الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنويه: ينظر الاستدراكات وتصحيح الأسماء فى آخر هذا الجزء
قام بمراجعة هذا الجزء وعمل الاستدراكات:
الأستاذ/متولى خليل عوض، باحث أول بالمركز.
الأستاذ/مصطفى عبد السميع، باحث بالمركز.
قام بتصحيح الأسماء:
الدكتورة/لبيبة إبراهيم مصطفى، كبير باحثين بالمركز.
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر ما بالقاهرة وظواهرها
(*)
من الشوارع والحارات والعطف والدروب وما يتبع ذلك من الأسواق وغيرها
اعلم أن أطول شوارع القاهرة هو الشارع الكبير الطولىّ، الذى أوله من الجهة البحرية بوابة الحسينية خارج باب الفتوح، وآخره من الجهة القبلية بوابة السيدة نفيسة رضي الله عنها، فيلزم أن نتكلم عليه أوّلا فنقول:
طول هذا الشارع أربعة آلاف متر وستمائة وأربعة عشر مترا. وهذا الشارع ينقسم إلى عشرين قسما، لكل قسم منها اسم يخصه.
مطلب الكلام على الحسينية
(1)
وقبل الكلام على هذه الأقسام نتكلم على الحسينية كلاما عموميا نقدّم فيه بيان وجه تسمية الحسينية بهذا الاسم فنقول:
قال المقريزى فى موضع من الخطط:
إن طائفة من عبيد الشراء تسمى بهذا الاسم سكنت هذه البقعة، فسميت باسمهم.
وقال فى موضع آخر منها:
الحسينية منسوبة لجماعة من الأشراف الحسينيين كانوا فى الأيام الكاملية قدموا من الحجاز، فنزلوا خارج باب النصر بهذه الأمكنة، واستوطنوها، وبنوا بها مدابغ صنعوا بها الأديم المشبه بالطائفى، فسميت الحسينية، ثم سكنها الأجناد بعد ذلك، وابتنوا بها الأبنية العظيمة.
وقد رجح القول الأول، واستدل له بأن الطائفة الحسينية إنما قدموا فى الأيام الكاملية بعد الستمائة، والحسينية كانت موجودة قبل ذلك بنحو مائتى سنة.
(*) الأرقام الجانبية هى أرقام صفحات الطبعة الأولى من هذا الجزء، وهى طبعة بولاق سنة 1304 هـ.
(1)
أنظر «خطط المقريزى» ج 2 ص 20 - 23، وأنظر «تحفة الأحباب» للسخاوى بحاشية ج 4 من «نفح الطيب» ص 18. أحمد تيمور)
وأول بناء فيها كان فى أيام الحاكم بأمر الله، فقد نقل المقريزى عن المسبحى من حوادث سنة خمس وتسعين وثلثمائة أن الحاكم بأمر الله أمر أن تعمل شونة مما يلى الجبل، وتملأ بالسنط والبوص والحلفاء، فابتدئ فى عملها فى ذى الحجة سنة أربع وتسعين وثلثمائة، وتمّ فى شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وثلثمائة، فخامر قلوب الناس من ذلك جزع، خصوصا كل من يتعلق بخدمة الخليفة الحاكم بأمر الله، وظنوا أنّ هذه إنما عملت لهم، ثم قويت الشائعات وتحدّث الناس فى الطرقات بأنها للكتّاب وأصحاب الدواوين، فاجتمع سائر الكتّاب وخرجوا بأجمعهم فى اليوم الخامس من ربيع الأول، ومعهم سائر المتصرفين فى الدواوين من المسلمين والنصارى إلى الرمّاحين بالقاهرة، وما زالوا يقبلون الأرض حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون، وكتبوا عن جميعهم رقعة يطلبون فيها العفو عنهم، ويسألون الخليفة أن لا يقبل فيهم قول من يسعى بينهم وبينه، وسلّموا هذه الرقعة إلى قائد القوّاد الحسين ابن جوهر، فأوصلها إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، فأجيبوا إلى ما سألوا، وخرج إليهم قائد القوّاد، فأمرهم بالانصراف. والبكور فى الغد لقراءة سجل بالعفو عنهم، فانصرفوا وحضروا فى الغد، فقرئ أمامهم سجل العفو، وأعطيت منه نسخة للمسلمين، ونسخة للنصارى، ونسخة لليهود.
ونقل عن ابن عبد الظاهر أن الحارات التى عن ميمنة الخارج من باب الفتوح وميسرته؛ الميمنة إلى الهليلجة (طائفة من عساكر الفاطميين) والميسرة إلى بركة الأرمن - وهى بركة جناق - برسم الريحانية الغزّاوية (طائفة أخرى من العساكر المذكورة) والمولدة والعجمان، هى المعروفة الآن بالحسينية. وكانت ثمانى حارات: وهى حارة حامد، والمنشية الصغيرة والكبيرة، وبين الحارتين، والحارة الكبيرة، والحارة الوسطى، والسوق الكبير، والوزيرية.
ثم قال: اعلم أن الحسينية شقتان:
إحداهما ما خرج عن باب الفتوح، وطولها من خارج باب الفتوح إلى الخندق (الدمرداش)، وهذه الشقة هى التى كانت مساكن الجند فى أيام الخلفاء الفاطميين، وبها كانت الحارات المذكورة.
والشقة الأخرى ما خرج عن باب النصر وامتدّ فى الطول إلى الريدانية. وهذه الشقة لم يكن بها فى أيام الخلفاء الفاطميين سوى مصلى العيد تجاه باب النصر، وما بين المصلى إلى الريدانية فضاء لا بناء فيه، وكانت القوافل إذا برزت تريد الحج تنزل هناك.
مطلب إنشاء الترب خارج باب النصر
فلما كان بعد الخمسين والأربعمائة، وقدم بدر الجمالى وقام بتدبير أمر الدولة الخليفة المستنصر بالله أنشأ بحرى مصلى العيد خارج باب النصر تربة عظيمة. وفيها قبره وقبر ولده الأفضل ابن أمير الجيوش. ثم تتابع الناس فى إنشاء الترب هناك حتى كثرت. ولم تزل هذه
الشقة موضعا للترب ومقابر أهل الحسينية والقاهرة إلى بعد السبعمائة، ثم لم تعمر هذه الشقة إلا فى الدولة التركية، لا سيما لما تغلب التتر على ممالك الشرق والعراق وقفل الناس إلى مصر، فنزلوا بهذه الشقة وبالشقة الأخرى، وعمروا بها المساكن، ونزل بها أيضا أمراء الدولة، فصارت من أعظم عمائر مصر والقاهرة، واتخذ الأمراء بها من بحريها - فيما بين الريدانية إلى الخندق - مناخات الجمال وإصطبلات الخيل، ومن ورائها الأسواق، والمساكن العظيمة فى الكثرة.
وما زال أمر الحسينية متماسكا إلى أن كانت الحوادث والمحن سنة ست وثمانمائة وما بعدها فخربت حاراتها، ونقضت مبانيها، وبيع ما فيها من الأخشاب وغيرها، وباد أهلها.
مطلب ظهور الأرضة
ثم حدث بها بعد سنة عشرين وثمانمائة آية من آيات الله تعالى، وذلك أنه بدا بناحية برج الزيات - فيما بين المطرية وسرياقوس - فى أعوام بضع وستين وثمانمائة فساد الأرضة التى من شأنها العبث فى الكتب والثياب، فأكلت لشخص نحو ألف وخمسمائة قفة دريس، فكنا لا نزال نتعجب من ذلك، ثم فشت هناك وشنع عبثها فى سقوف الدور، وسرت حتى عاثت فى أخشاب سقوف الحسينية، وغلات أهلها، وسائر أمتعتهم، حتى أتلفت شيئا كثيرا، وقويت حتى صارت تأكل الجدران، فبادر أهل تلك الجهة إلى هدم ما بقى من الدور خوفا عليها من الأرضة شيئا بعد شئ، حتى قاربوا باب الفتوح وباب النصر.
وقد بقى منها اليوم قليل من كثير يخاف إن استمرت أحوال الإقليم على ما هى عليه من الفساد أن تدثر وتمحى آثارها كما دثر سواها. (اه).
مطلب الكلام على الجوامع التى كانت بهذه الخطة
وذكر المقريزى أيضا أنه كان فى خارج خط الحسينية عدة جوامع وزوايا ومدارس:
فمنها جامع آل ملك (هو المدرسة الجنبلاطية على غالب الظن). قال: إنه فى الحسينية خارج باب النصر أنشأه الأمير سيف الدين الحاج آل ملك. قال: وكمل وأقيمت فيه الجمعة وخطب فيه يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. (اه).
وقد تخرب هذا الجامع الآن، ولم يبق له أثر.
والأمير سيف الدين هذا أصله مما أخذ فى أيام الملك الظاهر من كسب الأبلستين. ستأتى ترجمته عند ذكر مدرسته بشارع أم الغلام إن شاء الله تعالى.
ومنها جامع الظاهر. قال: إنه خارج القاهرة بالحسينية أنشأه الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وكان موضعه ميدانا يعرف بميدان قراقوش، وكان منتزه الملك ومحل لعبه بالكرة. ابتدئ فى عمارته سنة خمس وستين وستمائة، وكمل سنة سبع وستين وستمائة. (اه).
وهذا الجامع محله الآن الفرن المعروف بفرن الظاهر خارج الحسينية فى طريق الريدانية
(1)
.
والريدانية ويقال لها الآن العباسية نسبة إلى عباس باشا لكونه سكنها فى مدة ولايته على مصر وبنى بها سراية وأربع قشلاقات للعساكر، وبنى مدرسة لتعليم الضابطان. وفى وقته أخذ الأمراء أراضى، وبنوا بها منازل لهم، فصارت خطة عظيمة. ولما مات إلى رحمة الله وتولى الخديو إسماعيل هدمت السراية، وتركت الناس السكنى هناك، ولم يبق إلا قشلاقات العساكر
وفى مدة الخديو الحالى توفيق باشا أخذ عمرانها يتزايد شيئا فشيئا حتى عادت أحسن مما كانت عليه، وبها الآن رصدخانة فلكية ترصد فيها الكواكب والحوادث الجوية.
ومنها جامع نائب الكرك. قال: إنه بظاهر الحسينية مما يلى الخليج. أنشأه الأمير جمال الدين أقوش الرومى السلاحدار الناصرى المعروف بنائب الكرك. توفى سنة سبع وسبعمائة. (اه).
وهذا الجامع لم يبق له أثر الآن.
ومنها جامع صاروجا. قال: إنه بالقرب من بركة الرطلى على الخليج الناصرى، وكان فى خطة تعرف بجامع العرب، فأنشأ بها هذا الجامع ناصر الدين محمد أخو الأمير صاروجا نقيب الجيش بعد سنة ثلاثين وسبعمائة، ثم دثرت تلك الخطة فصارت كيمانا. (اه).
وفى وقتنا هذا لم يبق لهذا الجامع أثر، وصارت خطته مزارع، وكان هناك أشجار من الجميز أدركناها منتزها، وكان محلها يعرف بدهليز الملك، وبالقرب من هذا المكان أنشأ دارا مشيدة الأستاذ الفاضل الشيخ محمد الإنبابى الشافعى شيخ الجامع الأزهر.
ومنها جامع قيدان. قال إنه خارج القاهرة على جانب الخليج الشرقى ظاهر باب الفتوح ممايلى قناطر الأوز تجاه أرض البعل. كان مسجدا قديما، فجدده الطواشى بهاء الدين قراقوش الأسدى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ثم إن الأمير مظفر الدين قيدان الرومى عمل به منبرا لإقامة الخطبة يوم الجمعة، وكان عامرا بعمارة ما حوله، فلما حدثت الفتن فى سنة ست وسبعين
(1)
فى ص 18 من «تحفة الأحباب» للسخاوى بحاشية الجزء 4 من «نفح الطيب» أن الريدانية هذه منسوبة إلى ريدان الصقلى أحد خدام الخليفة العزيز بالله. وفى خطط المقريزى أنها كانت بستانا لريدان الصقلى الخ
فى ج 2 ص 139.
(أحمد تيمور)
وسبعمائة - أيام الملك الأشرف شعبان خرّب كثير من تلك النواحى، وتعطل هذا الجامع، ولم يبق منه غير جدران آيلة إلى العدم، ثم جدّده مقدم بعض المماليك السلطانية فى حدود الثلاثين والثمانمائة، ثم وسّع فيه الشيخ أحمد بن محمد الأنصارى العقّاد الشهير بالأزرارى. (اه).
وهذا الجامع لم يبق له أثر الآن.
ومنها جامع كراى. قال المقريزى: إنه بالريدانية خارج القاهرة عمّره الأمير سيف الدين كراى المنصورى فى سنة إحدى وسبعمائة لكثرة ما كان هناك من السكان، فلما خرّبت تلك الأماكن تعطل هذا الجامع، وهو الآن قائم وجميع ما حوله داثر. (اه).
وفى وقتنا هذا لم يبق له أثر، وموضعه صار كيمانا خارج باب النصر.
مطلب خط خان السبيل
ومن جملة أخطاط الحسينية خط يقال له خط خان السبيل. قال ابن عبد الظاهر: خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين قراقوش، وأرصده لأبناء السبيل والمسافرين بغير أجرة، وبه بئر ساقية وحوض. (اه).
قال المقريزى: وأدركنا هذا الخط فى غاية العمارة وكان به عرصة تباع فيها الغلال، وكان فيه سوق يباع فيه الخشب وتجتمع فيه الناس بكرة كل يوم جمعة، وكان يباع فيه من الأوز والدجاج ما لا يقدر قدره، وكانت فيه أيضا عدة مساكن، ما بين دور وحوانيت، وقد اختل هذا الخط. (اه).
وقال ابن أبى السرور: إن هذا الخط بجوار المذبح.
(قلت): والمذبح الوارد هنا هو المذبح القديم، ومحله على يسار المارّ فى طريق العباسية فى ابتداء الطريق عند باب الحسينية، ومحله الآن أرض منحطة تزرع خضراوات، وساقيته موجودة بالقرب منه، وفى السابق كان يحيط به حائط قليل الارتفاع، فعلى هذا خان السبيل يشمل بعض البساتين والمبانى من جانبى الطريق الموصل إلى الدمرداش، وبه المذبح المستجد الذى عمل فى زمن العزيز محمد على باشا. ويدل على أنه داخل بوابة الحسينية ما ذكره السخاوى من أن خان السبيل كان قريبا من درب الجميزة، وهذا الدرب موجود للآن لم يتغير اسمه، وعلى بابه جامع شرف الدين الكردى. وكان هناك منظرة جميلة تعرف بمنظرة باب الفتوح.
قال المقريزى: كان للخلفاء منظرة خارج باب الفتوح، وكان يومئذ ما خرج عن باب الفتوح براحا فيما بين الباب والبساتين الجيوشية، وكانت هذه المنظرة معدّة لجلوس الخليفة مكتبة الأسرة - 2008
الحاكم بأمر الله عند عرض العساكر ووداعها إذا سارت فى البرّ، وكانت هذه المنظرة فى بستان أنيق يعرف بالبعل، أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى، وموضع هذا البستان يعرف اليوم بالبعل.
قلت: ومحل منظرة البعل كان فى مقابلة قنطرة الأوز، وقد خرّبت المنظرة المذكورة، وبنى فى محلها بركة تعرف ببركة الشيخ قمر، وحولها كيمان قد أزيل بعضها وبقى البعض، وأرض البعل بعضها باق وهو أرض البركة وما جاورها بين الخليج وترعة الإسماعيلية، وبعضها زال فى ترعة الإسماعيلية. وأما منظرة التاج فكانت قصرا من قصور الخلفاء، وكان بحرىّ القاهرة وبحرىّ الخليج، بناه الأفضل ابن أمير الجيوش.
قال: وقد خرّبت، ولم يبق لها أثر سوى أثر كوم يوجد تحته حجارة كبار، وما حول هذا الكوم صار مزارع من ضمن أراضى منية السيرج، وكان حوله عدة بساتين، وأعظم ما كان حوله قبة الهواء، وبعدها الخمس وجوه التى هى باقية. وقال: إن التاج، والخمس وجوه، وقبة الهواء تجاه قنطرة بنى وائل، والقنطرة المذكورة هدمت، وبنى بقربها قنطرة أخرى عند حفر الإسماعيلية، وأخذ خليل أغا - باش أغا والدة الخديو اسماعيل - أحجارا كثيرة من التل الذى تقدّم القول عليه.
ومنظرة الخمس وجوه كانت بقرب التاج، وهى من بناء الأفضل أيضا، والبئر المتسعة التى ذكرها المقريزى هى موجودة للآن فى ملك إبراهيم باشا أدهم من ضمن أرض المهمشة.
قال المقريزى: البساتين الجيوشية بستانان كبيران؛ أحدهما من عند زقاق الكحل خارج باب الفتوح إلى المطرية (وزقاق الكحل هو شارع الطشطوشى الآن، ولم يبق من هذا البستان إلا اليسير)، والثانى من خارج باب القنطرة إلى الخندق (الدمرداش)، وكان لهما شأن عظيم.
ومن شدّة غرام الأفضل بالبستان الذى كان يجاور بستان البعل عمل له سورا مثل سور القاهرة، وعمل فيه بحرا كبيرا، وفيه عشارى تحمل ثمانية أرادب، وبنى فى وسط البحر منظرة محمولة على أربعة أعمدة من أحسن الرخام، وحفّها بشجر النارنج، فكان نارنجها لا يقطع حتى يتساقط، وسلّط على هذا البحر أربع سواق، وجعل له معبرا من نحاس مخروط زنته قنطار، وكان يملأ فى عدة أيام، وجلب إليه من الطيور المسموعة، وسرّح فيه كثيرا من الطواويس.
وكان البستانان اللذان على يسار الخارج من باب الفتوح بينهما بستان الخندق لكل منهما أربعة أبواب من الأربع جهات، وجميع الدهاليز مؤزّرة بالحصر العبدانى، وعلى أبوابها سلاسل كثيرة من حديد، ولا يدخل منها إلا السلطان وأولاده.
قال ابن عبد الظاهر: واتفقت جماعة على أن الذى يشتمل عليه مبيعها فى السنة من زهر وثمر نيّف وثلاثون ألف دينار، وأنها لا تقوم بمؤنها على حكم اليقين لا الشك. وكان الحاصل بالبستان الكبير المحصّن إلى آخر الأيام الآمريّة
(1)
، وهى سنة خمسمائة وأربع وعشرين يبلغ ثمانمائة وأحد عشر رأسا من البقر، ومن الجمال مائة وثلاثة رؤوس، ومن العمال وغيرهم ألف رجل
وذكر أن الأشجار التى كانت فى سور البساتين من سنط وجميز وأثل من أول حدّها الشرقى - وهو ركن بركة الأرمن - مع حدّها البحرى والغربى جميعا إلى آخر زقاق الكحل فى هذه المسافة الطويلة سبعة عشر ألف ألف ومائتا شجرة، مع أن حدّها القبلى لم يسور، وذكر أن السنط تغصن حتى لحق بالجميز فى العظم، وأن معظم قرظه يسقط فى الطريق، فيأخذ منه الناس، ويباع منه بعد ذلك بأربعمائة دينار، وتكلّم على ذلك كثيرا فانظره هناك (اه).
قلت: ويظهر من هذا أن البساتين الموجودة أمام بوابة الحسينية وتمتد إلى الدمرداش والمطرية، وكذا الأرض المزروعة فيما بين هذه البساتين والخليج، هى من حقوق هذه البساتين، وصارت قطعا، وامتلكها الناس ولله عاقبة الأمور.
والآن (أعنى فى سنة تسع وتسعين ومائتين وألف) خط الحسينية هو ما كان خارجا عن باب الفتوح، واسمه إلى الآن باق لم يتغير، وهو خط كبير عامر مشتمل على شوارع ودروب وحارات بها الدور والوكائل والدكاكين الغاصّة بالبضائع، وبها كثير من الجوامع والزوايا وغير ذلك.
ولنتكلم الآن على الأقسام العشرين التى وعدنا بها واحدا بعد واحد على الترتيب، معتبرين الابتداء من جهة بوّابة الحسينية فنقول:
(1)
فى الطبعة الأولى «الأميرية» والتصحيح لأحمد تيمور.
بيان الأقسام العشرين من الشارع الطولى
القسم الأول: شارع الكردى
يبتدئ هذا القسم من باب الحسينية، وينتهى إلى مسجد البيومى، وسمى بهذا الاسم لأن مسجد الشيخ أبى شرف الدين الكردى الذى يقال إنه من أرباب التصريف فى أول هذا الشارع، وكان أصل هذا المسجد زاوية صغيرة أنشأها الأمير عبد الرحمن كتخدا مسجدا، وجعل به خطبة وأنشأ فى مقابلته سبيلا، وجعله وقفا عليه، وذلك فى سنة سبعين ومائتين وألف.
وبقرب هذا المسجد زاوية صغيرة بها ضريح الشيخ على أبى خودة، ذكره الشعرانى فى طبقاته، وأثنى عليه. قال فى طبقات المناوى: إنه مات فى طريق المحلّة سنة تسعمائة وعشرين، وحمل إلى مصر، ودفن بقرب جامع شرف الدين.
وبآخر هذا الشارع ضريح يعرف بضريح الشيخ أيوب.
وبه ثلاث وكائل: الأولى وكالة الحاج أحمد البرى معدّة لبيع الأغنام. الثانية وكالة عثمان عبد الوهاب معدة لبيع الدريس. الثالثة وكالة الست السجينية معدّة لبيع الدريس أيضا.
وبه قراقول قديم، وهو المعروف بقراقول الحسينية.
وبه حارات وعطف ودروب كلها غير نافذة وهذا بيانها:
- درب مسعود على يسار المارّ من باب الحسينية إلى جهة البيومى.
- درب حسين على يسار المارّ من باب الحسينية، وبه حارات وعطف هذا بيانها:
حارة سيف الدين على يسار المارّ بدرب حسين، وليست نافذة، وبها ضريح يعرف بضريح الشيخ إسماعيل.
عطفة عزوز على يمين المارّ وليست نافذة أيضا.
- درب الغنامة على يمين المارّ وهو سدّ، وبه ثلاث حارات، وبوسطه ضريح يعرف بضريح الشيخ شحاته.
- عطفة الجزّار على يسار المارّ بالشارع.
- عطفة القزّاز على يسار المارّ بالشارع نسبة إلى قبر بها يعرف بقبر سيدى القزاز، وغالبا أنه قبر الشيخ أحمد الترابى، وذكر المناوى أن سيدى عبد الرازق الترابى الصالح المتوفى سنة تسعمائة وثلاثين دفن بساقية مكى بالجيزة. كان تلميذ الشيخ أحمد المذكور المدفون بزاويته بالقرب من جامع شرف الدين بالحسينية.
- عطفة سرور على يسار المارّ بالشارع.
- عطفة حميد على يسار المارّ بالشارع.
- حارة الكردى على يمين المارّ بشارع الكردى، ويتوصل منها إلى درب الجميز، وسميت بذلك لمجاورتها لجامع سيدى شرف الدين الكردى.
- حارة جميلة على يمين المارّ بالشارع المذكور.
- حارة إسماعيل شرارة مثل ما قبلها.
- عطفة أبى العلا على يمين المارّ بالشارع الكردى بحرىّ مسجد الأستاذ البيومى. وبهذا الشارع من المنازل المشهورة منزل حسن أبى العلا الجزار بدون جنينته، ومنزل محمد أسعد الجعّار، ومنزل حسنين أبى سمرة، ومنزل الحاج واريدى الياسرجى، ومنزل محمد الجعّار التاجر، ومنزل السيد محمد الليثى.
القسم الثانى: شارع البيومى
أوله من مسجد البيومى وآخره عطفة البلاّحة، وقد اشتهر هذا الشارع بسيدى على البيومى، لأن مسجده بأوّله، أنشأه الوزير مصطفى باشا، وأنشأ به قبّة بداخلها مدفن للشيخ على البيومى، وأنشأ تجاه المسجد سبيلا ومكتبا، وذلك سنة ثمانين ومائة وألف.
ووراء هذا المسجد حارة تعرف بحارة البيومى؛ بها زاوية يقال لها زاوية البيومى، وتعرف أيضا بزاوية الست آمنة، بها منبر وخطبة، ويقال إنها كانت معبد الشيخ على البيومى، وبها قبر زوجته الست آمنة، وقبر ولده، وشعائرها مقامة بنظر الشيخ محمد عبد الغنى - شيخ طريقة البيومية. وقال الجبرتى: إنه أخذ طريقة الأحمدية عن جماعة، ثم حصل له جذب، ومالت إليه القلوب، وصار للناس فيه اعتقاد عظيم، وانجذبت إليه الأرواح، ومشى كثير من الخلق على طريقته وأذكاره، وصار له أتباع ومريدون. وكان يسكن الحسينية، ويعقد حلقة الذكر فى مسجد الظاهر خارج الحسينية، وكان يقيم به هو وجماعة لقربه من بيته
…
إلى آخر ما قال.
قلت: والمتواتر أن بيته كان بقرب وكالة الدريس تجاه جامعه على يمين السالك إلى بوابة الخلا.
ترجمة الشيخ البيومى
والبيومى هذا قد اشتغل بالعلم فى مبدئه ثم بالطريقة حتى وصل، وكان مباركا، واشتهرت طريقته فى الأقطار المصرية حتى اتبعه الكثير، وصار يعمل له مولد سنوى فى أيام النيل على بركة الوايلية يقرب من مولد سيدى أحمد البدوى فى كثرة الخيام وحضور الناس إليه من الأرياف، ويستمر مولده ثمانية أيام. وجميع أهل الحسينية من غنى وفقير يطبخون ليلة مولده الباذنجان المحشى حتى أن هذا الصنف لا يكاد يوجد فى ليلة مولده بخطته. وقد بسطنا ترجمته فى بلدته «بيّوم» من كتابنا هذا.
ولما توفى الأستاذ الفاضل الشيخ حسن القويسنى - شيخ الجامع الأزهر - دفن بجانبه، وذلك فى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف.
ومن ذريته العالم الفاضل الشيخ حسن القويسنى الصغير أحد مدرسى الجامع الأزهر، وبيده مفاتيح مقصورة سيدى أحمد البدوى، وداره تجاه جامع البيومى، وكان يسكنها جده الشيخ حسن القويسنى المذكور، والآن جدّدها الشيخ حسن المذكور - أعنى الصغير - ووسّعها، وسكن بها إلى أن توفى رحمه الله فى سنة إحدى وثلثمائة بعد الألف، ودفن بتربة جده.
وبعد سنة خمس وستين ومائتين وألف وضع صاحب الديار المصرية الحاج عباس باشا حلمى المقصورة الجديدة الموجودة إلى الآن على الضريحين.
وبهذا الشارع أيضا جامع كمال الدين، وهو على يمنة الخارج من باب الفتوح طالبا الحسينية، أنشأه الحاج كمال الدين التاجر فى أيام الظاهر برقوق. ولما مات دفن به، ويعمل له مولد سنوى وشعائره مقامة.
وبه عدة قبور، منهم الشيخ سالم المزين - تلميذ الشيخ البيومى - توفى بعد سنة ثمانين ومائتين وألف.
زاوية الأربعين
وبه زاوية صغيرة على يمين السالك من عند البيومى إلى الكردى، تعرف بزاوية الأربعين، بها ضريح يقال له ضريح الأربعين، وشعائرها مقامة من طرف ناظرها الشيخ مصطفى.
زاوية باشا السكرى
وزاوية أخرى تعرف بزاوية باشا السكرى، وهى عن يمين السالك من باب الفتوح إلى جامع البيومى تجاه حمام البشرى. وهذه الزاوية شعائرها مقامة من طرف ديوان الأوقاف، وبها خطبة.
زاوية الخدام
وهناك زاوية تعرف بزاوية الخدام ذكرها المقريزى فقال: هى خارج باب النصر فيما بين شقة باب الفتوح من الحسينية وبين شقة الحسينية، أنشأها الطواشى بلال الفراجى، وجعلها وقفا على الخدام الحبش الأجناد، فى سنة سبع وأربعين وستمائة. (اه).
وهى باقية إلى الآن، وتعرف أيضا بزاوية التميمى.
وبه ست وكائل:
الأولى تعرف بوكالة سيدى كمال، وهى تحت نظارة الأوقاف.
والثانية تعرف بوكالة الست زنوبة، وهى تحت نظارة محمود البنّان ومعدّة لبيع البرسيم والدريس.
والأربعة الباقية وقف الشيخ البيومى.
وبه حمّام يعرف بحمّام البشرى، وهو خارج باب الفتوح بأوّل درب السّماكين.
وفى القرن العاشر من الهجرة - فى زمن السلطان الغورى - بنى حمّام فى الحسينية، وعرف بحمام «الحبّالين» ، فما أدرى إن كان حمام البشرى هذا هو الذى عنى أو حمام الذهبى الكائن فى شارع البنهاوى. وغالبا هو حمام البشرى، وبأوله ضريح يقال له «الكرونى» . وبآخره ضريح يعرف بضريح «الضبورى» .
وبهذا الشارع عطف وحارات وهى:
- عطفة البلاحة على يسار المارّ بالشارع، وهى غير نافذة.
- وحارة البيومى وراء جامع البيومى بها زاوية الست آمنة المتقدم ذكرها.
- وعطفة فضل على يمين المارّ بالشارع، وتتوصل منها لعطفة صلاح حتى يلتقى بشارع درب السماكين.
- فرع من شارع البيومى الأصلى أوّله من شرقى الشارع المذكور، وينتهى إلى ما بين معمل الفراخ وشارع درب السّماكين، وبه درب وحارة على يمين المارّ به.
- عطفة عابدين على يمين المارّ بالشارع.
- حارة القبانى على يمين المارّ بالشارع.
القسم الثالث: شارع الخوّاص
أوله من عطفة البلاحة، وآخره عطفة ندى، وبه عطف وحارات غير نافذة، وهى:
حارة الخوّاص على يسار المار بالشارع المذكور، وبها خوخة تعرف بخوخة النمرود، وحارات ثلاث. وفى آخرها ضريح يعرف بضريح الشيخ العمرانى، وجامع صغير يخطب به.
وبه ضريح سيدى على الخوّاص - شيخ سيدى عبد الوهاب الشعرانى ذكره فى طبقاته وأثنى عليه، ونقل عنه من الأحاديث والتفسير جملة وافرة، وقال إنه كان من الأميين.
والخوّاص نسبة إلى الخوص، فإنه كان يضفر المقاطف الخوص، وكان للناس فيه اعتقاد كبير. ويعمل له مولد سنوى عقب مولد البيومى. وقد بسطنا ترجمته فى بلدته «البرلس» من هذا الكتاب.
جامع الخوّاص
وجامع الخوّاص أصله زاوية الشيخ بركات الخياط التى أنشأها له تلميذه الشيخ رمضان خارج باب الفتوح تجاه حوض الصادر.
ولما مات الخوّاص رضي الله عنه دفن معه فاشتهرت الزاوية به. وفى سنة تسعمائة وثلاث وعشرين دفن فى هذه الزاوية سيدى بركات كما فى طبقات المناوى، ودفن فيها ناصر الدين النحاس، وعبد القادر الظاهرى، وعبد الرحمن المجذوب. وقال المناوى: إن الشيخ بركات كان من أصحاب الأحوال، وكان رباطه بالدرب الأحمر.
زاوية شمعة
وتجاه حارة الخواص بجوار حارة عنوس زاوية تعرف بزاوية شمعة، ويقال لها أيضا زاوية الصارم، وزاوية عنوس، أنشأها الأمير شمعة فى أول القرن الثالث عشر ثم انشعبت فجددها الحاج يوسف عنوس الحريرى بعد سنة سبعين ومائتين وألف، وهى مقامة الشعائر من طرف ديوان الأوقاف.
وبهذا الشارع أيضا وكالتان:
إحداهما تعرف بوكالة خير الدين العطار، وهى معدة للسكنى.
والثانية وقف السلطان قلاوون، وكانت هذه الوكالة مشحونة بالأتربة، وليس بها إلا حاصلان بقرب بابها فجعلناها مدرسة لتعليم أولاد هذه الخطة وذلك فى سنة ألف ومائتين وست وتسعين - أيام كنت ناظر الأوقاف والمدارس - فجاءت بحول الله من أحسن المدارس وأبهجها، ودخلها الكثير من الأطفال، وهى عامرة إلى الآن.
عطفة السيد الشابورى على يسار المارّ من الشارع.
عطفة ندى على يسار المارّ من الشارع.
عطفة سرحان على يمين المارّ من الشارع.
عطفة قويدر على يمين المارّ من الشارع.
عطفة فليفل على يمين المارّ من الشارع.
عطفة الهروية على يمين المارّ من الشارع المذكور، وتنتهى بشارع درب السّماكين.
عطفة الجزار على يمين المارّ بالشارع.
القسم الرابع: شارع أبى قشّة
أوّله من عطفة ندى، وآخره باب الفتوح، ويخرج منه شارع البنهاوى وسيأتى بيانه فى محله.
وبشارع أبى قشة عطف غير نافذة وهى:
- عطفة المقدم على يسار المارّ بالشارع المذكور.
- عطفة الحصر على يسار المارّ بالشارع.
- عطفة الخضار على يسار المارّ بالشارع.
- عطفة الأشقر على يمين المارّ بالشارع.
وبه أيضا على يمين المارّ ثلاثة أزقّة غير نافذة.
وبه زاويتان: إحداهما بآخره، وتعرف بزاوية أحمد البقلى، والثانية تعرف بالزاوية الصغيرة.
وبه ضريحان: أحدهما بأوله، ويعرف بضريح الشيخ أبى قشّة، وهو الذى سمى الشارع المتقدم به، والثانى يقال له ضريح الشيخ عطية، وهو بقرب باب الفتوح.
وبه ثلاث وكائل: الأولى تعرف بوكالة محمد بدوى، وهى معدّة لسكن المسافرين، والثانية وكالة يوسف عبد الفتاح معدّة لبيع الفحم، وتحت نظارة محمد يوسف عبد الفتاح.
الثالثة وكالة حسن سلاّم، وهى متجرية وتحت نظارته.
القسم الخامس: شارع باب الفتوح
يبتدئ من باب الفتوح، وينتهى بضريح سيدى دويدار تجاه شارع بين السيارج، وعرف هذا الشارع بذلك لأن به باب الفتوح الذى هو أحد أبواب القاهرة إلا أنه لم يكن فى موضعه الآن، بل كان دونه، فإن المقريزى قال: إن باب الفتوح الذى وضعه القائد جوهر كان دون موضعه الآن، وبقى منه إلى يومنا هذا عقده وعضادته اليسرى، وعليه أسطر من الكتابة الكوفية، وهو برأس حارة بهاء الدين من قبليّها دون جدار الجامع الحاكمى، ثم قال: وأما الباب المعروف اليوم بباب الفتوح، فإنه من وضع أمير الجيوش، وبين يديه باشورة قد ركبها الآن الناس بالبنيان لما عمر ما خرج عن باب الفتوح. (اه).
فحارة بهاء الدين - المعروفة الآن بحارة بين السيارج - كانت خارج الباب القديم الذى وضعه جوهر، وكذلك الجامع الحاكمى.
مطلب سجن المقشرة
وكان بجوار باب الفتوح سجن يعرف «بالمقشرة» قال المقريزى: هذا السجن بجوار باب الفتوح فيما بينه وبين الجامع الحاكمى كان يقشر فيه القمح، ومن جملته برج من أبراج السور على يمنة الخارج من باب الفتوح استجدّ بأعلاه دور لم تزل إلى أن هدمت خزانة شمائل، فعين هذا البرج والمقشرة لسجن أرباب الجرائم، وهدمت الدور التى كانت هناك فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وهو من أشنع السجون وأضيقها، يقاسى فيه المسجونون من الغم والكرب ما لا يوصف، عافانا الله من جميع البلاء. (اه).
جامع السطوحية
وفى مقابلة الخارج من باب الفتوح الآن جامع يصعد إليه بدرج يعرف بجامع السطوحية أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا وأنشأ بجواره صهريجا يعلوه مكتب، وأنشأ حوضا كبيرا لسقى الدواب، وذلك بعد سنة ستين ومائتين وألف.
ثم إنه يوجد خمس وكائل بهذا الشارع:
- وكالة مصطفى الشربجى، وهى معدّة لبيع الحمص، وتحت نظارة مصطفى الشربجى.
- وكالة سيدنا الحسين، وهى مجعولة مقلاة للحمص، وتحت نظارة الأوقاف.
- وكالة النيلة، وهى معدّة لربط الحمير، وبأعلاها جملة مساكن، وتحت نظر الشيخ إبراهيم.
- وكالة إبراهيم أغا الأرناؤوطى، وهى معدّة لربط الحمير، وبأعلاها ربع للسكنى، وهى تحت نظارة الست فاطمة خاتون.
- وكالة الثوم، وهى معدة لبيع الثوم، وبأعلاها مساكن متجرية، وتحت نظارة الأوقاف.
- وجبّاسة بجوار باب الفتوح تعرف بجبّاسة أحمد أفندى معدّة لبيع الجبس، وأخرى بالقرب منها تعرف بجبّاسة المعلم شحاته عيسى.
وذكر المقريزى فى الأسواق سوق باب الفتوح، فقال: كان أوّله من باب الفتوح إلى رأس حارة بهاء الدين - التى هى الآن شارع بين السيارج - وكان معمور الجانبين بالحوانيت يباع فيه اللحم والخضراوات وغير ذلك، وليس هو من الأسواق القديمة، وإنما حدث بعد زوال الدولة الفاطمية فى زمن صلاح الدين أيوب.
ثم اعلم أن ما بين باب الفتوح هذا وباب النصر وبين باب زويلة - المعروف ببوابة المتولى - هو قصبة القاهرة التى قال فيها المقريزى فى خططه: قصبة القاهرة ما برحت محترمة بحيث إنه كان فى الدولة الفاطمية إذا قدم رسول متملك الروم ينزل من باب الفتوح، ويقبّل الأرض وهو ماش إلى أن يصل إلى القصر، وكان يفعل ذلك أيضا كل من غضب عليه الخليفة، فإنه يخرج إلى باب الفتوح، ويكشف رأسه، ويستغيث بعفو أمير المؤمنين حتى يؤذن له بالمسير إلى القصر.
وكان لها عوائد:
منها أن السلطان من ملوك بنى أيوب ومن قام بعده من ملوك الترك لابد إذا استقر فى سلطنة ديار مصر أن يلبس خلعة السلطان بظاهر القاهرة، ويدخل إليها راكبا والوزير بين يديه على فرس وهو حامل عهد السلطان الذى كتبه له الخليفة بسلطنة مصر على رأسه، وقد أمسكه بيده، وجميع الأمراء والعساكر مشاة بين يديه منذ يدخل القاهرة من باب الفتوح، أو من باب النصر، إلى أن يخرج من باب زويلة، فإذا خرج السلطان من باب زويلة ركب حينئذ الأمراء وبقية العساكر.
ومنها أنه كان لا يمر بقصبة القاهرة حمل تبن ولا حمل حطب، ولا يسوق أحد فرسا بها، ولا يمرّ بها سقاء إلا وراويته مغطاة.
ومن رسم أرباب الحوانيت أن يعدوا عند كل حانوت زيرا مملوءا بالماء مخافة أن يحدث الحريق فى مكان، فيطفأ بسرعة، ويلزم صاحب كل حانوت أن يعلق على حانوته قنديلا طول الليل يسرج إلى الصباح. قال: وكان ذلك بأمر أمير المؤمنين العزيز بالله فى سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة.
وفى سنة إحدى وتسعين وثلثمائة أمر الحاكم بأمر الله بأن يوقدوا القناديل فى سائر البلد على جميع الحوانيت والدور والمحالّ والسكك والشوارع والأزقة، ولازم الحاكم بأمر الله الركوب فى الليل، وكان ينزل كل ليلة إلى موضع، وزيّنت القياسر والأسواق بأنواع الزينة، وصارت الناس فى القاهرة ومصر طول الليل فى بيع وشراء، والتزموا وقود الشموع العظيمة، وأنفقوا فى ذلك أموالا جمّة لأجل الملاهى، وتبسّطوا فى المآكل والمشارب وسماع الأغانى.
ومنع الحاكم الرجال المشاة بين يديه من المشى بقربه، وزجرهم وانتهرهم، وقال:
لا تمنعوا أحدا منى، فأحدق الناس به، وخرج سائر الناس بالليل للتفرّج، وغلب النساء الرجال فى الخروج بالليل، وعظم الازدحام فى الشوارع والطرقات، وأظهر الناس اللهو والغناء وشرب المسكرات فى الحوانيت والشوارع، وذلك من أول المحرم سنة إحدى وتسعين وثلثمائة.
وكان معظم ذلك من ليلة الأربعاء تاسع عشر المحرم إلى ليلة الاثنين الرابع والعشرين منه، فلما تزايد الأمر أشيع أمر الحاكم أنه لا تخرج امرأة من العشاء، ومتى خرجت امرأة بعد العشاء نكل بها، ثم منع الناس من الجلوس فى الحوانيت، ثم فى سنة خمس وتسعين وثلثمائة منع الناس من الخروج بعد العشاء.
قال المقريزى: وكان يقام فى قصبة القاهرة قوم يكنسون الأزبال والأتربة ونحوها، ويرشّون كل يوم، ويجعل فيها طول الليل عدة من الخفراء يطوفون لحراسة الحوانيت وغيرها، ويتعاهد كل قبيل بقطع ما عساه يرمى من الأوساخ فى الطرقات حتى لا تعلو الشوارع.
وأوّل من ركب بخلع الخليفة فى القاهرة السلطان الملك الناصر صلاح الدين ابن أيوب. قال المقريزى: وهى جبة سوداء وطوق ذهب، ولم يزل الرسم كذلك إلى أن أقام فى دولة مصر السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، وقتل هولاكو الخليفة المستعصم بالله، وهو آخر خلفاء بنى العباس ببغداد، وقدم على الملك الظاهر أبى العباس أحمد ابن الخليفة المستنصر بالله، وخطب باسمه، ونقش السكة باسمه.
فلما كان يوم الاثنين الرابع من شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضربت بالبستان الكبير فى ظاهر القاهرة، ولبس خلعة الخليفة، وهى جبة سوداء، وعمامة بنفسجية، وطوق من ذهب
وسيف بداوى، وجلس مجلسا عاما حضر فيه الخليفة والوزير والقضاة والأمراء والشهود، وصوّر القاضى فخر الدين إبراهيم بن لقمان - كاتب السرّ - منبرا نصب، وقرأ تقليد السلطان الذى عهد به إليه الخليفة، ثم ركب السلطان بالخلعة والطوق، ودخل من باب النصر، وشقّ القاهرة، وقد زينت له، وحمل الوزير الصاحب بهاء الدين محمد بن على بن حنا التقليد على رأسه قدّام السلطان والأمراء ومن دونهم مشاة بين يديه، حتى خرج من باب زويلة إلى قلعة الجبل.
وفى ثالث شوال سنة اثنتين وستين وستمائة سلطن الملك الظاهر بيبرس ابنه الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان، وأركبه بشعار السلطنة، ومشى قدّامه، وشقّ القاهرة كما تقدم.
وآخر من ركب فى قصبة القاهرة بشعار السلطنة وخلعة الخلافة والتقليد السلطان الناصر محمد بن قلاوون عند دخوله القاهرة من البلاد الشامية بعد قتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، واستيلائه على المملكة فى ثامن جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة.
ولما كثرت الفتن تغيرت الرسوم والعادات، وصار من بعد هذا التاريخ إلى دخول بنى عثمان أرض مصر والتملك عليها - سنة تسعمائة وثلاث وعشرين - صار كل من يتولى السلطنة يجرى توجهه بقلعة الجبل، ويعمل له الموكب والرسوم هناك.
وكانت العادة أنه متى أراد الأمراء عزل السلطان وتولية غيره أن تصعد الأمراء والعسكر إلى باب السلسلة، وتصير المشورة فيمن يسلطنوه، ومتى تمّ رأيهم على أحد الأمراء يرسلوا خلف الخليفة والقضاة الأربعة. وبعد تكامل المجلس تعمل صورة محضر فيه خلع السلطان المتولى ويخلع، وفى الحال يبايع الخليفة الأمير المتفق عليه بالسلطنة، ويلقّب بلقب، ويكنّى بكنية. وبعد ذلك يحضرون له شعار الملك، وهى الجبة والعمامة السوداء والسيف البداوى، ثم تقدّم له فرس النوبة فيركب من سلّم الحراقة الذى بباب السلسلة، وترفع على رأسه القبة والطير، ويركب على يمينه الخليفة، وتمشى الأمراء بين يديه، ويستمر فى ذلك الموكب حتى يطلع من باب سر القصر، ويجلس على سرير الملك. وهناك تقبّل الأمراء الأرض بين يديه، ثم يخلع على الخليفة، وينادى فى يومها باسمه فى القاهرة، وتزين عدة أيام، وفى الجمعة، وأيام المواسم، ويخطب باسمه على المنابر، وتضرب السّكّة باسمه، ويأخذ فى تعيين من يحب فى الوظائف وعزل من لا رغبة له فيه. وفى كثير من الأوقات خصوصا إذا كان العزل والتولية ناشئين عن فتنة داخلية يأمر بالاحاطة على ذوى الفتنة، ومن يلوذ بهم، فمنهم من يقتل، ومنهم من يحبس فى حبس الإسكندرية أو غيرها، ومنهم من ينفى.
مطلب تاريخ قيام السلطان سليم من العباسية إلى القاهرة
وهكذا كان الأمر إلى أن حصلت وقعة الغورى مع السلطان سليم، ومات الغورى، وملك السلطان سليم مصر بعد كسرة الأمراء المصريين، ونقل وطاقه أولا من بركة الحج إلى الريدانية (العباسية)، ثم نقله إلى بولاق، ونصبه من تحت الرصيف إلى آخر الجزيرة الوسطى - التى هى اليوم جزيرة العبيط ومنها سراية الإسماعيلية - وكانوا أحضروا له مفاتيح القلعة ليقيم بها، فاختار الإقامة بساحل النيل، وقام من العباسية يوم الاثنين ثالث المحرم سنة تسعمائة وثلاث وعشرين، ودخل القاهرة من باب النصر، وشقّ المدينة فى موكب حافل وقدّامه الجنائب المسوّمة الكثيرة العدد، والعساكر المتراكمة ما بين ركبان ومشاة حتى ضاقت بهم الشوارع، واستمرّ سائرا حتى دخل من باب زويلة، ثم عرّج على تحت الربع، وتوجه من هناك إلى بولاق، ونزل فى الوطاق.
وفى مروره ارتفعت له الأصوات بالدعاء من حين دخوله من باب النصر إلى نزوله بالوطاق ببولاق.
وفى عشرين من الشهر طلع إلى القلعة، ومرّ من قناطر السباع والصليبة فى موكب حافل رجّت له القاهرة. وقبل طلوعه أصدر أمره بتخلية البيوت من أصحابها، فأخلوها جميعا، وأقام بها العساكر.
ولم يقم غير قليل، ونقل وطاقه إلى بولاق ثم إلى إنبابة، ثم رجع إلى بولاق.
وفى ثمانية وعشرين من الشهر توجه إلى الجامع الأزهر، فصلى به الجمعة، وشق من باب الخلق، ودخل من باب زويلة، وتوجه إلى الأزهر، وزينت له القاهرة، ورجع من الطريق عينه.
وكان دخوله ورجوعه بموكب حافل، وكان قد انتقل إلى المقياس، وأقام به، ثم انتقل منه، وسكن فى بيت السلطان الأشرف الذى خلف حمام الفادقانى (حمام الألفى).
ثم فى الثالث والعشرين من شعبان خرج إلى السفر بعد أن أقام ثمانية أشهر، فخرج من البيت المذكور، وشقّ من الصليبة، وطلع إلى الرميلة فى موكب حافل، وقدّامه ملك الأمراء خير بيك نائب حلب، وجان بردى الغزالى نائب الشام، وقدّام العسكر طبول ومزامير، وعدة جنائب حربية، وكان السلطان راكبا على بغلة صفراء عالية قيل إنها من بغال السلطان الغورى، كان يركبها فى الأسفار، وكان عليه قفطان مخمل أحمر، وقدّامه جماعة من الوزراء، منهم يونس باشا والاقبدار، وبقية الأمراء والوزراء، والجمّ الغفير من عساكره،
ما بين مشاة وركبان، وطلع من على السور، ونزل من على تربة الأشرف قايتباى، ووقف هناك، وقرأ سورة الفاتحة، وأهداها إليه. وكان قدامه جماعة كثيرة من الرماة بالنفوط، ثم شق من بين الترب إلى العادل الذى بالفضاء، واستمر على ذلك حتى نزل بالخانقاه.
ومن بعد السلطان سليم كانت مواكب الولاة الذين تعينهم الدولة تمرّ من هذه القصبة متى عزل أو مات الوالى ترسل الأجناد بذلك إلى الباب العالى، فيعين من يختاره واليا على مصر، فيقوم ويحضر إلى الديار المصرية. ومتى وصل إلى ثغر الإسكندرية يجد كثيرا من الأمراء والأعيان، فيهنئوه بالسلامة. ومتى وصل إلى ساحل بولاق ينزل نائب القلعة والقائم مقام عنده إلى أن يحضر الكواخى وأغوات الينكجرية وسائر الاسبناهية وأغوات المماليك الجراكسة، فيركب على فرس أعدوها له من الخيول الخاصة وعليه خلعة السلطنة، وهى عادة تماسيح على أحمر وأخضر، ويركب جماعته على خيول أحضروها لهم كذلك، فيسير من بولاق وقدامه العسكر من سائر الأصناف، ويرمى أمامه بالنفوط، فيدخل من باب البحر ويسير إلى أن يدخل من باب القنطرة، فيشق من سوق مرجوش، ثم من القاهرة حتى يطلع إلى القلعة، ثم يكون على رأسه صنجق بقطع فضة، ومن ورائه طبلان ومزماران عثمانيان، وخلفه جماعة بطراطير حمر بعصائب ذهب. وفى أثناء سيره تنطلق له الألسن بالدعاء وتزغرد له النساء.
ومتى استقر جلوسه بالقلعة يعمل له النائب سماطا حافلا، ويسلمه مفاتيح بيت المال، ويدفع له خاتم الملك.
وفى ثانى يوم ينزل إلى الميدان، وبحضور الأمراء والعساكر يقرأ عليهم مرسوم السلطان، وبعد ذلك تخرج له القضاة والعلماء والوجوه للسلام والتهنئة. ومن ذاك الحين يأخذ فى سياسة الأمور.
وإلى وقتنا هذا بقى بهذه القصبة كثير من العوائد القديمة، فإنها لم تزل محلا للمواكب والزينات والوقدات، وبها أعظم محال التجارة، ولا يوجد بغيرها من البيع والشراء مثل ما يوجد بها فى جميع فصول السنة.
ومع تجدد شوارع كثيرة فى جهات مختلفة من مصر لم يخل ذلك بعماريتها والرغبة فيها ورواج أسواقها، فيوجد بها على الدوام البضاعة المصرية والشامية والهندية والفرنجية وغيرها من كافة الأنواع الكافية لأهل القطر.
وفى عهد العائلة المحمدية حصلت بها عمارات جليلة. وفى زمن الخديو إسماعيل وضعت فيها فنارات الغاز، كما وضع ذلك فى جميع الشوارع والحارات المعتبرة القديمة والجديدة خارج
البلد وداخلها، وحصل من ذلك لعموم السكان والمارة من الأهل والأجانب الأمن والاطمئنان فهذه القصبة دائما غاصة بالخلق أكثر من غيرها.
وسبب ذلك أن تلك القصبة واقعة فى الشارع العام القاسم للبلد من الخلاء إلى الخلاء، وكثير من الشوارع والدروب متصل بها، فضلا عن الأسواق ومحال التجارة التى فى يمينها وشمالها.
ثم نرجع إلى ذكر العطف والدروب التى بشارع باب الفتوح المذكور فنقول:
درب المغاربة على يمين المارّ بشارع باب الفتوح، وبه عطفتان وهما:
عطفة البقرة على يمين المارّ من الدرب المذكور، وليست نافذة، وهناك من الدور دار الشيخ يوسف ملش من كتاب المحكمة الكبرى الشرعية، ودار يوسف جمجوم من أعيان التجار، وغير ذلك من المنازل.
زاوية النقاش
وعطفة الوسعاية مثل ما قبلها، وبوسطها زاوية تعرف بزاوية النقاش، بها خطبة، وشعائرها مقامة من طرف ناظرها محمد العسقلانى القبانى من ذرية منشئها.
القسم السادس: شارع الكليباتى ومرجوش
يبتدئ من ضريح سيدى دويدار تجاه شارع بين السيارج، وينتهى بجامع السلحدار، واشتهر هذا الشارع بهذا الاسم لأن به زاوية الشيخ أبى الخير الكليباتى فى أوله، وبصدرها ضريحه، وهى مقامة الشعائر، أنشئت سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وترجم القطب الشعرانى الشيخ أبا الخير المذكور وذكر أنه دفن فى المكان الذى كان يتعبد فيه.
وفى المقريزى أن هذا الشارع كان به ثلاثة أسواق:
سوق المرحلين من رأس حارة بهاء الدين إلى بحرى المدرسة الصيرمية معمور الجانبين بالحوانيت المملوءة برحالات الجمال وأقتابها وسائر ما تحتاج إليه، يقصد من سائر إقليم مصر، خصوصا فى مواسم الحج، فلو أراد الإنسان تجهيز مائة جمل وأكثر فى يوم لما شق عليه وجود ما يطلبه من ذلك لكثرته فى حوانيت هذا السوق ومخازنه. وقد بدأ خرابه واضمحلال أهله فى زمن الناصر فرج بن برقوق بسبب أخذ ما يحتاج إليه الجمّال من الرحال والأقتاب وغيرها من غير دفع ثمن لذلك.
قلت: والمدرسة الصيرمية محلها الآن زاوية سوق الضببية، سوق خان الرؤاسين على رأس سويقة أمير الجيوش، قيل له ذلك من أجل أن هناك خانا تعمل فيه الرؤوس المغمومة وكانت حوانيته مملوءة بأصناف المآكل. (اه).
قلت: وخان الرؤاسين هذا محله الآن الزقاق المقابل لأول شارع مرجوش.
سوق حارة برجوان، وكان من باب حارة برجوان إلى قرب الجامع الحاكمى، وهو من الأسواق القديمة، وكان يعرف فى أيام الخلفاء الفاطميين بسوق أمير الجيوش، وكان معمور الجانبين بعدة وافرة من باعة لحم الضأن السليخ واللحم السميط واللحم البقرى، وعدة كثيرة من الزيّاتين والجبّانين والخبّازين واللبّانين والطبّاخين والشوّايين والخضرية والعطّارين وغير ذلك. وقد خرب هذا السوق بعد سنة ست وثمانمائة (اه).
قلت: والآن هذه السوق من أعمر أسواق القاهرة، وأغلب ما يباع فيه الأقمشة المعروفة بالمانيفاتورة.
وبهذا الشارع عطف ودروب وهى:
عطفة الفناجيلى عن يمين المارّ به وليست نافذة.
عطفة بدون اسم عن يسار المارّ به وليست نافذة أيضا.
درب الورّاقة عن يمين المارّ به، وهو غير نافذ، وكان أولا يعرف بخط خان الورّاقة.
قال المقريزى فى خططه خط خان الورّاقة فيما بين حارة بهاء الدين وسويقة أمير الجيوش.
وكان أصله خانا يصقل فيه الورق وكان موضعه قديما إصطبل الصبيان الحجرية بناه المعز بعد قدومه إلى القاهرة لما بنى الحجر التى بجوار باب النصر القديم للغلمان المخصوصين بخدمة القصر، وكان هذا الإصطبل بجوار باب الفتوح القديم معدا لخيولهم، وكان ما بينهما ميدان واسع لا بناء فيه، ثم بعد زوال الدولة الفاطمية صار خانا للوراقة (اه).
وقد تكلم المقريزى على الحجر المذكورة هنا فقال: وكان بجوار دار الوزارة مكان كبير يعرف بالحجر، جمع حجرة، فيها الغلمان المختصون بالخلفاء، كما أدركنا بالقلعة البيوت التى كان يقال لها الطباق، وكانت هذه الحجر جانب حارة الجوانية وإلى جنب المسجد الذى يعرف بمسجد القاصد تجاه باب الجامع الحاكمى الذى يفضى إلى باب النصر، فمن حقوق هذه الحجر دار الأمير بهادر اليوسفى السلحدار الناصرى التى تجاور المسجد الكائن على يمنة من سلك من باب الجوانية طالبا باب النصر، ومنها الحوض المجاور لهذه الدار، ودار الأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاوون والمسجد المعروف بالنخلة وما يجاوره من القاعتين اللتين تعرف إحداهما بقاعة الأمير علم الدين سنجر الجاولى، وما فى جانبها إلى مسجد القاصد، وما وراء هذه الدور. وكان لهؤلاء الحجرية إصطبل برسم دوابهم. قال: وما زالت هذه الحجر باقية بعد انقضاء دولة الفاطميين إلى ما بعد السبعمائة، فهدمت، وابتنى الناس مكانها الأماكن المذكورة إلى آخر ما قال.
قلت: والجوانية باقية على أصلها، فالحجر كانت حينئذ فى ابتداء الجوانية إلى باب النصر فى الطول، وفى العرض كانت تشغل جميع الأرض الواقعة من الشارع إلى سور المدينة، والدور الواردة فى هذه العبارة وكذا المساجد ذكرناها فى شارع باب النصر فانظرها هناك.
وهو الآن درب صغير يسكنه بعض التجار وغيرهم واقع بين شارع بين السيارج المعوض لحارة بهاء الدين وسوق مرجوش عن يمين الداخل من باب الفتوح طالبا بين القصرين، بداخله منزل الشيخ نصر الهورينى الشافعى مؤلف المطالع النصرية فى فن الرسم، توجه إلى بلاد فرنسا زمن العزيز محمد على، وأقام هناك مدة مع الرسالة المصرية، ثم لما عاد سكن فى هذا الدرب وبقى به إلى أن مات رحمه الله تعالى، وبهذا الدرب زاوية صغيرة شعائرها مقامة من أوقافها.
القسم السابع: شارع الأمشاطية
يبتدئ هذا الشارع من رأس شارع مرجوش، وينتهى إلى سبيل بين القصرين، وبه جهة اليمين شارع سوق السمك وسيأتى بيانه فى محله. وفى جهة اليسار شارع السنانين، وطوله أربعة وثمانون مترا، ويتصل بشارع وكالة التفاح، ويوجد به سبيل جديد. وشارع السنّانين هذا هو الذى سماه المقريزى بسوق المحايريين، فقال: هذا السوق فيما بين الجامع الأقمر وبين جملون ابن صيرم يسلك فيه من سوق حارة برجوان ومن سوق الشماعين إلى الركن المخلق وفيه عدة حوانيت لعمل المحاير التى يسافر بها إلى الحجاز (اه).
ثم بجوار شارع السنّانين الجامع الأقمر. قال المقريزى: أمر بانشائه الخليفة الآمر فى سنة تسع عشرة وخمسمائة. وكان موضعه قديما سوق القماحين وقبالته درب الخضيرى. (اه).
وهذا الجامع موجود إلى الآن، ويعرف بهذا الاسم، وأما درب الخضيرى فكان موجودا إلى سنة أربعين ومائتين وألف، ثم هدمه مع الدور التى به سليمان أغا السلحدار، وأدخله فى بيته الكبير. وكان موضع هذا الدرب دار العلم القديمة التى كانت فى صدر الدولة الفاطمية.
قال المقريزى: ودار العلم هذه اتخذها الحاكم بأمر الله، وكانت تلقب بدار الحكمة حملت إليها الكتب من خزائن القصور، وجلس فيها القراء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء بعد أن فرشت وزخرفت وعلقت على أبوابها الستور وأقيم لخدمتها فراشون وخدام، واستمرت إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش ثم عملت دار العلم الجديدة.
قال المقريزى: وكان بجوار القصر الكبير الشرقى دار فى ظهر خزانة الورق من باب تربة الزعفران لما أغلق الأفضل بن أمير الجيوش دار العلم التى كان الحاكم بأمر الله أمر بفتحها اقتضى الحال بعد قتله إعادة دار العلم، فامتنع الوزير المأمون من إعادتها فى موضعها فأشار الثقة زمام القصور بهذا الموضع فعمل دار العلم فى شهر ربيع الأول سنة سبع عشر وخمسمائة، ولم تزل عامرة حتى زالت الدولة الفاطمية (اه).
قال ابن عبد الظاهر: رأيت فى بعض كتب الأملاك القديمة ما يدل على أنها قريبة من القصر النافعى، وكذا ذكر لى السيد الشريف الحلبى أنها دار ابن آزرمى المجاورة لدار سكنى الآن خلف فندق مسرور الكبير، وكذلك قال لى والدى رحمه الله، وقد بناها جمال الدين الأستادار الحلبى دارا عظيمة غرم عليها مائة ألف وأكثر من ذلك. وموضع دار العلم هذه دار كبيرة ذات زلاقة بجوار درب ابن عبد الظاهر قريبا من خان الخليلى بخط الزراكشة العتيق.
قلت: قد بيّنا فى محله من هذا الكتاب أن خزانة الورق هى خان مسرور، ومن حقوقها وكالة رخا الكائنة فى تقاطع شارع السكة الجديدة بشارع الخردجية فيكون على يسار السالك من شارع الخردجية فى شارع السكة الجديدة إلى سيدنا الحسين. فدار العلم الجديدة محلها الآن بعض المنازل الكائنة خلف هذه الوكالة، وبعضها دخل فى مبانى خان الخليلى، وبعضها على الشارع، وكثير منها زال بفتح شارع السكة الجديدة.
مطلب الكلام على الأسواق القديمة التى كانت بهذا الشارع
ودرب ابن عبد الظاهر إن لم يكن الزقاق الموجود على يسار السالك إلى سيدنا الحسين بعد أن يترك عطفة المدق الكائنة على يمينه، فهو لا يبعد عنه بكثير. وفى الكلام على قصور الخلفاء تكلمنا على القصر النافعى، وبينا أنه كان يمتد إلى خلف وكالة المخلل من شارع الصنادقية، والوكالة المذكورة هى خان منكورش الذى ذكره المقريزى فقال: إنه بخط سوق الخيميين بالقرب من الجامع الأزهر. وسوق الخيميين كان يعقب سوق الخراطين الذى ذكره المقريزى فى الأسواق.
قلت: وأول هذا السوق الشارع وآخره عند وكالة الصنادقية وبعده كان سوق الخيميين.
مطلب شارع التنباكشية
ثم بعد الجامع الأقمر بجوار سبيل بين القصرين شارع التونباكشية وطوله مائة وأربعة وثلاثون مترا، ويتصل بشارع وكالة التفاح أيضا وكان يعرف قديما بسوق القصاصين والحصريين.
قال المقريزى: ويباع فيه الآن النعال، وبه حوض فى ظهر الجامع الأقمر لشرب الدواب تسميه العامة حوض النبى، ويقابله مسجد يعرف بمراكع موسى.
وفى وقتنا هذا مسجد مراكع موسى موجود، ويعرف بزاوية معبد موسى، وهو من مساجد الخلفاء الفاطميين.
وكان بشارع الأمشاطية المذكور من الأسواق القديمة سوق الشماعين وسوق الدجاجين، فسوق الشماعين - كما فى خطط المقريزى - هو من الجامع الأقمر إلى سوق الدجاجين، وكان يعرف فى الدولة الفاطمية بسوق القماحين، وعنده بنى المأمون بن البطايحى الجامع الأقمر، وبنى تحته دكاكين ومخازن، فكان معمور الجانبين بحوانيت يباع فيها الشموع الموكبية والفانوسية والطوافات، لا تزال حوانيته مفتحة إلى نصف الليل، وكان يجلس به فى الليل بغايا يقال لهن زعيرات الشماعين، لهن سيما يعرفن بهاوزى يتميزن به.
وكان يعلق بهذا السوق الفوانيس فى موسم الغطاس، فتصير رؤيته فى الليل من أنزه الأشياء وكان به فى شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يشترى ويكترى من الشموع الموكبية التى تزن الواحدة منهن عشرة أرطال فما دونها، ومن المزهرات العجيبة الزىّ المليحة الصنعة، ومن الشمع الذى يحمل على العجل، ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وأزيد. كل ذلك برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح، فيمر فى شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية وصفه.
وسوق الدجاجين كان مما يلى سوق الشماعين إلى سوق قبو الخرنفش، وكان يباع فيه الدجاج والأوز والعصافير والطيور المتنوعة كالقمارى والهزارات والشحارير والببغاوات والسمان.
قال المقريزى: وكنا نسمع أن من السمان ما يبلغ ثمنه المئات من الدراهم، وكذلك بقية طيور المسموع يبلغ الواحد منها نحو الألف لتنافس الناس فيها. وقد أطال فى وصف ما به من الطيور، ثم قال وكان بهذا السوق قيسارية عملت سوقا للكتبيين ولها باب من وسط سوق الدجاجين وباب من الشارع الذى يسلك فيه من بين القصرين إلى الركن المخلق المعروف الآن بشارع التنبكشية وكان يعرف قديما بسوق الحصريين وكان سوق الكتبيين أولا بمصر الفسطاط وبقى منه بقايا إلى سنة ثمانين وسبعمائة ثم نقل إلى تلك القيسارية.
القسم الثامن: شارع النحّاسين ويعرف بخط بين القصرين
ابتداؤه من سبيل عبد الرحمن كتخدا الذى أنشأه سنة سبع وخمسين ومائة وألف المعروف الآن بسبيل بين القصرين وانتهاؤه حارة الصالحية التى تجاه باب الصاغة.
وبأوله من جهة اليمين حمام السلطان، ويعرف أيضا بحمام سيدنا الحسين، ثم المدرسة الكاملية التى أنشأها الملك الكامل سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان محلها سوق الرقيق. ثم نقل إلى خان مسرور الصغير، وهى عامرة للآن وتعرف بجامع الكاملية.
وقال ابن أبى السرور فى كتاب «قطف الأزهار» الملخص من خطط المقريزى إن المدرسة الكاملية صارت الآن موضعا للقسمة العربية، وعندما ينزل قاضى مصر تتحول المحكمة التى عند بين القصرين إليها. (اه).
ثم المدرسة البرقوقية التى أنشأها الملك الظاهر برقوق سنة ست وثمانين وسبعمائة، وهى عامرة للآن وتعرف بجامع البرقوقية.
ثم المدرسة الناصرية التى ابتدأ فى عمارتها الملك العادل، ولما عاد الملك الناصر محمد ابن قلاوون إلى محكمة مصر أتمها سنة ثلاث وسبعمائة، وهى عامرة لليوم، وتعرف بجامع الناصرية، وبداخلها سبيل متخرب.
ثم المدرسة المنصورية التى داخل باب البيمارستان أنشأها هى والقبة التى تجاهها والبيمارستان الملك المنصور قلاوون قبل سنة تسعين وستمائة، وهى عامرة لليوم، وتعرف بجامع قلاوون، وبجامع البيمارستان.
وفى زمن دخول الفرنساوية ديار مصر وجدوا بهذا الجامع مسلتين مجعولتين أعتابا، فأخرجوهما وأرسلوهما إلى باريز - تخت مملكتهم - مع أشياء أخر، فقابل المركب فى الطريق مركب إنجليزى فاستولى على جميع ما فى المركب، وللآن المسلتان يوجدان فى خزانة الآثار بمدينة لوندرة - تخت مملكة الانجليز.
ومما حرره الفرنساوية فى خططهم لديار مصر يعلم أن طول كل من الاثنين متران وستة أعشار متر، وارتفاع القاعدة أربعة أعشار متر وثلاثة أعشار عشر المتر، وهما من الحجر الصوّان المصقول، وعليهما كتابة قديمة.
وبعد جامع قلاوون حمام قلاوون، ويعرف بحمام النحّاسين، ثم باب الصاغة التى تجاه حارة الصالحية، وهذا وصف جهة اليمين.
وأما جهة اليسار فبأولها درب قرمز، وهو كبير غير نافذ، وبأوله زاوية جديدة لم يكمل بناؤها.
تكية درب قرمز
ثم التكية المعروفة بتكية درب قرمز، بداخلها أشجار ومبان جديدة، وبجوارها ضريح الشيخ سنان.
المدرسة السابقية
ثم المدرسة السابقية التى أنشأها سابق الدين مثقال الأنوكى سنة ستين وسبعمائة، وهى متخربة، وتعرف بجامع درب قرمز.
وبهذا الدرب عدة دور كبيرة منها دار ملك ورثة السيد أحمد سعودى وأخيه السيد محمد سعودى، ودار السيد أحمد أفندى خربوطلى بن أحمد أفندى خربوطلى عمدة خان الخليلى كان.
ثم حارة بيت القاضى، وتعرف أيضا بحارة القبوة: بها بيت الشيخ عبد الهادى الدنف مفتى الضبطية سابقا، وبيت المعلم عشرى الحريرى.
ثم وكالة تعرف بوكالة خان اللونة، بأعلاها مساكن، وهى معدة لبيع الدهانات وغيرها.
وبأوّل هذه الحارة من جهة الشارع قبر تقول العامة قبر سيدى الأربعين، وغالبا هو قبر سيدى الشريف المجذوب الذى ذكر الشعرانى أنه دفن تجاه المارستان.
ثم سبيل يعرف بسبيل النحّاسين أنشأه العزيز محمد على، وأنشأ فوقه مكتبا، وجعل ذلك صدقة على روح ابنه إسماعيل باشا بعد أن مات محروقا ببلاد السودان.
ثم شارع بيت القاضى الجديد الذى فتح بعد سنة تسعين ومائتين وألف، وكان فى محل رأس هذا الشارع المدرسة الظاهرية التى أنشأها الملك الظاهر بيبرس البندقدارى سنة اثنتين وستين وستمائة، فلما فتح هذا الشارع زالت هذه المدرسة.
خط بين القصرين
ثم القبة الصالحية، وبلصقها المدرسة الصالحية، ثم حارة الصالحية التى هى آخر الشارع.
وبهذا الشارع الآن عدة دكاكين من الجانبين لبيع النحاس الجديد، وينصب به سوق كل أسبوع مرتين، يباع فيه النحاس القديم، فمن أجل ذلك عرف بشارع النحّاسين، وفى الأزمان القديمة كان يعرف بخط بين القصرين.
قال المقريزى: وكان خط بين القصرين أعمر أخطاط القاهرة، ثم فى أيام الدولة الأيوبية صار هذا الموضع سوقا، وقعد فيه الباعة بأصناف المأكولات من اللحوم المتنوعة والحلاوات المصطنعة والفاكهة وغيرها، فصار منتزها تمر فيه أعيان الناس وأماثلهم بالليل مشاة لرؤية ما هناك من السرج والقناديل الخارجة عن الحد فى الكثرة، ولرؤية ما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين مما فيه لذة للحواس الخمس، وكانت تعقد فيه عدّة حلق لقراءة السير والأخبار وإنشاد الشعر والتفنن فى أنواع اللعب واللهو وغير ذلك من أمور شتى تكلم عليها المقريزى فى خططه، وكان من ضمن هذا الشارع سوق السلاح.
قال المقريزى: هذا السوق فيما بين المدرسة الظاهرية البيبرسية وبين باب قصر بشتاك، استجد فيما بعد الدولة الفاطمية فى خط بين القصرين، وجعل لبيع القسى والنشاب والزرديات وغير ذلك من آلات السلاح، وكان فى تجاه هذا السوق خان، وعلى بابه من الجانبين حوانيت تجلس فيها الصيارف طول النهار، وكان يلى سوق السلاح هذا سوق القفيصات.
قال المقريزى: هو بصيغة الجمع والتصغير هكذا يعرف، وهو عبارة عن عدة تخوت معدة لجلوس الناس تجاه شبابيك القبة المنصورية، وفوق تلك التخوت أقفاص صغار من حديد مشبك فيها الطرائف من الخواتم والفصوص وأساور النسوان وخلاخيلهن وغير ذلك، وهذه الأقفاص يأخذ أجرة الأرض التى هى عليها مباشر المارستان المنصورى، وكانت من حقوق أرض موقوفة على جامع المقس.
وفى سنة ست وعشرين وسبعمائة عمل الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك خيمة كبيرة ذرعها مائة ذراع نشرها من أول جدار القبة المنصورية إلى آخر حد المدرسة المنصورية بجوار الصاغة، فصارت فوق مقاعد الأقفاص تظلهم من حرّ الشمس، ثم فى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة نقلت الأقفاص إلى القيسارية التى استجدت تجاه الصاغة، وبطل هذا السوق من يومئذ. (اه. ما يتعلق بخط بين القصرين قديما وحديثا).
الكلام على قصور الخلفاء الفاطميين
ويحسن أن نذكر هنا قصور الخلفاء الفاطميين، وما آلت إليه بعدهم بوجه وجيز فنقول:
اعلم أنه كان للخلفاء الفاطميين بالقاهرة وظواهرها قصور ومناظر منها القصر الكبير الشرقى الذى وضعه القائد جوهر لسيده المعز لدين الله، وهو الذى فى مساحته الآن المشهد الحسينى وبيت القاضى والمدارس الصالحية وغيرها كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، فإن هذا القصر كان عظيم السعة جدا، وكان فى الجهة الشرقية من القاهرة، فلذا عرف بالقصر الكبير الشرقى وكان يسمى أيضا بالقصر المعزى وضع أساسه مع أساس سور القاهرة فى ليلة الأربعاء الثامن عشر من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وأدار عليه سورا محيطا به فى سنة ستين وثلاثمائة وكان يسكنه الخلفاء الفاطميون وأولادهم.
ثم لما استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بسلطنة مصر أخذه، وأخرج من كان به فكان به اثنا عشر ألف نسمة ليس فيهم فحل إلا الخليفة وأهله وأولاده، فأسكنهم دار المظفر بحارة برجوان - التى من ضمنها الآن دار سليم أغا السلحدار - وكانت تعرف بدار الضيافة، وكان فى مقابلة القصر الشرقى القصر الصغير الغربى، ولما أزال السلطان صلاح الدين الدولة الفاطمية أعطى القصر الكبير لأمراء دولته، وأنزلهم فيه فسكنوه، وأعطى القصر الصغير الغربى لأخيه الملك العادل سيف الدين فسكنه، وفيه ولد له ابنه الكامل ناصر الدين محمد.
ثم لما انتقل السلطان الكامل هذا من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل نقل معه أولاد الخلفاء من دار المظفر، واعتقلهم بالقلعة، ولم تزل بقيتهم معتقلين بها إلى أن استبد السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، فأمر فى سنة ستين وستمائة بالإشهاد على من بقى منهم بأن جميع الأملاك الداخلة فى القصر الشرقى وفى القصر الغربى صارت من حقوق بيت المال.
ومنها القصر الصغير كان تجاه القصر الكبير فى غربيه ويعرف بالقصر الغربى، ومكانه حيث المارستان المنصورى وما فى صفه من المدارس ودار الأمير بيبرس وباب قبو الخرنفش وربع الملك الكامل المطل على سوق الدجاجين اليوم المعروف قديما بسوق التبانيين وما يجاوره من الدرب المعروف بدرب الخضيرى تجاه الجامع الأقمر وما وراء هذه الأماكن إلى الخليج.
وكان هذا القصر يعرف أيضا بقصر البحر والذى بناه العزيز بالله نزار بن المعز وتممّه الخليفة المستنصر سنة تسع وخمسين وأربعمائة وسكنه، وغرم عليه ألفى ألف دينار، وكان سبب بنائه أنه عزم على أن يجعله منزلا للخليفة القائم بأمر الله صاحب بغداد ويجمع بنى العباس إليه، ويجعله كالمجلس لهم، فخانه أمله، وأتمه فى هذه السنة الخليفة المستنصر، وجعله لنفسه وسكنه
وقال ابن ميسر إن ست الملك أخت الحاكم كانت أكبر من أخيها الحاكم، وأن والدها العزيز بالله كان قد أفردها بسكنى القصر الغربى، وجعل لها طائفة برسمها كانوا يسمون بالقصرية، وهذا يدلك على أن القصر الغربى كان قد بنى قبل المستنصر وهو الصحيح. (اه).
ومن هنا يؤخذ أن طول هذا القصر على الشارع مائتان وخمسة وسبعون مترا، ومن الشارع إلى الخليج أربعمائة متر وخمسة وستون مترا، فتكون مساحته على هذا زيادة عن ثلثمائة فدان، وكان يشتمل على ميدان بجواره، ويعرف هذا الميدان اليوم بالخرنفش، واصطبل القطبية.
وكان من حقوق هذا القصر البستان الكافورى الذى أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طغج ابن جف الإخشيد أمير مصر، وكان مطلا على الخليج. واهتم بشأنه من بعد الإخشيد ابناه الأمير أبو القاسم أونوجور والأمير أبو الحسن على فى أيام إمارتهما بعد أبيهما، فلما استبدّ الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيدى بإمارة مصر كان كثيرا ما يتنزه به، ويواصل الركوب إلى الميدان.
فلما قدم القائد جوهر من المغرب بجيوش مولاه المعز لأخذ ديار مصر أناخ بجوار هذا البستان، وجعله من جملة القاهرة، وكان منتزها للخلفاء الفاطميين مدة أيامهم، وكانوا يتواصلون إليه من سرداب مبنى تحت الأرض ينزلون إليه من القصر الكبير الشرقى ويسيرون فيه بالدواب إلى البستان الكافورى ومناظر اللؤلؤة بحيث لا تراهم الأعين.
وما زال البستان عامرا إلى أن زالت الدولة الفاطمية فحكر وبنى فيه فى سنة إحدى وخمسين وستمائة. وأما القباب والسراديب فإنها عملت أسربة للمراحيض، وهى باقية إلى يومنا هذا تصب فى الخليج. (اه).
وبالتأمل لما تقدم ولما قاله المقريزى فى منظرة اللؤلؤة وما قاله فى خط بين السورين يعلم أن القصر كان يشرف على البستان من غربيه، وكان الداخل من قبو الخرنفش يكون فى الميدان ويتوصل إلى البستان وإلى اللؤلؤة وغير ذلك.
وكان للقصر الشرقى تسعة أبواب فى سوره؛ أجلّها وأعظمها باب الذهب فإنه كانت تدخل منه المواكب وجميع أهل الدولة، وكان تجاه المارستان المنصورى الآن، ومحله محراب المدرسة الظاهرية، يعنى أنه كان بعيدا عن الشارع الآن بقدر سبعين مترا تقريبا، وهذا خلاف عرض الشارع فى وقتنا هذا، فإنه يقرب من خمسة عشر مترا فى أوسع أنحائه فيبلغ خمسة وثمانين مترا، وحيث إنه كان ميدانا يقف فيه عشرة آلاف من العسكر - كما فى الخطط - فلا بد أن عرضه كان بالأقل نحو مائة متر. وعلى ذلك يكون المارستان زحف عن أصل بنائه القديم ودخله شئ من أرض الميدان.
وقد هدم حلية هذا الباب الملك الظاهر بيبرس وأخذ منه العمد الرخام والأحجار التى كانت موضوعة بالأبواب للزينة، وأرسل بعضها إلى دمشق وبعضها وضعه فى أبواب جامعه الذى هو خارج باب الفتوح المسمى الآن بجامع الظاهر، وترك هذا الباب معطلا من الحلية.
وأما الباب الذى يلى باب الذهب فكان يعرف بباب البحر، وكان تجاه المدرسة الكاملية، وهو من إنشاء الحاكم بأمر الله.
ثم يلى هذا الباب باب الريح، وموضعه الآن الزقاق الذى بين مدرسة جمال الدين الأستادار المشهورة بجامع جمال الدين وبالجامع المعلق، ووكالة الكتخدا المعروفة بوكالة ذى الفقار، ويتوصل من هذا الزقاق إلى المشهد الحسينى وقصر الشوك، وهدم هذا الباب فى أوائل القرن السابع على يد جمال الدين المذكور.
ثم يلى هذا الباب باب الزمرد، وموضعه الآن المدرسة الحجازية، وسمى بذلك لأنه كان يتوصل منه إلى قصر الزمرد.
ثم يلى هذا الباب باب العيد، وهو بخط قصر الشوك داخل درب السلامى المعروف الآن بدرب الشيخ موسى، وموضع هذا الباب مسجد صغير به ضريح يعرف بضريح الشيخ موسى الذى عرف الدرب به، وقيل له باب العيد لأن الخليفة كان يخرج منه فى يومى العيد إلى المصلى بظاهر باب النصر.
ثم يليه باب قصر الشوك، وموضعه الآن باب حارة درب القزازين الصغير الذى بجوار دار الأمير أحمد باشا رشيد من خط قصر الشوك، وكان يتوصل من هذا الباب إلى حارة قصر الشوك، وكان بها المارستان العتيق والمدرسة الفاضلية.
ثم يلى هذا الباب باب الديلم. قال المقريزى: وكان يدخل منه إلى المشهد الحسينى، وموضعه الآن درج ينزل منه إلى المشهد الحسينى تجاه باب الفندق الذى كان دار الفطرة، وقال فى موضع آخر: إنه كان تجاه خان المهمندار الذى كان يدق فيه الذهب ويتوصل منه إلى المشهد الحسينى. (اه).
ومحله الآن باب المشهد المعروف بالباب الأخضر.
ثم يلى هذا الباب باب تربة الزعفران. قال المقريزى: مكانه الآن بجوار خان الخليلى من بحريه مقابل فندق المهمندار المتقدم، وهذا الباب كان يتوصل منه إلى تربة القصر. (اه).
ومحله الآن الباب المعقود الذى يسلك منه إلى المارستان تجاه خان النحاس المسمى فى بعض حجج الأملاك المحررة فى القرن العاشر بخان الفسقية. وقبل ذلك كان يسمى بخان العجم.
وجدت ذلك مسطورا فى حجة الأمير على أغا المعرّف المشهور بالكوسة المحفوظة بديوان الأوقاف.
ثم باب الزهومة. قال المقريزى: قيل له باب الزهومة لأن اللحوم وحوائج الطعام التى كانت تدخل إلى مطبخ القصر كان يدخل بها من هذا الباب، ويظهر من كلامه أنه كان من داخل الزقاق المشهور الآن بباب خان الخليلى الذى تجاه وكالة الجوهرجية، وموضعه الآن سور المدارس الصالحية.
فهذه أبواب القصر التسعة؛ بعضها من بناء جوهر، وبعضها من بناء المعز، وبعضها من بناء الحاكم بأمر الله، وكانت العادة - كما نقله المقريزى فى الخطط عن ابن الطوير - أن يبيت خارج باب القصر كل ليلة خمسون فارسا. فإذا أذن بالعشاء الآخرة داخل القاعة وصلى الإمام الراتب بها بالمقيمين فيها من الأستاذين وغيرهم وقف على باب القصر أمير يقال له سنان الدولة بن الكركندى، فإذا علم بفراغ الصلاة أمر بضرب النوبات من الطبل والبوق وتوابعهما من عدة وافرة بطريق مستحسنة ساعة زمانية، ثم يخرج بعد ذلك أستاذ برسم هذه الخدمة، فيقول أمير المؤمنين يرد على سنان الدولة السلام، فيصقع ويغرس حربته على الباب ثم يرفعها بيده، فإذا رفعها أغلق الباب وسار إلى حوالى القصر سبع دورات. فإذا انتهى ذلك جعل على الباب البياتين والفراشين المقدم ذكرهم، وأفضى المؤذنون إلى خزانتهم هناك ورميت السلسلة عند المضيق آخر بناء القصرين من جانب السيوفيين، فينقطع المار من ذلك المكان إلى أن تضرب النوبة سحرا قريب الفجر فتنصرف الناس من هناك بارتفاع السلسلة (اه).
وكان هذا القصر يشتمل على عدة مواضع، منها قاعة الذهب. قال المقريزى: ويقال لها قصر الذهب، بناه العزيز بالله نزار بن المعز، وكان يدخل إليه من باب الذهب الذى كان مقابلا للدار القطبية التى هى اليوم المارستان المنصورى، ويدخل إليه أيضا من باب البحر الذى هو الآن تجاه المدرسة الكاملية، وهذه القاعة كانت الخلفاء تجلس بها فى المواكب يوم الاثنين ويوم الخميس، وكان يعمل بها سماط شهر رمضان للأمراء، وسماط العيدين وكان بها سرير الملك.
ومنها الإيوان الكبير بناه العزيز بالله أبو منصور نزار بن المعز لدين الله معدّ فى سنة تسع وستين وثلاثمائة. وكان الخلفاء أولا يجلسون به قبل أن تعمل قاعة الذهب، وكان بصدره الشباك الذى يجلس فيه الخليفة، وكان يعلو هذا الشباك قبة، وكان يمد فيه سماط رمضان والعيدين، ويعمل به الاجتماع والخطبة فى يوم عيد الغدير، وهو أبدا يوم الثامن عشر من ذى الحجة.
قال المقريزى: اعلم أن عيد الغدير لم يكن مشروعا ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم. وأوّل ما عرف فى الإسلام بالعراق فى أيام معز الدولة على بن بويه، فإنه أحدثه فى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدا. وأصلهم فيه ما خرّجه الإمام أحمد فى مسنده الكبير من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر لنا، فنزلنا بغدير «خم» ، ونودى: الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله تحت شجرتين، فصلى الظهر، وأخذ بيد على بن أبى طالب رضي الله عنه فقال: ألستم تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنى أولى بكل مؤمن من نفسه. قالوا: بلى فقال: من كنت مولاه فعلى مولاه. اللهم وال من والاه. وعاد من عاداه. قال: فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هنيئا لك يا ابن أبى طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة».
وغدير «خم» على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق، وتصب فيه عين، وحوله شجر كثير.
ومن سنتهم فى هذا العيد أن يحيوا ليلته بالصلاة، ويصلوا فى صبيحته ركعتين قبل الزوال، ويلبسوا فيه الجديد، ويعتقوا الرقاب، ويكثروا من عمل البر ومن الذبائح. وقال ابن زولاق: وفى يوم ثمانية عشر من ذى الحجة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وهو يوم الغدير تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة ومن تبعهم للدعاء لأنه يوم عيد لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيه إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب، واستخلفه، فأعجب المعز ذلك من فعلهم وكان هذا أول ما عمل بمصر. (اه).
ومنها المحول، وهو مجلس الداعى، ويدخل إليه من باب الريح وبابه من باب البحر، ويعرف بقصر البحر، وكان فى وقت الاجتماع يصلى الداعى بالناس فى رواقه. قال ابن الطوير:
وأما داعى الدعاة، فإنه يلى قاضى القضاة فى الرتبة، ويتزيىّ بزيه فى اللباس وغيره، ووصفه أن يكون عالما بجميع مذاهب أهل البيت، يقرأ عليه، ويأخذ العهد على من ينتقل من مذهبه إلى مذهبهم وبين يديه من نقباء المعلمين اثنا عشر نقيبا، وله نواب كنواب الحاكم فى سائر البلاد، ويحضر إليه فقهاء الدولة
…
إلى آخر ما أطال به المقريزى فى وصفه ووصف الدعوة التى كان يدعو إليها.
ومنها دواوين الدولة. قال المقريزى: لما قدم المعز لدين الله إلى مصر، ونزل بقصره فى القاهرة جعل محل الدواوين بدار الإمارة بجوار الجامع الطولونى، فلما مات المعز، وقلد
العزيز بالله الوزارة ليعقوب بن كلّس نقل الدواوين إلى داره التى كانت بحارة الوزيرية، (درب سعادة). فلما مات يعقوب نقلها العزيز بعد موته إلى القصر، ثم فى زمن الأفضل ابن أمير الجيوش نقلها إلى دار الملك بمصر، فلما قتل الأفضل عادت من بعده إلى القصر، وما زالت هناك حتى زالت الدولة الفاطمية. (اه).
ويظهر من كلام المقريزى أن محلات الدواوين كانت من جهة باب الديلم الذى محله الآن الباب الأخضر أحد أبواب المشهد الحسينى.
ومن الدواوين ديوان المجلس. قال المقريزى: هو أصل الدواوين قديما، وفيه علوم الدولة بأجمعها، وفيه عدّة كتب، ولكل واحد مجلس مفرد، وعنده معيّن أو معينان، وصاحب هذا الديوان هو المتحدث فى الإقطاعات، ويلحق به ديوان النظر، ويخلع عليه، وينشأ له السجلّ، وله المرتبة والمسند والدواة والحاجب إلى غير ذلك. (اه. من كلام طويل)،
ومنها ديوان الجيوش والرواتب، قال المقريزى نقلا عن ابن الطوير: أما الخدمة فى ديوان الجيوش فتنقسم قسمين؛ الأول ديوان الجيش وفيه مستوف أصيل، ولا يكون إلا مسلما، وله مرتبة على غيره لجلوسه بين يدى الخليفة داخل عتبة باب المجلس، وله الطراحة والمسند، وبين يديه الحاجب، وترد عليه أمور الأجناد إلى غير ذلك.
وأما القسم الثانى من هذا الديوان فهو ديوان الرواتب ويشتمل على أسماء كل مرتزق وعبد وجارية، وفيه كاتب أصيل بطراحة، وفيه من المعينين والمبيضين نحو عشرة أنفس.
والتعريفات واردة عليه من كل عمل، باستمرار من هو مستمر، ومباشرة من استجدّ، وموت من مات ليوجب استحقاقه على النظام المستقيم، إلى غير ذلك من العروض المشتملة على الرواتب. (اه).
ومنها ديوان النظر. قال المقريزى نقلا عن ابن الطوير: أما دواوين الأموال فإن أجلّها من يتولى النظر عليهم، وله العزل والولاية، ومن يده عرض الأوراق فى أوقات معلومة على الخليفة أو الوزير، ولم ير فيه نصرانى. (اه).
ومنها ديوان التحقيق. قال المقريزى: هو ديوان مقتضاه المقابلة على الدواوين، وكان لا يتولاه إلا كاتب خبير. (اه. باختصار).
ومنها ديوان الإنشاء والمكاتبات. قال المقريزى: وكان لا يتولاه إلا أجلّ كتّاب البلاغة، ويخاطب بالشيخ الأجلّ، ويقال له كاتب الدست الشريف ويسلّم المكاتبات الواردة مختومة، فيعرضها على الخليفة من بعده، وهو الذى يأمر بتنزيلها والإجابة عنها للكتّاب، والخليفة يستشيره فى أكثر أموره، ولا يحجب عنه متى قصد المثول بين يديه، وهذا أمر لا يصل إليه غيره، وربما بات عند الخليفة ليالى، وكان جاريه مائة وعشرين دينارا فى الشهر (اه).
مكتبة الأسرة - 2008
وكان من جملة قاعات القصرقاعة الفضة، وقاعة السدرة، وكانت بجوار المدرسة والتربة الصالحية، وكان يتوصل إليها من باب البحر، وقاعة الخيم فى مكان المدرسة الظاهرية. وكان بالقصر ثلاث مناظر؛ واحدة بين باب الذهب وباب البحر، والثانية على قوس باب الذهب، والثالثة بقرب باب الذهب، وكان يقال لها الزاهرة والفاخرة والناضرة، وكان يجلس الخليفة فى إحداها لعرض العساكر عليه يوم عيد الغدير. (اه).
ومنها قصر الشوك. قال المقريزى: كان فى الأصل منزلا لبنى عذرة قبل بناء القاهرة، وبعد بناء القصر الكبير صار أحد أبوابه، ثم قال: وأدركت مكانه دارا استحدثت بعد الدولة الفاطمية هدمها الأمير جمال الدين الأستادار فى سنة إحدى عشرة وثمانمائة لينشئها دارا، فمات قبل ذلك، وموضعه اليوم بالقرب من دار الضرب فيما بينه وبين المارستان العتيق. (اه).
ومنها قصر أولاد الشيخ. قال المقريزى: هذا المكان من جملة القصر الكبير، ثم قال:
وأدركت هذا المكان خطا يعرف بالقصر يتوصل إليه من زقاق تجاه حمام بيسرى، وكان يتوصل إليه من الركن المخلق أيضا من الباب المظلم تجاه سور سعيد السعداء المعروف قديما بباب الريح، ثم عرف بقصر ابن الشيخ، وعرف فى زمننا بباب القصر إلى أن هدمه جمال الدين يوسف الأستادار. (اه).
ومنها قصر الزمرد. قال المقريزى: هو من جملة القصر الكبير، وعرف أخيرا بقصر قوصون، ثم عرف فى زمننا بقصر الحجازية، ووجد به فى سنة بضع وسبعين وسبعمائة تحت التراب عمودان عظيمان من الرخام الأبيض، أخذا لمدرسة الملك الأشرف شعبان ابن حسين تجاه الطبلخانة من قلعة الجبل. (اه).
وقد تقدّم الكلام على قصر الزمرد عند ذكر شارع النحّاسين.
ومنها السقيفة. قال المقريزى: وكان من جملة القصر الكبير موضع يعرف بالسقيفة يقف عنده المتظلمون، وكانت عادة الخليفة أن يجلس هناك كل ليلة لمن يأتيه من المتظلمين، فإذا ظلم أحد وقف تحت السقيفة، وقال بصوت عال:«لا إله إلا الله محمد رسول الله، علىّ ولى الله» ، فيسمعه الخليفة، فيأمر بإحضاره إليه، أو يفوّض أمره إلى الوزير أو القاضى أو الوالى. وكان موضعها فيما بين درب السلامى وبين خزانة الجنود. (اه). ومحلها الآن بقرب درب الشيخ موسى من قصر الشوك.
ومنها التربة المعزية. قال المقريزى: كان من جملة القصر الكبير التربة المعزية، وفيها دفن المعز لدين الله آباءه الذين أحضرهم فى توابيت معه من بلاد المغرب، واستقرّت مدفنا
يدفن فيه الخلفاء أولادهم ونساءهم. وكانت تعرف بتربة الزعفران، وهو مكان كبير من جملته الموضع الذى يعرف اليوم بخط الزراكشة العتيق (الذى محله الآن خان الخليلى).
ولما أنشأ الأمير جهاركس الخليلى خانه المعروف به فى الخط المذكور أخرج ما شاء الله من عظامهم، فألقيت فى المزابل على كيمان البرقية، وكانت تمتد من هناك إلى حيث المدرسة البديرية خلف المدارس الصالحية النجمية، وكان للخلفاء عوائد ورسوم، منها أن الخليفة كلما ركب بمظلة وعاد إلى القصر لابد أن يدخل إلى زيارة آبائه بهذه التربة، وكذلك لا بد أن يدخل فى يوم الجمعة دائما وفى عيدى الفطر والأضحى مع صدقات ورسوم تفرق.
ولما كانت الشدة العظمى فى أيام الخليفة المستنصر بالله، وطلب الأتراك منه النفقة فماطلهم هجموا على التربة المعزية، وأخذوا ما فيها من قناديل الذهب، وكانت قيمة ذلك مع ما اجتمع إليه من الآلات الموجودة هناك، مثل المجامر وحلى المحاريب، خمسين ألف دينار. (اه. ملخصا).
قلت: والذى دفن من الخلفاء الفاطميين بهذه التربة المعز لدين الله دخل إلى مصر سنة ثلاثمائة وإحدى وستين بعد بناء القاهرة بسنة، ثم الظاهر بدين الله على ابن الحاكم يكنى بأبى الحسن، عمره ثنتان وثلاثون سنة، وولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر، ثم المنتصر بالله أبو عامر، عمره سبع وعشرون سنة، وولايته سبع سنين وشهر واحد، ثم الآمر بأحكام الله، عمره ثمان وثلاثون سنة وسبعة أشهر، وولايته سبع سنين وشهر واحد، ثم المستنصر أبو العباس، ودولته أربعون سنة، وفى أيامه وقع الغلاء بمصر، ووقع الخراب بها، وخرّبت خططها، بلغ الإردب فى زمنه سبعين دينارا، ولم يكن فى الفاطميين أشنع سيرة منه.
قال ابن دحية: ليس هو بالمستنصر، وإنما هو البطّال المستهتر، أكل الناس فى زمنه بعضهم.
وبهذه التربة أيضا الآمر بالله المستعلى، عمره ثمان وثلاثون سنة وتسعة أشهر، ودولته عشرون سنة، وبها الظافر والعائذ استخلفه أبوه الظاهر، وكان عمره حين استخلفه خمس سنين، مات وعمره إحدى وعشرون سنة، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة وخمسة شهور.
وبها العاضد، عمره تسع وأربعون سنة، وفى زمنه اختلّت الأمور. وبها ابنه حامد، وهو آخر من بها.
وكان بقرب هذه التربة القصر النافعى. قال المقريزى: كان يقرب من التربة من جهة السبع خوخ، وكان فيه عجائز من عجائز القصر وأقارب الأشراف، ثم قال: وموضع هذا القصر اليوم فندق المهمندار الذى يدقّ فيه الذهب، وما فى قبليه من خان منجك ودار خواجا
عبد العزيز المجاورة للمسجد الذى بحذاء خان منجك، وما بجوار دار خواجا من الزقاق المعروف بدرب الحبشى. وكان حد هذا القصر الغربى ينتهى إلى الفندق الذى بخط الخيميين المعروف قديما بخان منكورس، ويعرف اليوم بخان القاضى. (اه. باختصار).
وخط الخيميين كان بالقرب من الجامع الأزهر فى محل مدرسة محمد بيك أبى الذهب.
وخان منكورس محله اليوم الأماكن التى خلف وكالة المخلل من شارع الصنادقية بقرب جامع محمد بيك. فمن هذا يعلم أن القصر كان يمتد إلى الأماكن المذكورة خلف وكالة المخلل.
مطلب خزانة الكتب
وكان بالقصر الكبير أيضا عدة خزائن - قال المقريزى: منها خزانة الكتب، وكان عدتها أربعين خزانة، وكانت فى أحد مجالس المارستان العتيق، وكان فيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتى ألف كتاب من المجلدات، ويسير من المجردات، فمنها الفقه على سائر المذاهب، والنحو، واللغة، وكتب الحديث، والتواريخ، وسير الملوك، والنجامة، والروحانيات، والكيمياء، من كل صنف نسخ، ومنها النواقص التى ما تممت. كل ذلك
بورقة مترجمة ملتصقة على كل باب خزانة. وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة، وكذلك الدروج بخط ابن مقلة ونظائره، كابن البوّاب، والمصاحف الكريمة، والربعات الشريفة بخطوط منسوبة زائدة الحسن محلاة بالذهب والفضة، وكان بها جملة من الخدمة، وكانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن فى جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التى كانت بالقاهرة فى القصر.
ومن عجائبها أنه كان فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبرى، إلى غير ذلك. واختلف فى عدد ما كان فيها من الكتب، فقيل: مائتا ألف، وقيل: مليون وستمائة ألف، وقيل غير ذلك. (اه).
مطلب خزانة الكسوة
وخزانة الكسوة - قال المقريزى نقلا عن ابن أبى طيئ: وعمل - يعنى المعز لدين الله - دارا، وسمّاها «دار الكسوة» ، وكان يفصّل فيها من جميع أنواع الثياب والبز، ويكسو بها الناس على اختلاف أصنافهم كسوة الشتاء والصيف. وكانت تبلغ قيمة كسوة أهل القصر صيفا وشتاء ستمائة ألف دينار وزيادة.
وكانت خزانة ظاهرة، وهى لعامة الناس، وأخرى باطنة لخاصة الخليفة، وكانت خلعهم على الأمراء الثياب الديبقى والعمائم بالطراز المذهب وكان طراز الذهب والعمامة من خمسمائة دينار إلى غير ذلك. (اه).
مطلب خزانة الجوهر والطيب
وخزانة الجوهر والطيب والطرائف - قال المقريزى: وكان بها الأعلام والجوهر التى يركب بها الخليفة فى الأعياد، ويستدعى منها عند الحاجة، ويعاد إليها عند الغنى عنها، وكذلك السيف الخاص والثلاثة رماح المعزية (اه). وكان بها من أصناف الجواهر وغيرها أشياء كثيرة جدا. (انظر المقريزى).
مطلب خزائن الفرش
وخزائن الفرش والأمتعة - قال المقريزى نقلا عن ابن الطوير: خزانة الفرش قريبة من باب الملك، يحضر إليها الخليفة من غير جلوس، ويطوف فيها ويستخبر عن أحوالها. (اه).
وكان بها من أصناف الفرش والأمتعة مالا يدخل تحت حصر. (انظر الخطط).
مطلب خزائن السلاح
وخزائن السلاح - قال المقريزى نقلا عن ابن الطوير: خزانة السلاح يدخل إليها الخليفة ويطوفها قبل جلوسه على السرير هناك، ويتأمل حواصلها من الكز اغندات المدفونة بالزرد، المغشاة بالديباج، المحكمة الصناعة، والجواشن المبطنة المذهبة، والزرديات السابلة برؤوسها، والخوذ المحلاة بالفضة، وكذلك أكثر الزرديات والسيوف على اختلافها، إلى غير ذلك.
وكانت فى المكان الذى هو خان مسرور. (اه). وفى محلها الآن وكالة رخا المجاورة لسوق الكتبيين.
مطلب خزائن السروج
وخزائن السروج - قال المقريزى نقلا عن ابن الطوير: خزانة السروج تحتوى على مالا تحتوى عليه مملكة من الممالك، وهى قاعة كبيرة بدورها مصطبة علوها ذراعان ومجالسها كذلك، وعلى تلك المصطبة متكآت مخلصة الجانبين، على كل متكأ ثلاثة سروج متطابقة وفوقه فى الحائط وتد مدهون مضروب فى الحائط، وهو بارز بروزا متكئا عليه المركبات الحلى على لجم تلك السروج الثلاثة من الذهب خاصة أو الفضة خاصة أو الذهب والفضة، وقلائدها وأطواقها لأعناق الخيل، وهى لخاصة الخليفة وأرباب الرتب ما يزيد على ألف سرج إلى غير ذلك. وأما الصاغة فإن فيها منهم ومن المركبين والخرازين عددا جمّا دائمين لا يفترون عن العمل. (اه. باختصار).
مطلب خزائن الخيم
وخزائن الخيم. قال المقريزى نقلا عن كتاب الذخائر: إنه أخرج من خزائن القصر عدّة لم تحص من أعدال الخيم، والمضارب، والفازات، والمسطحات، والحصون،
والقصور، والشراعات، والمشارع، والفساطيط المعمولة من الديبقى والمخمل والخسروانى والديباج الملكى والأرمنى والبهنساوى، وغير ذلك مما لا يحصى. (اه. باختصار).
مطلب خزانة الشراب
وخزانة الشراب - قال المقريزى نقلا عن ابن الطوير: خزانة الشراب هى أحد مجالس الخليفة أيضا، يعنى القاعة التى هى الآن المارستان العتيق، فإذا جلس الخليفة على السرير عرض عليه ما فيها من عيون الأصناف العالية من المعاجين العجيبة فى الصينى والطيافير الخلنج، فيذوق ذلك شاهدها بحضرته، ويستخبر عن أحوالها بحضور أطباء خاصة، وفيها من الآلات والأزيار الصينى والبرابى عدة عظيمة للورد والبنفسج والمرسين وأصناف الأدوية، إلى غير ذلك. (اه. باختصار).
مطلب خزانة التوابل وغيرها
وخزانة التوابل ودار التبعية، وخزانة الأدم، وخزائن دار افتكين - قال المقريزى:
كان يسكنها ناصر الدولة افتكين. فقيل دار خزائن افتكين، وكانت تحتوى على أصناف كثيرة من الشمع المحمول من الإسكندرية وغيرها، وجميع القلوب المأكولة من الفستق وغيرها والأعسال على اختلاف أصنافها، والسكر والشيرج والزيت، فكان يخرج من هذه الخزائن راتب المطابخ خاصا وعاما إلى غير ذلك.
ودار افتكين هذه موضعها حيث مدرسة القاضى الفاضل وداره بدرب ملوخية. (اه).
مطلب خزانة البنود
وخزانة البنود - قال المقريزى: ملاصقة للقصر الكبير ومن حقوقه، فيما بين قصر الشوك وباب العيد، بناها الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم على بن الحاكم بأمر الله. (اه).
ومحلها الآن بيت أحمد باشا راشد وما جاوره.
وهذا مجموع المحلات التى كان القصر الكبير مشتملا عليها. وقد بسط المقريزى الكلام عليها محلا محلا فراجعه. وكل ذلك تغير، واختط دورا وأزقة، وتغيرت تلك المعالم، وضاعت أوضاعها وصفاتها، فسبحان من لا يتغير.
مطلب قصر بشتاك
ثم إن البناء الشاهق الذى يشاهد الآن عند بيت القاضى من جهة شارع النحاسين لم يكن من بناء الفاطميين، وإنما هو جزء من قصر بشتاك الذى تكلم عليه المقريزى فى الخطط وقال:
إنه تجاه الدار البيسرية ومن جملة حقوق القصر الشرقى، ويسلك إليه من الباب الذى كان يعرف فى أيام عمارة القصر الكبير فى زمن الخلفاء بباب البحر، وهو يعرف اليوم بباب قصر بشتاك تجاه المدرسة الكاملية، وفى وقتنا هذا يقال له باب العسكرة، وتسميه العامة باب بيت القاضى لأنه يتوصل منه إلى المحكمة الكبرى.
وهذا القصر عمّره الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى المعروف بالأمير سلاح وسكنه، وكان تجاه هذا القصر الدار البيسرية فكان الأمير سلاح والأمير بيسرى إذا نزلا من القلعة ووصلا بين القصرين يدخل كل منهما إلى داره، فسمى الموضع الذى بين قصر بشتاك وبين الدار البيسرية ببين القصرين كما كان أوّلا فى أيام الفاطميين، حيث كان هذا الموضع بين القصر الكبير الشرقى والقصر الصغير الغربى الذى هو من الخرنفش إلى المارستان المنصورى.
ثم لما مات الأمير سلاح، وأخذ الأمير قوصون الدار البيسرية أخذ الأمير بشتاك هذا القصر من ورثة الأمير سلاح، وأخذ من السلطان الناصر محمد بن قلاوون قطعة أرض كانت داخل هذا القصر من حقوق بيت المال، وهدم دارا كانت قد أنشئت هناك، وعرفت بدار قطوان الساقى، وهدم أحد عشر مسجدا وأربعة معابد كانت من آثار الخلفاء الفاطميين، يسكنها جماعة الفقراء، وأدخل ذلك كله فى البناء إلا مسجدا منها، فإنه عمّره، ويعرف اليوم بمسجد الفجل، فكان هذا القصر من أعظم بناء القاهرة، فإن ارتفاعه فى الهواء أربعون ذراعا ونزول أساسه فى الأرض مثل ذلك، والماء يجرى بأعلاه، وله شبابيك من حديد تشرف على شارع القاهرة، وينظر من أعلاه عامة القاهرة والقلعة والنيل والبساتين، وهو مشرف جليل مع حسن بنائه وتأنق زخرفته، والمبالغة فى تزويقه وترخيمه.
وأنشأ أيضا فى أسفله حوانيت كان يباع فيها الحلوى وغيرها، فصار الأمر أخيرا كما كان أولا بتسمية الشارع بين القصرين.
ثم لما أكمل بشتاك هذا القصر والحوانيت والخان المجاور له فى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة لم يبارك له فيه ولا تمتع به، وكان إذا نزل إليه ينقبض صدره، ولا تنبسط نفسه ما دام فيه حتى يخرج منه، فترك المجئ إليه، وصار يتعاهده أحيانا فيعتريه ما تقدم ذكره، فكرهه، وباعه لزوجة بكتمر الساقى، وتداوله ورثتها، إلى أن أخذه السلطان الملك الناصر حسن ابن قلاوون، فاستقر بيد أولاده إلى أن أخذه جمال الدين الأستادار، فلما قتله الملك الناصر فرج بن برقوق استولى عليه فى جملة ما استولى عليه، وعيّنه للتربة التى أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر، فاستمر فى جملة أوقاف التربة إلى أن قتل الملك الناصر بدمشق فى حرب الأمير شيخ والأمير نوروز، وقدم الأمير شيخ إلى مصر وقف له من بقى
من أولاد جمال الدين وأقاربه، وكان لأهل الدولة يومئذ بهم عناية، فحكم قاضى القضاة صدر الدين على بن الأدمى الحنفى بارتجاع أملاك جمال الدين التى وقفها على ما كانت عليه، فتسلمها أخوه وصار هذا القصر إليهم، وهو الآن بأيديهم. (انتهى ملخصا).
وفى موضع هذا القصر الآن عدة مساكن يتوصل إلى بعضها من باب القبو الذى تجاه المدرسة الكاملية، وإلى بعضها من باب حارة درب قرمز، والذى يعرف من هذه المساكن الآن بيت السكرى، وبابه فى موضع باب القصر من داخل القبو، وما يجاوره من المساكن التى هناك، وبيت الدمرداش الذى بدرب قرمز المشهور عند العامة بأن فيه مقياس النيل، لأنه كان يمر بخط بين القصرين، لكن كذّب ذلك المقريزى عند ذكر مسجد الفجل، حيث قال: إن سبب تسمية هذا المسجد بمسجد الفجل أن العامة تزعم أن النيل الأعظم كان يمر من موضع هذا الشارع، وكان يغسل الفجل فى موضعه، فسمى هذا الموضع بالفجل، ولما بنى هذا المسجد فى هذا الموضع سمى مسجد الفجل (انتهى ملخصا). ثم أنكر ذلك وشنّع على من يقول به.
ثم فى سنة خمسين ومائتين وألف لما حفر أساس الصهريج الذى بشارع النحاسين تجاه المارستان، ونزلوا بالحفر إلى أن بلغوا الرمل وجدوا فى الرمل نصف مركب كبير من المراكب التى كانت تحمل الغلال فى النيل، وعاين ذلك كثير من الناس، وسمعنا ذلك ممن رآه بعينه، وهذا يدل على أن النيل مرّ من هذا الموضع فى زمن ما من الأزمان القديمة.
ومن الأماكن العظيمة التى من جملة قصر بشتاك الدار التى كان يسكنها الأخوان التاجران الشهيران السيد محمد سعودى والسيد أحمد سعودى، وهى بحارة درب قرمز بجوار دار الدمرداش إلا أنها لا تشرف على الشارع.
وبالجملة فسائر الأماكن والدور التى على يسار من يسلك من باب القبو تجاه المدرسة الكاملية وجميع الأماكن التى على يمين من يسلك من باب درب قرمز إلى المدرسة السابقية من حقوق قصر بشتاك، فسبحان من له الدوام والبقاء.
القسم التاسع: شارع الجوهرجية
يبتدئ من حارة الصالحية، وينتهى إلى باب المقاصيص، وكان به سوق باب الزهومة.
قال المقريزى: عرف بذلك من أجل أنه كان هناك فى الأيام الفاطمية باب من أبواب القصر يقال له باب الزهومة تقدم ذكره فى ذكر أبواب القصر من هذا الكتاب، وكان فى موضع هذا السوق فى الدولة الفاطمية سوق الصيارف، ويقابله سوق السيوفيين من حيث الخشيبة - أى المقاصيص - إلى نحو رأس سوق الحريريين - أى الأشرفية - ويقابل السيوفيين إذ ذاك سوق الزجّاجين، وينتهى إلى سوق القشّاشين الذى يعرف اليوم بالخرّاطين. (انتهى).
مطلب حارة العدوية
وكان بهذه الخطة حارة العدوية. قال المقريزى: هى من باب الخشبية إلى حارة زويلة.
وحارة زويلة الآن هى حارة اليهود وما جاورها، لأنها كانت كبيرة جدا، ثم قال: حارة العدوية منسوبة إلى جماعة عدويين نزلوا هناك، وهذا المكان اليوم عبارة عن الموضع الذى تلقاه عند خروجك من زقاق حمام خشيبة - أى المقاصيص - فإذا انتهيت إلى آخر هذا الزقاق وأخذت على يمينك صرت فى حارة العدوية. وموضعها الآن من فندق بلال المغيثى إلى باب سر المارستان، وفندق بلال موضعه اليوم ما بين حمام المقاصيص وخان أبى طقية، وكانت التجار تضع به أموالها.
وتدخل فى العدوية رحبة بيبرس التى صارت الآن دربا إلى باب المارستان. وكانت العدوية قديما واقعة بين الميدان المعروف اليوم بالخرنفش وبين حارة زويلة وسقيفة العداس والصاغة القديمة التى صار موضعها الآن سوق الحريريين الشرابشيين برأس سوق الوزاقين.
(انتهى ملخصا).
فمن شارع الخردجية الآن إلى خان أبى طقية وما على يمينك من شارع خان أبى طقية إلى باب سر المارستان، كل ذلك كان من الحارة العدوية، وقد صارت فى زمننا هذا
شارعا يسكنه الصوّاغ والحكّاكون والصيارف ومركبو الأحجار الجوهرية المعروفون عند العامة بالمركبتية، وأكثر ما يسكنه اليهود، وشهرته اليوم بشارع المقاصيص، ومن ضمنه أيضا رحبة بيبرس المتقدم ذكرها. قال المقريزى عند الكلام على الرحاب: إن هذه الرحبة بخط حارة العدوية عند باب سر الصاغة عرفت بالأمير بيبرس الحاجب، لأن داره بها، ذكرها المقريزى فى الدور فقال: هذه الدار بخط حارة العدوية، وهى الآن (يعنى فى وقته) من خط باب سر المارستان عرفت بالأمير بيبرس الحاجب صاحب غيط الحاجب فيما بين جسر بركة الرطلى والجرف، وهو من أمراء الناصر محمد بن قلاوون تنقّل فى عدة وظائف جليلة، ومات فى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وهذه الدار باقية إلى الآن على أصلها تجاه من يسلك من ناحية باب سر المارستان المنصورى طالبا سوق الصيارفة أو المقاصيص، لأنها فاصلة بين السوقين، فالخارج منها يصير بين ثلاث مسالك: واحد عن يمينه يتوصل منه إلى المقاصيص والخردجية، والثانى عن يساره يسلك منه إلى ما بين دكاكين الصيارف وإلى حارة اليهود، والثالث أمامه يسلك منه إلى المارستان المنصورى. ويوجد بهذه الدار إلى اليوم مقعد عظيم جدا، وقاعة أرضية كبيرة ذات إيوانين بينهما درقاعة، ولها مدخل كبير، وسقفها مرتفع إلى الغاية، ويوجد بها أيضا جملة مداخل ومخازن، وهى متشعثة متخربة يسكنها من يسبك النحاس من صنّاع الأهوان والحنفيات وصنج الموازين وغير ذلك. وقد وجد على بعض حيطانها اسم بيبرس الحاجب. ويقال إن دار الشيخ الجوهرى التى بدرب شمس الدولة أصلها من حقوق هذه الدار لأنها محيطة بمعظم أطرافها، وبعضهم يقول: إن دار الشيخ الجوهرى أصلها دار عباس التى قتل فيها الخليفة الظافر، واشتهرت مدة فى زمننا هذا دار بيبرس المذكورة بدار المراجينى، وهو إسرائيلى سكنها مدة طويلة، ثم لما دخلت فى وقف الملا عرفت بدار الملا، فهى إلى الآن تعرف بدار الملا.
وعن يسار المار بأوّل الشارع الجوهرجية المذكور طالبا الأشرفية حارة الصالحية، وهى كبيرة يتوصل منها لعطفة الأفندى، وبها جامع قديم يعرف بجامع محمد بدر الدين العجمى، وهو غير مقام الشعائر لتخرّبه، وفى نظارة الأوقاف.
مطلب شارع خان الخليلى
ثم شارع خان الخليلى طوله مائتا متر، وبه عدة عطف يسلك منها لشارع السكة الجديدة ولشارع سيدنا الحسين، وعدة زوايا ووكائل.
فمن الزوايا زاوية معروفة بزاوية الغورى، وهى صغيرة متخربة، والآن قد شرع فى عمارتها من جهة الأوقاف.
ومنها زاوية بوسط خان النحاس تعرف أيضا بزاوية الغورى شعائرها مقامة بنظر الأوقاف.
ومنها زاوية داخل وكالة الخيّاطين من وقف السلطان العادل مقامة الشعائر بنظر الأوقاف.
ومنها زاوية السلطان جقمق غير مقامة الشعائر لتخربها، وفى نظارة الأوقاف.
ومنها زاوية المرحوم أحمد باشا يجن، وهى صغيرة، وشعائرها مقامة من أوقاف لها.
ومنها زاوية نصر الله الخطيب الدواياتى كانت فى نظارة مصطفى أفندى كامل، ثم تنازل عنها للمرحوم خليل أغا فأنشأها منزلا وتصرّف فيها تصرف الملاك.
ومنها زاوية الشيخ عطية بداخل وكالة الزهومة مقامة الشعائر من أوقاف لها بنظر بعض الأهالى.
ومنها زاوية خليل أغا، وهى بنهاية شارع خان الخليلى تجاه وكالة العنانى من شارع سيدنا الحسين كانت متخربة فجدّدها خليل أغا فاشتهرت به، وشعائرها مقامة من أوقاف لها.
وأما الوكائل فمنها:
وكالة البزرستان، وهى وكالة كبيرة معدّة لمبيع الأقطان وغيرها، ويعمل بها سوق يوم الاثنين والخميس، وفى نظارة الأوقاف.
ومنها وكالة المرحوم أحمد باشا يجن معدّة لمبيع البسط والسجاجيد وغير ذلك، وبدائرها من الخارج عدة حوانيت.
ومنها وكالة خان الدين معدّة لمبيع البسط والسجاجيد أيضا، وفى نظارة بعض الأهالى.
ومنها وكالة خان السبيل معدّة لتشغيل الحرير ومشتركة بين الأوقاف وبعض الأهالى.
ومنها وكالة السلحدار، وهى كبيرة وبها عدّة حوانيت وحواصل معدّة لمبيع الأصناف الواردة من جهة الشام، وبأعلاها أماكن، وفى نظارة محمد أغا - أحد عتقاء السلحدار - وبقربها سبيل يعلوه مكتب من إنشاء السلحدار أيضا.
هذا ما كان من جهة اليسار من شارع الجوهرجية، وأما من جهة اليمين فيجد المارّ بها ثلاثة أزقة هى: أبواب الصاغة الكبرى، ثم وكالة الجوهرجية، ثم باب شارع المقاصيص، وهو فى نهاية الشارع واقع بين الخردجية والجوهرجية.
مطلب شارع المقاصيص
وينتهى شارع المقاصيص هذا إلى حارة اليهود، وإلى شارع خان أبى طقية، وطوله مائة وثمانون مترا، وبأوله جامع محمد بيك تغرى بردى، ويعرف أيضا بجامع المقاصيص، وهو من الجوامع القديمة، شعائره مقامة بنظر الديوان، وبه سبيلان: أحدهما وقف الحرمين، والثانى وقف المرحوم محمد بيك تغرى بردى، وهما فى نظارة الأوقاف.
وبه أيضا عدة وكائل:
منها وكالة الهمشرى أنشأها المرحوم أحمد بيك الهمشرى معدّة للسكنى، ومنها وكالة الملا معدّة لمبيع الفحومات وغيرها وفى نظارة الأوقاف، ومنها وكالة حسن جلبى معدة لتشغيل الجوهرجية وفى نظارة حسن جلبي المذكور، ومنها وكالة محمد بيك تغرى بردى بأعلاها عدّة مساكن وفى نظارة الأوقاف.
وبه حمّام يعرف اليوم بحمّام المقاصيص، ويعرف قديما بحمام خشيبة. قال المقريزى: هو بجوار درب السلسلة كان يعرف بحمّام قوام خير، ثم صار حماما لدار الوزير المأمون البطائحى، فلما قتل الخليفة الآمر بأحكام الله وعملت خشيبة تمنع الراكب أن يمر من تجاه المشهد الذى بنى هناك عرف هذا الحمام بخشيبة تصغير خشبة. (انتهى)، وهو باق إلى اليوم، وأكثر ما يدخله اليهود.
وكان فى موضع الصاغة الآن مطبخ القصر الكبير الشرقى. قال المقريزى: كان قبالة باب الزهومة من القصر الكبير مطبخ القصر، وموضعه الآن الصاغة تجاه المدارس الصالحية، ولما كانت مطبخا كان يخرج إليه من باب الزهومة، ثم ذكر عند أبواب القصر أن باب الزهومة كان فى آخر ركن القصر مقابل خزانة الدرق التى هى اليوم خان مسرور، وكان تجاهه أيضا درب السلسلة. قال: وموضعه الآن قاعة الحنابلة من المدارس الصالحية تجاه فندق مسرور الصغير. (انتهى).
والمدارس الصالحية موجودة إلى اليوم إلا أنها غير مستعملة بسبب استيلاء بعض الأهالى على أكثرها، وبقيت مئذنتها قائمة على حالها إلى أن سقطت فى أوائل سنة تسع وتسعين ومائتين وألف. وفى وقتنا هذا آلت جميع المواضع المخربة منها إلى ديوان الأوقاف.
وبالقرب من تلك المدارس منزل المرحوم محمد باشا الخربطلى الذى كان فى الأصل منزل الأجلّ المكرّم الريس محمد تابع المرحوم أوده باشا طباد مستحفظان مسيو الحداوى، وهو زوج جدة الشيخ الجبرتى أم والدته، ترجمه فى تاريخه سنة ست وثمانين ومائة وألف.
وأما خان مسرور فموضعه الآن الوكالة التى تجاه جامع الشيخ مطهر المعروفة بوكالة رخا.
والصاغة هى محل المطبخ كما تقدم، فيكون أحد العطف التى يدخل منها للصاغة هو درب السلسلة، وسمى بذلك لما فى الخطط من أنه كان بجوار مطبخ القصر، وكان يرمى هناك بالشارع سلسلة عند المضيق آخر بين القصرين من جانب السيوفيين، فينقطع المار من ذلك المكان إلى أن تضرب النوبة سحرا قرب الفجر، فتنصرف الناس من هناك بارتفاع السلسلة.
وكان لذلك عوائد ذكرها المقريزى، فراجعه إن شئت.
ثم إن للصاغة فى وقتنا هذا عدة أبواب: بابان نحو المدارس الصالحية، وباب يسلك إليه من الزقاق الذى بين حمام النحاسين وجامع المارستان، وباب من خط المقاصيص، وكلها أزقة ضيقة لا يسكنها إلا الصوّاغ.
القسم العاشر: شارع الخردجية
ابتداؤه من باب شارع المقاصيص، وانتهاؤه أول شارع الأشرفية، ويقطعه شارع السكة الجديدة، وهناك عند التقاطع جامع الشيخ مطهر، كان أصله المدرسة السيوفية. قال المقريزى: هذه المدرسة بالقاهرة، وهى من جملة دار الوزير المأمون البطائحى، وقفها السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على الحنفية بديار مصر. وكان بجوارها مسجد يعرف بمسجد الحلبيين .. فيما بين باب الزهومة ودرب شمس الدولة على يسرة من سلك من حمام خشيبة طالبا البندقانيين - بناه طلائع بن رزيك بعد أن أخرج من موضعه رمة الخليفة الظافر، ونقلها إلى تربة القصر، وسمى هذا المسجد بالمشهد، وعمل له بابين: أحدهما يوصل إلى دار المأمون البطائحى، التى هى اليوم مدرسة تعرف بالسيوفية. (انتهى ملخصا).
ثم إن الأمير عبد الرحمن كتخدا جدّد هذا الجامع، واعتنى به اعتناءا زائدا، وجعل إمامه الشيخ عطية الأجهورى، وأنشأ بجواره سبيلا ومكتبا ووقف عليها أوقافا كثيرة شعائرها مقامة من ريعها وعرف بالشيخ مطهر، لأن به ضريحا يعرف بالشيخ مطهريزار، لم نقف له على ترجمة الآن.
وأما الشيخ عطية المذكور فهو الإمام الفقيه العلامة الشيخ عطية بن عطية الأجهورى الشافعى البرهانى الضرير. ولد بأجهور الورد إحدى قرى مصر، وقدمها وتفقّه على العلماء الأعلام، وأتقن الأصول، وسمع الحديث، ومهر فى الآلات، وأنجب ودرّس، واشتهر، وله مؤلفات، وحضر عليه غالب علماء مصر الموجودين فى وقته، واعترفوا بفضله وأنجبوا ببركته.
ولما بنى المرحوم عبد الرحمن كتخدا هذا الجامع بنى للمترجم بيتا بدهليزه سكن فيه بعياله، وبقى به إلى أن توفى فى أواخر رمضان سنة تسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
وبجوار هذا الجامع وكالة كبيرة مشهورة بوكالة الدنوشرى معدّة لمبيع أصناف العطارة وغيرها، وبأعلاها مساكن، وهى تحت نظر أولاد السيد بيومى مكرم. وكان فى مقابلتها
سوق يعرف بسوق الصنادقيين. قال المقريزى: وكان موضعه فى القديم من جملة المارستان، ثم عرف بفندق البابليين (انتهى).
(قلت): ومحله الآن بعض دكاكين الخردجية، وفتحة السكة الجديدة وبعض الدكاكين المجاورة لها من الجهة القبلية.
مطلب شارع الأشرفية
ثم يلى شارع الخردجية شارع الأشرفية، ابتداؤه من أول شارع السكة الجديدة، وانتهاؤه أول شارع الغورية، وعرف بذلك لأن به جامع الأشرف، وهو جامع كبير فى غاية الحسن والبهجة، يصعد إليه بدرج، أنشأه الملك الأشرف برسباى عند جلوسه على تخت مصر فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وهو يشتمل على إيوانين كبيرين وآخرين صغيرين، وليس به أعمده، وله منبر عظيم، وقبلته مكسوة بالرخام الملون، وأرضه وشبابيكه كذلك، وشعائره مقامة من ريع أوقافه بنظر الديوان، ويتبعه سبيل يعرف بسبيل الأشرف، وفى مقابلته وكالة يقال لها وكالة الأشرف معدّة لمبيع الأقمشة، وهى فى نظر الأوقاف.
وذكر المقريزى أنه كان تجاه هذا الجامع حوضا لسقى الدواب، وفوقه مكتب. (قلت):
فالوكالة الموجودة الآن هى فى محل الحوض والمكتب.
وبآخر هذا الشارع عن يمين المار به باب شارع الورّاقين، وسيأتى بيانه فى محله.
وهذان الشارعان كأنهما شارع واحد، وكان فى خطتهما سوق السيوفيين الذى ذكره المقريزى حيث قال: سوق السيوفيين من حيث الخشيبة، وهى باب المقاصيص الآن، إلى نحو رأس سوق الحريريين وسوق العنبر - الذى كان إذ ذاك سجنا يعرف بالمعونة - ومحله الآن قراقول الأشرفية، ووكالة يعقوب بيك، وما جاور ذلك من التربيعة، وبعض سوق الوراقين.
وكان فى مقابلة سوق السيوفيين إذ ذاك سوق الزجّاجين، وكان ينتهى إلى سوق القشّاشين ومحله الآن شارع الصنادقية.
ثم بعد زوال الدولة الفاطمية تغيّر ذلك كله، فصار سوق السيوفيين من جوار الصاغة إلى درب السلسلة، وبنى فيما بين المدرسة الصالحية وبين الصاغة سوق فيه حوانيت، مما يلى المدرسة الصالحية، يباع فيه الأمشاط، فعرف بسوق الأمشاطيين، وفيه حوانيت فيما بين الحوانيت التى يباع فيها الأمشاط وبين الصاغة؛ بعضها سكن الصيارف وبعضها سكن النقليين - وهم الذين يبيعون الفستق واللوز والزبيب ونحوه. وفى وسط هذا البناء سوق
الكتبيين يحيط به سوق الأمشاطيين وسوق النقليين، وفى وقتنا هذا به محل تباع فيه الكتب يعرف بالكتبية، وهو أثر ما كان أولا.
خان مسرور
وكان بهذه الخطة أيضا خان مسرور الكبير وخانه الصغير، فالكبير على يسرة من يسلك من سوق باب الزهومة - أى سوق الخردجية الآن - إلى الحريريين، وكان موضعه خزانة الدرق، والصغير على يمنة من يسلك من سوق باب الزهومة أيضا إلى الجامع الأزهر. وكان الخان الكبير يشتمل على مائة بيت إلا بيتا، وكان به مسجد تقام فيه الجمعة والجماعة، وكان ممتدا من المارستان إلى شارع الصنادقية من غير فاصل. ومن هذا الخان الآن الوكالة المعروفة بوكالة «رخا» التى بالخردجية، وبها المسجد المذكور إلى اليوم. (انتهى).
القسم الحادى عشر: شارع الغورية
يبتدئ من قراقول الأشرفية، وينتهى إلى باب شارع الكحكيين، وفى رأسه على يسار المارّ به باب شارع الصنادقية - وسيأتى بيانه فى محله - ثم يليه عطفة صغيرة ضيقة جدا بها مستوقد الحمام الذى بشارع الصنادقية، ثم بعد هذه العطفة وكالة كبيرة تعرف بوكالة الزيت، ثم يليها باب شارع التبليطة - وسيأتى بيانه فى محله - ثم بعد ذلك تجد وكالة تعرف بوكالة «الست» ، ثم يليها باب شارع الكحكيين الذى هو نهاية الشارع المذكور.
وأما جهة اليمين فيجد المارّ بها من رأس الشارع وكالة يعقوب بيك، وهى تجاه شارع الصنادقية. وخلف هذه الوكالة الزقاق المستطيل المعروف بالتربيعة. ثم يجد المارّ أيضا أربع عطف يتوصل منها إلى التربيعة وإلى سوق الفحّامين، وإحدى هذه العطف - وهى التى تجاه التبليطة - تعرف بالشرم والجمالون.
مطلب جامع الغورى
وبوسط هذا الشارع جامع الغورى المشهور، وهو جامع عظيم يصعد إليه بدرج على يمين المارّ من الغورية طالبا باب زويلة، أنشأه السلطان قانصوه الغورى مدرسة تشتمل على إيوانين كبيرين، وآخرين صغيرين، ومنبر من الخشب النقى، بديع الصنعة يقصده السيّاحون للفرجة، ويقال إن بها طلّسما لمنع الذباب أن يدخلها، ولها منارة عظيمة مرتفعة. وأنشأ فى مقابلتها خانقاه، ومكتبا، وسبيلا، ومدفنا عليه قبّة، ووقف على جميع ذلك أوقافا كثيرة، وذلك فى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وهى عامرة إلى الآن، وشعائرها مقامة من ريع أوقافها بنظر الديوان. وذكر ابن سنبل أنه كان فى محلها مسجد متخرّب، وكان فى مقابلته مسجد آخر متخرّب أيضا، وأراد أحد الطواشية أن يجدّد أحدهما، فمنعه السلطان الغورى، وبنى مدرسته هذه وقبّة المدفن والسبيل فى محلهما. (انتهى).
وقيل إن هذه القبّة بناها الملك الغورى للآثار النبوية التى منها مصحف بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قيل إنه هو الذى كان أمامه لمّا قتل وعليه دمه، قال الشيخ حسن بن حسين المعروف بابن الطولونى الحنفى المولود سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة فى كتابة «النزهة السنية فى أخبار الخلفاء والملوك المصرية
(1)
»، عند ذكر الملك الأشرف أبى النصر قانصوه الغورى؛ وقد جدّد مولانا السلطان - عز نصره - للمصحف العثمانى الذى بمصر المحروسة بخط مشهد الحسين جلدا بعد أن آل جلده الواقى له إلى التلف والعدم، ولمكثه من زمن سيدنا عثمان إلى يومنا هذا، فألهم الله تعالى مولانا المقام الشريف - خلّد الله ملكه - بطلبه إلى حضرته بالقلعة الشريفة، ورسم بعمل الجلد المعظم المتناهى فى عمله لاكتساب أجره وثوابه، وأن يعمل له وقاية من الخشب المنقوش بالذهب والفضة وأنواع التحسين، وبرز أمره الشريف بعمارة قبة معظّمة تجاه المدرسة التى أنشأها بخط الشرابشيين بسوق الجمالون وسوق الخشيبة
(2)
، بمباشرة الجناب العالى الأميرى الفاضلى السيفى ثانى بيك الخازندار، وناظر الحسبة الشريفة، وما مع ذلك، وأن تكون القبة المعظمة المأمور بعملها - إن شاء الله تعالى - مناظرة فى الحسن والإتقان لما سبق كما رتّبها بنظره الشريف، ليكون فيها ما خصّه الله تعالى به من تعظيمها بالمصحف العثمانى، والآثار الشريفة النبوية، وغير ذلك من مصاحف، وربعات. (انتهى).
وهذه القبّة موجودة إلى الآن، وتعرف بمدفن الغورى، وقد حصل بها بعض تشعيث وتخريب، وبقيت كذلك مدة إلى أن جعل محمود باشا الشهير «بالبارودى» ناظرا على الأوقاف، فشرع فى ترميمها، وكلّف مهندسى الأوقاف بعمل رسم لذلك، حتى ترجع كأصلها بلا زيادة ولا نقص، فاهتمّوا فى ذلك، وعملوا الرسم، وقرّروا بشراء الدكاكين المزاحمة لبابها المشرف على الشارع، ثم شرعوا فى العمل، فجدّدوا سقف الإيوان، وعملت القبّة من البغدادلى، والشبابيك من الخشب عوضا عن الشبابيك الجبس، لأن أغلبها كان قد تهدّم ووقع، وعما قريب تتم إن شاء الله تعالى.
(1)
هذا الخبر لم نجده فى نسخة «النزهة السنية» المطبوعة بالجوائب ولا فى نسختين مخطوطتين منها بدار الكتب المصرية إلى أن وقفنا على ذيل خطط المقريزى لعبد الحميد بك نافع فرأيناه مذكورا بها نقلا عن «النزهة السنية» المذكورة. فلعله اطلع عليه فى نسخة منها كانت عنده، ولعل المؤلف اطلع على هذا الذيل فنقل منه هذه العبارة والله أعلم. (أنظر ص 56 من ذيل خطط المقريزى رقم 190 بلدان). أحمد تيمور
(2)
سوق الخشيبة تصغير خشبة. سمى بذلك لخشبة. كانت على بابه تمنع الراكب من الوصول إليه ويسمى أيضا بسوق البخانقيين. (انظر خطط المقريزى ج 2 ص 103 - 104). أحمد تيمور
وقد دخلت هذا المدفن، وطفت بأطرافه، فوجدته محكم البناء، جميعه بالحجر الآلة، وسمك حيطانه يقرب من مترين ونصف، وقبّته شامخة الارتفاع، وأبوابها ملبّسة بالنحاس على أشكال متنوعة يتكون من مجموعها شكل لطيف. ووجدت هناك بابا بالإيوان ينزل منه إلى حوش سماوى، به عند الضلع القبلى قبر السلطان طومان باى الذى شنقه السلطان سليم بعد استيلائه على مصر وتمهيد أمورها.
ويشاع على ألسنة الناس أنه كان هناك مقعد لجلوس السلطان الغورى به فى بعض الأوقات، ويظهر من هيئة الضلع القبلى للحوش أنه كان فى هذه الجهة، وهو الآن ضمن وكالة واقعة قبلى الحوش المذكور. وأما دار الغورى المملوكة الآن للشيخ عبد القادر الرافعى، فهى واقع? فى شرقى الحوش ملاصقة له. ويتوصل إلى الحوش أيضا من باب بداخل التبليطة فى بناء المدفن، وقال ابن إياس إنه فى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة ماتت خوندخان تكن الجركسية مستولدة السلطان الغورى، فدفنوها عند أولادها بهذا المدفن، ولم يدخلوا بها من باب زويلة، بل دخلوا بها من خوخة أيد غمش، التى هى الآن باب حارة الروم المجاور لحمّام الدرب الأحمر.
(انتهى ببعض الزيادة).
وهذا الشارع اليوم من أعظم شوارع القاهرة وأبهجها، وهو عامر دائما وبه الخانات والحوانيت والوكائل المشحونة بالبضائع من أنواع الأقمشة وغيرها.
وكالة يعقوب بيك
فمن وكائله وكالة يعقوب بيك المتقدم ذكرها، وهى وكالة كبيرة لها بابان؛ أحدهما وهو الكبير بشارع الغورية، والثانى بشارع التربيعة، وبداخلها عدة حوانيت وحواصل معدّة لمبيع الأقمشة والحرير وغير ذلك، وبأعلاها مساكن، ونظارتها تحت يد خورشد أفندى أحد العتقاء. ويقابلها من شارع الغورية خان مصطفى بيك الهجين معدّ لمبيع الشاهى والقطنى ونحوهما.
وكالة الزيت
ومنها وكالة الزيت، وهى كبيرة، ولها أربعة أبواب: بابان بشارع الغورية، وآخران من داخل التبليطة. أنشأتها الست نفيسة البيضاء بنت عبد الله معتوقة شويكار قادن فى سنة ست وتسعين ومائة وألف، وهى معدة لمبيع الأقمشة وغيرها وبأعلاها مساكن وبواجهتها حوانيت، وفى نظارة أولاد العتقاء.
وكالة الست
ومنها وكالة الست معدّة لمبيع الأقمشة وبها مساكن علوية.
ومنها وكالة الخربطلى معدّة لمبيع الأقمشة وغيرها.
ومنها وكالة المصبغة وقف الملك الأشرف معدة للسكنى، وهى فى نظارة الأوقاف، وهناك سبيل وقف الشيخ على العليمى غير مستعمل وهو فى نظارة الأوقاف. وهذه حالة شارع الغورية التى هو عليها الآن.
حبس المعونة
وأما فى الأزمان السالفة، فكان فى محل وكالة يعقوب بيك، الحبس المعروف بحبس المعونة. قال المقريزى: وكان حبس المعونة هذا يسجن فيه أرباب الجرائم كما هو اليوم السجن المعروف بخزانة الشمائل. وأما الأمراء والأعيان فيسجنون بخزانة البنود، ولم يزل هذا الموضع سجنا مدة الدولة الفاطمية ومدة دولة بنى أيوب إلى أن عمّره الملك الناصر قلاوون قيسارية العنبرانيين فى سنة ثمانين وستمائة. (انتهى). فعرفت بقيسارية العنبر، ومحله اليوم الوكالة المذكورة، وبعض التربيعة.
دكة الحسبة
ثم قال المقريزى: وكان بجوار حبس المعونة دكة الحسبة، ومكانها اليوم يعرف بالابازرة ومكسر الحطب، بجوار سوق العطارين والفحّامين، وكان من تسند إليه الحسبة لا يكون إلا من وجوه المسلمين وأعيان المعدلين، لأنها خدمة دينية، وله استخدام النوّاب عنه بالقاهرة ومصر وجميع أعمال الدولة كنواب الحكم، وله الجلوس بجامعى القاهرة ومصر يوما بعد يوم، ويطوف نوابه على أرباب الحرف والمعايش، ويأمر نوابه بالختم على قدور الهراسين ونظر لحمهم، ومعرفة من جزاره، وكذلك الطباخون، ويتتبعون الطرقات، ويمنعون من المضايقة فيها، ويلزمون رؤساء المراكب أن لا يحملوا أكثر من وسق السلامة، وكذلك مع الحمالين على البهائم، ويأمرون السقايين بتغطية الروايا بالأكسية، ولهم عيار، وهو أربعة وعشرون دلوا، كل دلو أربعون رطلا، وأن يلبسوا السراويلات القصيرة الضابطة لعوراتهم، وينذرون معلمى المكاتب بأن لا يضربوا الصبيان ضربا مبرحا ولا فى مقتل، وكذلك معلمو العوم بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس، ويقفون على من يكون سيئ المعاملة فينهونه بالردع والأدب، وينظرون المكاييل والموازين، وللمحتسب النظر فى دار العيار، ويخلع عليه،
ويقرأ سجله بمصر والقاهرة على المنبر، ولا يحال بينه وبين مصلحة إذا رآها، والولاة تشد معه إذا احتاج إلى ذلك، وجاريه ثلاثون دينارا فى كل شهر.
دار العيار
ثم قال: وكان للعيار مكان يعرف بدار العيار، تعيّر فيه الموازين بأسرها وجميع الصنج.
وكان ينفق على هذه الدار من الديوان السلطانى فيما تحتاج إليه من الأصناف. (انتهى باختصار).
وذكر الجبرتى فى ترجمة السيد المحروقى إن داره التى بناها فى الحارة المعروفة بحارة المحروقى من شارع الجودرية كان محلها دكة الحسبة. (انتهى). قلت: والظاهر أن دار العيار كانت فى محلها أيضا، لأن دار المحروقى دار كبيرة جدا، والمقريزى لم يذكر لدار العيار محلا على حدته، وإنما ذكر هما معا، ويكون شارع العطّارين والفحّامين هو المكان الذى قال إنه يعرف بالأبازرة ومكسر الحطب.
دار الضرب
ثم قال المقريزى أيضا: إنه كان فى مقابلة قيسارية العنبر - المتقدم ذكرها - المارستان والوكالة الحافظية، ودار الضرب، وكان موضعها حينئذ يعرف بالقشّاشين، ثم عرف بالخرّاطين. ثم قال: وصار مكان دار الضرب اليوم درب يعرف بدرب الشمسى، وباب هذا الدرب تجاه قيسارية العصفر التى هى قيسارية العنبر. (انتهى).
وهذه المواضع محلها الآن شارع الصنادقية وما جاوره من الجانبين، فاذا تأملت فيما قاله المقريزى من وصف دار الضرب وما ذكره من وصف شوارع القاهرة تجد أن درب الشمسى هو الزقاق الذى بجوار خان الهجين وما جاوره، فإنه قال إن دار الضرب بجوار خزانة الدرق التى هى اليوم خان مسرور الكبير، وموضعها حينئذ كان بالقشاشين المعروف اليوم بالخراطين وصار مكان دار الضرب اليوم درب يعرف بدرب الشمسى فى وسط سوق السقطيين المهامزيين. وباب هذا الدرب تجاه قيسارية العصفر. (انتهى).
وسوق السقطيين محله الآن سوق العقّادين البلدى من شارع الغورية، وقيسارية العصفر هى التربيعة ووكالة يعقوب بيك. فعلى هذا يكون الزقاق الذى به مستوقد حمّام الصنادقية وما جاوره هو درب الشمسى - كما تقدّم - ويكون سوق القشاشين أو الخراطين هو شارع الصنادقية الآن. ثم قال: فإذا دخلت درب الشمسى فما كان على يسارك من الدور فهو موضع دار الضرب وبجوارها دار الوكالة الحافظية.
ثم قال: وما زالت دار الضرب هذه فى الدولة الفاطمية باقية إلى أن استبد السلطان صلاح الدين، فصارت دار الضرب حيث هى اليوم، وكان بناؤها فى سنة ست عشرة وخمسمائة وسميت بالدار الأميرية، وكانت تجاه المارستان، فما عن يمينك الآن إذا سلكت من رأس الخرّاطين هو موضع دار الضرب ودار الوكالة الحافظية هكذا إلى الحمّام الذى بالخرّاطين وما وراءها، وما عن يسارك فهو موضع المارستان. (انتهى).
قلت: وقد تغيرت هذه الأوضاع تغيّرا كليا، وقسّمت دار الضرب المذكورة أقساما؛ فمنها المصبغة الموجودة بأوّل الصنادقية، والوكالة بعدها، وحمّام الصنادقية، ومنزل الخنفرى، ووكالة الخربطلى. ويوجد الآن بعض عقود بالوكالة المجاورة للمصبغة من العقود القديمة، ويفهم من هذا أن موضع وكالة الجلاّبة الآن هو محل المارستان.
ثم ذكر المقريزى أيضا أنه كان هناك سوق يعرف بسوق المهامزيين، فكان من حبس المعونة إلى حمّام الخراطين وما تجاه ذلك، وكان معدّا لبيع المهاميز الذهب والفضة، والبدلات الفضة التى كانت برسم لجم الخيل، وتعمل تارة من الفضة المجراة بالمينا، وتارة بالفضة المطلية بالذهب، وكان يباع فيه أيضا سلاسل الفضة ومخاطم الفضة المطلية تجعل تحت مخاطم الجحور من الخيل خاصة، ويباع فيه أيضا الدوى والطرف التى فيها الفضة والذهب؛ كسكاكين الأقلام ونحوها.
وكان يلى هذا السوق سوق اللجميين، وهو متصل به، ويباع فيه اللجم والركب والمهاميز والسروج ونحوها. وذكر ابن أبى السرور البكرى فى خططه أن هذا السوق فى سنة أربع وخمسين وألف كان غير موجود بالكلية. (انتهى).
ثم يلى سوق اللجميين سوق الجوخيين، وكان ممتدا إلى شارع التبليطة الآن، وهو معد لبيع الجوخ المجلوب من بلاد الفرنج لعمل المقاعد والستاير وثياب السروج وغواشيها. قال المقريزى: وأدركت الناس، وقلما تجد فيهم من يلبس الجوخ، وإنما يكون من جملة ثياب الأكابر جوخ لا يلبس إلا فى يوم المطر، وإنما يلبس الجوخ من يرد من بلاد المغرب والفرنج وأهل الإسكندرية وبعض عوام مصر، فأما الرؤساء والأكابر والأعيان فلا يكاد يوجد فيهم من يلبسه إلا فى وقت المطر. وأطال القول فى ذلك، ثم قال: إنه بعد حصول المحن التى دمّرت بلاد مصر غلت الملابس، ودعت الضرورة أهل مصر إلى ترك أشياء مما كانوا فيه من الترفه، وصار معظمهم يلبس الجوخ. (انتهى).
وذكر ابن أبى السرور البكرى فى خططه أنه فى سنة أربع وخمسين وألف كان ملبوس عساكر مصر فى الغالب ليس إلا الجوخ الملوّن المثمن، وكذا أولاد العرب أصحاب الثروة،
وغيرهم من النصارى واليهود وأرباب الملاهى، وأما النساء الخاطئات والمغنيون فكان لبسهم القنباز من الجوخ بأزرار فضة مطلية، ويجعلون اشيرج القصب فى صدورهن. (انتهى).
مطلب بيان الأسواق القديمة التى كانت بهذه الخطة
ويظهر من كلام المقريزى أنه كان فى وقته من أول شارع التبليطة الآن إلى شارع العقادين ثلاثة أسواق.
أولها سوق الشرابشيين، ابتداؤه من التبليطة. قال المقريزى: وهذا السوق مما أحدث بعد الدولة الفاطمية، وكان يباع فيها الخلع التى يلبسها السلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهم، مثل الكلوتات اليلبغاوية، والكلوتات الزركش، والشرابيش وغيرها. وإنما قيل له سوق الشرابشيين نسبة إلى الشرابيش، وأحدها شربوش، وهو شئ يشبه التاج كأنه شكل مثلث يجعل على الرأس بغير عمامة. وقد بطل الشربوش فى الدولة الجركسية. وكان فى هذا السوق عدة تجار لشراء التشاريف والخلع وبيعها على السلطان والأمراء، وينال الناس من ذلك فوائد جليلة إلى غير ذلك. (انتهى ملخصا). وذكر ابن أبى السرور أن هذا السوق اضمحل أمره فى وقته - أعنى سنة أربع وخمسين وألف، وكذا سوق الحوائصيين. (انتهى) (قلت): والآن قد عدمت هذه الأسواق بالكلية ولم يوجد لها أثر.
ثانيها سوق الحوائصيين. قال المقريزى: هذا السوق يتصل بسوق الشرابشيين وتباع فيه الحوائص؛ وهى التى كانت تعرف بالمنطقة فى القديم فكانت حوائص الأجناد أولا أربعمائة درهم فضة، ثم عمل المنصور قلاوون حوائص الأمراء الكبار ثلثمائة دينار، وأمراء الطبلخانات مائتى دينار، ومقدمى الحلقة من مائة وسبعين إلى مائة وخمسين دينارا، ثم صار الأمراء والخاصكية فى الأيام الناصرية وما بعدها يتخذون الحياصة من الذهب، ومنها ما هو مرصع بالجوهر إلى غير ذلك. (انتهى).
ثالثها سوق الحلاويين، وكان ممتدا إلى سوق الشوّايين. قال المقريزى: هذا السوق معدّ لبيع ما يتخذ من السكر حلوى، وكان من أبهج الأسواق لما يشاهد فيه من الحلاوات المصنّعة عدة ألوان، وكان يصنع فيه من السكر أمثال خيول وسباع وغيرها تسمى العلاليق، واحدها علاقة، ترفع بخيوط على الحوانيت، فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل، تشترى للأطفال، فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده، وتمتلئ أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصنف، إلى غير ذلك مما أطال به المقريزى. (اه) وذكر ابن أبى السرور أنه فى منتصف القرن الحادى عشر كان لا يوجد بهذا السوق إلا بعض حوانيت قليلة. (انتهى).
القسم الثانى عشر: شارع العقّادين
ويعرف أيضا بالشوّايين، أوله من باب الشوّايين، وآخره باب سوق المؤيد الذى فى مقابلة زاوية سالم. وعلى يسار المارّ بهذا الشارع باب حارة خوشقدم، وهى حارة الديلم التى ذكرها المقريزى، وكانت كبيرة جدا، فإن درب الأتراك الذى تجاه سور الجامع الأزهر القبلى أصله منها، واليوم يفصل بينهما حارة الكحكيين، فما كان يعرف بحارة الديلم فى القديم صار الآن ثلاث حارات: حارة الكحكيين، ودرب الأتراك، وحارة خوشقدم.
حارة خوشقدم
وإلى الآن يوجد بحارة خوشقدم زقاق مشهور بجنس الديلم، وهو كدهليز صغير ضيق عليه باب ولا شئ فيه، واليوم فتح فيه باب منزل على يمين الداخل إليه.
جامع كافور الزمام
وبهذه الحارة من الآثار القديمة المدرسة التى تجاه منزل خسرو باشا، وتعرف الآن بجامع الديلمى، وهو جامع صغير بناؤه شركسى بغير عمد وشعائره مقامة، ومنافعه تامة، وبه منبر وخطبة، وله منارة، ويعرف أيضا بالجامع الجوّانى، وبجامع كافور الزمام، وهو مدرسة حارة الديلم التى ترجم لها المقريزى ولم يذكرها.
حمّام الجبيلى
وحمام الجبيلى له بابان: أحدهما من الكحكيين، والآخر من زقاق فى حارة خوشقدم يعرف بزقاق المزار، وهو حمام قديم، سماه المقريزى حمام الجوينى، عرف بالأمير عز الدين إبراهيم بن محمد الجوينى والى القاهرة فى أيام الملك العادل أبى بكر بن أيوب، لأنه أنشأه بجوار داره، وتنقل إلى أن اشتراه القاضى أوحد الدين ياسين كاتب السر الشريف فى أيام الملك الظاهر برقوق بطريق الوكالة عن الملك الظاهر، وجعله وقفا على مدرسته بخط بين
القصرين، وهو الآن فى جملة الموقوف عليه. (انتهى ملخصا). وقال صاحب «قطف الأزهار»: هو باق إلى اليوم، ويعرف بحمام الجبيلى (انتهى). (قلت): وهو لم يزل باق إلى يومنا هذا يدخله الرجال والنساء، وعليه حكر لوقف السلطان الغورى، وأظنه جدد فى عهده
قال المقريزى: وهذه الحارة عرفت بحارة الديلم لنزول الديلم الواصلين مع هفتكين الشرابى حين قدم ومعه أولاد مولاه معز الدولة البويهى وجماعة من الأتراك فى سنة ثمان وستين وثلثمائة، فسكنوا بها، فعرفت بهم، ثم قال: وحارة الأتراك هى تجاه الجامع الأزهر، وتعرف اليوم بدرب الأتراك وكان نافذا إلى حارة الديلم. والوراقون القدماء تارة يفردونها من حارة الديلم، وتارة يضيفونها إليها ويجعلونها من حقوقها فيقولون حارة الديلم والأتراك، وتارة يقولون حارتى الديلم والأتراك، وقيل لها حارة الأتراك لنزول جماعة من الأتراك بها، وكانت مختلطة بحارة الديلم لأنهما أهل دعوة واحدة إلا أن كل جنس على حدة لتخالفهما فى الجنسية، ثم قيل بعد ذلك درب الأتراك. (انتهى ملخصا).
وكانت حارة خوشقدم مسكنا للأمراء والأعيان كما هى الآن، ولذلك يقال لها فى حجج الأملاك حارة الأمراء، وإلى وقتنا هذا بها عدّة دور من دور الأمراء والأعيان مثل دار خسرو باشا، ودار الأمير سليمان باشا أباظة (ويغلب على الظن أنها هى دار الأمير خوشقدم)، ودار الحاج محمد الطوير، والحاج سيد الخرزاتى، والسيد حسن الحمصانى وغيرهم.
وبها سبع عطف منها أربع على يمين المارّ بها، وليست نافذة.
عطفة شق العرسة
الأولى عطفة شق العرسة. هذه العطفة يغلب على الظن أنها زقاق العريسة الذى ذكره المقريزى فى ضمن الكلام على كنيسة الزهرى وعلى حادثة هدم الكنائس وعلى الحريق الذى حصل فى القاهرة حيث قال: وقع الحريق بحارة الديلم فى زقاق العريسة بالقرب من دار كريم الدين ناظر الخاص فى خامس عشرى جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وكانت ليلة شديدة الريح، فسرت النار من كل ناحية، حتى وصلت إلى بيت كريم الدين، وبلغ ذلك السلطان، فانزعج انزعاجا عظيما لما كان هناك من الحواصل السلطانية، وجمعوا الناس لإطفائه، ووقف الأمير بكتمر الساقى، والأمير أرغون النائب على نقل الحواصل السلطانية من بيت كريم الدين إلى بيت ولده بدرب الرصاصى وخرّبوا ستة عشر دارا من جوار الدار وقبالتها حتى تمكنوا من نقل الحواصل. (انتهى).
ودرب الرصاصى المذكور هو عطفة الحمام الآن، وقد تكلمنا على حادثة هدم الكنائس على حادثة الحريق عند الكلام على شارع النصرية، فراجعه.
الثانية عطفة الطاحون عرفت بذلك لأن بها طاحونا يطحن فيه بالأجرة.
الثالثة العطفة الصغيرة.
الرابعة عطفة الجامع، وبداخلها ضريحان؛ أحدهما لسيدى الغمرى، والآخر لسيدى الطبّاخ.
وثلاثة على اليسار: الأولى هى التى سمّاها المقريزى درب ابن المجاور، فقال: إن على يسرة من دخل من أول حارة الديلم دربا يعرف بدرب ابن المجاور بداخله دار الوزير نجم الدين بن المجاور وزير الملك العزيز عثمان، مات بمكة سنة ست وثمانين وخمسمائة. (اه).
الثانية عطفة الحمّام، وهى زقاق الحمام الذى ذكره المقريزى حيث قال: زقاق الحمام بحارة الديلم عرف قديما بخوخة المنقدى، ثم عرف بخوخة سيف الدين حسين بن أبى الهيجاء صهر بنى رزيك وزوج ابنة الصالح بن رزيك، ثم عرف بزقاق حمام الرصاصى، ثم عرف بزقاق المزار، ثم قال: وفيه قبر تزعم العامة ومن لا علم عنده أنه قبر يحيى بن عقب، وأنه كان مؤدّبا للحسين بن على بن أبى طالب، وهو كذب مختلق وإفك مفترى كقولهم فى القبر الذى بحارة برجوان إنه قبر جعفر الصادق، وفى القبر الآخر إنه قبر أبى تراب النخشبى، وفى القبر الذى على يسرة من خرج من الباب الجديد ظاهر باب زويلة إنه قبر زرع النوى وإنه صحابى، وغير ذلك من أكاذيبهم. (انتهى).
الثالثة عطفة الطوير بداخلها بيت محمد بيك الطوير أحد تجار المغاربة بمصر.
وهذا وصف حارة خوشقدم قديما وحديثا. (انتهى).
ثم بعد حارة خوشقدم يجد المارّ بشارع العقادين أيضا عطفة صغيرة بجوار وكالة القصب تعرف بعطفة الرسام لأن بها من يرسم الشغل المعروف برسم الطارة، وبداخلها منزل الشيخ عبد العزيز يحيى أحد علماء الأزهر الشافعية.
ثم بعد مسافة صغيرة يجد باب حارة الروم بجوار سبيل الباشا المعروف بسبيل العقادين أنشأه العزيز محمد على سنة ست وثلاثين ومائتين وألف على روح ابنه طوسون باشا، وهو سبيل كبير مبنىّ بالرخام، وفوقه مكتب جعل مدرسة لتعليم الأطفال القرآن والخط والنحو والرياضة والألسن، ولهم خدمة وخوجات وامتحان سنوى مثل المدارس الملكية، والصرف عليه من جهة ديوان الأوقاف العمومية كغيره من باقى المكاتب الأهلية.
ترجمة الأمير طوسون باشا
وطوسون باشا المذكور هو - كما فى الجبرتى - المقرّ الكريم المخدوم أحمد باشا الشهير بطوسون ابن حضرة الوزير محمد على باشا مالك الأقاليم المصرية والأقطار الحجازية والثغور وما أضيف إليها. سافر المترجم إلى البلاد الحجازية، وحارب الوهابية، فكانت النصرة له. ولما عاد إلى مصر أراد أن يسافر إلى جهة رشيد، فأخذ العساكر وسافر إلى جهة الحمّاد، وجعل عرضى خيامه هناك، وصار يتنقل من العرضىّ إلى رشيد ثم إلى برنبال وأبى منضور والعزب، وكان صحبته من مصر أرباب الآلات المطربة المغنين، وهم إبراهيم الورّاق والحبّابى وقشوة ومن يصحبهم من باقى رفقائهم، ثم ذهب ببعض خواصه إلى رشيد ومعه الجماعة المذكورون فأقام أياما، وحضر إليه من جهة الروم جوار وغلمان رقّاصون، فانتقل بهم إلى قصر برنبال، ففى ليلة حلوله بها نزل به ما نزل من المقدور، فتمرّض بالطاعون، وتململ به نحو العشر ساعات، وانقضى نحبه، وذلك ليلة الأحد سابع شهر ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف، وحضره خليل أفندى قوللى حاكم رشيد.
وعندما خرجت روحه انتفخ جسمه، وتغيّر لونه، فغسّلوه وكفّنوه، ووضعوه فى صندوق، ووصلوا به فى السفينة منتصف ليلة الأربعاء عاشره. وكان والده بالجيزة فلم يتجاسروا على إخباره، فذهب إليه أحمد أغا أخو كتخدا بيك، فلما علم بوصوله ليلا استنكر حضوره فى ذلك الوقت، فأخبره عنه أنه ورد إلى شبرا متوعكا، فركب فى الحين القنجة، وانحدر إلى شبرا، وطلع إلى القصر، وصار يمر بالمخادع ويقول: أين هو؟ فلم يتجاسر أحد أن يخبره بموته. وكانوا ذهبوا به وهو فى السفينة إلى بولاق، ورسوا به عند الترسخانة.
وأقبل كتخدا بيك على الباشا فرآه يبكى، فانزعج انزعاجا شديدا، ونزل السفينة، فأتى بولاق آخر الليل، وانطلقت الرسل لإخبار الأعيان، فركبوا بأجمعهم إلى بولاق، وحضر القاضى والأشباخ، والسيد المحروقى، ثم نصبوا تظلكا ساترا على السفينة، وأخرجوا النعش، ونصبوا عودا عند رأسه وضعوا عليه تاج الوزارة المسمى بالطلخان، وانجروا بالجنازة من غير ترتيب، والجميع مشاة أمامه وخلفه، وليس فيها من جوقات الجنائز المعتادة - كالفقهاء وأولاد المكاتب والأحزاب - شئ من ساحل بولاق على طريق المدابغ وباب الخرق على الدرب الأحمر على التبّانة إلى الرميلة، فصلوا عليه بمصلى المؤمنى، وذهبوا به إلى المدفن الذى أعدّه الباشا لنفسه ولموتاه.
كل هذه المسافة ووالده خلف نعشه ينظر إليه ويبكى. ومع الجنازة أربعة حمير تحمل القروش وربعيات الذهب ودراهم أنصاف عددية ينثرون منها على الأرض، وساقوا أمام
الجنازة ستة رؤوس من الجواميس الكبار، وأخرجوا لأسقاط صلاته خمسة وأربعين كيسا تناولها فقراء الأزهر.
ولما وصلوا إلى المدفن هدموا التربة، وأنزلوه فيها بتابوته الخشب لتعسر إخراجه منه بسبب انتفاخه وتهريه، حتى إنهم كانوا يطلقون حول تابوته البخور والرائحة غالبة على ذلك، وامتنع الناس بالأمر عليهم من عمل الأفراح، ودق الطبول ونوبة الباشا وإسماعيل باشا وطاهر باشا، وأقاموا عليه العزاء عند القبر مدة أربعين يوما. ومات وهو مقبل الشبيبة لم يبلغ العشرين وكان أبيض جسيما، بطلا شجاعا جوادا، له ميل لأولاد العرب، منقادا لملة الإسلام، وكان يعترض على أبيه فى أفعاله. تخافه العسكر وتهابه، رحمه الله تعالى. (انتهى).
حارة الروم
ثم إن حارة الروم المذكورة هى من الحارات القديمة التى ذكرها المقريزى بقوله:
اختطت الروم حارتين؛ حارة الروم والآن وحارة الروم الجوّانية، فلما ثقل ذلك عليهم قالوا الجوانية لا غير، والورّاقون إلى هذا الوقت يكتبون حارة الروم السفلى وحارة الروم العليا المعروفة اليوم بالجوّانية.
وفى سابع عشر ذى الحجة سنة تسع وتسعين وثلثمائة أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بهدم حارة الروم، فهدمت ونهبت، وقال عند ذكر مسالك القاهرة ما يفيد أن حارة الروم السفلى كانت خارج باب زويلة الذى وضعه جوهر القائد. (اه. ملخصا).
وقال أيضا فى ترجمة حمّام السيدة العمة إنه كان على يمين الداخل بأول حارة الروم حمامان يعرفان بحمامى السيدة العمة تجاه ربع الحاجب لؤلؤ - المعروف الآن بربع الزياتين علو الفندق الذى بابه بسوق الشوايين، ثم قال: إن الحمامين قد انتقلا إلى الكامل بن شاور، ثم إلى ورثة الشريف بن ثعلب. (انتهى). قلت: وفى وقتنا هذا لم يبق لهما أثر، وأما الفندق المذكور فهو الوكالة المعروفة الآن بوكالة القصب.
وبحارة الروم جملة عطف وحارات هذا بيانها:
- عطفة الذهبى على يمين المارّ وليست نافذة، وبداخلها عطفتان وزاوية تعرف بزاوية السيد أحمد أبى النصر، وهى غير مقامة الشعائر لتخرّبها وبها ضريح الشيخ أحمد المذكور، ونظارتها للأوقاف.
- عطفة النترى على يمين المارّ وليست نافذة.
- عطفة الجوخى على يسار المارّ وليست نافذة.
- عطفة حارة الروم على يسار المارّ، وبها عطف وحارات كهذا البيان:
عطفة شمس على يمين المارّ بالحارة وهى سد.
العطفة الجديدة على يسار المارّ بها وهى سد.
عطفة كمون تجاه المارّ وهى سد.
عطفة الأمير تادرس على يسار المارّ وهى سد.
دير البنات
وفى هذه الحارة إلى وقتنا هذا الدير الذى ذكره المقريزى، وسمّاه دير البنات. قال:
هو بحارة الروم بالقاهرة عامر بالنساء المترهبات. (انتهى). وهو موجود إلى الآن وتزوره نساء المسلمين كثيرا، وفيه بئر ماء معينة يعتقدون فى مائها الشفاء، وبه مقصورة على ضريح، وبالمقصورة طاقة صغيرة تضع النساء أولادهن المرضى بها، ويزعمن أنه إن فعل بالولد ذلك يحصل له الشفاء من المرض الذى به.
كنيسة الأروام
وبقرب هذا الدير كنيسة تعرف بكنيسة الأروام عامرة إلى الآن، وهذه الكنيسة هى التى هدمتها العامة فى واقعة هدم الكنائس سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فى زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم جدّدت الآن من جهة النصارى الأروام.
حارة السوق على يمين المارّ بحارة الأروام، وبداخلها عطفتان: إحداهما تعرف بعطفة البربارة، والأخرى بعطفة البطريق، بآخرها كنيسة تعرف بكنيسة الروم، عامرة إلى الآن.
عطفة حسين أغا على يسار المارّ بآخر حارة الروم من جهة الدرب الأحمر وبقرب هذه العطفة ضريح سيدى محمد، وبعده ضريح سيدى على، وأظنه سيدى على السدار الذى ترجمه الشعرانى فى طبقاته وقال: إنه مدفون بحارة الروم. مات سنة ثمان وسبعين وسبعمائة.
انتهى وصف حارة الروم قديما وحديثا.
وهذا ما يوجد فى جهة الشمال من شارع العقادين الآن، وأما جهة اليمين فيجد المارّ بها من أوّل الشارع باب عطفة الشوايين، وهى تجاه حارة خوشقدم، وبداخلها وكالة تعرف
بوكالة عبد المعطى لأنها من إنشائه، وهى الآن فى ملك أخيه محمود بيك عبد المعطى معدّة لبيع الحرير وغيره، وبهذه العطفة عدّة دكاكين لبيع لحم الشواء المعروف عند العامة بالنيفة والكباب، ويتوصل منها إلى سوق الفحّامين وإلى حارة الجدرية وإلى سوق المؤيد وإلى درب سعادة.
ثم يلى عطفة الشوايين عطفة العلبية، وهى تجاه وكالة القصب عرفت بذلك لأن بها عدة دكاكين لتشغيل العلب الخشب، ويتوصل منها إلى سوق الفحامين وإلى سوق المؤيد وإلى درب سعادة أيضا، وعلى بابها سبيل القاضى عبد الباسط أنشأه القاضى عبد الباسط، ثم تخرّب فجدّده السيد محمد التونسى فى سنة خمس وعشرين ومائة وألف، وعليه مكتب شعائره مقامة من وقفه بنظر ذرية السيد محمد المذكور.
وشارع العقادين هذا من الشوارع الكبيرة المشهورة العامرة، وبه جملة من حوانيت العقادين وغيرهم.
جامع الفاكهانى
وفى وسطه جامع محمد الأنور الفاكهانى، وهو المعروف قديما بجامع الظافر. قال المقريزى: جامع الظافر بالقاهرة فى وسط السوق الذى كان يعرف قديما بسوق السرّاجين، ويعرف اليوم بسوق الشوّايين. كان يقال له الجامع الأفخر، ويقال له اليوم جامع الفاكهانى، هو من المساجد الفاطمية، عمّره الخليفة الظافر بنصر الله، وذلك فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. (انتهى ملخصا).
وفى حوادث سنة ثمان وأربعين ومائة وألف من الجبرتى أن هذا الجامع عمّره الأمير أحمد كتخدا الخربطلى، وصرف عليه من ماله مائة كيس، وكان إتمامه فى حادى عشر شوال من السنة المذكورة، وبه كتبخانة عظيمة بها نحو التسعمائة مجلد، وله ثلاثة أبواب؛ أكبرها الباب الذى بشارع العقّادين يصعد إليه بدرج، والآخران بحارة خوشقدم، وله منبر من الخشب النقى، ومنارة مرتفعة، وبصحنه صهريج، وبه حنفية ومطهرة وبئر، وشعائره مقامة للغاية من ريع أوقافه بمعرفة وكيل الناظر الشيخ أحمد البشارى، ويتبعه سبيل موقوف عليه بنظر الست نفيسة.
وكالة القصب
وبهذا الشارع وكالتان أيضا: إحداهما وكالة القصب المذكورة المعروفة أولا بخان الملايات؛ وهى وكالة قديمة من وقف المرحوم على كتخدا الخربطلى أنشأها سنة ست وسبعين ومائة وألف، والآن تحت نظر الشيخ إبراهيم الخربطلى، وهى معدّة لمبيع الملايات والقصب والتلى والمخيش ونحو ذلك.
وكالة موسى العقاد
والأخرى وكالة موسى العقاد، وهى من وقف سيدى عقبة، وقد جدّدها موسى العقاد فى حياته، ومعدّة الآن لمبيع القصب والتلى وغير ذلك، والناظر عليها ديوان الأوقاف.
سوق الشوّايين القديم
وكان فى خطة هذا الشارع فى الزمن القديم سوق الشوّايين المعروف باسمه الشارع إلى الآن قال المقريزى: هذا السوق أول سوق وضع بالقاهرة، وكان يعرف بسوق الشرائحيين، وهو من باب حارة الروم إلى سوق الحلاويين، وما زال يعرف بسوق الشرائحيين إلى أن سكن فيه عدة من بياعى الشواء فى حدود السبعمائة من سنى الهجرة، فعرف بالشوّايين، وانتقل سوق الشرائحيين إلى خارج باب زويلة وعرف بالبسطيين. (انتهى ملخصا).
القسم الثالث عشر: شارع المناخلية والسكرية
أوّله من زاوية سالم التى تجاه باب سوق المؤيد، وآخره باب المتولى. وعلى يمين المارّ به فتحتان يتوصل منهما إلى سوق المؤيد وإلى حارة المحمودية المعروفة اليوم بالإشراقية، وعلى يسار المارّ بآخره عطفة تعرف بعطفة الحمّام، وليست نافذة.
وأما زاوية سالم المذكورة فقد ذكرها المقريزى فى المساجد بعنوان مسجد ابن البنا فقال:
مسجد ابن البنا داخل باب زويلة تسمّيه العامة بسام بن نوح عليه السلام، وهو من اختراعاتهم التى لا أصل لها، ولعل سام بن نوح لم يدخل أرض مصر ألبتة. ثم قال: وبلغنى أن هذا المسجد كان كنيسة لليهود القرائين تعرف بسام بن نوح، وأن الحاكم بأمر الله أخذها لما هدم الكنائس وجعلها مسجدا، وتزعم اليهود الآن بمصر أنّ سام بن نوح مدفون هنا ويحلّفون من أسلم منهم بهذا المسجد أخبر به قاضى اليهود إبراهيم بن فرج الله بن عبد الكافى (انتهى).
وهذه الزاوية عامرة إلى اليوم، وبها خطبة، وشعائرها مقامة من أوقاف لها تحت نظر الحاج محمد المغربى.
وهذا الشارع الآن فى غاية العمارية، وبه جملة دكاكين تباع فيها مناخل الدقيق، وفى مقابلتها دكاكين لمبيع الشمع الإسكندرانى، ثم يلى ذلك عدة دكاكين من الجانبين لبيع السكر والنقل ونحوه.
جامع المؤيد
وبوسط هذا الشارع جامع المؤيد، وهو جامع عظيم أنشأه الملك السلطان المؤيد سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وهو إلى الآن من أشهر الجوامع وأعظمها وأوسعها، وبه منبر وخطبة، وعلى محرابة قبّة مرتفعة، وله مقصورة يفصلها من الصحن جدار، وبوسطه حنفية وأشجار، وبداخله أربعة مدافن: أحدها للمنشئ، والثانى لزوجته، والآخران لابنه وابنته، وبه صهريج ومكتب، وله ثلاثة أبواب؛ أكبرها بشارع السكرية، والآخران بالجدار البحرى، يفتح أحدهما على المطهرة بقرب شارع تحت الربع، والآخر بشارع الإشراقية.
وقد هدمت جدران هذا الجامع ما عدا الذى فيه القبلة، وأعيدت بأمر الخديو اسماعيل وصرف على ذلك من خزانة ديوان الأوقاف، فقارب التمام على هيئته الأصلية. والعزم على عمل مطهرته أحسن مما كانت. وشعائره مقامة من ريع أوقافه بنظر الديوان.
الأهراء السلطانية
قال المقريزى: وفى زمن الخلفاء الفاطميين كان فى محل هذا الجامع الأهراء السلطانية، وكانت تمتد إلى قرب الحارة الوزيرية - يعنى درب سعادة الآن. قال: وكان يخزن بها ثلثمائة ألف إردب من الغلات وأكثر من ذلك. وكان فيها عدة مخازن، وكان لها المستخدمون والأمناء، وكان يصرف منها لأرباب الرتب والخدم وأرباب الصدقات والجوامع والمساجد.
وجرايات العبيد السودان، وما ينفق فى الطواحين برسم خاص الخليفة؛ وهى طواحين مدارها سفل وطواحينها علو حتى لا تقارب زبل الدواب. وكان يصرف منها جرايات رجال الأسطول ويصرف منها ما يستدعى بدار الضيافة لأخباز الرسل ومن يتبعهم، وما يعمل برسم الكعك لزاد الأسطول.
ثم قال: وكان متحصل الديوان فى كل سنة ألف ألف إردب، وكان لا يحمل من غلات الوجه البحرى إلى الأهراء إلا اليسير، وباقيها يحمل إلى الإسكندرية ودمياط وتنيس، ليسير إلى ثغر عسقلان وثغر صور، فكان يسير إليهما فى كل سنة مائة وعشرون ألف إردب، منها لعسقلان خمسون ألفا، ولصور سبعون ألفا، فيصير هناك ذخيرة، ويباع منها عند الغنى عنها.
خزانة الشمائل
ثم صار فى محل الأهراء خزانة الشمائل. قال المقريزى: هذه الخزانة كانت بجوار باب زويلة، على يسرة من دخل منه بجوار السور. عرفت بالأمير «علم الدين شمائل» والى القاهرة فى أيام الملك الكامل محمد بن العادل - وكانت من أشنع السجون وأقبحها منظرا، يحبس فيها من وجب عليه القتل أو القطع من السرّاق وقطّاع الطريق، ومن يريد السلطان هلاكه. وكان السجان بها يوظف عليه والى القاهرة شيئا من المال يحمله له فى كل يوم، وبلغ ذلك فى أيام الناصر فرج مبلغا كبيرا. وما زالت هذه الخزانة على ذلك إلى أن هدمها الملك المؤيد شيخ فى يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وأدخلها مع جملة ماهدمه من الدور وغيرها فى جامعه المذكور. (انتهى).
وبهذا الشارع أيضا حمّام السكرية التى تجاه الباب الكبير للجامع المؤيدى، وهى من الحمّامات القديمة، كانت أولا تعرف بحمّام الفاضل - كما فى المقريزى - وهى قسمان: أحدهما للرجال وهو الذى بابه من الشارع، والثانى للنساء وهو الذى بداخل عطفة الحمّام المذكورة، وهما عامران إلى اليوم ومستوقدهما واحد.
وبه أيضا وكالة السكرية، وهى وكالة كبيرة بأعلاها ربع، وبها حواصل معدة لمبيع السكر والبندق واللوز ونحو ذلك، ويباع فيها أيضا السمن والدجاج والبيض وغير ذلك.
وبداخلها سبيل الست نفيسة، أنشأته مع الوكالة سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، ولها سبيل آخر برأس عطفة الحمّام أنشئ فى التاريخ المذكور، والجميع فى نظارة الأوقاف. والست نفيسة المذكورة هى حرم المرحوم مراد بيك الكبير.
عطفة الحمّام
وأما عطفة الحمّام المذكورة فهى الزقاق الضيق الذى ذكره المقريزى عند الكلام على مسالك القاهرة، فقال: إن الداخل من باب زويلة يجد يمنة الزقاق الضيق الذى يعرف اليوم بسوق الخلعيين وكان قديما يعرف بالخشابين، ويسلك من هذا الزقاق إلى حارة الباطلية، وخوخة حارة الروم البرانية. (انتهى).
وفى وقتنا هذا هذه العطفة غير نافذة، ويتوصل منها إلى حمام الفاضل المذكور، ويقابلها من حارة الروم عطفة الذهبى، وكانت متصلة بها، فكان السالك من الزقاق يصل حارة الروم من عطفة الذهبى، ثم يصل إلى الباطلية من حارة الروم.
وأما خوخة حارة الروم التى ذكرها المقريزى، فهى الآن العطفة المجاورة لحمام الدرب الأحمر. وهذا الحمام هو حمام أيدغمش، والعطفة المذكورة هى خوخة أيدغمش أيضا. قال المقريزى: هذه الخوخة فى حكم أبواب القاهرة يخرج منها إلى ظاهر القاهرة عند غلق الأبواب فى الليل وأوقات الفتن إذا غلقت الأبواب، فينتهى الخارج منها إلى الدرب الأحمر واليانسية، ويسلك من هناك إلى باب زويلة. ويصار إليها من داخل القاهرة إما من سوق الرقيق أو من حارة الروم من درب أرقطاى. (انتهى).
الأمير علاء الدين المعروف بأيدغمش
وأيدغمش المذكور هو - كما قال المقريزى - الأمير علاء الدين أصله من مماليك الأمير سيف الدولة يلبان الصالحى، ثم صار إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون، فلما قدم من الكرك جعله أمير اخور عوضا عن الأمير بيبرس الحاجب، ولم يزل حتى مات الملك الناصر، فقام مع مكتبة الأسرة - 2008
قوصون ووافقه على خلع الملك المنصور أبى بكر ابن الملك الناصر، ثم لما هرب ألطنبغا الفخرى اتفق الأمراء مع أيدغمش على الأمير قوصون، فوافقهم على محاربته وقبض على قوصون وجماعته، وجهّزهم إلى الإسكندرية، وجهّز من أمسك ألطنبغا ومن معه وأرسلهم أيضا إلى الإسكندرية. وصار أيدغمش فى هذه النوبة هو المشار إليه فى الحل والعقد. مات سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ودفن خارج ميدان الحصى ظاهر دمشق. وكان جوادا كريما، وله المكانة عند الملك الناصر الكبير رحمه الله. (انتهى) .. (قلت): وقد بسط المقريزى الكلام فى ترجمته عند ذكر الخوخ فراجعه.
وهذا الوصف هو وصف شارع المناخلية والسكرية اليوم، وأما فى الأزمان القديمة، فكانت هذه الخطة تعرف بسوق الغرابليين والمناخليين. قال المقريزى: لما نقل أمير الجيوش باب زويلة إلى حيث هو الآن صار فى المسافة التى حدثت بين الباب القديم والباب الجديد سوق الغرابليين والمناخليين، وهذه المسافة هى من زاوية سالم المعروفة قديما بزاوية سام بن نوح إلى باب زويلة الآن، ثم قال: وكان فيه حوانيت تعمل بها مناخل الدقيق والغرابيل، ويقابلها عدّة حوانيت تصنع فيها الأغلاق المعروفة بالضبب. وما بعد ذلك إلى باب زويلة فيه كثير من الحوانيت يجلس ببعضها عدة من الجبّانين لبيع أنواع الجبن المجلوب من البلاد الشامية.
وفى بعض تلك الحوانيت قوم يجلسون لعلاج من عساه ينصدع له عظم أو ينكسر أو يصيبه جرح يعرفون بالمجبّرين، فهذه قصبة القاهرة. (انتهى ملخصا).
(قلت): وكان فى هذه المسافة أيضا فندق صالح الذى ذكره المقريزى حيث قال:
هذا الفندق بجوار باب القوس الذى كان أحد بابى زويلة، فمن سلك اليوم من المسجد المعروف بسام بن نوح يريد باب زويلة صار هذا الفندق على يساره، وأنشأه هو وما يعلوه من الربع الملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور قلاوون.
مطلب سلطنة الملك الصالح علاء الدين ابن الملك المنصور قلاوون
وكان أبوه لما عزم على المسير إلى محاربة التتر ببلاد الشام سلطنه، وأركبه بشعار السلطنة من قلعة الجبل فى شهر رجب سنة تسع وسبعين وستمائة، وشقّ به شارع القاهرة من باب النصر إلى أن عاد إلى قلعة الجبل، وأجلسه على مرتبته، وجلس إلى جانبه، فمرض عقيب ذلك ومات ليلة الجمعة الرابع من شعبان، فأظهر السلطان لموته جزعا مفرطا وحزنا زائدا، وصرخ بأعلى صوته:«وا ولداه» ! ورمى كلوتته عن رأسه إلى الأرض، وبقى مكشوف الرأس إلى أن دخل الأمراء إليه وهو مكشوف الرأس يصرخ «وا ولداه» ، فعندما عاينوه كذلك ألقوا
كلوتاتهم عن رؤوسهم، وبكوا ساعة، ثم أخذ الأمير طرنطاى النائب شاش السلطان من الأرض، وناوله للأمير سنقر الأشقر، فأخذه ومشى وهو مكشوف الرأس، وقبّل الأرض وناول الشاش للسلطان، فدفعه وقال:«إيش أعمل بالملك بعد ولدى» ، وامتنع من لبسه، فقبّل الأمراء الأرض يسألون السلطان فى لبس شاشه، ويخضعون له فى السؤال ساعة، حتى أجابهم وغطّى رأسه. فلما أصبح خرجت جنازته من القلعة، ومعها الأمراء من غير حضور السلطان وساروا بها إلى تربة أمه المعروفة «بتربة خاتون» قريبا من المشهد النفيسى، فواروه وانصرفوا.
(انتهى).
(قلت): كان بهذه المسافة أيضا قيسارية الفاضل. قال المقريزى: هذه القيسارية على يمنة من يدخل من باب زويلة، عرفت بالقاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانى، وهى الآن فى أوقاف المارستان المنصورى. (انتهى). (قلت): ومحلها الآن الدكاكين والوكالة التى هناك. وقبل بناء جامع المؤيد كان فى مقابلتها قيسارية سنقر الأشقر، وهدمها الملك المؤيد وأدخلها فى جامعه، وكذا هدم قيسارية رسلان ومن حقوقها باب الجامع وبعض الدكاكين المجاورة له من بحرى. وكان يوجد بعد هذه القيسارية قيسارية بيبرس على رأس حارة الجودرية ذكرناها هناك.
وهذا وصف شارع السكرية قديما وحديثا، وقد بسطنا القول على باب زويلة المذكور هنا فى الكلام على شارع باب زويلة، فانظره هناك.
القسم الرابع عشر: شارع قصبة رضوان والخيمية والمغربلين
أوّله من باب المتولى، وآخره باب شارع الداوودية، وعرف بهذا الاسم بعد بناء الأمير رضوان بيك قصبته المعروفة به المعدّة لبيع المراكيب ونحوها. وستأتى ترجمته إن شاء الله تعالى بهذا الشارع. وهذا بيان الحارات والعطف الموجودة به.
حارة زقاق المسك على يسار المارّ بالشارع المذكور، وتتصل به من جهة زاوية الفيومى، وتنتهى لشارع الماردانى، وبداخلها جملة عطف، وبأولها زاوية الفيومى المذكورة، بها ضريح الشيخ على الفيومى الأجانى، وشعائرها غير مقامة لتخرّبها، وبها أيضا ضريح الشيخ محمد المدنى.
عطفة جعفر باشا على يسار المارّ بالشارع، وعرفت بذلك لأن بها دار الأمير جعفر باشا ريس مجلس الأحكام المصرية سابقا، وهى دار كبيرة بداخلها جنينة، وبجوارها زاوية صغيرة تعرف بالشيخ عبد المتعال، شعائرها مقامة، وبها ضريحان أحدهما للشيخ عبد المتعال المذكور.
وبداخل عطفة جعفر باشا عطفة تعرف بعطفة حمزة باشا، عرفت بذلك لأن بها منزل حمزة باشا، وبآخرها زاوية قديمة متخرّبة تعرف بزاوية محمد أفندى الروزنامجى.
حارة الجانبكية، وهى فى مقابلة بيت الصحة الطبية التابع لتمن قيسون عن يسار المارّ بالشارع بجوار جامع الجانبكية أيضا، ويتوصل منها لحارة زقاق المسك، ولعطفة حمزة باشا، وعلى يسار المارّ بها عطفة تعرف بعطفة الجانبكية أيضا.
وهذا وصف جهة الشارع اليسار، وأما جهة اليمين فيجد المارّ بها عطفتين نافذتين وحارات غير نافذة كهذا البيان:
حارة رضوان بيك، وتعرف أيضا بحارة القربية. ومذكور فى وقفية الأمير رضوان بيك أنه أنشأ زاوية فى حارة بنى سيس، وفى وقفية ذى الفقار بيك المؤرخة سنة أربع وستين وألف أنه أرصد رزق أحباسه على مصالح مسجد أنشأه بمدينة المنصورة وعلى قراءة أجزاء شريفة بالمسجد الكائن بحارة بنى سيس بمصر المحروسة. (انتهى).
(قلت): ويفهم من هذا أن حارة القربية هى حارة بنى سيس المذكورة فى حجج الأملاك، ومذكور فى وقفية الأمير على جلبى من أعيان الجاويشية أن حارة بنى سيس عرفت بعد ذلك بدرب العارف بالله سيدى أويس القرنى. (انتهى).
حارة الجوخدار، وكانت تعرف قديما بدرب الأزيار، ثم عرفت فى القرن الحادى عشر بدرب الشريف هاشم جلبى كما هو مذكور فى حجج الأملاك. (انتهى).
حارة إسماعيل كاشف، فى مقابلتها سبيل يعلوه مكتب من وقف خليل أغا ابن أحمد كتخدا مستحفظان أنشأه سنة ثمانى عشرة بعد الألف.
حارة الفرن بوسطها ضريح يعرف بالشيخ سالم.
حارة السنان.
حارة الطاراتى.
عطفة النجار على يمين المارّ، ويتوصل منها لحارة الحيمازية.
عطفة الحيمازية على اليمين، ويتوصل منها لشارع الداوودية، وهذا الشارع عامر إلى الآن وبأوله عدة دكاكين من الجانبين يصنع بها المراكيب والنعال ونحوها، ثم يلى ذلك وكالة كبيرة وقف رضوان بيك معدة لمبيع أصناف الجلود، ثم عدة دكاكين يصنع بها الخيام، ثم يليها دكاكين من عطارين وجزارين وخضرية وزياتين ونحو ذلك. وبأوله على يسار المارّ من باب زويلة طالبا السروجية جامع الصالح طلائع بن رزيك المنعوت بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين وزير الخليفة الفائز بنصر الله الفاطمى، وسبب بنائه أنه لما خيف على مشهد الإمام الحسين رضي الله عنه إذ كان بعسقلان من هجمة الفرنج، وعزم على نقله بنى هذا الجامع ليدفنه به. فلما فرغ منه لم يمكّنه الخليفة من ذلك، وقال لا يكون إلا داخل القصور الزاهرة، وبنى المشهد الموجود الآن، ودفن به، وتم بناء الجامع المذكور، وبنى به صهريجا عظيما، وجعل ساقية على الخليج قريبا من باب الخرق تملأ الصهريج المذكور أول النيل. وبقى هذا الجامع معطلا عن إقامة الجمعة إلى أيام المعز أيبك التركمانى - أول ملوك البحرية - فأقيمت به الجمعة، وذلك فى سنة بضع وخمسين وستمائة، ولم تزل شعائره مقامة للآن من أوقافه بنظر الديوان.
مطلب زاوية رضوان بيك
ثم يليه زاوية رضوان بيك التى بقرب التلومبة أنشأها الأمير رضوان بيك صاحب قصبة رضوان، وذلك فى عام ستين بعد الألف، وهى غير زاويته التى بحارة القربية المتقدم ذكرها والاثنتان عامرتان إلى الآن، وشعائرهما مقامة من ريع أوقافهما.
مطلب جامع الكردى
(1)
ثم المدرسة المحمودية المعروفة الآن بجامع الكردى أنشأها الأمير جمال الدين محمود بن على الأستادار فى سنة سبع وتسعين وسبعمائة، ورتّب بها درسا، وعمل بها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر ولا الشام مثلها - كما فى المقريزى - وبها قبر منشئها عليه تابوت من الخشب، وشعائرها مقامة، ومنافعها تامة من ريع أوقافها.
مطلب جامع إينال
ثم جامع إينال - المعروف الآن بالجامع الإبراهيمى - كان أول أمره مدرسة تعرف بمدرسة إينال، أوصى بعمارتها الأمير الكبير سيف الدين إينال السيفى - أحد المماليك اليلبغاوية فابتدئ فى عملها سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وفرغت فى سنة خمس وتسعين وسبعمائة، ولم يرتب بها سوى قراء يتناوبون قراءة القرآن على قبره. ولما مات فى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الثانية سنة أربع وتسعين وسبعمائة دفن خارج باب النصر، حتى انتهت عمارة هذه المدرسة فنقل إليها ودفن بها، وهى عامرة إلى اليوم وشعائرها مقامة من ريع أوقافها بنظر الشيخ أحمد بطة، أحد خوجات المدارس الملكية.
مطلب زاوية عبد الرحمن كتخدا
ثم زاوية عبد الرحمن كتخدا أنشأها الأمير عبد الرحمن كتخدا فى سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف، وهى علوية وتحتها حنفية، وشعائرها مقامة من ريع أوقافها بنظر الديوان.
جامع الجانبكية
ثم جامع الجانبكية أنشأه الأمير جانبك الدوادار مدرسة فى عام ثمانية وعشرين وثمانمائة، وهو مقام الشعائر تام المنافع، وبداخله قبر منشئه، وبه سبيل يملأ من النيل، وله أوقاف تحت نظر الديوان.
مطلب زاوية اليونسية
ثم زاوية اليونسية الصغيرة، أنشأتها الست عائشة اليونسية شعائرها مقامة، وبها عمودان من الرخام وميضأة وخوض ماء وبيت خلاء. وفى مقابلتها برأس باب شارع الداوودية زاوية تعرف أيضا بزاوية اليونسية، كانت أول أمرها مدرسة أنشأتها الست عائشة اليونسية المذكورة نسبة إلى زوجها الأمير يونس السيفى الدوادار الكبير، وكان بابها فى الزقاق الذاهب إلى الداودية، ولما هدم رأس الزقاق فى التنظيم، لتوسعة الطريق، هدّم منها الجانب الذى به
(1)
انظر ج 5 ص 109 من الطبعة الأولى. (أ. ت.)
الباب، وجعل بابها على الشارع، وبها قبر الست عائشة المذكورة. ثم لما اختلّ نظامها جددها حضرة محمد أفندى مناو سنة ثمانين ومائتين وألف، ولها أوقاف تحت نظره، وشعائرها الآن مقامة، ويعمل بها للست عائشة مولد كل سنة.
وهذا الشارع أوله يعرف بقصبة رضوان، ووسطه يعرف بالخيمية، وآخره يعرف بالمغربلين وهذه حالته فى وقتنا هذا، وأما فى الأزمان القديمة فكان يعرف بخط الموازين.
مطلب الدار القردمية
وكان به من المبانى الشهيرة الدار القردمية، وهى باقية إلى اليوم بآخر قصبة رضوان تجاه المدرسة المحمودية، وشهرتها اليوم بدار الأمير رضوان بيك، لأنه كان سكنها، وهى تابعة للأوقاف إلا أنها متخرّبة.
قال المقريزى: الدار القردمية هى خارج باب زويلة بخط الموازين من الشارع المسلوك فيه إلى رأس المنجبية - أى عطفة الدالى حسين الآن - بناها الأمير ألجاى الناصرى - مملوك الناصر محمد بن قلاوون - وكان من أمره أنه ترقى فى الخدم السلطانية، حتى صار دوادار السلطان بغير إمرة رفيقا للأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار، فلما مات بهاء الدين استقرّ مكانه بإمرة عشرة مدة ثلاث سنين، ثم أعطى إمرة طبلخاناه، وكان فقيها حنفيا يكتب الخط المليح، ونسخ بخطه القرآن الكريم فى ربعة، وكان عفيفا عن الفواحش، حليما لا يكاد يغضب مكبا على الاشتغال بالعلم، محبا لإنشاء الكتب، مواظبا على مجالسة أهل العلم. وبالغ فى إتقان عمارة هذه الدار، بحيث أنه أنفق على بوابتها خاصة مائة ألف درهم فضة، عنها يومئذ نحو الخمسة آلاف مثقال من الذهب. فلما تمّ بناؤها لم يتمتع بها غير قليل، ومرض فمات فى أوائل شهر رجب، وقيل رمضان، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وهو كهل، فسكنها من بعده خوند عائشة خاتون المعروفة بالقردمية ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون زمانا، فعرفت بها.
وكانت هذه المرأة ممن يضرب بغناها وسعتها المثل، إلا أنها عمّرت طويلا، وتصرفت فى مالها تصرفا غير مرض، فتلف فى اللهو حتى صارت تعد من المساكين، وماتت فى الخامس من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة ومخدّتها من ليف، ثم سكن هذه الدار الأمير جمال الدين محمود بن على الأستادار مدّة، وأنشأ تجاهها مدرسته. (انتهى).
ترجمة الأمير رضوان بيك
قلت: وبقيت هذه الدار تنتقل من يد مالك إلى يد آخر حتى انتقلت إلى ملك الأمير رضوان بيك الذى نسبت إليه قصبة رضوان، وهو - كما فى الجبرتى - الأمير الكبير رضوان بيك الفقارى، تولى إمارة الحاج عدة سنين، وكان وافر الحرمة، مسموع الكلمة، ملازما للصوم والعبادة، وهو الذى عمّر القصبة المعروفة به خارج باب زويلة عند بيته، وأنشأ الزاوية التى بها. والزاوية الأخرى التى بحارة القربية، ووقف وقفا على عتقائه، وعلى جهات بر وخيرات.
مات رحمه الله فى سنة خمس وستين وألف، ولم يترك أولادا. (انتهى). وتربته بصحراء الإمام الشافعى بقرب عين الصيرة التى هناك بداخل حوش يعرف بحوش رضوان بيك إلى الآن.
ترجمة الأمير عبد الرحمن بيك كاشف الشرقية
ثم انتقلت هذه الدار إلى ملك الأمير عبد الرحمن بيك - أحد الأمراء المصريين - وسكن بها مدة ثم قتل فيها، وهو - كما فى الجبرتى أيضا - الأمير عبد الرحمن بيك، كان أصله كاشف الشرقية. وكان مشهورا بالشجاعة، قلده الصنجقية الأمير إسماعيل باشا - والى مصر - سنة سبع ومائة وألف، وخلع عليه، وحضرت له التقادم والهدايا، ولبس الخلع، ثم حصل بينه وبين الباشا منافسة أدت الباشا إلى أن يطلب منه حلوان الصنجقية أربعة وعشرين كيسا.
فقال المترجم: أنا لم أطلب هذه البلية حتى يأخذ منى عليها هذا القدر، وتعصّب مع خشداشيته على الباشا، فعزلوه، ثم بعد ذلك تولى على جرجا، وحصل له مع عربان هوارة وغيرهم وقائع كثيرة، ثم لما تولى حسين باشا على مصر وكان كتخدا إسماعيل باشا المنفصل حقد على المترجم بسبب مخدومه، فإنه هو الذى سعى فى عزله وخلعه من جرجا، فلما حضر إلى مصر ونزل ببيت رضوان بيك خارج باب زويلة قابله الباشا وسلّم عليه، ثم دبّر له حيلة فى قتله، فحرّض عليه بعض الأمراء، فطلبوا منه نحو ثلثمائة كيس، وادّعوا أنها ثمن خيول وجمال وعبيد وجوار وغلال وغير ذلك أخذها منهم، وطلبوه عند الباشا وضايقوه، ووافق ذلك غرض الباشا لكراهته له بسبب أستاذه، ثم بعد مناوشات حصلت بينهما أحاطوا بداره، ورموه من كل الجهات، ودخلت طائفة من العسكر فى الجامع المواجه لبيته، وصعدوا على
المنارة، ورموه بالرصاص، فأصيب المترجم مع عدة من خشداشيته، وطلعوا إلى المقعد فوجدوه ميّتا، فأخذوا رأسه وطلعوا بها إلى الباشا، وعبرت العساكر إلى بيته فنهبوه، وأخذوا منه أموالا وذخائر عظيمة، وسبوا الحريم، وأخذوا جميع ما فيه من الجوارى البيض والسود، ومن جملة ما أخذوه بنت المترجم ظنّوها جارية، فخرجت أمها تصرخ خلفها، فخلّصها مصطفى جاويش القيصرلى، وطلع بها إلى الباشا فأنعم عليها، وزوّجها لبعض مماليك أبيها. وكان قتل عبد الرحمن بيك هذا فى ثانى عشر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة ومائة وألف.
(انتهى ملخصا). وهذه الدار موجودة إلى الآن وتابعة للأوقاف كما تقدّم.
القسم الخامس عشر: شارع السروجية
أوّله من باب شارع الداوودية، وآخره أول شارع الحلمية عند تقاطعه مع شارع محمد على تجاه حمّام الدود، وبه عطف وحارات ودروب كهذا البيان:
حارة الدالى حسين
حارة الدالى حسين على يسار المارّ بالشارع المذكور بجوار زاوية شبرك، وهى زاوية صغيرة ليس بها بئر ولا مطهرة، وشعائرها مقامة، وكان تجاهها زاويتان متحاذيتان تخرّبتا وزال أثرهما بالمرة. وفى مكان إحداهما سبيل صغير متعطل. وبهذه الحارة عدة عطف:
- الأولى عطفة عبد الله أغا.
- الثانية عطفة الجوهرجى.
- الثالثة عطفة أم الغلام بوسطها ضريح يقال له ضريح الشيخ الشريف، وهو داخل زاوية متخرّبة لها أوقاف تحت نظر الديوان.
- الرابعة عطفة عمر أغا، وهى عطفة صغيرة غير نافذة، ويظهر لى أن حارة الدالى حسين أو حارة العمارة التى بقربها هى التى عبّر عنها المقريزى بحارة الهلالية، حيث قال: ذكر ابن عبد الظاهر أنها على يسرة الخارج من الباب الجديد الحاكمى. (انتهى). قلت: وبيان ذلك أنى وجدت فى حجة السلطان أبى النصر قايتباى المؤرخة بسنة اثنتى عشرة وتسعمائة أنه وقف مكانا بخط سويقة العزى بالقرب من مدرسة المرحوم سودون من زاده السيفى وبالقرب من درب الهلالية، وفى وقتنا هذا لم يكن قريبا من هذه المدرسة إلا حارة العمارة وحارة الدالى حسين، لكن حارة العمارة هى النافذة لسويقة العزى المذكورة.
ترجمة الأمير حسين باشا المعروف بدالى حسين
وعرفت هذه الحارة بالدالى حسين فى القرن الحادى عشر لسكن الوزير حسين باشا المعروف بدالى حسين بها، وقد ترجمه صاحب «خلاصة الأثر» فقال: حسين باشا المعروف
بدالى حسين نديم السلطان مراد، وأحد الوزراء الكبار، وأصله من قصبة بيكشهر من ناحية قرمان، رحل فى مبدأ أمره إلى قسطنطينية، وخدم فى حرم السلطنة، وصار بها من طائفة البلطجية، وقدم دمشق فى سنة ثلاث وثلاثين وألف قاصدا الحج وعليه خدمة السقاية فى طريق الحج، ثم ترك بعد ذلك إلى أن صار محافظ مصر. وقدم دمشق فى سنة خمس وأربعين، وتوجه إليها، وكانت أحكامه فيها معتدلة، ثم عزل عنها، وصار إلى دار السلطنة، ولما اجتمع بالسلطان مراد أوصله دفترا بجميع ما حصّله فى مصر من مال وأسباب وأمتعة، وقال له هذا جميع ما أملكه فى دولة الملك، فأنعم عليه وقرّبه، وجعله من أخصائه وندمائه، وصحبه معه فى سفر بغداد، وهو ثالث حاكم بعد فتحها الأخير، ثم ولّى بودين، وولى وزارة البحر، ثم عيّن فى زمن السلطان إبراهيم إلى جزيرة كريت، فسار إليها، وأقام بها سبع عشرة سنة فى محاربة، وفتح أكثر بلادها وقراها، ولم يبق بها إلا قلعة قندية، ثم أرسل إليه ختم الوزارة العظمى، وبقى لوصوله إليه مسافة أربع ساعات فاستردّ، وكانت الوزارة فوّضت إلى غيره، ثم طلب هو إلى تخت السلطنة، ودخل إلى أدرنة بموكب حافل، واجتمع بالسلطان محمد بن إبراهيم، فأقبل عليه، ثم أرسله إلى قسطنطينية، وأمر بوضعه فى المكان المعروف بيدى قلة، وبعد أيام أمر بقتله فقتل، ودفن فى داخل المكان المذكور، وقبره ظاهر ثمة.
ولقتله خبر طويل ملخصه إسناد بعض حسدته إليه التهاون فى أمر قندية، وأنه كان خامر مع الكفار فى محاصرتها، واستفتى مفتى الدولة فى قتله، فامتنع ذهابا منه إلى براءته، فعزل ذلك المفتى وولى مكانه رجلا أفتى بقتله فقتل، وكان قتله سنة اثنتين وسبعين وألف رحمه الله تعالى. (انتهى).
وعلى رأس هذه الحارة على يسار المارّ بالشارع ضريح فوقه زاوية تعرف بزاوية الشيخ خضر الصحابى كانت متهدّمة، فجدّدها حضرة محمد أفندى مناو سنة أربع وتسعين ومائتين وألف، وجعلها علوية، وجدّد تحتها الضريح الذى بها المعروف بالشيخ خضر الصحابى، ويعرف أيضا بزرع النوى. وأنكر ذلك المقريزى وقال: لم يوجد صحابى بهذا الاسم.
وقال غيره: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألف صحابى، وكلهم معلومون مضبوطة أسماؤهم فى الكتب، ولم يوجد هذا الاسم فيهم. وقيل:
إن المدفون بهذا الضريح اسمه خضر لا غير، وقال المؤرخون: الصحابة المدفونون بمصر معلومون، وليس هذا منهم. وقيل اسمه خضر السحابى (بالسين المهملة)، نسبة إلى السحاب، لأن بعض العامة يزعم أنه كان يجلس على السحاب. قال المقريزى: وليس هذا بصحيح، وإن كان
هناك قبر فيكون قبر الأمير أبى عبد الله الحسنى ابن طاهر الوزّان. (انتهى من كتاب «المزارات» للسخاوى).
قلت: ويوجد بقرب هذه الزاوية فى صفّها من الجهة القبلية وكالة تعرف بوكالة الجلود من إنشاء الأمير أحمد كتخدا مستحفظان الشهير بمناو. وكانت قبل ذلك جارية فى وقف الملك الظاهر على جامع الفاكهانى، وفى مقابلتها على رأس الخيمية داره العظيمة، وهى الآن متخرّبة، وبجوارها أملاك كثيرة تابعة لوقفه. (انتهى من كتاب وقفية أحمد كتخدا المذكور).
وبوسط حارة الدالى حسين زاوية صغيرة تعرف بزاوية الأربعين، وبزاوية قانم المشهدى الفقيه، بداخلها ضريح وشعائرها غير مقامة لتخرّبها، وهى فى نظارة الأوقاف.
وبالقرب من هذه الزاوية منزل محمد رضا باشا، ومنزل الشيخ محمود القيسونى - أحد القرّاء المشهورين فى وقتنا هذا.
حارة العمارة
حارة العمارة على يسار المارّ بالشارع، ويتوصل منها إلى شارع سويقة العزى، وإلى حارة أحمد باشا يجن. وبحارة العمارة هذه عطف وحارات كهذا البيان:
- عطفة زاوية شاكر. عرفت بذلك لأن بها زاوية شاكر، وهى صغيرة متخربة، ولها دكاكين موقوفة عليها تحت نظر الست أمينة.
- حارة إسماعيل بيك بداخلها زاوية تعرف بزاوية السادة الأربعين، وهى قديمة متخرّبة، ولها شبابيك تشرف على حارة الدالى حسين، وبها عدة قبور، يوجد على اثنين منها تراكيب ببرواز خشب مكتوب عليه آية الكرسى، ومكتوب على أحد القبرين - وهو الكبير - هذا قبر والدة الأمير ناصر الدين ميرياخور توفيت فى الخامس والعشرين من شهر شوّال سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وعلى الثانى توفيت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وباقى الكتابة لم يمكن قراءته لزواله بالكلية. وهذه الزاوية هى الرباط الذى سماه المقريزى فى خططه برواق ابن سليمان، حيث قال: هذا الرواق بحارة الهلالية خارج باب زويلة، عرف بأحمد بن سليمان ابن أحمد بن سليمان بن إبراهيم بن أبى المعالى بن العباس الرحبى البطائحى الرفاعى شيخ الفقراء الأحمدية الرفاعية بديار مصر. كان عبدا صالحا له قبول عظيم من أمراء الدولة وغيرهم، وينتمى إليه كثير من الفقراء الأحمدية، وروى الحديث عن سبط السلفى، وحدّث، وكانت وفاته ليلة الاثنين سادس ذى الحجة سنة إحدى وتسعين وستمائة بهذا الرواق (انتهى).
قلت: ويظهر أن هذا الرواق كان كبيرا، وأن المنزل المجاور له الموقوف عليه للآن كان من ضمنه، بل ربما دخل منه فى المنازل المجاورة له، وأصل بابه كان بحارة الدالى حسين، ثم لما تغيّرت المعالم، ودثرت الرسوم، واستولت الناس على كثير من الأوقاف، جعل له باب من حارة إسماعيل بيك المذكور.
- حارة أحمد باشا يجن، عرفت بذلك لأن بها منزله، وهو منزل كبير، بداخله جنينة متسعة، وبها أيضا منزل عثمان باشا لطيف.
- عطفة عبد الله بيك، عرفت به لأن بها منزله، وبأولها جامع القمارى، وهو مقام الشعائر الإسلامية، وبه خطبة، وله منارة ومطهرة، وبأسفله ضريح رجل صالح يقال له محمد القمارى عليه تابوت من الخشب وكسوة من الجوخ، ويعمل له مولد كل سنة.
وبداخل هذه العطفة زاوية صغيرة تعرف بزاوية الحداد، وهى متخربة، وبها ضريح الشيخ على الحداد وبأعلاها أماكن للمرحومة زينب هانم، وناظرها الأمير ثابت باشا، وبالقرب من هذه الزاوية منزل الست دكير هانم، معتوقة المرحومة زينب هانم، ومنزل إسماعيل باشا الأرنؤودى، بكليهما جنينة كبيرة.
ترجمة على بيك السروجى
قلت: وفى مقابلة عطفة عبد الله بيك المذكورة بيت كبير مجعول الآن ورشة نجارين وكان أوّله يعرف ببيت على بيك السروجى - أحد الأمراء المصريين - وهو كما فى الجبرتى الأمير على بيك السروجى من مماليك إبراهيم كتخدا واشراق على بيك أمّره وقلّده الصنجقية بعد موت سيده، ولقّب بالسروجى لكونه كان ساكنا بالسروجية، ولما أمّره على بيك خطب له أخت خليل بيك يلفيا، وهى إبنة إبراهيم بيك يلفيا الكبير، وعقد له عليها، ثم لما حصلت الوحشة بين المحمدية وإسماعيل بيك انضم المترجم إلى إسماعيل بيك لكونه خشداشه، وخرج إلى الشام صحبته، فلما سافر إسماعيل بيك إلى الديار الرومية تخلّف المترجم مع من تخلف، ومات ببعض ضياع الشام، وذلك فى سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف. (اه).
- عطفة نافع بداخلها ضريح يعرف بالشيخ البارودى.
وبحارة العمارة أيضا أربعة أزقة غير العطف والحارات المذكورة، وضريحان؛ أحدهما يعرف بالشيخ مدندن، والثانى يعرف بالشيخ شمس. وهذا وصفها قديما وحديثا.
- عطفة العنبرى على يسار المارّ بالشارع، وهى غير نافذة، وبداخلها ضريح الشيخ العنبرى التى عرفت العطفة باسمه إلى اليوم.
- العطفة الصغيرة على يسار المارّ بالشارع، وليست نافذة.
- عطفة القبورجية على يسار المارّ بالشارع، ويتوصل منها إلى سوق السلاح ولعطفة أحمد باشا يجن، وبها حارة الشماشرجى المسلوك فيها لشارع محمد على.
- عطفة الدود على يسار المارّ من عند تقاطع شارع محمد على، وليست نافذة، وعلى رأسها الحمّام المعروف بحمّام الدود، وهو حمّام قديم ذكره المقريزى فى خططه، موجود إلى الآن يدخله الرجال والنساء، وقد ذكرناه فى الحمامات فانظره هناك.
وهذا وصف جهة الشمال من شارع السروجية، وأما جهة اليمين فبها عطف وحارات كهذا البيان:
حارة درب الأغوات
- حارة درب الأغوات بأول الشارع من جهة اليمين، وهى حارة كبيرة تتصل بعطفة أباظة المتصلة بعطفتى القيسونى والشيخ عبد الله المتصلتين بشارع محمد على، وبداخلها زاوية تعرف بزاوية القيسونى متخرّبة، وبها ضريحان أحدهما يعرف بالقيسونى والآخر بالشيخ عبد الله، والآن جعلت مكتبا لتعليم الأطفال القرآن الشريف.
وبهذه الحارة أيضا جامع قوصون الذى أخذ بعضه فى شارع محمد على، والآن جار تجديده من جهة ديوان الأوقاف، وله بابان، أحدهما بهذه الحارة، والآخر فى مقابلته بشارع محمد على، وقد تكلمنا عليه فى الجوامع فانظره هناك.
وبها أيضا دار الأمير حافظ باشا، وهى دار كبيرة ذات فناء متسع، وبها بستان صغير وهبها له المرحوم سارى عسكر إبراهيم باشا.
ترجمة السيد إبراهيم الروزنامجى
وفى زمن الفرنساوية كانت هذه الدار فى ملك السيد إبراهيم الروزنامجى، وهو - كما فى الجبرتى - العمدة الشريف السيد إبراهيم أفندى الروزنامجى ابن أخى السيد محمد الكماخى الروزنامجى المتوفى سنة سبع ومائتين وألف، أصله رومى الجنس كان جريجيا، ثم عمل كاتب كشيدة، واستمرّ على ذلك خامل الذكر إلى أن توفى عمه السيد محمد المذكور، فابتدر عثمان أفندى الصباحى المنفصل عن الروزنامجة سابقا يريد العود إليها، فلم تساعده الأقدار، وسأل إبراهيم بيك عن رجل من أهل بيت المتوفى، فذكر له السيد إبراهيم وخموله وعدم تحمله لأعباء ذلك المنصب، فقال لا بد من ذلك قطعا، وطلبه فقلده ذلك، فساس الأمور بالرفق والسير الحسن، واشترى دارا
عظيمة بحارة درب الأغوات، واستمر على ذلك إلى أن وردت الفرنساوية إلى مصر، فخرج مع من خرج هاربا إلى الشام، ثم رجع إلى مصر، ولم يزل بها إلى أن تمرّض ومات سنة ثمانى عشرة ومائتين وألف. (انتهى). وهذه الحارة هى التى عبر عنها المقريزى بحارة المنتجبية، فقال: بلغنى أن رجلا كان يتحجّب لشمس الدين قاضى زاده كان يقول إن هذه الخطة منسوبة لجده منتجب الدولة. (انتهى).
(قلت): وكان عند رأس المنتجبية حارة تعرف بالمنصورية. قال المقريزى: كان موضع المنصورية على يمنة من سلك فى الشارع خارج باب زويلة، وهى إلى جانب الباب الجديد الذى يعرف اليوم بالقوس الذى عند رأس المنتجبية فيما بينها وبين الهلالية. (انتهى).
يعنى أنها كانت على يمين السالك من شارع قصبة رضوان إلى حارة الدالى حسين، وسنتكلم عليها عند الكلام على حارة القربية وما جاورها.
وذكر السخاوى فى كتابه «تحفة الأحباب» عند الكلام على مدرسة إينال المعروفة الآن بجامع إينال الذى بالخيمية أنها فى جنوب الحارة المنصورية. (انتهى). فدلّ ذلك على أن قصبة رضوان والقربية من حقوق الحارة المنصورية.
وذكر المقريزى أيضا عند الكلام على دار التفاح أن موضعها فى القديم من جملة حارة السودان التى هى الحارة المنصورية، ودار التفاح هذه كانت تجاه باب زويلة، فتبين من مجموع ما نقلناه أن القربية وما يتبعها مما على يمنة السالك فى قصبة رضوان هو الحارة المنصورية.
- حارة درب القصير على يمين المارّ بالشارع، وليست نافذة، وبها ضريح سيدى القصيرى، وكان ما بين هذه الحارة وبين عطفة مراد بيك التى بأوّل شارع الحلمية يعرف بخط جامع قوصون، وقبل بناء هذا الجامع كان يعرف بخط خارج الباب الجديد.
- عطفة المحكمة على يمين المارّ بالشارع، ويسلك منها لشارع محمد على، وعلى رأسها سبيل يعلوه مكتب، وبها دار على أغا اليسرجى التى أصلها دار المرحوم خورشد باشا المعروف بأبى طبيخ اشتهر بذلك لحبه التوسعة فى المأكول. مات فقيرا مديونا، وبيعت داره هذه فاشتراها على أغا المذكور.
(قلت): ويظهر أن هذه الدار هى دار السيد إسماعيل بن مصطفى الكماخى الذى ذكره الجبرتى فى ضمن ترجمة المقرئ المحدّث الشيخ عبد القادر بن خليل بن عبد الله، الرومى الأصل المدنى المعروف بكدك زاده، المتوفى سنة سبع وثمانين ومائة وألف. وقال: إن داره بلصق جامع قوصون ولم يكن هناك بلصق الجامع غيرها.
- عطفة العمارة على يمين المارّ بالشارع بجوار حمّام السروجية، وليست نافذة.
- عطفة الحنّاء على يمين المارّ بالشارع، ويسلك منها لشارع محمد على.
وهذا الشارع عامر إلى الآن وبه عدة دكاكين من الجانبين لبيع السروج ونحوها، ووكالة كبيرة من وقف السلطان قايتباى تابعة للأوقاف.
زاوية عباس باشا
وبوسطه زاوية عباس باشا بالقرب من جامع جانم أنشأها المرحوم عباس باشا. وقد اشترى أرضها من مالكها، وبناها، وعمل لها مطهرة وبئرا، وأقام شعائرها، وسبب ذلك أنه أدخل فى بستان سراى الحلمية زاوية كانت بعطفة الحناء فجعل هذه بدلا عنها، ووقف عليها أوقافا منها أربعة حوانيت بجوارها.
جامع جانم البهلوان
وجامع جانم تجاه باب عطفة المحكمة. أنشأه الأمير جانم البهلوان - أحد الأمراء العشرة - فى محل مصلّى الأموات القديم فى سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، وجعله مدرسة، وجعل به خطبة، وبه قبره عليه قبّة مرتفعة، وشعائره مقامة من ريع أوقافه بنظر حسن أفندى عليوه، وتكية السليمانية المعروفة أولا بمدرسة سليمان باشا، عمّرها الأمير سليمان باشا فى سنة عشرين وتسعمائة، وهى عامرة إلى الآن ومعروفة بتكية السليمانية، وقد ذكرناها فى جزء المدارس من هذا الكتاب.
حمّام السروجية
وبه أيضا الحمّام المعروف بحمّام السروجية، وهو بين عطفتى المحكمة والحناء، عرفه المقريزى بحمام قتّال السباع، لأنه عمّره الأمير جمال الدين أقوش المنصورى المعروف بقتّال السباع الموصلى بجانب داره التى هى اليوم جامع قوصون. وأصل بناء هذا الحمام بشكل حمامين، واحد للرجال والآخر للنساء، وكان له بابان أحدهما للرجال والآخر للنساء، ثم لمّا دخل فى وقف أولاد أصيل بعد سنة أربعين ومائتين وألف سدّ ما بين البابين بحائط، وجعل حمامين منفصلين كل واحد على حدته؛ فحمّام النساء اليوم هو الذى داخل عطفة الحنّاء، وحمام الرجال هو الذى بشارع السروجية، وهما عامران إلى الآن، ومستوقدهما واحد، وعليهما حكر لوقف السلطان الأشرف.
القسم السادس عشر: شارع الحلمية
(1)
يبتدئ من آخر شارع السروجية عند تقاطع شارع محمد على، وينتهى لضريح المظفر، وسمى بشارع الحلمية بعد سكن المرحوم عباس باشا حلمى - والى مصر - السراى المنسوبة له التى أنشأها فى محل بيت إبراهيم بيك الكبير وغيره من الأمراء المصريين. وبهذا الشارع عطف وحارات هذا بيانها:
- العطفة الصغيرة على يسار المارّ بالشارع، ويسلك منها لشارع محمد على.
جامع الماس
- عطفة الماس على اليسار، يسلك منها لشارع محمد على، وبها منزل الأمير على باشا إبراهيم:
عرفت بذلك لأن برأسها جامع ألماس، الذى أنشأه الأمير سيف الدين ألماس الحاجب،
(1)
تسمية هذه الجهة بالحلمية: حدثت هذه التسمية سنة 1267 بعد أن بنى عباس حلمى باشا الكبير والى مصر قصره بها، فأمر الشيخ عليا الدرويش شاعره أن يختار لها اسما فاختار عدة أسماء وقع اختيار الوالى منها على (الحلمية) لأنها نسبة للقبه. وكتب الدرويش رسالة فى ذلك وجدتها فى الباب الثالث من ديوانه المطبوع بمصر (ص 422) ونصها:
(وأمر أن يسمّى الخط المعروف بقيسون اسما آخر.
فكتب:)
الخط الذى لاحظته العناية بالعيون، وكان يعرف بخط قيسون. لما استحق الآن. بما لاح عليه من الحسن والإحسان، أن يختار له اسم يليق به عن اسمه القديم. ويوضع له علم يعنون عما أصبح فيه من النعيم المقيم. حيث شرف المكان بالمكين يكون. عدل عن لفظ قيسون القائسون. واستنسبوا إما أن يسمى: أسعد الذات/ 1267 أو ذات الأسعد/ 1267. لمناسبة كون ذات هذا الخط قد صار سعيدا. بعد أن كان ذا قسوة شديدة. أو إشارة إلى أن ذات كبير السعادة تكون هكذا يتراءى بمجرد النظر إليها. أن مشارق السعادة تزهو بما عليها. من الرونق والابتهاج. والزينه والابتلاج. وهذا الاسم يكون تاريخا لعام اثباته اسما لهذا الخط الميمون. ومحو رسم اسمه فلا يدعى بقيسون. أو أن يسمى هذا الخط باسم الحلمية اقتباسا من نور لقبه الحليم العظيم. واقتباسا بمخلصه الذى استخلص هذا الخط من قسوة قيسون القديم. والمراد أن هذه الساحة تشرفت بنسبتها لعظمة اسمه أو لقبه. المحفوف بعناية ربه. وهو المخلص المنسوب للحلم. والفضل والعلم. أو يسمى بموكب التشريف لأن شرفاء الذوات تسير مواكبها. ملتمسه التشريف من رحاب تلك الجهة. وهى سماء عنايات ترعى عيون الأعيان كواكبها.
وكل عزيمة لجانبها متوجهة. فليختار من هذه الأسماء الأوفق. وما تختاره العناية هو الأليق. (انتهى).
[* هكذا تسميه العامة والصواب خط قوصون.] أحمد تيمور
أحد مماليك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتمّ فى سنة ثلاثين وسبعمائة، وهو عامر إلى الآن، وشعائره مقامة من ريع أوقافه، وله بابان أحدهما - وهو الكبير - يفتح على ميدان الحلمية، والثانى داخل الحارة المذكورة، وبه ضريح منشئه، يعلوه قبة مرتفعة، وأوقافه تحت نظر الديوان، ويعمل له مولد كل سنة.
زاوية الشيخ خلف
وبجواره زاوية قديمة بداخلها ضريح يقال له الشيخ خلف، وهى الآن متخرّبة ومجعولة مكتبا لتعليم الأطفال القرآن.
دار الأمير ألماس
ثم يليها دار كبيرة تعرف بدار قوّاص باشا بداخلها جنينة، وهذه الدار هى دار ألماس التى ذكرها المقريزى حيث قال: هى بخط حوض ابن هنس فيما بينه وبين حدرة البقر بجوار جامع ألماس، أنشأها الأمير ألماس الحاجب، واعتنى برخامها عناية كبيرة واستدعى به من البلاد، فلما قتل فى صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بقلع ما فى هذه الدار من الرخام، فقلع جميعه ونقل إلى القلعة، وهى باقية إلى يومنا هذا ينزلها الأمراء. (انتهى).
ثم بعد هذه الدار عطفة تعرف بعطفة الجن، وهى غير نافذة، وبها بيت إسماعيل بيك صبرى، وكانت أولا ضيّقة مظلمة، ومعقود على بابها أحد مساكن الربع الكبير الذى بناه الأمير سيف الدين طغجى الأشرفى صاحب المدرسة الطغجية التى هى الآن زاوية الشيخ عبد الله المجاورة لهذه الحارة من الجهة القبلية، ثم لما اختلّ العقد الذى على بابها، وأزيل صار توسعتها من الجهتين على حسب تنظيم الحارات، وجدّد البيك المذكور داره الموجودة بها، وكذا أصحاب البيوت التى بها، وانقسم الربع قسمين؛ قسم على يمين الداخل صار منزلا مستعملا، وقسم على اليسار باق على أصله إلى الآن.
زاوية الشيخ عبد الله
ثم بعد هذه العطفة زاوية الشيخ عبد الله هى بجوار دارنا بالقرب من ضريح المضفر، كانت خطتها تعرف بحدرة البقر، وكانت متخرّبة واستمرّت كذلك مدة إلى أن جدّدناها مع تجديد دارنا المجاورة لها، وذلك فى سنة إحدى وثمانين ومائتين وألف، وجدّدنا بجوارها حانوتين من أوقافها، وجعلنا لها ماسورة تجلب لها الماء من مجراة وابور المياه، وعملنا بها
حنفية، وأقيمت شعائرها من طرف الأوقاف للآن. وبداخلها قبر يعرف بقبر الست ملكة، وآخر يعرف بالشيخ عبد الله الذى عرفت هذه الزاوية باسمه، ويعمل لهما ليلة كل سنة مع مولد المضفر والسيدة نفيسة رضي الله عنها. وكان أصل هذه الزاوية مدرسة تعرف بالمدرسة الطغجية أنشأها الأمير سيف الدين طغجى الأشرفى، أحد مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون، ولما قتل دفن بها. (انتهى من المقريزى). (قلت): والقبر الموجود الآن بها المسمى عند العامة بالشيخ عبد الله هو قبر الأمير طغجى المذكور، وقد ذكرنا ترجمته عند الكلام على زاوية الشيخ عبد الله، فانظرها هناك.
وهذا وصف جهة اليسار من شارع الحلمية المذكور. وأما جهة اليمين فبأولها:
عطفة مراد بيك
عطفة مراد بيك بداخلها زقاقان؛ أحدهما ليس بنافذ، والآخر يتصل بشارع محمد على. وهذه العطفة من الأزقة القديمة التى ذكرها المقريزى فى ترجمة حمام الدود حيث قال:
هذه الحمّام خارج باب زويلة فى الشارع تجاه زقاق خان حلب بجوار حوض ابن هنس، ثم قال عند الكلام على الحارات: حارة حلب هى خارج باب زويلة تعرف اليوم بزقاق حلب، وكانت قديما من جملة مساكن الأجناد (انتهى). (قلت): وللآن باق اسم حمّام الدود للحمّام الموجود بهذه الخطة. وفى سنة اثنتى عشرة وتسعمائة كانت فى ملك السلطان قايتباى، ومذكور فى حجته أن زقاق حلب تجاهها بجوار حوض ابن هنس بالقرب من المسمط.
(انتهى).
(أقول): ويعلم من هذا أن عطفة مراد بيك هى زقاق حلب لأنها تجاه الحمّام المذكور، وكان بقربها المسمط.
حوض ابن هنس
وأما حوض ابن هنس فهو - كما فى المقريزى - حوض كان بهذه الخطة ترده الدواب وينقل إليه الماء من بئر هناك، وصارت هذه الخطة تعرف به، وهى تلى حارة حلب (قلت): وموضعها الآن من عطفة مراد بيك إلى عطفة الغسّالة التى بآخر ميدان الحلمية، فهذه المسافة كانت تعرف أوّلا بخط حوض ابن هنس. وهذا الحوض وقف الأمير سعد الدين مسعود ابن الأمير بدر الدين بن هنس بن عبد الله - أحد الحجّاب الخاص فى أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب - فى سنة سبع وأربعين وستمائة، وعمل بأعلاه مسجدا معلقا، وساقية ماء
بئر معين. مات يوم السبت عاشر شوال سنة تسع وأربعين وستمائة، ودفن بالقرب من الحوض. (انتهى ملخصا).
(قلت): ويوجد الآن بأوّل عطفة مراد بيك قبر تسميه العامة بالشيخ الأربعين، فهو على غالب الظن قبر ابن هنس المذكور، وأما الحوض فقد زال من زمن مديد، وأما البئر المعينة فغالبا هى الموجودة بمنزل الأمير يعقوب باشا.
تكية القوصونية
وبهذه العطفة الآن تكية تعرف بتكية القوصونية والخلوتية بها قبران، أحدهما يعرف بقبر الشيخ عباس. والثانى يعرف بالشيخ ريحان، وبها أيضا شاهدان من الحجر عليهما كتابة قديمة قد ضاع أغلب حروفها فلم يمكن قراءتها، وبابها لم يزل على هيئة أبواب المدارس القديمة لكن اعتراه بعض تغيير. ويغلب على الظن أن هذه التكية هى المدرسة المهذبية التى ذكرها المقريزى فى المدارس حيث قال: هى بحارة حلب خارج القاهرة. (انتهى).
وقد ذكرناها فى المدارس من كتابنا هذا.
وفى زمن دخول الفرنساوية الديار المصرية كان زقاق حلب المذكور دربا نافذا متصلا بشارع الداوودية والحبّانية، وكان فيه عدة بيوت شهيرة، منها بيت مراد بيك الذى سمى به الزقاق، وكان يشرف على رحبة مربعة طولها يقرب من ستين مترا وكذلك عرضها، وكانت هذه الرحبة بعد خمسين مترا من شارع الحلمية، ومنها بيت إبراهيم بيك شيخ البلد، وكان كبيرا جدا، ومنها منزل ابنه مرزوق بيك، وكان بجوار بيت إبراهيم بيك، والمنازل الثلاثة دخلت فى جنينة الحلمية.
وكان هناك حمّام يعرف بحمّام إبراهيم بيك فى مقابلة بيته، وهو الذى سمّاه المقريزى بحمّام قمارى، ثم عرف أخيرا بحمّام إبراهيم بيك، وبعد هذا الحمّام كانت عطفة الحنا الموجود بعضها هناك الآن، ومنها بيت سليمان بيك الشابورى، وكان بجوار بيت عبد الرحمن بيك الذى سكنه مرزوق بيك بعد موته، وقد دخل أيضا فى جنينة الحلمية، وكان بعد بيت سليمان بيك الشابورى منزل قاسم بيك، وبعضه الآن هو منزل الأمير رستم باشا، وباقيه دخل فى شارع محمد على، وكان من المنازل الكبيرة جدا ممتدا إلى الحبّانية، وكان بجواره من الحبانية حمّام يعرف بحمام قيصون، وكان برسم النساء فقط، وقد زال بالكلية.
ترجمة مراد بيك
(قلت): ومراد بيك المذكور هو - كما فى الجبرتى - الأمير الكبير مراد بيك محمد، وهو من مماليك محمد بيك أبى الذهب، استقرّ فى مشيخة مصر هو وخشداشه إبراهيم بيك
المحمدى، ومات بسوهاج، ودفن بها، وكان موته رابع شهر ذى الحجة سنة خمس عشرة ومائتين وألف. وقد بسطنا ترجمته فى سوهاج عند الكلام عليها
(1)
.
ترجمة إبراهيم بيك الكبير
وأما إبراهيم بيك فهو - كما فى الجبرتى أيضا - الأمير الكبير إبراهيم بيك المحمدى عين أعيان الأمراء الألوف المصريين. مات بدنقلة متغرّبا عن مصر، وجئ بجثته، فدفن بتربة الإمام الشافعى رضي الله عنه.
وكان أصله من مماليك محمد بيك أبى الذهب، تقلّد الإمارة فى سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف فى أيام على بيك الكبير، وتقلّد مشيخة البلد ورياسة مصر بعد موت أستاذه فى سنة تسع وثمانين، مع مشاركة خشداشه مراد بيك كما تقدّم، وطالت أيامه، وتولى قائم مقامية مصر على الوزراء نحو العشر مرات، وطلع أميرا على الحج، وتولى الدفتردارية، واشترى المماليك الكثيرة، وأعتقهم، وأمّر وقلّد منهم صناجق وكشّافا، وأسكنهم الدور الواسعة، وأعطاهم الإقطاعات، ومات الكثير منهم فى حياته، وأقام خلافهم، ورأى أولاد أولاده بل وأولادهم، وما زال يولد له.
وأقام فى الإمارة نحو ثمان وأربعين سنة، وتنعّم فيها وقاسى فى أواخر الأمر شدائد واغترابا عن الأهل والأوطان، وكان موصوفا بالشجاعة والفروسية، وباشر عدة حروب.
وكان ساكن الجأش صبورا، ذا تؤدة وحلم، قريبا للانقياد للحق، متجنبا للهزل إلا نادرا مع الكمال والحشمة، لا يحب سفك الدماء، مرخصا لخشداشيته فى أفاعيلهم، كثير التغافل عن مساويهم، مع معارضتهم له فى أمور كثيرة، خصوصا مرادبيك وأتباعه، فيغضى ويتجاوز ولا يظهر غما ولا تأثرا، حرصا على دوام الألفة وعدم المشاغبة، وإن حدث بينهم ما يوجب وحشة تلافاه وأصلحه. فكان هذا الإهمال سببا لمبادى الشرور، فإنهم تمادوا فى التعدّى وداخلهم الغرور، واستصغروا من عداهم، وامتدّت أيديهم لأخذ أموال التجار وبضائع الفرنج الفرنساوية وغيرهم بدون الثمن مع الحقارة لهم وغيرهم.
ولم يزالوا كذلك إلى أن تحرّك عليهم حسن باشا الجزايرلى فى سنة مائتين وألف، وحضر على الصورة التى حضر فيها، وساعدته الرعية، وخرجوا من المدينة إلى الصعيد، وانتهكت حرمتهم، ثم رجعوا بعد الفصل فى سنة ست ومائتين إلى إمارتهم ودولتهم، وعادوا إلى
(1)
أى فى ج 12، ص 66 (من الطبعة الأولى)، ولم يبسط ترجمته لأنه ترجمه فى ثلاثة أسطر.
(أ. ت)
حالتهم الأولى بل وأزيد منها فى التعدى، فأوجب ذلك ركوب الفرنساوية عليهم، ولم يزل الحال يتزايد والأهوال تتابع، حتى انقلبت أوضاع الديار المصرية، وزالت حرمتها بالكلية، وأدّى الحال بالمترجم إلى الخروج والتشتيت هو ومن بقى من عشيرته إلى بلاد العبيد يزرعون الدخن، ويتقوّتون به وملابسهم القمصان التى تلبسها الجلاّبة فى بلادهم، وبقى كذلك إلى أن وردت الأخبار بموته رحمه الله فى شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف. (انتهى).
وفى زمن المرحوم عباس باشا كان موجودا من ذريته عثمان بيك، وكان ساكنا فى منزله بخط عابدين فمات سنة 1263، وخلّف بنتا تزوجت بأحد الأتراك ثم طلّقها، وتزوّجت بأحد الرعاع ثم طلّقت، وتزوجت غيره. والآن آل أمرها إلى الفقر المدقع، وبيتهم دخل فى ضمن بيت إسماعيل باشا المفتش وكان بجوار الجامع، ثم باق إلى الآن - يعنى سنة 1304 - من ذرية إبراهيم بيك: أحمد بيك ابن نور الدين بيك ابن عديلة هانم بنت إبراهيم بيك.
ترجمة مرزوق بيك
وأما ولده الأمير مرزوق بيك، فإنه قتل فى القلعة مع من قتل من الأمراء المصريين سنة ست وعشرين ومائتين وألف قبل موت أبيه، وأخرجوه من القتلى بعد يومين، وكفّنوه ودفنوه بتربتهم. (انتهى).
ترجمة سليمان بيك الشابورى
وأما سليمان بيك الشابورى فهو - كما فى الجبرتى أيضا - الأمير سليمان بيك المعروف بالشابورى، أصله من مماليك سليمان جاويش القازدغلى خشداش حسن كتخدا الشعراوى، تقلّد الإمارة والصنجقية سنة تسع وستين ومائة وألف، ونفى مع حسن كتخدا المذكور وأحمد جاويش المجنون، وذلك فى سنة ثلاث وسبعين. وفى أيّام على بيك ورد من البلاد الرومية طلب الإمداد من مصر، فأرسل على بيك أحضر المترجم، وقلّده إمارة السفر، فخرج بالعسكر فى موكب على العادة القديمة، وسافر بهم إلى الديار الرومية، وذلك فى سنة ثلاث وثمانين، ورجع بعد مدة، وأقام بطالا محترما مرعى الجانب، وانضم إلى مراد بيك، فكان يجالسه ويسامره. فلما حضر حسن باشا كان هو من جملة المتأمّرين. فلما استقرّ إسماعيل بيك فى إمارة مصر اعتنى به، وقدّمه لكبر سنه. وكان رجلا سليم الباطن لا بأس به. توفى بالطاعون فى سنة خمس ومائتين وألف. (انتهى).
ترجمة قاسم بيك
وأما قاسم بيك المذكور فهو أيضا - كما فى الجبرتى - الأمير قاسم بيك المعروف «بالموسقو» ، كان من مماليك إبراهيم بيك، وكان ليّن الجانب، قليل الأذى، إلا أنه كان شحيحا لا يدفع حقا توجه عليه. ولما مات خشداشه حسن بيك الطحطاوى تزوج بزوجته وشرع فى بناء السبيل المجاور لبيته بحارة قوصون بالقرب من الداوودية، فما قرب إتمامه إلا وقد قدمت الفرنسيس إلى مصر، فخرّبوه وأخذوا عمده، وبقى على حالته مثل ما فعلوا بغيره. مات المترجم بالشام سنة خمس عشرة ومائتين وألف. (انتهى).
ترجمة عبد الرحمن بيك
وأما عبد الرحمن بيك المذكور فهو - كما فى الجبرتى أيضا - الأمير الجليل عبد الرحمن بيك عثمان مملوك عثمان بيك الجرجاوى الذى قتل فى واقعة قرا ميدان أيام حمزة باشا. تقلّد المترجم الصنجقية عوضا عن سيده فكان كفأ لها، وكان متزوجا ببنت الخواجا عثمان حسّون التاجر العظيم المشهور المتوفى أيام الأمير عثمان بيك ذى الفقار، وخلّف منها ولده حسن بيك.
وكان المترجم حسن السيرة، سليم الباطن والعقيدة، محبوب الطباع، جميل الصورة، وجيه الطلعة. وكان محمد بيك أبو الذهب يحبه ويجله ويعظمه، ويقبل قوله، ولا يرد شفاعته.
وكان يميل بطبعه إلى المعارف، ويحب أهل العلم والفضائل، ويجيد لعب الشطرنج. ومن مآثره أنه عمّر جامع أبى هريرة الذى بالجيزة على الصفة التى هو عليها الآن، وبنى بجانبه قصرا، وذلك فى سنة ثمان وثمانين ومائة وألف. ولما أتمه وبيّضه عمل به وليمة عظيمة، وجمع فيها علماء الأزهر فى يوم الجمعة، وبعد انقضاء الصلاة صعد الشيخ على الصعيدى على كرسى، وأملى حديث «من بنى لله مسجدا» بحضرة الجمع.
قال الجبرتى: وقد كنت حررت له المحراب على انحراف القبلة. ثم بعد إملاء الحديث انتقلوا إلى القصر، ومدّت الأسمطة، وبعدها الشربات والطيب، وكان يوما سلطانيا.
توفى - رحمه الله تعالى - فى شعبان بمنزله الذى بقوصون جوار بيت الشابورى، ودفن عند سيده بالقرافة وذلك فى سنة خمس ومائتين وألف.
ترجمة حسن بيك بن عبد الرحمن بيك
ومات فى إثره ولده حسن بيك المذكور، وكان فطنا نجيبا، يكتب الخط الجيّد، ويميل بطبعه إلى الفضائل وذويها، منّزها عما لا يعنيه من النقائص والرذائل عوض الله شبابه الجنة.
(انتهى).
ترجمة إبراهيم بيك الصغير
وإبراهيم بيك المتقدّم الذكر هو غير إبراهيم بيك الصغير لأنه - كما فى الجبرتى - الأمير إبراهيم بيك الصغير المعروف بالوالى، وهو من مماليك محمد بيك أبى الذهب أيضا. تقلّد الزعامة بعد موت أستاذه، ثم تقلّد الإمارة والصنجقية فى أواخر جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف، وهو أخو سليمان بيك المعروف بالأغا. وعند ما كان هو واليا كان أخوه أغات مستحفظان، وأحكام مصر والشرطة بينهما. وفى سنة سبع وتسعين تعصّب عليه مراد بيك وإبراهيم بيك الكبير، وأخرجوه منفيا هو وأخوه سليمان بيك وأيوب بيك الدفتردار، فسافروا إلى جهة قبلى، وكان هناك عثمان بيك الشرقاوى ومصطفى بيك، فاجتمعوا عليهما، وعصى الجميع، فأرسل مراد بيك يطلب عثمان بيك ومصطفى بيك، فأبيا وقالا: لا نرجع إلى مصر إلا بصحبة إخواننا، وإلا فنحن معهم أينما كانوا. فجهّزوا لهم تجريدة، وسافر بها إبراهيم بيك الكبير، فضمّهم وصالحهم، وحضر بصحبة الجميع إلى مصر، فحنق مراد بيك وخرج مغضبا إلى الجيزة، ثم ذهب إلى قبلى، وجرى بينهما ما جرى من إرسال الرسل ومصالحة مراد بيك ورجوعه وإخراج المذكورين ثانيا إلى ناحية القليوبية. وخرج مراد بيك خلفهم، وقبض عليهم ونفاهم، ثم رجعوا إلى مصر بعد خروج مراد بيك إلى قبلى، واستمرّ أمرهم على ما ذكر إلى أن ورد حسن باشا.
وتولى المترجم إمارة الحج سنة مائتين وألف، ولم يسافر به. وصاهر المترجم إبراهيم بيك الكبير، فزوّجه ابنته، ولم يزل فى سيادته وإمارته حتى حضر الفرنساوية، ووصلوا إلى برّ انبابه، ومات هو فى ذلك اليوم غريقا، ولم تظهر له رمة، وذلك يوم السبت سابع صفر سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف. (انتهى).
(قلت): والذى يغلب على الظن أن عطفة الحنا المذكورة هى حارة المصامدة التى ذكرها المقريزى فى خططه، بدليل ما ذكره فى ترجمة جامع قوصون من أنه فى موضع دار كانت بجوار حارة المصامدة، فمنه يعلم أن حارة الحنا هى حارة المصامدة، لأنها الآن هى التى بجوار جامع قوصون. قال المقريزى: وعرفت حارة المصامدة بطائفة المصامدة، إحدى طوائف عساكر الخلفاء الفاطميين، واختطت فى وزارة المأمون البطائحى وخلافة الآمر بأحكام الله بعد سنة خمس عشرة وخمسمائة.
قال: فبنيت الحارة على يسرة الخارج من الباب الجديد، وبنى بجانبها مسجد على زلاقة الباب المذكور. قال: وحذر من بناء شئ قبالتها فى الفضاء الذى بينها وبين بركة الفيل،
لانتفاع الناس بها، وصار ساحل بركة الفيل من المسجد قبالة هذه الحارة إلى حصن دويرة مسعود إلى الباب الجديد. ولم يزل ذلك إلى بعض أيام الخليفة الحافظ لدين الله.
قال: وبنى فى صف هذه الحارة من قبلّيها عدّة دور بحوانيت تحتها إلى أن اتصل البناء بالمساجد الثلاثة الحاكمية المعلّقة، والقنطرة المعروفة بدار ابن طولون، وبعدها بستان ذكر أنه كان من جملة قاعات الدار المذكورة.
قال: وأظن أن المساجد هى التى قبالة حوض الجاولى. قال: وبنى المأمون ظاهره حوضا، وأجرى الماء له، وذلك قبالة مشهد محمد الأصغر ومشهد السيدة سكينة.
قال: وأظن هذا البستان هو الذى بنته شجرة الدر بستانا ودارا وحمّامات قريبا من مشهد السيدة نفيسة.
قال: وأمر المأمون بالنداء فى القاهرة مع مصر ثلاثة أيام بأن من كانت له دار فى الخراب أو مكان يعمّره، ومن عجز عن أن يعمره فليؤجره من غير نقل شئ من أنقاضه، ومن تأخر بعد ذلك فلا حقّ له فى شئ منه ولا حكر يلزمه، وأباح تعمير ذلك جميعه بغير طلب بحق، فعمّره الناس، حتى صار البلدان لا يتخللهما داثر ولا دارس، وبنى فى الشارع، يعنى خارج باب زويلة من الباب الجديد إلى الجبل عرضا، وهو القلعة الآن. قال: وكان الخراب استولى على تلك الأماكن فى زمن المستنصر فى أيام وزارة البازورى، حتى إنه كان بنى حائطا يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا توجه من القاهرة إلى مصر، وبنى حائطا آخر عند جامع ابن طولون. قال: وعمر ذلك حتى صار المتعيشون بالقاهرة والمستخدمون يصلون العشاء الأخيرة بالقاهرة، ويتوجهون إلى مساكنهم فى مصر. (انتهى ملخصا).
الباب الجديد والمساجد الثلاثة الحاكمية
(قلت): ولنبين لك هنا موضع الباب الجديد والمساجد الثلاثة الحاكمية فنقول:
أما الباب الجديد فقد ذكر المقريزى أن الذى أمر بإنشائه خارج باب زويلة هو الحاكم بأمر الله، وذكر أيضا فى ترجمة الحارة المنصورية أنها إلى جانب الباب الجديد الذى يعرف اليوم بالقوس عند رأس المنتجبية فيما بينها وبين الهلالية.
وذكر السخاوى فى كتاب «المزارات» أن تربة زرع النوى عند رأس الهلالية والمنتجبية وسوق الطيور. (انتهى).
وقد تقدّم أن حارة الهلالية موضعها الآن حارة الدالى حسين، والمنتجبية موضعها حارة درب الأغوات، فيكون الباب الجديد موضعه اليوم فيما بين الحارتين أو قريبا منه.
وأما المساجد الثلاثة الحاكمية المعلقة، فالذى أمر بإنشائها هو الحاكم بأمر الله بخط ابن طولون، منها مشهد محمد الأصغر، ومنها المسجد المعروف عند العامة بمسجد الشيخ عبد الرحمن الطولونى الذى عند الخرّاطين، لأن القبر الذى به تزعم العامة أنه قبر الشيخ عبد الرحمن الطولونى فلذلك عرف به.
وأما المسجد الثالث فلم نقف له على أثر، ولعله كان بالقرب منهما ثم زال بالكلية.
ثم بعد عطفة مراد بيك المتقدم ذكرها ميدان الحلمية، وهو ميدان كبير متسع جدا، وكان فى محله عطفتان كبيرتان:
إحداهما كانت بجوار السبيل الموجود إلى الآن، وكانت تعرف بعطفة قرد الملقة، وهى غير نافذة. وكان بها منزلان أحدهما بآخرها، ويعرف بمنزل محمود بيك، وقد دخل فى سراى الحلمية، والثانى يعرف ببيت قرد الملقة، وكان كبيرا جدا وبداخله ساقية وشجرة كبيرة، وكان يعرف أيضا ببيت الشجرة، وقد دخل فى سراى الحلمية أيضا.
والعطفة الثانية كانت تعرف بعطفة المقياس، وهى غير نافذة، وكان بها بيت كبير يعرف ببيت المقياسى، بداخله ساقية كبيرة، وهذه الساقية هى الموجودة الآن فى ميدان الحلمية، وعليها الطرنبة.
وكان هناك درب يعرف بدرب الحمّام تجاه جامع ألماس كان بداخله بيت كبير يعرف ببيت يوسف بيك دخل فى ضمن ما دخل فى سراى الحلمية.
ترجمة الأمير يوسف بيك
ويوسف بيك هذا هو - كما فى الجبرتى - الأمير يوسف بيك الكبير من أمراء محمد بيك أبى الذهب، أمّره فى سنة ست وثمانين ومائة وألف، وزوّجه بأخته، وشرع فى بناء داره على بركة الفيل داخل درب الحمام تجاه جامع ألماس، وكان يسلك إليها من هذا الدرب ومن طريق الشيخ نور الظلام.
وكان هذا الدرب كثير العطف، ضيق المسالك، فأخذ بيوته؛ بعضها شراء، وبعضها غصبا، وجعله طريقا واسعة، وعليها بوابة عظيمة. وأراد أن يجعل أمام داره رحبة متسعة، فعارضه جامع خير بك حديد، فعزم على هدمه ونقله إلى آخر الرحبة.
قال الجبرتى: فسأل والدى، وكان يعتقده، فقال له لا يجوز ذلك، فتركه على حاله، واستمرّ يعمّر فى تلك الدار نحو خمس سنوات. وأخذ بيت الداوودية الذى بجواره، وهدمه جميعه وأدخله فيها. وصرف فى تلك الدار أموالا عظيمة، فكان يبنى الجهة منها حتى يتمها بعد تبليطها وترخيمها بالرخام الدقى الخردة المحكمة الصنعة والسقوف والأخشاب والرواشن
وغيرها، ثم يوسوس له شيطانه فيهدمها إلى آخرها ويبنيها ثانيا على وضع آخر، وهكذا كان دأبه، واتفق أنه ورد له من بلاده القبلية ثمانون ألف إردب غلال، فوزعها كلها على أرباب المؤن فى ثمن الجبس والجير والأحجار والأخشاب وغير ذلك.
وكان فيه حدّة زائدة، وتخليط فى الأمور والحركات، ولا يستقر بالمجلس، بل يقوم ويقعد ويصرخ. ويروق حاله فى بعض الأوقات فيظهر فيه بعض إنسانية، ثم يتغيّر ويتعكر من أدنى شئ.
حادثة الشيخ أحمد صادومة
ولما مات سيده محمد بيك، وتولى إمارة الحج ازداد عتوا وعسفا وانحرافا، خصوصا مع طائفة الفقهاء والمتعممين لأمور نقمها عليهم، منها أن شيخا يسمى الشيخ أحمد صادومة كان مسنّا، وأصله من سمنود، له شهرة وباع طويل فى الروحانيات وتحريك الجمادات والسيميات وغيرها، وكان للشيخ الكفراوى به التئام ومحبة واعتقاد عظيم، وكان يخبر عنه أنه من الأولياء، ويقول إنه الفرد الجامع، ونوّه بشأنه عند الأمراء، وخصوصا محمد بيك أبى الذهب، فراج حال كل منهما بالآخر، فاتفق أن المترجم اختلى بمحظيته، فرأى على سوأتها كتابة فسألها عن ذلك وتهدّدها بالقتل، فأخبرته أن المرأة الفلانية ذهبت بها إلى هذا الشيخ، وهو الذى كتب لها ذلك ليحبّبها إلى سيدها، فنزل فى الحال، وأرسل فقبض على الشيخ صادومة المذكور، وأمر بقتله وإلقائه فى البحر، ففعلوا به ذلك، وأرسل إلى داره، فاحتاط بما فيها، وأخرجوا منها أشياء كثيرة وتماثيل منها تمثال من قطيفة على هيئة الذكر، فأحضروا له تلك الأشياء، فصار يوريها للجالسين عنده والمترددين عليه من الأمراء، ووضع ذلك التمثال بجانبه، فيأخذه بيده ويشير لمن يجلس معه، ويتعجبون ويضحكون، ويقول:
انظروا أفاعيل المشايخ، وعزل الشيخ حسن الكفراوى من إفتاء الشافعية، ورفع عنه وظيفة المحمدية، وأحضر الشيخ أحمد بن يوسف الخليفى، وقرّره عوضا عن الشيخ الكفراوى.
واتفق للمترجم عدة نوادر ووقائع ذكرها الجبرتى، فارجع إليها إن شئت. مات مقتولا سنة إحدى وتسعين ومائة وألف. (انتهى).
(قلت): ويظهر مما ذكره الجبرتى فى هذه الترجمة أن دار يوسف بيك دخلت فى سراى الحلمية أيضا، وأن زاوية النحاس - المعروفة بزاوية الأربعين الموجودة اليوم بلصق سور
(1)
السراى - هى جامع خير بك حديد الذى ذكره الجبرتى فى هذه الترجمة
(2)
.
(1)
فى الطبعة الأولى «صور» والتصحيح لأحمد تيمور.
(2)
فى الجبرتى ج 3 ص 161 تخريب جامع خير بيك ابن حديد الذى بدرب الحمام بقرب بركة الفيل مدة الفرنسيس، فراجعه. وانظر كذلك ج 4 ص 251 من الطبعة الأولى من «الخطط التوفيقية» . (أ. ت)
وفى سنة ست وستين عند حضورى من بلاد فرنسا كلّفنى المرحوم عباس باشا بعمل رسم عن الميدان واصطبل للمعية وعربخانة وقراقول وحبس، وقد صار اشتراء أماكن كثيرة تمتد إلى مقابلة المضفر، فاكتفينا فى الرسم بما هو موجود الآن على ظاهر الأرض، فسبحان من له الدوام والبقاء.
عطفة الغسّال
ثم بعد ميدان الحلمية عطفة الغسّال، وهى على يمين المارّ من الشارع فى نهاية الميدان ويتوصل منها لشارع الشيخ نور الظلام.
وهذا وصف شارع الحلمية قديما وحديثا.
القسم السابع عشر: شارع السيوفية
أوله من ضريح المضفر، وينتهى إلى سبيل أم عباس باشا بأول شارع الصليبة.
شارع المضفر
وبه على يسار المارّ بأوّله شارع المضفر يسلك فيه إلى الرميلة التى عرفت الآن بالمنشية بجوار جامع السلطان حسن. وشارع المضفر هذا هو حدرة البقر المذكورة فى المقريزى غير مرة، فكانت هذه الخطة تعرف أوّلا بحدرة البقر. وإلى الآن هذا الاسم مذكور فى أكثر حجج الأملاك التى بشارع السيوفية.
دار البقر
وفى زمن الناصر محمد بن قلاوون كان بهذا الشارع عمارات جليلة من ضمنها دار البقر التى ذكرها المقريزى، فقال: هذه الدار خارج القاهرة - فيما بين قلعة الجبل وبركة الفيل بالخط الذى يقال له اليوم حدرة البقر - كانت دارا للأبقار التى برسم السواقى السلطانية، ومنشرا للزبل، وفيها ساقية، ثم إن الملك الناصر محمد بن قلاوون أنشأها دارا وإصطبلا، وغرس بها عدّة أشجار، وتولّى عمارتها القاضى كريم الدين عبد الكريم الكبير، فبلغ المصروف عليها ألف ألف درهم. (انتهى).
(قلت): والذى يغلب على الظن أن دار البقر هذه هى التى محلها الآن حوش الجاموس المملوك لعلى أفندى البقلى الحكيم، والبيوت المملوكة لنا التى أنشأناها بلصق بيتنا الكبير الكائن على الشارع. وقبل إنشائها كان فى محلها ساقية غزاوى كبيرة ذات وجوه أربع، أظن أنها هى ساقية دار البقر المذكورة. وكانت هذه الساقية من المبانى السلطانية جميعها بالحجر العجالى الكبير، ما عدا جزء منها يقرب من ثلثها من الأسفل، فإنه نقر فى الحجر. وكان مسطحها يقرب من ألف ذراع معمارى، وكان ارتفاعها فوق أرض الحارة نحو عشرة أمتار. وقد هدمناها وأنشأنا فى مساحتها البيوت المذكورة، وبئرها موجودة إلى الآن فى المسافة التى تركت فرجة للسكان فيما بين البيوت.
(قلت): ولا يبعد أن بيتنا الكبير المتقدّم الذكر كان من ضمن دار البقر أيضا هو والحوش المملوك لنا مع ما جاوره من بيوتنا الموجودة الآن بحرىّ البيت الكبير. وقد وجدنا وقت البناء أن جميع الأرض حصيرة واحدة كلها مدكوكة بالحجر.
قصر يلبغا اليحياوى
وكان فى محل جامع السلطان حسن قصر يلبغا اليحياوى. قال المقريزى: هذا القصر موضعه الآن مدرسة السلطان حسن المطلّة على الرميلة تحت قلعة الجبل. وكان قصرا عظيما أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون - فى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة - ببنائه لسكن الأمير يلبغا اليحياوى، وأن يبنى أيضا قصر يقابله برسم سكنى الأمير ألطنبغا الماردينى، لتزايد رغبته فيهما وعظيم محبته لهما حتى يكونا تجاهه وينظر إليهما من قلعة الجبل، فركب بنفسه إلى حيث سوق الخيل من الرميلة تحت القلعة، وسار إلى حمّام الملك السعيد.
(قلت): وهذا الحمّام هو الذى كان يعرف فى زماننا بحمّام الهنود، وقد هدم عندما أنشأت والدة الخديو إسماعيل البيوت الواقعة خلف قراقول الرميلة - المعروف الآن بقراقول ميدان محمد على.
ثم قال المقريزى: وعيّن إصطبل الأمير أيدغمش أمير أخور، وكان تجاهها، ليعمره هو وما يقابله قصرين متقابلين، ويضاف إليه إصطبل الأمير طاشتمر الساقى، واصطبل الجوق، وأمر الأمير قوصون أن يشترى ما يجاور اصطبله من الأملاك، ويوسّع فى إصطبله، وجعل أمر هذه العمارة إلى الأمير أقبغا عبد الواحد، فوقع الهدم فيما كان بجوار بيت الأمير قوصون وزيد فى الاصطبل، وجعل باب هذا الإصطبل من تجاه باب القلعة المعروف بباب السلسلة.
وأمر السلطان بالنفقة على العمارة من ماله على يد النشو.
وكان للملك الناصر رغبة كبيرة فى العمارة بحيث أنه أفرد لها ديوانا، وبلغ مصروفها فى كل يوم اثنى عشر ألف درهم نقرة، وأقل ما كان يصرف من ديوان العمارة فى اليوم برسم العمارة مبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة. فلما كثر الاهتمام فى بناء القصرين المذكورين، وعظم الاجتهاد فى عمارتها، صار السلطان ينزل من القلعة لكشف العمل، ويستحث على فراغهما.
وأول ما بدئ به قصر يلبغا اليحياوى، فعمل أساسه حصيرة واحدة، انصرف عليها وحدها مبلغ أربعمائة ألف درهم نقرة، ولم يبق فى القاهرة ومصر صانع له تعلّق فى العمارة إلا وعمل فيها، حتى كمل القصر فجاء فى غاية الحسن. وبلغت النفقة عليه أربعمائة ألف ألف درهم وستين ألف درهم نقرة، منها ثمن لازورد خاصة مائة ألف درهم.
فلما كملت العمارة نزل السلطان لرؤيتها، وحضر سائر أمراء الدولة من أول النهار، وأقاموا بالقصر فى أكل وشرب ولهو. وفى آخر النهار أحضرت إليهم التشاريف السلطانية، وكذلك الخلع، وركبوا الخيول المحضرة إليهم من الإصطبل السلطانى، وساروا إلى منازلهم، وما زال هذا القصر باقيا إلى أن هدمه السلطان الملك الناصر حسن، وأنشأ موضعه مدرسته الموجودة الآن. (انتهى ملخصا).
(قلت): ومن فحوى ما تقدّم يفهم أن محل جامع السلطان حسن كان أوّلا إصطبل الأمير أيدغمش أمير أخور وإصطبل طاشتمر الساقى وإصطبل الحوق، فلما أقرّ الملك الناصر بعمل الثلاثة قصرين، واجتهد فى عمارتهما أمر أوّلا بإتمام قصر يلبغا اليحياوى فأتمّه، ولم يتم الثانى ولكن كانت أرضه وما بنى فوقها باقية تحت الإتمام، فجرت حوادث أوجبت عدم الإتمام. ثم لما رغب السلطان حسن بناء جامعه هدم القصر المبنى، وأضاف إليه ما لم يبن، وجعل فوق أرض الاثنين الجامع المذكور.
(قلت): وقد تكلم المقريزى على التقادم التى أهديت والتشاريف التى فرّقت على الأمراء يوم إتمام قصر يلبغا المذكور، وكانت شيئا كثيرا ليس هذا محل بيانه. (انظر خطط المقريزى).
إصطبل قوصون
وأما إصطبل قوصون المذكور فى ضمن ما تقدّم فمحلّه الآن الحوش المعروف بحوش بردق الذى اشترته والدة الخديو إسماعيل، وأنشأت فى قطعة من مساحته عدة منازل قبلى جامع السلطان حسن وخلف قراقول المنشية، وفتح فيه من جهته القبلية شارع يسلك منه من شارع السيوفية إلى المنشية.
(قلت): وقد أطال المقريزى فى ترجمة هذا الإصطبل وأطنب فى وصفه، فذكر أنه كان من الدور الجليلة وسكنه الأمير قوصون مدة حياة الملك الناصر محمد بن قلاوون.
وفى شهر رجب من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة حدثت فتنة كبيرة بين الأمير قوصون وبين الأمراء وكبيرهم أيدغمش أمير أخور، فنادى أيدغمش فى العامة:«عليكم بإصطبل قوصون انهبوه» . هذا وقوصون محصور بقلعة الجبل، فأقبلت العامة وانتهبت ما كان بركاب خاناته وحواصله، وكسروا الأبواب واحتملوا أكياس الذهب ونثروها فى الدهاليز والطرق، وظفروا بجواهر نفيسة وذخائر ملوكية وأمتعة جليلة القدر وأسلحة عظيمة، إلى غير ذلك مما أطال به المقريزى. (اه. ملخصا).
ترجمة الأمير أقبردى
(قلت): وهذا الإصطبل صار يتنقل من مالك إلى آخر حتى انتقل فى ملك الأمير أقبردى الدوادار الكبير، الذى حرفت اسمه العامة وسمته بردق، وهو كما فى «ابن إياس» الأمير أقبردى بن على. كان أميرا جليلا، رئيسا حشما، بشوشا متواضعا، كريما سخىّ النفس، فى سعة من المال، وكان أصله من مماليك السلطان الأشرف قايتباى، ثم ظهر أنه قريبه فدنا منه وقربه ورقّاه فى أيامه إلى منتهى الرياسة. وتولّى عدة وظائف جليلة، منها الدوادارية الكبرى، وأمرية السلاح، والأستدارية، والوزارة، وكاشف الكشّاف. وكان عديل السلطان متزوجا ببنت العلاى على بن خاص بيك أخت خوند الخاصكية. وكان صاحب العقد والحل بالديار المصرية، وكان وافر الحرمة، نافذ الكلمة، شديد العزم، شجاعا بطلا مقداما فى الحرب، جرت عليه شدائد ومحن، ونهبت أمواله مرارا، واستمرّ يحارب مصر بمفرده ثلاث سنين، وتوجّه إلى آخر الصعيد، ثم توجه إلى الشام وحاصرها وكذلك حماة وحلب، ثم توجّه إلى بلاد التركمان، ولم يظفر به أحد، ولم يسلّم نفسه عن عجز، ولا سجن قط، ولا تقيّد كغيره، وآخر الأمر مات على فراشه من غير أن يقتل.
قيل إنه لما دخل حلب وأقام بها اعتراه أكلة فى فمه، وقيل فى وجهه، ورعت فيه حتى مات بحلب ودفن عند سيدى سعد الأنصارى، ثم نقلت جثته إلى القاهرة فى أواخر صفر سنة خمس وتسعمائة، ودفن بتربته التى أنشأها بالصحراء. ومات وله من العمر نحو الخمسين سنة، وكان أسمر اللون، مستدير اللحية، أسود الشعر، غير عبوس الوجه. وكانت الأمراء والسلطان يخشون سطوته. (انتهى).
تكية المولوية
ثم بعد شارع المضفر المتقدم الذكر تكية المولوية، وهى من وقف يوسف سنان، كانت أول أمرها الرباط الذى أنشأه الأمير شمس الدين سنقر السعدى سنة خمس عشرة وسبعمائة بمدرسته المعروفة بالسعدية، التى لم يبق من آثارها الآن إلا الفرن، وقبّة شاهقة متسعة متينة بداخلها أربعة أضرحة، وباب مقصورة فيها ضريح، يقال إنه قبر أحد مشايخ التكية، ومنارة فوق باب تلك المدرسة بجوار القبّة على الشارع.
وهذه التكية عامرة بالدراويش، ولهم بها مساكن، وفيها جنينة، ويعمل بها حضرة كل ليلة جمعة، وإيرادها سنويا سبعون ألفا ومائتان وسبعة وستون قرشا وثلاثون نصفا فضة.
وقد أجرى بها عمارة المرحوم سعيد باشا فى أيام ولايته على الديار المصرية.
ثم بعد التكية باب الشارع المستجدّ الآن المأخوذ من حوش بردق، وهو تجاه حارة الألفى، ويسلك منه إلى المنشية.
زاوية الآبار
ثم بعد هذا الشارع زاوية الآبار، وهى المدرسة البندقدارية التى ذكرها المقريزى حيث قال: هى تجاه المدرسة الفارقانية وحمام الفارقانى، أنشأها الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارى الصالحى النجمى، وجعلها مسجدا لله تعالى وخانقاه، ورتّب فيها صوفية وقرّاء فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة. ومات - رحمه الله تعالى - سنة أربع وثمانين وستمائة، ودفن بقبّة هذه الخانقاه.
وإلى الآن قبره بها ظاهر يزار، وعليه تابوت من الخشب منقوش فيه آيات قرآنية، وقد بسطنا ترجمته عند الكلام على زاوية الآبار فى جزء الزوايا من هذا الكتاب. وقد تخرّبت تلك المدرسة مدة ثم جدّدها ديوان الأوقاف فى زماننا هذا على ماهى عليه الآن، وعرفت بزاوية الآبار، ولها مطهرة ومراحيض، وشعائرها مقامة من جهة الأوقاف.
مدرسة البنات
ثم بعدها مدرسة البنات التى هى دار الأمير طاز ذكرها المقريزى فقال: هذه الدار بجوار المدرسة البندقدارية تجاه حمّام الفارقانى على يمنة من سلك من الصليبة يريد حدرة البقر وباب زويلة، أنشأها الأمير سيف الدين طاز فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وكان موضعها عدّة مساكن هدمها برضا أربابها وبغير رضاهم. وتولّى الأمير منجك عمارتها، وصار يقف عليها بنفسه، حتى كملت، فجاءت قصرا مشيدا وإصطبلا كبيرا، وهى باقية إلى يومنا هذا يسكنها الأمراء. (انتهى ملخصا).
(قلت): وهذه الدار اليوم هى المدرسة المعروفة بمدرسة البنات التى تجاه بيت الأمير عبد الله باشا فكرى. وحمّام الفارقانى المذكورة هى الآن حمّام الألفى الواقعة خلف بيت الأمير المذكور. وكانت هذه الدار قبل جعلها مدرسة جارية فى وقف على أغا أغاة دار السعادة، وكانت الناظرة عليها امرأة تدعى نفوسة. وفى زمن العزيز محمد على باشا أخذت هذه الدار، وجعلت مخزنا للمهمات الحربية، وترتّب للناظرة عليها مائة وخمسة وعشرون قرشا ديوانيا فى كل شهر.
واستمرّت كذلك إلى زمن الخديو إسماعيل، أعنى سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف، ثم رغب فى إنشاء مدرسة لتربية البنات وتعليمهن، وكنت إذ ذاك ناظرا على ديوان الأوقاف والمدارس، فصرت أبحث عن محل يليق لهذا الغرض، فلم أجد أليق من هذه الدار، وكانت قد خليت من المهمات وانقطع راتب الناظرة عنها، فجعلتها مسكنا للفقراء ومربطا للدواب، وكانت وقتئذ متشعثة، ومتخرّبا أغلبها، ولم يتحصل منها إلا ريع قليل، فتكلمت مع الناظرة، مكتبة الأسرة - 2008
وجعلت لها خمسمائة قرش فى كل شهر من جهة المدارس إن تنازلت من نظارتها لديوان الأوقاف فعندما سمعت بذلك رضيت فى الحال، فشر عنا فى عمارتها مدرسة من ذاك الوقت، وتمت على الصورة التى هى عليها الآن، ولم نغير بابها بل بقى على صورته الأصلية، وأصلحنا خلل القاعة والمقعد، وبعض الجهات القابلة للإصلاح وأنشأنا بها البناء القاسم للحوش، وفتحنا الدكاكين القديمة التى كانت بواجهتها فجاءت بحمد الله مدرسة حافلة ومساكن فاخرة، ودخلها نحو مائتى بنت يتعلمن فيها الكتابة وغيرها من الأشغال الدقيقة مثل الخياطة والتطريز ونحو ذلك، وترتب بها الخوجات والمعلمات، وهى عامرة إلى وقتنا هذا، ويعمل بها امتحان فى كل سنة.
ترجمة عبد الله فكرى
ولنذكر هنا نبذة فى ترجمة الأمير الكبير حضرة عبد الله باشا فكرى صاحب البيت المارّ ذكره، فنقول: هو ابن محمد أفندى بليغ ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد. كان جده الشيخ عبد الله المذكور - تغمده الله برحمته - من العلماء المدرسين بالجامع الأزهر من السادة المالكية من بيت علم وصلاح، أخذ العلم عن أجلاّء من مشايخ وقته؛ منهم الشيخ عبد العليم الفيومى البصير بقلبا الشهير بالعلم والبركة والكرامة الموجود مقامه فى زاويته المعروفة به فى الحارة الدويدارية من خط الأزهر رضي الله عنه، وكان مقرئه فى الدرس، ولما دخل الفرنساوية مصر القاهرة رحل إلى منية ابن خصيب من صعيد مصر، فأقام بها مدة ثم عاد إلى القاهرة، واشتغل بقراءة العلم فى الأزهر كما كان، إلى أن توفى بها، ودفن ببستان العلماء من قرافة المجاورين بقرب ضريح الشيخ على العدوى المالكى المعروف بالشيخ الصعيدى.
ونشأ محمد بليغ أفندى ابن الشيخ عبد الله المذكور بالأزهر، وتلقى بعض العلوم والفنون به، ثم بالمدارس الملكية، ومهر فى العلوم الرياضية إلى أن صار من المهندسين، والتحق بخدمة الحكومة، وترقّى فى رتبها إلى أن وصل إلى رتبة صاغقول أغاسى. وتقلّب مع الجنود المصرية فى بعض حروبها خارج ديار مصر، فكان معهم فى غزو بلاد مورة، فأتى منها بوالدة المترجم، ثم رحل بها إلى الحجاز مع الجيوش المصرية، فولد له ولده عبد الله بمكة المشرفة، أدام الله شرفها، ثم رجع إلى القاهرة.
واستمر محمد أفندى فى خدمة الحكومة إلى أن صار باشمهندس الشرقية، وانتقل منها إلى وظيفة مفتش هندسة الجيزة والبحيرة، فتوفى بها بعد قليل فى 29 شوال سة 1261.
وكان حسن الأخلاق، ديّنا صالحا، وتلقى الطريقة الخلوتية الحفنية من طرق السادة الصوفية، وكان له أذكار وأوراد يواظب عليها، ولما مات دفن مع والده.
وكان مولد ابنه عبد الله فكرى باشا فى أوائل شهر ربيع الأول من سنة 1250 من الهجرة ووافق هذا التاريخ جمل قوله تعالى:
«قالَ/ 131 إِنِّي/ 61 عَبْدُ اللهِ/ 142 آتانِيَ/ 462 الْكِتابَ/ 454» (1250)
فلما كبر رقم هذه الآية فى خاتم فختم كتبه به، فكان ذلك من لطائف الاتفاق. ولما ولد بمكة المعظمة كما ذكر وضعه أبوه برهة على عتبة الكعبة المكرمة، وغسل بدنه بماء زمزم تبركا، ثم رجع به إلى مصر صغيرا، ثم توفى عنه والده وهو صغير لم يبلغ الحلم، فنشأ يتيما عند بعض أقرباء أبيه من السادة العلوية، فأتم قراءة القرآن المجيد، وحفظه وجوّده، واستمر.
على قراءته مدة يختمه فى اليومين والثلاثة ختمة، ثم اشتغل بطلب العلم فى الجامع الأزهر وتلقّى العلوم المتداولة به كعلوم العربية والفقه والحديث والتفسير والعقائد والمنطق عن أعلام علمائه؛ كالشيخ إبراهيم السقّاء، والشيخ محمد عليش، والشيخ حسن البلتانى، وغيرهم إلى أن دخل فى خدمة الحكومة بقلم التركى فى الديوان الكتخدائى أوائل جمادى الأولى سنة 1267 بمرتب مائة قرش، واستمر على طلب العلم بالأزهر كل يوم قبل ذهابه إلى الديوان وبعد إبابه منه، إلى أن كثرت أشغاله، فاشتغل بالمطالعة أحيانا وحده. وأحيانا مع شيخه السيد على خليل الأسيوطى.
ثم انتقل من الديوان المذكور إلى المحافظة ثم إلى الداخلية بوظيفة مترجم، إلى أن التحق بالمعية الخديوية أيام حكومة سعيد باشا المرحوم، فاستمرّ بها فى خدمة الكتابة بقلم التركى تارة، وبالعربى تارة، إلى أن توفى سعيد باشا سنة 1279، وخلفه على الحكومة إسماعيل باشا الخديو السابق، فرحل معه إلى الآستانة لما مضى إليها لاستلام تقليد الولاية وأداء الشكر للحضرة السلطانية، ثم حضر معه واستمر فى خدمته بمعيته، وسافر إلى إسلامبول مرارا فى مأمورية الكتابة مع الحرم الخديو والجناب الخديو وبعض مأموريات أخرى، ورقّى إلى رتبة بيك المعروفة بالرتبة الثانية فى أول سنة 1282.
ثم عيّن فى سنة 1284 من طرف الخديو المشار إليه لمأمورية ملاحظة الدروس المشرقية؛ أعنى العربية والتركية والفارسية بمعية أنجاله الأماجد وهم: أفندينا الخديو المعظم توفيق باشا، وأخواه الماجدان حسين باشا وحسن باشا، والأمير المعظم إبراهيم باشا ابن عمهم، والمرحوم طوسون باشا ابن المرحوم سعيد باشا بأمر من الحضرة الخديوية الإسماعيلية، وخطاب من لدنه للحضرة التوفيقية يذكر فيه أنه عيّنه لهذه الوظيفة مع احتياجه لبقائه فى معيته، فآثرهم به لفرط اعتنائه بتقدمهم فى التعلم، ويحثهم على أن يقدروا هذه العناية والرعاية حق قدرها، ويجدوا
ويجتهدوا فى تحصيل العلم، فأقام معهم يباشر أمرهم فى التعليم والتعلم، والتدرج فى الفضل والتقدم، فكان أحيانا يباشر التعليم بنفسه، وأحيانا يقوم بمراقبة غيره من المعلمين، وملاحظة إلقاء الدروس، وتقويم طريقة التعليم.
فلم يزل على ذلك إلى أن ترقى الجناب الخديوى التوفيقى - حرسه الله - إلى رتبة الوزارة والمشيرية، وتوجه إلى دار الخلافة العلية لأداء رسوم الشكر على ذلك للجناب الرفيع السلطانى المعظم، فصحبه المترجم فى التوجه إلى دار السعادة والمقام بها والعودة.
وبعد مدة نقل إلى ديوان المالية سنة 1286، فأقام أياما بغير عمل، ثم عهد إليه النظر فى أمر الكتب الموجودة فى ديوان المحافظة على ذمة الحكومة وإبداء رأيه فيها، فلبث مدة يتردد على ديوان المحافظة، وينظر فى هذه الكتب، ثم قدّم فى أمرها تقريرا مفصلا ضمّنه بيانها وما رآه فى حالها، وذكر فيه أن بقاءها كما هى لا يحسن ولا يصح لما بيّنه من عدم إمكان الانتفاع بها فى تلك الحالة وغير ذلك، وقرّر أنه من اللازم أن تجعل على حالة يتأتى معها انتفاع الناس بها إما بإنشاء محل خاص تحوّل إليه، ويجعل فيه ما فيه الكفاية لها من الدواليب، وتوضع بها على الوضع الموافق، وإما بإحالتها على المدارس لتودع فى المكتبة الجارى إنشاؤها فيها بمعرفة سعادة على مبارك باشا ناظرها إذ ذاك على سعة لا تضيق بهذه الكتب وأمثالها، وأوضح أن الوجه الثانى أولى. وقد حصل ذلك على وجه ما قرّره، وبذلك استنقذت تلك الكتب النفيسة من زوايا الخمول والإهمال والاكتتام، ورفعت على منصات الحسن والزينة والانتظام، ورتبت ترتيبا حسنا فى المكتبة المذكورة، وهى المكتبة الخديوية العمومية الشهيرة فى سراى درب الجماميز.
فلما أنهى هذه المأمورية، وكان المجلس الخصوصى الذى خلفه مجلس النظار فيما بعد مشتغلا بجمع القوانين واللوائح وقراءتها وتنقيحها وتعديلها، فطلب من المالية لأجل ذلك، وسلّمت إليه القوانين واللوائح التركية، فأخذ يشتغل بذلك إلى أن انفصل من الخدمة (فى أوائل رجب سنة 1287)، ورتّب له معاش بقدر ربع استحقاقه، وبقى كذلك إلى آخر السنة المذكورة.
وفى أول سنة 1288 جعل وكيل ديوان المكاتب الأهلية، وكان ناظر الديوان المذكور سعادة على باشا المشار إليه. وفى آخر صفر سنة 1294 رقّى إلى رتبة المتمايز. وفى رجب سنة 1296 صار وكيل نظارة المعارف العمومية، ورقّى إلى رتبة مير ميران، ثم ضمت إليه وظيفة الكاتب الأول بمجلس النواب مع بقاء الوظيفة المتقدمة الذكر.
وفى شهر ربيع الأول سنة 1299 فوضت إليه نظارة المعارف العمومية فى ضمن النظار الذين كان منهم عرابى. وفى رجب سنة 1299 استقال من وظيفته مع باقى النظار الذين كانوا معه بناء على ما حصل حينئذ من الفتنة والاضطراب والخلف بين النظارة والحضرة الخديوية، أثناء الحادثة العسكرية المشهورة.
وفى أواخر السنة المذكورة طلب إلى الضبطية وسجن فى ضمن من سجن ممن اتهموا فى الحادثة المذكورة من الأمراء والعلماء وغيرهم، وأوقف معاشه، وكان قد تكلّم فيه بعض من لا خير فيه من حاسديه بما ليس له أصل ولا ينطبق على حقيقة، فاتهم فيمن اتهم، وتكرر سؤاله واستجوابه فى لجنة التحقيق التى كانت قد فوّض إليها تحقيق تلك الأحوال، فلم يظهر عليه شئ يوجب المؤاخذة، فأفرج عنه، وخرج من السجن، وبقى معاشه موقوفا، وأراد لقاء الحضرة الخديوية فلم ينل، فنظم فى ذلك قصيدة بارعة يمدح بها الجناب الخديوى ويستعطفه، ويتنصل مما افتراه عليه المفترون نحا بها منحى النابغة فى اعتذارياته. وقد اشتهرت، هذه القصيدة وتداولتها الأيدى والألسن مع كونها لم تطبع، وستأتى مع غيرها. ولما عرضت على الجناب الخديوى أجلّها وأحلّها محلها، وسمح له بالمثول بين يديه، وأقبل عليه، ثم أعيد معاشه إليه، فنظم قصيدته التشكرية الطنّانة المشهورة كسابقتها ضمّنها واقعة الحال مع التنصل والشكر، فزادت عن تسعين بيتا، وأشار عليه بعض أصدقائه من كبار الأمراء بالاختصار، فحذف جملة من أبياتها، ثم أشار آخر بعدم مجاوزة العشرة ففعل واقتصر على عشرة أبيات، فى وزنها ورويّها أدمج فيها بيتين، فنّها وهى هذه:
ألا إن شكر الصنع حق لمنعم
…
فشكرا لآلاء الخديو المعظم
مليك له فى الجود فضل ومفخر
…
على كل منهلّ من السحب مرهم
بعيد مجال الشوط فى كل غاية
…
من الفخر، دان للندى والتكرّم
تلافى أمور الملك خوف تلافها
…
بحكمة وضاح من الرأى محكم
فبوّأ ظلّ الأمن كلّ مروّع
…
وروّى بفياض الندى كلّ معدم
وأجرى زلال العدل صفوا نميره
…
ولولا التقى شابته صبغة عندم
وقد حفّنى من فيض نعماه بالرضا
…
وأردفه فضلا بإحسان منعم
وأوردنى من راحه نشوة المنى
…
فلا بدّ لى فى مدحه من ترنم
سأشكره النعماء ما عانقت يدى
…
يراعى أو استولى على منطق فمى
فلا زال محروس الحمى متمتعا
…
مع الخيرة الأشبال فى خير أنعم
(وأما القصيدة الأولى الاستعطافية فهى هذه):
كتابى توجّه وجهة الساحة الكبرى
…
وكبّر إذا وافيت واجتنب الكبرا
وقف خاضعا، واستوهب الإذن، والتمس
…
قبولا، وقبل سدّة الباب لى عشرا
وبلّغ لدى الباب الخديوى حاجة
…
لذى أمل يرجو له البشر والبشرى
لدى باب سمح الراحتين مؤمل
…
صفوح عن الزلات يلتمس العذرا
كريم تودّ السحب فيض بنانه
…
إذا أرسلت أنواء وابلها غزرا
ويستصبح البدر التمام بوجهه
…
فيلحظ عين الشمس من بعده شزرا
ويخجل ضوء الصبح وضّاح رأيه
…
إذا ما ادلهمّ الخطب فى خطة نكرا
تنوء الجبال الراسيات بحلمه
…
إذا طاش ذو جهل لدى غيظه قهرا
عزيز أعزّ الله آية ملكه
…
بتوفيقه حتى أقام به الأمرا
يراقب رحمن السموات قلبه
…
فيرحم من فى الأرض رفقا بهم طرّا
مليكى ومولاى العزيز وسيدى
…
ومن أرتجى آلاء معروفه العمرا
لئن كان أقوام علىّ تقوّلوا
…
بأمر فقد جاءوا بما زوّروا نكرا
وإنّ سعاة السوء أنزل فيهم
…
علينا إله العرش فى ذكره ذكرا
وعلّمنا أن نستبين مقالهم
…
ونأخذ منهم فى مساعيهم الحذرا
وسامهم وسم الفسوق لحكمة
…
قضى حكمها للهجر من قولهم هجرا
حلفت بما بين الحطيم وزمزم
…
وبالباب والميزاب والكعبة الغرّا
وبالروضة القدسية السدّة التى
…
أجلّ لها الرحمن فى ملكه قدرا
وبالزائريها يرتجون مليكهم
…
لما فرّطوا فى العمد والخطا الغفرا
وبالصلوات الخمس يرجى ثوابها
…
وبالصوم يوليه الحفىّ به الشهرا
لما كان لى فى الشرّ باع ولا يد
…
ولا كنت من يبغى مدى عمره الشرا
ولا رمت إلا الصفو والعفو والولا
…
بجهدى لا أمرا أحاوله إمرا
ولكن محتوم المقادير قد جرى
…
بما الله فى أمّ الكتاب له أجرى
فى علم مولاى الكريم خلائقى
…
قديما، وحسبى علمه شاهدا برا
أتذكر يا مولاى حين تقول لى
…
وإنّى لأرجو أن ستنفعنى الذكرى
(أراك تروم النفع للناس فطرة
…
لديك، ولا ترجو لذى نسمة ضرّا)
فذلك دأبى منذ كنت ولم أزل
…
كذاك، ورب البيت يا سيدى أدرى
فإن كنت قد آثرت ما قال قائل
…
ففى عفوك المرجو ما يمحق الوزرا
فعفوا أبا العباس لا زلت قادرا
…
على الأمر. إن العفو من قادر أحرى
ملكت فاسجح وامنح العفو تبتغى
…
زكاة لما أولاك ربك أو شكرا
وهبنى من تقبيل يمناك راحة
…
تمنيتها أرجو بها اليمن واليسرا
وحسبى ما قد مرّ من ضنك أشهر
…
تجرعت فيها الصبر أطعمه مرا
يعادل منها الشهر فى الطول حقبة
…
ويعدل منها اليوم فى طوله شهرا
أيجمل فى دين المروءة أننى
…
أكابد فى أيامك البؤس والعسرا
وأحرم من تقبيل كفّك بعد ما
…
ترامت بى الآمال مستأنسا برّا
ولى فيك آمال ضمينى بنجحها
…
وفاؤك لا أرجو سواك لها ذخرا
وقد مرّ لى فوق الثلاثين حجة
…
بخدمة هذا الملك لم آلها صبرا
أرى الصدق فرضا والعفاف عزيمة
…
ونصح الورى دينا وغشّهم كفرا
وجاوزتها لا لى عقار يفيدنى
…
كفافا ولا فى الكفّ قد أبتغى وفرا
ولو شئت كانت لى زروع وأنعم
…
ومال به الآمال أقتادها قسرا
ولكنها نفس فدتك أبية
…
تعاف الدنايا أن تمرّ بها مرا
فمنّ فقد ألفيت موضع منّة
…
وربك لا ينسى لذى منّة أجرا
فلا زلت مأمولا مرجّى مهنأ
…
بما ترتجيه العام والشهر والدهرا
(وأما التشكرية الطويلة الأصلية فهاهى):
لى الله من عانى الفؤاد متيم
…
ولوع بمغرى بالدلال منعم
وفىّ كما شاء الغرام ولو رمى
…
بى البين غدرا بين أنياب ضيغم
صبور على جور الغرام وعدله
…
شكور على زور الخيال المسلم
وقد عشت عمرا أتقى عادى الهوى
…
وأسحب أذيال الخلى المسلم
ألوم على دين الصبابة أهله
…
وأسخر من حال العميد المتيم
إلى أن رمى قلبى هواك بأسهم
…
تلتها يد البين المشتّ بأسهم
فأصبحت ألحى بالذى كنت لاحيا
…
عليه وأرمى بالذى كنت أرتمى
أعدّ عذاب الحب عذبا وبؤسه
…
نعيما، ومن يبل الصبابة يعلم
بلوت الهوى حتى عرفت صروفه
…
جميعا على الحالين بؤس وأنعم
فلا النأى بى ينأى عن الوجد والهوى
…
ولا القرب بى يدنو لبعض التبرم
نأيت بقلب فى حماك مشيع
…
وعدت بقلب فى ذراك مخيم
فلا يطمع اللاحى بموضع سلوة
…
عن الحب فى أنحاء قلب مقسّم
ولا يدّع الواشى النموم بأننى
…
عصيت الهوى أو رمت طاعة لوّم
جمالك أغرى بالغرام جوانحى
…
وأذكى على الأحشاء نبران مضرم
وألقى إلى أيدى التصابى أزمتى
…
فعاودت بعد الشيب صبوة مغرم
ولذت بأعطاف القريض وطالما
…
رميت ذراه بالقلا والتجهم
ولكننى أزويه عن غير أهله
…
وأهديه مدحا للخديوى المعظم
مليك يردّ الطرف من دون شأوه
…
حسيرا لدى نهج من الحق أقوم
بعيد مجال الشوط فى كل غاية
…
من الفخر دان للندى وللتكرم
قريب منال الصفح عن كل زلّة
…
إذا لاذ ذو جرم بأهداب مندم
إذا اغتنم الغضبان للفتك فرصة
…
رأى هو أن العفو من خير مغنم
وليس كفضل العفو فضل ومفخر
…
ولا سيما من قادر متحكم
رعى الله فى أمر الرعايا يسوسهم
…
مسهّد عين الفكر غير مهوّم
فأمن لذى روع، وروع لمعتد
…
وصون لذى يسر، ويسر لمعدم
مناقب يستعصى على الوصف حصرها
…
وأنّى لباغى العدّ إحصاء أنجم
تدارك أمر الملك غبّ صعائب
…
من الخطب شتى بين فذ وتوأم
فأحكمه بالعزم والحزم وانتضى
…
له نصل مضاء من الرأى مخذم
على حين أمسى الناس فى جنح داجر
…
من الشر مسدول الرفارف مظلم
فأطلع من آرائه كل كوكب
…
يكشف أستار الظلام المخيّم
وسدّ فضاء البحر طمّ عبابه
…
بسود خفاف فى حفافيه جثم
بوارج أمثال البروج تقاذفت
…
بحمر كأمثال الصواعق رجم
بواخر ترمى الشاهقات بمثلها
…
سراعا كأسراب الحمام المحوّم
دوارع يلقين المخاوف، آمنا
…
بها سربها من كل خوف ومرغم
من اللاء لا يتركن حصنا محصنا
…
ولا أنف برج شامخ غير مرغم
يطارحن أسراب المدافع فى الوغى
…
بكل رجيح وزنه غير أخرم
وسالت شعاب الأرض بالجند زاحفا
…
بكل سبوح من كميت وأدهم
يموج به الماذىّ فى كل مأزق
…
كما زخرت أمواج يمّ ميمم
وغشى ضياء الشمس أسود حالك
…
من النقع معقودا بأقتم أسحم
تغيّم منه الأفق والصحو سافر
…
لثاما ووجه الجو غير مغمّ
وأرعدت الأرض السماء وأبرقت
…
بصيّب ودق للمنية ينهمى
وجاوب أصداء البنادق مثلها
…
نداء فما يبقين غير مكلم
ونازع فيها ابن الكروب نديده
…
رسائل ليست للتودّد تنتمى
ولولاك لم ترفع من النصر راية
…
لجند، ولم تفتح مغاليق معصم
بعزمك صال السيف، واشتجر القنا
…
وعبّ عباب الجيش والحرب تحتمى
فلما تداعى الشر واضطربت به
…
قوائم قوم من جبان ومقدم
وأصبح ما بين المهنّد والطلى
…
من القرب أدنى من بنان لمعصم
عفوت، وكان العفو شيمة قادر
…
ولو شئت أشرقت الصوارم بالدم
وشالت بأطراف الرماح جماجم
…
تميد بأعطاف الوشيج المقوم
وشالت بأشلاء الرجال أباطح
…
فأشربن ماء النيل صبغة عندم
وطلّت دماء ما تزال مصونة
…
وطاح برئ تحت أثواب مجرم
أبت ذاك نفس برّة دينها التقى
…
وقلب يخاف الدهر غشيان مأثم
سجية مطبوع على الخير راحم
…
ومن يرج رحمن السموات يرحم
إليك أبا العباس أزجى نجائبا
…
من الشكر لم تعلق بها نار ميسم
كرائم تقفو إثر غرّ كريمة
…
سوالف قدما حزن فضل التقدم
ضممن إلى شرق البسيطة غربها
…
فلم تبق فيها مجهلا غير معلم
فأنت الذى أوليتنى الخير منعما
…
ولست الذى يرضى بكفران منعم
وطوّقتى الآلاء قدما وحادثا
…
وذو الطوق مشغوف بفضل الترنم
وأنت وربى الله مولاى لم أزل
…
إلى خير شعب من ولائك أنتمى
فلا تستمع فى العبد غىّ مفند
…
ركيك أواخى النطق أعجم مفحم
حسود يرى النعماء فى عينه قذى
…
فناظره من طول ما قد رأى عمى
رمانى بهجر القول لا درّ درّه
…
ولو رمت قول الهجر لم يستطع فمى
أأنطق لغوا بعد كل منضد
…
من المدح فى جيد الزمان منظم
تسير به الركبان ما بين منجد
…
وآخر يبغى الغور منهم ومتهم
يزيد على كرّ الحديدين جدة
…
ويصرم عمر العصر غير مصرم
حلفت بما ضم الكتاب وما وعت
…
صحائفه من صادق القول محكم
لقد كذب الواشون فيما سعوا به
…
من الغىّ فى طىّ الحديث المرجم
وقد وسمونى بالذى اتسموا به
…
وما القول إلا لبسة المتكلم
وقد غرّهم إصغاء سمع وراءه
…
فؤاد له عين على كل مبهم
يطالع مكنون الغيوب مسطرا
…
على صفحات الوجه عند التوسم
فيستطلع السر الخفى مؤيدا
…
بنور اليقين المحض لا بالتوهم
ويدرك غبّ الغيب عفوا بحكمة
…
ورأى صواب لا برؤيا مهوّم
فلا يحسب البانى على الزور ما بنى
…
سيلبث إلا قيد وشك التهدم
سيطفئ نار الإفك سيل عرمرم
…
من الصدق مشفوع بسيل عرمرم
ويصدع نور الحق أبلج واضحا
…
فيلوى بليل من دجى المين مظلم
ولو شئت حكمت القوافى بيننا
…
بماضى شباة القول فيهم مصمم
ثقيل على قلب الحسود حديثه
…
خفيف على سمع المسامر والفم
يثير دخان النقع فوق رؤوسهم
…
بنار على الأعداء ذات تضرّم
زعيم بذى ليل من الهجو أليل
…
يشدّ عرى يوم من الذمّ أيوم
ولكننى أنهى اللسان عن الخنى
…
وألوى عنان الأعوجى المقوم
سأضرب صفح القول عنهم نزاهة
…
وأطويه طىّ الأتحمىّ المسهم
وأفزع بالشكوى إلى حكم عادل
…
بصير ببادى أمرهم والمكتم
محيط بما فوق السموات علمه
…
وما تحت أطباق الثرى لا معلم
أليس بكاف عبده وهو قائم
…
على كل نفس بالقضاء المحتمّ
ودون الذى يلقونه من عقابه
…
عدالة طبع الداورى المفخّم
أيستامنى ريب الزمان ظلامة
…
وما زلت بالباب الخديوى أحتمى
أردّ به كيد العدا فى نحورهم
…
وألوى به زند الألدّ المصمم
وقد وضحت شمس النهار لمبصر
…
وأسفر وجه الأفق غير مليثم
ودمّر ما قد شيّدوا كل محكم
…
من الحق مبنى على الصدق مدعّم
وأصبح توفيق من الله مسعدى
…
وحسبى بالتوفيق حصنا لمحتمى
وما زال حصنى فى الخطوب ومعصمى
…
وكفّى إذا بارزت خصمى ومعصمى
سأشكره النعماء ما عانقت يدى
…
يراعى وما استولى على منطق فى
وله فى الجناب الخديوى مديح كثير منه قصيدة التهنئة بتفويض مسند الخديوية إليه، وهى:
اليوم يستقبل الآمال راجيها
…
وينجلى عن سماء العزّ داجيها
وتزدهى مصر والنيل السعيد بها
…
والملك والدين والدنيا وما فيها
قد أطلع الله فى سعد السعود سنى
…
بدر بلألائه ابيضت لياليها
وقام بالأمر رحب الباع مضطلع
…
بالعبء جمّ شؤون النفس ساميها
ذو همة دون أدنى شأوها قصّرت
…
غايات من رام فى أمر يدانيها
وراحة لو تحاكيها السحائب فى
…
فيض الندى هطلت تبرا غواديها
يزهو بها قلم سام يسوس به
…
أمر الأقاليم؛ نائيها ودانيها
يجرى بما شاء من حكم ومن حكم
…
يصبو لحسن معانيها معانيها
ورأفة بعباد الله كافلة
…
بخير ما حدثت نفسا أمانيها
مؤيّد بالهدى والحق، ملتمس
…
رضا البرية لاسترضاء بازيها
تربو على وصف مطريه محاسنه
…
وهل يعدّ نجوم الأفق راعيها
توفيق مصر ومولاها وموئلها
…
وركنها ومفدّاها وفاديها
وغصنها النضر أنمته منابتها
…
من دوحة أينعت فيها مجانيها
خديوها ابن خديويها ابن فارسها
…
أميرها البطل الشهم ابن واليها
رأى الخليفة فية رأى حكمته
…
وللملوك صواب فى مرائيها
رآه أجدر أن يرعى رعيته
…
وأن يقوم بما يرجوه راجيها
وأن ينحى عنها ما أحاط بها
…
من الخطوب التى هالت أهاليها
فجاء مرسومه السامى تطير به
…
نجائب البرق يطوى البر ساريها
لله يوم جلا عن نور غرّته
…
كالشمس مزق برد الغيم ضاحيها
فى موكب مثل عقد الدر فى نسق
…
أو كالنجوم الدرارى فى مساريها
يسير فى مصر والبشرى تسابقه
…
من حيث سار وتسرى فى نواحيها
يحفه أخواه الماجدان به
…
مع الوزير شريف النفس عاليها
مشير صدق بحزم الرأى قد عرفت
…
أفكاره بين باديها وخافيها
لا تنثنى عن صواب الرأى رغبته
…
لرهبة كائنا ما كان راعيها
حتى أتى القلعة الفيحاء فانطلقت
…
فيها المدافع بالبشرى تواليها
واستقبلته صفوف الجند قد نظمت
…
نظم القلائد زانتها لآليها
داعين تعلن ما فى النفس ألسنتهم
…
بدعوة الخير والتأمين تاليها
فتفتخر مصر إعجابا بحاضرها
…
على محاسن ماضيها وآتيها
إيه، لقد أبدت الأيام سرّ منى
…
طالت عليه الليالى فى تماديها
وأسعد الطالع الميمون أنفسنا
…
بخير أمنية كانت تناغيها
هذا الذى كانت الآمال ترقبه
…
دهرا، وتعتده أقصى مراميها
ما زال فى قلب مصر من محبته
…
سر تبوح به نجوى أهاليها
تصبو له، وأمانيها تطاوعها
…
فى حبه، ولياليها تعاصيها
وترتجيه من الرحمن سائلة
…
حتى استجيب بما ترجوه داعيها
فالحمد لله شكرانا لأنعمه
…
فالشكر حافظ نعماه وواقيها
يا ابن الذين لهم فى المجد قد عرفت
…
أخبار صدق، لسان الحمد راويها
قادوا الجنائب من مصر مسوّمة
…
إلى الحجاز؛ إلى أقصى أعاليها
غرّا سوابق مشهورا سوابقها
…
مقرونة بأعاليها عواليها
قباضوا مرّ، كالآرام يكنفها
…
ليوث حرب، بأيديها مواضيها
تموج فى زرد الماذىّ سابحة
…
تحدى بأرجلها عدوا أياديها
رموا بهن صدور البيد معنقة
…
على نحور أعاديها عواديها
قد عوّدوهن أن لا ينثنين عن ال
…
هيجاء إلا إذا كفّت عواديها
وأن يطأن على هام الكماة إذا
…
لفّ الوغى بهواديها تواليها
فاستنقذوا حرم الرحمن من عصب
…
لم يرع حرمة بيت الله راعيها
وأوردوا الخيل نجدا، فاستبوه، ولم
…
تعسر عليها عسير فى مساعيها
وكان تأييدها أمر الخلافة فى
…
مواطن الحرب من جلى معاليها
مولاى، دعوة إخلاص يكررها
…
داع أياديك أرضته أياديها
هنئت علياء قد وافتك خاطبة
…
تختال تيها، وتزهو فى تهاديها
علياء فاتت سموا كل منزلة
…
فلم يكن فى سواها ما يساويها
رأت علاك فشاقتها حلاك فلم
…
تسمح لغيرك من خلّ يخاليها
وكم سمت نحوها نفس تؤملها
…
من قبل، لكنها ضلّت مساعيها
تجاذبوها فرثّت فى أناملهم
…
حبالها، وتمادت فى تنائيها
قضوا غراما، ولم يقضوا بها وطرا
…
فكان أصل مناياهم أمانيها
فاسلم أقرّ بك الرحمن أعينها
…
ولا برحت لها مولى تواليها
وأقرّ سمعك من حلو الثناء حلى
…
يلهو بلحن المثانى صوت شاديها
حلى كما انتظم العقد الفريد على
…
لبّات حسناء تجلوه تراقيها
وهاك غراء من حرّ القريض إذا
…
ما أنشدت خلب الألباب تاليها
وفخرها أنها فى المدح قد صدعت
…
بقول صدق فلا حىّ يلاحيها
يسهو بها الراكب المزجى مطيته
…
عن حاجة راح يغدو فى تقاضيها
يسائل الناس: أى الناس قائلها
…
وأى بربّه الممدوح جازيها
وإنما حسبها برّا وتكرمة
…
منه قبول وإقبال يوافيها
تدرى القصائد أنى لست أقصدها
…
إلا وللحب داع من دواعيها
ولا تجافيت عنها قبل من حصر
…
بحمد ربى ولا ضنّت قوافيها
لكنها نفس حرّ لا تهمّ بما
…
لا يستوى فيه باديها وخافيها
تسعى إليك وفرط الشوق قائدها
…
إلى رخابك والإخلاص حاديها
وافت تهنّئ مولاها مؤرخة
…
توفيق مصر بأيد الله راعيها
596 330 17 66 287 - سنة 1296
وهذا أنموذج من شعره دال على منزلته فى النظم كاف عن غيره. وأما النثر فشهرته فيه معلومة تغنى عن إطالة القول. وكان قد عرف بذلك واشتهر به من زمن عنفوان الشباب، ولم يكن إذ ذاك فى كتاب الحكومة من يجيد النثر إلا أقل من القليل، لا سيّما مع الإلمام بعلوم العربية، وكتب عن سعيد باشا المرحوم فى أيام حكومته جملة كتب إلى بعض الملوك وغيرهم، وعن الجناب الفخيم جناب إسماعيل باشا - خديو مصر السابق - كذلك، وعن لسان والدته الكريمة - رحمة الله عليها - وحرمه المصون إلى الجناب العالى السلطانى جناب السلطان عبد العزيز خان - عليه الرحمة والرضوان - وحرمه المحترم، ووالدته الماجدة، وقضى غالب أيام خدمته للحكومة فى أشغال الكتابة باللغتين التركية والعربية والترجمة من إحدى هاتين اللغتين إلى الأخرى.
ونوّه بفضله كثير من معاصريه منهم الأديب الماهر الناظم الناثر أحمد فارس أفندى - صاحب «الجوائب» - فى الجوائب وغيرها، وذكره فى كتابه «سر الليال» حين تكلم على السجع قال
«وممن برع فيه فى هذا العصر، وحق له به الفخر فى الإنشاءات الديوانية، وهى عندى أوعر مسلكا من المقامات الحريرية، الأديب الأريب الفاضل العبقرى عبد الله بك فكرى المصرى. فلو أدركه صاحب «المثل السائر» لقال كم ترك الأول للآخر، فسبحان المنعم على من يشاء بما شاء. ومن أجلّ تلك النعم الإنشاء». (انتهى كلامه).
وقد أورد جملة من منشآته الفاضل البارع النحرير الشيخ حسين المرصفى فى الجزء الثانى من كتابه «الوسيلة الأدبية للعلوم العربية» . قال فى صحيفة 672 من الجزء المذكور:
«إذا قرأت متأملا حق التأمل ما نقلناه لك من إنشاء ذوى العصور المتتالية عرفت كيف اختلاف مذاهب الناس فى الإنشاء، وإذا يسلك بك التوفيق إلى اختيار طريقة تناسب أحوال
بنى وقتك. وتوافق أفهامهم، إذا دعتك داعية للإنشاء المصنوع هذا، وأنفع ما أراه ينبغى لك أن تتخذه دليلا يرشدك إلى كل وجه جميل من وجوه الفنون التى تحاول فيها أن تكتب الكتابة الصناعية المناسبة لوقتك الذى تأمل أن تعيش فى رضا أهله عنك، واعترافهم بظهور ما يعود منك عليهم نفعه منشآت الأمير الجليل صاحب الوقت، الذى لو تقدم به الزمان لكان له بديعان، ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان، عبد الله فكرى بك أطاب الله أيامه، وأعلى كما نرجوه منه تعالى حيث كان مقامه». إلى آخر ما قاله، وأورد جملة من إنشائه ساقها إلى آخر الكتاب يراجعها فيه من أرادها.
ومن إنشائه «المقامة الفكرية فى المملكة الباطنية» ، وهى مشهورة طبعت غير مرة. ومن إنشائه من كتاب عن لسان مؤلف هذا الكتاب إلى سلطان باشا المرحوم، حين كان مفتش الأقاليم الصعيدية، يستحثه على ترويج «روضة المدارس» - وهى صحيفة علمية استحدثت إذ ذاك فى ديوان المدارس - قال:
«لا يخفى أن تقدّم الأمة فى طريق التمدّن، ورسوخ أقدامها فى ذروة التمكن إنما يكون بواسطة عظمائها وعلمائها وفضلائها ونبلائها، وهذا إنما يمكن الوصول إليه والحصول عليه بنشر آثار بيانهم، واستفادة العامة من استفاضة أنوار أذهانهم، وهذا أيضا لا يتأتى إلا بالوسائل النشرية، أى بوسائط الصحف الدورية العلمية والخبرية، وهذه إنما تستقيم سوقها وتنفق سوقها بواسطة أعيان الأمة الكرام، وترويجهم لها عند الخاص والعام. وهذا كما يقال تشبيب بعده مديح، وتلويح يعقبه توضيح وتصريح، والغرض من هذه الوسائط المتصلة والوسائل المتسلسلة، إنما هو «روضة المدارس» ؛ وهى روضة ابتدئ غراسها، وجنة أنشئ أساسها، فإن ساعدها الإقبال بإقبال سعادتكم عليها وتوجيه نظر أولى العوارف والمعارف إليها رويت بماء الفضل والإفضال وانتعشت بنسمات الكمال والجمال، فعند ذلك تتنوع أشجارها وتتضوع أزهارها وتينع ثمارها، وتثبت أصولها، ويكثر محصولها، وتتّسع مزارعها، وتعم الأمة منافعها. وإن نالها من الإغماض سموم الإدبار، وأصابها من الإعراض إعصار فيه نار، خصوصا وهى قريبة العهد بالوجود، عاطشة لماء الفضل والجود، ذبلت أغصانها، وذوت أفنانها، وانتثرت أوراقها، وسقطت ساقها. وأنتم أولى من يغار للفضل وأسبابه، وينهض ويستنهض غيره لفتح بابه، لا سيّما وإقليم الصعيد أول ما عمر من هذا القطر السعيد، وقد صار والحمد لله سلطان الفضل به ظاهر، وصادف من العناية العلية الخديوية قوة وناصر، والمرتب فيه الآن من «روضة المدارس» نسختان لا غير، وهو أقل من القليل بالنسبة لمن به من أهل الفطنة
ومن إنشائه مقدمة نبذة له فى محاسن آثار الداورى المعظم محمد على الكبير وأخلافه قال:
«بك اللهم نستفتح باب النجاح، ونستمنح أسباب الفلاح، وبالثناء عليك بجلائل أسمائك نستوهب المزيد من جزائل نعمائك، وباستدعاء صلات صلاتك على خير الشفعاء لديك نتقرب به، ونستشفع به إليك، فإنه أكرم الخلق عليك، باسطين على أبوابك أكفّ السؤال، متوسلين إلى جنابك ببضاعة الرجاء، وضراعة الابتهال. أن تديم دولة أمير المؤمنين وأمين أمور المسلمين، خليفة رسولك الأمين على من استرعيته من العالمين، وتعزّ به الملك والدين أبد الآبدين، وأن تمتع بطول الدوام وحصول المرام حضرة عزيز مصرنا وغرّة وجه عصرنا، وتحفظ له أنجاله الأمجاد، وتبلغه من حسن أمرهم ما أراد، وأن تديم توفيقه لما فيه صلاح حالنا ومآلنا، ونجاح أعمالنا وآمالنا، وفوز أوطاننا بأوطارنا، وسمو أقدارنا بأقطارنا، وأن تعين أمراءه وعمّاله وأمناءه على معاضدته فى أعماله الناجحة، ومساعدته على آماله الراجحة وأن توزعنا شكر نعمك، وتودعنا برّ كرمك، وتهدينا سبيل الرشاد، وتوفقنا للخير والسداد كى نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.
وبعد، فلما كان التحدث بالنعمة طاعة، والشكر عليها واجبا على قدر الاستطاعة، كان علينا أن نحلى بنان البراعة، ونطلق فى ميدان البلاغة عنان اليراعة بذكر ما أنعم الله به على هذه الديار السعيدة الجد فى عهد عزيزها الأسعد ووالده الماجد، وجده الأمجد.
وقد أفادت التواريخ العظيمة بإجماعها، وشهدت الآثار القديمة بلسان إبداعها أن هذه الديار كانت فى سالف الأعصار قدوة الأمصار فى المجد والفخار، وكعبة الفضل التى يحجها كل ناجب من كل جانب، ومدينة العلم التى يقصدها كل طالب من الأجانب، ليستفيدوا من أهلها عوارف معارفهم، ويستزيدوا فى طرائف لطائفهم، ويتعلموا عليهم ما لم يكن إلا لديهم من الصنائع العجيبة والبدائع الغريبة، فهم الذين سهّلوا سبل البراعة لسالكيها، وذللّوا أعنة الصناعة لمالكيها، على حين كان غيرها لم ينشق عن صبح المعارف ظلامها، ولا انزاح عن وجه التمدّن لثامها، فكانت مصر أم الدنيا تقدّما وتقديما، وأهلها آباء الناس تربية وتعليما، وكان الكل عيالا عليها، وأطفالا بالنسبة إليها. وناهيك دلالة على فضلها القديم ما حكاه أفلاطون الحكيم أن سولون الفيلسوف الكبير - أحد حكماء اليونان المشاهير - لما قدم إلى مدينة صا الحجر فى إقليم الغربية ليمارس العلوم والمعارف الحكمية، وذلك قبل المسيح عليه السلام بنحو من سبعمائة عام، قال له قسوسها ياسولون إنما أنتم معاشر اليونان بالنسبة إلينا أطفال، ليس فيكم من شيخ يعد فى الرجال
…
إلى آخر ما قال ..
وحسبك من بقاياها ما تراه فى خبايا زواياها من بدائع الأسرار المرموزة فى روائع الآثار المكنوزة، التى سارت بأحاديث فضلها مطايا الأيام فهى نجائب، وعقمت عن إنتاج مثلها حبالى الليالى التى تلد العجائب، فهى أحدوثة الزمان وأعجوبة الإمكان، وبكر الفلك الدائر ويتيمة الدهر الداهر، وقد طالما حاولت يد الزمن الغالب أن تعفى آثارها وطاولت همم المتغلبين عليها من الملوك الأجانب دمارها، فلم تزل منها بقية يغالبهم إفناؤها، ويعاندهم بقاؤها، حتى شلّت عنها أيادى الأعادى، وملّت منها غوادى العوادى، وحتى خضعت لديها أرباب الأفكار العالية، وتقطّعت عليها رقاب الأعصار الخالية، وحتى لقد هرمت الأيام وهى متباهية بشبابها، وتصرّمت الأنام وهى باقية بين أترابها، ناطقة ببراعة عبارتها، شاهدة فى إشارة حسن شارتها، شاهدة لمصر بما لها من قدم المجد المؤيد، وقدم الصدق فى السبق إلى كل سئودد.
على أنها لو جحد الخصم دعواها وهيهات، وطالبها خصمها فى محافل الفخر بإثبات ما فات، لكفاها أن تقيم شاهديها الكريمين من هرميها الهرمين، فيخبرا بما كان من قبل الطوفان، ويشهدا بما علم من فضلها، وما كان من مجد أهلها، وأنهم كانوا أثبت الناس فى التمدّن قدما، وأسبقهم إلى التفنن قدما، وأطولهم فى محاسن الفضائل باعا، وأميلهم إلى محاسن الشمائل طباعا، ثم تناولتها الأيادى المتطلبة وتداولتها الأعادى المتغلبة فندّدوا أهلها، وبدّدوا شملها، وأتلفوا ما استطاعوا من تلك المعالم، وتفنّنوا فى أنواع المظالم، حتى أصبح مزاج الفضل بها فاسدا، وسوق العلم فيها كاسدا، وربع المعالى خاليا، وبيت الأمانى على عرشه خاويا.
ولم تزل كذلك إلى أن انتهت إلى المرحوم محمد على علىّ الشان، سقى الله تعالى ضريحه سحائب الغفران، وأحل روحه رياض الرضوان، فخلّصها من مصاعب المصائب، واستخلصها من نيوب النوائب، وصيّرها موطنه ومأمنه وحماه، ومنع جانبها من صنوف الصروف وحماه، وبذل الجد فى لم شعثها، ولم يأل جهدا فى تسهيل دعتها، وأعاد ما سلب الفقر من نضارة نضارتها، ورد ما غصب الدهر من غضارة حضارتها، حتى زهيت بحسن علاها وحلاها، ونسيت ما كان من بلائها وبلاها
…
إلى آخره».
ومن كلامه مقالة تليت يوم توزيع المكافآت على تلامذة المدارس والمكاتب بحضور الخديو السابق إسماعيل باشا المعظم، تلاها أحد التلامذة بحضوره، وقد جعل فى أثناء المقالة أبياتا مرتبة فى مواضع منها فكلما وصل التالى إلى موضع ترنم بما فيه من النظم جماعة من التلامذة بألحان معجبة وأنغام مطربة. صنع ذلك حسب الاقتراح. والمقالة المذكورة هى هذه قال:
يا مفيض الجود على الوجود، وجامع الناس ليوم مشهود، نحمدك اللهم حمدا يكافئ مزيد نوالك، ونشكرك اللهم شكرا يستتبع دوام أفضالك، ونسألك أن تهدى لسيد الشاكرين وأشرف الأولين والآخرين صلة صلاة تليق بجنابه، وتعمّ جميع آله الكرام وأصحابه:
أزكى صلاة وأسناها يرادفها
…
أزكى سلام على المختار هادينا
وآله الطهر والصحب الأماجد من
…
بهديهم قد أقاموا للهدى دينا
ونتوسل اللهم بهم لديك، باسطين أكف الضراعة إليك، سائلين من فضل كرمك، مستمسكين بحبل نعمك، أن تديم غرّة عصرنا، وقرة عين مصرنا؛ من أعاد لهذه الأوطان العزيزة قديم اشتهارها، وجدّد ما اندرس من معالم افتخارها، وأجرى ما نضب من منابع يسارها، فأضحت تباهى سائر بلاد الدنيا وأمصارها، ونشر أنوار الفنون والمعارف بين أبنائها بما أنشأ من المدارس والمكاتب فى جميع أنحائها، وما صرف من جزيل كرمه عليها، وما عطف من جليل هممه إليها؛ حتى أصبح نور العلم والعدل فى ظل أيامه فاشيا، وظلام الظلم والجهل بحكمة أحكامه متلاشيا:
فى ظل دولة إسماعيل قد ظهرت
…
فى مظهر الشرف الأعلى معالينا
وساعدتنا الليالى، وازدهت فرحا
…
أوطاننا، وسعدنا فى أمانينا
أدامه الله محفوظ الجناب على
…
طول الزمان، وهنّاه المنى فينا
ودام أنجاله فى عز دولته
…
مدى الليالى فهم عز لوادينا
فحق على جميع أهل الوطن الكريم شكر هذا الجناب الخديوى الفخيم على ذلك الخير العظيم والبر العميم، ولا سيما نحن أبناء المدارس الميرية والمكاتب المحلية الأهلية والخيرية، فقد نشأنا فى ظل عدله، وربينا على موائد فضله، وتعلمنا كل ما تعلمنا بحسن إرشاده، وتقدمنا فيما تعلمنا بمساعدته وإسعاده، فنحن صنائع كرمه، وربائب نعمه، وغرس أياديه الكريمة، وثمرات مساعيه الجسيمة. غرسنا فى أرض أفضاله، وسقانا زلال نواله، وتولانا بكامل عنايته، وتعهّدنا بعلى رعايته، وسنكون بمشيئة الله وعونه أرواح نجاح، ونثمر بمنه ويمنه للوطن حسن صلاح وفلاح.
وها هو أدام الله أيامه، وبلّغه من جميع الخير ما رامه شرع يكافئنا على نعمه بنعمه، وشرفنا فى هذا المحفل الباهر بنقل قدمه كرم على كرم ونعمة على نعم. فعلينا من الواجب البيّن وجوب الفرض المتعيّن أن نجعل أيامنا ظرفا لشكر نعمته، وأجسامنا وقفا على حسن خدمته، وألسنتنا مدى الدهر ناطقة بمدحته، وقلوبنا مدة العمر متفقة على طاعته ومحبته، وأن نبذل فى تحصيل رضاه غاية إمكاننا، ونجارى إن شاء الله مقاصده الكريمة فى نفع أوطاننا.
مكتبة الأسرة - 2008
وحق لنا الآن أن نتهادى بيننا علائم التهانى، ونبشّر نفوسنا وأوطاننا بغايات الأمانى، وعلينا أن نعلن بعد شكره وشكر حضرات أنجاله الفخام بالثناء على من شرّفنا فى هذا المقام من حضرات الأمراء العظام وأعلام علماء الإسلام وسائر الحضار الكرام أدام الله معاليهم، وأسعد بهم أيامهم ولياليهم. وعلينا أيضا أن نعترف بحسن اجتهاد رؤسائنا معنا فى التربية والتعليم على وفق مقاصد الجناب الخديوى الفخيم، ونقوم لهم بواجبات الشكر والتكريم، شكر الله أياديهم، وتقبّل مساعيهم، وأعاد لنا وللجميع فى مثل هذه الأيام عيد هذه العادة الحسنة الخديوية كل عام ببقاء ولى النعم الخديو الأفخم - متّعه الله بدوام توفيقه وإقباله، وكامل أشباله الأماجد وأنجاله وسائر ذويه الكرام، وبلّغه غاية المرام:
ندعو له وإله العرش يسمعنا
…
فضلا، ويعلن بالإخلاص داعينا
دعاء صدق إذا الداعى استهلّ به
…
يقول سامعه آمين آمينا».
وآثاره فى الإنشاء كثيرة شهيرة، طبع عدد عديد منها فى أوقاته فى الجر نالات وغيرها، فلنكتف بما أوردناه منها.
ولصاحب الترجمة فى رواية الحديث طرق عديدة وأسانيد سديدة، بعضها أعلى من بعض أجازه بها الأشياخ الأكابر بالسند المتصل كابرا عن كابر، فمن ذلك:
روايته عن العلامة المحقق الشيخ إبراهيم السقا عن أشياخه، كالشيخ ثعيلب، والشيخ الأمير الصغير عن والده الشيخ الأمير الكبير، وغيرهما.
وروايته عن العلامة الورع المتقن المعمّر الشيخ على بن عبد الحق الأقصر الحجاجى القوصى عن الشيخ الأمير الكبير المذكور.
وروايته عن العلامة المدقق السيد على خليل الأسيوطى، عن الشيخ على القوصى المذكور.
وروايته عن الفاضل الكامل الثقة المعمر الشيخ عبد الواحد بن السيد منصور الريانى المتوفى سنة 1279، عن السيد داود، عن السيد المرتضى الزبيدى - محدّث وقته المشهور بعلو السند صاحب «شرح القاموس» وغيره.
وروايته عن الشيخ عبد الواحد المذكور، عن شيخه الشيخ عبد الله الشرقاوى شيخ الجامع الأزهر فى وقته - صاحب «حواشى التحرير» وغيرهما.
وروايته عن السيد على خليل المذكور آنفا عن شيخه الشيخ إبراهيم الباجورى - شيخ الأزهر فيما سبق - عن الشيخ عبد الله الشرقاوى المذكور. وبهذه الطريق يروى بعض المسلسلات المشهورة.
وقد تلقى طرقا من طرق السادة الصوفية رضوان الله عليهم عن أكابر من أفاضل المشايخ الواصلين؛ فمن ذلك طريق السادة الخلوتية عن الحسيب النسيب المجمع على ولايته وكرامته وعلو مكانته الشيخ على حكشة، المدفون عند ضريح السلطان أبى العلا ببولاق، وشاهد صاحب الترجمة كثيرا من كراماته الظاهرة، ومكاشفاته الباهرة، وانتفع على يديه. وتلقى الشيخ على حكشة رضي الله عنه عن شيخه العارف بالله تعالى الولى الكامل الشيخ صالح السباعى، الموجود مقامه عند باب مقام شيخه القطب الكبير الشيخ أحمد الدردير - الشهير بمالك الصغير - عن الشيخ الدردير المذكور، عن مشايخه المذكورين فى كتابه «التحفة» بالسند المتصل إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه وكرّم وجهه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد نظم رجال سلسلة هذه الطريقة فى منظومة له طبعت سابقا، وهى من أول نظمه.
وهذا آخر ما أردنا إيراده من ترجمته فسح الله فى أيام مدته.
وهذا وصف جهة اليسار من شارع السيوفية، وأما من جهة اليمين:
زاوية المضفر
فبها زاوية المضفر عرفت بذلك لأن تجاهها ضريح الشيخ المضفر، وكانت أول أمرها مدرسة أنشأها الأمير حرمان الأبوبكرى المؤيدى، فيها قبره، وقبر الشيخ أسد - كما ذكره السخاوى فى «تحفة الأحباب» - وهى موجودة إلى الآن، ولها منبر وخطبة ومطهرة ومراحيض وبئر، وفيها قبور، وشعائرها مقامة من جهة ورثة المرحوم محمد على باشا.
قلت: وخلف هذه الزاوية حوش كبير كائن بجوار دار حرم المرحوم محمد على باشا من أولاد جنتمكان العزيز محمد على باشا - جد العائلة الحاكمة فى وقتنا هذا - وهذا الحوش ممتد خلف الدكاكين المجاورة للزاوية من الجهة البحرية التى أمام بيتنا إلى قريب من بيت الأسطى محمد الشكلى الخيّاط الذى تجاه بيتنا المذكور.
وقد شاهدت عند هدم تلك الدكاكين وهدم مساكن الحوش أساسات ممتدة إلى الزاوية، ومتصلة بها، وشاهدت أيضا بعض بوائك كانت داخلة فى ضمن بعض المساكن، وهى بالحجر الفص الكبير تدل على أنها بعض آثار المدرسة الأبوبكرية المذكورة، ويظهر أن الأيدى تسلطت مع الزمن على هذه المدرسة، فصارت ضمن الحوش ولم يبق منها إلا الزاوية الموجودة الآن.
دار السلطان طومان باى
ثم وفى قبلى هذه الزاوية خلف دار المرحوم محمد على باشا المتقدم ذكرها والدار المجاورة لها والحوش الذى هناك تجاه تكية المولوية دار كبيرة متخربة كانت أولا من الدور الشهيرة، وكانت فى ملك السلطان طومان باى - قريب السلطان الغورى - ثم سكنها السلطان سليم بعد فتح مصر ورجوعه من الإسكندرية، وبقى ساكنا بها إلى أن خرج متوجها إلى البلاد الرومية فى ثلاث وعشرين من شعبان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ثم انتقلت إلى ملك سنان باشا الدفتدار، ثم إلى ملك محمد بيك عجم زاده.
وبيان ذلك أن ابن إياس وغيره ذكر أن السلطان سليم سكن فى دار طومان باى بعد أن انتقل من المقياس. وذكر أبو السرور البكرى فى خططه أن السلطان سليم تحول إلى البيت المطل على بركة الفيل المعروف الآن ببيت عجم زاده. وفى حجة مصطفى أغا ابن عبد الرحيم - أغا دار السعادة - أن دار عجم زاده هى دار طومان باى التى بزقاق حلب. والزقاق موجود إلى الآن لكن ليس له اسم. (انتهى ملخصا).
قلت: فنتج من هذا كله أن دار طومان باى قد انتقلت إلى ملك سنان باشا وإلى ملك عجم زاده، كما هو ظاهر مما تقدّم، وهى موجودة إلى الآن إلا أنها متخربة.
ضريح المضفر
وأما ضريح الشيخ المضفر المذكور فقد هدمناه عند بناء بيتنا، وجدّدناه، ولكن لم نغير قبته، وجعلنا له كل سنة مولدا ليلتين مع مولد السيدة نفيسة رضي الله عنها والظاهر أن بهذا الضريح رأس سنجر الذى ذكره السخاوى.
ترجمة المضفر
وأما المضفر فهو - كما فى المقريزى - الملك المظفر سيف الدين قطز، تسلطن فى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة، وأخرج المنصور بن المعز أيبك وأمه إلى بلاد الأشكرى، وقبض على عدة من الأمراء، وسار فأوقع بجمع هولاكو على عين جالوت، وهزمهم فى يوم الجمعة خامس عشرى رمضان سنة ثمان وخمسين، وقتل منهم وأسر كثيرا، بعد ما ملكوا بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم بالله عبد الله، وأزالوا دولة بنى العباس، وخرّبوا بغداد، وديار بكر، وحلب، ونازلوا دمشق فملكوها، فكانت هذه الواقعة أول هزيمة عرفت للتتر منذ قاموا.
ودخل المظفر قطز إلى دمشق، وعاد منها يريد مصر، فقتله الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى قريبا من المنزلة الصالحية فى يوم السبت نصف ذى القعدة منها. فكانت مدته سنة تنقص ثلاثة عشر يوما. (انتهى).
حارة الألفى
ثم بعد زاوية المضفر حارة الألفى، يسلك منها لشارع الشيخ نور الظلام، ولسكة درب جميزة الذى بشارع الصليبة. وفى القرن الحادى عشر كانت تعرف هذه الحارة بزقاق حلب كما هو مذكور فى حجة مصطفى أغا ابن عبد الرحيم أغا دار السعادة.
قلت: وهى من حقوق درب ابن البابا الذى ذكره المقريزى فى الأخطاط حيث قال:
هذا الخط يتوصل إليه من تجاه المدرسة البندقدارية بجوار حمّام الفارقانى، ويسلك فيه إلى خط واسع يشتمل على عدة مساكن جليلة، ويتوصل منه إلى الجامع الطولونى، وخط قناطر السباع وغير ذلك.
قلت: وهو الآن من أعمر أخطاط القاهرة، وبه كثير من منازل الأمراء والأعيان، وكان فى الأصل بستانا يعرف ببستان أبى الحسين بن مرشد الطائى، ثم عرف ببستان نامش، ثم عرف أخيرا ببستان سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، ثم حكره أمير يعرف بعلم الدين الغتمى، فبنى الناس فيه الدور فى الدولة التركية وصار يعرف بحكر الغتمى، ثم عرف أخيرا بدرب ابن البابا.
وكان هذا البستان يشرف على بركة الفيل، وله دهاليز واسعة عليها جواسق تنظر إلى الجهات الأربع، ويقابله حيث الدرب الآن المدرسة البندقدارية، وما فى صفّها إلى الصليبة بستان يعرف ببستان الوزير ابن المغربى، وفيه حمّام مليحة.
ويتصل ببستان ابن المغربى بستان عرف أخيرا ببستان شجرة الدر، وهو حيث الآن سكن الخلفاء بالقرب من مشهد السيدة نفيسة، ويتصل ببستان شجرة الدربساتين إلى حيث الموضع المعروف اليوم بالكبارة من مصر. (انتهى ملخصا).
والحمّام المذكورة هنا هى حمّام الصليبة.
زاوية الفرقانى
ثم بعد حارة الألفى زاوية الفرقانى، وهى على رأس الحارة تجاه زاوية الآبار، معلّقة يصعد إليها بدرج، وكانت أول أمرها مدرسة تعرف بالفرقانية، بناها هى والحمّام الآتى بعدها - المعروف بحمّام الألفى - الأمير ركن الدين بيبرس الفارقانى، وهو غير الفارقانى
المنسوبة إليه المدرسة الفارقانية التى بحارة الوزيرية - كما فى المقريزى - وبها منبر وخطبة وحنفية، وشعائرها مقامة من ريع أوقافها.
حمام الألفى
ثم حمّام الألفى المذكور، وهو وقف الست الألفية، معدّ للرجال والنساء.
عطفة مراد باشا
ثم عطفة مراد باشا عن يمين المارّ بالشارع أيضا، وليست نافذة، عرفت بالمرحوم مراد باشا لأن بها داره، وهى كبيرة، وعلى رأسها دار الأمير طلعت باشا، وهى كبيرة أيضا وبها جنينة متسعة.
قلت: وبهذا الشارع سبيلان عامران:
- أحدهما يعرف بسبيل مصطفى أغا لأنه أنشأه مصطفى أغا ابن عبد الرحيم - أغا دار السعادة - وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال القرآن الشريف وذلك سنة اثنتين وثلاثين وألف، ومذكور فى وقفيته أنه أنشأ المكان المستجدّ الإنشاء بخط الصليبة الشيخونية بحدرة البقر تجاه المولوية، وبه جنينة بحرية تطل على زقاق حلب تجاه منزل سنان بيك الدفتدار، ثم صار سكن محمد بيك عجم زاده وأنشأ المكان المجاور له أيضا.
قلت: فعلم من هذا أن السبيل والمكان المجاور له المجعول الآن حوشا لسكن الحدادين وغيرهم ومنزل حرم محمد على باشا هو من إنشاء مصطفى أغا المذكور.
- والثانى يعرف بسبيل على أغا لأنه أنشأه، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأيتام وذلك سنة ثمان وثمانين وألف.
وهما عامران إلى الآن من جهة الأوقاف.
قلت: وعلى أغا هذا هو على - أغا دار السعادة - ومن أوقافه البيت الكبير المجعول الآن مدرسة للبنات - كما تقدّم - ومنزل حرم المرحوم محمد على باشا ومنزل الأمير رياض باشا الذى تجاه المدرسة البشرية - المعروفة بزاوية الشيخ نور الظلام - الكائنة بدرب الخادم، كما هو مذكور فى كتاب وقفيته المؤرخ بسنة سبعين وألف المحفوظ بدفترخانة الأوقاف، ويعلم منها أيضا أن المنزل الكبير المجاور لمنزل الأمير رياض باشا من الجهة القبلية كان منزل قانصوه بيك. (انتهى).
وهذا وصف شارع السيوفية قديما وحديثا.
القسم الثامن عشر: شارع الركبية
أوله من سبيل أم عباس عند مقطع شارع الصليبة، وينتهى إلى أول شارع الخليفة بالقرب من درب الحصر، وبه عطف ودروب كهذا البيان:
عطفة الحكيم عن يسار المارّ، وهى غير نافذة.
عطفة البهلوان عن اليسار، وليست نافذة أيضا.
وأما جهة اليمين فبها:
عطفة المغاربة بجوار ضريح سيدى أحمد، وهى غير نافذة.
درب المرعاوى عن يمين المارّ بالشارع، وليس بنافذ. عرف بذلك لأن به ضريح الشيخ المرعاوى، وبقربه ضريح آخر يعرف بالأربعين.
وبهذا الشارع فى وقتنا هذا جملة دكاكين من الجانبين لبيع اللحم والخضراوات وغير ذلك، وبه زاويتان: إحداهما تعرف بزاوية مصطفى بيك طبطباى، شعائرها غير مقامة لتخربها.
والثانية تعرف بزاوية بابا يحيى، شعائرها مقامة، وبها قبر لؤلؤ الخازندار، وقبر آخر يعرف بقبر إسماعيل الجزار، ولها مرتب بالروزنامجة نحو السبعة قروش شهريا.
وبه أيضا سبيل أنشأه مصطفى بيك طبطباى المذكور فى سنة ست وأربعين وألف، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال القرآن الشريف، وهو الآن متخرب. والناظر على هذا السبيل والزاويتين رجل يدعى محمد أفندى نور.
وبهذا الشارع أيضا أربعة أضرحة: أحدها يعرف بضريح سيدى جوهر، والثانى بضريح سيدى محمود الكردى، والثالث بضريح سيدى النجشى، والرابع بضريح الشيخ الفردونى، ووكالة تعرف بوكالة حسن باشا طاهر، لأنها من وقفه، وهى معدة للسكنى.
القسم التاسع عشر: شارع الخليفة
ويقال له شارع السيدة سكينة. أوله من باب درب الحصر، وينتهى إلى تكية السيدة رقية، وبه دروب وعطف وحارات كهذا البيان:
درب الكحالة عن يسار المارّ، وليس بنافذ.
العطفة الصغيرة عن اليسار، وليست نافذة.
شارع المشرقى عن اليسار وسيأتى بيانه.
درب الجامع بجوار مسجد سيدى محمد الخليفة، وهو غير نافذ.
هذه جهة اليسار من الشارع المذكور وأما جهة اليمين فبها:
حارة الغنم يسلك منها لشارع الخضيرى، وللدرب المسدود، ولحارة العبيد.
الدرب المسدود يسلك منه لحارة الغنم، ولحارة العبيد، ولدرب المشّاطة.
زاوية العادلى
وبدرب المشاطة هذا زاوية بها ضريح يعرف بضريح الشيخ تاج الدين العادلى، يعمل له مولد كل سنة.
زاوية سيدى منصور
وأخرى تعرف بزاوية سيدى منصور.
ترجمة شرف الدين العادلى
(قلت): ويغلب على الظن أن هاتين الزاويتين هما اللتان ذكرهما السخاوى فى كتاب «المزارات» حيث قال: إن الأولى مدفون بها الشيخ العارف الصالح القدوة شيخ مشايخ السادة الصوفية شرف الدين عمر العادلى القادرى الشافعى. كان من علماء مشايخ الطريق، وصنّف كتابا سماه «منهاج الطريق وسراج التحقيق» جمع فيه أسماء المشايخ الذين أخذ عنهم،
وهم أربعون شيخا من مشايخ مشاهر الأولياء، وبين طريقهم فيه، وكيفية الوصول إليهم خلفا عن سلف، وأكثر عن قاضى القضاة عز الدين ابن جماعة، وكان بزىّ الجند ثم تزيّى بزى الفقراء، وصحب القادرية. مات سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ودفن بزاويته. ثم قال:
وهناك قبر الشيخ بلال البرهانى، وقبر الشيخ محمد النحات، وقبر الشيخ محمد السلاوى.
(انتهى).
ترجمة الشيخ عمر بن إبراهيم بن على الكردى
والثانية مدفون بها الشيخ الصالح العارف ناهض الدين أبو حفص عمر بن إبراهيم بن على الكردى - نفعنا الله ببركاته - هو من أهل السلوك والمجاهدات، توفى - رحمه الله تعالى - يوم الاثنين بعد الزوال الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة. قال الحافظ شرف الدين العادلى: إنه أخذ عنه، وأخذ العهد عليه بزاويته هذه التى دفن بها، ثم قال: والشيخ عمر هذا قد صحب الشيخ الصالح أبا عبد الله محمد المعروف بابن الحاج الفاسى، وهو صحب الشيخ العارف بالله تعالى محمد الزيات، وقيل أبو الحسن الزيات.
(اه. من كتاب «المزارات» للسخاوى).
ثم وبالدرب المسدود المتقدّم الذكر أربع عطف وخوخة:
الأولى عطفة صغيرة غير نافذة.
الثانية غير نافذة أيضا.
الثالثة عطفة تعرف بعطفة حنفى وهى غير نافذة.
الرابعة عطفة تعرف بعطفة الفقيه، وليست نافذة.
خوخة أبى يوسف
الخامسة الخوخة المعروفة بخوخة أبى يوسف، وهى عن يمين المارّ، وبالقرب منها زاوية تعرف بزاوية الشيخ يوسف، لأن بها ضريحا يعرف بالشيخ يوسف، تعمل له ليلة كل سنة، وشعائرها غير مقامة لتخرّبها. وبقربها ضريح يعرف بضريح الشيخ محمد البنا، تعمل له حضرة كل ليلة خميس، ومولد كل سنة.
مشهد السيدة سكينة رضي الله عنها
وبوسط شارع الخليفة المذكور الجامع المعروف بمشهد السيدة سكينة رضي الله عنها الذى جدّده الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، ثم أجرى فيه المرحوم
عباس باشا عمارة جليلة، وهو من الجوامع الشهيرة، وبه ضريح السيدة سكينة رضي الله عنها يقصد بالزيارة، وتعمل به حضرة كل ليلة خميس، ومولد كل عام. وبالجهة البحرية الشرقية لهذا الجامع حارة تعرف بحارة البحر والنهر، لأن بها ضريحين: أحدهما لزين الدين بن إبراهيم الفقيه الحنفى صاحب كتاب «البحر فى فقه الحنفية» ، والآخر لأخيه عمر إبراهيم صاحب كتاب «النهر فى فقه الحنفية» أيضا، ولضريحيهما باب من الجامع المذكور.
ترجمة الرباب بنت امرئ القيس
وذكر صاحب كتاب «نور الأبصار» ما ملخصه أن أم السيدة سكينة هى الرباب بنت امرئ القيس بن عدى بن أوس الكلبى. كان نصرانيا، فجاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعا له برمح، وعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة، فتولّى قبل أن يصلى صلاة، وما أمسى حتى خطب منه الحسين بنته الرباب، فزوّجه إياها، فأولدها عبد الله وسكينة وسكينة.
وكانت الرباب من خيار النساء وأفضلهن، وخطبت بعد قتل الحسين رضي الله عنه فقالت:«ما كنت لأتخذ حما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وبقيت بعده سنة لا يظلها سقف بيت إلى أن ماتت رحمها الله.
ترجمة السيدة سكينة
وكانت سكينة سيدة نساء عصرها، ومن أجمل النساء وأظرفهن، وأحسنهن أخلاقا، وتزوجها مصعب بن الزبير، فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم ابن حزام، فولدت له قريبا، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، وفارقها قبل الدخول، ثم تزوجها زين بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل.
والطرة السكينية منسوبة إليها، وكانت أحسن الناس شعرا، وكانت تصفّف جمتّها تصفيفا لم ير أحسن منه، حتى عرف ذلك، وكانت تلك الجمة تسمى السكينية. وكان عمر ابن عبد العزيز إذا وجد رجلا يصفّف جمته السكينية جلده وحلقه.
وكان منزلها مألف الأدباء والشعراء. توفيت بمكة يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة ست وعشرين ومائة، وصلى عليها شبيه بن النطاح المقرئ. وفى ابن خلكان توفيت سنة سبع عشرة ومائة، وكانت وفاتها بالمدينة. والأكثرون على أن وفاتها بالمدينة، وفى طبقات الشعرانى أنها مدفونة بالمراغة بقرب السيدة نفيسة، ومثله فى طبقات المناوى، والأصح أنها دفنت بالمدينة. (انتهى).
مسجد سيدى محمد الأنور
وبقرب جامع السيدة سكينة جامع سيدى محمد الأنور، وهو مسجد صغير منقوش على بابه تاريخ عمارة مستجدة سنة خمس وتسعين ومائة وألف، وشعائره مقامة، ويعمل به مولد فى كل سنة. وذكر السخاوى فى كتابه «تحفة الأحباب» أنه يعرف بمشهد محمد الأصغر، وبعضهم يقول إنه ابن زين العابدين، ولم يذكر أحد من علماء النسب أن زين العابدين تخلّف بعده ولد اسمه محمد الأصغر، وإنما خلّف محمدا الباقر وزيدا الأزدى وعمرا وعليا الأصغر والحسين. وقال العبيدلى النسّابة: هذا المشهد من مشاهد الرؤيا. (انتهى).
جامع الخليفة
وجامع الخليفة - المعروف الآن بمسجد شجرة الدر - وهو فى مقابلة تكية السيدة رقية جدّده الشيخ مرزوق الفرّاش سنة أربع وتسعين ومائتين وألف، وشعائره مقامة، وبداخله ضريحان؛ أحدهما ضريح شجرة الدر، والآخر ضريح سيدى محمد الخليفة العباسى، الذى عرف الخط باسمه.
تكية السيدة رقية
ثم بعد هذا الجامع التكية المعروفة بتكية السيدة رقية، وهى فى غاية الخفة والنورانية، وبداخلها ضريح السيدة رقية، يعلوه قبة لطيفة، وبقربه عدة أضرحة. ويوجد بها قبلة مصنوعة من خشب بنقوش غريبة فى غاية الإتقان والصنعة. وهناك مساكن للصوفية، وحنفيات للوضوء، وجنينة صغيرة، ويعمل للسيدة رقية مقرأ وحضرة فى كل أسبوع، ومولد فى كل عام.
وذكر صاحب كتاب «نور الأبصار» أن أم السيدة رقية هى أم حبيب الصهباء التغلبية أم ولد، كانت من سبى الردة الذى أغار عليه سيدنا خالد بن الوليد بعين التمر، فاشتراها سيدنا على رضي الله عنه من سيدنا خالد، فعمر الأكبر شقيق رقية، وفى «الفصول المهمة» كانا توأمين، وعمر «عمر» هذا خمسا وثمانين سنة، وحاز نصف ميراث علىّ رضي الله عنه وذلك أن إخوته أشقاء، وهم عبد الله، وجعفر، وعثمان قتلوا مع الحسين بالطف، فورثهم. وفى الباب العاشر من «المنن» للشعرانى قال: وأخبرنى الخواص أن رقية بنت الإمام على - كرّم الله وجهه - فى المشهد القريب من جامع دار الخليفة أمير المؤمنين، ومعها جماعة من أهل البيت، وهو معروف بجامع شجرة الدر.
وهذا الجامع على يسار الطالب للسيدة نفيسة، والمكان الذى فيه السيدة رقية عن يمينه.
وقيل إن للسيدة رقية ضريحا بدمشق الشام. (انتهى).
وذكر صاحب «مصباح الدياجى» المعروف بابن عين الفضلاء ما نصه:
«قال عبيد الله بن سعيد: بعث لى الحافظ عبد المجيد فى الليل، فجئت مع الذى دعانى له، فقلت له: ما تريد؟ فقال: رأيت مناما، فقلت: ما هو؟ قال: رأيت امرأة متلففة، فقلت:
من أنت؟ قالت: بنت على رقية: فجاءوا بنا إلى هذا الموضع، فلم نجد به قبرا، فأمر ببناء هذا المشهد، فبنى وهو مكان عرف بإجابة الدعاء».
وذكر الحافظ السلفى وفاة على بن أبى طالب، وعدّ له من الأولاد ثلاثين ولدا، وعدّ رقية منهم. ورقية هذه من الصهباء، وقيل لها رقية الصغرى من أسماء بنت عميس الخثعمية.
ثم قال: وإذا خرجت من مشهد رقية، وأخذت يمينا وجدت قبّة قديمة حسنة البناء مكتوبا عليها أم محمد بنت محمد بن الهيثم. قال المسبحى: تزوجها عبد الله بن جعفر. (اه).
(قلت): ويظهر من هذا أن هذه القبة محلها الآن زاوية الغباشى التى بشارع الشيخ كشك، وقد تكلمنا عليها هناك.
حمّام الخليفة
ثم وبشارع الخليفة أيضا حمّام يعرف بحمّام السيدة سكينة، لأنه فى مقابلة باب مسجدها القبلى، ويعرف أيضا بحمّام الخليفة لأنه من الحمامات القديمة المبنية فى زمنه، وهو عامر إلى الآن يدخله الرجال والنساء.
وسبيل يعرف بسبيل النجدلى إذ هو من وقف حسن أغا النجدلى، وهو عامر إلى الآن، وتحت نظارة امرأة تدعى فطومة عجم.
وثلاث وكائل: إحداها مملوكة لفطومة عجم المذكورة، بها أماكن علوية وسفلية معدّة للسكنى، والثانية مملوكة لرجل يدعى خليل المدنى، بها أماكن معدة للسكنى أيضا، والثالثة ملك السيد محمد السادات، بها أماكن علوية وسفلية معدة للسكنى.
وبه أيضا قراقول يعرف بقراقول السيدة رقية لمجاورته لها.
وهذا وصف شارع الخليفة وما به من الجوامع وغيرها:
القسم العشرون: شارع السيدة نفيسة
أوله من قراقول السيدة رقية، وآخره بوابة السيدة نفيسة، وعن يسار المارّ به شارع البلاسى الموصل لشارع القبر الطويل، وعرف بالبلاسى لأن بأوله ضريح الشيخ محمد البلاسى، وذكر السخاوى أن اسمه الشيخ عبد الله البلانسى. وقال: إن بالقرب منه قبر الشيخ محمد الليمونى (اه). (قلت): فلعل العوام حرفوه فقالوا محمد البلاسى.
القبر الطويل
ثم ذكر السخاوى أيضا أن الخطة التى بها القبر الطويل كانت تعرف سابقا بسوق المراغة، وكان فى وسط الطريق قبور مبيّضة يقال إنها قبور سادة أشراف، ثم قال: وظاهر الحال أن هذه الرحاب وما حولها كانت مقبرة، وحدث هذه البناء الذى حولها (اه). (قلت): وإلى الآن يوجد بهذه الخطة قبور كثيرة داخل أسوار من البناء، وأما القبور التى ذكر أنها بوسط الطريق، فهى التى عرف بعضها أخيرا بالقبر الطويل، وقد بنى عليها المرحوم المعلم جمعة راجح رئيس طائفة البنّائين حجرة صغيرة تعرف إلى اليوم بالأربعين الشهداء وبالقبر الطويل أيضا. وقد بلغنى ممن أثق به أنه شاهد عدّة قبور معقودة فى استقامة حجرة القبر الطويل عند بنائها، وبهذا التحقيق ظهر لك ما كان خافيا عليك.
جامع المعرّف
وبهذه الخطة أيضا الجامع الشهير بجامع المعرف، وهو بالقرب من القبر الطويل جدّده المعلم جمعة راجح، فعرف به. قال السخاوى إن به قبر سيدى أحمد المخبر عن نفسه، وكان قبرا دارسا، فرآه رجل، فأخبره أنه فلان، فبناه، وهو الآن يعرف فى الخط بسيدى أبى بكر المعروف. (اه). (قلت): لعل الواو حذفت، وقيل المعرف - كما هو المعروف اليوم.
معبد السيدة نفيسة
ثم إذا كنت بالقرب من القبر الطويل وبآخر سكة السيدة نفيسة تجد عن يسارك على بعد ثلاثين مترأ تقريبا قبة قديمة يقال إنها معبد السيدة نفيسة رضي الله عنها وقال السخاوى:
وهذا القول لا اعتماد عليه، ولا صحة له، ولم يذكر هذا الموضع أحد من علماء المشايخ وأهل الأنساب.
وقال صاحب «المصباح» ثم تجد المشهد المعروف بمشهد القاسم، وفيه قبة كبيرة كتب عليها العوام «القاسم بن الحسين بن على بن أبى طالب» ، وذلك غير صحيح لأن الحسين رضي الله عنه لما قتل لم يبق بعده إلا زين العابدين، ويحتمل أنه يكون من ذرية الحسين.
وبهذه القبة قبور أخر لا تعرف، وبها أيضا قبر السيدة الشريفة نفيسة بنت زيد عمة السيدة نفيسة بنت الحسن. وقال صاحب «الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة»: قبرها بالمراغة معروف مشهور، ولقد غلط من قال إنها نفيسة بنت الحسن الأنور، وقال بعضهم إن نفيسة بنت زيد المذكور كانت زوجة الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة، فيحتمل أنه طلّقها، وأنها وردت إلى مصر، وتوفيت بها، وقال بعضهم إنها ماتت فى عصمته، ولم يثبت أين ماتت بمصر أو بالشام أو غيرها، ولكن دخولها مصر غير مشهور. وزيد هذا كان يعرف بالأبلج بن الحسن السبط ابن الإمام على ابن أبى طالب - رضى الله تعالى عنهم. (اهـ. ملخصا).
ثم بعد شارع البلاسى - المتقدم الذكر - التكية المعروفة بتكية السيدة نفيسة لقربها من مسجدها. كان أصلها مدرسة تعرف «بمدرسة أم السلطان» أنشأها الملك المنصور قلاوون فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة برسم أم الملك الصالح علاء الدين على ابن الملك المنصور قلاوون وتخربت هى وما حولها. ثم فى سنة ثمانين ومائتين وألف سكنها جماعة من العجم، وأجروا فيها عمارة، وجعلوا بها مساكن، وغرسوا بها أشجارا، وهم ساكنوها إلى اليوم، والصرف عليها جار من جهة الأوقاف.
قبة الأشرف خليل
وفى الجهة القبلية لهذه التكية قبة الأشرف، وهى من المبانى الفاخرة، بدائرتها كتابة منقوشة فى الحجر. أنشأها الملك الأشرف خليل ابن الملك المنصور قلاوون، ولما قتل دفن بها.
تكية السيدة نفيسة
ثم بعد هذه القبة سبيل يعرف بسبيل اليازجى، وهو تجاه بوابة السيدة نفيسة، يعلوه مكتب لتعليم الأطفال، وتحت نظر رجل يدعى حسن أفندى.
المشهد النفيسى
ثم بعده سبيل السيدة نفيسة الكائن برأس العطفة الموصلة إلى المشهد النفيسى، أنشئ فى سنة أربع وستين ومائة وألف. ثم بعده المشهد النفيسى وهو من الجوامع الشهيرة أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة أربع عشرة وسبعمائة، وبداخله ضريحها الشريف رضي الله عنها يقصد بالزيارة، ويعمل به حضرة كل ليلة اثنين، ومولد كل سنة، وشعائره مقامة للغاية.
وخلفه نحو القرافة ضريح معروف بضريح الست جوهرة.
(قلت): وفى كتاب «مصباح الدياجى» ما ملخصه:
قال ابن الرومى: ومحل قبرها - يعنى السيدة نفيسة - كان يعرف بدرب السباع. حكى ذلك ابن النحوى فى كتابه المسمى «بالدرة النفيسة فى مناقب السيدة نفيسة» ، وذكر أن أباها مات بريف مصر، ثم انتقلت إلى درب الكورينى، ثم إلى هذا المكان الذى به قبرها، ويعرف بدرب السباع، وبنى السرى بن الحكم لها معبدا.
من دفن من العباسيين وغيرهم بجوار المشهد النفيسى
ثم قال: وبجوار مشهدها من الجهة الشرقية جماعة من العباسيين، وبالقرب منهم جماعة من الفاطميين. وعند الخروج من بابها الشرق قبل خروجك منه تجد قبة بها السيد الشريف محمد بن جعفر الحسينى. وعند الخروج منه تحت الطاقة تربة تعرف بتربة بنى المصلى، سمى جدهم بالمصلى لكثرة صلاته، وهم بيت كبير بمصر من الأشراف يعرفون ببنى المصلى. (اه).
قلت: والعباسيون المتقدم ذكرهم هم داخل قبة تحتها ستة قبور، على كل قبر تركيبة يحيط بها دائر من الخشب مكتوب عليه آيات قرآنية وأسماء المدفونين فى القبر، وقد قرأت على القبر الأول الذى عن يمين الداخل:«السيد حسن العباسى مات فى جمادى الآخرة سنة ست عشرة وتسعمائة» ، وعلى الثانى:«الطفل الشهيد عمر ابن مولانا السلطان الملك الظاهر العادل العالم فى مركز الدين والدنيا أبى الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين فى ربيع الآخر سنة سبعين وستمائة» ، وعلى الثالث أسماء جملة من الخلفاء.
ولتلك القبة شباك يشرف على ضريح السيدة نفيسة، ويقابله من الجهة الغربية شباك آخر مشرف على قبور من قبور الفاطميين. وفى تجاه قبة العباسيين بجوار التخشيبة التى بها قبور شحاتة أفندى باشكاتب الدفترخانة، قبر عليه كتابة كوفية لم تمكنى من قراءتها، يقال إنه قبر إسحق الأنصارى، قاضى الخلفاء العباسيين. وأما القبة المذكورة، فهى داخل حوش كبير، يحيط به سور مبنى بالطوب، يظهر أن بناءه قديم، وتجد عند باب الدخول لهذا الحوش بعض عقود مبنية بالطوب أيضا، ومحلات متهدمة، يظهر من هيئتها أنها كانت فى الأزمان السالفة أشبه بتكية، وربما كانت الخلفاء تنزل بها فى بعض الأحيان.
(قلت): وأما باب السيدة الشرقى فالداخل فى طرقته يجد عن يمينه بابا يتوصل منه إلى مقبرة بها عدة قبور، وفى زاويتها القبلية الشرقية قبة صغيرة ينزل إليها بدرج، فيها قبر السيد الشريف محمد بن جعفر الحسينى - المتقدم الذكر - وعلى دائرته كتابة كوفية، وهذا القبر مشهور بين العامة بأنه قبر سيدى محمد موفى الدين، يقصد بالزيارة من الأقاليم المصرية وغيرها، وللناس فيه اعتقاد كبير.
وذكر صاحب «مصباح الدياجى» أن هناك مقابل المئذنة قبر الشيخ الصالح القاضى أبى بصرة الغفارى، وهو تحت المحراب والمجرى منحدرين عليه، وتاريخه على رخامة. (اه).
(قلت): وهو موجود داخل قبة بقرب باب السيدة الغربى، ومعروف الآن بقبر الشيخ الصالح.
حارة السيدة نفيسة
وبجوار بوابة الخلاء حارة تعرف بحارة السيدة نفيسة، يسلك المارّ فيها إلى ضريح الست جوهرة المارّ الذكر، وإلى جبّانة السيدة نفيسة رضي الله عنها.
ترجمة محمد العليمى المجذوب
ودفن فى هذه الجبانة الشيخ محمد العليمى المجذوب الذى قتل بالرميلة، وله حكاية غريبة، وهى - كما فى ابن إياس - أن هذا الرجل أصله من قرية الأعلام بولاية الفيوم، حضر إلى مصر فى آخر جمادى الأولى سنة عشر ومائة وألف، ووقف بالرميلة بظاهر القهوة التى تجاه سبيل المؤمنين، واستمر واقفا على إحدى رجليه ليلا ونهارا مع مواظبته على الصلوات الخمس فى أوقاتها، فتسامعت به الناس، وهرعوا إليه من كل جهة، بحيث ملئت الرميلة وطرقها من كثرة الخلق الوافدين إليه رجالا ونساء، أعيانا وغير أعيان، وكادت أن تحصل المفاسد بسبب الاجتماع عليه، فمكث بعض أيام واقفا على رجله، ثم حفر لنفسه حفرة فى المحل
الذى هو واقف به ونزل بها، وغطوا عليه بباب من الخشب، واستمر على هذه الحالة إلى ثالث جمادى الآخرة من السنة المذكورة، فقدر الله أن جاءت مراكب من جهة الصعيد مملوءة بلحا ألواحيا، وكان وقتئذ حسين باشا الوزير هو المتولى على مصر، فجاءه مكتوب من عند عبد الرحمن بيك - حاكم ولاية جرجا - يذكر فيه أن البلح الذى جاء فى المراكب نهبته المغاربة من الواحات وأرسلته إلى مصر تبيعه فيها، فعند ذلك أمر حسين باشا أن تجبر المراكب ويؤخذ جميع ما فيها. فجاءت الجماعة التى كانت فى المراكب على البلح لأجل بيعه إلى الشيخ محمد المذكور، وقالوا له إن الباشا قد جبر علينا بلحنا وأخذه منا، ونريد أن تشفع لنا عنده، ليعطينا بلحنا، فعند ذلك تقدم ثلاثة أنفار كانوا نقباء له فى حالة ظهوره، وكانوا يأخذون الدراهم ممن يأتى لزيارته على سبيل النذور، وهم الذين عضدوه وأشاعوا صيته فى مصر، وأظهروا عنه الكرامات، وكتبوا عرضحالا مضمونه أن أصحاب البلح من تلامذة الشيخ محمد العليمى وأن قصدهم إعادة البلح إليهم إكراما للشيخ، وأخذوا جماعة من أهل الرميلة، ومعهم طبول وأعلام، وتوجهوا إلى الديوان العالى، وقرأوا الفاتحة فى حوش الديوان، وضربوا الطبول، فعند ذلك نظر حسين باشا من الشباك إلى الجمعية التى بالحوش وقال:
ما هذه الجمعية؟ وما سببها؟ فجاءوا بالعرضحال الذى كتبوه، فنظره وتأمله، فاحتد حدة زائدة من ذلك، وقال: من هذا الشيخ الذى يشفع فى أموال الطائفة المفسدين الذين تحققنا أن البلح ليس لهم ويدلس علينا؟ فقال له جماعة من أهل الديوان: إنه قد ظهر الآن رجل بالرميلة، وأن هذه الجماعة التى جاءوا بالعرضحال هم الذين أوجبوا اجتماع العالم عليه لما ينقلونه عنه من الكذب من إظهار الكرامات والخوارق التى لا أصل لها.
فعند ذلك أمر حسين باشا برمى رقاب من يكون من جماعته، فضربت رقاب الأنفار الثلاثة المذكورين فى الحال. وأمر بإحضار الشيخ، فخرج زعيم مصر من الديوان، ونزل إلى الرميلة ليأتى بالشيخ إلى الديوان حسب ما أمره حسين باشا، فاجتمع عليه الناس المجتمعون على الشيخ وكادوا يقتلونه، فعاد وأخبر الباشا بما حصل له، فأمر الباشا بأن يتوجه بطائفة من الينكجرية وطائفة من العزب وطائفة من جماعة الباشا ويأتى به، وكل من تعرض لمنعه عن المجئ أمر بإتلافه، فتوجه زعيم مصر إلى الرميلة وصحبته الطوائف المذكورة. فلما رأى المجتمعون على الشيخ هذه الطوائف مع زعيم مصر علموا أن كل من تعرض لهم أتلفوه، فتنحوا عن الشيخ، فأخذوه وأوجعوه ضربا إلى أن وصل إلى الديوان، فلما دخل حوش الديوان ضربه أحد الناس بخنجر هدل كتفه، فوقع إلى الأرض، فقطع رأسه زعيم مصر، وجاءت الحانوتية فحملت جثث الثلاثة أنفار النقباء إلى مغسل السلطان بالرميلة، وأما الشيخ
فحملوه وأنزلوه إلى الرميلة، وقبل أن يأتوا به إلى المغسل طيروه إلى الحفرة التى كان احتفرها، وأظهروا أنهم لا يقدرون على إدخاله المغسل. ثم بعد ذلك توجهوا به إلى المغسل، فغسلوه وكفنوه وداروا به فى الرميلة مشرقين ومغربين مظهرين أنه يطير وأنهم لا يقدرون على رده عن المكان الذى هو قاصده. وهم فى تلك الحالة وإذا بأحد أمراء مصر نازل من الديوان وخلفه أتباعه على الخيول، فتعرض له الحمالون فى الطريق بالتابوت ومنعوه من الذهاب، فأمر جماعته بضربهم، فضربوهم وأهانوهم، ثم بعد ذلك توجهوا به إلى ناحية الصليبة، وصاروا يشطحون به. وكان هناك جماعة من العساكر جالسين فقاموا على الحمالين وضربوهم بسبب هذا الفعل، ووقع التابوت على الأرض، فقالوا لهم: إن كان يطير ولا بد فليطر من على الأرض، فشالوه بعد ذلك، وتوجهوا به إلى التربة التى بجوار السيدة نفيسة رضي الله عنها ودفنوه هناك. وكان رحمه الله طويل القامة أعور العين أسمر اللون جدا فى وجهه أثر الجدرى. (اه).
فهذا بيان الأقسام العشرين من الشارع الطولى بالبدء من باب الفتوح إلى بوابة السيدة نفيسة، ثم نبين فى الشوارع والحارات بالبدء من حذاء تلك الجهة أيضا فنقول:
شارع باب النصر
ويعرف أيضا بشارع الجمالية. أوله من باب النصر بحرى القاهرة، وينتهى إلى السكة الجديدة تجاه المشهد الحسينى. وطوله ثمانمائة متر وأربعة وأربعون مترا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام لكل منها اسم يخصه، وسيأتى بيانها إن شاء الله تعالى.
(فائدة): باب النصر هذا، الذى عرف هذا الشارع باسمه، هو أحد أبواب القاهرة التى وضعها جوهر القائد. قال المقريزى: وكان أولا دون موضعه اليوم. قال: وأدركت قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه ركن المدرسة القاصدية الغربى، بحيث تكون الرحبة التى فيما بين المدرسة القاصدية وبين بابى جامع الحاكم القبليين خارج القاهرة. فلما كان فى أيام المستنصر، وقدم عليه أمير الجيوش بدر الجمالى من عكا، وتقلد وزارته، وعمر سور القاهرة، نقل باب النصر من حيث وضعه القائد جوهر إلى حيث هو الآن، فصار قريبا من مصلى العيد.
ترجمة أمير الجيوش بدر الجمالى
وأمير الجيوش هذا هو أبو النجم بدر الجمالى. كان مملوكا أرمنيا لجمال الدولة بن عمار، فلذلك عرف بالجمالى، وما زال يأخذ بالجد فى زمن سبيه فيما يباشره، ويوطن نفسه على قوة العزم، وينتقل فى الخدم، حتى ولى إمارة دمشق من قبل المستنصر سنة خمس وخمسين وأربعمائة.
ثم سار منها كالهارب فى ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من رجب سنة ست وخمسين. ثم وليها ثانيا سنة ثمان وخمسين فبلغه قتل ولده شعبان بعسقلان، فخرج فى شهر رمضان سنة ستين وأربعمائة، فثار العساكر وأخربوا قصره.
وتقلد نيابة عكا. فلما كانت الشدة بمصر من شدة الغلاء وكثرة الفناء، والأحوال بالحضرة قد فسدت، والأمور قد تغيرت، ولواته قد ملكت الريف والصعيد بأيدى العبيد،
والطرقات قد انقطعت برا وبحرا إلا بالخفارة الثقيلة، كتب المستنصر إليه يستدعيه ليكون المتولى لتدبير دولته، فاشترط أن يحضر معه من يختاره من العساكر، ولا يبقى أحدا من عسكر مصر، فأجابه المستنصر إلى ذلك، فاستخدم معه عسكرا، وركب البحر من عكا فى أول كانون، وسار بمائة مركب بعد أن قيل له إن العادة لم تجر بركوب البحر فى الشتاء لهيجانه وخوف التلف، فأبى عليهم، وأقلع فتمادى الصحو والسكون مع الريح الطيبة مدة أربعين يوما، حتى كثر التعجب من ذلك، وعد من سعادته، فوصل إلى تنيس ودمياط، واقترض المال من تجارها ومياسيرها، وقام بأمر ضيافته وما يحتاج إليه من الغلال سليمان اللواتى - كبير أهل البحيرة.
وسار إلى قليوب، فنزل بها، وأرسل إلى المستنصر يقول: لا أدخل إلى مصر حتى تقبض على بلد كوش، وكان أحد الأمراء وقد اشتد على المستنصر بعد قتل ابن حمدان، فبادر المستنصر وقبض عليه واعتقله بخزانة البنود، فقدم بدر عشية الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة خمس وستين وأربعمائة، فتهيأ له أن قبض على جميع أمراء الدولة.
وذلك أنه لما قدم لم يكن عند الأمراء علم باستدعائه، فما منهم إلا من أضافه، وقدم عليه، فلما انقضت نوبهم فى ضيافته استدعاهم إلى منزله فى دعوة صنعها لهم، وبيت مع أصحابه أن القوم إذا أجنهم الليل، فإنهم لابد يحتاجون إلى الخلاء، فمن قام منهم إلى الخلاء يقتل هناك، ووكل بكل واحد واحدا من أصحابه، وأنعم عليه بجميع ما يتركه ذلك الأمير من دار ومال وإقطاع وغيره، فسار الأمراء إليه وظلوا نهارهم عنده، وباتوا مطمئنين، فما طلع ضوء النهار حتى استولى أصحابه على جميع دور الأمراء، وصارت رؤوسهم بين يديه، فقويت شوكته، وعظم أمره، وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقور، وقلده وزارة السيف والقلم، فصارت القضاة والدعاة وسائر المستخدمين من تحت يديه.
وزيد فى ألقابه: أمير الجيوش، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين، وتتبع المفسدين فلم يبق منهم أحدا حتى قتله، وقتل من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم جماعة.
ثم خرج إلى الوجه البحرى، فأسرف فى قتل من هناك من لواته، واستصفى أموالهم، وأزاح المفسدين وأفناهم بأنواع القتل. وصار إلى البر الشرقى، فقتل منه كثيرا من المفسدين.
ونزل إلى الإسكندرية، وقد ثار بها جماعة مع ابنه الأوحد، فحاصرها أياما من المحرم سنة سبع وسبعين وأربعمائة إلى أن أخذها عنوة، وقتل جماعة ممن كان بها، وعمر جامع العطارين من مال المصادرات، وفرغ من بنائه فى ربيع الأول سنة تسع وسبعين.
ثم سار إلى الصعيد، فحارب جهينة والثعالبة، وأفنى أكثرهم بالقتل، وغنم من الأموال ما لا يعرف قدره كثرة. فصلح حال الإقليم بعد فساده.
ثم جهز العساكر لمحاربة البلاد الشامية، فسارت إليه غير مرة وحاربت أهلها، ولم يظفر منها بطائل، واستناب ولده شاهنشاه وجعله ولى عهده.
مات فى ربيع الآخر، وقيل فى جمادى الأولى، سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
وقد تحكم فى مصر تحكم الملوك، ولم يبق للمستنصر معه أمر، واستبد بالأمور، فضبطها أحسن ضبط. وكان شديد الهمة، وافر الحرمة، مخوف السطوة.
قتل من مصر خلائق لا يحصيها إلا خالقها؛ منها أنه قتل من أهل البحيرة نحو العشرين ألف إنسان، إلى غير ذلك من أهل دمياط والإسكندرية والغربية والشرقية والصعيد وأسوان وأهل القاهرة ومصر.
إلا أنه عمر البلاد، وأصلحها بعد فسادها وخرابها بإتلاف المفسدين من أهلها. وكان له يوم مات نحو الثمانين سنة.
وكانت له محاسن منها أنه أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين، حتى ترفهت أحوال الفلاحين واستغنوا فى أيامه، ومنها حضور التجار إلى مصر لكثرة عدله بعد انتزاحهم منها فى أيام الشدة، ومنها كثرة كرمه.
وكانت مدة أيامه بمصر إحدى وعشرين سنة. وهو أول وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر.
ومن آثاره الباقية بالقاهرة: باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النصر، ودفن خارج باب النصر - بحرى مصلى العيد - وبنى على قبره تربة جليلة.
وقام من بعده بالأمر ابنه شاهنشاه الملقب بالأفضل ابن أمير الجيوش. (انتهى)
ويوجد الآن فى زيادة الجامع الحاكمى قبة شاهقة قديمة يصعد إليها بدرج اضطرب الناس فيها؛ فمنهم من يقول إنها للأمير محمد قرقماس، ومنهم من يقول إنها للشيخ الساعى، وكثير من أهل المعرفة المسنين يقول إنها قبة تربة أمير الجيوش بدر الجمالى، وهذا هو الذى يغلب على الظن وتميل إليه النفس، لأن المعروف لنا من اسم محمد قرقماس اثنان: أحدهما كان فى زمن الغورى، وهذا قد ذكرنا فى المدارس أن له مدرسة فى الصحراء، وأنه مات بالشام فى واقعة الغورى، ولم يذكر أحد أنه نقل إلى مصر، والثانى محمد قرقماس الحنفى، وهذا
مدفون بمدرسته التى بدرب الحجر بجوار بيت الأمير راغب باشا - المعروفة الآن بجامع جنبلاط - فلعل نسبة هذه القبة إلى محمد قرقماس بسبب دفن أمير هناك يسمى بهذا الاسم، وأما نسبتها إلى الشيخ الساعى فلعله لمجاورتها لتربته المعروفة هناك إلى الآن باسمه. ومما يشهد لصحة نسبتها إلى أمير الجيوش بدر الجمالى فخامة بنائها وارتفاعها وموقعها خارج باب النصر القديم، ويدل لذلك قول المقريزى: وبنى على قبره تربة جليلة، إذ ليس فى تلك الجهة ما يشبهها عظمة وفخامة.
قلت: وهذا بيان الأقسام الثلاثة من الشارع المذكور التى وعدنا ببيانها:
القسم الأول شارع وكالة الصابون والجمالية
يبتدئ من باب النصر، وينتهى إلى قراقول الجمالية بأول شارع وكالة التفاح.
وبأوله المدرسة الجنبلاطية، وهى بلصق باب النصر عن يمين الخارج إلى المقبرة، تخربت ولم يبق منها الآن إلا باب مسدود كان يدخل إليها منه قبل الخروج من باب النصر من عن يمين السالك إلى خارج البلد.
ترجمة الملك الأشرف جنبلاط
أنشأها الأشرف جنبلاط فى أوائل القرن العاشر، وهو - كما فى ابن إياس - الملك الأشرف أبو النصر جنبلاط. أصله جركسى الجنس، اشتراه الأمير يشبك من الأمير مهدى الدوادار، وأقام عنده مدة، فحفظ القرآن، ثم إن الأمير يشبك قدمه للسلطان قايتباى، فصار من جملة المماليك السلطانية، ثم إنه أعتقه، وصار من جملة معاتيق قايتباى، ثم أخرج له خيلا وقماشا، وصار من جملة المماليك الجمدارية، ثم بعد مدة بقى خاصكيا، ثم دوادار سكين، ثم سافر أميرا على الحج بالركب الأول وهو خاصكى غير مرة، ثم أنعم عليه السلطان بإمرة عشرة فى سنة أربع وتسعين وثمانمائة، وسافر إلى الحجاز أمير ركب المحمل وهو أمير عشرة، وقرر فى نظر الخانقاه.
ثم توجه قاصدا إلى ابن عثمان - ملك الروم - سنة ست وتسعين وثمانمائة. وكان يومئذ أمير طبلخاناه تاجر المماليك، ثم بقى مقدم ألف فى آخر دولة الأشرف قايتباى، ثم بقى دوادارا كبيرا عوضا عن أقبردى فى دولة الناصر.
ثم قرر فى نيابة حلب، وخرج إليها، فلما تولى السلطنة الظاهر قانصوه نقله إلى نيابة الشام عوضا عن كرتباى الأحمر بحكم وفاته، ثم تزوج بخوندا صلباى أم الملك الناصر.
واستمر على ذلك حتى وثب طومان باى على الظاهر قانصوه وخلعه من السلطنة، فوقع الاتفاق على سلطنته على كره من الأمراء والعساكر، وكان ملء العيون كفئا للسلطنة وافر العقل.
وفى حال سلطنته أكثر من مصادرات الأمراء والأعيان والكتاب، لم يرحم مسلما ولا نصرانيا ولا يهوديا. ولما أكثر من الظلم وحصل منه فى مدة سلطنته القليلة ما لم يحصل من غيره فى الأزمان الطويلة انتهى أمره بأن قام عليه طومان باى، وحاصره بالقلعة، ثم أخذه وحبسه فى البرج بالإسكندرية، وذلك فى شهر رجب سنة ست وتسعمائة، ثم بعد ذلك خنقه.
(انتهى ملخصا)
جامع الحاكم بأمر الله
ثم جامع الحاكم بأمر الله أسسه أمير المؤمنين نزار بن المعز لدين الله معد سنة ثمانين وثلثمائة، وكان يعرف أولا بجامع الخطبة، ويقال له الجامع الأنور. وفى سنة إحدى وأربعمائة أكمله ولده الحاكم بأمر الله، وتم فى سنة ثلاث وأربعمائة.
وفى سنة اثنتين وسبعمائة تزلزلت أرض مصر والقاهرة، وسمع للحيطان قعقعة، وللسقوف فرقعة، فكان هذا الجامع مما تهدم فى هذه الزلزلة.
وفى سنة ستين وسبعمائة فى الولاية الثانية للملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون جدد هذا الجامع، وأضاف على أوقافه أوقافا.
وفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف جدّد به نقيب الأشراف السيد عمر مكرم أربع بوائك من مؤخره، فجعلت مسجدا به منبر وخطبة ومطهرة وأخلية، وله فى الروزنامجة بعض أحكار. وباقى الجامع متهتك الحرمة، وبعض الواردين من الشام يصنعون فيه قناديل الزجاج والأكواب، والحريريون يفتلون فيه الحرير.
ولم يبق من أبوابه السبعة مفتوحا إلا اثنان: الباب الموصل إلى باب النصر، وباب سوق الليمون.
وبجواره من الجهة الغربية مدفن قديم عليه قبة مرتفعة يعرف بمدفن الساعى، وفيه شواهد عليها أسماء بعض الموتى المدفونين هناك.
وعلى سور الجامع مزاغل للمحاصرة وأماكن صغيرة معقودة بعقود هندسية. وهناك كتابات بعضها بالقلم الكوفى، وبعضها بالهيروجليفى، وآثار تشبه آثار قدماء المصريين، وبئر بقرب باب النصر فى غاية المتانة. وهو الآن غير مقام الشعائر لتخربه.
دار الهرماس
(فائدة): كان بجوار هذا الجامع دار عظيمة تعرف بدار الهرماس ذكرها المقريزى فقال: هذه الدار كانت بجوار الجامع الحاكمى من قبليه شارعة فى رحبة الجامع على يسرة من يمر إلى باب النصر، عمرها الشيخ قطب الدين محمد بن المقدسى المعروف بالهرماس، وسكنها مدة، وكان أثيرا عند السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون له فيه اعتقاد كبير، فعظم عند الناس قدره، واشتهر فيما بينهم ذكره، إلى أن دبت بينه وبين الشيخ شمس الدين محمد بن النقاش عقارب الحسد، فسعى به عند السلطان إلى أن تغير عليه وأبعده، ثم ركب فى يوم سنة إحدى وستين وسبعمائة من قلعة الجبل بعساكره إلى باب زويلة، فعندما وصل إليه ترجل الأمراء كلهم عن خيولهم، ودخلوا مشاة من باب زويلة كما هى العادة، وصار السلطان راكبا بمفرده وابن النقاش أيضا راكب بجانبه وسائر الأمراء والمماليك مشاة فى ركابه على ترتيبهم إلى أن وصل السلطان إلى المارستان المنصورى بين القصرين، فنزل إليه ودخل القبة، وزار قبر أبيه وجده وإخوته، وجلس وقد حضر هناك مشايخ العلم والقضاة، فتذاكروا بين يديه مسائل علمية، ثم قام إلى النظر فى أمور المرضى بالمارستان، فدار عليهم حتى انتهى غرضه من ذلك، وخرج فركب وسار نحو باب النصر والناس مشاة فى ركابه إلا ابن النقاش فإنه راكب بجانبه إلى أن وصل إلى رحبة الجامع الحاكمى، فوقف تجاه دار الهرماس وأمر بهدمها، فهدمت وهو واقف، وقبض على الهرماس وابنه، وضرب بالمقارع عدة شيوب، ونفى من القاهرة. (اه).
زاوية البقرى
وبقرب هذا الجامع زاوية البقرى - بين باب حارة العطوف ودرب الشرفا عن يسار الداخل من باب حارة العطوف - وهى صغيرة، وبها منبر نفيس وخطبة، وشعائرها مقامة إلى الآن.
وكانت أول أمرها مدرسة تعرف بالبقرية، أنشأها الرئيس شمس الدين شاكر بن غزيّل (تصغير غزال) المعروف بابن البقرى سنة ست وأربعين وسبعمائة - كما هو منقوش فى الحجر الذى عن يمين المحراب. ولما مات رحمه الله سنة ست وسبعين وسبعمائة دفن بهذه المدرسة.
وعلى قبره قبة مرتفعة فى غاية الحسن.
زاوية القاصد
وزاوية القاصد، وهى بين حارة العطوف ووكالة الحتو - عند سوق العصر الذى يباع فيه عتيق الثياب ونحوها - جدّدها على بن حسين سنة تسعمائة - كما هو مكتوب على بابها - وهى صغيرة وبها حنفية. وبداخلها ضريح الشيخ أحمد القاصد الذى عرفت به، يعمل له مولد كل سنة فى آخر شعبان، وشعائرها مقامة إلى الآن.
(قلت): ويغلب على الظن أن على بن حسين هذا هو سيدى على الدميرى المجذوب الذى ترجمه الشعرانى فى طبقاته وقال: إنه دفن بالمسجد الذى بقرب باب النصر، وقبره ظاهر يزار. (اه).
(أقول): وهذا المسجد هو زاوية القاصد المذكورة، وبظهر من كلام المقريزى أنها كانت مدرسة تعرف بالقاصدية حيث قال عند ذكر باب النصر: إن عضادة الباب موجودة للآن بالركن الذى تجاه المدرسة القاصدية، وذكرها أيضا عند الكلام على رحبة الجامع الحاكمى، وكذلك فى الكلام على الحجر، لكنه سماها مسجدا حيث قال: وكانت هذه الحجر من جانب حارة الجوانية وإلى حيث المسجد الذى يعرف بمسجد القاصد تجاه باب الجامع الحاكمى. (اه. ملخصا).
جامع التينة
وجامع التينة، وهو بالعطوف قريبا من سور باب النصر، أنشئ سنة ست وخمسين ومائة وألف كما هو موجود فى بعض آثاره، وشعائره مقامة من أوقاف له قليلة بنظر رجل يدعى مصطفى حجاج.
وبهذا الشارع عطف وحارات كهذا البيان:
حارة العطوف عن يسار المار به، وبداخلها عطف وحارات غير نافذة، وكلها عن يسار المارّ بها.
عطفة الجلبى.
حارة حوش البقرى.
عطفة قشطة.
عطفة البدوى.
فرع من حارة العطوف ممتد لجهة قبلى تجاه عطفة البدوى، ويستقيم مشرقا حتى يتقابل بآخر عطفة العطوف، ويتصل أيضا بحارة حوش أبى نار، وبهذا الفرع عطف وحارات كهذا البيان:
العطفة السد، عطفة زايد، عطفة الهندى، وكلها عن يسار المارّ به وغير نافذة.
عطفة الشيخ قنديل عن يمين المارّ به، وغير نافذة، وليس بهذا الفرع غير ما ذكر.
عطفة البنا عن يسار المارّ بحارة العطوف، وليست نافذة.
العطفة السد عن يسار المارّ بها أيضا.
عطفة القليوبى عن يمين المارّ بها.
حارة حوش أبى نار عن يمين المارّ بها أيضا، وبداخلها أربع عطف: عطفة السبيلى، عطفة الحناوى، عطفة منصور عجوة، عطفة الشيخ خليل، وكلها عن يمين المارّ بحارة حوش أبى نار المذكورة.
حارة العراقى، عرفت بذلك لأن بها ضريحا يعرف بضريح سيدى العراقى، وهى عن يمين المارّ من حارة العطوف، وبنهايتها أرض براح تتصل بعطفة الشيخ خليل من جهة مسجده.
حارة الجمل، عرفت بذلك لأن بها ضريحا يعرف بالشيخ الجمل، وهى عن يسار المارّ من شارع وكالة الصابون.
حارة الجوانية عن يسار المارّ من حارة الشيخ الجمل، ويسلك منها إلى عطفة الدير، وهى من الحارات القديمة التى اختطها جوهر لعساكر مولاه كما اختط العطوفية والباطلية، وكان يقال لها حارة الروم الجوانية، ويقال لحارة الروم التى بجوار باب زويلة حارة الروم البرانية لأنها كانت خارج باب زويلة. وذكر المقريزى لتسميتها بالجوانية سببا آخر، وهو أن الجوانية منسوبة للأشراف الجوانيين، منهم الشريف النسابة الجوانى (بفتح الجيم وتشديد الواو وفتحها وبعد الواو ألف ساكنة ثم نون) نسبة إلى جوان قرية من عمل مدينة طيبة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
دار اليوسفى
وكان بجوار باب حارة الجوانية دار اليوسفى. قال المقريزى: هى بجوار باب الجوانية - فيما بينها وبين الحوض المعد لشرب الدواب - أنشأها هى والحوض الأمير سيف الدين بهادر اليوسفى السلاحدار الناصرى. (اه). وقوله الناصرى إشارة إلى أنه من أمراء الملك الناصر محمد بن قلاوون. وقد زالت الآن، وبنى فى موضعها وكالة القرب وما جاورها.
دير الطيور
وباب هذه الحارة فى وقتنا هذا مقابل لوكالة الفراخ التى هى وكالة الصابون الصغرى، فالداخل من بابها يجد عن يساره دربا يتوصل منه إلى دير كبير لرهبان النصارى، وهو منسوب إلى دير الطيور.
كنيسة الشوام
وبها كنيسة كبيرة ومدرسة أنشأهما رفلا عبيد أحد النصارى الشوام، لأنه كان يسكنها وموضع هذه الكنيسة والمدرسة كان فى القديم موضع دار ابن البقرى، صاحب المدرسة البقرية المتقدم ذكرها.
المدرسة الفارسية
وبها المدرسة الفارسية التى ذكرها المقريزى حيث قال: هذه المدرسة بخط الفهادين من أول العطوفية بالقاهرة، وكان موضعها كنيسة تعرف بكنيسة الفهادين، فلما كانت واقعة النصارى فى سنة ست وخمسين وسبعمائة هدمها الأمير فارس الدين البكى قريب الأمير سيف الدين آل ملك الجوكندار، وبنى هذه المدرسة. (اه). (قلت): وهى الآن متخربة، ولم يبق منها إلا موضع صغير خرب، وكان موضع هذه المدرسة إلى آخر الحارة من حقوق الحارة العطوفية، وكان باب العطوفية فى القديم فيما بين هذه المدرسة والدير، وكان بباب الحوانية حمام سنقر الأعسر، وموضعه الآن السبيل الذى يعلوه المكتب.
ترجمة الأمير سنقر الأعسر
وسنقر هذا هو - كما فى المقريزى - الأمير سنقر الأعسر أحد مماليك الأمير عز الدين أيدمر الظاهرى نائب الشام، وجعله دواداره، فباشر الدوادارية لأستاذه بدمشق. وبعد عزل سيده اشتراه الملك المنصور قلاوون، وولاّه نيابة الأستدارية، ثم سيّره فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة إلى دمشق وأعطاه إمرة وولاه شد الدواوين بها وأستدارا.
فصارت له بالشام سمعة زائدة إلى أن مات قلاوون، وقام من بعده الأشرف خليل، فطلب سنقر إلى القاهرة، وعاقبه وصادره، فتوصل حتى تزوج بابنة الوزير شمس الدين السلعوس على صداق مبلغ ألف وخمسمائة دينار، فأعاده إلى حالته، ولم يزل إلى أن تسلطن الملك العادل كتبغا، واستوزر الصاحب فخر الدين بن خليل، وقبض على سنقر، وصادره وأخذ منه خمسمائة ألف درهم، وعزله عن شد الدواوين، وأحضره إلى القاهرة
فلما وثب الأمير حسام الدين لاجين على كتبغا وتسلطن ولى سنقر هذا الوزارة عوضا عن ابن خليل فى جمادى الأولى سنة ست وتسعين وستمائة، ثم قبض عليه فى ذى الحجة منها، وذلك أنه تعاظم فى وزارته، وصار يتبين منه للسلطان قلة الاكتراث به، فأخذ فى ذمه، ثم صرف عن الوزارة، وقيد فأرسل يسأل السلطان عن الذنب الذى أوجب هذه العقوبة، فقال ما له عندى ذنب غير كبره.
ولم يزل يتنقل من الوزارة إلى غيرها، وتمر عليه حوادث حتى انتهى أمره بأن استقر أحد أمراء الألوف، وحج صحبة الأمير سلار، ومات بالقاهرة بعد أمراض فى سنة تسع وسبعمائة. (انتهى باختصار).
مطلب بيان ما اغتصب من حارة الجوانية
وقد اغتصب سليمان أغا السلحدار قطعة كبيرة من حارة الجوانية، من ضمنها السبيل المذكور، والمكتب الذى يعلوه، وبنى بها العمارة التى عن يمين الداخل من بابها إلى ضريح الشيخ الجمل، وأنشأ موضع السبيل والمكتب قصرا وأسكنه جماعة من النصارى، وكان قد كتب هذه العمارة لإحدى زوجاته، فلما مات هدمت القصر، وأعادت السبيل والمكتب كما كان.
دار الست طولباى
وكان بباب الجوانية أيضا دار الست طولباى الناصرية، وموضعها الآن وكالة تجاه باب درب الرشيدى واقعة فى وقف سليمان أغا السلحدار. قال المقريزى: وهذه الدار بجوار حمام الأعسر برأس حارة الجوانية، تجاه درب الرشيدى، أنشأها الأمير سنقر الأعسر الوزير، ثم عرفت بخوند طولباى الناصرية جهة الملك الناصر.
ترجمة الست طولباى الناصرية
قال: وطولباى هذه هى من ذرية جنكزخان، تزوجها الملك الناصر محمد بن قلاوون.
ولما جاءت من بلادها إلى الإسكندرية فى شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة، وطلعت من المراكب وحملت فى خركاه من الذهب على العجل، وجرها المماليك إلى دار السلطنة بالإسكندرية، وبعث السلطان إلى خدمتها عدة من الحجاب وثمانى عشرة من الحرم، ونزلت فى الحراقة فوصلت إلى القلعة يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الأول المذكور، وفرش لها بالمناظر فى الميدان دهليز أطلس معدنى، ومدّ لهم سماطا، ثم عقد عليها يوم الاثنين
سادس ربيع الآخر على ثلاثين ألف دينار معجلها عشرون ألفا، وعقد العقد قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، وقبل عن السلطان النائب أرغون، وبنى عليها، وأعاد الرسل بعد أن شملهم من الإنعام ما أربى على أملهم ومعهم هدية جليلة.
تربة الست طولباى
وماتت فى الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبعمائة، ودفنت بتربتها خارج باب البرقية بجوار تربة خوند طغاى أم أنوك .. (انتهى ملخصا).
وتربة خوند طغاى هى اليوم زاوية الشيخ الشرقاوى التى بقرافة المجاورين.
وكان من جملة حارة الجوانية سوق الفهادين، وهو الموضع الذى به الدير والمدرسة الفارسية، فهذه الحارة باقية إلى اليوم، وشهرتها بالجوانية على أصلها، وهى ناحيتان: ناحية عن يسار الداخل، وهى التى بها الكنيسة والمكتب والدير، وهذه الناحية من رأس الزقاق إلى الدير من حقوق الجوانية، ومن الدير والمدرسة الفارسية إلى آخر الناحية من حقوق العطوفية القديمة، وصارت الآن من حقوق الجوانية.
والناحية الثانية وهى التى تجاه السالك من باب الحارة إلى آخرها هى حارة الجوانية القديمة، وأغلب سكانها من نصارى الشوام والأروام.
دار رفلا عبيد مع ترجمته
وبها من الدور الكبيرة دار رفلا عبيد. كان تاجرا من نصارى الشوام اشتهر بالتجارة حتى صار من أغنياء وقته، واشترى بهذه الحارة أملاكا بجوار الدير، منها دار كبيرة جدا كانت معروفة بدار الشنوانى، ودور صغيرة، وهدم الجميع، وبنى موضعها الكنيسة والمكتب المذكورين، وذلك بعد سنة سبعين ومائتين وألف من سنى الهجرة. ومات وقد ناهز السبعين، ولم يتزوج قط لأنه كان معتقدا أنه إن تزوج مات من عامه الذى يتزوج فيه، إذ كان له أخوان تاجران اتفق لهما ذلك، فتشاءم من الزواج.
انتهى ما يتعلق بحارة الجوانية قديما وحديثا.
حارة وكالة السلحدار - حارة حوش عطىّ
حارة وكالة السلحدار عن يسار المارّ بالشارع وليست نافذة.
حارة حوش عطىّ (بضم العين المهملة وتشديد الياء المثناة) هى عن يسار المارّ بالشارع وليست نافذة أيضا.
ضريح الشيخ عبد الكريم
وبجوارها ضريح الشيخ عبد الكريم الأموى يعمل له حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام فى شهر شعبان.
حارة المبيضة
حارة المبيضة عن اليسار، وبرأسها سبيل وقف الخانكى فى نظارة الأوقاف.
زاوية الخضر والأربعين
وبداخلها زاوية تعرف بزاوية الخضر والأربعين، وهى صغيرة، وبها ضريح يزار، وله مولد سنوى، ولها بئر خارجة عنها. وكانت أول أمرها مدرسة تعرف بالنابلسية ذكرها المقريزى مرارا فى التحديد، ولم يفردها بالذكر.
زاوية الشيخ عبد اللطيف
وزاوية أخرى تعرف بزاوية الشيخ عبد اللطيف، وهى بآخر حارة عبد اللطيف - التى هى داخل حارة المبيضة المذكورة - بها ضريح الشيخ عبد اللطيف، المعروفة الزاوية به، يعمل له مولد كل سنة. وهى الآن متخربة، وتحت نظر رجل يعرف بيوسف الختام.
ضريح الشيخ عمارة ضريح الشيخ الطبلاوى
وبحارة المبيضة أيضا ضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ عمارة، والآخر بالشيخ الطبلاوى وبها دار يوسف الجبلاوى أحد التجار، ودار سليمان أبى داود شيخ الياسرجية سابقا، وغيرهما من الدور الكبيرة والصغيرة.
دار الوزارة الكبرى
وكان موضعها فى القديم دار الوزارة الكبرى التى أنشأها أمير الجيوش بدر الجمالى - وزير الخليفة المستنصر - وكانت كبيرة جدا؛ فكان حدها طولا من باب حوش عطىّ إلى باب حارة المبيضة المذكورة. وكانت قبل ذلك تسمى دار القباب، وحولها دور صغيرة، واستمرت دار وزارة إلى آخر مدة الخلفاء الفاطميين، وسكنها صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان إذ ذاك وزيرا للفاطميين، فلما تمكن من نزع الخلافة منهم، ولقب بالسلطان الملك الناصر صارت هذه الدار تسمى دار الملك لسكنه بها إلى أن كانت أيام الملك محمد ابن الملك
العادل بن أيوب انتقل بيت الملك إلى القلعة، وصارت القلعة منزلا للملوك والسلاطين إلى أيامنا هذه. وفى الدولة التركية فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون شرع فى هدم الجهة القبلية منها الأمير قرا سنقر، وبنى بها ربعا ومدرسة، وبنى السلطان بيبرس الجاشنكير بجانب المدرسة خانقاه.
قال المقريزى: ولما كانت سنة سبعمائة أخذ الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى - نائب السلطنة فى أيام الملك المنصور حسام الدين لاجين - قطعة من دار الوزارة، فبنى بها الربع المقابل خانقاه سعيد السعداء، ثم بنى المدرسة المعروفة بالقراسنقرية، ومكتب الأيتام.
فلما كانت دولة البرجية بنى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الخانقاه الركنية والرباط بجانبها من جملة دار الوزارة، وذلك فى سنة تسع وسبعمائة. ثم استولى الناس على ما بقى من دار الوزارة، وبنوا فيها، فمن حقوقها الربع الذى تجاه خانقاه سعيد السعداء، والمدرسة القراسنقرية، وخانقاه ركن الدين بيبرس، وما بجوارها من دار قزمان، ودار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وحمّامه الذى بجانبها، والحمام المجاور لها، وما وراء هذه الأماكن من الآدر وغيرها، والدار الكبرى المعروفة بدار الأمير سيف الدين برلغى الصغير - صهر الملك المظفر بيبرس الجاشنكير - المعروفة اليوم بدار الغزاوى، وفيها السرداب الذى كان زريك بن الصالح فتحه فى أيام وزارته من دار الوزارة إلى سعيد السعداء، وهو باق إلى الآن فى صدر قاعتها، وذكر أن فيه حية عظيمة.
ومن حقوق دار الوزارة المناخ المجاور لهذه القاعة، وكان من وراء القصر الكبير فيما يلى ظهر دار الوزارة الكبرى والحجر، وكان برسم طواحين القمح التى تطحن جرايات القصور، وبرسم مخازن الأخشاب والحديد، ونحو ذلك مثل آلات الأساطيل من الأسلحة المعمولة بيد الفرنج القاطنين فيه، والقنب والكتان والمنجنيقات والزفت فى المخازن التى عليها الأتربة، ولا تنقطع إلا بالمعاول، وكانت الفرنج فيه كثيرة منهم النجارون والخرازون والدهانون والخبازون والخياطون وغيرهم.
وكان على دار الوزارة سور مبنى بالحجارة، وقد بقى الآن منه قطعة فى حد دار الوزارة الغربى وفى حدها القبلى، وهو الجدار الذى فيه باب الطاحون والساقية تجاه باب سعيد السعداء من الزقاق الذى يعرف اليوم بخرائب تتر.
ثم قال: وكانت دار الوزارة فى الدولة الفاطمية تشتمل على عدة قاعات ومساكن وبستان وغيره، وكان فيها مائة وعشرون مقسما للماء الذى يجرى فى بركها ومطابخها ونحو ذلك.
(انتهى ملخصا).
قلت: والزقاق المعروف بخرائب تتر المذكور فى عبارته هو فى وقتنا هذا حارة المبيضة، وأما دار الوزارة فقد استمر الأخذ من أرضها والتغيير فى أوضاعها بالتغلب تارة وبالشراء أخرى إلى أن انمحى أثرها بالكلية. وموضعها اليوم من جهة الشارع حارة المبيضة، والربع الذى بجوارها، ومدرسة قراسنقر - التى فى موضعها الآن مكتب الجمالية - وجامع بيبرس المعروف بالخانقاه، وحوش عطىّ، وما وراء ذلك من الأماكن وغيرها.
مدرسة قراسنقر
ومدرسة قراسنقر المذكورة كانت تجاه خانقاه سعيد السعداء أنشأها الأمير قراسنقر المنصورى سنة سبعمائة، وبنى بجوارها مسجدا معلقا ومكتبا لقراءة الأيتام، وقد تخربت.
مكتب الجمالية
ثم لما كنت ناظرا على ديوان المدارس والأوقاف عمّرت فى بعض منها مكتب الجمالية الذى هو من المكاتب الأهلية، وهو عامر إلى الآن، وبه كثير من الأولاد لهم خوجات ومعلمون، ويعمل لهم امتحان فى كل سنة.
جامع بيبرس الجاشنكير
وأما جامع بيبرس الجاشنكير فهو الجامع القريب من هذا المكتب الذى تجاه الدرب الأصفر، به قبر منشئه يعلوه قبة مرتفعة. وكان إنشاؤه أولا خانقاه للصوفية، وهى أجل خانقاه بالقاهرة، بناها الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكيرى المنصورى قبل أن يلى السلطنة سنة ست وسبعمائة، وبنى بجانبها رباطا يتوصل إليه منها. وبلغ قياس أرض الخانقاه والرباط والقبة نحو فدان وثلث، ولما كملت فى سنة تسع وسبعمائة قرر بالخانقاه أربعمائة صوفى، وبالرباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت، وجعل بها مطبخا يفرق على كل منهم فى كل يوم اللحم والطعام وثلاثة أرغفة من خبز البر، وجعل لهم الحلوى، ورتب بالقبة درسا للحديث النبوى له مدرس وعنده عدة من المحدثين (اه).
وقد أطال المقريزى فى ترجمتها فراجعه. قلت: ولم يكن من ذلك شئ الآن إلا بعض أوقاف شعائرها مقامة منها.
وهذا وصف جهة اليسار من شارع الجمالية ووكالة الصابون.
وكالة الصابون
وأما جهة اليمين فبأولها الوكالة الكبيرة المعروفة بوكالة الصابون، وهى التى سماها المقريزى بوكالة قوصون حيث قال: هى فى معنى الفنادق والخانات، ينزلها التجار ببضائع بلاد الشام مكتبة الأسرة - 2008
من الزيت والشيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب ونحو ذلك، وموضعها فيما بين الجامع الحاكمى ودار سعيد السعداء، كانت أخيرا دارا تعرف بدار تعويل البوعانى، فأخربها وما جاورها الأمير قوصون، وجعلها فندقا كبيرا إلى الغاية وبدائره عدة مخازن، وشرط أن لا يؤجر كل مخزن إلا بخمسة دراهم من غير زيادة على ذلك، ولا يخرج أحد من مخزنه، فصارت هذه المخازن تتوارث لقلة أجرتها وكثرة فوائدها.
قال المقريزى: وأدركنا هذه الوكالة، وإن رؤيتها من داخلها وخارجها لتدهش لكثرة ما هناك من أصناف البضائع وازدحام الناس وشدة أصوات العتالين عند حمل البضائع ونقلها لمن يبتاعها، ثم تلاشى أمرها منذ خربت الشام فى سنة ثلاث وثمانمائة على يد تيمور لنك.
ثم قال: وفيها الآن بقية، ويعلو هذه الوكالة رباع تشتمل على ثلثمائة وستين بيتا أدركناها عامرة كلها. (اه). قلت: وهذه الوكالة باقية إلى اليوم واشتهرت بوكالة الصابون من أجل أن الصابون يباع بها.
شارع الضببية
ثم يليها باب شارع الضببية يتصل بشارع الكلباتى وبشارع مرجوش، وطوله مائة وستون مترا.
سوق الجملون الصغير
وكان موضع هذا الشارع سوق الجملون الصغير الذى ذكره المقريزى حيث قال: هذا السوق يسلك فيه من رأس سويقة أمير الجيوش إلى باب الجوانية وباب النصر، وهو مجاور لدرب الفرحية.
المدرسة الصيرمية
وفيه المدرسة الصيرمية وباب زيادة الجامع الحاكمى، وكان أولا يعرف بالأمراء القرشيين بنى النورى، ثم عرف بالجملون الصغير، وبجملون ابن صيرم وهو الأمير جمال الدين ابن صيرم - أحد الأمراء فى أيام الملك الكامل محمد بن العادل، وإليه تنسب المدرسة الصيرمية والخط المعروف خارج باب الفتوح ببستان ابن صيرم. وهذه المدرسة أنشأها ابن صيرم المذكور الذى كانت وفاته فى سنة ست وثلاثين وستمائة. (اه).
زاوية سوق الضببية
قلت: وفى وقتنا هذا قد زالت هذه المدرسة، وبنى فى موضعها زاوية صغيرة تعرف بزاوية سوق الضببية أغلب أوقاتها معطلة. وأما زيادة الجامع الحاكمى المذكورة فقيل إنها
من بناء الظاهر على بن الحاكم ولم يكملها، وكان قد حبس فيها الفرنج، فعملوا فيها كنائس هدمها الملك الناصر صلاح الدين، وكان قد تغلب عليها، وبنيت اصطبلات.
قال المقريزى: وبلغنى أنها كانت فى الأيام المتقدمة قد جعلت أهراء للغلال، فلما كان فى الأيام الصالحية وزارة معين الدين حسن ابن شيخ الشيوخ للملك الصالح أيوب ولد الكامل ثبت عند الحاكم أنها من الجامع، وأن بها محرابا، فانتزعت وأخرج الخيل منها، وبنى فيها ما هو الآن فى الأيام المعزية على يد الركن الصيرفى، ثم قال: وأدركنا هذا الجمالون معمور الجانبين من أوله إلى آخره بالحوانيت، ففى أوله كثير من البزازين الذين يبيعون ثياب الكتان، وبآخره كثير من الضببيين بحيث لو أراد أحد أن يشترى منه ألف ضبة فى يوم لما عسر عليه ذلك .. فلما حدثت المحن خرب هذا السوق، ثم إنه عمر بعد سنة عشر وثمانمائة قال: وفيه الآن نفر من البزازين وقليل ممن سواهم.
درب الفرحية
وأما درب الفرحية المذكور فقال المقريزى: إنه كان عن يمنة من خرج من الجمالون الصغير طالبا درب الرشيدى، وهو من الدروب التى كانت فى أيام الخلفاء. (اه).
قلت: ومن حقوقه الآن المصبغة الكبيرة التى بشارع الضببية وما جاورها من حانوت الأموات والمصبغة الصغيرة التى كان يتوصل منها إلى درب الرشيدى.
درب الرشيدى
درب الرشيدى عن يمين المارّ بالشارع، وهو من الدروب القديمة التى ذكرها المقريزى حيث قال: وكان موضعه فى أيام الدولة الفاطمية براحا تجاه الحجر، ونسبته إلى الأمير عز الدين أيدمر الرشيدى مملوك الأمير بلبان الرشيدى خوشداش الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وهو مقابل لباب حارة الجوانية عن يمين السالك من باب النصر يريد الخانقاه البيبرسية بين الضببية والدرب الأصفر، وإلى الآن مشهور بهذا الاسم، وبه من الدور العظيمة دار الحاج أحمد عبد القدوس التاجر المشهور، ودار عبد الله محيسن، ودار الشيخ عبده التاجر، ودار السيد محمود الحتو ابن السيد يوسف، كان تاجرا مشهورا يميل إلى الخير والصلاح رحمه الله.
جامع الحتو
وهو الذى عرف به جامع الحتو بهذه الخطة تجاه وكالة الصابون، لأنه هو الذى أنشأه سنة ثمانين ومائتين وألف، وجعل به منبرا وخطبة، وعمل به سبيلا ومكتبا، ووقف عليه
أوقافا دارّة. وكان أول أمره مدفنا يعلوه زاوية صغيرة تعرف بزاوية الشهداء. وشعائره مقامة إلى الآن من ريع أوقافه.
دار الأمير أحمد
وكان موضع هذا الجامع فى القديم دار الأمير أحمد، وكانت بجوار دار الجاولى. عرفت بالأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكانت من حقوق الحجر، وقد زالت.
وأدركنا مكانها مدفنا يقرأ فيه القرآن يعلوه زاوية مشرفة على الشارع، ثم بعد سنة خمس وسبعين ومائتين وألف استأجر هذا المدفن مع الزاوية رجل من البرابرة، وجعله معملا للمزر المتخذ من القمح، ففزع الناس من ذلك، وتعرض له السيد محمود الحتو، ورفع ذلك للديوان، فمنع البربرى، وعزل الناظر، وأقام السيد محمود ناظرا، فهدمه وبناه على هذا الوضع، ووقف عليه الأوقاف الكثيرة.
دار الجاولى
وأما دار الجاولى فكانت عن يمين الداخل من باب النصر يريد المشهد الحسينى. بناها علم الدين سنجر الجاولى، ووقفها على مدرسته التى بالكبش. وهذه الدار موضعها اليوم الوكالتان المعروفة إحداهما بوكالة القناديل، والأخرى بوكالة الزجاج. وكان بقربها الدار المعروفة بدار الهرماس التى تقدم ذكرها. وقد صارت دار الهرماس هذه إلى الأمير جمال الدين عبد الله بن بكتمر الحاجب، وذلك فى سنة ثمانين وسبعمائة، فأنشأها قاعة وعدة حوانيت وربعا علو ذلك. قلت: وقد زال أثرها، وموضعها اليوم مدفن تعطل الدفن فيه لما امتنع الدفن بالقاهرة، وهو تجاه زاوية القاصد المتقدم ذكرها.
دار الحاجب
وكان بقرب هذه الدار دار الحاجب. قال المقريزى: هى خارج باب النصر تجاه مصلى الأموات، أنشأها الأمير سيف الدين كهرداش المنصورى - أحد المماليك الزراقين - ثم اشتراها الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، فعرفت به، وقد زالت الآن، وبنى فى موضعها مدفن جديد، أنشأه السيد محمود الحتو، وبنى به قبرا لنفسه.
مصلى الأموات
ومصلى الأموات المذكورة هى خارج باب النصر بأول الطريق عن يمنة المارّ بالشارع المسلوك فيه إلى العباسية، وبها قبلة قديمة، بلصقها من الجهة الشرقية معبد يعرف بمعبد الست
زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن الحنفية، وتسميه العامة مشهد الست زينب.
وفى شرقيه موضع معروف عند التربية ببيت البئر، ومذكور فى تقاريرهم بهذا الاسم.
وهذا الموضع هو بئر اللفت الذى ذكره المقريزى. وفى شرقيه مدفن يعرف بمدفن السادة الصوفية.
تربة الصوفية
(فائدة): قال السخاوى فى كتاب «المزارات» : وأخذ صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء قطعة أرض قدر فدانين من ميدان القبق، وأداروا عليها سورا من الحجر وجعلت مقبرة لمن يموت منهم، ثم أضافوا لها قطعة من تربة قراسنقر سنة تسعين وسبعمائة.
وما برح الناس يقصدون تربة الصوفية هذه لزيارة من فيها من الأموات ويرغبون الدفن بها إلى أن ولى مشيخة الخانقاه الشيخ شمس الدين محمد العلالى فسمح لكل أحد أن يقبر ميته بها على مال يؤخذ منه، فقبر بها كثير من أعوان الظلمة ومن لم يستنكر طريقته، فصارت مجمعا للنساء ومحلا للعبيد، بعد أن لم يكن فى هذه الصحراء تربة مثلها فيما جمع فيها من العلماء والمحدّثين والأولياء. (اه).
سويقة اللفت
(1)
وكان هناك حيث بئر اللفت السويقة المعروفة بسويقة اللفت فى شمال مصلى الأموات.
كانت تشتمل على عدة حوانيت يباع فيها اللفت والكرنب، ويحمل منها إلى سائر أسواق القاهرة.
سويقة زاوية الخدام
وكان فى بحرّيها سويقة زاوية الخدّام. كان فيها عدة حوانيت يباع فيها أنواع المآكل إلى أن خربت فى سنة ست وثمانمائة، ولم يبق فيها سوى حوانيت لا طائل وراءها.
سويقة الرملة
وكان فيما بين سويقة زاوية الخدام وجامع آل ملك حيث مصلى الأموات سويقة الرملة.
كان فيها عدة حوانيت مملوءة بأصناف المآكل.
سويقة جامع آل ملك
وكان هناك أيضا سويقة جامع آل ملك بقيت إلى سنة ست وثمانمائة. وكانت من الأسواق الكبار.
(1)
سويقة اللفت ذكرها المقريزى فى خططه ج 2 ص 106
(أحمد تيمور)
سويقة أبى ظهير وسويقة السنابطة
وكان يليها سويقة أبى ظهير، وسويقة السنابطة كانت هناك أيضا، عرفت بقوم من أهل سنباط كانوا سكنوها. (اه. مقريزى).
وأما الشارع المسلوك من باب النصر إلى العباسية فيعرف بشارع الشيخ يونس لأن به قبره، وهو عن يمين السالك إلى العباسية فى مقبرة معروفة بالدير.
قبر الشيخ يونس السعدى
وفى بحرى قبر الشيخ يونس قبر الشيخ محمد العراقى واقع بالتل الذى هناك، وفى قبليه تل يعرف بتل الشيخ شعبان. وقبلى تل الشيخ شعبان المقبرة المعروفة بالإيوان، وهى واقعة بين مصلى الأموات وتل الشيخ شعبان.
قبر الشيخ الجعبرى
وهناك قبر داخل زاوية متخربة يعرف بقبر الشيخ الجعبرى عن يسار السالك فى الطريق تجاه تل الشيخ شعبان المذكور.
قبر الشيخ أمين الدين
وبالقرب من قبر الشيخ الجعبرى قبر الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمرى المتوفى سنة ثلاثين وتسعمائة ترجمه الشيخ الشعرانى وأطال فى ترجمته فراجعها إن شئت.
رباط الفخرى
وهناك عن يسار الخارج من باب النصر الرباط المعروف برباط الفخرى بناه الأمير عز الدين أيبك المعروف بالفخرى - أحد أمراء الملك الظاهر بيبرس - وهذا الرباط موجود للآن، ويعرف بهذا الاسم واقع فيما بين باب الفتوح وباب النصر فى ظهر الأماكن التى هناك.
مقبرة الجبّاسة وغيرها
ويقابله مقبرة تعرف بالجباسة، وفى شرقيها مقبرة يقال لها «ودن» واقعة تجاه مصلى الأموات.
وفى بحرى مقبرة الجباسة القباب الثلاث المعروفة بالشيخ مبارك. وفى بحرى القباب مقبرة الشقاروة.
انتهى ما يتعلق بوصف درب الرشيدى ومصلى الأموات وما جاورها من الأضرحة والمقابر بحسب ما تيسر لنا.
***
الدرب الأصفر
الدرب الأصفر عن يمين المارّ بالشارع، وغير نافذ، وبه عطفة صغيرة عن يمين المارّ به تعرف بعطفة جنبلاط، وهو من الدروب القديمة ذكرها المقريزى فقال: هذا الدرب تجاه خانقاه بيبرس الجاشنكير، وكان موضعه المنحر، لأن الخلفاء الفاطميين كانوا ينحرون بهذا الموضع الضحايا يوم عيد النحر عند رجوعهم من مصلى العيد، التى هى خارج باب النصر.
دار الشيخ المنصورى
(قلت): وهو إلى الآن عامر، وبه دور كبيرة وصغيرة منها دار الشيخ محمد المنصورى الضرير - أحد علماء الحنفية، ومفتى مجلس الأحكام سابقا - وهى للآن تحت أيدى ورثته.
دار السحيمى
ودار السحيمى، وهى دار كبيرة جدا مطلة على باب حارة برجوان، وآلت إلى ملك السيد محمد إمام القصبى - شيخ الجامع الأحمدى بطنتدا - بطريق الشراء الشرعى.
الخانقاه الشرابشية
وهذه الدار فى موضع الخانقاه الشرابشية التى ذكرها المقريزى فى الخوانق قال: أنشأها نور الدين على بن محمد الشرابشى، وكانت فيما بين الجامع الأقمر وحارة برجوان، وبابها الأصلى كان من زقاق ضيق بوسط حارة برجوان.
دار جنبلاط
ودار جنبلاط، وهى كبيرة أيضا، ولها بابان؛ أحدهما من هذا الدرب، والثانى من درب الرشيدى.
وبه أيضا ضريح يعرف بضريح الشيخ السطوحى، وآخر يعرف بالأربعين.
هذا ما يتعلق بالدرب الأصفر قديما وحديثا.
المنحر
وأما المنحر فذكر المقريزى أنه كان بجوار القصر الكبير، ثم قال: هو الموضع الذى اتخذه الخلفاء لنحر الأضاحى فى عيد النحر وعيد الغدير، وكان تجاه رحبة باب العيد. وموضعه الآن يعرف بالدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وصار موضعه ما بداخل هذا الدرب من
الآدر والطاحون وغيرها، وظاهره تجاه رأس حارة برجوان: يفصل بينه وبين حارة برجوان الحوانيت التى تقابل باب الحارة.
ومن جملة المنحر الساحة العظيمة التى عملت لها خوند بركة - أم السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين - البوابة العظيمة بخط الركن المخلق، بجوار قيسارية الجلود التى عمل فيها حوانيت الأساكفة. (انتهى).
(قلت): وخط الركن المخلق هو شارع وكالة التفاح الآن. وأما الركن المخلق فهو الركن الذى عن يمين الداخل من معبد موسى عليه السلام المعروف اليوم بزاوية سيدنا موسى.
ثم قال المقريزى: وكان الخليفة إذا صلى صلاة عيد النحر وخطب ينحر بالمصلى، ثم يأتى المنحر المذكور وخلفه المؤذنون يجهرون بالتكبير، ويرفعون أصواتهم كلما نحر الخليفة شيئا، وتكون الحربة فى يد قاضى القضاة وهو بجانب الخليفة ليناوله إياها إذا نحر. وأول من سن منهم إعطاء الضحايا وتفرقتها فى أولياء الدولة على قدر رتبهم العزيز بالله نزار.
وقال أيضا: وفى التاسع من ذى الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة جلس الخليفة الآمر بأحكام الله على سرير الملك، وحضر الوزير وأولاده، وقاموا بما يجب من السلام، واستفتح المقرئون، وتقدم حامل المظلة وعرض ما جرت به عادته من المظال الخمسة التى جميعها مذهّب، وسلم الأمراء على طبقاتهم، وختم المقرئون، وعرضت الدواب جميعها والعماريات والوحوش وعاد الخليفة إلى محله، فلما أسفر الصبح خرج الخليفة وسلم على من جرت عادته بالسلام عليه، ولم يخرج بشئ عما جرت به العادة فى الركوب والعود. وغيّر الخليفة ثيابه، ولبس ما يختص بالمنحر، وهو البدلة الحمراء بالمشدة التى تسمى بشدة الوقار، والعلم الجوهر فى وجهه بغير قضيب ملك فى يده إلى أن دخل المنحر، وفرشت الملاءة الديبقى الحمراء، وثلاث بطائن مصبوغة حمر ليتقى بها الدم مع كون كل من الجزارين بيده مكبة صفصاف مدهونة يلقى بها الدم عن الملاءة، وكبّر المؤذنون، ونحر الخليفة أربعا وثلاثين ناقة وقصد المسجد الذى آخر صف المنحر، وهو مغلق بالشروب والفاكهة المعبأة فيه بمقدار ما غسل يديه، ثم ركب من فوره.
بيان ما كان ينحره الخليفة خاصة
وجملة ما نحره وذبحه الخليفة خاصة فى المنحر، وباب الساباط دون الأجل الوزير المأمون وأولاده وإخوته فى ثلاثة الأيام ما عدته ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا. تفصيله: نوق مائة وثلاث عشرة ناقة نحر منها فى المصلى عقيب الخطبة ناقة، وهى التى تهدى وتطلب من
آفاق الأرض للتبرك بلحمها، ونحر فى المناخ مائة ناقة، وهى التى يحمل منها الوزير وأولاده وإخوته والأمراء والضيوف والأجناد والعسكرية والمميزين، وفى كل يوم يتصدق منها على الضعفاء والمساكين بناقة واحدة، وفى اليوم الثالث من العيد كانت تحمل ناقة منحورة للفقراء فى القرافة، وينحر فى باب الساباط ما يحمل إلى من حوته القصور وإلى دار الوزارة وإلى الأصحاب والحواشى اثنتا عشرة ناقة، وثمانى عشرة بقرة، وخمس عشرة جاموسة، ومن الكباش ألف وثمانمائة رأس. ويتصدق فى كل يوم فى باب الساباط بسقط ما يذبح من النوق والبقر.
بيان المبلغ المنصرف على الأسمطة فى أيام العيد
وأما مبلغ المنصرف على الأسمطة فى ثلاثة الأيام خارجا عن الأسمطة بالدار المأمونية فألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا، أو ربع وسدس دينار. ومن السكر برسم قصور الحلاوة، والقطع المنفوخ المصنوعة بدار الفطرة خارجا عن المطابخ ثمانية وأربعون قنطارا، ثم نقل عن ابن الطوير أنه إذا انقضى ذو القعدة وأهلّ ذو الحجة اهتم بالركوب فى عيد النحر وهو يوم عاشره، فيجرى حاله كما جرى فى عيد الفطر من الزى والركوب إلى المصلى، ويكون لباس الخليفة فيه الأحمر الموشح ولا ينخرم منه شئ، وركوبه ثلاثة أيام متوالية:
فأولها يوم الخروج إلى المصلى والخطابة كعيد الفطر، وثانى يوم وثالثه إلى المنحر، وهو المقابل لباب الريح الذى فى ركن القصر المقابل لسور دار سعيد السعداء - الخانقاه اليوم - وكان براحا خاليا لا عمارة فيه، فيخرج من هذا الباب الخليفة بنفسه، ويكون الوزير واقفا عليه، فيترجل ويدخل ماشيا بين يديه بقربه. هذا بعد انفصالهما من المصلى ويكون قد قيد إلى هذا المنحر أحد وثلاثون فصيلا وناقة أمام مصطبة مفروشة يطلع عليها الخليفة والوزير ثم أكابر الدولة، وهو بين الأستاذين المحنكين، فيقدم الفراشون له إلى المصطبة رأسا، ويكون بيده حربة من رأسها الذى لا سنان فيه، ويد قاضى القضاة فى أصل سنانها، فيجعله القاضى فى نحر النحيرة ويطعن بها الخليفة، وتجر من بين يديه حتى يأتى على العدة المذكورة، فأول نحيرة هى التى تقدّد وتسير إلى داعى اليمن - وهو الملك فيه - فيفرقها على المعتقدين من وزن نصف الدرهم إلى ربع درهم، ثم يعمل ثانى يوم كذلك، فيكون عدد ما ينحر سبعا وعشرين، ثم يعمل فى اليوم الثالث كذلك، وعدة ما ينحر ثلاث وعشرون. وفى مدة هذه الأيام الثلاثة يسير رسم الأضحية إلى أرباب الرتب والرسوم كما سيرت الغرة فى أول السنة من الدنانير بغير رباعية ولا قراريط على مثال الغرة من عشرة دنانير إلى دينار، فإذا انقضى ذلك خلع الخليفة على الوزير ثيابه الحمر التى كانت عليه ومنديلا آخر بغير السمة والعقد المنظوم من القصر عند
عود الخليفة من المنحر، فيركب الوزير من القصر بالخلع المذكورة شاقا القاهرة، فإذا خرج من باب زويلة انعطف على يمينه سالكا على الخليج، فيدخل من باب القنطرة إلى دار الوزارة وبذلك انفصال عيد النحر. (انتهى). وقد أطال المقريزى فى وصف ذلك فارجع إليه إن شئت.
حمام سعيد السعداء
ثم بعد الدرب الأصفر المتقدم الذكر حمام سعيد السعداء بجوار جامع الخانقاه المعروف بجامع سعيد السعداء، وكان يعرف أولا بحمام الصوفية، أنشأه السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب لصوفية الخانقاه، وهو عامر إلى اليوم يدخله الرجال والنساء ويعرف بحمام الجمالية.
جامع الخانقاه
ثم جامع الخانقاه المعروف بجامع سعيد السعداء، ويعرف أيضا بالخانقاه الصلاحية هو تجاه حارة المبيضة واقع بين حمام الجمالية والقراقول الذى هناك، تحته عدة قبور دفن بها بعض الصوفية، وقد تغير بعض مبانيه الأصلية، وجعل به منبر وخطبة. وكان أصله دارا تعرف بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر، ويقال عنبر، واسمه بليان ولقبه سعيد السعداء - أحد المحنكين خدام القصر، عتيق الخليفة المستنصر - قتل سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
فلما استبد صلاح الدين يوسف بن أيوب، وغيّر رسوم الدولة الفاطمية عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية، ووقف عليهم أوقافا، فكانت أول خانقاه عملت بمصر، وعرفت بدويرة الصوفية. وكان سكانها يعرفون بالعلم والصلاح، وكان لهم يوم الجمعة هيئة فاضلة فى خروجهم للصلاة بالجامع الحاكمى.
ولما جدد الأمير يلبغا السالمى الجامع الأقمر، وعمل به منبرا، وأقيمت به الجمعة ألزم صوفية هذه الخانقاه أن يصلوا الجمعة به. فلما زالت أيامه تركوا ذلك ولم يعودوا إلى الاجتماع بالجامع الحاكمى. (انتهى ملخصا من المقريزى):(قلت): وهذا الجامع عامر إلى اليوم، وشعائره مقامة، ويتبعه سبيل متخرب.
وبهذا الشارع أيضا سبيلان: أحدهما وقف السلطان قايتباى أنشأه سنة أربع وثمانين وثمانمائة، والآخر وقف المويلحى أنشأه سنة أربع وعشرين ومائة وألف، وهما عامران الآن بنظر الأوقاف.
وبه من الدور الكبيرة دار محمد شمس الدين حمود شيخ طريقة الأحمدية، ودار ملك ورثة المرحوم السيد أحمد من التجار المشهورين، ودار الشيخ السجينى الجراح، وغير ذلك من الدور الكبيرة والصغيرة.
***
شارع وكالة التفاح
هو عن يمين المارّ من شارع الجمالية، ويتصل بشارع السنّانين وشارع التنبكشية، وطوله اثنان وثمانون مترا.
جامع الجمالى
وبأوله تجاه قراقول الجمالية الجامع المعلق، ويعرف أيضا بجامع الجمال وبجامع الجمالى، وهو معلق يصعد إليه بدرج. وكان أول أمره مدرسة تعرف بمدرسة الأمير جمال الدين الأستادار، ابتدأ فى عمارتها الأمير جمال الدين سنة عشر وثمانمائة، وانتهت سنة إحدى عشرة وثمانمائة. وقد بسطنا الكلام عليها فى جزء المدارس من هذا الكتاب. (قلت): وهو مقام الشعائر إلى الآن، وله أوقاف، ويتبعه سبيل متخرب.
وهناك أيضا سبيلان؛ أحدهما معروف بسبيل النقادى وهو متخرب، والآخر عامر بنظر الأوقاف بقرب وكالة التفاح.
وكالة التفاح
وبوسط هذا الشارع وكالة كبيرة شهيرة بوكالة التفاح، عرف هذا الشارع بها لشهرتها، فيها عدة من تجار الشوام يبيعون فيها البضائع الشامية، كالشاهى والقطنى ونحوهما. وهذه الوكالة هى العمارة التى أنشأتها أم السلطان، وكان أصلها دارا كبيرة تعرف بالأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى، وكان يدخل إليها من الدرب الأصفر تجاه جامع بيبرس الجاشنكير، وكان لها باب آخر من المحايريين، يعنى من الشارع المعروف الآن بالسنانين الذى به سور الجامع الأقمر، ثم عرفت بالأمير مظفر الدين موسى الصالح على بن مالك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى، ثم خربت، فجعلتها خوند أم السلطان شعبان بن حسين بن قلاوون عمارة، فبنتها قيسارية عرفت بقيسارية الجلود، ووقفتها على مدرستها التى بالتبانة، ثم انتقلت من وقفها إلى وقف جمال الدين يوسف الأستادار اغتصابا، وهى الآن تحت نظر أولاد المراكشى
وكالة الدخان
وأما الوكالة التى بجوارها فكان أصلها قاعة عظيمة أنشأتها أم السلطان أيضا من جملة العمارة، غير أنها لم تبن بها سوى بوابتها، ثم أخذها السلطان الملك الأشرف أبو العزيز برسباى الدقماقى الظاهرى، وجعلها وكالة كبيرة، وذلك فى سنة خمس وعشرين وثمانمائة، ولم يسخر فى عمارتها أحدا، وغيّر من الطراز المنقوش فى الحجارة بجانبى باب الدخول اسم شعبان ابن حسين وكتب برسباى، فجاءت من أحسن المبانى، وهى باقية إلى اليوم، وتعرف بوكالة الدخان لمبيع الدخان بها.
وبهذا الشارع أيضا عدة وكائل من الجانبين، منها وكالة شهيرة بوكالة الركن، وهى معدة لمبيع الخرنوب والدخان، وتحت نظر الأوقاف، ومنها وكالة مطبخ العسل، وهى معدة لمبيع أصناف النقل كالحوز واللوز ونحوهما، وتحت نظر السيد أحمد السخاوى، ومنها وكالة عبد الله باشا الأرنؤودى، وهى معدة لمبيع الأصناف الواردة من الأقطار الحجازية، وتحت نظر ذرية الباشا المذكور، ومنها وكالة عباس أغا، وهى معدة لمبيع الأصناف الواردة من جهة الحجاز وغيره، وتحت نظر محمد الشعبى.
***
القسم الثانى: شارع المحكمة
ويعرف بشارع رحبة العيد وبشارع حبس الرحبة. ابتداؤه من قراقول الجمالية وأول شارع وكالة التفاح، وانتهاؤه مسجد المشهد الحسينى، وبه شارع قصر الشوك، وسيأتى بيانه، وبه عطف وجارات ودروب كهذا البيان:
درب المسمط
درب المسمط عن يسار المارّ بالشارع، وليس بنافذ.
جامع محمود محرم وترجمته
وعلى رأسه جامع محمود محرم. كان إنشاؤه سنة ست وأربعين وتسعمائة كما هو منقوش على عمود فيه من الرخام، ثم جدّده الخواجا الحاج محمود محرم سنة سبع ومائتين وألف كما هو منقوش على بابه، فعرف به من ذاك الوقت، ووقف عليه أوقافا، شعائره مقامة إلى اليوم من ريعها، وبه منبر وخطبة وخزانة كتب عليها قيّم يتعهدها ويغير منها للطالبين، وبداخله ضريح يقال إنه ضريح الشيخ إبراهيم البقاعى المفسّر.
وأما محمود محرم المذكور فهو الخواجه المعظم والملاذ الأفخم الحاج محمود بن محرم، أصل والده من الفيوم، ثم استوطن مصر، وتعاطى التجارة، فاتسعت دنياه. مات فى طريق الحجاز سنة ثمان ومائتين وألف ودفن هناك، وقد بسطنا ترجمته عند الكلام على جامعه فى مجلد الجوامع من هذا الكتاب.
ويتبع هذا الجامع سبيل أنشئ سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف وتحت نظر الشيخ مصطفى حجاج. (قلت): وقد بلغنى أن المعروف عند اختيارية أهل هذه الخطة أن حبس الرحبة المذكور كان قريبا من جامع محمود محرم.
وهناك بالقرب من الجامع سبيلان أحدهما وقف السلطان إينال، والآخر وقف الجلشنى، وهما عامران إلى الآن بنظر الأوقاف.
دار محمود محرم
وبدرب المسمط أيضا دار محمود محرم صاحب الجامع المذكور، وهى دار كبيرة جعلت مدة مسافرخانة ميرية، ثم أعطيت للمدارس برسم أن تجعل مدرسة للبنات، ولم يحصل ذلك وهى الآن تابعة للأوقاف. وهناك ضريح يعرف بضريح الشيخ سليمان
درب الطبلاوى
درب الطبلاوى عن يسار المارّ بالشارع أيضا، وليس بنافذ.
جامع المرازقة
وعلى رأسه جامع المرازقة به منبر وخطبة، وبداخله ضريح الشيخ مرزوق الذى تنسب إليه المرازقة، وهى طائفة من أتباع السيد البدوى رضي الله عنه ويقال إن أسماءهم دائرة بين محمد ومصطفى ومرزوق، وشعائره مقامة، ويتبعه سبيل معروف بسبيل سيدى مرزوق، وهو تحت نظر الشيخ محمد شمس الدين.
زاوية بدر الدين القرافى
وزاوية سيدى محمد بدر الدين القرافى لها منبر وخطبة، وشعائرها مقامة، ويتبعها سبيل.
وهذا وصف شارع المحكمة المذكور.
***
شارع قصر الشوك
عن يسار المارّ، ويتصل بشارع درب القزاز، وطوله مائة وتسعون مترا.
وبه حارات وعطف ودروب كهذا البيان:
حارة قصر الشوك
حارة قصر الشوك عن يسرة المارّ بشارع قصر الشوك، وبرأسها سبيل معروف بسبيل القهوجى، عامر بنظر الشيخ محمد التاجر المشهور بالقهوجى. ويفهم من كلام المقريزى فى درب راشد أنه هو الذى يسمى اليوم بحارة قصر الشوك. (أقول): وبداخلها الآن عطف ودروب كهذا البيان: عطفة الجمال عن يمين المارّ بها وغير نافذة، درب القصاصين عن يمين المارّ بها وليس بنافذ، عطفة البنان عن اليمين وليست نافذة، درب الكاشف عن اليمين أيضا وليس بنافذ.
وبها أيضا بيت الشيخ عبد الرحمن البحراوى الحنفى - أحد مدرسى الأزهر - وبيت السيد أحمد العفيفى ابن السيد عبد الباقى العفيفى ابن الشيخ عبد الوهاب العفيفى - شيخ طريقة العفيفية - الولى المشهور، المدفون بقرافة المجاورين بالقرب من مسجد قايتباى.
درب الفراخة
درب الفراخة عن يسار المارّ بشارع قصر الشوك وغير نافذ. (قلت): وهو من الدروب القديمة. ذكره المقريزى بعنوان درب نادر، وقال: هذا الدرب بجوار المدرسة الجمالية فيما بين درب راشد ودرب ملوخيا المسمى الآن بدرب القزازين.
ترجمة نادر
ونادر المنسوب إليه هذا الدرب هو سيف الدولة نادر أحد غلمان الخليفة العزيز بالله ابن المعز لدين الله توفى سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة .. (انتهى).
المدرسة القوصية
وكان بداخل هذا الدرب المدرسة القوصية المذكورة فى المدارس. أنشأها الأمير الكردى والى قوص كما فى المقريزى، وموصعها الآن زاوية تعرف بزاوية الشيخ عبد الرحيم وبزاوية درب الفراخة، وهى عامرة، وشعائرها مقامة.
المدرسة الجمالية
وأما المدرسة الجمالية المذكورة فهى واقعة بين حارة الفراخة وقصر الشوك بناها الوزير علاء الدين مغلطاى الجمالى سنة ثلاثين وسبعمائة، وجعلها مدرسة للحنفية وخانقاه للصوفية، وكان شأنها عظيما. وتعدّ من أجلّ مدارس القاهرة، وقد تلاشى أمرها لسوء ولاتها، وشعائرها معطلة لتخربها، وتعرف اليوم بزاوية الجمالى. وهذا ما يتعلق بدرب الفراخة قديما وحديثا.
درب الشيخ موسى مسجد الشيخ موسى
درب الشيخ موسى عن يمين المارّ من شارع قصر الشوك، وليس بنافذ، وبه مسجد صغير بداخله ضريح ولى يعرف بالشيخ موسى الذى سمى هذا الدرب باسمه، يعمل له حضرة كل يوم ثلاثاء، ويحضر فيها النساء اللاتى يزعمن أن بهن الداء المعروف بالزار،
وتضرب الدفوف فيرقصن ويغنين، بزعم أن ذلك يريحهن من أذى الجن، وهذا فعل قبيح وليس بصحيح، وقد عمت به البلوى فى عصرنا بهذا القطر المصرى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وهذا الدرب ذكره المقريزى وعبر عنه بدرب السلامى فقال: هو من جملة خط رحبة باب العيد، وفيه إلى اليوم أحد أبواب القصر المسمى بباب العيد، ويسلك من هذا الدرب إلى خط قصر الشوك، وإلى المارستان العتيق الصلاحى، وإلى دار الضرب وغير ذلك.
ترجمة مجد الدين السلاّمى
وعرف بمجد الدين السلامى إسماعيل بن محمد بن ياقوت الخواجا مجد الدين السلامى تاجر الخاص فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان يدخل إلى بلاد التتر ويتجر ويعود بالرقيق وغيره، واجتهد مع جوبان إلى أن اتفق الصلح بين الملك الناصر وبين القان أبى سعيد، فانتظم ذلك بسفارته وحسن سعيه، فازدادت وجهاته عند الملكين. وكان الملك الناصر يسفره ويقرر معه أمورا، فيتوجه ويقضيها على وفق مراده بزيادات، فأحبه وقربه، ورتب له الرواتب الوافرة فى كل يوم من الدراهم وغيرها. ولما مات الملك الناصر تغير عليه الأمير قوصون، وأخذ منه مبلغا يسيرا، وكان ذا عقل وافر، وفكر مصيب، وخبرة بأخلاق الملوك، وما يليق بخواطرها، ونطق سعيد، وخلق رضى وشكالة حسنة، وطلعة بهية. مات فى داره من درب السلامى هذا يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ودفن بتربته خارج باب النصر، ومولده فى سنة إحدى وسبعين وستمائة بالسلامية بلدة من أعمال الموصل.
(وهى بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحت مشددة ثم تاء التأنيث).
(انتهى). وهذا وصف درب الشيخ موسى قديما وحديثا.
درب المقدم
درب المقدم عن يمين المارّ بشارع قصر الشوك، وليس بنافذ، وبرأسه سبيل معروف بسبيل حمزة أنشئ سنة أربع وتسعين وتسعمائة، وهو عامر إلى اليوم بنظر ديوان الأوقاف.
ويؤخذ من كلام المقريزى أن الطريق الذى كان فاصلا بين خزانة البنود وبين سور القصر هو درب المقدم هذا. (قلت): وبابه الآن كائن بين دار الأمير أحمد باشا رشيد التى هى موضع خزانة البنود وبين درب القزازين الصغير الذى هو موضع باب قصر الشوك - أحد أبواب القصر - وبداخله عدة بيوت.
بيت أحمد بيك صقر
وبالقرب من هذا الدرب بيت أحمد بيك صقر - باشكاتب عموم السكة الحديد، وهو بيت كبير فى غاية الإتقان والاتساع، وبه جنينة، وبيت إسماعيل أفندى حقى من التجار المشهورين، وبيت الفاضل الشيخ عبد الرحمن القطب النواوى - قاضى طنتدا الآن.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع قصر الشوك وما به من الدروب والعطف والحارات.
مطلب تتميم الكلام على شارع المحكمة
ولنرجع إلى تتميم الكلام على شارع المحكمة فنقول:
عطفة المورلى عن يسار المارّ بشارع المحكمة، وليست نافذة.
عطفة أحمد باشا طاهر عن اليسار أيضا، وغير نافذة، عرفت بالأمير أحمد باشا طاهر، لأن منزله بها، وهو كبير جدا.
زاوية الواطى
وبها زاوية سيدى أحمد الواطى، وهى صغيرة معدة لإقامة المجاورين الذين يأتون من ناحية الواط (منوفية)، وبداخلها سبيل، والناظر عليها الشيخ محمد الواطى من ذرية سيدى أحمد الواطى المذكور.
عطفة القفاصين عن يمين المارّ من شارع المحكمة واقعة بين جامع يوسف جمال الدين وبين جامع الست الحجازية، وهى غير نافذة.
عطفة الأفندى عن يمين المارّ بالشارع المذكور بجوار باب المحكمة الكبرى، وهى متصلة بحارة الصالحية.
حمّام الأفندى
وبداخلها حمّام تعرف بحمام الأفندى، وهو قديم عبر عنه المقريزى بحمام القاضى، فقال هو من جملة خط درب الأسوانى، وكانت تعرف بإنشاء شهاب الدولة بدر الخاص - أحد رجال الدولة الفاطمية، ثم انتقلت إلى ملك القاضى السعيد أبى المعالى هبة الله بن فارس، وصارت بعده إلى ملك القاضى كمال الدين أبى حامد محمد ابن قاضى القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس المارانى، فعرفت بحمام القاضى إلى اليوم. (انتهى). وذكر ابن أبى السرور البكرى فى خططه أنها إلى الآن - يعنى فى زمنه - تعرف بحمام الأفندى لمجاورتها
لبيته. (انتهى). (قلت): واستمر لها هذا الاسم إلى وقتنا هذا، وهى عامرة يدخلها الرجال والنساء.
ويظهر مما تقدم عن المقريزى أن عطفة الأفندى هى من ضمن درب الأسوانى الذى ذكره حيث قال: إنه ينسب إلى القاضى أبى محمد الحسن بن هبة الله الأسوانى المعروف بابن عتاب.
(انتهى ملخصا).
قصر الزمرد
وكان بأول شارع المحكمة قصر يعرف بقصر الزمرد، وهو من قصور الخلفاء الفاطميين.
قال المقريزى: قيل له قصر الزمرد، لأنه كان بجوار باب الزمرد - أحد أبواب القصر الغربى، فلما زالت الدولة الفاطمية صار من جملة ما صار بيد ملوك بنى أيوب، واختلفت عليه الأيدى إلى أن اشتراه الأمير بدر الدين مسعود بن خطير الحاجب من أولاد ملوك بنى أيوب.
واستمر بيده إلى أن رسم بتسفيره من مصر إلى مدينة غزة، واستقر نائب السلطنة بها سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وكاتب الأمير سيف الدين قوصون عليه وملّكه إياه، فشرع فى عمارة سبع قاعات، لكل قاعة إصطبل ومنافع ومرافق، وكانت مساحة ذلك عشرة أفدنة، فمات قوصون قبل أن يتم بناء ما أراده من ذلك.
فصار يعرف بقصر قوصون إلى أن اشترته خوند تتر الحجازية ابنة الملك الناصر محمد ابن قلاوون وزوج الأمير بكتمر الحجازى، فعمّرته عمارة ملوكية، وتأنقت فيه تأنقا زائدا، وأجرت الماء إلى أعلاه وعملت تحت القصر إصطبلا كبيرا لخيول خدامها، وساحة كبيرة يشرف عليها من شبابيك حديد، فجاء شيئا عجيبا حسنه. وأنشأت بجواره مدرستها التى تعرف إلى اليوم بالمدرسة الحجازية، وجعلت هذا القصر من جملة ما هو موقوف عليها.
فلما ماتت سكنه الأمراء بالأجرة إلى أن عمر الأمير جمال الدين يوسف الأستادار داره المجاورة للمدرسة السابقة، وتولى أستادارية الملك الناصر فرج صار يجلس برحبة هذا القصر والمقعد الذى كان بها، وعمل القصر سجنا يحبس فيه من يعاقبه من الوزراء والأعيان، فصار موحشا يروع النفوس ذكره لما قتل فيه من الناس خنقا وتحت العقوبة من بعد ما قام دهرا وهو مغنى صابات، وملعب أتراب، وموطن أفراح، ودار عز، ومنزل لهو، ومحل أمانى النفوس ولذاتها، ثم لما فحش كلب جمال الدين وشنع شرهه فى اغتصاب الأوقاف أخذ هذا القصر يتشعث شئ من زخارفه، وحكم له قاضى القضاة جمال الدين عمر بن العديم الحنفى باستبداله، فقلع رخامه، فلما قتل صار معطلا مدة، وهم الملك الناصر فرج ببنائه
رباطا ثم انثنى عزمه عن ذلك، فلما عزم على المسير إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز فى سنة أربع عشرة وثمانمائة نزل إليه الوزير الصاحب سعد الدين إبراهيم بن البشيرى، وقلع شبابيكه لتعمل آلات حرب. وهو الآن بغير رخام ولا شبابيك، قائم على أصوله، لا يكاد ينتفع به، إلا أن الأمير المشير بدر الدين حسن بن محمد الأستادار لما سكن فى بيت الأمير جمال الدين جعل ساحة هذا القصر إصطبلا لخيوله، وصار يحبس فى هذا القصر من يصادره أحيانا. وفى سنة عشرين وثمانمائة شرع فى عمل هذا القصر سجنا، وأزيل كثير من معالمه، ثم ترك على ما بقى فيه ولم يتخذ سجنا. (اه. ملخصا).
المدرسة الحجازية
وأما المدرسة الحجازية فهى الجامع الموجود إلى الآن بهذا الاسم فى أول الشارع عن يمين السالك من الشارع إلى المحكمة، أنشأتها الست خوند تتر الحجازية - المتقدم ذكرها - سنة إحدى وستين وسبعمائة، وبها قبرها. وكانت أول أمرها مدرسة، ثم ترك منها التدريس، وبقيت لمجرد الصلاة. شعائرها مقامة للآن.
وكان القصر بجوارها، وكانت مساحته عشرة أفدنة بفدان ذاك الوقت - وقدره خمسة آلاف وتسعمائة وخمسة وعشرون مترا مربعا - فتكون مساحة هذا القصر تسعة وخمسين ألف متر ومائتين وخمسين مترا، وذلك يستوجب أن القصر كان ممتدا إلى بيت القاضى الآن، وأن جميع الأماكن التى عن يمنة السالك إلى بيت القاضى وكذا عطفة القفاصين التى هناك بما فيها من البيوت وغيرها كان داخلا فى هذه المساحة. وعند فتح شارع المحكمة الجديد الآتى من شارع النحاسين وهدم الأماكن التى كانت هناك ظهر من آثار هذا القصر سور كبير مبنى بأحجار ضخمة، عبارة عن حائطين سمك الواحدة أربعة أمتار وبينهما فضاء مشغول بقناطر تربط الحائطين بسعة أربعة أمتار أيضا، فكان السّمك جميعه عبارة عن اثنى عشر مترا.
وقد أخذ من هذه الأحجار فى بناء القراقول المستجد بجوار المشهد الزينبى، وفى عمارة مجلس الأحكام الذى بجوار بيت القاضى، وبقى إلى الآن جملة من هذه الأحجار.
هذا وصف شارع المحكمة بما فيه من العطف والدروب والحارات وغير ذلك قديما وحديثا.
القسم الثالث: شارع سيدنا الحسين
أوله من مسجد المشهد الحسينى من الجهة البحرية، وآخره شارع السكة الجديدة من عند التقاطع.
الجامع الحسينى
عرف بذلك لأن به ضريح الإمام الحسين رضي الله عنه داخل جامعه المعروف به، وهو جامع كبير عامر شهير أنشئ حيث مشهد الإمام الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنه أنشأه له الفاطميون سنة تسع وأربعين وخمسمائة على يد الصالح طلائع بن رزيك فى خلافة الفائز بنصر الله، وقد بسطنا الكلام عليه عند الكلام على جوامع القاهرة من كتابنا هذا، ولكن نذكر لك نبذة صغيرة مما ذكرناه هناك فنقول:
هذا المسجد هو الحرم المصرى والمشهد الحسينى المنفرد بالمزايا السنية والأنوار الحسينية، اعتنى الأكابر والأمراء فى كل عصر بعمارته وزخرفته وإعلاء شأنه وفرشه بالفرش النفيسة وتنويره بالشموع والزيوت الطيبة فى قناديل البلور ونجفاته، ورتبوا له فوق الكفاية من الأئمة والمؤذنين والبوابين ونحوهم وقرّاء لقراءة القرآن والدلائل والتوسلات، ووقفوا عليه أوقافا جمّة يبلغ إيرادها الآن نحو الألف جنيه فى السنة. وآخر من عمرّه قبل عمارة الخديو إسماعيل هذه الأمير عبد الرحمن كتخدا، فإنه فى سنة خمس وسبعين ومائة وألف أجرى فيه عمارة عظيمة وزاد فى تحسينه ورونقته.
مطلب تجديد الجامع الحسينى وتاريخ بنائه
ولما أخذ الخديو إسماعيل بزمام ولاية مصر سنة تسع وسبعين ومائتين وألف أمر بتجديده وتوسعته، وندبنى لعمل رسم يكون وافيا بمقصوده، فبذلت الهمة فى ذلك، وعملت له رسما لائقا، وجعلت شكله قائم الزوايا، وجعلت حده القبلى هو استقامة الحد البحرى للقبة، وحده البحرى هو الحد البحرى للصحن الذى به الحنفية اليوم، ويصير هذا الصحن من
ضمن الجامع وحده الذى به المحراب، والمنبر يكون بحذاء جدار القبة الذى به محرابها، والحد الرابع الذى يلى خان الخليلى هو الذى له الآن، وجعلت الصحن والحنفية فى جهته القبلية، أعنى فى محل الإيوان القديم بجوار عمارة العنانى، ويكون قبلى ذلك المطهرة والمراحيض بحيث يؤخذ لها بعض من عمارة العنانى، حتى يكون الجامع آمنا من انعكاس روائح الأخلية عليه. وعلى هذا الرسم صار الضريح الشريف خارجا عن الجامع متصلا بالصحن، وجعلت للضريح بابا إلى الجامع وبابا إلى الصحن، وبابا إلى شارع الباب الأخضر، وجعلت سعة الشارع فى غربيه وشرقيه نحو ثلاثين مترا وفى بحريه نحو أربعين مترا.
فلما قدمته إليه وقع عنده موقع الاستحسان، وفى الحال أحضر الأمير راتب باشا الكبير - وهو يومئذ ناظر الأوقاف المصرية - وأمره بإجراء العمارة على هذا الرسم، ثم شرعوا فى هدمه، فهدم جميعه ما عدا القبة والضريح، وشرعوا فى بنائه وذلك فى خامس عشرى المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف. وفى ثمان وعشرين من شهر شعبان سنة تسعين تم جميعه إلا المئذنة فتمت سنة خمس وتسعين، وبلغ المنصرف على البناء فقط نحو سبعين ألف جنيه مصريا، وهو مبلغ جسيم كان يكفى لجعل هذه العمارة أحسن عمارة من عمارات القاهرة.
ومع كل ذلك لم يجر المرحوم راتب باشا فى وضع هذا الجامع على ما رسمناه زاعما أن هذا الرسم يلزمه خروج بعض الجامع إلى الشارع مع أنه لا يلزم ذلك عند التأمل فى الرسم، وصار هذا الجامع - مع سعته وارتفاعه وكثرة مصروفه - غير مستوف لحقه من الانتظام والتماثل والنور والهواء لسوء رسمه ورسم الأبواب والشبابيك وعدم أخذها حقها من الارتفاع والاتساع مع قلتها وقلة الملاقف.
ومن العجيب أن منحنيات قواصر الأساطين جاءت على شكل مخالف لأشكال المنحنيات الهندسية إلى غير ذلك من الأسقام. ثم إن جميع بناء هذا الجامع بالحجر النحيت، وله إلى جهة خان الخليلى ثلاثة أبواب، وباب إلى عمارة العنانى غير مستعمل الآن، والباب الأخضر، وباب بين المطهرة والساقية، وله منبر بديع الصنعة، ومنارتان إحداهما بجوار القبة وهى قديمة، والأخرى فى جهته القبلية جددت مع الجامع. ودخل فى هذه العمارة عدة بيوت كانت حول الجامع من جهته الشرقية والبحرية؛ منها بيت للسادات - محله الآن الصحن والحنفية - والباقى منه ما هو وقف ومنه ما هو مملوك لأربابه، وقد اشتراه ديوان الأوقاف، ودفع ثمنه من خزينته، ثم هدم الجميع، وجعل فى بعض مساحته الميضأة والمراحيض والمصانع، والبعض الآخر جعل طرقة للمرور من الجهة الشرقية والبحرية.
وكان بالجامع القديم مقبرة تعرف بمقبرة القضاة، فلما هدم الجامع جمعت عظام من فيها، وبنى لها تربة تحت إيوان الحنفية الذى به القبلة ودفنت هناك.
ترجمة على بيك الحسينى
(قلت): وممن دفن فى هذه المقبرة - كما ذكره الجبرتى - الأمير على بيك الحسينى.
كان من مماليك حسن بيك الجداوى قلده الإمارة فى أيام حسن باشا الوزير، وتزوج بزوجة مصطفى بيك الداوودية المعروف بالإسكندرانى، وبقى فى إمارته إلى أن مات بالطاعون فى شهر رجب سنة تسع وتسعين ومائة وألف ودفن بهذه المقبرة. (اه).
القبة الشريفة
وأما القبة الشريفة فهى قائمة على أصولها لم يتغير فيها شئ، وبداخلها الضريح الشريف عليه مقصورة من النحاس الأصفر، بابها منها، ويعلوها قبة صغيرة من الخشب. وعلى الضريح تابوت مكسو بالاستبرق الأحمر المزركش بالمخيش الأصفر، وعليه عمامة من الديباج الأخضر عليها كشمير فرمش. ولهذه القبة ثلاثة أبواب؛ باب إلى جهة الباب الأخضر، وبابان إلى الجامع، بينهما شباكان من النحاس.
وذكر الجبرتى فى ترجمة الأمير حسن كتخدا عزبان الجلفى أن هذا الأمير وسع هذا الجامع وصنع للمقام الشريف تابوتا من الآبنوس مطعما بالصدف، مضببا بالفضة، وجعل عليه سترا من الحرير المزركش بالمخيش. ولما تمموا صناعته عملوا له موكبا، وساروا به حتى وصلوا المشهد، ووضعوه على المقام. وكان أميرا جليلا صاحب بر وإحسان. توفى يوم الأربعاء تاسع شوال سنة أربع وعشرين ومائة وألف ببيته الكائن بحارة برجوان الموجود إلى الآن تحت نظر حليمة السمراء من عتقائه. (اه).
(قلت): ويعمل بهذا المشهد مقرأة كل ليلة ثلاثاء، ومولد فى ربيع الثانى من كل عام يستغرق أكثر الشهر. ولم يزل هذا المشهد من لدن إنشائه عامرا مبجلا محتفلا به إلى ما شاء الله تعالى، كيف وهو مشهد من لولا جده لم تخلق الدنيا من العدم.
(تنبيه): ينبغى زيارة هذا المشهد الجليل فإن صاحبه باب تفريج الكروب، وبه تزول الخطوب، وبالجملة فكتب التواريخ مشحونة بقصة هذا المشهد العظيم، وقد ترجمناه فى جامعه عند الكلام على الجوامع من هذا الكتاب.
عطفة الميضأة
وفى بحرى هذا الجامع عطفة الميضأة يسلك منها إلى عطفة الباب الأخضر.
سبيل المرحوم أحمد باشا
وبه من جهة اليمين سبيل المرحوم أحمد باشا عم الخديو توفيق الأول، وهو سبيل عظيم، وجهته بالرخام، وله شبابيك من النحاس بها مزملات لسقى الماء العذب، وفوقه مكتب لتعليم الأطفال، وله أوقاف عامر من ريعها بمعرفة ناظره خورشد أفندى. ثم بجوار هذا السبيل الباب الأول لشارع خان الخليلى ثم الباب الثانى.
زاوية نصر الله اللقانى
ثم زاوية نصر الله اللقانى التى جددها المرحوم خليل أغا - باش أغا والدة الخديوى إسماعيل فعرفت به، ووقف عليها الدكاكين التى أنشأها فى مساحة زاوية نصر الله شرف الدين التى هدمت عند فتح شارع السكة الجديدة، وقد ذكرناها فى حارة الحمام من هذا الكتاب.
ثم العطفة التى يسلك منها إلى خان الخليلى وإلى شارع السكة الجديدة، وهى فى نهاية الشارع من جهة اليمين، وتعرف بعطفة اللبان؛ لأن برأسها حانوتا معدا لمبيع اللبن، وبه من جهة اليسار بعد الجامع وكالة العنانى، وهى وكالة كبيرة لها بابان أحدهما من هذا الشارع، والآخر من شارع المشهد.
ثم بعد هذه الوكالة السبيل الذى عند حنفية الماء وهو من وقف مصطفى أغا الشوربجى؛ فلذلك يعرف بسبيل الشربجى، يعلوه مكتب، وهو عامر إلى الآن بنظر الست المغلوانية، وبجواره بقرب تقاطع شارع السكة الجديدة.
شارع المشهد
أوله من آخر شارع سيدنا الحسين بلصق هذا السبيل، وآخره أول شارع الباب الأخضر، وطوله سبعون مترا.
جامع البارزدار
وعن يمين المارّ به جامع البارزدار، وهو جامع قديم متخرب، وبه سبيل.
ثم بعد هذا الجامع زقاق موصل إلى شارع السكة الجديدة الممتدة إلى تلول البرقية، به سبيل يعرف بسبيل الخربتاوى تجاه الفرن التى هناك، عامر إلى الآن من أوقاف له.
وبهذا الشارع بيت الأمير أحمد فريد باشا تجاه وكالة العنانى من جهتها الشرقية.
بيت أحمد باشا فريد
وبه أيضا سبيل المشهدى بأسفل بيت المرحوم حسن المشهدى، وهذا البيت قد اشتراه الأمير أحمد فريد باشا المذكور وأدخله فى بيته، والسبيل باق إلى اليوم.
***
شارع الباب الأخضر
أوله من نهاية شارع المشهد من عند الباب الأخضر، وآخره جامع الجوكندار، وطوله نحو ثمانين مترا.
عطفة الباب الأخضر - عطفة أباظة حمام العدوى - بيت محمد بيك المنشاوى
وبأوله عطفة الباب الأخضر، وفى نهايته عطفة صغيرة تعرف بعطفة أباظة، على رأسها حمام الشيخ حسن العدوى بجوار بيته وبآخرها بيت المرحوم محمد بيك المنشاوى وهى غير نافذة ..
دار الفطرة
(قلت): وكان بهذه الخطة دار الفطرة التى ذكرها المقريزى حيث قال: هى قبالة باب الديلم من القصر الذى يدخل منه إلى المشهد الحسينى. وباب الديلم هذا هو أحد أبواب القصر الكبير الشرقى، ومحله الآن القبو الذى يتوصل منه إلى الباب الأخضر. قال المقريزى: وأول من رتبها العزيز بالله، وهو أول من سنها. وكانت الفطرة قبل أن ينتقل الأفضل إلى مصر تعمل بالإيوان أحد منازل القصر، وتفرق منه، وعند ما تحول إلى مصر نقل الدواوين من القصر إليها، واستجد لها مكانا قبالة دار الملك، ثم استجد لها دارا عملت بعد ذلك وراقة، ثم صارت دار الأمير عز الدين الأقرم، وكانت قبالة دار الوكالة، وعملت بها الفطرة مدة، وفرق منها إلا ما يخص الخليفة والجهات والسيدات والمستخدمات والأستاذين. فإنه كان يعمل بالإيوان على العادة
ولما توفى الأفضل وعادت الدواوين إلى مواضعها أمر المأمون بأخذ قطعة من إصطبل الطارمة لتبنى دار فطرة، فأنشئت الدار المذكورة قبالة مشهد الحسين، ثم فى سنة ست وخمسين وستمائة بناها الأمير سيف الدين بهادر فندقا. فمن ذلك الوقت توالت عليها الحوادث حتى ضاعت صورتها، وزالت رسومها، فسبحان من لا يتغير ولا يزول أبدا.
(قلت): ومحلها الآن عدة بيوت عن يمنة الداخل من عطفة الباب الأخضر إلى المشهد الحسينى.
قال المقريزى: وأول من قرر فيها ما يعمل مما يحمل إلى الناس فى العيد هو العزيز بالله، ويكون مبدأ الاستعمال فيها وتحصيل جميع أصنافها من السكر والعسل والقلوب والزعفران والطيب والدقيق لاستقبال النصف الثانى من شهر رجب كل سنة ليلا ونهارا من الخشكنانج والبسندود وأصناف الفانيذ الذى يقال له كعب الغزال والبرماورد والفستق - وهو شوابير مثال الصنج، والمستخدمون بها يرفعون ذلك إلى أماكن وسيعة مصونة، فيحصل منه فى الحاصل شئ عظيم هائل بيد مائة صانع، للحلاويين مقدم، وللخشكنانيين آخر، ثم يندب لها مائة فراش لحمل طيافير للتفرقة على أرباب الرسوم خارجا عمن هو مرتب لخدمتها من الفراشين الذين يحفظون رسومها ومواعينها الحاصلة بالدائم، وعدتهم خمسة، فيحضر إليها الخليفة والوزير معه، ولا يصحبه فى غيرها من الخزائن؛ لأنها خارج القصر، وكلها للتفرقة، فيجلس على سريره بها، ويجلس الوزير على كرسى على عادته فى النصف الثانى من شهر رمضان، ويدخل معه قوم من الخواص ثم يشاهد ما فيها من تلك الحواصل المعمولة المعبأة مثل الجبال من كل صنف، فيفرقها من ربع قنطار إلى عشرة أرطال إلى رطل واحد - وهو أقلها، ثم ينصرف الخليفة والوزير بعد أن ينعم على مستخدميها بستين دينارا، ثم يحضر إلى حاميها ومشارفها الأدعية المعمولة المخرجة من دفتر المجلس كل دعو لتفريق فريق من خاص وغيره، حتى لا يبقى أحد من أرباب الرسوم إلا واسمه وارد فى دعو من تلك الأدعية، ويندب صاحب الديوان والكتاب المستخدمين فى الديوان، فيسيرهم إلى مستخدميها فيسلم كل كاتب دعوا أو دعوين أو ثلاثة على كثرة ما يحتويه وقلته، ويؤمر بالتفرقة من ذلك اليوم فيقدمون أبدا مائتى طيفور من العالى والوسط والدون، فيحملها الفراشون برقاع من كتاب الأدعية باسم صاحب ذلك الطيفور علا أو دنا، وينزل اسم الفراش بالدعو أو عريفه، حتى لا يضيع منها شئ، ولا يختلط. ولا يزال الفراشون يخرجون بالطيافير ملآى ويدخلون بها فارغة، فبمقدار ما تحمل المائة الأولى عبيت المائة الثانية، فلا يفتر ذلك طول التفرقة إلى آخر شهر رمضان. (انتهى ملخصا).
شارع أم الغلام
ابتداؤه من جامع الجوكندار وانتهاؤه شارع درب القزازين، وطوله مائة وأربعة وعشرون مترا، وبأوله من جهة اليسار جامع الجوكندار المذكور، كان أول أمره مدرسة تعرف بالملكية، ذكرها المقريزى فى المدارس حيث قال: هذه المدرسة بخط المشهد الحسينى من القاهرة، بناها الأمير الحاج سيف الدين آل ملك الجوكندار تجاه داره، وذلك سنة تسع عشرة وسبعمائة، وجعل فيها درسا للشافعية، وخزانة كتب معتبرة، ووقف عليها عدة أوقاف، وهى إلى الآن من المدارس المشهورة، وموضعها من جملة رحبة قصر الشوك.
(انتهى).
زاوية حلومة
(قلت): وهى باقية إلى اليوم، وتعرف بزاوية حلومة، وبداخلها ضريح يعرف بضريح الشيخ موسى اليمنى، للناس فيه اعتقاد كبير، يعمل له حضرة كل ليلة ثلاثاء، ومولد كل عام، وشعائرها مقامة من ريع أوقاف لها.
ترجمة آل ملك
وآل ملك هذا هو الأمير سيف الدين أصله مما أخذ فى أيام الملك الظاهر بيبرس من كسب الأبلستين لما دخل إلى بلاد الروم فى سنة ست وسبعين وستمائة، وصار إلى الأمير سيف الدين قلاوون وهو أمير قبل سلطنته فأعطاه لابنه الأمير على. وما زال يترقى فى الخدم إلى أن صار من كبار الأمراء المشايخ رؤوس المشورة فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون. وتولى نيابة حلب فى سلطنة الناصر أحمد، ثم قدم إلى مصر فى تولية الصالح إسماعيل. ثم فى أيام الملك الكامل شعبان أمسك فى سنة سبع وأربعين وسبعمائة ووجه إلى الإسكندرية فخنق بها. وكان رحمه الله خيّرا فيه دين وعبادة، يميل إلى أهل الخير والصلاح. (انتهى).
عطفة الست بدرية - زاوية الست بدرية
ثم بعد جامع الجوكندار عطفة تعرف بعطفة الست بدرية، وهى صغيرة بآخرها زاوية الست بدرية المذكورة، بها ضريحها، وهى متخربة، وقد جددت وجهتها اليوم، وعمل بها أربعة شبابيك.
جامع أم الغلام
ثم ضريح أم الغلام التى عرف الشارع بها، وهو تحت الجامع المعروف بجامع أم الغلام.
كان أول أمره مدرسة تعرف بمدرسة إينال، أنشأها السلطان إينال السيفى، وهى عامرة إلى اليوم من أوقاف لها، ويتبعها سبيل بجوارها. ووجد مكتوبا على باب الضريح ما نصه بعد البسملة: «{إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . هذا مقام سيدة نساء العالمين الأمراء فاطمة والدة الحسن، صلوات الله تعالى عليه. أمر بتجديد هذا المقام المبارك الأمجد نور الدين مليك العالمين
…
». وباقى الكتابة مطموس لا يمكن قراءته، وبعد ذلك تاريخ سنة اثنتين وتسعمائة. (انتهى)
ثم باب درب القزازين الصغير المتصل بشارع درب القزازين الآتى بيانه:
وهذا وصف جهة اليسار من شارع أم الغلام المذكور.
عطفة الجاور على - بيت حسين بك
وأما جهة اليمين فيها عطفة الجاور علىّ هى تجاه جامع الجوكندار، وليست نافذة، وتعرف أيضا بعطفة حسن بيك لأن بيته بها، وهو بيت كبير له بابان؛ أحدهما من عطفة أباظة التى بشارع الباب الأخضر، والثانى من هذه العطفة. (قلت): ويغلب على الظن أنه هو بيت الأمير الحاج سيف الدين الجوكندار صاحب الجامع المذكور لأنه فى مقابلته.
وكان سكنه به فى وسط القرن الثامن - كما ذكره المقريزى.
بيت الأسطى محمد شعيب
وبجوار هذا البيت بيت الأسطى محمد شعيب الخياط الشريف الحسينى، والد السيد عثمان شعيب مباشر القبة الحسينية، وهو إنسان لا بأس به.
عطفة القرطبى - زاوية القرطبى
ثم عطفة القرطبى، عرفت بذلك لأن بها ضريح يعرف بضريح القرطبى، وهو داخل زاوية صغيرة متخربة.
بيت محمد بيك الصيرفى
وبرأس هذه العطفة سبيل يعلوه مكتب، وبآخرها بيت الأمير محمد بيك الصيرفى، وهى غير نافذة.
درب الحموى المدرسة البيدرية
ثم درب الحموى به عدة بيوت، وليس بنافذ، ثم المدرسة البيدرية، وهى فى نهاية هذا الشارع على رأس شارع العلوة، ذكرها المقريزى فقال: هى برحبة الأيدمرى، بالقرب من باب قصر الشوك، بينه وبين المشهد الحسينى، بناها الأمير بيدر الأيدمرى. (انتهى).
(قلت): وهى الآن متخربة، وبداخلها قبر منشئها، عليه قبة، ولم يوجد منها إلا هذه القبة والمئذنة وأحد أبوابها وقطعة صغيرة عبارة عن مصلى، وتعرف اليوم بزاوية اللبان، وبجامع أيدمر البهلوان.
رحبة الأيدمرى
وأما رحبة الأيدمرى المذكورة فهى من ضمن رحبة قصر الشوك التى ذكرها المقريزى فقال: إنها كانت قبلى القصر الكبير الشرقى، وكانت فى غاية الاتساع، وموضعها من جوار المشهد الحسينى والمدرسة الملكية إلى باب قصر الشوك عند خزانة البنود - التى محلها اليوم بيت الأمير أحمد باشا رشيد - وكان السالك من باب الديلم - الذى هو الآن باب المشهد الحسينى - إلى خزانة البنود يمر فى هذه الرحبة، ويصير سور القصر على يساره والمناخ ودار أفتكين على يمينه، ولا يتصل بالقصر بنيان ألبتة. وما زالت هذه الرحبة باقية إلى أن خرب القصر بفناء أهله، فاختط الناس فيها شيئا بعد شئ، ثم لم يبق منها سوى قطعة صغيرة تعرف برحبة الأيدمرى. (انتهى ملخصا).
الحارة الصالحية
(قلت): والذى يغلب على الظن أن موضع شارع أم الغلام من حقوق الحارة الصالحية التى ذكرها المقريزى فقال إنها عرفت بغلمان الصالح طلائع بن رزيك، وهى موضعان:
الصالحية الكبرى والصالحية الصغرى، وموضعهما فيما بين المشهد الحسينى ورحبة الأيدمرى وبين البرقية. وكانت من الحارات العظيمة، وقد خربت الآن.
وقال ابن عبد الظاهر: الحارة الصالحية منسوبة إلى الصالح طلائع بن رزيك لأن غلمانه كانوا يسكنونها، وهى مكانان، وللصالح دار بحارة الديلم كانت سكنه قبل الوزارة. (انتهى).
والذى يؤخذ من كلام المقريزى أن رحبة الأيدمرى محلها الآن مدرسة إينال المعروفة بجامع أم الغلام والمدرسة البيدرية، وحارة البرقية المعروفة اليوم بشارع الدراسة، ويتعين أن حارة
الصالحية واقعة بين شارع أم الغلام وبين شارع الدراسة، وعلى ذلك يكون محلها الآن درب الحموى وعطفة القرطبى وحارة الجاور على، لأن هذه الحارات هى الواقعة بين المشهد والبرقية ورحبة الأيدمرى.
وبهذا الشارع أيضا من الدور الكبيرة دار الأمير حسين بيك، ودار الأمير أحمد بيك الخربطلى، ودار الأمير خورشد بيك مدير قنا سابقا، وغير ذلك من الدور الكبيرة والصغيرة.
***
شارع درب القزازين
أوله من آخر شارع أم الغلام من عند رأس شارع العلوة، وآخره شارع قصر الشوك، وطوله ستة وسبعون مترا، وبأوله من جهة اليمين رأس شارع العلوة الآتى بيانه.
درب الحمام
ثم درب الحمام بآخره زاوية صغيرة تعرف بزاوية الشيخ عطية، بها ضريحه، وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر الديوان، وفى مقابلتها بيت الشيخ راشد - شيخ رواق الأتراك بالجامع الأزهر.
درب القزازين
وأما جهة اليسار فيها درب القزازين الذى عرف الشارع به، ويتوصل منه لشارع أم الغلام. وهذا الدرب هو الذى سماه المقريزى بدرب ملوخيا
(1)
وحارة قائد القواد، وهو فيما بين المشهد وقصر الشوك فقال: هذه الحارة تعرف الآن بدرب ملوخيا، وكانت أولا تعرف بحارة قائد القواد، لأن حسين بن جوهر الملقب قائد القواد كان يسكن بها، فعرفت به.
ترجمة الحسين بن القائد جوهر
وهو حسين بن القائد جوهر أبو عبد الله الملقب بقائد القواد. لما مات أبوه جوهر القائد خلع عليه العزيز بالله، وجعله فى رتبة أبيه، ولقبه بالقائد ابن القائد ولم يتعرض لشئ مما تركة جوهر. فلما مات العزيز، وقام من بعده ابنه الحاكم استدناه، ثم إنه قلده البريد والإنشاء فى شوال سنة ست وثمانين وثلثمائة، وخلع عليه، ثم بعد أمور وقعت له قبض عليه وقتل، وأحيط بجميع ضياعه ودوره وأملاكه والله يفعل ما يشاء.
(1)
فى ذيل خطط المقريزى لعبد الحميد بك نافع رقم 190 بلدان آخر ص 21 ذكر درب ملوخية، وفى ص 22 درب ملوخية الصغير ودرب ملوخية الكبير وفى ص 28 درب ملوخية ببولاق.
(أحمد تيمور)
ثم نسبت هذه الحارة إلى ملوخيا أحد فراشى القصر الكبير - قتله الخليفة الحاكم بأمر الله وباشر قتله.
المارستان العتيق
ثم لما تولى يوسف صلاح الدين السلطنة، وفرق أماكن قصر الخلافة على أمرائه ليسكنوا بها، جعل موضعا منه مارستانا، وهو المارستان المشهور بالعتيق، وجعل بابه من هذه الحارة، وموضعه الآن الدار المعروفة بدار غمرى الحصرى مع ما جاورها من الدور، كما وجد ذلك فى حجج الأملاك، وهو بآخر الحارة من جهة بابها الصغير الذى هو من جهة قصر الشوك، وأصل هذا الباب أحد أبواب القصر الكبير الشرقى، وكان يسمى باب قصر الشوك، ويدخل منه إلى المارستان العتيق.
وكان القاضى الفاضل وزيرا لصلاح الدين فبنى فى هذه الحارة مدرسته
(1)
المشهورة، وجعل بها قاعة لقراءة القرآن، وبنى بها أيضا داره. وكانت مدرسته من أحسن المدارس، اجتمع بخزانة كتبها أربعمائة ألف مجلد، وكان بها مصحف منسوب إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
قال المقريزى: إن القاضى الفاضل اشتراه بستة وثلاثين ألف دينار. وكان بقاعة القرّاء أعلم المتصدرين لقراءة القرآن الكريم؛ الشيخ الشاطبى صاحب «حرز الأمانى» .
وقد زال ذلك كله، ولم يبق له أثر أبدا إلا ألفاظا تقرأ فى حجج الأملاك المجاورة لأرض المدرسة والقاعة، وقد أخذ فى زماننا هذا جملة بيوت من هذه الحارة، اشتراها ديوان الأوقاف وهدمها، وبنى فى موضعها المراحيض التابعة لميضأة مسجد سيدنا الحسين.
وذكر المقريزى فى خططه أن القاضى الفاضل بنى ساقية بالمشهد الحسينى. (قلت):
وهى الساقية الموجودة الآن بحرى الجامع تجاه الشارع المارّ من غربيه الموصل إلى المحكمة وغيرها. وبالجملة فعمارة القاضى الفاضل هى القريبة من المشهد الحسينى.
(قلت): ويتوصل لهذه الحارة فى وقتنا هذا من بابين: أحدهما، وهو الصغير بجوار مدرسة إينال المعروفة بجامع أم الغلام، والثانى بجوار درب المتقدم المجاور لمنزل أحمد باشا رشيد وبها من الدور الكبيرة: دار الحاج غمرى الحصرى، ودار المرحوم إبراهيم أفندى العليمى المهندس، وغيرهما من الدور الكبيرة والصغيرة.
وفى القرن التاسع والعاشر كانت حارة درب القزازين هذه تعرف بدرب الرماح - كما وجد ذلك فى بعض حجج الأملاك. وقد رأيت فى حجة الخواجة الحاج محمد ابن المرحوم
(1)
انظر المدرسة الفاضلية فى ج 6 ص ص 12 - 13، وانظر خطط المقريزى (ط. بولاق) ج 2 ص 336 (أحمد تيمور)
محمود القللى من أعيان تجار خان جعفر المؤرخة بسنة ثمان وسبعين ومائة وألف أنه وقف جميع المكان الكائن بخط حارة الجعدية ومدرسة البردبكية داخل درب الرماح المعروف بدرب القزازين. (اه).
(قلت): وفى وقتنا هذا لم يوجد بداخل درب القزازين مدرسة ولا جامع، وإنما الموجود هناك بقرب بابه الصغير مسجد أم الغلام، فلعله كان يعرف فى ذاك الوقت بالمدرسة البردبكية.
هذا ما يتعلق بوصف شارع درب القزازين قديما وحديثا.
***
شارع العلوة
أوله من تقابل شارع أم الغلام مع شارع درب القزازين ممتدا للجهة الشرقية، وآخره أول شارع الدراسة بجوار جامع الدواخلى، وطوله مائة متر وستة وثمانون مترا.
وبه من جهة اليسار عطف وحارات كهذا البيان:
العطفة الصغيرة عطفة سيدى عمر عرفت بذلك لأن بها ضريحا يعرف بضريح سيدى عمر.
حارة كفر الزغارى، وهى حارة كبيرة، بها من جهة اليمين درب يعرف بدرب النوشرى وهو غير نافذ؛ ثم درب الحجازى غير نافذ أيضا، ثم عطفة محرم ليست نافذة، ثم عطفة الزاوية، بأولها زاوية من إنشاء الأمير عبد الرحمن كتخدا، شعائرها معطلة لتخربها، ولها أوقاف تحت نظر الديوان، ثم عطفة المذبح وغير نافذة، ثم عطفة التراب كذلك.
وأما جهة اليسار من هذه الحارة فبها عطفتان: إحداهما تعرف بعطفة البئر، والأخرى تعرف بعطفة الشماع.
ثم نعود لجهة اليسار من هذا الشارع فنقول: وبها أيضا بعد حارة كفر الزغارى ثلاث عطف غير نافذة: الأولى عطفة البئر، الثانية عطفة المصطبة، الثالثة العطفة السد.
وهذا وصف شارع العلوة فى وقتنا هذا.
***
شارع الدراسة
يبتدئ من نهاية شارع العلوة وجامع الدواخلى، وينتهى لشارع الغريب وشارع الأزهر، وطوله مائة متر وثمانية وثمانون مترا.
وبه من جهة اليسار حارة كفر الطماعين المعروفة فى القرن الحادى عشر بالكفر الجديد، كما هو مذكور فى حجج أملاك هذه الخطة، وتشتمل هذه الحارة على أربع حارات وهى:
حارة الحانوت، حارة المغربلين - بداخلها زاوية تعرف بزاوية المغربلين، وهى مستجدة الإنشاء، وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر الحاج حسن عرسة القماح - حارة العرقسوسى، حارة الوسعة. وكل واحدة منها تتصل بالأخرى فالأربع حارات أشبه بحارة واحدة.
وبحارة كفر الطماعين هذه دار خليل بيك - باشكاتب ديوان الأشغال - وهى تجاه دار السيد محمد الدرّى - أحد كتاب المحكمة الكبرى الشرعية - ودار الحاج محمد سكر الكتبى، ودار محمد أفندى السمسار.
وهناك ضريح يعرف بضريح الشيخ أبى الحسن يعمل له ليلة كل سنة، وقراقول يعرف بقراقول كفر الطماعين، وجباستان: الأولى تعرف بجباسة المعلم جرجس، والأخرى بجباسة المعلم سليمان.
وبهذا الشارع من جهة اليسار أيضا درب يقال له درب الحلفاء، وهو من بعد تقاطع الشارع بالسكة الجديدة ممتد إلى الجهة القبلية، وبداخله عطفتان: إحداهما تعرف بعطفة الشيخ فرج، لأن بها ضريحه وليست نافذة، والثانية تعرف بعطفة الحليمى وهى أيضا غير نافذة
وأما جهة اليمين فيها ثلاث عطف: الأولى عطفة العنبرى، عرفت بذلك لأن بها ضريحا يقال له الشيخ العنبرى، وهو داخل زاوية صغيرة معروفة به جددها له السيد محمد الصباغ، وهى مقامة الشعائر إلى اليوم بنظر محمد أفندى السمسار، ويعمل بها مولد سنوى للشيخ العنبرى المذكور. الثانية عطفة الصوافة. الثالثة عطفة حوش الكتان.
وبأول هذا الشارع الجامع المعروف بجامع الدواخلى، أنشأه السيد محمد بن أحمد بن محمد المعروف بالدواخلى الشافعى تجاه دار سكناه القديمة بكفر الطماعين، وجعل به منبرا، ولما مات ولده دفنه به، وعمل عليه مقصورة وقبة، ثم أخرج منفيا إلى دسوق، ومات ودفن بها سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف - كما فى الجبرتى. (قلت): وهو عامر إلى اليوم، وشعائره مقامة، ولم يكن له مئذنة.
ترجمة السيد معاذ
وبه أيضا جامع السيد معاذ، وهو فى الجهة البحرية لرأس شارع السكة الجديدة الواصل إلى تلول البرقية بالقرب من آخر حارة الدراسة التى كان يتوصل إليه منها ثم سد بابها لارتفاع
تراب التلول عليه، وكان أصله مدرسة بنيت على مشهد السيد الشريف معاذ بن داود بن محمد ابن عمر بن الحسن بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم توفى فى ربيع الأول سنة خمس وتسعين ومائتين كما ذكره السخاوى فى كتاب «المزارات» .
(قلت): وضريحه الآن داخل قبة بها قبر الشيخ محمد المزين وقبر ابنته نفيسة، وبدائر القبة شبابيك من الزجاج الملون مكتوب فيها بالزجاج آيات قرآنية وأحاديث نبوية، ومكتوب فى شباك منها:«بنيت هذه القبة سنة ست وستين وثمانمائة» . وعلى الباب لوح رخام فيه كتابة كوفية لم يمكنى قراءتها. وشعائره معطلة إلى اليوم؛ لأنه كان قد شرع فى عمارته على بيك الميهى بعد ما تحصل على أمر بإيقاف مائة فدان على عمارته ولوازمه بعد العمارة، ثم سلم مائة الفدان لديوان الأوقاف، وأحال العمارة عليه، فأخذ الديوان فى عمارته مدة نظارتنا على الأوقاف، ثم بعد انفصالنا عن النظارة وموت على بيك المذكور توقفت العمارة فلم يتم إلى الآن. أقول: ومن الواجب إتمامه ولو من ريع العشرة آلاف فدان المجعولة للمنصرف على المساجد التى لا ريع لها، فإن بقاء مسجد هذا الشريف على هذه الصفة لا يصح خصوصا بعد صرف ما صرف عليه.
وبه أيضا زاوية صغيرة تعرف بزاوية القزاز؛ لأن بداخلها ضريح الشيخ محمد القزاز.
شعائرها مقامة من أوقافها بنظر محمد عثمان الزيات.
[حارة البرقية
(*)
]
وهذا الشارع - أعنى شارع الدراسة - وما حواه من الدروب والعطف والحارات من ضمن حارة البرقية، وهى كبيرة جدا بعضها عن يمين السكة الجديدة الخارجة من جهة الشنوانى وبعضها عن شمالها. وفى المقريزى أن هذه الحارة عرفت بطائفة من العسكر فى الدولة الفاطمية يقال لهم الطائفة البرقية. قال ابن عبد الظاهر: ولما نزل بالقاهرة - يعنى المعز لدين الله - اختط كل طائفة الخطة التى عرفت بها، واختط جماعة من أهل برقة الحارة المعروفة بالبرقية، وإليها تنسب الأمراء البرقية، وذلك أن الصالح طلائع بن رزيك أنشأ أمراء يقال لهم البرقية، وجعل ضرغاما مقدمهم، فترقى حتى صار صاحب الباب، وذكر له المقريزى حكاية مع شاور السعدى لما أن تولى الوزارة بعد رزيك بن الصالح طلائع.
(انتهى ملخصا).
وحارة البرقية هذه واقعة بين سور القاهرة الشرقى وبين المشهد الحسينى، ومع اتساعها زادها أمير الجيوش لما غير السور خمسين ذراعا - كما نص على ذلك المقريزى - عند الكلام على سور القاهرة. وحدها البحرى من جهة السور حارة العطوفية، والقبلى من جهة الأزهر
(*) العناوين داخل الأقواس المربعة من إضافات هذه الطبعة الثانية.
حارة كتامة المعروفة اليوم بحارة الدويدارى. وأما حدودها الغربية فهى مختلفة لتداخل بعض الحارات والعطف فيها مثل: عطفة درب الحمام، ودرب الحموى، وحارة القرطبى، وحارة الجاور على. وجميع هذه الحارات بشارع أم الغلام، خرج بعضها فى أيام الصالح طلائع بن رزيك، وهو حارتا الصالحية، فإن أرضهما من حقوق البرقية كما يؤخذ ذلك من خطط المقريزى:
قلت: وقد صارت الآن حارة البرقية عدة جهات منها: كفر الزغارى، وكفر الطماعين، والعلوة، والدراسة، ودرب الحلفاء، والغريب، وحارة وليلة، وشق العرسة، وما جاور ذلك، وجميعها ينتهى من الجهة الشرقية إلى سور القاهرة الذى خلفه التلول التى وضعها الحاكم بأمر الله خوفا من نزول السيول من الجبل إلى القاهرة.
[ميدان القبق]
وكان خلف هذه التلول ممتدا إلى الجبل عرضا ومن الثغرة التى ينزل إليها من قلعة الجبل إلى قبة النصر التى عند الجبل الأحمر طولا ميدان القبق الذى ذكره المقريزى فى خططه فقال:
ويقال له أيضا الميدان الأسود، وميدان العيد، والميدان الأخضر، وميدان السباق، وهو ميدان السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى الصالحى النجمى، بنى به مصطبة فى المحرم من سنة ست وستين وستمائة عند ما احتفل برمى النشاب وأمور الحرب، وحث الناس على لعب الرمح ورمى النشاب ونحو ذلك، وصار ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة، فيقيم من الظهر إلى العشاء الأخيرة، وهو يرمى النشاب، ويحرض الناس على الرمى والنضال والرهان، فما بقى أمير ولا مملوك إلا وهذا شغله، وما برح من بعده من أولاده والملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى النجمى والملك الأشرف خليل بن قلاوون يركبون فى الموكب لهذا الميدان، وتقف الأمراء والمماليك السلطانية تسابق بالخيل فيه قدامهم، وتنزل العساكر فيه لرمى القبق.
والقبق عبارة عن خشبة عالية جدا تنصب فى براح من الأرض، ويعمل بأعلاها دائرة من الخشب، وتقف الرماة بقسيّها وترمى بالسهام جوف الدائرة لكى تمر من داخلها إلى غرض هناك، تمرينا لهم على إحكام الرمى، ويعبر عن هذا بالقبق فى لغة الترك.
وما برح هذا الميدان فضاء من قلعة الجبل إلى قبة النصر، ليس فيه بنيان، وللملوك فيه من الأعمال ما تقدم ذكره إلى أن كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فترك النزول إليه، وبنى مصطبة برسم طعم طيور الصيد بالقرب من بركة الحبش، وصار ينزل هناك، ثم ترك تلك المصطبة فى سنة عشرين وستمائة، وعاد إلى ميدان القبق هذا، وركب إليه على
عادة من تقدمه من الملوك إلى أن بنيت فيه الترب شيئا بعد شئ، حتى انسدت طريقه، واتصلت المبانى من ميدان القبق إلى تربة الروضة خارج البرقية. (انتهى باختصار).
(قلت): ومحله اليوم ترب المجاورين وترب قايتباى.
[تربة الروضة]
وأما تربة الروضة فهى الترب الواقعة بين التلول وسور البلد بقرب باب الغريب - الذى هو الآن أحد أبواب القاهرة - ويغلب على الظن أنه كان فى محل هذا الباب أو بالقرب منه باب البرقية الذى ذكره المقريزى عند ذكر أبواب القاهرة إلا أنه لم يتكلم عليه ولم يبين محله وإنما قال عند ذكر جامع البرقية إن هذا الجامع من باب البرقية بالقاهرة، وعمّره مغلطاى الفخرى، وذلك سنة ثلاثين وسبعمائة. (انتهى). (قلت): وفى وقتنا هذا لم يوجد بهذه الخطة جامع مسمى بهذا الاسم، بل الجامع الموجود هناك معروف بجامع الغريب، فلعله هو جامع البرقية، ويشهد لذلك ما هو موجود فى حجج أملاك هذه الجهة من ذكر حارة البرقية،
(تتمة): كفر الطماعين وكفر الزغارى المتقدم ذكرهما هما حارتان كبيرتان متلاصقتان بالسور، سكانهما يميلون إلى التعصب والتحزب، وكانت لهم غارات فيما سبق، فكانوا يتحالفون على المغالبة والمضاربة بالعصى والمساوق، ويستعملون الشد والعهد بينهم، بمعنى أن كل طائفة منهم لهم كبير يدعونه بالعم وهو يدعوهم بالمشاديد، فكان الواحد منهم إذا أراد التعصب على سكان جهة أخرى - كالعطوف مثلا - لمضاغنة بينهما أرسل إليهم يخبرهم بأنه يريد التعصب عليهم، فيعطونه ميعادا، ويخرجون خارج البلد جهة الخلاء، ويتضاربون بالمساوق ونحوها، وربما فزع بعضهم بسلاح إذا طال القتال، واشتد بينهم. وفى بعض الأوقات كان يموت منهم القليل، وإذا وصل الخبر إلى الحكومة فكانوا ينكرون ذلك، ويعدونه من الفتوة. ولكن فى هذه السنين قد بطل ذلك، وانسد هذا الباب شيئا فشيئا حتى صارت التعصبات والتحزبات كأنها لم تكن شيئا مذكورا. وكانت هذه الأمور لا تقع غالبا إلا من سكان الحارات القريبة من الخلاء مثل الحسينية والحطابة والعطوف، وغيرها من تلك الجهات.
هذا ما يتعلق بوصف شارع الدراسة وما فيه من العطف والحارات وغيرها قديما وحديثا.
***
شارع الصنادقية
ابتداؤه من نهاية شارع الأشرف وأول شارع الغورية، ويمتد مشرقا إلى الجامع الأزهر وطوله مائتان وثمانون مترا. وهذا الشارع هو الذى سماه المقريزى بسوق القشاشين، وكان فيما بين دار الضرب وبين المارستان، ثم قال: وعرف اليوم بسوق الخراطين، وكان سوقا كبيرا معمور الجانبين يشتمل على نحو خمسين حانوتا، فلما حدثت المحن تلاشى أمره.
وكان بظهر الدكاكين التى عن يمينك فى أوله - وأنت سالك إلى الجامع الأزهر - الدرب المعروف بدرب الشمسى، وكان موضعه فى القديم دار الضرب التى بناها المأمون البطائحى - وزير الآمر بأحكام الله - قبالة المارستان فى سنة ست عشرة وخمسمائة، وسميت بالدار الأميرية، وكان دينارها أعلى عيارا من جميع ما يضرب بجميع الأمصار. وكان بجوارها دار الوكالة الحافظية أنشأها المأمون أيضا لمن يصل من العراقيين والشاميين من التجار وغيرهم، ومحلها الآن الوكالة المعروفة بوكالة السحاحير. وكان فى ظهر الدكاكين التى عن يسارك المارستان المذكور بجوار خزانة الدرق، التى محلها اليوم الوكالة المعروفة بوكالة رخا.
عطفة الحمام
وبهذا الشارع الآن من جهة اليمين عطفة الحمام وهى صغيرة غير نافذة، وبآخرها حمام الصنادقية، وهى من الحمامات القديمة سماها المقريزى بحمام «الخراطين» وقال: أنشأها الأمير نور الدين أبو الحسن على بن نجا بن راجح بن طلائع، وصارت أخيرا فى وقف الأمير علم الدين سنجر السرورى المعروف بالخياط إلى أن اغتصبها الأمير جمال الدين يوسف الأستادار، وجعلها وقفا على مدرسته برحبة باب العيد. وهى عامرة إلى اليوم، يدخلها الرجال والنساء، ويتوصل إلى مستوقدها الآن من درب ابن طلائع على يسرة من سلك من سوق الفرايين المعروف اليوم بشارع التبليطة.
وكان بجوار هذا الحمام حمام أخرى تعرف بحمام السبوباشى. قال المقريزى: واسمه عمرو ابن كحت بن شيرك العزيزى والى القاهرة، وقد خربت ولم يبق لها أثر ألبتة.
عطفة العفيفى
ثم بعد عطفة الحمام المذكورة عطفة العفيفى، ويقال لها عطفة أبى النصر، وكان موضعها القديم دربا يعرف بدرب المنقدى. ذكره المقريزى فقال: هذا الدرب بين سوق الخيميين وسوق الخراطين على يمنة من سلك من الخراطين إلى الجامع الأزهر. كان يعرف قديما بزقاق غزال، وهو ضيعة الدولة أبو الظاهر إسماعيل بن مفضل بن غزال، ثم عرف بدرب المنقدى، وهو الآن يعرف بدرب الأمير بكتمر أستدار العلاى. (اه).
ترجمة الشيخ العزيزى
(قلت): وفى القرن الثانى عشر كان ساكنا بهذه العطفة العلامة الشيخ مصطفى العزيزى، وهو - كما فى الجبرتى - الإمام العلامة والبحر الفهامة شيخ مشايخ العصر، ونادرة الدهر، الصالح الزاهد الورع القانع، الشيخ مصطفى العزيزى الشافعى. كان معتقدا عند الخاص والعام، وتأتى الأكابر والأعيان لزيارته، ويرغبون فى مهاداته وبره، فلا يقبل من أحد شيئا كائنا ما كان مع قلة دنياه.
وكان يقرأ درسه بمدرسة السنانية المجاورة لحارة سكنه بخط الصنادقية، ويحضر درسه كبار العلماء والمدرسين، وكان لا يرضى بتقبيل يده ويكره ذلك. وكان إذا تكامل درسه حضر من بيته ودخل إلى محل جلوسه بوسط الحلقة، وعند ما يجلس يقرأ المقرئ، فإذا تم الدرس قام فى الحال وذهب إلى بيته، وهكذا كان دأبه إلى أن مات - رحمه الله تعالى.
(انتهى).
وبجوار هذه العطفة زاوية كوساسنان. وكانت تعرف أولا بالمدرسة السنانية، أنشأها الأمير كوساسنان الدفتادار سنة خمسين وسبعمائة - كما وجد بالكتابة التى بدائرها. وكان بها منبر وخطبة، ثم خربت زمن دخول الفرنساوية أرض مصر، وبقيت معطلة إلى أن جددها ناظرها الشيخ محمد البرانى بلا منبر، وجدد مطهرتها؛ وشعائرها مقامة من أوقاف لها بنظر الديوان، ويتبعها سبيل متخرب وقف الأمير كوساسنان المذكور.
وفى مقابلتها بجوار وكالة إينال بيت العلامة الجبرتى صاحب تاريخ «وقائع مصر» المشهور وقد سكن به بعد موته الشيخ محمد الرشيدى الفلكى الذى نفاه الخديو إسماعيل، والآن هو سكن رجل من تجار العجم.
عطفة الصباغ
وبعد هذه الزاوية عطفة صغيرة تعرف بعطفة الصباغ، لأن بها بيت السيد محمد الصباغ الفلكى الموجود الآن - صاحب النتيجة المعروفة بنتيجة الصباغ.
عطفة المدق
وأما جهة اليسار فبأولها عطفة المدق، وكان فى موضع هذه العطفة وما جاورها درب يعرف بدرب خرابة صالح، وهو من الدروب القديمة. ذكره المقريزى فقال: هذا الدرب عن يسرة من سلك من أول الخراطين إلى الجامع الأزهر. كان موضعه فى القديم مارستانا ثم صار مساكن. وعرف بخرابة صالح
…
ثم قال: وفيه الآن دار الأمير طينال، وباب سوق الصنادقيين (انتهى).
عطفة أحمد بيك
ثم بعد عطفة المدق عطفة أحمد بيك، ويقال لها أيضا عطفة الحلاوة، وهى غير نافذة.
وكالة الجلابة
وبهذا الشارع أيضا عدة وكايل من الجانبين وهى: وكالة الجلابة من إنشاء السلطان الغورى، معدة لمبيع البضائع السودانية، وبها عدة حواصل، ولها بابان أحدهما من هذا الشارع، والآخر من شارع السكة الجديدة، ووكالة الصناديق معدة لبيع الصناديق والسحاحير وبأعلاها مساكن، والناظر عليها الحاج حسين القمصانجى، ووكالة المناطيلى، وهى من وقف المناطيلى، بها جملة حواصل، وبأعلاها مساكن، والناظر عليها السيد محمد بليحة، ووكالة السفط من إنشاء الأشرف، وبأعلاها مساكن، والنظر فيها للأوقاف، ووكالة إسماعيل أفندى حقى، ببسكنها المجاورون بالأزهر، والنظر فيها لزوجة إسماعيل أفندى المذكور، ووكالة السلطان إينال اليوسفى، معدة لسكن الجلابة، وفى نظارة الأوقاف، ووكالتان من إنشاء جوهر اللالا، إحداهما يباع فيها المخلل، والأخرى مجعولة مطبخا، ويعلوها أماكن متخربة، والنظر فيهما للأوقاف، ووكالة محمد بيك أبى الذهب معدة لبيع البضائع السودانية والحجازية، ونظرها للأوقاف.
بيت محمود بيك العطار
وبوسط هذا الشارع من جهة اليسار بيت الأمير محمود بيك العطار سر تجار مصر سابقا.
ضريح جعفر الصادق
وبجواره ضريح يعرف بضريح جعفر الصادق، يعمل له مولد كل سنة، وللناس فيه اعتقاد كبير، وليس هذا جعفر الصادق ابن الإمام على - كرم الله وجهه - كما تزعم العامة، وإنما هو أمير من أمراء الفاطميين - كما قاله المقريزى.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع الصنادقية قديما وحديثا.
***
شارع الحلوجى
أوله من آخر شارع الصنادقية تجاه جامع محمد بيك أبى الذهب، وآخره رأس شارع المشهد من عند تقاطع شارع السكة الجديدة، وطوله مائة متر، عرف بالشيخ المعتقد سيدى مبارك الحلوجى (بحاء مهملة مفتوحة ولام ساكنة وواو مفتوحة وجيم وياء النسبة) داخل زاوية تعرف قديما بزاوية الحلاوى (بفتح الحاء واللام وكسر الواو قبل ياء النسبة من غير جيم).
زاوية الحلوجى
وتعرف اليوم بزاوية الحلوجى، وهى بين الجامع الأزهر والمشهد الحسينى. قال المقريزى:
أنشأها الشيخ مبارك الهندى السعودى الحلاوى - أحد الفقراء من أصحاب الشيخ أبى السعود ابن أبى العشائر البارينى الواسطى - سنة ثمان وثمانين وستمائة، وأقام بها إلى أن مات ودفن فيها. (اه). وذكر الشعرانى فى طبقاته أن الشيخ عبيدا البلقينى المتوفى سنة ثلاثين وتسعمائة دفن بهذه الزاوية وكانت تعرف به. (اه).
وقد جدد هذه الزاوية الوزير محمد على باشا والى الديار المصرية، وجدد ضريح الشيخ الحلاوى وضريح أولاده، واستمرت عامرة إلى الآن يعمل بها حضرة كل ليلة ثلاثاء، ومولد كل عام، وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر الديوان.
حمام الحلوجى
وبجوارها حمام يعرف بحمام الحلوجى، وهو قديم، ينزل إليه بدرج عامر إلى اليوم يدخلها الرجال والنساء. ومذكور فى وقفية السلطان الغورى أن هذه الزاوية تسمى بالمدرسة الحلاوية، وأما الحمام فيعرف بحمام الأبارين لقربه من سوق الأبارين الذى ذكره المقريزى فى خط السبع خوخ العتيق حيث قال: هذا الخط فيما بين خط إصطبل الطارمة وخط الزراكشة العتيق. كان فيه قديما أيام الخلفاء الفاطميين سبع خوخ يتوصل منها إلى الجامع الأزهر، فلما انقضت أيامهم اختط مساكن وسوقا تباع فيه الإبر التى يخاط بها يعرف بالأبارين (اه).
(قلت): وخط الزراكشة العتيق محله اليوم خان الخليلى وما بجواره من الأماكن والحارات، ودخل فى ذلك أيضا دار العلم الجديدة، والقصر النافعى، وتربة الزعفران.
وقد تكلمنا على القصر النافعى عند الكلام على شارع النحاسين من هذا الكتاب.
[درب العسل]
وكان بآخر هذا الشارع درب صغير يعرف بدرب العسل. (قلت): وفى خرطة القاهرة التى رسمتها الفرنساوية أن هذا الدرب كان قريبا من نهاية شارع الحاوجى، وهو من الدروب القديمة ذكره المقريزى فقال: هذا الدرب عن يمنة من خرج من خط السبع خوخ إلى المشهد الحسينى. كان يعرف أولا بخوخة الأمير عقيل ابن الخليفة المعز لدين الله أبى تميم معدّ - أول خلفاء الفاطميين. مات سنة أربع وسبعين وثلثمائة هو وأخوه الأمير تميم بن المعز بالقاهرة ودفنا بتربة القصر. (اه).
(قلت): وكان بهذا الدرب ربع كبير على يمين الداخل، ودور قليلة، ثم لما فتح شارع السكة الجديدة المعروف بشارع الشنوانى هدم هذا الربع، وصارت البيوت التى أمامه أحد جانبى الشارع، وبقيت كذلك إلى أن اشتراها مع الربع المذكور المرحوم خليل أغا أغاة والدة الخديو إسماعيل، وبنى موضعها مدرسته المعروفة به، وهى باقية إلى الآن.
ثم إن المارّ بشارع الحلوجى قبل فتح شارع الشنوانى يجد عن يمينه عطفة كان موضعها درب ابن عبد الظاهر الذى ذكره المقريزى فقال: هو بخط الزراكشة العتيق بجوار فندق الذهب، وهو من حقوق دار العلم التى استجدت فى وزارة المأمون البطائحى، فلما زالت الدولة اختط مساكن، وسكن هناك القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فعرف به. (اه).
(قلت): وكان بهذا الشارع وكالة كبيرة تعرف بوكالة الحبش، وجامع يعرف بجامع جقمق، وقد زال هذا الجامع مع الوكالة عند فتح شارع الشنوانى المذكور.
وجقمق هذا هو أحد ملوك الجراكسة بمصر.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع الحلوجى قديما وحديثا ..
***
شارع التبليطة
أوله من وسط شارع الغورية بجوار قبة الغورى، وآخره شارع الأزهر بجوار جامع محمد بيك أبى الذهب، وطوله مائتا متر.
وبه جهة اليمين المدفن المعروف بمدفن الغورى، ثم دار الشيخ الرافعى، ثم وكالة قديمة تعرف بوكالة النخلة من إنشاء الغورى، ثم رأس شارع لولية وسيأتى بيانه، ثم بيت سليمان بيك العيسوى - أحد التجار المشهورين بمصر، ثم عطفة صغيرة غير نافذة تعرف بعطفة العفيفى، على رأسها بئر ماء معينة يملأ منها بالأجرة.
[عطفة وكالة الزيت]
وأما جهة اليسار فبأولها عطفة وكالة الزيت يسلك منها إلى الوكالة المعروفة بوكالة الزيت.
وهذه العطفة هى بعض درب ابن طلائع الذى ذكره المقريزى حيث قال: ويسلك فى هذا الدرب إلى قيسارية السروج، وباب سر حمام الخراطين، ودار الأمير ألدمر. وعرف هذا الدرب أولا بالأمير نور الدين أبى الحسن على بن نجا بن راجح بن طلائع، ثم عرف بدرب الجاولى الكبير، وهو الأمير عز الدين جاولى الأسدى - مملوك أسد الدين شيركوه بن شادى،
ثم عرف بدرب العماد سنينات، ثم عرف بدرب ألدمر وبه يعرف إلى الآن. (اه).
ترجمة الأمير ألدمر
وألدمر هذا هو - كما فى المقريزى - الأمير سيف الدين ألدمر أمير جاندار - أحد أمراء الملك الناصر محمد بن قلاوون - خرج إلى الحج فى سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان أمير حاج الركب العراقى تلك السنة يقال له محمد الحويج من أهل توريز بعثه أبو سعيد - ملك العراق - إلى مصر، وخف على قلب الملك الناصر، ثم بلغه عنه ما يكرهه، فأخرجه من مصر.
ولما بلغه أن حويج فى هذه السنة أمير الركب العراقى كتب إلى الشريف عطيفة أمير مكة أن يعمل الحيلة فى قتله بكل ما يمكن، فأطلع على ذلك ابنه مباركا وخواص قواده، فاستعدوا لذلك. فلما وقف الناس بعرفة وعادوا يوم النحر إلى مكة قصد العبيد إثارة فتنة، وشرعوا فى النهب لينالوا غرضهم من قتل أمير الركب العراقى، فوقع الصارخ وليس عند المصريين خبر مما كتبه السلطان، فنهض أمير الركب الأمير سيف الدين خاص ترك والأمير أحمد قريب السلطان والأمير ألدمر أمير جاندار فى مماليكهم، وأخذ ألدمر يسب الشريف رميته، وأمسك بعض قواده وأحدق به، فقام إليه الشريف عطيفة ولاطفه، فلم يرجع.
وكان حديد النفس شجاعا، فأقدم إليهم وقد اجتمع قواد مكة وأشرافها وهم ملبسون يريدون الركب العراقى، وضرب مبارك بن عطيفة بدبوس فأخطأه، وضربه مبارك بحربة نفذت من صدره، فسقط عن فرسه إلى الأرض، فارتج الناس، ووقع القتال، فخرج أمير الركب العراقى واحترس على نفسه، فسلم وسقط فى يد أمير مكة إذ فات مقصوده، وحصل ما لم بإرادته، ثم سكنت الفتنة ودفن الدمر.
وكان قتله يوم الجمعة رابع عشر ذى الحجة، فكأنما نادى مناد فى القاهرة والقلعة والناس فى صلاة العيد بقتل ألدمر ووقوع الفتنة بمكة، ولم يبق أحد حتى تحدث بذلك، وبلغ السلطان فلم يكترث بالخبر وقال: أين مكة من مصر؟ ومن أتى بهذا الخبر؟ واستفيض هذا الخبر بقتل ألدمر، حتى انتشر فى إقليم مصر كله، فما هو إلا أن حضر مبشر الحاج فى يوم الثلاثاء ثانى المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة فأخبروا بالخبر مثل ما أشيع، فكان هذا من أغرب ما سمع به.
ولما بلغ السلطان خبر قتل ألدمر غضب غضبا شديدا، وصار يقوم ويقعد وأبطل السماط، وأمر فجرد من العسكر ألفا فارس؛ كل منهم بخودة وجوشن ومائة فردة نشاب
وفاس برأسين أحدهما للقطع والأخرى للهدم، ومع كل منهم جملان وفرسان وهجين، ورسم لأمير هذا العسكر أنه إذا وصل إلى ينبع وعداه لا يرفع رأسه إلى السماء بل ينظر إلى الأرض، ويقتل كل من يلقاه من العربان إلا من علم أنه أمير عرب، فإنه يقيده ويسجنه معه. وجرد من دمشق ستمائة فارس على هذا الحكم، وطلب الأمير أيتمش - أمير هذا الجيش - ومن معه من الأمراء والمقدمين وقال له: إذا وصلت إلى مكة لا تدع أحدا من الأشراف ولا من القواد ولا من عبيدهم يسكن مكة، وناد فيهم من أقام بمكة حل دمه، ولا تدع شيئا من النخل حتى تحرقه جميعه، ولا تترك بالحجاز دمنة عامرة، واخرب المساكن كلها، وأقم فى مكة بمن معك حتى أبعث إليك بعسكر ثان.
وكان القضاة حاضرين فقال قاضى القضاة جلال الدين القزوينى: يا مولانا السلطان هذا حرم قد أخبر الله عنه أن من دخله كان آمنا وشرّفه، فرد عليه جوابا فى غضب، فقال الأمير أيتمش: فإن حضر دمنة للطاعة، وسأل الأمان؛ فقال: أمنه.
صورة أمان
ثم لما سكن عنه الغضب كتب باستقرار أهل مكة وتأمينهم، وكتب أمانا نسخته:
واعمل عمل من لا يضل ولا يشقى، ونحن قد آمناك فلا تخف، ورعينا لك الطاعة والشرف، وعفا الله عما سلف. ومن آمناه فقد فاز، فطب نفسا وقر عينا، فأنت أمير الحجاز والحمد لله وحده». (اه).
(قلت): ويظهر أن الدار الموجودة الآن بآخر هذه العطفة هى دار الأمير ألدمر المذكور والوكالة المجاورة لها من حقوقها.
انتهى ما يتعلق بعطفة وكالة الزيت.
[عطفة المغربى]
ثم بعد هذه العطفة عطفة صغيرة غير نافذة يقال لها عطفة المغربى، على رأسها خان يباع به البفت والشاش ونحو ذلك.
ثم وكالة صغيرة تعرف بوكالة سليمان باشا، أنشأها سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وقد جددت فى وقتنا هذا.
وهذا وصف شارع التبليطة الآن وأما فى الأزمان القديمة فكان موضعه دربا يعرف بدرب البيضاء ذكره المقريزى فقال: هو من جملة خط الأكفانيين الآن المسلوك إليه من الجامع الأزهر وسوق الفرايين عرف بذلك لأنه قد كان به دار تعرف بالدار البيضاء. (اه).
وذكر المقريزى أيضا عند الكلام على الرحاب أن رحبة قردية كانت بخط الأكفانيين تجاه دار الأمير قردية الجمدار الناصرى، وكانت هذه الدار تعرف قديما بالأمير سنجر الشكارى، وله أيضا مسجد معلق يدخل من تحته إلى الرحبة المذكورة، ثم قال: وهناك اليوم قاعة الذهب التى فيها الذهب الشريط لعمل المزركش. (اه).
(قلت): وفى أيامنا هذه - أعنى سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف - يوجد عن يسار المارّ بهذا الشارع تجاه بيت الشيخ عبد القادر الرافعى بان ضخمة عبارة عن عقود مبنية بالحجر يقول بعض الناس إنها كانت قاعة الذهب المذكورة، ويغلب على الظن أن المسجد المعلق المذكور محله الآن مدفن الغورى والرحبة كانت فى شرقيه، ومنها حوش المدفن الآن.
وأما الدار البيضاء فهى دار قردية المذكورة، وكانت دائما مسكنا للأمراء، إلى أن سكنها السلطان الغورى، فعرفت به، وهى اليوم فى ملك الشيخ عبد القادر الرافعى الطرابلسى الحنفى - أحد مدرسى الحنفية بالأزهر - وشيخ رواق الشوام به أيضا.
وذكر المقريزى عند الكلام على مسالك القاهرة وشوارعها أن السالك من وسط الشارع الأعظم، وهو قصبة القاهرة التى أولها من باب زويلة، وآخرها بين القصرين يجد عن يسرته سوق الجمالون الكبير المسلوك فيه إلى قيسارية ابن قريش وإلى سوق العطارين والوراقين
وغيرها، ثم يسلك أمامه فيجد عن يمينه الزقاق المسلوك فيه إلى سوق الفرايين الآن، وكان يعرف أولا بدرب البيضاء، وإلى درب الأسوانى، وإلى الجامع الأزهر وغير ذلك. (اه).
(قلت): فيؤخذ من هذا كله أن شارع التبليطة الآن هو درب البيضاء لأنه هو الذى يسلك فيه إلى خط الأسوانى المعروف الآن بشارع لولية، وأيضا هو فى مقابلة الجمالون الكبير المشهور اليوم بالشرم والجمالون.
[سوق الفرايين]
ويؤخذ من هذا أيضا أن سوق الفرايين كان بآخر شارع التبليطة، كما يدل عليه قوله، فيجد عن يمينه الزقاق المسلوك فيه إلى سوق الفرايين، وقد علم أن هذا الزقاق هو درب البيضاء المعروف فى وقتنا هذا بشارع التبليطة كما تقدم.
قال المقريزى: وسوق الفرايين هذا كان يعرف قديما بسوق الخروقيين، وكان يسلك فيه من سوق الشرابشيين إلى الأكفانيين والجامع الأزهر، سكن فيه صناع الفراء وتجاره، فعرف بهم، وصار فى هذا السوق فى أيام الملك الظاهر برقوق من أنواع الفراء ما يجل أثمانها وتتضاعف قيمها لكثرة استعمال رجال الدولة من الأمراء والمماليك لبس السمور والوشق والقماقم والسنجاب بعد ما كان ذلك فى الدولة التركية من أعز الأشياء التى لا يستطيع أحد أن يلبسها. (اه).
وقال ابن أبى السرور البكرى: هذا السوق يسلك منه إلى قيسارية الشرب وغيرها، وهو معمور الجانبين بالحوانيت المعدة لبيع الكوافى والطواقى المعدة للصبيان والبنات. قال: وهو الآن يسمى بالطوقجيين من أجل أنه تباع فيه طواق يعملها تجار الأروام من القصب المنسوج، ثم قال: وحدث فى زماننا شئ يسمى طرطور واسع من الأعلى ضيق من الأسفل تلبسه النساء فوق رؤوسهن من الأروام وأولاد العرب، فيباع الطرطور بسبعة قروش إلى ما دونها فصارت كل امرأة من أولاد العرب وغيرهم إن ملكت قرشين إلى ما فوقها تشترى بها طرطورا، حتى نساء الأرياف، وصار بعضهن يبقى فى غاية من الحسن وبعضهن يبقى فى غاية البشاعة، حتى الجوارى بأجناسهن صارت تلبسه، وكان من أكبر البدع الشنيعة. (اه).
وقيسارية الشرب المذكورة هى - كما ذكره المقريزى - كانت تجاه قيسارية جهاركس وقفها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على الجماعة الصوفية بخانقاه سعيد السعداء. (اه). (قلت): ومحلها اليوم الخان المملوك لمحمد بيك السيوفى تجاه وكالة الزيت.
وقيسارية جهاركس. قال المقريزى: بناها الأمير فخر الدين جهاركس بجوار قيسارية أمير على، يفصل بينهما درب قيطون، وكان قبل ذلك مكانها يعرف بفندق الفراخ، ونقل المقريزى عن بعض المؤرخين أن صاحبها جهاركس نادى عليها حين فرغت، فبلغت خمسة وتسعين ألف دينار على الشريف فخر الدين إسماعيل بن ثعلب. (اه).
ترجمة جهاركس
وجهاركس هذا هو ابن عبد الله فخر الدين أبو المنصور الناصرى الصلاحى. كان من أكبر أمراء الدولة الصلاحية. بنى بالقاهرة هذه القيسارية، وبنى بأعلاها مسجدا كبيرا وربعا معلقا، وتوفى فى شهور سنة ثمان وستمائة بدمشق، ودفن فى جبل الصالحية. (اه).
(قلت): وهذه القيسارية محلها اليوم وكالة الزيت وما جاورها، وأما المسجد الذى بنى بأعلاها فيغلب على الظن أنه هو الذى كان فى محل قبة الغورى، فلما أراد أحد الطواشية أن يجدده منعه السلطان الغورى، وبنى القبة مع المدفن فى محله. وقد ذكرنا ذلك عند الكلام على جامع الغورى بشارع الغورية.
وأما قيسارية أمير على فقال المقريزى: إنها بشارع القاهرة تجاه الجمالون الكبير، عرفت بالأمير على ابن الملك المنصور قلاوون الذى عهد له بالملك، ولقبه بالملك الصالح، ومات فى حياة أبيه. (اه). (قلت): ومحلها الآن مدفن الغورى وما جاوره من الحوانيت.
وأما درب ابن قيطون فقال المقريزى: هو بين قيسارية جهاركس وقيسارية أمير على، وهو نافذ إلى خلف مستوقد حمام القاضى، وكان من حقوق درب الأسوانى. (اه). قلت:
ومن حقوقه الآن الباب الذى من داخل التبليطة الموصل إلى المدفن وإلى الساقية النقالى وما وراء ذلك من دار الشيخ الرافعى إلى خلف مستوقد حمام القاضى المعروف اليوم بحمام المصبغة، ويغلب على الظن أن عطفة الحمام التى بشارع الكعكيين من حقوق درب قيطون المذكور؛ لأنها خلف مستوقد حمام المصبغة.
ويوجد الآن بشارع التبليطة أحد السواقى النقالة التى كانت تنقل الماء من الخليج بواسطة مجرى تحت الأرض متصلة بالخليج من عند قنطرة باب الخرق، وهى من ضمن السواقى التى أمر بإنشائها المرحوم الوزير محمد على باشا عندما أنشأ سبيل العقّادين وسبيل النحاسين لنقل الماء إليهما، ثم لما حدثت مجارى المياه بالقاهرة وغيرها استغنى عنها، وصارت الصهاريج
تملأ من مجارى تقسيم مياه القاهرة، وهى موجودة إلى الآن بأول شارع التبليطة بزقاق مدفن الغورى.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع التبليطة قديما وحديثا.
***
شارع درب لوليه
أوله من جوار بيت سليمان بيك العيسوى تجاه سبيل محمد بيك أبى الذهب، وآخره من عند السبيل الذى قبالة مسجد يحيى بن عقب، وطوله مائة متر واثنا عشر مترا.
[حمّام المصبغة]
وبه جهة اليمين حمام المصبغة، وهى من الحمامات القديمة سماها المقريزى بحمام القفاصين، أنشأها الأمير نجم الدين يوسف بن المجاور وزير الملك العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو اليوم يعرف بحمام المصبغة، ويدخله الرجال والنساء.
ثم وكالة كبيرة مجعولة مصبغة، وبأعلاها أماكن معدة للسكنى، وهى فى ملك ورثة المرحوم عمر خلف الصباغ.
[درب لوليه]
وأما جهة اليسار فبها درب لوليه الذى عرف الشارع به، وهذا الدرب من الدروب القديمة ذكره المقريزى، وسماه بدرب ابن لؤلؤ ودرب القاضى فقال: هذا الدرب يقابل مستوقد حمام القاضى على يمنة من سلك من درب الأسوانى إلى الجامع الأزهر، وهو من حقوق درب الأسوانى. كان يعرف أولا بزقاق عزاز - غلام أمير الجيوش - ثم عرف بالقاضى السعيد أبى المعالى هبة الله بن فارس صاحب الحمام الذى هناك، ثم عرف بزقاق ابن الإمام، وأخيرا بدرب ابن لؤلؤ، وهو شمس الدين محمد بن لؤلؤ التاجر بقيسارية جهاركس. (اه).
(قلت): وشهرته اليوم بدرب لوليه، وبه جملة من الدور؛ منها دار الشيخ أبى مصلح من علماء الشافعية توقى عام نيف ستين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
ثم بعد درب لوليه وكالة كبيرة مجعولة معملا للمخلل.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع درب لوليه قديما وحديثا.
***
شارع الأزهر
ويقال له شارع الرقعة وشارع المطبخ. أوله من نهاية شارع التبليطة بجوار جامع محمد بيك أبى الذهب من الجهة القبلية، وآخره شارع الغريب وشارع الدراسة، وطوله مائتان وعشرون مترا.
الجامع الأزهر
عرف بالجامع الأزهر لأنه فى وسطه، وهو أول مسجد أسس بالقاهرة، أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلى - مولى الإمام أبى تميم معد الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله - لما اختط القاهرة، وجعل أمامه رحبة كبيرة جدا، ابتداؤها من خط إصطبل الطارمة إلى الموضع الذى فيه مقعد الأكفانيين اليوم، يعنى تقريبا من السكة الجديدة إلى التبليطة، وعرضها من باب الجامع البحرى إلى الخرّاطين، يعنى الصنادقية. ولم يكن بين هذه الرحبة وبين رحبة قصر الشوك إلا إصطبل الطارمة، فكان الخلفاء حين يصلون بالناس بالجامع الأزهر تترجل العساكر كلها وتقف فى هذه الرحبة حتى يدخل الخليفة إلى الجامع. وبقيت هذه الرحبة إلى وقت الدولة الأيوبية، ثم شرع الناس فى العمارة بها حتى لم يبق لها أثر.
وكان الشروع فى بناء الجامع الأزهر يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلثمائة، وكمل بناؤه لتسع خلون من رمضان سنة إحدى وستين وثلثمائة. وأول جمعة أقيمت فيه فى شهر رمضان لسبع خلون منه سنة إحدى وستين وثلثمائة.
ثم إن العزيز بالله أبا منصور نزار بن المعز لدين الله جدّد فيه أشياء، ويقال إن به طلسما، فلا يسكنه عصفور ولا يفرخ به، وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيره.
وقد اعتنى الأكابر والأمراء فى كل عصر بعمارته وزخرفته وإعلاء شأنه. وآخر من عمره الأمير عبد الرحمن كتخدا ابن حسن جاويش القازدغلى، أستاذ سليمان جاويش أستاذ إبراهيم كتخدا مولى جميع الأمراء المصريين، فإنه - كما فى الجبرتى من حوادث سنة تسعين ومائة وألف - أنشأ فى مقصورته مقدار النصف طولا وعرضا يشتمل على خمسين عمودا من الرخام، تحمل مثلها من البوائك المقوصرة، المرتفعة من الحجر النحيت، وسقّف أعلاها بالخشب النقى، وبنى به محرابا جديدا ومنبرا، وأنشأ بابا عظيما جهة حارة كتامة، وبنى بأعلاه مكتبا.
وجعل بداخله رحبة متسعة وصهريجا وسقاية، وعمل لنفسه مدفنا بتلك الرحبة بقبة معقودة وتركيبة من الرخام، ولما مات دفن به، وجعل بها أيضا رواقا لمجاورى الصعايدة بمرافق
ومنافع، وبنى بجانب ذلك الباب منارة، وأنشأ بابا آخر جهة مطبخ الجامع، وجعل عليه منارة أيضا، وبنى المدرسة الطيبرسية، وأنشأها نشوءا جديدا، وجعلها مع مدرسة الآقبغاوية المقابلة لها من داخل الباب الكبير الذى أنشأه خارجهما، وهو باب كبير عبارة عن بابين عظيمين كل باب بمصراعين، وجعل على يمينهما منارة، وجعل فوقه مكتبا أيضا، وبداخله على يمين السالك بظاهر الطيبرسية ميضأة، وأنشأ لها ساقية، وبداخل باب الميضأة درج يصعد منه للمنارة ورواق البغداديين والهنود، فجاء هذا الباب وما بداخله من الطيبرسية والآقبغاوية والأروقة من أحسن المبانى فى العظم والوجاهة والفخامة، وجدّد رواقا للمكاويين والتكروريين، وزاد فى مرتبات الجامع وأخبازه، وقد تعطل غالب ذلك لغاية سنة عشرين ومائتين وألف. (اه. ملخصا).
وقد بسطت الكلام على عد مآثره وعمائره التى أجراها فى ترجمته بجامع الشيخ مطهر فى جزء الجوامع من هذا الكتاب، وقد أجريت بعد ذلك عمارات خفيفة فى عهد العائلة المحمدية كإصلاح بلاط صحنه وأخليته وأبوابه.
ولم يزل هذا الجامع ملحوظا عامرا مشارا إليه مقصودا للاستفادة والتبرك حتى للملوك والسلاطين، وكل حين يزداد عمارية وشهرة فى الآفاق، ويؤتى إليه من جميع البلاد الإسلامية لتعلم العلوم الشرعية والعقلية والنقلية، فهو الجامع الجامع، والأزهر الأزهر، والمدرسة الكبرى، به يزول الجهل وتخلد حياة العلم، فكم بزغت فيه شموس وأقمار، وغردت فيه بلابل المعلمين والمتعلمين فى العشى والأبكار والأسحار.
وله ثمانية أبواب غير باب المطهرة الصغير - باعتبار أن باب المزينين بابان وباب الصعايدة كذلك - وأكبرها وأشهرها باب المزينين، وفيه جملة محاريب؛ منها محرابان فى المقصورة الجديدة: أحدهما كبير عن يمين المنبر بقبة مرتفعة، والآخر صغير عن يساره، ومنها المحراب الأصلى القديم، وهو فى المقصورة القديمة يعلوه قبة مرتفعة، وبأعلاه عن يمين المصلى صندوق موضوع على رف يقال إن به قطعة من سفينة نوح عليه السلام وقطعة من جلد بقرة بنى إسرائيل، وإن لذلك سرا عجيبا فى عماريته.
وله صحن فى غاية الاتساع، وجميعه كشف سماوى مفروش بالحجر النحيت، وبوسطه أربعة صهاريج متسعة بأفواه من الرخام كأفواه الآبار، وآخران أحدهما عند رواق الصعايدة والآخر تجاه باب المغاربة.
وله ست منارات يؤذن عليها فى الأوقات الخمس وفى الأسحار، وتوقد فى ليالى رمضان والمواسم، وسبع مزاول فى صحنه: أربع لمعرفة وقت الظهر، وثلاث للعصر، وجملة ما فيه من الأروقة نحو اثنين وعشرين رواقا، وحارات جمة لطوائف الخلق المجاورين، كل طائفة مختصة بجهة معلومة.
ومن المدارس الملحقة به المدرسة الطيبرسية نسبة لمنشئها الأمير علاء الدين طيبرس الخازندار نقيب الجيوش، وقرر بها درسا للفقهاء الشافعية، وأنشأ بجوارها ميضأة، وحوض ماء سبيل ترده الدواب. ولما مات فى سنة تسع عشرة وسبعمائة دفن بها. وهى عامرة إلى اليوم بدرس العلم ومطالعته على الدوام، وأما ميضأتها ومراحيضها التى بداخل الباب المجاور لها فغير عامرة الآن.
ترجمة الشيخ الخضرى
وكان يقرأ بهذه المدرسة شمس الملة والدين خاتمة المحققين الشيخ محمد الخضرى الدمياطى - من أكابر علماء السادة الشافعية - الكتب المطولة من المعقول والمنقول، وأخذ عنه الجم الغفير، وواظب على الإفادة والتدريس إلى أن انتقل إلى دار الكرامة فى يوم الثلاثاء بعد الظهر ثالث صفر سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف، وصلى عليه بالجامع بمشهد حافل، ودفن قبيل المغرب من ذلك اليوم بقرافة باب النصر. أسبغ الله عليه سحائب الرحمة والرضوان.
والمدرسة الآقبغاوية، وهى تجاه المدرسة الطيبرسية أنشأها الأمير آقبغا عبد الواحد المالكى الناصرى. بقيت عامرة إلى أن هدمها ديوان الأوقاف، وشرع فى عمارتها من جهته، ولم تكمل إلى اليوم.
والمدرسة الجوهرية، وهى تجاه زاوية العميان بالقرب منها، وليس بها عمد، وبها قبلة صغيرة، وبأعلاها خلوتان، وفيها خزائن ودواليب لبعض المجاورين.
ترجمة جوهر القنقبائى
أنشأها جوهر القنقبائى (نسبة لقنقباى) الجركسى الطواشى الحبشى الخازندار الزمام بالباب السلطانى، وكان بناؤه لها فى أواخر عمره، ولما قرب فراغها مات، فدفن بها، وذلك فى ليلة الاثنين مستهل شعبان سنة أربع وأربعين وثمانمائة - آخر يوم من كيهك - وقد جاوز السبعين.
وهى عامرة بعمارة الجامع الأزهر بدرس العلوم ومطالعته، ويجلس بها بعض المؤدبين لتعليم الأطفال.
وكان بجوار باب الجوهرية هذه منظرة الجامع الأزهر - كما ذكره المقريزى - حيث قال: وكان بجوار الجامع الأزهر من قبليه منظرة تشرف على الجامع يجلس الخليفة فيها ليالى الوقود. (اه).
وباب الأزهر البحرى الذى كان يدخل منه الخليفة موجود إلى الآن، غير أنه مسدود.
زاوية العميان
وأما زاوية العميان فهى خارج مدرسة الجوهرية بينهما ممر من الحجر يمشى عليه المتوضئون من ميضأتها، وهى - كما فى الجبرتى - من إنشاء المرحوم عثمان كتخدا والد المرحوم عبد الرحمن كتخدا
(1)
وذلك أنه كان قد تقلد الكتخدائية، واشتهر ذكره. ولما وقع الفصل فى سنة ثمان وأربعين ومائة وألف، ومات الكثير من أعيان مصر غنم أموالا، وعمر عدة عمائر، منها هذه الزاوية، وهى تحتوى على أربعة أعمدة وقبلة وميضأة ومراحيض، وفوقها ثلاث أود للعميان لا يسكنها غيرهم.
وكانت المشيخة أولا على هذا الجامع للسادة المالكية، ثم للسادة الشافعية، ثم انتقلت اليوم إلى السادة الحنفية، وأول من أخذ بها، وتقلدها الشيخ محمد المهدى العباسى الحفنى الحنفى، فسار فيها سيرا جميلا، ودان له الخاص والعام من أهل الأزهر، وزاد الأمراء فى تعظيمه، وقلّت على يديه الشرور والمفاسد.
جامع محمد بيك أبى الذهب
وتجاه الجامع الأزهر هذا جامع محمد بيك أبى الذهب ليس بينهما فاصل إلا الطريق، وهو معلق يصعد إليه بدرج، وله ثلاثة أبواب، وبداخل الباب الأول طرقة موصلة إلى مقصورة الجامع وإلى التكية والميضأة. ولهذه المقصورة ثلاثة أبواب، وبها ثمانية شبابيك من النحاس، ومنبر مطعم بالصدف، وسقفها معقود بالحجر، عبارة عن قبة كبيرة مرتفعة وبخارجها من الجهة اليسرى فى نهاية الرحبة تربة الأمير محمد بيك أبى الذهب عليها مقصورة من النحاس الأصفر يعلوها قبة صغيرة، وبجواره تربة ابنته عديلة هانم، وبحذاء ذلك خزانة الكتب.
وذكر الجبرتى أن زوجة إبراهيم بيك الكبير دفنت مع أخيها محمد بيك أبى الذهب فى مدرسته، ثم ذكر فى حوادث سنة تسع وثمانين ومائة وألف أن الأمير محمد بيك أبا الذهب
(1)
والد عبد الرحمن كتخدا اسمه حسن جاويش القازدغلى كما هو مذكور فى ترجمته بتاريخ الجبرتى ج 2 ص 5.
وإنما أوقع المؤلف فى هذا الوهم قول الجبرتى فى ترجمة عثمان كتخدا (ج 1 ص 168)«ومات الأمير عثمان كتخدا القازدغلى تابع حسن جاويش القازدغلى والد عبد الرحمن كتخدا» فظن أنه والده مع أنه تابع والده.
شرع فى آخر سنة سبع وثمانين ومائة وألف فى بناء مدرسته التى تجاه الجامع الأزهر، وكان محلها رباعا متخربة، فاشتراها من أربابها وهدمها، وأمر ببنائها على هذه الصفة، ورموا أساسها أوائل شهر الحجة - ختام السنة المذكورة، وانتهى أمرها فى شهر شعبان سنة ثمان وثمانين، فجاءت على «أرنيك» جامع السنانية الكائن بشاطئ النيل ببولاق، وجعل بظاهرها فسحة مفروشة بالرخام المرمر، وبوسطها حنفية، وبدائرها مساكن للصوفية الأتراك، وبداخلها جملة أخلية، وكذلك بدورها العلوى، وبأسفل ذلك ميضأة حولها عدة مراحيض، وأنشأ لذلك ساقية، فلما حفروها خرج ماؤها حلوا، وعد ذلك من سعده، وأنشأ أيضا بأسفل ذلك صهريجا وحوضا لسقى الدواب، وعمل بأعلى الميضأة أيضا ثلاثة أماكن لجلوس كل من الشيخ أحمد الدردير - مفتى المالكية - والشيخ عبد الرحمن العريشى - مفتى الحنفية - والشيخ حسن الكفراوى - مفتى الشافعية - حصة من النهار لإفادة الناس بعد إملاء الدروس، ووقف على ذلك أوقافا جمة. (انتهى).
(قلت): ولا يزال هذا الجامع عامرا إلى اليوم بعمارة الجامع الأزهر بدرس العلوم، ومطالعتها على الدوام، ويقرأ بقبته صباحا الأستاذ الفاضل العالم الكامل الشيخ محمد الانبابى، من أكابر علماء الشافعية - حفظه الله تعالى - وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الديوان.
زاوية جلال الدين البكرى
وبقرب الجامع الأزهر عند مطبخ الشربة زاوية صغيرة تعرف بزاوية جلال الدين البكرى، بابها على الشارع، ولم يكن لها مطهرة ولا بئر، وإنما بها حوض يملأ بالقربة.
وبالقرب من مطبخ الشربة عن يمين السالك منه إلى جهة القرافة ضريح يعرف بضريح الشيخ حمودة. أنشأها جلال الدين البكرى، وأنشأ بجوارها صهريجا سنة ست وتسعين وتسعمائة.
وبالقرب منها دار السيد عمر مكرم - نقيب الأشراف سابقا - وهى دار كبيرة لها بابان؛ أحدهما بجوار باب الشربة، والثانى بجوار باب الجوهرية المقابل لزاوية العميان. وفى مقابلة هذا الباب سبيل متخرب وقف الشيخ خضر الجوسقى.
وبهذا الشارع ثلاث وكائل: الأولى وكالة فتوح بيك معدة لبيع الدهانات، وتحت نظر محمد الشناوى. الثانية وكالة وقف الدرندلى معدة لبيع الدهانات أيضا، وبأعلاها مساكن، ويتبعها سبيل، والناظر عليها محمد أفندى الدرندلى. الثالثة وكالة قايتباى تجاه باب الشوام، بأعلاها مساكن متخربة، وتربط بها الحمير، ونظرها للأوقاف.
[درب الأتراك]
وبهذا الشارع أيضا عن يمين المارّ به درب الأتراك، وهو غير نافذ، وبه الآن دار الأستاذ الفاضل الشيخ محمد عليش - شيخ السادة المالكية رحمه الله تعالى - ودار السيد عمر مكرم المذكور. وهذا الدرب من الدروب القديمة. ذكره المقريزى فقال: هذا الدرب أصله من خط حارة الديلم، ويسلك إليه من خط الجامع الأزهر، ثم قال: وقد كان فيما أدركناه من أعمر الأماكن. أخبرنى خادمنا محمد بن السعودى قال: كنت أسكن فى أعوام بضع وستين وسبعمائة بدرب الأتراك، وكنت أعانى صناعة الخياطة، فجاءنى فى موسم عيد الفطر من الجيران أطباق الكعك والخشكنانج، على عادة أهل مصر فى ذلك، فملأت زيرا كبيرا كان عندى مما جاءنى من الخشكنانج خاصة لكثرة ما جاءنى من ذلك إذ كان هذا الخط خاصا بكثرة الأكابر والأعيان، وقد خرب اليوم منه عدة مواضع. (انتهى). وقد تكلمنا على هذا الدرب أيضا عند الكلام على حارة الديلم بشارع العقادين من هذا الكتاب.
***
شارع السنبار
هو عن يمين المارّ بشارع الأزهر بعد درب الأتراك تجاه باب الصعايدة بجوار القراقول الذى هناك، ويتصل بشارع الكعكيين وشارع الباطلية، وطوله ثمانون مترا.
وبه من جهة اليمين عطفة تعرف بعطفة الجوار
(1)
. بها دار للعائلة النجارية الأشراف التى منها سيدى على النجارى المدفون بقرافة المجاورين، له مقرأة كل أسبوع، ومولد كل عام مع مولد سيدى عبد الوهاب العفيفى.
وأما جهة اليسار فيها عطفتان صغيرتان.
وهذا وصف شارع السنبار المذكور.
[حارة الدويدارى]
حارة الدويدارى هى عن يمين المارّ بشارع الأزهر بعد رأس شارع السنبار تجاه رواق الصعايدة، وبداخلها عطف وحارات كهذا البيان:
عطفة العينى عن يمين المارّ بها، وغير نافذة، عرفت بقاضى القضاة بدر الدين الشيخ محمود العينى الحنفى المدفون داخل مدرسته التى هناك المعروفة بالعينية، أنشأها سنة أربع عشرة
(1)
فى الطبعة الأولى «الجوابر» والتصحيح لأحمد تيمور.
وثمانمائة. شعائرها مقامة من أوقافها، ويدرس فيها بعض علماء الأزهر أحيانا، وبها ضريح منشئها المتوفى يوم الأربعاء سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وضريح الشيخ أحمد القسطلانى - شارح صحيح البخارى - المتوفى ليلة الجمعة سابع المحرم افتتاح سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة هجرية.
حارة القبوة هى عن يمين المارّ بها أيضا، وبوسطها خوخة يتوصل منها إلى الحارة المعروفة بحارة المدرسة.
حارة الجزار عن اليمين أيضا غير نافذة.
وهذا وصف جهة اليمين من حارة الدويدارى وأما جهة اليسار فبها:
حارة العلوة وهى غير نافذة.
وحارة الدويدارى المذكورة هى التى سماها المقريزى بحارة كتامة حيث قال: هذه الحارة مجاورة لحارة الباطلية، وقد صارت الآن من جملتها. كانت منازل كتامة بها عندما قدموا من المغرب مع القائد جوهر ثم مع العزيز، وكانت كتامة هى أصل دولة الخلفاء الفاطميين.
[قبيلة كتامة]
ثم قال: وما زالت كتامة هى أكابر أهل الدولة مدة خلافة المهدى عبيد الله، وخلافة المنصور بنصر الله إسماعيل بن القاسم، وخلافة معد المعز لدين الله بن المنصور، فلما كان فى أيام ولده العزيز بالله نزار اصطنع الديلم والأتراك وقدمهم وجعلهم خاصة، فتنافسوا وصار بينهم وبين كتامة تحاسد إلى أن مات العزيز بالله، وقام من بعده أبو على المنصور الملقب بالحاكم بأمر الله فقدم ابن عمار الكتامى وولاه الوساطة؛ وهى فى معنى رتبة الوزارة، فاستبد بأمور الدولة وقدم كتامة وأعطاهم، ثم قتل الحاكم بأمر الله ابن عمار وكثيرا من رجال دولة أبيه وجده، فضعفت كتامة وقويت الأتراك.
فلما مات الحاكم وقام من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله أكثر من اللهو مال إلى الأتراك والمشارقة، فانحط جانب كتامة، وما زال ينقص قدرهم ويتلاشى أمرهم حتى ملك المستنصر بعد أبيه الظاهر، فاستكثرت أمه من العبيد، حتى يقال إنهم بلغوا نحوا من خمسين ألف أسود، واستكثر هو من الأتراك، وتنافر كل منهما مع الآخر، فكانت الحرب التى آلت إلى خراب مصر وزوال بهجتها، إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالى من عكا، وقتل رجال الدولة، وأقام له جندا وعسكرا من الأرمن، فصار من حينئذ معظم الجيوش الأرمن، وذهبت كتامة، وصاروا من الرعية بعدما كانوا وجوه الدولة وأكابر أهلها. (انتهى).
وذكر المقريزى أيضا أنه كان بحارة كتامة هذه دار الست شقرا بنت السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، تزوجها الأمير أروس، ثم انحط قدرها واتضعت فى نفسها إلى أن ماتت فى يوم الثلاثاء ثامن عشرى جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
وكان بجوار هذه الدار حمام يقال له حمام كراى. قال المقريزى: فى ترجمة درب القماحين:
هذا الدرب كان يعرف بخط قصر ابن عمار من جملة حارة كتامة قريبا من الحارة الصالحية، وفيه اليوم دار خوند شقرا، وحمام كراى وراء مدرسة ابن غنام.
ومدرسة ابن غنام هذه موجودة إلى اليوم، يسلك إليها من حارة الدويدارى، ومشهورة بزاوية الغنامية، ولها منارة قصيرة أنشأها الوزير عبد الله بن شاكر المعروف بابن غنام.
(قلت): وخلفها الآن عطفة غير نافذة لا يبعد أن تكون هى وما بجوارها من الدور فى محل دار الست الشقرا وحمام كراى المذكورتين.
[قصر ابن عمار]
ويغلب على الظن أن دار الست شقرا هى قصر ابن عمار الذى عرف الخط به فى زمن الدولة الفاطمية. قال المقريزى: خط قصر ابن عمار من جملة حارة كتامة، وهو اليوم درب يعرف بدرب القماحين، وفيه حمام كراى ودار خوند شقرا، يسلك إليه من خط مدرسة الوزير كريم الدين بن غنام، ويسلك إليه من درب المنصورى، وقال: إن درب المنصورى بأول حارة الصالحية تجاه درب أمير حسين. وحارة الصالحية هى من حقوق حارة البرقية التى هى الآن شارع الدراسة، فيكون درب القماحين واقعا بين حارة الدويدارى وبين شارع الدراسة، ويكون قصر ابن عمار محله العطفة الواقعة خلف مدرسة ابن غنام التى تقدم أنه كان فى محلها دار خوند شقرا وحمام كراى.
ترجمة ابن عمار
وأما ابن عمار المذكور فهو - كما فى المقريزى - أبو محمد الحسن بن عمار بن على ابن أبى الحسن الكلبى من بنى أبى الحسب - أحد أمراء صقلية وأحد شيوخ كتامة - وصاه العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله لما احتضر هو والقاضى محمد بن النعمان على ولده أبى على منصور.
فلما مات العزيز بالله واستخلف من بعده ابنه الحاكم بأمر الله اشترط الكتاميون، وهم يومئذ أهل الدولة، أن لا ينظر فى أمورهم غير أبى محمد بن عمار بعدما تجمعوا وخرج منهم طائفة نحو المصلى، وسألوا صرف عيسى بن مشطورس، وأن تكون الوساطة لابن عمار، فندب لذلك وخلع عليه فى ثالث شوال سنة خمس وسبعين وثلثمائة، وقلّد بسيف من سيوف العزيز بالله، وحمل على فرس بسرج ذهب، ولقب بأمين الدولة.
وهو أول من لقب فى الدولة الفاطمية من رجال الدولة، وقيد بين يديه عدة دواب، وحمل معه خمسون ثوبا من سائر البز الرفيع، وانصرف إلى داره فى موكب عظيم، وقرئ سجله، فتولى قراءته القاضى محمد بن النعمان بجلوسه للوساطة وتلقيبه بأمين الدولة، وألزم سائر الناس بالترجل إليه، فترجل الناس بأسرهم له من أهل الدولة، وصار يدخل القصر راكبا، ويشق الدواوين، ويدخل من الباب الذى يجلس فيه خدم الخليفة الخاصة، ثم يعدل إلى باب الحجرة التى فيها أمير المؤمنين الحاكم، فينزل على بابها ويركب من هناك.
وكان الناس من الشيوخ والرؤساء على طبقاتهم يبكرون إلى داره فيجلسون فى الدهاليز بغير ترتيب والباب مغلق، ثم يفتح فيدخل إليه جماعة من الوجوه، ويجلسون فى قاعة الدار على حصير، وهو جالس فى مجلسه ولا يدخل له أحد ساعة، ثم يأذن لوجوه من حضر - كالقاضى ووجوه شيوخ كتامة والقواد - فتدخل أعيانهم، ثم يأذن لسائر الناس فيزدحمون عليه بحيث لا يقدر أحد أن يصل إليه، فمنهم من يومئ بتقبيل الأرض ولا يرد السلام على أحد، ثم يخرج، فلا يقدر أحد على تقبيل يده سوى أناس بأعيانهم إلا أنهم يومئون إلى تقبيل الأرض، وشرف أكابر الناس بتقبيل ركابه، وأجلّ الناس من يقبل ركبته.
وقرّب كتامة، وأنفق فيهم الأموال، وأعطاهم الخيول، وباع ما كان بالإصطبلات من الخيل والبغال والنجب وغيرها، وكانت شيئا كثيرا. وقطع أكثر الرسوم التى كانت تطلق لأولياء الدولة من الأتراك، وقطع أكثر ما كان فى المطابخ، وقطع أرزاق جماعة.
وفرّق كثيرا من جوارى القصر، وكان به من الجوارى والخدم عشرة آلاف جارية وخادم، فباع من اختار البيع، وأعتق من سأل العتق طالبا للتوفير، واصطنع أحداث المغاربة فكثر عتيّهم، وامتدت أيديهم إلى الحرام فى الطرقات، وشلحوا الناس ثيابهم، فضج الناس منهم واستغاثوا إليه بشكايتهم، فلم يبد منه كبير نكير، فأفرط الأمر حتى تعرض جماعة منهم للغلمان الأتراك، وأرادوا أخذ ثيابهم، فثار بسبب ذلك شر قتل فيه غلام من الترك وحدث من المغاربة، فتجمع شيوخ الفريقين واقتتلوا يومين آخرهما يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة.
فلما كان يوم الخميس ركب ابن عمار لابسا آلة الحرب وحوله المغاربة، فاجتمع الأتراك واشتد الحرب، وقتل جماعة وجرح كثير، فعاد إلى داره، وقام برجوان بنصرة الأتراك، فامتدت الأيدى إلى دار ابن عمار وإصطبلاته ودار «رشا» غلامه، فنهبوا منها ما لا يحصى كثرة، فصار إلى داره بمصر فى ليلة الجمعة لثلاث بقين من شعبان، واعتزل عن الأمر، فكانت مدة نظره أحد عشر شهرا إلا خمسة أيام.
فأقام بداره بمصر سبعة وعشرين يوما، ثم خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة، فعاد إلى قصره هذا ليلة الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فأقام به لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلا أتباعه وخدمه، وأطلقت له رسومه وجراياته التى كانت فى أيام العزيز بالله، ومبلغها عن اللحم والتوابل والفواكه خمسمائة دينار فى كل شهر، وفى اليوم سلة فاكهة بدينار، وعشرة أرطال شمع، ونصف حمل ثلج، فلم يزل بداره إلى يوم السبت الخامس من شوال سنة تسعين وثلثمائة، فأذن له الحاكم فى الركوب إلى القصر وأن ينزل موضع نزول الناس، فواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشره، فحضر عشية إلى القصر، وجلس مع من حضر، فخرج إليه الأمر بالانصراف، فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك وقفوا له فقتلوه واحتزوا رأسه، ودفنوه مكانه، وحمل الرأس إلى الحاكم، ثم نقل إلى تربته بالقرافة، فدفن فيها.
وكانت مدة حياته بعد عزله إلى أن قتل ثلاث سنين وشهرا واحدا وثمانية وعشرين يوما.
وهو من جملة وزراء الدولة المصرية، وولى بعده برجوان. (انتهى).
وكان بحارة كتامة أيضا الخوخة المعروفة بخوخة المطوع التى ذكرها المقريزى حيث قال:
هذه الخوخة بحارة كتامة بأولها مما يلى جامع الأزهر عند إصطبل الحسام الصفدى، عرفت بالمطوع الشيرازى. (انتهى). (قلت): وموضعها لم يعرف الآن.
حارة المدرسة
وبها أيضا خوخة عسيلة. قال المقريزى: يسلك منها إلى حارة الباطلية. (قلت):
وتعرف فى وقتنا هذا بحارة المدرسة، لأن بها زاوية قديمة تعرف بزاوية الشيخ عبد العليم الخلوتى لدفنه بها.
زاوية الشيخ عبد العليم
وهى بجوار حارة كتامة بين الأزهر والباطلية، يصعد إليها بدرج لارتفاع أرضها، وبها إيوان لطيف مسقوف، وضريح الشيخ عبد العليم المذكور عليه مقصورة من الخشب، ولها ميضأة وأخلية وبئر، وشعائرها مقامة قليلا .. وكانت تعرف أولا بالمدرسة الشعبانية - كما فى الجبرتى - وبزاوية القاضى أحمد بن شعبان، والذى يظهر أنها هى المدرسة التى تنسب إليها حارة المدرسة، لأنها قديمة جدا، والشيخ عبد العليم قريب عهد لأنه من علماء هذا القرن.
ومدفون بهذه الزاوية أيضا الشيخ أحمد المرصفى الكبير الشافعى. كان من خيار العلماء، وهو والد الشيخ حسين المرصفى مدرس العربية والأدب بدار العلوم بالمدارس الملكية. ومدفون بها أيضا الشيخ عبد الفتاح الحريرى الحنفى مع والده رحم الله الجميع.
وبهذه الحارة من الدور الجليلة: دار الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد الصائم - شيخ الجامع الأزهر سابقا - ودار الشيخ إبراهيم الباجورى شيخ الجامع أيضا؛ أنشأها له المرحوم عباس باشا حلمى والى الديار المصرية سابقا، ودار الشيخ أحمد المرصفى الشافعى، ودار الأستاذ الفاضل الشيخ إبراهيم السقا، ودار الشيخ عبد الله الشرقاوى شيخ الجامع الأزهر كان، وغير ذلك من الدور الكبيرة والصغيرة.
ومن حقوق هذه الحارة درب القماحين، وهو الذى يسلك إليه من رقعة القمح عن يمنة السالك من باب الأزهر المعروف بباب الشربة إلى الغريب، وقد انفصل منها الآن، وذكره المقريزى فى الدروب، ونص على أنه من حقوق حارة كتامة.
وبها أيضا زاوية الذويدارى، وهى بين حارة المدرسة وحارة الذويدارى يسلك إليها من حارة كتامة التى عند باب الصعايدة ومن حارة المدرسة التى بابها بشارع الباطلية، وهى بمطهرة وأخلية ومنبر ومنارة قصيرة فوق قبو الزقاق الضيق النافذ بين حارة المدرسة وحارة كتامة.
وبجوارها سبيل متخرب، وبها ضريح الشيخ خالد الأزهرى صاحب «التصريح بشرح التوضيح لابن هشام» ، و «شرح الآجرومية والأزهرية» ، الجميع فى فنون النحو، وله غير ذلك.
وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر الشيخ عبد الخالق شيخ خدمة الضريح النفيسى.
وهذه الزاوية هى التى عرفت الحارة باسمها.
هذا ما يتعلق بحارة الدويدارى قديما وحديثا.
ثم لنرجع إلى ما يتعلق بشارع الأزهر فنقول: وبه من جهة اليمين عطفة تعرف بعطفة الأمير؛ لأن بها بيت الشيخ الأمير العالم الشهير، وهى غير نافذة، ثم عطفة جوهر غير نافذة أيضا.
وأما جهة اليسار فيها عطفة شق الفار غير نافذة، ثم عطفة شق العرسة غير نافذة أيضا.
وهذا وصف شارع الأزهر وشارع الرقعة قديما وحديثا.
***
شارع الغريّب
ابتداؤه من تلاقى شارع الدراسة بشارع الأزهر ممتدا إلى الجهة الشرقية، وانتهاؤه باب قرافة المجاورين، وطوله مائة وستة وعشرون مترا. عرف بالشيخ المعتقد سيدى محمد الغريب (بالتصغير مع تشديد المثناة التحتية) صاحب الضريح المعروف به هناك. كان صاحب كرامات وخوارق رحمه الله.
وبقربه الجامع المعروف بالغريب. أنشأه الأمير مغلطاى الفخرى أخو الأمير الماس الحاجب، وكمل فى المحرم سنة ثلاثين وسبعمائة، ويعرف أيضا بجامع البرقية - كما ذكره المقريزى - وبجامع عبد الرحمن كتخدا الأمير المشهور صاحب العمائر الكثيرة، لأنه عمّره على ما هو عليه الآن، وشعائره مقامة إلا أن المصلين به قليلون لقلة العمران حوله، وعنده مصلى الأموات، وبقربه عدة قبور؟
وبهذا الشارع من جهة اليمين عطفة تعرف بعطفة الدليلة تنتهى إلى السور وغير نافذة.
وأما جهة اليسار فبها عطفة الزنفة، وهى غير نافذة، ثم حارة الخوخة ليست نافذة أيضا، ثم العطفة السدّ فى نهايته.
وبه أيضا ثلاث زوايا: إحداها تعرف بزاوية الست دلال، لأن بها ضريحها، وشعائرها مقامة قليلا، وبقربها قراقول يعرف بقراقول الغريب، والثانية تعرف بزاوية البزدار، شعائرها معطلة لتخربها، والنظر فيها للأوقاف، والثالثة تعرف بزاوية حبه، لأن بها ضريح سيدى حبه، وهى معطلة أيضا، ولها بئر منفصلة عنها.
وبه جبّاسة تعرف بجبّاسة المعلم رخا عيسى معدة لطحن الجبس وبيعه.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع الغريب فى وقتنا هذا.
***
شارع الكعكيين
أوله آخر شارع الفورية عن يسار الذاهب إلى العقادين، وآخره أول شارع الباطلية تجاه باب حارة المدرسة، وطوله ثلثمائة متر وعشرة أمتار.
[عطفة الجبيلى]
وبه جهة اليمين عطفة صغيرة تعرف بعطفة الجبيلى، بداخلها حمّام الجبيلى النافذ إلى حارة خوشقدم. وفى سنة اثنتى عشرة وتسعمائة كان يعرف بحمام القفاصين، وكذا الخط كان يعرف بخط القفاصين - كما وجد ذلك مسطورا فى وقفية السلطان قايتباى. (انتهى). وأما فى زمن السلطان الغورى فكان يعرف بحمّام الحلويين. (قلت): وهذا الحمام عامر إلى اليوم يدخله الرجال والنساء، وقد تكلمنا عليه عند الكلام على الحمامات من هذا الكتاب.
ثم بعد عطفة الجبيلى وكالة قديمة من وقف جوهر اللالا مجعولة مقلة للحمص، ونظرها للأوقاف، ثم وكالة كبيرة معدة لبيع الدهانات، ويسكن بها صناع عدد الموازين المعروفون
بالمعايرجية وتحت نظر الديوان، ثم عطفة يقال لها عطفة الدفرى، وهى غير نافذة، ثم عطفة الدردير عرفت بالشيخ المعتقد أبى البركات سيدى أحمد الدردير المالكى المدفون هناك داخل الزاوية التى بجوار هذه العطفة المعروفة به، وهى بقرب جامع سيدى يحيى بن عقب أنشأها رضي الله عنه بعد عودته من حج بيت الله الحرام سنة تسع وتسعين ومائة وألف. شعائرها مقامة على الدوام، وعلى ضريح منشئها تابوت مكسو بالجوخ يحيط به مقصورة من الخشب، ويعلوه قبة مرتفعة بجوارها ضريح سيدى محمد السباعى - تلميذ سيدى أحمد الدردير - عليه مقصورة من الخشب، ومدفون مع سيدى محمد هذا ولده سيدى أحمد السباعى. ولهذه الزاوية منارة قصيرة ومطهرة وأخلية وبئر، ويعمل لمنشئها بها مجلس قرآن كل يوم جمعة بعد الزوال، ومجلس ذكر ليلة السبت، ومولد كل عام مع مولد سيدنا الحسين رضي الله عنه، وبها خزانة كتب معتبرة.
وأما جامع سيدى يحيى بن عقب الذى بجوار هذه الزاوية فقد جدّده الأمير سليمان بيك الخربطلى سنة سبع وخمسين وألف، وهو جامع صغير ببابين متجاورين؛ أحدهما للمطهرة والآخر للجامع بدهليز مستطيل، وله منبر ودكة من الخشب ومنارة وبئر، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الشيخ محمد الهوارى المغربى.
وتحت هذا الجامع من جهة الطريق التى يسلك منها إلى حارة خوشقدم ضريح سيدى يحيى بن عقب، له مولد سنوى قبيل نصف شعبان، وتجاهه سبيل يعلوه مكتب عامر بالأطفال.
وبين هذا الجامع وزاوية الدردير دار كبيرة تعرف بدار السباعى، جارية فى حيازة الشيخ راغب السباعى شيخ طريقة السباعيين، ثم عطفة السلاوى عرفت بالسيد إبراهيم السلاوى أحد تجار مصر لأن داره بها وهى غير نافذة، ثم عطفة الأربعين عرفت بذلك لأن على رأسها ضريحا عليه قبة يقال له الأربعين، وبداخلها دار المرحوم الشيخ إسماعيل الحلبى من علماء السادة الحنفية وهى غير نافذة.
وذكر المناوى فى طبقاته أن الشيخ تاج الدين الذاكر - المتوفى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة - دفن بزاويته بقرب حمام الغورى، وكان واعظا مجيدا، وصوفيا مفيدا. رحمه الله. (انتهى).
(قلت): وحمام الغورى هو حمام الغورية الذى بعطفة الحمّام التى بقرب مسجد سيدى يحيى بن عقب، ويغلب على الظن أن الشيخ تاج الدين المذكور كان يتعبد به فى حياته، ولما مات دفن به لأنه هو الأقرب لحمام الغورية، أو يقال إن ضريح الأربعين هو ضريح تاج الدين، ثم عرف بعد ذلك بالأربعين والله أعلم بحقيقة الحال.
وهذا وصف جهة اليمين من شارع الكعكيين المذكور.
وأما جهة اليسار فبها عطفة صغيرة تعرف بعطفة الحمام، ويقال لها عطفة حمام الغورية بداخلها حمام صغير بناه السلطان الغورى للعرائس من بنات الفقراء، وهو عامر إلى الآن يدخله الرجال والنساء، وفى حيازة مصطفى بيك الهجين، وقد تكلمنا عليه عند الكلام على الحمّامات من هذا الكتاب.
ثم بعد هذه العطفة وكالة كبيرة معدة لبيع الدهانات، ونظرها للأوقاف، ثم رأس شارع لوليه الذى ذكرناه عقب شارع التبليطة.
وبهذا الشارع أيضا سبيل وقف القاضى زين العابدين، وتحت نظر على مرزوق، وآخر بقرب زاوية الدردير. وتحت نظر السيد إبراهيم السلاوى.
وهذا وصف شارع الكعكيين الآن.
مطلب وصف خطة الكعكيين فى الأزمان السالفة
وأما فى الأزمان القديمة فكان هذا الشارع من ضمن حارة الديلم التى هى اليوم حارة خوشقدم. قال المقريزى: وكان به رحبة ابن مقبل، وكانت تعرف بخط بين المسجدين، لأن هناك مسجدين أحدهما يقابل الآخر. قال: ويسلك من هذه الرحبة إلى سويقة الباطلية، وعرفت أخيرا بالأمير زين الدين مقبل الرومى جاندار الملك الظاهر برقوق. (انتهى). وقال ابن أبى السرور البكرى: وهى الآن - يعنى فى القرن العاشر - تعرف برحبة الكعكيين، ويباع فيها من المأكولات ما لا حدّ له فى الكثرة، وفيها طبّاخون عندهم الأطعمة الفاخرة الرومية الشهية، وناس يعملون الكعك والشريك والبيض المقلى والقباوى وغير ذلك. (انتهى).
ومذكور فى كتاب وقفية إبراهيم أغا أغاة طائفة بلوك عزبان المؤرخ بسنة إحدى ومائة وألف أن هذا الخط يعرف بالكعكيين وكان به قاعة لتصفية الفضة. (انتهى).
(قلت): ويوجد بهذا الشارع إلى اليوم من الآثار القديمة حمام الجبيلى المذكور، وحمّام الغورى، وخوخة حسين التى ذكرها المقريزى، وهى بجوار جامع سيدى يحيى بن عقب، وقبو عظيم بجوار زاوية الدردير به دار كبيرة فى مقابلة الداخل منه، وهى موقوفة على عشرين من طلبة العلم المغاربة المجاورين بالجامع الأزهر برواق المغاربة، وكلما مات واحد يدخل بدله المستحق بالدور على حسب شرط الواقف.
وبه أيضا دار الصالح طلائع بن رزيك التى ذكرها المقريزى فى خططه، وهى بجوار خوخة الصالحية التى ذكرها وقال إنها بجوار حبس الديلم، وكانت تعرف بخوخة بكتين، وهو الأمير جمال الدين بكتين الظاهرى، ثم عرفت بخوخة الصالح لأن داره كانت بجوارها وكان بها سكنه قبل أن يلى الوزارة للخليفة الظافر، وهذه الخوخة هى العطفة المعروفة الآن
بعطفة السلاوى المتقدم ذكرها. ودار السلاوى التى بداخلها والوكالة والسبيل الذى بجانب العطفة إلى قرب المحل المعروف بحبس الديلم من حقوق دار الصالح طلائع المذكورة.
وهناك أيضا دار كبيرة على يمنة من سلك من هذا الشارع إلى الباطلية لها بابان؛ أحدهما وهو الكبير من الكعكيين، والثانى من درب الأتراك، وهى موقوفة ثلاثة أرباعها على زاوية الشيخ الدردير والربع الرابع على الخطيب الشربينى صاحب التفسير، وتنسب للخطيب الشربينى إلى الآن، وبها قاعة ذات إيوانين مرتفعة البناء جدا يقال لها قاعة قلاوون مبنية بالحجر الدستور يظنها الناظر جامعا لعظمها واتساعها.
وتجاه هذه الدار زقاق صغير مشهور بحبس الديلم يعرف الآن بعطفة المعايرجى. بها دار كبيرة لها باب آخر فى حارة خوشقدم.
(قلت): ومذكور فى وقفية إبراهيم أغا أغاة طائفة بلوك عزبان المؤرخة بسنة إحدى ومائة وألف أن هذا الحبس كان موجودا لحد هذا التاريخ، فإنه اشترط فى وقفيته أنه يصرف مما يزيد على لوازم الوقف للمسجونين بهذا الحبس وبحبس الرحبة. (انتهى).
ثم إن السالك بهذا الشارع يجد بعد هذا الزقاق فى نهاية الشارع الباب الذى تجاه حارة المدرسة الموصل إلى حارة الباطلية، وهذا الباب هو خوخة عسيلة، وهى من الخوخ القديمة الفاطمية ذكرها المقريزى فقال: هى بحارة الباطلية مما يلى حارة الديلم فى ظهر الزقاق المعروف بخرابة العجيل بجوار دار الست حدق. ويظهر أن مكان دار الست حدق هذه البيت المعروف ببيت السنارى الآن وما حوله من البيوت.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع الكعكيين قديما وحديثا.
***
شارع الباطلية
ويقال له شارع حيضان المصلى. ابتداؤه من نهاية شارع البيطار مع شارع الكعكيين ممتدا إلى الجهة القبلية، وانتهاؤه سكة بئر المش، وطوله أربعمائة وستة وستون مترا، وبه من جهة اليسار عطفة القرنفيلى، وهى غير نافذة، ثم حارة المدرسة ويقال لها العطفة الضيقة تمتد حتى تتلاقى بالفرع المارّ من شارع الباطلية، وبداخلها ثلاث عطف غير نافذة: الأولى عطفة الحوش، عرفت بذلك لأن بها حوشا معدا للسكنى. الثانية عطفة أبى زريبة. الثالثة عطفة المحلاتى.
وهناك زاويتان إحداهما بأولها، وتعرف بزاوية الشيخ راشد؛ لأن بها ضريحه، وشعائرها معطلة لتخربها، وليس لها أوقاف سوى بعض أحكار على بيوت بجوارها. والأخرى تعرف بزاوية محمد الأخرس، وهى متخربة أيضا، ولم يبق من آثارها سوى القبلة، وبجوارها من الجهة الشرقية بيت الشيخ أحمد الجمل أحد علماء الأزهر.
وحارة المدرسة هذه هى التى عبر عنها المقريزى بدرب الحسام حيث قال: هذا الدرب على يمنة من سلك من آخر سويقة الباطلية إلى الجامع الأزهر. عرف بحسام الدين لاجين الصفدى أستادار الأمير منجك. (انتهى).
الفرع المار من شارع الباطلية يمتد إلى الجهة الشرقية وبه عطف ودروب كهذا البيان:
عطفة الأربعين، عرفت بضريح الأربعين الذى فى مقابلتها، وهو داخل زاوية صغيرة بها منبر ودكة، ولها منارة قصيرة ومطهرة، وشعائرها مقامة. وبهذه العطفة من الدور الكبيرة:
دار الشيخ أحمد السباعى، ودار الشيخ أحمد كبوة شيخ رواق الصعايدة سابقا، ودار الشيخ عبد الهادى الإبيارى من علماء الشافعية. وهذه العطفة تعرف أيضا بدرب حسين غير نافذة.
درب العزقى بداخله عطفة تعرف بعطفة بدوى غير نافذة.
العطفة الصغيرة ليست نافذة.
الباب المحروق
عطفة الشرارية يسلك منها إلى درب المحروقى من جوار سور الجبل، وبقرب آخرها فتحة صغيرة يسلك منها إلى قرافة المجاورين، وهذه الفتحة كان موضعها الباب المحروق - أحد أبواب القاهرة - ذكره المقريزى فقال: كان يعرف قديما بباب القرّاطين، فلما زالت دولة بنى أيوب واستقل بالملك الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى - أول من ملك من المماليك بمملكة مصر فى سنة خمسين وستمائة كان حينئذ أكبر الأمراء البحرية مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب الفارس أقطاى الجمدار، وقد استفحل أمره، وكثرت أتباعه، ونافس المعز أيبك، وتزوّج بابنة الملك المظفر صاحب حماة، وبعث إلى المعز بأن ينزل من قلعة الحبل، ويخليها حتى يسكنها بامرأته المذكورة، فقلق المعز منه، وأوهمه شأنه، وأخذ يدبر عليه، فقرّر مع عدة من مماليكه أن يقفوا بموضع من القلعة عيّنه لهم وإذا جاء الفارس أقطاى فتكوا به، وأرسل إليه وقت القائلة يستدعيه ليشاوره فى أمر مهم، فركب فى قائلة يوم الاثنين حادى عشرى شعبان سنة اثنتين وخمسين وستمائة فى نفر من مماليكه وهو آمن بما صار له فى الأنفس من الحرمة والمهابة وبما يثق به من شجاعته، فلما صار بقلعة الجبل،
وانتهى إلى قاعة العواميد عوّق من معه من المماليك عن الدخول معه، ووثب به المماليك الذين أعدّهم المعز، وتناولوه بالسيوف، فهلك لوقته، وغلقت أبواب القلعة وانتشر الصوت بقتله فى البلد. فعند ذلك تواعد أصحابه وخشداشيته، وهم نحو السبعمائة فارس على الخروج من مصر إلى الشام، فخرجوا بالليل من بيوتهم بالقاهرة إلى جهة باب القرّاطين، ومن العادة أن تغلق أبواب القاهرة بالليل، فألقوا النار فى الباب حتى سقط من الحريق، وخرجوا منه، فقيل له من ذلك الوقت الباب المحروق وعرف به.
حكاية قتل الملك المظفر حاجى
ولما قتل الملك المظفر حاجى بن الملك الناصر محمد بن قلاوون دفن بتربة بالقرب من هذا الباب. (انتهى). قال ابن إياس إن الملك المظفر حاجى كان مولعا بالحمام، عمل لها خلاخيل الذهب فى أرجلها وألواح الذهب فى أعناقها، وصنع لها مقاصير من خشب الآبنوس وطعّمها بالعاج، وأقام لها غلمانا يكلفونها، فصرف على ذلك أموالا جزيلة. قال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة: وقد اشتغل بلعب الطيور عن تدبير الأمور والنهى عن الأحكام بالنظر إلى الحمام؛ فجعل السطح داره، والشمس سراجه، والبرج مناره، وأطاع سلطان هواه، وخالف من ينهاه، وخرج فى ذلك عن الحد وصار لا يعرف الهزل من الجد.
ثم لما أراد الأمراء نهيه فلم ينته، وغضب وقتل الحمام، وقال: هكذا ذبح الأمراء، فقاموا عليه قومة واحدة، فهرب وضبط وقتل عند الباب المحروق، ودفن هناك. (انتهى).
ثم بعد هذه الفتحة رحبة كبيرة بدائرها البيوت، وبعد ذلك السور. وهناك زاويتان:
إحداهما تعرف بزاوية شرارية، بها مزار تضع الناس عليه الخرق الجديدة الملونة نذرا متى قضيت حاجاتهم، والأخرى تعرف بزاوية الشيخ خميس وبزاوية المره وبزاوية الخضرى، وهى عن يمنة من سلك من هذا الشارع إلى السور، شعائرها مقامة من أوقافها بنظر الشيخ أحمد رفاعى من علماء السادة المالكية.
وعطفة الشرارية هذه هى خوخة الأرقى التى ذكرها المقريزى وقال إنها بحارة الباطلية يخرج منها إلى سوق الغنم وغيره. (انتهى).
هذا وصف جهة اليمين من الفرع المذكور، وأما وصف جهة اليسار منه فبها عطفة غير نافذة لا غير، وتعرف بعطفة حوش المغاربة.
وعن يسار المارّ أيضا بشارع الباطلية العطفة السد بالقرب من حيضان المصلى بجوار جامع سويدان القصروى، وهو عند المكان المعتاد الدعاء فيه، ولذلك بعض الناس يسميه بجامع الدعاء أنشأه الأمير محمد سودون القصروى قصروه تمراز - نائب الشام - المتوفى بحلب سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة. وبداخله قبر الحاج أحمد كتخدا الخربطلى المتوفى سنة تسع وأربعين ومائة وألف. ولهذا الجامع مرتب بالروز نامجة العامرة شعائره مقامة منه.
وبلصقه من شرقيه زاوية معطلة الشعائر لها باب إلى الجامع مسدود، وبداخلها قبر رجل صالح يقال له الشيخ عبد الله، عليه تركيبة داخل بناء يخصه. واليوم ينسج فى هذه الزاوية حصر السمار.
وبغربيه خربة مملوءة بالأتربة والأحجار أصلها زاوية ومعالمها باقية إلى اليوم، واشتهر بين العامة أن الدعاء يستجاب عندها، ويزعمون أن بها قبر حزقيل أحد أصحاب سيدنا موسى عليه السلام، ولا يكاد أحد يمر هناك إلا ويقف للدعاء. وهناك قبر عليه تركيبة وكسوة داخل مقصورة لها باب وشباك يقال إنه قبر محمد بن أبى بكر الصديق
(1)
رضي الله عنه.
[حارة العنبرى]
حارة العنبرى هى عن يسرة من سلك من سكة حيضان المصلى، ويتوصل منها إلى درب الدليل، نسبت إلى عنبر الحبشى الطنبدى الطواشى من خدام التاجر نور الدين الطنبدى المتوفى فى المحرم سنة سبع وستين وثمانمائة، لأنه أنشأ مدرسة فى أواخر عمره بحارة الباطلية، كما ذكره السخاوى فى «الضوء اللامع» ، وهى إلى اليوم موجودة خلف بيت الأمير سليمان باشا أباظة، وتعرف بالمدرسة العنبرية وبزاوية العنبرى.
ولما بنى بيته خليل بيك القوله لى الشهير بمحافظ دمياط بجوار هذه المدرسة أدخل جزءا عظيما منها فى البيت، وجدّد ما تركه منها، لكن شعائرها معطلة إلى اليوم.
وبحارة العنبرى هذه ضريحان تجاه بعضهما؛ أحدهما للست مرحبا سمحا، والآخر للشيخ عبد الله.
درب الدليل عن يسار المارّ بسكة حيضان المصلى، وهو غير نافذ، وبه جملة من البيوت الكبيرة.
وهذا الشارع من الشوارع القديمة عنونه المقريزى بحارة الباطلية حيث قال: هذه الحارة عرفت بطائفة يقال لهم الباطلية، وسبب تسميتهم بذلك أن المعز لما قسّم العطاء فى الناس
(1)
انظر تحقيق موضع قبره رضي الله عنه فى الكلام على (جامع محمد بن أبى بكر) فى الجزء الخامس ص 102 [الطبعة الأولى]. (أحمد تيمور)
جاءت طائفة فسألت عطاء، فقيل لها: فرغ ما كان حاضرا ولم يبق شئ، فقالوا: رحنا نحن فى الباطل، فسموا بالباطلية وعرفت هذه الحارة بهم.
وفى سنة ثلاث وستين وستمائة احترقت حارة الباطلية عندما كثر الحريق فى القاهرة ومصر، واتّهم النصارى بفعل ذلك، فجمعهم الملك الظاهر بيبرس، وحملت لهم الأحطاب الكثيرة والحلفاء وقدموا ليحرقوا بالنار، فتشفع لهم الأمير فارس الدين أقطاى أتابك العساكر على أن يلتزموا بالأموال التى احترقت، ويحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار، فتركوا وجرى فى ذلك ما تستحسن حكايته، وهو أنه قد جمع مع النصارى سائر اليهود، وركب السلطان ليحرقهم بظاهر القاهرة، وقد اجتمع الناس من كل مكان للتشفى بحريقهم لما نالهم من البلاء فيما دهوا به من حريق الأماكن لا سيّما الباطلية، فإنها أتت النار عليها حتى حرقت بأسرها. فلما حضر السلطان وقدّم اليهود والنصارى ليحرقوا برزا من الكازرونى اليهودى، وكان صيرفيا، وقال للسلطان: سألتك بالله لا تحرقنا مع هؤلاء الكلاب أعدائنا وأعدائكم، وأحرقنا فى ناحية وحدنا، فضحك السلطان والأمراء، وحينئذ تقرر الأمر على ما ذكر، فندب لاستخراج المال منهم الأمير سيف الدين بلبان المهرانى، فاستخلص بعد ذلك فى عدة سنين، وتطاول الحال فدخل كتّاب الأمراء مع مخاديمهم، وتحيلوا فى إبطال ما بقى، فبطل فى أيام السعيد بن الظاهر.
وكان سبب فعل النصارى لهذا الحريق حنقهم لمّا أخذ الظاهر من الفرنج أرسوف وقيسارية وطرابلس ويافا وأنطاكيا.
وما زالت الباطلية خرابا والناس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرا، فيقولون:
«كأن فى باطنه حريق الباطلية» . ولما عمّر الطواشى بهادر المقدم داره بالباطلية عمّر فيها مواضع بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة. وبهادر هذا من مماليك الأمير يلبغا أقام فى تقدمة المماليك جميع الأيام الظاهرية، وكثر ماله، وطال عمره حتى هرم ومات فى أيام الملك الناصر فرج، وهو على إمرته وفى وظيفته تقدمة المماليك السلطانية. وموضع داره من جملة ما كان احترق من الباطلية. (انتهى).
***
شارع جامع أصلان
أوله من شارع التبّانة تجاه جامع عارف باشا بجوار شارع سويقة العزى، وآخره درب المحروقى وسكة بير المش، وطوله ثلثمائة واثنان وأربعون مترا. عرف بجامع أصلم المشهور عند العامة بجامع أصلان داخل الحارة المعروفة به. أنشأه الأمير بهاء الدين أصلم السلاحدار
أحد مماليك الملك المنصور قلاوون الألفى سنة ست وأربعين وسبعمائة، وأنشأ بجواره حوض ماء للسبيل، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الأوسطى سليمان السنديسى، ويوجد الآن بجواره جبّاسة للمعلم محمد حسنين الجباس معدّة لطحن الجبس وبيعه.
وبهذا الشارع من جهة اليسار عطف ودروب كهذا البيان:
درب الصباغ يسلك منه إلى شارع التبانة بحرى جامع الماردانى، وبداخله ثلاثة أزقة:
- العطفة السد.
- عطفة زرع النوى تجاه حارة السيدة فاطمة النبوية، ويسلك منها إلى شارع الدرب الأحمر من جوار ضريح الشيخ صقر النجارى.
- جارة سيدى سعد الله يسلك منها لشارع الدرب الأحمر ولسكة بير المش من بين مسجد سيدى سعد الله ومسجد أبى حريبة.
[ضريح سعد الله بن السيد عبد الله]
عرفت هذه العطفة بذلك لأن بها ضريح سيدى سعد الله بن السيد عبد الله الملقب بالكامل وبالمحضى ابن السيد حسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط ابن الإمام على بن أبى طالب، كما حققه بعض علماء الصوفية، وهو داخل مسجده المعروف به خلف مسجد أبى حريبة فى طريق السالك إلى الباطلية. كان به بعض تخريب فجدّده ناظره السيد محمد درويش سنة سبع وسبعين ومائتين وألف بنفقة صرفها المرحوم موسى بيك العقاد، وجعل به منبرا ومطهرة وأخلية، وشعائره مقامة من أوقافه، ويعمل به حضرة كل ليلة أحد، ومولد كل سنة عقب مولد السيدة فاطمة النبوية رضي الله عنها.
[مسجد أبى حريبة]
وأما مسجد أبى حريبة فهو المعروف بجامع قجماس الإسحاقى السيفى الظاهرى عن يسرة الذاهب من باب زويلة إلى القلعة. أنشأه الأمير قجماس سنة ست وثمانين وستمائة - كما وجد فى بعض نقوش حجارته، وأرضه مرتفعة، وبه أربعة ألونة، ومنبر ودكة ومطهرة بأخليتها، وساقيتها منفصلة عنها، وله منارة مرتفعة، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الشيخ محمد هانى. وعرف بجامع أبى حريبة لأنه دفن به الشيخ أحمد أبو حريبة - المتوفى سنة ثمان وستين ومائتين وألف - تحت قبة شاهقة أنشئت مع الجامع، وقد بسطنا ترجمته عند الكلام على جامعه من هذا الكتاب.
وبهذه الحارة ضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ عبد الرحمن، والآخر بالشيخ عبد الله.
وهذا وصف جهة اليسار من الشارع المذكور.
وأما جهة اليمين فبها:
مسجد السيدة فاطمة النبوية
حارة السيدة فاطمة النبوية، عرفت بذلك لأن هناك ضريحها الشريف، وهو ضريح جليل ذو وضع جميل، عليه قبة مرتفعة، ومقصورة من النحاس الأصفر داخل المسجد المعروف بها. أنشأه المرحوم عبّاس باشا إنشاء حسنا، وجعل فيه منبرا ودكة، وعمل له ميضأة وحنفية من الرخام ومنارة وبابين: أحدهما إلى الحنفية، والآخر إلى الضريح الشريف.
ويعمل لها حضرة كل ليلة ثلاثاء، ومولد كل سنة نحو العشرة الأيام، ولها نذور وزيارات كثيرة رضي الله عنها.
وبرأس هذه الحارة دار الأمير حسين باشا الدرملى، ودار الأمير محمد عاصم باشا، ودار ورثة الأمير سليم باشا فتحى، وغير ذلك من الدور الكبيرة والصغيرة. وبآخرها قبر يعرف بقبر «السبع بنات» .
درب شغلان عن يمين المارّ من قبلى جامع أصلان ممتدا إلى جامع إبراهيم أغا. عرف باسم ضريح بآخره يقال له ضريح سيدى شغلان. وهناك ضريحان أيضا: أحدهما بأوله، ويعرف بسيدى أحمد، والآخر بوسطه يعرف بسيدى عبد الله الأنصارى داخل زاوية متخربة.
وزاوية تعرف بزاوية الشيخ سليم، شعائرها معطلة لتخربها، وأخرى تعرف بزاوية الخضيرى كانت متخربة ثم جددتها إمرأة تدعى الحاجة فاطمة، وهى الناظرة عليها، وبداخلها قبران أحدهما للشيخ على الخضيرى الذى عرفت الزاوية به، والآخر يقال إنه قبر امرأته، وهى مقامة الشعائر إلى الآن. وزاوية تعرف بزاوية عابدين أنشأها الأمير عابدين جاويش سنة أربع وثمانين وألف، وهى معطلة الشعائر لتخرّ بها.
وزاوية تعرف بزاوية مرشد معطلة الشعائر أيضا لتخربها، وبداخلها ضريح الشيخ مرشد ويتبعها سبيل. والشيخ مرشد هذا ترجمه الشعرانى فى طبقاته، وقال إنه توفى سنة أربعين وتسعمائة ودفن بزاويته بباب الوزير. (انتهى). وذكر المناوى فى طبقاته أن مرشدا هذا اسمه إبراهيم، وكان يعرف بمرشد، ثم قال: وكان عجيب الزهد والورع أقام أربعين سنة صائما، وله كرامات. مات عن مائة وبضعة عشر سنة. (انتهى).
وبهذا الدرب أيضا من جهة اليسار حارة جامع أصلان، وهى غير نافذة، وبها سبيل وقف الكور عبد الله وفى نظره، وضريح يعرف بضريح الأربعين. ثم عطفة خرابة الصعايدة.
ثم عطفة رجبية. ثم درب الفرن بداخله فرن معدة للخبيز بالأجرة. ثم العطفة الصغيرة، وكلها غير نافذة.
وأما جهة اليمين من هذا الدرب فيها عطفتان متقاربتان، فرع ممتد من درب شغلان يسلك منه لشارع التبانة من قبلى جامع عارف باشا وبه عطفة واحدة.
سكة بئر المش تبتدئ من شارع الدرب الأحمر بجوار جامع أبى حريبة، وتنتهى إلى شارع جامع أصلان والدرب المحروق، وبها ثلاثة أزقة: اثنان عن اليمين، والثالث عن اليسار، وضريحان، أحدهما لسيدى خالد، والآخر للأربعين.
الدرب المحروق يبتدئ من آخر سكة بئر المش من الجهة البحرية لجامع أصلان، ويسلك منه إلى عطفة الشرارية بحارة الباطلية. وبه جهة اليسار حارتان: الأولى حارة محمد على، وهى غير نافذة. الثانية حارة المدابغة وهى غير نافذة أيضا.
وأما جهة اليمين فبها ثلاث عطف وحارة واحدة: الأولى عطفة الطاحون. الثانية عطفة البئر. الثالثة عطفة الهنود عرفت باسم زاوية قديمة متخربة معروفة بزاوية الهنود، وتعرف أيضا بزاوية على أغا الرزاز، شعائرها معطلة، وقد شرع الأوقاف فى تجديدها لكنها لم تكمل إلى الآن. الرابعة حارة مطاوع.
وبهذا الدرب أيضا جامع يعرف بجامع الجوينى، وهو قديم، وبه بعض تخريب وشعائره مقامة من جهة الأوقاف، وبداخله ضريح الشيخ عبد الله الجوينى. وفى مقابلة هذا الجامع بئر تابعة له، وهناك بيوت موقوفة عليه.
***
شارع الحطابة
ابتداؤه من أول شارع الدحديرة، وانتهاؤه بوابة القلعة من الجهة القبلية، وطوله مائتان وثلاثون مترا، وبه من جهة اليسار عطف وحارات ودروب وهى:
حارة الخوخة بجوار زاوية جاهين، يسلك منها إلى قرافة «السبع سلاطين» ، وعن يسار المارّ بها درب غير نافذ يعرف بدرب الشورى.
- العطفة الصغيرة غير نافذة.
- عطفة الميدان هى بأول ميدان الحطابة وغير نافذة.
- عطفة الكسارة يسكنها كثير من كسارى الحطب.
- عطفة الوسطانية تتصل بقرافة «السبع سلاطين» .
- درب الصهريج، بداخله ثلاث أضرحة؛ أحدها للشيخ إبراهيم، والثانى للشيخ عثمان، والثالث للشرفاء.
وفى كتاب «مصباح الدياجى» للشيخ مجد الدين محمد بن الناسخ ما نصه: «وعند الخروج من القاهرة بخط الحطابة مشهد السيد الشريف سعد الله بن هبة الله مكتوب عليه نسبه
أنه من ذرية زين العابدين، وهو نسب صحيح إلا أن فيه بعدا». (انتهى). (قلت): وربما يكون قبر الشرفاء الموجود فى درب الصهريج هو قبر هذا الشريف.
وبآخر هذا الشارع جامع الترابى المعروف بجامع «السبع سلاطين» ، وهو قديم متخرب لم يبق من آثاره إلا المحراب، وهو من الحجر النحيت، وبداخله ضريح سيدى على الترابى داخل خلوة صغيرة بناها السيد محمد عبد الفتاح من سكان هذه الجهة، ورتب بها حضرة كل أسبوع، ومولدا كل عام، وبداخل هذا الجامع أيضا عدة قبور. وبقربه ساقية تابعة لجامع سيدى سارية الذى بالقلعة، وهى مستطيلة الشكل، وبناؤها من أعلى بالحجر العجالى، ومن أسفل نقر فى الحجر، وشكلها من الداخل فى غاية الحسن.
***
شارع الدحديرة
أوّله من شارع المحجر تجاه حارة المارستان، وآخره بوابة القرافة بجوار جامع الأنسى، وطوله ثلثمائة متر وثلاثون مترا. وبه من جهة اليسار ثلاث عطف ودروب وهى:
- عطفة النبلة غير نافذة.
- عطفة الحرافيش غير نافذة أيضا، وبداخلها زاوية تعرف بزاوية الحوكانى، شعائرها معطلة لتخرّبها، ونظرها للأوقاف، وضريحان: أحدهما لسيدى جعفر، والآخر يقال له ضريح الشرفا.
- عطفة التكية بها زاوية صغيرة تعرف بزاوية الشيخ رجب لأن بها ضريحه، يعمل له مولد كل سنة، وشعائرها مقامة من جهة سكان هذه الجهة.
- درب النخلة غير نافذ.
وأما جهة اليمين فبها ست عطف غير نافذة وهى:
- عطفة محمد، بها زاوية تعرف بزاوية القدرى، بداخلها عدة قبور، وشعائرها معطّلة لتخرّبها، وتحت نظر الأوقاف.
- عطفة طرطور. بها زاويتان: إحداهما بأوّلها تعرف بزاوية سيف اليزل وفيها عدة قبور، والأخرى بوسطها تعرف بزاوية الدنوشرى، وفيها عدة قبور أيضا وشعائرهما معطلة، وبها أيضا ضريح يعرف بضريح سيدى العرابى.
- عطفة الأوسطى.
- العطفة الصغيرة.
- عطفة سعفان الصغير.
- عطفة سعفان الكبير.
وهذا الشارع كان يعرف أولا بشارع الضوة، وبشارع الثغرة - كما فى بعض كتب التواريخ.
[جامع منجك]
ويوجد بوسطه إلى اليوم جامع منجك. قال المقريزى: هذا الجامع يعرف موضعه بالثغرة تحت قلعة الحبل خارج باب الوزير، أنشأه الأمير سيف الدين منجك اليوسفى فى مدة وزارته بديار مصر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وصنع به صهريجا ورتب فيه صوفية وقرّاء، ولما مات سنة ست وسبعين وسبعمائة دفن بتربته المجاورة لجامعه هذا. (اه). وهو عامر إلى الآن، وشعائره مقامة من جهة الأوقاف.
وجامع الأنسى، عرف بذلك لأن به صهريجا يقال له الأنسى. شعائره معطلة لتخربه، وقد جعل الآن حانوتا لوضع أخشاب الموتى به، وبقرب هذا الجامع ضريح يعرف بسيدى صندل.
هذا ما يتعلق بوصف شارع جامع أصلان وشارع الحطابة وشارع الدحديرة.
وأما الشارع الطوّالى الذى ابتداؤه من بوابة المتولى عند تقاطع شارع باب زويلة وشارع قصبة رضوان وشارع السكرية وشارع الدرب الأحمر، وانتهاؤه شارع المحجر وشارع المحمودية بجوار المنشية تجاه القلعة، وطوله ألف متر وأربعمائة وستون مترا فينقسم إلى خمسة أقسام لكل منها اسم يعرف به ولنذكرها لك مرتبة فنقول:
أولها: شارع الدرب الأحمر
ابتداؤه من بوابة المتولى عند تقاطع الشوارع، وانتهاؤه المفارق التى بأول شارع التبانة بجوار جامع عارف باشا، وبه جهة اليمين أربع عطف غير نافذة، ودرب اليانسية، وشارع الماردانى، وهى على هذا الترتيب:
- العطفة الصغيرة.
- العطفة الضيقة.
- عطفة حبيب أفندى بها ضريح الشيخ المقشاتى.
[درب اليانسية]
درب اليانسية تجاه جامع أقماس، ويتصل بزقاق المسك، وعن يمين المارّ به عطفة تعرف بعطفة الزاوية، لأن بها زاوية المهمندار بين جامع الماردانى وأبى حريبة.
[زاوية المهمندار]
لها بابان أحدهما على الشارع والآخر داخل حارة اليانسية، وهى عامرة بالجمعة والجماعات، وكان أصلها مدرسة تعرف بالمدرسة المهمندارية، بناها الأمير شهاب الدين أحمد بن أقوش المهمندار سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وجعلها مدرسة وخانقاه، وفى سنة خمس وثلاثين ومائة وألف جدد بها سليمان أغا القازدغلى منارة ومنبرا.
وهذا الدرب من الدروب القديمة ذكره المقريزى، وسماه بحارة اليانسية حيث قال:
عرفت بطائفة من طوائف العسكر يقال لها اليانسية منسوبة لخادم خصىّ من خدّام العزيز بالله يقال له أبو الحسن يانس الصّقلى خلفه على القاهرة، فلما مات العزيز أقره ابنه الحاكم بأمر الله على خلافة القصور، وخلع عليه وحمله على فرسين، فلما كان فى المحرم سنة ثمان وثمانين وثلثمائة سار لولاية برقة بعد ما خلع عليه وأعطى خمسة آلاف دينار وعدة من الخيل والثياب.
وقال ابن عبد الظاهر: اليانسية خارج باب زويلة أظنها منسوبة ليانس وزير الحافظ لدين الله الملقب بأمير الجيوش سيف الإسلام، ويعرف بيانس الفاصد، وكان أرمنى الجنس وسمى الفاصد لأنه فصد الأمير حسن بن الحافظ وتركه محلولا فصاده حتى مات. وله خبر غريب فى وفاته ذكره المقريزى فى خططه، ثم إنه لم يوافق على ما ذكره ابن عبد الظاهر من أن اليانسية منسوبة ليانس وزير الحافظ إلى آخر ما تقدم، وقال: هذا الخبر فيه أوهام؛ منها أنه جعل اليانسية منسوبة ليانس الوزير، وقد كانت اليانسية قبل يانس هذا بمدة طويلة.
(اه. ملخصا).
وذكر المقريزى أيضا عند الكلام على المدرسة المهمندارية: أن خطتها تعرف بخط جامع الماردانى، وأن لها بابا من حارة اليانسية غير بابها الذى فى الشارع الأعظم، وكان مصلى الأموات قبالة هذه المدرسة. (اه). وقد تكلمنا عليها عند الكلام على المدارس من هذا الكتاب.
(قلت): ويظهر مما قاله المقريزى فى ترجمة الشارع الذى خارج باب زويلة أن هذه الحارة اختلطت بحارة الهلالية، وصار ساحل بركة الفيل قبالها، ثم لما كثرت المبانى والعمائر تغير كل ذلك.
وفى زمن دخول الفرنساوية أرض مصر كان باب هذا الدرب حيث المدرسة المهمندارية فى مقابلة الحارة المعروفة بحارة زرع النوى إلى الآن، كما وجد ذلك فى الخرطة المعمولة زمن الفرنساوية، ثم لما بنيت الأماكن المجاورة له دخل فيها الجزء المجاور للمدرسة، وصار أول درب اليانسية فى مقابلة سكة بير المش من جهة جامع أقماس المعروف بأبى حريبة الآن، وأما بابه من جهة قصبة رضوان فهو باق على أصله لم يتغير إلى وقتنا هذا.
انتهى ما يتعلق بدرب اليانسية قديما وحديثا.
***
شارع الماردانى
هو بآخر شارع الدرب الأحمر من الجهة القبلية، ويتصل بشارع سويقة العزى وبحارة زقاق المسك، وطوله مائتان وثلاثون مترا. عرف بذلك لأن بجواره جامع الماردانى.
[جامع الماردانى]
وهو جامع كبير متسع جدا مرتفع البناء. أنشأه الأمير الكبير الطنبغا الساقى الملكى الناصرى سنة أربعين وسبعمائة، كما هو منقوش على اللوح الرخام الذى عن يمين المنبر، وله ثلاثة أبواب:
أحدها بشارع التبانة، والثانى بحارة الماردانى، والثالث بعطفة الطرلوى، ومطهرته مع الساقية منفصلة عنه، وهو إلى اليوم معطل الشعائر، ومحتاج إلى العمارة، وله أوقاف تحت نظر الديوان، وتجاهه ضريح للشيخ على أبى النور. وهناك ضريح يعرف بالأربعين، وضريح الشيخ إدريس، وضريح الشيخ عبد الله.
ومذكور فى كتاب وقفية الحاج حسن أودة باشا ابن عبد الله الشهير بأباظة تابع المرحوم حسن كتخدا مستحفظان النجدلى الكبير أن بيت سكنه كان بخط سويقة العزى بظاهر جامع الماردانى بجوار زاوية السيد عبد الله بن إدريس، وبجواره من شرقيه بيت الأمير أحمد كتخداى الحاج المصرى سابقا. (اه).
(قلت): ويغلب على الظن أن ضريح الشيخ إدريس الموجود الآن بشارع الماردانى هو الذى عبّر عنه فى كتاب الوقفية بالسيد عبد الله بن إدريس، وقال إنه بجوار بيته ومن إنشاء الحاج حسن أودة باشا المذكور. الصهريج مع السبيل المجاور لباب بيت حبيب أفندى من شارع الكومى الموصل إلى السيدة زينب رضي الله عنها كما هو مذكور فى كتاب الوقفية أيضا.
[جامع عارف باشا]
عطفة المبيض هى بجوار جامع عارف باشا من الجهة البحرية. وهذا الجامع يعرف بزاوية عارف باشا أيضا. وهو تجاه قراقول التبانة القديم. كان متخربا فجدّده الأمير عارف باشا سنة أربع وثمانين ومائتين وألف، وجعل له مطهرة ومراحيض ومنارة قصيرة، وأقام شعائره إلى اليوم.
هذا وصف جهة اليمين من شارع الدرب الأحمر وأما جهة اليسار فبها:
رأس حارة الروم، وسكة بير المش، وحارة سيدى سعد الله، وحارة زرع النوى، وقد ذكرناها فى محالها، ثم بها أيضا عطفة غير نافذة، ثم درب الصبّاغ الموصل لجامع أصلان، وقد ذكرناه فى الكلام على شارع جامع أصلان.
[حمام الدرب الأحمر]
ويوجد إلى اليوم بوسط هذا الشارع حمام الدرب الأحمر بجوار العطفة الموصلة إلى حارة
الروم عن يسرة من سلك من باب زويلة إلى باب الوزير، وهو من الحمّامات القديمة ذكره المقريزى وسماه بحمام أيدغمش، عامر إلى اليوم يدخله الرجال والنساء، وقد ذكرناه فى الحمامات.
وبآخره زاوية قديمة تعرف بزاوية أبى اليوسفين، شعائرها مقامة من ريع أوقافها بنظر الديوان. وذكر ابن إياس فى تاريخه أن هذه القبة بنيت لخوند زهرة بنت الملك الناصر محمد ابن قلاوون.
***
ثانيها: شارع التبانة
ابتداؤه من عند المفارق التى بجوار جامع عارف باشا، وانتهاؤه أول شارع باب الوزير بجوار جامع إبراهيم أغا، وبه جهة اليمين خمس عطف وأربعة دروب وهى:
- العطفة السد.
- عطفة جامع أم السلطان، عرفت بذلك لأن بها الجامع المذكور، كان يعرف أولا بمدرسة أم السلطان، أنشأتها الست بركة أم السلطان الأشرف شعبان بن حسين سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. لها بابان: أحدهما بالشارع، والآخر من هذه العطفة التى عرفت أخيرا بحارة مظهر باشا من عهد ما فتح المرحوم مظهر باشا بابا لداره بها، وسد الباب الأصلى الذى كان يفتح بشارع سويقة العزى. وعلى أحدهما حوض ماء للسبيل، وبها دفن الملك الأشرف بعد قتله - كما فى المقريزى - وشعائرها مقامة إلى الآن بنظر الأوقاف.
- عطفة الجاويش.
- عطفة الخاطب.
- درب القزازين يتصل بحارة إبراهيم باشا يجن، وبه زاوية تعرف بزاوية سنبغا، شعائرها معطلة لتخربها، وبداخلها ضريح لم يعرف صاحبه، والآن قد جعلت مكتبا لتعليم الأطفال، ونظرها للأوسطى أحمد الصيرفى شيخ طائفة السروجية. وبهذا الدرب أيضا دار ورثة محمد بيك رستم، وبقربها دار إبراهيم باشا يجن داخل حارة إبراهيم باشا يجن.
- عطفة الخيربكية عرفت بذلك لأن بها جامع خير بك، أنشأه الأمير خير بك ملك الأمراء فى سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وهو من المساجد المشيدة، أرضه مرتفعة، وله مطهرة وأخلية وبه ضريح منشئه وبعض قبور، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الديوان.
- درب البئر بجوار ضريح الشيخ العجمى.
- درب المركز.
- درب الواجهة بآخره ضريح سيدى محمد.
***
ثالثها: شارع باب الوزير
أوله من نهاية شارع التبانة من عند جامع إبراهيم أغا، وآخره قبلى جامع أيتمش من تجاه حارة درب كحيل. وبه من جهة اليمين ثلاث عطف وحارة وهى:
العطفة النضيفة يتوصل منها لحارة الكومى.
- عطفة القبانى.
- عطفة الزيلعى عرفت بضريح الشيخ الزيلعى المدفون بها.
- حارة درب كحيل بآخرها ضريح يعرف بضريح الشيخ حسن.
وأما جهة اليسار فبها حارة باب الوزير بداخلها عطفة عن يسار المارّ بها تعرف بعطفة الشربة، وهناك ضريحان: أحدهما لسيدى محمد زين العاقلين، والآخر لسيدى خضر.
[جامع باب الوزير]
وبهذه الحارة أيضا جامع باب الوزير المعبر عنه فى المقريزى بجامع قوصون، أنشأه الأمير سيف الدين قوصون، وعمر بجانبه حماما، وهو مقام الشعائر إلى الآن، وعرف بجامع باب الوزير لمجاورته لباب الوزير الذى هو أحد أبواب القرافة تحت القلعة.
[زاوية المجاهد]
وفى مقابلة هذا الجامع زاوية المجاهد، عرفت بالشيخ المعتقد سيدى محمد المجاهد المدفون بها، على ضريحه مقصورة من الخشب، وله حضرة كل يوم جمعة، ومولد كل عام، أنشأها الحاج على المجاهد سنة ثمان وستين ومائتين وألف، وشعائرها مقامة إلى اليوم. وهذه الزاوية هى المعروفة قديما بخانقاه قوصون - كما فى المقريزى - وقد ذكرناها فى الخوانق من هذا الكتاب.
[جامع أيتمش]
وبهذا الشارع أيضا جامع أيتمش على رأس باب الوزير بجوار القراقول المعروف بقراقول باب الوزير، به قبة مرتفعة، يظهر أنه ليس بها قبر أحد، وله منارة، وشعائره مقامة من أوقافه إلى اليوم. وكان أول أمره مدرسة أنشأها الأمير سيف الدين أيتمش البجاسى، ثم الظاهرى سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وبنى بجانبها فندقا يعلوه ربع وحوض ماء للسبيل - كما فى المقريزى - وأنشأ أيضا الحمام المعروف هناك بحمام باب الوزير وقت إنشاء هذا الجامع، وهو عامر إلى اليوم يدخله الرجال والنساء.
[جامع إبراهيم أغا]
وبأول هذا الشارع جامع إبراهيم أغا عن يسار المارّ به، كان يعرف أولا باسم منشئه آق سنقر الناصرى، وهو من الجوامع العظيمة، له ثلاثة أبواب؛ اثنان على الشارع، والثالث بدرب شغلان مكتوب عليه تاريخ البدء فى سنة سبع وعشرين وسبعمائة والفراغ منه فى سنة ثمان وعشرين. أنشأه الأمير آق سنقر الناصرى - أحد مماليك الملك السلطان قلاوون - وأنشأ بجانبه مكتبا لإقراء الأيتام، وبنى بجواره مكانا ليدفن فيه، ولما مات دفن به ونقل إليه ابنه فدفن هناك، وبه قبر يعرف بقبر علاء الدين، وبه حنفية وفسقية، وعرف بجامع إبراهيم أغا، لأن إبراهيم أغا مستحفظان كان ناظرا عليه، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الديوان، ويتبعه سبيل فى مقابلته.
***
رابعها: شارع المحجر
أوله من قبلى جامع أيتمش تجاه درب كحيل، وآخره زاوية الشيخ حسن الرومى. وبه من جهة اليمين عطفة صغيرة ليست نافذة، ثم حارة الكومى عرفت بالشيخ المعتقد سيدى محمد الكومى المدفون بها، وهى بحرى جامع أبى غالية السكرى الذى بأول عطفة السكرى، وهو جامع جديد مقام الشعائر من أوقافه بنظر إسماعيل أفندى ماميش، وبداخله ضريح سيدى مبارك. وهذه الحارة يسلك منها للعطفة النظيفة، وبداخلها خمس عطف.
ثم حارة المارستان. بها ضريح يعرف بسيدى محمد.
وأما جهة اليسار فبها عطفة الحوش يسلك منها لعطفة الحرافيش وعطفة وكالة الشمع.
وبهذا الشارع أيضا زاوية الشيخ حسن الرومى المعروفة بتكية حسن بن إلياس الرومى، وهى عامرة بالدراويش وإيرادها فى كل سنة أربعة آلاف قرش واثنان.
[تكية الهنود]
وهناك أيضا تكية أخرى تعرف بتكية الهنود تجاه ضريح الشيخ سليمان عن يمنة من سلك من المنشية إلى القلعة، شعائرها مقامة، وبها جملة دراويش من أهالى بخارى، ويعلوها مساكن تابعة لها، وفى حدها البحرى مدفن تابع لها به عدة قبور، وإيرادها كل سنة ثلاثة آلاف وثلثمائة وخمسة وتسعون قرشا وثلاثة وثلاثون فضة.
[المدرسة الأشرفية]
(قلت): وكان برأس الرميلة - المعروفة اليوم بالمنشية - المدرسة الأشرفية تجاه القلعة، أنشأها الملك الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر بن قلاوون فى سنة سبعين وسبعمائة تقريبا، وجعلها من محاسن الدنيا ضاهى بها مدرسة عمه السلطان حسن، ثم هدم أكثرها بعده فرج ابن برقوق، ثم بنى مكانها الملك المؤيد شيخ مارستانا. وكانت تولية الأشرف شعبان الملك سنة أربع وستين وسبعمائة، وقتل فى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، قتله أمراؤه، ولم يدفنوه بل وضعوه فى قفة مخيطة، ورموه فى بئر حتى ظهرت رائحته، ثم أخرجه بعض الطواشية، وأتى به إلى مدرسة والدته التى فى التبانة، فغسله هناك وكفنه، وصلوا عليه، ثم دفنه فى القبة التى تجاه المدرسة - كذا فى ابن إياس.
ومحل تلك المدرسة اليوم عن يسرة من سلك من المنشية من جهة المحمودية إلى المحجر، ومن حقوقها الحارة التى هناك المعروفة الآن بحارة المارستان وما جاورها.
وهناك أيضا زاوية البهلول عرفت بالشيخ بهلول المدفون بها، يعمل له حضرة كل ليلة أربعاء، ومولد كل عام، وهذه الزاوية صغيرة، وشعائرها معطلة.
وضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ سليمان، والآخر بالشيخ محمد الحكيم.
***
خامسها: شارع المحمودية
ابتداؤه من نهاية شارع المحجر بجوار زاوية الشيخ حسن الرومى، وانتهاؤه المنشية.
عرف بذلك لأن به جامع المحمودية، وهو جامع عظيم، به قبر منشئه محمود باشا، يعلوه قبة مرتفعة، وشعائره معطلة مع أن له أوقافا وأحكارا ومرتبا بالروز نامجة العامرة.
وبه من جهة اليمين حارة كوم الحكيم بداخلها زقاقات.
[جامع رضوان أغا]
ثم عطفة الدالى إبراهيم يسلك منها إلى حارة العلوة وإلى درب المصنع، وبأولها جامع رضوان أغا المعروف بأمير ياخور، وهو جامع قديم به قبر منشئه، يعلوه قبة مرتفعة مكتوب بدائرها آيات قرآنية، وشعائره مقامة من أوقافه الكثيرة، ومرتباته بالروز نامجة بنظر الأوقاف.
ومذكور فى خطط الفرنساوية التى عملوها بالديار المصرية أنهم وجدوا فى أحد شبابيك هذا الجامع حجرا مجعولا عتبا لهذا الشباك عليه أسطر من الكتابة الرومية عددها اثنان وسبعون سطرا،
وعليه أسطر أخرى من الكتابة المصرية المعروفة بالهروجليفية، وهى نوعان مقدسة وعادية؛ فالمقدسة اثنان وعشرون سطرا، والعادية كذلك، فأخرجوه من محله، وأخذوه، وكان طوله مترين وعرضه أربعة أعشار المتر، وسمكه ثلاثة أعشاره، وكانت كتابته فى غاية التلف.
(انتهى).
ثم درب اللبانة بداخله حارة العلوة، وبها ضريحان متجاوران، أحدهما يعرف بالشيخ المهدى، والآخر بالشيخ أبى المكارم.
[جامع جوهر اللالا]
وبه أيضا درب المصنع، بداخله جامع جوهر اللالا بقرب حمام اللالا أنشأه الأمير جوهر اللالا مدرسة، وأنشأ أيضا سبيلا ومكتبا، ولما مات سنه اثنتين وأربعين وثمانمائة دفن بهذه المدرسة، وهى موجودة إلى الآن، وتعرف بجامع جوهر اللالا، ويجاورها وكالة متخربة من وقفه. ومذكور فى كتاب وقفيته المؤرخ بسنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة أن الحد الشرق للمدرسة والسبيل والمكتب هو الزقاق الفاصل بين ذلك وبين الحمام.
(قلت): والآن لم يوجد لهذا الحمام أثر، وإنما الموجود هناك خربة متسعة بجوارها ساقية تابعة لوقفه إلى الآن، وبابها تجاه باب المدرسة، ومن ضمن ما فى تلك الخربة بعض عقود متقنة يظن أنها من آثار الحمام، وأن الساقية الموجودة كانت له وللمدرسة، وأما السبيل والمكتب فشعائرهما معطلة الآن، وكذا أغلب أماكن وقفه. وكان محل سكنه بهذا الخط قريبا من مدرسته. (انتهى).
وبدرب اللبانة أيضا حارة الصابونجية. كان بأولها زاوية تعرف بزاوية المبلغ تجاه جامع السلطان حسن أخذت فى شارع محمد على، ولم يبق لها أثر بالكلية.
[تكية تقى الدين العجمى]
وتكية تقى الدين العجمى بها قبر الشيخ تقى الدين، وشعائرها مقامة من أوقافها، وفيها جملة من دراويش الأعاجم، وإيرادها كل سنة ألفان وثلثمائة وثمانية وستون قرشا. وهذه التكية هى زاوية تقى الدين التى ذكرها المقريزى، فقال: هذه الزاوية تحت قلعة الجبل أنشأها الناصر محمد بن قلاوون قبل سنة عشرين وسبعمائة. (انتهى).
[خرابة الأعجام]
قلت: وبجوار هذه التكية باب كبير بديع الصنعة يشبه باب الوزير الذى هدم، وكان بجوار القراقول المعروف بقراقول باب الوزير، ومن داخل هذا الباب حارة ضيقة بها منازل قليلة يعرف محلها بين الناس بخرابة الأعجام، فمن هذا يظهر أن هذه المنازل حادثة فى الخرابة المذكورة، وأن ذلك الباب كان بابا لعمارة كبيرة، ولا يبعد كونه من آثار المدرسة الأشرفية التى بناها الأشرف شعبان، أو من آثار المارستان الذى بناه السلطان المؤيد بعدما هدمت فى محلها.
شارع سويقة العزى
أوله من تقابل شارع جامع أصلان بنهاية شارع الدرب الأحمر بجوار جامع عارف باشا، وآخره شارع سوق السلاح بجوار حارة حتوات، وطوله أربعمائة متر وسبعون مترا، عرف بذلك لأنه لما اختطت هذه الجهة عرفت هذه السويقة بالأمير عز الدين أيبك العزى نقيب الجيش أيام الملك الأشرف خليل بن قلاوون.
وهذه السويقة كانت من جملة المقابر التى خارج القاهرة فيما بين الباب الجديد والحارات وبركة الفيل وبين الجبل الذى عليه الآن القلعة. (انتهى. مقريزى). (قلت): وقد بقى هذا الاسم إلى وقتنا هذا.
وبهذا الشارع من جهة اليمين: درب بشتاك يتصل بحارة أحمد باشا يجن، ثم درب السماكين، وهو درب كبير به عدة بيوت وغير نافذ، تم عطفة محمد جلبان غير نافذة، ثم عطفة الغندور ليست نافذة أيضا.
وأما جهة اليسار فبها: حارة إبراهيم باشا يجن تتصل بدرب القزازين، وبها ضريح يعرف بالشيخ عبد الله، ثم حارة سليم باشا تتصل بحارة حلوات، وبها ضريح يعرف بضريح الست عرب، وبآخرها زاوية الرفاعيين، ويقال لها الزاوية البيضاء، شعائرها معطلة لتخربها وبداخلها ضريح الشيخ أحمد الحريرى، ونظرها للسيد محمد ياسين شيخ طريقة الرفاعية.
[جامع ألجاى]
وبهذا الشارع أيضا جامع ألجاى، ويعرف بجامع السايس، وكان يعرف قديما بمدرسة ألجاى. قال المقريزى: هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل. كان موضعها وما حولها مقبرة، ويعرف الآن خطها بخط سويقة العزى. أنشأها الأمير الكبير سيف الدين ألجاى فى سنة ثمان وستين وسبعمائة، وجعل بها درسا للفقهاء الشافعية،
وآخر للحنفية، وخزانة كتب، وأقام بها منبرا يخطب عليه، وهى من المدارس المعتبرة.
ولما مات فى سنة خمس وسبعين وسبعمائة دفن بها. (انتهى). (قلت): وفى وقتنا هذا تعرف بجامع ألجاى، وهى عن يسرة من سلك من الدرب الأحمر إلى جامع السلطان حسن، شعائره مقامة، وبه خطبة، وله منارة ومطهرة وأخلية، وأوقافه كثيرة تحت نظر الديوان، وفى مقابلته ضريح يعرف بالشيخ النشار.
[جامع سودون]
وجامع سودون من زاده أنشأه مدرسة الأمير سودون من زاده الظاهرى برقوق، وهو عامر إلى الآن، وله باب، وبوسطه حنفية، وبداخله ضريح منشئه، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر السيد عمر الكعكى.
وبه أيضا أربع زوايا: إحداها زاوية الشيخ سعود المجذوب، وهى زاوية صغيرة بداخلها ضريحه عليه قبة خضراء بناها له سليمان باشا، وفى شعائرها بعض تعطيل، ويعمل له مولد كل عام، وقد ترجمه الشعرانى فى طبقاته، وقال إنه مات سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، ودفن فى هذه الزاوية فعرفت به. (اه).
والثانية زاوية الأربعين، وتعرف أيضا بزاوية رضوان أغا يلبغا، شعائرها معطلة لتخربها ونظرها للست نبيهة.
والثالثة زاوية حسن أغا يلبغا، وهى قديمة متخربة مستأجرة لرجل صباغ من جهة ناظرتها الست عائشة خاتون.
والرابعة زاوية عثمان أغا المغربى، شعائرها مقامة، وبأعلاها مساكن موقوفة عليها، ونظرها للحاج يوسف عامر.
وبه أيضا حمامان: أحدهما للرجال، والآخر للنساء، وهما عامران إلى الآن، ويعرفان بحمّامى بشتك ومصطفى كتخدا، وجاريان فى ملك ورثة محمد كتخدا الدرويش.
***
شارع سوق السلاح
ابتداؤه من نهاية شارع سويقة العزى من عند حارة حلوات، وانتهاؤه شارع محمد على، وطوله مائتان وعشرون مترا، وبه جهة اليمين:
[حارة القبورجية]
حارة القبورجية، يسلك منها إلى حارة أحمد باشا يجن، وبأولها زاوية تعرف بزاوية محمد أغا كمليان، بابها الأصلى عن يمين الداخل من الحارة المذكورة، وهو مسدود اليوم، ويسلك إليها من الوكالة المعروفة بوكالة أبى جبل الزيات، وشعائرها مقامة بنظر محمد أحمد العطار، ويجاورها سبيل من إنشاء واقفها تابع لها، وهو متخرب، وعليه أبيات فيها تاريخ سنة تسع وثمانين وتسعمائة هجرية.
ثم درب الخدام غير نافذ، وبه زاوية الأربعين، يعلوها مكتب لتعليم الأطفال، وشعائرها معطلة، وتحت نظر محمود أفندى.
ثم عطفة زريبة أحمد جلبى، يسلك منها لشارع محمد على، وبها ضريح يقال له الشيخ الإسكندرانى.
وأما جهة اليسار فبها:
[حارة حلوات]
حارة حلوات، يسلك منها إلى حارة سليم باشا وإلى حارة الصابونجية، وبها ضريحان:
أحدهما يعرف بالشيخ عامر، والثانى يعرف بالشيخ محمد، وبها أيضا دار ورثة المرحوم عبد الله باشا الأرنؤودى، ودار ورثة مظهر باشا، بكل منهما جنينة كبيرة.
وكان بأول هذه الحارة زاويتان متحاذيتان: إحداهما تعرف بزاوية ضرغام، والأخرى بزاوية بردق، أخذتا بشارع محمد على، ولم يبق لهما أثر الآن.
ويوجد إلى اليوم برأسها عن يمين الداخل عمود يضرب إلى الزرقة طوله تقريبا نحو مترين وقطره نحو (بياض بأصله)، وهو من توابع جامع السايس، وفوقه مكتب عامر بالأطفال. وفى مدة العزيز محمد على نوه بعض المغاربة بأن هذا العمود له مزية يقال إنها جربت فصحت، وهى أن من به داء اليرقان ونحوه من الداءات الباطنية يأتيه ويدهنه بماء الليمون ثم يلحسه بلسانه ويكرر لحسه حتى يخرج من اللسان دم أسود، فاذا استعمل ذلك ثلاث مرات فانه يبرأ بإذن الله تعالى. فعند ذلك ظهر هذا العمود بهذه المزية واستعمله كثير
من الناس، واستمروا على ذلك إلى زمن المرحوم عباس باشا ثم منعوا من استعماله، ويقال إن سبب المنع أنه ازدحمت عليه الناس رجالا ونساء حتى أن بعض السارقين رأى امرأة على صدرها حلى كثيرة فأراد أخذه فشرط ثديها، فبلغ الضابط ذلك، فمنع من الإتيان إليه، وأمر بالبناء عليه، فغطى بالجبس. وبعد تقادم العهد كشف بعض خدمة الجامع عن أسفله، وجعل عليه دولابا من الخشب إلى قدر القامة، وعمل له بابا فلا يفتح إلا بدراهم، وهو إلى اليوم معروف بذلك مستعمل لكثير من الناس.
وبهذا الشارع أيضا زاويتان: إحداهما تعرف بزاوية الغزى نسبة لمنشئها الأمير مصطفى الغزى، شعائرها مقامة من أوقافها، بنظر محمد سيف الدين شيخ طائفة السمكرية، ويتبعها سبيل. والأخرى زاوية على كتخدا، بأعلاها مساكن مملوكة، وشعائرها مقامة بنظر محمد سيف الدين المذكور.
وكان به أيضا زاوية تعرف بزاوية الست بادى صلاح أخذت فى شارع محمد على، ولم يبق لها أثر الآن.
وهناك أيضا سبيلان: أحدهما وقف محمد أغا جمليان أنشأه سنة تسعين وتسعمائة، وهو غير عامر الآن لتخربه، وتحت نظر الشيخ محمد العطار. والآخر وقف حسين أغا جمليان أنشأه سنة ست وخمسين ومائة وألف، وهو عامر بنظر الست عائشة.
وهناك حمام يعرف بحمام سوق السلاح، وهو قديم يدخله الرجال والنساء، وجار فى ملك يوسف أصيل ومحمود بيك العطار والشيخ مصطفى مبلغ عرفات.
***
شارع العطارين
ابتداؤه من المنشية بجوار جامع الغورى، وانتهاؤه شارع تحت السور، وطوله مائة وأربعون مترا، وعن يمين المارّ به: سوق العصر القديم، وشارع الرماح.
[جامع الغورى]
وجامع الغورى المذكور يعرف أيضا بجامع المتولى وبجامع المؤمنين، وهو فى الجانب القبلى لميدان محمد على، أنشأه السلطان الغورى، والآن غير مقام الشعائر لتخربه، وبجواره محل يعرف بالمغسل معد لغسل القتلى ونحوهم، به حجر كبير يغسل عليه القتلى، يقصده المرضى يستشفون بتخطيه، وهناك حوضان يغتسل فيهما المرضى أيضا وذلك عادة مستمرة إلى اليوم، ويتبعه سبيل متخرب يعرف بسبيل المؤمنين.
وبهذا الشارع أيضا حمام يعرف بحمام العطارين، وهو عامر إلى الآن يدخله الرجال والنساء ومشترك بين الأوقاف وأولاد أصيل.
***
[المنشية أو الرميلة]
(تتمة): المنشية التى ابتداء هذا الشارع منها كانت تعرف أولا بالرميلة، وقد تغيّرت هيئتها مرارا، فقبل بناء قلعة الجبل كانت أرضا براحا ليس بها شئ ألبتة، وفى زمن أحمد ابن طولون كانت بستانا. قال المقريزى عند الكلام على القطائع ودولة بنى طولون: اعلم أن القطائع قد زالت آثارها، ولم يبق لها رسم يعرف، وكان موضعها من قبة الهواء التى صار مكانها قلعة الجبل إلى جامع ابن طولون، وهذا أشبه أن يكون طول القطائع، وأما عرضها فإنه من أول الرميلة تحت القلعة إلى الموضع الذى يعرف اليوم بالأرض الصفراء - عند مشهد الرأس الذى يقال له الآن زين العابدين.
وكانت مساحة القطائع ميلا فى ميل، فقبة الهواء كانت فى سطح الجرف الذى عليه قلعة الجبل. وتحت قبة الهواء قصر ابن طولون. وموضع هذا القصر الميدان السلطانى تحت القلعة، والرميلة التى تحت القلعة - مكان سوق الخيل والحمير والجمال - كانت بستانا، ويجاورها الميدان فى الموضع الذى يعرف اليوم بالقبيبات، فيصير الميدان فيما بين القصر والجامع الذى أنشأه أحمد بن طولون.
وبحذاء الجامع دار الإمارة فى جهته القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة المحيطة بمصلى الأمير إلى جوار المحراب، وهناك أيضا دار الحرم.
والقطائع عدة قطع تسكن فيها عبيد ابن طولون وعساكره وغلمانه، وكل قطيعة لطائفة، فيقال: قطيعة السودان، وقطيعة الروم، وقطيعة الفراشين، ونحو ذلك. فكانت كل قطيعة لسكنى جماعة بمنزلة الحارات التى بالقاهرة.
قصر ابن طولون
ثم قال المقريزى أيضا: وبنى ابن طولون قصره، ووسّعه وحسّنه، وجعل له ميدانا كبيرا يضرب فيه بالصوالجة، فسمى القصر كله الميدان، وكان كل من أراد الخروج من صغير وكبير إذا سئل عن ذهابه يقول إلى الميدان، وعمل للميدان أبوابا لكل باب اسم، وكانت تفتح كلها فى يوم العيد أو يوم عرض الجيش أو يوم صدقة، وما عدا هذه الأيام لا تفتح إلا بترتيب فى أوقات معروفة.
وكان القصر له مجلس يشرف منه ابن طولون يوم العرض ويوم الصدقة لينظر من أعلاه من يدخل ويخرج، وكانت صدقاته على أهل المسكنة والستر وعلى الضعفاء والفقراء وأهل التجمل متواترة، وكان راتبه لذلك فى كل شهر ألفى دينار، سوى ما يطرأ عليه من النذور وصدقات الشكر على تجديد النعم، وسوى مطابخه التى أقيمت فى كل يوم للصدقات فى داره وغيرها. وكان ينادى من أحب أن يحضر دار الأمير فليحضر، وتفتح الأبواب ويدخل الناس الميدان، وابن طولون فى المجلس الذى تقدم ذكره ينظر إلى المساكين ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون، فيسره ذلك ويحمد الله على نعمته.
ولقد قال له مرة إبراهيم بن قراطفان - وكان على صدقاته: أيّد الله الأمير إنّا نقف فى المواضع التى نفرق فيها الصدقة فتخرج لنا الكف الناعمة المخضوبة نقشا والمعصم الرائع فيه الحديدة والكف فيها الخاتم، فقال: يا هذا كل من مدّ يده إليك فأعطه، فهذه هى اللطيفة المستورة التى ذكرها الله سبحانه وتعالى فى كتابه فقال:«يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» ، فاحذر أن تردّ يدا امتدت إليك، وأعط كل من يطلب منك.
بستان خمارويه بن أحمد بن طولون
فلما مات أحمد بن طولون وقام من بعده ابنه خمارويه أقبل على قصر أبيه وزاد فيه، وأخذ الميدان الذى كان لأبيه فجعله كله بستانا وزرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، ونقل إليه الودىّ اللطيف الذى ينال ثمره القائم، ومنه ما يتناوله الجالس من أصناف خيار النخل، وحمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب، وأنواع الورد، وزرع فيه الزعفران.
وكسا أجسام النخل نحاسا مذهبا حسن الصنعة، وجعل بين النحاس وأجساد النخل مزاريب الرصاص، وأجرى فيه الماء المدبر فكان يخرج من تضاعيف قائم النخل عيون الماء، فتنحدر إلى فساق معمولة، ويفيض منها الماء إلى مجار تسقى سائر البستان، وغرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعاهدها البستانى بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة، وزرع فيه النيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر، والجنوى العجيب.
وأهدى إليه من خراسان وغيرها كل أصل عجيب، وطعّموا له الشجر المشمش باللوز، وأشباه ذلك من كل ما يستطرف ويستحسن.
وبنى فيه برجا من خشب الساج المنقوش بالنقر النافذ ليقوم مقام الأقفاص، وزوّقه بأصناف الأصباغ، وبلّط أرضه، وجعل فى تضاعيفه أنهارا لطافا، جداولها يجرى فيها
الماء مدبرا من السواقى التى تدور على الآبار العذبة، ويسقى منها الأشجار وغيرها، وسرّح فى هذا البرج من أصناف القمارى والدباسى والنونيات وكل طائر مستحسن حسن الصوت، فكانت الطير تشرب وتغتسل من تلك الأنهار الجارية فى البرج، وجعل فيه أوكارا فى قواديس لطيفة ممكنة فى جوف الحيطان لتفرخ الطيور فيها، وعارض لها فيه عيدانا ممكنة فى جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت، حتى يجاوب بعضها بعضا بالصياح.
وسرّح فى البستان من الطير العجيب - كالطواويس ودجاج الحبش ونحوها - شيئا كثيرا، وعمل فى داره مجلسا برواقه سمّاه بيت الذهب طلى حيطانه كلها بالذهب المجاول باللازورد المعمول فى أحسن نقش وأظرف تفصيل، وجعل فيه على مقدار قامة ونصف صورا فى حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته وصورة حظاياه والمغنيات اللاتى تغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق، وجعل على رؤوسهن الأكاليل من الذهب الخالص الإبريز الرزين والكوادن المرصعة بأصناف الجواهر، وفى آذانها الأجراس الثقال الوزن المحكمة الصنعة، وهى مسمّرة فى الحيطان، ولونت أجسامها بأصناف أشباه الثياب من الأصباغ العجيبة، فكان هذا البيت من أعجب مبانى الدنيا.
وبنى فى داره دارا للسباع عمل فيها بيوتا بآزاج كل بيت يسع سبعا ولبوته، وعلى تلك البيوت أبواب تفتح من أعلاها بحركات، ولكل بيت منها طاق صغير يدخل منه الرجل الموكل بخدمة ذلك البيت يفرشه بالزبل. وفى جانب كل بيت حوض من رخام بميزاب من نحاس يصب فيه الماء. وبين يدى هذه البيوت قاعة فسيحة متسعة فيها رمل مفروش بها، وفى جانبها حوض كبير من رخام يصب فيه ماء من ميزاب كبير، فإذا أراد سائس سبع من تلك السباع تنظيف بيته أو وضع وظيفة اللحم التى لغذائه رفع الباب بحيلة من أعلى البيت، وصاح بالسبع فيخرج إلى القاعة المذكورة ويرد الباب، ثم ينزل إلى البيت من الطاق فيكنس الزبل، ويبدل الرمل بغيره مما هو نظيف، ويضع الوظيفة من اللحم فى مكان معد لذلك بعد ما يخلص ما فيه من الغدد، ويقطعه لهما، ويغسل الحوض ويملؤه ماء، ثم يخرج ويرفع الباب من أعلاه. وقد عرف السبع ذاك فحالما يرفع السائس باب البيت دخل إليه الأسد فأكل ما هبئ له من اللحم حتى يستوفيه ويشرب من الماء كفايته. فكانت هذه مملوءة من السباع، ولها أوقات يفتح فيها سائر بيوت السباع فتخرج إلى القاعة وتتمشى فيها وتمرح وتلعب، ويهارش بعضها بعضا، فتقيم يوما كاملا إلى العشى، فيصيح بها السواس فيدخل كل سبع إلى بيته لا يتخطاه إلى غيره.
السبع المعروف بزريق
وكان من جملة هذه السباع سبع أزرق العينين يقال له زريق قد أنس بخمارويه، وصار مطلقا فى الدار لا يؤذى أحدا، ويقام له بوظيفته من الغذاء فى كل يوم، فإذا نصبت مائدة خمارويه أقبل زريق معها وربض بين يديه، فرمى إليه بيده الدجاجة بعد الدجاجة والفضلة الصالحة من الجدى ونحو ذلك مما على المائدة فيتفكه به، وكانت له لبوة لم تستأنس كما أنس، فكانت مقصورة فى بيت، ولها وقت معروف يجتمع معها فيه، فإذا نام خمارويه جاء زريق ليحرسه، فإن كان قد نام على سرير ربض بين يدى السرير، وجعل يراعيه ما دام نائما، وإن كان قد نام على الأرض بقى قريبا منه وتفطن لمن يدخل ويقصد خمارويه لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة، وكان على ذلك دهره قد ألف ذلك، ودرب عليه، وكان فى عنقه طوق من ذهب، فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه ما دام نائما، لمراعاة زريق وحراسته إياه، حتى إذا شاء الله إنفاذ قضائه فى خمارويه كان بدمشق وزريق غائب عنه بمصر ليعلم أنه لا يغنى حذر من قدر.
وعمل أيضا للنمور دارا مفردة، وللفهود دارا مفردة، وللفيلة دارا مفردة، وللزرافات دارا مفردة. كل ذلك سوى الإصطبلات، فإنه عمل لكل صنف من الدواب إصطبلا مفردا، فكان للخيل الخاص إصطبل مفرد، ولدواب الغلمان إصطبل، ولبغال القباب إصطبل، ولبغال النقل وللنجائب والبخاتى إصطبلات، لكل صنف إصطبل مفرد للاتساع فى المواضع والتفنن فى الأثقال سوى الإصطبلات التى بالجيزة فإنه كان له فى عدة ضياع من الجيزة إصطبلات مثل نهيا ووسيم وسفط وطهر مس وغيرها. وكانت هذه الضياع لا تزرع إلا القرط برسم الدواب
…
إلى آخر ما قال من كلام طويل. (انتهى).
(قلت): ويظهر من هذا كله أن الميدان والقصر والبستان كان يشمل أكثر ثمن الخليفة الآن من ابتداء الجامع من شرقيه ويدخل فيه الرميلة وقرا ميدان إلى القلعة، وبقى كذلك إلى أن خرب.
تخريب القطائع
وخربت القطائع فى سنة ثلاث وتسعين ومائتين على يد مبعوث الخليفة المكتفى بالله محمد ابن سليمان، فألقى النار فى القطائع، ونهب أصحابه الفسطاط، وكسروا السجون، وأخرجوا من فيها، وهجموا الدور، واستباحوا الحريم، وهتكوا الرعية، وافتضوا الأبكار، وساقوا النساء، وفعلوا كل قبيح من إخراج الناس من دورهم وغير ذلك.
وأخرج ولد أحمد بن طولون وهم عشرون إنسانا، وأخرج قوادهم، فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر، وخلت الديار، وعفت منهم الآثار، وتعطلت منهم المنازل، وحل بهم الذل بعد العز، والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل ونضرة الملك ومساعدة الأيام، ثم سيق أصحاب شيبان بن أحمد بن طولون الى محمد بن سليمان وهو راكب، فذبحوا بين يديه كما تذبح الشياه، وقتل من السودان سكان القطائع خلقا كثيرا.
فكانت هذه الحادثة الشنيعة أشبه بحادثة العاضد - آخر خلفاء الفاطميين - لما ملك صلاح الدين. وكلتا الحادثتين نتيجة التصرف القبيح والسير الذميم، فإن خمارويه لم يترك للسبق حدا، وأكثر من التبذير، وصرف الأموال فى غير محلها، فمات مقتولا بالشام سنة اثنتين وثمانين ومائتين، قتله جواريه، وتولى من بعده ابنه أبو العساكر جيش بن خمارويه، فقتله عماه بالعباسة سنة اثنتين وتسعين، وتولى بعده شيبان بن أحمد بن طولون فلم يقم غير اثنى عشر يوما، وعزله محمد بن سليمان، ووقع لذرية ابن طولون ما تقدم ذكره، فكانت مدة دولة بنى طولون عبارة عن أربعين سنة، أقام منها أحمد بن طولون فى ولاية مصر من سنة أربع وخمسين ومائتين إلى سنة سبعين ومائتين، وكان بعد ذلك أول خراب قطائع ابن طولون وخراب قصوره، ثم تزايد خرابها فى أيام الشدة العظمى التى وقعت زمن الخليفة المستنصر وهلك جميع من كان بها من السكان، وقال المقريزى: إنها كانت تزيد على مائة ألف دار، وكانت نزهة للناظرين محدقة بالجنان والبساتين، ثم صارت تتقلب مع تقلبات الحوادث فى أيام دولة بنى أيوب ومن خلفهم، ولكن لم ترجع لحالتها الأولى.
*** وأما الرميلة فصارت سوقا يباع فيه الخيل والبغال والجمال والحمير وغير ذلك، ثم جعلت ميدانا للقتال فى زمن السلاطين، وكذا فى زمن باشاوات مصر من جهة آل عثمان، وفى زمن العزيز محمد على باشا إلى زمن الخديو إسماعيل كانت سوقا للخيل والجمال ونحوها، وفضلا عن ذلك كانت محلا لاجتماع الحواة ونحوهم. وكان بدائرها عدة دكاكين لبيع المأكولات وغيرها.
ثم إن الخديو إسماعيل أراد أن يغير هيئتها. ويزيل غمتها، ويمنحها منظرا حسنا، فأمرنى بعمل رسم لها. وكنت إذ ذاك ناظرا على القناطر الخيرية، فعملت لها الرسم التى هى عليه الآن، وأخذت الأملاك التى اقتضى الرسم أخذها. ودفع ثمنها من المحافظة، وغرست بها الأشجار هى والميدان المجاور لها، فصارت من أجمل متنزهات القاهرة، خصوصا باتصالها بشارع محمد على الممتد من الأزبكية إليها. ووجود مصطبة المحمل التى هناك وسكة الحديد
الموصلة إلى حلوان. ومن زمن مديد تجتمع بها الخلائق يوم خروج المحمل ويوم دخوله للفرجة عليه، فيكون فيها يومئذ ما يزيد على مائة ألف من الرجال والنساء، ويكون منظرها عجيبا وشكلها غريبا.
***
شارع تحت السور
يبتدئ من نهاية شارع العطارين إلى أول شارع باب القرافة الذى بنهاية مسجد السيدة عائشة النبوية رضي الله عنها، وطوله ثلثمائة وستون مترا.
وعن يمين المارّ به: شارع البقلى، وشارع درب الحبالة، وسيأتى بيانهما، وبه من جهة اليمين أيضا عطف ودروب وهى:
عطفة كوابن، ثم عطفة رجب، ثم درب الفرن، ثم عطفة الميلان، بداخلها ضريح يعرف بالشيخ عبد الله، ثم درب القزازين، ثم درب بجرى.
وبه جهة اليسار أربع عشرة عطفة:
الأولى عطفة الرملى؛ بداخلها ضريح يعرف بالشيخ الرملى. الثانية عطفة خلف. الثالثة عطفة البئر. الرابعة عطفة السادة. الخامسة عطفة الشرفا. السادسة عطفة العياد. السابعة عطفة سيدى عبد الله؛ بها ضريح للشيخ عبد الله. الثامنة عطفة النخلة. التاسعة عطفة الفرماوى، وبها ضريح للأربعين. العاشرة عطفة نفيس. الحادية عشرة عطفة محجوب. الثانية عشرة عطفة خميس. الثالثة عشرة عطفة الآبجى. الرابعة عشرة العطفة السد، وكلها غير نافذة.
وبهذا الشارع أيضا جامع الجركسى عن يمين الداخل من بوابة حجاج بقرب مسجد السيدة عائشة، شعائرة مقامة، وبه ضريحان: أحدهما يعرف بقايتباى الجركسى الذى سمى هذا الجامع باسمه، والآخر للشيخ عطية، ويعمل به مولد كل سنة، ويتبعه سبيل.
وجامع مصطفى باشا، وهو جامع قديم شعائره معطلة لتخربه، وتحت نظر الأوقاف.
وبه أيضا جملة وكائل منها: وكالة ملك ورثة الحاج على عجوة، ومنها وكالة ملك ورثة ونس الحمار، ومنها وكالة ملك ورثة هلال الفرارجى، وكلها بأعلاها مساكن.
***
شارع باب القرافة
أوله من نهاية شارع تحت السور، وآخره بوابة الخلاء المعروفة ببوابة حجاج قبلى مسجد السيدة عائشة، وطوله مائتان وثلاثون مترا.
وبه من جهة اليمين:
درب العتامنة - ثم درب الريحانى - ثم درب النجار؛ يتوصل منه لدرب الحبالة، وبأوله زاوية تعرف بزاوية الحاج على المسلوب - ثم درب مليحة، ثم عطفة البيارة؛ بداخلها ضريح يعرف بالشيخ محمد الجوينى، وزاوية يقال لها زاوية الشيخ عنان.
[مسجد السيدة عائشة]
وبهذا الشارع من المساجد الشهيرة مسجد السيدة عائشة النبوية
(1)
رضي الله عنها به ضريحها الشريف، عليه مقصورة من النحاس الأصفر بابها منها، وعلى الضريح تركيبة عليها تابوت مكسو بالاستبرق مخيش بالأصفر والأبيض، ويعلو ذلك قبة مرتفعة دقيقة الصنعة.
وصاحبة هذا الضريح تقصد بالزيارة والنذور، ويعمل لها حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام. وهذا المسجد عن يسرة من سلك إلى القرافة الصغرى إلى بوابة حجاج، جدده الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة خمس وسبعين ومائة وألف، وشعائره مقامة إلى اليوم بنظر الديوان.
[زاوية الست مريم]
وفى مقابلته زاوية صغيرة تعرف بزاوية الست مريم بها قبرها، وقبر آخر لم يعرف صاحبه، وهى معطلة الشعائر لتخربها، واليوم جعلت مسكنا لبعض أرباب الحرف.
[جامع البردينى]
وهناك أيضا جامع البردينى، به ضريح البردينى، وضريح الشيخ خليل المرصفى، يعمل لهما حضرة كل ليلة جمعة، ومولد كل عام، وفى وقتنا هذا تخرب هذا الجامع وجعل مكتبا لتعليم الأطفال.
[ترجمة سيدى محمد أبى البقاء]
وذكر الشيخ على بن يونس الرومى الحنفى الشاذلى فى رسالة له أن هذا الجامع دفن به جماعة من طائفة المسلكين، وأجل خواص المقرئين؛ منهم سيدى محمد أبو البقاء. أخذ الطريقة عن سيدى على بن خليل المرصفى، فأحبه حبا شديدا، واختاره وقدمه على سائر تلامذته،
(1)
انظر الكلام على مسجدها وترجمتها فى ج 5 ص 43 [طبعة أولى].
(أحمد تيمور)
وزوّجه ابنته، فرزق منها بثلاثة ذكور. وكان كثر العبادة، قيل إنه كان يتلو فى كل يوم خمس ختمات، وصحب سيدى على بن خليل ثمانى عشرة سنة، وبلغ من العمر ثلاثا وستين سنة، وله مصنفات كثيرة؛ منها «البحر المحيط» جمع فيه سر أسرار أهل الطريقة رحمه الله.
ومن أولاده سيدى محمد أبو المواهب زين العابدين. كان من العلماء العاملين، ولما مات دفن مع إخوته ووالده بهذا الجامع. (انتهى).
وبهذا الشارع أيضا سبيل من وقف قايتباى، أنشئ سنة إحدى وسبعمائة، وهو عامر إلى اليوم بنظر الأوقاف، ودار ملك ابن القراشلى، ووكالتان يعلوهما أماكن للسكنى؛ إحداهما ملك حسين القماح، والأخرى ملك محمد رجب الجمال، وقراقول بجوار بوابة حجاج يعرف بقراقول السيدة عائشة، ويقال له قراقول بوابة حجاج أيضا.
[ترجمة حجاج الخضرى]
وبوابة حجاج هذه نسبت لحجاج الخضرى - شيخ طائفة الخضرية، وهو كما فى الجبرتى حجاج الخضرى الشهير بنواحى الرميلة، أخذه مصطفى كاشف المحتسب وشنقه على السبيل المجاور لحارة المبيضة بالجمالية، وذلك فى سادس ساعة من الليل وقت السحور ليلة الخميس سابع عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، وتركوه معلقا لمثلها من الليلة القابلة، ثم أذن برفعه، فأخذه أهله ودفنوه. وكان مشهورا بالإقدام والشجاعة، طويل القامة، عظيم الهمة. وكان شيخا على طائفة الخضرية، صاحب صولة وكلمة بتلك النواحى، ومكارم أخلاق، وهو الذى بنى البوابة بآخر الرميلة عند عرصة الغلة أيام الفتنة، واختفى مرارا بعد تلك الحوادث، وانضم إلى الألفى، ثم حضر إلى مصر بأمان، ولم يزل على حالته فى هدوء وسكون حتى شنق مظلوما زجرا لغيره. (انتهى ملخصا).
***
شارع القبر الطويل
ويقال له شارع سكة الزرايب. أوله من نهاية شارع باب القرافة تجاه بوابة الخلاء، وآخره شارع البلاسى وسكة السيدة نفيسة رضي الله عنها، وطوله أربعمائة متر.
وبه من جهة اليمين:
شارع الشيخ كشك، وشارع درب غزية، وسيأتى بيانهما، ثم عطفة الحنانى، ثم درب القطاطنة، ثم خوخة بدر الدين، عرفت بضريح سيدى بدر الدين الذى بجوارها.
وأما جهة اليسار فبها:
عطفة البارودى، ثم عطفة البلدية، ثم العطفة الصغيرة.
[جامع القبر الطويل]
وبهذا الشارع أيضا جامع القبر الطويل واقع خلف مسجد شجرة الدر. كان أصله زاوية صغيرة بها ضريح يقال لصاحبه الشيخ محمد. جددها المعلم جمعة راجح شيخ طائفة البنايين مسجدا، وعمل لها منارة وميضأة ومراحيض، وبنى قبة على الضريح، وذلك فى سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، وأنشأ بجوار ذلك أماكن وقفها عليه، شعائره مقامة من ريعها، وجدد أيضا السبيل الذى هناك، والضريح الذى تجاه هذا الجامع المعروف بالأربعين.
[جامع بدر الدين الونائى]
وبه جامع بدر الدين الونائى؛ أعظمه متخرب، وبه سبيل ومكتب مهجوران، وله أوقاف بجواره، ويعمل به مولد كل سنة، والناظر عليه رجل يدعى بالشيخ حسن.
[زاوية الجميزى]
وبه زاوية الجميزى بالقرب من باب القرافة، بداخلها ضريح يعرف بضريح سيدى على الجميزى، عليه مقصورة من الخشب، وهى معطلة الشعائر لتخربها.
وهناك أيضا ضريح يعرف بضريح الشيخ مخلص.
***
شارع درب غزية
ابتداؤه من آخر شارع القبر الطويل، وانتهاؤه شارع درب الحبالة، وطوله مائتان واثنان وثلاثون مترا.
وبه من جهة اليمين أربع عطف غير نافذة:
- الأولى عطفة الشيخ محمد.
[زاوية سيدى بهادى]
- الثانية عطفة سيدى بهادى، بها زاوية بهادى أنشأها أبو سعيد الطاهرى فى شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وخمسمائة - كما هو منقوش فى لوح رخام على بابها - ثم جددها المعلم محمد الشيمى المهندس المعمارى تبرعا منه، وأقام شعائرها إلى اليوم، وبداخلها ضريح الشيخ بهادى الذى عرفت العطفة باسمه.
- الثالثة عطفة درب ملوخيا، بها ضريح للأربعين.
- الرابعة عطفة الجنزرلى، بها ضريح للأربعين أيضا.
وأما جهة اليسار فبها:
عطفة أبى داود، ثم درب غزية الذى عرف الشارع به؛ بداخله ضريح يعرف بضريح الست غزية، ثم العطفة الصغيرة.
***
شارع درب الحبالة
ابتداؤه من شارع تحت السور، وانتهاؤه شارع البقلى، وطوله مائة وتسعون مترا.
وبه جهة اليسار درب بجرى، ثم عطفة النقاش، ثم العطفة الصغيرة.
وأما جهة اليمين فبها عطف غير نافذة
***
شارع البقلى
أوله من شارع تحت السور بجوار جامع الجركسى، وآخره تقابل شارع المشرقى بشارع الشيخ كشك، وطوله ثلثمائة وأربعون مترا.
عرف بذلك لأن به ضريح سيدى على البقلى داخل الجامع المعروف به، وهو متخرب، وفيه مصلى صغيرة. ووجد بداخل الضريح قطعة لوح من خشب منقوش فيها:«هذا ضريح الشيخ على البقلى، توفى فى شهر جمادى سنة ست وستين وستمائة» ، وبه صهريج متخرب أيضا، والناظر على ذلك الشيخ أحمد الدهشورى.
وبهذا الشارع من جهة اليمين: عطفة الصياربة، يتوصل منها لشارع الرماح، ثم عطفة الحلاوة، ثم درب البئر، ثم درب الشهيد، ثم عطفة أبى سنة، ثم عطفة كاسة بآخرها ضريح أبى الطراطير، ثم عطفة الشراقوة، ثم درب الدقاقين بداخله ضريح سيدى محمد.
وأما جهة اليسار فبها: حارة الجركسى، عرفت بذلك لمجاورتها الجامع الجركسى، الذى ذكرناه فى شارع تحت السور، وهى غير نافذة.
***
شارع المشرقى
ابتداؤه من نهاية شارع البقلى، وانتهاؤه شارع الخليفة قبلى مسجد السيدة سكينة، وطوله مائة وستون مترا.
وبه جهة اليمين: درب الأكراد تجاه حمام الخليفة، بداخله ضريح يعرف بضريح الأربعين.
وأما جهة اليسار فبها: حارة حوش السيدة، وهى غير نافذة.
وهناك أيضا ثلاثة أضرحة؛ أحدها للشيخ مصطفى القصبجى، والثانى للأربعين، والثالث يعرف بالشيخ أبى طقية.
***
شارع الشيخ كشك
أوله من آخر شارع البقلى، وآخره شارع القبر الطويل تجاه مسجد القبر الطويل، وطوله مائة وتسعون مترا. عرف بذلك لأن به ضريح الشيخ محمد كشك.
[ضريح الشيخ محمد كشك]
داخل الجامع المعروف به بجوار مسجد القبر الطويل خارج بوابة السيدة سكينة رضي الله عنها له مطهرة وأخلية، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الشيخ عبد المجيد البرمونى، وبداخله أيضا ثلاثة أضرحة: أحدها للشيخ مصطفى الحبال، والثانى للشيخ على الحباك، والثالث للشيخ محمد البرمونى.
وبهذا الشارع من جهة اليمين: درب الحبالة ليس بنافذ، وبأوله جامع المعرف. كان أول أمره زاوية جددها المرحوم جمعة راجح مسجدا، وأقام شعائره إلى اليوم، وقد تكلمنا على هذا الجامع وعلى القبر الطويل فى شارع السيدة نفيسة فانظره هناك.
[جامع السليمانى]
وبهذا الشارع أيضا جامع السليمانى. كان أول أمره زاوية، والآن شعائره معطلة لتخربه، ونظره للأوقاف.
[زاوية الغباشى]
وبه زاوية الغباشى، عرفت بالشيخ محمد الغباشى المدفون بها، وهى بالقرب من القبر الطويل مكتوب على بابها تاريخ سنة ست وثلاثين ومائتين وألف، وشعائرها مقامة من أوقافها.
وذكر السخاوى فى كتاب «المزارات» أن فى بحرى جامع المعرف تربة قديمة، وبها قبر إلى جانب قبر السقايين، قال بعضهم ومكتوب على خشبة البناء «أم محمد بن محمد ابن الهيثم». قال المسبحى: تزوجها عبد الله بن جعفر. وهذه التربة هى المعروفة هناك بالسادة البنات البكر، وهذا الاسم ليس له صحة، ثم قال: وتجاه التربة على الطريق مدرسة بها قبر الشيخ العارف الصالح الفقيه المعتقد زين الدين أبى بكر بن عبد الله الدمروطى السليمانى، توفى آخر شوال سنة خمس وسبعين وسبعمائة ودفن بزاويته، ونقل عنه شيخ الإسلام سراج الدين بن الملقن الشافعى فى كتاب «حلبات الأولياء» أنه كان يحفظ جملة من كتاب «الشامل» لابن الصباغ الشافعى. (انتهى).
(قلت): ويؤخذ من هذا أن مدرسة زين الدين الدمروطى السليمانى هى التى عرفت الآن بجامع السليمانى والذى يقابله على الطريق هو زاوية الغباشى، فحينئذ تكون زاوية الغباشى هى المعروفة قديما بتربة السادة البنات البكر. هذا ما ظهر لى من عبارة السخاوى، ثم إنه قد بلغنى ممن أثق به أن بعض أهل تلك الخطة يقول إن زاوية الغباشى هذه كانت تعرف أولا بزاوية البنات البكر، وهذا يؤيد ما قلناه فلله الحمد.
***
شارع المسيحية
أوله من ابتداء سكة أبى سبحة خارج باب القرافة، وآخره شارع عرب يسار، وطوله مائة وسبعون مترا، عرف بذلك لأن به جامع المسيحية نسبة لمنشئه الوزير مسيح باشا، أنشأه سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، وسبب بنائه أنه كان يعتقد فى الشيخ نور الدين القرافى - أحد علماء عصره - فأنشأ له هذا الجامع، ووقف عليه أوقافا، وجعلها بيد الشيخ المذكور، وجعل النظر له ولذريته من بعده، وهو إلى اليوم مقام الشعائر، ويعرف أيضا بجامع نور الدين القرافى لدفنه به.
وبهذا الشارع من جهة اليمين حارة الزينى، ثم عطفة المحسن (بالحاء المهملة)، ثم درب المأذنة، وكلها غير نافذة.
***
شارع عرب يسار
ابتداؤه من آخر شارع المسيحية، وانتهاؤه إلى البراح المحصور ما بين سور القلعة وعرب يسار، وطوله مائتان وستون مترا.
وبه جهة اليمين أربعة دروب: الأول درب الداوودى ليس بنافذ. الثانى درب البرقع غير نافذ أيضا. الثالث درب الدودة يسلك منه لشارع تحت السور. الرابع درب الساقية يسلك منه لشارع تحت السور أيضا.
وأما جهة اليسار فبها: العطفة الصغيرة، ثم عطفة المالح، ثم حارة المقدم، ثم حارة باشا، ثم درب المجرى، وكلها غير نافذة.
وبه أيضا زاوية تعرف بزاوية الشيخ عبد الله، بها ضريحه، يعلوه قبة مرتفعة كانت متخربة ثم جددها ديوان الأوقاف، وأقام شعائرها إلى اليوم، وبداخلها أيضا ضريح للشيخ على البركاتى، ويجاورها سبيل متخرب بداخله مكتب لتعليم الأطفال.
***
شارع سكة القادريّة
(1)
يبتدئ من بوابة القرافة، وينتهى إلى جهة الخلاء قبلى القاهرة من جهة الإمامين، وطوله ثلثمائة متر.
[جامع السادة القادرية]
عرف بذلك لأن به جامع السادة القادرية، بداخله ضريح سيدى على القادرى، وضريح سيدى أحمد، وضريح سيدى حسين. يعمل لهم حضرة كل ليلة جمعة، ومولد كل عام.
وهذا الجامع يعرف أيضا بجامع علىّ (بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء) وهو عن يمنة من سلك من باب القرافة إلى الإمام الشافعى، مكتوب على بابه تاريخ سنة سبع وتسعين وستمائة، وشعائره مقامة إلى اليوم.
وبهذا الشارع من جهة اليمين حارتان: الأولى حارة السادة القادرية. الثانية حارة عرب قريش.
وأما جهة اليسار فبها: درب الباهى يسلك منه لشارع أبى سبحة.
وإلى هنا انتهى بيان أقسام الشوارع الصغيرة المتشعبة من الشارع الطوالى المار من باب زويلة إلى المنشية.
(1)
فى الطبعة الأولى «القدرية» ، والتصحيح لأحمد تيمور.
ثم لنبين لك الشارع الطوالى المارّ من المنشية بجوار سوق العصر فنقول:
هذا الشارع ابتداؤه من شارع العطارين بجوار سوق العصر، وانتهاؤه شارع طولون الموصل للخلاء غربى القاهرة، وطوله تسعمائة وخمسون مترا، وينقسم أربعة أقسام.
أولها: شارع الرماح
ابتداؤه من شارع العطارين، وانتهاؤه أول شارع درب الحصر.
عرف بذلك لأن به ضريح عبد الله أبى شعبان الرماح داخل جامع الرماح المعروف به بالجانب البحرى من ميدان محمد على، شعائره مقامة من ريع أوقافه بنظر الديوان، ويعمل به مولد كل عام.
وبهذا الشارع من جهة اليمين:
حارة الرماح التى بها هذا الجامع، ثم عطفة قلانس، ثم حارة الشطابين، ثم درب الزينى ثم حارة الزريبة، وكلها غير نافذة.
وأما جهة اليسار فبها: عطفتان كلتاهما غير نافذة: الأولى عطفة عليان (بكسر العين المهملة وسكون اللام). الثانية عطفة أبى داود.
ثانيها: شارع درب الحصر
أوله من نهاية شارع الرماح بجوار جامع سيدى محمد، وآخره أول شارع الخليفة، وآخر شارع الركبية.
وبه جهة اليمين: درب غير نافذ يعرف بدرب صبيح، بآخره زاوية يحيى جاويش، وتعرف أيضا بزاوية الأربعين.
وأما جهة اليسار فبها: درب الحصر الذى عرف الشارع به، وهو درب كبير به عدة بيوت، ثم عطفة زهرا، ثم عطفة قنبور، ثم عطفة حسين بيرم، وكلها غير نافذة.
[جامع قلمطاى]
وبهذا الشارع أيضا جامع عبد العزيز قلمطاى؛ به عمودان من الزلط، وضريح عليه مقصورة من الخشب. كان أول أمره زاوية تعرف بزاوية قلمطاى الجمالى، جددها مسجدا الأمير حسن أفندى كتخدا عزبان ابن المرحوم الأمير ناصف على فى جمادى الثانية سنة أربع وعشرين ومائة وألف، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الشيخ محمد القهوجى.
[جامع أبى بنات]
وجامع أبى بنات له منارة مرتفعة عليها نقوش حسنة، وفى شعائره بعض تعطيل.
وبجواره حمام درب الحصر أنشأه خوشقدم الأحمدى، وجعله برسم الرجال والنساء، وهو عامر إلى الآن، وجار فى ملك حسن مفتاح، وعليه حكر لوقف خوشقدم الأحمدى.
[زاوية التشتمرى]
وبه أيضا زاوية تعرف بزاوية التشتمرى، منقوش على بابها فى الخشب - بعد البسملة وآية «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ» - تاريخ سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وبداخلها ضريح يقال له ضريح الشيخ التشتمرى، ولها ميضأة وأخلية وبئر، وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر الديوان.
وسبيل يعرف بسبيل حسن كتخدا يعلوه مكتب، ومنقوش على شبا كه تاريخ سنة اثنتى عشرة ومائة وألف.
[ضريح الشيخ إبراهيم الفار ومولده]
وبه ثلاثة أضرحة؛ أحدها للشيخ العراقى، والثانى للشيخ عبد الله التكرورى، والثالث للشيخ إبراهيم الفار يعمل له حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام مع مولد السيدة سكينة رضي الله عنها وفى آخر يوم من مولده يركب خليفته فى موكب حافل، ومعه جملة من أرباب الأشائر والطرق.
وتزعم العامة أن من رزق ولدا، وأراد أن يعيش له، فإنه يحضر به فى مولد الشيخ إبراهيم الفار المذكور، ويركبه مع الخليفة، ويجعل ركوبه عادة مستمرة كل سنة لأجل أن يعيش له ذلك الولد، وهذا اعتقاد فاسد من عقل كاسد يوقع صاحبه فى الضلال ويؤديه إلى الإضلال.
وصفة كيفية ركوب الخليفة أن يحضر كثير من الناس بأولادهم وعلى أبدانهم الثياب الملونة، وبرؤوسهم الطراطير المشكلة، ومعهم الركائب والطبول والزمور والمزازيك،
ويركبون مع الخليفة، ويخرجون من شارع درب الحصر، فينزلون على شارع الركبية، ثم على شارع الصليبة، ثم على المنشية، ثم يعودون إلى شارع درب الحصر، ويفعلون ذلك ثلاث مرات والخليفة راكب بأول الموكب وأمامه جماعة من أرباب الأشائر والطرق، وحوله جماعة من النقباء بأيديهم المباخر والقماقم، وجماعة من عسكر البوليص لمنع الناس من الازدحام، وخلفه الأولاد الصغار، وبعض من البالغين الكبار؛ فمنهم الراكب على حصان، ومنهم من هو راكب على حمار، ومنهم الراكب فى عربة، ونحو ذلك، ومنهم من على رأسه طرطور أحمر، ومنهم من على رأسه طرطور أصفر إلى غير ذلك من الأمور الشنيعة والغايات القبيحة.
ويكون ابتداء الموكب الساعة السادسة من النهار إلى آخر الساعة التاسعة، ويجتمع الكثير من الناس للتفرج على ذلك سيما النساء، ويكثر الازدحام، ويكون هذا اليوم مشهودا يقع فيه من القصف واللهو مالا مزيد عليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله لا يقع فى ملكه إلا ما يشاء.
ثالثها: شارع الخضرية
أوله من نهاية شارع درب الحصر، وآخره أول شارع طولون تجاه حارة بئر الوطاويط.
وبه من جهة اليمين: عطفة نقنقة، ثم حارة بئر الوطاويط، يسلك منها لشارع الصليبة، وعلى يمين المارّ بها عطفة سيدى عبد الله، بداخلها ضريح الشيخ عبد الله، وعلى اليسار أربعة أزقة غير نافذة.
[حارة بئر الوطاويط]
وحارة بئر الوطاويط هذه حارة كبيرة قديمة ذكرها المقريزى فقال: عرفت بذلك من أجل البئر التى أنشأها الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات المعروف بابن خنزابة
(1)
لينقل منها الماء إلى السبع سقايات التى أنشأها وحبسها لجميع المسلمين، وكانت بخط الحمراء وكتب عليها:
(1)
فى الطبعة الأولى «خترابة» ، والتصحيح لأحمد تيمور.
فلما طال الأمر خربت السقايات، وبنى فوق البئر المذكورة، وتولد فيها كثير من الوطاويط، فعرفت ببئر الوطاويط. ولما أكثر الناس من بناء الأماكن فى أيام الناصر محمد ابن قلاوون عمّر هذا المكان، وعرف إلى اليوم بخط بئر الوطاويط، وهو خط عامر.
(انتهى).
[دار الأمير صرغتمش]
وكان به من الدور العظيمة دار الأمير صرغتمش. قال المقريزى: هذه الدار بخط بئر الوطاويط بالقرب من المدرسة الصرغتمشية المجاورة لجامع ابن طولون. كان موضعها مساكن، فاشتراها الأمير صرغتمش، وبناها قصرا واصطبلا فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وحمل إليه الوزراء والكتّاب والأعيان من الرخام وغيره شيئا كثيرا. ثم قال: وهى عامرة إلى اليوم يسكنها الأمراء. ووقع الهدم فى القصر خاصة سنة سبع وعشرين وثمانمائة. (انتهى). (قلت) وفى وقتنا هذا تخرّبت هذه الدار وبنى فى موضعها عدة أماكن.
وأما حارة بئر الوطاويط فهى باقية إلى اليوم وتعرف بهذا الاسم، واشتهر بين العامة أن هذه البئر تسمى بئر الست وطواطة، وهى إلى الآن داخل منزل ورثة السيد محمد القارضى.
ويقال إنه من مدة قريبة صار سرقة ما فى الحوانيت التى خلف المنزل المذكور، وبالتحرى عمن سرق والبحث عنه قد قيل إنه ربما نزل هذه البئر، ففى الحال نزلها أحد الحاضرين فوجدها فى غاية العظم والاتساع، ووجد بالقرب من مائها مصطبة معدة للجلوس.
[جامع أحمد بيك كوهية]
وبهذه الحارة جامع أحمد بيك كوهية، وهو جامع صغير منقوش بدائره تاريخ سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف. وله منبر ومنارة، وشعائره غير مقامة لاحتياجه إلى العمارة، ونظره للأوقاف.
وضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ زرع النوى، والثانى يقال له الشيخ هارون.
وأما جهة اليسار من هذا الشارع فبها: عطفتان غير نافذتين؛ الأولى تعرف بالعطفة الصغيرة. الثانية تعرف بالعطفة الضيقة.
رابعها: شارع طولون
ابتداؤه من نهاية شارع الخضرية، وانتهاؤه الخلاء غربى القاهرة عرف بذلك لأن به جامع طولون.
[جامع طولون]
وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة، الواسعة البنيان. وذكر المقريزى فى خططه أنه ابتدأ فى بنائه الأمير أبو العباس أحمد بن طولون فى سنة ثلاث وستين ومائتين، وفرغ منه فى رمضان سنة خمس وستين ومائتين، فجاء من أحسن الجوامع وأبهجها، وعمل فى مؤخره ميضأة، وخزانة شراب فيها جميع الشرابات والأدوية، وبلغت نفقة بنائه مائة وعشرين ألف دينار.
وقد بقى هذا الجامع عامرا مع ما حوله إلى زمن المستنصر، ثم خرّبت القطائع والعسكر، وفارقت الناس هذه الجهة، وخرب الجامع وما حوله، وصارت المغاربة تنزل فيه بأباعرها ومتاعها عندما تمر بمصر أيام الحج، واستمر على ذلك إلى أن استولى لاجين على الديار المصرية، وتلقب بالملك المنصور سنة ست وتسعين وستمائة، فأمر ببنائه، فبنى وبيض ورجع لما كان عليه، وعمر ما حوله إلى أن قتل الملك لاجين سنة ثمان وتسعين وستمائة، ثم سطت عليه غوائل الأزمان فتخرّب، وضاعت أوقافه. (انتهى).
وفى زمن الأمير محمد بيك أبى الذهب جعل ورشة لعمل الأحرمة الصوف وغيرها، وبعد ذلك اتخذ تكية للفقراء إلى الآن، ففيه اليوم جملة وافرة منهم أورثوه خرابا وتقذيرا، وجعلوا فيه عششا وأوكارا، ومع ذلك لم تتغير معالمه الأصلية، ووجد على بابه من داخله تجاه الميضأة لوح رخام مكتوب عليه بالخط الكوفى تاريخ إنشائه فى شهر رمضان سنة خمس وستين ومائتين. وقبلته من الرخام الملون، وعمده وطارته من الطوب الأحمر والجبس فى غاية الإتقان.
وله ثلاث مآذن اثنتان فى الجهة القبلية من الطوب، وسلالمهما من الداخل، والثالثة من الحجر سلمها من الخارج، وهذه غير مستعملة الآن، وهى من بناء ابن طولون، والسياحون للآن يقصدونها للفرجة عليها، ويعجبون من صنعتها.
وبداخل هذا الجامع زاوية صغيرة متخربة بجوار المنارة التى من الحجر، بها ضريح الشيخ البوشى.
وهناك سبيل تابع له.
قال المقريزى: وكان بجوار الجامع الطولونى دار أنشأها الأمير أحمد بن طولون عندما بنى الجامع، وجعلها فى الجهة القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة بجوار المحراب والمنبر. (قلت): ويفهم من هذا أن هذه الدار كانت فى ظهر حائط القبلة، وكثيرا ما يعبر فى الحجج القديمة وفى مواضع كثيرة من المقريزى عن جهة القبلة بالقبلى. ثم
قال المقريزى: وكان يقال لها دار الإمارة، وموضعها الآن سوق الجامع، حيث البزازين وغيرهم، ولم تزل هذه الدار باقية إلى أن قدم المعز لدين الله أبو تميم معدّ من بلاد المغرب، فكان يستخرج فيها أموال الخراج، ثم خربت هذه الدار فيما خرب من القطائع والعسكر، وصار موضعها ساحة، إلى أن حكرها الدويدارى عند تجديد عمارة الجامع. (انتهى).
وذكر المقريزى فى ترجمة قيسارية الجامع الطولونى أن هذه القيسارية كان موضعها فى القديم من جملة دار الإمارة التى بناها الأمير أبو العباس أحمد بن طولون، وكان يخرج منها إلى الجامع من باب فى جداره القبلى، فلما خربت صارت ساحة أرض، فعمر فيها القاضى تاج الدين المناوى - خليفة الحاكم عن قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة - قيسارية فى سنة خمسين وسبعمائة من فائض مال الجامع الطولونى، فكمل فيها ثلاثون حانوتا. وفى سنة ثمانى عشرة وثمانمائة أنشأها قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن نصير بن رسلان البلقينى قيسارية أخرى من مال الجامع المذكور، فرغب الناس فى سكناها لوفور العمارة بذلك الخط. (انتهى). (قلت): ومحلها الآن الدكاكين التى عن يمنة المارّ بهذا الشارع عند باب الجامع.
جبل يشكر
وذكر المقريزى أيضا أن موضع هذا الجامع يعرف بجبل يشكر. قال ابن عبد الظاهر:
وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل إن موسى عليه السلام ناجى ربه عليه بكلمات، ويشكر هو يشكر بن جديلة من لخم، ويشكر قبيلة من قبائل العرب اختطت عند الفتح بهذا الجبل فعرف بجبل يشكر لذلك، ثم قال: وكان هذا الجبل يشرف على النيل وليس بينه وبين النيل شئ، وكان يشرف على بركة الفيل وبركة قارون - المعروفة اليوم بالبغالة. وعلى هذا الجبل كانت تنصب المجانيق التى تجرب قبل إرسالها إلى الثغور. وكان بجوار جبل يشكر الكبش، وكان يشرف على النيل من غربيه، ثم لما اختط المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر صار الكبش من جملة خطة الحمراء القصوى. (انتهى ملخصا).
وبهذا الشارع من جهة اليمين أربع عطف:
- الأولى عطفة سيدى فارس، عرفت بذلك لأن بها ضريحه داخل زاوية تعرف بزاوية فارس، وهى الآن معطلة ومجعولة مكتبا لتعليم الأطفال، ولها أوقاف تحت يد أحمد أفندى الطولونى.
- الثانية عطفة الخوخة يسلك منها لعطفة الجداوى.
- الثالثة عطفة المنبحة.
- الرابعة العطفة السد.
وأما جهة اليسار فبها:
- حارة العمرى؛ بأولها زاوية العمرى، بها ضريحه، وشعائره مقامة بنظر الحاج أحمد الحداد.
- ثم درب الجمالة.
- ثم العطفة الصغيرة.
- ثم عطفة بشتاق.
- ثم عطفة كوع القرد.
- ثم حاره الصائغ، بها زاوية الأربعين، بداخلها ضريح الأربعين، وهى معطلة الشعائر، ولها أوقاف تحت نظر السيد حسن الدنف، وبهذه الحارة أيضا وكالة متخرّبة يقال لها وكالة المغاربة.
- ثم عطفة المغاربة.
- ثم درب المصبغة عن يسار المارّ به ست عطف غير نافذة: الأولى عطفة حسين.
الثانية عطفة سعيد، بداخلها ضريح الشيخ سعيد. الثالثة عطفة البئر، بها ضريح يعرف بالشيخ محمود. وثلاث وكائل: الأولى ملك رجل يعرف بيوسف جوارى، والثانية وقف المكاتب الأهلية، والثالثة متخرّبة، وفى حيازة رجل يدعى يوسف هارون. الرابعة عطفة النقاش بآخرها ضريح للأربعين. الخامسة عطفة الكبابجى. السادسة عطفة حبشى، وكلها غير نافذة.
- ثم بعد درب المصبغة عطفة القبوة.
- ثم عطفة الأسقف، بداخلها ضريح الشيخ سليمان.
- ثم عطفة النصارى.
- ثم عطفة حوش النجار.
وبهذا الشارع أيضا عدة وكائل، منها وكالة محمود الغلالى، ومنها وكالة تبع الأوقاف ومنها وكالة الشيخة عساكر، ومنها وكالة حسن السيسى، ومنها وكالة محمود المعايرجى، ووكالة يوسف أغا، ووكالة يوسف ثابت معدّة لبيع الدهانات، وكلها ذات أماكن علوية للسكنى.
شارع الزيادة
ابتداؤه من شارع طولون أمام درب المصبغة، وانتهاؤه شارع قلعة الكبش، وطوله مائة وسبعون مترا، عرف بذلك لأنه من زيادة جامع ابن طولون، وبه عطفة تعرف بعطفة العمود، يتوصل منها لعطفة الخوخة، وبه وكالة مملوكة للست فاطمة بها أماكن للسكنى.
وإلى هنا انتهى الكلام على بيان الأقسام الأربعة من الشارع الطوالى الذى ابتداؤه من شارع العطارين بجوار سوق العصر وانتهاؤه شارع طولون، ثم نبين باقى الشوارع والحارات بالبدء من جهة الصليبة فنقول
الشارع الطوالى المارّ من جهة المنشية إلى آخر شارع اللبودية بقرب مسجد السيدة زينب طوله ألف متر وثلثمائة وستة وعشرون مترا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شارع الصليبة
ابتداؤه من جهة المنشية، وانتهاؤه أول شارع حدرة الحناء قبالة حارة بئر الوطاويط،
وبه من جهة اليسار عطف وحارات ودروب على هذا الترتيب:
- حارة درب البوص.
- درب المراحلية.
- عطفة حوش الحدادين.
- حارة لطيف باشا برأسها دار الأمير عبد اللطيف باشا.
- درب الميضة بآخره زاوية الأربعين، وتعرف أيضا بزاوية الشيخ خضر، شعائرها مقامة.
[جامع تغرى بردى]
درب جميزة، برأسه جامع تغرى بردى، ويعرف بجامع المؤذى أنشأه الأمير تغرى بردى الرومى، وجعله مدرسة، وقرر فى مشيختها العلاء القلقشندى، وذلك فى سنة أربع وأربعين وثمانمائة، ولما مات دفن بها. وذكر السخاوى أن هذه المدرسة كانت فى طرف سوق الأساكفة. (انتهى).
[حارة بنت المعمار][جامع مغلباى]
وبداخل درب جميزة حارة بنت المعمار، بها جامع مغلباى طاز؛ له منارة، وبه قبر منشئه الأمير مغلباى طاز، وهو غير مقام الشعائر لتخربه، وتحت نظر الأوقاف.
[جامع الأمير على]
وجامع الأمير على أنشأه الأمير على - تابع محمد بيك أمير اللواء - سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، وهو مقام الشعائر بنظر حسين بيك طوبجى باشا. وبها دار ورثة المرحوم حسين بيك الطوبجى، ودار ورثة المرحوم سليم باشا، بكل منهما جنينة. وبها سبيل على كتخدا عزبان، فوقه مكتب لتعليم الأطفال، ونظره للست خدوجة من ذرية المنشئ.
وأما من جهة اليمين فيها عطف وحارات ودروب على هذا الترتيب:
[جامع جوهر الصفوى]
- عطفة جوهر، عرفت بذلك لمجاورتها لجامع جوهر الصفوى المقابل لجامع الغورى، أنشأه جوهر المنجكى الصفوى، وجعله مدرسة، وعمل بها درسا فى الفرائض، وأقيمت بها الجمعة سنة أربع وأربعين وثمانمائة.
- عطفة الدمياطى.
- عطفة الحلوجى.
[جامع قايتباى المحمدى]
- درب السمّاكين، برأسه جامع قايتباى المحمدى، وكان أولا يعرف بالمدرسة القتبهية، وخطته تعرف بسويقة عبد المنعم، كما هو موجود فى بعض حجج أملاك هذه الجهة، وهو تجاه دار الأمير لطيف باشا، جدّده الأمير المذكور سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، وعرف بالمحمدى لأن به ضريحا يقال له الشيخ المحمدى يعمل له مولد كل سنة، وشعائره مقامة، ويتبعه سبيل يعلوه مكتب.
وبداخل درب السمّاكين درب يعرف بدرب الطباخين.
- حارة خرابة منصور.
- العطفة الصغيرة.
- حارة العسيلى.
[حارة الأربعين]
حارة الأربعين، وتعرف بحارة الجعافرة، بها زاويتان؛ إحداهما تعرف بالأربعين، شعائرها مقامة من جهة الست زعفران، ويقابلها ضريح يقال له الأربعين، والأخرى تعرف بزاوية الجعافرة مقامة الشعائر أيضا، وبداخلها ضريحان: أحدهما للشيخ محمد الطيار، والآخر للشيخ أحمد الطيار، يعمل لهما مولد كل سنة.
وبهذه الحارة أيضا دار الأمير راشد باشا حسنى، أصلها من إنشاء المرحوم أدهم باشا - ناظر المدارس والأوقاف سابقا - وأخرى لورثة المرحوم حسن باشا جركس؛ بكل منهما جنينة.
[جامع شيخو]
وبهذا الشارع جامع شيخو تجاه خانقاه شيخو، أنشأهما الأمير سيف الدين شيخو الناصرى سنة ست وخمسين وسبعمائة. وبداخل الجامع تكية معروفة بتكية شيخو، وهى عامرة إلى الآن.
[سبيل الأمير عبد الله]
وفى شرقى هذا الجامع سبيل معروف بسبيل الأمير عبد الله، أنشأه الأمير المذكور سنة اثنتين ومائة وألف
(1)
، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال، وهو عامر إلى الآن بنظر الأوقاف، وبقربه المكتب الأهلى المعروف بمكتب شيخون، وهو من المكاتب الشهيرة به عدّة من الأطفال.
لهم الخوجات والمؤدبون، ويعمل به الامتحان السنوى مثل المدارس.
[سبيل أم عباس]
وبه أيضا حماما شيخو، أحدهما للرجال والآخر للنساء تجاه سبيل أم عباس باشا الذى أنشأته فى سنة أربع وثمانين ومائتين وألف، وجعلت فوقه مكتبا لتعليم الأطفال، ورتبت به المعلمين والمؤدبين، ووقفت على ذلك أوقافا كثيرة جار الصرف منها على المكتب والسبيل إلى الآن، ويعمل بهذا المكتب امتحان فى كل سنة.
[قراقول الصليبة]
وفى مقابلته قراقول قديم يعرف بقراقول الصليبة كان به معاون ثمن الخليفة، واليوم انتقل إلى القراقول الجديد المعروف بقراقول المنشية الذى به بيت الصحة الطبية.
القسم الثانى: شارع حدرة الحناء
يبتدئ من آخر شارع الصليبة، وينتهى إلى مسجد الجاولى بأول شارع مرسينا، وبوسطه شارع قلعة الكبش، وسيأتى الكلام عليه، وبه عطف وحارات وهى:
[حارة حمام بابا]
حارة حمام بابا، عرفت بذلك لأن بها حمام بابا، وهو حمام قديم عامر إلى الآن، يدخله الرجال والنساء، وأرضه محكورة لوقف الست فاطمة بنت السيد عبد الرحمن الصيرفى. وهذا الحمام سمّاه الجبرتى حمام السكر حيث قال فى ترجمة الأمير عبد الرحمن بيك المتوفى سنة سبع
(1)
اثنين وثلاثين ومائه وألف، انظر نسخة بولاق 116:2.
وعشرين ومائة وألف إن الوزير إسماعيل باشا - المتولى على مصر سنة سبع ومائة وألف - قد اشترى بيتا بحدرة طولون بجوار حمام السكر من عتقاء عثمان جربجى مطلا على بركة الفيل، ثم لما عزل إسماعيل باشا المذكور باع هذا البيت والأملاك التى كان وقفها على التكية التى أنشأها بقراميدان للوزير حسين باشا الذى تولى بعده. (انتهى). (قلت): ويغلب على الظن أن هذا البيت هو الآن بيت الأمير حسن باشا راسم لأنه هو الذى بقرب الحمام ومطل على بركة الفيل، وبه جنينة متسعة، وقاطون مشترك بينه وبين بيت الشنوانى المجاور له.
وحارة حمام بابا هذه عن يمين المارّ من الشارع، ويسلك منها لشارع أزبك تجاه عطفة روبنة، وعن يسار المارّ بها حارتان؛ إحداهما تعرف بحارة الوكيل، والأخرى بحارة البقرية، بداخلها زاوية صغيرة، يقال لها زاوية الأربعين، بها ضريح الشيخ الأربعين، يعمل له مولد كل سنة، وشعائرها معطلة لتخربها، ونظرها لرجل يعرف بشحاته الفران من أهالى تلك الخطة، وهناك دار الأمير إبراهيم باشا الجردلى، ودار الأمير نجم الدين باشا، ودار ورثة المرحوم اتوزبير.
***
شارع قلعة الكبش
عن يسار المارّ بشارع حدرة الحناء بجوار جامع صرغتمش من جهته الغربية، ويمتدّ لشارع الزيادة، وينتهى إلى بركة البغالة، وطوله أربعمائة متر وأربعون مترا.
[مناظر الكبش]
عرف بالكبش من اسم الجبل المبنى فوقه البيوت، وكان عليه دار الإمارة فى زمن عمال مصر من طرف الخلفاء الأمويين والعباسيين. وفى دولة الفاطميين جعلوا فوقه قصورا سميت مناظر الكبش ذكرها المقريزى حيث قال: هذه المناظر آثارها الآن - يعنى فى زمنه - على جبل يشكر بجوار الجامع الطولونى مشرفة على البركة التى تعرف ببركة قارون أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل فى أعوام بضع وأربعين وستمائة، وكان حينئذ ليس على بركة الفيل بناء، ولا فى المواضع التى فى بر الخليج الغربى من قنطرة السباع إلى المقس سوى البساتين، وكانت الأرض التى من صليبة جامع ابن طولون إلى باب زويلة بساتين، وكذلك الأرض التى من قناطر السباع إلى باب مصر بجوار الكبارة ليس فيها إلا البساتين، وهذه المناظر تشرف على ذلك كله من أعلى جبل يشكر، وترى باب زويلة والقاهرة وباب مصر ومدينة مصر وقلعة الروضة وجزيرة الروضة، وترى مجرى النيل الأعظم وبر الجيزة،
فكانت من أجلّ منتزهات مصر، وتأنق فى بنائها وسماها الكبش فعرفت بذلك إلى اليوم، وما زالت بعد الملك الصالح من المنازل الملوكية.
ترجمة الحاكم بأمر الله
وبها نزل الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى بن أبى على الحسن بن أبى بكر من ذرية الخليفة الراشد بالله أبى جعفر منصور بن المسترشد بعدما أقام مدة فى برج من أبراج القلعة، وفى مدة إقامته بالقلعة بقى نحو سبع وعشرين سنة ممنوعا من الاجتماع على الناس بقيت أيام الظاهر بيبرس وأيام ولديه بركة وسلامش وأيام قلاوون، فلما صارت السلطنة إلى الأشرف خليل بن قلاوون أخرجه من سجنه يوم الجمعة العشرين من رمضان سنة تسعين وستمائة، وبعد مدة منع من الاجتماع بالناس، فامتنع حتى أفرج عنه المنصور لاجين فى سنة ست وتسعين وستمائة. وأسكنه بمناظر الكبش، وأنعم عليه بكسوة له ولعياله وأجرى عليه ما يقوم به، وبقى كذلك إلى أن توفى ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، فكانت مدة خلافته أربعين سنة ليس له فيها أمر ولا نهى.
ترجمة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان
وسكن بمناظر الكبش أيضا الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان فى أول خلافته، وشهد وقعة شقحب مع الملك الناصر محمد بن قلاوون. وعليه سواده، وقد أرخى له عذبة طويلة، وتقلد سيفا عربيا محلى، ثم تنكر عليه، وسجنه فى برج بالقلعة نحو خمسة أشهر، وأفرج عنه، وأنزله إلى دار قريب من المشهد النفيسى بتربة شجرة الدر، فأقام نحو ستة أشهر، وأخرجه إلى قوص فى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وقطع راتبه، وأجرى له بقوص ما يتقوت به، فمات بها فى خامس شعبان سنة أربعين وسبعمائة.
واستمرت الخلفاء تسكن هذه الدار بقرب المشهد النفيسى، وقال المقريزى: إن مرتب الخلفاء كان على مكس الصباغة، وكان لا يكفى على القيام بأودهم.
وفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة استقرّ الخليفة أبو الفتح بن أبى الربيع سليمان فى نظر مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها ليستعين بما يرد إلى ضريحها من نذر العامة، فحسنت حاله بما يبيعه من الشمع المحمول إلى المشهد.
وأول من اتسعت أحواله، وصار له إقطاعات الخليفة المتوكل على الله، فإن السلطان الظاهر برقوق استدعاه من محبسه. وأعاده إلى الخلافة. وخلع عليه فى يوم الأربعاء أول جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وبالغ فى تعظيمه وأنعم عليه. فلم يزل فى خلافته حتى توفى ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من رجب سنة ثمان وثمانمائة.
وفيها أيضا كانت ملوك حماة من بنى أيوب تنزل عند قدومهم إلى الديار المصرية.
وفى سنة ثلاث وتسعين وستمائة أنزل بهذه المناظر نحو ثلثمائة من مماليك الأشرف خليل ابن قلاوون عندما قبض عليهم بعد قتل الأشرف المذكور.
[زفاف ابنة الناصر محمد بن قلاوون]
ثم إن الناصر محمد بن قلاوون هدم هذه المناظر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وبناها بناء آخر، وأجرى الماء إليها، وجدد بها عدة مواضع، وزاد فى سعتها وأنشأ بها إصطبلا، وعمل زفاف ابنته على ولد الأمير أرغون - نائب السلطنة بديار مصر - بعد ما جهزها جهازا عظيما، وعمل سائر الأوانى من ذهب وفضة، فبلغت زنة الأوانى المذكورة ما ينيف على عشرة آلاف مثقال من الذهب، وتناهى فى هذا الجهاز، وبالغ فى الإنفاق عليه، حتى خرج عن الحدّ فى الكثرة فإنها كانت أول بناته. ولما نصب جهازها بالكبش نزل من القلعة، وصعد إلى الكبش، وعاينه ورتّبه بنفسه، واهتم فى عمل العرس اهتماما ملوكيا، وألزم الأمراء بحضوره، فلم يتأخر أحد منهم عن الحضور. ولما انقضت أيام العرس أنعم السلطان على كل امرأة من نساء الأمراء بتعبية قماش على مقدارها، وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء والكتّاب وغيرهم.
وسكن هذه المناظر أيضا الأمير صرغتمش فى أيام السلطان الملك الناصر حسن، وعمر الباب الذى هو موجود الآن وبدنتى الحجر اللتين بجانبى باب الكبش بالحدرة.
ثم إن الأمير يلبغا العمرى المعروف بالخاصكى سكنه إلى أن قتل سنة ثمان وستين وسبعمائة، فسكنه من بعده الأمير أستدمر إلى أن قبض عليه الملك الأشرف شعبان بن حسين، وأمر بهدم الكبش، فهدم وأقام خرابا لا ساكن فيه إلى سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فحكره الناس، وبنوا فيه مساكن وهو على ذلك إلى اليوم. (انتهى).
[حدرة ابن قميحة]
وكان بالكبش أيضا حدرة تعرف بحدرة ابن قميحة ذكرها المقريزى، ومحلها الآن من ضمن شارع الكبش يصعد إلى الكبش منها من خلف جامع صرغتمش:
قال المقريزى: والكبش جبل بجوار جبل يشكر كان قديما يشرف على النيل من غربيه.
قال: ولما اختط المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر صار الكبش من جملة خطة الحمراء القصوى وسمى بالكبش.
[الحمراء القصوى]
والحمراء القصوى كانت خطة بنى الأزرق، وهى التى بنى فى محلها العسكر. قال المقريزى: اعلم أن موضع العسكر قد كان قديما يعرف فى صدر الإسلام بالحمراء القصوى.
قال: والحمراء القصوى كانت خطة بنى الأزرق وبنى روبيل وبنى يشكر بن جزيلة، ثم دثرت هذه الخطة بعد العمارة بتلك القبائل حتى صارت صحراء. فلما قدم مروان بن محمد - آخر خلفاء بنى أمية - إلى مصر منهزما من بنى العباس نزلت عساكر صالح بن على وابن عون عبد الملك بن يزيد فى هذه الصحراء حيث جبل يشكر حتى ملأوا الفضاء، وأمر أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا، وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
فلما خرج صالح بن على من مصر خرب أكثر ما بنى فيه إلى زمن موسى بن عيسى الهاشمى، فابتنى فيها دارا أنزل فيه حشمه وعبيده، ثم ولى السرى بن الحكم فأذن للناس فى البناء، فابتنوا فيه، وصار مملوكا بأيديهم، واتصل بناؤه ببناء الفسطاط، وبنيت فيه دار الإمارة، وجامع العسكر، وعملت الشرطة هناك، وإلى جانبها بنى أحمد بن طولون جامعه الموجود الآن، وسمى من حينئذ ذلك الفضاء بالعسكر، وصار أمراء مصر إذا ولوا ينزلون به، وصار مدينة ذات محال وأسواق ودور عظيمة، وفيه بنى أحمد بن طولون مارستانه، فأنفق عليه وعلى مستغله ستين ألف دينار، وكان بالقرب من بركة قارون.
وعظمت العمارة فى العسكر جدا إلى أن قدم أحمد بن طولون من العراق إلى مصر، فنزل بدار الإمارة من العسكر، وكان لها باب إلى جامع العسكر وينزلها الأمراء منذ بناها صالح ابن على بعد قتله مروان. وما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر والميدان بالقطائع، فتحول منها وسكن قصره بالقطائع. (انتهى ملخصا).
وفى وقتنا هذا الحد الشرقى للحمراء القصوى يمتد إلى جامع ابن طولون، فيكون فيه خط الجامع وخط الكبش، والحد القبلى هو التلول الممتدة من الكبش إلى شارع مصر القديمة التى بها قبر زين العابدين، والشرقى البحرى هو الشارع، والغربى الخليج المصرى من قنطرة السباع إلى قنطرة السد.
بركة قارون
وأما بركة قارون المتقدم ذكرها فإنها كانت كبيرة جدا، والآن لم يبق منها إلا شئ قليل، وعن قريب يردم ويزول أثرها بالكلية. وفى زمن دخول الفرنساوية مصر كانت تعرف ببركة الملا، ثم عرفت اليوم ببركة البغالة، وهى قريبة من عمارة الأمير الكبير الشهير حسين باشا حسنى ناظر المطبعة والكاغدخانة المصرية.
وذكرها المقريزى فى خططه فقال: هذه البركة موضعها الآن فيما بين حدرة ابن قميحة خلف جامع ابن طولون وبين الجسر الأعظم الفاصل بين هذه البركة وبركة الفيل، وعليها الآن عدة دور، وتعرف ببركة قراجا. وكان عليها عدة عمائر جليلة فى قديم الزمان عندما عمر العسكر والقطائع، فلما خرب العسكر والقطائع خرب ما كان من الدور على هذه البركة أيضا، ولم يزل خرابا إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون البركة الناصرية فى أراضى الزهرى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فصار جانب هذه البركة الذى يلى خط السبع سقايات مقطع طريق فيه مركز يقيم فيه من جهة متولى مصر من يحرس المارة من القاهرة إلى مصر، ولم يكن هناك شئ من الدور، وإنما كان هناك بستان بجوار حوض الدمياطى الموجود الآن تجاه كوم الأسارى - على يمنة من خرج وسلك من السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، ويشرف هذا البستان على هذه البركة، فحكر آقبغا عبد الواحد مكانه، وصارت فيه الدور الموجودة الآن. (انتهى).
دار الفيل
ومن ضمن الدور التى كانت تشرف على بركة قارون دار الفيل. قال المقريزى: هى الدار التى على بركة قارون. ذكر بنو مسكين أنها من حبس جدهم، وكان كافور - أمير مصر - اشتراها، وبنى فيها دارا ذكر أنه أنفق عليها مائة ألف دينار، ثم سكنها فى رجب سنة ست وأربعين وثلثمائة، وقيل إنه أدخل فيها عدّة مساجد ومواضع اغتصبها من أربابها، ولم يقم فيها غير أيام قلائل، ثم انتقل إلى دار خمارويه المعروفة بدار الحرم، وسكنها بعدما عمروها له، وقيل إن انتقاله كان بسبب بخار البركة، وقيل بوباء وقع فى غلمانه، وقيل ظهر له بها جان.
وكانت دار الفيل هذه ينظر منها جزيرة مصر التى تعرف اليوم بالروضة. (انتهى).
(قلت): ويظهر من كلام المقريزى أن دار الفيل كانت كبيرة جدا، وكانت فوق جبل يشكر، ومنها الأرض المبنى فوقها حوش أيوب بيك، وعمارة حسين باشا حسنى، ومحل المناظر التى جددها الصالح نجم الدين أيوب.
وأما التلول التى نشاهدها قبلى البركة، فهى محل الدور التى كانت تشرف على البركة فى الأيام السالفة. وكان فى شرقى هذه البركة - بعد التلول المذكورة - بركة سماها الفرنساوية فى خرطة مصر ببركة طولون، وكان السالك من حوش أيوب بيك إلى الكيمان يرى محلا منخفضا هو محل بركة طولون المذكورة، وعلى بعد قليل من بركة طولون المقبرة المعروفة بمقبرة زين العابدين.
وفى سنة ست وثمانين ومائتين وألف - عندما كنت ناظرا على ديوان الأوقاف - كان بلصق مسجد السيدة زينب من الجهة الشرقية مقبرة مهجورة وبعدها أراضى فضاء ومزارع، فاشتريت ما كان مملوكا من ذلك وأضفته إلى أرض المقبرة، ثم أعطى بالحكر لمن كان يرغب فى ذلك، فأخذ منه الكثير من الناس، وبنوا فيه، وبعد قليل من الزمن صار خطا عظيما به جملة شوارع وحارات وبيوت لكثير من الأمراء وغيرهم، وبهذا السبب ردم معظم البركة.
وفى سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف - مدة نظارتى على الأشغال - عمل تصميم على إزالة جميع التلول الموجودة بطول الشارع من بوابة السيدة زينب إلى مصر العتيقة، والتلول الموجودة جهة زين العابدين خلف الديورة، وجيارة الميرى إلى العيون، وبالاتحاد مع مجلس الصحة صار اختيار هذه الجهة لبناء سلخانة عمومية لمدينة مصر وضواحيها، وعمل لها الرسم المستوفى لشروط الصحة، ثم أعطيت بالمقاولة، فبلغت قيمتها نحو عشرين ألف جنيه مصرية.
دار الأمير أرغون
(قلت): وكان بهذا الشارع أيضا دار الأمير أرغون، ذكرها المقريزى حيث قال:
هذه الدار بالجسر الأعظم على بركة الفيل، أنشأها الأمير أرغون سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وأدخل فيها من أرض بركة الفيل عشرين ذراعا. (انتهى). ومحلها الآن الحوش المقابل لجامع الحاولى المعروف بحوش إبراهيم شركس وما جاوره إلى الحوض المرصود.
ترجمة الأمير أرغون
وأرغون هذا هو - كما فى المقريزى - الأمير سيف الدين أرغون الكاملى نائب حلب ودمشق، تبناه الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون وزوّجه أخته من أمه بنت الأمير أرغون العلائى فى سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكان يعرف أولا بأرغون الصغير. مات بالقدس يوم الخميس لخمس بقين من شوال سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. (انتهى).
ثم إنه يوجد بهذا الشارع من جهة اليمين خمسة دروب وثلاث عطف، كلها غير نافذة، وهى على هذا الترتيب:
- درب الطولونى.
- عطفة الحمامى.
- عطفة الشيخ عبد الله، بداخلها ضريح الشيخ عبد الله.
- عطفة الزيّاتين، بداخلها ضريح الشيخ محمد المأمون،
- درب السنابغة.
- درب البئر.
- درب النبقة، بأوله زاوية تعرف بزاوية أبى البقاء، بها ضريح الشيخ أبى البقاء، يعمل له حضرة كل جمعة، ومولد كل عام، وهى غير مقامة الشعائر لتخرّبها، ولها أوقاف تحت نظر امرأة تدعى الست أم عوض من أهل تلك الجهة.
- درب الساقية، عرف بذلك من أجل أن به أثر الساقية التى كان ينقل منها الماء إلى الدار التى بناها كافور الإخشيد فى هذه الخطة، وكانت تعرف بدار الفيل، وقد تقدّم الكلام عليها.
وإلى وقتنا هذا أثر الساقية المذكورة موجود يراه من يسلك من عطفة حوش أيوب بيك إلى جهة الخلاء.
وأما جهة اليسار فبها دربان وعطفة وهى على هذا الترتيب:
- عطفة الجداوى غير نافذة.
- درب حيدر غير نافذ.
- درب القطايعة غير نافذ أيضا.
[جامع قانم]
وبهذا الشارع أيضا جامع قانم، كان أول أمره مدرسة أنشأها قانم التاجر الجركسى المؤيدى فى القرن التاسع، والآن شعائره غير مقامة لتخربه.
[جامع قايتباى]
وبقربه جامع قايتباى أنشأه الملك الأشرف السلطان أبو النصر قايتباى سنة سبع وثمانين وثمانمائة وجعله مدرسة، وعمل بها خلاوى للصوفية، ووقف عليها أوقافا كثيرة. (قلت):
وهذا الجامع عامر إلى اليوم من أوقافه، وله بابان؛ أحدهما يفتح إلى الجهة البحرية، والآخر إلى الجهة القبلية، وله منارة عليها هلال من النحاس، وبه مطهرة ومراحيض، وبجواره سبيل تابع له، وبجوار السبيل أثر حوض كبير متهدم.
[جامع الخضيرى]
وبه أيضا جامع الخضيرى تجاه مدرسة صرغتمش. كان أول أمره زاوية أنشأها العارف بالله تعالى الشيخ سليمان الخضيرى المتوفى سنة خمس وستين وتسعمائة، وشعائره مقامة، وبداخله ضريحان؛ أحدهما للشيخ سليمان المذكور، والآخر لولده الشيخ أحمد الخضيرى، يعمل لهما حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام.
[جامع صرغتمش]
وبه مدرسة صرغتمش المعروفة الآن بجامع صرغتمش، هو تجاه جامع الخضيرى، عرف باسم منشئه الأمير سيف الدين صرغتمش الناصرى أنشأه سنة سبع وخمسين وسبعمائة، ورتب به دروسا، وشعائره مقامة إلى اليوم، وبداخله سبيل يعلوه مكتب، وقد بسطنا الكلام عليه فى جزء الجوامع من هذا الكتاب.
جامع الجاولى
وبآخر هذا الشارع جامع الجاولى بجوار قلعة الكبش، أنشأه الأمير علم الدين سنجر الجاولى، وجعله مدرسة، وذلك سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ورتب بها دروسا، وهو عامر إلى الآن، وبداخله ثلاث قباب متلاصقة، بإحداها قبر منشئه، وبالثانية قبر الأمير سلار، وبالثالثة قبر دارس لم يعلم صاحبه، وقد بسطنا الكلام عليه فى جزء الجوامع من هذا الكتاب. وكان بجوار هذا الجامع سور من الحجر مرتفع تسميه العامة بمصطبة فرعون، فلما اشترى الأمير حسين باشا حسنى - ناظر المطبعة - الأرض التى خلف هذا السور هدم معظمه، وبنى فى الأرض التى اشتراها عمارته الموجودة الآن، وأخبرنى أنه عثر عند الهدم على عقود كبيرة مرتفعة، جميعها بالحجر العجالى الكبير، وعلى سلالم، وعلى طريق موصل إلى جامع الجاولى، وعلى مجرور متسع مبنى أيضا بالحجر العجالى المحكم الصنعة، وهذا المجرور أكثره ممتد إلى الشارع وباقيه داخل العمارة. وأخبرنى أيضا أنه رأى بابا مبنيا بالحجر، وعليه كتابة من ضمنها اسم محمد السعيد، فيغلب على الظن أن تلك العقود والطريق الموصل إلى الجامع من آثار بناء الجاولى صاحب الجامع، وأن البناء الذى داخل الباب المكتوب عليه اسم محمد السعيد من آثار بناء محمد السعيد ابن السلطان بيبرس الحاشنكير، أو من آثار بناء غيره من الأمراء، وكان يسمى بهذا الاسم، وقد ذكرنا فى هذا الكتاب غير مرة أن هذه الخطة خصوصا فوق الكبش كانت محلا لسكن الأمراء من أعيان الدولة، وعلى هذا لا يبعد ما حررناه والله أعلم بالصواب.
وبهذا الشارع أيضا ضريحان؛ أحدهما يعرف بالشيخ خضر، والآخر يعرف بالست تاج، ووكالة كبيرة تعرف بوكالة إبراهيم شركس، بها عدة حواصل ومساكن علوية، وتحت نظر إبراهيم أفندى شركس المذكور.
خاتمة
شارع قلعة الكبش هذا يعرف أيضا بشارع الحوض المرصود من أجل حوض كان به يعرف بالحوض المرصود، وهو حوض من الحجر الصوان الأسود كان فى فجوة على قدره بالقرب من الكبش، وكان معدا للسقى، فلما دخلت الفرنساوية ديار مصر واستولوا عليها أخرجوه من موضعه، وأرسلوه إلى باريز مع غيره من التحف التى أخذوها من الديار المصرية، لكنها لم تصل إلى باريز، بل فى أثناء الطريق استحوذ عليها الإنجليز، وأخذوها جميعها إلى بلادهم، وإلى الآن موجود هذا الحوض بخزانة الآثار التى بمدينة لوندرة: ويؤخذ مما حرره الفرنساوية أن طول ذلك الحوض متران وسبعة أعشار متر وكسر، وعرضه الأمامى متر وثلاثة أعشار متر وثمانية أعشار عشر متر، اعنى مترا وثمانية وثلاثين سنتيمترا، وعرضه الخلفى متر وسبعة عشر سنتيمترا وثمانية أعشار عشر المتر، وارتفاعه متر وتسعة عشر سنتيمترا واثنان من أعشار عشر المتر، وعلى جميع أسطحته كتابة من الداخل والخارج.
***
القسم الثالث: شارع مرسينا
يبتدئ من آخر شارع حدرة الحناء، وينتهى لآخر شارع اللبودية، وبه من جهة اليمين:
ورشة الحوض المرصود، وتعرف أيضا بورشة الأسلحة لأنها معدة لتشغيل أسلحة الميرى، ثم درب الشمسى.
ترجمة حسين باشا حسنى - ناظر مطبعة بولاق سابقا
وأما جهة اليسار فبها دار ورثة الأمير حسين باشا حسنى المتقدم ذكره.
وهو الأمير الكبير، وعلم المجد الشهير حسين ابن المرحوم محمد أفندى كمورجينه لى.
كان قد تحلى رحمه الله مدة حياته من خلال الكمالات الإنسانية بأبهجها وأحسنها، وتزين من زينة المروءة والمساعى الخيرية والمكارم الإحسانية بألطفها وأمكنها، وسعى بجد واجتهاد فى نشر العلوم وتوسيع دائرتها، وبذل وسعه فى تحسين دار الطباعة وتشييدها، وإحكام آلاتها توسلا إلى حسن الطبع لإقبال الناس على الكتب، وكثرة الانتفاع بها وإدامة دراستها ومطالعتها. ورغبة فى انتفاع العمال وفتح بيوتهم، ورغد عيشهم وكثرة قوتهم.
وكان مبدأ نشأته رحمه الله فى القاهرة، وتربى فى التعلم بمدارسها الفاخرة، وصار ينتقل من مدرسة إلى مدرسة، حتى كانت خاتمة تعلمه بمدرسة الهندسة، فترقى بها إلى رتبة خوجة، فصار يعلم بها العلوم الرياضية من هندسة وجبر وفنون حسابية، ثم انتقل إلى المطبعة سنة 1268 هجرية بوظيفة كاتب ومصحح تركى بالوقائع المصرية. وفى سنة 78 صار مأمور تنظيم المطبعة، وفى سنة 1279 حين أنعم بالمطبعة على عبد الرحمن باشا رشدى صار وكيلا له بأمر من سعيد باشا، ثم صار شريكا فى ربح المطبعة، وأنعم عليه من سعيد باشا برتبة قائم مقام.
وفى شهر أمشير سنة 1864 ميلادية الموافقة لسنة 1281 هجرية حين انتقلت المطبعة إلى الدائرة السنية جعل عليها ناظرا، وأنعم عليه برتبة مير الاى.
وفى سنة 1875 توجه مع حضرة خديو مصر الوزير الكبير إسماعيل باشا ابن إبراهيم ابن محمد على إلى فرنسا لمشاهدة معرض باريس، ثم تنقل فى بلادها وجهاتها، وفى كثير من جهات أوروبا كأوستريا وانكلتره للتفرج على معاملها ومحلات أشغالها رغبة فى إحضار ما يلزم للمطبعة من الآلات المحكمة والعدد المستحسنة، فاشترى جملا من آلاتها المتينة وعددها المكينة.
وفى سنة 84 توجه إلى لندره ثانيا، فأحضر منها فابريقة الورق التى لم يوجد لها مثيل، وأحكم بناءها ببولاق على شاطئ النيل بجوار المطبعة، وأتقن آلاتها إتقانا زائدا، وتعب فى تحسين أوضاعها تحسينا تاما، وكذلك فى إدارتها العجيبة - هو وصهره وكيله فى المطبعة - محمد بك حسنى، حتى جاء منها ورق عجيب الشكل كاد يعطل على ورق أوربا، وكانت جميع مصاريفها وتكاليفها - من ثمن آلاتها وخلافها - من ربح المطبعة، وذلك باجتهاده رحمه الله وحسن سعيه فى إحكام إدارتها وكثرة ثروتها رغبة فى عموم نفع الخلق من عمال وغيرهم:
وفى سنة 1297 هجرية أنعم عليه برتبة «متمايز» من لدن الحضرة الفخيمة الخديوية التوفيقية أدام الله أيامها. وفى سنة 1300 أنعم عليه أيضا برتبة باشا، فقابل أعتاب الحضرة الخديوية بالشكر الجزيل والثناء الجميل، ولم يزل رحمه الله ساعيا فى عموم نفع الناس، ونشر العلوم مع إحسان الطبع وجودته على أتم ما ينبغى، وأبهج ما تشتهيه النفوس وتبتغى، وقد أحيا روح المطبعة الميرية، ونشر صيتها فى جميع الأقطار.
ودأب فى حسن المساعى الخيرية للخاص والعام آناء الليل وأطراف النهار، حتى دعاه داعى مولاه إلى حضرة رحمته ودار إحسانه فأجاب، وقوبلت روحه بالروح والريحان فى منازل الرضوان مع الأحباب رحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا يوم القيامة فى دار النعيم معه، آمين.
وقد رثاه العالم الفاضل، الأديب الكامل، الأستاذ الكبير، العالم الشهير، من كلامه يدل على كماله، الشيخ محمد الحسينى - رئيس المصححين بالمطبعة الكبرى الميرية ببولاق مصر - فقال:
«قد اشتاقت إلى حضرة القدس الرحمانى ودار النعيم الدائم الربانى النفس الطاهرة الزكية، والروح الفاخرة البهية، نفس الهمام الذى دونه كل همام، وروح الشهم الذى يعنو لهمته كل مقدام، المفضال الذى لا يقدر فى المكارم قدره، والكمال الذى فاق شمس غيره بدره، والنبراس الذى أنار غياهب المشكلات بآرائه، والصمصام الذى قدّ صميم المعضلات بمضائه، عظيم الهمة فى عيون الخلق، غزير الديمة، جليل المقدار فى قلوب الناس، ثمين القيمة، الذى يكبو فاره جواد اليراع فى ميدان مدائحه إن شرع يثنى، المرحوم حسين باشا حسينى - ناظر المطبعة الميرية ببولاق مصر المعزية - فأجاب داعى مولاه، وانتقل إلى دار رحمته ورضاه ليلة الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة ألف وثلثمائة وثلاث هجرية، وقابل مولاه الكريم.
وزفت روحه إلى جنات النعيم، وشيع الناس جنازته، وأقبلوا عليها من كل حدب ينسلون، وجاءوا إليها من شدة فزعهم يهرعون. وكان يوم وفاته يوما مشهودا، وحادث مصابه فى فوادح الشدائد معدودا، وساروا بجنازته فى مشهد عظيم جدا من أعظم المشاهد فى غاية الانتظام، وعليه من السكينة والوقار والهيبة ما يشهد به الخاص والعام، فلا ترى من الناس إلا باكيا من شدة الهيبة، وله بالرحمة داعيا، ولجنازته ومشهده العظيم مشيّعا وساعيا، حتى وصلوا به إلى مسجد سيدنا الإمام الحسين - رضى الله تعالى عنه - وصلّوا عليه فيه بجمع عظيم جدا عقب صلاة العصر، ووضعوا نعشه أمام مقصورة ابن
(1)
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا له من الدعاء بالرحمة حتى قوّت بذلك كل عين، ثم ساروا به إلى رمسه الطيب الكريم، وواروه فى جدثه العطر ليحظى بالروح والريحان ومشاهدة مولاه الرحمن الرحيم، فأقبل رحمه الله على نعيمه، وترك لفراقه العيون غرقى فى سيول العبرات، والقلوب حرقى من وهيج الزفرات، حتى تفرّحت الأجفان، ونفهت النفوس، وهجمت العينان، وذابت المروءة كمدا على فراقه، ووجد نشر الكتب والعلوم على أفول بدر محياه ومحاقه، وصار كل لب لهول مصابه سامدا جامدا واجما، ولأليم فراقه نائيا عن مقرّه محجما، وقد بكى اليراع راثيا لمصابه، وراثيا لسوء حال أحبابه، فقال:
بكت عليه المعالى وهى لابسة
…
ثوب الحداد، وقد سارت نوادبه
ومزّقت أسفا أثواب زينتها
…
إذ لم تجد بعده خلاّ تصاحبه
ودارة الطبع قد حالت محاسنها
…
وانهدّ من ركنها السامى جوانبه
(1)
ابن بنت
وناحت الكتب، واسودّت صحائفها
…
حزنا عليه، وما زالت تراقبه
ولم تصدق بأن قامت قيامته
…
وما رأت أن سهم الحتف صائبه
حتى غدت شمسه فى الأفق آفلة
…
وأظلم الجو، وانقضت كواكبه
على ثراه من الغفران منهمر
…
يعمّه فى هنىّ الروح ساكبه»
ورثاه الفاضل الأديب، الشاعر المجيد الأريب، الشيخ طه ابن الشيخ محمود قطرية الدمياطى، أحد المصححين بالمطبعة الميرية، فقال:
لا تشق بالزمان يا مطمئن
…
طالما فى الزمان أخلف ظن
كم رأينا له انقلاب مجنّ
…
بأناس هم فى الخطوب المجن
ورأينا من عاش دهرا طويلا
…
مدنّفا كاره الحياة يئن
وصحيحا قد أعجلته المنايا
…
عن أمانيه وفاجاه حين
فاجعل الحىّ منك ذكرا جميلا
…
لا يهى إن عراك وهى ووهن
وانتبه قبل أن تهاج عن العش
…
ولا يبتغى لفرخك حضن
إن حلوا يشوبه الموت مرّ
…
وفسيحا ينوبه الموت سجن
وثراء إلى الثرى عين فقر
…
وثواء قصاره القبر ظعن
ما لما كانت البهائم كنا
…
بين ذى العقل والبهائم بين
ما أخسّ الإنسان إن كان للبط
…
ن وللفرج يبرز المستكن
ما بكاء العيون إلا على من
…
للورى فى حياته مطمان
كل صعب بكته عيناك هيّن
…
بعد شهم أصابنا فيه عين
سيد كان من محاسن مصر
…
وبأمثاله الزمان يضن
أى شين كفقد مولى همام
…
مورد مصدر لما هو زين
كان معنى للمجد إن قيل: ما المج
…
د؟ ومعنا للجود إن ضن معن
فلقد كان للأمانى محلا
…
وبه من مخاوف الدهر أمن
قلت يوما لدارة الطبع: هلاّ
…
فى حسين عراك وجد وحزن
فأشارت تقول: ويحك ما تع
…
لم ألى جسم وروحى حسين
كان لى معقلا وركنا شديدا
…
فهوى معقل، وقوّض ركن
ربنا ارحمه، واجزه الخير عمن
…
كان منه للخير والبر يدنو
ما تحلّى بالصبر من قال أرخ
…
فى هنى النعيم أضحى حسين
90 65 201 819 - 128
سنة 1303
[ترجمة أيوب بيك]
وبعد دار ورثة المترجم عطفة حوش أيوب بيك، يسلك منها إلى بركة البغّالة، وبداخلها حوش كبير كان أصله بيتا للأمير أيوب بيك الذى ترجمه الجبرتى فقال: هو من مماليك محمد بيك أبى الذهب، وكان من خيارهم، يغلب عليه حب الخير والسكون، ويدفع الحق لأربابه وتأمّر على الحج، وشكرت سيرته، واقتنى كتبا نفيسة، واستكتب الكثير من المصاحف والكتب بالخطوط المنسوبة، وكان ليّن الجانب، مهذّب النفس، يحب أهل الفضائل، ذا ثروة وعزوة وعفة لا يعرف إلا الجد، ويلوم ويعترض على خشداشيه فى أفعالهم، ولا يعجبه سلوكهم، ولا يهمل حقا توجه عليه. مات رحمه الله سنة خمس عشرة ومائتين وألف (انتهى).
[قصر بكتمر الساقى]
ثم بعد عطفة حوش أيوب بيك ورشة الحوض المرصود، وورشة الحوض المرصود المذكورة كان محلها فى القديم قصر بكتمر الساقى الذى ذكره المقريزى حيث قال: هذا القصر من أعظم مساكن مصر وأجلّها قدرا وأحسنها بنيانا، وموضعه تجاه الكبش على بركة الفيل، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون لسكن أجلّ أمراء دولته بكتمر الساقى، وأدخل فيه أرض الميدان الذى أنشأه الملك العادل كتبغا، وقصد أن يأخذ قطعة من بركة الفيل، ليتسع بها الإصطبل الذى للأمير بكتمر بجوار هذا القصر، فبعث إلى قاضى القضاة شمس الدين الحريرى الحنفى ليحكم باستبدالها على قاعدة مذهبه، فامتنع من ذلك، فأرسل إلى سراج الدين الحنفى وقلده قضاء مصر منفردا عن القاهرة، فحكم باستبدال الأرض فى غرّة رجب سنة سبع عشرة وسبعمائة، فلم يلبث سوى مدة شهرين ومات فى أول شهر رمضان، فاستدعى السلطان شمس الدين الجريرى وأعاده إلى ولايته.
وكمل القصر والإصطبل على هيئة قلّما رأت العين مثلها بلغت النفقة على العمارة فى كل يوم مبلغ ألف وخمسمائة درهم فضة مع جاه العمل، لأن العجل التى تحمل الحجارة من عند السلطان والحجارة أيضا، والفعلة فى العمارة أهل السجون المقيدون من المحابيس، وقدّر لو لم يكن فى هذه العمارة جاه ولا سخرة لكان مصروفها فى كل يوم ثلاثة آلاف درهم فضة، وأقاموا فى عمارته مدة عشرة أشهر، فتجاوزت النفقة على عمارته مبلغ ألف ألف درهم فضة عنها زيادة على خمسين ألف دينار، سوى ما حمل وسوى من سخر فى العمل، وهو بنحو ذلك.
فلما تمّت عمارته سكنه الأمير بكتمر الساقى، وكان له فى إصطبله هذا مائة سطل نحاس لمائة سائس، كل سائس على ستة رؤوس من الخيل، سوى ما كان له فى الحارات والنواحى من الخيل.
ولما تزوج أنوك ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بابنة الأمير بكتمر الساقى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة خرج شوارها من هذا القصر، وكان عدة الجمالين ثمانمائة حمال، المساند المزركشة على أربعين حمالا، والمدورات ستة عشر حمالا، والكراسى اثنى عشر حمالا، وكراس لطاف أربعة حمالين، والتخوت الآبنوس المفضضة والموشقة مائة واثنين وستين حمالا، وفضيات تسعة وعشرين حمالا، وسلم الدكك أربعة حمالين، والنحاس المكفت ثمانية وأربعين حمالا، والصينى ثلاثة وثلاثين، والزجاج المذهّب اثنى عشر حمالا، والبعلبكى المدهون اثنى عشر حمالا، والخونجات والمحافى والزبادى والنحاس تسعة وعشرين حمالا، وصناديق الحوائج خاناه ستة حمالين، وغير ذلك تتمة العدة. والبغال المحملة الفرش واللخف والبسط والصناديق التى فيها المصاغ تسعة وتسعون بغلا. والمزركش والمصاغ ثمانون قنطارا بالمصرى.
ولما مات بكتمر هذا تولى سائر أوقافه أولاده وأولاد أولاده، فصار أمر الأوقاف إلى ابن ابنته، وهو أحمد بن محمد بن قرطاى المعروف بأحمد ابن بنت بكتمر.
وهذا القصر فى غاية من الحسن، ولا ينزله إلا الأعيان من الأمراء، إلى أن كانت سنة سبع عشرة وثمانمائة، وكان العسكر غائبا عن مصر مع الملك المؤيد فى محاربة الأمير نوروز الحافظى بدمشق، فعمد هذا المذكور إلى القصر، فأخذ رخامه وشبابيكه وكثيرا من سقوفه وأبوابه وغير ذلك، وباع الجميع وعمل بدل الرخام البلاط، وبدل الشبابيك الحديد الخشب، وفطن به أعيان الناس فقصدوه، وأخذوا منه أصنافا عظيمة بثمن وبغير ثمن، وهو الآن قائم البناء يسكنه الأمراء. (انتهى).
[ترجمة صالح بيك القاسمى]
(قلت): وبقى كذلك إلى أن تخرّب، وبنى فى محله الأمير صالح بيك القاسمى داره المواجهة للكبش فى سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، وسكن بها وهو - كما فى الجبرتى - الأمير الكبير صالح بيك القاسمى، أصله مملوك مصطفى بيك المعروف بالقرد، ولما مات سيده تقلد الإمارة عوضه، وجيش على خشداشيه، واشتهر ذكره، وتقلّد إمارة الحج سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف فى ولاية على باشا الحكيم، وسار أحسن سير، ولبسته الرياسة والإمارة، والتزم ببلاد أسياده وإقطاعاتهم القبلية، هو وخشداشوه وأتباعهم، وصار لهم نماء عظيم، وامتزجوا بهوّارة الصعيد، ووكّله شيخ العرب همام فى أموره بمصر، وأنشأ داره العظيمة المواجهة للكبش، ولم يكن لها نظير بمصر، ولما نما أمر على بيك، ونفى عبد الرحمن كتخدا إلى السويس كان المترجم هو المستسفر عليه، وأرسل خلفه فرمانا بنفيه
إلى غزّه، ثم نقل منها إلى رشيد، ثم ذهب من هناك إلى الصعيد، وأقام بالمنية وتحصّن بها، وجرى ما جرى من توجيه المحاربين إليه وخروج على بيك منفيا، وذهابه إلى قبلى، وانضمامه إلى المترجم ومعاهدته له، وحضوره معه إلى مصر، فركن إليه، وصدق معاهدته له، ولم يخرج عن مزاجه إلى أن غدر به وقتله، وذلك فى سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف، وخرجت عشيرته وأتباعه من مصر على وجوههم. وكان أميرا جليلا مهيبا لين العريكة يميل بطبعه إلى الخير. (انتهى).
(قلت): ويظهر أن هذه الدار صارت تتقلب مع تقلب الحوادث والأيام إلى أن جعلت فى زمن العائلة المحمدية ورشة لعمل الأسلحة وغيرها مثل الكلل والكبسون المصنوع من المواد الكيماوية ذات الرائحة الكريهة المضرة بالسكان التى حولها، فياليت الحكومة تمنع ذلك من داخل البلد، وتجعله فى أحد المحلات الموجودة بجبل الجيوشى فى ظهر القلعة بعيدا عن المساكن وأهلها.
[جامع لاجين]
وبشارع مرسينا أيضا جامع لاجين السيفى، بقرب ورشة الأسلحة منقوش على شق بابه فى الحجر:«إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» . (الآية). وعلى شقه الآخر:
«أمر بإنشاء هذا المسجد السلطان الملك الظاهر جقمق فى تاسع شهر شعبان سنة أربع وخمسين وثمانمائة
…
» وباقى الكتابة مطموس، وبأعلى ذلك مكتوب «محمد جقمق أبو سعيد عز نصره» ، وهو مقام الشعائر، وله منارة ومطهرة وبئر، وبداخله ضريح، وله أوقاف قليلة، ونظره للشيخ على سيد أحمد، وشهرته الآن بجامع لاشين السيفى، وقد ذكرناه فى جزء الجوامع من هذا الكتاب.
وبه أيضا ثلاث زوايا: إحداها زاوية عثمان، والثانية زاوية مرسينا التى عرف بها هذا الشارع، بداخلها ضريح يعرف بالشيخ مرسينا، والثالثة تعرف بزاوية الست مريم، لأنها من إنشاء الست مريم زوجة المرحوم حسين باشا كوسة، شعائرها مقامة، وبجوارها سبيل.
وبه ضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ نصر الدين، والثانى بالأربعين.
وبه سبيلان: أحدهما بجوار دار المرحوم بهجت باشا من الجهة الشرقية مكتوب عليه تاريخ سنة ست وثلاثين ومائة وألف، والآخر وقف يوسف بيك أنشأه سنة أربع وأربعين وألف، وهو عامر إلى الآن بنظر إبراهيم أفندى جركس.
وحمام يعرف بحمام السيوفى ملك أحمد السيوفى الحمامى، وهو برسم الرجال فقط.
ووكالة تعرف بوكالة العدوى، من إنشاء الشيخ على العدوى، وهى الآن جارية فى حيازة ورثته، بها أماكن علوية وسفلية، وبواجهتها عدة حوانيت.
[ترجمة عثمان بيك الطنبورجى]
وبه أيضا دار المرحوم بهجت باشا التى كانت تعرف أولا بدار عثمان بيك الطنبورجى لأنه سكنها مدة، وهو - كما فى الجبرتى - عثمان بيك الجوخدار المعروف بالطنبورجى المرادى، من مماليك مراد بيك اشتراه ورباه ورقّاه وقلّده الإمارة والصنجقية فى سنة سبع وتسعين ومائة وألف.
ولما وصل حسين باشا الجزايرلى إلى مصر خرج المترجم مع سيده وباقى الأمراء من مصر، ووقع بينهم ما وقع من الحروب والمهادنة، ثم أحضر هو وحسين بيك المعروف بشفت وعبد الرحمن بيك الإبراهيمى إلى مصر رهائن. ولما سافر حسن باشا إلى الروم أخذهم صحبته بإغراء إسماعيل بيك، فأقاموا هناك، ثم رجع المترجم وعبد الرحمن بيك بعد وقوع الطاعون وموت إسماعيل بيك إلى مصر.
فلم يزل حتى حصل ما حصل من ورود الفرنسيس وموت مراد بيك فى أخريات أيامهم، فوقع اختيار المرادية على تأميره عوضا عن سيده بإشارة خشداشه محمد بيك الألفى، وانتقل بعشيرته إلى الجهة البحرية، وانضموا إلى عرضى الوزير، ووصلوا إلى مصر، فكان هو وإبراهيم بيك الألفى ثانى اثنين يركبان معا، وينزلان معا، ولم يزل حتى سافر القبودان بعد ما مكر مكره مع الوزير سرا على خيانة المصريين، فأرسل يستدعيه هو وعثمان بيك البرديسى، فسافر امتثالا للأمر، فأوقع بهما وقتل المترجم ونجا البرديسى، ودفن بالإسكندرية.
وكان أميرا لا بأس به، وجيه الشكل، عظيم اللحية، ساكن الجأش، فيه تؤدة وعقل، وسبب تلقبه بالطنبورجى أنه كان فى عنفوان أمره مولعا بسماع الآلات وضرب الطنبور، وربما باشر ضربه بيديه مع الإتقان، فغلبت عليه الشهرة بذلك. (انتهى). مات رحمه الله سنة ست عشرة ومائتين وألف.
وبقيت داره إلى أن جعلت ورشة من ضمن الورش التى أنشأها العزيز محمد على باشا، واشتغلت مدة ثم تعطلت - كما تعطل غيرها من الورش، وفى زمن الخديو إسماعيل باشا اشتراها المرحوم بهجت باشا، وجعل منها بيتا كبيرا أعده لسكنه، وباقيها جعله بيوتا للسكنى لأنها كانت كبيرة جدا؛ أولها على هذا الشارع، وآخرها الشارع القبلى الفاصل بينها وبين البيوت المستجدة، وهى محكورة لجهة الأوقاف إلى الآن.
ودار ورثة حسن باشا جركس بداخلها جنينة.
ودار ورثة الأمير مصطفى باشا ماهر بها جنينة، وفى مقابلتها دار كبيرة بابها على يمين الداخل من أول درب الشمسى تعرف بدار إبراهيم بيك أبى شنب وهى جارية فى وقفه إلى الآن.
ترجمة إبراهيم بيك [أبى شنب]
وإبراهيم بيك هذا هو أحد الأمراء المصريين ترجمه الجبرتى فقال: الأمير الكبير إبراهيم بيك المعروف بأبى شنب أصله مملوك مراد بيك القاسمى، وخشداش إيواظ بيك، تقلد الإمارة والصنجقية مع إيواظ بيك، وكان من الأمراء الكبار المعدودين، تولى إمارة الحج مرتين، وسافر أميرا على العسكر المعيّن فى فتح كريد سنة أربع ومائة وألف، ثم رجع إلى مصر، وطلع إلى الإسكندرية. وكان المتعيّن فى ذاك الوقت بالرياسة إبراهيم بيك ذا الفقار، وكان فى عزمه قطع بيت القاسمية، فأخرج إيواظ بيك إلى إقليم الجيزة وقانصوه بيك إلى بنى سويف وأحمد بيك إلى المنوفية.
ولما حضر المترجم واستقر بمصر اتفق إبراهيم بيك ذو الفقار مع على باشا - والى مصر - على قتله بحجة المال والغلال المنكسرة عليه فى غيبته، فأرسل إليه الباشا يطلبه، وكان عنده خبر بذلك، فقال للرسول: سلّم على الباشا وبعد الديوان أطلع أقابله، ففات العصر ولم يطلع فأرسل الباشا إلى درويش بيك - وكان خفيرا بمصر القديمة - وأمره بالجلوس عند باب السر الذى يطلع على زين العابدين، وأرسل إلى الوالى والعسس، وأمر أوده باشا بالجلوس عند بيت المترجم، وأشيع ذلك فضاق خناق المترجم، واغتم جيرانه وأهل حارته لإحسانه فى حقهم، وحضر إليه بعض أصحابه يؤانسه، مثل إبراهيم جربجى الداودية وغيره، ثم أشيع الخبر بأن السلطان أحمد توفى، وتولى بدله السلطان مصطفى، فعزل على باشا من مصر وولى إسماعيل باشا - حاكم الشام - ففرح المترجم، وأمن على نفسه، وبعد قليل تولى الدفتدارية فى سنة تسع عشرة ومائة وألف، واستمر بها إلى سنة إحدى وعشرين، ثم عزل وتقلد إمارة الحج، ثم أعيد إلى الدفتدارية فى سنة سبع وعشرين، ولم يزل إلى أن مات بالطاعون سنة ثلاثين ومائة وألف، وعمره اثنتان وتسعون سنة.
ترجمة محمد بيك ابن إبراهيم بك
وخلف ولده محمد بيك تقلد الإمارة والصنجقية فى حياة أبيه سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ولما مات والده انتقل إلى داره، وتولى عدة كشوفيات بالأقاليم فى أيام المرحوم
إسماعيل بيك ابن ايواظ، وكانت الرياسة له وقتئذ، وكان محمد بيك يكرهه ويحقد عليه باطنا هو ومماليك أبيه، خصوصا محمد بيك جركس، وجرت بينهم أمور كثيرة ذكرها الجبرتى فى ترجمة محمد بيك جركس المتوفى سنة أربعين ومائة وألف، آل الأمر فيها إلى قتل محمد بيك أبى شنب بعد أن صار دفتدارا، وصار أميرا كبيرا يشار إليه ويرجع إليه فى جميع الأمور، وتقلد قائمقام بعد عزل محمد باشا النشفجى، وعمل الديوان ببيته، وصار كأنه السلطان، وكان على نسق مملوك أبيه محمد بيك جركس فى العسف وسوء التدبير، وبقى كذلك إلى أن أخذه الله بسوء فعله، ولله عاقبة الأمور. (انتهى ملخصا).
تتمة
هذا الشارع هو الذى سماه المقريزى بالجسر الأعظم حيث قال: هذا الجسر فى زمننا قد صار شارعا مسلوكا يمشى فيه من الكبش إلى قناطر السباع، وأصله جسر يفصل بين بركة قارون وبركة الفيل، وبينهما سرب يدخل منه الماء، وعليه أحجار يراها من يمر هناك.
ثم قال: وبلغنى أنه كان هناك قنطرة مرتفعة فلما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاوون الميدان السلطانى عند موردة البلاط أمر بهدم القنطرة فهدمت، ولم يكن إذ ذاك على بركة الفيل من جهة الجسر الأعظم مبان، وإنما كانت ظاهرة يراها المارّ، ثم أمر السلطان بعمل حائط قصير بطولها، فأقيم الحائط وصفر بالطين الأصفر، ثم حدثت الدور هناك. (انتهى).
(قلت): وفى وقتنا هذا أرض البركة المجاورة لهذا الشارع أغلبها مزارع وبساتين مملوكة لبعض الأمراء؛ منها بستان خلف بيت إبراهيم أفندى جركس جار فى ملكه إلى الآن، ومنها أرض جارية فى ملك حسين باشا فهمى الشهير بالمعمار - وكيل ديوان الأوقاف الآن تمتد إلى حائط الحوض المرصود، وباقى ذلك يمتد إلى بركة الفيل.
وفى زمن العزيز محمد على باشا أراد أن يفتح شارع يمر بتلك الأراضى يكون أوله من شارع درب الجماميز بقرب سبيل الحبانية، ويتلاقى بشارع مرسينا من عند باب عطفة حوش أيوب بيك، ويمتد إلى جهة الخلاء، فلو أراد الله وتم ذلك لحصل به النفع العظيم، بسبب ما يترتب عليه من العمارية، وتجديد الهواء، وسهولة المسالك، وغير ذلك من المنافع العمومية.
والآن لو فتح شارع وكان أوله من عند بيت الأمير رستم باشا أو بالقرب منه، وامتد إلى شارع مرسينا، ومر بأرض البركة التابعة لسراى الحلمية، وعمل بالبركة ميدان، وفتح منه جملة حارات، واتصل شارع الحلمية بشارع درب الجماميز لحصل من ذلك فوائد جمة لسكان تلك الجهات، من تخليص الهواء، وسهولة المسالك، وارتفاع قيمة أراضى تلك الجهات،
والرغبة فى سكنى الأماكن التى تحدث بها مع ارتفاع أجرها، فلو اجتهدت دائرة الحلمية فى عمل ذلك لتحصلت على منافع كثيرة بسبب ما يتبعها من أراضى البركة والأراضى الزائدة عن اللزوم من الأماكن التابعة لها، وفضلا عن ذلك تحيا جهة الحبانية، ويرجع لها صيتها القديم.
***
شارع أزبك
ابتداؤه من آخر شارع الصليبة وأول شارع حدرة الحناء تجاه حارة بئر الوطاويط، وانتهاؤه بركة الفيل، وطوله ثلثمائة متر وعشرة أمتار.
وبه جهة اليمين:
- حارة شقبون، بها زاوية تعرف بزاوية الأربعين.
- ثم عطفة روينة.
وأما جهة اليسار فبها:
- العطفة الصغيرة.
- ثم عطفة عمارة حسين باشا، وكلها غير نافذة.
[جامع أزبك]
وبهذا الشارع أيضا جامع أزبك الذى عرف الشارع باسمه، أنشأه الأمير أزبك اليوسفى فى شعبان سنة تسعمائة - كما هو منقوش على بابه - وهو عن شمال الذاهب من الصليبة إلى بركة الفيل، شعائره مقامة، ويتبعه سبيل تحت نظر الأوقاف.
[جامع حسن باشا]
وجامع حسن باشا أنشأه الأمير حسن باشا طاهر والأمير عابدين بيك فى سنة أربع وعشرين ومائتين وألف - كما هو منقوش على بابه - وهو عن يمين الذاهب من الصليبة إلى بركة الفيل، شعائره مقامة إلى الآن، وبداخله ثلاثة قبور: أحدها يعرف بالأربعين، والثانى يعرف بمحمد باشا طاهر، والثالث بالأمير يوسف بيك، وبه سبيل يعلوه مكتب.
وبهذا الشارع أيضا سبيل أنشئ سنة أربع وأربعين ومائتين وألف، والآن تحت نظر ألماس أغا.
ودار المرحوم حسن باشا راسم، ودار الأمير يوسف بيك سرور، وغيرهما من الدور الكبيرة والصغيرة.
***
شارع نور الظلام
ابتداؤه من الحلمية. وانتهاؤه قبلى جامع حسن باشا، وطوله خمسمائة متر وستون مترا.
وبه جهة اليمين: عطفة العمارة ليست نافذة.
وأما جهة اليسار فبها: عطفتان؛ إحداهما تعرف بعطفة الرزازين، بها زاوية تعرف بزاوية الأربعين. والأخرى تعرف بالعطفة الصغيرة.
[زاوية نور الظلام]
وبه ضريح الشيخ نور الظلام الذى عرف الشارع به داخل زاوية تعرف بزاوية نور الظلام، وهى تجاه دار الأمير مصطفى باشا رياض، وكانت أولا تعرف بالمدرسة البشيرية لأنها من إنشاء الأمير الطواشى سعد الدين بشير الجمدار الناصرى، وجعل بها خزانة كتب، وذلك فى سنة إحدى وستين وسبعمائة. والآن شعائرها غير مقامة، لتخربها واندثارها.
[زاوية النحاس]
وبه زاوية بين سراى الحلمية وحديقتها تعرف بزاوية النحاس، أنشأها الشيخ النحاس، بها ضريحه، وضريح ابنه وزوجته، ويقال لها أيضا زاوية الأربعين. كانت متخربة فجددها الأمير عباس باشا سنة سبع وستين ومائتين وألف لمجاورتها لداره، وشعائرها مقامة إلى الآن.
وبه سبيلان: أحدهما أنشأه الأمير حسن كتخدا عزبان سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف، والآخر أنشأه إسماعيل أفندى سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف، وهما عامران إلى الآن.
وبه أيضا عدة من الدور الكبيرة المتسعة ذات الجنائن؛ مثل دار الأمير رياض باشا، ودار فرحات بيك، وغيرهما.
تتمة
هذا الشارع كان أولا يعرف بحكر الخازن، ثم عرف بحكر الخادم، وبدرب الخادم (بالدال المهملة بدل الزاى المعجمة) كما وجد ذلك فى حجج أملاك هذه الخطة. قال المقريزى:
حكر الخازن هو فيما بين بركة الفيل وخط الجامع الطولونى كان من جملة البساتين، ثم صار إصطيلا للجوق الذى فيه خيول المماليك السلطانية، فلما تسلطن الملك العادل كتبغا أخرج منه الخيول. وعمله ميدانا يشرف على بركة الفيل سنة خمس وتسعين وستمائة، ثم عمر فيه الأمير
سنجر الخازن - والى القاهرة - بيتا، فعرف حينئذ بحكر الخازن، وتبعه الناس فى البناء هناك، وأنشئ فيه الآدر الجليلة، فصار من أجل الأخطاط وأعمرها، وأكثر من يسكن به الأمراء والمماليك
ترجمة الخازن
والخازن هذا هو الأمير علم الدين سنجر الأشرفى - أحد مماليك الملك المنصور قلاوون - وتنقل فى أيام ابنه الملك الأشرف خليل، وصار أحد الخزّان، فعرف بالخازن، ثم ولى شد الدواوين، ثم ولاية البهنسا، ثم ولاية القاهرة وشد الجهات، فباشر ذلك بعقل وسياسة، وحسن خلق، وقلة ظلم، ومحبة للستر، وتغافل عن مساوى الناس، وإقالة عثرات ذوى الهيآت، مع العصبية والمعرفة، وكثرة المال، وسعة الحال، واقتنى الأملاك الكثيرة، ثم صرف عن ولاية القاهرة بالأمير قدادار سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فوجد الناس من عزله شدة، وما زال بالقاهرة إلى أن مات سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، فوجد له أربعة عشر ألف إردب غلة عتيقة وأموال كثيرة، وله من الآثار مسجد بناه فوق درب استجده بحكر الخازن، وخانقاه بالقرافة دفن فيها - عفا الله عنه. (انتهى).
وإلى هنا انتهى بيان الأقسام الثلاثة للشارع الطولى المارّ من جهة المنشية إلى شارع اللبودية.
الشارع الطولى الذى ابتداؤه باب الشعرية وانتهاؤه بوابة السيدة زينب
وأما الشارع الطولى الذى ابتداؤه من قراقول باب الشعرية، وانتهاؤه بوابة السيدة زينب - رضى الله تعالى عنها - وهى بوابة الخلاء القريبة من زاوية الحبيبى، فطوله ثلاثة آلاف وستمائة متر. وهذا الشارع حين يقابل القراقول الذى بجوار السيدة زينب ينعطف جهة اليمين حتى يمر على قناطر السباع، وهى القنطرة الكبيرة التى أمام السيدة زينب والشيخ العتريس، ثم ينعطف إلى اليسار مارا على الجهة القريبة من مقام ومسجد السيدة زينب بطريق مصر العتيقة حتى ينتهى إلى بوابة الخلاء المعروفة ببوابة السيدة زينب، وينقسم عشرة أقسام:
القسم الأول: شارع الشعرانى
ابتداؤه من قراقول باب الشعرية، وينتهى إلى ضريح سيدى على الحمار، وعلى يسار المارّ به حارة كبيرة تعرف بحارة الشعرانى تجاه جامع الأستاذ الشعرانى، يسلك منها لحارة برجوان وللخرنفش، بها سبع عطف على هذا الترتيب:
- الأولى عطفة الفرن، بداخلها ضريح سيدى محمد ميالة، وزاوية يقال لها زاوية راشد.
- الثانية عطفة الزاوية عرفت بذلك لمجاورتها لزاوية الشيخ عبد الكريم التى عن يمين الذاهب من حارة الشعرانى إلى حارة برجوان، جددها راغب أفندى - أحد غلمان المرحوم عباس باشا - بداخلها ضريح الشيخ عبد الكريم، يعمل له حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام، وشعائرها مقامة إلى الآن.
- الثالثة عطفة سيدى على وفا، بها ضريحه داخل الزاوية المعروفة به.
- الرابعة العطفة الصغيرة.
- الخامسة عطفة الجداوى.
- السادسة عطفة الغندور.
- السابعة العطفة الضيقة.
وبهذه الحارة أيضا حمام يقال له حمام الشعرانى معد للرجال والنساء، وعامر إلى الآن.
ترجمة حسن كتخدا الجلفى
وبآخرها بيت كبير يعرف ببيت الست الجلفية، وهى زوجة حسن كتخدا الجلفى الذى ترجمه الجبرتى حيث قال: الأمير حسن كتخدا عزبان الجلفى كان إنسانا خيّرا، له بر معروف وصدقات وإحسان للفقراء، ومن مآثره أنه وسع المشهد الحسينى، واشترى عدة أماكن بماله وأضافها إليه، وصنع له تابوتا من آبنوس مطعما بالصدف مضبّبا بالفضة، وجعل عليه سترا من الحرير المزركش بالمخيش، وعملوا له موكبا ووضعوه على المقام الشريف.
توفى يوم الأربعاء تاسع شوال سنة أربع وعشرين ومائة وألف، وخرجوا بجنازته من بيته بمشهد حافل، وصلى عليه بسبيل المؤمنين بالرميلة، واجتمع بمشهده زيادة عن عشرة آلاف إنسان، وكان حسن الاعتقاد يميل إلى الفقراء. رحمه الله.
ترجمة الأمير على كتخدا الجلفى
وسكن بيته من بعده الأمير على كتخدا الجلفى وهو - كما فى الجبرتى - أيضا. الأمير الكبير على كتخدا الجلفى تنقل فى الإمارة بباب عزبان بعد سيده، وتقلد الكتخدائية، وصار من أعيان الأمراء بمصر، ومن أرباب الحل والعقد، وسبب تلقيبهم بهذا اللقب، هو أن محمد أغا مملوك بشير أغا القزلار - أستاذ حسن كتخدا - كان يجتمع عليه رجل يسمى منصور السنجلفى من قرية من قرى مصر تسمى سنجلف، وكان متمولا وله ابنة، فخطبها محمد أغا لمملوكه حسن كتخدا - أستاذ المترجم - وزوّجها له، وهى خديجة المعروفة بالست الجلفية، ولم يزل المترجم باقيا على حرمته وإمارته إلى أن قتل بعد سنة ثلاثين ومائة وألف.
ومن مآثره القصر الكبير الذى بناحية الشيخ قمر المعروف بقصر الجلفى، وكان فى السابق قصرا صغيرا يعرف بقصر القبر صلى، وأنشأ أيضا القصر الكبير بالجزيرة المعروفة بالفرشة تجاه رشيد. وله غير ذلك مآثر كثيرة وخيرات، رحمه الله تعالى. (انتهى). (قلت):
والدار المذكورة باقية إلى اليوم، لكنها متشعثة، وجارية فى وقف الجلفى، والناظرة عليها حليمة السوداء، وهى تجاه زاوية سيدى على وفا.
هذا وصف جهة اليسار من هذا الشارع، وأما جهة اليمين فبها:
جامع الشعرانى
ضريح الأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعرانى صاحب التآليف الشهيرة داخل الجامع المعروف باسمه، وهو عن يمين الذاهب من شارع باب الشعرية إلى شارع الموسكى، أنشأه القاضى عبد القادر الأرزبكى (نسبة إلى الأمير أرزبك - أحد أمراء الجراكسة) وجعله مدرسة، ووقف عليها أوقافا كثيرة، شعائره مقامة من ريعها إلى الآن، ويعمل لسيدى عبد الوهاب حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام.
وبأسفل هذا الجامع سبيل تابع له يملأ كل سنة من الخليج المصرى، وبلصقه ضريح يعرف بضريح الخضر.
وذكر الشعرانى فى طبقاته فى ترجمة سيدى على نور الدين الشونى أنه كان له وظيفة تدريس بتربة السلطان طومان باى العادل، ثم قال: ولما مات دفن بالمدرسة القادرية بخط بين السورين. (اه).
وفى طبقات المناوى أن الشيخ على الشونى كان شيخ الصلاة على رسول الله بالجامع الأزهر ودفن بزاوية الشعرانى بخط بين السورين، وكانت وفاته سنة أربع وأربعين وتسعمائة
(1)
. (انتهى).
(قلت): المدرسة القادرية هى مسجد الشعرانى الموجود الآن، وأما تربة السلطان طومان باى فقد تهدم أكثرها، ولم يبق منها الآن إلا القبة التى يشاهدها السالك فى طريق العباسية قبل الوصول إلى قشلاق عساكر البيادة الذى هناك، وعلى بابها كتابة تدل على تاريخ إنشائها وعلى اسم منشئها، وهذا الباب مرتفع عن الأرض بنحو مترين يظهر أنه كان له سلالم.
[زاوية أبى العشائر]
وبأول هذا الشارع زاوية أبى العشائر عند باب القنطرة، ويقال لها أيضا جامع أبى الأشائر، عرف باسم منشئها أبى السعود بن أبى العشائر. قال الشعرانى: وكان من أجلاء مشايخ مصر.
مات سنة أربع وأربعين وستمائة، ودفن بسفح جبل المقطم. (انتهى).
[زاوية خوند]
وبآخره زاوية خوند بجوار ضريح الأربعين منقوش على بابها فى الحجر اسم فاطمة خوند، وهى مقامة الشعائر، وبها منبر، وكانت تعرف أولا بمدرسة أم خوند، وكان سيدى عبد الوهاب الشعرانى يتعبد بها - كما هو مذكور فى كتاب وقفيّته.
(1)
انظر أيضا ج 5 ص 34 [طبعة أولى].
ترجمة أبى الحمائل
وبهذا الشارع أيضا ثلاثة أضرحة: أحدها ضريح أبى الحمائل داخل زاويته تجاه زاوية خوند، وهو - كما فى طبقات المناوى - محمد السروى العارف الكامل المشهور بأبى الحمائل، قدم مصر، فسكن الزاوية الحمراء، ثم زاوية إبراهيم المواهبى، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بين السورين.
ترجمة المواهبى
ثم ذكر المناوى أن المواهبى هو إبراهيم أبو الطيب بن محمود بن أحمد بن حسن الأقصرائى الشاذلى المشهور بالمواهبى - أحد أتباع الشيخ محمد المغربى - مات بزاويته بقرب قنطرة سنقر سنة أربع عشرة وتسعمائة.
وفى طبقات المناوى أيضا أن عبد العال الجعفرى المتوفى فى أواخر القرن العاشر، دفن بزاوية الشيخ أبى الحمائل بخط بين السورين. (انتهى).
[زاوية عصفور]
ثانيها ضريح سيدى عصفور، قال الشعرانى: وكان تجاه زاوية أبى الحمائل زاوية مدفون بها سيدى إبراهيم بن عصيفير، وكان خطه الذى يمشى فيه من باب الشعرية إلى قنطرة الموسكى وإلى جامع الغمرى، وكان كثير الكشف، له وقائع مشهورة، وكان أصله من ناحية البحر الصغير، وظهرت له كرامات وهو صغير. مات سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة. (انتهى).
(قلت): والعامة حرّفت اسمه وقالت عصفور بدل عصيفير.
ثالثها ضريح سيدى على الجمّار، يقال إنه أحد مشايخ الشعرانى.
وبهذا الشارع أيضا عدة من الدور الكبيرة؛ منها دار وقف سليمان أغا السلحدار مجعولة الآن بيتا للصحة الطبية التابعة لقسم باب الشعرية، ومنها دار السيد أحمد العزبى التاجر الشهير، ومنها دار الشيخ عبد الحليم الشعرانى - من ذرية الشيخ الشعرانى - وغير ذلك من الدور الصغيرة والكبيرة.
وهذا وصف شارع الشعرانى فى وقتنا هذا، وأما فى الأزمان القديمة فكان يعرف بخط باب القنطرة. قال المقريزى: وخط باب القنطرة كان يعرف قديما بحارة المرتاحية وحارة الفرحية والرمّاحين، وكان ما بين الرماحين - الذى يعرف اليوم بباب القوس داخل باب القنطرة - وبين الخليج فضاء لا عمارة فيه بطول ما بين باب الرماحين إلى باب الخوخة وإلى
باب سعادة وإلى باب الفرج، ولم يكن إذ ذاك على حافة الخليج عمائر ألبتة، وإنما العمائر من جانب الكافورى، وهى منظرة اللؤلؤة وما جاورها من قبليها إلى باب الفرج، وتخرج العامة عصريات كل يوم إلى شاطئ الخليج الشرقى تحت المناظر للتفرج، فإن بر الخليج الغربى كان فضاء ما بين بساتين وبرك. (انتهى). والمرتاحية والفرحية طوائف من عسكر الفاطمية كان سكنهم بهذه الخطة فلذلك نسبت لهم.
(تم طبع الجزء الثانى، ويليه الجزء الثالث، وأوله القسم الثانى شارع بين السورين، يعنى القسم الثانى من الشارع الطولى الذى ابتداؤه من قراقول باب الشعرية وانتهاؤه بوابة السيدة زينب رضى الله تعالى عنها).