الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
(منف)
ويقال لها منفيس.
قال المقريزى فى خططه: هذه المدينة كانت فى غربى النيل، على مسافة اثنى عشر ميلا من مدينة فسطاط مصر.
وهى أول مدينة عمرت بأرض مصر بعد الطوفان، وصارت دار المملكة بعد مدينة أمسوس التى تقدم ذكرها إلى أن أخربها بختنصر. وقد ذكرها الله تعالى فى كتابه العزيز بقوله تعالى {وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها}
(1)
نقل الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى فى كتاب «جامع البيان فى تفسير القرآن» عن السدى أنه قال: كان موسى عليه السلام حين كبر يركب كما يركب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى ابن فرعون، ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى، فلما جاء موسى عليه السلام قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب فى أثره، فأدركه المقيل فى أرض يقال لها منف، فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها، وليس فى طرقها أحد، وهى التى يقول الله جل ذكره:{وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها}
(1)
.
وقال ابن عبد الحكم عن عبد الله بن لهيعة: أول من سكن بمصر بعد أن أغرق الله قوم نوح عليه السلام بيصر بن حام بن نوح، فسكن منف، وهى أول مدينة عمرت بعد الطوفان. وكان أولاده ثلاثين نفسا؛ وبذلك سميت مافة. ومافة بلسان القبط ثلاثون.
(1)
سورة القصص آية 15.
وقال ابن خرداذبة فى كتاب المسالك والممالك: مدينة منف هى مدينة فرعون، التى كان ينزلها، واتخذ لها سبعين بابا من حديد، وجعل حيطان المدينة من الحديد والصفر، وفيها كانت الأنهار تجرى من تحت سريره، وهى أربعة.
ويروى أن مدينة منف كانت قناطر وجسورا بتدبير وتقدير، حتى أن الماء ليجرى تحت منازلها وأبنيتها، ويحبسونه كيف شاؤا، ويرسلونه كيف شاؤا، فذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون {أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ}
(1)
.
وكان بها كثير من الأصنام لم تزل قائمة إلى أن سقطت فيما سقط من الأصنام يوم فتح مكة، فى الساعة التى أشار فيها النبى صلى الله عليه وسلم إلى الأصنام بقضيب فى يده وهو يقول:{جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً}
(2)
. وبقيت أصنام مدينة منف ساقطة، وفيها الصنمان الكبيران المجاوران للبيت الأخضر، الذى كان به صنم العزيز، وكان من ذهب، وعيناه ياقوتتان لا يقدر على مثلهما، ثم قطعت الأصنام والبيت الأخضر من بعد سنة ستمائة.
ويقال: كانت منف ثلاثين ميلا طولا فى عشرين ميلا عرضا، وكان بها بيت من الصوان الأخضر الماتع الذى لا يعمل فيه الحديد قطعة واحدة، وفيه صور منقوشة وكتابة.
والصابئة تقول: إنه بيت القمر، وكان من جملة سبعة بيوت كانت بمنف للكواكب السبعة.
(1)
سورة الزخرف آية 51.
(2)
سورة الإسراء الآية 81.
وانظر البخاري 6/ 108 (كتاب التفسير، تفسير سورة بنى إسرائيل).
وهذا البيت الأخضر هدمه الأمير سيف الدين شيخون العمرى، بعد سنة خمسين وسبعمائة، ومنه شيء فى خانقاهه وجامعه، اللذين بخط الصليبة خارج القاهرة.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن القيسى فى كتابه «تحفة الألباب» : ورأيت فى قصر فرعون موسى بيتا كبيرا من صخرة واحدة أخضر كالآس، فيه صور الأفلاك والنجوم، لم نر عجبا أحسن منه.
ثم قال: ويقال إن الذى بنى مدينة منف هو منقاوش بن شداد بن عديم، بناها لبناته، وكن ثلاثين بنتا، وهو الذى بنى مدينة عين شمس، وهو الذى قسم أرض مصر على مائة وثلاثين كورة. وأقام ملكا إحدى وتسعين سنة، وكان حكيما فاضلا، كاهنا. عمل أعمالا عجيبة، وبنى أشياء معجبة. انتهى باختصار.
وقال هيرودوت - الذى هو أقدم المتكلمين فى هذا الشأن، والحائز لقصب السبق فى هذا الميدان - إن منيس فرعون مصر الذى هو أول مؤسس للسلطنة الملوكية بالديار المصرية، لما أراد بناء هذه المدينة أمر بتحويل النيل عن موضعه، وكان قبل ذلك يجرى تحت/الجبل الغربى، فحوّله، وجعله فى منتصف المسافة التى بين الجبلين، وجعل هذه المدينة فى محل النيل القديم بعد ما ردم التقويس الذى كان بالنهر. وجعل فى جهتها القبلية جسرا، طوله مائة إستادة؛ لأجل وقايتها وحفظها، وحفر بحيرة عظيمة فى جهتها البحرية، وبحيرة مثلها فى جهتها الغربية. فكان الجسر فى الجهة القبلية يمنع هجوم النيل عليها، والبحيرتان يحميانها من الجهة البحرية والغربية من تعدى العدو عليها، والنيل فى الجهة الشرقية يحميها من ذلك أيضا، فكانت محصنة من جميع نواحيها. انتهى.
وبالتأمل لرسم الإقليم على الخرطة، يرى أن هذا المكان المحدود بالحدود السابقة، يوافق موضع ميت رهينة؛ لأن المائة إستادة من الإستادات الصغيرة المصرية - التى كل إستادة منها مائة متر - عبارة عن عشرة آلاف متر، هى المسافة التى بين ميت رهينة وقرية مزغونة.
ويؤيد ذلك أنه يشاهد الآن أن النيل متجه نحو الشرق جهة البابين، وجار فى منتصف الوادى، وأنه ترك الجهة الغربية التى كان يجرى فيها على ما يقال - يعنى جهة دهشور - التى كان اسمها قديما كانتوس أى مدينة السنط؛ بسبب أنه كان بها كثير من هذا الشجر، لوقاية أرض المزارع من زحف الرمال عليها.
ومما يوجب الميل لصحة هذا الكلام وجود ترعة فى آخر الوادى تحت الجبل الغربى تعرف بترعة العصارى. يعنى الغربية. ولزيادة سعتها وعمقها عن المعتاد؛ لا يظن من يراها أنها من حفر الآدميين، بل يعتقد أنها مجرى أصلى.
ويغلب على الظن أن هذه المدينة لم تظهر دفعة واحدة، بل يحتمل أنه كان بموضعها بلد من بلاد الأرياف، كانت مسكونة قبل وجود مدينة عين شمس؛ لأن المحل التى كانت به أضيق محل فى الوادى كما هو الآن، فكان أشبه بمفتاح للأقاليم القبلية، وضرورة كانت محصنة لمدافعة العدو.
وعملية تحويل النهر لم تكن ابتداء، بل الغالب أنها ظهرت بعد اتساع البلد، ومعرفة ما يلزم معرفته من حركة جريان مياه النيل، وطبيعة الأرض، وانحدارها.
ثم أن هيرودوت لم يبين سعة هذه المدينة فى مؤلفاته، إنما وجد ذلك فى مؤلفات ديودور الصقلى فإنه قال:
كان محيطها فى زمن تأسيسها مائة وخمسين إستادة، والإستادة التى استعملها تدخل فى الدرجة الأرضية ستمائة مرة، وهى التى استعملها فى قياس ما بين الهرم والنيل، وجعل المسافة خمسا وأربعين إستادة.
وقال استرابون:
كانت مدينة منف بعيدة عن رأس ملتقى فرعى النيل، المسمى عند اليونان بالدلتا بقدر ثلاث شينات، والشين: مقياس كان مستعملا عند المصريين فى الزمن القديم، ويقرب منه الفرسخ، والذى حققه بعضهم أن الدلتا عند اليونانيين اسم لمحل قرية بيسوس، التى كان يبتدئ منها بحر الطينة، وهو بحر أبى المنجى، وجعل الأدريسى هذا البعد ثلاثة فراسخ، فعبر بالفرسخ بدلا عن الشين زاعما أنهما واحد، وليس كذلك.
وإذا نظرنا إلى البعد الذى قرره استرابون على الخرطة بالبدء من بيسوس، نجده يقع قبلى ميت رهينة، على بعد ألفى متر منها، فلعله كان فى هذا الموضع أحد أبواب المدينة. وعلى كلامه كان الجبل الذى بنى عليه الهرم الكبير وغيره بعيدا عن المدينة بخمس وأربعين إستادة.
وهذا البعد يقع هناك على جسر قديم متخرب، وبه تتحد النقطة البحرية الغربية.
وذكر بلين بعدين يتحد بهما الحد البحرى لمنف أو ضواحيها من هذه الجهة، أحدهما: من رأس ملتقى فرعى النيل إليها، وجعله خمسة عشر ميلا، وثانيهما: بعدها عن الأهرام، وجعلها سبعة أميال ونصف. فلو رسم قوسا دائرة بهذين البعدين من رأس الملتقى والهرم، لتقاطعا فى نقطة قريبة من المنوات، واقعة فى الحدود المحدّدة بأبعاد ديودور، ويمكن إعتبار أنها الحد البحرى للمدينة أو ضواحيها.
وفى بعض مؤلفات بلين، وجد بعدا آخر، وهو ستة أميال من الأهرام إليها. فإن اعتبر هذا البعد وقعت نقطة التقاطع عند الجسر المتخرب غربى بوصير إلى بحرى.
ويغلب على الظن أن هذا المكان كان بابا من أبواب ضواحى المدينة، وحينئذ قد تعين نقطتان: واحدة فى قبلى المدينة، وواحدة فى بحريها.
وبواسطتهما يمكن رسم محيطها النهائى، ويكون فى داخله بوصير وميت رهينة، ويمر بقريتى مخنان، والمنوات، والجسر القديم، والأهرام الموجودة فى الشمال الغربى لسقارة، وسقارة نفسها، ونقطة قبلى ميت رهينة بعيدة عنها بقدر ألفى متر واقعة بحرى أبى رجوان، على خط واقع بين النيل وطريق الوجه القبلى. فلو قيس هذا المحيط الذى على شكل شبه منحرف، يرى أنه مائة وخمسون إستادة، باعتبار أن كل ستمائة منها درجة أرضية. كما ذكره ديودور، وحرر بطليموس ما بين مدينة بابليون - أى قصر الشمع - ومنف فوجده عشر دقائق. وهذا البعد يكون بالتحقيق قبلى ميت رهينة.
وفى خطط أنوس: أن بين بابليون ومنف إثنى عشر ميلا، وذلك يقع قطعا على ميت رهينة. وفيها أيضا: أن من لبتوبوليس - أى الكوم الأحمر - إلى منف عشرين ميلا، وذلك يقع على ميت رهينة أيضا.
والبعد الذى ذكره يوسف الإسرائيلى/ما بين مدينة منف وقرية أبنوب (تل اليهودية) وهو مائتان وثمانون إستادة يقع قبلى ميت رهينة. ومن ذلك يمكن رسم محيط المدينة، وتقدير سعتها على وجه التقريب ومعرفة مقدار سكانها؛ لأنك لو أجريت عملية الرسم فعلا لعلمت أن أكبر طول لها يقرب من ألف متر، وأكبر عرض لها خمسة آلاف متر. وحينئذ تكون المساحة 5،000 هكتار، وهو مقياس أفرنكى قدره 10،000 متر مربع، وذلك قريب من فدانين ونصف مصرى، فسعة المدينة أكثر من إثنى عشر ألف فدان مصرى.
والظاهر أن هذه المساحة جميعها لم تكن مشغولة بالمساكن، بل فيها ميادين، وبساتين، وحدائق وأراضى زراعة، كانت بين المدينة وضواحيها، فإن جعلنا لذلك الربع مثلا، تكون المدينة 3500 هكتارا، وهذا أكثر من أرض مدينة طيبة. ولا غرابة فى ذلك؛ لأنها فى زمن عزها إنتقل إليها أكثر سكان طيبة، وكان تعداد نفوسها يقرب من 700،000؛ وهذا ليس بكثير بالنسبة
لسعتها؛ لأنا لو قارنا هذه السعة بسعة القاهرة مثلا، لوجدنا أن السبعمائة ألف، ليست كثيرة؛ فإن سعة القاهرة 793 هكتارا، وكان عدد أهلها فى سنة 1798 ميلادية - موافقة لسنة 1213 هجرية - 263،700، فعلى ذلك يخص الهكتار 332 نفسا. وعلى كون أهل منف 700،000 لا يخص الهكتار غير 187، فطيبة وإن عدّت من المدن الكبار، وكان بها عدد عظيم من الأهالى، إلا أنها لم تكن فى درجة عمارية مدينة منف؛ لما ذكرنا من الأسباب.
والذى يظن أن مدينة منف كان عدد أهلها يزيد بنقص عدد أهل طيبة؛ لإنتقال أهلها إليها شيئا فشيئا.
وقال بعض الناس إن عدد أهل المدينتين - وإن بلغ ما بلغ - لا يزيد عن المليون، وكان فى القطر مدينة ثالثة كبيرة مشهورة، بسبب اشتمالها على مدارس، ومعابد، وكانت فى الجهة الشرقية للنيل، وكان الناس يحجون إليها؛ لكونها مركز العلم والعلماء، وكان بها معبد الشمس، وهى مدينة عين شمس، ويمكن مقارنة مساحتها اعتمادا على حدود خرابها الظاهرة إلى الآن، بمساحة مدينة القاهرة، وجعل عدد أهلها من مائة وخمسين ألفا إلى مائتى ألف نفس.
ومن الغريب أن مبانى مدينة منف زالت وإندرست، حتى لا يرى لها أثر بالكلية، وما يشاهد من قطع الحجارة فى بعض التلال وأرض المزارع - ما بين مخفى وظاهر - متفرقا فى سعتها التى قدرناها، لا يثبت، غير كون هذا المكان موضع المدينة؛ فإنها كانت مشحونة بالمبانى الفاخرة، والمعابد والسرايات.
ولكن لا يبقى فى مخيلة المطلع أثر العظم والأبهة الفائقة التى وصفت بها حين كانت مقر الفراعنة، ومركز الحكومة، ومحل رجالها، ومطمح نظر الواردين والمترددين على الديار المصرية؛ لإجتناء ثمرات العلوم والفنون، وأنواع التجارات. وإلى هنا تم الكلام على الموضع الجغرافى لهذه المدينة. ولنذكر لك ما كانت مشتملة عليه.
(معبد منف ومقياسها)
وأولا نتكلم على المعبد الذى كان بها فنقول:
كان هذا المعبد فى جبل بساميوس، وهو الجبل الغربى: أى جبل ليبيا، الذى كانت مدينة منف قريبة منه، ونعنى بذلك جزء الجبل المرتفع من ابتداء هرم سقارة إلى هرم بوصير المتخرب، وكان به معبد (سبرابيس) فى موضع كثير الرمل، وفى زمن وفود إسترابون على مصر، كان بهذا الموضع طريق مزينة بصور أبى الهول من الجانبين، فهجمت عليها الرمال وغطتها. فلو أزيلت لظهرت تلك الصور، وظهرت هذه الطريق التى كانت فيما بين سقارة والهرم المدرج، وكانت توصل إلى معبد سبرابيس كالطريق التى وصفناها فى مدينة طيبة الموصلة لمعابدها.
وفى هذا المعبد كان يدفن الثور الذى يسمونه أبيس، وكان به مقياس للنيل. وعلى قول بوزا بناس: كان لا يصرح لأحد من الأغراب والقسيسين بدخوله فى سائر أوقات السنة، ما عدا الوقت الذى كان يدفن فيه الثور.
والمؤرخون مختلفون فى قدم هذا المعبد. وفى زمن البطالسة جعل له معبد عظيم بمدينة الأسكندرية، وكان ماء النيل يصل إلى مقياس معبد مدينة منفيس بالسهولة.
وبهذا كانت تعلم درجة علوّ النيل أيام فيضانه.
وفى زمن ديودور واسترابون، كان هذا المقياس أشهر جميع المقاييس التى كانت فى الجهات الأخر.
وذكر بولوتارك أن من المقاييس: مقياسا فى جزيرة أسوان، ومقياسا فى أسوان نفسها، ومقياسا فى مدينة منديس، ومقياسا فى سخا المسماة عند الأقدمين أكسويس.
وذكر أرسطو مقياسا فى قفط، ومقياسا فى مدينة نابوبيس، وآخر فى مدينة هرمنتيس.
وقال بولوتارك العالم بأحوال مصر: إن كلمة سيرابيس مصرية. والعلائق التى بينه وبين الثور أبيس ترجح قول بوزيناس وقول سويداس: إن بعض الناس
يسمى سيرابيس المشترى، والبعض يسميه النيل.
وقال أرستون: إنه هو الذى يزيد ماء النيل فى فصل الصيف، ويذهب لفرتينات.
وقال جابلنوسكى: هذه الكلمة مركبة من سير وأبى، ومعنى الأول:
عمود، والثانية: قياس. يعنى عمود القياس، وأن المقياس كان تحت رعاية أبيس.
ويزعم أن موسم دفنه إشارة لخفاء المقياس فى معبده مدة ثمانية أشهر، ولا يظهر للعيان إلا فى أربعة/أشهر الفيضان. ويستدل على ذلك بقوله: إن أبيس بعد موته كان يغمس فى حوض مقدس، فجعل ذلك إشارة إلى أن المقياس فى بئره التى كان يجعل فيها عمود المقياس فى وقت أبيس.
ويستفاد من أقوال المؤرخين، أنه كان فى المدينة عدة معابد لمقدسين.
فكان بها معبد ولكان المصرى، ومعبد أبيس، ومعبد إزيس، ومعبد سيرابيس، ولكن لا يعلم هل وجدت جميعها فى زمن واحد أو فى أزمان متعاقبة، بمعنى أنها تغيرت بتغير الأزمان والمقدسين والعبادة أيضا.
إلا أنه قد يؤخذ من مجموع كلامهم أن معبد ولكان أقدمها، وأن ظهوره كان مقارنا لظهور المدينة، وأن بناءه زمن منيس نفسه، ثم صار خلفاؤه فيما بعد يزيدون فى رونقه، وتحسينه، وتوسيعه، ويهدون إليه الهدايا الجزيلة جيلا بعد جيل، إلى أن دخلت الفرس أرض مصر وحصل ما حصل من تخريب المدينة، وسائر العمارات التى فى مدن القطر.
وقبل وفود هيرودوط على أرض مصر بتسعة قرون بنى فرعون مصر لهذا المقدس عمارة عظيمة فى جهته البحرية، وسيزوستريس حين عوده من فتوحاته، استعمل جميع الأسرى الذين أتى بهم إلى مصر، فى قطع الأحجار المهولة، التى بنى بها معبد ولكان. ووضع أمامه ستة تماثيل، إثنان منها
إرتفاع كل واحد منهما ثلاثون ذراعا أحدهما تمثاله، والآخر تمثال زوجته.
والأربعة الأخر إرتفاع الواحد منها عشرون ذراعا، وهى تماثيل أولاده الأربعة، واسمه منقوش على جدران سور معبد مقدس مزين بأنواع الزينة، كائن فى جنوب معبد ولكان، وكان فى داخل السور معبد صغير أهدى إلى وينوس اليونانية، وهى هلين بنت تانداد، وحول هذا السور كانت منازل اليونانيين، وكان خطهم قبلى معبد ولكان.
وقد بنى فرعون مصر لهذه المقدسة الأجنبية هذا المعبد. ولا يعلم لذلك سبب، فإن الفراعنة كانوا محافظين على عبادة أجدادهم، فهل غلب جمال هذه الأجنبية على لبه، حتى بنى لها معبدا قرب معبد أفتاه وأوزريس وإزيس، أو كان الحامل له على ذلك أمر آخر، والذى يغلب على الظن أن وينوس هذه كانت تسمى هاتور عند المصريين، وإنه كان لها فى ديار مصر معابد كثيرة وضرورة، كان لها معبد فى منف، واليونانيون غيّروا اسمها المذكور باسم وينوس، ونظموها فى سلك مقدسيهم.
وفرعون الذى ورث الملك عقبه، بنى الأبواب الغربية، ووضع أمامها تمثالين، إرتفاع الواحد منهما عشرون ذراعا.
ويسمى التمثال البحرى عند المصريين، تمثال الصيف، والقبلى تمثال الشتاء. وكانوا يحترمون تمثال الصيف ويقربون له الهدايا دون الثانى، وكان أمام الباب الشرقى تماثيل أعظم من البقية فى الزينة والفخامة.
وفى مبدأ إنشاء المدينة كان ولكان - أى أفتاه - يطلق على النار الربانية، يعنون العقل الغير المتناهى المدبر للعالم المقوّم كل شئ، وليس مرادهم النار الدنيوية، فكان اسم افتاه عند المصريين عبارة عن القادر الذى بيده كل شئ.
وفى عبارة طاطليس، أنه كان علما على الخالق لكل شئ.
وقد نقل عن ديودور الصقلى، أن كهنة مصر أخبروه أن أفتاه اسم أول من ملك مصر. وافتتح مانيتون المصرى سلسلة الملوك بالآلهة، فجعلها علما على
الزمن المجهول، كما يظهر ذلك من صريح عبارته حيث قال: إنه لا يتجدد الزمن على ولكان، أى أنه مجرد عن الزمن، وفى عبارة ديودور أن ولكان هو الذى أوجد النار، ولهذا جعل ملكا على مصر.
وهذه العبارة تدل على أن الإعتقاد الأول الذى كان لقدماء المصريين، أعقب لخلفهم اعتقادا آخر، وهو أن أفتاه علم على النار الدنيوية، وأما اليونانيون فجعلوا ولكان وأفتاه واحدا، وليس كذلك.
وادعى قدماء المصريين أنهم وصلوا لمعرفة الروح المدبرة لجميع ما كان وما يكون من هذا العالم، وأطلقوا عليها اسم أفتاه، وحين كان أهل طيبة يعبدون تماثيل مصوّرة على صورة الحمل للمقدس آمون. كان أهل منف يعبدون أفتاه من غير تماثيل، فكانت عبادتهم فى معابدهم لله سبحانه وتعالى. وأما الصور والتماثيل، التى كانت أمام باب المعبد وحوله، فكانت تماثيل الفراعنة وضعوها للتقرب، والإلتجاء، فكان أمام باب المعبد القبلى تمثال الفرعون سيزوستريس وزوجته وأولاده، وأمام الباب البحرى تمثال الصيف والشتاء.
ويؤيد ذلك أن الكهنة لم تمكن دارا - ملك الفرس - من وضع تمثاله على باب المعبد، محتجين بأنه لم يصل إلى ما وصل إليه سيزوستريس.
وقدم هذه العبادة عند المصريين متفق عليه بين المؤرخين، كما اتفقوا على أنه لم يسبق على أفتاه غيره، وفى الأزمان الأخيرة فى وقت فرعون مصر بسماتيكوس بنيت عمارة بجانب معبد أفتاه للمقدس أبيس الذى قال فيه استرابون: إنه لم يكن شيئا آخر غير أوزريس.
(الكلام فى العجل أبيس)
وفى هذه العمارة، كان العجل أبيس مبجلا، وتلك العمارة، عبارة عن حوش يتفسح فيه العجل، وحيطانه منقوشة، وفيه بدل الأعمدة تماثيل جسيمة إرتفاع كل واحد إثنا عشر ذراعا.
وكان فى داخل الحوش مكان يعلف فيه العجل، ومكان آخر لأمه، وكانوا يطلقونه فى أوقات معينة وسط الحوش/لينظره الأغراب، فإنهم كانوا لا يكتفون برؤيتهم إياه من شباك، وهو فى محله، فكان حين إطلاقه يثب عدّة وثبات، ثم يدخلونه مكانه، وكان أمام معبد أفتاه حوش أو ميدان لنطاح العجول التى كانت تربى لهذا الخصوص. وكان للذى يغلب منها مكافأة كما فى سباق الخيل.
وفى زمن الفرعون أمزيس بلغ تبجيل العجل منتهاه، ومع ذلك فقد قال المؤرخون: إن أمزيس وضع أمام معبد أفتاه معبدا لأوزريس وأربعة تماثيل، واحد منها قدر تمثال سيزوستريس مرتين.
ويؤخذ من جميع ما مضى أن عبادة أبيس حادثة، وكان إعتبارها أقل من إعتبار عبادة أفتاه عند أهل منف، فإنهم لم يزالوا معتقدين أن عبادة أفتاه هى الصحيحة. وكان أمام المعبد تمثال مستلق على ظهره طوله خمسة وسبعون قدما، أى خمسون ذراعا على هيئة سبع، ولم يعلم سبب وضع هذا التمثال بهذه الكيفية. مع أن جميع التماثيل الموضوعة أمام السرايات والمعابد، إما قائمة أو جالسة. فإن اعتبر أنه تمثال أبى الهول، لا يصح؛ لأن تمثاله قائم.
فلعله كان تمثال النيل، وهو يدفق الماء وحوله الأطفال، الذين هم كناية عن الستة عشر ذراعا المؤذنة بالوفاء؛ لأن النيل كان يصور على هذه الهيئة.
ولكن ذكر جميع المؤرخين، أن هذا التمثال من عمل الأجانب لا المصريين، وفى زمن أمزيس كانت أعمال الأغراب لا تدخل مصر ولا تشبه بعمل أهلها، وقبله بمدة سكنت اليونانيون هذه الديار، فنشأ من ذلك تلاشى أصولها.
وقد قال هيرودوط: إن هذا الفرعون أقطع اليونانيين أرضا مكافأة لهم على مساعدتهم له فى الحرب، واتخذ منهم معلمين فعلموا عدة من شبان مصر لغة اليونان ليكونوا مترجمين.
والأراضى التى أعطوها كانت قربية من البحر تحت مدينة بوباسط قريبا من بوغاز بحر الطينة.
ثم إن أمزيس لخوفه على نفسه من المصريين، جعل من اليونانيين حرسا على نفسه.
ومن هذا الوقت دخل السياحون منهم أرض مصر، وجابوا أطرافها، واطلعوا على أسرارها العلمية والدينية، وكانت قبل غير معلومة لهم، وقد بنى أمزيس المذكور أبنية عظيمة غير ما ذكرناه.
واستمرت ملوك مصر تبجله أعظم تبجيل وتحييه أعظم تحية مدة إثنى عشر قرنا.
والذى يستفاد من كلام شامبليون، أن الذى أدخل هذه العبادة عند المصريين هو: خوص ثانى فراعنة العائلة الثانية التى استمرت جالسة على سرير الملك 293 عاما، وهو الذى وضع أبيس فى مدينة منف، ومنديس بمدينة عين شمس، والجدى بمدينة منديس أى أشمون الرمان.
ولم يكن تبجيل العجل عاما فى جميع أرض مصر، كما نص على ذلك جابلونسكى، والذين يبجلونه كان عندهم أبيس وأوزريس بمعنى واحد. وكان علما على الشمس على ما نقله استرابون عن بعض كهنة مصر، وبعضهم جعله علما على القمر.
وقال بورفير: إنه علم عليهما معا، وكانت العادة عندهم أن لا يسقوا العجل من ماء النيل، بل من بئر محفورة فى الوادى بقرب جبل ليبيا، وكان عمره لا يزيد ولا ينقص عن خمس وعشرين سنة على قول بولوتارك.
ونبه هذا المؤرخ على أن هذا القدر هو مربع عدد خمسة، ومساو لعدد حروف الهجاء عند المصريين، وهو عدد مدة سنين قمرية شمسية صحيحة، بعدها تتحد حركة النيرين، فأظن أن ذلك هو السبب فى قول بورفير: إنه علم على الشمس والقمر معا، يعنى أوزريس وإزيس.
ومن هنا يعلم أن المواسم التى كانت تعمل فى ذلك الوقت، كان لها ارتباط بأمور نافعة، فالموسم السنوى الذى كان يعمل وقت وفاء النيل يبين سبب جعله علما على المقدس أوزريس، الذى معناه نيل، والذى كان يعمل على رأس كل خمس وعشرين سنة يبين سبب جعله علما على أوزريس - الذى هو الشمس - وإزيس الذى هو القمر.
وكان فى معبده مجلس تتويج الملوك، وفيه أيضا كانوا يحلفون الأيمان الوثيقة على عدم زيادة شهر أو يوم على السنة، بل تكون باقية على ما هى عليه ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، كما وصلت إليهم من الأقدمين.
وكان الجارى عند المصريين فى شأن العجل، تربيته أولا عند المقياس الذى محله ميدون على ما حققه بعضهم، ثم بعد ذلك يأتون به إلى مدينة منف.
وكانوا قبل موسم النيل يرقبون درجة علو النيل فى البئر التى فى معبد أبيس؛ لأن الذراع المعتبر للقياس، كان ينقل إليها فى محفل عظيم، وبقيت هذه العادة جارية على هذا المنوال إلى وقت ظهور الدين العيسوى بالديار المصرية، ثم صار ينقل الذراع المذكور إلى الكنيسة بأمر قيصر الروم قسطنطين.
كما وجد ذلك فى مؤلفات سقراط، وسوزمين عند تكلمهما على تاريخ الكنيسة، ثم أعيد إلى معبد أبيس زمن قيصر الروم غوليان، وفى زمن طيودوز أحد قياصرة الروم هدم هذا المعبد، وبطلت تلك العادة. وكان زمن هذا القيصر آخر زمن انقطعت فيه أكثر عوائد المصريين ومواسمهم.
وقد استنبط جابلونسكى من هذه العبارات: أن لفظ أبيس بالعبرانية يدل على عدد أو قياس، وأخذ ذلك من كلمة (أفا) العبرانية، وهو عند العبرانيين مكيال كان منقسما إلى إثنين وسبعين قسما يطلق على الواحد منها (لج) وكان ذراعا/مكعبا من الأذرع المصرية على قول جابلونسكى، فكان مثل الأردب المصرى.
ثم إن ما كان يعمل للعجل أبيس من المواسم والولائم والقرابين التى كان يتقرب بها إليه، وموافقة وقت شهرته فى الديار المصرية لوقت دخول العبرانيين فيها، مع زيارة قياصرة الروم لمعبده، وشغفهم برؤيته، وغارات كمبشاش ملك الفرس، والأكاذيب التى نشرها الرومانيون والقسيسون، والفتن التى حصلت بينهم، عند ظهور الديانة العيسوية، هى التى نشأ عنها ضياع الحقائق التى كانت للمصريين، وصارت هى أساس اعتقاداتهم الدينية، وبدخول الغرباء وانحطاط قدر أهل هذه الديار، أخذت الأكاذيب فى الشهرة، والحقائق فى الإنحطاط والإضمحلال حتى محيت العلوم والفنون المصرية، وقام مقامها أوهام مخترعة ملفقة وأكاذيب مختلقة.
ويقال إنه كان بهذه المدينة كتبخانة عظيمة أخذ منها أميروس الشاعر جميع ما اشتملت عليه قصائده من الحوادث وخلافها.
وذكر استرابون أنه طالع فى كتب الكهنة التى بها، فلا بد أنها كانت فى محل يطالع فيه، وهو يؤيد صحة ذلك، ولا عبرة بإنكار من أنكره؛ لأنه يبعد كل البعد، وجود مدينة بقيت مدة قرون متوالية تحت حكومة متسعة - من ضمنها بلاد النوبة والحبشة والشام وغيرها - خالية من محل للكتب الموروثة عن السلف فى العلوم النافعة والحكم المفيدة، كيف؟! وقد كانت أشهر بلاد الدنيا فى ذلك الوقت.
ومما يؤيد ذلك أيضا ما قاله الشيخ عبد اللطيف البغدادى فى رحلته حين وفد إلى مصر، ولنذكره لك برمته لتعرف منه كيف كان حال هذه المدينة فى الأيام الخالية، وإن اعتراها فى هذه الأيام من الحوادث ما محا آثارها، خصوصا تسلط الفلاحين على إحراق ما عثروا عليه من حجارتها، وجعله جيرا، والأمراء والحكام على نقل العمد والحجارة لبناء الفسطاط حتى ضاعت جميع آثارها.
وصارت لا يرى غير قليل جدا من أطلالها.
قال المحقق المذكور:
مدينة منف كان يسكنها الفراعنة وكانت مستقر مملكتهم، وإياها عنى بقوله تعالى عن موسى عليه السلام:{وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها}
(1)
وبقوله تعالى {فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ}
(2)
؛ لأن مسكنه عليه السلام، كان بقرية بالجيزة قريبة من المدينة تسمى دموه، وبها اليوم دير لليهود. ومقدار خرابها اليوم مسيرة نصف يوم فى نحوه، وقد كانت عامرة قبل زمن إبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام وبعده إلى زمن بختنصر، فإنه أخرب ديار مصر، وبقيت على خرابها أربعين سنة. وسبب إخرابه إياها أن ملكها حمى منه اليهود حين إلتجؤا إلى مصر فقصده، وأباد دياره، ثم جاء الإسكندر بعد ذلك واستولى عليها وعمّر بها الإسكندرية، وجعلها مقر الملك.
ولم تزل على ذلك إلى أن جاء الإسلام ففتحت على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه، وجعل مقر الملك بالفسطاط، ثم جاء المعز من المغرب وبنى القاهرة وجعلها مقر الملك إلى اليوم.
ثم إن مدينة منف مع تعفية آثارها، ومحو رسومها ونقل حجارتها وآلاتها، وإفساد أبنيتها وتشويه سورها، وما فعلته فيها أربعة آلاف سنة فصاعدا، كنت تجد فيها من العجائب ما يفوق فهم المتأمل، ويحسر دون وصفه البليغ، وكلما زدته تأملا زادك عجبا، وكلما زدته نظرا زادك طربا، ومهما استنبطت منه معنى أنبأك بما هو أغرب، ومهما إستثرت منه علما ذلك على أن وراءه ما هو أعظم.
فمن ذلك: البيت المسمى بالبيت الأخضر، وهو حجر واحد تسع أذرع إرتفاعا فى ثمان طولا فى سبع عرضا، قد حفر فى وسطه بيت جعل سمك حيطانه وسقفه وأرضه ذراعين ذراعين والباقى فضاء البيت، وجميعه ظاهرا وباطنا منقوش ومصور ومكتوب بالقلم القديم، وعلى ظاهره صورة الشمس مما
(1)
سورة القصص: 15.
(2)
سورة القصص: 21.
يلى مطلعها، وصور كثير من الكواكب والأفلاك، وصور الناس والحيوان ما بين قائم وماشى، ومادّ رجليه وصافهما، ومشمر للخدمة، وحامل آلات، ومشير بها يشعر ظاهر أمرها أنه قصد بها محاكاة أمور جليلة وأعمال شريفة، وهيئات فاضلة، وإشارات إلى أسرار غامضة، وإنها لم تتخذ عبثا، ولم يستفرغ فى صنعتها الوسع لمجرد الزينة والحسن.
وقد كان هذا البيت ممكنا على قواعد من حجارة الصوان العظيمة، فحفر تحتها الجهلة والحمقى طمعا فى المطالب، فتغير وضعه، وفسد هندامه، واختلف مركز ثقله، وثقل بعضه على بعض، فتصدع صدوعا كثيرة.
وقد كان فى هيكل عظيم مبنى بحجارة جافية على أتقن هندام وأحكم صنعة، وفيه قواعد وعمد عظيمة. وحجارة الهدم متواصلة فى جميع أقطار هذا الخراب، وفى بعضها حيطان مائلة بتلك الحجارة الجافية، وفى بعضها أساس، وفى بعضها أطلال.
ثم قال
(1)
ورأيت عقد باب شاهق ركناه حجران فقط، وأزجه حجر واحد قد سقط بين يديه. وتجد هذه الحجارة قد حفر بين الحجرين منها نحو شبرا فى ارتفاع إصبعين وفيه صدأ النحاس وزنجرته، فعلمت أن ذلك قيود للبناء، وتوثيقات للحجارة، ورباطات بينها بأن يجعل النحاس بين الحجرين، ثم يصب عليه الرصاص. وقد تتبعتها الأنذال فقلعوا منها ما شاء الله تعالى وكسروا لأجلها كثيرا من/الحجارة، حتى وصلوا إليها. ولعمر الله لقد بذلوا الجهد فى استخلاصها، وأبانوا عن تمكن من اللؤم وتوغل فى السخافة.
وأما الأصنام وكثرة عددها وعظم صورها فأمر يفوق الوصف، ويتجاوز التقدير. وأما اتقان أشكالها وإحكام هيآتها ومحاكاة الأمور الطبيعية بها، فموضع التعجب فى الحقيقة.
(1)
أى المحقق وهو الشيخ عبد اللطيف البغدادى.
فمن ذلك صنم ذراعاه سوى قاعدته - فكان نيفا وثلاثين ذراعا، وكان سعته من جهة اليمين إلى اليسار نحو عشرة أذرع، ومن جهة الخلف إلى الأمام على تلك النسبة، وهو حجر واحد من الصوان الأحمر، وعليه من الدهان الأحمر ما لم يزده تقادم الأيام إلا جدّة، وقد حفظ فيه مع عظمه النظام الطبيعى والتناسب الحقيقى، ورأيت أسدين متقابلين متقاربين وصورتهما هائلة جدا، قد حفظ فيهما النظام الطبيعى والتناسب الحيوانى وقد تكسرا وردما بالتراب.
ووجدنا من سور المدينة قطعة مبنية بالحجارة الصغار، والطوب الكبير الجافى متطاول الشكل ومقداره نصف الآجر الكسروى بالعراق، كما أن طوب مصر الآن نصف آجر العراق الآن أيضا. ولم يبق علينا بيان بعد ما ذكرناه.
وبالجملة فهذه المدينة ترادف عليها جملة حوادث فظيعة أوجبت تخريبها على التدريج، وذلك كتغلب الحبشة والفرس، والحروب التى جرت بينهم وبين ملوكها الأهلية، وتمادت مددا طويلة حتى أضرّت بالمدينة وبالقطر جميعه، وكدخول الإسكندر الأكبر، واستيلاء البطالسة عليها، وانتقال التخت إلى الأسكندرية، خصوصا إتخاذ فرعون مصر عساكر من اليونانيين، وإقطاعه إياهم أراضى حتى توطنوا داخل القطر.
فلا شك أن ذلك من أقوى الأسباب التى أوجبت خرابها. فإنهم من عهد دخولهم هذه الديار، كانوا يزدادون كل يوم بسبب الواردين عليهم من أبناء جنسهم، وكانوا متوطنين فى نوقراطيس قرب مصب فرع النيل الشرقى، فكانوا كالمتملكين لهذا البوغاز، وكانوا يسهلون لمن أتى من بلادهم دخول مصر ويحسنون لهم الإقامة فيها، ثم أنهم تقدموا، وقويت شوكتهم زمن فرعون مصر أمزيس، ونفذت كلمتهم بسبب مساعدته لهم فكثر بذلك حزبهم.
ومن ذلك يظهر أنه كان بينهم وبين بلادهم مراسلات علموا منها أخبار مصر وضعف حكامها فى ذلك الوقت. ولعل هذا هو السبب الذى رغب فيها
الإسكندر الأكبر حتى أتى واستولى عليها؛ ومع كون الأسكندرية كانت فى ذلك الوقت تحت الحكومة، ومركز التجارة وخلافها، لم تتجرد منف عن كل شهرتها؛ لأنه كان باقيا بها مزية تتويج البطالسة، وأمناء الديانة الأهلية، وإن كانوا على غاية من الإطاعة للملوك الغرباء. لكنهم مع ذلك كانوا محافظين على قواعد دينهم ومتمسكين بعبادتهم الأصلية، من غير معارضة أحدا لهم فى ذلك.
ولما وصلت حكومة الديار المصرية إلي قياصرة الرم تضعضع حال تلك المدينة أضعاف ما كان بها قبل؛ فصار أغلب معابدها وسراياتها خرابا، فإن مهمات مبانيها العظيمة كانت تنقل لبناء الأسكندرية، وبقيت هكذا حتى أتى المسلمون هذه الديار، وبنوا مدينة الفسطاط، وصاروا ينقلون ما بقى من آثارها لبناء المساجد والمنازل. ونقل من آثارها أيضا إلى القاهرة وقت بنائها.
فانظر كيف تداول على هذه المدينة ثلاث مدن، ومع هذا فقد بقى مقياسها إلى القرن الثامن من الميلاد وكان يعتمد عليه فى أحوال النيل. وبقى أيضا الأثر الجليل المسمى فى رحلة الشيخ عبد اللطيف بالبيت الأخضر، فإنه لم يكسر إلا فى القرن الرابع عشر من الميلاد يعنى سنة 750 من الهجرة الموافقة سنة 1349 من الميلاد، بأمر الأمير سيف الدين شيخو العمرى، وأخذت أحجاره ودبشه فى أبنية مسجده، كما ذكره العلامة المقريزى فى خططه.
ومن يمعن النظر فى أطراف جامع شيخو بالصليبة يجد من ذلك قطعا يستدل بها على بعض حوادث مما حصل فى تلك الحقبة التى خلت. والله أعلم.
ولما أتممنا الكلام على مدينة منف على ما اقتضاه المقام ناسب أن نتكلم على ما يقربها من الأهرام وينجرّ الكلام إلى باقيها فنقول:
(الأهرام)
أبنية مصرية قديمة ضخمة مرتفعة، عظيمة الأسفل، دقيقة الأعلى. وقد أكثر الناس من التكلم عليها والتدوين فيها عربا وعجما، قديما وحديثا، نظما ونثرا؛ وذلك لفخامتها والتعجب منها. وممن كتب عليها من غير العرب، هيرودوط، وديودور الصقلى، وديوريس، واستاجوراس، ودينيس، وأرتميدور، وإسكندر ودمتريوس وإببون، واسترابون، وبلين وغيرهم، ومن العرب كثير، وأكثرهم يقول: إن الأهرام سابقة على الطوفان.
قال المقريزى فى خططه: قال الهمدانى، فى كتاب «الأكليل»: لم يوجد مما كان تحت السماء وقت الغرق من القرى قرية فيها بقية سوى «نهاوند» وجدت كما هى اليوم، لم تتغير، وأهرام الصعيد من أرض مصر. انتهى.
ومع كثرة ما كتبوا عليها لم يقفوا عند حد فيمن بناها، ولا فى تاريخ بنائها، ولا فى المقصود منها. ونريد أن نلخص مما قالوه فيها نبذة حسب الإمكان، ونرتب ذلك على ثمانية مباحث.
(المبحث الأول فى أسمائها ومآخذها)
الأهرام: بفتح الهمزة، جمع هرم بفتح الهاء والراء المهملة مثل سبب وأسباب، وأصل الهرم أقصى الكبر كما فى القاموس العربى، ومنه الهرم بفتح فكسر، وهو الشيخ الفانى.
نقل مؤرخوا العرب وغيرهم عن جالينوس أنه قال ما معناه أن اسم الهرم - الذى هو الطاعن فى السن - مشتق من الأهرام التى هم إليها صائرون عن قريب. انتهى.
أى لأن الشيخ الهرم قريب من الموت، والأهرام كانت مقابر الأموات يومئذ كما سيأتى.
وفى محيط المحيط فى اللغة للمعلم بطرس السنبانى أن الهرم عند أرباب المساحة: المخروط المضلع الذى تكون قاعدته مثلثة أو مربعة أو كثيرة الأضلاع.
جمعه أهرام وهرام، والهرم أيضا واحد أهرام مصر، وهى ربما بنيت للشمس فى أزمان الصابئين، أو مدافن لملوكها. انتهى.
وقال بعض علماء الإفرنج: إن كلمة هرم المستعملة عند العرب مأخوذة من كلمة «حرم» بالحاء المهملة (وهو المكان المعظم). واستبعد ذلك بعضهم. وقال دساسى: إن كلمة هرم مأخوذة من بى أهارم العبرانية، ومعناها المكان المقدس. انتهى.
ويؤخذ مما نقله المقريزى، عن أبى يعقوب النديم أن تسمية (هرمى الجيزة بالهرمين) من وضع العامة، وإنما يعرفان فى مدينة مصر «بأبى هرمس» والإفرنج يسمون هذا البناء بكلمة «بيراميد» بدال فى آخره.
واشتغل كثير من علمائهم بالبحث عن أصل اشتقاق هذه الكلمة، فاشتقها العالم وولنى من كلمة «بوراميت» بالتاء المثناة، وهى كلمة قبطية معناها: مخدع الميت ومقره، ومال إلى ذلك كثير من المؤلفين.
واشتقها العالم (أدلير) من كلمة «بيرامى» العبرانية التى معنى الجزء الأخير منها وهو «رامى» : الارتفاع، والجزء الأول وهو «بى» هو أداة التعريف، فكأنه يقول البناء المرتفع حسا أو معنى.
واشتقها بعضهم من كلمة «بيراميس» الرومية التى معنى الجزء الأول منها وهو «بير» النار؛ لمشابهة شكل هذا البناء لشكل اللهب الذى يحدث من تأجج النار فى الوقود، ويريدون بذلك، أن الأهرام معبد الشمس، واستبعد ذلك (اميان مرسيلان).
ويفهم من كلام العالم (ذويجا) أن كلمة «بيراميد» مأخوذة من كلمة «بى راميس» الرومية المركبة من أداة التعريف وهى «بى» ومن كلمة «راميس» التى هى قريبة من كلمة «هرميس» التى معناها الأب والأصل لجميع العلوم والمعارف.
وهذا يوافق ما نقله المقريزى عن أبى يعقوب محمد بن إسحاق النديم الوراق فى كتاب «الفهرست» . وقد ذكر هرمس البابلى، وقال إنه دفن فى البناء الذى يعرف فى مدينة مصر بأبى هرميس ويعرفه العامة بالهرمين. انتهى.
وعلى هذا فالاسم الأصلى لهذا البناء حفظ فى جميع اللغات، لكن حرّفه أهل كل لغة بما يناسب لغتهم.
فالأروام نطقوا بكلمة «بيراميس» ، والإفرنج بكلمة «بيراميد» ، والعرب قالوا «أبو هرمس» ، وعلى كل فهو منسوب إلى هرمس الذى هو أصل العلوم، وهو إدريس عليه السلام وسيأتى بعض ما يتعلق بذلك.
(المبحث الثانى فيمن بنى الأهرام وفى تاريخ بنائها)
قال فى القاموس العربى: الهرمان بالتحريك بناءان أزليان بمصر، بناهما إدريس عليه السلام لحفظ العلوم فيهما عن الطوفان، أو بناء سنان بن المشلشل، أو بناء الأوائل لما علموا بالطوفان من جهة النجوم، وفيهما طب، وسحر، وطلسم. وهنالك أهرام صغار كثيرة. انتهى.
وقد حكى المقريزى عن جملة من المؤرخين أقوالا عديدة فيمن بناها، وأطال فى ذلك.
وملخصه أنه حكى عن أبى الريحان البيرونى فى كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» أن الذى بنى أهرام مصر وبرابيها هو هرميس الأول الذى تسميه العرب إدريس.
قال: ومن الناس من زعم أن هرميس الأول المدعو بالمثلث: بالنبوة والملك والحكمة، هو الذى تسميه العبرانيون خنوخ بن برد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، وهو إدريس عليه السلام. استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان يعم الأرض؛ فأكثر من بناء الأهرام.
وقال فى موضع آخر: وكان هرميس قد ألهمه الله علم النجوم، فدلته على أنه سينزل بالأرض آفة، وأنه سيبقى بقية من العالم يحتاجون فيها إلى علم؛ فبنى هو وأهل عصره الأهرام والبرابى، وكتب علمه فيها.
ونقل عن الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه فى أخبار سوريد بن سهلوق أحد ملوك مصر أن سوريد هذا هو الذى بنى الهرمين العظيمين بمصر قبل الطوفان بثلاثمائة سنة. وسبب بنائها رؤيا رآها فى منامه، ففسرها له الكهنة بأمر عظيم يحدث فى العالم. ثم رأى أحد الكهنة رؤيا دلت على أن هذا الأمر العظيم هو طوفان يغمر الأرض، وبعده نار تخرج من برج الأسد تحرق العالم، فقال لهم: ثم ماذا يكون؟ فقالوا له: تعود البلاد عامرة كما كانت، ثم يتغلب
على مصر أقوام ويغنمون أموالها، ثم ينقطع نيلها/وتخلو من أهلها، فعند ذلك أمر ببناء الأهرام فبنيت، وأودعها جميع العلوم الغامضة التى يدعيها أهل مصر، وصوّر فيها صور الكواكب، وزبر عليها كل شئ حتى أسماء العقاقير ومنافعها ومضارها، والطلسمات وعلم الحساب والهندسة وغير ذلك.
وكان ابتداء بنائها فى طالع سعيد. إجتمعوا عليه وتخيّروه، ولما كملت كساها ديباجا ملوّنا من فوقها إلى أسفلها، وعمل لها عيدا حضره أهل مملكته.
ونقل أيضا عن القاضى الجليل أبى عبد الله محمد بن سلامة القضاعى حيث قال: روى على بن حسن بن خلف بن قديد عن يحيى بن عثمان بن صالح عن محمد بن على بن صخر التميمى قال: حدثنا رجل من عجم مصر من قرية من قراها تدعى قفط، وكان عالما بأمور مصر وأحوالها، قال: وجدنا فى الكتب القديمة أن قوما احتفروا قبرا فى دير أبى هرمس، فوجدوا فيه ميتا فى أكفانه على صدره قرطاس ملفوف فى خرق، فاستخرجوه، وقرأه رجل من دير القلمون بأرض الفيوم، وكان الكتاب بالقبطية الأولى فكان من ضمن ما فيه:
إنا نظرنا فيما تدل عليه النجوم فرأينا أن آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض، فنظرنا فوجدناه ماء مفسدا للأرض، وحيواناتها ونباتها. فلما تم اليقين عندنا قلنا لملكنا سوريد بن سهلوق: مر ببناء أفروشات وقبر لك، وقبر لأهلك. فبنى لهم الهرم الشرقى، وبنى لأخيه هورجيت الهرم الغربى، وبنى لابن هورجيت الهرم الملون. وبقيت أقروشات فى أسفل مصر وأعلاها. فكتبنا فى حيطانها: علم غامض أمر النجوم وعللها والصنعة، والهندسة والطب وغير ذلك مما ينفع ويضر، ملخصا ومفسرا لمن عرف كلامنا وكتابتنا إلى أن قال:
فلما مات الملك سوريد دفن فى الهرم الشرقى، ودفن هورجيت فى الهرم الغربى، ودفن كورس فى الهرم الذى أسفله من حجارة أسوان وأعلاه كذان.
ولهذه الأهرام أبواب فى أزج تحت الأرض طول كل أزج مائة وخمسون ذراعا.
فأما باب الهرم الشرقى فمن الناحية البحرية، وأما باب أزج الهرم الموزر فمن الناحية القبلية.
وقال عند الكلام على أمسوس أنه يقال إن سوريد ملك مائة وتسعين سنة، وكان حكيما فاضلا. وهو أول من جبى الخراج بمصر، وأول من أمر بالإنفاق على المرضى والزمنى من خزائنه، وأول من سن رفعة الصباح، وعمل أعمالا عجيبة فى مدينة أمسوس أزالها الطوفان؛ وقد تقدم بعض ما يتعلق بأبيه سهلوق فى الكلام على طيوة.
ونقل هنا عن ابن عفير عن أشياخه أن جياد بن مياد بن شمر بن شداد هو الذى بنى الأهرام.
وقال ابن عبد الحكم: وفى زمن شداد بن عاد بنيت الأهرام فيما ذكر بعض المحدثين، والقبط تنكر أن العادية دخلت بلادهم لقوة سحرهم. وقال فى الكلام على أمسوس أيضا أن القبط يقولون: إن من كان يزعم أن بانيها هو شداد بن عاد فقد غلط، وإنما هو شداد بن عديم، فإنه يقال إنه هو الذى بنى الأهرام الدهشورية. فوقع الغلط بين لفظ شداد بن عديم وشداد بن عاد؛ لكثرة ما يجرى على الألسنة شداد بن عاد دون شداد بن عديم، وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر، ولا قوى على أهلها غير بختنصر والله أعلم. انتهى.
وكان شداد بن عديم عالما، كاهنا، ساحرا، وهو أول من اتخذ الجوارح وولد الكلاب السلوقية، وأقام ملكا تسعين سنة. وفى أيامه بنيت مدينة قوص. وأبوه عديم بن قفطيم كان جبارا عظيما من ملوك مصر، وهو أول من عاقب بالصلب فى مصر. انتهى.
لكن قال فى موضع آخر: إن الذى بنى أهرام دهشور هو هورجيت بن سوريد. قال: وكان كأبيه حكيما فاضلا فى علم السحر والطلسمات، فعمل
أعمالا عجيبة، واستخرج معادن كثيرة، وأظهر علم الكيمياء، وحمل إلى الأهرام أموالا عظيمة، وجواهر نفيسة، وعقاقير وسمومات، وجعل عليها روحانيات تحفظها، ولما مات دفن فى الهرم ومعه جميع أمواله وذخائره، انتهى.
وظاهر أن بين العبارتين تناقضا، فانظر أيتهما أصح.
وقال عبد الله بن شبرمة الجرهمى: لما نزلت العماليق أرض مصر حين أخرجها جرهم من مكة، بنت الأهرام واتخذت لها المصانع، وبنت فيها العجائب، ولم تزل بمصر حتى أخرجها مالك بن درع الخزاعى. انتهى.
باختصار.
ونقل السيوطى فى حسن المحاضرة عن صاحب المرآة أنه قال:
اختلف فيمن بنى الأهرام: فقيل يوسف، وقيل نمروذ، وقيل دلوكة الملكه، وقيل بناها القبط قبل الطوفان. وكانوا يرون إنه كائن فنقلوا أموالهم وذخائرهم إليها. فما أغنى عنهم شيئا.
قال: وحكى لى بعض شيوخ مصر أن بعض من يعرف لسان اليونان حل بعض الأقلام التى عليها، فإذا هى قبل زمان نبينا صلى الله عليه وسلم بست وثلاثين ألف سنة، وقيل إثنتين وسبعين ألفا، وقيل إن القلم الذى عليها تاريخه قبل بناء مصر بأربعة آلاف سنة ولا يعرفه أحد. انتهى.
ومع كثرة ما كتب العرب فى تعيين من بنى الأهرام، فلم يتفقوا على شئ، ولم يترجح من كلامهم شئ. وعذرهم فى ذلك قدم هذه المبانى جدا بحيث خفى الخبر الشافى فيها، مع عدم وجود آثار من نقوش/ونحوها تدل على ذلك.
وكذلك نصوص غير العرب من الإفرنج وغيرهم مضطربة جدا من غير ترجيح، وهيرودوط نفسه الذى ساح فى مصر قبل المسيح بأربعمائة وخمسة
وأربعين سنة سمى بانى الهرم الكبير كيوبس، وسماه ماينتون سوفيس، ويسمى فى نقوش المعابد خوفو.
وقال هيرودوط: إنه لما أراد بناءه أمر بقفل المعابد، ومنع القرابين، وحكم على المصريين بدون استثناء بالعمل فى الأشغال الشاقة. فبعضهم ينحت الحجارة، وبعضهم ينقلها إلى النيل، والبعض يستلمها فينقلها إلى جبل ليبيا على النيل فى المراكب. وكان المشتغل بذلك على الدوام مائة ألف، يتغيرون بمثلهم كل ثلاثة أشهر.
وكان طول الطريق خمس غلوات، وعرضها عشرة أورجى، وارتفاعها ثمانية أورجى. (والأورجى مقياس رومى) قدره أربعة عشر مترا وثمانية وتسعون جزءا من مائة من المتر فعملت الطريق ومحلات عديدة تحت الهرم فى ظرف عشر سنين، وخصص تلك المحلات لدفنه فيها، وحفر حوالى الهرم خليجا أخرجه من النيل، فصار هذا البناء فى جزيرة يحيط بها الخليج من كل جهة، وسمى هذا الهرم باسمه. ومدة بنائه عشرون سنة، وهو ذو قاعدة مربعة طول كل وجه من أوجهه ثمانية بيلترات، وارتفاعه بلتر واحد، وكساه من أوله إلى آخره بالحجر المصقول المحكم اللحام، وكل حجر منها لا ينقص عن ثلاثين قدما.
قال: وكهنة مصر يقولون إن كيوبس حكم خمسين سنة. ونقل بعضهم عن هيرودوط أن الملك أنفق فى بناء هذا الهرم أموالا جمة حتى نفد جميع ما تحت يده، وكان حريصا على إتمامه غاية الحرص. حتى حمله حرصه على أنه أباح لابنته، بل أمرها أن تذهب إلى أماكن البغى، وتعرض نفسها لفعل الفاحشة، وتحصل له أموالا من مهر البغى لإتمام الهرم. انتهى.
قال هيرودوط: وبعد موته تقلد بأعباء المملكة أخوه، وسماه شفرين (ويسمى فى نقوش المعابد شفرا) قال: وسار فى الملك بسير أخيه، وبنى
هرما أقل من الأول - كما حققنا ذلك بالقياس - ولم يجعل تحته مخادع، ولا حواليه خليجا يصب فى داخله، كالخليج الذى جعله أخوه حوالى الهرم الأول الخارج ماؤه من النيل فى مجار من البناء تحت الأرض ويجرى تحت الجزيرة المدفون فيها أخوه كيوبس.
وذلك الهرم الثانى بقرب الهرم الكبير، وينقص عنه فى الإرتفاع أربعين قدما، وهو متكئ على مدماك من حجارة ايتوبيا (النوبة)، وهى حجارة مختلفة الألوان. والهرمان قائمان على هضبة ارتفاعها نحو مائة قدم. وقد أقام شفرين فى الملك ستا وخمسين سنة. وكان للمصريين فى هذين الملكين كراهة شديدة جدا، حتى أنهم كانوا يتحاشون عن النطق باسمهما، ولا يكادون يذكرونهما، فلذا كانوا يضيفون الهرمين إلى اسم راع يسمى فيليتون، كان يرعى مواشيه بقربهما وقت بنائهما، فيقولون هرم فيليتون، ولا يقولون هرم كيوبس مثلا. انتهى.
لكن قول مرييت بك يخالف ذلك. فقد قال إن الآثار الباقية من أزمانهم إلى الآن تدل على أن الملكين كيوبس وشفرين، كانا مقدسين عند الأهالى بتقديس مخصوص، وأن مسيرنيوس كان على غاية من الصلاح والديانة، وقد ألف كتابا فى آداب الديانة كان معتبرا معظما عند المصريين. انتهى.
ويقوى ذلك ما قرأه العالم (نستورلهوت) بقرب اسم كيوبس مما يدل على احترامه عند المصريين. وقال مانيتون: إن كيوبس كان أولا يعيب الآلهة ويحتقرهم، ثم رجع عن ذلك وألف كتابا قرر فيه توبته، وصار فيما بعد من المحترمين، وصار كتابه مقدسا. انتهى.
ونقل العالم بيازسيت الإنكليزى عن العالم جونيلور، أن الملك خوفو كان يعبد الله تعالى على طريقة تخالف طريقة المصريين، فإن عبادتهم كانت وثنية، فكانوا يعبدون العجل أبيس والثور منديس، فمنع ذلك وحصلت الكراهة بينهم. انتهى.
قال هيرودوط: ولما مات شفرين جلس بعده على التخت ابن كيوبس وسماه مسيرنيوس (ويسمى فى نقوش المعابد منقرا) فبنى الهرم الثالث، وهو أصغر من الأول أيضا، وهو مربع القاعدة. وكل وجه منه ثلاث بيلترات إلا عشرين قدما، وكسوته إلى نصف إرتفاعه من حجر اتيوبيا. انتهى.
وقال ديودور الصقلى - الذى ساح فى مصر قبل المسيح بستين سنة - إن بانى الهرم الكبير هو شميس، ولد بمدينة منفيس، وتسلطن خمسين سنة.
واستخدم فى بناءه ثلاثمائة وستين ألفا من الأهالى والعبيد، اشتغلوا به عشرين سنة، والذى كان عقب شميس أخوه شفرين، فحكم ستا وخمسين سنة. وقيل إن شميس ترك الملك لابنه شيرويس أو شيرين لا لأخيه. وعلى كل حال فالخليفة الذى جاء بعد شميس هو الذى بنى الهرم الثانى، اقتداء بشميس فى بنائه الهرم الأول، إلا أنه جعله أصغر منه؛ لأن طول ضلع قاعدته إستادة واحدة أو ستمائة وخمسة وعشرون قدما، وليس عليه نقوش ولا كتابة.
انتهى.
وقد استكشف السياح يلزونى قبرا بقرب الهرم الثانى/وجد عليه اسم بانيه شفرين، أو شفرا. وقال بعضهم إن شفرين هو أحد ملوك العائلة الرابعة من الفراعنة. وبعد هذا الهرم عن الأول مائة وخمسة وثمانون مترا.
قال ديودور: ثم تولى الملك بعدهما مسيرينوس ابن شميس، وبعضهم يسميه شيرينوس، فسار بسير من قبله، وشرع فى بناء الهرم الثالث، فمات قبل تمامه، وقد جعل ضلع قاعدته ثلاثمائة قدم، والأوجه إلى غاية المدماك الخامس عشر من حجارة سوداء تشبه حجارة طيبة، وأعلاه مبنى من جنس حجارة الهرمين الأوليين، واسم الملك مسيرنيوس مكتوب على الوجه المواجه للغرب، وبقرب هذه الأهرام الثلاثة ثلاثة أهرام أخر صغار، ضلع الواحد منها مائة قدم.
ويقال إن الثلاثة أيضا من بناء هؤلاء الملوك الثلاثة جعلوها لنسائهم، كما جعلوا الثلاثة الأول لدفن أنفسهم. وبعض الناس يعزو الهرم الأوّل إلى أرماييس، ويعزو الثانى إلى أموريس، والثالث إلى أنارون. انتهى.
وقال بعضهم: وقع خلاف بين هيرودوط ومانيتون فقال الأول: إن بانى الهرم الثالث هو ميرنيوس، وقال الثانى: إنه من بناء الملكة نيتوكريس، وبعضهم وفق بينهما فقال الذى بناه هو مسيرنيوس، والملكة قد تمته وزخرفته، ودفنت فى إحدى الأوديتن اللتين بداخله ودفن فيه الملك أيضا. وقد وجد الصندوق الخشب الذى به جثته، وعليه اسم الملك وبعض أدعية، وهو الآن فى خزانة الآثار بباريس. وبعض الناس حسب مدته فوجده سابقا على المسيح بأكثر من أربعين قرنا.
وهذا يدل على أن الديانة والكتابة كانت فى تلك المدة، كما كانت فيما بعد، وكانت صورة الملك على باب الهرم؛ وبقيت إلى زمن ديودور.
وزعم بعضهم أن أخبار الملكة وسيرتها كانت معلومة، شائعة بين الأروام حتى ألفوا عليها كتابة كأنها خرافات فقالوا: إن بنت الملك طلبت من كل واحد منهم حجرا، فبنت الهرم من ذلك.
وزعم الأروام أن الفتاة دروب الباغية هى التى بنته من مال البغى، أو بناه لها عشاقها من حكام الجهات. وقد وجد على باب الهرم عظام، فظنوا أنها عظام بانيه، ثم تحققوا أنها عظام ثور. انتهى.
وقال بعضهم اشتغل بالأهرام أهل كل ملة، ولم يتفقوا على بانيها، فبعضهم ينسبها إلى المسيح عليه السلام، وبعضهم ينسبها إلى يوسف عليه السلام، وبعضهم يقول: إن الشغالة الذين تولوا الخدمة فى بنائها هم العبرانيون وقت أسرهم فى مصر. انتهى.
وعلى كلام كل من هيرودوط وديودور، فبانى الهرم الأول والثانى إما أخوان، أو ملك وابنه، وربما كان لا خلاف بينهما بأن يكون الاختلاف فى الأسماء مع إتحاد المسميات.
ومع كثرة هذه الأقوال فيمن بنى الأهرام، فالأقرب للترجيح هو كلام هيرودوط؛ لأنه أقدم المؤرخين، إذ هو كان قبل المسيح بأربعة قرون ونصف، وقد ساح فى مصر وأخذ الأخبار عن الكهنة الموجودين فى ذلك الوقت، فسمع ورأى ما لم يسمعه غيره أو يره. ويؤيده أيضا ما وجده الميرالاى (هوارويز) فى الهرم الكبير؛ وذلك أنه وجد قطعة من حجر فى أرضية الأودة التى فوق أودة الملك مكتوبا عليها اسم (بانيه) وهو خوفو أو شوفو أو شوفيس، ووجد كتابة أخرى من مضمونها أن الملك يأمر الفعلة أن يضعوا الحجارة فى أماكن معينة. ثم استدل فيما بين الهرم الكبير والهرم الثانى وصورة أبى الهول بواسطة الحفر على قبر، فاستمر فى الكشف عنه لكنه مات قبل تمامه، فاستكشفه من جاؤا بعد بإتمام حفره فوجدوه هو قبر بانى الهرم الكبير؛ لأنهم وجدوا أوصافه موافقة لما ذكره هيرودوط.
وهذا القبر عبارة عن بئر منقورة فى الصخر رأسيا فى غاية الإستواء، وعمقها نحو ثلاثة وخمسين قدما، وفى قاعها مخدع من حجر يعلوه قبة من فوقها قبة أخرى لمقاومة الضغط حتى لا تتكسر، وفى داخل المخدع جرن ضخم، ويحيط بالبئر خندق مربع عمقه خمسة أقدام وطوله سبعون قدما، وهو أسفل من مستوى ماء النيل بقدر خمسة عشر قدما، والماء يرشح من جوانبه فيحدث ترعة حول القبر.
وهذا يحقق ما قاله هيرودوط وديودور، أن هذين الملكين - أى بانى الهرم الكبير وبانى الهرم الثانى - لم يدفنا فى الأهرام، وإن كان القصد منها إبتداء جعلها مدافن، وذلك أن الأهالى - بسبب ما قاسوه من الشدائد فى بناء
الهرمين - حلفوا أنهم بعد موت هذين الملكين لا بد أن يخرجوا جثتيهما ويقطعونها إربا إربا، فأوصوا أقاربهم أنهم لا يدفنوهم فى الأهرام، وأن يجعلوا جثتهم محفوظة من الأيدى.
قال: والكتابة التى وجدت على الجرن من تاريخ العائلة الثامنة عشر، فلا مانع من أن هذا القبر استعمل فيما بعد فى دفن الملوك الآخرين.
وقد عثر مرييت بك على قبر بانى الهرم الثانى، قال: وهو المعبد المسمى عند الناس بمعبد أبى الهول، وأزج الدخول يتجه إلى وسط الضلع الشرقى للهرم، ووجد تمثاله، فنقله إلى خزانة بولاق وهو بها إلى الآن.
انتهى.
(المبحث الثالث فى عدد الأهرام، ومم بنيت، وكيف كان بناؤها)
قال المقريزى فى خططه:
اعلم أن الأهرام كانت بأرض مصر كثيرة، منها بناحية بوصير شئ كثير، بعضها كبار، وبعضها صغار، وبعضها طين ولبن، وأكثرها حجر، وبعضها مدرج، وأكثرها مخروط أملس، وقد كان منها بالجيزة تجاه مدينة مصر عدة كثيرة كلها صغار، هدمت فى أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، على يد قراقوش، وبنى بها قلعة الجبل، والسور المحيط بالقاهرة ومصر، والقناطر التى بالجيزة، وأعظم الأهرام الثلاثة التى هى اليوم قائمة تجاه مصر.
ثم قال: وقال ابن خرداذبة: إن الهرمين بمصر من عجيب البنيان، وهما من رخام ومرمر، ثم قال: قال فى عجائب البنيان: قد أكثر الناس فى ذكر الأهرام ووصفها ومساحتها، وهى كثيرة العدد جدا، وكلها ببر الجيزة على سمت مصر القديمة تمتد نحوا من ثلاثة أيام. إلى أن قال:
وأما أهرام الجيزة الثلاثة فهى موضوعة على خط مستقيم قبالة الفسطاط، وبينها مسافات كثيرة وزوايا متقابلة نحو الشرق، وإثنان عظيمان جدا فى قدر واحد، وهما متقاربان ومبنيان بالحجارة البيض. وأما الثالث فصغير عنهما نحو الربع، لكنه مبنى بحجارة الصوان الأحمر المنقط الشديد القوة والصلابة ولا يكاد يؤثر فيه الحديد.
وقال أيضا ذكر أبو محمد عبد الله بن عبد الرحيم القيسى فى كتاب «تحفة الألباب» :
إن الأهرام مربعة الجملة، مثلثة الوجوه، وعددها ثمانية عشر هرما فى مقابلة مصر الفسطاط: ثلاثة أهرام أكبرها دوره ألفا ذراع، فى كل وجه خمسمائة ذراع، وكل حجر من حجارتها ثلاثون ذراعا فى غلظ عشرة أذرع، قد
أتقن نحته وأحكم إلصاقه، ومنها عند مدينة فرعون يوسف هرم أعظم وأكبر، دوره ثلاثة آلاف ذراع، وعلوه سبعمائة من حجارة، كل حجر خمسون ذراعا، وعند مدينة فرعون موسى هرم أكبر وأعظم، وهرم آخر يعرف بهرم مدون كأنه جبل وهو خمس طبقات. انتهى.
وانظر هذا مع أن أكبر الموجود الآن فيما نعلم الأهرام الثلاثة المعروفة بأهرام الجيزة بجوار مدينة منف القديمة، وقد أطبق من أطلعنا على كلامه من المتكلمين فى الأهرام، على أن أكبر الأهرام هرم الجيزة الذى هو أحد الأهرام الثلاثة التى هناك.
وقد عدّ العالم اليبسوس البروسيانى فى كتابه من أهرام مصر سبعة وستين ما بين كبيرة وصغيرة، جميعها فى غربى النيل ما بين الدلتا والفيوم فى مسافة إثنى عشر فرسخا، منها أهرام أبى رواش، وأهرام الجيزة، وبوصير، وسقارة، ودهشور، ومتانية، وميدون.
قال: والمشهور من جميع هذه الأهرام هى:
أهرام الجيزة، وعلى بعد ساعتين من أهرام الجيزة يوجد هرم أبى رواش:
ضلع قاعدته ثلاثمائة وعشرون قدما انكليزيا عبارة عن سبعة وتسعين مترا، وهو متخرب، لم يبق منه غير ستة مداميك ومخدع الميت تحت إستواء أرضه، وأما أهرام بوصير فهى أربعة بقرب بوصير الجيزة، فى شمالها الغربى، أكبرها الهرم القبلى، ضلع قاعدته مائة متر وعشرة أمتار. وقد اعترى الجميع التخريب والتلف. وفى الشمال الغربى لهذه الأهرام على نحو تسعمائة متر هرم منفرد؛ وفى الجنوب الشرقى لهذه الأهرام آثار مزلقانات ومعابد.
وأما أهرام سقارة فهى ثمانية أو عشرة متفاوتة فى الحجم أيضا، وأكبرها وهو القبلى تختلف أضلاعه، فمنها ضلعان كل منهما مائة وعشرون مترا، وضلعان كل منهما مائة متر وسبعة، وهو مدرّج، عدد درجاته خمس. وفى
وسطه بئر متسعة، حافتها العليا فى مستوى قاعدة الهرم، ويتفرع عن البئر فى جهات مختلفة عدة آزاج. وفى قاع البئر مخدع فيه جرن من حجر الصوان لم يعلم اسم صاحبه ولا بانى الهرم. وبعض الآزاج يوصل إلى أودة، وعليه كتابة هيروجليفية عرف منها اسم ملك من الأقدمين، ولم يعثر فى هذه الأهرام على كتابة غير هذه.
وزعم بعضهم أن هذه الكتابة ليست من وقت بناء الأهرام. وفى ضواحى سقارة آبار كثيرة بها موميات حيوانات مقدسة كالثعبان، والثور، والخروف، والطير أبيس، وموميات آدميين. وأغلبها قد تلف من النشع، وآبار مومية الطير أبيس واقعة فى شمال الهرم، وعمقها يبلغ إثنين وعشرين مترا، والمومية مظروفة فى أوان من الفخار فى شكل قمع السكر، وما بقى منها محفوظا وجد ملفوفا فى أشرطة من قماش الكتان.
ومنذ عشرين سنة عثر هناك على قبور مزينة بالنقوش فيها أسماء ملوك من الأقدمين. وفى غربى الهرم بعشر دقائق يوجد السيرابيوم، ومر الكلام عليه فى الكلام على بوصير.
وفى شرقى الأهرام فى الجبل إلى حدود أرض المزارع قبور من الحجارة النحت مقبية، وهى من زمن بسماتيك الثانى قبل المسيح فيما بين خمسمائة وتسعين سنة، أو خمسمائة وخمس وتسعين، وهذه القبور مع ما وجد بطيبة من القبور المقبية المؤرخة قبل المسيح بألف وخمسمائة/وسبعين سنة تدل على أن هذا النوع من المبانى قديم عند المصريين.
وأما أهرام دهشور فهى أربعة فى جنوب أهرام سقارة كأنها ملحقة بها، منها إثنان من الحجر وإثنان من اللبن، وضلع الهرم الكبير الحجرى الآن مائتان.
وثلاثة عشر مترا، وكان قبل ذلك مائتين وتسعة عشر مترا كما تدل عليه الآثار، وإرتفاعه تسعة وتسعون مترا، ولم يكن أكبر منه بعد أهرام الجيزة.
والهرم الآخر الحجرى يتميز فى بنائه عن أغلب الأهرام بإنكسار ميل جميع أسطحته عند نصف إرتفاعه. وقد سطت الأيدى على الهرمين المبنيين من اللبن فأتلفتهما.
وأما أهرام المتانية فهما إثنان فى جنوب سقارة على مسافة أربعة وأربعين ألف متر، وفيهما انكسار كانكسار هرم دهشور.
وأما هرم ميدون فهو أعجب من هذين الهرمين؛ لأنه يشبه ثلاثة أبراج مربعة الشكل، مائلة الأسطحة، بعضها فوق بعض، وينتهى البرج الأخير بصورة هرم ناقص، والأهالى يسمونه الهرم الكذاب.
وبناحية بيهمو فى شمال مدينة الفيوم على نحو ساعة يوجد الهرمان اللذان كانا على جرف بحيرة مريس. انتهى.
وأما كيفية بنائها وما بنيت به، ففى المقريزى أن سوريد لما شرع فى بناء الأهرام أمر بقطع الأسطوانات العظيمة، ونشر البلاط الهائل، واستخراج الرصاص من أرض المغرب، واحضار الصخور من ناحية أسوان، فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة: الشرقى، والغربى، والملون.
(أهرام الجيزة)
وكانوا يمدون البلاطة، ويجعلون فى ثقب بوسطها قطبا من حديد قائما، ثم يركبون عليها بلاطة أخرى مثقوبة الوسط، ويدخلون القطب فيها، ثم يذاب الرصاص، ويصب فى القطب حول البلاطة بهندام واتقان إلى أن كملت، وجعل لها أبواب تحت الأرض بأربعين ذراعا.
قال: ويقال إن شداد بن عديم بنى الأهرام الدهشورية من الحجارة التى كانت قد قطعت فى زمن أبيه.
قال: وقد ذكر أن بعض ملوك الإسلام شرع يهدم بعض أهرام الجيزة، فإذا خراج مصر لا يفى بقلعها، وهى من الحجر والرخام. وكان الملك منهم إذا مات وضع فى حوض من حجارة، ويسمى بمصر والشام الجرن، وأطبق عليه، ثم يبنى من الهرم على مقدار ما يريدون من إرتفاع الأساس، ثم يحمل الحوض ويوضع وسط الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان، ثم يرفعون البناء على المقدار الذى يرونه، ويجعل باب الهرم تحت الهرم، ثم يحفر له طريق تحت الأرض، ويعقد أزج طوله تحت الأرض مائة ذراع أو أكثر. ولكل هرم من هذه الأهرام باب مدخله على ما وصفت.
قال: وكان القوم يبنون الهرم من هذه الأهرام مدرجا ذا مراق كالدرج، فإذا فرغ نحتوه من فوق إلى أسفل. فهذه كانت جبلتهم، وكانوا مع ذلك لهم قوة وصبر وطاعة.
قال: وفى كتاب «البنية والإشراف» : والهرمان اللذان فى غربى الفسطاط مبنيان بالحجر العظيم على الرياح الأربع، كل ركن من أركانهما يقابل ريحا منها، فأعظمها فيهما تأثيرا ريح الجنوب وهى المريسى. انتهى.
وفيه أيضا عن الحوقلى أن الهرمين اللذين تجاه الفسطاط مبنيان بحجارة الكذان التى سمك الحجر وطوله وعرضه من العشرة أذرع إلى الثمان؛ بحسب
ما دعت الحاجة إلى وضعه فى زيادته ونقصه وأوجبته الهندسة عندهم؛ لأنهما كلما إرتفعا فى البناء ضاقا حتى يصير أعلاهما من كل واحد منهما مثل مبرك جمل. انتهى.
وقد ذكر بعض من دخل الهرم زمن المأمون أن حجارة البيت الذى فى أعلاه جافية، طول الحجر منها من عشرة أذرع إلى عشرين ذراعا، وسمكه من ذراعين إلى ثلاثة أذرع وعرضه نحو ذلك؛ والعجب كل العجب من وضع الحجر على الحجر بهندام ليس فى الإمكان أصح منه، بحيث لا تجد بينهما مدخل إبرة ولا خلل شعرة، وبينهما طين لونه الزرقة، لا يدرى ما هو ولا صفته. انتهى.
وقال أيضا: إن يرد أبى هرميس مبنى بحجارة وطين مجلوب من الفيوم.
وهذا معروف إذا نظر إلى طينه لم يعرف له معدن إلا بالفيوم، وليس بمنف ووسيم له شبه من الطين.
وفى «حسن المحاضرة» للسيوطى قال الزمخشرى: الهرمان بالجيزة على فرسخين من الفسطاط كل واحد أربعمائة ذراع عرضا، والأساس زائد على جريب مبنى بالحجارة المرمر، وهى منقولة من مسافة أربعين فرسخا من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندرية. إلى أن قال: وقالوا لا يعرف من بناهما.
انتهى.
وقال هيرودوط: يظهر فى كيفية بناء الهرم الكبير، أنهم جعلوا الأوجه فى شكل مدرج كالسلالم، وبعد تمامه على هذه الصفة شرعوا فى كسوته.
فاستعملوا آلات صغيرة من الخشب لرفع الحجارة التى كسوه بها، فبعض الآلات يرفع الحجارة إلى الدرجة الأولى فتأخذها آلة أخرى وترفعها إلى الدرجة الثانية، وتأخذها الثانية وترفعها إلى الثالثة وهكذا.
قال: ولم أدر أكانت الآلات فى كل درجة واحدة أم متعددة، وإنما أقول على حسب ما قيل لى، فابتدئ بكسوته من الأعلى حتى انتهى إلى
الأسفل، وقد كتبوا عليه كمية ما كانت تأكله الشغالة من البصل والكراث والثوم خاصة، وأحصوا/قيمته.
قال: وأتذكر ما قرأه لى الترجمان من هذه النقوش، وهو أن مصرف ما استهلك على الشغالة من هذه الأفرع خاصة ألف وستمائة طالان من الفضة (عبارة عن ثمانية ملايين وستمائة وأربعين ألف فرنك). فبفرض أن باقى لوازم المؤنة ولوازم البناء بهذه المناسبة، فما مقدار ما صرف فى ذلك! وهذا خلاف مدة الحفر والنحت ونقل الأحجار. ويلزم أن يكون زمن ذلك طويلا.
وقال بمثل ذلك ديودور الصقلى أيضا.
وقال: إن هذه الأهرام - أي الثلاثة - مبنية من حجر صلب صعب النحت والتسوية؛ فلذا كان طويل البقاء. فقد مضى عليه الآن على ما يقال ألف سنة، وبعضهم يقول ثلاثة آلاف وأربعمائة سنة، ومع ذلك فلم يحصل فى شئ منه أدنى خلل، وهى مجلوبة من داخل جهات العرب.
قال استرابون - وقد ساح فى مصر بعد المسيح بثمانى عشرة سنة: وبما أن المصريين فى وقت بناء الهرم الكبير كانوا لا يعرفون سقائل الأخشاب، يقال إنهم استعملوا فى بنائه التراب يتوصلون به إلى بناء ما ارتفع عن الأرض.
ومما يستغرب فى أمره إنه لا يرى هناك فى وسط الرمل أثر للحفر ولا للنحت ولا للتراب الذى استعمل فيه، بل يتراءى للناظر أن الهرم كأنه برز من الأرض بهذه الصفة، ورفع بأيدى المقدسين فى وسط الأرض بلا عناء ولا حفر ولا نحت. وبعض المصريين يقول إن التراب الذى استعمل فى بنائه تراب مستملح مركب من ملح وتراب، فلما ارتفع النيل ذوّب هذه الأتربة وأزالها من غير حاجة إلى الشغالة، ولا حاجة إلى ذلك؛ فإنه لا يبعد أن يقال إن الأيدى التى استعملت فى جلب التراب استعملت أيضا فى رفعه وتسوية الأرض، وهل يستبعد ذلك على ثلاثمائة وستين ألفا كانوا يشتغلون فيه، مع أن الإزالة أسهل من الجلب.
قال: والأهرام الثلاثة منها إثنان مبنيان على مستو واحد، والثالث فى أرض أعلى من أرضهما، وهو أقل منهما عظما، لكنه صرف عليه أكثر مما صرف على الواحد منهما؛ بسبب أنه من قاعدته إلى نصفه من الحجر الأسود الذى يصنع منه الأهوان، وهو يجلب من بلاد النوبة مع صلابته وصعوبة نحته.
انتهى.
واستبعد بعضهم ما قاله استرابون فقال: من يتأمل فى بناء الهرم وكبر أحجاره، يرى أنه لو بنى بالطريقة التى يقولها استرابون من أنه أحيط بالتراب لتسحب عليه الأحجار، لكان فى ذلك صعوبة لا غاية لها، وكان يلزمهم بعد بناء كل مدماك ردم جديد؛ لتعديل السطح المائل ورفعه، ولا يجوز على المصريين - الذين بهرت معارفهم وعلومهم الهندسية عقول الناس، وشهدت لهم جميع الأمم - أنهم يجهلون إستعمال الآلات لرفع الثقيل.
وكلام هيرودوط - السابق عليه بأجيال - صريح فى أنهم استعملوا الآلات فى رفع الأحجار. ومما يؤكد أن المصريين كانوا يستعملون الآلات فى رفع الأثقال، الصخرة الكبيرة الصوانية الموجودة فى الدهليز الضيق الموصل إلى أودة الملك التى فى الهرم نفسه؛ فإن لها أسنانا وألسنا معشقة فى نقور البناء الملتصق بها، بحيث أن من يراها لا يشك فى أنها إنما رفعت إلى ما هى عليه بالآلات، التى يتأتى معها تعشيقها فى محلها على هذا الوجه المكين ذكرا فى أنثى، وبغير الآلات لا يمكن ذلك. انتهى.
ويوافق ما قاله هيرودوط ما نقله المقريزى عن على بن رضوان الطبيب قال:
فكرت فى بناء الأهرام، فأوجب علم الهندسة العملية ورفع الثقيل إلى فوق، أن يكون القوم هندسوا سطحا مربعا، ونحتوا الحجارة ذكرا وأنثى، ورصوا بالجبس البحرى إلى أن ارتفع البناء مقدار ما يمكن رفع الثقيل، وكانوا كلما
صعدوا ضموا البناء حتى يكون السطح الموازى للمربع الأسفل مربعا أصغر من المربع السفلانى، ثم عملوا فى السطح المربع الفوقانى مربعا أصغر بمقدار ما بقى من الحاشية ما يمكن رفع الثقيل إليه، وكلما رفعوا حجرا مهندما رصوا إليه ذكرا وأنثى، إلى أن إرتفع مقدار مثل المقدار الأول، ولم يزالوا يفعلون ذلك إلى أن بلغوا غاية لا يمكنهم بعدها أن يفعلوا ذلك، فقطعوا الإرتفاع، ونحتوا الجوانب البارزة التى فرضوا لرفع الثقيل، ونزلوا فى النحت من فوق إلى أسفل، وصار الجميع هرما واحدا. انتهى.
وقد مر فى كلام هيرودوط أن كيوبس كسا الهرم الأول جميعه بالحجر المصقول المحكم اللحامات، وكل حجر منه لا ينقص عن ثلاثين قدما، وأن الهرم الثانى متكئ على مداميك من حجارة (ايتونيا) وهى حجارة مختلفة الألوان، وأن كسوة الهرم الثالث من حجارة (ايتونيا) أيضا.
ومر أيضا عن ديودور أن الأهرام الثلاثة مبنية من حجارة صلبة، صعبة النحت، طويلة البقاء، وأن أوجه الهرم الثالث إلى غاية المدماك الخامس عشر من حجارة سود تشبه حجارة طيبة، وأعلاه من جنس حجارة الهرمين الأولين.
وفى بعض العبارات: إن مقدار الحجر الواحد من أحجار الهرم الكبير مائتا قدم مكعب، وأقل ما يكون وزنه ثلاثين ألف كيلوجرام، عبارة عن ستمائة وستة وستين قنطارا/وثلثى قنطار مصرى تقريبا.
ونقل المقريزى أن بإزاء الأهرام مغاور كثيرة العدد، كبيرة المقدار، عميقة الأغوار، لعل الفارس يدخلها برمحه ويتخللها يوما أجمع ولا ينهيها؛ لكبرها وسعتها وبعدها، ويظهر من حالها أنها مقاطع حجارة الأهرام. وأما مقاطع حجارة الهرم الأحمر، فيقال إنها بالقلزم وبأسوان. انتهى.
وبعض الإفرنج استدل ببعض كتابات على أن أحجار الأهرام جلبت إليها من جبل طرا.
وبعضهم قال: إن الأهرام بنيت من حجارة الجبال القريبة منها، ثم غطيت بالحجارة المنقولة إليها من بعيد.
وقال بلين: إن الثلاثة الأهرام التى ملأ ذكرها الأرض، تشاهد لراكب النيل من كل جهة، والثلاثة موضوعة على صخرة من أرض أفريقية بين منفيس والدلتا، على أقل من أربعة أميال من النيل وستة من منفيس، بقرب قرية بوزيرس (بوصير) المسكونة بقوم معتادين على الرقىّ فوق الأهرام، وأكبر هذه الأهرام أحجاره من أرض العرب، ويقال إن ثلاثمائة وستة وستين ألف نفس اشتغلوا فيه عشرين سنة، واستغرق بناء الثلاثة ثمانيا وسبعين سنة وأربعة أشهر. انتهى.
(المبحث الرابع فى صفة الأهرام ومشتملاتها)
لما كان أعظم الأهرام وأعجبها وأشهرها هى أهرام الجيزة الثلاثة؛ كان أكثر كلام المتكلمين على الأهرام دائرا على هذه الثلاثة، وهى مطمح أنظار السياحين والمتفرجين والناثرين والناظمين.
قال المقريزى قال فى كتاب (عجائب البنيان): قد إنفردت مصر بهذه الأشكال (يعنى الأهرام) فليس لها بغيرها مثال، ثم قال:
وقد سلك فى بناء الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان؛ ولذلك صبرت على ممر الأيام، لا بل على ممرها صبر الزمان. فإنك إذا تأملتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها، والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها، والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها، والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثالا فى غاية إمكانها حتى أنها تكاد تحدّث عن قوة قومها، وتخبر عن سيرتهم، وتنطق عن علومهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم؛ وذلك أن وضعها على شكل مخروط، ويبتدئ من قاعدة مربعة، وينتهى الى نقطة.
ومن خواص الشكل المخروط أن مركز ثقله فى وسطه يتساند على نفسه ويتواقع على ذاته، ويتحامل بعضه على بعض، وليس له جهة أخرى يتساقط عليها. ومن عجيب وضعه أنه شكل مربع قد قوبل بزواياه مهاب الرياح الأربع؛ فإن الريح تنكسر سورتها عند مسامتها الزاوية، وليست كذلك عند ما تلقى السطح.
قال: والأهرام المتحدث عنها ثلاثة أهرام موضوعة على خط مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط، وبينها مسافات كثيرة وزوايا متقابلة نحو الشرق، وإثنان عظيمان جدا فى قدر واحد وهما متقاربان ومبنيان بالحجارة البيض. وأما الثالث فصغير عنهما نحو الربع، وتجده صغيرا بالقياس إلى ذينك، فإذا أتيت إليه وأفردته بالنظر، هالك مرآه وحير النظر فى تأمله.
وقال أيضا: والهرمان الكبيران يظنهما الناظر للديار المصرية نهدين، ويحسبهما القابل أن مكارم أهلها قد أعدتهما للتكرم ابلوجين، تراهما العين على بعد المسافة. وإذا حدثت عن عجائبهما يظن أنه حديث خرافة.
وذكر المساح أن قاعدة كل من الهرمين العظيمين أربعمائة ذراع - بالذراع السوداء - وينقطع المخروط فى أعلاه عند سطح مساحته عشرة أذرع فى مثلها.
وذكر أن بعض الرماة رمى سهما فى قطر أحدهما وفى سمكه، فسقط السهم دون نصف المسافة، وذكر أن ذرع سطحها أحد عشر ذراعا بذراع اليد. وفى أحد هذين الهرمين مدخل يلجه الناس يفضى بهم إلى مسالك ضيقة وأسراب متنافذة، وآبار ومهالك، وغير ذلك على ما يحكيه من يلجه، وإن أناسا كثيرين لهم غرام به وتحيل فيه، فيتوغلون فى أعماقه، ولا بد أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه.
وأما المسلوك المطروق كثيرا فزلاقه تفضى إلى أعلاه، فيوجد فيه بيت مربع فيه ناووس من حجر، وهذا المدخل ليس هو الباب الذى فى أصل البناء، وإنما هو منقوب نقبا صادف إتفاقا.
ونقل عن ابن خرداذبة: إن من عجيب البنيان الهرمين بمصر، سمك كل واحد منهما أربعمائة ذراع، وكلما ارتفع دق، والطول أربعمائة ذراع فى عرض أربعمائة ذراع مكتوب عليهما باليد كل سحر وكل عجيب من الطب، ومكتوب عليهما إنى بنيتهما فمن يدعى قوة فى ملكه فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء، فاعتبر ذلك. فإذا خراج الدنيا لا يفى بهدمهما. انتهى.
ثم قال: ولله رد الفقيه عمارة اليمنى حيث يقول:
خليلىّ ما تحت السماء بنية
…
تماثل فى إتقانها هرمى مصر
/بناء يخاف الدهر منه وكل ما
…
على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
تنزه طرفى فى بديع بنائها
…
ولم يتنزه فى المراد بها فكرى
أخذ هذا من قول بعض الحكماء: كل شئ يخشى عليه من الدهر إلا الأهرام؛ فإن الدهر يخشى عليه منها.
ونقل أيضا عن أبى الصلت الأندلسى فى رسالته، وقد ذكر أخلاق أهل مصر، أنه قال: يظهر من أمرهم أنه كان فيهم طائفة من ذوى المعارف والعلوم، وخصوصا علم الهندسة والنجوم، ويدل على ذلك ما خلفوه من الصنائع البديعة المعجزة كالأهرام، والبرابى من الآثار التى حيرت الأذهان الثاقبة، واستعجزت الأفكار الراجحة، وتركت لها شغلا بالتعجب منها والتفكر فيها، فإنها وفى مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرى من قصيدته التى يرثى بها أباه:
تضل العقول الهبرزيات رشدها
…
ولا يسلم الرأى القويم من الأفن
وقد كان أرباب الفصاحة كلما
…
رأوا حسنا عدّوه من صنعة الجن
وأى شئ أعجب وأغرب بعد مقدورات الله عز وجل ومصنوعاته من القدرة على بناء جسم جسيم من أعظم الحجارة، مربع القاعدة مخروط الشكل، إرتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وتسعة عشر ذراعا، يحيط به أربعة سطور مثلثات متساويات الأضلاع طول كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا، وهو مع العظم من إحكام الصنعة وإتقان الهندام، وحسن التقدير، بحيث لم يتأثر إلى هلم جرا بعصف الرياح، وهطل السحاب وزعزعة الزلازل، وهذه صفة كل واحد من الهرمين المحاذيين للفسطاط من الجانب الغربى على ما شاهدناه منهما.
وقد ذكرت عجائب مصر، وأن ما على وجه الأرض بنية إلا وأنا أرثى لها من الليل والنهار إلا الهرمين فأنا أرثى لليل والنهار منهما.
وهذان الهرمان لهما إشراف على أرض مصر، وإطلال على بطائحها، وإصعاد فى جوفها، وهما اللذان أراد أبو الطيب المتنبى بقوله:
أين الذى الهرمان من بنيانه
…
ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن سكانها
…
حينا ويدركها الفناء فتتبع
قال: واتفق يوما أنا خرجنا إليهما، فلما طفنا بهما واستدرنا حولهما كثر التعجب منهما فقال بعضنا:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا
…
على طول ما أبصرت من هرمى مصر
أنافا عنانا للسماء وأشرفا
…
على الجوّ اشراف السماك أو النسر
وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا
…
كأنهما نهدان قاما على صدر
كأنه يشير بالبيت الأخير إلى موقعهما، وذلك أنهما مع هرم ثالث أصغر منهما واقعان فى قطعة من الأرض مرتفعة بيضاوية الشكل، قحلة لا نبات بها ولا ماء، ومنحصرة بين رأسين شامخين من الجبل؛ وقد قيس ارتفاع تلك الأرض عن أرض المزارع فوجد إثنين وأربعين مترا.
انتهى.
وقال بعضهم:
تبين أن صدر الأرض مصر
…
ونهداها من الهرمين شاهد
فوا عجبا وقد ولدت كثيرا
…
على هرم وذاك النهد ناهد
وقال آخر:
أنظر إلى الهرمين إذا برزا
…
للعين فى علو وفى صعد
وكأنما الأرض العريضة إذ
…
ظمئت لفرط حرارة الكبد
حسرت عن الثديين بارزة
…
تدعو الإله لرقة الولد
فأجابها بالنيل يوسعها
…
ريا ويشفيها من الكمد
وقال ابن الساعاتى:
ومن العجائب والعجائب جمة
…
دقت عن الإكثار والإسهاب
هرمان قد هرم الزمان وأدبرت
…
أيامه وتزيد حسن شباب
لله أى بنية أزلية
…
تبغى السماء بأطول الأسباب
وكأنما وقفت وقوف تبلد
…
أسفا على الأيام والأحقاب
كتمت عن الأسماع فضل خطابها
…
وغدت تشير به إلى الألباب
وقال غيره:
قد كان للماضين من سكان مصرهم
…
فالفضل عنهم فضله والعلم فيهم علم
ثم انقضت أعلامهم وعلمهم واحتطموا
…
وانظر تراها ظاهرا باد عليها الهرم
ونقل عن الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب، أن سوريد لما أكمل بناء الأهرام جعل لها أبوابا تحت الأرض بأربعين ذراعا.
فأما باب الهرم الشرقى فإنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما باب الهرم الغربى، فإنه من الناحية الغربية على مقدار مائة ذراع من وسط الحائط. وأما باب الهرم الملون، فإنه من الناحية الجنوبية على مقدار مائة ذراع من وسط الحائط. فإذا حفر بعد هذا القياس وصل إلى باب الأزج المبنى، ويدخل إلى باب الهرم، وجعل إرتفاع كل واحد من الأهرام فى الهواء مائة ذراع بالذراع المكى، وهو خمسمائة ذراع بذراعنا الآن، وجعل طول كل واحد من جميع جهاته مائة ذراع بذراعهم، ثم هندسها من كل جانب حتى تحددت أعاليها على ثمانية أذرع بذراعنا.
وكان ابتداء بنائها فى طالع سعيد اجتمعوا عليه وتخيروه؛ فلما فرغت، كساها ديباجا ملونا من فوقها إلى أسفلها، وعمل لها عيدا حضره أهل مملكته، ثم عمل فى الهرم الغربى ثلاثين مخزنا من حجارة صوان ملون، وملئت
بالأموال الجمة، والآلات، والتماثيل المعمولة من الجواهر النفيسة، وآلات الحديد الفاخر من السلاح الذى لا يصدأ، والزجاج الذى ينطوى ولا ينكسر، والطلسمات الغريبة، وأصناف العقاقير المفردة والمؤلفة، والسموم القاتلة.
وعمل فى الهرم الشرقى أصناف القباب الفلكية والكواكب، وما عمله أجداده من التماثيل والدخن التى يتقرب بها إلى الكواكب ومصاحفها، وكوّن الكواكب الثابتة وما يحدث فى أدوارها وقتا وقتا، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التى مضت، والأوقات التى ينتظر فيها ما يحدث، وكل من يلى مصر إلى آخر الزمان، وجعل فيها المظاهر التى فيها المياه المدبرة، وما أشبه ذلك. وجعل فى الهرم الملون أجساد الكهنة فى توابيت من صوان أسود، ومع كل كاهن مصحف فيه عجائب صناعته وأعماله وسيرته، وما عمل فى وقته وما كان، وما يكون من أول الزمان إلى آخره.
وجعل فى الحيطان من كل جانب أصناما تعمل بأيديها جميع الصنائع على مراتبها وأقدراها، وصفة كل صنعة وعلاجها وما يصلح لها. ولم يترك علما من العلوم حتى زبره ورسمه. وجعل فيها أموال الكواكب التى أهديت إلى الكواكب، وأموال الكهنة، وهو شئ عظيم لا يحصى، وجعل لكل هرم منها خادما.
قال: وذكر القبط فى كتبهم أن عليها منقوشا ما، تفسيره بالعربية: أنا سوريد الملك، بنيت هذه الأهرام فى وقت كذا وكذا. وأتممت بناءها فى ست سنين، فمن أتى بعدى وزعم أنه ملك مثلى فليهدمها فى ستمائة سنة - وقد علم أن الهدم أيسر من البنيان - وإنى كسوتها عند فراغها من الديباج فليكسها بالحصر. فنظروا فوجدوا أنه لا يقوم بهدمها شئ من الأزمان الطوال. انتهى.
وفى حسن المحاضرة للسيوطى قال صاحب المرآة: من عجائب مصر الهرمان، سمك كل واحد خمسمائة ذراع فى ارتفاع مثلها. كلما ارتفع البناء
دق رأسهما حتى يصير مثل مفرش حصير. وهما من المرمر وعليهما الأقلام السبعة: اليونانية، والعبرانية، والسريانية، والسندية، والحميرية، والرومية والفارسية.
قال: وحكى لى من دخل الهرم المفتوح أنه وجد فيه قبرا، وأن فيه مهالك. وربما خرج الإنسان فى سراديب إلى الفيوم.
ثم قال: وهذا البناء ليس بين حجارته بلاط إلا ما يتخيل أنه ثوب أبيض فرش بين حجرين أو ورقة، ولا يتخلل بينهما الشعرة. وطول الحجر منها خمسة أذرع فى سمك ذراعين.
ويقال إن بانى الهرمين جعل لهما أبوابا على آزاج مبنية بالحجارة فى الأرض، كل حجر منها عشرون ذراعا، وكل باب من حجر واحد يدور بلولب إذا أطبق لم يعلم أنه باب. يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت. كل بيت على اسم كوكب من الكواكب السبعة، وكلها مقفلة بأقفال، وحذاء كل بيت صنم من ذهب مجوف إحدى يديه على فيه، فى جبهته كتابة بالسندى، إذا قرئت إنفتح فوه فيؤخذ منه مفتاح ذلك القفل فيفتح به. انتهى.
قال: ومما قيل فى الأهرام: رسالة لضياء الدين بن الأثير فى وصف مصر: ولقد شاهدت منها بلدا يشهد بفضله على البلاد، ووجدته هو المصر، وما عداه فهو السواد، فما رآه راء إلا ملأ عينيه وصدره، ولا وصفه واصف إلا علم أنه لم يقدر قدره، وبه من عجائب الآثار ما لا يضبطها العيان، فضلا عن الاخبار. من ذلك الهرمان - اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان - قد اختص كل منهما بعظم البناء، وسعة الفناء، وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه، ولا يدركها الطرف على مدة تحديقه، فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما، وإذا استدار عليه قوس كان له سهما. انتهى.
/وفى خطط المقريزى أن المأمون عند فتحه الأهرام أمر من صعد الهرم الكبير أن يدلى حبلا، فكان طوله ألف ذراع بالذراع الملكى، وهو ذراع
وخمسان وتربيعة أربعمائة ذراع فى مثلها، وكان صعوده فى ثلاث ساعات من النهار، وإنه وجد مقدار رأس الهرم قدر مبرك ثمانية جمال. انتهى.
ويقال إنه لما فتحه وجد فى موضع منه إيوانا فى صدره ثلاثة أبواب على ثلاثة بيوت، طول كل باب منها عشرة أذرع فى عرض خمسة أذرع من رخام منحوت محكم الهندام، وعلى صفحاته خط أزرق لم يحسنوا قراءته، وأنهم أقاموا ثلاثة أيام يعملون الحيلة فى فتح هذه الأبواب، إلى أن رأوا أمامها على عشرة أذرع منها ثلاثة أعمدة من مرمر، وفى كل عمود خرق فى طوله، وفى وسط الخرق صورة طائر.
ففى الأول من هذه العمد صورة حمام من حجر أخضر، وفى الأوسط صورة باز من حجر أصفر، وفى العمود الثالث صورة ديك من حجر أحمر.
فحركوا البازى فتحرك الباب الأول الذى فى مقابلته، فرفعوا البازى قليلا، فارتفع الباب، وكان بحيث لا يرفعه مائة رجل من عظمه، فرفعوا التمثالين الآخرين فارتفع البابان الآخران، فدخلوا إلى البيت الأوسط فوجدوا فيه ثلاثة سرر من حجارة شفافة مضيئة، وعليها ثلاثة من الأموات: على كل ميت ثلاث حلل، وعند رأسه كتاب بخط مجهول.
ووجدوا فى البيت الآخر عدة رفوف من حجارة على أسفاط من حجارة، فيها أوان من الذهب عجيبة الصنعة، مرصعة بأنواع الجواهر.
ووجدوا فى البيت الثالث عدة رفوف من حجارة على أسفاط من حجارة فيها آلات الحرب وعدد السلاح، فقيس منها سيف فكان طوله سبعة أشبار، وكل درع من تلك الدروع إثنا عشر شبرا. فأمر المأمون بحمل ما وجد فى البيوت، ثم أمر فحطت العمد فانطبقت الأبواب كما كانت.
ويقال إن المأمون لما فتحه وجد فيه حوضا من حجر مغطى بلوح من رخام وهو مملوء بالذهب، وعلى اللوح مكتوب بقلم عرّب فكان: إنا عمرنا هذا الهرم فى ألف يوم، وأبحنا لمن يهدمه فى ألف سنة، والهدم أسهل من
العمارة، وكسونا جميعه بالديباج، وأبحنا لمن يكسوه الحصر، وجعلنا فى كل جهة من جهاته ما لا بقدر ما يصرف على الوصول إليه.
ويقال إنه وجد فيه صورة آدمى من حجر أخضر كالدهنج فيها طبق كالدواة، ففتح فإذا فيه جسد آدمى عليه درع من ذهب مزين بأنواع الجواهر، وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له، وعند رأسه حجر من ياقوت أحمر فى قدر بيضة الدجاجة. فأخذه المأمون، وقال هذا خير من خراج الذهب. انتهى.
وقال بعض الإفرنج: وفى مبدأ القرن التاسع من الميلاد استكشف فى الهرم الكبير أودتان: إحداهما أودة الملك والثانية أودة الملكة. وفى زمن الفرنساوية استكشف فوق أودة الملك التى فيها الجرن أودة أخرى مسامتة لها يظهر أنها كانت معلومة للأهالى من قبل. والذى استكشفها هو العالم يونوا الفرنساوى. وكتبها فى سياحته المطبوعة فى سنة أربع وستين وستمائة وألف ميلادية، ورآها القنصل الانكليزى المسمى ديويزون المقيم بتونس لما ساح فى مصر سنة أربع وستين وسبعمائة وألف. واستكشف الأميرالاى الانكليزى المسمى هوارويز أربعة أود أخرى فوق هذه، يعنى أن فوق أودة الملك خمس أود متراكبة. واستكشف أيضا مجرتين للهواء فمهما فى جدران أودة الملك، وينتهيان إلى أسطحة الهرم يجلبان من الهواء إلى أودة الملك قدرا كافيا لجعل درجة الحرارة فيها واحدة دائما حتى لا يحصل تغير لما يكون فيها.
ثم استكشف اليوزباشى الجنوى المسمى كويجليا أودة ثامنة منحوتة فى الصخرة التى عليها الهرم. انتهى.
وقال بعضهم هذه الأودة يتوصل إليها إما من البئر، وإما من أزج مائل يوصل إلى أزج الدخول للهرم. انتهى.
وقال ديودور الصقلى: اتفق الناس على أن هذه المبانى من أعجب ما يرى بمصر. وليس ذلك من حيث عظم أجسامها وكثرة مصرفها فقط؛ بل أيضا من حيث إتقان الصنعة وبديع الإحكام، حتى أن العملة والمهندسين الذين بنوها
أحق بالثناء عليهم من الملوك الذين صرفوا عليها الأموال وجلبوا لها الشغالة؛ لأن العملة والمباشرين أبقوا لنا علومهم ومهارتهم فى صنعتهم تحدثنا عن فضائلهم، وتنبئنا بأقدارهم، بخلاف الملوك فإنهم: إما جلبوا الأهالى بالقهر والظلم، وإما بالأجرة من أموال ورثوها عن أبائهم أو سلبوها من الناس.
قال بعضهم: اختلف الناس فى الهرم هل ينتهى بنقطة أم بسطح. فقال ديودور إنه ينتهى بسطح. ورده بعضهم بأنه لو كان منتهيا بسطح لقال بذلك هيرودوط السابق عليه - وهو أول من تكلم على تفصيلات هذه المبانى وتلقاها كغيرها عن كهنة منفيس. وأغلب ما وصفه به تحققنا الآن صحته بالاستكشاف. فلعل الهرم كان قد حصل فى أعلاه نقض قبل ديودور فصادفه مسطحا. انتهى.
وفى حسن المحاضرة عن الزمخشرى أن الهرمين لا يزالان ينخرطان فى الهواء حتى يرجع مقدار دورهما إلى مقدار خمسة أشبار فى خمسة. انتهى.
وقال أيضا ويقال إنه كان على/الهرم حجر شبه المكبة، فرمته الرياح العواصف. انتهى.
وقال لطرون الفرنساوى: اختلف المتكلمون فى الأهرام هل كانت منتهية بنقطة أو بسطح، فزعم بعضهم أنه عند بنائه انتهى بنقطة، ثم صار مسطحا من عبث الأيدى، ونقض بعض أحجاره من أعلاه. وبعضهم يقول: إنه من حين بنائه منته ببسطه، وهل كانت مكسوة أم بنيت بلا كسوة كما هى الآن.
قال والحق أنها كانت مكسوة بحجارة ملساء ملتحمة بعضها ببعض، بحيث لا يتيسر صعودها إلا بمشقة بدليل ما قاله ديودور الصقلى: إن الغرباء لا تستطيع الصعود على الهرم - وهو كان قد ساح فى مصر سنة ستين قبل الميلاد - وإنما يصعد عليه من اعتاد صعوده. وقال إنه ينتهى بسطح ضلعه ستة أذرع، ومراده بالذراع الذراع المصرى، ضرورة أنه أخذ ذلك عن المصريين؛ لأنهم هم الذين كانوا يصعدون عليه، وذلك عبارة عن ثلاثة أمتار وستة عشر جزءا من مائة من المتر بناء على أن الذراع خمسمائة وخمسة وعشرون جزءا من ألف
من المتر. وهذا المقدار أقل من ضعف سمك الكسوة المقدر لها فى أحجار الكسوة السفلى. وهو متران وسبعة أجزاء من مائة. فعلى ذلك كان قياس ديودور فوق نقطة تقابل السطوح الداخلة للكسوة.
ويدل له أيضا ما قاله الشيخ عبد اللطيف البغدادى فى رسالته: إنا لما علمنا أن أهالى قرية من قرى الجيزة لهم معرفة بالصعود فوق الهرم، أحضرنا منهم أشخاصا وأعطيناهم شيئا قليلا من الأجرة، فصعدوا عليه، إذ لو لم يكن مكسوّا لكان سهل الصعود، فكانوا يصعدون عليه بأنفسهم لحرصهم على الاطلاع على جميعه.
وأيضا فقد ذكر الشيخ عبد اللطيف أن ضلع سطحه حينئذ عشرة أذرع بالسوداء، وهى تعادل خمسة أمتار وأربعمائة وإثنى عشر جزءا من ألف من المتر، لكن جريا والانكليزى الذى ساح فى مصر بعده سنة 1638 ميلادية قال: إن ضلع سطحه أربعة أمتار فقط، مع أنه كان يلزم أن يكون فى زمنه أوسع منه فى زمن عبد اللطيف؛ لأن الهرم كان دائما يأخذ فى النقص بسبب نقص أحجاره، فما ذاك إلا لكونه كان مكسوا فى زمن عبد اللطيف ثم زالت كسوته فضاق سطحه. انتهى.
وفى كلام بعض علماء الإفرنج أنه لم يكن فى داخل الأهرام كتابة، ولا زينة، وليس ذلك ناشئا عن جهل بالنقش على الصخور؛ فإن القبور الموجودة من زمن بناء الأهرام إلى الآن فيها النقوش والكتابة، وعلى الخصوص قبر المعمار الذى كان فى زمن الفرعون سوفيس الأول، وإنما سبب تجرد الأهرام عن النقوش كما زعم بعضهم اتساع أسطحتها الظاهرة فكانت كافية لأن ينقش عليها ما يلزم نقشه بخلاف القبور.
قال عبد اللطيف البغدادى: إن الكتابة الموجودة على الهرم الكبير تزيد على عشرة آلاف صحيفة ورق. وقد وجد سياحو الانكليز فى سنة سبع وثلاثين وثمانمائة وألف فى الهرم الثالث من أهرام الجيزة المعروف بهرم منقرى أو هرم مسيرنيوس على قول هيرودوط - قطعة من الصندوق المصنوع من خشب
الجميز عليها كتابة هيروجلفية تدل على صلوات وأدعية. وهذا يدل على أن تزيين صناديق الموتى كان معمولا به فى تلك الأزمان. وأما ظاهر الهرم فكان عليه النقوش الكثيرة.
ونقل دساسى عن كثير من مؤلفى العرب ما يدل على أنه كان على الهرم كتابة قديمة مجهولة. وقد قال هيرودوط إنه كتب على الهرم بيان ما صرف فى بنائه من الخضارات.
فكل هذا يدل على أن ظهور الأهرام كانت عليها كتابة، فإن لم تكن على الأعلى فعلى الأسفل. وإنما زالت بإزالة الكسوة. وفى كلام بعضهم أن مما يلزم التنبيه عليه أن الأزمان السابقة التى بنيت فيها الأهرام لم يكن فيها للمصريين ميل لكثرة الكتابة على المبانى. فقد قال العالم لونورمان أنه وجد فى قبر هرمى الشكل بقرب الهرم الكبير جرن مجرد عن الكتابة، وإنما وجدت الكتابة على جدران القبر، ووجدت أيضا كتابة قليلة فى قبر لأحد الفراعنة فيها اسمه فاختلفوا فى قراءته، فجاء نبليون سماه سقاى، والعالم نستورلهوت سماه بينوتريس، وسماه بذلك مانيتون أيضا، ولم يرتض ذلك بعضهم لعدم موافقته للحروف المنقوشة. انتهى.
وقد استكشف السياح بلزونى مدخل الهرم الثانى فوجده خاليا عن الكتابة فى داخله، وليس كداخل الهرم الكبير فى الزخرفة والزينة. والأودة التى فيها المدفن نقر فى الحجر ليست من البناء.
وفى خطط الفرنساوية: أن الهرم الكبير منعزل بخندق يحيط به من كل جهة، بخلاف الهرم الثانى فخندقه يكتنف ثلاث جهات منه فقط. وفى مقابلة منتصف الوجه الشرقى منه على مقدار خمسة وخمسين مترا من ضلع قاعدته الحالية عن الخندق، آثار سور كان يحيط ببناء منتظم يظن أنه من توابع الهرم الثانى، كما أن البناء الباقى إلى الآن فى غاية الحفظ على مقدار ثلاثة عشر مترا من الهرم الثالث/كان من توابع الهرم الثالث، وهو بناء ذو أربعة أضلاع،
وأحد أبعاده ستة وخمسون مترا ونصف، والبعد الآخر ثلاثة وخمسون، وهو ينقسم إلى خمس محلات أحدها مقفل من جميع جهاته، وثلاثة مفتوحة على الواجهة، ويسبق الثلاثة دهليز طوله أحد وثلاثون مترا فى عرض أربعة عشر، وفى الوسط محل يقابل الدهليز محوره يمر بمنتصف قاعدة الهرم، وسمك الحائط يزيد عن أربعة أمتار، وهى مبنية من صخور منها ما وزنه تسعة وثلاثون ألفا ومائة وستون كيلو جرام، ومنها ما وزنه ثمانية وخمسون ألفا وسبعمائة وأربعون كيلو جرام. وفى نهاية هذا البناء مزلقان طوله مائة وستون مترا فى عرض أربعة أمتار وارتفاعه من ثلاثة عشر مترا الى أربعة عشر، وهو مبنى بحجارة أكبر من السابقة. وقال مايه الفرنساوى - الذى كان قنصلا بمصر فى مبدأ القرن الثامن من الميلاد - أنه شاهد هذا المحل مكسوا من داخله بالصوّان، ولا يعلم الغرض من هذه المبانى، انتهى.
ويتصل بهذه العمارة جسر منحدر محوره مع محور الهرم، وهو مستور من جانبه بحيطان سميكة منتظمة ذات أحجار كبيرة، وارتفاع الحائط عند النهاية العليا أربعة عشر مترا وجميعها ستة مداميك. وفى آخر هذا الجسر جسر آخر متجه نحو الجنوب الشرقى وهو أكثر انحدارا من الأول. ولعل تلك الجسور هى التى كانت مستعملة فى نقل الصخور لبناء الاهرام.
وقال بعضهم إن خندق الهرم الثانى مما يتعجب من عمله كما يتعجب من عمل الهرم؛ فإنه منحوت فى الصخر، وجوانبه قائمة على الإحكام، وعمقه تسعة أمتار، وعرضه من الجهة الشمالية تسعة وخمسون مترا وخمسة أجزاء من مائة. ومن الجهة الغربية أحد وثلاثون مترا وأربعة أجزاء من مائة من المتر، وعلى ذلك يكون مكعب الحجر الخارج منه سبعمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا وخمسمائة متر مكعب، والى الآن يرى بعض الخندق لم تملأه الرمال.
قال: وهذا الهرم لم يفتح إلى الآن، وفى أعلاه جزء من كسوته فى قدر ربع إرتفاعه تقريبا، وزواياه محررة على النقط الأربع الأصلية كالهرم الأول وأوجهه موازية لأوجه الهرم الأول، وضلع قاعدته مائتا متر وتسعة أجزاء من مائة، وارتفاعه مع الجلسة مائة وثمانية وثلاثون مترا، منها الجلسة ثلاثة أمتار.
ومساحة القاعدة بدون الجلسة أحد وأربعون ألف متر وتسعمائة وأربعة وثمانون متر، ومع الجلسة ثلاثة وأربعون ألفا ومائتان وإثنان وعشرون مترا، ومساحة كل وجه سبعة آلاف متر وخمسمائة وسبعون جزء، ومكعب الهرم مليون وتسعمائة ألف وثلاثة آلاف متر ومائتان وخمسة وسبعون مترا مكعبا، وارتفاع الوجه مائة وأحد وسبعون مترا وخمسة أجزاء. وهذه المقادير تقريبية فى قياس هذا الهرم لا بالتحرير، بخلاف الهرم الأول. ويدخل فى ذلك ما به من بواقى الكسوة.
انتهى.
وأما الهرم الثالث فجسمه 179182،5 متر مكعب، وضلع قاعدته 100،7، والإرتفاع 53 مترا، وارتفاع الوجه 73،1، والحرف 88،7. فيكون سطح القاعدة 10140 مترا، وسطح كل وجه 3680،6. وأما الهرم الكبير فسيأتى الكلام فى أبعاده.
(المبحث الخامس فى الغرض المقصود من بناء الأهرام)
كما تنوعت الأقوال فيمن بنى الأهرام، تنوعت فى الغرض المقصود منها. فالذى غلب على أفهام كثير من الناس فى جميع الأجيال والبقاع أنها قبور لبعض ملوك مصر الأولين.
قال المقريزى: زعم قوم أن الأهرام قبور ملوك عظام، آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميزوا عنهم فى حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخى العصور. انتهى.
ومن الناس من يقول إنها معابد للمقدس أوزريس الذى هو من أسماء الشمس وأسماء النيل، وسيأتى ما يرجح هذا. ومنهم من يقول إنها محلات وضعت لرصد الكواكب. وأول من قال بذلك من الأقدمين: أفلاطون، وتبعه جماعة كثيرون إلى وقتنا هذا. وكثير من العلماء يميلون إلى أنها آثار بنيت لإيداع العلوم والأسرار فيها، وبذلك قال كثير من علماء العرب. فيقولون إن قدماء المصريين بنوا الأهرام وأودعوا فيها العلوم الهندسية والطبية والفلكية والحسابية والطلاسم وغير ذلك. مما لو استقصى قصا.
ونقل عن أرسطاطاليس وأفلاطون ويلين - الذى ساح فى مصر - قبل المسيح بسبعين سنة - أنهم يقولون إن الفراعنة إنما بنوا هذه الأهرام لأسباب سياسية هى: إذلال الأهالى، وشغل قلوبهم وأبدانهم، وسلب أموالهم، وكسر شوكتهم؛ ليكونوا دائما مستعبدين تحت رق الأسر والقسر، وفى قبضة الحكم، ولا يمكنوا من التمرد والعصيان، ليدوم للفراعنة ملكهم وتصرفهم فى العالم بلا منازع ولا استثناء.
ولكن/هذا بعيد؛ فإنه لو كان القصد ذلك لكفى استعمالهم فى الأشغال المعتادة كالترع والجسور والقصور، فإنها كثيرة جدا. وأيضا فأحوال الهرم وارتفاعه وأبعاده وأوضاعه تدل على أن لبانيه فكرة أولية كبيرة مهمة لأجلها بناه، ومن جرائها أنشأه.
ومنهم من يقول إن الأهرام جعلت فى رؤوس الأودية؛ لمنع الرمل عن أرض الزراعة، ومنهم من يقول إنها جعلت لحفظ الصنج والأقيسة القديمة إلى غير ذلك من الأقوال التى حكاها مؤلفو العرب وغيرهم.
فمن ذلك ما نقله المقريزى فى الخطط عن أبى يعقوب الوراق أنه قيل إن هرمس البابلى إنتقل إلى أرض مصر لأسباب، وأنه كان ملكها إلى أن قال:
وكان حكيم زمانه، ودفن فى البناء الذى يعرف فى مدينة مصر بأبى هرمس، يعرفه العامة بالهرمين. فإن أحدهما قبره، والآخر قبر زوجته. وقيل قبر ابنه الذى خلفه بعد موته. (وقيل إن الهرم الشرقى قبر سوريد بن سهلوق، والهرم الغربى قبر أخيه هرجيت، والهرم الثالث قبر كرورس، وقيل إن الثالث الملون قبر أفريدون بن هرجيت كما فى حسن المحاضرة). وأما الهرم الذى بدير أبى هرميس فإنه قبر قرياس، وكان فارس أهل مصر، وكان يعد بألف فارس، فلما مات جزع عليه الملك والرعية ودفنوه بدير أبى هرميس وبنوا عليه الهرم مدرجا.
ثم قال: وأما قبر الملك صاحب قرياس هذا فإنه الهرم الكبير من الأهرام التى فى بحرى دير أبى هرميس، وعليه باب لوح كذان مكتوب فيه باللازورد.
وقال ديودور الصقلى إن بقرب الأهرام الثلاثة (التى بالجيزة) ثلاثة أهرام أخر يقال إنها من بناء الملوك الثلاثة: شميس، وشفرين، وميرنوس. جعلوها لدفن نسائهم، كما جعلوا الثلاثة الأول لدفن أنفسهم.
وبعضهم يقول إن الهرم الثالث من أهرام الجيزة هو قبر الفتاة دروب، بناه لها عشاقها من حكام المديريات بالاشتراك. وقد تقدم عن استرابون أن الأهرام التى على بعد أربعين غلوة من منفيس هى قبور الملوك.
وقال يلين إن قدام الأهرام الثلاثة التى ملأ ذكرها الأرض صورة أبى الهول، ويقال إن الملك أمزيس مدفون هناك. انتهى.
وبعضهم يقول إن الهرم الكبير هو قبر فرعون مصر الذى غرق فى البحر، أو قبر شيث أو خنوخ عليهما السلام. وقد وجد السياح مانيوس فى هرم الفيوم جرنا، فيدل على أنه قبر. انتهى.
ومما يستأنس به للقول بأنها قبور: ما يستفاد من كلام مربيت بك من أن الموضع الذى فيه أهرام الجيزة وتمثال أبى الهول هو محل مقبرة منفيس فى الأزمان القديمة، وإن أغلب القبور الموجودة هناك قديمة، وشكل أكثرها كشكل الهرم الناقص، وهى مبنية بالأحجار الضخمة فوق البئر التى فيها جثة الميت. انتهى.
ومثل ذلك ما قاله العالم جومار أن الأرض التى عليها الهرم كانت مقابر لجهات كثيرة من الوجه البحرى، وهى كثيرة فى الصحراء، وعددها يفوق الحصر ما بين صغيرة جدا أو كبيرة جدا أو متوسطة. فكانت جثة الموتى تنقل فى القوارب والمراكب فى الخلجان وفروع النيل حتى تدخل فى الأقيرون الجارى بقرب الهرم، وكان هو آخر خليج، ومن بعده لا يوجد إلا القحولة والموت، وكان المشتغلون بنقل الأموات خلقا كثيرين فى مراكب كثيرة. كما يشهد لذلك ما هو منقوش على الجدران، وفى الكتب والرقاع المدفونة مع الأموات، وبسبب موافقة هذا الموقع لهذا الغرض لكونه فى فم الوادى.
واجتماع خلجان الوجه البحرى فيه يظهر أن هذه العادة - أعنى الدفن فى هذا الموضع - قديمة جدا وسابقة على بناء مدينة منفيس، وربما كان ذلك هو السبب فى بناء الأهرام هناك أيضا. انتهى.
ويحتمل أن الأهرام هى السبب فى اتخاذ هذا الموضع مدفنا عموميا. وأن الأهرام هى السابقة على ذلك، كما يشهد له ما تقدم من أنها من أبناء إدريس عليه السلام، أو سوريد، خصوصا على إعتقاد الصابئة أن الأهرام مدافن أجساد طاهرة. فكان الناس يتسارعون إليها ويتنافسون فى القرب منها لدفن موتاهم عندها، كما يتمنى أهل كل ملة الدفن عند قبور الصالحين. وبحسب ما كان لهم من الثروة اتخذوا صور الأهرام فى مدافنهم، كما يشاهد فى الأمراء والأعيان أنهم يتخذون لموتاهم قبورا تشبه قبور الصالحين.
قال بعض الأفرنج: كانت عادة المصريين قديما الحرص كل الحرص على أن يجعلوا مدافن الموتى بقرب قبور المقدسين؛ ليكونوا فى حمايتهم.
قال أيضا: ويظهر أن الأمراء العظام فى جميع الأزمان السابقة رغبوا فى الدفن بجوار الأهرام؛ لأنها آثار مقدسة انتهى.
وقد وجد جانبليون هناك قبر أحد ضباط سيزوستريس، قال: وهذا القبر كغيره من القبور التى بهذا المحل عبارة عن مربع محررة أضلاعه بين الشرق والغرب، وحيطانه تميل الى الداخل. وقد اطلع العالم ليبسيوس البروسيانى على كثير منها، ورأى أن بعض القبر مجرد عن النقوش، وبعضه الآخر عبارة عن عدة أود ضيقة سقفها حجر واحد عليه جميع النقوش اللازمة مع الإتقان.
وبعض هذه القبور فوق الأرض، والبعض تحت الأرض محفور فى الصخر.
انتهى.
ومما يدل على/أن الأهرام سابقة على القبور ما فى المقريزى أن قلمون الكاهن الذى كان مع نوح فى السفينة كان قد زوج ابنته ببيصر بن حام بن نوح عليه السلام، وجاءت معه إلى مصر وولدت منه ولدا سماه مصرايم. فلما مات بيصر دفن فى موضع دير أبى هرميس غربى الأهرام، ويقال إنها أول مقبرة دفن بها بأرض مصر، وكان ذلك بعد الطوفان بألف وثمانمائة وست سنين. انتهى.
وقال العالم أمبير: لم أر فى الأقطار المصرية أقدم من هذه المقابر، فإن طيبة وملوكها حادثة بعد منفيس وملوكها، وبقرب ترب الملوك الذين بنوا الأهرام ترب قسيسيهم وأمرائهم وخدمتهم. وقد حدثتنا بما عليها من النقوش بما لم تحدثنا به الأهرام لخلوها عن الكتابات. انتهى.
وقال غيره: إن جدران القبور التى حول الهرم عليها من الداخل نقوش ملونة، ومرسوم فيها صور الأحوال المعاشية كالصيد، والقنص، والحصيد، وقلع الكتان. وبعض الرسوم صورة شرحها جانبليون بأنها صورة صانع مشتغل بلف أشرطة القماش على الموميات، وصورة صانع آخر مشتغل بتلوين صورة
وجه الميت المصورة على الخشب، ولكون هذه المقابر قديمة جدا يستدل بها على أن هذه الطريقة المستعملة فى الدفن عتيقة جدا. انتهى.
وقال بعضهم: والى الآن يوجد فى غربى الهرم الكبير مقابر كثيرة عظيمة الإتساع مع الإنتظام، طول القبر أربعة وعشرون مترا فى عرض عشرة أمتار. وقد زحف الرمل على أغلبها فردمه. ويحصل من مجموعها شكل مربع إتساعه قريب من إتساع الهرم، وفى جهة منه سبعة قبور، وفى جهة أربعة عشر. وهذا المربع فى شمال الهرم الثانى وغربى الهرم الأول، وأضلاعه فى استقامة أضلاعهما. وهناك قبور صغيرة كثيرة بعضها مبنى وبعضها منحوت فى الصخر، ولكن مع شهرة القول بأن الأهرام قبور، لم يرتضه أقدم المؤرخين هيرودوط ولا ديودور الصقلى. انتهى.
والذى يستفاد من كثير من النقول المتقدمة عن مؤرخى العرب والعجم أن الأهرام من الأبنية المعظمة التى كانت تقدسها الأمم الماضية وتحترمها احتراما كبيرا سواء قلنا إنها قبور أو أنها معابد، أو مواضع لصون المعارف والأسرار وحفظها من تطرق الضياع إليها بالطوفان أو غيره، خصوصا بنسبتها الى هرمس الأول الذى هو إدريس عليه السلام.
قال المقريزى فى الخطط وفى كتاب عجائب البنيان: إن أحد هذين الهرمين (الذى تجاه الفسطاط) قبر أعادمون، والآخر قبر هرمس. ويزعمون أنهما بيتان عظيمان، وأن أعادمون أقدم وأعظم، وإنه كان يحج إليهما ويهدى إليهما من أقطار الأرض. انتهى.
ونقل مثل ذلك عن كتاب البنية والاشراف، وأن بين أعادمون وهرمس نحو ألف سنة، وأن سكان مصر - وهم الأقباط - يعتقدون نبوتهما قبل ظهور النصرانية فيهم، على ما يوجبه رأى الصابئين فى النبوات من أنها ليست بطريق الوحى، بل هم عندهم نفوس طاهرة صفت وتهذبت من أدناس هذا العالم، فاتحدت بهم مواد علوية، فأخبروا عن الكائنات قبل كونها، وعن سرائر العالم وغير ذلك.
(الكلام فى الهرامسة وهياكل الكواكب)
ونقل أيضا فى باب فضائل مصر من خططه عن صاعد اللغوى أنه قال فى كتاب طبقات الأمم: إن جميع العلوم التى ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، وهو أول من تكلم فى الجواهر العلوية والحركات النجومية، وهو أول من ابنتى الهياكل ومجد الله فيها، وأول من نظر فى علم الطب، وألّف لأهل زمانه قصائد موزونة فى الأشياء الأرضية والسماوية، وقالوا إنه أول من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء والنار، فخاف ذهاب العلم واندراس الصنائع، فبنى الأهرام والبرابى التى فى صعيد مصر الأعلى، وصوّر فيها جميع الصنائع والآلات، ورسم فيها صفات العلوم حرصا على تخليدها لمن بعده، وخيفة أن يذهب رسمها من العالم. وهرمس هذا هو إدريس عليه السلام. انتهى.
ونقل فى الكلام على الأهرام أيضا عن أبى يعقوب محمد بن إسحاق النديم الوراق فى كتاب الفهرست: أنه أختلف فى أمر هرمس البابلى، فقيل إنه كان أحد السدنة السبعة الذين رتبوا لحفظ البيوت السبعة، وإنه كان لترتيب عطارد، وباسمه سمى عطارد باللغة الكلدانية هرمس. وفى الكنز المدفون والفلك المشحون للجلال السيوطى: أن هرمس اسم لعطارد، كما أن كيوان اسم لزحل، وتير اسم للمشترى، ويسمى المشترى أيضا البرجيس، وللمريخ بهرام، وللشمس مهر، وللزهرة أناهيد وبيدخت أيضا، وللقمر ماه. وقد جمعت فى بيتين وهما هذان
لا زلت ترقى وتبقى فى العلا أبدا
…
ما دام للسبعة الأفلاك أحكام
مهر وماه وكيوان وتير معا
…
وهرمس وأناهيد وبهرام
وأقربهم إلينا القمر، وفوقه عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشترى، ثم زحل. انتهى.
وفى المقريزى أيضا فى/الكلام على مدينة عين شمس قال الحكيم الفاضل أحمد بن خليفة فى كتاب: عيون الأنباء فى طبقات الأطباء، يقال:
إنه كان للكواكب السبعة السيارة هياكل تحج الناس إليها من سائر أقطار الدنيا، وضعها القدماء، فجعلوا على اسم كل كوكب هيكلا فى ناحية من نواحى الأرض وهى: الكعبة لزحل، والثانى للمريخ مدينة صور من الساحل الشامى، والثالث للمشترى بدمشق موضعه الآن جامع بنى أمية، والرابع بيت الشمس بمصر وهو المسمى بعين شمس، والخامس للزهرة بمنتيح، والسادس لعطارد بصيدا، والسابع للقمر بحرّان، يقال إنه قلعتها. انتهى. انظر الكلام عليها فى الكلام على المطرية.
وفى حسن المحاضرة للسيوطى: أن الصابئة تزعم أن أحد الهرمين قبر شيث، والآخر قبر هرمس، والملوّن قبر صابئى بن هرمس، وإليه ينسب الصائبة. وهم يحجون اليها ويذبحون عندها الديكة والعجول السود، ويبخرون بدخن. ثم قال: وقال ابن فضل الله فى المسالك: قد أكثر الناس القول فى سبب بناء الأهرام، فقيل هياكل للكواكب، وقيل قبور ومستودع مال وكتب.
وقيل: ملجأ من الطوفان. قال: وهو أبعد ما قيل فيها؛ لأنها ليست شبيهة بالمساكن. قال: وكانت الصابئة تأتى فتحج الواحد، وتزور الآخر، ولا تبلغ فيه مبلغ الأول من التعظيم. انتهى.
وجزم بعض الإفرنج بأن الأهرام من البيوت المقدسة التى كانت بيوتا لمقدسى المصريين، وأن هرمس كان مقدسا عندهم؛ لأنهم يعتبرونه اسما للشعرى اليمانية.
ويستفاد من كلام الأقدمين، ومن كلام من يعرف اللغة القديمة مثل جانبليون وغيره أن لهرمس هذا أسماء عديدة منها: سوتيس، وطوط، وأنوبيس، وسينيوسوفال وسيت وسيروس: فكل هذه الأسماء أسماء للشعرى
اليمانية، وأن هذا النجم من أجلّ ما يذكر فى الآثار القديمة المصرية، وكان المصريون ينسبون إليه دورة زمانية قدرها ألف وأربعمائة وستون سنة، وكان آخرها يوافق السنة الدينية عندهم. وكانت تلك الدورة تسمى باسم ذلك النجم؛ لأنها تبتدئ بشروقه وتنتهى به. قال: والآن يعتبرون أن أول دورة من هذه الدورات قبل الميلاد بألفين وسبعمائة وإثنتين وثمانين سنة، والدورة الثانية قبل الميلاد بألف وثلاثمائة وإثنتين وعشرين سنة.
وقال جانبليون إن هرمس الأكبر الثانى - وهو طوط - كان يرمز إليه بالطير أبيس؛ بسبب أن هذا الطير يمشى بتؤدة وانتظام. وكانوا يرمزون إليه أيضا بالحيوان المعروف بالسينيوسوفال ويصوّرونه بصورة آدمى رأسه رأس كلب، ويجعلونه مثلا له، ويرسمون بيده لوح كتابه، وتارة يرمزون إليه بصورة آدمى رأسه رأس الطير أبيس. قال: وكان هرمس الأكبر الثانى هو المقدس بمصر، وإليه ينسب المصريون إختراع العلوم جميعها. وأما هرمس الأكبر الأول فكانوا يرمزون إليه بصورة الباشق وعلى رأسه صورة الشمس وخوصة وصليب. انتهى.
ومما يستدل به على أن الهرم بناء مقدس: أن أوجهه مثلثات متساوية الأضلاع، كما قاله كل من وصفه. وقد قالوا إن فى فلسفة الأقدمين أن الأشكال الهندسية تسمى بأسماء مقدسة.
قال بولو تاركر: إن المثلث المتساوى الأضلاع كان يطلق عليه اسم منيرو، والمثلث القائم الزاوية كان مستعملا فى تصوير شكل العروس، بأن يعطى للوجه المكون للزاوية القائمة عدد ثلاثة، وللقاعدة عدد أربعة، وللوتر عدد خمسة، والضلع القائم على الزاوية يسمى أزريس، ويسمى الذكر، والقاعدة تسمى الأنثى وتسمى أزوريس، والوتر يسمى النتاج أو هوريس.
وهذا المثلث كان إشارة أيضا إلى: بلوتون، وبكوس، ومارس، وهذه الثلاثة صور من صور أوزريس. والشكل المربع يسمى ريافونيوس وسيريس
وقيسطاونيون، والضلع ذو الإثنتى عشرة زاوية كان يسمى بالمشترى، وذو الست والخمسين كان يسمى تيفون، وكثيرا ما كانوا يرمزون بالمثلث المتساوى الأضلاع للطبيعة الإلهية القديمة الدائمة، وبالمثلث المختلف الأضلاع للطبيعة البشرية الفانية؛ بسبب عدم تساوى الأضلاع. ويرمزون بالمتساوى الساقين إلى الوسط بين الطبيعتين، ويمثلون له بالشياطين، وتارة يرمزون بالمثلث المتساوى الأضلاع للشمس، وبالمثلث المختلف الأضلاع للكواكب السيارة، وذوات الذنب والنجوم الضالة والشهب وبمتساوى الساقين للقمر، فإنهم جعلوا تغيراته وذهابه ورجوعه حاصلة من تنقلات الجن إذا علمت ذلك. فهذا الشكل المخصوص للهرم يورث القطع بأنه إنما أسس على أغراض دينية لا دنيوية.
وناقش بعضهم فى كونه مثلث الأضلاع، وقال: إن هذا خلاف الواقع، فإن القاعدة أكبر من كل من الضلعين بقليل. إنما هذا الفرق لقلته، لا يلاحظه الرائى؛ بل يتصور أنه متساوى الأضلاع. ويمكن أن يقال إن بانى الهرم راعى فى حسابه ما يتراءى فى نظر الناظر فاكتفى به، فذلك الفرق مقصود له لأجل ذلك. فصح أنه مثلث متساوى الأضلاع. انتهى.
وفى كلام بعض الإفرنج أيضا أن كلمة سوريد الواقعة فى عبارة المقريزى محرفة عن سوريس، وأن سوريس محرف عن/أزريس الذى هو اسم للنيل.
وقال جول الأفريقى إن هذا ليس تحريفا، بل هما اسمان لمسمى واحد.
ومعلوم أن أزريس من أكابر مقدسى المصريين، ويزعمون أنه منبع الخير، وإنه هو آبيس نزل بين الناس، وتعرض لمعاناة المشاق الأرضية فى أخس أشكال الحيوان - وهو شكل الثور - ويقولون إن مصر كانت منقسمة قديما الى أقسام دينية، وهى التى صارت فيما بعد أقساما سياسية، يسمى القسم منها نوم أو مديرية. وكان فى كل مديرية بل وفى كل مدينة مقدس مختص بها. وكان أوزريس هو المقدس بجهة أبى دوس. ومع ذلك فكان مقدسا فى جميع أرض مصر فى كل عصر.
قال هيرودوط: إن المصريين، ولو أن لكل طائفة منهم مقدسا مخصوصا، لكن جميعهم يقدسون أوزريس وأوزيس. ومن خرافاتهم أيضا ما زعموه أن أم أوزريس حملت به من العقل الروحانى بعد تشكله فى صورة افتاه. وهى عبارة عن حرارة والتهاب سماوى، انتهى.
وفى كثير من الكتب أن المصريين كانوا يعتبرون أوزريس أنه هو المحبوب المطلوب، صاحب الخيرات، المالك المعظم لأرض مصر، وملك سكان السماء وهو شبيه الشمس، أو شبيه ولقان، وولقان هو الشمس. انتهى.
وسيأتى فى الكلام على أبى الهول ما يفيد الجزم بأن الأهرام من الأبنية المقدسة، وضعها الواضع لأعظم المقاصد الدينية فى تلك الأحقاب. وعلى كل حال سواء قلنا إن الأهرام قبور، أو إنها معابد، أو مخازن للأسرار والذخائر، أو غير ذلك، فالناظر إليها، ممن لا يدرك فوائدها، لا يرى لها من اللزوم والأهمية عشر معشار ما حصل فى بنائها من العناء والتعب والمشاق، وكثرة المصاريف، وذهاب الأموال والأنفس فيها. فإن من يطوف حول الهرم، أو يدخله، أو يصعد عليه يجزم بأن ألوفا من الآدميين والبهائم هلكوا فى بنائه، إما من جور الحكام، وإما من ألم الأشغال، أو سقوط الحجارة عليهم، أو من الجوع ونحو ذلك، بخلاف غير الأهرام من الآثار التى تظهر فوائدها مع قلة كلفتها، كالقناطر، والترع، والخلجان، فهذه يشكر صانعها على الدوام.
فالذاهب إلى الأهرام لا يقع بصره على شئ مما به سعادة الخلق وثروتهم إلا إنشرح صدره منه، وانتعشت روحه. وإذا استحضر فى قلبه من جرى هذا الخير على يديه، فلا بد أن يشكره بلسان الحال أو القال، فإذا فارق أرض المزارع إلى صحراء الأهرام، وأحس بأوعارها، ورأى الهرم من بعيد كأنه جبل شامخ فى معزل عن العمران والخصوبة، تحول فكره الى أحوال هذا البناء الهائل، وما كان لبانيه من القوّة والعسف. وكلما قرب منه إزداد حيرة وتعجبا،
وجعل يسأل نفسه عن قدر ما هلك فيه من الأموال، والأنفس، والزمن الذى استغرقه عمله، خصوصا إذا اطلع على أن الحجر الواحد من أحجاره مائتا قدم مكعب، وأقل ما يكون وزنه ثلاثون ألف كيلو جرام عبارة عن ستمائة وستة وستين قنطارا وثلثى قنطار مصرى. ولا شك أنه يشتمل على ألوف منها. وإذا فكر فى أنه قد مضى عليه ستة آلاف سنة، وهو قائم بمكانه، شاهد على تعاقب الأمم والأجيال والحوادث، سأل كم مضى أيضا من الأزمان قبل بنائه، وما نسبة جميع ذلك إلى ما بقى، فعند ذلك لا يرد جوابا. قال بعضهم:
ألست ترى الأهرام دام بناؤها
…
ويفنى لدينا العالم الانس والجن
كأن رحى الأفلاك أكوارها على
…
قواعدها الأهرام والعالم الطحن
فإذا انتقل فكره إلى الإنسان وأعماله، ونظر الى صغر جسمه بالنسبة إلى أعماله الجسيمة، وقصر عمره بالنسبة الى القرون التى شهد هذا البناء على بعضها، رأى أن الإنسان ليس بشئ، وأن ما ينشأ عنه من الأعمال والحوادث الكبيرة والصغيرة لم يكن عن مجرد مادته الجسمانية، بل إنما ذلك ناشئ عما أودع فيه من الروح التى هى من أمر الله تعالى، وسر من أسراره التى استأثر بها عن خلقه، وما الجسم لها إلا شبح تقوم به لتتصرف فيما تريد من الأعمال.
وحينئذ فالأهرام من الأعمال التى تجلب للمتأمل فيها الإعتبار بالماضين، وتحمله على عمل الآثار الحسنة التى يحسن بها ذكره على الدوام، وبها يستدل على أن الأمة المصرية أقوى أمة تتحمل المشاق والصبر على الأعمال الصعبة، وأن من يوجه قوتها نحو ثروتها تنال على يديه أوج السعادة حتى تستوجب له الذكر الحسن فى جميع الممالك.
قال المقريزى: ووجدت بخط الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى أبى حجلة التلمسانى: أنشدنى القاضى فخر الدين عبد الوهاب المصرى لنفسه فى الأهرام سنة خمس وخمسين وسبعمائة وأجاد:
أمبانى الأهرام كم من واعظ
…
صدع القلوب ولم يفه بلسانه
أذكرتنى قولا تقادم عهده
…
أين الذى الهرمان من بنيانه/
هن الجبال الشامخات تكاد أن
…
تمتد فوق الأرض عن كيوانه
لو أن كسرى جالس فى سفحها
…
لأجلّ مجلسه على إيوانه
ثبتت على حر الزمان وبرده
…
مددا ولم تأسف على حدثانه
والشمس فى إحراقها والريح عند
…
هبوبها والسيل فى جريانه
هل عابد قد خصها بعبادة
…
فبانى ذى الأهرام من أوثانه
أو قائل يقضى برجعى نفسه
…
من بعد فرقته إلى جثمانه
فاختارها لكنوزه ولجسمه
…
قبرا ليأمن من أذى طوفانه
أو أنها للسائرات مراصد
…
يختار راصدها أعز مكانه
أو أنها وصفت شئون كواكب
…
أحكام فرس الدهر أو يونانه
أو أنهم نقشوا على حيطانها
…
علما يحار الفكر فى تبيانه
فى قلب رائيها ليعلم نقشها
…
فكر يعض عليه طرف بنانه
انتهى.
وفى حسن المحاضرة للسيوطى قال ابن عبد الحكم: ولم أجد عند أحد من أهل المعرفة من أهل مصر فى الأهرام خبرا يثبت. وفى ذلك يقول الشاعر:
حسرت عقول أولى النهى الأهرام
…
واستصغرت لعظيمها الأجرام
ملس مؤنقة البناء شواهق
…
قصرت لعال دونهن سهام
لم أدر حين كبا التفكر دونها
…
واستوهمت لعجيبها الأوهام
أقبور أملاك الأعاجم هن أم
…
طلسام رمل كن أم أعلام
(المبحث السادس فيمن تهجم على الأهرام وحاول فتحها أو إزالة شئ منها، وفى تاريخ ذلك)
قال بعض علماء الإفرنج: يظهر أن خلفاء جمشيد هم الذين ابتدؤا بالتعدى على الهرم. والظاهر أن ذلك كان فى زمن دريوس أكوس، إذ فى زمنه قام المصريون على العجم، وأرادوا طردهم من مصر، فتغلب العجم عليهم وأذلوهم وردوهم إلى طاعتهم، وعند ذلك سطوا على معابدهم ومقدسيهم بالتخريب والتحقير، ثم لما دخلت اليونان مصر تمسكوا بديانة المصريين وعوائدهم، فمال إليهم المصريون، ولكن لما وجدوا الأجساد المقدسة قد نبشت وضاع كثير منها، لم يعتنوا بها كالاعتناء الأول، فأخذت فى النقص وطمس الذكر إلى أن أضمحلت. بل نقل بعضهم عن هيرودوط أن جمشيد نفسه هو الذى فتح قبور الملوك، وكانت قبل محترمة فى الغاية. انتهى.
وقال لطرون الفرنساوى: إن الأهرام كانت مكسوة بحجارة مصقولة على قول الأكثر، وإن تلك الكسوة قد أزيلت باستطالة الأيدى عليها خلافا لمن يقول إنها بنيت هكذا غير مكسوة. ثم قال إن ابتداء إزالة الكسوة كان فى زمن العرب، ولم يكن فى زمن البطالسة ولا الرومانيين؛ لأن هذه المبانى فى وقتهم كانت مقدسة تحت حماية الديانة، فلما استولت العرب على مصر أخذ كثير من الناس فى البحث عن الكنوز، ففتح المأمون الهرم وكذا غيره، ولما لم يجدوا شيئا أخذوا يبحثون فى أعلاه، فأزالوا المدماك الأول، ثم حفروا فى وسط الهرم من الأعلى طمعا فى أن يصلوا إلى داخله، فكان سعيهم على غير طائل. ويظهر أن الكسوة بقيت إلى القرن السادس من الهجرة، بدليل ما قاله عبد اللطيف البغدادى فى رسالته - وهو من أهل هذا القرن - إنا لما علمنا أن أهالى قرية من قرى الجيزة لهم معرفة بالصعود فوق الهرم؛ أحضرنا منهم أشخاصا، واستأجرناهم على الصعود عليه بقليل من الأجرة. انتهى.
فلو لم يكن مكسوا لصعد عليه بنفسه ولم يحتج إلى الإستئجار.
وأيضا فقد ذكر أن ضلع السطح الأعلى للهرم عشرة أذرع بالسوداء - يعنى بذراع مقياس النيل - وذلك يعادل خمسة أمتار وأربعمائة وإنثى عشر جزءا من ألف جزء من المتر.
ولما ساح فى مصر العالم جرياو - الأنكليزى - فى سنة ألف وستمائة وثمان وثلاثين ميلادية رأى أن ضلع السطح أربعة أمتار، يعنى وجده أقل منه فى زمن عبد اللطيف البغدادى بقدر متر ونصف تقريبا، مع أن كلام السياحين الذين أتوا بعدهما، يدل على أن سطح الهرم دائما يأخذ/فى السعة بسبب عبث الأيدى به وإزالة بعض مداميكه
(1)
. فقد قال العالم فلجنس الذى ساح فى مصر سنة ألف وستمائة وتسعين - أعنى بعد جرياو بإثنتين وخمسين سنة - أن عدد مداميك الهرم مائتان وثمانية، وقد عدها العالم داويزون فى سنة ألف وسبعمائة وثلاث وستين مائتى مدماك وستة.
ولما استولى الفرنساوية على مصر فى سنة ألف وثمانمائة وجدوها مائتى مدماك وثلاثة، وهى الآن فى سنة ألف وثمانمائة وسبع وسبعين ميلادية - يعنى فى سنة ألف ومائتين وأربع وتسعين هجرية - مائتان وإثنان، فقد حصل فى ظرف قرنين ونصف تقريبا هدم ستة مداميك من أعلى الهرم، وهذا ضرورة يوجب اتساع السطح الأعلى حتى إنه الآن عشرة أمتار تقريبا. فكان يلزم أن يكون قياس العالم جرياو أكبر من قياس عبد اللطيف البغدادى.
فبالضرورة لم يكن لهذه المخالفة سبب إلا وجود الكسوة فى زمن عبد اللطيف، وعدم وجودها فى زمن جرياو، ومما يدل أيضا على أنها فى وقت زمن عبد اللطيف كانت مكسوة أن سمك الكسوة متران وسبعة أجزاء من مائة جزء من المتر، فلو أضيف سمك حجر الوسط إلى ضعف هذا المقدار لنتج المقدار الذى ذكره، ويتبين أن القياس الذى أعتبر فى وقته كان فى استواء حجر الوسط.
(1)
مداميك: جمع مدماك، والمدماك: الصف من الحجارة فى البناء. المنجد.
وممن شاهد كسوتها العالم جرار، المرسل من طرف فريرديك بربروس إلى صوب الملك صلاح الدين سنة ألف ومائة وخمس وثمانين ميلادية قبل سياحة عبد اللطيف بثلاث عشرة سنة، إذ قال إن الهرم الكبير مكسو بحجر مصقول يشبه الرخام، بل قال العالم جيبوم بلنسيل - وقد ساح بمصر فى سنة ألف وثلاثمائة وست وثلاثين - إن كسوة الهرم موجودة وعليها كتابة، وذلك بعد زمن عبد اللطيف بنصف قرن.
وقال أبو العباس أحمد المعروف بشهاب الدين - فى كتابه الموجود فى كتبخانة باريس - إن حجارة أوجه الهرم متلامسة ومستحكمة الوضع، وذلك فى سنة ثلاثمائة وثمان وأربعين وألف، فعلى هذا لم تبتدأ إزالة الكسوة إلا فى القرن الرابع عشر من الميلاد. وحكى سيمون سرابروش أنه شاهد الناس قد بلغوا فى هدم الكسوة إلى وسط الهرم، وذلك حينما حج إلى بلاد القدس فى سنة ألف وثلاثمائة وخمس وتسعين.
وذكر السياح سرياق أنه صعد إلى رأس الهرم فى سنة الف وأربعمائة وأربعين ميلادية، فلا بد أن الكسوة كانت قد أزيلت من بعض جهاته. وذكر العالم زويجا أن إسكندر أريوستو كان فى مصر سنة ألف وأربعمائة وست وسبعين، وأنه رأى ناسا يهدمون كسوة الهرم وينقلونها لمبانيهم. ومن ذلك يعلم أن أخذ انقاض الكسوة استمر إلى آخر القرن الخامس عشر من الميلاد.
انتهى كلام لطرون.
قال بعض الإفرنج: ومن يتأمل الصعوبات والمشاق التى تحصل فى فتح الأهرام وتخليص الطريق إليها بحفر الصخور الصوانية الهائلة المتماسك بعضها ببعض كأنها حجر واحد، ويتأمل فيما يلزم بها من المصاريف الجسيمة والزمن المديد لا يذهب فكره إلى أن ذلك كان لمجرد الإطلاع على الأود والأموات، بل يجزم بأنه لا بد من دواع مهمة جدا وطمع شديد فيما بداخل الأهرام من الفوائد العظيمة والذخائر النفيسة، وإنهم استدلوا من الكتب والآثار على ما كان يدفن مع الأموات، لا سيما الملوك - من الجواهر والحلى البالغ الغاية فى
الكثرة والجودة، فهذا هو الداعى الأكبر من قديم الزمان إلى الآن للتهجم على القبور والمعابد والبرابى والأماكن المقدسة.
(فتح الخليفة المأمون للثلمة التى فى الهرم)
وفى خطط المقريزي قال أبو الحسن المسعودى فى كتابه «أخبار الزمان ومن أباده الحدثان» : إن الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد لما قدم مصر، وأتى على الأهرام، أحب أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له: إنك لا تقدر على ذلك، فقال: لا بد من فتح شئ منه، ففتحت له الثلمة
(1)
المفتوحة الآن بنار توقد وخل يرش ومعاول وحدادين يعملون فيها، حتى أنفق عليها أموالا عظيمة، فوجدوا عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعا، فلما انتهوا الى آخر الحائط وجدوا خلف الثقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب، وزن كل دينار أوقية، وكان عددها ألف دينار، فجعل المأمون يتعجب من ذلك الذهب ومن جودته، ثم أمر بحسب جملة ما أنفق على الثلمة، فوجدوا الذى أصابوا لا يزيد على ما أنفقوه ولا ينقص، فتعجب من معرفتهم بمقدار ما ينفق عليه، ومن تركهم ما يوازيه فى الموضع عجبا عظيما.
وقيل إن المطهرة التى وجد فيها الذهب كانت من زبرجد، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته. وكان ما عمل من عجائب مصر، وأقام الناس سنين يقصدونه، وينزلون فى الزلاقة
(2)
التى فيه، فمنهم من يسلم، ومنهم من يهلك، فأنفق عشرون من الأحداث على دخوله، وأعدوا لذلك ما يحتاجون من طعام وشراب وحبال وشمع ونحوه، ونزلوا فى الزلاقة فرأوا فيها من الخفاش ما يكون كالعقبان
(3)
يضرب وجوههم، ثم أنهم أدلوا أحدهم بالحبال، فانطبق عليه المكان، وحاولوا جذبه حتى أعياهم، فسمعوا صوتا أزعجهم فغشى/
(1)
الثلمة فى الحائط ونحوه: الخلل محل الكسر من المكسور. المنجد.
(2)
الزلاقة: الصخرة الملساء: القاموس المحيط.
(3)
عقبان: جمع عقّاب، وهو طائر من الجوارح يطلق على الذكر والأنثى، قوى المخالب، وله منقار أعقف. المنجد.
عليهم ثم قاموا، وخرجوا من الهرم، فبينما هم جلوس يتعجبون مما وقع لهم، إذ أخرجت الأرض صاحبهم حيا من بين أيديهم، يتكلم بكلام لم يعرفوه، ثم سقط ميتا، فحملوه ومضوا به، فأخذهم الخفراء وأتوا بهم إلى الوالى، فحدثوه خبرهم، ثم سألوا عن الكلام الذى قال صاحبهم قبل موته، فقيل لهم معناه:
هذا جزاء من طلب ما ليس له، وكان الذى فسر لهم معناه بعض أهل الصعيد.
ثم قال: ويقال إنهم لما ثقبوا الهرم، وجدوا داخله مهاوى ومراقى يهول أمرها ويعسر السلوك فيها، ووجدوا فى أعلاها بيتا مكعبا طول كل ضلع من أضلاعه نحوا من ثمانية أذرع، وفى وسطه حوض رخام مطبق، فلما كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمة بالية قد أتت عليها العصور الخالية، فعند ذلك أمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه.
ويقال إنه وجد على القبور فى الهرم حلة قد بليت، ولم يبق منها سوى سلوكها من الذهب، وأن ثخانة الطلاء الذى عليه قدر شبر من مر وصبر.
انتهى.
وفى حسن المحاضرة: إن المأمون لما فتح الهرم فتح زلاقة ضيقة من الحجر الصوان الأسود الذى لا يعمل فيه الحديد بين حاجزين ملتصقين بالحائط قد نقر فى الزلاقة حفر، يتمسك الصاعد بتلك الحفر، ويستعين بها على المشى فى الزلاقة لئلا يزلق، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر، ويقال إن أسفل البئر أبوابا يدخل منها الى مواضع كثيرة، وبيوت ومخادع وعجائب، وانتهت بهم الزلاقة الى موضع مربع فى وسطه حوض من حجر جلد مغطى، فلما كشف عنه غطاؤه لم يوجد فيه الإ رمة بالية. انتهى.
(محاولة ابن طولون فتح الأهرام)
وممن تهجم على الأهرام أيضا أحمد بن طيلون متملك مصر فى سنة ثلاث وخمسين ومائتين، قال السيوطى فى حسن المحاضرة: قال صاحب
المرآة: ولما ملك أحمد بن طيلون مصر حفر على أبواب الأهرام، فوجدوا فى الحفر قطعة مرجان، مكتوب عليها سطور باليونانى، فأحضر من يعرف ذلك القلم، فإذا هى أبيات شعر فترجمت فكان فيها:
أنا بانى الأهرام فى مصر كلها
…
ومالكها قدما بها والمقدم
تركت بها أثارا على وحكمتى
…
على الدهر لا تبلى ولا تتثلم
وفيها كنوز جمة وعجائب
…
وللدهر لين مرة وتهجم
وفيها علومى كلها غير أننى
…
أرى قبل هذا أن أموت فتعلم
ستفتح أقفالى وتبدو عجائبى
…
وفى ليلة من آخر الدهر تنجم
ثمان وتسعة وإثنتان وأربع
…
وسبعون من بعد المئين فتسلم
ومن يعد هذا جزء سبعين برهة
…
ويلقى البرابى تنحر وتهدم
تدبر فعالى فى صخور قطعتها
…
ستبقى وأفنى قبلها ثم تعدم
فجمع أحمد بن طولون الحكماء، وأمرهم بحساب هذه المدة، فلم يقدروا على تحقيق ذلك، فيئس من فتحها. انتهى.
(هدم قراقوش الطواشى للأهرام)
وتهجم عليها أيضا الطواشى قراقوش فى عهد السلطان صلاح الدين يوسف، وهدم كثيرا منها.
قال المقريزى: وقد كان منها (أى الأهرام) بالجيزة عدد كثير كلها صغار، هدمت فى زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، على يد الطواشى بهاء الدين قراقوش، أخذ حجارتها وبنى بها القناطر بالجيزة. وقد بقى من هذه الأهرام المهدومة أقلها.
وقال عند الكلام على القناطر، قال فى كتاب عجائب البنيان: إن القناطر الموجودة فى الجيزة من الأبنية العجيبة، ومن أعمال الجبارين، وهى نيف
وأربعون قنطرة، عملها الأمير قراقوش الأسدى، وكان على العمائر فى أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بما هدمه من الأهرام التى كانت بالجيزة، وأخذ حجرها فبنى منه هذه القناطر، وبنى سور القاهرة وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، وكان خصيا، روميا، سامى الهمة، وهو صاحب الأحكام المشهورة والحكايات المذكورة، وفيه صنف الكتاب المشهور المسمى «بالفاشوش فى أحكام قراقوش» قال: وكان قراقوش لما أراد بناء هذه القناطر، بنى رصيفا من حجارة ابتدأ به من حيز النيل بإزاء مدينة مصر، كأنه جبل ممتد على الأرض مسيرة ستة أميال، حتى يتصل بالقناطر.
وقال أيضا: وفى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، تولى أمر هذه القناطر من لا بصيرة عنده، فسدها رجاء أن يحبس الماء، فقويت عليها جرية الماء، فزلزلت منها ثلاث قناطر وانشقت، ومع ذلك فما روى ما رجا أن يروى، وفى سنة سبعمائة وثمانية رسم الملك المظفر بيبرس الجاشنكير برمها، فعمر ما ضرب منها، وأصلح ما فسد فيها، فحصل النفع بها. انتهى.
وأظن أن القنطرة الموجودة الآن بقرب الهرم من بواقى هذه القناطر. انتهى وبعده تهجم عليها السلطان عثمان بن صلاح الدين المذكور
(محاولة السلطان عثمان بن صلاح الدين فتحها)
قال/المقريزى فى الكلام على الأهرام أيضا: قال العلامة موفق الدين عبد اللطيف بن أبى العز يوسف بن أبى البركات محمد بن على بن سعد البغدادى، المعروف بابن المطحن، فى سيرته: جاء رجل جاهل عجمى، فخيل إلى الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف أن الهرم الصغير تحته مطلب، فأخرج إليه الحجارين وأكثر العسكر، وأخذوا فى هدمه، وأقاموا على ذلك شهورا، ثم تركوه عن عجز وخسران مبين فى المال والعقل.
ونقل عن كتاب عجائب البنيان: أن الملك المذكور سوّل له بعض جهلة أصحابه أن يهدم هذه الأهرام، فبدأ بالصغير الأحمر، فأخرج إليه النقابين والحجارين وجماعة من أمراء دولته وعظماء مملكته، وأمرهم بهدمه، فخيموا عنده وحشروا الرجال والصناع، ووفروا عليهم النفقات، وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيلهم ورجلهم يهدمون كل يوم بعد الجهد واستفراغ بذل الوسع، الحجر والحجرين، فقوم من فوق يدفعونه بالأسافين،
(1)
وقوم من أسفل يجذبونه بالقلوس
(2)
والأشطان
(3)
، فإذا سقط سمع له وجبة عظيمة من مسافة بعيدة، حتى ترجف الجبال، وتزلزل الأرض، ويغوص فى الرمل، فيتعبون تعبا آخر حتى يخرجوه، ويضربون فيه بالأسافين بعد ما ينقبون لها موضعا ويثبتونها فيه، فيتقطع قطعا، وتسحب كل قطعة على العجل حتى تلقى فى ذيل الجبل، وهى مسافة قريبة: فلما طال ثواؤهم، ونفدت نفقاتهم، وتضاعف نصبهم، ووهت عزائمهم، كفوا محسورين لم ينالوا بغية، بل شوّهوا الهرم، وأبانوا عن عجز وفشل، وكان ذلك فى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
ومع ذلك فإن الرائى لحجارة الهرم يظن أنه قد استؤصل، فإذا عاين الهرم ظن أنه لم يهدم منه شئ، وإنما سقط منه بعض جانب، وحينما شوهدت المشقة التى يجدونها فى هدم كل حجر، سئل مقدم الحجارين فقيل له: لو بذل لكم السلطان ألف دينار على أن تردوا حجرا واحدا إلى مكانه وهندامه هل كان يمكنكم؟! فأقسم بالله أنهم ليعجزون عنه، ولو بذل لهم أضعاف ذلك.
انتهى.
وفى الهرم الثالث خدش يقال إنه من آثار تطاول مراد بك على الأهرام؛ فإنه أراد نقض هذا الهرم فلم يتيسر له ذلك، فتركه، وكذلك الفرنساوية - زمن
(1)
الأسافين: جمع السفين: حديدة أو خشبة تستعمل لفلق الحطب وغيره. المنجد.
(2)
القلوس: جمع قلس. وهو الحبل الضخم من ليف أو خوص أو غيرها من قلوس سفن البحر. القاموس المحيط.
(3)
الأشطان: جمع شطن وهو الحبل الطويل. القاموس المحيط.
حكمهم على مصر - أرادوا نقض أحجار من الهرم الرابع القريب من الهرم الثالث، فلم يتيسر لهم، مع أنه صغير وهين بالنسبة للأهرام الثلاثة. ويقال إنهم وجدوا على أحجاره نقوشا باللون الأحمر.
وبالجملة فكثير من الناس حاول [نقض] الأهرام، وأخذ من أحجارها وكسوتها، فكم بنيت منها عمائر فى القاهرة وخلافها، ولم تزل الأغراب والسياحون من الإفرنج وغيرهم، يحرصون على الإطلاع عليها، وكشف غوامض ما فيها، فدائما يترددون عليها، ويصعدون فوقها، ويدخلونها، ويتعجبون منها جيلا بعد جيل الى الآن.
وقد كانت الطريق اليها فى الزمن السابق صعبة بسبب الأوعار، والحر، والبرد، والعطش، ومخوفة بسبب العرب المقيمين فى الطرق وحول الأهرام، فكان مريد الوصول اليها لا يحصل مقصوده إلا بعد معاناة واقتحام مشاق عظيمة. وكانت الطريق من النيل إليها كثيرة الانعطافات، ويلزم للذاهب إليها من القاهرة تعدية النيل، فيرى كثيرا من وقاحة النوتية
(1)
والمكارية ونحو ذلك.
والآن فى عهد الحضرة الخديوية زال عن مريد الإطلاع عليها كل عناء، وأمكن الوصول إليها بسهولة، فالهرم الكبير أول ما يقابل الآتى من جهة النيل من الأزبكية إليه نحو إثنى عشر ألف متر، ومنه إلى القناطر الخيرية نحو ستة وعشرين ألف متر، وإلى مسلة عين شمس نحو مائتين وثمانية وثلاثين ألف متر.
فالآتى من الجهة الشمالية يكون أمامه باب فوق قاعدة إرتفاعها أربعة عشر مترا، ويرى أمامه كثيبا من الرمل والحصى وإرتفاعه كذلك تقريبا، وأمام الكثيب ترى حدود خندق الهرم الكبير المطموس بالرمال، ولا يعلم قدر عمقه إلا بالقياس على خندق الهرم الثانى الظاهر قاعه من بعض جهاته.
(1)
النوتية: الملاحون فى البحر خاصته. المنجد.
وأكثر السياحين اليوم يصعدون على الهرم لإمكان ذلك بزوال الكسوة الملساء المصقولة. فالأن ترى المداميك مدرجة كالسلالم، عدتها فى الهرم الكبير مائتا مدماك فأكثر، يستغرق الرقى عليه نحو ساعة فلكية، وصعوده من زاوية الشمال الشرقى أقل تعبا من غيرها، وأصعب الجميع الصعود من الجهة الوسطى، فإنه يخشى سقوط الحجارة على الصاعد منها، ولا تحسن السرعة فى الصعود؛ فإن ذلك يوجب التعب، ويفوت الإطلاع على دقائق الهرم.
فإذا كان الإنسان فوق الهرم، رأى البلاد متقاربة وصغيرة كالحجارة الملقاة على الأرض، والحيوانات فى غاية الصغر، ورأى فضاء مستديرا بعضه أخضر - وهو أرض المزارع -، وبعضه أبيض - وهو الصحراء - ويرى أنها مكتنفة للخضرة من كل جهة، ولا يمنعها من الإستيلاء عليها إلا الماء والخلجان، وقد جرب أن القوى إذا رمى سهما أو حجرا من أعلى الهرم إلى أسفله، فإنه يقع على جرمه، ولا يصل إلى الأرض، وإذا رمى من أسفله إلى أعلاه فلا يصل الى نهايته.
وأما الطواف حول الهرم الكبير فإنه يستغرق نحو ربع ساعة مع سرعة السير لكثرة/ما حوله من كثبان الرمال، ويقرب منه فى جميع ذلك الهرم الثانى.
وأما مداميك الهرم الثالث فهى الآن ثمانية وسبعون، ارتفاع كل مدماك 0،68 من مائة من المتر، وفى جهته الشمالية فتحة يقال إنها من هدم مراد بك، أراد فتحه، فلم يتيسر له، والله أعلم.
(المبحث السابع فيما يختص بالهرم الكبير من الأبعاد والمزايا)
قال على بن رضوان الطبيب: إن قياس الهرم الأول (أى الكبير من أهرام الجيزة الثلاثة) بالذراع التى تقاس بها اليوم الأبنية بمصر، كل حاشية منه أربعمائة ذراع، تكون بالذراع السوداء التى طول كل ذراع منها أربعة وعشرون إصبعا: خمسمائة ذراع، وذلك أن قاعدته مربع متساوى الأضلاع والزوايا، ضلعان منهما على خط نصف النهار، وضلعان على خط المشرق والمغرب، وكل ضلع بالذراع السوداء خمسمائة ذراع، والخط المنحدر على إستقامة من رأس الهرم إلى نصف ضلع المربع أربعمائة وسبعون ذراعا، يكون إذا تمم أيضا خمسمائة ذراع.
وأحيط بالهرم أربع مثلثات ومربع، كل مثلث منها متساوى الساقين، كل ساق منه إذا تمم خمسمائة وستون ذراعا. والمثلثات المربعة تجتمع رؤسها عند نقطة واحدة، وهى رأس الهرم إذا تمم، فيلزم أن يكون عموده أربعمائة ألف ذراع، إذا اجتمع تكاسيرها كان مبلغ تكسير سطح هذا الهرم خمسمائة ألف ذراع بالسوداء. وما أحسب على وجه الأرض بناء أعظم منه، ولا أحسن هندسة، ولا أطول. انتهى. مقريزى.
وقال بعض السياحين إن زوايا هذا الهرم الأربع محررة بالإحكام نحو الأربع نقط الأصلية. أعنى الشرق والغرب والشمال والجنوب. وقد أمعن النظر فيه بعض الفلكيين فى زمن دخول الفرنساوية مصر، فوجد فرقا فى تحرير الضلع البحرى منه، ووجد أن إنحرافه عن خط الشرق والغرب 19 و 28، واستنتج أن الخط الجانبى الذى أسس عليه وضع شكل الهرم قد انحرف بقدر عشرين دقيقة إلى جهة الغرب، ولكن لا يمكن الحكم بذلك بطريقة قطعية، لزوال الكسوة التى كانت عليه، وعسر تعيين نهايات الدرجات المحددة الآن للأوجه، وأيضا هذا الأنحراف يسير جدا، وهو مغتفر فى القياس، وأغلب من كتب على هذا الهرم حكم بإحكام تحرير زواياه.
والمؤلف عبد الرشيد البغوى - بعد أن تكلم على الصحيفة التى وجدها راهب دير قلمون، الكائن بالفيوم، مع مومياء وجدت فى دير أبى هرميس الذى هو بالقرب من الأهرام - قال إن الهرمين الكبيرين مرتفعان بقدر ثلاثمائة وسبع عشر ذراعا، وإن الأربعة أوجه متساوية، وعرض القاعدة أربعمائة وستون ذراعا.
ويقال إن الهرم كان مكسوا بالكتابة القديمة المسماة مسند أو حميرية، وإن دهليز الدخول فى الهرم مائة وخمسون ذراعا، ومقدار ثلاثمائة وسبع عشرة ذراعا الذى ذكره هو مقدار الإرتفاع الرأسى للهرم الكبير بفرق يسير، لأن الفرنساوية قاسوه بالضبط والدقة فوجدوه مائة وستة وأربعين مترا وشيئا يسيرا.
وهذا العدد يساوى ثلاثمائة وستة عشر ذراعا - ربع ذراع بالقديم - وأما الأربعمائة وستون ذراعا التى جعلوها للأربعة أوجه فلم تصدق إلا على حرف الأوجه بفرق يسير، لأن قياس الحرف بالضبط أربعمائة وستة عشر ذراعا ونصف ذراع، وإنما حدث الخطأ من زعم بعض العرب وغيرهم أن الأوجه مثلثات متساوية الأضلاع، وليس كذلك.
وذكر عبد اللطيف البغدادى أن كل ضلع من الأربعة الأضلاع المائلة على العمود يساوى أربعمائة وستين ذراعا، وهذا يزيل الشك بالكلية، ويدل على أن هذا المقدار ليس طول القاعدة، بل طول الحرف، كما تقدم، وهو موضوع فى الجهة البحرية الشرقية للهرم الثانى على بعد أربعمائة وثلاثة وثمانين مترا منه، وأما بالنسبة للهرم الثالث فهو موضوع بين الشمال والشمال الشرقى على بعد تسعمائة وستة وعشرين مترا منه، وبالنسبة لأبى الهول يكون بين الشمال والشمال الغربى على بعد 549 مترا منه.
(الموازنة التى عملت فى زمن الفرنساوية)
ومن الموازنة التى عملت فى زمن الفرنساوية، علم أن أرضية الجلسة للهرم عند الزاوية البحرية الشرقية مرتفعة فوق الذراع الأخير لمقياس الروضة
بقدر 42،88 مترا، وفوق أرض المزارع بقدر إثنين وأربعين مترا، وفوق ماء تحاريق سنة 1800 ميلادية 49،97 مترا. وفى هذه الأيام الأخيرة - أعنى سنة 1272 - ظهر من الموازنة التى عملت لخصوص الخليخ المالح أن نهاية الذراع السابع عشر من عمود المقياس مرتفعة فوق سطح مياه المالح بقدر 17،822 مترا
(بيان الأقيسة القديمة والجديدة التى كانت للمصريين)
وبواسطة هذه الأرقام ربما بعلم قدر إرتفاع أرض الوادى فى كل مدة من الأزمان الآتية، وما يحصل من التغيرات، لسطح مياه النيل/وأحوال الرى التى عليها مدار خصوبة الأرض وعمارتها بالسكان، فهذه فائدة عظيمة يجب حفظها.
ومن العمليات الهندسية التى أجريت علم أن قاعدة الهرم مربع كامل، ضلعه الخارج 232،747 متر، وقد قيس هذا البعد فوق سطح الصخر الذى جعل عليه الهرم بين الزواية البحرية الشرقيه ومقابلتها بعد إزالة الأتربة والرمال التى كانت كاسية لهذه الجهة، فوجد هذا المقدار.
ومن عملية البحث اتضح أن الأقدمين حفروا الصخر، وجعلوا فيه بيتا مستطيل الشكل طوله خمسة أمتار، وعرضه 3،52 أمتار، وعمقه 40،207 لوضع حجر القمة لجلسة الهرم فى كل من الزاويتين السابقتين، وكذا فى الزوايا الأخر. وأرضية جميع هذا الحفر فى مستوى واحد، فطول ضلعه هو البعد السالف.
ولكون هذا الهرم كان مكسوا وقائما على الجلسة، يلزم لتعيين ضلعه طرح قيمة سمك الكسوة من العدو. وقد عملت هذه العملية فوجد أن هذا الطول 230،902 مترا، وبمثل ذلك عملت عمليات مضبوطة فى أخذ إرتفاع كل وجه من الأوجه فوجد أنه 184،722 مترا، وعلى هذا يكون محيط القاعدة من فوق الجلسة 923،6، ومن فوق الصخر 930،99، وتكون مساحة القاعدة الجلسة
53314،81 مترا، يعنى إثنى عشر فدانا قديما، أو سبعة عشر فدانا مصريا من فدادين هذا الوقت، الذى قدر الواحد منها أربعة ألاف ومائتا متر مربع تقريبا.
فلو فرضنا أن هذا الهرم موضوع فى وسط جنينة الأزبكية لشغل ثلثيها بالتمام.
ومساحة القاعدة فوق الصخرة 54171،17 مترا مربعا، ومساحة كل وجه على حدته 21325،92، يعنى خمسة فدادين، والأربعة معا عشرون فدانا، ومجسم الهرم بالأمتار المكعبة 2562576،34، أو مليونان وستمائة وإثنان وستون ألفا وستمائة وثمانية وعشرون مترا مكعبا، وهذا المقدار كاف لبناء سور إرتفاعه ثمانية أمتار، وعرضه متران، وطوله خمسمائة وإثنان وستون فرسخا، والفرسخ أربعة آلأف متر. وذلك كاف لبناء سور يحيط بأرض مصر يبتدئ من قبلى باب العرب بالإسكندرية إلى أسوان إلى البحر الأحمر، ومن السويس إلى قريب العريش.
وبالتأمل فى مقدار قياس الأوجه السابقة يرى أنه أربعة أخماس القاعدة، وأن نسبته الى القاعدة كنسبة عددى 5، 4 ولو فرضت القاعدة منقسمة إلى خمسمائة قسم متساوية كان كل قسم منها 0،462 من المتر، وهو ما ذهب إليه العالم جومار، وقال إنه طول الذراع القديم للمصريين الذى استعملوه فى بنائه، وقد ألّف فى ذلك مجلدا ضخما ذكر فيه جميع الأقيسة القديمة والجديدة التى للمصريين، شرحها هنا يطول، ولكن نذكر بعضها لزيادة الفائدة فنقول.
قال العالم المذكور: إن القصبة الكبيرة التى كان يقاس بها الأرض عند دخول الفرنساوية أرض مصر جزءا من ستين جزءا من طول ضلع القاعدة؛ لأنك لو أجريت القسمة لوجدت للقصبة طولا قدره 3،85 أمتار، وهو القصبة التى كان ضلع الفدان بها عشرين قصبة، ولو فرضت أن القاعدة منقسمة إلى أربعمائة قسم متساوية لكان طول كل قسم منها 0،575، وهذا طول الذراع البلدى الجارى استعماله بيننا الآن. ولو قارنا الذراع البلدى بالذراع القديم،
لوجدنا الأول قدر الثانى مرة وربع مرة، يعنى أن النسبة الواقعة بين الذراعين هى النسبة بين قاعدة وجه الهرم وارتفاعه، ثم إذا تأملت تجد بين مقدارى الإرتفاع والقاعدة نسبة صحيحة، فالإرتفاع بالضبط ثلاثة أرباع القاعدة. فهل هذه النسبة حاصلة غير مقصودة؟! أو أن الأقدمين حين بنائه جعلوا فى بعديه الظاهرين للعيان ونسبة بعضهما الى بعض، ما يدل على الأقيسة المستعملة عند الأهالى فى جميع أعمالهم.
فإن كان كذلك كان فى الهرم فائدة عظيمة، وهى معرفة الذراع الأصلى الذى هو أساس جميع الأقيسة الجارى بها الآن العمل عندنا فى التجارة، والأبنية، والفلاحة. فلو وجدنا بين ضلع قاعدة الهرم وارتفاع الوجه، وبين الدرجة الأرضية المتوسطة لمصر نسبة صحيحة، يعنى أنها تشمله عدة مرات من غير كسر، لكان فى الهرم فائدة أخرى، هى حفظ مقدار الدرجة الأرضية، وتكون الأقيسة المستعملة فى أعمال أهالى الديار المصرية مرتبطة بها، وكان فى أى وقت يمكن بعملية حسابية سهلة معرفة الأقيسة متى علمت الدرجة أو بالعكس.
وقد عرف بحسابات مضبوطة وعمليات فلكية صحيحة أن مقدار الدرجة الأرضية المتوسطة لمصر 110827،68 مترا، وبقسمة هذا العدد إلى ستمائة قسم متساوية يكون خارج القسمة 184،712 مترا، وهو المقدار الذى وجدناه لارتفاع وجه الهرم بفرق يسير غير محسوس، وحينئذ يكون هذا الخط جزءا من ستمائة جزء من الدرجة الأرضية. وحينئذ يعلم مقدار الدرجة الأرضية.
وكذلك لو قسمنا/مقدار الدرجة السابقة على مقدار القاعدة الذى ذكرناه سابقا، نجده يدخل فيها أربعمائة وثمانين مرة بدون كسر.
ومن هذا مع ما سبق يعلم أن الهرم ربما كان أثرا فلكيا لبيان النقط الأربعة الأصلية على الصحيح، ومقدار الدرجة الأرضية لمصر، وأثرا متريا لحفظ الأقيسة الصغيرة والكبيرة. ويثبت ذلك ما ذكره الأقدمون من وجود غلوة
(استادة) تدخل فى الدرجة الأرضية ستمائة مرة. وحيث أن هذا يصدق على إرتفاع وجه الهرم، فيكون هذا الإرتفاع مبينا لمقدار الغلوة، ويؤدى إلى ظن أن المصريين فى الأزمان السالفة أجروا قياس الدرجة الأرضية وعرفوا مقدارها، ونسبوا إليها جميع الأقيسة، لتكون مرتبطة بشئ ثابت فى جميع الأزمان.
ولا يبعد ذلك على أمة آثار أعمالها باقية إلى الآن وقد ثبتت درجة تقدمها في العلوم على جميع الأمم.
فبناء على ما سبق يظن أن المصريين قاسوا الدرجة الأرضية فى الأحقاب الخالية، وحينئذ لا صعوبة فى تعيين مقدار الذراع العتيق، لأن هيرودوط وجميع المؤلفين اتفقوا على أنه جزء من أربعمائة جزء من الغلوة، وبقسمة إرتفاع الوجه إلى أربعمائة قسم يكون الناتج 462 ر. من المتر، وهو مقدار الذراع، وبقسمته على ستمائة يكون الناتج 308 ر م وهو مقدار القدم الرومى، الذى أخذه الروم عن المصريين، فهو القدم المصرى الذى هو ثلثا الذراع باتفاق المؤلفين.
فيعلم من ذلك صحة ما سبق من أن ارتفاع وجه الهرم هو الغلوة الداخلة فى الدرجة الأرضية ستمائة مرة، وأن الذراع العتيق المصرى جزء من أربعمائة منها، والقدم جزءا من ستمائة، فالإثنان يكونان منسوبين للدرجة الأرضية، ويكون محيط الهرم جزءا من مائة من الدرجة الأرضية، ويكون مقدار إرتفاع الوجه باعتبار الغلوة يساوى ست ثوان من الدرجة الأرضية، ومحيط القاعدة يساوى ثلاثين ثانية أو نصف دقيقة أرضية. ويكون ما ورد فى كتب مؤرخى العرب من المقدار الذى عينوه للذراع العتيق تحقيقيا لا تقريبيا، ولا شك فى ذلك، فإن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ذكر أن ضلع وجه الهرم مائة ذراع سلطانية، كل ذراع منها خمسة أذرع بذراع وقته. ومنه يعلم أن ضلع الهرم خمسمائة ذراع. وكذا ذكر إبراهيم بن وصيف شاه هذا المقدار بعينه.
وذكر عبد الرشيد البغوى فى كتابه المؤلف سنة 815 من الهجرة، أن ارتفاع الهرم الكبير ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا، وهو يوافق الذراع الذى تعين سابقا. وأما قوله إن القاعدة أربعمائة وستون، فلم يقصد به قاعدة وجه الهرم؛ بل قصد به أحرفه المائلة.
وعبارة الشيخ عبد اللطيف البغدادى صريحة فى ذلك، حيث قال إن الأهرام الكبيرة ثلاثة، وهى فى الجيزة على خط مستقيم مقابلة الفسطاط، إثنان عظيمان قريبان من بعضهما فى العظم، والثالث أقل منهما، ومن قاسها أكد أن كل قاعدة منها مربع طوله أربعمائة ذراع فى مثلها. والذراع المستعمل هو الذراع الأسود. إلى أن قال وأخبرنى رجل ممن له معرفة بالقياسات أن الإرتفاع الرأسى ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا، وأن كل ضلع من الأضلاع الأربعة المائلة على العمود أربعمائة وستون ذراعا.
ومن ذلك يعلم أن الأربعمائة وستين ذراعا التى ذكرها عبد الرشيد البغوى هى لكل ضلع من تلك الأضلاع، ويكون الذراع المذكور فى عبارته هو الذراع الذى تعين مقداره فيما سبق 0،462، وهذا الذراع هو الموافق لقياس الإرتفاع.
والأحرف المائلة الواردة فى عبارة الشيخ عبد اللطيف البغدادى التى استفيد منها أن الذراع الأسود هو الذراع البلدى المستعمل الآن بيننا، وما ذهب إليه المحلى، وابن سلامة، والمسعودى عند ذكر قياس أبعاد الهرم الكبير، يؤيد أن الذراع المستعمل هو 462، 0؛ لأن جميعهم متفقون على أن الإرتفاع ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا، وحيث أن المقدار الذى تعين للإرتفاع بالمتر هو 144،4 مترا تقريبا. فمن ذلك ينتج أن مقدار الذراع 0،462 م كما سبق.
وذكر أبو الفرج فى كتابه أن بطريقا يعقوبيا من أنطكوس بالشام، ساح فى أرض مصر فى القرن الثالث من الهجرة مرة وحده، ومرة مع الخليفة المأمون حين حضر مصر سنة 214 من الهجرة الموافق سنة 829 ميلادية، وإنه نظر الهرم وقال إن ضلعه خمسمائة ذراع، وهو يحقق أن الذراع 462، 0 كما تقدم.
والقياس الواقع فى قول على بن رضوان أن الهرم الأول قد قيس فوجد أن كل وجه منه أربعمائه ذراع بذراع النجار، وخمسمائة ذراع بالذراع الأسود.
لا يوافقه إلا الذراع البلدى والذراع العتيق، فربما كان الذراع البلدى فى وقته يسمى بذراع النجار، والذراع العتيق يسمى بالذراع الأسود.
فمن ذلك كله يعلم أن 462، 0 هو المقدار المعتبر للذراع العتيق وهو الذراع الشرعى المستعمل فى كتب الفقهاء، ويحقق ذلك مسئلة القلتين؛ فإنه لو أجريت العمليات الحسابية والتحويلات اللازمة على الخمسمائة رطل البغدادية التى هى مقدار القلتين، لنتج أن الذراع الشرعى هو الذراع المذكور بفرق يسير، ويكون أصله منقولا/عن الأزمان القديمة، ومأخوذا من حسابات فلكية صحيحة فى قياس الدرجة الأرضية، ومجعولا أساسا لإستنباط جميع الأقيسة الطولية والسطحية الجارية بين الناس.
ومن فوائد هذا الهرم أنك إذا أخذت التفاوت بين إرتفاع الوجه وقاعدته وجدته 46،180 مترا، وهو ربع الاستادة ومساو لمائة ذراع عتيقة، فحينئذ يكون هو ضلع الوحدة الذراعية التى كانت معتبرة فى مساحة الأرض، وتعيين الحدود الفاصلة بين أراضى الأهالى، وكانت تسمى أرورا بناء على قول هيرودوط، وبالضبط يكون ضلع هذه الوحدة خمس ضلع الوجه وربع إرتفاعه، ومن ثم يكون ضلع وجه الهرم بالذراع العتيق خمسمائة ذراع وارتفاعه أربعمائة، ويكون الهرم قد اشتمل فى ارتفاع الوجه وقاعدته على جميع أنواع الأقيسة الصغيرة والكبيرة المستعملة فى التجارة والزراعة والمبانى كما سبق.
(الجريب والأشل والأرور والخطوة)
ولا بد أن الأرور كان عند المصريين أسما لقطعة من الأرض التي يطلق عليها فى كتب الفقه اسم جريب، لأن مساحتها كما هو مذكور فى القاموس عبارة عن حاصل ضرب أشل فى نفسه، والأشل عشر قصبات، والقصبة عشرة
أذرع، فتكون مساحة الجريب مائة قصبة مربعة أو عشرة آلاف ذراع. وحيث تبين أن القصبة المذكورة هنا هى القصبة الكبيرة، وكانت منقسمة الى ثلاثة أقسام - بناء على قول هارون الإسكندرى - وكل قسم منها خمسة أقدام، ويسمى بالخطوة المساحية، يكون ضلع الأرور بها ثلاثين خطوة، ومساحته تسعمائة خطوة، ثم إن الخطوة المساحية كانت نصف القصبة القديمة التى طولها عشرة أقدام، وكانت أصغر من القصبة التى كان يقاس بها الفدان بقدر ربعها، بمعنى أن القصبة التى وجدت فى وقت الفرنساوية كانت قصبة صغيرة وربعا.
ومما يجب ملاحظته أن نسبتها للذراع الصغير موافقة لنسبة الأخرى للذراع البلدى، فإن القصبة الصغيرة ستة أذرع وثلثان بالصغير، كما أن الكبيرة ستة أذرع وثلثان بالبلدى.
ومما سبق يعلم أن الجريب هو الأرور الدى ذكره هيرودوط لاشتماله على مساحة قدرها عشرة ألاف قدم عبارة عن مائة قدم فى مثلها، وكان الجريب يشملها مرتين وربعا، وكان ضلع هذه عسلة فى مثلها كما أن الجريب أشل فى نفسه. وقول قدامة أن الأشل ستون ذراعا، والجريب ستون ذراعا فى مثلها، أعنى ثلاثة آلاف وستمائة ذراع، يفيد أن مساحة الجريب أشل فى نفسه، كما قاله السموأل، وتكون الستون ذراعا المذكورة فى قول قدامة قدر المائة ذراع المذكورة فى قول السموأل، ويكون الذراع الذى قدر به الأول أكبر من الذراع الذى قدر به الثانى، ولا يصدق على هذين الذراعين إلا الذراع المعمارى والذراع العتيق؛ لأن مقدار الذراع الواحد المعمارى بالنسبة للمتر 0،77 م، والستون ذراعا به مائة ذراع بالعتيق الذى قدره 462،. م كما قدمنا.
ومن هنا يعلم أنه لا فرق بين القولين، والإختلاف بينهما إنما نشأ من استعمال أذرع مختلفة بينها ارتباط تام ونسبة صحيحة، كما سنبينه. وحينئذ يعلم أن الذراع العتيق كان معلوما للعرب مستعملا بينهم فى سالف الأزمان
وسنبين فيما سيأتى كيف كان هذا الذراع أساسا أستنبطت منه جميع الأذرع والأقيسة الكبيرة.
وذكر أبو الفرج أن طول الهرم الكبير وعرضه خمسمائة ذراع، ولم يكن هناك ذراع يطابق هذا غير الذراع السابق، لأنه هو الذى إذا ضرب به مقدار 0،462 من المتر فى 500 متر حصل منه مقدار طول ضلع القاعدة، وحينئذ يكون هذا الكلام وحده دليلا على أن الذراع المصرى جزء من خمسمائة جزء من طول ضلع قاعدة الهرم.
وأما ما ذكره من أن إرتفاع الهرم مائتان وخمسون ذراعا، أى نصف القاعدة، فليس مصادفا للصحة إلا باستعمال الذراع البلدى، لأن الارتفاع الرأسى للهرم 144،194 مترا. وهذا يساوى ثلاثمائة وإثنى عشر ذراعا عتيقا وربعا، وهو أكبر من نصف القاعدة، لكن إذا اعتبر بالذراع البلدى الذى مقداره 0،5777 من المتر وضرب فى مائتين وخسمين متر حصل 144،4 مترا، وهو الارتفاع الرأسى للهرم بفرق يسير.
ولعل ما نقل عنه من استعمال ذراعين مختلفين ناشئ من نقله عن مؤلفين مختلفين، أعنى أنه أخذ طول القاعدة عن مؤلف، وطول الإرتفاع عن آخر، حيث أن الذراع البلدى ذراع وربع بالعتيق، لأن المائتين والخمسين ذراعا بالبلدى ثلاثمائة وإثنا عشر ذراعا ونصف بالآخر، وهو مقدار الإرتفاع كما ذكرنا.
وما ذكره عبد الرشيد البغوى من أن إرتفاع الهرم ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا، لا يخالف ما ذكره أبو الفرج إذا فرض أنه أدخل فى هذا القياس مقدار إرتفاع الجلسة - وهو أربعة أذرع - ولم يدخل فى القياس الأول، ويؤخذ من هذا أن العرب وصلوا إلى معرفة حساب المثلثات بالضبط، إذ لولا ذلك لم يمكنهم معرفة الارتفاع الرأسى للهرم، ويؤيده ما قاله الشيخ عبد اللطيف البغدادى أن
رجلا ممن له معرفة بفن المساحة أخبره بأن الإرتفاع الرأسى/للهرم ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا تقريبا، وأن طول كل ضلع من الأضلاع المائلة على العمود فى كل وجه من الأوجه الأربعة أربعمائة وستون ذراعا، وذكر قبل ذلك أن ضلع البسطة الموجودة بأعلى الهرم عشرة أذرع. وجميع هذه المقادير صحيحة لا يشك فيها أحد، وأما الإرتفاع فهو كما قدمنا من أن الإرتفاع الرأسى الكلى بما فيه من إرتفاع الجلسة - كما هو مذكور فى الأقوال السابقة، والثانى هو مقدار طول كل حرف من الأحرف الأربعة المائلة المارة بين القمة السفلى والزاوية العليا بعد إسقاط تسعة أذرع ونصف، قيمة الحرف المكمل للهرم فوق البسطة العليا، وذكرنا أنها عشرة أذرع.
ويظهر من كلام الشيخ عبد اللطيف أنه شك فى هذا القياس، ويجب أن نجعل العمود أربعمائة ذراع ليس إلا، ولكن هذا المقدار الأخير هو عمود الوجه - أعنى إرتفلاعه، وليس مقدار إرتفاع الهرم نفسه الذى لا يوافقه سوى مقدار 317 ذراعا كما سبق.
وقد نقل المقدارين السالفين العالم دساسى الفرنساوى عن المذكور، أعنى ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا لإرتفاع الهرم، وأربعمائة وستين لطول الحرف المائل كما ذكرنا. وكذلك نقل هذين المقدارين عن يوسف بن التيغازى فى تاريخه، لمصر، وعن ابن سلامة، ولا يصدق على هذه المقادير من الأذرع سوى الذراع العتيق الذى مقداره كما سبق 0،462 من المتر.
وقد نقل القلقشندى عن القضاءى أن ذراع مقاييس الصعيد كان فى الأزمان السالفة أربعة وعشرين إصبعا، وفى زمنه كان ذراع المقياس ثمانية وعشرين، وحيث أن المقياس فى زمن القضاءى كان بالروضة كما هو الآن، يكون استنتاج ذراع مقياس الصعيد السابق عليه سهلا جدا. وطريقه أن تضرب نسبة 24/ 28 فى مقدار ذراع مقياس الروضة فيحصل 0،4618 وبالتقريب الغير المحسوس 0،462 وهو ما تقرر أولا.
(بيان كيف تحصلت الأذرع المستعملة من الأذرع القديمة)
ولنبين كيف تحصلت الأذرع الأخر المذكورة فى كتب المؤلفين المستعملة بين الأهالى من هذا الذراع فنقول: إن الذراع البلدى الكثير الإستعمال فى المصنوعات البلدية تحصل من الذراع العتيق بإضافة ربعه عليه، فيكون طوله ذراعا وربعا بالعتيق، وطول ضلع قاعدة الهرم الكبير به أربعمائة ذراع بدون كسر، وذراع المقياس حصل من الذراع العتيق بإضافة سدسه عليه، فطوله ذراع وسدس بالعتيق مع فرق يسير جدا قدره ملليمتر ونصف. ولربما حدث هذا الفرق من تقلب الزمن كما سنبينه.
وفى خطط الفرنساوية أن ذراع المنادى ثلثا ذراع المقياس فقط، وعلى مقتضاه ينادى المنادون فى البلد، وعموده منقسم إلى أربعة وعشرين ذراعا فصغره يوافق ذراعا وثلاثة أرباع ذراع من أذرع المقياس، وذراع عشرين منه يوافق خمسة عشر ذراعا من أذرع المقياس، وذراع أربعة وعشرين يوافق سبعة عشر ذراعا وثلاثة أرباع ذراع من الذراع الحقيقى، والذراع الهاشمى قدمان بالمصرى، أو ذراع مصرى عتيق وثلث ذراع، وهى إثنان وثلاثون قيراطا، وقدره بالذراع البلدى ذراع وجزء من خمسة عشر جزء منه، وذراع وسبع بذراع المقياس، وذراع وتسع بالعبرى، ويسمى الذراع الهاشمى بالذراع السلطانى والذراع القديم.
ومن هنا يمكن أن يقال إن هذه الأذرع سابقة الإستعمال على الذراع البلدى؛ لأنه لم يكن بينهما نسبة صحيحة، والغالب أنها حصلت من الذراع المصرى، لأنه أقدم الجميع. وإن كان بعض المؤلفين وصفه بالجديد، ومما يقرب ذلك كون الذراع البلدى وسطا بين ذراع المقياس والذراع الهاشمى، فإن الذراع المقياسى ثمانية وعشرون قيراطا، والهاشمى إثنان وثلاثون قيراطا، والذراع المصرى العتيق الذى هو الأساس أربعة وعشرون قيراطا فقط. والمؤلفون
يسمونه تارة بالذراع الصغير، وأخرى بالذراع العامة، وتارة بالذراع الصحيح، وتارة بذراع القياس.
وذكر ايدوار بيرنار نقلا عن الجغرافيين من العرب زيادة ذراع على ما سبق قدره سبع وعشرون إصبعا، ويسمونه بذراع السواد، وقالوا إنه لا يختلف عن ذراع بابل أى العراقيين، ولا بد أنه الذراع الذى يذكره الفقهاء فى كتبهم. وبنسبته إلى الذراع المصرى نجده به ذراعا وثمنا، ويكون مقداره بالمتر 0،5196
وهذه الأذرع الثلاثة: أى الهاشمى، والمصرى، والسوادى، قد أقيمت البراهين عليها من أقوال جميع مؤلفى العرب: منها أن القصبة ستة أذرع بالهاشمى وثمانية بالصغير، أى المصرى، وسبعة أذرع و 1/ 9 بالسوادى، وهذه المقادير مطابقة لأعداد 32، 24، 27 السابقة. هذا وأما الذراع المعمارى فإنه نتج من إضافة قدم مصرى إلى الذراع العتيق، وحيث كان الذراع العتيق قدما ونصفا بالمصرى، فالمعمارى قدمان ونصف به من غير لبس، وهذا الذراع يحصل من الذراع البلدى بإضافة ثلثه عليه، فحينئذ يكون الذراع البلدى ثلاثة أرباعه، وحيث هو منقسم الى أربعة وعشرين قيراطا فالذراع البلدى ثمانية عشر قيراطا من قراريطه.
وقد كانت القصبة المستعملة/فى قياس الأرض خمسة أذرع به إلى زمن الفرنساوية وبعده بمده، وكان الفدان فى ذلك الزمن عبارة عن حاصل ضرب عشرين قصبة فى مثلها، وعن حاصل ضرب مائة ذراع فى مثلها بالذراع المعمارى فيكون عشرة آلاف ذراع، وضلع قاعدة الهرم به ثلاثمائة ذراع بدون كسر، ومقدار هذا الذراع بالنسبة إلى المتر 0،77 م، لا 0،75 من المتر، كما هو الآن، فإن هذا المقدار الأخير إنما صار الإتفاق عليه فى أيامنا هذه، لكونه ثلاثة أرباع المتر بلا كسر، وبناء على ذلك يكون مقدار القصبة بالمتر 3،85 وهى أكبر من القصبة الهاشمية، فإنها ستة أذرع بالهاشمى، فمقدارها حينئذ 3،494، والأولى أكبر منها بجزء من أربعة وعشرين جزءا، وأما الذراع
الإسلامبولى فهو أجنبى عن بلادنا هذه واسمه يدل عليه، وإنما دخوله القطر كان مع الترك، وقال بعضهم دخوله فى مصر كان سنة 1517 ميلادية والهنداسة كذلك؛ ولذا لا يرى بينها وبين الذراع العتيق ولا القدم المصرى نسبة صحيحة، ومقدار الذراع الإسلامبولى بالنسبة للمتر 0،677 من المتر، ومقدار الهنداسة 0،656 من المتر، ثم إن طول القصبة التى ذكرنا أنه خمسة أذرع بالمعمارى وكان محفوظا ببندر الجيزة - كان متغيرا بالنسبة لجهات القطر.
وفى زمن الفرنساوية قيس جملة منها بالمديريات البحرية والمديريات القبلية، فوجدت تارة 3،6 أمتار، وتارة 3،65، والمتعارف بين الناس أن طولها بالذراع البلدى ستة أذرع وثلثا ذراع، وكانت هى المستعملة فى المساحة، وكان الأربعون فدانا ستة وثلاثين بالقصبة الحقيقية، وقصبة المساحين الصغيرة التى طولها 3،6 أمتار تعادل ستة أذرع وثلثى ذراع بذراع المقياس الحقيقى.
ومن هنا يستنبط أن المساحين الأقباط - بتداول الأيام - ربما عوضوا الذراع البلدى الذى كانت القصبة به ستة أذرع وثلثى ذراع بذراع المقياس، لحصول زيادة الأفدنة به بدون تغير فى العدد المبين لطول القصبة، وكان معروفا عند الناس فى جهات المديريات والفدان اسم للمتسع من الأرض يختلف باختلاف القصبة، فبالقصبة التى طولها خمسة أذرع بالمعمارى، كان مساحته أربعمائة قصبة، وقاعدة الهرم تسعة أفدنة بدون كسر، وضلعه مائة ذراع بالذراع الكبير المعمارى، كما أن ضلع الأرور أو الجريب كان مائة ذراع بالذراع العتيق، وحينئذ يكون ضلع الفدان 250 قدما بالمصرى، وضلع الجريب مائة وخمسين، فالنسبة بينهما كالنسبة بين عددى 25،9، فالتسعة أفدنة خمسة وعشرون جريبا.
وعلى هذا لو قسمنا ضلعين من أضلاع قاعدة الهرم، كل واحد إلى ثلاثة أقسام، وأقمنا من الأقسام أعمدة، حصل تسع مربعات، كل منها يصدق على
الفدان القديم، وكذلك لو قسمنا كلا منها الى خمسة أقسام متساوية، وأقمنا الأعمدة من جميع نقط التقسيم، حدث خمسة وعشرون مربعا، كل منها صادق على الجريب. وعلى ذلك يكون الهرم مشتملا على الوحدة الذراعية التى هى أساس المساحة.
(محاولة معرفة السماوات وتقدير بعد الشمس عن الأرض)
ثم لا بد أن نورد بعض ما نقله السلف من أعمال المصريين فى الأزمان الماضية، ليعلم بذلك درجة تقدم المصريين، فلا يستبعد عليهم قياس الدرجة الأرضية وربط الأقيسة وغيرها بها كما فعل ذلك المتأخرون فى زمننا.
فنقول نقل عن بولين فى كتاب: «وصف أحوال مصر» الذى جمعه حيث الجمعية الفرنساوية حين استيلائهم على مصر ما معناه: قد يبلغ أمر الإنسان الى أن يتجرأ على محاولة معرفة السموات، وتقدير بعد الشمس عن الأرض، وذلك أنه حيث كان القطر سبعة أجزاء، والمحيط إثنين وعشرين، كان ذلك كافيا لقياس سعة الكون، وهذا كمن يجعل الشاكول كافيا لقياس السماء، وقد علمنا من حساب المصريين الذى وصلنا من نسيبسوس وبيتوزيريس أن كل جزء فى مدار القمر - الذى هو أصغر الكواكب - يشغل أكثر من ثلاث وثلاثين غلوة، وكل جزء من مدار زحل - الذى هو أكبر الجميع - يشغل ضعف ذلك، وكل جزء من مدار الشمس - الذى هو متوسط بينهما - يشغل نصف هذين العددين. أنتهى.
وعبارته هذه تشهد بأن المصريين فى وقته كانوا على غاية من العلم، والرومانيين بالعكس، وكان علم الفلك على غاية من التقدم، وقد ظن الفلكى باى أن كلمة جزء الواقعة فى عبارة يلين - تقابل الدرجة من المحيط المنقسم إلى ثلاثمائة وستين درجة، فحكم بعدم صحة هذه المقادير، ورأى العالم جومار غير ذلك، فقال: إن قوما عرفوا الحركة الحقيقية للمريخ والزهرة، ولم
يدرها غيرهم من الأمم، وقدروا قطر الشمس ومحيط كرة الأرض بالضبط والدقة، فلا يظن أنهم قدروا للدرجة ثلاثا وثلاثين غلوة، وجعلوا البعد بين الأرض والقمر 1890 غلوة، يعنى إثنين وثمانين فرسخا، ويكون أقل من البعد الذى جعلاه بين مدينة أسوان ومدينة تتاريس، وبين أبيدوس وجزيرة فيلا، فالأولى أن الغلط منسوب لعبارة بولين لا للمصريين فى حساباتهم.
ومعلوم أن الأقدمين جعلوا المحيط منقسما إلى ستين قسما، والدرجة الى/ستين دقيقة، والدقيقة إلى ستين ثانية، والثانية إلى ستين ثالثة، والثالثة إلى ستين رابعة، فكل قسم من الستين المنقسم اليها المحيط ست درجات.
وكان الذراع الفلكى عندهم قدر إثنين منها، فعلى هذا يكون كل قسم ثلاثة أذرع فلكية، وتكون الدرجة والدقيقة والثانية والثالثة منقسمة مثل المحيط، بمعى أنه كان يوجد أقسام قدرها ثلاث دقائق، وأخرى قدرها ثلاث ثوالث، لأن الثلاث دقائق تقابل القياس المصرى المعروف بالشين (الفرسخ)، والثلاث ثوالث تطابق الأميلوس، وهو قياس قدره خمسة أقدام بالقدم المصرى، وهو نصف قصبة طولها عشرة أقدام بالمصرى.
(مساحات أخرى استعملها المصريون لسهولة الأعمال كالقلمة والعسلة)
وكان يوجد أيضا قياس يطابق القياس المعروف باليلتر، وهو قياس يسمى عند العرب بالعسلة أو الأشل، وهو ستون ذراعا بالهاشمى، أو ستة وستون ذراعا بالمصرى القديم، وقدره ثلاث ثوان، والغالب على الظن أن الجزء المذكور فى عبارة يلين، يطابق الأقسام التى قدر الواحد منها ثلاث ثوان، وعلى هذا الإعتبار يكون جزءا من ألف ومائتى جزء من الدرجة الأرضية، وحيث أن يلين جعله ثلاثا وثلاثين غلوة، فيكون محيط مدار القمر جميعه 14،256،000 غلوة، ويكون نصف القطر له 2،268،000 غلوة، وحيث أن الدرجة الأرضية 600 غلوة مصرية، والفرسخ المعتاد أربعة وعشرون غلوة، يكون
المقدار السابق بالفراسخ 94،500، وهذا البعد يزيد عن البعد الذى حسب فى زماننا وقدره 86،324 فرسخا للبعد من الأرض إلى القمر بفرق قدره 1/ 11.
ولكن هذا الفرق لا يمنع من الشهادة للمصريين بأنهم وصلوا لهذه الدرجة، ولم يسبقهم غيرهم.
وعلى أى حال فطرق وصولهم لهذه النتائج مجهولة لنا بالتفصيل. ومما يثبت لهم المعلومات الفلكية شهرة، علوم مدرسة فيثاغورس ومن خرج منها من الفلاسفة الناشرين للعلوم التى كانت تدرّس بها، ومعلوم للجميع مما نقله الأقدمون أن جميع علوم هذه المدرسة منقولة عن المصريين، وأنهم أقاموا بمدارس مصر وتعلموا بها هذه الفنون، ومما يدل أيضا على عظم قدرهم فى العلوم، ما نقله يلين أيضا عن بوزودونيوس من أن بعد القمر عن الأرض مليون من الغلوة، وليس ذلك الا الغلوة المصرية الداخلة فى الدرجة الأرضية للستمائة مرة، لأنه ينتج عن هذا التقدير 83،333 من الفراسخ، وهذا قريب جدا من الحقيقة.
وكذلك قوله إن فلك الريح والسحاب مرتفع فوق الأرض بأربعمائة غلوة، يدل على استعمال الغلوة المصرية الداخلة فى الدرجة ستمائة مرة كما سبق؛ لأنه ينتج عن هذا المقدار 2/ 163 فرسخا، وهو ارتفاع الجو كما هو مقدر الآن بيننا، فحيث كان لا يدخل فى هذه التقديرات إلا الغلوة المصرية، فيظن أن جميع ذلك مذكور عنهم. وإذا وصل قوم لحساب ذلك لا يبعد عليهم حساب الدرجة الأرضية.
ولولا خوف الإطالة لأوردنا من كلام المؤرخين ما يدل على أن المصريين كان لهم معرفة تامة بعلم الفلك، وإنهم اشتغلوا به وبغيره من الفنون والصنائع، ولكن فى ذلك كفاية، إذ الغرض تيقظ القارئ ليعلم قدر هذه الأمة التى أخنى عليها الدهر، وكأنها لم تكن، مع أنها هى أساس التمدن فى تلك الديار، ومنها انتقل إلى جميع بلاد الدنيا.
ثم إنه كان للمصريين غير ما تقدم مساحات أخر يستعملونها لسهولة الأعمال، منها مساحة قدرها 10،000 قدم مربع يشملها الجريب مرتين وربع، وكانت تلك المساحة عبارة عن مربع ضلعه مائة قدم، وهو نصف مساحة أخرى عرضها مائتا قدم فى مائة قدم، وكانت نسبتها الى الجريب كنسبة عدد أربعة الى تسعة، وكان من ضمن الأقيسة الكبيرة عندهم أيضا مساحة ضلعها غلوة، وكانت 10،000 قامة مربعة، والقامة ستة أقدام مصرية. وحيث أن هذه المساحة 360،000 قدم مربع، فإن قسمت الغلوة إلى عشرة أقسام متساوية، وكان كل مربع من تلك الأقسام 3600 قدم مربع، وضلعه ستون قدما، أو عشر قامات، أو إثنا عشر خطوة مساحية، وهو عين المساحة التى كان يطلق عليها اسم قلمة عند الرومانيين، فلعلهم أخذوها عن المصريين.
واستعمال الغلوة المربعة فى المساحة عند المصريين ثابت بقول هيرودوط وغيره، والقلمة عبارة عن مائة قامة مربعة. وهناك مساحات أخر منها مساحة قدرها ربع غلوة وهو يساوى أربعة أجربة، أو تسع عسلات مربعة، أو خمسة وعشرين قلمة مربعة، أو ألفين وخمسمائة قامة مربعة. ومنها مساحة مستطيلة أحد أضلاعها مائة قدم، والآخر مائتان. وهى العسلة المضاعفة أربع عسلات مربعة أو 1/ 9 الغلوة المربعة، وهو الفدان القديم. ومساحة قدرها 10،000 قدم مربع ومائة قصبة مربعة من قصب عشرة أقدام، وهى العسلة البسيطة المربعة ومساحة قدرها ربع العسلة المربعة فهى حينئذ مائة ونصف قصبة، أو خمسة وعشرون قصبة مربعة، من قصب عشرة أقدام، أو 2500 قدم مربعة. ومساحة قدرها قصبة مربعة من قصب عشرة أقدام، أو مائة قامة/مربعة، أو 1600 ذراع مربع أو 3600 قدم مربع، أو عسلة مربعة، أو جزء من مائة جزء من الغلوة المربعة، وهى عين القامة الرومية. ومساحة قدرها 400 قامة مربعة. ومساحة قدرها 300 قامة مربعة ومساحة قدرها 200 قامة مربعة. والجريب والأرور ضلعه 30 نصف قصبة، أو أشل أو عشرة قصبات طول القصبة عشرة أذرع،
والجريب عبارة عن 22،500 قدم مربع أو 10،000 ذراع مربع، وهو 225 قصبة صغيرة طولها عشرة أقدام، أو 900 نصف قصبة صغيرة.
ومن المسائح ربع الجريب، وهو إما 25 قصبة كبيرة مربعة، أو 2500 ذراع مربع، أو 225 خطوة مربعة. والقامة المربعة هى ربع الجزء المئينى للغلوة، وكان على مقتضاه تقدر التقاوى، فكان يلزمة 1/ 8 من المد، أو خمسة ليورا، على قول هارون الإسكندرى، وحينئذ فكان تقاوى الجزء المئينى للغلوة نصف مد، أو عشرون ليورا، وبقدرها مرتين مد كامل، يعنى أربعين ليورا وهكذا.
والليورا المستعملة هنا هى الليورا الرومية؛ لأنه ورد عن مؤلفى الروم بالإتفاق، أنه فى ابتداء القرن الثالث من الميلاد كانت صدرت أوامر من طيوروز وأركاديوس وغيرهما من قياصرة الروم لجميع الجهات التابعة لدولتهم بإستعمال المكاييل والأقيسة الرومية، وكان وزن المد من البر الوارد لروما من الإسكندرية على قول يلين عشرين ليرا وعشرا ونصفا والمد المذكور فى عبارة يلين هو المد الرومى؛ بسبب أن الغلال الواردة لروما فى مينا الإسكندرية بعضها من الجهات البحرية، وهى أثقل فى الوزن من الواردة من الجهات القبلية، فيكون المد المصرى الذى استعمله هارون - وهو المد المستعمل فى تقاوى أرض مصر - أربعين ليورا كما قدمنا، ويكون المد الرومى نصف المد المصرى.
ومما سبق تعلم السهولة التى كانت عند المصريين فى تقدير المسائح جميعها صغيرة وكبيرة، وتقدير ما يلزم لها من التقاوى مثلا ربع الغلوة المربع يشمل ألفلين وخمسمائة قامة مربعة، ويلزم لكل خمسة وعشرين قامة مربعة 1/ 8 من المد كما سبق، فتقاوى ألفين وخمسمائة، أو ربع الغلوة المربعة بالإمداد ثمن المائة أعنى إثنى عشر مدا ونصف مد، وكذا ما يلزم للأرور من البذر يستخرج بالسهولة أيضا لأن الأرور ربع تلك المساحة، فيلزم له من البذر ربع الإثنى عشر مدا ونصف، أو بنسبته الى الجزء المئينى.
فيقال مثلا الجريب عبارة عن مائتين وخمس وعشرين قصبة صغيرة مربعة والجزء المئينى للغلوة ست وثلاثون قصبة مربعة، وبنسبة بعضهما إلى بعض يحصل ثلاثة أمداد، وثمن مد، ويلزم للفدان القديم 5،5 أمداد مصرية، أو عشرة أمداد رومية، وهو قريب من نصف أردب، لأنه ظهر من التجربات التى أجرتها الإفرنج أن الأردب مائتان وأربعة وستون ليورا، من المسماة بالمركا، فيكون زنة النصف أردب مائة وثلاثا وعشرين ليورا منها. وهذه تعادل من الرومية مائتى ليورا بناء على التقدير الصحيح، فيكون النصف أردب خمسة أمداد رومية، أو عشر كيلات رومية من الكيلات المعروفة بالبواسق، التى كل ثلاثة منها قدم رومى مكعب. وحيث أن القدم المكعب يعادل سبعة وعشرين ليترا تقريبا، فالكيلة تسع ليترات، والعشر كيلات تسعين ليترا، وهو نصف الأردب المصرى الذى هو الذراع البلدى المكعب، ووجدوا مقداره مائة وأربعا وثمانين ليترا، ولعل هذا المد هو الكيلة البيتى المستعملة فى داخل البيوت بديار مصر وقت أن كانت الروم مسئولية عليها، وهى باقية الى الآن.
وفى القاموس نقلا عن قدامة الكاتب أن اسم الجريب يطلق على مكيال يسع أربعة أقفزة من الحب، وذكر المطرزى أنه كان فى الأصل يطلق على المكيال، ثم أطلق على مقدار من الأرض يستوعب ذلك القدر من الحب، ومن هذه العبارة تكون الأربعة أقفزة مساوية لثلاثة أمداد وثمن مد؛ لأن ذلك هو مقدار تقاوى الجريب.
وحيث تبين أن مقدار الأردب مائة وأربعة وثمانون ليترا بالكيل، وهذه تعدل 135 كيلوجرام بالوزن، فالمد أو الكيلة البيتى 13،5 كيلوجرام، ويكون الأربعة أقفزة التى ذكرت سابقا لتقاوى الجريب من الأرض تساوى 42،1875 كيلو، ويكون مقدار القفيز 10،546، وبمقارنة هذا المقدار بمقدار الكيلة المصرية التى الأردب بها إثنتا عشرة كيلة، ينتج أن القفيز أصغر منها بنصف قدح، ولا يكون هو القفيز المذكور فى كتب الفقه الذى هو إثنا عشر صاعا بصاع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ستة وتسعون رطلا بالبغدادى، لأنه أصغر منه بكثير كما يظهر لك إن حسبت. انتهى.
(بيان داخل الهرم وبابه)
ثم إنه قد تقدم لك أن الباب موضوع فى الوجه البحرى للهرم، وفتحته التى يتوصل منها الى الداخل فى المدماك الثالث عشر مرتفعة فوق الصخر بقدر جزء من ثلاثة عشر جزءا من ارتفاع الهرم الناقص الموجود الآن، وعرض الباب قدر ارتفاعه، وكلاهما 1،11 متر، وفوقه أربعة أحجار طول الواحد أربعة أمتار، يتكون عنها/دسر لتحمل الثقل الواقع عليها.
وخلاف هذه الأحجار يوجد حجر عظيم طوله 3،8 متر، وعرضه 2،6، وسمكه 1،5 متر، ويتكون منه العتبة العليا، ويزن 60000 كيلو.
وتلك الأحجار موضوعة فوق المزلقان، الذى يتوصل منه إلى الداخل بالكيفية الماضية، لوقايته من ضغط الثقل الذى فوقه. وطول ذلك المزلقان 22،363، وشكله تام متوازى السطوح، محكم البناء، متقن الصنعة، ومنحدر الى أسفل قدر زاويته 5/ 26 بمعنى أن سطح آخره يكوّن مع السطح الرأسى زاوية قدرها 64 درجة، ومن ملوسته يلزم النازل عليه أن يستعين بيديه، أو بأحد من الناس، ولا بد من استصحاب نور مدة النزول، ولا يكون قائما فيها دائما، بل يطأطئ رأسه، وكلما قرب من آخره نقص الإرتفاع، فيضطر النازل لأن ينحنى حتى تقرب ذقنه من ركبته، ثم يصل إلى مكان لا بد فيه من الرقاد لشدة ضيقه ويحبى على بطنه، ويكون نفس الإنسان حينئذ فى غاية الضيق لقلة الهواء، وكثرة الحرارة، ولكن لا تكون هذه الحالة إلا زمنا يسيرا، ثم يصل الى مكان يمكنه أن يقف فيه وينتصب ويستريح.
وإذا كان الإنسان فى الموضع المار يتحقق أن الذين فتحوا الهرم لما وصلوا إلى هذا الموضع منعهم عن الإستمرار ثلاثة أحجار جسيمة هناك، فلما لم
يتمكنوا من إزالتها نقبّوا فوقها النقب، الذى هو باب الدخول الآن للمزلقان الثانى، الموصل لأودة الملك، وعرضه وارتفاعه مثل عرض الماضى، وارتفاعه وانحداره بالعكس، بمعنى أن انحداره إلى أعلى بخلاف الأول؛ فإنه إلى أسفل وزاوية الثانى قدر زاوية الأول.
ويوجد مع الثانى فى مستو رأسى عمودى على وجه الجلسة التى بين الشرق والغرب، وفى كل منهما حفر كثيرة؛ لئلا تزلق رجل الداخل، وطوله 33،134 مترا، وفى آخره بسطة ضلعها أربعة أمتار ونصف. وإذا وصل إليها وجد فوق رأسه فضاء متسعا فى صورة قبة
وفى الجهة اليمنى قرب قدميه فم البئر المشهور، ووجد فى تجاهه سردابا أفقيا طوله 38،791 مترا، موصلا لأودة تعرف بأودة الملكة، طولها 5،224 أمتار، وعرضها 5،793، مبنية بالصوّان، سقفها محدود بارتفاع أعلى نقطة فيه 26،308 والى الرجل 24،114.
وفوق البسطة المزلقان العجيب الموصل للأودة المعروفة بأودة الملك، وأوله مرتفع عن البسطة بقدر 2،3، وانحداره وارتفاعه الرأسى كانحدار المزلقانين السابقين وارتفاعهما، وفى كل من طرفيه قصبة عرضها 0،502، وفيها حزوز فى الحجر عددها 28 جهة الشمال، و 26 جهة اليمين، والإثنان الباقيان جعلا فما للبئر، وفى طرفى المزلقان حائط ارتفاعه 0،57 من المتر؛ لاستناد الصاعد مع مساعدة الحزوز الموجودة بأرضه كما فى الآخر، وعرض المزلقان المذكور 0،92 من المتر، ويتناهى الضيق فى آخره حتى يصير 0،336 من المتر، وهو حاصل من تقارب حجارة لوجهين بعضها من بعض لا من انحنائها كما قد يتوهم.
وارتفاع المزلقان المذكور 8،121 أمتار من شدة صقل الحجارة، ظن بعض الناس أنها من الرخام، وليست كما ظن. ولا يمكن إدخال حد السكين بين
اللحامات لإحكامها واتقان بنائها. وطول المزلقان 40،358 مترا، ولا يصل الإنسان الى آخره فى أقل من نصف ساعة بل ربما تزيد، ومتى كان الإنسان فى هذا الموضع يتخطى سدة علوها 0،903. من متر، فيصير على بسطة طولها 0،557 من متر، فيجد مزلقانا عرضه 1،049 متر، وارتفاعه 0،11 وطوله 385/ 8 أمتار، وأحجاره صوانية، ويلزم الداخل أن ينحنى.
وفى آخره بسطة مرتفعة عرضها 1،215 متر وارتفاعها 3،8 أمتار وطولها 2،956 متر، ومنقسمة أربعة أقسام بحواجز لا يصل إرتفاعها الى الإرتفاع الأصلى، وفى الأول منها حجر من الصوان يملؤها، ويظهر للرائى أنه معلق فوق أرض المزلقان بقدر 1،11 متر، ويتكئ على برواز خفيف، بحيث يظن أنه أول قوة توقفه، وتسد المنفذ. وسمك هذا الحجر 4 ر. من متر، وارتفاعه 1،45، وعرضه 1،5 متر، ولا يعلم ما كان الغرض منه. وفيه أربع خيزرانات أسطوانية منقورة فى مقدمه، ولا يعلم لأى شئ عملت.
وبعد هذه البسطة يدخل الإنسان فى مزلقان طوله 1،110، ومنه يصل إلى أودة عظيمة مرتفعة متقنة غاية الإتقان، وهى المعروفة بأودة الملك، وطولها فى شرقى الهرم إلى غربيه، وأحد ضلعيها وهو القبلى 10،472 أمتار، والأخر وهو البحرى 10،467 أمتار، والضلعان الآخران الشرقى 5،235 أمتار، والغربى 5،200 أمتار. فحينئذ يكون العرض نصف الطول، وأما إرتفاعها فهو 5،858 أمتار، وجميع أحجارها من الصوان، وهى على أقصى غاية فى الصقل بحيث يعسر نظر العين للجامات الستة التى هى متساوية فى الارتفاع، ويرى فى جدرانها - على إرتفاع خمسة أقدام من أرضها - فتحتان كعينين صغيرتين مستطيلتين متقابلتين، وإحداهما متجهة نحو الجهة القبلية، والأخرى نحو البحرية، ولا يعلم آخر مدهما؛ بسبب أنهما مغلقان، وليسا فى منتصف الأودة.
وداخل هذه الأودة/مسود من الدخان، من جميع الجهات، وسقفها تسعة أحجار، طول الواحد منها ستة أمتار، ومكعبه يبلغ مائة وعشرين قدما مكعبة بالأقل، ووزنه تقريبا عشرون ألف كيلو، وليس فى بنائه خلل، بل هو باق على الحالة التى بنى عليها، وهو أنه فى غاية الصقل، ولا يمكن تأثير السكين فيه لكتابة أو خلافها، ويجد الداخل من الباب عن يمينه حجر الدفن الذى طوله 2،301 متر، وعرضه 1،2، وارتفاعه 1،137 متر، وعمقه 0،948 من متر، وسمك الجدار 0،162 من متر، ما عدا القاع فإنه 0،189 من متر، وليس عليه غطاء، وهو مجرد عن الكتابة كالأودة والمزلقان.
وهناك أودة أخرى بابها فى آخر المزلقان الموصل لأودة الملك، لا يمكن الوصول إليها إلا بسلم من خشب، فإذا دخلها الإنسان وجد نفسه فوق أودة الملك، وإرتفاعها 1،002 متر، وعرضها وطولها مثل عرض أودة الملك وطولها، وذلك يدل على أنها جعلت لمنع الضغط عن أحجار سقف أودة الملك.
ومن غريب ما هناك ما يسمع فى الهرم من صدى الصوت، فإنه يتكرر فيه عشر مرات، وعادة السياحين متى خرجوا من أودة الملك واستقروا فوق البسطة، يطلقون طبنجة، فينعكس الصوت فى جميع المزلقان، ويتكرر الصوت، فيحصل من ذلك ما يتعجب منه، ولا يمكن وصفه باللسان، فإنه يكون إبتداء كالرعد، ثم يتناقص بالتدريج حتى يصل إلى باب الهرم.
والبئر التى ذكرنا فيما سبق إنها على البسطة، لم تكن فى سعة واحدة من مبدئها الى آخرها، بل فى المبدأ تكون 1،4 متر فى عرض 0،60، ثم تتناقص الى أن تصير 0،65 فى عرض 0،60، وليست على عمود واحد فى جميع عمقها؛ بل الدرجة الأولى 47،102، والثانية 16،242 مترا، وعلى هذا يكون العمق الذى صار الوصول إليه 63،344 مترا.
وفى جدران البئر أودة صغيرة على بعد تسعة أمتار من فمها، ولا يعلم ما الغرض منها، هل كانت للإستراحة، أو لوضع شئ، أو لغير ذلك، وهى نقر
فى الصخر، وارتفاعها ثلاثة أمتار، وعرضها قدر ارتفاعها مرة ونصفا، ومتى كان الإنسان فى قعر البئر، كانت درجة الحرارة خمسة وعشرين، مع أنها فى داخل الهرم 22 فقط، ويقال إن قاع البئر مع قاع النيل فى مستوى واحد، لكن لعدم الوصول إليه لا يمكن القطع بذلك.
(استكشاف بيازيسميت الانكليزى للهرم)
وممن كتب على هذا الهرم الكبير وأجاد، وبيّن وأفاد، الفلكى الماهر بيازيسميت الإنجليزى، فإنه تفرغ مدة للإطلاع على أسراره، واستفرغ جهده فى استخراج دقائقه بثاقب أفكاره، فتكلم عليه بما لم يسبق إليه، ولم يحم أحد حول ما وقف عليه، وقد ترجم القسيس موانيو الفرنساوى فى سنة 1875 بعض ما كتبه هذا السياح، وهاك شرذمة مما نبه عليه من الفوائد مترجمة إلى العربى.
قال ما معناه أولا: أن أضلاع هذا الهرم متجهة إتجاها صحيحا نحو النقط الأربع الأصلية: الشرق والغرب والشمال والجنوب، وكذلك سائر الأهرام المصرية، والمقابر الكبيرة والصغيرة، والآبار المربعة الشكل الموصلة إلى مخادع الأموات.
وأما أهرام العراق فهى كثبان من الأتربة، متطاولة من غير تناسب ولا انتظام، وأقطارها فى اتجاه خط نصف النهار.
وأهرام بلاد الأمريكة عبارة عن درجات بعضها فوق بعض، إذا صعد عليها الإنسان يصل إلى المعبد.
ومداخل الأهرام توجد دائما فى الجهة البحرية، ومحاور الآزاج توجد فى مستوى واحد رأسى هو المستوى الجانبى المار فى نقطتى الشمال والجنوب، وأطول الأودة الموجودة فى داخل الهرم إتجاهها من الشرق إلى الغرب،
والمستوى الجانبى المار بمحاور الآزاج إذا امتد إلى نحو البحر المالح يكون فى منتصف الوجه البحرى، والهرم الكبير هو مركز القوس المحدود به الوجه البحرى من جهة البحر المالح، وأحد قطرى قاعدة الهرم إذا امتدّ يمر بنهاية الوجه البحرى من الجهة الشرقية، والآخر يمر بنهايته من الجهة الغربية، والوجه البحرى جميعه يشغل وسط الأرض القارة من سطح الكرة الأرضية جميعها.
ثانيا: اتفق كثير من العلماء على أن أهرام سقارة أقدم الأهرام، والظاهر أن أقدم الجميع هو الهرم الكبير، من أهرام الجيزة، كما قاله العالم بسيوس وغيره.
ثالثا: فهم كثير من المؤلفين من كلام هيرودوط أنه يقول إن ضلع قاعدة الهرم مساوية لإرتفاعه، وإنه أخطأ فى ذلك، وبقى الحكم عليه بالخطأ إلى سنة 1859، فتفطن العالم جون تيلور ودقق النظر فيما قاله هيرودوط، فرأى أن عبارته تفيد الأقيسة السطحية لا الخطية، وأن قصده أن المربع الذى ضلعه قدر إرتفاع الهرم، يساوى مساحة أى سطح من الأسطحة الأربعة المائلة.
وهذا صواب لا خطأ فيه، والذى أدّاه لهذا الفهم أنه رأى الهرم بناءا هندسيا به القوانين الهندسية، ووافقه على ذلك العالم الحيسوب جون هرسيل الإنكليزى. ومن حينئذ حصل التيقظ لقياس الهرم، وضبط أبعاده وزواياه.
وقد ظهر من الأقيسة المحررة المضبوطة أن ميل وجهه البحرى إحدى وخمسون درجة وست وأربعون دقيقة، وميل الوجه القبلى إحدى وخمسون درجة وتسع وثلاثون دقيقة، وميل الوجه الشرقى إحدى/وخمسون درجة وإثنتان وأربعون دقيقة، وميل الغربى إحدى وخمسون درجة وأربع وخمسون دقيقة، وذلك باعتبار حالته الراهنة بعد زوال الكسوة وبامتحان أحجار الكسوة التى وجدت محفوظة فى الأنطقخانة بلوندره، ظهر أن زاوية ميل الأوجه كانت إحدى وخمسين درجة وإحدى وخمسين دقيقة وأربع عشرة ثانية، وأن هذا
الميل يبتدئ من مستوى القاعدة المنحوتة فى الصخر، على ما حققه الأميرالاى هوارويز. وبذلك بطل القول بوجود جلسة يتكئ عليها الهرم، وممن قال بها العالم جومار.
رابعا: أختلف فى قياس ضلع القاعدة، فقال الفرنساوية إنها تسعة آلاف إصبع ومائة وثلاث وستون إصبعا من أصابع القدم الإنجليزى، وقال الميرالاى هوارويز إنها تسعة آلاف ومائة وثمان وستون إصبعا. وأقل ما قيل فيها تسعة آلاف ومائة وعشرة أصابع، وأكثر ما قيل فيها تسعة آلاف ومائة وسبعون إصبعا، والمتوسط الذى هو الأقرب للصواب تسعة آلاف ومائة وأربعون.
خامسا: إرتفاع الهرم خمسة آلاف وثمانمائة وتسعة عشر إصبعا إنكليزيا بقياس الفرنساوية، ويظن إنه كان قبل نقض أعلاه خمسة آلاف وثمانمائة وثمانية وثلاثين.
سادسا: ينتج من الأبعاد السابقة أن نسبة ضعف إرتفاع الهرم إلى محيط القاعدة، كنسبة واحد إلى (ط) - المعتبر عند المهندسين أنه النسبة بين كل محيط وقطره -، وأن نسبة مساحة القطاع الرأسى للهرم إلى نسبة مساحة القاعدة كنسبة واحد إلى (ط) أيضا، وإنك لو رسمت دائرة نصف قطرها إرتفاع الهرم، لكان محيطها قدر أربعة أضلاع الهرم.
وظهر من ذلك سبب اختيار زاوية الميل السابقة لأوجه الهرم، فإنك لو حسبت تلك الزاوية لوجدتها إحدى وخمسين درجة، وإحدى وخمسين دقيقة وأربع عشرة ثانية وثلاثة عشر جزءا من مائة من الثانية، وقد استدلوا على تلك الزاوية بآثار موجودة إلى الآن شرقى الهرم فى مقابلة ضلعه، وهى خطوط محفورة فى الصخر، منها ثلاثة عريضة، والرابع ضيق طويل، ومحاور جميعها إذا إمتدت تجتمع فى نقطة واحدة.
وبالقياس ظهر أن الزوايا الحاصلة من تقابل هذه الخطوط - ولو أنها فى سطح أفقى - لكنها مبينة لزاوية قاعدة الهرم، وزاوية رأسه على وجه الضبط،
وقد استكشف ويليان بيترى أن الدائرة المرسومة على أرض قاعدة الهرم التى نصف قطرها إرتفاع الهرم، تقطع أضلاع المربع، وتدخل عن زواياه، وتمر فى نقطة تقابل الخطوط المذكورة.
سابعا: نسبة إرتفاع الهرم إلى البعد المتوسط للشمس عن الأرض كنسبة واحد إلى عشرة مرفوعة إلى الدرجة التاسعة، يعنى أن البعد المتوسط بين الشمس والأرض مقدار ارتفاع الهرم ألف مليون مرة، وهذه النسبة بعينها واقعة بين الدائرة المكافئة لقاعدة الهرم المربعة، وبين المدار السنوى للأرض حول الشمس، وامتحان هذه القاعدة أنك لو ضربت إرتفاع الهرم - وهو خمسة آلاف وثمانمائة وتسعة عشر إصبعا - فى عشرة مرفوعة إلى الدرجة التاسعة، وقسمت الحاصل على عدد أصابع الميل الانكليزى - وهو ثلاثة وستون ألفا وثلاثمائة وستون إصبعا - لكان الناتج إحدا وتسعين مليونا وثمانمائة وأربعين ميلا انكليزيا، والبعد الذى كان معتبرا بين الشمس والأرض إلى غاية سنة ألف وثمانمائة وسبعة وستين ميلادية خمسة وتسعون مليونا ميلا إنكليزيا.
وبإجراء الحسابات الدقيقة من علماء الفلك بفرنسا وألمانيا والإنكليز وأمريكا. إتضح لهم زيادة هذا القدر عن الحقيقة، وأن الحق الذى يجب أن يعتبر فى هذا البعد دائر بين واحد وتسعين، واثنين وتسعين، وثلاثة وتسعين مليون ميل إنكليزى. وقد كان للأقدمين غفلة عن هذا التحقيق، حتى أنه كان فى آخر الألف الثانية من عمر الدنيا يظن أن البعد بينهما خمسة ملايين ميلا إنكليزيا فقط، وكان ذلك فى زمن كيلير العالم المشهور، ثم فى سلطنة لويس الرابع عشر من ملوك فرنسا، جعل سبعين مليونا بناء على تحقيق القسيس الفلكى كاى الذى أرسله هذا الملك الى رأس العشم، ثم تغير ذلك آخر القرن الثامن عشر من الميلاد إلى الخمسة والتسعين السابقة التى استنتجوها من مرور الزهرة على قرص الشمس. فانظر كيف كان علم بانى الهرم، وما استودعه فيه من الأسرار التى خفيت على أهل تلك الأحقاب حتى اضطربوا فى حساب ما بين الشمس والأرض، مع أن فى الهرم إشارة إليه يعرفها الحذاق.
ثامنا: نسبة إرتفاع الهرم إلى محيط كرة الأرض كنسبة واحد إلى مائتين وسبعين مليونا، يعنى أن محيط كرة الأرض أضعاف محيط الهرم بهذا العدد.
تاسعا: إذا قسم ضلع القاعدة - وهو تسعة آلاف ومائة وأربعون إصبعا - على عدد أيام السنة الشمسية - وهو ثلاثمائة وستون يوما وأربعة وعشرون من مائة جزء من اليوم -، يكون خارج القسمة خمسا وعشرين إصبعا وخمسة وعشرين جزءا من ألف من الإصبع، ولو نسبت هذا الناتج إلى نصف محور دوران الأرض لوجدت نسبته كنسبة واحد إلى عشرة ملايين/أو واحد إلى عشرة مرفوعة إلى الدرجة السابعة.
قال: وهذا الناتج هو الذى نسمية بالذراع الهرمى الموجود فى الحائط الشرقى من أودة الملكة فى القبلة التى بها البارزة عن سطحها، أى أن بانى الهرم وضع فى هذه القبلة إشارة إلى هذا الذراع؛ فإنه لم يجعل محورها منطبقا على محور الحائط، بل بينهما هذا القدر، وهو خمسة وعشرون إصبعا وخمسة وعشرون من ألف من الإصبع الإنجليزى، وبهذه الوحدة يتعين مقدار أيام السنة الشمسية بأن نقسم طول الضلع على هذه الوحدة.
وقال العالم كليت: إن هذه الوحدة الناتجة من نصف محور دوران الأرض، لو أعتبرت عند جميع الملل، لكانت أوفق من المتر المنسوب إلى خط وهمى مرسوم على سطح كرة الأرض، أى لأن المتر جزء من عشرة ملايين جزء من ربع خط نصف النهار.
وقال العالم جون هرشيل: إنه إذا لزم أن تكون وحدة القياس جزءا من عشرة ملايين جزء من خط من خطوط الكرة الأرضية، فالأحسن أن يختار لذلك القطر لا المحيط.
عاشرا: تلك الوحدة توجد أيضا فى الساحة الصغيرة التى أمام أودة الملك، يدخل إليها منها. فإن فى تلك الساحة ريشة صوّانية رأسية ممتدة
شرقا وغربا، لا تتصل بالأرض ولا بالسقف، مثبتة فى الوسط بعيدة عن النهاية القبلية، قريبة عن النهاية البحرية، بحيث أن قربها من الحائط البحرى بقدر ما يكفى إعتدال الداخل بعد التطأطؤ الذى اضطر إليه فى حال الدخول من الدهليز المنخفض.
والسياحون هم الذين سموها الريشة الصوانية، وهى عبارة عن طبقتين من الحجر: إحداهما فوق الأخرى، وفوقهما جزء منتفخ مكور الشكل مع تبطيط، وإذا قيس من مركزه مشرقا إلى آخر الريشة الداخل فى الحائط، بقدر ثلاث أصابع وخمسة وخمسين جزءا من مائة من الإصبع، كان ذلك خمسا وعشرين إصبعا وخمسة أجزاء من مائة.
وفى الحائط الجنوبى للساحة، أربعة خطوط رأسية مستقيمة ممتدة من سقف دهليز الساحة إلى سقفها، ويستنبط من هذه الخطوط أن الوحدة المذكورة منقسمة خمسة أقسام، وأن خمسها هو الجزء المكور المنقسم فى عرضه إلى خمسة أقسام، بمعنى أن الوحدة أو الذراع الهرمى منقسمة على خمسة وعشرين جزأ، أو قيراطا، كل جزء منها يساوى إصبعا إنجليزية وجزءا من مائة من الإصبع، وحيث أن الحسابات قد دلت على أن طول محور دوران الأرض خمسمائة مليون وخمسمائة ألف إصبع، فبتحويلها إلى قراريط أو أصابع هرمية يتحصل على خمسمائة مليون إصبع فقط.
ومن كل هذا يظهر ويتحقق أن الأرقام المستعملة فى الهرم هى خمسة وعشرة ومضاريبهما.
حادى عشر: بلاط الدهليز الموصل إلى الساحة جنسان أحدهما من صوان، والآخر من حجر جيرى، والطول الكلى للدهليز مائة وست عشرة إصبعا هرمية وستة وعشرون جزءا من مائة من الإصبع، وطول الجزء الصوانى منها مائة إصبع وثلاث أصابع وثلاثة أجزاء من مائة، والعدد الأول - أعنى مائة
وستة عشر وستة وعشرين - هو قطر الدائرة التى مساحتها عشرة آلاف إصبع وستمائة وست عشرة إصبعا، والعدد الثانى أعنى مائة وثلاثة وثلاثة أجزاء من مائة هو ضلع المربع الذى مساحته عشرة آلاف وستمائة وستة عشر.
وعلى ذلك فالدائرة المرسومة على طول الساحة تساوى فى المساحة للمربع المرسوم على طول الجزء الصوانى، والنسبة بين الطولين المذكورين هى النسبة بين المحيط وقطره التى ذكرنا إنها حاصلة بين محيط الهرم وارتفاعه.
وإذا ضرب الطول الكلى للدهليز فى (ط) يعنى النسبة بين المحيط وقطره، حصل عدد أيام السنة الشمسية، وهو عدد الأذرع المقدسة المشتمل عليها ضلع قاعدة الهرم.
وإذا ضرب الطول المذكور فى (ط) وفى عدد خمسة مرفوع إلى الدرجة الثالثة، كان الحاصل تسعة آلاف ومائة وإحدى وثلاثين إصبعا هرمية، وهو طول ضلع القاعدة، وإذا ضرب ذلك الطول فى خمسين - عدد المداميك التى بين مستوى القاعدة ومستوى الدهليز - كان الحاصل خمسة آلاف وثمانمائة وثلاث عشرة إصبعا هرمية، وهو إرتفاع الهرم بحسب الأصل. وإذا قسمته على إثنين كان الحاصل ثمانية وخمسين إصبعا وثلاثة عشر جزءا من مائة جزء من الإصبع وهو جزء من مائة من إرتفاع الهرم.
وإذا ضرب طول الجزء الصوانى المذكور فى خمسين حصل خمسة آلاف ومائة وإحدى وخمسون إصبعا وثلاثة وستون جزءا من مائة من الإصبع، وهو ضلع المربع المساوى فى المساحة لقطاع الهرم.
وإذا ضربته فى خمسة، كان الحاصل خمسمائة وخمس عشرة إصبعا ومائة وثلاثة وستين جزءا من ألف جزء من الإصبع، وهو طول قطر أودة الملك التى جميع أبعادها إما مضاريب خمسة أو عشرة أو خمسين. ومركز الحجر الأسفل للريشة الصوانية، يقسم إرتفاعها المساوى لمائة وتسعة وأربعين خطا
وتسعة وخمسين من مائة/من الخط إلى قسمين نسبة أحدهما إلى الآخر فى المقياس المئينى كالنسبة بين ضلع قاعدة الهرم وارتفاعه الرأسى، بمعنى أنك إذا جمعت قاعدة الهرم مع إرتفاعه، وقسمت الحاصل على مائة، كان الناتج هو إرتفاع حائط الدهليز، وهو مائة وتسعة وأربعون إصبعا انجليزية وتسعة وخمسون جزءا من مائة.
ثم إن القسم الأكبر من القسمين المذكورين وجد بتحرير الضبط إحدى وتسعين إصبعا وواحدا وثلاثين جزءا من مائة من الإصبع، إذا ضرب فى مائة يتحصل على طول ضلع القاعدة، وهو تسعة آلاف ومائة وإحدى وثلاثون إصبعا هرمية.
والقسم الأصغر وجد أنه ثمانية وخمسون إصبعا وثلاثة عشر جزءا من مائة من الأصبع إذا ضرب فى مائة يتحصل على الإرتفاع الرأسى للهرم، وارتفاع الحائط الغربى لهذا الدهليز مائة وإحدى عشرة إصبعا وثمانمائة وثلاثة أجزاء من ألف من الإصبع، إذا ضربت جزءاه المئينى فى عرض أودة الملك وهو مائتا وست أصابع وستة وستون جزءا من ألف من الإصبع كان الناتج هو إرتفاع أودة الملك، وهو مائتان وثلاثون إصبعا وثلاثمائة وثمانية وثمانون جزءا من ألف، وهذا المقدار يساوى نصف قطر أرضية أودة الملك، وهو أربعمائة وستون إصبعا هرمية وسبعمائة وسبعة وسبعون جزءا من ألف من الإصبع، وإذا ضربت قطر تلك الأودة فى عشرة وقسمت الحاصل على عرضها، كان المتحصل خمسة وعشرين إصبعا هرمية، وهو الذراع المقدس الهرمى الذى هو ذراع موسى عليه السلام وذراع سليمان بن داود عليهم الصلاة والسلام، وكل منهما جزء من عشرة ملايين جزء من نصف محور دوران الأرض.
ثانى عشر: قد سبق أن طول ضلع القاعدة تسعة آلاف ومائة وأربعون إصبعا إنجليزية، عبارة عن تسعة آلاف ومائة وإحدى وثلاثين إصبعا هرمية، فإذا ضربت هذا الأخير فى أربعة عدد أضلاع القاعدة، وقسمت الحاصل على
مائة، كان الناتج عدد أيام السنة الشمسية، وعدد مائة هنا هو ضعف الإرتفاع الرأسى لمزلقانات الهرم الهابطة والصاعدة.
ثالث عشر: مجموع قطرى القاعدة فوق الصخر خمسة وعشرون ألف إصبع وثمانمائة وسبعة وعشرون إصبعا هرمية، وهو مقدار دورة تقهقر الإعتدالين باعتبار أن التقهقر إصبع واحد فى كل سنة.
رابع عشر: إرتفاع أودة الملك فوق أرض قاعدة الهرم إثنان وسبعون قدما إنجليزية، وبين أرضها وأرض الهرم خمسة وعشرون مدماكا من مداميك الهرم، وأودة الملك فوق الأرض المذكورة بمائة وثلاثة وأربعين قدما، وتحت نقطة الهرم بثلاثمائة وإثنتين وأربعين قدما، والمداميك من أرضها إلى أرض الهرم خمسون مدماكا.
خامس عشر: طول أودة الملك أربعة وثلاثون قدما إنجليزيا وعرضها سبعة عشر وإرتفاعها تسعة عشر، وحيطانها وسقفها وأرضها من الصوان الصلب، ولم يكن بها إلا الجرن، وسيأتى الكلام عليه. ولشدة إلتحام أحجارها حصل اختلاف كثير فى عدد مداميكها، قال: وقد بذلنا الهمة فى إظهارها. وكشف الغطاء عنها، حتى غسلناها بالصابون مرارا وأقمنا على ذلك مدة، فتحقق لنا أن مداميكها خمسة فقط، ارتفاع المدماك الأسفل منها إثنتان وأربعون إصبعا، وإرتفاع كل من الأربعة الأخر سبعة وأربعون، وما ينقصه المدماك الأسفل عن غيره مغطى بتبليط الأرضية، وعدد خمسة عدد هرمى يدخل فى محور دوران الأرض بأعداد صحيحة مقدار عشرة مرفوعة إلى الدرجة الثامنة، وإذا ضوعف إرتفاع الأودة ضرب ذلك التضعيف فى خمسة، وأضيف إلى الحاصل أو إلى أنقص منه بخمسة، كان الحاصل هو الإرتفاع الكلى للهرم.
سادس عشر: عدد أحجار أرضية الأودة مائة حجر، وطول الأودة أربعمائة وإثنتا عشرة إصبعا هرمية وجزآن من عشرة أجزاء من الإصبع، والعرض نصف ذلك، والارتفاع مائتنان وثلاثون إصبعا وإثنان وأربعون جزءا من مائة من
الإصبع، وإذا قسم كل من طولها وارتفاعها وعرضها على نصف العرض، كان الناتج للطول ستة عشر، وللعرض أربعة، وللارتفاع خمسة، والمجموع خمسة وعشرون، وهو عدد هرمى.
وينبغى أن يلاحظ هنا أن قطر الحيطان الصغيرة ثلاثمائة وتسع أصابع وأربعة عشر جزءا من مائة من الإصبع، وقطر الأرضية أربعمائة وستون إصبعا وأربعة وثمانون جزءا من مائة، وقطر الحيطان الكبيرة أربعمائة واثنتان وسبعون إصبعا واثنان وعشرون جزءا من مائة.
وإذا قسم كل من أقطار حيطان الأودة والأرضية على نصف العرض، كان خارج القسمة فى الحيطان الصغيرة تسعة، وفى الكبيرة إحدى وعشرين، وفى الأرضية عشرين، والمجموع خمسون وهو عدد هرمى ضعف الأول. وإذا قسم قطر مجسم الأودة، وهو خمسمائة وخمس عشرة إصبعا وأربعة وعشرون جزءا من مائة، كان الحاصل خمسة وعشرين وإذا قسم هذا القطر على خمسة كان الناتج هو طول الجزءا الصوانى للساحة، وإذا ضربنا ذلك القطر فى/عشرة، وربعنا الحاصل وضربناه فى النسبة بين المحيط وقطره، واستخرج الجزر التربيعى، كان الناتج تسعة آلاف ومائة وإحدى وثلاثين إصبعا هرمية وكسرا عشاريا، وهذا المقدار هو طول ضلع قاعدة الهرم، وإذا كعبنا هذا القطر بعينه، كان الناتج هو الجزء المئينى لمساحة القطاع الرأسى للهرم، ويكون مساويا لمساحة الدائرة التى قطرها الإرتفاع الرأسى للهرم.
وإذا ضربت الأبعاد الثلاثة لأودة الملك بعضها فى بعض، كان الناتج عشرين مليونا من الأصابع الهرمية. ويمكن اعتبار الأودة مكعبين متلاصقين، كل منهما عشرة ملايين، وقد سبق أن عدد مداميك أودة الملك ضعف مداميك أودة الملكة أى قدرها مرتين. فكذلك مكعب أودة الملكة بهذه النسبة فإنها تقرب من عشرة ملايين من الأصابع الهرمية، ليس فيها إلا فرق يسير وإذا قسم كل من إرتفاع أودة الملكة وعرضها وطولها على نصف العرض
كان الناتج خمسة عشر، وإذا أجريت هذه العملية فى حيطان الأودة وأرضيتها، كان الناتج ثلاثين، وإذا أجريت فى أقطار مجسم الأودة، كان الناتج خمسة عشر، ويظهر أن الطريقة المستعملة فى بناء الهرم والأودتين واحدة، وأن من الأرض الى أودة الملكة وحدة هرمية، ومن الأرض الى أودة الملك وحدتان.
سابع عشر: الجرن الذى بأودة الملك حجمه الداخلى نصف حجمه الخارجى، وذلك أنك إذا ضربت أبعاده الثلاثة بعضها فى بعض، وجدت أن سبعا وسبعين إصبعا هرمية وخمسة وثمانين جزءا من مائة من الإصبع مضروبة فى ست وعشرين إصبعا وسبعين جزءا من مائة مضروبة فى أربع وثلاثين إصبعا وواحد وثلاثين جزءا من مائة يساوى إحدى وسبعين إصبعا مكعبة وثلاثمائة وسبعة عشر جزءا من ألف، وهو الحجم الداخلى.
وإذا ضربت أبعاده الخارجة وهى تسعة وثمانون أصبعا وإثنان وستون جزءا من مائة فى ثمانية وثلاثين إصبعا وواحد وستين جزءا من مائة مضروبا فى إحدى وأربعين إصبعا وثلاثة عشر جزءا من مائة، فإنها تساوى مائة وإثنتين وأربعين إصبعا مكعبة وثلثمائة وتسعة عشر جزءا من ألف، هى حجم الجرن من الخارج، وهو ضعف الداخل، وسمك جوانب الجرن خمس أصابع هرمية وتسعمائة وإثنان وخمسون جزءا من ألف، وسمك أرضيته ست أصابع وثمانمائة وستة وستون جزءا من ألف، فحجم الأرضية تسعة وثمانون إصبعا وإثنان وستون جزءا من مائة مضروبة فى ثمانية وثلاثين إصبعا وأحد وستين جزءا من مائة مضروبة فى ست أصابع، وثمانمائة وستة وستين جزءا من ألف يساوى ثلاثة وعشرين ألفا وسبعمائة وثمانية وخمسين إصبعا هرمية مكعبة، وهى حجم الأرضية.
وإذا نسبته الى حجم الجوانب تجده النصف، وذلك أن تضرب ستة وعشرين إصبعا وسبعين جزءا من مائة فى تسعة وثمانين أصبعا وسبعين جزءا من مائة مضروبا فى أربعة وثلاثين إصبعا، وواحد وثلاثين جزءا من مائة
مضروبة فى خمس أصابع وتسعمائة واثنين وخمسين جزءا من الألف، ثم تضرب الحاصل فى إثنين، يساوى سبعة وأربعين ألف وخمسمائة إصبع وثمان أصابع مكعبة، وهى حجم الجوانب جميعها.
وإذا قسم عرض أودة الملك على خمسة كان الناتج إحدى وأربعين إصبعا وإثنين وعشرين جزءا من مائة، وهو ارتفاع الجرن، ومربع هذا الارتفاع يساوى واحد على خمسين من سطح أرضية الأودة، والمكعب الداخل للجرن، وهو واحد وستون إصبعا مكعبة ومائتان وخمسون جزءا من ألف يساوى جزءا من خمسين جزءا من مكعب المدماك الأول من أودة الملك بعد إسقاط الخمس أصابع.
وبيان ذلك أن تضرب أربعمائة واثنتى عشرة إصبعا وجزءاين من عشرة أجزاء فى مائة إصبع وست أصابع وجزءا من عشرة فى واحد وأربعين وتسعة أعشار، وتقسم الحاصل على خمسين. ومتوسط أحرف الجرن الأربعة والعشرين إحدى وخمسون إصبعا وواحد وخمسون جزءا من مائة، وهذا المقدار هو قطر الكرة المساوى حجمها حجم الجرن، وقطر الدائرة التى مساحتها تساوى مساحة الصندوق الداخلة، بفرض تحويله إلى مستو أفقى، وهو أيضا ضلع المربع المساوى فى المساحة الأربعة الأسطحة، ومساحة المكعب المنشأ على أرضية الأودة ثلاثة ملايين وخمسمائة واثنان وستون ألف إصبع وخمسمائة إصبع هرمى، وحاصل قسمة هذا العدد على خمسة، هو سبعمائة وإثنا عشر ألفا وخمسمائة إصبع هرمى وذلك مقدار حجم الجرن خمسين مرة.
وحيث تقدم أن للذراع الهرمى نسبة صحيحة مع نصف محور دوران الأرض، فينبغى أن يكون لوحدة الأحجام نسبة صحيحة مع مكعب هذه الوحدة، وهى خمسة وعشرون إصبعا، أو مع مكعب ضعفها، وهو خمسون إصبعا، وهذا هو الواقع؛ لأنا لو كعبنا عدد خمسين لكان الناتج مائة وخمسة
وعشرين ألف إصبع مكعبة، فلو ضربناه فى الثقل النوعى المتوسط لكرة الأرض وهو خمسة عدد صحيح وسبعة/أعشار، لكان الناتج سبعمائة واثنى عشر ألفا وخمسمائة، وهذا الناتج هو بعينه خمس مكعب المدماك الأسفل لأودة الملك، أو أنه قدر حجم الجرن عشر مرات.
فقد بان من ذلك أن الهرم يشتمل على الثقل النوعى لمادة الكرة الأرضية، كما أنه يشتمل على البعد بين الشمس ومركز الأرض، وكلاهما بدرجة تقريب تفوق درجة التقريب المعتبر الآن؛ لأن المعتبر الآن هو مقداران للثقل النوعى للأرض، أحدهما ستة عدد صحيح وخمسمائة وخمسة وستون جزءا من ألف، وهذا ناتج من ملحوظات الشهيرايرى، والمقدار الآخر خمسة عدد صحيح وستة عشر جزءا من مائة، وهذا ناتج من حساب ضباط أركان حرب الإنجليزيين ومتوسط ذلك هو خمسة وسبعة أعشار.
ولو فرض أن الجرن مملؤ ماء، لكان مكعب ذلك إحدى وسبعين إصبعا مكعبة ومائتى جزء وخمسين جزءا من ألف، فلو أطلق على هذا الوزن اسم طنلاطة، وفرض أن ذلك هو وحدة الأوزان، وقسمناها الى ألفين وخمسمائة جزء، وأطلق على حجم الجزء من هذه الأجزاء اسم ينت، وعلى وزنها اسم رطل، لحصل أن الينت يساوى ثمانية وعشرين إصبعا مكعبة وخمسة أعشار إصبع، وأن الرطل يوازن ثمانية وعشرين إصبعا مكعبة وخمسة أعشار، فلو كانت الخمسة والعشرون وخمسة أعشار المذكورة من مادة غير الماء ثقلها النوعى هو عين الثقل النوعى للأرض، لكان وزنها خمسة وسبعة أعشار، وهذا العدد هو خمس الثمانية والعشرين وخمسة أعشار.
ومن ذلك ينتج قاعدة بسيطة لحساب وزن الأجسام، بأن يحسب الأصابع المكعبة التى يشتمل عليها الجسم الذى يراد وزنه، ويؤخذ خمس الناتج، فالحاصل هو وزن الجسم. وهذا فى حال كون ثقله النوعى مثل الثقل النوعى للأرض، فإن اختلف ثقلهما النوعى، فإنه يستعمل لذلك جداول الأثقال النوعية اهـ باختصار كثير.
(المبحث الثامن فى ذكر الصنم الذى بين الهرمين الكبيرين)
هذا الصنم يقال له اليوم أبو الهول، وكان أولا يعرف ببلهيب، كما فى خطط المقريزى. وقال أيضا قال القضاعى: صنم الهرمين وهو (بلهوبة) صنم كبير من حجارة فيما بين الهرمين، لا يظهر منه سوى رأسه فقط، تسميه العامة (بأبى الهول) ويقال (بلهيب). ويقال إنه طلسم للرمل؛ لئلا يغلب على إبليز الجيزة.
وفى كتاب عجائب البنيان: وعند الأهرام رأس وعنق بارزة من الأرض فى غاية العظم تسميه الناس أبا الهول، ويزعمون أن جثته مدفونة تحت الأرض، ويقتضى القياس بالنسبة الى رأسه أن يكون طوله سبعين ذراعا فصاعدا. وفى وجهه حمرة ودهان يلمع عليه رونق الطراوة، وهو حسن الصورة، مقبولها، عليها مسحة بهاء وجمال، كأنه يضحك تبسما.
قال: وسئل بعض الفضلاء عن عجيب ما رأى فقال: تناسب وجه أبى الهول، فإن أعضاء وجهه كالأنف والعين والأذن متناسبة، كما تصنع الطبيعة الصور متناسبة، فإن أنف الطفل مثلا مناسب له، وهو حسن به حتى لو كان ذلك الأنف لرجل كان مشوها، وكذلك أنف الرجل لو كان لصبى لتشوهت صورته، وعلى هذا سائر الأعضاء، فكل عضو ينبغى أن يكون على مقدار ماهيته بالقياس إلى الصورة وعلى نسبتها، والعجب من مصوره كيف قدر أن يحفظ التناسب للأعضاء مع عظمها، وأنه ليس فى أعمال الطبيعة ما يحاكيه.
ويقال إن طائفة من أهل مصر أخرجوا أتريب بن قبط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام من قبره، ووضعوه على سرير، فتكلم لهم الشيطان على لسانه حتى افتتنوا به وسجدوا له وعبدوه، وكانوا قد قتلوا أخاه صا ودفنوه فى شاطئ النيل، فكان إذا زاد لا يعلو قبره، فافتتن به طائفة، وصاروا يسجدون لقبره كما سجد أولئك لا تريب، فعمد آخرون إلى جحر فتحوه على صورة
أشموم، وكان يقال له أبو الهول، ونصبوه بين الهرمين، وجعلوا يسجدون له، فصار أهل مصر ثلاث فرق ولم تزل الصابئة تعظم أبا الهول، وتقرب له الديكة البيض، وتبخره بالصندروس.
قال: ويقابله فى بر مصر قريبا من دار الملك صنم عظيم الخلقة والهيئة، متناسب الأعضاء كما وصف، وفى حجره مولود، وعلى رأسه ماجور الجميع صوان متين، يزعم الناس أنه امرأة وأنه سرية أبى الهول، وهى بدرب منسوب إليها ويقال لو وضع على رأس أبى الهول خيط ومد الى سريته، لكان على رأسهما مستقيما، ويقال إن أبا الهول طلسم الرمل يمنعه عن النيل وأن السرية طلسم الماء يمنعه عن مصر.
وقال ابن المتوج: زقاق الصنم هو الزقاق الشارع أوله بأول السوق الكبير بجوار درب عمار، ويعرف الصنم بسرية فرعون، وذكر أنه طلسم النيل لئلا يغلب على البلد، وقيل إن ظهر بلهيب - الذى عند الأهرام - يقابله ظهر بلهيب إلى الرمل، وظهر هذا الى النيل، وكل منهما مستقبل الشرق.
قال وفى زمننا كان شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، قام فى نحو من سنة ثمان وسبعمائة لتغيير/أشياء من المنكرات، وسار إلى الأهرام وشوه وجه أبى الهول وشعثه فهو على ذلك إلى اليوم. ومن حينئذ غلب الرمل على أراضى كثيرة من الجيزة. وأهل تلك النواحى يرون أن سبب غلبة الرمل على الأراضى فساد وجه أبى الهول، ولله عاقبة الأمور. وما أحسن قول ظافر الحداد.
تأمل هيئة الهرمين واعجب
…
وبينهما أبو الهول العجيب
كعمال يبتن على رحيل
…
بمحبوبين بينهما رقيب
وماء النيل تحتهما دموع
…
وصوت الريح عندهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صب
…
تخلف فهو محزون كئيب
انتهى.
وفى حسن المحاضرة قال صاحبنا الشهاب المنصورى:
إن جزت بالهرمين قل كم فيهما
…
من عبره للعاقل المتأمل
شبهت كلا منهما بمسافر
…
عرف المحل فبات دون المنزل
أو عاشقين وشى بوصلهما أبو
…
الهول الرقيب فخلفاه بمعزل
أو حائزين استهديا نجم السما
…
فهداهما بضيائه المتهلل
أو ظامئين استسقيا صوب الحيا
…
فساقهما عذبا روى المنهل
يفنى الزمان وفى حشاه منهما
…
غيظ الحسود وضجرة المتثقل
وفى بعض كتب الإفرنج ما معناه قال بعضهم: إن أبا الهول حدث بعد الأهرام بتسعة وعشرين قرنا، وما فيه من دقة الصنعة وضبط نسب الأعضاء والتاقطيع بعضها لبعض، يوجب الجزم بأن المصريين كانوا فى تلك المدة - وهى زمن العائلة الثامنة عشرة - على غاية من التقدم، ثم وصفه فقال: إن ارتفاع رأسه من طرف الذقن الى آخر التاج الموضوع فوق جسمه تسعة وثلاثون مترا، وارتفاعه من السطح الممتدة عليه الأرجل إلى آخر الرأس سبعة عشر مترا، وذقنه الآن مرتفعة عن الرمل بمقدار أربعة أمتار.
وعن يلين أيضا: أن ارتفاع أبى الهول من بطنه إلى نهاية الرأس اثنتان وستون قدما رومانية، عبارة عن سبعة عشر مترا ونصف. واستنبط بعضهم من تقاطيع وجهه أن صورته صورة حبشى أو صورة زنجى، وليس الأمر كذلك فقد حقق العارفون باللغة القديمة أنها صورة مصرية، ويدل على ذلك أثر البوية الحمراء التى كان مصبوغا بها الموجودة إلى الآن على أعضائه؛ فإن هذا اللون هو الذى كان مستعملا فى النقوش للدلالة على المصريين، ومن ذلك أثبتوا أنه تمثال لبعض فراعنة مصر، ويظهر أن هذا التمثال بقية جبل كان فى محله بأن نحتوه من جميع جوانبه، حتى أبقوه على هذه الصورة فى مكانه الأصلى؛ كما يدل لذلك الآثار الباقية آثارها فى الرأس إلى الآن. ولما قطعوا ما حوله من الجبل أبقوا له بسطة واسعة من كل جهة.
قال: ومن يتأمل فى هذه الصورة وما هى عليه من العظم، لا يرى أنها أقل من الهرم نفسه فى الفخامة وصعوبة التصوير، وفى قمة رأس أبى الهول حفرة لم يستكشف ما فيها ولم تعلم حقيقتها، ويقال إنها فوهة يدخل منها لبطن التمثال، وقال بعضهم إن هذه الفوهة توصل إلى داخل الهرم، وأنكر ذلك كثيرون، ولعدم البحث عن حقيقتها بقى الأمر فيها مبهما إلى الآن.
وقد أزال كويجليا الرمال عن هذا التمثال إلى آخر أصابعه، فوجد أمام صدره بين رجليه الممتدتين نحو ستة عشر مترا معبدا صغيرا بلا سقف، وعلى ثلاثة من جدرانه كتابة هيروجليفية من زمن تطموزيس الرابع ورمسيس الأكبر، وصورة سبع بارك ينظر إلى أبى الهول، وبين رجليه أيضا مذبح لذبح القرابين، ويظهر أنها تقرب لأبى الهول، لأنه يستفاد من كتابة تطموزيس أنه كان يقدس باسم رى أى الشمس، أو باسم رماشوا على قول، والقانسون وهو اسم للشمس أيضا كما فى الكتابة الرومية.
وقال لطرون إنه يظهر أن الأروام فى زمن حكمهم بنوا هناك مبانى، ثم قال: ولم تكن أرجل أبى الهول من أصل الجبل المنحوت منه الجسم، بل هما من الحجر الآلة، غير متكئة على جلسة كما يظن، وأمام الرجلين فرجة مبلطة وسلم على إثنتين وثلاثين درجة بين حائطين، وبعد السلالم فرجة أخرى يظهر أنها من زمن الرومانيين موضوعة فى محور السلالم، وفى نهاية هذا الميدان سلم أخر من إثنتى عشر درجة فى وسطه ميدان كالأول.
ونقل عن بعضهم أيضا أن هذه المبانى كانت متخذة لإقامة القياصرة والامراء أيام المواسم التى كانت تعمل هناك، ثم أنكر لطرون ذلك لضيق/هذه الفرج عن جلوس الملوك. وقال: بل الغالب أنها كانت مستعملة للإعلان بعتق العبيد، فكان الإنسان إذا أراد عتق عبد حضر فى الأماكن المقدسة، فيصعد على مرتفع ويقول بحضور الكهنة: أنا فلان بن فلان قد أعتقت عبدى فلانا.
قال: وتطموزيس الرابع هو من العائلة الثامنة، ويقال إن المعبد المذكور هو قبره، ويستأنس لذلك بعدم العثور على قبره فى بيبان الملوك. انتهى.
ويظهر أن الرمل فى زمن الفرس كان قد غطى ما حول هذا التمثال من المبانى وغطى جزءا عظيما منه، بدليل سكوت هيرودوط وديودور الصقلى واسترابون عن التكلم فيه.
وقال يلين: إن الأهالى (يعنى فى وقت سياحته) يقولون إن هذه الصورة هى قبر الفرعون أمزيس، وقال بعضهم إن هذا التمثال فى شرقى الهرم الثانى على مسافة ستمائة متر فى وسط متسع من الرمل، وهو عل صورة سبع راقد ورأسه رأس آدمى، وفى قمته فتحة يتوصل إليها بسلم من خشب، يقال إنها فم دهليز يوصل إلى بئر، والسياحون ينزلون فى هذه الفتحة، وبسبب امتلائها بالرمل لا يصلون منها إلا إلى مسافة قليلة، ووجه هذا التمثال متجه إلى الشرق، ويتكوّن من محور الجسم مع خط الشرق زاوية قدرها ثمانى عشرة درجة ونصف، ويظن أن المصريين اختاروا هذه الجهة لكونها مطلع الشمس. انتهى.
وذكر العالم كوجليا - الذى ساح فى بلاد مصر سنة ألف وثمانمائة وست عشرة ميلادية - أنه استدل على آثار سور كان يحيط بهذا التمثال من كل جهة، ووجد على تلك الآثار كتابة رومية فهم من معناها أن عامل مصر فلاويوس تتيانوس أجرى فى هذا المحل مرمة فى السنة السادسة من سلطنة القيصر مرقوريل، فى الخامس عشر من شهر بؤنة، وذلك بعد الميلاد بمائة وست وستين سنة، ووجد كتابة أخرى على حائط الفرجة الثانية - من زمن القيصر سبتيم سوير، مؤرخة بسنة مائة وخمس وسبعين ميلادية، والعامل على مصر يومئذ البيوس بريميانوس - تدل على عمارة أجريب فى المعبد، وكتابة أخرى على علم من حجر نصب فى زمن القيصر نيرون بأمر عامل مصر كلوث بالبليوس، من مضمون ترجمتها كما فى كتاب لطرون أن أهالى بوصير من خط ليتوبوليت القاطنين بقرب الأهرام وولاة الأمر بهذا الخط - بسبب ما فاض
عليهم من خيرات هذا العامل وما عمهم من فيوضات النيل المقدس -، رأوا من الواجب عليهم أن يقيموا علما من الحجر بقرب المقدس الأكبر الشمس هرمشيش، الذى عمتهم فيوضاته التى منها أن قيض لهم هذا العامل الذى جرى على يديه هذا الخير الكثير، وأن يكتبوا عليه ما يخلد ذكره إلى ما لا نهاية له، وأستأذنوا القيصر فى ذلك فأذن لهم، فنصبوا هذا العلم وكتبوا عليه ما أرادوا.
ومن ضمن ما كتبوا أنه: (أى هذا العامل) حضر بخطنا وعبد الشمس هرمشيس حارسنا ومنجينا، فانشرح صدره وازدادت عظمة الأهرام فى قلبه، فكان هو أول من كتب إلى القيصر بطلب صدور الأمر بإزالة ما تراكم حول الأهرام من الرمال.
ويستفاد من ذلك أن الرومانيين لم يهملوا أمر الترع والجسور، ولا أمر المعابد. وزعم لطرون أن الشطر الأول من كلمة هرمشيس - وهو هور مختصر من هوريس. وقد وجد فيما على أبى الهول من النقوش كلمة هورماشوا، وهو أيضا من أسماء الشمس، وبين الكلمتين تقارب.
وحينئذ فكان أبو الهول مقدسا معبودا للمصريين وكان تمثالا للشمس، ووجد كتابة عل الإصبع المنقول من تمثال أبى الهول إلى بلاد فرنسا [وهو اليوم فى باريس] من مضمونها: أن المقدسين لحبهم فى مصر التى يتحصل منها القمح صوروا جسدك الفخيم العظيم، وجعلوك فى هذا المتسع الواسع، وطردوا الرمال عن جزيرتك الصخرية، وأن هذا الجار الذى أعطته الآلهة للأهرام هو التابع المقدس للمقدسة لاطون، وهو الحارس للمحبوب المطلوب صاحب الخيرات ازريس المالك المعظم لأرض مصر ملك سكان السماء شبيه الشمس، وشبيه ولقان (ولقان من أسماء الشمس).
قال لطرون: ومما سبق يعلم أن أهل خط بوصير كانوا يقدسون المقدسة لاطون؛ فلذا كان هذا الخط يسمى خط لاطوبوليت، وإن لاطون هى المعبر
عند المصريين قديما ببوباسط أو بباشت، وكانت هى أكبر المقدسين فى هذا الخط، وكان لها معبد فى رأس الخط كما قال اتيين البيزانتى.
ثم قال: وانظر ما المقصود من قولهم إن أبا الهول يحرس أوزريس، ويلاحظ، وأظن أن أوزريس كان يقدس فى المعبد الكبير الباقى أثره إلى الآن بقرب قاعدة الهرم الثانى بين أبى الهول والهرم، وأن أبا الهول كان شبيها بالمحضر الذى يجعله الملوك والأمراء لإدخال من يراد إدخاله أمامهم لمظلمة ونحوها، وفى زمن البطالسة أستبدل لفظ اوزوريس بسيرابيس، وفى زمن الرومانيين كان كل من الإسمين علما على الشمس انتهى.
وقال انيسير - فى سياحته بمصر - أن صورة أبى الهول تمثال للملوك، وكان يجعل عوضا عن كتابة ملك أو أمير، وحقق بعضهم أن هذا التمثال هو صورة تطموزيس الرابع، وبين رجليه لوح من حجر عليه كتابة هيروجليفية، وفى السطر الأعلى الظاهر من الرمل صورة تتكرر كثيرا فى المبانى المصرية، وهى صورة ملك يعبد نفسه، فيرى فى صورته البشرية أنه يقدس نفسه فى صورته الأزلية، وذلك من الخرافات العجيبة، وصورة تطموزيس مرسومة خلف الصورة المقدسة الواقعة بعد صورة أبى الهول.
ووجد أيضا على اللوح اسم الملك شغرين بانى الهرم الثانى، وهو يصحح قول هيرودوط وديودور المتقدم، ووجد لوح آخر عليه اسم الملك سيزستريس وتقديسه وخضوعه لأبى الهول المسمى هوروس يعنى الشمس، وهى المقدس الأكبر عندهم، وظلها على الأرض الملك. انتهى.
(منوف)
بفتح الميم وضم النون وسكون الواو وآخره فاء، كذا يؤخذ من القاموس، بلدة قديمة تنسب إليها مديرية المنوفية التى مركزها الآن بلدة شبين الكوم.
ومنوف الآن رأس مركز من تلك المديرية واقعة فى شرقيها بقليل ترعة البطحية، ويكتنفها من جهة الغرب والجنوب بحر الفرعونية، وأكثر أبنيتها من الآجر، وفيها ما هو على طبقتين، وما هو على ثلاث، وفيها ثلاث قيساريات بدكاكين، توجد فيها أنواع الملبوسات وغيرها، ودكاكين حرف، وأربعة خانات للأوروباويين، ولهم بها ثلاث خمارات، وبها جملة قهاو، وأربعة معامل لاستخراج الكتاكيت، وسبع معاصر للزيت ومصابغ نيلة كثيرة.
وفيها ديوان المركز، ومحكمة شرعية مأذونة بفصل القضايا التى من شؤنها، وتحرير الوثائق كما فى سائر محاكم المديرية، وهى محكمة مركز أشمون جريس التى محلها ناحية سمنود، ومحكمة مركز سبك، ومحلها قرية العسالية، ومحكمة مركز مليج، ومحلها بركة السبع، ومحكمة مركز تلا بناحية تلا.
وأجلّها وأعمها أحكاما محكمة مركز المديرية بمدينة شيبين الكوم؛ فإنها كمحاكم مراكز المديريات، مأذونة حتى بعقد بيع الأطيان لكن بحضرة المدير أو وكيله بحسب الأوامر الصادرة فى عهد الخديوى إسماعيل، وقد أذن بعد ذلك لجميع المحاكم من غير هذا الشرط، وكان عندها قشلة للميرى فوق الترعة الفرعونية، صار بيعها للمرحوم حسن أفندى الشقنقيرى، وهى الآن مهدمة العنابر قائمة الأسوار، وبنى ورثتة بداخلها منازل، وجعلوا فيها حديقة ذات فواكه ورياحين، ويزرع فيها أنواع من الخضر.
(مطلب بيان مساجد منوف وأضرحتها)
وبالبلد جملة مساجد لبعضها منابر لخطبة الجمعة والعيد، والبعض بلا منابر، منها مسجد زوين زين الدين، وهو مسجد جامع عتيق بمنارة، وقد رم
من ريع أوقافه سنة 1230 مسجد الملاح عتيق بمنارة أيضا، ورم من ريع وقفه سنة 1270 مسجد عبد الله الإسرائيلى، مسجد داود بن الرداد، مسجد حسن المنسوب رم سنة 1250 من طرف الأهالى مسجد الشيخ خليف، مسجد سيدى محمد الجيوشى، مسجد سيدى محمد الضرغامى بمنارة، مسجد السيدة عائشة المخالصة.
وكل هذه المساجد جامعة، وفيها أضرحة من نسبت إليهم، وهم من أهل الصلاح معتقدون ويزارون، مسجد عبد القادر أبى عقدة بجواره من الجانب الشرقى ضريح الشيخ أبى عقدة، وفى شرقيه ضريح معتقد يقال له الجارحى.
مسجد سيدى مسعود العجمى. مسجد سيدى على الرقاق. مسجد الشيخ رفاعة حنحون فى جهتها الشرقية مسجد المتول. المسجد الجديد فى درب المعلم له منارة، جدده على أفندى البرقى سنة 1275. مسجد الملك بجهتها البحرية جدده على أفندى البرقى أيضا سنة 1270. مسجد السيدة عائشة الأسبكية بمنارة جدده حجو بيك سنة 1230 مسجد سيدى موسى بن عمران له منارة. مسجد سيدى محمد الجيار بحارة الأمير يوسف له منارة. مسجد الخضرى بسوق القهاوى له منارة. مسجد البياضى بحارة المحلة الكبرى.
مسجد سيدى سعيد. مسجد المتيم بدرب الأمير يوسف. مسجد القراوى.
مسجد السبكى بدرب الجيزاوى. مسجد الكردى بدرب الرحبة. مسجد الفخرية بدرب المعلم. مسجد الأربعين وهو الآن مهجور.
وبها أضرحة كثيرة بقباب لبعض الصالحين مثل الشيخ رمضان الأشعثى بالجبانة الغربية. وسيدى حسن المقرى، وأبى النفحات، والشيخ النعمان، وأبى الغارات، والسادات أولاد ضرغام، وسيدى سليمان المغربى، وسيدى محمد الانجبى، والشيخ العشماوى، والسادات الأربعين، وسيدى عبد السلام بالجبانة الشرقية، والشيخ أبى علم، وسيدى قائد والشيخ البغدادى، وأبى النور على، والمكسح، وأبى النور حسن، وحسن البراذعى وغيرهم.
وفيها من جهة الجنوب الغربى تل كبير تحته حمام قديم مستعمل إلى الآن، وفيها أرباب حرف كثيرة فينسج بها شدود الحرير والصوف، وخرق القطن الأفرنجى، والعباآت الحسينية، والمناخل والغرابيل والحصر السمار الجيدة المتخذة من السمار المغراوى المجلوب من المغارة - وهى جهة على خمسة أيام بلياليها - ومن السمار الشرقاوى المجلوب من جهة الزقازيق ببلاد الشرقية وكذا من بلاد الدقهلية/والسمار الواحى، والسمار الرشيدى، والسمار الدمياطى، وسمار الوادى بمديرية البحيرة.
وفيها الشيخ حسن النحراوى وأولاده يصنعون مقصات الورق الجيدة، ويعمل أيضا فيها الجبن أنواعا، فيوضع المخيض أو اللبن الحليب فى أوعية حتى يجمد، ثم يوضع فى حصر حتى يخلص من مائة المسمى بالشرش، ويسمى فى بعض بلاد الصعيد بالميص، ثم يقطع بسكينة قطعا ويوضع عليه الملح.
وبها الخيل الجياد، والبغال، والحمير، والأنعام وأصناف من الطير، ولها سوق دائم يباع فيه العقاقير، والثياب، واللحم، والخضر ونحو ذلك، وسوق حافل كل يوم أحد، يباع فيه غالب سلع القطر، حتى حمول العرب المنقوشة المتخذة من الصوف والوبر ومخالى الخيل، والحقائب والقرب التى يمخض فيها اللبن، والتى يستقى بها الماء.
وفيها حلقة لبيع السمك، ووابور لحلج القطن وطحن الغلال لموسى أفندى الجندى.
وفيها حدائق ذات بهجة، بها كثير من الرياحين، والخضر، وشجر الفاكهة، كالبرتقال والخوج والعنب والرمان والتين والليمون بنوعيه والنارنج، وبها إثنتا عشرة ساقية لسقى القطن والخضر ونحوهما، ويزرع بها هذا الصنف كثيرا. وأطيانها نحو أربعة آلاف فدان مأمونة الرى جيدة الزرع، ويزرع فيها القمح والشعير والذرة وغير ذلك من الزرع المعتاد.
وأكثر أهلها مسلمون يفوقون عشرة آلاف نفس، وترقى منها جماعة فى المناصب الميرية منهم موسى أفندى الجندى تربى فى المدارس فى ظل ساحة العائلة المحمدية، وحصّل طرفا من المعارف، وأحرز رتبة القائمقام، ومحمد أفندى فهيم مهندس مديريتى الغربية والمنوفية برتبة بكباشى، ومحمد أفندى قطورة برتبة يوزباشى. وكذا غيرهم.
(ترجمة سيدى عبد الله المنوفى أحد السبعة المتصرفين وتلميذ الشيخ خليل المالكى المشهور)
ونشأ منها أفاضل وعلماء، يرحل إليهم، أجلهم القطب الشهير، والعلم الكبير، صاحب الكرامات الباهرة، والأسرار الظاهرة، الصالح العابد الزاهد أحد السبعة المتصرفين سيدى عبد الله المنوفى المالكى رضي الله عنه وعم ببركاته المسلمين، مات سابع رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ودفن تجاه قبر السلطان قايتباى بالصحراء الكبرى، وكان الناس فى ذاك النهار بالصحراء للدعاء برفع الوباء عنهم، فحضر جنازته نحو من ثلاثين ألف رجل، وقد أفرده بالترجمة تلميذه الشيخ خليل رض الله عنه انتهى. من طبقات الشعرانى.
والشيخ خليل المذكور من أهل القرن الثامن، وفضله وتآليفه أشهر من أن تذكر، فمنها متنه فى فقه مالك، الذى عم نفعه الآفاق، وهو مجلد نحو من ثلاثين كراسة، وشرح بنحو مائة شرح لاختصاره وجمعه للمعان الجمة مع بلاغة تراكيبه، يقال إنه مكث فى تأليفه نحو عشرين سنة، ومنها شرحه التوضيح على الحاجبية.
(ترجمة الشيخ عبد الجواد المنوفى المكى الشافعى)
وذكر المحبى فى خلاصة الأثر أن منها عبد الجواد بن محمد بن أحمد المنوفى المكى الشافعى، الأديب اللوذعى، كان فاضلا أديبا حسن المذاكرة، أخذ بمكة عن علمائها، وولى بها مدرسة، ورزق بعض معلوم من الروم، فتعصب عليه جماعة ومنعوه من ذلك، فرحل إلى مصر وأقام بها، وكان أبوه حيا، وكان له فى مبدأ أمره ثروة وغنى، فتضايق ولم يقر له بمصر قرار، فسافر إلى الروم، فصحبه والده هذا ثم رجع، فمات والده بالشام فتكدر حاله، ثم لحق بالحرم المكى، فتقدم عند الشريف، وقد بلغ رتبة عالية.
وقد ذكره السيد على بن معصوم فى السلافة فقال فى وصفه: جواد علم لا يكبو، وحسام فضل لا ينبو، سبق فى ميدان الفضل أقرانه، واجتلى من سعد جده ومجده قرائه، وولى القضاء مرة بعد أخرى، فكسى بمنصبه شرفا وفخرا. ثم تقلد منصب الفتوى، فبرز فيها إلى الغاية القصوى مع تحليته بالإمامة والخطابة والهمة التى ملأ بها من الثناء وطابه. وكانت له عند شريف مكة المنزلة العليا والمكانة التى لا تنافسه فيها الدنيا إلى أن دعاه ربه فقضى نحبه.
قال وقد وقفت له رسالة فى شرح البيتين المشهورين وهما:
من قصر الليل اذا زرتنى
…
اشكو وتشكين من الطول
باغض عينيك وشانيهما
…
أصبح مشغول بمشغول
أبدع فيها وأغرب، ثم أورد من شعره قوله:
أتزعم أنك الخدن المفدى
…
وأنت مصادق أعداى حقا
الىّ الىّ فاجعلنى صديقا
…
وصادق من أصادقه محقا
وجانب من أعادية إذا ما
…
أردت تكون لى خدنا وتبقى
وهو ينظر الى قول الآخر:
إذا صافى صديقك من تعادى
…
فقد عاداك وانفصل الكلام
وبينه وبين أهل عصره من المكيين وغيرهم مطارحات ومراسلات كثيرة، وله فى الأشراف الحسينيين ملوك مكة/مدائح خطيرة أعرضت عنها لطولها انتهى.
وذكر عبد البر الفيومى فى المنتزة أن له تآليف منها: شرح عل الآجرومية وتحريراته ومنشآته كثيرة، وله شعر فائق ونثر رائق، توفى خامس شوال، سنة ثمان وستين وألف بالطائف، ودفن بقرب تربة ابن عباس رضي الله عنهما انتهى.
(ترجمة الإمام أبى الحسن المالكى المشهور)
وقد ساق فى خلاصة الأثر كثيرا من كلامه رضي الله عنه. وفى حاشية العدوى على كفاية الطالب الربانى شرح رسالة ابن أبى زيد القيروانى فى فقه مالك: أن من مدينة منوف هذه، العلامة أبا الحسن على بن محمد، ثلاثا، ابن خلف المنوفى بلدا، المصرى مولدا. ولد بالقاهرة بعد صلاة العصر ثالث شهر رمضان سنة سبع وخمسين وثمانمائة، أخذ الفقه عن جماعة منهم الإمام العلامة العامل الشيخ على السنهورى، وأخذ النحو وغيره عن الكمال بن أبى شريف وغيره، ولازم الجلال السيوطى وأخذ عنه، توفى فى يوم السبت رابع عشر صفر سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، وصلى عليه بالجامع الأزهر، ودفن بالقرب من باب الوزير، كما ذكره الفيشى.
وقد ألّف كتبا عديدة: منها ستة شروح على الرسالة المذكورة بيّنها الفيشى بقوله: الأول غاية الأمانى، والثانى تحقيق المبانى، والثالث توضيح الألفاظ والمعانى، والرابع تلخيص التحقيق، والخامس الفيض الرحمانى، والسادس كفاية الطالب الربانى. وله أيضا متن العزية فى فقه مالك، وتأليف على العقيدة مستقل، وتآليف شتى. انتهى.
(ترجمة العلامة عبد الغنى البهائى الشافعى المنوفى)
وفى الضوء اللامع للسخاوى: أن منها عبد الغنى بن على البهائى المنوفى الشافعى، عرف بالبهائى لسكناه حارة بهاء الدين، ولد بمنوف، وتحول منها إلى القاهرة بعد أن حفظ التنبيه، فحفظ المنهاج وغيره، وأخذ عن البلقاينى وغيره، وحج وسمع الحديث على التاج بن الفصيح والزين بن العراقى وغيرهما، وتكسب بالشهادة، وبرع فى معرفة الشروط ونحوها، ولم يكن طلق اللسان، وقد تصدر بجامع الحاكم والأشرفية القديمة وغيرهما، وناب فى القضاء دهرا، وأوذى من العلم البلقينى لانتقاده عليه فى فتيا، وتعلل مدة وأقعد حتى مات سنة ثمان وخمسين وثمانمائة، ودفن خارج باب النصر.
(ترجمة الإمام الجليل العز بن عبد السلام الشافعى)
ومنها محمد بن محمد بن عبد السلام بن موسى بن عبد الله العز الصنهاجى الأصل المنوفى، ثم القاهرى الشافعى، ويعرف، بالعز بن عبد السلام. قدم جد جدّه عبد الله من الغرب، فقطن الخربة من عمل منوف، ثم انتقل ابنه إلى منوف فقطنها وبها ولد العز، وقرأ بها القرآن والتنبيه والألفية فى النحو والمنهاج، وقدم القاهرة فعرض على الأبناسى وابن الملقن والبلقينى وأجازوه، وتفقه بالأبناسى والبلقينى وغيرهما، ودخل دمياط والإسكندرية وغيرهما، وما تيسر له الحج، فحج عنه بعد موته بإيصائه.
وناب فى القضاء عن شيخه الجلال بعد امتناعه زمنا، واستمر ينوب حتى صار من أجلّ النواب، ولم يشرك القاياتى معه فى الصالحية غيره، واشتهر بمعرفة الفقه ومزيد الاستحضار والمداومة على التلاوة فى الليل، مع العفة والأمانة والتحرى فى القضاء، حتى أن الظاهر جقمق لما سأله بعد كشفه عن كائنة البقاعى التى رمى فيها على جيرانه بالنشاب ماذا يجب عليه قال:
التعزير. فحمد عدم مداهنته، وعينّه لقضاء حلب. فاختفى إلى أن استقر غيره، وأعطاه على الجوالى بسقارة الجمال ناظر الجيش، ولشريف أوصافه ظهرت بركتة وكراماته، ومات بعد عصر يوم الإثنين رابع عشر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثمانمائة، وقد زاد عل التسعين ممتعا بحواسة وقوته ودفن بالتربة المرجوشية. انتهى باختصار.
(ترجمة الشيخ محمد بن إسماعيل المعروف بابن أبى السعود الشافعى)
وفيه أيضا أن منها محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد بن على الشمس بن أبى السعود المنوفى، ثم القاهرى الشافعى، ويعرف بابن أبى السعود، ولد فى سنة عشر وثمانمائة تقريبا بمنوف ونشأ بها، فحفظ القرآن، والعمدة، والمنهاجين، وألفية النحو، وبداية الهداية للغزالى، وعرض على
الولى العراقى، والزين القمنى والطبقة، وقطن القاهرة بعد أبيه تحت نظر الشريف الطباطبى بمصر فتهذب به، وسلك على يديه، واختلى عنده عاما.
وكذا أكثر من الترد لصاحب والده الشيخ مدين بحيث اختص به، وكان الشيخ يعظمه جدا، وأخذ فى غضون ذلك فى الفقه عن المحلى والمناوى، وفى العربية عن ابن قديد ولازمه وفيها، وفى الأصلين وغيرهما عن ابن الهمام.
وقبل ذلك أخذ عن البدرسى، وبورك له فى السير، واستقر أولا فى وظيفة والده التصوف بسعيد السعداء ثم أعرض عنها لأخيه، ونزل فى صوفية الشيخونية، وقرأ فيها صحيح مسلم، والشفاء على الزين الزركشى، وحج وجاور وداوم العبادة، والتقنع باليسير، والانعزال عن أكثر الناس، واقتفى طريق الزهد والورع والتعفف الزائد، والاحتياط لدينه، وحتى أنه من حين استقر المناوى فى القضاء لم يأكل عنده شيئا بعد مزيد اختصاصه به، وكذا صنع مع أخيه أحمد لما ناب فى القضاء مع تكرر حلفه له إنه لا يتعاطى منه شيئا، وأبلغ من هذا عدم اجتماعه بشيخنا أصلا، وذكرت له كرامات وأحوال صالحة. مات فى ربيع الآخر سنة ست وخمسين، ودفن بحوش سعيد السعداء جوار/الشيخ محمد ابن سلطان بالقرب من البدر البغدادى الحنبلى، رحمه الله تعالى ونفعنا به.
(ترجمة الشيخ منصور المنوفى الشافعى)
ومنها أيضا كما فى الجبرتى الفقيه المحدث الشيخ منصور بن على بن زين العابدين المنوفى البصير الشافعى. ولد بمنوف ونشأ بها يتيما فى حجر والدته، وكان بارا بها، فكانت تدعو له، فحفظ القرآن وعدة متون، ثم ارتحل الى القاهرة وجاور بالأزهر، وتفقه بالشهابين البشبيشى والسندوبى، ولازم النور الشبراملسى وأخذ عنه الحديث، وجدّ واجتهد وبرع وتفنن فى العلوم العقلية والنقلية، وكان إليه المنتهى فى الحذق والذكاء وقرة الاستحضار لدقائق العلوم، سريع الإدراك لعويصات المسائل على وجه الحق، نظم الموجهات وشرحها وانتفع بها الفضلاء، وتخرج به النبلاء، توفى فى الحادى والعشرين من جمادى الأولى سنة 1135، وقد جاوز التسعين. انتهى
(منقريش)
قرية من قسم بنى سويف على الجانب الغربى للنيل، وشرقى ترعة المجنونة، وفى الشمال الشرقى لبنى سويف بنحو ألفين وخمسمائة متر، وغالب تكسب أهلها من الزرع، وفيها مسجد ونخيل، وهى من البلاد الصغيرة فى هذا القسم كقرية بن هارون، الواقعة فى الجنوب الغربى لبنى سويف على نحو ألفى متر على الجانب الشرقى لترعة سليم باشا، وقرية الشناوية التى فى شمال بنى سويف بنحو ثلاثة آلاف متر فى شرقى السكة الحديد.
وهى ذات نخيل كثير بخلاف قرية سدمنت وتزمنت وميانة وبوش وطحابوش، فإنها من أعظم أعمال بلاد بنى سوف، وكذلك بلقيا: بموحدة ولام وقاف ومثناة تحتية فألف، وهى قرية فى غربى بنى سويف على نحو أربعة آلاف متر، فيها نخيل وأشجار ومساجد، ولها سوق جامع كل يوم سبت.
واكتساب أهلها من الزرع، وفيها حدادون يصنعون الفؤس المسماه بالطوارى المستعملة فى حفر الأرض للزرع وجرف الجسور ونحو ذلك، وبها مركز إدارة تابع لتفتيش أشمنت، وبستان عظيم تابع للتفتيش أيضا.
(المنيا)
وتسمى أيضا: منا، وقرية من مديرية القليوبية بمركز شبرى، موضوعة على الشاطئ القبلى لترعة القلح، وشرقى الخليخ المصرى بشئ قليل، وفى شمال قرية الخصوص. وبها جامع عامر، وفى جهتها الغربية جنينة صغيرة لعبد المجيد أفندى الترجمان، وتكسب أهلها من الزرع وغيره
(ترجمة العلامة الشيخ عبد الرءوف المناوى الشافعى)
وهى وإن كانت قرية صغيرة، لكنها محلاة بالفضائل، حيث نشأ منها من أكابر الأفاضل الإمام الكبير والعلم الشهير: الشيخ المناوى صاحب التآليف الكثيرة، والتصانيف الشهيرة، وهاك ترجمته كما فى خلاصة الأثر.
هو عبد الرءوف بن تاج العارفين بن على زين العابدين، الملقب زين الدين الحدادى، ثم المناوى، القاهرى الشافعى، الإمام الكبير الحجة، الثبت القدوة، صاحب التصانيف السائرة، وأجلّ أهل عصره من غير ارتياب، كان إماما فاضلا، زاهدا، عابدا، قانتا لله خاشعا له، كثير النفع، وكان متقربا بحسن العمل، مثابرا على التسبيح والأذكار، صابرا صادقا. وكان يقتصر يومه وليلته على أكلة من الطعام واحدة، وقد جمع من العلوم والمعارف على إختلاف أنواعها وتباين أقسامها ما لم يجتمع فى أحد ممن عاصره.
نشأ فى حجر والده وحفظ القرآن قبل بلوغه، ثم حفظ البهجة وغيرهما من متون الشافعية، وألفية ابن مالك، وألفية سيرة العراقى، وألفية الحديث له أيضا. وعرض ذلك على مشايخ عصره فى حياة والده، ثم أقبل على الاشتغال فقرأ على والده علوم العربية، وتفقه بالشمس الرملى، وأخذ التفسير والحديث والأدب عن النور على بن غانم المقدسى، وحضر دروس الأستاذ محمد البكرى فى التفسير والتصوف، وأخذ الحديث عن النجم الغيطى، والشيخ قاسم، والشيخ حمدان الفقيه، والشيخ الطبلاوى. لكن كان أكثر اختصاصه بالشمس الرملى، وبه برع.
وأخذ التصوف عن جمع، وتلقن الذكر من قطب زمانه الشيخ عبد الوهاب الشعرانى، ثم أخذ طريق الخلوتية عن الشيخ محمد المناخلى أخى عبد الله وأخلاه مرارا ثم عن الشيخ محرم الرومى حين قدم مصر بقصد الحج، وطريق البيرامية عن الشيخ حسين الرومى المنتشوى، وطريق الشاذلية عن الشيخ منصور الغيطى، وطريق النقشيندية عن السيد الحسيب النسيب مسعود الطاشكندى وغيرهم من مشايخ عصره.
وتقلد النيابة الشافعية ببعض المجالس، فسلك فيها الطريقة الحميدة.
وكان لا يتناول منها شيئا. ثم رفع نفسه عنها، وانقطع عن مخالطة الناس، وانعزل فى منزله، وأقبل على التأليف فصنف فى غالب العلوم.
ثم ولى تدريس المدرسة الصالحية، فحسده أهل عصره، وكانوا لا يعرفون مزية علمه لانزوائه عنهم، ولما حضر الدرس فيها ورد عليه من كل مذهب فضلاؤه منتقدين عليه، وشرع فى إقراء مختصر المزنى، ونصب الجدل فى المذاهب، وأتى فى تقريره بما لم يسمع من غيره، فأذعنوا لفضله، وصار أجلاّء العلماء يبادرون لحضوره.
وأخذ عنه منهم خلق كثير منهم: الشيخ سليمان البابلى، والسيد إبراهيم الطاشكندى، والشيخ على الأجهورى، والولى المعتقد أحمد الكلبى وولده الشيخ محمد/، وغيرهم، وكان مع ذلك لم يخل من طاعن ولا حاسد، حتى دس عليه السم فتوالى عليه بسبب ذلك نقص فى أطرافه وبدنه من كثرة التداوى. ولما عجز صار ولده تاج الدين محمد يستملى منه التآليف ويسطرها.
وتأليفه كثيرة منها: تفسيره على سورة الفاتحة وبعض سورة البقرة، وحاشية على شرح العقائد للسعد التفتازانى سماها غاية الأمانى، لم تكمل، وشرح نظم العقائد لابن أبى شريف، وشرح على الفن الأول من كتاب النقاية
للجلال السيوطى، وكتاب سماه إعلام الأعلام بأصول فنى المنطق والكلام، وشرح على متن النخبة، كبير، سماه: نتيجة الفكر، وأخر صغير، وشرح على» شرح النخبة سماه اليواقيت والدرر، وشرح على الجامع الصغير فى أقل من ثلث حجمه، وسماه التيسير، وشرح قطعة من زوائد الجامع الصغير، وسماه:
مفتاح السعادة بشرح الزيادة.
وله كتاب جمع فيه ثلاثين ألف حديث، وبيّن ما فيه من الزيادة على الجامع الكبير، وعقّب كل حديث ببيان رتبته، وسماه: الجامع الأزهر من حديث النبى الأنور، وكتاب آخر فى الأحاديث القصار عقّب كل حديث ببيان رتبته سماه: المجموع الفائق من حديث خاتمة رسل الخلائق، وكتاب إنتقاه من لسان الميزان وبيّن فيه الموضوع، والمنكر، والمتروك، والضعيف، ورتبه كالجامع الصغير. وكتاب فى الأحاديث القصار جمع فيه عشرة ألاف حديث فى عشر كراريس، كل كراسة ألف حديث، كل حديث فى نصف سطر، يقرأ طردا وعكسا، سماه: كنز الحقائق فى حديث خير الخلائق، وكتاب فى مصطلح الحديث سماه: بغية الطالبين لمعرفة اصطلاح المحدثين، وله كتاب فى الأوقات سماه: تيسير الوقوف من غوامض أحكام الوقوف، وهو كتاب لم يسبق إلى مثله، وشرح التحرير لشيخ الإسلام زكريا سماه: إحسان التقرير بشرح التحرير وشرح العباب. انتهى فيه إلى كتاب النكاح وحاشية عليه، لكنه لم يكملها، وشرح على المنهج انتهى فيه إلى الضمان، وكتاب فى أحكام المساجد، وكتاب فى أحكام الحمام الشرعية والطبية، وكتاب فى الألغاز والحيل، وكتاب جمع فيه عشرة علوم: أصول الدين، وأصول الفقه، والفرائض والحساب، والنحو، والتشريح، والطب، والهيئة، وأحكام النجوم، والتصوف، وكتاب فى فضل العلم وأهله، وشرح على القاموس، انتهى فيه إلى حرف الذال، وكتاب فى أسماء البلدان، وكتاب فى أسماء الحيوان سماه: قرة عين الإنسان بذكر أسماء الحيوان، وكتاب فى الأشجار، وكتاب الأنبياء سماه:
فردوس الجنان فى مناقب الأنبياء المذكورين فى القرآن، وكتاب الطبقات الكبرى سماه: الكواكب الدرية فى تراجم السادة الصوفية، وكتاب الصفوة بمناقب بيت آل النبوّة، وأفرد السيدة فاطمة بترجمة، والإمام الشافعى بترجمة، وله شرح على منازل السائرين، وشرح على حكم ابن عطاء الله، وشرح على رسالة ابن سينا فى التصوف، وكتاب فى آداب الملوك، وكتاب فى الطب، وكتاب فى تاريخ الخلفاء وتذكرة، وله مؤلفات أخر غير هذه.
وبالجملة فهو أعظم علماء عصره آثارا، ومؤلفاته غالبها متداول، وكثير النفع، وللناس فيها رغبة زائدة.
كانت ولادته فى سنة إثنتين وخمسين وتسعمائة، وتوفى فى صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر سنة إحدى وثلاثين وألف، وصلى عليه بالأزهر يوم الجمعة، ودفن بجانب زاويته التى أنشاها بخط المقسم المبارك فيما بين زاويتى سيدى الشيخ أحمد الزاهد والشيخ مدين الأشمونى. وقيل فى تاريخ موته: مات شافعى الزمان سنة 1031 رحمه الله تعالى.
(المنية)
قال المقريزى عند الكلام على منية الشيرج ما نصه: قال ياقوت فى مشترك البلدان: المنية بضم الميم وسكون النون وياء مفتوحة وهاء، ثلاثة وأربعون موضعا، جميعها بمصر غير واحدة، وبمصر من القرى المسماة بهذا الإسم ما يقارب المائتين انتهى.
ولنسرد لك ما عثرنا عليه منها. فمن ذلك.
(منية ابن خصيب)
مدينة مشهورة بالصعيد الأدنى، على الشط الغربى للنيل فى شمال أسيوط على نحو مرحلتين، وفى كتب الفرنساوية إنها كانت تسمى فى الأزمان القديمة طمون أو أطمون، وهى كلمة قبطية معناها الدير أو المنية، وتعرف الآن بمنية ابن خصيب نسبة للخصيب بن عبد الحميد، صاحب خراج مصر من قبل هارون الرشيد. قاله المقريزى: وقيل كان ابن خصيب نصرانيا قد نزل فى هذه البلدة هو وجميع عائلته، وقال ابن بطوطة فى سياحته: ويقال إن بعض خلفاء بنى العباس تغير على أهل مصر فأراد أن يوليها أحقر عبيده، إذلالا لهم وتنكيلا بهم ليسير فيهم سيرة سوء، فكان أحقر عبيده الخصيب، وكان يتولى تسخين الحمام، فخلع عليه وولاه مصر، ظنا منه أنه يقصدهم بالأذى، كما ذلك شأن من عز بغير عهد له بالعز، فلما استقر خصيب بمصر سار فى أهلها أحسن سير، واشتهر بالكرم، فكان أكابر أهل البلاد وأقارب الخلفاء يقصدونه، فيجزل عطاياهم. فافتقد الخليفة يوما بعض أقاربه العباسيين فرآه غائبا، ثم حضر/بعد مدة فسأله عن مغيبه، فذكر له إنه قصد خصيبا بمصر، وذكر له ما أعطاه، فكان قدرا عظيما وأثنى عليه، فغضب الخليفة وأمر بسمل عينى خصيب، وإخراجه من مصر إلى بغداد، وأن يطرح فى أسواقها، فلما أتاه الأمر
بالقبض عليه، حيل بينه وبين منزله، وكان معه ياقوتة عظيمة فخبأها عنده، وخاطها فى قميصه ليلا وسملت عيناه، وطرح فى سوق بغداد، فمر عليه بعض الشعراء وهو مطروح فقال: يا خصيب إنى كنت قصدتك من بغداد إلى مصر ممتدحا فوافقت إنصرافك عنها، وأحببت أن تسمع القصيدة. فقال: كيف سماعها وأنا على ما تراه. فقال: إنما قصدى سماعك لها، وأما العطاء فقد أعطيت الناس وأجزلت، جزاك الله خيرا. قال فافعل. فأنشده:
أنت الخصيب وهذه مصر
…
فتدفقا فكلاكما بحر
فلما أتى على أخرها، قال له: إفتق هذه الخياطة. ففعل. فقال: خذ الياقوتة، فأبى، فأقسم عليه، فأخذها، وذهب إلى سوق الجوهريين ليبيعها فلما عرضها عليهم، قالوا له: هذه لا تصلح إلا للخليفة. فرفعوا أمرها إليه، فأمر بإحضار الشاعر، واستفهم عن أمر الياقوتة فأخبر بخبرها، فتأسف على ما فعله بخصيب، وأمر باحضاره بين يديه، وأجزل له العطاء، وحكّمه فيما يريد، فرغب أن يعطيه هذه المنية، ففعل، فسكنها خصيب إلى أن توفى وأورثها عقبه. انتهى.
وفى تقويم البلدان لأبى الفداء: إن منية ابن خصيب - بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة ومثناة تحتيه ساكنة وفى أخرها باء موحده، بلد به أسواق وحمامات وجامع ومدارس للمالكية والشافعية، وهى على حافة النيل من الجانب الغربى تحت الأشمونين على مرحلة قوية. ورأيتها فى المشترك منية أبى الخصيب، وسمعتها أيضا منية بنى الخصيب. وهى كثيرة المزدرع.
انتهى.
قيل: وكان بهذه المدينة أربع عشرة كنيسة، وقال المقريزى: إن فيها ست كنائس: كنيسة المعلقة - وهى كنيسة السيدة، وكنيسة بطرس وبولص، وكنيسة ميكائيل، وكنيسة بوجرج، وكنيسة أنبا بولا الطمويهى، وكنيسة
الثلاث فتية، وهم: حنانيا وعزاريا وميصائيل، وكانوا فى أيام بختنصر، فعبدوا الله تعإلى خفية، فلما عثروا عليهم راودهم بختنصر أن يرجعوا إلى عبادة الأصنام، فأمتنعوا، فسجنهم مدة ليرجعوا، فلم يرجعوا، فأخرجهم وألقاهم فى النار، فلم تحرقهم. والنصارى تعظمهم وإن كانوا قبل المسيح بدهر.
وذكر ايضا إن فى مقابلتها دير أبى هور الراهب، ويعرف بدير سوادة، وسوادة عرب نزلوا هناك فخربوا ذلك الدير، وبقربها أيضا دير يعرف بدير العسل فيه كنيسة مارى جرجس.
وفى خطط الفرنساوية إن أرضها خصبة حسنة الزراعة، وكان ينقل منها العنب الجيد إلى القاهرة، فلم يكن يصلها يانعا بلا ذبول، بسبب أن المسأفة بينهما مائة وثمانون ألف خطوة، وكان فيها عمارات مشيدة، وهياكل فى غاية من العظم، وفيها أطلال كثيرة من الأبنية العتيقة، وكان أهلها أرباب ثروة يتجرون فى الجهات حتى فى بلاد السودان.
(وقعة على بك الكبير مع حكام القلعة)
ومن حوادث منية ابن خصيب ما ذكر الجبرتى فى حوادث سنة ثمانين ومائة وألف أن على بك الكبير الملقب ببلوط قين اجتمع بها هو وصالح بك ومن معهما، وبنوا حولها أسوارا وأبراجا وركبوا عليها المدافع، وقطعوا الطريق على المسافرين، وأرسل على بك إلى ذى الفقار بك وكان بالمنصورة وصحبته جماعة من الكشاف، فأتوا المنية ليلا، وانضم إليهم جموع كثيرة من الغز والأجناد والهوارة والشجعان.
وذلك أن على بك كان قد تغلب على القلعة، وأمر بنفى جماعة من الأمراء ليصفو له الوقت، حتى نفى عبد الرحمن الكتخدا الذى هو ابن سيده ومركز الدولة - ونفى صالح بك المذكور إلى غزة، فأقام بها مدة، ثم نقله من غزة إلى رشيد، ورتب له ما يصرفه، وجعل له فائظا كل سنة عشرة أكياس،
فلما جاء الخبر بوصول الباشا الجديد من الأستانة إلى الإسكندرية، وهو حمزة باشا، خاف أن ينضم إليه صالح بك، فأرسل إليه ينقله إلى دمياط، فلما وصله الخبر ركب ليلا بجماعته، وساروا إلى الصعيد، ووصل منية ابن خصيب، فأم بها، واجتمع عليه كثير من المطرودين، وبنى فيها أبنية ومتاريس، وكان له صداقة مع شيخ العرب همام الفرشوطى وأكابر الهوارة، وأكثر البلاد الجارية فى التزامه فى جهة قبلى، فاجتمع عليه كثير منهم، وقدموا له التقادم والذخائر وما يحتاج اليه.
ولما حضر حمزة باشا واليا على مصر وطلع إلى القلعة، وذلك سنة تسع وسبعين ومائة وألف، عرضوا عليه أمر صالح بك، وأنه قاطع الطريق ومانع وصول الغلال الميرية، فجرد عليه تجريدة، فالتطموا معه لطمة صغيرة، ثم توجه صالح بك وعدى إلى شرق أولاد يحيى.
ثم إن على بك أمر بنفى حاكم جرجا حسين بك كشك إلى جهة عينها له فلم يتمثل، وركب بممالكيه وأمرائه وأتباعه إلى مصر، فأراد على بك أن يشغله بالسم، وأمر عبد الله الحكيم أن يضع له السم فى المعجون ففعل، وقد كان صالح بك طلب من ذلك/الحكيم معجونا للباه، فلما أحضره لديه أمره أن يأكل منه، فتأخر فأمر بقتله، وعلم أنها مكيدة من على بك فتأكدت بينهما الوحشة، واضمر كل منهما لصاحبه السوء. وكان ذلك سببا فى نفى على بك إلى الشام ومعه ممالكيه وأتباعه، واستقر خليل بك كبير البلد هو وحسين بك المذكور مكان على بك. ثم ورد الخبر بأن صالح بك رجع من أولاد يحيى إلى المنية.
وفى تلك الأيام رجع على بك ومن معه على حين غفلة إلى مصر فتشاوروا فى قتله، ثم اجتمع رأيهم أن يعطوه النوسات، فأقام بها، ثم تخوفوا من إقامته بالنوسات، فأرسلوا إليه خليك بك السكران، فأخذه، وذهب به إلى السويس ليسافر إلى جدة من القلزم، وأحضر له المراكب لينزل فيها.
وفى ثانى شهر شوال من هذه السنة ركب الأمراء إلى قراميدان ليهنئوا الباشا بالعيد، وكان معتاد الرسوم القديمة أن كبار الأمراء يركبون بعد الفجر من يوم العيد، وكذلك أرباب العكاكيز، فيطلعون إلى القلعة، ويمشون إلى الباشا من باب السراى إلى جامع الناصر بن قلاوون فيصلّون صلاة العيد، ويرجعون كذلك، ثم يقبلون أتكه، ويهنؤنه وينزلون إلى بيوتهم فيهنئ بعضهم بعضا على رسمهم واصطلاحهم، وينزل الباشا فى ثانى يوم إلى الكشك بقراميدان، وقد هيئت مجالسه بالفرش والمساند والستور، واستعد فراشوا الباشا بالتطلى والقهوة والشربات والقماقم والمباخر، ورتبوا جميع الاحتياجات واللوازم من الليل، واصطفت الخدم والجاويشية والسعاة والملازمون، ويجلس الباشا بذلك الكشك بحضرة أرباب العكاكيز والخدم قبل كل أحد، ثم يأتى الدفتردار وأمير الحاج والأمراء الصناجق والإختيارية، وكتخدا الينكجرية، والمقادم، والأوزباشية، واليمقات والجربجية والعزب أصحاب الوقت، فيهنئون الباشا ويعيدون عليه على قدر مراتبهم بالقانون والترتيب، ثم ينصرفون.
فلما حضروا فى ذلك اليوم وهنأ الأمراء والصناجق الباشا، وخرجوا إلى دهليز القصر يريدون النزول، وقف لهم جماعة وسحبوا السلاح عليهم وضربوا عليهم بنادق، فأصيب عثمان بك وحسين بك وجماعة، ونط أكثرهم من حائط البستان لا يصدقون بالنجاة.
وبطل أمر العبيد من قراميدان من ذلك اليوم، وتهدم القصر وخربت الجنينة، فنسبت هذه الفعلة إلى على بك بمراسلاته إلى حسن بك جوجو، فأرسلوا وراءه حمزة بك، فوجده بالمركب فى الغاطس، ينتظر اعتدال الريح للسفر فرده إلى البر، ورجعه إلى جهة مصر بمماليكه وأتباعه، فسار بالجبل ونزل على شرق أطفيح، ثم إلى جهة أسيوط، ورجع حمزة بك إلى مصر، فاجتمع المنفيون والهوارة وخلافهم على على بك، وأرادوا الإنضمام إلى صالح بك، فنفر منه صالح بك، فلم يزل يخادعه، وكان على كتخدا الخربطلى منفيا
هناك من قبله، فجعله على بك سفيرا بينه وبين صالح بك، وجعل معه خليل بك الأسيوطى، وعثمان كتخدا الصابونجى، فلم يزالوا به حتى جنح لقولهم، واجتمع عليه بكفالة شيخ العرب همام، وتحالفا وتعاقدا على الكتاب والسيف، وكتبوا بذلك حجة، والتزم على بك أنه إذا تم لهم الأمر أعطى صالح بك جهة قبلى.
وسرّ شيخ العرب همام بذلك لصداقة صالح بك، وأمر بجمع المال والرجال، واجتمع عليه المتفرقون والمتشردون من الغز والأجناد والهوارة والشجعان، وكان فى المنية خليل بك السكران، فارتحل عنها إلى مصر هاربا.
واستقر على بك وصالح بك وجماعتهم بالمنية، وبنوا حولها أسوار إلى آخر ما تقدم، فعزم الأمراء بمصر على إرسال تجريدة إلى المنية، فتكلم الشيخ الحفناوى فى ذلك، وأفحمهم بالكلام وقال: أخربتم الأقاليم والبلاد، ولكم كل ساعة خصام وتجاريد، وعلى بك هذا رجل أخوكم وخشداشكم، أى شئ يحصل إذا أتى وقعد فى بيته واصطلحتم وأرحتم أنفسكم والناس. وحلف أن لا يسافر أحد بتجريدة مطلقا، وإن فعلوا ذلك لا يحصل لهم خير أبدا، فقالوا:
إنه هو الذى يحرك الشر، ويريد الإنفراد بنفسه ومماليكه، وإن لم نذهب إليه أتى هو إلينا، وفعل مراده فينا فقال لهم الشيخ: أنا أرسل اليه مكاتبة فلا تتحركوا بشئ حتى يأتى رد الجواب. فلم يسعهم إلا الإمتثال، فكتب إليه الشيخ مكتوبا، ووبخه فيه وزجره ونصحه ووعظه، فلم يلبث الشيخ بعد ذلك إلا أياما وتوفى إلى رحمة الله تعالى.
فيقال إنهم سموه ليتمكنوا من أغراضهم، وفى أثناء ذلك حضر إلى القلعة محمد باشا راقم واليا على مصر سنة إحدى وثمانين ومائة وألف، ثم جهزوا تجريدة خرج فيها حسين بك وستة من الصناجق غيره، ثم لحقتها تجريدة أخرى فيها ثلاثة صناجق فوقع الحرب بينهم ببياضة، وكانت النصرة لعلى بك وصالح بك.
ثم سافر على بك وصالح بك، ومن معهما، ونزلوا البساتين، ثم دخلوا مصر، فهرب حسن بك جوجو، وتحير باقى الأمراء فى أمرهم، وتحققوا الأدبار والزوال، ثم طلع على بك وصالح بك ومن معهما إلى القلعة، فخلع الباشا على على بك، واستقر فى مشيخة البلد كما كان، وخلع على صناجقه خلع الإستمرار/فى إمارتهم كما كانوا، وثبت قدم على بك فى إمارة مصر، وظهر الظهور التام، وملك الديار المصرية والأقطار الحجازية والبلاد الشامية، وكان أكبر أمرائه محمد بك أبو الذهب أحد مماليكه انتهى.
(مطلب ترجمة على بك الكبير المعروف ببلوط قين وعمائره)
ثم إن على بك هذا هو على بك الكبير شيخ البلد، ثم والى مصر، وهو من مماليك إبراهيم كتخدا، تابع سليمان جاويش، تابع مصطفى كتخدا، القازدغلى، تقلد الإمارة والصنجقية بعد موت أستاذه فى سنة ثمان وستين ومائة بعد الألف، وكان يلقب بجن على وببلوط قين، وكان شديد المراسى قوى الشكيمة، عظيم الهمة، لا يرضى لنفسه بدون السلطنة العظمى والرياسة الكبرى، ولم يزل يرقى مدارج السعود حتى عظم شأنه وطار صيته ونما ذكره، وحارب وقاتل، وجمع الأموال، وهزم أعاظم الشجعان ومقادم البلدان، وشتت شملهم وفرق جمعهم، ووقع له من الحوادث والنوادر مع خشداشيه وغيرهم ما وقع.
ثم بعد ذلك استكثر من شراء المماليك، وجمع العساكر من سائر الأجناس، واستخلص بلاد الصعيد وقهر رجالها الصناديد، ولم يزل يمهد لنفسه حتى خلص له ولأتباعه الأقليم المصرى من الإسكندرية إلى أسوان، ثم جرد عساكره إلى البلاد الحجازية ونفذ أغراضه بها، ثم التفت إلى البلاد الشامية وأرسل إليها التجاريد، وقتل عظماءها وأمراءها، واستولت أتباعه عليها، وأقاموا بحصار يافا أربعة أشهر حتى ملكوها، وعمّر قلاع الإسكندرية ودمياط، وأنزلها عساكره ومنع ورود الولاة العثمانيين، ولم يزل يمهد الأراضى ويشتت الأعادى، حتى وافاه الحمام سنة خمس وثمانين ومائة وألف، فى داره التى بدرب عبد الحق المطلة على بركة الأزبكية رحمه الله تعالى.
ومن إنشائه العمارة العظيمة بطنتدا وهى المسجد الجامع والقبة التى على مقام سيدى أحمد البدوى رضي الله عنه، والمكاتب والميضأة الكبيرة والحنفية والمراحيض والمنارتان العظيمتان والسبيل المواجه للقبة، والقيسارية العظيمة النافذة من الجهتين، وما بها من الحوانيت.
وكان المشد على تلك العمائر المعلم حسن عبد المعطى، وكان من الرجال أصحاب الهمم، وقد ولاه سدانة الضريح عوضا عن أولاد سعد الخادم لسوء سيرتهم وظلمهم، فنكبهم على بك، وأخذ ما أمكنه أخذه من أموالهم وكان شيئا كثيرا، وأنفقه على العمارة المذكورة، ووقف عليها أوقافا، ورتب بالمسجد عدة من الفقهاء والمدرسين والطلبة والمجاورين، وجعل لهم جرايات وشوربة فى كل يوم.
وجدد أيضا قبة الإمام الشافعى رضي الله عنه، وكشف ما عليها من الرصاص القديم المسبوك أيام الملك الكامل الأيوبى فى القرن الخامس، وجدد ما تحته من خشب القبة البالى بخشب نقى، ثم جعل عليه صفائح الرصاص المسبوك وثبته بالمسامير العظيمة، وجدد نقوش القبة من داخل بالذهب واللازورد، وكتب بأفريزها تاريخا منظوما بخط صالح أفندى، وهدم الميضأة التى كانت من عمارة عبد الرحمن كتخذا، وكانت صغيرة مثمنة الأركان، وعمل عوضها الميضأة الكبيرة، وهى مربعة مستطيلة متسعة، وعمل بجانبها حنفية وبزابيز يصب منها الماء، وعمل حول الميضأة مراحيض بحيضان متسعة، وقد أزيل ما عدا القبة من الجامع وتوابعه حين أمر جناب الخديوى المعظم محمد توفيق باشا بتجديد الجامع سنة 1303 هجرية، كما هو مبين فى الكلام على جامع الإمام الشافعى رضي الله عنه.
ومن إنشائه أيضا العمارة التى بشاطئ النيل ببولاق تجاه دكك الحطب تحت ربع الخرنوب، وهى عبارة عن قيسارية عظيمة ببابين يسلك إليها من بحرى إلى قبلى وبالعكس، وعمل خانا عظيما يعلوه مساكن من الجهتين.
وبخارجه حوانيت وشونة غلال، حيث مجرى النيل، وبنى مسجدا متوسطا.
وحفروا أساس جميع هذه العمارات حتى نبع الماء، ثم بنوا لها خنازير مثل المنارات من الأحجار والدبش والمون، وغاصوا بها حتى استقرت على الأرض الصحيحة، ثم ردموا الأساس المحتوى على تلك الخنازير بالمون
والأحجار، واستعلوا عليه بعد ذلك بالبناء المحكم بالحجر النحت، وعقدوا العقود والقواصر ووضعوا الأعمدة والأخشاب المتينة، وكان العمل فى ذلك سنة خمس وثمانين ومائة ألف.
ومن إنشائه أيضا داره التى بدرب عبد الحق والحوض والساقية والطاحون الكائنة بجوارها انتهى من الجبرتى.
وفيه أيضا أنه فى شهر ربيع الأول سنة ألف ومائتين وإحدى وعشرين كان الأمراء المصريون منتشرين ببلاد الصعيد، والألفى محاصر لدمنهور، وقد آلت الحكومة إلى محمد على باشا، وكان رجب أغا وياسين بك قد إنضما إلى الأمراء المصريين، وعملا متاريس فى بحرى المنية ليمنعا من يصل إليها من مراكب الذخيرة، فلما سار محو بك بمراكب الذخيرة ووصل إلى حسن باشا طاهر ببنى سويف أصحب معه عابدين بك وعدة من العسكر فى عدة مراكب، وسار بالجميع إلى ناحية المنية، فلما قرب من المتاريس أخرج عساكره بالمدافع إلى البر وتحاربوا مع المصريين، فكانت النصرة لمحو بك، وولى المصريون، ودخل عساكر/محمد على المنية وملكوها، وفى عشرين من شهر ذى الحجة سنة إثنتين وعشرين ومائتين وألف كان بها وقعة بين سليمان بك الألفى وياسين بك فقتل بها سليمان فى تلك البلدة انتهى.
وسبق ذلك فى الكلام على ناحية التبين.
(وصف المنية الجديدة)
ثم إن مدينة المنية الآن من أكبر مدن الوجه القبلى وأكثرها عمارة، وهى رأس مديرية تسمى بها، وفيها ديوان المديرية مستوفيا لجميع لوازمه، وبها محكمة شرعية مأذونة بالحكم فى عموم القضايا الشرعية نحو المبايعات والرهونات والإسقاطات والأيلولات ونحوها فى الأطيان وخلافها، وكان بيع الأطيان لا يحصل إلا بحضرة المدير أو وكيله كما فى محاكم المديريات جميعها.
وفى مراكز مديريتها أربع محاكم غيرها منها: محكمة فى آبة الوقف، كانت غير مأذونة، ومثلها فى محكمة بنى عبيد، وتعرف بمحكمة منفيس، ومحكمتان مأذونتان بما عدا الحكم فى الأطيان، وهما محكمة بنى مزار ومحكمة الفشن.
وفى المدينة أسواق دائمة وحوانيت كثيرة مشحونة بالبضائع الجليلة والحقيرة من بضائع القطر والبلاد الأجنبية، كالجوخ وثياب الحرير والقصب والقطن والكتان والنحاس والعقاقير، وغير ذلك مما يوجد بمصر والإسكندرية.
وفيها خانات وقهاوى كثيرة وخمارات، وجميع الحرف التى توجد فى القطر، وفيها قصور مشيدة كقصور القاهرة، ومساجد كذلك وأكثرها بمنارات منها جامعان فى وسطها وجامع الشيخ القشيرى، وجامع بجوار ديوان المديرية، وأرحية تديرها الخيل والبقر وطاحون بخارية، وفيها إسبتالية للمرضى، ومكتب بوستة ومكتب تلغراف، ومدرسة أنشئت من فيض مراحم الخديوي إسماعيل باشا، غير المكاتب التى بداخل المدينة، وبها لوكندة ينزل بها السياحون وغيرهم، وشفخانة فى محل الفوريقة القديمة التى هى من إنشاءات العزيز محمد على، وطرخانة ووابورات مياه وفيها نصارى وإفرنج ويهود.
وبالجملة فقد ازدادت عمارتها بسبب السكة الحديد، وتعلقات الدائرة السنية التى أنشئت بها حتى التحقت بالمحروسة، وفيها أضرحة كثيرة داخل قباب.
ومن أشهر من دفن بها من الصالحين الشيخ الفولى، مقامه على البحر مشهور يزار، وله جامع نفيس على شاطئ البحر.
ولطيب هوائها، وحسن موقعها بنى بها الخديوى إسماعيل باشا قصرا ينزل فيه عند تشريفه تلك الجهة. وفيه بستان نضر، ووابور لعمل الثلج، وهى أيضا رأس تفتيش من أعظم تفتيشات الدائرة السنية، وفيها فوريقة بثلاثة عنابر لعصر القصب وعمل السكر، يخرج منها فرعان من سكك الحديد أحدهما
يوصل إلى المحطة القديمة، والآخر إلى المحطة الجديدة التى فى قبلى القديمة بقرب قناطر المنية، وديوان الفوريقة فى شمالها، وديوان التفتيش فى شرقيها فوق البحر، وفى شمالها الغربى ديوان عموم الشفالك وبجواره ديوان باشمهندس عموم الفوريقات، وأطيان هذا التفتيش ثمانية عشر ألف فدان يزرع منها عشرة آلاف فدان قصبا، وباقيها يزرع حبوبا وقطنا.
ويصنع فى الفوريقة أنواع من السكر فيتحصل منها من السكر النبات فى السنة نحو ثلاثة آلاف قنطار تقريبا، وفى اليوم من السكر الأبيض الحب تسعمائة قنطار، وفى السنة منه أربعة وتسعون ألف قنطار وخمسمائة، وفى اليوم من السكر الأبيض الأقماع مائتا قنطار، وفى السنة منه أربعة وعشرون ألف قنطار، وفى اليوم من السكر الأحمر نمرة 2 ستمائة قنطار، وفى السنة منه ثلاثة وستون ألف قنطار، وكل يوم من السبيرتو تسعون قنطارا، وفى السنة منه تسعة عشر ألف قنطار وأربعمائة وخمسون قنطار تقريبا فى الجميع.
وحيث أنه يتحصل فيها أنواع من السكر أكثر من غيرها، ففيها آلات زيادة عما فى غيرها، من الفوريقات ويلزم لها أنفار أكثر من غيرها لإدارة حركتها، فمن ذلك وابور لتحليل السكر نمرة 2 ونمرة 3 لتكريره وجعله أقماعا، وفرن بقيزن لصناعة السكر النبات، ووابور لإدارة ورشة المخارط، ووابور مروحة لإدارة ورشة الدكمخانة، وورشة لتصليح الوابورات الزراعية وورشة لإصلاح آلات الفوريقات، وبها جملة مخارط ومكاشط ومثاقب، وورشة نجارين لعمل الأرانيك اللازمة، وورشة كمخانة لصب الحديد الزهر وتشكيله بأشكال الأرانيك المطلوبة.
(فوريقة المنية)
ومن ملحقات تفتيش المنية فوريقة دمريس، وهى قرية على الشط الغربى للنيل فى شمال المنية بنحو ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين مترا، وفى جنوب البرجين بنحو ثلاثة آلاف وخمسمائة متر، وفى الشمال الشرقى للبرجين وابور
ماء على الشط الشرقى للبحر تبع الدائرة السنية أيضا، وهو فى جنوب ناحية زهرة بقدر ألفين وسبعمائة وخمسين مترا، وزهرة بلدة فى البر الغربى للنيل، وفى شمال ذلك الوابور فى البر الشرقى على بعد ألف وسبعمائة وخمسين مترا وابور ماء آخر فى شمال نزلة عبيد بقدر مائتين وخمسين مترا، وفى شماله بقدر خمسمائة متر وابور آخر فوق النيل فى غربى نزلة الوصلية بقدر سبعمائة وخمسين مترا. وفى الجنوب الغربى لقرية طهنة بقدر ألف متر. وطهنة قرية فى البر الشرقى بين المزارع والرمال.
ثم فى جنوب مدينة المنية بقدر ثلاثة آلاف وخمسمائة متر فى البر الشرقى - وابور/ماء يسمى وابور سوادة فى الطرف القبلى لعزبة سوادة تجاه قرية ماقوسة بقدر ألفين وخمسمائة متر، وماقوسة بلدة فى غربى النيل، على الجسر الغربى للترعة الإبراهيمية، ثم على الشط الغربى للنيل وابور ماء فى الشمال الغربى لقرية المطاهرة بقدر ثلاثة آلاف ومائتين وخمسين مترا، والمطاهرة بلدة فى البر الشرقى للنيل على شاطئه، ويقال لها بنى محمد شعراوى، والكوم الشرقى، وفى جنوبها بقدر خمسين مترا ضريح بقبة تقرب منه جبانة فيها قباب، ومن المطاهرة إلى منسفيس نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة متر.
ومنسفيس قرية فى البر الغربى على جسر الترعة الإبراهيمية، فجميع تلك القرى والوابورات تابعة لهذا التفتيش، وترعة الإبراهيمية تمر بالجهة الغربية من هذه المدينة والنيل فى جهتها الشرقية، وعدد قرى مديريتها الآن إحدى وثمانون ومائتان، ومساحة أرض المديرية مائتان وتسعة عشر ألف فدان، والفدان أربعة آلاف متر ومائتان وكسر، ومحصول المديرية من الحبوب فى السنة الواحدة ثمانمائة وتسعون ألف أردب، ومتحصلها من الكتان والنيلة والدخان والسكر ثمانية وسبعون ألف قنطار وخمسمائة، ومن القطن كمديرية بنى سويف ستمائة وستة وتسعون ألفا وستمائة وستة وستون قنطارا.
(منية أبيار)
قرية بمديرية الغربية بمركز محلة منوف على شاطئ بحر سيف الشرقى، وشرقى أبيار بنحو تسعمائة متر، وغربى برما بنحو تسعة ألاف متر وبها جامع.
(منية أبى الحارث)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط تجاه بوصير الغربية، وفى شمال السلامية بنحو ألفى متر، وفى جنوبها الغربى دار ضيافة على البحر لعمدتها أبى قورة، وبها معمل دجاج.
(ترجمة أحمد بن قاسم شيخ عرب الوجه البحرى)
ومن حوادث هذه القرية: أنه قتل بها الأمير أحمد بن قاسم بن بقر، شيخ عرب الوجه البحرى.
قال ابن إياس: وفى يوم الجمعة رابع عشر شهر جمادى الأول سنة 928 أشيع قدوم شيخ العرب الأمير أحمد بن قاسم بن بقر - ويعرف بأبى الشوارب - وكان توجه إلى الأمير جان بردى الغزالى، وطلب من ملك الأمراء الأمان على نفسه، فحضر إلى القاهرة وقابل ملك الأمراء، فخلع عليه وصار عنده من المقربين، وأقام مدة على ذلك، ثم بدا لملك الأمراء قتله، فأرسل إلى جان بك كاشف الشرقية بأن يقطع رأسه، فتوجه إليه جان بك، وهو فى منية أبى الحارث بالدقهلية فهجم عليه وقطع رأسه، وقتل معه شخصا آخر من مشايخ عرب العائد، فلما قتل الأمير أحمد بن بقر، نهبت داره وسبيت نساؤه وأولاده، ولم يعلم أحد ما سبب ذلك.
ثم إن جان بك أرسل رأسه ورأس شيخ العائد إلى ملك الأمراء، فرسم ملك الأمراء بدفن الرؤوس، وقد أخذ ملك الأمراء بثأره من أحمد بن قاسم، وكان فى قلبه منه شئ من حين توجه إلى الغزالى نائب الشام، فكان كما يقال فى المعنى
قالت ترقب عيون الحى إن لها
…
عينا عليك إذا ما نمت لم تنم
انتهى.
(منية أبى الحسين)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود على الشاطئ الغربى لترعة أم سلمة فى جنوب منية العامل بنحو ثلثى ساعة، وغربى دماص بنحو ساعة، وبها جامع ودوّار أوسية للدائرة السنية.
(منية أبى خالد)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز المنصورة فى الجنوب الشرقى لدنديط على بعد ألفى قصبة، وفيها نخيل كثيرة، وبها يزرع القطن والكتان، ولها سوق كل يوم خميس، وبجوارها قرية جصفا بها نخيل كثيرة، وتكسّب أهلها من زرع القطن والكتان وجميع الحبوب.
(منية أبى شيخة)
بخاء معجمة قبل هاء التأنيث، قرية من المنوفية بمركز مليج شرقى ترعة العطفى، وغربى كفر طاشبرى بنحو نصف ساعة، وشرقى منية خلف كذلك، وبها جنينة لعمدتها الحاج سالم.
(منية أبى عربى)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية غمر، على الشاطئ الغربى لترعة منية يعيش، وفى غربى قرية جودة بثلاثة آلاف وخمسمائة متر، وفى الجنوب الغربى لكراديس بنحو ثلاثة آلاف متر، وبها معمل دجاج، ومنزل ضيافة لعمدتها برعى نوّار، وأشجار متنوعة.
(منية أبى على)
قرية من مركز منيا القمح بمديرية الشرقية، واقعة على مصرف أبى الأخضر، منها إلى الزقازيق نحو ثلث ساعة، وبها جوامع عامرة، وقليل من
النخيل، ودوار أوسية كان من ضمن جفالك الميرى، وقت أن كانت تابعة له فى زمن العزيز محمد على.
(ترجمة الأمير بهجت باشا)
ولهذه القرية شهرة واعتبار، بانتمائها إلى المرحوم بهجت باشا عليه سحائب الرحمة والرضوان، فإن والدته من أكبر بيت فيها، وهم عائلة الوالى الذين هم مشايخها، وأما أبوه فكان يسمى على أغا الأرنؤطى، وكانت ولادته رحمه الله سنة ألف ومائتين وثمانية وعشرين هجرية، وبعد وفاة والده كفله عمه على أغا، محرمجى حسن باشا الأرنؤطى، صاحب العمارة والجامع اللذين فى بركة الفيل، فأحسن تربيته وأحضره مصر وعمره نحو خمس سنين، ورتب له أستاذا يعلمه القراءة والكتابة، وفى سنة أربع وثلاثين أدخله مدرسة قصر العينى، فأقام بها نحو ثلاث سنين/ثم نقل إلى المهندسخانة بالقلعة.
ثم فى سنة إحدى وأربعين سافر إلى بلاد أوروبا فيمن سافر إليها، فأقام بباريس عشر سنين، وبعد أن أتقن العلوم الرياضية والفنون الهندسية عاد إلى الديار المصرية صحبة مختار بك ومظهر باشا ورفاعة بك واصطوفان بك ونبراوى بك وغيرهم، فأنعم عليه برتبة بكباش، وقلّد بنظارة مدرسة قصر العينى، فأقام على ذلك سنتين، وكان مرتب هذه الوظيفة ألفين وخمسمائة غرش - عملة ديوانية - غير التعيين، ثم تقلد بنظارة مدرسة الطوبجية بقرية طرا سنتين أيضا، ثم فى سنة خمس وخمسين جعل ناظر قلم ديوان المدارس،
وفى ذاك الوقت ندب لعمل خرطة جفالك نبروه، وصحبته المرحوم إبراهيم أفندى رمضان وجماعة من تلامذة الفرقة الأولى من المهندسخانة، وجعل شريكه فى رياسة هذه العملية لامبير بك، فعملت الخرطة على أتم نظام، وهى الآن فى مخزن الأشغال، ثم أنعم عليه برتبة قائم مقام وصار باشمهندس الجفالك بالشرقية والدقهلية، وعمل عدة ترع، منها ترعة النظام،
وبنى عدة قناطر، وندب لمعاينة الشلالات للوقوف على طريقة تسهيل عبور المراكب، فانحط رأيه على عمل هويسات هناك، وعمل لذلك رسما ومقايسة وقرارا، ولم يحفظ ذلك بمخازن الديوان ولم يجر به العمل.
وفى سنة إحدى وستين أعطيت له هذه القرية عهدة، وأحسن إليه بما فى أوسيتها من مواشى وآلات وأبنية وخلافها، وكان مرتبه شهريا ثلاثة آلاف غرش ديوانية غير التعيين، ثم أنعم عليه برتبة أميرالاى، وكان مرتب أميرالاى مائتى كيسة كل سنة، أعنى مائه ألف غرش ديوانى، غير التعيين البالغ نحو سبعمائة وخمسين غرشا، فعيّن مع موجيل بك فى بناء القناطر الخيرية، وأحيل عليه أيضا قناطر بحر الشرق.
وفى سنة ثلاث وستين أنعم عليه بناحية العصلوجى عهدة له بواسطة سر عسكر والد الخديوى إسماعيل باشا بعد أن طلب ذلك بنفسه، فبلغت عهدته فى القريتين ألف فدان وثمانمائة فدان، واستمر فى هذه الوظيفة إلى سنة سبع وستين، فتعين مفتش هندسة المنوفية والغربية فى زمن المرحوم عباس باشا.
وفى تلك المدة أحيل عليه رسم الجامع الأحمدى، فرسمه على الهيئة التى هو عليها الآن، وبعد تمام رسمه أنعم عليه بمائتى فدان، ولما عمل السكة الحديد من بنها إلى كفر الزيات رمى فيه بعض الناس بأنه أتلف أراضى كثيرة فى ذلك الجسر، فركب المرحوم عباس باشا ومر على ذلك الجسر بنفسه فأعجبه عمله واستحسنه، فأنعم عليه بمائتى فدان أخرى.
وفى تلك المدة أيضا - فضلا عن أعمال الأرياف من التطهيرات وبناء القناطر ونحو ذلك - أجرى أعمالا جليلة مثل القناطر التى تمر عليها السكة الحديد الواقعة فى حدود تفتيشه من بنها إلى كفر الزيات، ما عدا قناطر بحر بركة السبع، فإنها من رسم الإنجليز الذين حضروا من طرف استيفنسون، لأجل رسم السكة الحديد وتخطيطها من مصر إلى الإسكندرية.
وفى سنة ثلاث وسبعين فى عهد المرحوم سعيد باشا، ندب لمسح أراضى مديرية تفتيشه، وعين معه نحو خمسين مهندسا، عبارة عن عشرين ركابا، ونحو خمسين ركابا من المساحين، كل ركاب خمسة أشخاص مساحين وقصابين، وضابط ملكى أو جهادى، وعين أيضا على باشا شكرى مأمور تحقيق قضايا الأطيان بديوان يشتمل على عشرة ضباط، وعشرة كتبة، وأربعة من القواسة والسعاة، فصار مسح الأرض على الوجه المطلوب، وعملت التواريع والدفاتر ورسم خرطتها، ولم يبق تحت الإتمام إلا القليل. ووقف عمل المساحة سنة خمس وسبعين.
وفى أثناء ذلك - أعنى سنة 1274 - أنعم عليه برتبة لواء. وفى تلك المدة أيضا نجز له ما كان أنعم عليه به المرحوم عباس باشا ولم يتم فى حياته، وهو إنه أعطى مائة فدان فى متروك بلده وثلاثمائة من زيادة المساحة فى بلاد المنوفية منها مائتان فى قرية سرس، وخمسون فى قرية فيشة، وخمسون فى كفرها، وفى تلك المدة أحيل عليه عمل خرطة برارى الغربية من دمياط إلى رشيد فأتمها على حسب الأمر. وهى الآن فى مخزن الأشغال.
وفى سنة خمس وسبعين عين لتفتيش هندسة قبلى، فبقى على ذلك نحو ثلاث سنين، ثم عزل ولزم بيته إلى أن تولى الخديوى إسماعيل باشا سنة تسع وسبعين فجعله مفتش هندسة وجه قبلى ثانيا.
وفى سنة أربع وثمانين أمر بعمل تصميم على الترعة الإبراهيمية، فرسم من أسيوط إلى جسر كوم الصعائدة الفاصل بين مديريتى المنية وبنى سويف، وأما رسمها من جسر كوم الصعائدة إلى القناطرة الخيرية، فكان بمعرفة ثاقب باشا رحمه الله، وبعد عمل الرسومات والقرارات اللازمة عرضت على الخديوى، فأعجبته ووقعت منه موقع القبول، وصار الشروع فى العمل، فتم منها من أسيوط إلى المنية، وبعد انتقاله من التفتيش وتعين حضرة سلامة
باشا، صار وضع أساسات قنطرة الإبراهيمية وقنطرة المنية، ثم بعد انفصاله عن التفتيش تعين بدله إسماعيل بك محمد فكملت قناطر التقسيم.
ووضعت أساسات قناطر أخر مثل قنطرة بحر يوسف/ومصرف ديروط، وقنطرة الساحل والديروطية، وقنطرة مغاغة ومطاى.
وكان بهجت باشا رحمه الله سهل الأخلاق، حميد السيرة، حسن التوكل لا يهمه أمر دنياه. وقد تزوج وقت أن كان فى بلاد الإفرنج بامرأة إفرنجية من قرية تعرف بباريس، وجاءت معه إلى الديار المصرية. وبعد أن أقامت سنة على دينها أسلمت لله تعالى بمحضر جماعة من أعيان العلماء والأفاضل، منهم الشيخ الباجورى والشيخ الدمنهورى وجم غفير من وجوه بولاق والأمراء، وسميت فى المجلس باسم زليجا. وكان إذ ذاك مقيما ببولاق مصر، وأقامت معه فى عيشة هنية، إلى أن توفاها الله تعالى على دين الإسلام سنة إحدى وستين ومائتين وألف.
وقد رزقت منه بثلاثة أولاد ذكور ماتوا فى صغرهم، وثلاث بنات تزوجت إحداهن بإسماعيل بك محمد ورزقت منه بثلاثة أولاد ذكور. وتزوجت الثانية بحسن بك فهمى قائمقام برنجى غاردية سوارى. وتزوجت أصغرهن بإسماعيل أفندى صالح ابن أخت إمرأة الباشا المذكور التى تزوجها بعد طلاق بنت سبكى بك التى تزوجها بعد موت الست زليخا.
وكانت الست المذكورة رحمها الله حسنة المعاشرة والإدارة، بصيرة فى أمر المعاش والتصرف. وإليها فوّض إدارة جميع أحواله، فقامت بذلك أحسن قيام. وفى وقت أن كان باش مهندس جفالك الشرقية، كانت تدير أمور الزرع كما ينبغى، وربما خرجت إلى الغيط لتنظر بنفسها الإجراءات وضم المحصول، وبيع ما يلزم مع تدبير أحوال المنزل والخدم، حتى إنها اشترت منزلا ببولاق، بيع بعد موتها لشخص يقال له فرج غالى، وكذلك اشترت أرضا
فى الجيزة أربعة وعشرين فدانا بقى منها إلى الآن إثنا عشر فدانا تحت يد ذريتها، ولقيامها بجميع أموره كان رحمه الله ملتفتا بكليته لأشغال الهندسة والمصالح الميرية، مع النمو والبركة فى كسبه ورزقه.
وبعد موتها تغيرت أحواله وركبه الدّين حتى باع كثيرا من أطيانه ومدخراته، وصار فى قرب وفاته لا يملك منزلا، بل كان يسكن بالأجرة إلى زمن المرحوم سعيد باشا، فقدم له بطلب أخذ ورشة القطن التى عند السيدة زينب رضي الله عنها، ويخصم ثمنها من مرتبه، فأجيب إلى ذلك، وجعل ثمنها عليه ألفين وخمسمائة جنيه، فكان يخصم منها كل شهر ربع مرتبه، فلم يستوف الثمن إلا فى سنة أربع وثمانين، وقد بناها منزلا جعله دورا واحدا أرضيا، يشتمل على سلاملك وحريم، وصرف فى ذلك مبلغا جسيما، ومات قبل أن يتمه، وهو الآن مشترك بين أولاده من زوجته الثالثة والأولى. فسبحان من يرث الأرض ومن عليها.
(منية أبى غالب)
قرية من مديرية الغربية بمركز شربين على الشاطئ الغربى لفرع دمياط، وفى شمال السوالم بنحو ساعة ونصف، وفى الجنوب الشرقى لكفر سليمان بنحو ثلاث ساعات، وأبنيتها بالآجر، وبها جامع بمنارة، ومعمل دجاج، وأشجار ونخيل.
(منية أبى الكرم)
قرية من مديرية المنوفية بمركز تلا فى جنوب طوخ النصارى بنحو ألف متر، وفى غربى زرقان بنحو ألف وخمسمائة متر وبها جامع بمنارة.
(منية الأشراف)
قرية بمديرية الغربية بمركز بلاد الأرز غربا، فى شرقى فوّة بنحو ألفى متر، وفى الجنوب الشرقى للقطوى بنحو ألف وخمسمائة متر.
(منية إشنا)
بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة فنون فألف، قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط فى شمال سرنجا بنحو أربعة آلاف متر، وفى جنوب منية رمسيس بنحو ألفى متر، وبها مسجد كبير، وهى من البلاد التى نظمها جناب العزيز المرحوم محمد على.
(منية الأصبغ)
هى قرية الدمرداش شرقى القاهرة خارج باب الفتوح.
(حفر الخندق)
وفى المقريزى قال: ثم سميت الخندق، لما أمر القائد جوهر المغاربة - بعد أن اختط القاهرة - أن يحفروا خندقا من جهة الشأم من الجبل إلى الإبليز، عرضه عشرة أذرع فى عمق مثلها، فبدئ فيه يوم السبت حادى عشر شعبان سنة ستين وثلاثمائة، وفرغ منه فى أيام يسيرة، وحفر خندقا آخر قدامه، وعمقه، ونصب عليه بابا يدخل منه، وهو الباب الذى كان على ميدان البستان الذى للإخشيد، وقصد أن يقاتل القرامطة من وراء هذا الخندق، فقيل له من حينئذ الخندق، وخندق العبيد والحفرة، ثم صار بستانا جديدا من جملة البساتين السلطانية فى أيام الخلفاء الفاطميين، وأدركناها من منتزهات القاهرة البهجة.
وقال فى آخر عبارته: إن الخندق قرية لطيفة يبرز الناس من القاهرة إليها ليتنزهوا بها فى أيام النيل والربيع، ويسكنها طائفة كبيرة، وفيها بساتين عامرة بالنخيل الفخر والثمار، وبها سوق وجامع تقام به الجمعة، وعليه قطعة أرض من أرض الخندق يتولاها خطيبه.
فلما كانت الحوادث والمحن من سنة ست وثمانمائة خربت قرية الخندق، ورحل أهلها منها، ونقلت الخطبة من جامعه إلى جامع بالحسينية، وبقى معطلا من ذكر الله تعالى وإقامة الصلاة مدة.
ثم فى شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة/هدمه الأمير طوغان الدويدار، وأخذ عمده وخشبه، فلم يبق إلا بقية أطلاله، وكانت قرية الخندق كأنها من حسنها ضرة لكوم الريش، وكانت تجاهها من شرقيها، فخربتا جميعا. وكان شرقى الخندق يوجد صحراء الأهليلج فى الرمل، وإليها كانت تنتهى عمارة الحسينية من جهة باب الفتوح، وأظن هذا الأهليلج كان من جملة بستان ريدان الذى يعرف اليوم موضعه بالريدانية.
(أقطاع ابن سندر وترجمته)
قال ابن عبد الحكم: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ، فحاز لنفسه منها ألف فدان. كما حدثنا يحيى بن خالد، عن الليث بن سعد رضي الله عنه، ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر، إلا ابن سندر، فإنه أقطعه منية الأصبغ فلم تزل له حتى مات، فاشتراها الأصبغ من ورثته. فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل.
وكان سبب إقطاع عمر رضي الله عنه ما أقطعه من ذلك - كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - أنه كان لزنباع ابن روح الخزامى غلام يقال له سندر، فوجده يقبل جارية له فجبه وجدع أنفه وأذنه، فأتى سندر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى زنباع فقال: لا تحملوهم من العمل ما لا يطيقون وأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، فإن رضيتم فامسكوا، وإن كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله، ومن مثّل به أو أحرق بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله، فأعتق سندر، فقال: أوص بى يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصى بك كل مسلم
(1)
. فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى سندر أبا بكر رضي الله عنه فقال: احفظ فىّ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاله أبو بكر رضي الله عنه حتى توفى، ثم أتى عمر رضي الله عنه فقال: احفظ فىّ وصية رسول الله
(1)
الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص فى مسند أحمد 2/ 182.
صلى الله عليه وسلم. فقال عمر رضي الله عنه: نعم إن رضيت تقيم عندى أجريت عليك ما كان يجرى أبو بكر رضي الله عنه، وإلا فانظر أى موضع يكتب لك. فقال سندر: مصر، لأنها أرض ريف. فكتب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه، احفظ فيه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم إلى عمرو بن العاص أقطع له أرضا واسعة، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات قبضت فى مال الله تعالى، قال عمرو بن شعيب ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ.
وقال القضاعى: مسروح بن سندر الخصى، ويكنى أبا الأسود، له صحبة، ويقال له سندر، دخل مصر بعد الفتح سنة إثنتين وعشرين.
(ترجمة الأصبغ)
وقال ابن يونس: أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، يكنى أبا ريان، حكى عنه أبو حمزة عبد الله بن عباد المعافرى وعون بن عبد الله وغيره، توفى ليلة الجمعة لأربع بقيت من ربيع الآخر سنة ست وثمانين قبل أبيه.
(منية الأكراد)
قرية بمديرية الدقهلية من مركز نوسا الغيط، فى الشمال الشرقى لقرية بلجاى بنحو ألفين وثمانمائة متر، وفى الشمال الشرقى لتلبانة كذلك.
(منية أم صالح)
قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج فى شمال شنتنا الحجر بنحو ثلث ساعة، وشرقى منية فارس كذلك.
(منية أندونة)
قال المقريزى: هى إحدى قرى الجيزة عرفت بأندونة كاتب أحمد المداينى، الذى كان يتقلد ضياع موسى بن بغا التى بمصر، فقبض أحمد بن طولون على أندونة هذا، وكان نصرانيا، فأخذ منه خمسين ألف دينار، وفى
سنة ست وتسعين وستمائة كان السلطان بمصر الملك المنصور، وكان الأمير علم الدين سنقر الدوادارى نائب دار العدل، وإليه شراء الأوقاف على الجامع الطولونى، وصرف ما يحتاج إليه فى العمارة، وكان هذا الجامع قد تخرب لما كان الغلاء بمصر فى زمن المستنصر، وخربت القطائع والعسكر، فأمر السلطان الملك المنصور بعمارته وتجديده، فعمرّه الأمير سنقر الدوادارى، وأشترى له قرية أندونة وغيرها وجعلها وقفا عليه. انتهى.
(منية الباسل)
قرية بمديرية الجيزة من قسم أطفيح على البر الشرقى لترعة الخشاب فى شمال الشرفاء بنحو ألف وسبعمائة متر، وفى الشمال الشرقى للعطيات بنحو سبعمائة متر.
(منية بدر حلاوة)
قرية من مديرية الغربيه بمركز سمنود على الشاطئ الغربى لفرع دمياط فى جنوب ناحيتى بنا وبوصير بنحو ساعة ونصف، وفى شمال شبرا اليمن بنحو النصف من ذلك، وأغلب مبانيها بالطوب الأحمر، وبها جامعان أحدهما بمنارة، وبها معمل دجاج، وبأراضيها أشجار وقليل نخيل، وتكسب أهلها من الزرع.
(منية بدر خميس)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود على الشاطئ الشرقى لبحر دمياط فى جنوب منية خميس بنحو ثلث ساعة، وفى شمال ويس الحجر بنحو نصف ساعة، وبها جامع، وتكسب أهلها من الزرع.
(منية بدوية)
بالباء الموحدة والدال المهملة مفتوحتين فواو فمثناة تحتية فهاء، قرية بمديرية الدقهلية من مركز فارسكور فى شرقى النيل بنحو مائة وخمسين مترا،
وفى شمال بدوية بنحو ألف وثلاثمائة متر، وغربى ترانيس بنحو ألف متر، وبها جامع.
(منية البز)
بكسر الباء الموحدة فشد الزاى المعجمة، قرية من مديرية الغربية بمركز زفتة شرقى/مصرف الخضراوية والعطف بقليل، وفى جنوب شبرا ملس بثلثى ساعة، وغربى سنباط كذلك.
(منية برا)
قرية صغيرة من مديرية الغربية بمركز الجعفرية على الشط الشرقى لبحر رشيد، فى شمالها محطة السكة الحديد، وفى غربيها ترعة لساحل على بعد خمسمائة متر، وفى شمالها أيضا على نحو مائتى متر سراى للمرحومة والدة الخديوى إسماعيل باشا، بنيت زمن المرحوم سعيد باشا، وكان ينزل بها أيام ولايته بعساكره للنزهة، وحواليها بستان نحو أربعة عشر فدانا، وبجوارها من قبلى قصر مشيد تابع لها، ويفصل بينها وبين البلد جسر السكة الحديد، وفى وسط البلد جامع، وبها أضرحة لبعض الصالحين، مثل الشيخ الحداد، والشيخ أبى العباس، والشيخ يوسف، وبها أبراج حمام، وسبع جنات، وسبع سواق لسقى زرع الصيف، وسوقها كل يوم ثلاثاء، وعدد أهلها ثلاثة آلاف وستمائة وتسع وأربعون نفسا، وزمام أطيانها ألفان وثلاثمائة فدان تروى من النيل وفروعه، كترعة الساحل، وعليها طريقان أحدهما جسر البحر الأعظم، والآخر جسر السكة الحديد.
(منية بشار)
قرية من بلاد الشرقية بمركز منية القمح، فى البر الشمالى لخليج أبى الأخضر، وفى الشمال الشرقى لمنية القمح على نحو ثمانية آلاف متر، وبها مساجد ومكاتب أهلية، بعضها لتعليم أولاد المسلمين، وبعضها لتعليم أولاد النصارى، وبها نخيل وكنيسة للأقباط، ومجلس دعاوى، ومجلس مشيخة. وبها
جملة من الكتبة الأقباط والمسلمين. وأطيانها ألف ومائتان وخمسة وستون فدانا، وأهلها ذكورا وإناثا ألفان وأربعمائة وخمس وأربعون نفسا، يتكسبون من الزرع المعتاد، ومنهم أرباب حرف، وبها وابور قومبيل لسقى الزرع.
(ترجمة يحيى أفندى صادق)
وممن نشأ من هذه القرية المرحوم يحيى أفندى صادق، تعلم فن الكتابة، وخدم كاتبا فى الدواوين، ثم جعل باشكاتب عموم المدارس والجفالك، ثم نقل إلى المعية. ثم فى سنة ألف ومائتين وإثنتين وخمسين هجرية أحسن إليه برتبة قائمقام، ثم جعل رئيس قلم المحاسبة بديوان المالية فى عهد المرحوم عباس باشا.
(منية البندرة)
بباء موحدة مفتوحة، فنون ساكنة، فدال فراء مهملتين، فتاء تأنيث.
قرية من مديرية الغربية بمركز الجعفرية على ترعة القرشية، فى شمال ناحية الجميزة بنحو ألفى متر، وفى جنوب البندرة بنحو خمسمائة متر، وبها جامع، وفى وسطها مقام لشيخ مسلم مشهور يزار، وبها دوار أوسية، ووابور لسقى المزروعات للدائرة السنية، وأبنيتها باللبن وقليل الآجر.
(منية بنى منصور)
قرية من مديرية البحيرة بمركز شبرى خيت، فى جنوب فرع الحناوى.
وغربى كفر عوانة بنحو نصف ساعة. وفى شمال ششت الأنعام بنحو ثلث ساعة، وبها جامع، وأبراج حمام، وجنات ونخيل وأشجار.
(منية البيضاء)
قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج، شرقى ترعة العطف بنحو ثلاثمائة متر، وفى شمال كفر القرينين بنحو ألفى متر، وشرقى كفر سبك بنحو ألف ومائتى متر، وبها جامع وقليل أشجار.
(منية تمامة)
بتاء مثناة وميمين مفتوحتين مع شدّ الميم الأولى. قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، فى الشمال الغربى للدراكسة بنحو نصف ساعة، وغربى منية طاهر كذلك، وبها جامع بمنارة، ومعمل دجاج، ولها سوق جمعى، وبجوانبها أشجار.
(منية جابر)
قرية من مديرية الشرقية بمركز منية القمح، فى البر القبلى لترعة منية يزيد، وقبلى بيشة عامر بنحو نصف ساعة، وبحرى البلشوف كذلك، وبها جامع بمنارة، وكانت من جفالك الخديوى إسماعيل، وبها أبنية لمصالح الدائرة.
(منية جحيش)
بصيغة تصغير جحش، قرية من مديرية الشرقية بمركز الصوالح شرقى مصرف العمار والتبانات بنحو ساعة، وفى الجنوب الغربى للقطاوية بنصف ساعة، وبها أشجار.
(منية جراح)
قرية من مديرية الدقهلية فى مركز نوسا، فى شمال منية لوزة بنحو ألف وأربعمائة متر.
(منية جناج)
بجيمين بينهما نون وألف، قرية بمديرية الغربية بمركز دسوق على الشاطئ الشرقى لفرع رشيد، وفى جنوب محلة دياى بنحو ألف وثمانمائة متر، وغربى جناج بنحو ألفين ومائة متر، وبها جامع بمئذنة، وفى هذه القرية قتل الأمير أحمد باشا الخائن فى أواخر سنة ثلاثين وتسعمائة.
(مطلب سبب قتل الأمير أحمد باشا الخائن)
وسبب قتله أنه لما جلس السلطان سليمان على تخت الملك بعد والده السلطان سليم طمع فى الوزارة العظمى، فصرف عنها إلى ولاية مصر فى شهر صفر سنة ثلاثين وتسعمائة، وتقصده إبراهيم باشا الوزير، ورماه بما يوجب قتله، وأرسل لأمراء مصر أن يقتلوه فى محله بالأمر الشريف، فوقعت الأوامر فى يد أحمد باشا قبل أن تصل إلى الأمراء، فأبدى الطغيان وعصى بقلعة الجبل، وادعى السلطنة، وضرب السكة باسمه، ثم دخل الحمام يوما، فسمع به الأمراء فكبسوا عليه الحمام، وكان قد حلق نصف رأسه، وأعجل النصف الثانى هجوم العسكر، فهرب إلى سطح الحمام وتسلق من مكان إلى مكان، وخلص، فاقتفوا أثره، حتى أدركوه بهذه القرية فقتلوه وحزوا رأسه، وجئ بها إلى مصر، وعلّقت فى باب زويلة، ثم جهزت إلى الأعتاب السلطانية، وكانت مدته نحو السنة، انتهى باختصار/من قلائد العقيان.
(ترجمة الشيخ محمد بن موسى الجناجى)
وإليها ينسب العلامة المحقق الشيخ محمد بن موسى الجناجى، ويحتمل أنه منسوب إلى قرية جناج المارة فى حرف الجيم.
قال الجبرتى: كان يعرف بالشافعى، وهو مالكى المذهب، تلقى عن مشايخ عصره، ولازم الشيخ الصعيدى، وصار مقرئه ومعيدا لدرسه، وأخذ عن الشيخ خليل المغربى، والسيد البليدى، والشيخ يوسف الحفنى، والملوى.
وتمهر فى المعقول والمنقول، ودرس الكتب الدقيقة مثل المغنى لابن هشام، والأشمونى والفاكهى، وأخذ علم الصرف عن بعض علماء الأروام، وعلم الحساب والجبر والمقابلة، وشباك ابن الهائم عن الشيخ حسين المحلاوى، وألف فيها رسائل.
وله فى تحويل النقود بعضها إلى بعض رسالة تدل على براعته فى علم الحساب، وكان له دقائق وجودة استحضار فى استخراج المجهولات، وأعمال الكسورات، والقسمة والجذورات، وغير ذلك من قسم المواريث والمناسخات، والأعداد الصم والموازين، وكتب على نسخة الخرشى التى فى حوزه حواشى، وكتب حاشية على شرح العقائد ومات قبل إتمامها، وكتب منها نحو نيف وثمانين كرّاسة.
وتلقى عنه كثير من أعيان العلماء مثل العلامة الشيخ محمد الأمير والعلامة الشيخ محمد عرفة الدسوقى. والمرحوم الشيخ محمد البنانى، وكان مهذب الأخلاق متواضعا، لا يعرف الكبر ولا التصنع، ويذهب بحماره إلى جهة بولاق ويشترى البرسيم ويحمله عليه ويركب فوقه، ويحمل طبق العجين إلى الفرن على رأسه، ويذهب فى حوائج إخوانه، ولما بنى محمد بك أبو الذهب مسجده تجاه الأزهر تقرر فى وظيفة خزينة الكتب، مضافة إلى وظيفة تدريس مع المشايخ المقررين، ومات فى السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ألف ومائتين. انتهى.
(منية الجيد)
بكسر الجيم، قرية من مديرية بنى سويف بقسم ببا الكبرى، على الشاطئ الغربى لبحر النيل، فى جنوب ببا على نحو ألف وثمانمائة متر، وفى شمال الفقاعى بنحو ثلاثة آلاف متر، وبها زاوية للصلاة، وأبراج حمام، وبدائرها نخل كثير متصل بنخيل قرية ببا.
(منية الحارون)
بحاء مهملة فألف فراء مهملة فواو فنون، قرية من مديرية الغربية بمركز زفتة على الشاطئ الغربى لفرع دمياط، وفى شمال تفهنة العزب.
(منية حبيب الشرقية)
قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس، شرقى ترعة البيسوسية على بعد ثلاثمائة متر، وفى شمال الجوسق بنحو نصف ساعة، وغربى منية حمل بنحو ساعة.
(منية حبيب الغربية)
قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، على ترعة الساحل بقليل، وفى بحرى العجيزية بنحو ربع ساعة، وفى غربى منية بدر حلاوة بثلاث ساعات، وبها جامع بمنارة.
(ترجمة أحمد باشا حسنين)
وممن نشأ من هذه القرية وتربى فى كنف العائلة المحمدية، ونال من إحساناتها أحسن مزية، حضرة أخينا الفاضل أحمد باشا حسنين ناظر أشغال الترسانة الميرية الأنجرارية وكندار الركائب الخديوية، وأبوه حسنين بن السيد أحمد بن على من أهالى هذه القرية، ووالدته من شبرى بابل. خرج به أبواه من بلدته صغيرا إلى الإسكندرية، وفى سنة تسع وأربعين أدخله والده مكتبها فتعلم به مبادئ الفنون.
وفى سنة أربع وخمسين دخل المدرسة البحرية، وكانت فى مركب فى البحر، وعمره إذ ذاك أربع عشرة سنة، وبقى بها مدة، ثم ترقى إلى وظيفة مساعد ثان بمرتب مائة وخمسين قرشا.
وفى سنة ست وستين ومائتين وألف إنتقل إلى بحر النيل فى وابور فيروز، ركوبة المرحوم عباس باشا، وأنعم عليه برتبة ملازم بمرتب أربعمائة قرش، وبعد ذلك بثلاثة شهور جعل قبطان نمرة واحد.
وفى زمن المرحوم سعيد باشا ترقى إلى رتبة صاغقول أغاسى فى وابور جيفرح ركوبة المرحوم سعيد باشا، وبقى به إلى وفاة المرحوم سعيد باشا، وفى سنة ثمانين جعل قبطان ركوبة الخديوى إسماعيل، وتنقل فى الرتب حتى أحرز رتبة أميرالاى، وسافر جملة أسفار فى البحر الرومى إلى القسطنطينية ورودس وقبرس وبيروت، وأبعد أسفاره إلى بلاد الإنجليز، وسافر فى بحر النيل بأمر الخديوى إسماعيل بأكابر غرباء من البلاد الأروباوية إلى الشلالات ووادى حلفة، منهم ولى عهد الدولة الإنجليزية البرنس دوجال وزوجته، ولما رأوا فيه من حسن الخدمة والتأدب شرفوه بزيارته فى منزله، وأقاموا عنده ساعات.
ثم أحرز فى عهد الحضرة الخديوية التوفيقية رتبة باشا، وهو إنسان بشوش الوجه، حسن الأخلاق، مرضى السيرة والسريرة، تشهد له وظائفه المهمة بالمعرفة والحذق، وكان أبوه من العساكر الجهادية الذين حضروا حرب مورة، وبلغ درجة الباشجاويش، وتوفى والده المذكور سنة إثنتين وسبعين ومائتين وألف، بعد أن خلى سبيله من العسكرية مدة.
(منية حبيش البحرية)
قرية بمديرية الغربية بمركز الجعفرية على الشاطئ الشمالى لترعة القاصد بنحو ثلاثمائة متر. وشرقى طنتدا بنحو ألف وخمسمائة متر، وفى شمال منية حبيش القبلية كذلك، وبها جامع وبستان ونخيل.
(منية حبيش القبلية)
بحاء مهملة فى أوله مصغرا كالتى قبلها. قرية بمديرية/الغربية من مركز الجعفرية على الشاطئ الشرقى لترعة القاصد، وغربى منية غزال بنحو أربعة آلاف متر، وفى جنوب منية حبيش البحرية بنحو ألف وخمسمائة متر، وبها جامع بمنارة، وزاوية، وبداخل الجامع مقام ولى يعرف بالشيخ العباسى، وتكسب أهلها من الزرع.
(منية حديد)
بحاء مهملة. قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس على الشط الشرقى للبحر الصغير، وفى الجنوب الشرقى لمنية النصارى بنحو ثلث ساعة، وشرقى أشمون طناح بنحو ساعة ونصف.
(ترجمة الشيخ عبد الدائم الحديدى)
وإليها ينسب الشيخ عبد الدائم الحديدى. قال فى الضوء اللامع: هو عبد الدائم بن على زين الدين، أبو محمد الحديدى، ثم القاهرى الأزهرى الشافعى، ولد بعد القرن الثامن بمنية حديد بمهملات قرية من قرى أشمون الرمان، وانتقل منها صغيرا، فحفظ القرآن والمنهاج وغيره، وتلا بالسبع على الشمس الزراتينى، والشهاب الإسكندرى، وحبيب العجمى، وقرأ بعض القرآن بالعشر على ابن الجزرى وولده الشهاب أحمد، وتفقه بالشمس البرماوى، وابن القصار، وأخذ الفرائض والحساب عن ابن المجدى، ولازم القاياتى فى فنون، وكتب على منظومة ابن الجزرى فى التجويد شرحا، وشرح من الطيبة إلى سورة هود، وكتب على الهداية فى علوم الحديث.
وكان فاضلا خيرا متواضعا، طارحا للتكلف، سليم الفطرة، حاد الخلق، سريع الإنحراف، قانعا. تكسب فى أول أمره بتعليم بنى ابن الهيصم، وترتب له بواسطة ذلك أشياء ارتفق بها فى آخر أمره ونزل فى أشرفية برسباى، مات فى رمضان سنة سبعين وثمانمائة رحمه الله تعالى انتهى.
(منية حلفة)
بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة ففاء فهاء تأنيث، قرية بمديرية القليوبية من مركز قليوب على الشاطئ الشرقى لبحر أبى المنجا، فى شمال منية نما على بعد ألف متر، وشرقى قليوب بنحو أربعة آلاف وستمائة متر، وبها جامع بمنارة، وتكسب أهلها من الزرع.
(منية الحلوج)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس على الشاطئ الغربى للبحر الصغير، شرقى دكرنس على بعد نصف ساعة، وبها جامع، وتكسب أهلها من الزرع وغيره.
(منية حمل)
بحاء مهملة فميم مفتوحتين فلام، قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس، فى غربى الشينينى والسكة الحديد الموصلة إلى بلبيس على نحو ربع ساعة، وغربى بلبيس بنحو ساعة، وفى جنوب منية ربيعة الحناء كذلك، وبها جامع بمنارة، وجنائن، ونخيل، وأشجار.
(منية حمير)
قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس، فى الشمال الغربى للشغانبة بنحو ألف وأربعمائة متر، وفى الجنوب الغربى لنوبة والدهشنة بنحو ثلاثة آلاف وأربعمائة متر.
(منية حواى)
بحاء مهملة فواو فألف فياء مثناة تحتية، قرية من مديرية الغربية بمركز الجعفرية غربى ترعة القرشية على بعد أربعمائة متر، وشرقى إشتواى كذلك، وغربى شندلات بنحو ألفى متر، وبها جامع ودوار أوسية للدائرة السنية، وأكثر أهلها مسلمون، ومنهم علماء ومجاورون بالجامع الأحمدى بطنتدا.
(منية الحوفيين)
بحاء مهملة قرية من مديرية الغربية بمركز الجعفرية، غربى بحر دمياط على نحو ثلاثمائة متر، وفى شمال دملو بنحو ألفى متر، وفى جنوب منية برة بنحو ثلاثة آلاف متر، وبها جامع، ووابور على ترعة الساحل لعمدتها حسنين الشافعى وهو رجل ذو مال.
(منية الحيط)
قرية من قرى الفيوم بقسم ثانى، واقعة على الوادى الغربى بميل إلى الجنوب، وفى الجنوب الغربى لمدينة الفيوم بنحو ثلاث ساعات، وفى شرقى قرية أبى جندير وقرية نوارة بنحو ثلثى ساعة، وفى شمال ناحية الغرق السلطانى بنحو ساعة ونصف، وليس بها نخيل، بل بها أبراج حمام كثيرة وبها جامع، وكثير من أهلها ينحتون الأحجار لعمائر الأقاليم القبلية. وفى الأزمان السالفة كان يمر بقربها بحر الصفراء، الذى كان معدا لرى بلاد الريان، وكان فمه من اليوسفى بقرب ناحية العزب التى فى جنوب المدينة بنحو ساعة، وكان ذلك البحر متسعا، ويمر من قبلى ناحيتى دفنو وأطصا، ومن شرقى هذه المنية إلى أن يصل إلى بلدة قديمة فى جنوب شدموه.
اندرست ولم يبق منها إلا الآثار، وتسميها الأهالى أم قران، ويقال إن أهالى شدموه من بقايا أهلها، ثم يمر ذلك البحر من ناحية أم قران مغربا إلى أن يصل إلى بلاد الريان، وآثاره وتقاسيمه موجودة إلى الآن. والظاهر أن جسره البحرى كان قد انقطع فى الأزمان السالفة ونزل فى الأراضى المنخفضة فحفرها وأزال جميع طينتها حتى وصل إلى الحجر، ونشأ عن ذلك خور متسع تبلغ سعته نحو ثلاثمائة قصبة فى بعض الأماكن، ويمتد مغربا بجوار المنية فى شمال نوارة وأبى جندير، وفى شرقى نزلة شكيتة بقربها، ثم ينعطف شمالا إلى قرب بركة القرن، فيتفرع فرعين: أحدهما يجرى مغربا إلى الشمال بانعطاف حتى يصل بركة قارون، وثانيهما يجرى مشرقا إلى الشمال وينصب/ فى بركة قارون أيضا فى مقابلة إبشواى الرمان، ولعل خراب بلاد الرمان إبتدأ من ذلك الوقت ضرورة أن بلاد الفيوم ليس لها ما تنتفع به من المياه إلا ماء النيل، ولا يمكن فيها حفر آبار، وإن حفرت فلا تنبع إلا الماء المالح، فمتى أختل بحر من بحوره اختل أمر بلاده ما لم يتدارك بقرب.
والظاهر أيضا أنه عمل فى محل القطع جسر من البناء مبدؤه من شدموه ومنتهاه أطيان أطصا المرتفعة، ونشأ عن ذلك أن أغلب أطيان قلمشاه وشدموه والمنية واطصا ودفنو ونحوها، جعلت فى داخل الجسر، وصارت ملقا مثل بلاد الريف.
ثم فى سنة ست وثلاثين ومائتين وألف هجرية انكسر هذا الجسر، فنشأ عن ذلك تلف أراض كثيرة وشرق الملق المذكور، فاعتنى العزيز محمد على باشا ببنائه، وجمع له الصناع والبنائين والنحاتين من الأروام والمصريين وأهل الريف، وحصل الشروع فى بنائه، فتم فى ثلاث سنين. وبلغ طوله نحو سبعمائة قصبة، وهى عبارة عن نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع معمارى؛ لأن القصبة إذ ذاك كانت خمسة أذرع معمارية، وجعل عرض الحائط سبعة أذرع فى ارتفاع عشرة، ومكعبه مائتان وخمسة وأربعون ألف ذراع، وعمل به ثلاث عيون سعة العين ثلاثة أذرع ونصف، تسد تلك العيون قبل زيادة النيل بالبناء والتراب من خلفها، ثم تفتح فى أول بابه وتصب فى الوادى، فتروى الملق، وتنصرف إلى بركة القرن ويكون ذلك الوقت موسم هجوم السمك فى تلك البركة، فيصاد منه فوق المعتاد فى باقى شهور السنة، فيعم المدينة وغيرها من بلاد الفيوم، ويتجر بكثير منه فى القاهرة وبلاد الأرياف. وسبب تعلم أهالى تلك الناحية صنعة قطع الحجر ونحته، هو بناء هذا الحائط، واستمر ذلك فيهم إلى الآن، وانتشروا فى بلاد الأقاليم القبلية.
(منية حضر)
بحاء مهملة فضاد معجمة مفتوحتين، قرية بمديرية الدقهلية من مركز منية سمنود على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط شرقى المنصورة، وبها جامع بمنارة وقليل أشجار.
(منية خاقان)
بخاء معجمة فألف فقاف فألف فنون، قرية من مديرية المنوفية بمركز
مليج شرقى بحر شبين، على نحو خمسمائة متر، وفى جنوب مليج بنحو نصف ساعة وشرقى شبين الكوم كذلك، ومبانيها بالآجر واللبن، وبها جامع بمنارة، بداخله ضريح الشيخ عبد المنعم، وبها كنيسة قديمة للأقباط باسم الشهيد مارى جرجس، وبها معمل دجاج، وجملة أحجار لعصر قصب السكر، وقليل أشجار ونخيل، وتكسب أهلها من الزراعة المعتادة وقصب السكر.
(منية خضير)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز المنزلة، فى غربى المنزلة الحيط بنحو ثلاثة آلاف وأربعمائة متر، وفى شمال ناحية الستايتة بنحو ستمائة متر.
(منية خلف)
قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج بين مصرف منية خلف، وبحر شبين، وفى شمال المصيلحة بقرب، وغربى منية أم شيخة بنحو نصف ساعة، وأبنيتها بالآجر واللبن، وبها معمل دجاج، ووابور لحلج القطن، وآخر لسقى المزروعات، ووابور دراسة تعلق كريمات المرحوم إلهامى باشا.
ترجمة الشيخ أبى العلاء الخلفاوى
ومنها الفاضل الشيخ أبو العلاء الخلفاوى الحنفى أحد مدرسى الأزهر كأبيه من قبله، الشيخ سليمان رحمه الله تعالى. وكان أحد قضاة المحكمة المصرية رحمه الله.
(منية خلف الغربية)
ومنية خلف أيضا قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، غربى ترعة الساحل بقليل، وفى جنوب المتاوية بأقل من ساعة، وفى غربى كفر الثعبانية كذلك.
(منية خميس)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود، على الشاطئ الشرقى لبحر
دمياط، فى شمال منية بدر خميس بنحو ثلث ساعة وغربى المنصورة كذلك، ويتبعها من الجهة البحرية كفر الشيخ الموجى، له بها جامع كبير بمنارة ومقامه به ظاهر يزار، وبها أشجار متنوعة.
(منية الخنازير)
بخاء معجمة فنون فألف فزاى معجمة فياء تحتية فراء مهملة بصيغة جمع خنزير، قرية من مديرية القليوبية بمركز بنها على الشاطئ الغربى لترعة الفلفيلة، وفى شمال الشموت على بعد أربعة آلاف متر، وفى شرقى بنها بنحو سبعة آلاف متر، وتكسب أهلها من الفلاحة.
(منية الخولة أولاد مؤمن)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، موضوعة على الشط الشرقى لفرع دمياط، وفى غربى ناحية الدراكسة بنحو ألف متر، وفى الشمال الشرقى لمنية السودان بنحو ثلاثة آلاف متر.
(منية الخولى عبد الله)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز فارسكور على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط، وفى جنوب ناحية الزرقاء بنحو ثلث ساعة وبحرى الزعاترة كذلك، وبها جامع بمئذنة، ودوار أوسية لعلى باشا حيدر ووابور لسقى المزروعات له أيضا.
(منية خيرون)
بخاء معجمة فمثناة تحتية ساكنة فراء مهملة فواو فنون، قرية بمديرية الدقهلية من مركز دكرنس، على الشط الشرق لبحر طناح فى مقابلة برق نقص بالبر الغربى، وفى الشمال الشرقى لناحية كوم الديربى بنحو ألف ومائتى متر، وفى الشمال/الغربى لناحية الجديدة الهالة بنحو سبعمائة متر، وبها جامع، وتكسب أهلها من الفلاحة وغيرها.
(منية درّيج)
بضم الدال المهملة فشد الراء المهملة المفتوحة فتحتية ساكنة فجيم، قرية بمديرية الدقهلية بمركز منية غمر على الشاطئ الشرقى لبحر دمياط، وفى الشمال الشرقى لكفر شكر على ألف متر، وفى جنوب المنشأة الصغرى على نحو ألف وخمسمائة متر، وبها قليل من كروم العنب والأشجار.
(منية دمياط)
قرية من مديرية الدقهلية من شطوط دمياط، فى الجنوب الغربى لثغر دمياط بنحو ثلث ساعة، وبها جامع بمنارة، وتكسب أهلها من زرع الأرز وغيره، وينسج فيها البشاكير والمحارم من غزل الكتان.
(منية الديبة)
قرية من مديرية الغربية بمركز كفر الشيخ، على الشاطئ الشرقى للترعة الباجورية على ستمائة متر، وفى جنوب صندلة بنحو خمسة آلاف متر، وفى شمال نشرت بنحو ستمائة متر، وبها جامع ودار أوسية للدائرة السنية.
(منية راضى)
قرية بمديرية الشرقية من مركز العرين، على الشاطئ الشرقى لفرع النيل الشرقى، فى غربى قرية العزيزية بنحو ثمانية آلاف متر وبحر مويس بالقرب منها فى جهتها القبلية، وأغلب بنائها باللبن، وبها منازل مشيدة لأحمد بك نصير، وبها مسجد أعمدته من الرخام على شاطئ بحر مويس، ومكاتب أهلية لتعليم أطفال المسلمين، ومجلسا دعاوى، ومشيخة وأرباب حرف، وملاحون فى المراكب، وبها أشجار وسواق. وبحر مويس يمر فى قبليها بقرب، وفى شرقيها كفر يقال له كفر الأربعين تبع البك المذكور، به منازل مشيدة، ومسجد أعمدته من الرخام، وبجواره مقام ولىّ وبه أبراج حمام، وله بين البحر والطريق
جنينة ذات فواكه، وله على بحر مويس وابور كذلك، وتكسب أهالى الناحية والكفر غالبا من الزراعة وزمامها ثلاثمائة فدان، وأهلها تسعمائة وثمانون نفسا.
(منية ربيعة الحناء)
ويقال لها منية ربيعة البيضاء، قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس بجوار السكة الحديد المارة من بلبيس إلى الزقازيق، فى شمال منية حمل على نحو ساعة، وفى جنوب بردين بأكثر من ساعة، وبها جامع وجنينة لدولتلو إبراهيم باشا نجل المرحوم أحمد باشا، وبأراضيها أشجار ونخيل بكثرة وبها وابور لحلج القطن.
(منية ربيعة الدللا)
قرية من مديرية الشرقية بمركز منية القمح، على مصرف أبى الأخضر بنصف ساعة وفى شرقى الفرافرة كذلك، وفى الجنوب الغربى لطاروط كذلك، وبها نخيل وقليل أشجار
(منية الرخاء)
قرية من مديرية الغربية بمركز زفتة، شرقى ترعة الخضراوية على ستمائة متر، وفى شمال شبرا بخوم بنحو ساعة، وغربى كفر الصارم بثلث ساعة، وبها جنينة، وتكسب أهلها من الزرع.
(ترجمة الشيخ حسن بن على المناوى البولاقى الشافعى)
وينسب إليها - كما فى الضوء اللامع للسخاوى - حسن بن على بن حسن بن على البدر المناوى، نسبة لمنية الرخاء البولاقى الشافعى، أحد النواب، ويعرف بابن القلفاط حرفة أبيه، ولد فى ثالث ذى القعدة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، ونشأ عند خاله الشيخ محمد المناوى ببولاق، وحفظ عنده القرآن والعمدة والمنهاج وألفية النحو، وقرأ على النور المناوى شيخ الأستادرية والشرف المناوى وغيرهما، وناب فى القضاء عن الشرف المناوى، واستمر
ينوب لمن بعده، واستقر فى شهادة أوقاف الحرمين، وتكلم فى عمل إنبابة وبلقس وغيرهما، وباشر حسبة بولاق فى أيام بشتك الجمالى، ثم أعرض عن ذلك، وقرأ على القاضى زكريا الأنصارى شرحه للبهجة، ثم حج فى سنة ثمان وتسعين وجاور التى تليها. انتهى. ولم يذكر تاريخ موته رحمه الله تعالى.
(منية ردينى)
قرية من مديرية الشرقية بمركز الصوالح، على الشاطئ الشرقى لمصرف أبى الأخضر، بشمال الشبانات بثلثى ساعة، وشرقى بنى عامر بنحو ساعة
(ترجمة الشيخ محمد الردينى الشافعى)
وفى الضوء اللامع للسخاوى أن من هذه القرية محمد بن محمد بن محمود بن ماجد بن ناهض بن الشمس بن الشرف الردينى الشافعى، ولد بمنية ردينى بمهملتين أولاهما مضمومة وآخره نون، من أعمال الشرقية فى سنة ست وستين وسبعمائة، وبعد أن حفظ القرآن حفظ العمدة والمنهاجين وألفية ابن مالك، ودخل القاهرة وتفقه على الأبناسى والبلقينى وغيرهما، وأخذ الأصول والعربية عن البدر الطنبدى والمحب بن هشام وغيرهما وبرع فى الفقه، وولى القضاء ببلبيس عن قريبه عبد العزيز الردينى وغيره، ثم ولى عمل منية الردينى وأعمالها، واشتهر بالعفة والديانة والصلابة فى الحق، وقصد بالفتاوى، وانتفع به، وكان نير الشيبة جميل الوجه مهيبا، حسن السمت ظاهر الوقار، مات فى سنة ثلاث أو أربع وخمسين وثمانمائة. ولم يخلف هناك من يوازيه. انتهى.
(منية ركاب)
بكسر الراء المهملة وتخفيف الكاف، قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس فى الجنوب الشرقى لناحية غزالة بنحو ثلث ساعة، وفى الجنوب الغربى لسفط الحناء كذلك، وبها جامع وبعض أشجار.
(منية رمسيس)
بلدة قديمة من/مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود، على الشط الشرقى لبحر دمياط قبلى منية سمنود بنحو سبعة آلاف قصبة، وبها جامع بمنارة، ودير للأقباط يسمى دير أبى جرج، يعتقد أهله إن المصاب بالشلل فى أعضائه إذا جاءه برء من علته، وفى كل سنة يعمل له موسم، تجتمع فيه الأقباط وينصبون الخيام ويتسابقون بالخيول، ويستمر ذلك ثمانية أيام، وبها جنان وأبراج حمام وعصارة لقصب السكر، ولأهلها شهرة بزرع القطن وقصب السكر.
(منية رهينة)
بلدة من مديرية الجيزة، واقعة فى الجانب الغربى لتلول مدينة منف التى كانت لها الشهرة فى الأزمان السالفة، فكانت قصبة الديار المصرية وأكبر بلادها فى زمن الريان على عهد نبى الله يوسف عليه السلام، وقد تكلمنا عليها بأوسع عبارة.
ثم إن بعض أهالى تلك الجهات يزعمون أن هذه البلدة إنما سميت ميت رهينة من أجل أن المسلمين لما فتحوا مصر أخذوا منها مائة نفس رهينة، لئلا يرجع أهلها للعصيان، فسميت بذلك إلى الآن، وعليه: فأصل هذا الاسم مائة رهينة، وبعض الناس يعدها من المنيات ويقول منية رهينة.
وهى اليوم فى شرقى البحر اللبينى وشرقى ناحية سقارة، وبقرب منها جسر سقارة الممتد من البحر إلى الجبل الغربى، ويقابلها فى ذلك الجسر قنطرة تعرف بقنطرة الشوربجى، وأبنية البلد من اللبن والآجر والدبش، وأكثر منازلها على دورين، وفيها مساجد وطواحين ومصانع وأنوال لنسيج مقاطع الكتان، وأضرحة لبعض الصالحين، منها ضريح سيدى محمد الفخرى مشهور يزار، ولأغنيائها منازل عظيمة ومصاطب معدة للضيوف. ونخيلها كثير وأطيانها جيدة المحصول، وأكثر أهلها مسلمون، منهم حسن أفندى خيرى بالمدرسة
الخيرية التى كانت بالقلعة، ومنهم عنانى أفندى أبو النور برتبة ملازم بالعسكرية، وفى تلولها آثار باقية إلى الآن، وفى شمال تلك التلول صورة جسيمة غريبة الشكل يقال لها أبو الهول كثيرا ما يذهب إليه السياحون للفرجة، وقد تكلمنا على أبى الهول فى الكلام على الأهرام.
(منية رومى)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على الشاطئ الشرقى للبحر الصغير أبنيتها باللبن، وبها جامعان وضريحان لبعض الصالحين عليهما قباب، وبجوارها على نحو ثلاثمائة قصبة تل كبير يقال له تل تبلّة، بكسر المثناة الفوقية والباء الموحدة وشد اللام، به أحجار كبيرة طول الواحدة متر، وعرضه ثلثا متر، وسمكه سنتى متر، وتكسب أهلها من زراعة القطن والأرز والحبوب.
(منية الزرافة)
قرية من مديرية البحيرة بمركز شبراخيت، فى الشمال الشرقى لسفط القرعة بنحو ثلاثة آلاف وثمانمائة متر، وفى الجنوب الغربى لفرنوى بنحو ثلاثة آلاف متر، وبها جامع وأشجار وقليل نخيل.
(منية زنقر)
بضم الزاى المعجمة وسكون النون وضم القاف وفى آخره راء مهملة، قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود على الشاطئ الغربى لبحر بسنديلة، وفى الشمال الشرقى للدميرة بنحو ثلاثة آلاف وخمسمائة متر، وفى جنوب كفر دملاش كذلك، وبها جامع ودار أوسية للمرحوم طوسون باشا، وتكسب أهلها من الفلاحة.
(منية سراج)
بكسر السين المهملة فراء مهملة فألف فجيم، قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج، فى شمال أم خنان بنحو نصف ساعة، وفى جنوب ناحية أبى
شيخة كذلك، وبها جامع بمنارة، وفى بحريها مقام يعرف بمقام سيدى حاتم، وتكسب أهلها من الفلاحة.
(منية سراج الغربية)
قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، فى شمال بحر الملاح على نصف ساعة شرقى محلة القصب بقليل، وفى جنوب ناحية بشبيش بنحو ساعتين ونصف وبها جامع بمنارة.
(منية سعدان)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز شها واقعة على الشط الشرقى للبحر الصغير، وفى شرقى منية الحلوج بنحو ألفى متر، وفى الشمال الشرقى لمنية شرف بنحو ستمائة متر.
(منية السعيد)
قرية من مديرية البحيرة بقسم دفينة على الشاطئ الغربى لفرع رشيد فى شمال ناحية دروط بنحو ثلث ساعة، وفى جنوب فزاره بنحو ربع ساعة، وبها مسجد، ومعمل دجاج، وبستانان ونخيل وأشجار، ووابوران على البحر أحدهما لبعض عمدها، وتكسب أهلها من زرع الأرز وغيره.
(منية سلامة)
قرية من مديرية البحيرة بقسم الساحل، غربى فرع رشيد على بعد مائة وثمانين مترا، فى جنوب قرية مرقص بنحو ثلث ساعة، وفى شمال أم حكيم كذلك، وبها جامع بمنارة ووابور حليج، وبعض أهليها نوتية.
(منية سلمنت)
قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس، فى شمال السكة الحديد الموصلة إلى بلبيس، وفى جنوب دهمشا بنحو ثلثى ساعة، وفى شمال سلمنت بنحو
ثلث ساعة، وبها جامع، وتكسب أهلها من الفلاحة ومن بيع الدريس وهو البرسيم اليابس.
(منية سمنود)
بلدة شهيرة من مديرية الدقهلية، هى رأس مركز على الشاطئ الشرقى لبحر النيل الشرقى، وبها ديوان الضبطية ومحل/المحكمة الشرعية، ومجلس المركز وجامع بمنارة وفوريقة لحلج القطن عندها موردة ترسو عليها المراكب، وتكسب أهلها من زرع القطن ومن التجارة والزرع المعتاد.
(ترجمة الشيخ عبد العزيز السمنودى الرفاعى الشافعى)
وفى الضوء اللامع للسخاوى أن من هذه القرية عبد العزيز بن عبد الواحد ابن عبد الله التكرورى الأصل، المناوى، السمنودى، الشافعى الرفاعى، ويسمى محمدا أيضا، ويعرف بالمناوى. ولد قبيل التسعين وسبعمائة بمنية سمنود، ونشأ بها، وبعد أن قرأ القرآن حفظ العمدة والمنهاج والتنبيه وألفية ابن مالك، وأجازه الكمال الدميرى وغيره، وتفقه بالفقيه عمر السمنودى، وأخذ عنه الميقات والفرائض، وبرع فى العربية وغيرها على الشطنوفى وغيره، واستحضر مسائل التنبيه والألفية، وأجاد الفرائض والميقات، بحيث يعمل محاريب تلك الناحية، مع الديانة وسلامة الباطن والتقشف والتصدى للإقراء والإفتاء، وقد حج وزار ورجع إلى بلده، فأقام بها، وربما دخل القاهرة للسعى فى ضروراته وضرورات غيره، وكان قد كف ثم أبصر، ولما تقدم فى السن تغير استحضاره، ومات فى أوائل شوّال سنة إثنتين وسبعين وثمانمائة بمنية سمنود، ودفن بزاوية سلفه بها، رحمه الله. انتهى.
(منية سنتا)
قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس، فى الجنوب الغربى لقرية بحطيط بنحو ثلاثة آلاف وثلاثمائة متر، وفى جنوب ناحية عمريط بنحو ثلاثة آلاف وخمسمائة متر.
(منية سندوب)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز المنصورة على الشاطئ الشرقى لترعة المنصورية، فى جنوب المنصورة بنحو ساعة، وفى الجنوب الشرقى لناحية نقيطة كذلك.
(ترجمة الشيخ عبد الله الموافى السندوبى الرفاعى الشافعى)
وإلى هذه القرية ينسب الشيخ المعتقد عبد الله بن ابراهيم، ابن أخى الشيخ الكبير المعروف بالموافى الشافعى السندوبى الرفاعى نزيل المنصورة، ولد ببلدة منية سندوب سنة أربعين ومائة وألف، وحفظ القرآن وبعض المتون، وقدم المنصورة فمكث تحت حيازة عمه فى عفة وصلاح، وحضر دروس الشيخ أحمد الجالى وأخيه الشيخ محمد الجالى وانتفع بهما فى فقه المذاهب.
فلما توفى عمه فى سنة إحدى وستين جلس مكانه فى زاوية عمه التى أنشأها فى مؤخر الجامع الكبير بالمنصورة، وسلك على نهجه فى إحياء الليالى بالذكر وتلاوة القرآن، وكان يختمه فى كل ليلة ويوم مرة، وربى التلاميذ، وصارت له شهرة زائدة مع الإجتماع على الناس، لا يقوم لأحد ولا يدخل دار أحد، ويشتغل دائما بالمطالعة والمذاكرة، مات فى سنة تسع وتسعين ومائة وألف. انتهى. جبرتى.
(منية سهيل)
بصيغة التصغير، قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس، فى الجنوب الشرقى للسعديين بنحو نصف ساعة، وفى الشمال الشرقى لناحية سنهوه بنحو نصف ساعة، وبها جامع بدون منارة، وتكسب أهلها من الفلاحة، ومن بيع حشيش البرسيم اليابس يربطونه حزما صغيرة وينشفونه، ويبيعونه بالقاهرة وغيرها.
(منية السودان)
قرية صغيرة من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على شط البحر الصغير، فى مقابلة أشمون طناح، وبها قليل أشجار، وتكسب أهلها من زرع القطن والحبوب.
(منية سويد)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على الشاطئ القبلى لترعة منية سويد، وشرقى منية فارس بنحو ثلث ساعة، وغربى منية طريف كذلك، وبها جامع بدون منارة.
(منية شبراملس)
قرية من مديرية الغربية بمركز زفتة، فى شمال ترعة الساحل على نحو ستمائة متر، وفى شمال ناحية سنباط بنحو ألفى متر، وفى جنوب ناحية شبراملس بنحو ثلاثة آلاف متر.
(منية شداد)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز شها، فى الجنوب الشرقى لطرانيس البحر بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى شمال منية النحال بنحو ألفين وسبعمائة متر.
(منية شرف)
من مديرية الدقهلية بمركز شها شرقى ناحية العرايا بنحو ألف وثلاثمائة متر، وفى الشمال الغربى لديرب بنحو ألفين وثمانمائة متر،
(منية شريف)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز شها فى غربى قرية البصراطين بنحو ستمائة متر، وفى الجنوب الشرقى لقرية الجمالية بنحو ألف وأربعمائة متر.
(منية شماس)
بشين معجمة فميم مشددة فألف فسين مهملة، قرية من مديرية الجيزة بقسم ثان، فى الشمال الشرقى لناحية المنوات بنحو ربع ساعة، وفى جنوب أبى النمرس بنحو ساعة، وبها نخيل كثير ثمره رطب أصفر يسمى بالأمهات، يباع أكثره إذا أرطب، وما لا يتيسر بيعه فى ذلك الحال يجعل فى البيادر، ويعرض للهواء والشمس فيجف بعض جفاف ويسمى بالكبيس، ويدخر ويباع فى فصول السنة فى القاهرة وخلافها.
(منية شنتنا عباس)
بشين معجمة فنون فمثناة فوقية فنون فألف، قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، غربى بحر شبين بقليل، وبجنوب شبرا ملكان كذلك، وفى شمال سفط البصل بنحو ساعة وبها جامع.
(منية شندى)
بشين معجمة مكسورة، قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس، شرقى ناحية أبى مسلمة بنحو ثلث ساعة، وفى الجنوب الشرقى لناحية الصوّة بنحو نصف ساعة، وبها جامع/، ونخيل كثير.
(منية شهالة)
بشين معجمة فهاء فألف فلام فهاء تأنيث. قرية من مديرية المنوفية بمركز منوف، غربى سرسنا بقليل، وفى جنوب شمياطيس بنحو نصف ساعة، وبها نخيل كثير وقليل أشجار.
(منية شيبين)
قرية بمديرية القليوبية من مركز الحزينية بين فرعى الشيبينى والخليلى، وفى الشمال الغربى لتل اليهودية على ألفى متر، وفى شمال كفر طحا على ألفين وثمانمائة متر.
(منية الشيرج)
فى المقريزى منية الشيرج، ويقال لها منية الأمراء ومنية الأمير، بليدة فيها أسواق على فرسخ من القاهرة فى طريق الإسكندرية، وذكر الشريف محمد ابن أسعد الجوائى النسابة إن قتلى أهل الشام الذين قتلوا فى وقعة الخندق بين مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن جحدم - أمير مصر - فى سنة خمس وستين من الهجرة، دفنوا حيث موضع منية الشيرج هذه، وكانوا نحوا من الثمانمائة.
وقال ابن عبد الظاهر: منية الأمراء من الحبس الجيوشى الشرقى الذى كان حبسه أمير الجيوش، ثم ارتجع، وفى كل سنة يأكل البحر منها جانبا ويجدد جامعها ودورها، حتى صار جامعها القديم ودورها فى بر الجيزة، وغلب البحر عليها.
وهذه المنية من أحاسن منتزهات القاهرة، وكانت قد كثرت العمائر بها، واتخذها الناس منزل قصف، ودار لعب ولهو ومغنى صبابات، وفيها كان يعمل عيد الشهيد، وبها سوق فى كل يوم أحد يباع فيه البقر والغنم والغلال، وهو من أسواق مصر المشهورة، وأكثر من كان يسكن بها النصارى، وكانت تعرف بعصر الخمر وبيعه.
حتى أنه لما عظمت زيادة ماء النيل فى سنة ثمانى عشرة وسبعمائة وكانت الغرقة المشهورة، وغرقت شبرا والمنية، تلف فيها من جرار الخمر ما ينيف على ثمانين ألف جرة مملؤة بالخمر، وباع نصرانى واحد مرة فى يوم عيد الشهيد بها خمرا بإثنى عشر ألف درهم فضة عنها يومئذ نحو الستمائة دينار، وكسر منها الأمير يلبغا السالمى فى صفر سنة ثلاث وثمانمائة ما ينيف على أربعين ألف جرة مملؤة بالخمر، وما برحت تغرق فى النيل الزائد عن المعتاد إلى أن عمل الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الجسر من بولاق إلى المنية، فأمن أهلها من الغرق.
وأدركناها عامرة بكثرة المساكن والناس والأسواق والمناظر، وتقصد للنزهة بها أيام النيل والربيع لا سيما فى يومى الجمعة والأحد، فإنه كان للناس بها فى هذين اليومين مجتمع ينفق فيه مال كثير، ثم لما حدثت المحن فى سنة ست وثمانمائة ألح المناسر بالهجوم عليها فى الليل، وقتلوا من أهلها عدة، فارتحل الناس منها، وخلت أكثر دورها وتعطلت، حتى لم يبق بها سوى طاحون واحدة لطحن القمح، بعد ما كان بها ما ينيف على ثمانين طاحونة، وبها الآن بقية، وهى جارية فى الديوان السلطانى المعروف بالمفرد.
وفيه أيضا عند ذكر مناظر الخلفاء ما يفيد أن منظرة التاج كانت تقرب من منية الشيرج، فإنه قال منظرة التاج من جملة المناظر التى كانت الخلفاء تنزلها للنزهة، بناها الأفضل ابن أمير الجيوش، وكان لها فرش معدّة لها للشتاء والصيف، وقد خربت ولم يبق لها سوى أثر كوم توجد تحته الحجارة الكبار، وما حول هذا الكوم صار مزارع من جملة أراضى منية الشيرج.
قال ابن عبد الظاهر: وأما التاج فكانت حوله البساتين عدة، وأعظم ما كان حوله قبة الهواء، وبعدها الخمسة وجوه التى هى باقية، انتهى.
ثم تكلم على الخمسة وجوه وعلى منظرتها، فقال: كانت منظرة الخمس وجوه من مناظرهم التى يتنزهون فيها، وهى من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش، وكان لها فرش معد لها، وبقى منها آثار بناء جليل على بئر متسعة، كان بها خمسة أوجه من المحال الخشب التى تنقل الماء لسقى البستان العظيم الوصف، البديع الزى البهيج الهيئة، والعامة تقول التاج والسبع وجوه.
وموضعها إلى وقتنا هذا من أعظم متفرجات القاهرة، وينبت هناك فى أيام النيل عندما يعم النيل تلك الأراضى البشنين، فتفتن رؤيته وتبهج النفوس نضارته وزينته، فإذا نضب ماء النيل زرعت تلك البسيطة قرطا وكتانا يقصر الوصف عن تعداد حسنه.
قال: وأدركت حول الخمس وجوه غروسا من نخل وغيره، تشبه أن تكون من بقايا البستان القديم، ثم إن السلطان الملك المؤيد شيخ المحمودى الظاهرى جدد عمارة منظرة فوق الخمس وجوه، ابتدأ بناءها يوم الإثنين أول شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
فائدة: الكلام على البشنين
فى تذكرة داود البشنينى يدعى بمصر عرائس النيل؛ لأنه ينبت فيما يخلفه النيل من الماء عند رجوعه، ويقوم على ساق تطول بحسب عمق الماء، فإذا ساواه فرش أوراقا خضرا تنظمها فلكة مستديرة كوسط الكف، وزهره إلى البياض يظهر فى الشمس ويختفى إذا غابت، وداخل الفلكة إلى صفرة، وأصله نحو السلجم لكنه أخضر، تسميه المصريون بيارون.
وهذا النبات يفعل فعل اللينوفر فى جميع أحواله، وهو بارد رطب فى الثانية أو رطوبته فى الثالثة، دهنه ينفع من البرسام والجنون والصداع الحار والشقيقة سعوطا/وطلاء، وأصله يقوى المعدة ويهيج الباه مع اللحم، ومع الثوم يقطع السعال، ووحده يقطع الزحير والإسهال الصفراوى، وشرابه يقطع العطش والإلتهاب والحمى، وحبه يحلل الأورام طلاء، وينفع من البواسير، ويضر المثانة ويصلحه العسل، وشربته إلى ثمانية عشر، واللينوفر والأشهر فيه نيلوفر، بتقديم النون فارسى معناه ذو الأجنحة، وهو نبت مائى له أصل كالجزر، وساق أملس يطول بحسب عمق الماء، فإذا ساوى سطحه أورق وأزهر زهر أزرق، وهو الأصل والأجود والمراد عند الإطلاق، فالأصفر يليه، فالأحمر فالأبيض، يسقط إذا بلغ عن رأس كالتفاحة داخلها بزر أسود، والهندى إلى الحمرة.
ومنه برى، يعرف بمصر بعرائس النيل، وهو من أجود ما استعمل لقطع الحمى واللهيب والحرارة والعطش شربا، والقروح مطلقا، والصداع والنزلات
مطلقا، والبرص والبهق طلاء، إلى آخر ما قال، وقد تقدم فى الكلام على شنوان بعض ما يتعلق بذلك.
(منية الشيخة)
بشين معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة فخاء معجمة فهاء تأنيث، قرية من مديرية الغربية بمركز كفر الشيخ، على شاطئ بحر نمرة الغربى، وفى شمال قرية نشيل بنحو سبعمائة متر، وفى جنوب نمرة بنحو ألفين ومائتى متر، وبها جامع.
(منية الشيوخ)
قرية من مديرية الدقهلية بمركد فارسكور، فى الشمال الشرقى لناحية فارسكور بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى الجانب الغربى لناحية الخليعية بنحو ثلاثة آلاف وأربعمائة متر.
(منية صافور)
قرية من أعمال الدقهلية بمركز منية غمر، على الشط البحرى للترعة الصافورية، فى غربى صافور بنحو ثلث ساعة، وفى الشمال الشرقى لطحا المرج بأكثر من ذلك. أبنيتها باللبن، وبها جامع، وتكسب أهلها من الزراعة.
(ترجمة العلامة الشيخ حسن المناوى الشافعى)
وينسب إليها - كما فى الضوء اللامع للسخاوى -: حسن بن على بن محمد البدر المناوى، ثم القاهرى الأزهرى، ثم المرجوش الشافعى الأعرج.
ولد تقريبا سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بمنية صافور، وقدم القاهرة فلازم فى الفقه العلم البلقينى، وقرأ عليه المنهاج بتمامه قراءة بحث وتدقيق وفهم وتحقيق، وأخذ الفرائض والحساب وغيرها عن ابن المجدى والشهاب السيرجى، والعربية وغيرها عن العز عبد السلام البغدادى، والشريف الحنفى
شيخ الجوهرية، وسمع على الحافظ بن حجر مسند الشافعى، وتميز فى الفقه والفرائض والحساب، واختص بصحبة أبى العدل قاسم البلقينى بحيث كان أحد قراء التقاسيم عنده.
ثم لازم الإقامة بمسجد بطرف سوق أمير الجيوش، وانتفع به كثيرون، وحج فى البحر وجاور ثم عاد. وممن أخذ عنه الشهاب ابن عبد السلام، والكمال الحسينى الطويل، وابن العز السنباطى وغيرهم، وقد طرقه السراق ليلا فى مسجده، وأخذوا له من الثياب والنقد ما لم يكن يظن به، ثم تحول عنه أياما، وبره الخليفة وكاتب السر والإستادار وغيرهم، ثم عاد إلى مسجده وتزايد عجزه وهرمه، ومع ذلك لم ينفك عن الإقراء. انتهى.
ولم يذكر تاريخ موته.
(منية طاهر)
بطاء مهملة، قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس فى الشمال الشرقى لمنية النصارى على بعد مائتين وخمسين مترا، وفى الجنوب الغربى لبر نبال بنحو ألفين وثمانمائة متر.
(منية طبيل)
بطاء مهملة وباء موحدة وتحتية ساكنة قبل اللام، مصغرا، قرية من مديرية الدقهلية بمركز نوسا الغيط، واقعة فى شرقى طناح بنحو أربعة آلاف ومائتى متر، وفى شمال منية فارس بنحو ثلاثمائة متر.
(منية طريف)
بالطاء المهملة، قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على شاطئ القبلى لترعة منية سويد، وشرقى درب الخضر بقليل، وفى الجنوب الشرقى لأشمون طناح بنحو ساعة، وأهلها مزارعون.
(منية طلخة)
بطاء مهملة وخاء معجمة وهاء تأنيث، قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود، على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط بجوار المنصورة من الجهة الغربية وبها جامع بمنارة.
(منية طوخ دلكة)
هى من ضمن سكن طوخ دلكة.
(منية طوخ الغربية)
قرية من مديرية الغربية بمركز الجعفرية على ترعة الجعفرية الجديدة على ثلاثمائة متر، بجوار طوخ مزيد من الجهة الشرقية، وغربى القرشية بنحو ألفين ومائتى متر، وبها دوار أوسية لأوجنجى قادن، يتبعه وابور على ترعة الجعفرية.
(منية ظافر الشرقية)
قرية من مديرية الشرقية بمركز الإبراهيمية، فى الشمال الغربى لمشتول القاضى بنحو ألف ومائتى متر، وفى الشمال الشرقى للقنيات بنحو ثلاثة آلاف وسبعمائة متر.
(منية ظافر الدقهلية)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على الشاطئ الشرقى للبحر الصغير فى مقابلة دموه السباخ فى البر الثانى، وهى فى الجنوب الغربى للمرساة والخشاشنة بنحو ألف ومائة متر، وفى الشمال الشرقى لناحية الجزيرة بنحو ألفى متر، وبها جامع قديم بمنارة، وفى وسطها جامع آخر.
(منية العابد)
قرية من مديرية الجيزة بقسم أول، على جسر اللبينى الواصل من البحر إلى ناحية المعرقب ملاصقة لسكة الحديد الطوالى، وفى جنوب ناحية
المتانية بنحو أربعة آلاف وخمسمائة متر، وفى الشمال الشرقى للمعرقب بنحو ثلاثة آلاف وخمسمائة متر، وفى قبليها الشيخ العابد/الذى سميت به، وبها زاوية للصلاة.
(منية عاصم)
قرية بمديرية القليوبية بمركز بنها، على الشاطئ الشرقى لترعة البيسوسية، شرقى قريتى الرملة ومنية العطار بنحو ألفى متر، وفى جنوب بنها كذلك.
(منية عافية)
قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج، شرقى بحر شيبين، وفى شمال مليج بنصف ساعة، وفى جنوب بركة السبع كذلك، ومن هذه القرية محمد بك خفاجى برتبة قائمقام، وهو خوجة بالمدارس الحربية.
(منية العامل)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز المنصورة، واقعة غربى ترعة أم سلمى على بعد ثمانين قصبة، وشرقى ناحية أجا بنحو أربعة آلاف قصبة، وبها جامع بمنارة، ولها شهرة بزرع الأرز والقطن.
(ترجمة الحسن بن أحمد العاملى)
وإلى هذه القرية ينسب - كما فى الضوء اللامع للسخاوى - الحسن بن أحمد بن حسن البدر العاملى، ثم القاهرى، الشافعى، نزيل سعيد السعداء، وأحد أئمتها. ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة تقريبا بمنية العامل، وقدم القاهرة، فحفظ القرآن والتنبيه والملحة، وأخذ الفقه عن البرهان البيجورى، وحضر فى الفرائض عند الشهاب العاملى، وكان صالحا دينا كثير التلاوة ومحافظا على قيام الليل، وللناس فيه اعتقاد، وهو ممن تصدى لتعليم الأطفال بمكتب السابقية دهرا، وانتفع به فى ذلك، وممن قرأ عنده الولوى الأسيوطى، عمّر ومات فى سنة 873.
(ترجمة الشيخ محمد بن عباس الأنصارى العاملى)
ونسب إليها أيضا الشيخ محمد بن عباس بن أحمد بن إبراهيم بن الشرف الأنصارى العاملى. قال فى الضوء اللامع إنه ولد بمنية العامل سنة ستين وسبعمائة، وانتقل منها إلى القاهرة، فقرأ القرآن على الجمال الدميرى، وحفظ العمدة، والمنهاج الفرعى والأصلى، وألفية ابن مالك، واشتغل بالفقه عند البلقينى، والإبناسى، وابن العماد، وابن الملقن، وفى العربية على الغمارى وغيره وقرأ عليه البخارى، وله مشايخ كثيرون فى فنون شتى، وأكثر من قراءة الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث ببيت الأمير إينال باى وغيره، وصار ذا إلمام بمشهور الأحاديث حسن الإيراد طرى الصوت، حتى إنه قرأ عند الظاهر جقمق حديث توبة كعب فأبكاه وأنعم عليه بمائة دينار، ولطراوة صوته تصدى للقراءة على العامة، ولم يتحام عن قراءة ما نص الأئمة على وضعه، وخطب فى خانقاه سرياقوس وغيرها، وبجامع الأزهر نيابة وحمدت خطابته، وتكسب بالشهادة، وكتب الخط المنسوب، وحج غير مرة. وأخذ عنه جماعة كالتقى القلقشندى.
وقال فيه البقاعى: إنه نشأ مكتسبا من الوراقة مع تهافته فيها وفى غيرها من أمور الدين، وإنه يأخذ من الخبز الذى يجاء به للمحابيس وكذا من الأنخاخ، وإنه ملازم لقراءة سيرة البكرى المجمع على كذبها، إلى غير ذلك.
قال فاستحق بذلك أن لا تحل الرواية عنه. لكن لا اعتداد بقول هذا فيه؛ لما كان بينهما من المخاصمات، مات يوم الإثنين الثالث والعشرين من شعبان سنة خمس وخمسين وثمانمائة، ودفن بالقرب من تربة ابن جماعة بباب النصر، عفا الله عنه وإيانا. انتهى.
(منية عباس)
قرية بمديرية الغربية بمركز سمنود، على الجسر الغربى لفرع دمياط، وفى شمال كفر الثعبانية بنحو ساعة، وفى جنوب كفر حسان بنصف ساعة، وبها
جامع بمنارة، ودوار أوسية للأمير على باشا شريف، وله بها أبعادية، وبها معمل لدود الحرير وأشجار.
(منية العبسى)
بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وسين مهملة، قرية من مديرية الغربية بمركز زفتة، على الشاطئ الغربى لفرع دمياط، وفى شمال كفر منية العبسى على أقل من ساعة، وفى جنوب تفهنا العزب كذلك.
(ترجمة عبد العزيز محمد العبسى)
وفى الضوء اللامع: إن من هذه القرية عبد العزيز بن محمد بن محمد بن محمد العبسى نسبة لمنية العبسى بالغربية، ثم القاهرى، مالك ديوان الأحباس، كان أبوه يتصرف فى بيوت الأمراء، فنشأ هو شاهدا عند مسلم السيوطى فتدرب به فيها، ثم استقر فى ديوان الأحباس رفيقا لعمه ناصر الدين وغيره حين كان العلائى بن أقبرس ناظر الديوان، وراج أمره فيه بحيث انفرد بشأنه، وترقى وتوسع فى معيشته مع مزيد التنعم والتظاهر فى الاحتشام والإنعام، ولما استقر يشبك الفقيه فى الدوادارية، ناكده ولده يحيى، ثم وثب عليه الدوادار الكبير يشبك بن مهدى بعد أن تنازع مع الجوجرى وعزر بسببه، وزيد فى إهانته ونقصت وجاهته، وكان ما لا خير فيه بينهما، واستمر فى نقص وخمول مع كونه المستبد بالديوان، وليس للناظر المتعمم معه كلمة، وقد حج وآل أمره إلى أن تعطل بالفالج وابنه القاسم بالديوان، مات سنة ثمان وتسعين وثمانمائة. عفا الله عنه.
(منية عجيل)
هذه القرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، بين نبروه وطلخة ومنية ثابت وكفر الحصة وغربىّ ناحية الساحل، على بعد سبعمائة متر، وأهلها مسلمون، وبها زاوية للصلاة، وهى قرية صغيرة لكن ينسب إليها كما فى الجبرتى:
(ترجمة الشيخ سليمان الجمل)
العلامة الفقيه والمحدث النبيه الصوفى الشيخ سليمان بن عمر بن منصور العجيلى، الشافعى الأزهرى، المعروف بالجمل، قدم من بلده إلى مصر، ولازم الشيخ الحفنى فشملته بركته، وأخذ عنه الطريق، ولقنه الأسماء، وأذن له واستخلفه، وتفقه عليه وعلى غيره/من فضلاء العصر، مثل الشيخ عطية الأجهورى، واشتهر بالصلاح وعفة النفس، ونوه الشيخ الحفنى بشأنه، وجعله إماما وخطيبا بالمسجد الملاصق لمنزله على الخليج، ودرّس بالأشرفية، وكثرت عليه الطلبة فى علم التفسير والحديث، وضبطت تقريراته، وقرأ المواهب والشمائل، وصحيح البخارى، وتفسير الجلالين بالمشهد الحسينى بين المغرب العشاء، وألّف حاشية على تفسير الجلالين فى أربع مجلدات، وحاشية على الشمائل، وحاشية على الهمزية، وغير ذلك، وفى آخر عمره تقشف فى ملبسه ولبس كساء صوف وعمامة صوف وطيلسانا، كذلك واشتهر بالزهد والصلاح، وكان كثير الزيارة للأولياء، ولم يزل على حاله حتى توفى فى الحادى عشر من ذى القعدة سنة أربع ومائتين ودفن بقرافة المجاورين، على رحمة الله.
(منية عدلان)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز نوسا، غربى بنى عبيد بنحو أربعة آلاف وخمسمائة متر.
(منية العرايا)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على الشاطئ الشرقى للبحر الصغير شرقى منية رومى، على نحو نصف ساعة، وفى جنوب منية الحلوج بقليل، وبها مسجد.
(منية عروس)
قرية من مركز أشمون جريس بمديرية المنوفية، واقعة على الشاطئ الشرقى لبحر رشيد، فى مقابلة ناحية القطا الواقعة فى جنوب بنى سلامة على الشاطئ الغربى فى تقاطع البحر. وبجوار تلك القرية قرية صغيرة تسمى الكوادى، وفى شمالها ناحية البرانية وناحية طليا على بعد ثلث ساعة، وناحية أشمون على بعد ساعة، والقناطر الخيرية فى جنوبها بمسافة ساعة.
ولما صمم العزيز محمد على باشا على عمل القناطر الخيرية، وعين لذلك لينان باشا أختيرت قطعة من أرض هذه الناحية لبناء قنطرة بحر رشيد، وحفر الأساس بالفعل، وبنيت كوش الجير والأشوان والمخازن اللازمة لإدارة العمل، ثم أختيرت قطعة أخرى من أراض ناحية كفر سراوة لعمل قناطر بحر الشرق، وشرع فى حفر الأساس وعمل المخازن ووردت الأحجار والأخشاب فى الجهتين.
وأنشئت فى منية عروس مدرسة جمع فيها تلامذة الهندسة ليباشروا العمل فى مدة التعليم تحت رياسة لينان باشا، وكان المأمور على إدارة أشغال بحر الغرب محمود بك الأرنؤطى ناظر الجهادية سابقا، ومعه محمد بك عبد الرحمن وسليمان أفندى طاهر لإدارة الهندسة، وعلى إدارة بحر الشرق سليمان أغا السلحدار، ومعه أحمد أفندى البارودى ورشوان أفندى، وجعل فى كل جهة من المأمورين والوكلاء والكتبة والخدم، ورتب فى كل جهة إثنا عشر ألف نفس من الأهالى مجموعة من مديريات وجه بحرى، واستمر العمل نحو سنة ونصف، ثم ترك إلى أن حضر موجيل بك وصمم على عمل القناطر فى محلها الذى هى به الآن، وصرف النظر عن العمل الأول، ووزعت المهمات التى جلبت له فى أعمال أخر.
وبتلك القرية مساجد وأبنية جليلة ومعمل دجاج، وفى قبليها بستان، وسوقها سوق أشمون جريس، وعمدتها سليمان أبو على، كان حاكم خط
شنشور التابع قسم أشمون فى زمن المرحوم سعيد باشا، وفى السابق كان رى أرض منية عروس من ترعة البومة التى فمها من بحر الشرق عند كفر سراوة، ولما فتح الرياح صار ريها منه، ولكن لا يؤمن ريها إلا فى النيل الكثير لإرتفاع أرضها، ولها سواق على البحر الغربى، وأكثر زرعها صنف القلقاس والقصب الحلو واللوبيا، وأكثر أهلها مسلمون.
(ترجمة العلامة الشيخ أحمد العروسى)
ومنها عائلة مشهورة من أهل الحل والعقد فى هذا القطر، أجلّهم العلامة الفاضل أحمد العروسى شيخ الجامع الأزهر، قد ترجمه الجبرتى فى تاريخه فقال: هو الإمام العلامة والحبر الفهامة الشيخ أحمد بن موسى بن داود، أبو الصلاح، العروسى الشافعى الأزهرى. ولد ببلده سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، وقدم الأزهر، فسمع على الشيخ أحمد الملوى الصحيح بالمشهد الحسينى، وعلى الشيخ عبد الله الشبراوى الصحيح، والبيضاوى والجلالين، وعلى السيد البليدى البيضاوى فى الأشرفية، وعلى الشمس الحفنى الصحيح مع شرحه للقسطلانى، ومختصر ابن أبى جمرة، والشمائل، وابن حجر على الأربعين، والجامع الصغير، وتفقه على كل من الشبراوى، والعزيزى، والحفنى، والشيخ قايتباى الأطفيحى، والشيخ حسن المدابغى وغيرهم.
وتلقى جملة فنون عن الشيخ على الصعيدى ولازمه السنين العديدة.
وكان معيدا لدروسه، وسمع عليه الصحيح بجامع مرزة ببولاق، وسمع من الشيخ ابن الطيب الشمائل لما ورد مصر، وحضر دروس الشيخ يوسف الحفنى، والشيخ ابراهيم الحلبى، وإبراهيم بن محمد الدلجى، ولازم الشيخ حسن الجبرتى، وأخذ عنه، وقرأ عليه فى الرياضيات كتبا كثيرة فى الجبر والمقابلة، وكتاب الرقائق للبسيط وقوللى زاده على المجيب، وكفاية القنوع والهداية وقاضى زاده وغير ذلك، وتلقن الذكر والطريقة عن السيد مصطفى البكرى ولازمه كثيرا، واجتمع بعد ذلك على ولى عصره الشيخ أحمد العريان فأحبه
ولازمه، واعتنى به الشيخ وزوّجه إحدى بناته، وبشره بأنه سيسود ويكون شيخا /على الجامع الأزهر، فظهر ذلك بعد وفاته بمدة لما توفى الشيخ أحمد الدمنهورى شيخ الجامع.
واختلفوا فى تولية الشيخ، فوقعت الإشارة عليه، واجتمعوا بمقام الإمام الشافعى رضي الله عنه، واختاروا المترجم للمشيخة، فصار شيخ الأزهر على الإطلاق، ورئيسه بالاتفاق، يدرس ويعيد ويملى ويفيد، وكان رقيق الطباع، مليح الأوضاع، لطيفا مهذبا، فيه عفة وديانة، ودقة وأمانة. واستمر على ذلك إلى أن توفى فى شهر شعبان من سنة ثمان ومائتين وألف، وصلى عليه بالأزهر ودفن بمدفن صهره الشيخ العريان.
ومن تآليفه: شرح على نظم التنوير فى إسقاط التدبير، وحاشية على الملوى على السمرقندية وغير ذلك. انتهى.
وكان ذا إقدام وجراءة على الأمراء، سيما فى السعى فى المصالح العمومية، ففى تاريخ الجبرتى أيضا ما محصله أنه بعد أن ارتحل حسن باشا القبطان إلى بلاد الروم، كما سطرناه فى الكلام على محلة العلويين، لم تنقطع الفتن، واستمر إبراهيم بك ومراد بك ورجالهما يعيثون فى بلاد الصعيد بالفساد وقطع الطريق، واشتغل عبدى باشا بعمل المتاريس فى بر الجيزة وطرا ومصر القديمة، وطلب عرب البحيرة والهنادى ليستعين بهم فانتشروا بأخلاطهم فى بلاد الصعيد بالفساد وقطع الطريق، واشتغل عبدى باشا بعمل المتاريس فى بر بلاد البحيرة من رشيد إلى الجيزة، وكذلك فعل عرب الشرق بالبر الشرقى، ورشوان باشا البحار ببلاد المنوفية والغربية، وأفسدوا فى الأرض، فتعطل السير برا وبحرا ولو بالخفارة، حتى إن الإنسان يخاف أن يذهب من المدينة إلى بولاق أو خارج باب النصر.،
ومن كل ذلك حصل وقف الحال وضيق المعاش سيما فى مدينة مصر، وانقطعت الطرق، وامتنعت السبل، وعدم الأمن، وانقطعت الأرزاق المجلوبة
إلى المدينة، فاقتضى رأى الشيخ أحمد العروسى أن يجتمع مع المشايخ ويركبوا إلى الباشا ويتكلموا معه فى شأن هذا الحال، فاستشعر إسماعيل بك بذلك فدبر أمرا، وصوّر حضور تتارى من الدولة وبيده مرسوم، فأرسل الباشا فى عصر يوم الجمعة للمشايخ والوجاقلية، وقرأ عليهم ذلك الفرمان، ومضمونه:
الحث والتشديد على محاربة الأمراء القبلية، وطردهم وإبعادهم. فلما فرغوا من قراءته تكلم الشيخ أحمد العروسى وقال: أخبرونا عن حاصل هذا الكلام، فإننا لا نعرف اللسان التركى، فأخبروه، فقال: وما المانع لكم من الخروج. وقد ضاق الحال بالناس، ولا يقدر أحد أن يصل إلى بحر النيل وقربة الماء بإثنى عشر نصف فضة، وحضرة إسماعيل بك مشتغل ببناء حيطان ومتاريس، وهذه ليست طريقة المصريين فى الحروب؛ بل طريقتهم المصادمة وانفصال الحرب فى ساعة إما غالب أو مغلوب، وأما هذا الحال فإنه يستدعى طولا، وذلك يقتضى الخراب. فقال الباشا: أما قلت لكم هذا الكلام أولا وثانيا، هيا شهلوا أحوالكم.
ثم إن الباشا قام ونزل بقصر الآثار ونصب وطاقه هناك، وجدّ فى محاربة الأمراء القبلية إلى آخر ما فى الجبرتى فانظره.
وفيه أيضا أن فى شهر القعدة سنة ألف ومائتين ثار جماعة الشوام المجاورون وبعض المغاربة على الشيخ المترجم أيام مشيخته؛ بسبب الجراية، وأغلقوا فى وجهه باب الجامع وهو خارج يريد الذهاب، فمنعوه من الخروج، فرجع إلى رواق المغاربة، وجلس به إلى الغروب، ثم تخلص منهم وركب إلى بيته، ولم يفتحوا الجامع، وأصبحوا فخرجوا إلى السوق، وأمروا الناس بغلق الدكاكين، وذهب الشيخ إلى إسماعيل بك وتكلم معه، فقال له: أنت الذى تأمرهم بذلك، وتريدون بذلك تحريك الفتن علينا، ومنكم أناس يذهبون إلى أخصامنا يعودونهم، فتبرأ من ذلك، فلم يقبل وذهب وصحبته بعض المتعممين إلى الباشا، فقال له مثل ما قال لإسماعيل بك، وطلب الذين
يثيرون الفتن من المجاورين ليؤدّبهم وينفيهم، فمانعوا فى ذلك، ثم ذهبوا إلى محمد بك الدفتردار. - وهو الناظر على الجامع - فتلا فى القضية، وصالح إسماعيل بك وأجروا لهم الخبز بعد مشقة، وامتنع الشيخ من دخول الجامع أياما، وقرأ درسه بالصالحية، انتهى.
وقد خلف المترجم أربعة أولاد ذكورا، كلهم فضلاء نجباء أحدهم الذى تعين للتدريس فى محله بالأزهر، وصار شيخا على الجامع بعد أبيه، وهو العلامة اللوذعى والفهامة الألمعى شمس الدين السيد محمد. وأما الثلاثة الأخر فهم السيد أحمد، والسيد عبد الرحمن، والسيد مصطفى الذى تولى شيخا على الجامع الأزهر سنة بضع وثمانين ومائتين وألف، ثم عزل فى شوال سنة 1287، وتولى بدله الشيخ محمد المهدى الحنفى.
(ترجمة العلامة السيد مصطفى العروسى)
وكان السيد مصطفى العروسى عالما فاضلا، أخذ عن أكابر عصره، حتى برع ودرس وأفاد وألّف، وأجاد، فمن مؤلفاته شرح على الرسالة القشيرية فى التصوّف، ورسالة سماها: كشف الغمة فى تقييد معانى أدعية سيد الأمة، نحو ثلاث كراريس. ورسالة فى الاكتساب سماها: القول الفصل فى مذهب ذوى الفضل، نحو كراسة، وشرحها برسالة أخرى سماها: كشف الغمة، ورسالة سماها: العقود الفرائد فى بيان معانى العقائد، فى خمس كراريس، ورسالة سماها: الفوائد المستحسنة فيما يتعلق بالبسملة والحمدلة/، فى نحو كراستين، وكتاب سماه: مسائل أحكام المفاكهات فى أنواع الفنون المتفرقات فى جزء ضخم، ورسالة سماها الهداية بالولاية فيما يتعلق بقوله تعالى {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ}
(1)
الآية نحو كراسة، ورسالة سماها الأنوار البهية فى بيان أحقية مذهب الشافعية، وغير ذلك.
(1)
سورة الحج: آية 52.
وكانت ولادته ليلة السبت لسبع بقين من شهر رجب الحرام سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف، وتوفى ضحوة يوم الجمعة لعشرة مضت من شهر جمادى الأولى سنة 1293، وكان نحيف الجسم، أسمر اللون، متوسط القامة فصيحا، متكلما مسامرا، لا يهاب مجالس الأمراء، وفيه عفة وقناعة. رحمه الله تعالى.
(منية العز)
اسم لثلاث قرى إحداهما:
(منية العز) قرية من أعمال المنصورة، على الجانب الشرقى لفرع دمياط، قبلى المركز بنحو خمسة آلاف قصبة، وبها وابور لحلج القطن، وفى قبليها قريتا المناشى الكبرى والصغرى، والصفين، وكفر شكر، جميعها على الشاطئ الشرقى، وكلها مشهورة بالعنب والبرتقال، وتكسب أهلها من الزرع سيما هذين الصنفين.
ثانيتهما: (منية العز) قرية من مديرية الشرقية بمركز الصوالح بالقرب من فاقوس، واقعة على الشاطئ الشرقى لبحر فاقوس، وبقربها الدميين وكفر شكر والسواقى، وكان بهذه القرية مكتب على طرف الميرى، وهو أول مكتب دخلته، ثم انتقلت منه إلى مدرسة القصر العينى.
(ترجمة الشيخ صفى الدين العزى المصرى)
وإليها ينسب - كما فى خلاصة الأثر - محمد بن يحيى الملقب صفى الدين العزى المصرى الشافعى المحدث الأديب الشاعر. قال الخفاجى فى وصفه: ماجد، إذا تليت أوصافه ركع لها القلم وسجد، ذو معال إنفرد بأسانيدها، فأصبح دار علم بين العلياء والسند، حديثه فى الفضل مرفوع، وأثر سواه ضعيف ومقطوع، لفظه يحسن أن يرسم بنور البصر فى عنوان صحائف الفكر، وطبعه سكر مصرى يحلو مكرره ومعاده، لم يزل بها يتلو ثناءه لسان
الدهر ويحفظه فؤاده. وهو أحد من رويت عنه السنن، وتشرفت بملقاه الحسن، ومن كلامه فى مليح نحاس:
علىّ رفقا بمن ذابت حشاه ضنى
…
صب أزال ضيا من مقلتيه وصب
حديد قلبك يا نحاس يمنعه
…
لحين جسمك والنوم المصون ذهب
وله فى نديمه الصحافى:
يا عاذلى فى هواه
…
تلاف قبل تلافى
وهات لى الدن واجمع
…
بينى وبين الصحافى
توفى سنة تسع عشر بعد الألف، والعزى نسبة لمنية العز بناحية فاقوس من شرقية مصر، انتهى.
ثالثتها: (منية العز) أيضا. قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج فى جنوب ناحية طاشبرى، وفى بحرى العجائزة بنحو نصف ساعة، وبها جامع بمنارة يعرف بجامع أبى خشبة، به ضريح سيدى مسعود الغنيمى المشهور بأبى خشبة.
(منية عزون)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز نوسا الغيط، فى الجنوب الشرقى لقرية بدين بنحو ألفين وسبعمائة متر، وفى غربى ناحية الخليج بنحو أربعمائة متر.
(منية العطار)
قرية بمديرية القليوبية بمركز بنها، على الشاطئ الشرقى لبحر دمياط، غربى قرية الرملة بنحو ألف وخمسمائة متر، وفى شمال طحلة بنحو أربعة آلاف متر، وبعض أهلها ملاحون. وممن نشأ منها من أفاضل العلماء شيخ الإسلام الشيخ حسن العطار.
(منية عطية)
قرية من مديرية البحيرة بمركز دمنهور فى شرقى بحر الأحكار القديم، وفى غربى العوجة بنحو ساعة، وبها مسجد وقليل أشجار.
(منية عفيف)
هذه القرية من مركز سبك الضحاك بمديرية المنوفية، على الشاطئ الغربى لبحر دمياط، غربى فرع دمياط بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى بحريها رياح المنوفية المسمى بالمتر، وفيها ثلاثة مساجد عامرة، ومعمل فراريج، وأنوال النسيج الصوف، ونخيل، ويزرع فى أرضها أنواع الحبوب والدخان المشروب كثيرا، وقصب السكر والذرة والقطن، وبها مقام شيخ يقال له سيدى أحمد أبو كراس، عليه قبة ولهم فيه اعتقاد تام، ويزورونه وينذرون له، ويعملون له مولدا كل سنة يومين، وبها ضريحان متجاوران للشيخ نصر والشيخ سلام، على كل منهما قبة، ولهما زاوية مجعولة مكتبا لتعليم الأطفال القرآن.
ومن أهلها الفاضل الشريف السيد محمد العفيفى شيخ سجادة العفيفية، وأكثر أهلها مسلمون، وتكسبهم من الزراعة، وكان فى شرقيها جزيزة، عمل لها جسر فى جنوب فم ترعة القريتين، فامتنع ركوب البحر على أراضى الجزيزة، وبعد عن القرية بمسافة سدس ساعة.
(ترجمة الشيخ عبد الوهاب العفيفى)
وإليها ينسب الشيخ عبد الوهاب العفيفى، صاحب أكبر مساجدها. وقد ترجمه الجبرتى فقال: ولد بهذه القرية القطب الكبير والإمام الشهير أحد مشايخ الطريق، صاحب الكرامات الظاهرة والأنوار الساطعة الباهرة الشيخ عبد الوهاب بن عبد السلام بن أحمد بن حجازى بن عبد القادر بن محمد بن العباس بن عبد القادر بن محمد بن القطب سيدى عمر المرزوقى العفيفى المالكى، البرهانى، يتصل نسبه إلى القطب الكبير سيدى مرزوق الكفافى
المشهور، ونشأ بها، ثم قدم مصر وحضر على شيخ المالكية/فى عصره الشيخ سالم النفراوى أياما في مختصر الشيخ خليل، وأقبل على العبادة، وقطن بقاعة بالقرب من الأزهر بجوار مدرسة السنانية، ثم سافر للحج، فلقى بمكة الشيخ إدريس اليمانى وأجازه، وعاد إلى مصر وحضر دروس الحديث على الإمام المحدث الشيخ أحمد بن مصطفى الإسكندرى الشهير بالصباغ، ولازمه حتى عرف به، ثم أجازه الشيخ أحمد التهامى بطريقة الأقطاب والأحزاب الشاذلية، والسيد مصطفى البكرى بطريقة الخلوتية.
ولما توفى شيخه الصباغ لازم السيد محمد البليدى فى دروسه، ثم تصدى للتدريس، فروى عنه جملة من أفاضل عصره كالشيخ الصبان، والسيد محمد مرتضى، والشيخ محمد بن إسماعيل النفراوى، وسمعوا عليه صحيح مسلم بالأشرفية.
وكان كثير الزيارة لمشاهد الأولياء، متواضعا، لا يرى لنفسه مقاما، متحرزا فى مأكله وملبسه، لا يأكل إلا ما يؤتى به إليه من زرعه من بلده من الخبز اليابس مع الدقة. وكانت الأمراء تأتى إليه لزيارته فكان يفر منهم فى بعض الأحيان، وكان كل من دخل عليه يقدم له ما تيسر من الزاد من خبزه الذى كان يأكل منه، وانتفع به المريدون، وكثروا فى البلاد وأنجبوا، ولم يزل يترقى فى مدارج الوصول إلى الحق، حتى تعلل أياما بمنزله الذى بقصر الشوك، وتوفى فى ثانى صفر سنة إثنتين وسبعين ومائة وألف، ودفن بجوار تربة الشيخ المنوفى رضي الله عنهما ومقامه شهير يزار، انتهى.
وبجواره قبر الشيخ محمد الأمير الكبير، ويعمل له بالمحروسة كل سنة مولد حافل تنصب فيه الصواوين البالغة النهاية فى الكثرة، وتهرع إليه الناس من كل فج من أهالى القاهرة وبلاد الأرياف، وتدور فيه الأذكار والقراءة والألعاب فى المراجيح وخلافها ليلا ونهارا، وتبنى فيه حوانيت من الخشب
والجريد، وتشحن بسلع المأكل والمشرب، ويستمر ذلك نحو أسبوع، وتنتهك فيه حرمات كثيرة كأكثر الموالد أو جميعها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
(منية عقبة)
قرية من قسم أول بمديرية الجيزة فى غربى مدينة الجيزة بنحو ساعة، واقعة بين سقارة ومنشأة بكار، وهى عامرة آهلة، ذات نخيل كثير من نخيل الأمهات. وفيها مساجد وأبنية بالآجر واللبن، وتكسب أهلها من الزرع المعتاد، وفيها أطيان للشيخ محمد المهدى شيخ الجامع الأزهر سابقا.
وظاهر كلام المقريزى أنها كانت على الشاطئ الغربى للنيل لما ذكره فى ظواهر القاهرة، أن المقس هو ساحل القاهرة، وأن المراكب تنتهى إلى موضع جامع المقس، وأن ما بين الجامع المذكور ومنية عقبة التى ببر الجيزة بحر النيل، انتهى. فيحتمل أن البحر أكلها، فنقلت إلى ما هى عليه الآن.
وقال المقريزى أيضا ما نصه: عرفت بعقبة ابن عامر الجهنى رضي الله عنه، وكان واليا على مصر من قبل معاوية، قال ابن عبد الحكم كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنهما يسأله أرضا يرتفق فيها عند قرية عقبة، فكتب له معاوية بألف ذراع فى ألف ذراع، فقال له مولى له كان عنده: انظر أصلحك الله أرضا صالحة، فقال عقبة: ليس لنا ذلك، إن فى عهدهم - يعنى أهل مصر - شروطا ستة، منها أن لا يؤخذ من أرضهم شئ، ولا من نسائهم، ولا من أولادهم، ولا يزاد عليهم ويدفع عنهم موضع الخوف من عدوهم، وأنا شاهد لهم بذلك.
وفى رواية: كتب عقبة إلى معاوية يسأله نقيعا فى قرية يبنى فيه منازل ومساكن، فأمر له معاوية بألف ذراع فى ألف ذراع، فقال له مواليه ومن كان عنده: انظر إلى أرض تعجبك فاختط فيها وابتن، فقال: إنه ليس لنا ذلك، لهم فى عهدهم ستة شروط، منها: أن لا يؤخذ من أرضهم شئ، ولا يزاد
عليهم، ولا يكلفوا غير طاقتهم، ولا تؤخذ ذراريهم، وأن يقاتل عنهم عدوهم من ورائهم.
قال أبو سعيد بن يونس، وهذه الأرض التى اقتطعها عقبة هى المنية المعروفة بمنية عقبة فى جيزة فسطاط مصر.
(ترجمة سيدى عقبة بن عامر رضي الله عنه
وعقبة هذا هو عقبة بن عامر بن عيسى بن عمرو بن عدى بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدى بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة، كذا نسبه أبو عمرو الكندى، قال الحافظ أبو عمرو بن عبد البر: عقبة بن عامر ابن حسن الجهنى من جهينة بن زيد بن مسود بن أسلم بن عمرو بن الحاف ابن قضاعة، وقد أختلف فى هذا النسب. ويكنى أبا حماد، وقيل أبا أسد، وقيل أبا عمر، وقيل أبا سعاد، وقيل أبا الأسود.
وقال خليفة بن الخياط: وقتل أبو عامر عقبة بن عامر الجهنى يوم النهروان شهيدا، وذلك سنة ثمان وثلاثين. وهذا غلط منه. وفى كتابه بعد: وفى سنة ثمان وخمسين توفى عقبة بن عامر الجهنى، قال: سكن عقبة بن عامر مصر، وكان واليا عليها وابتنى بها دارا، وتوفى فى آخر خلافة معاوية. روى عنه من الصحابة جابر، وابن عباس، وأبو أمامة، ومسلمة بن مخلد، وأما رواته من التابعين فكثير.
وقال الكندى: ثم وليها عقبة بن عامر من قبل معاوية، وجمع له صلاتها وخراجها، فجعل على شرطته حمادا. وكان عقبة قارئا، فقيها، فرضيا، شاعرا، له الهجرة والصحبة السابقة، وكان صاحب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء الذى يقودها فى الأسفار، وكان/صرف عقبة عن مصر بمسلمة بن مخلد لعشر بقين من ربيع الأول سنة أربعين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر. وقال ابن يونس توفى بمصر سنة ثمان وخمسين، ودفن فى مقبرتها بالمقطم، وكان يخضب بالسواد رحمه الله تعالى.
(مراكز الطير ورسائله ومرتباته)
وذكر أيضا أن منية عقبة كانت من عجائب مصر، وأنها كانت أول مراكز الطير التى تحمل البطائق. قال: وكان بالقلعة أبراج برسم الحمام التى تحمل البطائق، وبلغت عدتها على ما ذكره ابن عبد الظاهر فى كتاب «تمائم الحمائم» الى آخر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وستمائة، ألف طائر وتسعمائة طائر، وكان لها عدة من المقدمين لكل مقدم منهم جزء معلوم.
وكانت الطيور المذكورة لا تبرح فى الأبراج بالقلعة، ما عدا طائفة منها، فإنها فى برج بالبرقية خارج القاهرة يعرف ببرج الفيوم، رتبه الأمير فخر الدين عثمان بن قزل استادار الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، وقيل له برج الفيوم؛ لأن جميع الفيوم كانت فى إقطاع بن قزل، وكانت البطائق ترد إليه من الفيوم، ويبعثها من القاهرة الى الفيوم من هذا البرج، فاستمر هذا البرج يعرف بذلك.
وكان بكل مركز حمام فى سائر نواحى المملكة مصرا وشأما، بين أسوان إلى الفرات، فلا تحصى عدة ما كان منها فى الثغور والطرقات الشامية والمصرية، وجميعها تدرج وتنقل من القلعة إلى سائر الجهات، وكان لها بغال الحمل من الإصطبلات السلطانية، وجامكيات البراجين والعلوفات تصرف من الأهراء السلطانية فتبلغ النفقة عليها من الأموال ما لا يحصى كثرة، وكانت ضريبة العلف لكل مائة طير ربع ويبة فول فى كل يوم، وكانت العادة أن لا تحمل البطاقة إلا فى جناح الطائر لأمور، منها: حفظ البطاقة من المطر، وقوة الجناح، ثم إنهم عملوا البطاقة فى الذنب، وكانت العادة إذا بطق من قلعة الجبل إلى الإسكندرية فلا يسرح الطائر إلا من منية عقبة بالجيزة، وهى أول المراكز، وإذا سرح إلى الشرقية لا يطلق إلا من مسجد التين خارج القاهرة، وإذا سرح إلى دمياط لا يسرح إلا من ناحية بيسوس بشط بحر منجا، وكان يسير مع البراجين من يوصلهم إلى هذه الأماكن من الجاندارية.
وكذلك كانت العادة فى كل مملكة أن يتوخى الإبعاد فى التسريح عن مستقر الحمام، والقصد بذلك أنها لا ترجع إلى أبراجها من قريب، وكان يعمل فى الطيور السلطانية علامات، وهى داغات سمات فى أرجلها أو على مناقيرها، ويسميها أرباب الملعوب الإصطلاح، وكان الحمام إذا سقط بالبطاقة لا يقطع البطاقة منه إلا السلطان بيده من غير واسطة، وكانت لهم عناية شديدة بالطائر، حتى أن السلطان إذا كان يأكل وسقط الطائر لا يمهل حتى يفرغ من الأكل، بل يحمل البطاقة ويترك الأكل، وهكذا إذا كان نائما لا يمهل بل ينبه.
قال ابن عبد الظاهر: وهذا الذى رأينا عليه ملوكنا، وكذلك فى المواكب ولعب الأكرة؛ لأنه بلمحة يفوت ولا يستدرك المهم العظيم، إما من واصل، أو هارب، وإما من متجدد فى الثغور.
قال: وينبغى أن تكتب البطائق فى ورق الطير المعروف بذلك، ورأيت الأوائل لا يكتبون فى أولها بسملة، وتؤرخ بالساعة واليوم لا بالسنين، وأنا أؤرخها بالسنة، ولا يكثر فى نعوت المخاطب فيها، ولا يذكر حشوا فى الألفاظ، ولا يكتب إلا لب الكلام وزبدته، ولا بد أن يكتب سرح الطائر ورفيقه، حتى إن تأخر الواحد ترقب حضوره أو يطلب، ولا يعمل للبطائق هامش، ولا تحمدل، ويكتب آخرها حسبلة، ولا تعنون إلا إذا كانت منقولة.
مثل أن تسرح إلى السلطان من مكان بعيد، فيكتب لها عنوان لطيف حتى لا يفتحها أحد. وكل وال تصل إليه يكتب فى ظهرها أنها وصلت إليه ونقلها، حتى تصل مختومة.
قال: ومما شاهدته وتوليت أمره، إنه فى شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة حضر من جهة نائب الصبيبة نيف وأربعون طائرا صحبة البراجين، ووصل كتابه إنه درجها إلى مصر، فأقامت مدة لم يكن شغل تبطق فيه، فقال براجوها: قد أزف الوقت عليها فى القرنصة وجرى الحديث مع الأمير بيدار نائب السلطنة، فتقدر كتب بطائق على عشرة منها بوصولها لا غير، وسرحت
يوم أربعاء جميعها. فاتفق وقوع طائرين منها، فأحضرت بطائقهما وحصل الإستهزاء بها، فلما كان بعد مدة وصل كتاب السلطان أنها وصلت إلى الصبيبة فى ذلك اليوم بعينه، وبطق بذلك فى ذلك اليوم بعينه إلى دمشق، ووصل الخبر إلى دمشق فى يوم واحد، وهذا مما أنا مصرفه وحاضره والمشير به، قال مؤلفه رحمه الله تعالى، قد بطل الحمام من سائر المملكة إلا ما ينقل من قطيا إلى بلبيس، ومن بلبيس إلى قلعة الجبل، ولا تسأل بعد ذلك عن شئ، وكأنى بهذا القدر. وقد ذهب، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم.
انتهى.
وفى حسن المحاضرة للسيوطى قال ابن كثير فى تاريخه سنة سبع وستين وخمسمائة: اتخذ السلطان نور الدين الشهيد الحمام الهوادى؛ وذلك لامتداد مملكته وإتساعها، فإنها من حد النوبة إلى همذان؛ فلذلك اتخذ قلعة/، وحبس الحمام التى تسرى فى الآفاق فى أسرع مدة وأيسر عدة.
وما أحسن ما قال فيهن القاضى الفاضل: الحمام ملائكة الملوك، وقد أطنب فى ذلك العماد الكاتب، وأطرف، وأعجب وأغرب، وفى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة اعتنى الخليفة الناصر لدين الله بحمام البطاقة اعتناءا زائدا حتى صار يكتب بأنساب الطير المحاضر إنه من ولد الطير الفلانى، وقيل إنه بيع بألف دينار.
ثم قال: وممن أحسن فى وصفها تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير كاتب الإنشاء، فقال: طالما جادت بها الأبراج فأضحت مخلفة وراءها تبكى عليها السحب، وصدق من سمّاها أنبياء الطير؛ لأنها مرسلة بالكتب.
وفيها يقول أبو محمد أحمد بن علوى بن أبى عقيال القيروانى:
خضر تفوت الريح فى طيرانها
…
يا بعد بين غدوها ورواحها
تأتى بأخبار العدو عشية
…
لمسير شهر تحت ريش جناحها
وكأنما الروح الأمين بوحيه
…
نفث الهداية منه فى أرواحها
وقال غيره.
يا حبذا الطائر الميمون يطرقنا
…
فى الأمر بالطائر الميمون تنبيها
فاقت على الهدهد المذكور إذ حملت
…
كتب الملوك وصانتها أعاليها
تلقى بكل كتاب نحو صاحبه
…
تصون نظرته صونا وتخفيها
فلا تمكن عين الشمس تنظره
…
ولا تجوّز أن تلقيه من فيها
منسوبة لرسالة الملوك فبال
…
منسوب تسمو ويدعوها تسميها
أكرم بجيش سعيد ما سعادته
…
مما يشكك فيها فكر جاليها
حمى حمى الغار يوم الغار وقعته
…
فيا لها وقعة عزت مساعيها
وقوفه عند ذاك الباب شرفه
…
وللسعادة أوقات تؤاتيها
ويوم فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكته
…
عند الدخول إليها من بواديها
صفت تكلل من شمس كتيبته الخ
…
ضراء أمطره فيها تواليها
فظللته بما كانت تودّ هوى
…
لو قابلتها بأشواق فتنهيها
فعند ما حظيت بالقرب امنها
…
فشرفت بعطايا جلّ مهديها
فما يحل لدى صيد تناولها
…
ولا ينال المنى بالنار مصليها
ولا تطير بأوراق الفرنج ولا
…
يسير عنها بما فيه أمانيها
سمت بملك المعانى غير ذى دنس
…
لا ترتضيهم ولو جزت نواصيها
وانظر لها كيف تأتى للخلائق من
…
آل الرسول بحب كامن فيها
من المقام إلى دار السلام فلم
…
يمض النهار بعزم في دواعيها
وربما ضل عنه الهند ملتقطا
…
حبات فلفلة وارتد مبطيها
فجاء في يومه فى أثر سابقه
…
حفظا لحق يد طابت أياديها
مناقب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيسرها
…
لدى نبوته الغراء تكفيها
ومن إنشاء القاضى الفاضل فى وصف حمام الرسائل.
سرحت لا تزال أجنحتها محملة من البطائق أجنحة، وتجهز جيوش القاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر، وتطوى
الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوى بها الأرض ما سيبلغه ملك هذه الأمة، وتقرب منها السماء حتى ترى ما لا يبلغه هم ولا همة، وتكون مراكب الأغراض والأجنحة قلوعا، ويركب البحر بحرا يصفق فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا، وتعلق الحاجات على أعجازها ولا تفوت الإرادات عن إنجازها.
ومن بلاغات البطائق استفادة ما هو مشهور به من السجع، ومن رياض كتبها ألفت الرياضة، فهى إليها دائمة الرجع، وقد سكنت النجوم فهى أنجم، وأعدت فى كنانتها فهى للحاجات أسهم، وكادت تكون ملائكة لأنها رسل، فإذا نيطت بالرقاع صارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وقد باعد الله بين أسفارها وقربها وجعلها طيف خيال اليقظة الذى صدق العين وما كذبها، وقد أخذت عهود الأمانة فى رقابها أطواقا/وصارت خوافى من وراء الخوافى، وغطت سرحها المودع بكتمان سحبت عليها ذيول ريشها الضوافى، ترغم أنف النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ أنجم السعود، وهى أنبياء الطير، لكثرة ما تأتى به من الأنباء وخطباؤها؛ لأنها تقوم على الأغصان مقام الخطباء.
وقال فى وصفها شيخ الكتاب ذو البلاغتين السديد أبو القاسم شيخ القاضى الفاضل: وأما حمام الرسائل فهى من آيات الله المستنطقة الألسن بالتسبيح، العاجز عن وصفها إعجاز البليغ الفصيح، فيما تحمله من البطائق، وترد به مسرعة من الأخبار الواضحة الحقائق، وتعاليه فى الجو محلقا عند مطاره، وتهديه على الطريق التى عليها ليأمن من أدراك فوت الإدراك وأخطاره، ونظره إلى المقصد الذى يسرح إليه من على، ووصوله إلى أقرب الساعات بما يصل به البريد فى أبعد الأيام من الخبر الجلى، ومجيئه معادلا لرؤوس السفار مسامتا، وإيثاره بالمتجددات، فكأنه ناطق وإن كان صامتا، وكونه يمضى محمولا على المركوب، ويرجع حاملا على ظهره للمكتوب، ولا يعرج على تذكار الهدير، ولا يأمن من الدأب فى الخدمة زائدا على التقدير، وفى تقدمه
البشائر، ويكون المعنى بقولهم أيمن طائر، لا غرو أنه فارق رسل أهل الأرض وفاتهم وهو مرسل، والعنان عنانه والجو ميدانه، والجناح مركبه، والرياح موكبه، مع أمنه ما يحدث لمناب السفار، ومخبآت القفار، من مخاوف الطوارق، وطوارق المخاوف، ومتالف الغوائل، وغوائل المتالف، إلا ما يشذ من اعتراض جارح جارح وانقضاض كاسب كاسر، فيكفيه سعادة الدولة تأميمه، وتصدّ عنه تصميمه.
وقال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر. ومما أنشأه الشيخ السديد رحمه الله: وأما حمام الرسائل فكم أغنت البرد عن وجوب القفار، وكم قدت جيوبها على أسرى أسرار، وكم أعارت السهام أجنحة فأحسنت بتلك العارية المطار، وكم قال جناحها لطالب النجاح لا جناح، وكم سرت فحمدت المساء إذا حمد غيرها من السارين الصباح، وكم سارقت الصبا والنجائب ففاقتهما، ولم تحوج سلام المشتاقين إلى امتطاء كاهل الرياح، كم دفعت شكا بيقينها، ورفعت شكوى بتبيينها، وكم أدت أمانة ولم تعلم أجنحتها بما فى شمالها ولا شمالها بما فى يمينها، كم التفت الساق منها بالساق، فأحسنت لربها المساق، وكم أخذت عهود الأمانة فبدت أطواقا فى الأعناق تسبق اللمح، وكم استفتح بها المسير إذا جاء بالفتح تسبق الطرف السابق والطرف الرامى الرامق، وما تلت سورة البروج إلا وتلت سورة الطارق، تغدو وتروح، وبالسر لا تبوح، كم سارت تحت أمر سلطانها على أحسن السير، وكم أفهمت أن ملكه سليمانى إذ سخر له منها فى مهماته الطير، أسرع من السهام المفوّقة، وكم من البطائق مخلقة وغير مخلقة.
ومن كلام الأديب تقى الدين أبى بكر حجة فى ذلك
يطير مع الهوى لفرط صلاحه، ولم يبق على السر المصون جناح إذا دخل تحت جناحه، إن برز من مقفصه لم يبق للصرح الممرد قيمة، بل يتغزل بتدبيح أطواقه ويعلق عليه من العين تلك التميمة، ما سجن إلا صبر على
السجن، وضيقه الأطواق؛ ولهذا حمدت عاقبته على الإطلاق، ولا غنى على عود إلا أسال دموع الندى من حدائق الرياض، ولا أطلق من كبد الجو إلا كان سهما مريشا تبلغ به الأغراض، كم علا فصار بريش القوادم كالأهداب لعين الشمس، وأمسى عند الهبوط لعيون الهلال كالطمس.
فهو الطائر الميمون والغاية السباقة، والأمين الذى إذا أودع أسرار الملوك حملها بطاقة، فهو من الطيور التى خلا لها الجو فنقرت ما شاءت من حبات النجوم، والعجماء التى من أخذ عنها شرح المعلقات فقد أعرب عن دقائق المفهوم، والمقدمة والنتيجة للكتاب الحجلى فى منطق الطير، وهى من جملة الكتاب الذى إذا وصل القارئ منه إلى الفتح يتهلل لجنة الخير.
كم أهدت من مخلقها وهى غادية رائحة، وكم حنت إليها الجوارح وهى - أدام الله إطلاقها - أعز جارحة، وكم أدارت من كؤوس السجع ما هو أرق من قهوة الإنشاء، وأبهج على زهر المنشور من صبح الأعشى، وكم عامت بحور الفضاء، ولم تحفل بموج الجبال، وكم جاءت ببشارة خضبت الكف من تلك الأنملة قلامة الهلال، وكم زاحمت النجوم بالمناكب حتى ظفرت بكل كف خضيب، وانحدرت كأنها دمعة سقطت على خد الشقيق لأمر مريب، وكم لمع فى أصيل الشمس خضاب كفها الوضاح فصارت بسموها وفرط البهجة كمشكاة فيها مصباح. انتهى باختصار.
ونقل كترمير عن كتاب ديوان الإنشاء: إن استعمال الحمام فى إيصال الرسائل أمر قديم يصل إلى زمن سيدنا سليمان عليه السلام، ونقل عن مسالك الأبصار: إن من الرسائل ما يكتب فى رق صغير خفيف تحمله طيور زرق لها مراكز، بين الواحدة والثانية ثلاثة مراكز بريد أو أكثر، وهى مراكز خيل كانت تستعمل لنقل الرسائل/والمسافرين، وقد ذكرناها فى الكلام على الصالحية.
قال: وكان الحمام الذى يحمل الرسائل يزين بزى مخصوص؛ ليكون معلوما فلا يتعرض له أحد، فإذا وصل مركزه تؤخذ منه الرسالة إلى حمامة أخرى، وهكذا حتى تصل إلى محل السلطان. وكان لفظ الطير إذا أطلق لا
ينصرف إلا لحمام الرسائل، فيقال كتبوا كتابا على جناح طائر، وسرحوا كل يوم طيور عليها الأخبار.
والموضع الذى تسرح منه يسمى المطار، والجمع مطارات، وخادمها يقال له مطيّر، فيقال بها حمام الرسائل فى أبراجها ومطاراتها، ويقال: استخدم للحمام عدّة مطيرين، وإنما أختير الحمام؛ لأن ذكرها يتميز عن غيره من الطيور بشدة إلفه لأنثاه، ولحدّة إبصاره وسرعة طيرانه، وكان على صاحب ديوان الإنشاء أن يتفقد مراكزها وعددها، وما يلزم لها من الرجال والحيوانات ونحو ذلك.
وكانت الخلفاء العباسيون يهتمون لذلك غاية الإهتمام وكذا أمراء العراق، كما قاله صاحب الروض المعطار، وقد بالغوا فى تربيتها، حتى قيل إنه بلغ ثمن حمامة بسبعمائة دينار، ووردت حمامة من القسطنطينية بيعت بألف دينار، وكان لحمام الرسائل كتاب ودفاتر، فيها تكتب نسبتها وقيمة شرائها، وقد ألّف القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى هذا المعنى كتابا سماه تمائم الحمائم. انتهى.
ونقل المؤرخ ويلنى الفرنساوى عن المؤرخ جاهين بن مرعى الحنبلى أن أول استعمال الحمام كان فى الموصل، ثم أستعمل ذلك الفاطميون عند استيلائهم على مصر، واعتنوا به، وجعلوا له إيرادا يخصه، وأول بطلانه من مصر كان فى الوجه القبلى، وأما الوجه البحرى فكان مستعملا فيه إلى سنة ألف وأربعمائة وخمسين ميلادية، ثم وصف محطاته فقال:
أما من القاهرة إلى الاسكندرية فمن قلعة الجبل إلى منوف العلا تسعة وثلاثون ميلا، إلى دمنهور الوحش خمسة وأربعون ميلا، إلى الإسكندرية ستة وثلاثون ميلا، وأما من القاهرة إلى دمياط: فمن القلعة إلى بنى عبيد ستة وثلاثون ميلا، إلى أشمون الرمان، كذلك إلى دمياط ثلاثون ميلا، وأما من القاهرة إلى غزة: فإلى بلبيس سبعة وعشرون ميلا، إلى صالحية مصر، كذلك
إلى قطيا إثنان وأربعون ميلا، إلى الورادة ثمانية وأربعون ميلا، إلى العريش، إلى غزة واحد وثمانون ميلا. وأما من غزة إلى القدس فثمانية وأربعون ميلا، إلى نابلس ستة وثلاثون ميلا، ومن غزة إلى جيرون ثلاثون ميلا، إلى الصافية خمسة وأربعون ميلا، إلى الكرك سبعة وأربعون ميلا.
وأما من غزة إلى صفد فإلى القدس ثمانية وأربعون، إلى حنين ثلاثون، إلى بيسان أربعة وعشرون، إلى صفد كذلك.
وأما من غزة إلى دمشق فإلى القدس ثمانية وأربعون، وإلى حنين ثلاثون وإلى بيسان أربع وعشرون، إلى طافس ثلاثون، إلى الضمين أربعة وعشرون، إلى دمشق ثلاثون.
وأما من دمشق إلى حلب، فإلى الكرك خمسة وأربعون، إلى حمص ستة وثلاثون، إلى حماة أربعة وعشرون، إلى مرا ثلاثون، إلى خان طونام كذلك، إلى حلب ثمانية عشر.
وأما من حلب إلى بهنسا، فإلى البيرا على شاطئ الفرات ستة وستون، إلى قلعة الروم سبعة وعشرون، إلى بهنسا خمسة وأربعون.
وأما من حلب إلى الرحبة: فإلى القباقب خمسة وسبعون، وإلى تدمر كذلك، وإلى الرحبة مائة وسبعة.
وأما من دمشق إلى طرابلس، فإلى صيدا ثلاثة وستون، وإلى بيروت أربعة وعشرون، وإلى نزبلا ثلاثون، وإلى طرابلس أربعة وعشرون انتهى.
(ترجمة الإمام الكبير رضوان أبى الرضا العقبى الشافعى)
وفى الضوء اللامع للسخاوى: أن من منية عقبة: رضوان بن محمد يوسف الزين، أبو النعيم، وأبو الرضا العقبى القاهرى، الصحراوى الشافعى المقرى، ولد بمنية عقبة بالجيزة سنة تسع وستين وسبعمائة، ونشأ بخانقاه شيخو، وجوّد القرآن، وتلا بالسبع واجتهد فيها جدا، وتفقه بالبلقينى، وابن الملقن والمناوى، والشموس الثلاثة: القليوبى، والغراقى، والشطنوفى وغيرهم، وأخذ النحو عن
الشطنوفى وغيره، وأصول الفقه عن القليوبى وغيره، والفرائض والحساب عن الغراقى وغيره، وأخذ الصرف والمنطق والمعانى والبيان والجدل عن البساطى.
وناب فى عقود الأنكحة بالقاهرة وضواحيها، وولى مشيخة الإسماع بالشيخونية، والخدمة بالأشرفية المستجدة بالعنبريين، والخطابة بجامع المرج وغير ذلك، وحج مرارا، وجاور مرتين، وزار بيت المقدس والخليل، واستوفى بالسماع والقراءة أصول السنة الستة وغيرها، وانفرد فى الديار المصرية بمعرفة شيوخها، ونظم، ونثر، وتخرج به جمع من الفضلاء.
قال السخاوى: وكنت ممن تخرج به، وكان كثير المحبة لى والإقبال علىّ، وكان خيرا دينا ساكنا بطئ الحركة، ريض الخلق، صادق اللهجة، غزير المروءة متواضعا، منطرح النفس، وقورا بساما، مهيبا بهيا، نير الشيبة، حسن السمت، كثير التلاوة والعبادة، غاية فى النصح، سليم الباطن، محبا فى الحديث وأهله، سمحا بإعارة كتبه، منجمعا عن الناس بتربة السيفى، قجماش الظاهرى/بالقرب من البرقوقية قانعا باليسير، عديم النظير على طريقة السلف، قلّ أن ترى العيون مثله، طار اسمه بمعرفة الأسانيد والمرويات، وأرسل للسلطان أبى فارس صاحب المغرب أربعين حديثا خرجها له ولأولاده فأثابه عليها.
سئل عن شيخنا ابن حجر: أيما أكبر أنت أو هو؟ فقال: أقول كما قال العباس رضي الله عنه: أنا أسن منه وهو أكبر منى، رحمهما الله تعالى، مات سنة إثنتين وخمسين وثمانمائة بسكنه بتربة قجماش، ودفن بها، وتأسف الناس على فقده ومن نظمه:
الحب فيك مسلسل بالأول
…
فامنن ولا تسمع كلام العذل
وارحم عباد الله يا من قد علا
…
من يرحم السفلى يّرحمه العلى
وخف العذاب ورج عفوا أن ترم
…
شربا من العذب الرحيق السلسل
انتهى باختصار.
(ترجمة الشيخ مصطفى العقباوى)
وذكر الجبرتى فى حوادث سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف، أن منية عقبة المذكورة نشأ منها الإمام الكبير والعالم الشهير الشيخ مصطفى العقباوى المالكى.
قدم الأزهر وهو صغير، ولازم الشيخ حسن البقلى، ثم الشيخ محمد عبادة العدوى حتى اشتهر فى مذهبه، وتلقى عن الشيخ الدردير، والشيخ الأمير، والشيخ محمد البيلى، وتصدر لإلقاء الدروس، وانتفع به الطلبة، واشتهر فضله، وكان إنسانا حسنا مقبلا على الإفادة والإستفادة، لا يتداخل فيما لا يعنيه، ويأتيه من بلده ما يكفيه، وكان فيه عفة وصلاح.
ومن تآليفه الرسالة المشهورة برسالة العقباوى فى علم التوحيد، ومن مناقبه أنه كان يحب إفادة العوام، حتى أنه كان إذا ركب مع المكارى يعلمه عقائد التوحيد وفرائض الوضوء والصلاة، ولم يزل مستمرا على التقوى والصلاح إلى أن قبض روحه العليم الفتاح فى يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
(منية علوان)
قرية من مديرية الغربية بمركز كفر الشيخ، فى شرقى ترعة الجعفرية بنحو ألف متر، وفى الشمال الشرقى لكفر الشيخ بنحو ألف وأربعمائة متر، وفى شمال ناحية سخا بنحو ثلاثة آلاف متر.
(منية على)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز السنبلاوين، على الشاطئ القبلى لبحر طناح، وفى الشمال الشرقى لجديدة الهالة بنحو نصف ساعة، وفى الجنوب الغربى لمنية عوام بنحو ثلث ساعة، وبها جامع.
(منية عنتر)
قرية من مديرية الغربية بمركز شربين، على الشاطئ الغربى لفرع دمياط، فى شمال طلخة بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى جنوب شبرا قماش بنحو ألف متر، وبها جامع بمنارة، وقليل أشجار.
(منية عوّام)
بتشديد الواو قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على الشاطئ الغربى لبحر طناح، وفى الشمال الشرقى لمنية على بنحو ثلاث ساعات، وشرقى شبرا بدين بنحو ثلثى ساعة، وبها مسجد، وتكسب أهلها من الزرع غالبا.
(منية عياد)
قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود على الشاطئ الشرقى لبحر تيرة، وفى شمال أفنيش بقليل، وجنوب كفر الأكرورى كذلك، وبها جامع بمنارة.
(منية غراب)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود، على الشاطئ الشرقى لترعة البزرارى، وفى شرقى منية العامل بثلثى ساعة، وفى الشمال الشرقى لناحية أبى داود العنب كذلك.
(منية الغرقى)
قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، على الشاطئ الغربى لفرع دمياط، وفى شمال منية ثابت بنحو ساعة، وفى جنوب جوجر كذلك، وبها جامع بمئذنة، ووابور لسقى المزروعات للدائرة السنية.
(ترجمة الشيخ محمد المنصورى)
وهذه القرية ولد بها الشيخ محمد بن إبراهيم المنصورى الحنفى، مفتى مجلس الأحكام المصرية، وأحد علماء الأزهر، ولد سنة ثمان عشرة ومائتين
وألف، وحفظ القرآن بها، ثم رحل إلى مكة المشرفة بعد أن كف بصره، فأقام بها نحو سبع سنين، وتلقى شيئا من العلم على مذهب الإمام الشافعى رضي الله عنه.
ثم قدم إلى مصر وجاور بالأزهر، وتفقه على مذهب أبى حنيفة، وتلقى عن مشايخ عصره، فمن مشايخه الشيخ حسن العطار، والشيخ حسن القويسنى، والشيخ إبراهيم البيجورى، والشيخ محمد الدمنهورى الشافعيين، والشيخ منصور اليافى، والشيخ عبد الرحمن المنصورى.
وتصدر للإقراء سنة ثمان وأربعين، فقرأ الكتب المفيدة مثل الأشباه والنظائر، والدر المختار، ومتن القدورى، ومجمع البحرين.
ومن تلامذته الشيخ الغمراوى الشهير بالسايس، والشيخ محمد الربعى، والشيخ بكرى الحلبى وغيرهم، وتقلد وظيفة الإفتاء بالأوقاف المصرية، ثم بمجلس الأحكام، الى أن توفى ليلة الخميس تاسع عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين، وكان سريع الحفظ جدا، ذا هيبة ووقار، أبيض اللون طويل القامة، حسن الأخلاق كريم الطباع رحمه الله تعالى.
(منية غريط)
قرية بمديرية الدقهلية من مركز نوسا الغيط، فى الشمال الشرقى للقنيبرة بنحو ألف متر، وفى الشمال الغربى للحصانية بنحو ألف وثمانمائة متر.
(منية غزال)
قرية من مديرية الغربية بمركز الجعفرية، على الشاطئ الجنوبى لترعة/ الجعفرية بنحو ستمائة متر، وفى الشمال ناحية أبى طور بنحو ألف ومائتى متر، وشرقى منية حبيش القبلية بنحو أربعة آلاف متر، وبها جامع بمنارة.
من أهاليها السيد تركى رئيس مجلس مركز زفتة، وتكسب أهلها من الفلاحة.
وفى ابن إياس: أن منية غزال ضيعة بالشرقية نسب إليها نائب الشام جان بردى الغزالى؛ بسبب أن الأمير تغرى بردى الأستادار قرره شادّا فيها، ثم قرره الأشرف قايتباى فى كشف الشرقية وجعله جمدارا، ثم بقى أمير عشرة فى آخر دولة الناصر محمد بن قايتباى، ثم بقى محتسب القاهرة فى دولة السلطان الغورى، ثم قرره حاجبا بحلب، ثم نقله من حجوبية الحجاب الى نيابة صفد، وذلك فى سنة سبع عشرة وتسعمائة، ثم نقله إلى نيابة حماة.
ولما تسلطن على مصر الأشرف طومان باى استقر هو نائب الشام، فلما ملك السلطان سليم قرره فى نيابة الشام، وجعل له التحدث على الشام، وحماة، وحمص، وصيدا، وبيروت، وبيت المقدس، ورملة، والكرك، فاغتر وحدثته نفسه بالسلطنة، فتسلطن وتلقّب بالملك الأشرف، وقبلوا له الأرض، وخطب باسمه جمعتين بدمشق، فأرسل إليه السلطان سليمان عساكر عظيمة، ووقعت بينهما مقتاة مهولة، قتل فيها نحو عشرة آلاف إنسان، وكانت الهزيمة عليه فقبض عليه وقتل وحزت رأسه، وأرسلت إلى إسلامبول مع رؤس جماعة من أصحابه وذلك فى سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وأصله من مماليك الأشرف قايتباى وكان عنده وهج وخفة زائدة، ليس له رأى ولا تأمل، انتهى.
(منية غمر)
بلدة شهيرة بمديرية الدقهلية، على شط بحر دمياط الشرقى فيها ثلاثة جوامع بمنارات، وجملة أضرحة لبعض الصالحين، وحمام وثلاثة وابورات لحلج القطن، ومجلس دعاوى، ومحكمة شرعية ووكائل، وسوق دائم بحوانيت، ومعاصر زيت. وأهلها مشهورون بتجارة الحبوب والقطن وثيابه، والحرير مثل القطنى، والشاهى والكريشة والعصائب، وينسج بها الكتان وغليظ القطن، وفيها صاغة لحلى الذهب والفضة.
ومن حوادثها أنها أحرقت فى يوم الثلاثاء خامس صفر سنة أربع وعشرين وتسعمائة، وذلك كما فى ابن إياس: أن عرب الشرقية قاموا على قدم العصيان
فى تلك المدة، وتعدوا الحدود فى الفساد، وكان رئيسهم شيخ العرب عبد الدائم بن بقر، فسطا بهم على ناحية منية غمر، فأحرقها بعد نهبها، وقد التفت عليه عرب الشرقية والغربية وزاد فى التعدى، حتى طرد أباه أحمد بن بقر من المشيخة.
ولما بلغ الأمر ملك الأمراء خير بك حاكم مصر من طرف ابن عثمان، أحضر أحمد بن بقر المذكور وخلع عليه، وقرره شيخا على الشرقية؛ وعين الأمير قايتباى الدوادار بطائفة من العسكر للخروج الى عبد الدائم، وأخذ فى تحصين القلعة، وسدّ منها عدة أبواب، وهم بسد أبواب القاهرة، خوفا من عبد الدائم والعرب؛ لإنتشارهم فى البلاد وقطعهم الطرق، حتى وصلوا إلى القاهرة وضواحيها، وأكثروا من السلب والنهب.
ثم فى الثالث والعشرين من الشهر سعى شيخ العرب بيبرس بن بقر أخو عبد الدائم، والشيخ أبو العباس الغمرى فى الصلح بين عبد الدائم وباقى أخوته، وقد رغب ملك الأمراء فى الصلح لسد باب الفساد، وأرسل معهما خلعة لعبد الدائم ومنديل الأمان، فاطمأن عبد الدائم إلى ذلك، وحضر إلى القاهرة يوم الخميس فى الخامس والعشرين من الشهر، وقابل ملك الأمراء، وفى وقوفه بين يدى ملك الأمراء، تقدم إليه والده أحمد بن بقر وأمسكه من طرفه بين يدى ملك الأمراء وقال: إن أطلقت هذا صار فى ذمتك إلى يوم القيامة، وأخرب الشرقية عن آخرها، وساعد والده على ذلك خير الدين بك نائب القلعة، وسنان باشا، فما وسع ملك الأمراء إلا أن وضع عبد الدائم فى الحديد، وسلمه لخير الدين بك، وأوقع القبض على نحو ثلاثين ممن حضر معه من أعيان العرب، وخلع على أخيه الأمير بيبرس، وقرره فى مشيخة الشرقية.
وقد سر بالقبض على عبد الدائم كل أحد من الناس، فإنه كان من كبار المفسدين، أخرب البلاد، وآذى العباد، وقطع طريق القوافل، ووضع يده على
خراج البلاد الأوقاف، ثم إن ملك الأمراء أرسل فضرب الحوطة على موجوده من صامت وناطق حتى على سواقيه وزرعه، والذى خبث لا يخرج إلا نكدا، وبقى فى السجن ببرج القلعة نحو ثلاثين سنة، ثم إن العرب استمروا على الإفساد فى البلاد فى مشيخة بيبرس بن بقر، واتهمه الحكام بالتواطئ مع العرب، فهموا بالقبض عليه فهرب، وبقى أبوهما أحمد هو المتكلم على عرب الشرقية قاطبة. انتهى.
وفى رسالة البيان والإعراب للمقريزى: إن فى منية غمر جماعة من السعديين من جذام، قال: وفى جذام خمس سعود: سعد بن اياس بن حرام ابن جذام، وسعد بن مالك بن زيد بن أقصى بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام، وإليه ينسب أكثر السعديين، وسعد بن مالك بن حرام بن جذام، وسعد بن أبامة بن غطفان، وقيل سعد بن أبامة بن عبيس بن غطفان بن سعد ابن مالك بن حرام بن جذام/، وسعد بن مالك بن أقصى بن سعد بن إياس ابن حرام بن جذام، والخمسة اختلطوا بمصر، وأكثرهم مشايخ البلاد وخفراؤها، ولهم مزارع، وفسادهم كثير، وسكنهم من منية غمر إلى زفيتة، ومنهم الوزير شاور، وإليه ينسب بنو شاور كبار منية غمر، ومنهم بنو عبد الظاهر الموقعين، وهم من أهل برهمتوش، وفى منية غمر عقارات كثيرة لعفيفى أفندى المترجم فى زاوية البقلى.
(منية فاتك)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، فى البر الشرقى للبحر الصغير، وفى الشمال الشرقى لمنية مزاح بنحو مائة متر، وفى شمال ناحية الدنابيق بنحو نصف ساعة.
(منية فارس)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على بحر طناح فى جنوب أشمون الرمان بنحو نصف ساعة، وفى الشمال الشرقى لناحية محمود كذلك،
وبها مسجد بدون منارة، ورى أطيانها من بحر طناح، ومنية فارس أيضا قرية بمديرية المنوفية بمركز مليج، شرقى ترعة القاصد، وبحرى مليج بنحو ثلثى ساعة، وقبلى جنزور كذلك، وتكسب أهلها من الفلاحة.
(منية الفرماوى)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية غمر، فى الجنوب الشرقى لدنديط بثلث ساعة، وفى شمال المقداد بنحو ساعة، وبها جامع بدون منارة، وفى غربيها أضرحة أولاد عنان.
(منية فضالة)
بفتح الفاء، قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود على الشاطئ البحرى لترعة فضالة، وشرقى ناحية شيوه بأقل من ساعة، وغربى منية أبى الحسينى كذلك، وبها جامع بمنارة ودوار أوسية لسعادة طلعت باشا، وبها أشجار متنوعة.
(ترجمة الشيخ سيف الدين الفضالى)
والظاهر أن هذه القرية ينسب إليها سيف الدين الفضالى المترجم فى خلاصة الأثر بأنه: سيف الدين أبو الفتوح بن عطاء الله الوفائى الفضالى المقرى البصير، شيخ القراء بمصر فى عصره، قال بعض الفضلاء فى حقه، فاضل، جنى فواكه جنيّة من علوم القرآن، قرأ بالروايات على الشيخ شحاذة اليمنى، وأحمد بن عبد الحق، وأخذ عنه سلطان المزاحى ومحمد البابلى، وله مؤلفات منها: شرح بديع على الجزرية فى التجويد، ورسائل كثيرة فى القراءات، وكانت وفاته بمصر سنة عشرين وألف. وانتهى.
(منية القائد ويقال لها المنية القرعة)
قرية من مديرية الجيزة بقسم ثانى، فى شرقى السكة الحديد للوجه القبلى على بعد مائتى متر، وفى جنوب المقاطفية بنحو نصف ساعة، وفى الجنوب الشرقى للمحرقة بنحو ساعة، وأهلها مسلمون ومنهم علماء.
(ترجمة ضياء الدين محمد بن إبراهيم المناوى)
وإليها ينسب - كما فى حسن المحاضرة - الإمام الفاضل ضياء الدين محمد بن إبراهيم المناوى الشافعى، ولد بهذه القرية سنة خمس وخمسين وستمائة، وأخذ عن ابن الرفعة والأصفهانى والبهاء وابن النحاس، وشرح التنبيه، مات فى رمضان رحمه الله سنة ست وأربعين وستمائة.
(منية قادوس)
بقاف فألف، فدال مهملة، فواو، فسين مهملة، قرية من مديرية الجيزة بقسم ثانى، فى غربى المنوات بنحو خمسمائة متر، وفى جنوب أبى النمرس كذلك، وبها نخيل كثير.
(منية القرآن)
بلفظ القرآن الذى هو كلام الله تعالى. قرية من مديرية البحيرة بمركز الساحل. فى شمال فرع السكة الحديد المار من دسوق إلى دمنهور. وفى شمال كفر محلة داود بنحو ثلث ساعة. وشرقى سنهور بنحو نصف ساعة، وبها جامع بمئذنة، وقليل أشجار.
(منية القرشى)
قرية بمديرية الدقهلية بمركز منية غمر. فى شمال ترعة الدبونية على بعد مائتى متر، وفى الجنوب الشرقى لناحية المقدام بنحو ألف متر، وفى غربى كفر عبد الملاك بنحو ألفين وخمسمائة متر.
(منية القصرى)
بفتح القاف وسكون الصاد وكسر الراء فياء نسبة، قرية من مديرية المنوفية بمركز منوف. شرقى ترعة العطف على نحو ثلاثمائة متر. وغربى منية سراج بنحو ربع ساعة، وشرقى أصطبارى بنحو ثلث ساعة. وفى بحريها دار ضيافة للفاضل الشيخ عامر القصراوى، كان قاضيا وعزل نفسه تورعا، وله كرم زائد
ومحاسن أخلاق. وفى قبليها مقام جده الشيخ حسن القصراوى، وفى غربيها مقام الشيخ محمد القصراوى، وتكسب أهلها من الفلاحة.
(منية قلينى)
قرية من مديرية الغربية بمركز صا الحجر، واقعة فى جنوب شمال شباس عمير، على بعد خمسة آلاف متر، وغربى قلينى بنحو أربعة آلاف متر، وبها جامع.
(منية القمح)
هذه القرية رأس مركز بمديرية الشرقية، على الشاطئ الشرقى لبحر مويس فى شرقى السكة الحديد الموصلة إلى الزقازيق، وفى جنوب الزقازيق بنحو ثلاثة عشر ألف متر، وفى جنوب الجديدة بنحو ساعة، وفى شمال منية يزيد بنحو ربع ساعة، ويقال لها منا القمح، وأبنيتها باللبن وقليل من الطوب الأحمر، وبها ديوان الضبطية، وثلاثة مجالس للمركز والدعاوى والمشيخة، ومحطة السكة الحديد ومساكن لمستخدميها، وأربعة وابورات ثابتة فى شرقى السكة الحديد، وفى غربيها لحلج القطن ووابور للطحين، ومساجد عامرة أحدها بمنارة، وبها قيسارية ذات حوانيت مشحونة بالبضائع، وقهاو وخمارات ومنازل/تجار من الدول المتحابة، وزمام أطيانها ألف فدان وخمسة وكسر، وجملة أهلها ألف وأربعمائة وخمسة وثلاثون نفسا، يتكسبون من الزرع المعتاد، ومنهم أرباب حرف وتجار، ولها سوق كل يوم إثنين غير السوق الدائم.
(منية القمص)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على البر الشرقى للبحر الصغير، بحرى منية عاصم بنحو نصف ساعة، وفى جنوب كفر الكردى كذلك، وبها جامع بناؤه بالطوب الأحمر، وتكسب أهلها من الزراعة وغيرها.
(ترجمة أبى المعالى الشيخ عبد الرحمن القمصى)
وإليها ينسب الشيخ عبد الرحمن القمصى، قال فى الضوء اللامع: هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الجلال، أبو المعالى ابن شهاب القمصى، نسبة لمنية القمص، بالقرب من منية بنى سلسيل المهدوى نسبة لجده لأمه، القاهرى الشافعى.
ولد فى أول شعبان سنة إثنتين وتسعين وسبعمائة؛ فقرأ القرآن عند الشمس القاياتى مؤدّب الأبناء، والمصابيح، والعمدة، والألفيتين، والشاطبيتين، والسخاوية، والفصيح لثعلب، والمنهاجين الفرعى والأصلى مع الزيادات عليه للإسنائى، والتلخيص، والشمسية، والمعونة فى الجدل للشيخ أبى إسحاق، وبعد ذلك المقامات الحريرية، وقرأ الفقه على البيجورى والبرماويين، وسمع من العراقى والهيتمى، ولازم خدمة الدميرى وقرأ عليه كثيرا، وكان يجلس بجانبه فى سعيد السعداء بصفة المشايخ، وأخذ عن الشمس البلالى وجماعة، وسمع الحديث على العراقيين وشيخنا، واشتدت ملازمته له من سنة إحدى عشرة فما بعدها زمنا طويلا، وكان أحد العشرة المقررين عنده بالجمالية من واقفها، وقرأ الصحيح على النور الشلقامى، وكذا قرأ على الناس بالجامع الأزهر وغيره.
ونزل بالخشابية والآثار وغيرهما، وخطب بجامع العجمى بقنطرة الموسكى، وكذا نيابة بالمؤيدية، وولى إمامة الفخرية بين السورين فى سنة إحدى وعشرين وقراءة الحديث بها، وحدث بالكثير، حملت عنه أشياء، وأكثر عنه الطلبة بأخرة، وكتب بخطه جملة كالصحيحين والترغيب للمنذرى.
وكان بارعا يقظا، حافظا للكثير من المتون، ضابطا لمشكلها متقنا لأدائها، حتى صار أعرف شيوخ الرواية بألفاظ الحديث، وأمسهم بالرّد المتقن فيه، شجى الصوت بالقرآن والحديث، ذا أنسة بالفن، بحيث ضبط فى كثير من سماعته الأسماء، محبا فى أهل الحديث، وكان كثير التواضع، منجمعا عن الناس، يقوم الليل، قليل المثل فى مجموعه، منطويا على خير ومحاسن.
وقد نهبت أمتعته من قماش له ولأولاده وعياله ونقد وكتب وغيرها فى بعض كوائن الزين الأستادار من خلوة له بالفخرية لمجاورتها لبيته، فتضعضع حاله بسبب ذلك، وصعد إلى السلطان، فما أفاد، وكان يتأسف إذا تذكر ذلك كثيرا، ومتعه الله بسمعه وبصره وحواسه كلها، وتوعك يسيرا، ثم مات يوم السبت التاسع والعشرين من المحرم سنة خمس وسبعين وثمانمائة، وصلى عليه فى يومه بعد العصر بالجامع الأزهر، ودفن بتربة ابن نصر الله جوار الشيخ يوسف البوصيرى رحمهما الله وإيانا. انتهى باختصار.
(منية كردك)
بفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة وآخره كاف، قرية من مديرية الجيزة من كفور إنبابة، فهى من القسم الأول.
(منية كنانة)
قرية بمديرية القليوبية من مركز بنها، شرقى مصرف العموم بنحو ألفى متر، وشرقى مشتهر بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى شمال ناحية الدير كذلك، وبها جامعان أحدهما بمنارة، وفى جهتها القبلية دار متسعة لعمدتها محمود زغلول، ولها سوق كل يوم ثلاثاء، وتكسب أهلها من زرع الحناء وغيرها، فيبيعون حطب الحناء لعمل المشنات، ويدقون الورق بعد خلطه بشئ من الرمل - إذ لا يمكن سحقه إلا بذلك - ثم يبيعونه. ومنهم من يتجر به إلى نحو الأستانه. انظر ما يتعلق بالحناء فى الكلام على سفط الحناء.
وفى الضوء اللامع للسخاوى أن أكثر أهل منية كنانة نصارى، فلذا كان الشيخ شمس الدين المراغى يقول إنه رأى سويدا جد عبد الرحمن بن حسن سويد، وهو بالعمامة الزرقاء، يبيع الفراريج والقفص على رأسه. فالله أعلم.
(ترجمة الشيخ عبد الرحمن الكنانى أحد النواب)
وعبد الرحمن المذكور كان مالكيا حسن الصورة، وهو أحد النواب، تزوّج بإبنة الفخر القاياتى، وتزوج أبوه بأختها، فلما مات القاياتى، خلصت لهما
الدار العظمى بشاطئ النيل، ودخل مع والده وهو صغير اليمن وغيرها من الأماكن، وقربه أكثر من أخيه محمد، وصار هذا أنبه، لكن مع بأو، أى افتخار زائد فيها ليس له سبب إلا دناءة أصل جدهما سويد، وقد رأس وجيه الدين بعد أبيه، وصار المشار إليه بمصر، ولازم بشتك الأعرج أتابك الدولة الأشرفية برسباى، ثم لازم جوهر الخازندار الأشرفى فعظم أمره، مات سنة أربع وأربعين وثمانمائة، ودفن بمدرستهم، وختم على حواصله ببيته وغيره من جهة السلطان، ولم يلبث أن فك ولده الصدر محمد الختم فى صبيحة ذلك اليوم، وكان يقال له الكنانى، نسبة إلى منية كنانة بالقليوبية. انتهى.
(منية لوزة)
قرية من مديرية الدقهلية فى جنوب منية جراح بنحو ألف وأربعمائة متر، وغربى ناحية الملحة بنحو خمسة آلاف وثمانمائة متر.
(منية الليت)
الليت الجعفرية/هى بلام مشددة وياء تحتية ساكنة وتاء مثناة فوقية مفتوحة، كما هو الجارى على الألسنة، قريتان بمصر، إحداهما: منية الليت الجعفرية، وهى قرية من مديرية الغربية بمركز الجعفرية، على الجانب الغربى لترعة سحيم القديمة على نحو ألف وثمانمائة متر، وفى غربى بلكيم بنحو ألفين وثمانمائة متر، وشرقى سبطاس بنحو ثلاثة آلاف ومائتى متر.
الليت السمنودية ثانيهما: منية الليت السمنودية، وهى قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود غربى بحر الملاح على بعد ثلاثمائة متر، وشرقى سندسيس بنحو ألفى متر، وفى شمال المرج كذلك، وبها جامع ودار أوسية، ووابور لسقى المزروعات لذرية المرحوم أحمد باشا يكن.
(منية محسن)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية غمر، على الشاطئ الغربى لترعة
البوهية، وفى الشمال الشرقى لناحية دقادوس بنحو ألفى متر، وفى الجنوب الشرقى لبشلا كذلك، وبها جامع بمنارة، ومنزل حسن لعمدتها محمود شرف الدين.
(منية محلة دمنة)
بدال مهملة وميم ونون مفتوحات وهاء تأنيث، قرية صغيرة من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على البر الغربى للبحر الصغير فى مقابلة محلة دمنة، وبها جامع بمنارة، وأهلها مسلمون، وتكسبهم من زراعة القطن وأصناف الحبوب.
(منية محمود)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز طناح، على الشاطئ الشرقى لبحر طناح، وشرقى طناح بنحو ساعة، وفى جنوب منية فارس بنحو نصف ساعة، وبها مسجد، وتكسب أهلها من الزرع.
(منية المخلص)
بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام فصاد مهملة، قرية من مديرية الغربية بمركز زفتة، شرقى بحر شيبين على بعد ربع ساعة، وفى الشمال الشرقى للمنشأة الجديدة بقليل، وفي جنوب كفر الجزائر كذلك، وبها جامع بدون منارة، ومن أهلها المرحوم شافعى بك الحكيم ومحمد أفندى فوزى الحكيم.
(منية مرجا سلسيل)
بإضافة منية إلى مرجا بفتح الميم والراء المهملة وتشديد الجيم وألف مقصورة، ومرجا مضاف إلى سلسيل بسينين مهملتين بينهما لام، وبعد السين الثانية ياء مثناة تحتية وفى آخره لام، قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على الشاطئ الشرقى للبحر الصغير، شرقى الكفر الجديد بنحو نصف ساعة، وفى الجنوب الغربى لناحية الجمالية كذلك، وبها مسجد، وتكسب أهلها من الزرع غالبا.
(ترجمة الشيخ محمد السلسيلى)
ولعل هذه القرية هى التى عبر عنها السخاوى فى الضوء اللامع بمنية بنى سلسيل وقال إنه ولد بها ابن الهليس بكسر الهاء واللام وآخره مهملة، وهو محمد بن على بن أحمد بن إبراهيم السلسيلى المناوى الشافعى، حفظ بها القرآن والعمدة، وعرضها على جماعة، ونظّم اليسير مما يوجد فيه المقبول، كتب عنه ابن فهد والبقاعى فى المنية سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة قوله:
أيها المذنبون مثلى أجيبوا
…
داعى الله أسرعوا وأنيبوا
وتنحوا عن كل فعل قبيح
…
وافعلوا الخير فهو فعل حسيب
وإلى الله فارجعوا من قريب
…
فنهار الحساب منكم قريب
انتهى. ولم يذكر تاريخ موته رحمه الله.
(منية المرشد)
قرية من مديرية الغربية بمركز دسوق، فى شرقى بحر رشيد على ثلاثمائة متر، وفى شمال مطوبس بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى جنوب برنبال بثلاثة آلاف وخمسمائة متر، وبها جامع بمنازة، بداخله مقام الشيخ المرشدى، يعمل له مولد كل سنة فى شهر مسرى، يستمر ثمانية أيام، وفى جنوبها الشرقى محل يعرف بكودميس، وهو موردة لأهل البرلس يملح فيه الفسيخ، وتكسب أهلها من ذلك.
(ترجمة العابد أبى عبد الله المرشدى)
قال ابن بطوطة فى رحلته: سمعت وأنا بالإسكندرية بالشيخ الصالح العابد المنفق من الكون أبى عبد الله المرشدى، أنه من أولياء الله الكبار المكاشفين، منقطع بمنية ابن مرشد، وله هناك زاوية، ولا خديم له، ولا صاحب، ويقصده الأمراء والوزراء، وتأتيه الوفود من طوائف الناس كل يوم
فيطعمهم الطعام، وكل واحد منهم ينوى أن يأكل عنده طعاما أو فاكهة أو حلوى، فيأتى لكل واحد بما نواه، وربما كان ذلك فى غير أيامه، وتأتيه الفقهاء لطلب الخطط، فيولى ويعزل، وذلك كله من أمره مستفيض.
وقد قصده سلطان مصر الملك الناصر مرات من موضعه، فخرجت من مدينة الإسكندرية قاصدا هذا الشيخ، نفعنا الله تعالى به، فوصلت قرية تروجة، ثم إلى مدينة دمنهور أم مدائن البحيرة، ثم إلى مدينة فوة، وبالقرب منها زاوية الشيخ أبى عبد الله المرشدى، فتوجهت إليه، فلما دخلت إليه قام إلىّ وعانقنى وأكرمنى، وأحضر الطعام فواكلنى، وأمرنى بالنوم عنده على سطح الزاوية، فنمت، فرأيت فى الرؤيا تلك الليلة كأنى على جناح طائر يطير بى فى سمت القبلة، /ثم يتيامن عنها ثم يشرق، ثم يذهب فى ناحية الجنوب، ثم يبعد الطيران فى ناحية المشرق، ونزل بى فى أرض مظلمة خضراء، وتركنى بها. فعجبت من هذه الرؤيا، وقلت فى نفسى: إن كاشفنى الشيخ برؤياى هذه فهو كما يحكى عنه.
فلما غدوت لصلاة الصبح قدمنى إماما لها، ثم أتاه من كان بائتا عنده من الزوار والأمراء وغيرهم، فودعهم، وانصرفوا، وزودهم كعيكات صغارا، ثم صلى الضحى، ودعانى وكاشفنى برؤياى فقصصتها عليه، فقال لى: سوف تحج وتزور النبى صلى الله عليه وسلم، وتجول بلاد اليمن، والعراق، وأرض الترك، وبلاد الهند، وتبقى بها مدة طويلة، وستلقى بها أخى دلشاد الهندى، ويخلصك من شدة تقع فيها، ثم زوّدنى كعيكات ودراهم وودعته، ومنذ فارقته لم أر فى أسفارى إلا خيرا، ولم ألق فيمن لقيتهم مثله إلا الولى سيدى محمد الموله بأرض الهند، انتهى.
(منية مزّاح)
بميم مفتوحة فزاى مشددة فألف فحاء مهملة، كما فى خلاصة الأثر، قرية من مديرية الدقهلية بمركز دكرنس، موضوعة على الشاطئ الغربى للبحر
الصغير، أغلب بنائها بالآجر، وبها جامع بمئذنة، وبعض أشجار، وليس لها سوق، وتكسب أهلها من الزراعة.
(ترجمة الشيخ سلطان المزاحى)
وممن نشأ منها من أفاضل العلماء الشيخ سلطان المزاحى، المترجم فى خلاصة الأثر بأنه سلطان بن أحمد بن سلامة بن إسماعيل، أبو العزائم، المزاحى المصرى، الأزهرى، الشافعى، إمام الأئمة، وبحر العلوم، وسيد الفقهاء، وخاتمة الحفاظ والقراء، فريد العصر، وقدوة الأنام، وعلامة الزمان، الورع العابد الزاهد، الناسك الصوّام القوام، قرأ بالروايات عن الشيخ الإمام المقرئ سيف الدين بن عطاء الله الفضالى بفتح الفاء، البصير.
وأخذ العلوم الدينية عن النور الزيادى، وسالم الشبشيرى، وأحمد بن خليل السبكى، وحجازى الواعظ، ومحمد القصرى تلميذ الشربينى الخطيب، واشتغل بالعلوم العقلية على شيوخ كثيرين، وأجيز بالإفتاء والتدريس سنة ثمان بعد الألف، وتصدر بالأزهر للتدريس، فكان يجلس كل يوم مجلسا يقرأ فيه الفقه إلى قبيل الظهر، وبقية أوقاته موزعة لقراءة غيره من العلوم، وانتفع الناس بمجلسه وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه، وصدق نيته، وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قوله لعمله.
وأخذ عنه جمع كثير من العلماء المحققين، منهم الشمس البابلى، والعلامة الشبراملسى، وعبد القادر الصفورى، ومحمد الخباز البطنينى الدمشقيان، ومنصور الطوخى، ومحمد البقرى، ومحمد بن خليفة الشوبرى، وإبراهيم المرحومى، والسيد أحمد الحموى، وعثمان النحراوى، وجاهينى الأرمناوى، ومحمد البهوتى الحنبلى، وعبد الباقى الزرقانى المالكى، ومنهم أحمد البشبيشى. وغيرهم ممن لا يحصى كثرة.
وجميع فقهاء الشافعية بمصر فى عصرنا لم يأخذوا الفقه إلا عنه. وكان يقول: من أراد أن يصير عالما فليحضر درسى؛ لأنه كان فى كل سنة يختم نحو
عشرة كتب فى علوم عديدة يقرأها قراءة مفيدة، وكان بيته بعيدا من الجامع الأزهر بقرب باب زويلة، ومع ذلك يأتى إلى الأزهر من أول ثلث الليل الأخير، فيستمر يصلى إلى طلوع الفجر، ثم يصلى الصبح إماما بالناس، ويجلس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس لإقراء القرآن من طريق الشاطبية والطيبة والدرة، ثم يذهب إلى فسقية الجامع فيتوضأ ويصلى، ويجلس للتدريس إلى قرب الظهر. وهكذا كان دأبه كل يوم، ولم يره أحد يصلى قاعدا مع كبر سنه وضعفه.
وألّف تآليف نافعة منها: حاشية على شرح المنهج للقاضى زكريا فى فقه الشافعى، كانت بقيت فى نسخته فجردها تلميذه الشيخ مطلوع، وله تآليف فى القراآت الأربع الزائدة على العشر من طريق القباقبى وله غير ذلك، كانت ولادته فى سنة خمس وثمانين وتسعمائة، وتوفى ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وألف. وتقدم للصلاة عليه الشمس البابلى، ودفن بتربة المجاورين، وقيل فى تاريخ وفاته:
شافعى العصر ولى
…
وله فى مصر سلطان
فى جمادى أرّخوه
…
فى نعيم الخلد سلطان
والمزاحى بفتح الميم وتشديد الزاى وبعدها ألف وحاء مهملة، نسبة إلى منية مزاح، قرية بمصر بجوار المنصورة. انتهى.
(منية مسعود)
قرية بمديرية الدقهلية من مركز منية سمنود، قبلى ترعة منية مسعود، وقبلى ناحية حمامة بنحو ثلث ساعة، وشرقى منية معاند كذلك.
(منية مسير)
قرية من مديرية الغربية بمركز كفر الشيخ، فى جنوب الطائفة بنحو ألفين وأربعمائة متر، وفى الجنوب الشرقى لسخا بنحو خمسة آلاف وأربعمائة متر.
(منية معاند)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية سمنود على الشاطئ الشرقى لترعة المنصورية على بعد مائتى متر، وفى جنوب سيوة بنحو نصف ساعة، وفى شمال طا النمل بنحو ثلث ساعة، وبها جامع بدون منارة.
(منية معلى)
بضم الميم وفتح العين المهملة وشدّ اللام المفتوحة مقصورا، قرية من مديرية الشرقية بمركز بلبيس قبلى ترعة الجلهومية على نحو مائتى متر/، وغربى قرملة بنحو ثلث ساعة، وفى شمال منية سهيل بأكثر من ذلك، وبها قليل نخيل وأشجار.
(منية المكرم)
بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة، قرية من مديرية الشرقية بمركز الصوالح، شرقى بحر فاقوس على نحو ربع ساعة، وشرقى منية العز بنحو نصف ساعة، وبها جامع بمئذنة وجملة زوايا، وفى غربيها منزل مشيد لعمدتها الحاج محمد إسماعيل، وله أيضا بها معمل لدودة الحرير، وفى بحريها جنينة أيضا، ولها سوق جمعى، وتكسب أهلها من الفلاحة.
(منية موسى)
قرية بمديرية المنوفية بمركز مليج، غربى ترعة القاصد الجديدة على بعد ثلاثمائة متر، وشرقى بتبس بنحو ثلث ساعة، وغربى منية فارس بنحو ثلثى ساعة، وبها جامع بمئذنة، وفى بحريها جنينة لعمدتها محمد الشافعى.
(ترجمة العلامة الشيخ أحمد الشهير بالخليفى)
ونشأ بهذه القرية - كما فى الجبرتى - العلامة الشهير الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن عطية بن عامر بن نوار بن أبى الخير الموسوى الشهير
بالخليفى الضرير، أصله من الشرق، وقدم جده أبو الخير، وكان صالحا معتقدا، وأقام بمنية موسى، فحصل له بها الإقبال، ورزق الذرية، واستمروا بها، وولد الشيخ بها ونشأ بها، وحفظ القرآن.
ثم ارتحل إلى القاهرة، واشتغل بالعلوم على فضلاء عصره، فتفقه على الشيخ العنانى والشيخ منصور الطوخى، وهو الذى سماه بالخليفى؛ لما ثقل عليه نسبة الموسوى، فسأله عن أشهر أهل بلده فقال: أشهرها سيدى عثمان الخليفى، فنسبه إليه، ولازم الشهاب السندوبى البشبيشى وأخذ عنه فنونا وحضر دروس الشهاب وغيره، وأجازه الشيخ العجمى، واجتهد، وبرع، وحصّل، وأتقن، وكان محدثا فقيها، أصوليا نحويا بيانيا، متكلما، عروضيا، منطقيا، آية فى الذكاء وحسن التعبير، مع البشاشة وسعة الصدر وعدم الملل، انتفع به كثير من المشايخ. توفى فى عصر يوم الأربعاء خامس عشر صفر، ودفن صبيحة يوم الخميس بالمجاورين، وذلك فى سنة سبع وعشرين ومائة وألف، عن ستة وستين سنة. انتهى.
(منية ميمون)
قرية من مديرية الغربية بمركز الجعفرية، على الشاطئ الغربى لبحر شيبين فى شمال السنطة بنحو أربعة آلاف متر، وبها جامع، ودار أوسية للدائرة السنية، ووابور على بحر شيبين لسقى الماء وحلج القطن، وقليل أشجار، وأبنيتها بالآجر واللبن.
(منية نابت)
قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، غربى فرع دمياط وفى شمال كفر العرب على نحو نصف ساعة، وفى جنوب منية الغرقى بنحو ساعة.
(منية ناجى)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز منية غمر، على الشاطئ البحرى لترعة
دنديط فى غربى دنديط بنحو نصف ساعة، وبحرى سهرجت الكبرى بنحو ثلث ساعة، وبها جامع ومنزل ضيافة لعمدتها الشيخ أحمد زغلول، وبدائرها كروم.
(منية النحال)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز شها، فى الشمال الغربى للقباب الصغرى بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى شمال القباب الكبرى بنحو ألفين وخمسمائة متر.
(منية النصارى الدقهلية)
قرية قديمة بمديرية الدقهلية بمركز دكرنس، على الشط الغربى للبحر الصغير، بينها وبين دكرنس ثلاثة آلاف وخمسمائة قصبة، وبها جامع بمنارة، ولها سوق كل أسبوع، وتكسب أهلها من الزرع وغيره.
(منية النصارى الغربية)
قرية من مديرية الغربية بمركز المحلة الكبرى، على الشاطئ الغربى لفرع دمياط، وفى شمال بوصير بنحو ثلاثة آلاف متر، وفى جنوب سمنود بنحو ألفى متر.
(منية نما)
بنون فميم مفتوحتين فألف، قرية من مديرية القليوبية بمركز قليوب، على الشاطئ الغربى للترعة الشرقاوية، قبلى منية حلفا بنحو ألف متر، وشرقى قليوب بنحو أربعة آلاف متر، وبعض أهاليها أرباب صنائع فى ورش المحروسة.
(منية هاشم)
قرية من مديرية الغربية بمركز سمنود، فى غربى ترعة الساحل بنحو ثلث ساعة، وفى شمال ناحية العجيزين كذلك، وغربى ناحية منية بدر حلاوة بنحو
ساعة، وأغلب مبانيها بالطوب الأحمر، وبأراضيها أشجار وقليل نخيل، وتكسب أهلها من الزرع وغيره.
(منية الواط)
بأل التعريفية، فواو فألف فطاء مهملة، قرية من مديرية المنوفية بمركز منوف، على الشاطئ الشرقى لترعة السرساوية، وفى شمال الواط بنحو نصف ساعة، وفى جنوب كفر عشما كذلك، وبها جامع بمئذنة، وفى بحريها جنينة. ومن هذه القرية المرحوم مصطفى بك الواطى.
(منية الوسطى)
قرية من مديرية المنوفية بمركز مليج، شرقى ترعة العطف بنحو خمسمائة متر، وفى شمال منية البيضاء بنحو ألف متر، وشرقى سبك كذلك.
(منية يزيد)
قرية بمديرية الغربية من مركز سمنود، على بحر منية يزيد من الجهة الشمالية، وفى شمال القرشية بنحو مائتى متر، وشرقى محلة روح بنحو ألف وثمانمائة متر، وبها جامع بمنارة.
(منية يعيش)
قرية من مديرية الدقهلية بمركز المنصورة، فى الجنوب الشرقى لسهرجت على نحو ألف قصبة، وبها تل قديم يقال له تل البنات، وكروم عنب، وقليل نخيل، وتكسب/أهلها من زرع القطن وقصب السكر وغير ذلك.
(مؤنسة)
قرية من مديرية المنوفية بمركز منوف، على شاطئ البحر الغربى، وبها جامعان، وجنينة، ودوار كبير لعمدتها محمد عبد التواب، وفى شرقيها ضريح الشيخ رومى ظاهر، يزار، وأهلها مسلمون، وتكسبهم من الزرع وغيره، ورى أراضيها من ترعة النجارية وترعة أم الشراميط القديمة.
(ميدوم)
قرية كبيرة من قسم الزاوية بمديرية بنى سويف، قريبة من الجبل الغربى بنحو ثلث ساعة فى جنوب سفط ميدوم بنحو ألفين ومائتى متر، وفى غربى ناحية أطواب بنحو ثلاثة آلاف متر، بها جامع تقام فيه الشعائر، وجملة من النخيل والسواقى، وأبراج الحمام، وهى فى داخل حوض الرقة، بحيث لا يتوصل إليها وقت الفيضان إلا فى المراكب، وفى شرقيها بقليل سفط ميدوم فى داخل الحوض أيضا، وبين ميدوم والنيل نحو ساعة، وفى غربيها هرم يقال له هرم ميدوم، وميدوم هكذا بميم فى آخره، وبين ميمه الأولى وداله ياء مثناة من تحت، هو المعروف الآن اسما لبلدة فى تلك الجهة.
وفى المقريزى: التعبير بمدون بلا ياء، وفى آخره نون، والظاهر أنها هى، وإنما دخلها التحريف، وعبارة المقريزى: وعند مدينة فرعون موسى أهرام أكبر وأعظم، أى من أهرام مدينة فرعون يوسف، وهرم آخر يعرف بهرم مدون كأنه جبل، وهو على خمس طبقات. انتهى.
(الميمون)
قرية من مديرية بنى سويف فى قسم الزاوية، واقعة فى غربى النيل بنحو سبعمائة متر، وفى جنوب ناحية بنى حدير على بعد ألفى متر، وفى الشمال الغربى لأشمنت بنحو ثلاثة آلاف وستمائة متر، وبها مساجد عامرة، وزاوية للشيخ الجنيد، وهو شيخ صوفى، صاحب طريقة، يأخذ العهود على المريدين، ويجتمعون عنده بكثرة؛ ومنهم من يقيم دواما بتلك الزاوية، وينفق عليهم الشيخ حسبة، وقد توفى وترك ولدا شارعا فى السلوك مسلك أبيه.
وفيها نخيل وأشجار، وأبنيتها بالآجر واللبن، وهى قرية طيبة الهواء، وأكثر أهلها مسلمون، وفى غربيها بنحو عشرين قصبة تمر السكة الحديد، وفى مقابلتها بالجبل الشرقى دير يقال له دير الميمون به كنيسة، ويسكنه القسيسون
والرهبان، وفى بحرى ذلك الدير بثلث ساعة فم ترعة الخشاب المارة فى شرقى أطفيح، وكان فمها قبل ذلك عند الكريمات بحرى الدير بثلثى ساعة.
(معركة الأمير خير بك مع النيشارية وغيرهم)
ومن حوادث هذه القرية أنه فى شهر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وتسعمائة، حصلت عندها معركة حاصلها كما فى ابن إياس: أن ملك الأمراء - خير بك حاكم مصر من طرف ابن عثمان - كان قد عين جماعة من الينشارية والأسباهية للسفر إلى الخنكار (السلطان) بحلب، وكانوا ممتنعين من ذلك فحجزهم بالقلعة، فكسروا أبوابها ليلا، ونزلوا منها هاربين، ونزلوا فى المراكب من مصر العتيقة إلى الصعيد.
ولما استشعر ملك الأمراء بذلك أرسل خلفهم قايتباى الدوادار، فخرج فى صلاة الصبح، ومعه عدة من العثمانية والمماليك الجراكسة، وعدوّا إلى الجيزة، واقتفوا أثارهم، وقد افترقت العساكر بسبب ذلك فرقتين: فرقة مع ملك الأمراء، وفرقة عليه، فلم تلحق عساكره الهاربين إلا عند الميمون، فتصادموا هناك، واقتتلوا، فأنهزم العصاة وولوا هاربين إلى بنى عدى، فلحقتهم العساكر فى البحر وحاصروهم فى المراكب، ورموا عليهم بالمدافع والبندق، وأحرقوا مراكبهم، ووقع غالبهم فى البحر فغرق من غرق، وقبض على الباقى، وجز العسكر رؤس ستة وثلاثين منهم، وعادوا بباقيهم إلى مصر، وعرضوهم على ملك الأمراء، فأمر بقتلهم أجمعين، فكان عدة من قتل مائة وخمسين. وبعد أن كانت التراكمة قبل ذلك يقتلون أولاد الجراكسة، صارت عن قريب المماليك الجراكسة تقتل التراكمة بالليل والنهار، وقد ورد فى بعض الأخبار:
لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين
(1)
. انتهى.
(1)
هذا من المشهور على الألسنة، وهو لا يصح؛ لأنه قد ثبتت الاستعاذة من الفتن فى أحاديث: منها حديث الإستعاذة من فتنة المحيا والممات. انظر: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للعجلونى.
(ترجمة نور الدين على الميمونى)
وقد نشأ من هذه القرية جماعة من أفاضل العلماء، وأرباب الوظائف، ففى ابن إياس أيضا: أن من هذه القرية نور الدين على الميمونى، نقيب قاضى قضاة الشافعية بمصر فى زمن ملك الأمراء خير بك، وقد وقعت له أمور غيرت عليه إسكندر بك أحد أمراء ابن عثمان.
وذلك أن إسكندر كان قد حضر إلى مصر عوضا عن سنان باشا، وكان يعارض قضاة القضاة فى الأحكام الشرعية، فتكلم فيه نور الدين عند ملك الأمراء، وبلغ إسكندر ذلك فحنق عليه، وتحصل من ملك الأمراء على الإذن بنفى نور الدين، فنفاه إلى دمنهور فى يوم الخميس عاشر رجب سنة خمس وعشرين وتسعمائة.
ومن ذلك الحين رسم ملك الأمراء بإبطال نقباء قضاة القضاة الأربعة، فعزل من النقابة شهاب الدين أحمد بن سيرين نقيب قاضى القضاة الحنفى، وعزل شمس الدين الدميرى نقيب قاضى القضاة المالكى، ونقيب قاضى القضاة الحنبلى، ومنع جماعة من الوكلاء والرسل، وحصل لقضاة القضاة منه غاية التعب، وبقى الأمر على ذلك إلى أن استهل رمضان، فطلع القضاة الأربعة /القلعة، لتهنئة ملك الأمراء بالشهر. وكانت العادة أن يهنأ حاكم مصر بالشهر، وكان يخلع حينئذ على القضاة والأمراء والمباشرين وأرباب الوظائف، ثم بطل ذلك من تلك السنة إلى الآن.
فعند حضورهم للتهنئة تكلم قاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل فى العفو عن نقيبه نور الدين على الميمونى، فقبله ملك الأمراء، ورسم بإعادته إلى مصر، بشرط أن لا يتكلم فى النقابة بباب القاضى أبدا، وأبطل إتخاذ القضاة النقباء، واستمر الأمر على ذلك.
ثم فى يوم السبت سادس عشر المحرّم سنة سبع وعشرين، حضر القاضى حمزة من طرف ابن عثمان، فجمع ملك الأمراء قضاة القضاة الأربعة بالحوش
السلطانى، وتكلم معهم فيما يقع من النواب من المخالفات، وانفض المجلس على أن كل قاضى من الأربعة يقتصر على سبعة من النواب، وأن النائب يجلس فى نوبته فى بيت قاضى القضاة، ويسمع الدعوى هناك بمفرده، وأن يؤخذ فى العقد على البكر ستون نصفا، وعلى الثيب ثلاثون، يأخذ العاقد والشهود جانبا، والباقى يحمل إلى بيت الوالى، وأن لا يتزوج أحد ولا يطلق إلا فى بيت قاضى من الأربعة، وأن تبطل الوكالة من المدرسة الصالحية، وأن القضاة يمشون على النسق العثمانى.
فأضطربت أحوال القضاة والشهود، وصار مقدم الوالى والجعلية يأتون كل يوم إلى بيت قاضى من القضاة الأربعة، فيجلسون إلى بعد العصر، ويأخذون ما تحصل من عقود الأنكحة إلى بيت الوالى، وصارت غرامة المتزوّج أو المطلق أربع أشرفيات، فامتنع الزواج والطلاق، وأمر القاضى بركات بن موسى المحتسب وصحبته الوالى، أن ينادى فى القاهرة أن لا قاضى ولا شاهد يحكم فى المدرسة الصالحية، وأن كل نائب من السبعة يحكم يوما ويسمع الدعوى فى بيت مستنيبه، وأن يكون لكل نائب شاهدان فقط، وخلت المدرسة الصالحية، وصار لا يلوح بها قاضى ولا شاهد.
ولما عم الضرر العامة والخاصة، ولحق العلم والعلماء ما لا مزيد عليه من الإهمال والتنكيل، توجه عدة من أعيان المشايخ إلى ملك الأمراء بالقلعة، منهم: الشيخ شمس الدين محمد اللقانى، والشيخ شمس الدين محمد الديروطى، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الحلبى وجماعة، وتكلموا معه فى هذه الأمور المخالفة للشريعة الشريفة، وأطالوا فى ذلك وأوردوا مواعظ وآيات وأحاديث، فلم يتعظ، ولم يرجع عما هو عليه، وقال مخاطبا للشيخ اللقانى: يا سيدى إيش أكون أنا، الخنكار رسم بذلك، وقال: امشوا فى مصر على النسق العثمانى: فقال له شخص من أهل العلم، يقال له عيسى المغربى: هذا نسق الكفر، فحنق عليه ملك الأمراء، ورسم بتسليمه للوالى ليعاقبه، فأخذ إلى بيت الوالى ثم شفع فيه، وقام المشايخ من مجلسه متنكدين.
وقال بعضهم: نحن نتوجه إلى السلطان سليمان نشكوا إليه. وأكثر الناس من الدعاء على ملك الأمراء وهموا بإغلاق المساجد، فلما سمع ملك الأمراء بذلك أرسل الزينى بركات أبا الوفاء الموقع يسترضى الشيخ اللقانى، ويأخذ بخاطره، وأرسل له على يده مائتى دينار وأربع بقرات، ففرقت على مجاورى الأزهر، وأرسل مثل ذلك إلى مقام الإمام الشافعى رضي الله عنه، والإمام الليث، ومثل ذلك إلى الزوايا بالقرافة ومشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها.
(وظيفة القسام)
وفى يوم السبت خامس جمادى الأولى سنة سبع وعشرين، حضر قاضى من طرف ابن عثمان، وبيده مراسيم السلطان سليمان بأن يستقر فى وظيفة يقال للمتوظف فيها القسّام، موضوعها التحدث على التركات قاطبة أهلية وغير أهلية، بلا معارضة، وأن يأخذ من كل تركة العشر لبيت المال، ومن مضمون مراسيمه أن لا أحد من المماليك الجراكسة، وأولاد الأتراك قاطبة، وأرباب الدولة والأسباهية والينكجرية يعقد عقدا على بكر أو ثيب إلا عند ذلك القسّام، ويأخذ على عقد البكر ستين نصفا والثيب ثلاثين، وأخذ قسائم على قضاة القضاة بذلك، ولم يتوقف أحد منهم خوفا على مناصبهم.
وضعفت شوكة الإسلام فى أيامهم، واستطالت عليهم قضاة الروم، وترادفت المنكرات، وانحصرت المناصب فيمن يولونه، فجعل يوسف بن أبى الفرج مفتش الرزق والإقطاعات، وفخر الدين بن عوض مفتش الرزق الإحباسية التى بالصعيد، والأمير على العثمانى مفتش الأوقاف قاطبة.
والقسام يتولى التركات، وملك الأمراء هو رئيس الجميع.
فكان الأمر كما قيل:
رعاة الشاء تحمى الذئب عنها
…
فكيف إذا الرعاة هم الذئاب
وفى يوم الإثنين العشرين من جمادى الآخرة ورد مرسوم من عند السلطان
سليمان، من مضمونه: أن الواصل إلى الديار المصرية القاضى جلبى، وهو أعظم القضاة وأكبرهم، وقد رسم السلطان بإبطال القضاة الأربعة، وجعله قاضى عسكر/يحكم على المذاهب الأربعة. وأن النواب والشهود تبطل قاطبة إلا أربعة نوّاب من كل مذهب واحد، وأن يقتصر كل نائب على شاهدين، وأن النوّاب الأربعة يكونون بالصالحية، وأن لا يعقد عقد، ولا يوقف وقف، ولا تكتب وصية ولا عتق، ولا أجازة، ولا غير ذلك حتى تعرض على قاضى العسكر.
فلما وقف ملك الأمراء على ذلك المرسوم أرسل يقول للقضاة الأربعة:
إصرفوا الرسل عن أبوابكم والنوّاب والوكلاء، والزموا بيوتكم حتى يحضر قاضى العسكر، فشق ذلك عليهم.
(حضور القاضى جلبى قاضى العسكر إلى مصر)
وفى يوم الإثنين عاشر رجب من تلك السنة حضر قاضى العسكر ونزل ببيت الأمير جانم خلف المدرسة الغورية، وهرعت الأكابر للسلام عليه، فأتى إليه قاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل، وقاضى القضاة المالكى محيى الدين الدميرى، وقاضى القضاة الحنبلى شهاب الدين فتوح.
وأما قاضى القضاة الحنفى فمنعه مرضه عن الحضور، فيقال إنه لما دخل عليه القضاة لم يقم لهم، ولم يعظمهم، وكان شيخا هرما أبيض اللحية، طويل القامة، على عينه اليمنى فص، فصيح اللسان بالعربية، حسن المحاضرة، وقد أحضر معه مرسوما من مضمونه التوصية بالرعية، وإنصاف المظلوم، وإصلاح المعاملة، وأن يكون له التكلم فى الأحكام الشرعية على المذاهب الأربعة، ويجلس فى المدرسة الصالحية، وأول شئ بدأ به أنه جعل نائبا عنه فى الحكم بالمدرسة الصالحية شخصا حنفيا من العثمانية، يقال له القاضى صالح أفندى، ثم شخصا آخر شافعيا من العثمانية أيضا يقال له فتح الله ينوب عنه فى الحكم بمذهب الشافعى، ثم جعل تحت يد كل نائب منهما نائبا من أهل مصر، فجعل القاضى شهاب الدين بن سيرين الحنفى نائبا عن القاضى صالح
أفندى، وجعل القاضى شمس الدين محمد الحلينى الشافعى نائبا عن القاضى فتح الله، ثم جعل القاضى أبا الفتح المالكى نائبا فى الحكم على قاعدة مذهبه، والقاضى نظام الدين الحنبلى نائبا فى الحكم على مذهبه، ومرجع الجميع إلى قاضى العسكر، ورسم للرسل والوكلاء الذين بالمدرسة الصالحية إذا وقفوا قدامه أن يأخذوا بأيديهم العصى، فاجتمع بالصالحية فوق الستين رسولا، ثم أقام شخصا روميا سماه قسام التركات، وجعل على التركة الخمس لبيت المال عند وجود الورثة، وأمر بالنداء فى القاهرة أن لا يعقد أحد عقد، ولا يكتب وصية، ولا أجازة، ولا مبايعة ولا شيئا إلا فى المدرسة الصالحية عند القاضى صالح أفندى، فشق أمر الزواج على الناس واختاروا العزوبة.
وفى يوم الثلاثاء خامس عشر الشهر عزل شمس الدين الحلبى، وقرر عوضه القاضى شجاع الدين، وجعله متحدثا على أوقاف الجوامع والمدارس، ومعالم الأنظار، وأحضر الجباة وأمرهم أن يرفعوا إليه حساب الأوقاف، وقدر معاليم الأنظار، ورسم بأخذ الخلاوى التى فى البرقوقية والأشرقية والغورية وغيرها من المدارس، وأنزل فيها جماعة من الأروام الأوجاقية، ورسم نائبه القاضى صالح أفندى أن لا يأخذ الرسول فى أمر يتوجه إليه أكثر من نصف فضة من الفضة الجديدة - وهى بنصفين - وجعل على من يتزوج بكرا ثلاثة وأربعين نصفا، ويغرم للشهود والعاقد مثل ذلك، وهذا فى عوام الناس، وأما الرؤساء والأكابر فشئ غير ذلك. وقرر على كل شهادة تقع فى المدرسة الصالحية قدرا معلوما بحسب الدعوى من ثقيلة أو خفيفة.
وفى يوم الخميس نودى بالقاهرة بأمر ملك الأمراء وقاضى العسكر أن لا تخرج إمرأة الى السوق إلا العجائز، وكل من خالفت بعد ذلك تضرب وتربط من شعرها فى ذيل كديش ويطاف بها فى القاهرة.
واتفق يوما لقاضى العسكر فى طلوعه إلى القلعة أن وجد نسوة يتحدثن فى السوق مع الأسباهية فعز ذلك عليه، ولما طلع القلعة قال لملك الأمراء إن
نساء مصر قد أفسدت عكسر الخنكار حتى صاروا لا ينفعون فى القتال بشئ، وقص عليه القصة، فرسم الوالى بأن لا تخرج إمرأة من بيتها أبدا، ولا تركب حمار مكار مطلقا، وكل مكارا ركب إمرأة شنق من يومه بلا معاودة، ثم فى عقيب ذلك رأى إمرأة فى طريق الصحراء راكبة مع مكار، فأنزلوها وضربوها، وقطعوا إزارها، وهرب المكارى، وما خلصت إلا بعد جهد كبير وغرمت نحو أشرفيين، فلما استمر ذلك باع المكارية حميرهم واشتروا أكاديش، وشدوها بنصف رحل، وصار النساء يركبن عليها بسجادة، والمكارى يقود الكديش من اللجام، وهذه طريقة أهل إسلامبول.
واستمر الأمر على ذلك بالقاهرة، وركبت الخوندات والستات على الأكاديش، ومنهن من كانت تركب على بغل.
ويقرب من هذه الحادثة ما وقع فى أيام الأشرف برسباى أنه منع النساء من الخروج إلى الأسواق مطلقا، وكان الطعن واقعا بمصر، وكانت الغاسلة إذا خرجت لتغسيل ميتة تأخذ ورقة من المحتسب وتغرزها فى إزارها لتعلم أنها غاسلة، واستمر ذلك إلى أن مات برسباى بعد مدة يسيرة فرجع الأمر/لأصله.
ثم إن بعض الناس كلم قاضى العسكر فى أمر النساء أن يؤذن لهن فى الخروج للقبور والحمامات وزيارة الأقارب ونحو ذلك، فأذن بشرط أن لا تخرج إمرأة إلا مع زوجها، وأن لا يدخل الأسواق إلا العجائز، وأن لا يركبن إلا البغال والخيل.
ثم إنه فى السادس والعشرين من شعبان قصد القاضى التوجه إلى الحج الشريف، وقد أقام صالح أفندى نائبا عنه، وخرج معه عالم بكثرة، وأنعم عليه ملك الأمراء بعشرة آلاف دينار، وقبل سفره ولى ستا وعشرين نائبا من نواب القضاة الأربعة فى بولاق، ومصر العتيقة، وطولون والحسينية، وغيرها، وجعل فى كل مجلس أربعة من النوّاب، وجعل على كل مجلس شيئا معلوما، وجعل عليهم جاويشا عثمانيا يحفظ المتحصل كل يوم، فيقسم للقاضى منه شيئا،
وللشهود شيئا، وله شيئا، ثم يضع الباقى فى صندوق برسم السلطان، ويضعه فى بيت المال، وهو غير الصندوق الذى يوضع فيه مال من لا وارث له وأموال اليتامى، ويقال له مودع.
قال كترمير قال المقريزى: كان فى خان مسرور مودع الحكم الذى كان فيه أموال اليتامى والغائبين، وفى تاريخ قضاة مصر للسخاوى أن العمرى هو أول من أتخذ لأموال الأيتام تابوتا (صندوقا) توضع فيه، ويوضع فيه مال من لا وارث له، فكان هو مودع قضاة مصر.
وهو غير الحرمدان، فإن هذا اسم لنحو جراب، أو شنطة، أو صندوق، قال كترمير عن كتاب السلوك: وجد فيما خلفه حرمدان فيه كتب، وقال أبو المحاسن يأخذ علامة الحرمدان خلفه. وفى الجبرتى مع كل واحد حرمدان مقلد به، ملآن بالدنانير. انتهى.
وقد رأيت فى كتاب - لم أقف على مؤلفه - صورة الأحكام التى كانت تكتب للقسام العسكرى، وهى أن القسمة العسكرية متعلقة بمولانا قاضى أناطولى، وأنه عيّن فلانا لضبط محصولات القسمة، وأن المعيّن المشار إليه عين من جهته للأقليم الفلانى فلانا لضبط جميع رسوم العسكرية ومحلاتهم، وعلوفاتهم وقسمة التركات، وعقود الأنكحة، وسائر الوقائع العسكرية، فيقومون بتقوية يد المعين المذكور، وشد عضده، ومساعدته على ضبط جميع المحصولات المتعلقة بالقسمة العسكرية بالشرع الشريف، والعادة والقانون المنيف، ولا يقصر أحد يده، ولا ينقض كلمته، ولا يعاكسه فى أمر من الأمور الشرعية المتعلقة بالقسمة العسكرية، بحيث لا يضيع ولا يفوت من محصولاتها الدرهم الفرد، ويكتب كل قاض دفترا مفصلا ممضى يوما بيوم، ويجهز الدفتر.
وفى ذلك الكتاب أيضا أن صورة ما يكتب لنواب القضاة بالأقاليم إذا أشعر إقليم بوفاة قاضيه، أو عزله، وعين نائبا من الديار المصرية إلى حين حضور قاضى من الديار الرومية ما نصه:
حيث علم احتياج إقليم كذا إلى حاكم شرعى ينظر فى الأحكام الشرعية، والقضايا الدينية والأموال، والجسور السلطانية والبلدية، وذلك لازم مهم، فقد وقع اختيارنا على فلان فى نيابة القضاء بالإقليم، لما هو مشتمل عليه من العفة، والديانة، والإستقامة، والمعرفة، والعلم بالصناعة، وأمرنا بتوجهه للقضاء المذكور، وإجرائه على أجلّ العوائد، وأكمل القواعد، وأكدنا عليه فى اتباع رضا الله تعالى سرا وعلانية، وعدم الخروج عن الشريعة المحمدية، والقوانين المعتبرة المرضية، والحكم بأصح الأقوال، ونصب الأوصياء، وتزويج الصغار الذين لا أولياء لهم، ونصب النوّاب والشهود، والنظر فى جميع المصالح على هذا المنوال، على وجه التفصيل والإجمال، على عادة من تقدمه، وذلك بطريق العدل والإنصاف، فيقدم عليه كل واقف بالإجمال فى تلقيه، وسماع كلمته فى تنفيذ أحكام الشرع الشريف من غير تبديل ولا تحريف، ولا يتصرف أحد فى قضاء ولا حكم إلا بمعرفته وتفويضه، ومن خالفه فى شئ من القضايا فلا يلومن إلا نفسه.
وفيه أيضا أنه كان المقرر بمقتضى الأوامر الشريفة فى قانون القسام بمصر أنه إذا توفى إنسان، وليس فى ورثته قاصر ولم يطلبوا القسام، فلا يطالبهم القسام بقسمة بغير سؤالهم ولا بغير رضاءهم، فإذا كان فى الورثة قاصر فيبعث وصيا من قبل الشرع الشريف، ويكتبه له حجة، ويأخذ رسمها خاصة، ولا يأخذ قسمة، وإذا طلب أحد من الورثة القسام للقسمة، فيأخذ القسام على كل ألف عثمانى خمسة عشر عثمانيا، وإذا قوّم على الورثة عروضا أو عقارات، فلا يقوم بزيادة عن القسيمة لأجل زيادة الرسم، ولا يأخذ من الحجة والسجل الدرهم الفرد كما هو القانون.
(درجات قضاة أقاليم مصر)
وكانت القضاة فى الأقاليم درجات أعظمهم قضاة المديريات البحرية والثغور، وهم قاضى الغربية، والدقهلية، والشرقية، والقليوبية، والمنوفية،
والبحيرة، والإسكندرية، ورشيد، ودمياط ونحوها، وبراءة كل منهم فى اليوم كانت فوق المائة عثمانى، والذين دونهم فى الرتبة براءة الواحد منهم فى اليوم دون المائة عثمانى، وهم قاضى الأشمونين، والمنية، والبهنساوية والفيوم/ وبنى سويف، والمنفلوطية، وأسيوط، وجرجا، وقنا، والقصير، والواحات، وأبريم، والنحريرية، وإبيار، ومحلة أبى على، وسمنود، ومحلة المرحوم، والبرلس، وفوّة، ونحوها، انتهى.
ويؤخذ من هذا الكتاب وغيره أن القضاة كان لهم الحل والعقد فى جميع المصالح، حتى فى أموال الديوان، وأمر الشراقى والترع، والجسور والقناطر، بحيث لا يتم أمر، ولا يبت حكم إلا بالقضاة، وكانوا واقفين عند حدود الشرع، ثم تغيرت الأحوال شيئا فشيئا، وطمعوا فيما فى أيدى الناس، وأكثروا من المحاصيل، وقصرتهم الحكومة على بعض الأحكام، وصار بعضهم يقتفى أثر بعض في الإحداثات، وترتيب المعاليم والمحاصيل على الدعاوى، بل صار المتأخر يزيد على المتقدم فى ذلك، حتى كأنه لم يكن المقصود من المحاكم إلا جمع الأموال.
قال الجبرتى فى حوادث سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف؛ إنه لما كان يوم الخميس لعشرين مضت من جمادى الأولى حصلت جمعية من المشايخ وغيرهم بأمر من صاحب الدولة، وتذاكروا فيما يفعله قاضى العسكر من الجور والطمع فى أخذ أموال الناس والمحاصيل، وذلك أن القضاة الذين يأتون من باب السلطنة، كانت لهم عوائد وقوانين لا يتعدونها، ثم لما تمادى الزمن فحش أمرهم، وزاد طمعهم، وابتكروا حيلا لسلب أموال الناس والأيتام والأرامل، وكلما ورد قاض ورأى عوائد من قبله أحدث هو أشياء أخر يمتاز بها، حتى تعدى ذلك لقضايا أكابر الدولة وكنخدا بك بل والباشا، وصار ذلك أمرا لا يحتشم منه، ولا يراعون فيه خليلا ولا كبيرا.
وكان المعتاد القديم أنه إذا ورد القاضى فى أول السنة التوتية إلتزم بالقسمة بعض المميزين من رجال المحكمة بقدر معلوم يقوم بدفعه للقاضى،
وكذلك تقرير الوظائف كان بالمحلول، وله شهريات على باقى المحاكم الخارجية كالصالحية، وباب سعادة، وباب الخرق، وباب الشعرية، وباب زويلة، وباب الفتوح، وطولون، وقناطر السباع، وبولاق، ومصر القديمة ونحو ذلك، وله معلوم الإمضاء وهو خمسة أنصاف فضة، فإذا احتاج الناس فى قضاياهم ومواريثهم أحضروا شاهدا من المحكمة القريبة منهم، فيقضى فيها ويعطونه أجرته، وهو يكتب التوثيق، ويجمع الأوراق، ويمضيها من القاضى كل جمعة أو شهر، ويدفع له معلوم الإمضاء لا غير.
وأما قضايا العلماء والأمراء فبالمسامحة والإكرام؛ لأن الفقهاء كانوا يصدعون بالحق ولا يداهنون، فكان القضاة يخشونهم.
(ما ابتدعه القضاة فيما بعد)
فلما تغيرت الأحوال ابتدعوا بدعا شتى، منها: إبطال نواب المحاكم، وإبطال القضاة الثلاثة خلاف مذهب الحنفى، فلا تكون الدعاوى إلا بين يديه ويدى نائبه، وبعد انفصال الدعوى يأمرهم بالذهاب الى كتخدائه لدفع المحصول، فيطلب منهم المقادير الخارجة عن القانون غير الرشوات والمصالحات السرية والتقريرات والقسمة، وإذا دعى بعض الشهود لقضية فلا يذهب إلا بإذنه، بل يصحبه ببعض أتباعه ليقسم معه المحصول، ولا يرضى ذلك التابع بالقليل كما كان أولا، وإذا مات إنسان ضبطوا تركته وأخرجوا منها القسم للقاضى، ثم معلوم الكاتب والجوخدار (الوكيل) والرسول، ثم التجهيز والتكفين والمصروف والديون، وما بقى بعد كل ذلك يقسم بين الورثة، ويتفق أن الورثة - ولو أيتاما - لا يبقى لهم شئ.
ويأخذ من أرباب الديون عشر ديونهم، ويأخذ من محاليل وظائف التقارير معلوم سنتين أو ثلاثة، ثم فحصوا عن وظائف القبانية والموازين، وتعللوا عليهم بعدم صلاحية المقرر وإنه ليس أهلا لذلك، فجمع من هذا مال عظيم، ثم
محاسبات نظار الأوقاف والعزل والتولية فيهم، ثم قرروا على النصارى والأروام مالا كل سنة برسم المحاسبة على الديورة والكنائس.
وإذا ادعى شخص على آخر دعوى فلا بد من تغريم الخصم ما هو مقرر للقاضى، ولو كانت الدعوى كاذبة ولو ظهر كذبها، بل يسجن على ذلك حتى يؤدى هذا الفرض اللازم، ومن الزيادة فى نغمة الطنبور أنه إذا حضرت دعوى لقاصد من عند الباشا أو الكتخدا وقضى فيها لأحد الخصمين، طلب المقضى له إعلاما بذلك إلى الكتخدا أو الباشا، فعند ذلك لا يكتب له الإعلام إلا بما عسى أن لا يرضيه، إلا أن يسلخ من جلده طاقا أو طاقين، وتابع الحاكم ملازم له ومساعد عليه.
وهكذا من القبائح، مع أن الفرنساوية - الذين لا يتدينون بدين - لما قلّدوا الشيخ أحمد العريشى القضاء بين المسلمين وقت دخولهم هذه الديار، حددوا له حدا فى أخذ المحاصيل لا يتعداه، وهو أن يأخذ على المائة إثنين فقط، له منها جزء، وللكاتب جزء.
قال فلما تكامل المجلس فى بيت البكرى كتبوا عرضحالا، ذكروا فيه بعض هذه الإحداثات، والتمسوا من أولى الأمر رفعها، وأن يسلك طريقا من ثلاثة:
إما ما كان عليه القضاة فى زمن الأمراء المصريين، وإما الطريقة التى كانت زمن الفرنسيس، وإما الطريقة التى كانت أيام مجئ الوزير، وهى الأقرب والأوفق/، وقد رضيناها بالنسبة لما هم عليه من الجور، ثم أطلعوا الباشا على العرض، فأرسله الى القاضى فامتثل وسجله فى السجل، ولم تسعه المخالفة، انتهى.
وإنما أطلنا فى ذلك لما فيه من الفائدة.
(ترجمة الشيخ إبراهيم الميمونى)
ثم إن من أفاضل علماء قرية الميمون هذه الشيخ إبراهيم الميمونى، الذى ترجمه المحبى فى خلاصة الأثر فقال: هو الشيخ إبراهيم بن محمد بن عيسى
المصرى الشافعى، الملقب ببرهان الدين، الميمونى، الإمام، العلامة، الفهامة، المحقق المدقق، خاتمة الأساتذة المتبحرين.
وقال: إنه كان آية ظاهرة فى علوم التفسير والعربية، أعجوبة باهرة في العلوم العقلية والنقلية، حافظا، متقنا، متضلعا، من الفنون مشهورا خصوصا عند القضاة وأرباب الدولة، وأبلغ ما كان مشهورا فيه علم المعانى والبيان، حتى قلّ من يناظره فيهما، وسئل بعض أهل التحقيق من القضاة عنه فقال: هو رجل لو سئل عن مسئلة فى المعانى والبيان لأملى عليها كراريس عديدة، وكان مترفها فى عيشه، كريم النفس، رقيق الطبع، حسن الخلق، فصيح اللسان، وجيها مبجلا، مجللا عند عامة الناس وخاصتهم، مسموع الكلمة، وإذا حضر مجلسا فيه علماء، يكون هو المتكلم من بينهم، والمشار إليه فيهم، واجتمع فيه حسن التقرير وتحبير التأليف والتحرير، لازم والده سنين، وكان يحضر معه وهو صغير، درس الشمس الرملى وأجازه بمروياته، وأخذ عن أبى بكر الشنوانى، ومنصور الطبلاوى، وأحمد الغنيمى، وغيرهم من علماء مصر.
وأجازه شيوخه، وعنه أخذ أحمد بن أحمد العجمى، وعبد القادر البغداى، وشاهين الحنفى، وكان له ولد، برع بالتلقى عنه، ومات قبل أبيه بنحو ثلاثة أشهر، فحزن عليه حزنا شديدا، ولما عزى به أنشد بيت المتنبى:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
…
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
وبالجملة فإنه مما اتفقت كلمة الكل على تفرده فى عصره، وتوحده فى وقته، وتصانيفه كثيرة منها: حاشية على المختصر، وحاشية على المواهب اللدنية، وحاشية على تفسير البيضاوى، وله معراج فى مجلد ضخم، وبعض تعليقات على شرح التلخيص للمولى عصام الدين المسمى بالأطول، وتحريرات على حاشية الجامى له أيضا، وكانت ولادته فى سنة إحدى وتسعين وتسعمائة، وتوفى يوم الثلاثاء ثانى عشر رمضان، سنة تسع وسبعين
وألف، وكان له مشهد عظيم ودفن بتربة المجاورين، ذكر هذا أحمد العجمى فى ثبته انتهى.
(ترجمة العلامة الشيخ محمد شمس الدين، الميمونى، الشافعى)
ثم ذكر فى خلاصة الأثر أيضا ترجمة والده فقال: هو محمد بن عيسى، المنعوت بشمس الدين الميمونى، المصرى الشافعى، أحد العلماء الكبار.
أخذ عن الشمس الرملى، والشهاب البلقينى، والشهاب أحمد بن قاسم، والشيخ الواعظ محمد شمس الدين الصفوى الشافعى، والشيخ عبد الحميد السمهودى، وغيرهم.
وأخذ عنه جماعة من العلماء، وله من المؤلفات: مختصر الآيات البينات، تأليف شيخه ابن قاسم، وبعض رسائل تتعلق بآيات قرآنية. وكانت ولادته فى نيف وثلاثين وتسعمائة، وتوفى فى صفر سنة ثلاث وعشرين وألف، ودفن بتربة المجاورين. قاله الشيخ مدين القوصونى. انتهى.
(موشة)
بلدة من قسم أسيوط، فى جنوبها على أكثر من ساعة، وترعة السوهاجية تمر من غربيها، وأبنيتها جيدة، وبها عدة جوامع وكنيسة أقباط، وعدة مكاتب لتعليم الأطفال، ومنازلها ضيقة مشحونة بالسكان، فيها أكثر من عشرة آلاف نفس، وأغلبهم مزارعون، ومنهم التجار، وأرباب الحرف. ومنهم ببولاق مصر عتالون بكثرة. وفيها أشجار ونخيل داخل دورها، وفى زمن النيل لا يتوصل إليها إلا فى المراكب، وأطيانها جيدة المحصول، ويزرع بها صنف الكتان بكثرة كأغلب بلاد الزنار مثل: شطب وريفة والشغبة والقطيعة، وحواليها حياض كثيرة، يعطن فيها الكتان، وفى مزارعها دير موشة المار ذكره فى الكلام على مدينة أسيوط، ويجلب منها إلى مدينة أسيوط: اللبن، والسمن،
والوقود، والتبن، والغلال، والدجاج، والأوز، والحمام، وصنف الكتان وغير ذلك. وفيها مضايف وأبنية مشيدة، ويحيط بها رصيف متين مرتفع؛ لوقايتها من النيل الذى يتراكم حولها زمن فيضانه لانخفاض موقعها.
تم الجزء السادس عشر ويليه الجزء السابع عشر أوله حرف النون