (ص 340).
(3)
«المجموع» (2/ 246»، «المغني» (1/ 155)، «المحور» (1/ 22).
(4)
«شرح ابن رجب» للبخاري (2/ 211).
(5)
«الأوسط» (1/ 270).
الفصل الثالث فروض التيمم
الفرض الأول: النية؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
الفرض الثاني: مسح الوجه واليدين.
هل يجب للتيمم ضربتان في الأرض، أم ضربة واحدة؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو المشهور عند الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روى البخاري عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قال: قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرْ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا»
(2)
. فَضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
فدل الحديث على أن المسح ضربة واحدة ثم نفخ ثم مسح وجهه وكفيه، وقالوا بأن حد المسح في اليدين هو مسح الكفين، وقالوا بأن اليد إذا أُطلقت يراد بها الكف كما في قوله تعالى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} ، وكذا قوله:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، وثبت أن القطع يكون من الكوع، أما إذا قيدت فحسَب التقييد:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} .
(1)
«مسائل أحمد» رواية عبد الله (1/ 127)، «المغني» (1/ 154).
(2)
«البخاري» (338).
قال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ جَائِزٌ وَلَمْ يَرَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ وَاجِبًا ظَاهِرُ قَوْلِ الله عز وجل: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] هُوَلَمْ يَقُلْ إِلَى (الْمِرْفَقَيْنِ) وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، فَلَمْ يَجِبْ بِهَذَا الْخِطَابِ إِلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدٍ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ شَكٌّ وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَقَدْ قَالَ الله عز وجل:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَثَبَتَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ الْأَيْدِيَ فِي ذَلِكَ أُرِيدَ بِهَا مِنَ الْكُوعِ فَكَذَلِكَ التيمم إذ لم يذْكُر فيه المِرْفَقْين، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَكْثَرِ الْآثَارِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً لِأَنَّهُ لو كان ما زاد على ذلك واجبًا لَمْ يَدَعْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب في التيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، وضربة يمسح بها يديه إلى المرفقين
(2)
.
وسئل مالك: كيف التيمم؟ فقال: يضرب ضربة للوجه، وضربة لليدين ويمسحهما إلى المرفقين
(3)
.
واستدلوا بما روى أبو داود عن نَافِعٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّة ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ:«إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ»
(4)
.
(1)
«التمهيد» (19/ 282، 283).
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 45)، و «المدونة» (1/ 42)، و «الأم» (1/ 49).
(3)
«الموطأ» (1/ 56).
(4)
ضعيف: أخرجه أبو داود (330)، وفي إسناده: محمد بن ثابت العبدي، لين الحديث، وتابع محمد ابن ثابت عبيد الله بن عمر، ولكن الراوي عنه علىّ بن ظبيان: واهي الحديث، أخرجه الدارقطني «السنن» (1/ 180)، وتابع علي بن ظبيان، محمد بن سنان وهو ضعيف.
وخالفهما سفيان الثوري كما في «الأوسط» (2/ 48)، ويحيى القطان، وهشيم كما في «سنن الدارقطني» (1/ 180)، فرووه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وأخرجه الدارقطني (1/ 181)، عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا وسليمان: متروك.
ورواه أيوب عن عبد الرزاق (818)، ومالك في «الموطأ» (1/ 58)، ويونس بن عبيد عند الدارقطني (1/ 180)، عن نافع عن ابن عمر موقوفًا وهو الصحيح، ورواية الرفع منكرة وقد صحح الوقف أبو زرعة والبخاري. انظر «التاريخ الكبير» (1/ 50)، و «التمهيد» (19/ 287).
واعترض عليه: بأنه لا يصح.
وعن جابر عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ»
(1)
.
واعترض: بأن كل الأحاديث الواردة بأن التيمم ضربتان لا يصح منها حديث.
والراجح: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، دل على ذلك عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
* * *
(1)
ضعيف، الصحيح فيه الوقف. مدار الحديث على عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر، واختلف على عزرة فرواه حرمي بن عمارة عن ثابت به مرفوعًا. أخرجه الدارقطني، ووكيع عند ابن أبي شيبة (1/ 147)، وفهد عند الطحاوي (1/ 144)، فهؤلاء (أبو نعيم، ووكيع، وفهد) رووه عن ثابت عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا. قال الدارقطني: الصواب موقوف. وللحديث شواهد عن أسلع وأبي الجهم وعمار بن ياسر، وكل هذه الأحاديث لا تصح.
الفصل الرابع صفة التيمم
وفيه مبحثان
المبحث الأول: صفة التيمم:
ورد في حديث عمار عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم. فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض، ضربة واحدة، وقال: هكذا.
قال ابن تيمية: وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ
(1)
.
ولا يُشترط ضرب اليدين بالأرض، بل لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب أجزأ ذلك؛ لعموم قوله تعالى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} فدل ذلك على أن التيمم سنة كما أن النفخ سنة؛ لعموم فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثاني: هل يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليسرى؟
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى
(2)
.
واستدلوا بما روى أبو داود من حديث عمار: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا» ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ
(3)
.
(1)
«الاختيارات» (ص 20).
(2)
«البحر الرائق» (1/ 153 - 154)، و «مغني المحتاج» (1/ 100)، «مطالب أولي النهى» (1/ 220).
(3)
أصل الحديث في الصحيحين دون زيادة «ثم ضرب بشماله على يمينه» فهي شاذة. أخرجها أبو داود (321)
واعترض عليه: بأن زيادة: «ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ» شاذة، انفرد بذِكْرها أبو معاوية عن الأعمش، والثقات الأثبات رووه عن الأعمش بدونها، والحديث في الصحيحين بدونها.
واستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» .
قال النووي: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء.
قلت: يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى في التيمم قياسًا على الوضوء، والله أعلم.
* * *
الفصل الخامس مبطلات التيمم
المبطل الأول: يُبطل التيمم ما يُبطل الوضوء.
قال ابن حزم: وَكُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ
(1)
.
المبطل الثاني: يُبطل التيمم وجود الماء،
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إذا تيمم الرجل ثم وجد الماء قبل دخوله الصلاة بطل التيمم.
قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ بَاطِلٌ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ عَادَ بِحَالِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ
(2)
.
المبحث الثاني: إذا وجد الماء أثناء الصلاة.
إذا تيمم الرجل ثم دخل في الصلاة فجاء رجل آخر معه ماء، فهل يخرج من الصلاة أو يتم صلاته؟
قولان للعلماء: القول الأول: ذهب الحنفية والمشهور عن الحنابلة إلى أن من تيمم ثم وجد الماء أثناء الصلاة بطلت صلاته، وخرج من الصلاة ثم توضأ بالماء وصلى
(3)
؛ لأنه وجود الماء أثناء الصلاة يبطل التيمم وكأنه أحدث.
(1)
«المحلى» مسألة (233).
(2)
«الاستذكار» (3/ 168)، وقال ابن المنذر «الأوسط» (20/ 65): أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنتقض، وعليه أن يتطهر، ويصلي، إلا حرفًا رُوي عن ابن سلمة فإنه فيما بلغني عنه أنه قال في الجنب، يتيمم، ثم يجد الماء قال: لا يغتسل. قال القرطبي في «تفسيره» (5/ 234): أجمعوا على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه.
(3)
«أحكام القرآن» للجصاص (2/ 539)، و «بدائع الصنائع» (1/ 57)، و «الإنصاف» (1/ 298).
واستدلوا بحديث أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَجْنَبَ، فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَاءٍ، فَاسْتَتَرَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ» . فالتيمم وضوء المسلم إن لم يجد الماء، فإذا وجد الماء قبل الصلاة أو أثناء الصلاة بطل التيمم.
القول الثانى: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ؟ قَالَ: لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ
(1)
.
والراجح: أنه يخرج من الصلاة ويتوضأ ويصلي، وهذا أبرأ للذمة وأحوط للدين.
المبحث الثالث: إذا وجد المتيمم الماء بعد الفراغ من الصلاة.
لا بد أن نفرق بين حالين:
الحال الأول: إذا تيمم وصلى وخرج وقت الصلاة ثم وجد الماء، فلا إعادة عليه بالإجماع.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا كَمَا أَمَرَ اللهُ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لَا إِعَادَةَ عَلَيْه
(2)
.
الحال الثاني: إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه على قول جمهور العلماء
(3)
، واستدلوا بالماثوروالمعقول:
أما بالمأثور فصح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِيلٌ أَوْ مِيلَانِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ
(4)
.
وأما بالمعقول فهو أن من طلب الماء ثم لم يجده ثم تيمم وصلى فقد فعل ما أُمر به، ولا إعادة عليه
(1)
«الموطأ» (1/ 55).
(2)
«الأوسط» (2/ 63).
(3)
«المبسوط» (1/ 110)، و «المدونة» (1/ 45)، و «الفروع» (1/ 232).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (884).
خلاصة التيمم
1 -
التيمم: مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص.
2 -
بدء التيمم: رُوي أن عقدًا لعائشة استعارته من أسماء فضاع منها في مكان ليس معهم ماء وليسوا على ماء، وحضرت الصلاة وكاد ينتهي وقتها وهم يبحثون عن العقد فنزلت آية التيمم:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
3 -
السبب الموجب للتيمم: عدم وجود الماء، لعموم قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ، وإذا عدم الماء والتراب فيصلي على حسَب استطاعته لعموم قوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً فَوَجَدَهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ.
يباح التيمم للمريض إذا كان يضره الماء. فالرجل إذا كان معه ماء يحتاج لشربه يتيمم.
أجمع العلماء على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش، ومعه مقدار ما يتطهر به من الماء أنه يُبقي ماءه للشرب، ويتمم لعموم قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} .
شروط التيمم:
الشرط الأول: النية؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
الشرط الثاني: الإسلام. الشرط الثالث: التكليف.
الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.
الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
الشرط السادس: يجوز التيمم بالأرض من التراب ومشتقاته.
الباب العاشر الحيض
وفيه تمهيد وفصول
التمهيد: بين يدي الحيض وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف الحيض.
المبحث الثاني: من أسماء الحيض.
المبحث الثالث: تاريخ ابتداء الحيض.
المبحث الرابع: الحيض من علامات البلوغ.
أما الفصول فهي كالآتي:
الفصل الأول: سن الحيض ومدته.
الفصل الثاني: صفة الغسل من الحيض.
الفصل الثالث: ما يحرم على الحائض.
الفصل الرابع: ما يباح للحائض.
الفصل الخامس: الاستحاضة.
تمهيد: مقدمات فى الحيض
المبحث الأول: تعريف الحيض:
الحيض في اللغة: قال الحافظ: الحيض أَصْلُهُ السَّيَلَانُ، وَفِي الْعُرْفِ جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَة
(1)
.
وقال الفيروز آبادي: حاضَت المرأةُ: سالَ دَمُها
(2)
.
والمَحِيضُ: اسْمٌ ومَصْدَرٌ. قيلَ: ومنه الحَوْضُ، لأنَّ الماء يَسيلُ إليه.
والحيض في الشرع: هو الدم الخارج من فرج المرأة جِبِلة وطبيعة، في أيام معلومة من الشهر من غير ولادة ولا مرض بصفات معينة.
قوله: (جبلة وطبيعة) خرج دم النفاس.
وقوله: (ولا مرض) خرج دم الاستحاضة.
وقوله: (بصفات معينة) أي: أن دم الحيض أسود اللون ومنتن الرائحة
(3)
.
(1)
فتح الباري (1/ 399).
(2)
القاموس المحيط (ص 826).
(3)
قال ابن جزي (القوانين الفقهية)(ص 31): هو الدم الخارج من فرج المرأة التي يمكن حملها عادة، من غير ولادة ولا مرض ولا زيادة على الأمد.
وفي مغني المحتاج (1/ 101): الحيض: هو الخارج من فرج على سبيل الصحة، ومن غير سبب الولادة في أوقات معلومة.
وفي شرح منتهى الإرادات (1/ 110): الحيض: دم طبيعي وجبلة يرخيه الرحم يعتاد أنثى إذا بلغت في أوقات معلومات.
المبحث الثاني: من أسماء الحيض.
1) العراك: روى مسلم من حديث جابر وفيه: وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنهما بِعُمْرَةٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ
…
(1)
الحديث». أي حاضت.
2) النفاس: عن أم سلمة: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ:«أَنُفِسْتِ»
(2)
أي: حضتِ.
3) الضحك: قال في اللسان: ضحكت المرأة: أي حاضت، وقال تعالى:{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: 71]، وأحد تأويلات الآية: ضحكت أي حاضت
(3)
.
4) الإكبار: قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] أي حضن، على بعض التأويلات وأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه. ورُوِي عَنْ مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن وليس ذلك بِالْمعروف فِي اللغة، وأنشد بعضهم:
نَأْتي النساءَ عَلَى أَطْهارِهِنّ وَلَا نأْتي النساءَ إِذا أَكْبَرْنَ إِكْبارًا
أي: إذا حضن
(4)
.
وقال ابن خالويه: حاضت، أو نَفِست، ويُفست، ودرست، وطمثت، وضحكت، وكادت، وأكبرت، وصامت
(5)
.
(1)
صحيح مسلم (1213).
(2)
البخاري (298) ومسلم (296).
(3)
انظر تفسير الطبري (7/ 70).
(4)
انظر تفسير الطبري في تأويل قوله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه} : وقال أبو منصور: إن صحت هذه اللفظة فقيل لها أكبرت: أي حاضت: فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي.
(5)
تاج العروس (10/ 44)، ولسان العرب (7/ 142).
المبحث الثالث: تاريخ ابتداء الحيض.
اختلف أهل العلم في تاريخ ابتداء الحيض على قولين:
القول الأول: أن ابتداء الحيض كان في حواء. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ:«مَا لَكِ، أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ .... »
(1)
الحديث.
قال الحافظ: وروى الْحَاكِم وابن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ كَانَ عَلَى حَوَّاءَ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَتْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبَنَاتُ آدَمَ بَنَاتُهَ
(2)
.
وعموم قوله تعالى: {وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [آل عمران: 15] أي التي لا تحيض فهذا في الجنة، أما في الدنيا منذ أهبط آدم وحواء إليها فحواء وبناتها يحضن
القول الثاني: أن ابتداء الحيض كان في نساء بني إسرائيل.
واستدلوا بما روى عبد الرزاق بسند صحيح عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُصَلُّونَ جَمِيعًا، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ لَهَا الْخَلِيلُ تَلْبَسُ الْقَالَبَيْنِ تَطَوَّلُ بِهِمَا لِخَلِيلِهَا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضُ
(3)
، فدل ذلك على أن بداية الحيض كانت في بني إسرائيل.
والجمع بين هذه الأدلة أن ابتداء الحيض كان في حواء وأن نساء بني إسرائيل لما عصين الله زادت أيام الحيض عند نسائهن.
قال ابن حجر: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ، بِأَنَّ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طُولُ مُكْثِهِ بِهِنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ لَا ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ.
(1)
البخاري (294) ومسلم (9882).
(2)
فتح الباري (1/ 400).
(3)
المصنف (5115).
المبحث الرابع: الحيض من علامات بلوغ المرأة
(1)
.
قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ
(2)
.
العلامة الثانية للبلوغ: الاحتلام:
والمراد بالاحتلام: خروج المني أو الماء الدافق يقظة أو منامًا من الرجل أو المرأة
ودل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الاحتلام من علامات البلوغ.
قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59] إذا بلغ الأطفال منكم الحلم، أي احتلموا وهو نزول المني في يقظة أو نوم.
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»
(3)
.
قال ابن حجر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِلَامَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ
(4)
.
العلامة الثالثة من علامات البلوغ: الإنبات.
دل على ذلك ما رواه أحمد: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ
(1)
البلوغ في اللغة: الوصول، بلغ الشيء: وصل وانتهى إليه، وتأتي بمعنى شارف على الوصول كما في قوله تعالى:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] أي شارفن على نهاية العدة فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف.
والبلوغ اصطلاحًا: وصول صغير وجارية وقت التكليف بعلامة من علامات البلوغ. انظر تاج العروس (12/ 7)، واللسان (8/ 419).
(2)
فتح الباري (5/ 610).
(3)
البخاري (846)، ومسلم (7/ 846).
(4)
فتح الباري (5/ 610).
يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي»
(1)
.
في أسرى الحرب كان المسلمون لا يقتلون امرأة ولا صبيًّا، فكيف يُعرف الصبي من البالغ؟ يعرف بالإنبات.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَأَنْ تَقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي»
(2)
أي حلق العانة.
العلامة الرابعة من علامات البلوغ: بلوغ تمام خمس عَشْرة سنة:
دل على ذلك ما ورد في الصحيحين، واللفظ لمسلم: عن نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي».
قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ
(3)
.
واعترض عليه بما قاله ابن حزم: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقُلْ: (إنِّي أَجَزْتهمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَاِحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ عليه السلام مَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ
(1)
إسناده حسن: أخرجه أحمد (4/ 310)، وأبو داود (4404)، والترمذي (1584)، والنسائي (الكبرى)(8621)، وابن ماجه (2541)، وغيرهم من طرق (الثوري، وابن عيينة وشعبة وأبي عوانة وغيرهم» عن عبد الملك بن عمير به. وعبد الملك بن عمير ضَعَّفه أحمد، وقال ابن معين مرة مخلط. وقال مرة: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال أبو حاتم: ليس بحافظ، وهو صالح الحديث تغير حفظه قبل موته. وقال النسائي: ليس به بأس. ووثقه ابن نمير والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: ثقة فصيح، عالم تغير حفظه، وربما دلس.
أما التدليس فقد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره، وأما الاختلاط فقد روى عنه الثقات الأثبات كالثوري وابن عيينة وشعبة وقد روى له الجماعة، ورأيت من الجمع بين هذه الأقوال أن حديثه حسن والله أعلم.
(2)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 487).
(3)
البخاري (2664)، ومسلم (1868)، واللفظ لمسلم وليس في البخاري: فاجعلوه في العيال.
نَفْسِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُجِيزَهُمَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ؛ لَاِنَّهُ كَانَ يَوْمَ حِصَارٍ فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا، يَنْتَفِعُ فِيهِ بِالصِّبْيَانِ فِي رَمْيِ الْحِجَارَةِ، وَلَمْ يُجِزْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَاِنَّهُ كَانَ يَوْمَ قِتَالٍ بَعُدُوا فِيهِ عَنِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَحْضُرُهُ إلاَّ أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالْجَلَد
(1)
.
وأجيب على ما قاله ابن حزم: إننا نفهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين، فهذا خامس الخلفاء الراشدين وإمام التابعين وهذا نافع ولم يعترض عليهما أحد من التابعين أن هذا الحد بين الكبير والصغير بلوغ خمس عَشْرة سنة.
* * *
(1)
«المحلى» المسألة (119).
الفصل الأول سن الحيض ومدته
وفيه مبحثان
المبحث الأول: سن الحيض، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقل سن تحيض فيه المرأة.
المطلب الثاني: منتهى سن الحيض.
المطلب الثالث: هل تحيض الحامل؟
المبحث الثاني: مدة الحيض، وفيه عشرة مطالب:
المطلب الأول: أقل الحيض.
المطلب الثاني: أكثر الحيض.
المطلب الثالث: غالب الحيض.
المطلب الرابع: زيادة أيام الحيض، أي إذا زادت أيام الحيض عن عادتها.
المطلب الخامس: نقص أيام الحيض عن عادتها، أي إذا طهرت قبل تمام عادتها.
المطلب السادس: النقاء المتخلل بين الدمين أو الطهر المتخلل أيام الحيض.
المطلب السابع: إذا تقدمت أيام عادة المرأة أو تأخرت.
المطلب الثامن: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله.
المطلب التاسع: هل الصفرة والكدرة في بداية الحيض تُحسب من أيام الحيض؟
المطلب العاشر: في المبتدأة، تعريفها وأقسامها.
المبحث الأول
سن الحيض،
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقل سن تحيض فيه المرأة:
اختلف العلماء في أقل سن تحيض فيه المرأة على أربعة أقوال:
القول الأول: لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، فالمرأة إذا رأت دم الحيض بصفاته بلغت في أي سن كانت.
دل على ذلك عموم قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}
[البقرة: 222].
قال شيخ الإسلام: لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة ولا أكثره، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض وإن كانت دون تسع سنين أو فوق خمسين، وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله سبحانه وتعالى على وجوده، ولم يحدد الله سبحانه وتعالى ولا رسوله سنًّا معينًّا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، ولا دليل في ذلك
(1)
.
وقال السعدي: وتحديد سن معين بخلاف الواقع لأن سن الحيض يختلف باختلاف النساء والطقس والأحوال والفصول والقوة والضعف وغيرها، فكونه يُربط بسن معين ومقدار معين، ويلغى ما سواه مع مماثلته له، ومع كونه مخالفًا لظاهر النصوص الشرعية، فإنه منافٍ للأحوال الطبيعية
(2)
.
(1)
مجموع الفتاوى (19/ 237).
(2)
فقه السعدي (1/ 347).
وفي مواهب الجليل: وَسِنُّ النِّسَاءِ قَدْ يَخْتَلِفُ فِي الْبُلُوغِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ فَهُنَّ عَلَى الْفُرُوجِ مُؤْتَمَنَاتٌ، فَإِنْ شَكَكْنَ أُخِذَ فِي ذَلِكَ بِالْأَحْوَطِ
(1)
.
وقال ابن رشد: فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حُكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس لها حد من السن إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض. وأما اليافعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حُكم له بأنه حيض
(2)
.
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا حيض قبل تسع سنين، وبه قال أكثر الحنفية، وبعض المالكية، والمشهور عند الشافعية، والحنابلة
(3)
.
واستدلوا بحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ
(4)
. واعترض عليه بأنه لا يصح.
واستدلوا بما في الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ
(5)
.
واعترض عليه: بأنه ليس في الحديث حد معين تحيض فيه المرأة، وإذا كانت حاضت عائشة وهي بنت تسع فغيرها تحيض وهي بنت عشر، وغيرها تحيض وهي بنت ثمانٍ.
واستدلوا أيضًا بأنه لا يوجد امرأة حاضت وهي أقل من تسع سنين.
قال الشافعي: وَأَعْجَب مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ تَحِيضُ نِسَاءُ تِهَامَةَ، يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ،
(1)
مواهب الجليل (1/ 367).
(2)
المقدمات الممهدات (1/ 130).
(3)
شرح فتح القدير (1/ 160)، الخرشي (1/ 204)، المجموع (2/ 400)، المغني (1/ 447).
(4)
لم أقف له على إسناد، وذكره الترمذي (السنن)(3/ 428)، والبيهقي (الكبرى)(1/ 320) كلاهما تعليقًا
وروى أبو نعيم (أخبار أصبهان)(2/ 273) مسندًا عن ابن عمر مرفوعًا به، وإسناده ضعيف.
(5)
البخاري (5123)، ومسلم (1422).
وَقَدْ رَأَيْتُ جَدَّةَ لَها إِحْدى وعِشْرُون سَنَةً
(1)
.
واعترض عليه: بأنه على حَسَب علم الشافعي، وهل إذا حاضت المرأة وعمرها ثماني سنوات هل نقول: ليس هذا بحيض حتى تبلغ التاسعة؟!
القول الثالث: ذهب بعض الحنفية إلى أن أدنى سن تحيض فيه المرأة سبع سنين
(2)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ
…
»
(3)
الحديث.
(1)
الحاوي (1/ 388).
(2)
شرح فتح القدير (1/ 160).
(3)
أخرجه أحمد (2/ 187)، وأبو داود (495)، وغيرهما من طرق، عن سواد بن داود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده به، وفي إسناده: سواد بن داود، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ، وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال الدارقطني: لا يتابع على حديثه فيعتبر به، وقال الحافظ: صدوق له أوهام. انظر الجرح والتعديل (4/ 272)، وتهذيب الكمال (12/ 236)، والضعفاء الكبير (2167)، أما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فمن العلماء من ضعف حديث عمرو بن شعيب ومنهم من وثقه، ومنهم من فَصَّل. قال ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء. تهذيب الكمال (22/ 64) قال يحيى القطان: حديثه عندنا واهٍ. الجرح والتعديل (6/ 238)، وقال الآجري: قيل لأبي داود: عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، حجة عندك؟ قال: لا، ولا نصف حجة. أما ابن معين فاختلفت الرواية عنه: ففي رواية ابن أبي خيثمة قال: ليس بذاك. وفي رواية الدوري قال: ثقة. الجرح والتعديل (6/ 238).
أما أحمد ففي تهذيب الكمال (22/ 64) قال: له أشياء مناكير، وإنما يُكتب حديثه، يعتبر به، أما أن يكون حجة فلا. وذكر البخاري عن أحمد أنه يحتج برواية عمرو وسيأتي.
أما من وثق رواية عمرو فقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. (التاريخ الكبير)(6/ 342).
وفصَّل بعض العلماء: فضعفوا روايته عن أبيه عن جده ووثقوا ما رواه عن أبيه، قال ابن معين: هو ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبل أنه مرسل. تهذيب التهذيب (8/ 43)، وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات مثل أيوب السختياني وأبي حازم والزهري، =
واستدلوا بأن الأمر بالصلاة للوجوب ولا يؤمر بها إلا البالغ.
واعترض عليه من وجهين.
الأول: بأن الحديث فيه مقال.
الثاني: بأن الأمر للاستحباب من أجل تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم على العبادات، ولكنهم ليسوا بمكلفين، وليس في الحديث ما يدل على أن حد البلوغ سبع سنين والأمر لم يوجه للصبيان.
القول الرابع: ذهب بعض الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن أدنى سن تحيض فيه المرأة اثنتا
=والحكم بن عتيبة، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن جده. وقال أبو زرعة: ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن أبيه عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير التي تروى عنه إنما هي من المثنى بن الصباح وابن لهيعة والضعفاء. قال ابن حبان (المجروحين) (2/ 71): فليس الحكم عندي إلا مجانبة ما روى عن أبيه، عن جده والاحتجاج بما روى عن الثقات غير أبيه، ولولا كراهة التطويل لذكرت من مناكير أخباره التي رواها عن أبيه عن جده أشياء يستدل بها على وهن هذا الإسناد.
قال ابن عدي (الكامل)(5/ 114): روى عنه أئمة الناس وثقاتهم، وجماعة من الضعفاء، إلا أن أحاديثه عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم اجتنبها الناس مع احتمالهم إياه، ولم يُدخلوه في صحاح ما خرجوه، وقالوا: هي صحيفة. قال ابن حجر: فأما روايته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ: «عن» فإذا قال: (حدثني أبي) فلا ريب في صحتها والمقصود بجده الأعلى: عبد الله بن عمرو، لا محمد بن عبد الله. وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله. تهذيب التهذيب (8/ 43) وقال ابن معين: وجد شعيب كتاب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله غير أنه لم يسمعها، قال ابن حجر،: فإذًا شهد ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها.
ولهذا الحديث شواهد:
الأول: أخرجه أحمد (3/ 404)، وأبو داود (494)، والترمذي (407)، وغيرهم من طرق عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ» وفي إسناده عبد الملك: ضعيف.
وله شاهد من حديث ثمامة عند الدارقطني (1/ 231)، وفي إسناده: داود بن المحبر: منكر.
عَشْرة سنة
(1)
.
واستدلوا بما روى أبو نعيم من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ مَنْ لَمْ يَبْلُغِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمِنْ بَلَغَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَعَلَيْهِ وَلَهُ»
(2)
، وظاهره بأن من جاوز اثنتي عشرة سنة فقد بلغ ويحاسب. واعترض عليه بأن هذا الحديث منكر.
والراجح أنه لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، فإذا وجد دم الحيض فالمرأة حائض، دل على ذلك قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] ولم يحد الله ورسوله سنًّا معينًا والله أعلم.
المطلب الثاني: منتهى سن الحيض.
اختلف أهل العلم في منتهى سن الحيض على أربعة أقوال:
القول الأول: لا حد لأكثر سن تحيض فيه المرأة، فالمرأة إذا رأت دم الحيض بصفاته فهو حيض، وهو قول أبي حنيفة في رواية، وابن رشد من المالكية، والماوردي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة، وابن حزم
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} فعلق الحكم بوجود دم الحيض بصفاته وليس له سن محدد ما لم تيأس من المحيض، وَالْيَأْسُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} لَيْسَ هُوَ بُلُوغُ سِنٍّ، لَوْ كَانَ بُلُوغُ سَنٍّ لَبَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَيْأَسَ الْمَرْأَةُ نَفْسُهَا مِنْ أَنْ تَحِيضَ، فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا وَيَئِسَتْ مِنْ أَنْ يَعُودَ فَقَدْ يَئِسَتْ
(1)
شرح فتح القدير (1/ 160)، والإنصاف (1/ 355)، والفروع (1/ 265).
(2)
رواه أبو نعيم (أخبار أصبهان)(2/ 15)، وله علتان:
الأولى: في إسناده: ركن بن عبد الله، منكر.
الثانية: مكحول لم يسمع من أبي أمامة، كما ذكره ابن أبي حاتم. المراسيل (ص 212).
(3)
حاشية ابن عابدين (1/ 303، 304)، ومقدمات ابن رشد (1/ 130)، والحاوي (1/ 388)، ومجموع الفتاوى (19/ 240)، والمحلى، مسألة (265).
مِنْ الْمَحِيضِ وَلَوْ كانت بِنْتَ أَرْبَعِينَ. ثُمَّ إذَا تَرَبَّصَتْ وَعَادَ الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ آيِسَةً.
وأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين من حديث عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابن أبي حبيش: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» . «فإذا أقبلت حيضتك في أي سن - فدعي الصلاة» ولم يحدد صلى الله عليه وسلم سنًّا معينة.
قال ابن حزم: وإذا رأت العجوز المسنة دمًا أسود، فهو حيض مانع من الصلاة والطواف والوطء.
القول الثاني: ذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، إلى أنه لا حيض بعد خمسين سنة
(1)
.
واستدلوا بما رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: بأن هذا الأثر لم أقف عليه في الكتب المسندة.
الثاني: ما قاله ابن قدامة: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَلَدَتْ مُوسَى بْنَ عَبْدِ الله بْنِ حَسَنِ ابْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ مِنِ الْعَرَبِ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ: إنْ عَاوَدَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهُوَ حَيْضٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مِنْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أَخْبَرْنَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ
(2)
.
القول الثالث: لا حيض بعد ستين سنة. وبه قال أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية عن أحمد
(3)
.
(1)
البحر الرائق (1/ 206)، مواهب الجليل (1/ 367)، الإنصاف (1/ 356).
(2)
المغني (1/ 445).
(3)
البحر الرائق (1/ 206)، نهاية المحتاج (1/ 325)، الفروع (1/ 256).
القول الرابع: لا حيض بعد سبعين سنة
(1)
.
وكل هذه الأقوال عارية عن الأدلة الصحيحة.
والراجح: أنه لا حد لمنتهى سن الحيض عند النساء.
قال الماوردي: فَأَمَّا أَكْثَرُ زَمَانِ حَيْضِهِنَّ فَلَمْ يَنْحَصِرْ بِحَدٍّ لِاخْتِلَافِهِ وَتَبَايُنِهِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ لِحَرِّهَا وَبَرْدِهَا
(2)
.
قال ابن رشد: وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض فما رأت من الدم حُكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك أيضًا حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض.
المطلب الثالث: هل تحيض الحامل؟
اختلف أهل العلم في حيض الحامل على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية، والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد إلى أن الحامل قد تحيض، وأن دم الحيض إذا نزل فعليها أن تدع الصلاة ولا تصوم حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع اغتسلت وصلت وصامت
(3)
. دل على ذلك عموم قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] فإذا وُجد الحيض وجد حكمه، ولا تخرج الحامل من هذا الحكم إلا بدليل كالصغيرة جدًّا تبلغ أربع سنوات نزل عليها دم فليس بدم حيض لأن الحيض من علامات البلوغ، وكذا خرجت الآيسة كما في قوله تعالى:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} [الطلاق: 4] فالتي تبلغ من العمر مائة سنة إذا نزل عليها دم فليس بدم حيض لأنها خرجت بعموم الآية من الحيض، وغيرها إذا نزل عليها دم حيض يأخذ أحكامه، وبقي ما عداهما لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» .
(1)
مواهب الجليل (1/ 325).
(2)
الحاوي (1/ 388).
(3)
الموطأ (1/ 60)، المجموع (2/ 411)، والاختيارات (ص 30).
قال ابن القيم: لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، ولا سيما في أول حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده، وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه، فكيف نحكم له بأنه حيض قبل الحمل، وبعده لا نثبت له نفس الحكم، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة؟! وهذا تفريق بين متماثلين
(1)
.
ومن الأدلة ما ذكره ابن القيم: وَلِأَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنَ الْفَرْجِ الَّذِي رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ قِسْمَانِ: حَيْضٌ وَاسْتِحَاضَةٌ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمَا ثَالِثًا، وَهَذَا لَيْسَ بِاسْتِحَاضَةٍ، فَإِنَّ الِاسْتِحَاضَةَ الدَّمُ الْمُطْبِقُ، وَالزَّائِدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوِ الْخَارِجُ عَنِ الْعَادَةِ، وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، فَهُوَ حَيْضٌ. قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ قِسْمٍ ثَالِثٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَجَعْلُهُ دَمَ فَسَادٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ دَلِيلٍ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ. قَالُوا: وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُسْتَحَاضَةَ إِلَى عَادَتِهَا، وَقَالَ:«اجْلِسِي قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ» . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَادَةَ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَصْفِ الدَّمِ وَحُكْمِهِ، فَإِذَا جَرَى دَمُ الْحَامِلِ عَلَى عَادَتِهَا الْمُعْتَادَةِ، وَوَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا انْتِقَالٍ، دَلَّتْ عَادَتُهَا عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ، وَوَجَبَ تَحْكِيمُ عَادَتِهَا، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَسَادِ الْخَارِجِ عَنِ الْعِبَادَةِ.
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحامل لا تحيض، وهو المشهور من مذهب الحنفية، والقول القديم للشافعي، والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ
(3)
.
(1)
زاد المعاد (4/ 235) بتصرف.
(2)
شرح فتح القدير (1/ 186)، روضة الطالبين (1/ 74)، الإنصاف (1/ 357).
(3)
حسن لشواهده: أخرجه الدارقطني (3/ 257)، ولهذا الحديث علتان:
الأولى في إسناده: عمرو بن مسلم، ضَعَّفه أحمد والنسائي، واختلفت الرواية عن ابن معين.
الثانية: روى ابن أبي شيبة (المصنف)(4/ 30) من طريق معمر عن عمرو بن مسلم عن طاوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
فَذَكَره أي مرسلًا.
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه أحمد (3/ 62)، وأبو داود (2157»، وفي إسناده شريك سيئ الحفظ. وله شاهد مرسل، رواه ابن أبي شيبة (4/ 29).
وله شاهد عن رويفع بن ثابت، أخرجه أحمد (4/ 108) وإن كان في إسناده ابن لهيعة فقد أخرجه أبو داود (1158) من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عن رويفع به. وإسناده حسن.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وجود الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.
واعترض عليه بما قاله ابن عبد البر: إن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع، والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض لأن الحامل لا تحيض
(1)
.
قال ابن القيم: وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَسَّمَ النِّسَاءَ إِلَى قِسْمَيْنِ: حَامِلٌ فَعِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَحَائِلٌ فَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمُوجَبِ هَذَا غَيْرُ مُنَازِعِينَ فِيهِ، وَلَكِنْ أَيْنَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ مِنَ الدَّمِ عَلَى عَادَتِهَا تَصُومُ مَعَهُ وَتُصَلِّي؟ هَذَا أَمْرٌ آخَرُ لَا تَعَرُّضَ لِلْحَدِيثِ بِهِ
(2)
.
وروى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا»
(3)
.
وجه الدلالة أنه لو كان مع الحمل حيض حرم الطلاق في فترة الحيض التي في الحمل.
وروى الدارمي عَنْ عَائِشَةَ، فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ، قَالَتْ:«تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي»
(4)
.
واعترض عليه بأنه ورد ما يعارض هذا، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:«إِذَا رَأَتِ الْحُبْلَى الدَّمَ، فَلْتُمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ حَيْضٌ» .
واستدلوا أيضًا بأن دم الحيض يتحول إلى غذاء للجنين.
واعترض عليه بما قاله ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الله - سُبْحَانَهُ - أَجْرَى الْعَادَةَ بِانْقِلَابِ
(1)
فتح البر بتربيب التمهيد (3/ 498، 499).
(2)
زاد المعاد (4/ 253 - 236).
(3)
مسلم (1471).
(4)
أخرجه الدارمي (933) وفي إسناده: مطر الوراق فيه ضعف، وأخرجه عبد الرزاق (1214)، وفي إسناده: سليمان بن موسى: فيه ضعف قريب، وقال الحافظ: صدوق يهم. فقد يحسن بمجموع الطرق.
دَمِ الطَّمْثِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الْوَلَدُ؛ وَلِهَذَا لَا تَحِيضُ الْمَرَاضِعُ. قُلْنَا: وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ حُجَّتِنَا عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا الِانْقِلَابَ وَالتَّغْذِيَةَ بِاللَّبَنِ إِنَّمَا يَسْتَحْكِمُ بَعْدَ الْوَضَعِ، وَهُوَ زَمَنُ سُلْطَانِ اللَّبَنِ وَارْتِضَاعِ الْمَوْلُودِ، وَقَدْ أَجْرَى اللهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ الْمُرْضِعَ لَا تَحِيضُ. وَمَعَ هَذَا فَلَوْ رَأَتْ دَمًا فِي وَقْتِ عَادَتِهَا، لَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَأَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحْكِمْ فِيهَا انْقِلَابُهُ، وَلَا تَغَذَّى الطِّفْلُ بِهِ أَوْلى وَأَحْرَى. قَالُوا: وَهَبْ أَنَّ هَذَا كَمَا تَقُولُونَ فَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ احْتِيَاجِ الطِّفْلِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِاللَّبَنِ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ. فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ لَبَنًا لِعَدَمِ حَاجَةِ الْحَمْلِ إِلَيْهِ وَأيضًا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ كُلُّهُ لَبَنًا، بَلْ يَسْتَحِيلُ بَعْضُهُ، وَيَخْرُجُ الْبَاقِي.
واستدلوا بأن الحمل يُعرف بانقطاع دم الحيض.
قال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم
(1)
.
واعترض عليه: بأن هذا هو الغالب، كما أن الغالب في المرضع أنها لا تحيض، وإذا نزل عليها دم الحيض كانت حائضًا بالإجماع، فكذا الحامل.
واستدلوا بأن المطلقات عدتهن ثلاث حيض، فلو كانت الحامل تحيض لكان عدتها ثلاث حيض.
واعترض عليه: بأنه لو أمكن انقضاء عدة الحامل بثلاث حيض قبل وضع حملها، لأفضى ذلك إلى أنها تتزوج وهي حامل من غيره فيسقي ماؤه زرع غيره
(2)
.
والراجح: أن الحامل إذا نزل عليها دم بصفة الحيض فهي حائض تدع الصلاة والصوم وغير ذلك حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع اغتسلت وصامت وصلت، دل على ذلك عموم قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فإذا وُجد الحيض وُجد حكمه، والله أعلم.
(1)
المغني (1/ 444).
(2)
انظر زاد المعاد (4/ 236) بتصرف.
المبحث الثاني
مدة الحيض
وفيه عشرة مطالب
المطلب الأول: أقل الحيض.
اختلف أهل العلم في أقل الحيض على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الإمام مالك إلى أنه لا حد لأقل الحيض ولو بدُفعة
(1)
.
دل على ذلك عموم قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} فمتى وُجد الحيض وُجد حكمه ولا يوجد له حد، وقال تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} وإذا طهرت المرأة من الحيض فلها أن تغتسل وتصلي، فإذا لم تطهر فلا يحل لها ذلك، قال صلى الله عليه وسلم:«فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فعَلَّق الحكم بإقبال الحيض وإدباره، ولم يعلق بمدة زمنية معينة، فدل ذلك على أنه لا تحديد لأقل الحيض.
قال ابن القيم: وَلَمْ يَأْتِ عَنِ الله وَلَا عَنْ رَسُولِهِ وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ تَحْدِيدُ أَقَلِّ الْحَيْضِ بِحَدٍّ أَبَدًا، وَلَا فِي الْقِيَاسِ مَا يَقْتَضِيهِ
(2)
.
قال ابن تيمية: الْحَيْضِ عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ
(3)
.
القول الثاني: أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة
(4)
. ودل على ذلك ما ورد عَنْ
(1)
المدونة (1/ 152)، وفتح البر بترتيب التمهيد (3/ 493).
(2)
إعلام الموقعين (1/ 297).
(3)
مجموع الفتاوى (19/ 237).
(4)
حاشية ابن عابدين (1/ 284) شرح فتح القدير (1/ 160)، بدائع الصنائع (1/ 40).
أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:» أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرٌ»
(1)
.
القول الثالث: أن أقل الحيض يوم.
قال ابن قدامة: وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْتُ مِنِ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا، وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا
(2)
.
وقال ابن رجب: ولم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف، وإنما رجعوا فيهِ إلى ما حُكي مِنْ عادات النساء خاصة، وعلى مثل ذلك اعتمد الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم
(3)
.
والراجح: أنه لا حد لأقل الحيض لأنه لم يأت عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض، والقرآن والسنة يدلان على أنه لا تحديد، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
(1)
ضعيف جدًّا: أخرجه الطبراني (الكبير)(7586)، وأخطأ فقال: وهو العلاء بن كثير كما أخرجه في (الأوسط)(603)، وقاله ابن حبان كما في (المجروحين)(2/ 182)، وأخرجه الدارقطني (1/ 218)، من طرق عن عبد الملك عن الحارث عن مكحول عن أبي أمامة به. وقال: وعبد الملك هذا رجل مجهول، والعلاء هو ابن كثير، وهو ضعيف الحديث، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئًا.
وله شواهد:
الشاهد الأول: واثلة بن الأسقع وفي إسناده: حماد بن المنهال، قال الدارقطني: مجهول. ومحمد بن أحمد: ضعيف. وفي المراسيل (ص 213): مكحول لم يسمع من واثلة. قاله أبو حاتم.
الشاهد الثاني: أنس: أخرجه ابن عدي (الكامل)(2/ 301)، وفي إسناده الحسن بن دينار: متروك.
الثالث: معاذ: أخرجه ابن عدي (الكامل)(6/ 141)، وفي إسناده محمد بن سعيد المصلوب: وضاع.
الرابع: أبو سعيد، أخرجه ابن الجوزي (العلل)(640)، وفي إسناده سليمان: كذاب.
الخامس: عائشة، أخرجه ابن الجوزي (العلل)(1/ 386)، وفي إسناده: الحسين بن علوان: كذاب
(2)
المغني (1/ 389).
(3)
شرح البخاري (2/ 151).
الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فاعتزلوا النساء في المحيض سواء كان يومًا أو ساعة أو أيامًا كثيرة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش:«فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فالنبي صلى الله عليه وسلم عَلَّق أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة فعُلم أنه لا تحديد لأقل الحيض والله أعلم.
المطلب الثاني: أكثر دم الحيض.
اختلف العلماء في أكثر دم الحيض على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه لا حد لأكثر دم الحيض، قال تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] فالحكم متعلق بوجود الحيض، فإذا وجد الحيض وجد حكمه، ولم يتعلق بمضي أيام محدودة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فالحكم متعلق بإقبال الحيض وإدباره وليس بمضي أيام محدودة ولو كان لأكثر الحيض حد لا يتجاوزه لقال: فإذا مضى سبعة عشر يومًا مع وجود الدم فاغسلي عنك الدم وَصَلِّي، وما كان ربك نسيًّا.
القول الثاني: أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا. وبه قال المالكية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: «النِّسَاءَُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ» قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي»
(2)
.
والشطر أي النصف من كل شهر خمسة عشر.
(1)
المدونة (1/ 151)، المجموع (2/ 4703)، الإنصاف (1/ 358).
(2)
قال النووي: باطل لا أصل له، وقال البيهقي (معرفة السنن) (2/ 145): طلبته كثيرًا فلم أجده في كتب أصحاب الحديث ولم أجد له إسنادًا بحال. وقال ابن الجوزي (التحقيق)(1/ 263): وهذا اللفظ لا أعرفه. وقال الحافظ: (التلخيص» (1/ 278): لا أصل له بهذا اللفظ. وفي الصحيحين عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟» مما يدل على نكارة المتن.
واعترض عليه بأن هذا باطل.
قال ابن قدامة: الحَيْضُ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضُ مُعْتَاد خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا
(1)
.
وقال النووي: ثَبَتَ مُسْتَفِيضًا عَنِ السَّلَفِ مِنِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ كَذَلِكَ عِيَانًا، وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ أَكْثَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَفِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَشَرِيكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، رحمهم الله
(2)
.
واعترض عليه بأنه لا حد في القرآن والسنة لأكثر الحيض.
وقد ورد عن بعض النساء أنها كانت تحيض سبعة عشر يومًا وإن كان هذا ليس بحد لأكثره، فمتى وجد الحيض مُنعت المرأة من الصلاة.
القول الثالث: ذهب الحنفية إلى أن أكثر الحيض عَشَرة أيام
(3)
.
واستدلوا بحديث عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ:«لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُسْتَحَاضَةً فِي يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى تَبْلُغَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً»
(4)
.
(1)
المغني (1/ 389).
(2)
المجموع (2/ 411).
(3)
شرح فتح القدير (1/ 161)، بدائع الصنائع (1/ 40)، المبسوط (3/ 147).
(4)
ضعيف: أخرجه الدارقطني (1/ 210) وفي إسناده أشعث بن سوار ضعيف، وتابع أشعث هشام بن حسان وهو ثقة لكن روايته عن الحسن فيها مقال، وللحديث شواهد: فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْحَائِضُ تَنْظُرُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَشْرٍ، فَإِنْ رَأَتِ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ، وَإِنْ جَاوَزَتِ الْعَشْرَةَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ احْتَشَتْ، وَاسْتَثْفَرَتْ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإِنْ رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ طَاهِرٌ، وَإِنْ جَاوَزَتِ الْأَرْبَعِينَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ احْتَشَتْ، وَاسْتَثْفَرَتْ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . أخرجه الطبراني (الأوسط) كما في مجمع البحرين (503) في إسناده: عمرو بن الحصين متروك.
وفي الباب حديث أنس وأبي أمامة، ومعاذ وأبي سعيد وعائشة وغيرهم، ولا يصح في الباب حديث.
قال ابن المنذر: ذَكَرَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَيَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَيَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَحَدِيثُ أَنَسٍ؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. أَوْ قَالَ: لَيْسَ يَصِحُّ. قُلْتُ: فَأَعْلَى شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ؟ فَذَكَر حَدِيثَ مَعْقِلٍ عَنْ عَطَاءٍ: الْحَيْضُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
(1)
.
قال ابن رجب: هذه الأحاديث المرفوعة منها باطل لا يصح، وكذلك الموقوف وطرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ
(2)
.
القول الرابع: أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.
قال ابن حزم: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دم الحيض أسود، فإذا رأته المرأة لم تصلِّ ووجب الانقياد لذاك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض لها حكم الحيض ما لم يأت نص ولا إجماع في دم أسود ليس حيضًا، فقد صح النص بأنه يكون دمًا أسود وليس حيضًا، لم يوقت لنا في أكثر عدة الحيضة من شيء فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يومًا وقلنا فذلك وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الأسود هذه المدة لا مزيد فأقل وكان ما زاد على ذلك إجماعًا متيقنًا أنه ليس حيضًا
(3)
.
واعترض عليه بما قاله ابن تيمية: اسْمُ الْحَيْضِ عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ
(4)
.
وهذا هو القول الراجح، ومع ذلك إذا أطبق على المرأة الحيض واستمر شهرُا فهي مستحاضة؛ لأن الله تبارك وتعالى جعل عدة المرأة ذات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء فقال
(1)
الأوسط (2/ 299).
(2)
شرح البخاري (2/ 150).
(3)
المحلى المسألة: (267).
(4)
مجموع الفتاوى (19/ 237).
سبحانه وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وجعل عدة اليائسة من المحيض والصغيرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر فقال سبحانه وتعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] فجعل بإزاء كل شهر طهرًا وحيضًا، ومنه ما هو استحاضة وليس بحيض.
المطلب الثالث: أكثر الطهر:
لا حد لأكثر الطهر بالإجماع.
قال الكاساني: وَأَمَّا أَكْثَرُ الطُّهْرِ فَلَا غَايَةَ لَهُ، حَتَّى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا طَهُرَتْ سِنِينَ كَثِيرَةً فَإِنَّهَا تَعْمَلُ مَا تَعْمَلُ الطَّاهِرَاتُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي بَنَاتِ آدَمَ أَصْلٌ، وَالْحَيْضُ عَارِضٌ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْعَارِضُ يَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ طَالَ
(1)
.
المطلب الرابع: غالب الحيض:
ذهب جمهور العلماء إلى أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة
(2)
.
واستدلوا بما روى أحمد من حديث حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَثِيرَةً، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ: «وَمَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ!! قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَتَلَجَّمِي» قَالَتْ: إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ لَهَا: «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ»
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 40)، وقال ابن رشد «المقدمات» (1/ 126): وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، طال زمان ذلك أو قصر. وقال النووي «المجموع» (2/ 409): أَكْثَرَ الطهر لا حد له وَدَلِيلُهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَمِنَ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ وَمِنْ أَظْرَفِهِ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ عَنْ أُخْتِهَا أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَهِيَ صَحِيحَةٌ تَحْبَلُ وَتَلِدُ.
(2)
«المجموع» (2/ 403)، «المحرر» (1/ 27)، «المغني» (1/ 402).
(1)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ الله
…
كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ» فيه دلالة على أن من لم تستطع أن تميز دم الحيض من دم الاستحاضة أن تتحيض ستة أوسبعة أيام. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.
المطلب الخامس: زيادة أيام الحيض، أي إذا زادت أيام الحيض عن عادتها.
امرأة تحيض كل شهر ستة أيام وفي شهر استمر معها تسعة أيام أو أكثر أو أقل، فماذا تصنع في الأيام الزائدة؟
إذا كانت هذه الأيام الزائدة التي ينزل فيها الدم هو نفس صفة دم الحيض من اللون والرائحة، فالعبرة بانقطاع الدم. دل على ذلك عموم قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» .
وروى مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ. فَتَقُولُ لَهُنَّ:«لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ»
(2)
.
وقال شيخ الإسلام: الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ انْتِقَالٍ، فَذَلِكَ حَيْضٌ
(1)
أخرجه أحمد (6/ 439)، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل فيه ضعف، ومتنه يعارض ما رواه البخاري (325) في قصة فاطمة بنت أبي جحش المستحاضة وفيه قال:«وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا» فردّ المستحاضة إلى عادتها، وليس إلى عادة غالب النساء، وعلى كل حال فالحديث ضعيف.
(2)
إسناده ضعيف: رواه مالك «الموطأ» (1/ 59)، وفي إسناده أم علقمة: مقبولة.
حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ
(1)
.
وقال السعدي: المرأة إذا رأت الدم جلست فلم تُصلِّ ولم تصم، وإذا رأت الطهر البين تطهرت واغتسلت وصَلَّت، سواء تقدمت عادتها أو تأخرت، وسواء زادت مثل أن تكون عادتها خمسة أيام، وترى الدم سبعة فإنها تنتقل إليها من غير تكرار، وهذه هو الذي عليه عمل نساء الصحابة رضي الله عنه والتابعين من بعدهم
(2)
.
المطلب السادس: نقص أيام الحيض عن عادتها، أي إذا طهرت قبل تمام عادتها.
ذهب جمهورالعلماء إلى أنه إذا طهرت المرأة قبل تمام عادتها اغتسلت وصلت، ولا يُكره وطؤها،
(3)
، لعموم قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} .
وفي شرح «منتهى الإرادات» قال: (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ (زَمَنَهُ) أَيْ زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى
(4)
.
المطلب السابع: النقاء المتخلل بين الدمين أو الطهر المتخلل أيام الحيض.
امرأة حاضت ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل ثم طهرت خمسة أيام أو أكثر أو أقل ثم حاضت، فهل هذا الطهر الذي بين الحيضتين تغتسل وتصلي أم له حكم الحيض؟
اختلف أهل العلم: فمن رأى أنه إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا، فإنه يكون دم حيض كالدم المتوالي.
ومن رأى أنه إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من عشرة أيام فإنه يكون دم حيض كالدم المتوالي. وأقوال أُخر كثيرة
(5)
.
(1)
الاختيارات (ص 28).
(2)
«فقه السعدي» (1/ 338).
(3)
«المقدمات» (1/ 128)، «المجموع» (2/ 447)، «كشاف القناع» (1/ 204، 205).
(4)
«شرح منتهى الإرادات» (1/ 114).
(5)
«شرح فتح القدير» (1/ 172)، «مواهب الجليل» (1/ 369، 370)، «المجموع» (2/ 523)، «المحرر» (1/ 24).
والراجح: أن المرأة إذا رأت حيضًا ثم طهرت أيامًا ثم حاضت، ففي هذا الطهر الذي بين الحيضتين تغتسل وتصلي وتصوم فيه. دل على ذلك عموم قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ، فإذا زال الأذى ارتفع حكمه، وعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ:«أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فإنها لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَلتُصَلِّي»
(1)
، فإذا انقطع الدم ورأت القصة البيضاء أو القطنة البيضاء التي لا أثر فيها للصفرة أو الكدرة، فإنها تغتسل وتصلي، فإذا حاضت مرة ثانية فإنها تدع الصلاة، فالعبرة بوجود الحيض.
المطلب الثامن: إذا تقدمت أيام عادة المرأة أو تأخرت:
إذا كانت بداية الحيض في منتصف الشهر وتقدمت أو تأخرت، فالعبرة بوجود دم الحيض، سواء تقدم أو تأخر. قال تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} .
وفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ:«مَا يُبْكِيكِ؟» قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَالله أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ!! قَالَ: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»
(2)
.
وجه الدلالة: ما قاله ابن قدامة وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ، وَقَالَتْ:(وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ). وَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِيهَا، مَا أَنْكَرَتْهُ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا
(3)
.
(1)
إسناده صحيح: قال ابن رجب «شرح البخاري» (2/ 176): رواه الأثرم، قال أحمد: حدثنا ابن علية، ثنا خالد الحذاء عن أنس به.
(2)
«البخاري» (305)، و «مسلم» (1211).
(3)
«المغني» (1/ 435).
المطلب التاسع: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله.
حالات تعاطي المرأة دواءً يقطع حيضها وحكمها.
الحال الأول: إذا كان تعاطي المرأة دواء يقطع حيضتها من أجل صحتها جاز ذلك، جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي بمكة: أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية لإخراج الجنين، فإنه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين
(1)
.
الحال الثاني: إذا كان تعاطي المرأة دواء من أجل تنظيم الحمل.
إذا كان الحامل على ذلك كون المرأة يتتابع حملها، وتريد أن تباعد بين فترات الحمل لتتمكن من القيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها، وكان ذلك برضا الزوج وكان الدواء المتعاطى لا ضرر فيه على صحة المرأة، ولا يتسبب في منع الحمل مستقبلًا، وكان ذلك مبينًّا على خبر طبيب ثقة، والمقصود بالثقة أن يكون قويًّا بعمله أمينًا فيه غير متهم، ولا يكون في هذا الدواء عدوان على حمل قائم فلا بأس
(2)
.
روى البخاري عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:«كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» .
الحال الثالث: إذا كان الحامل على منع الحيض منع الولد خوف الفقر، فهذا لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31]، ولأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
الحال الرابع: استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو في الحج لإتمام النسك.
(1)
وانظر «موسوعة الطهارة» (6/ 271 - 282).
(2)
«موسوعة الطهارة» (6/ 272).
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟
فأجابت: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرها ولا يؤثر على جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان وشرع لها قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا
(1)
.
قلت: إذا كانت المرأة في الحج وخشيت من نزول دم الحيض عليها فيمنعها من إتمام نسكها، أو تتخلف عن رفقتها، فلا حرج عليها في استعمال دواء يمنع الحيض لإتمام النسك، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ امْرَأَةٍ تَحِيضُ يُجْعَلُ لَهَا دَوَاءٌ فَتَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا، وَهِيَ فِي قُرْئِهَا كَمَا هِيَ تَطُوفُ؟ قَالَ:«نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ فَإِذَا هِيَ رَأَتْ خُفُوقًا وَلَمْ تَرَ الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ فَلَا»
(2)
.
الحال الخامس: إذا كان منع الحيض لقطع النسل مطلقًا، فهذا يحرم.
وقد نص المجمع الفقهي المنعقد بالكويت على ذلك فقال:
أولًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يسمى ب «الإعقام» أو «التعقيم» ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.
ثانيًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا، بحَسَب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراضٍ، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، ولا يكون فيها عدوان على حمل قائم، والله أعلم.
(1)
«فقه النوازل» (2/ 308).
(2)
إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (1219).
المطلب العاشر: هل الصفرة والكدرة
(1)
في بداية الحيض تُحسب من أيام الحيض؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر ليس بحيض. وهو المشهور من مذهب الحنفية وبعض المالكية والحنابلة
(2)
.
أما الدليل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، فما رواه مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسِاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ
(3)
.
وأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا بعد الطهر فما رواه أبو داود بإسناد صحيح عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا»
(4)
.
القول الثاني: أن الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، وهو مذهب مالك، وهو الوجه الصحيح عند الشافعية
(5)
.
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كُنَّا فِي حِجْرِهَا مَعَ بَنَاتِ ابْنَتِهَا، فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَطَّهَّرُ، ثُمَّ تُصَلِّي، ثُمَّ تُنَكَّسُ بِالصُّفْرَةِ الْيَسِيرَةِ، فَتَسْأَلُهَا فَتَقُولُ:«اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ مَا رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، حَتَّى لَا تَرَيْنَ إِلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا»
(6)
.
(1)
أقسام الدم: أسود، وأحمر، وأصفر، وأكدر.
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 39)، «مواهب الجليل» (1/ 264)، «كشاف القناع» (1/ 213).
(3)
إسناده ضعيف: أخرجه مالك «الموطأ» (1/ 59).
(4)
أخرجه أبو داود (307)، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن قتادة عن أم الهزيل حفصة بنت سيرين عن أم عطية به.
(5)
«المدونة» (1/ 152)، «الاستذكار» (3/ 193)، «المجموع» (2/ 421).
(6)
إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 90) من طريق محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند الدارمي (861). وقد أنكر هشام بن عروة أن يكون ابن إسحاق سمع من زوجته فاطمة بنت المنذر، وقد رد الذهبي على هذا فقال: وما يدري هشام بن عروة فلعله سمع منها في المسجد أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب. كما في «الميزان» (3/ 471).
القول الثالث: أن الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقًا. وهو قول ابن حزم
(1)
.
وروى البخاري عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ:«كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا»
(2)
.
والراجح: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، حتى ترى الجفوف أو القَصَّة البيضاء، وأن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بحيض. والله أعلم.
المطلب الحادي عشر: في المبتدأة، تعريفها، وأقسامها.
تعريف المبتدأة: هي من كانت في أول حيض ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك.
أقسام المبتدأة: تنقسم المبتدأة إلى ثلاثة أقسام:
الأَوْل: أن يأتيها الدم ويتجاوز أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره، فإذا نزل بالمبتدأة دم فهذا حيض فإذا انقطع دمها اغتسلت وصلت ما لم تتجاوز أكثر الحيض عند الجمهور
(3)
. لعموم قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} فإذا وجد دم الحيض بصفاته فله حكمه لأنه دم جبلة.
الثاني: أن يتجاوز الدم أكثر الحيض:
هذه المسألة سبقت في أكثر الحيض، فمن العلماء من قال: تجلس عشرة أيام ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جاريًا. ومن العلماء من قال: تمكث خمسة عشر يومًا ثم تغتسل وتصلي. ومن العلماء من قال: تمكث يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي؛ لأنه أقل الحيض وما زاد فهو مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضًا. ومن العلماء من قال: تمكث ستًّا أو سبعًا، وهو غالب
(1)
«المحلى» (المسألة 266).
(2)
«البخاري» (326).
(3)
«البحر الرائق» (1/ 225)، «المدونة» (1/ 151)، «الحاوي» (1/ 406)، «المبدع» (1/ 276).
عادة النساء.
والراجح: أنه لا حد لأكثر الحيض ما دام هو بصفته ما لم يطبق شهرًا، أما إذا تغيرت صفات الدم وكان لا يشبه دم الحيض فهو استحاضة من حين تغيره، والله أعلم.
الثالث: أن ينزل عليها دم الحيض وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض بل هو دم فساد، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة
(1)
.
وذهب المالكية
(2)
إلى أنه يعتبر حيضًا ولو دفعة.
متى تثبت للمبتدأة عادة؟
اختلف أهل العلم في ثبوت العادة للمبتدأة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تثبت العادة بمرة للمبتدأة. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب المالكية، والمشهور عند الشافعية
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ 29} [الأعراف] فسمى الثاني عودًا وهو لم يسبق إلا مرة واحدة
(4)
.
القول الثاني: تثبت العادة بمرتين. وهو قول أبي حنيفة ووجه للشافعية ورواية في مذهب الحنابلة
(5)
.
قال ابن قدامة: الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنِ الْمُعَاوَدَةِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ
(6)
.
(1)
«البحر الرائق» (1/ 202)، «المجموع» (1/ 402)، «المغني» (1/ 388).
(2)
«المدونة» (1/ 152).
(3)
«تبيين الحقائق» (1/ 64)، «حاشية الدسوقي» (1/ 169)، «المجموع» (2/ 433).
(4)
«موسوعة الطهارة» (6/ 224).
(5)
«بدائع الصنائع» (1/ 42)، «المجموع» (2/ 443)، «الفروع» (1/ 269).
(6)
«المغني» (1/ 397).
وقال الشوكاني: قد تقرر في كتب اللغة أن العادة مأخوذة (من عاد إليه يعود: إذا رجع) فدل ذلك على أنه لا يقال عادة إلا لما تكرر، وأقل التكرر يحصل بمرتين
(1)
.
القول الثالث: تثبت العادة بثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة
(2)
.
والراجح: أن المبتدأة التي جاءتها العادة مرة ثم في المرة الثانية إن استحاضت، فلها أن ترجع إلى عادتها الأَولى وتمكث نفس عدد الأيام، والله أعلم.
* * *
الفصل الثاني صفة الغسل من الحيض
وفيه تمهيد وأربعة مباحث
تمهيد بين يدي الغسل من الحيض وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نجاسة دم الحيض.
المطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟
المطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟
المطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض.
صفة الغسل من الحيض وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض.
المبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض.
المبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض.
المبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة.
صفة الغسل من الحيض
ويشتمل على تمهيد ومباحث
تمهيد: بين يدي الغسل من المحيض
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نجاسة دم الحيض.
قال الشوكاني: واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين.
المطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُزال دم الحيض النجس إلا بالماء، وبه قال بعض الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
(1)
.
واستدلوا بالكتاب والسنة.
أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} .
وجه الدلالة: ما قاله النووي
(2)
: ذَكَرهُ سبحانه وتعالى امْتِنَانًا، فَلَوْ حَصَلَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَحْصُلِ الِامْتِنَانُ.
أما السنة: فهو ما ورد في الصحيحين: من حديث أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ:«تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ»
(3)
.
(1)
«بدائع الصنائع» (1/ 83)، «المقدمات لابن رشد» (1/ 86)، «مغني المحتاج» (1/ 17، 18)، «الإنصاف» (1/ 309).
(2)
«المجموع» (1/ 143).
(3)
«البخاري» (227)، و «مسلم» (291).
وفي الصحيحين: من حديث أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ
(1)
.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» .
فكل هذه الأحاديث وغيرها تدل على أن طهارة النجاسة لا تكون إلا بالماء.
القول الثاني: أن النجاسة تُزال بأي مزيل طاهر، وهو المشهور من مذهب الحنفية وهو قول ابن تيمية
(2)
.
واستدلوا بحديث سَلْمَانَ وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ
(3)
. فدل ذلك على إزالة النجاسة بالأحجار، وهذا فيه دلالة على أنه لا يتعين إزالة النجاسة بالماء.
وروى أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ:«لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ:«إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا»
(4)
. فدل ذلك على تطهير النعلين بالتراب، وهذا دلالة على عدم تعين الماء في إزالة النجاسة.
وروى أحمد عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ «فَهَذِهِ بِهَذِهِ»
(5)
.
(1)
«البخاري» (219)، و «مسلم» (284).
(2)
«بدائع الصنائع» (1/ 83)، و «مجموع الفتاوى» (21/ 610، 611).
(3)
«مسلم» (262).
(4)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (3/ 20).
(5)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (6/ 435).
فدل ذلك على تطهير ثوب المرأة بالتراب وهو تطهير بغير الماء.
الراجح: أن النجاسة تُزال بأي مزيل فالنجاسة عين خبيثة فإذا زالت بأي مزيل طهرت وجد، والله أعلم.
المطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟
لا يجب التكرار في غسل النجاسات، ففي الصحيحين من حديث أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ:«تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ»
(1)
.
وفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي»
(2)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: «فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ» أمر بالغسل ولم يحدد عددًا معينًا، ولو كان العدد معتبرًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أنه لا يُشترط عدد معين إلا في غسل الكلب فإنه يغسل سبع مرات لأن النص ورد فيه.
المطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض:
اختلف أهل العلم في علامة الطهر عند الحائض:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا انقطع دم الحائض ورأت الجفوف فقد طهرت، وبه قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} وهو انقطاع الدم، فإذا رأت الجفاف فقد طهرت.
(1)
«البخاري» (227)، و «مسلم» (291).
(2)
«البخاري» (228)، و «مسلم» (333).
(3)
«في نيل المآرب» (1/ 108): وإن طهرت أثناء عادتها طهرًا خالصًا لا تتغير معه القطنة إذا احتشتها، ولو أقل مدة فهي طاهرة، تغتسل وتصلي، وتفعل ما تفعله الطاهرات.
وذهب الإمام مالك إلى أن المرأة إذا رأت القَصة البيضاء فقد طهرت، وإذا كانت ممن لا يرى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف
(1)
.
روى مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ. فَتَقُولُ لَهُنَّ:«لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ»
(2)
، تُرِيدُ بِذلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ.
واختلف العلماء في معنى القصة البيضاء على قولين:
القول الأول: ما قاله الحافظ: هِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَدْفَعُهُ الرَّحِمُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، قَالَ مَالِكٌ: سَأَلْتُ النِّسَاءَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُنَّ يَعْرِفْنَهُ عِنْدَ الطُّهْرِ
(3)
.
القول الثاني: أن معنى القَصة البيضاء أن تخرج القطنة بيضاء ليس فيها شيء من الصفرة والكدرة، فيكون ذلك علامة نقائها وطهرها.
والراجح: أن النساء على قسمين: قسم ترى السائل الأبيض عند الطهر فتنتظر حتى تراه، وقسم من النساء لا ترى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف. والله أعلم.
* * *
(1)
«المدونة» (1/ 50، 51) قال: إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا أَظْهَرَتْ اغْتَسَلَتْ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ فَحِينَ تَرَى الْقَصَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَرَى الْقَصَّةَ فَحِينَ تَرَى الْجُفُوفَ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
(2)
«الموطأ» (1/ 95).
(3)
«فتح الباري» شرح حديث (320).
صفة الغسل من الحيض
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض.
قال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ
(1)
.
وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
فلا يجوز إتيان الحائض إلا بشرطين:
الأول: انقطاع الدم؛ لعموم قوله تعالى: {الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} .
الثاني: الاغتسال بعد انقطاع الدم لعموم قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} . وروى البخاري من حديث عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ:«لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»
(2)
.
المبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض.
اختلف العلماء في حكم النية في الغسل من المحيض على قولين:
القول الأول: أن النية شرط في صحة الغسل من المحيض، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا
…
}.
(1)
«المجموع» (2/ 168).
(2)
«البخاري» (325)، وفي الصحيحين بلفظ:«فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» .
(3)
«حاشية الدسوقي» (1/ 93)، «المجموع» (1/ 355)، «المغني» (1/ 156).
وجه الدلالة: {إِذَا قُمْتُمْ} وهذا يكون بالنية، إلى قوله:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} . فدل ذلك على أن النية شرط في صحة الغسل.
وفي الصحيحين من حديث عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» .
وفي الحديث نفي أن يكون هناك عمل شرعي بدون نية.
القول الثاني: أن النية سُنة في الغسل من المحيض، وهو مذهب الحنفية
(1)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في غسل الجنابة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» .
«إِنَّمَا يَكْفِيكِ» هذا حصر ولو كانت النية واجبة لذُكْرت.
والراجح: قول الجمهور، أي أن النية شرط في صحة الغسل، وأمر النية سهل ويسير ومجبول عليه الإنسان، فلا يحتاج إلى تطويل حتى ذُكر أن الإنسان إذا أراد أن يفعل الشيء بدون نية فهذا فعل ما لا يطاق، ولذا فإن فعل جميع المسلمين صحيح في الغسل والصلاة والصوم وغيرذلك من حيث النية، والله أعلم.
المبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض، أو: هل تسمي لغسل الحيض أم لا؟
اختلف أهل العلم في ذلك:
فذهب الحنفية والشافعية
(2)
إلى استحباب التسمية قبل غسل الحيض.
واستدلوا بما روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْر الله، فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ»
(3)
.
(1)
«شرح فتح القدير» (1/ 32)، «البحر الرائق» (1/ 24)، «بدائع الصنائع» (1/ 19).
(2)
«مراقي الفلاح» ص (43)، «بدائع الصنائع» (1/ 35)، «المجموع» (2/ 210).
(3)
ضعيف: أخرجه أحمد (2/ 359)، وقد سبق تخريجه.
وذهب الحنابلة إلى أنه تجب التسمية قبل غسل المحيض
(1)
.
واستدلوا بأنه لما كان التسمية واجبة في الطهارة الصغرى عندهم وجبت في الكبرى لأنها صغرى وزيادة.
وذهب بعض العلماء إلى أن التسمية لا تُشرع؛ لأنه لم ينقل في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم ذِكْر التسمية، ولو كانت التسمية واجبة أو مستحبة لذُكرت، وما كان ربك نسيًّا.
المبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة.
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الوضوء في غسل الجنابة.
قال الحافظ: قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَة غيرُ وَاجِب
(2)
.
وقال ابن عبد البر لِأَنَّ الله عز وجل إِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ عز وجل: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أيضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّهُ أَعُونُ عَلَى الْغُسْل
(3)
.
ودل على ذلك عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي أصابته الجنابة: «خذ هذا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْك» . ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن الواجب تعميم البدن بالماء، وأن الوضوء سنة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في غسل الجنابة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» . ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم: (وإنما) تفيد الحصر، فدل ذلك أن الواجب هو إفاضة الماء وتعميم الجسد.
(1)
«الإنصاف» (1/ 257)، «كشاف القناع» (1/ 154).
(2)
«فتح الباري» شرح حديث (259).
(3)
«فتح البر بترتيب التمهيد» (3/ 415)، وذهب الظاهرية إلى أن الوضوء واجب، واستدلوا بما ورد في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر الوضوء، واعترض عليه بأن هذا على الاستحباب.
الفصل الثالث
ما يحرم على الحائض
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: الصلاة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تحرم الصلاة على الحائض بالإجماع.
المطلب الثاني: هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة وتجلس في مصلاها تذكر
الله وتسبحه مقدار الصلاة؟
المطلب الثالث: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت وهي لم تصلِّ، فهل تقضي هذه الصلاة؟
المبحث الثاني: الصوم، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: يحرم على الحائض الصوم بالإجماع.
المطلب الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان فهل يجب عليها إمساك بقية اليوم؟
المطلب الثالث: في صحة صوم المرأة إذا طهرت من الحيض قبل الفجر واغتسلت بعد الفجر.
المطلب الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم حاضت في ذلك اليوم، هل تسقط الكفارة؟
المبحث الثالث: تحريم وطء الحائض، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها.
المطلب الثاني: إذا جامع الرجل امرأته وهي حائض فهل تجب عليه كفارة؟
المبحث الرابع: يحرم الطواف على الحائض.
الفصل الثالث ما يحرم على الحائض
المبحث الأول الصلاة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تحرم الصلاة على الحائض بالإجماع.
قال ابن رجب: وقد حكى غير واحد مِنْ الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة
(1)
.
وقال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَنِ الْحَائِضِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِ
(2)
.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟»
(3)
.
والأدلة على تحريم الصلاة على الحائض متوافرة.
المطلب الثاني: هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة وتجلس في مصلاها تذكر الله وتسبحه مقدار الصلاة؟
قال النووي: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ وُضُوءٌ وَلَا تَسْبِيحٌ وَلَا ذِكْر فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: الْأَوْزَاعِيُّ
(1)
«شرح ابن رجب للبخاري» (2/ 131).
(2)
«الأوسط (2/ 202)، وقد نقل الإجماع النووي «المجموع» (2/ 383، 384)، والطبري وغيرهم كثير.
(3)
«البخاري» (304)، و «مسلم» (80).
وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ، حَكَاهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ
(1)
.
وقال ابن نجيم من الحنفية: وَأَمَّا أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَقْعُدَ فِي مُصَلَّاهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ
(2)
.
واستدلوا بما روى الطبراني: من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَدَ الْعَبَّاسَ ذَوْدًا مِنْ إِبِلٍ فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ فَبِتُّ عِنْدَهُ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَنَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ كَثِيرٍ فَتَوَسَّدْتُ الْوِسَادَةَ الَّتِي تَوَسَّدَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَامَ عليه السلام فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَأَقَلَّ هِرَاقَةَ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ فَافْتَتَحَ وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ حَائِضًا، فَقَامَتْ فَتَوَضَّأَتْ ثُمَّ قَعَدَتْ خَلْفَهُ تَذْكُر الله
(3)
.
واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن رجب: وقد استحب طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله عز وجل بمقدار تلك الصلاة
(4)
.
فعن الحسن يقول في الحائض: تتوضأ عند كل صلاة وتذكر الله
(5)
.
عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - فِي الْحَائِضِ تُنَظِّفُ وَتَتَّخِذُ مَكَانًا فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاة تَذِكْر اللَّهَ فِيهِ
(6)
.
ورُوي عن عقبة بن عامر وأبي جعفر محمد بن علي ولا يصح عنهما.
قال ابن رجب: وأنكر ذلك أكثر العلماء.
روى ابن أبي شيبة بسند صحيح: قِيلَ لِأَبِي قِلَابَةَ: الْحَائِضُ تَسْمَعُ الْأذَانَ فَتَوَضَّأُ وَتُكَبِّرُ
(1)
«المجموع» (2/ 380).
(2)
«البحر الرائق» (1/ 203).
(3)
ضعيف: أخرجه الطبراني «مسند الشاميين» (734)، وفي إسناده: أيوب الرملي: ضعيف.
(4)
«شرح البخاري» (2/ 130).
(5)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 129).
(6)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 128).
وَتُسَبِّحُ؟ قَالَ: «قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَمَا وَجَدْنَا لَهُ أَصْلًا»
(1)
.
قال النووي: إذَا قَصَدَتِ الطَّهَارَةَ تَعَبُّدًا مَعَ عِلْمِهَا بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَتَأْثَمُ بِهَذَا لِأَنَّهَا مُتَلَاعِبَةٌ بِالْعِبَادَةِ، فَأَمَّا إمْرَارُ الْمَاءِ بِغَيْرِ قَصْدِ الْعِبَادَةِ فَلَا تَأْثَمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الحائِضَ إذا أَمْسَكَتْ عَنِ الطَّعَامِ بِقَصْدِ الصَّوْمِ أَثِمَتْ وَإِنْ أَمْسَكَتْ بِلَا قَصْدٍ لَمْ تَأْثَمْ
(2)
.
والراجح: أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذِكْر في أوقات الصلاة، ولكن يستحب لها الإكثار من ذِكْر الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة:«افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» . وتفعل الحائض كل شيء من ذِكْر لله ورمي وسعي وغيره من أفعال الحج إلا الطواف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه فدل ذلك على الإكثار من ذِكْر الله للحائض وغير ذلك من العبادات التى لا يشترط له الطهارة، والله أعلم.
المطلب الثالث: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت وهي لم تصلِّ، فهل تقضي هذه الصلاة؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على خمسة أقوال:
القول الأول: أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت لا يجب عليها القضاء، وهو قول الحنفية، ورواية عند المالكية وبعض الشافعية
(3)
.
قال ابن حزم: بُرْهَانُ قَوْلِنَا هُوَ أَنَّ الله تَعَالَى جَعَلَ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا مَحْدُودًا أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَفِي آخِرِ وَقْتِهَا، فَصَحَّ أَنَّ الْمُؤَخِّرَ لَهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا لَيْسَ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ عليه السلام لَا يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ، فَإِذًا هِيَ لَيْسَتْ عَاصِيَةً فَلَمْ تَتَعَيَّنِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا بِعُدُولِهَا تَأْخِيرَهَا، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهَا حَتَّى حَاضَتْ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَكَانَ مَنْ صَلَّاهَا بَعْدَ مُضِيِّ مِقْدَارِ تَأْدِيَتِهَا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا قَاضِيًا لَهَا لَا مُصَلِّيًا، وَفَاسِقًا بِتَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَمُؤَخِّرًا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ
(4)
.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 128).
(2)
«المجموع» (2/ 382).
(3)
«المبسوط» (2/ 14، 15)، «فتح البر بترتيب التمهيد» (4/ 110)، «المجموع» (1/ 71).
(4)
«المحلى» (2/ 175).
القول الثاني: إذا حاضت المرأة قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، ولم تكن صلت العصر، وكذا لو حاضت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة، فإنها تجب عليه بعد ما تطهر، وكذا باقي الصلوات. وهو المشهور من مذهب المالكية
(1)
.
واستدلوا بما روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ»
(2)
. فإذا حاضت المرأة قبل الوقت بأقل من ركعة ولم تُصَلِّ الوقت، وجب عليها إذا طهرت أن تقضي هذا الوقت، أما إذا حاضت والباقي من الوقت مقدار ركعة أو أكثر فإنها تسقط الصلاة عنها، وذلك بأنه إذا بقي من الوقت مقدار ركعة، فقد حصل لها العذر فسقطت، وإن بقي أقل من ركعة ولم تصلِّ فهذه الصلاة في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت.
القول الثالث: إن أدركت من الوقت مقدارًا يسع تلك الصلاة، ولم تكن صلت وجب عليها القضاء إذا طهرت، وإن كان أقل من ذلك لم يجب ذلك. وهو مذهب الشافعية
(3)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} فهذا في أول الوقت {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] فهذا آخر الوقت.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ اللهِ»
(4)
. دل ذلك أن الوجوب من أول الوقت إلى آخره.
واعترض عليه بأن الحديث موضوع.
القول الرابع: أن الحائض إذا أدركت من الصلاة قدر تكبيرة الإحرام وجب عليها
(1)
«منح الجليل» (1/ 189)، «حاشية الخرشي» (1/ 221).
(2)
«البخاري» (579).
(3)
«المجموع» (3/ 71)، «مغني المحتاج» (1/ 132).
(4)
موضوع: أخرجه الترمذي (172)، وفي إسناده: يعقوب بن الوليد، كان يضع الحديث.
القضاء. وهو قول الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روى البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْر قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ»
(2)
.
وجه الدلالة: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً» ، أي مقدار السجدة، وهي جزء يسير من الوقت قد يقارب تكبيرة الإحرام.
واعترض عليه بأن المراد بالسجدة هنا الركعة، فروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا»
(3)
وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ.
وفي الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ {، قَالَ:«صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِه»
(4)
.
والمراد بسجدتين: ركعتين. قال القرطبي: أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة
(5)
.
القول الخامس: لا قضاء على المرأة إذا حاضت في وقت الصلاة.
واستدلوا بأن هذا الفعل مما عمت بها البلوى وهو متواجد في النساء، ولو كان أداء الصلاة واجبًا لبينه صلى الله عليه وسلم لأمته.
والراجح في هذه المسألة: أن المرأة إذا حاضت في الوقت قبل أن تصلي فإذا طهرت تقضي هذا الوقت، وهذا أبرأ للذمة وأحوط للدين والله أعلم.
(1)
«الفروع» (1/ 306)، «المحرر» (1/ 29).
(2)
«البخاري» (556).
(3)
«مسلم» (609).
(4)
«البخاري» (1172)، و «مسلم» (104 - 729).
(5)
«المفهم» (2/ 227).
المطلب الرابع: إذا طهرت الحائض قبل المغرب بربع ساعة ثم اغتسلت فلم تنته إلا بعد أذان المغرب فهل تصلي العصر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يجب عليها صلاة العصر؛ لأنها طهرت من الحيض، فكما أنها لو طهرت قبل الفجر في ليالي رمضان ثم اغتسلت بعد الفجر أنه يصح صومها، فكذا الصلاة، وهو قول عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة
(1)
.
القول الثاني: أنه لا يجب عليها القضاء. وهو قول المالكية وقول عند الشافعية
(2)
.
قال ابن حزم: فَإِنْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِمِقْدَارِ مَا لَا يُمْكِنُهَا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَلَا تَلْزَمُهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. ثم قال: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا أنَّ الله عز وجل لَمْ يُبِحِ الصَّلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ، وَقَدْ حَدَّ اللهُ تَعَالَى لِلصَّلَوَاتِ أَوْقَاتَهَا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّهُورُ وَفِي الْوَقْتِ بَقِيَّةٌ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تُكَلَّفْ تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي لَمْ يَحِلَّ لَهَا أَنْ تُؤَدِّيَهَا فِي وَقْتِهَا
(3)
.
والراجح: أن تلك الصلاة تجب عليها لأنها لو طهرت قبل الفجر من المحيض ثم اغتسلت بعد الفجر فإنه يصح صومها، فكذا الصلاة فقد تطهر قبل انقضاء وقت الصلاة ثم تغتسل بعد انتهاء وقتها فعليها القضاء، والله أعلم.
المبحث الثاني: الصوم،
وفيه مطالب:
المطلب الأول: يحرم على الحائض الصوم.
قال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ على أنَّ الحائضَ والنفساءَ لا تَجبُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَلَا الصَّوْمُ فِي الْحَالِ
(4)
.
(1)
«المجموع» (3/ 67)، «الإنصاف» (1/ 442).
(2)
«منح الجليل» (1/ 186، 187)، «المهذب» (1/ 60).
(3)
«المحلى» مسألة (259).
(4)
«شرح مسلم» (1/ 637).
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» .
وتقضي الحائض الصوم بالإجماع. روى مسلم عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟! فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ:«كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» .
المطلب الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان، فهل يجب عليها إمساك بقية النهار؟
إذا طهرت الحائض أثناء النهار فلا يجب عليها إمساك بقية يومها؛ لأن أقل الصوم يوم، فإذا جاز لها الأكل أول النهار جاز لها آخره.
وكيف تكلف بإمساك يوم أفطرت في أوله وسوف تقضيه؟!
(1)
.
المطلب الثالث: المرأة تطهر من الحيض قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.
ذهب جمهور العلماء إلى أن صومها صحيح.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
…
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} [البقرة: 187] أن الله أباح المباشرة حتى طلوع الفجر، فالغسل يكون بعد الفجر.
وعن أم سلمة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ لَا مِنْ حُلُمٍ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي» ، وفي رواية:«يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ» .
قال سحنون: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى الطُّهْرَ فِي آخِرِ لَيْلَتِهَا مِنْ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: إنْ رَأَتْهُ قَبْلَ الْفَجْرِ اغْتَسَلَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَصِيَامُهَا مُجْزِئٌ عَنْهَا
(2)
.
وقال ابن المنذر: وإذا أصبح المرء جنبًا، أو كانت امرأة حائضًا فطهرت آخر الليل ثم
(1)
وقد توسعت في هذا البحث في كتاب: «الجامع العام في فقه الصيام» ص 58.
(2)
«المدونة» (1/ 207)، و «الخرشي» (2/ 247).
أصبحا صائمين يغتسلان
(1)
.
المطلب الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم، هل تسقط الكفارة؟
إذا جامع الرجل امرأته في رمضان وهي طاهرة برضاها ثم نزل الحيض هل عليه الكفارة؟
ذهب بعض الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية والحنابلة إلى أن المرأة إذا جومعت في رمضان برضاها ثم نزل عليها الحيض أنه تجب عليها الكفارة
(2)
، واستدلوا بأن الحيض طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها كالسفر، ولأنه أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه كما لو لم يطرأ عذر
(3)
.
وذهب الحنفية وقول عند الشافعية إلى أن لا كفارة عليها
(4)
.
واستدلوا بأن الحيض لما نزل عليها في ذلك اليوم الذي جومعت فيه أسقط عنها الكفارة؛ لأنه يجب عليها قضاؤه.
واعترض عليه: بأن الحيض نزل عليها بعدما استقرت في ذمتها الكفارة.
الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن المرأة إذا جومعت برمضان برضاها ثم نزل عليها الحيض أنها تجب عليها الكفارة، والله أعلم.
المبحث الثالث: الطواف للحائض،
وفيه مطالب:
المطلب الأول: يحرم على الحائض الطواف.
اتفق العلماء على أنه لا يصح طواف الحائض.
(1)
«الإقناع» (1/ 194).
(2)
«المبسوط» (3/ 75)، «الخرشي» (2/ 257)، «روضة الطالبين» (1/ 379)، «كشاف القناع» (2/ 326).
(3)
«المغني» (4/ 378).
(4)
«شرح فتح القدير» (1/ 337)، «المجموع» (6/ 340).
قال النووي: وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا طَوَافٌ مَفْرُوضٌ وَلَا تَطَوُّعٌ وَأَجْمَعُوا أن الحائض والنفساء لا تمنع من شئ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ
(1)
.
قال ابن عبد البر: الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا
(2)
.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» .
المطلب الثاني: في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة.
أجمع العلماء على صحة إحرام الحائض والنفساء، وأن الحيض والنفاس لا يمنع صحة الإحرام
(3)
.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» مع أن عائشة حائض، فهذا دليل على صحة إحرام الحائض، ومثل ذلك النفساء.
المطلب الثالث: في المرأة إذا اضطرت للطواف وهي حائض.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يصح طواف الحائض وإن كانت لا تستطيع البقاء في مكة حتى تطهر، وبه قال المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة
(4)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» .
القول الثاني: أن المرأة الحائض إذا اضطرت أن تخرج من مكة قبل الطهر فإنها تجبر بدم
(1)
«المجموع» (2/ 386).
(2)
«التمهيد» (17/ 265)، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن رشد «بداية المجتهد» (2/ 59 - 60)، وابن تيمية «مجموع الفتاوى» (26/ 206)، وابن حزم «المحلى» مسألة 254، وغيرهم.
(3)
حكى الإجماع ابن عبد البر «التمهيد» (19/ 315)، و «شرح مسلم» (8/ 187).
(4)
«مواهب الجليل» (3/ 76)، «الحاوي» (1/ 384)، «المغني» (5/ 223).
شاة أو بدنة لأنه الطهارة عندهم واجبة وليست بشرط. وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد
(1)
.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} [الحج].
قال السرخسي: قال الله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا} وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّوَرَانِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُحْدِثِ وَالطَّاهِرِ، فَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِيهِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَمِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالنَّصِّ فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَيَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَا يُوجِبَ عِلْمَ الْيَقِينِ، وَالرُّكْنِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِمَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ، فَأَصْلُ الطَّوَافِ رُكْنٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَالطَّهَارَةُ فِيهِ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَكُونُ مُوجِبُ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ فَلَمْ تَصِرْ الطَّهَارَةُ رُكْنًا، وَلَكِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالدَّمُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبَاتِ فِي بَابِ الْحَجِّ
(2)
.
واعترض عليه بأن خبر الواحد يوجب العلم ويعمل به، ولو قلنا بأن خبر الواحد لا يُقبل فإن كثير من أحكام الشريعة تضيع.
القول الثالث: أن المرأة إذا عجزت عن الطهارة صح طوافها. وهو قول ابن تيمية وابن القيم.
واستدلوا بعموم قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
(3)
.
وروى البخاري: عَنْ عِمْرَانَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ:«صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»
(4)
.
(1)
«بدائع الصنائع» (2/ 129)، «الفروع» (3/ 502).
(2)
«المبسوط» (4/ 38).
(3)
«البخاري» (7288)، و «مسلم» (1337).
(4)
«البخاري» (1117).
قال ابن القيم: وَلَا رَيْبَ أَنَّ وُجُوبَ الطَّهَارَةِ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِهَا فِي الطَّوَافِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِلَا طَهَارَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ بَاطِلَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعُرْيَانِ، وَأَمَّا طَوَافُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ وَالْعُرْيَانِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَإِنْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَالِ
(1)
.
وقال ابن القيم في موضع آخر: ثَبَتَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَلَا بَيْنَ زَمَنِ إمْكَانِ الِاحْتِبَاسِ لَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ وَبَيْنَ الزَّمَنِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ النَّصِّ.
المطلب الرابع: يباح للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة.
قال النووي: وأجمعوا على أن الحائض والنفساء لا تُمنع من شيء من مناسك الحج إلى الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره.
قلت: فدل هذا الإجماع على أن الحائض لا تمنع من السعي بين الصفا والمروة.
وفي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» .
فدل ذلك على أن الحائض لا تمنع من المناسك إلا الطواف.
قال ابن حزم: وَلَهَا أَنْ تَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْهَ إلَّا عَنِ الطَّوَافِ [بِالْبَيْتِ] فَقَطْ
(2)
.
وقد يشكل أنه كيف نقل الإجماع على جواز سعي الحائض بين الصفا والمروة وورد حديث يخالف ذلك؟!. فعن عائشة أنها قالت: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ
(1)
«إعلام الموقعين» (3/ 21).
(2)
«المحلي» (7/ 180).
أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى تَطْهُرِي».
واعترض عليه بأن زيادة: «وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» شاذة،
(1)
ولا تصح.
المطلب الخامس: في المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج.
القول الأول: أن المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج، فإنها تُدخل الحج على العمرة فتصير قارنة وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا بما روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ
(3)
.
وروى مسلم من حديث جابر وفيه أن عائشة قالت: قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ، فَقَالَ:«إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ!!» فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ:«قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا»
(4)
.
(1)
رواها يحيى بن يحيى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به، وخالف يحيى جماعة فرووه بدون زيادة:«وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» منهم:
عبد الله بن يوسف عند البخاري (1650)، والشافعي في «مسنده» (1/ 369).
وخالد بن مخلد عند الدارمي (1846)، ومحمد بن الحسن الشيباني «الموطأ» (465). وأبو بكر بن مصعب «الموطأ» (1325)، كلهم عن مالك بغير هذه الزيادة ورواه غير مالك بدون هذه الزيادة، منهم سفيان بن عيينة عند البخاري (294)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري (294)، وحماد بن سلمة عند مسلم (1211) كلهم رووه عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة بدون زيادة «وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» فدل ذلك على أن هذه الزيادة شاذة.
(2)
«الموطأ» (1/ 411، 412)، «الأم» (2/ 143)، «الإقناع» (1/ 325).
(3)
«مسلم» (1211).
(4)
«مسلم» (1213).
قلت: فهذا يدل على أن عائشة كانت قارنة.
وقال ابن عبد البر: ولا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَبْتَدِئِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَتِهِ هَذَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
(1)
.
قال ابن قدامة: إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ، فَمَعَ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ أَوْلَى
(2)
.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، مَا لَمْ يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
من الأدلة: قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كان معه هدي أن يهل بالحج مع العمرة.
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى أن المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج عليها أن ترفض عمرتها وتهل بالحج
(3)
.
واستدلوا بأن عائشة لما شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها حائض ولم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ»
(4)
. وفي رواية: «ارْفُضِي عُمْرَتِكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ»
(5)
.
وجه الدلالة: ارْفُضِي عُمْرَتِكِ أو وَدَعِي الْعُمْرَةَ.
وأيضًا: قول عائشة: يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ.
(1)
«التمهيد» (15/ 215).
(2)
«المغني» (5/ 369).
(3)
«شرح فتح القدير» (3/ 23)، «المبسوط» (4/ 35 - 36).
(4)
«البخاري» (1556)، و «مسلم» (1211).
(5)
«البخاري» (1783).
فكل هذا يدل على أن عائشة كانت مُفْرِدة بالحج وأنها نقضت عمرتها وإن اعتمرت بعد الانتهاء من الحج وذهبت إلى التنعيم مع عبد الرحمن واعتمرت بعد ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» .
واعترض على هذه الاستدلالات من وجهين:
الوجه الأول: أعل بعض أهل العلم لفظة: ارْفُضِي عُمْرَتِكِ أو دَعِي الْعُمْرَةَ.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:«اُنْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَدَعِي الْعُمْرَةَ» . انْفَرَدَ بِهِ عُرْوَةُ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَالْقَاسِمِ، وَالْأَسْوَدِ، وَعَمْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ، وَطَاوُسٍ مُخَالِفَانِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، حَدِيثَ حَيْضِهَا، فَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا:«دَعِي الْعُمْرَة، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي» . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ
(1)
.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُخَالَفَتِهِ بَقِيَّةَ الرُّوَاةِ، يَدُلُّ عَلَى الْوَهْمِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا الْكِتَابَ وَالْأُصُولَ، إذْ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فِيهِ رَفْضُ الْعُمْرَةِ مَعَ إمْكَانِ إتْمَامِهَا.
وقال ابن القيم: تَعْلِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَرَدُّهَا بِأَنَّ عروة انْفَرَدَ بِهَا، وَخَالَفَ بِهَا سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا طَاوُوسٌ والقاسم والأسود وَغَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ
(2)
.
قلت: وقد تابع عروة القاسم كما في الموطأ؛ لأن رسول الله قال: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ»
(3)
.
الوجه الثاني: ما قاله ابن عبد البر: جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ وَدَعِي الْعُمْرَةَ وَدَعِي عَمَلَ الْعُمْرَةِ يَعْنِي الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَذَلِكَ تَأَوَّلُوا فِي رِوَايَةِ مَنْ
(1)
«المغني» (5/ 369، 370).
(2)
«زاد المعاد» (2/ 169).
(3)
«الموطأ» (1/ 410).
رَوَى وَاسْكُتِي عَنِ الْعُمْرَةِ وَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ أَيِ أمْسِكِي عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ لَا أَنَّهُ أَمْرٌ بِرَفْضِهَا وَابْتِدَاءِ الْحَجِّ وَإِنْشَائِهِ كَمَا زَعَمَ الْعِرَاقِيُّونَ
(1)
.
وقال ابن القيم: قَوْلَهُ: «دَعِي الْعُمْرَةَ» ، أَيْ دَعِيهَا، بِحَالِهَا لَا تَخْرُجِي مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَهَا، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» .
الثَّانِي: قَوْلُهُ: «كُونِي فِي عُمْرَتِكِ» . قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى رَفْضِهَا لِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ.
والحاصل: أن الجمع بين هذه الأحاديث أن عائشة أحرمت بالعمرة وأنها لم تترك العمرة بل تركت أعمالها وأدخلت الحج في العمرة، ودل على ذلك قول عائشة:«وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ» ، كما في الصحيحين.
أما الجواب عن قوله: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» ، فهو ما قاله ابن القيم: قَوْلُهُ: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» فعائشة أَحَبَّتْ أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ طَوَافَهَا وَقَعَ عَنْ حَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، وَأَنَّ عُمْرَتَهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي حَجِّهَا، فَصَارَتْ قَارِنَةً، فَأَبَتْ إِلَّا عُمْرَةً مُفْرَدَةً كَمَا قَصَدَتْ أَوَّلًا، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ، قَالَ:«هِذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ»
(2)
.
المطلب السادس: طواف الوداع يسقط عن الحائض.
قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع
(3)
.
(1)
«التمهيد» (8/ 215، 216).
(2)
«زاد المعاد» (2/ 169، 170).
(3)
نقله ابن حجر فتح الباري شرح حديث (1758)، وتتمة كلامه: وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها.
وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقي عمر فخالفنا لثبوت حديث عائشة.
وفي الصحيحينعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلاَّ حَابِسَتَكُمْ!! قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ:«فَانْفِرِي»
(1)
.
وفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ
(2)
.
المبحث الرابع: وطء الحائض،
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها.
نقل غير واحد من أهل العلم تحريم جماع الزوجة في فرجها حال الحيض، منهم ابن المنذر والنووي وابن قدامة وابن حزم والقرطبي وغيرهم كثير
(3)
.
ويحل للرجل فعل كل شيء مع امرأته من الاستمتاع والمباشرة إلا الجماع
(4)
.
روى مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ: فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ:
(1)
«البخاري» (1771)، و «مسلم» (1211).
(2)
«البخاري» (1755)، «مسلم» (1328).
(3)
انظر «الأوسط (2/ 208)، و «المجموع» (2/ 189)، و «المغني» (1/ 414)، و «الجامع لأحكام القرآن» (3/ 87)، و «مجموع الفتاوى» (21/ 624)
(4)
قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا تُكْرَهُ مُضَاجَعَةُ الْحَائِضِ وَلَا قُبْلَتُهَا وَلَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَلَا يُكْرَهُ وَضْعُ يَدِهَا في شَيْئ مِنَ الْمَائِعَاتِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُهَا رَأْسَ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ مَحَارِمِهَا وَتَرْجِيلُهُ، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَعَجْنُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصَّنَائِعِ، وَسُؤْرُهَا وَعَرَقُهَا طَاهِرَانِ وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إجماع الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ، وَدَلَائِلُهُ مِنَ السُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَأَمَّا قَوْلُ الله تَعَالَى:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} فَالْمُرَادُ: اعْتَزِلُوا وَطْأَهُنَّ وَلَا تَقْرَبُوا وَطْأَهُنَّ.
كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا
(1)
.
وروى البخاري عن عائشة قالت: وَكَانَ يَأْمُرُنِي، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ
(2)
. وفي الصحيحين من حديث أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ:«أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ
(3)
.
قال النووي: فَفِيهِ جَوَازُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَالِاضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ مُلَاقَاةِ الْبَشَرَةِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَوْ يَمْنَعُ الْفَرْجَ وَحْدَهُ عِنْدَ مَنْ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا الْفَرْجَ.
وروى الطبري: أَنَّ مَسْرُوقًا، رَكِبَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: مَا لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَتْ لَهُ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا فَرْجَهَا
(4)
.
قال ابن رجب: واحتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج مِنْ الحائض. وهي أعلم الناس بهذه المسألة، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها
(5)
.
المطلب الثاني: في كفارة من جامع امرأته وهي حائض.
من جامع امرأته وهي حائض فيجب عليه التوبة والاستغفار.
وهل تجب عليه الكفارة؟ من رأى الكفارة استدل بما روى أحمد عن ابن عباس عن النبي
(1)
مسلم (302).
(2)
البخاري (300).
(3)
البخاري (298) ومسلم (296).
(4)
إسناده صحيح: «تفسير الطبري» (4248).
(5)
«شرح ابن رجب» للبخاري (2/ 33).
صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ
(1)
.
(1)
أخرجه أحمد (1/ 230)، والنسائي (289) وابن ماجه (640) وغيرهم. ورواه (ابن مهدي وسليمان ابن حرب وبهز بن أسد ومسلم بن إبراهيم وغيرهم) عن شعبة به موقوفًا عند ابن الجارود (المنتقى)(110)، والدارمي (1106)، والبيهقي (1/ 314، 315) وقد تابع شعبة قتادة عن الحكم عن عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا به عند النسائي (الكبرى)(9104)
ورواه (سفيان بن حسين ورقبة بن مصقلة وليث بن أبي سليم ومطر الوراق) كلهم عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا به. أخرجه الطبراني (الكبير)(12130، 12131، 12132، 12133)، والبيهقي (1/ 135). وخالفهم (الأعمش وعمرو بن قيس الملائي) فروياه عن الحكم عن ابن عباس موقوفًا. رواه الدارمي (1112)، والنسائي (9100).
الطريق الثاني: خصيف عن مقسم عن ابن عباس به، واختلف على خصيف في الرفع الإرسال والوقف. وأخرجه أحمد (1/ 272) من طريق شريك عن خصيف به مرفوعًا، ورواه عبد الرزاق (1263) عن الثوري عن خصيف عن مقسم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا أتى امرأته أن يَتَصَدَّقُ نِصْفِ دِينَارٍ. فهذا مرسل ورواه عبد الرزاق (1262) عن ابن جريج عن خصيف عن مقسم مرسلًا، وهناك خلافات أخرى عن خصيف.
الطريق الثالث: عبد الكريم عن مقسم به، واختلف عليه في الوقف والرفع كما عند عبد الرزاق (1264)، وأبو داود (265) وقد اختلف في عبد الكريم هل هو ابن أبي المخارق: وهو ضعيف جدًّا أو عبد الكريم بن مالك الثقة؟ وقد اختلف على عبد الكريم في سنده ومتنه.
والحاصل أن مقسم فيه مقال ولا يتحمل مثل هذه الخلافات الكثيرة.
أما طريق عكرمة عن ابن عباس، فقد أخرجه أحمد (1/ 245) وغيره، من طريق عطاء العطار وهو متروك، فالحديث فيه خلاف كثير ولا يصح مرفوعًا عن رسول الله.
قال النووي (المجموع)(2/ 391): اتفق المحدثون على ضعف حديث ابن عباس واضطرابه. وروى موقوفًا وروى مرسلًا وألوانًا كثيرة، وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم، ولا يجعله ذلك صحيحًا، وذكره الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: هو صحيح، وهذا الذي قاله الحاكم خلاف قول أئمة الحديث، والحاكم معروف عندهم بالتساهل في التصحيح، وقد قال الشافعي في أحكام القرآن: هذا الحديث لا يثبت مثله، وقد جمع البيهقي طرقه وبيَّن ضعفها بيانًا شافيًّا، وهو إمام متقن فالصواب أنه لا يلزمه شيء، والله أعلم.
ذهب ابن حزم بأنه لا يجب على من أتى امرأة في حيضها إلا التوبة والاستغفار
(1)
. واستدلوا بما قاله ابن عبد البر: وحجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة، اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة وأن الذمة على البراءة ولا يجب أنه لا يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة
(2)
.
وأما دليلهم من المأثور بأنه لا يجب عليه إلا التوبة والاستغفار فما ورد عن أبي قلابة أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في المنام أبول دمًا قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض فاستغفر الله ولا تعد
(3)
.
واعترض عليه بأنه لم يدرك أبو قلابة أبا بكر، ولكن صح هذا المعنى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي وقال عطاء: لم أسمع فيه بكفارة معلومة فليستغفر الله
(4)
.
واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةً إِلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ اضْطِرَابُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ مِثْلَهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَأَنَّ الذِّمَّةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ، ولا يجب ان يثبت فيها شيئ لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مَدْفَعَ فِيهِ وَلَا مَطْعَنَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ
(1)
وقال ابن حزم: من وطئ حائضًا فقد عصى الله سبحانه وتعالى وفرض عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه في ذلك.
(2)
قال ابن حزم: إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام، فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا» .
(3)
ضعيف: للانقطاع بين أبي قلابة وأبي بكر، وقد رواه عبد الرزاق (1270)، والدارمي (1102) عن أيوب.
(4)
أثر ابن سيرين أخرجه عبد الرزاق (1267)، وإبراهيم عند عبد الرزاق (1268)، والقاسم عند الدارمي (1099) وعطاء عند عبد الرزاق (1269) وكل هذه الآثار أسانيدها صحيحة.
الْمَسْأَلَةِ
(1)
.
وقال ابن المنذر: فَالْكَفَّارَةُ لَا يَجُوزُ إِيجَابُهَا إِلَّا أَنْ يُوجِبَهَا اللهُ عز وجل أَوْ يُثْبَتُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَوْجَبَهَا، وَلَا نَعْلَمُ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ حُجَّةً تُوجِبُ ذَلِكَ
(2)
.
وقال ابن حزم: إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام، فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه الله من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول الرسول:«مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ»
(3)
.
المبحث الرابع: تحريم طلاق الحائض.
أجمع العلماء على أن طلاق الحائض محرم بدعي مخالف للسنة، ودل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ {: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»
(4)
.
* * *
(1)
«فتح البر بترتيب التمهيد» لابن عبد البر (3/ 466).
(2)
«الأوسط» (2/ 212).
(3)
«المحلى» مسألة (263).
(4)
«البخاري» (5251)، و «مسلم» (1471).
الفصل الرابع
الاستحاضة
وفيه ثمانية مباحث
المبحث الأول: تعريف الاستحاضة.
المبحث الثاني: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة.
المبحث الثالث: المستحاضة تعمل بالعادة أم بالتمييز؟
المبحث الرابع: حكم الاستحاضة المعتادة غير المميزة.
المبحث الخامس: المستحاضة المتحيرة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد.
المطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت.
المبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء.
المبحث السابع: شد عصابة على فرجها عند الوضوء.
المبحث الثامن: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة حدثًا أم لا؟
الفصل الرابع الاستحاضة
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: تعريف الاستحاضة:
في اللسان: الاستحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد
(1)
.
المبحث الثاني: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة:
الفرق الأول: أن دم الحيض يميل إلى السواد ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة. روى البخاري
(2)
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي.
وجه الدلالة ما قاله ابن رجب: وفي حديث عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته
(3)
.
وعن أنس بن سيرين قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي
(4)
.
قال ابن رجب: البحراني: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد
(5)
.
وروى أبو داود: عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا
(1)
لسان العرب (7/ 142).
(2)
البخاري (2037).
(3)
شرح ابن رجب للبخاري (2/ 82).
(4)
إسناده صحيح رواه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 120).
(5)
شرح ابن رجب (2/ 176).
كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ»
(1)
.
(2)
.
الفرق الثاني: أن دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَنَقُولُ: إذَا كَانَ الدَّمُ يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامٍ أَحْمَرَ قَانِئًا ثَخِينًا مُحْتَدِمًا وَأَيَّامًا رَقِيقًا إلَى الصُّفْرَةِ أَوْ رَقِيقًا إلَى الْقِلَّةِ، فَأَيَّامُ الدَّمِ الْأَحْمَرِ الْقَانِئِ الْمُحْتَدِمِ الثَّخِينِ أَيَّامُ الْحَيْضِ وَأَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ
(3)
.
الفرق الثالث: أن دم الحيض منتن الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له
(4)
.
الفرق الرابع: أن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد
(5)
.
وإن كانت هذه الفروق لا دليل عليه من الكتاب والسنة سوى أن دم الحيض يميل إلى السواد، فقد تكون هذه الصفات لدم الحيض من خلال التجربة والمشاهدة.
المبحث الثالث: المستحاضة هل تعمل بالعادة أم بالتمييز؟
اختلف أهل العلم في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين:
القول الأول: أن المستحاضة تعمل بالعادة دون التمييز، ومثاله: امرأة لها عادة معلومة سبعة أيام، ثم جاءها الدم، فجلست عدتها فإن تمادى بها فإنها تمكث سبعة أيام ثم تغتسل
(1)
ضعيف أخرجه أبو داود (304) فعروة لم يسمع من فاطمة.
(2)
رواه أبو داود بعد حديث (286).
(3)
الأم (1/ 61).
(4)
مختصر المزني (1/ 11) المبدع (1/ 274).
(5)
في موسوعة الطهارة (8/ 42): دم الحيض لا يتجلط (يتجمد) ويمكن بقاؤه سنين طويلة على تلك الحالة دون أن يتجلط، فإذا ظهر دم متجلط متجمد أثناء الحيض، فإن الحائض سرعان ما تعرف ذلك ويعتبر ذلك غير طبيعي
وتصلي، وهو مذهب الحنفية ووجه عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة
(1)
.
واستدلوا بما روت عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ:«لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» .
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ،: أن أَمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الدَّمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»
(2)
.
وجه الدلالة من هذين الحديثين أن المرأة المستحاضة تمكث قدر الأيام التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتصلي، ولم تؤمر أن تميز دم الحيض من الاستحاضة.
القول الثاني: أن المرأة المستحاضة تعمل بالتمييز دون العادة.
قال الرملي: (وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ) الْمُمَيِّزَةِ (بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ) الْمُخَالِفَةِ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ)
(3)
.
واستدل لهذا القول بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» . قال الحافظ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ المرأةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ
(4)
.
وقال ابن رجب: وأما قول النبي: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة» فقد اختلف العلماء في تأويله: فتأوله الأكثرون، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزًا، بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردَّها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء
(1)
شرح فتح القدير (1/ 177) الحاوي (1/ 404) كشاف القناع (1/ 208).
(2)
مسلم (334).
(3)
نهاية المحتاج (1/ 345).
(4)
فتح الباري شرح حديث (306).
دم غيره فإنها تغتسل وتصلي
(1)
.
فالحاصل: إنْ تميز دم الحيض من الاستحاضة فتعمل بالتمييز، وإذا لم يتميز فتعمل بالعادة.
المبحث الرابع: حكم المستحاضة المعتادة غير المميزة:
ذهب جمهور العلماء إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي
(2)
.
واستدلوا بعموم قول النبي لفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ لما قَالَتْ: «إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» .
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» .
وذهب الإمام مالك إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس زيادة على حيضها ثلاثة أيام لا تصلي ولا تصوم ولا يطؤها زوجها
(3)
.
واستدلوا بما روى البيهقي: أَنَّ ابْنَةَ مَرْثَدٍ الأَنْصَارِيَّةَ أَتَتِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: تَنَكَّرْتُ حَيْضَتِى. قَالَ: «كَيْفَ؟» . قَالَتْ: تَأْخُذُنِي فَإِذَا تَطَهَّرْتُ مِنْهَا عَاوَدَتنِي. قَالَ: «إِذَا رَأَيْتِ ذَلِكَ فَامْكُثِى ثَلَاثًا»
(4)
.
واعترض عليه بأنه لا يصح.
وقال ابن عبد البر: فَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ الِاسْتِظْهَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَبِينَ فِيهَا انْقِضَاءُ دَمِ الْحَيْضِ
(1)
فتح الباري لابن رجب (2/ 56).
(2)
بدائع الصنائع (1/ 41) الوسيط (1/ 43) الإنصاف (1/ 365).
(3)
المدونة (1/ 50) فتح الباري (3/ 490).
(4)
ضعيف جدًّا، أخرجه البيهقي (1/ 330).
مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَضَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إِذْ حَدَّ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي انْفِصَالِ اللَّبَنِ.
والراجح أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» .
المبحث الخامس: المتحيرة وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد:
امرأة تقول: عادتي تأتي في أول يوم من الشهر، لكني لا أدري هل هي خمسة أو ستة. الراجح أنها تنظر كم يومًا تحيض أمها أو أختها، فإذا كانت أمها تحيض خمسة أيام، فإنها تمكث خمسة أيام ثم تغتسل وتصلي.
المطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت:
امرأة تقول: عدد أيام حيضتي ستة أيام ولكني لا أدري في أي وقت من الشهر.
الراجح: أن دم الحيض له صفات معينة يميز بها عن الاستحاضة، فعليها أنها تجلس أيام حيضها من أول ما رأت دم الحيض لأنه دم جبلة ثم الباقي يكون دم الاستحاضة.
المبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء:
اختلف أهل العلم في هل يجب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء أم لا:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب غسل الفرج، واختلفوا في هل يكفي غسله مرة واحدة أو تغسله لكل صلاة؟
قال النووي: وَأَمَّا تَجْدِيدُ غَسْلِ الْفَرْجِ وَحَشْوِهِ وَشَدِّهِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ إِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعهَا زَوَالًا لَهُ تَأْثِيرٌ أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ وَجَبَ التَّجْدِيدُ وَإِنْ لَمْ تَزُلِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ التَّجْدِيدِ،
كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ
(1)
.
وفي كشاف القناع: (وَلَا يَلْزَمُهَا إذَنْ إعَادَةُ شَدِّهِ، وَ) لَا إعَادَةُ (غَسْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ تُفْرِطْ) فِي الشَّدِّ لِلْحَرَجِ، فَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الشَّدِّ وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَعَادَتْهُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ
(2)
.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي» .
قال ابن رجب: اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أن الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهورلكن الأصح هنا: أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإن الأمر الاغتسال، وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط
(3)
.
وذهب الحنفية إلي أنه لا يجب غسل الفرج من دم الاستحاضة.
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ»
(4)
.
وجه الدلالة ما قاله الكاسانى: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَفَى الْحَرَجَ فِي تَرْكِهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ فِي تَرْكِهِ حَرَجٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ فِي الْمَفْرُوضِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الْمَنْدُوبِ إلَيْه
(5)
.
واعترض عليه بأن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء وإنما يرجع إلى الايتار.
(1)
شرح النووي لمسلم (4/ 25).
(2)
كشاف القناع (1/ 214).
(3)
شرح ابن رجب للبخاري (2/ 68).
(4)
ضعيف: أخرجه أحمد (2/ 371) وفي إسناده: حصين الحبرانى: مجهول.
(5)
بدائع الصنائع (1/ 18).
والراجح أنه لا يجب غسل فرج المستحاضة عند كل وضوء، والأمر بالاغتسال وغسل الفرج معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، ويستحب للمستحاضة غسل الفرج وحشوه وشده في كل فترة من الزمان من باب التنظيف على حَسَب اليسر والاستطاعة لعموم قوله:«فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
المبحث السابع: شد عصابة على فرجها عند الوضوء:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب على المستحاضة أن تغسل فرجها قبل الوضوء أو التيمم وتحشوه بقطنة أو خرقة دفعًا للنجاسة، فإن اندفع به الدم وإلا شدت مع ذلك خرقة في وسطها، ولجمت فرجها قدر الإمكان لكيلا لا يسيل الدم وذلك لكل صلاة وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة
(1)
.
واستدلوا لذلك بما روى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي»
(2)
.
قوله: «ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ» قال ابن منظور وَهُوَ أَنْ تَشُدَّ فَرْجَهَا بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ أَوْ قُطْنَةٍ تَحْتَشِي بِهَا وتُوثِقَ طَرَفَيْهَا فِي شَيْءٍ تَشُدُّه عَلَى وَسَطِهَا فَتَمْنَعُ سَيَلَانَ الدَّمِ، وهوَ مأْخؤذٌ مِنْ ثَفَرِ الدَّابَّةِ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِهَا
(3)
.
واستدلوا بحديث حمنة بنت جحش وفيه. فقلت: يا رسول الله إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ
(1)
البحر الرائق (1/ 227)، وروضة الطالبين (1/ 137)، والمغني (1/ 421).
(2)
ضعيف: أخرجه مالك (الموطأ)(1/ 62).
(3)
اللسان (4/ 105).
الدَّم» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «فَتَلَجَّمِي
…
»
(1)
أي ألجمي خروج الدم بعصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة.
وروى مسلم من حديث جابر الطويل في حجة الوداع: وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله علاه وسلم: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» .
والراجح: ما ذهب إليه المالكية من أنه لا يجب الوضوء لكل صلاة وكذا لا يجب شد العصابة على الفرج لكل صلاة، لأن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بذلك لكل صلاة والله أعلم.
المبحث الثامن: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة حدثًا أم لا؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة يعتبر حدثًا ويجب الوضوء لكل صلاة، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة
(2)
.
واستدلوا لذلك بما روى البخاري، جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ
(1)
ضعيف: أخرجه أحمد (6/ 439) وأبو داود (287) وابن ماجه (622) وغيرهم، وفي إسناده: عبد الله بن محمد بن عقيل، فيه ضعف، قلت: ضَعَّف الحديث أبو حاتم (العلل)(1/ 51) والدارقطني كما في شرح ابن رجب (2/ 64)، وقال ابن منده: لا يصح بوجه من الوجوه؛ لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل كما في التلخيص واختلف النقل عن أحمد في هذا الحديث ونقل الترمذي في (السنن)(1/ 226)، قال: سألت أحمدَ عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن صحيح. قلت: وأكثر أهل العلم على ضعف هذا الحديث.
قال الخطابي) معالم السنن) (1/ 183): وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر لأن ابن عقيل راويه ليس بذلك.
(2)
حاشية ابن عابدين (1/ 504)، المجموع (1/ 543)، المغني (1/ 421).
صَلِّي» قال أبي: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ
(1)
.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، اغْتَسَلَتْ، وَصَلَّتْ، وَصَامَتْ، وَتَوَضَّأَتْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»
(2)
.
وعن جابر عن رسول الله أنه أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة
(3)
.
وعَنْ سَوْدَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ»
(4)
.
القول الآخر: ذهب المالكية إلى أنه لا يعتبر دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء
(5)
.
قال ابن المنذر: وَالنَّظَرُ دَالٌّ عَلَى مَا قَالَ رَبِيعَةُ إِلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: النَّظَرُ يَدُلُّ علاهِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمُسْتَحَاضَةِ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَالَّذِي يَخْرُجُ فِي أَضْعَافِ الْوُضُوءِ، وَالدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ إِنْ كَانَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَابْتَدَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي الْوُضُوءِ فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ غَسْلِهَا بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَجَبَ أَنْ يُنْتَقَضَ مَا
(1)
البخاري (228) أما لفظة: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» فمن قول عروة، فقد روى الحديث الثقات الأثبات الحفاظ مثل «أبي معاوية ومالك ويحيى القطان وسفيان بن عيينة وأبي أسامة والليث» وغيرهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به بدون الزيادة، أما مَنْ ذكر هذه الزيادة في متن الحديث فقد أخطأ لمخالفة الثقات، فالصحيح أن لفظة:«ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» مدرجة من قول عروة أو شاذة.
(2)
ضعيف جدًّا: أخرجه الدارمي (793) وأبو داود (297) والترمذي (126) وابن ماجه (625) وغيرهم، وفي إسناده: أبو اليقظان: اسمه عثمان بن عمير منكر الحديث، وفي إسناده والد عدي بن ثابت: مجهول، وكذا في السند شريك النخعي سيئ الحفظ.
(3)
ضعيف: أخرجه الطبراني (الأوسط)(1620) وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهوضعيف.
(4)
ضعيف: اخرجه الطبراني (الأوسط)(1984) قال الهيثمي (المجمع)(1/ 281): وفيه جعفر بن سودة لم أعرفه.
(5)
مواهب الجليل (1/ 291).
غَسَلَتْ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي يُوجِبُ الطَّهَارَةَ فِي قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الطَّهَارَةَ قَائِمٌ
(1)
.
وقول المالكية هو الراجح، أي إنه لا يُشترط الوضوء بل يستحب والأحاديث التي وردت بالوضوء لكل صلاة لا تخلو من مقال. والله أعلم.
* * *
(1)
الأوسط (1/ 164).
خلاصة الحيض
1 -
تعريف الحيض: هو الدم الخارج من فرج المرأة على سبيل الصحة، من غير سبب الولادة، في أوقات معلومة.
2 -
بداية الحيض كانت عند حواء لعموم قول النبي لعائشة لما حاضت: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» ، وكثر الحيض في بني إسرائيل، عن عائشة قالت:«كان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب، يستشرفن للرجال في المساجد، فحرم الله علاهن المساجد، وسُلطت علاهن الحيضة» .
3 -
الحيض دليل على بلوغ المرأة بالإجماع.
4 -
لا حد لأقل السن ولا لأكثر السن الذي تحيض فيه المرأة؛ لعمومقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، علق الله سبحانه وتعالى الحكم بوجود الدم الذي هو أذى، فإذا وُجد الأذى وُجد الحيض.
5 -
حيض الحامل: بعض النساء تحيض وهي حامل فتمتنع عن الصلاة فإذا ذهبت الحيضة اغتسلت وصلت وكذا المرضعة.
6 -
لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره.
قال ابن تيمية: علَّق الله باسم الحيض أحكامًا متعددة في الكتاب وفي السنة ولم يقدر لأقله ولا لأكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة في ذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمَن قَدَّر في ذلك حدًّا فقد خالف الكتاب والسنة.
7: امرأة تحيض كل شهر ستة أيام، في شهر استمر معها تسعة أيام ماذا تصنع؟
إذا كانت هذه الأيام الزائدة التي ينزل فيها الدم بنفس صفة دم الحيض، فالعبرة بانقطاع دم الحيض، دل على ذلك عموم قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي
الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
8: امرأة حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت خمسة أيام ثم حاضت، ماذا تصنع؟
إذا انقطع الدم بعد ثلاثة أيام ورأت القَصة البيضاء أو الجفوف فإنها تغتسل وتصلي، ثم إذا رأت دم الحيض مرة ثانية فإنها تدع الصلاة لأن العبرة بوجود الحيض.
9: إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت.
: العبرة بوجود دم الحيض سواء تقدمت أو تأخرت.
10: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل بنزوله.
يختلف الحكم باختلاف حالات النساء:
الحالة الأولى: إذا كان تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها من أجل ضرر صحي يقرره طبيب ثقة أمين فيجوز لها ذلك.
الحالة الثانية: إذا كان تعاطي المرأة دواء من أجل تنظيم الحمل للقيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها وكان ذلك برضا الزوج، وكان الدواء المتعاطى لا ضرر فيه على صحة الأم فلا بأس، وفي البخاري:«كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ» .
الحالة الثالثة: إذا كان الحامل على منع الحيض هو منع الولد خشية الفقر، فهذا لا يجوز لعموم قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31].
الحالة الرابعة: منع الحيض لقطع النسل مطلقًا، فهذا محرم.
الحالة الخامسة: استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو في الحج لإتمام النسك، يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض أو في الحج، إذا قرر أهل الخيرة الأمناء ومَن في حكمهم أن ذلك لا يضرها ولا يؤثر في جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك وقد جعل الله لها رخصة في قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا.
11: هل الصفرة والكدرة حيض أم طهر؟
روى أبو داود بسند صحيح عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ
شَيْئًا». فالصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، حتى ترى الجفوف أو القَصة البيضاء، وأن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بحيض، والله أعلم.
الفصل الثانى: صفة الغسل من المحيض.
النساء تنقسم إلى قسمين: قسم ترى السائل الأبيض عند الطهر فتنظر حتى تراه، وقسم لا ترى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف.
حكم التسمية: لا تستحب قبل الغسل من المحيض وحديث: «كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ، أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» لا يصح عن رسول الله.
غسل اليد ثلاثًا، ثم الاستنجاء، ثم غسل اليد بالصابون ثم الوضوء ثم إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا ثم غسل الرجل.
فرائض الغسل من المحيض: النية مع تعميم الجسد بالماء؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء بعد أن جاء الماء أعطاه إناء من ماء: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ علاكَ» ، وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ علاكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» .
الفصل الثالث: ما يحرم على الحائض:
1 -
يحرم على الحائض الصلاة لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» .
إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت هل يجب علاها القضاء؟
يجب علاها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت، فهذا أحوط للدين وأبرأ للذمة.
2 -
يحرم على الحائض الصيام بالإجماع.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» .
أ وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة وذلك لأمرين:
الأول: لما سئلت عائشة رضي الله عنهما: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟!
فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.
الثاني: أن المشقة لاحقة في إعادته؛ فلهذا ألزمها قضاء الصيام دون الصلاة.
ب وإذا طهرت الحائض أثناء النهار فلا يجب علاها إمساك بقية يومها؛ لأن أقل الصوم يوم فإن جاز لها الأكل أول النهار جاز آخره، وكيف تُكلف بإمساك يوم أفطرت في أوله وسوف تقضيه؟!
ج وإذا طهرت المرأة من حيضها قبل الفجر واغتسلت بعد الفجر صح صومها بالإجماع، وفي الصحيحين عن أم سلمة:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، لَا مِنْ حُلُمٍ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي» .
وإذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم فلا تسقط الكفارة؛ لأن الكفارة استقرت في ذمتها قبل نزول دم الحيض.
3 -
يحرم على الحائض الطواف بالإجماع. ولعموم قول النبي لعائشة: «فَافْعلي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» .
ويباح للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة بالإجماع.
4 -
تحريم وطء الحائض في فرجها بالإجماع؛ لعموم قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].
5 -
تحريم طلاق الحائض بالإجماع. دل على ذلك حديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ، {: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» .
الفصل الرابع: الاستحاضة:
1 -
الاستحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد.
2 -
الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة:
الفروق
الحيض
الاستحاضة
الفرق الأول
يميل إلى السواد
. أحمر يميل إلى الصفرة. الدليل: في البخاري عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وسَلمَ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي
الفرق الثاني
ثخين
خفيف
الفرق الثالث
منتن الرائحة
لا رائحة له
الفرق الرابع
لا يتجمد
يتجمد
3 -
المستحاضة: إذا كانت تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة عملت بالتمييز؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» . وإذا لم يتميز فتعمل بالعادة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش لما قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال:«لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» .
* * *