الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصل هذا الكتاب
هذا الكتاب عبارة عن رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، قسم التاريخ، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، بإشراف الدكتور عبد العزيز السلومي، وقد نوقشت في 13/ 6/ 1440 هـ.
وأجيزت بتقدير ممتاز.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد:
(1)
.
فلقد أعز الله هذه الأمة؛ حيث بعث لها خير رسله محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل صحبه خير صحب وقرنه خير قرن، فقامت على يده دولة الإسلام واجتمع الناس على خير هدى وخير دين، ثم تعاقب بعده الخلفاء، وانطلق المسلمون في أنحاء المعمورة فاتحين، وقضى الله بهم على عروش الكفر ومللها، وانتشر الإسلام وعم الخير والعدل.
وهذا كله سبب في وجود العداء الذي يهدف للنيل من هذه الأمة، واختلف نوع العداء بحسب العدو، فإن قدر على حمل السلاح حمله وقاتل به، ولكن هذا لم يفلح صاحبه في زمن قوة المسلمين وعزتهم، وبقي نوع آخر وهو الذي استخدمه العدو ووجد فيه نجاحًا، ويتمثل هذا في الأخبار والروايات الكاذبة والمضللة والتي يقصد منها النيل من تاريخ هذا الصرح العظيم ولم يكن إلا عن طريق تشويه رجاله الذين هم عدته وقوامه، فَسُطِّرَ حول العظماء أباطيل
(1)
سورة الحشر، الآية:10.
وأباطيل فلا تكاد تسمع عن عظيم من عظماء المسلمين إلا وحوله شيء يذهب فعله وجميل صنعه.
ومن أمثلة ذلك حقبة تاريخ بني أمية، التي لم تُعْطَ حقها من التاريخ، بل قد تعرضت لهجمات من جهات عدة؛ تمثلت ببعض من أعقبهم من بني العباس، ثم من الشيعة والشعوبيين
(1)
؛ وكل ذلك جاء لأن كتابة تاريخها تأخر إلى ما بعد سقوطها فأصبح مدعاةً للنيل منها.
وهي في حقيقتها دولة مباركة قامت في القرن المفضل وقد أعقبت دولة الخلافة الراشدة التي هي خير الدول، فكثير من الصحابة رضوان الله عليهم أدركوها وقد بدأت بمعاوية رضي الله عنه وهو صحابي جليل، فلذلك انعدم وجود دولة بعدها تأخذ مميزاتها.
ويكفي من ذلك دخول بني أمية وحكمهم في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيركم قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم»
(2)
.
ثم اقرأ قول ابن كثير رحمه الله عنهم: (فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية، ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في
(1)
الشعوبية: وهم الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عود المُلْك إلى العجم. الإسفراييني: الفرق بين الفرق ص 285. وعرفت بأنها مجموعة الأشخاص والمواقف والآراء المعادية للعرب، التي ذهبت في ذمهم كل مذهب، وعملت على تشويه حضارتهم وهدم كيانهم، وفضلت غيرهم من الشعوب عليهم متظاهرة بالإسلام حينًا وبالولاء القبلي والحزبي أحيانًا، ورفعت شعار المساواة تسترًا وتغطية من أجل تمرير مؤامراتها وتحقيق أهدافها. عبد الله السامرائي الشعوبية ص 122.
(2)
البخاري: الصحيح 3/ 171.
عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه)
(1)
.
فانطلاقًا من قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)}
(2)
.
وقع اختياري على كتاب الأخبار الطوال، ليكون محط بحثي وتنقيبي عن حقيقة ما أورده صاحب الكتاب حتى لا نسيء الظن بمن سبقنا.
فهو كتاب تاريخي قديم، يشتمل على معظم تاريخ الشعوب القديمة والعهد الإسلامي.
ومن هذا الكتاب خصصت جزئية معينة لتكون موضوع بحثي، وهي المتعلقة بأخبار الدولة الأموية، وقد وضعت لها عنوانًا وهو «الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري - دراسة نقدية مقارنة» .
وهذا الكتاب كغيره من الكتب التي تحتاج إلى تنقيح وعناية؛ كي يتبين غثها من سمينها، فهو مليء بالفتن والشرور إلى حد أنه صور حقبة الأمويين كلها بالفتن والشرور، ولم يأتِ على الخير إلا يسيرًا.
وكثيرٌ من الكتب التاريخية تحمل بين طيَّاتها مثل هذا الكتاب، والحاجة إلى نقدها تكمن في كثرة ما تحمل من أخبار عن الأحداث والأعلام لا تمت لها بصلة، ويتم تداولها على أنها حقائق مُسَلَّمَة تجرى على ألسنة الرواة والوعاظ وغيرهم مما يوقع الشك في نزاهة تلك الأجيال.
ومن أهم المصادر التي اعتمدت عليها في هذا البحث:
كتب الحديث ومنها صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، وكتب التاريخ
(1)
البداية والنهاية 9/ 104.
(2)
سورة الحجرات، الآية:6.
ومنها تاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ الطبري، ومن كتب الأنساب كتاب أنساب الأشراف للبلاذري لاحتوائه على كثير من الأخبار، ومن كتب الطبقات والتراجم كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، وسير أعلام النبلاء للذهبي والإصابة وتقريب التهذيب لابن حجر.
•
الدراسات السابقة التي عنيت بهذا الكتاب:
مرحلة الكتاب الأولى:
يعتبر المستشرق البارون روزن هو أول من قام بدراسة لمخطوطة الكتاب وقد نشرت في قائمة المخطوطات العربية في معهد اللغات الشرقية بمدينة بطرسبرج لننجراد، سنة 1877 م، وبعده شرع المستشرق الروسي جرجاس في تحقيق المخطوطة على أمل أن ينشر الكتاب في شباط 1887 م ولكنه توفي قبل تمامه، وقد قام روزن بنشر ما حققه جرجاس بدون أي إضافات عام 1888 م، ثم مات هو أيضًا قبل أن يتم طبع الكتاب، فتابع تلميذه المستشرق كراتشكو فسكي، والذي جمع للمخطوط ثلاث نسخ وهي:
الأولى: نسخة لننجراد، وهي للناسخ المشهور كمال الدين في سنة 655 هـ.
الثانية: نسخة جامعة ليدن رقم 1122، نسخة في المدينة المنورة عام 1000 هـ.
الثالثة: نسخة كتبت عام 1061 هـ، وهي مأخوذة من النسخ السابقة.
وقد اعتمد كراتشكو فسكي على النسخة الأولى؛ لأنه كان يرى أنها الأصل وأنها الأقرب إلى عصر المؤلف، وأكمل عمله بمساعدة المؤسسة العالمية للنشر بريل في مدينة ليدن، والتي نشرت الكتاب عام 1888 م، وقد
أضاف عليه تحقيقاته وتعليقاته ونشرها عام 1912 م، وقد وصلت نسخ قليلة من الكتاب الذي طبعته مؤسسة ليدن إلى المشرق، حيث قامت مطبعة السعادة بالقاهرة بإعادة طبع الكتاب كما أعده جرجاس بدون أي إضافات، وبعد موت كراتشكو فسكي في سنة 1957 م، وُجِدَ في مكتبة رفاعة الطهطاوي بمدينة سوهاج نسخة خطية لكتاب الأخبار الطوال مسجلة برقم 73، وهي أقدم من المخطوطات الثلاث التي عرفها الغرب، ويرجع تاريخها إلى 579 هـ
(1)
.
ثم قام الأستاذ/ عبد المنعم عامر بتحقيق الكتاب وراجعه الدكتور/ جمال الدين الشيال، وتم نشره بالقاهرة سنة 1960 م، وله السبق في إخراج هذا المخطوط إخراجًا يليق به، فهو أول من قارن بين النسخ التي حققها المستشرقون الروس، وبين نسخة سوهاج والتي كانت بحوزة رفاعة الطهطاوي، وبَيَّنَ في هامشه سواقط المخطوطات، ثم شرح كلماته الغريبة، وله تعليقات جيدة على الهامش، وهو جهد كبير يشكر عليه.
وهذه النسخة الأخيرة هي التي اعتمدتُ عليها في دراسة الكتاب، وسبب الاعتماد عليها أنها أول النسخ المحققة، وأنها عنيت بتصحيح الألفاظ وأضافت بعض الشروح على الألفاظ وفيها أيضًا مقارنة بين النسخ، ومما يزيد في أهميتها فقد اعتمد عليها بعض المحققين الذين سبقوني، ومنهم الدكتور/ عمر فاروق الطباع، والدكتور/ عصام علي الحاج.
- الأخبار الطوال طبعه وصحح ألفاظه محمد سعيد الرافع صاحب المكتبة الأزهرية، وقد وضع عناوينه محمد الخضري بك، وكانت الطبعة الأولى سنة 1330 هـ بمطبعة دار السعادة بمصر.
وهذه الطبعة ليس فيها ما يميزها سوى إضافة العناوين.
(1)
الدينوري: الأخبار الطوال التوطئة ت عبد المنعم عامر.
- الأخبار الطوال من إعداد وتحقيق وفهرسة الدكتور/ عمر فاروق الطباع، طُبِعَ الكتاب في شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت، ونشرته دار القلم، في عام 1415 هـ وقد عني المحقق بالكتاب، ووضع مقدمة مختصرة عن حياة المؤلف، وأشار إلى مصادر ثقافته ثم مؤلفاته، ومنهجه في كتابه الأخبار، وقد عرّف بالأماكن وعني بشرح الكلمات عناية فائقة، وقد أفدت من كتابه في ترجمة المؤلف وفي بيان بعض الكلمات والأماكن.
ولم تكن هذه الدراسة مستوفية، بحيث إن المحقق لم يتعرض لمنهج المؤلف في الكتاب.
- كتاب الأخبار الطوال تحقيق الدكتور: عصام محمد الحاج علي؛ حيث عني بترجمة المؤلف، وأبدع في ذلك، فقد وضع تمهيدًا فيه ترجمة للمؤلف وبيّن مصادره، ثمّ وثّق نصوصه بالمقارنة ببعض كتب التاريخ، ووضع له حواشي، وأشار إلى شيء يسير من أوهامه، وهذا جهدٌ كبيرٌ لم يسبق له في هذا الكتاب.
ويلاحظ عليه أنه لم ينتقد مذهب المؤلف، بل إنه مدحه ووصفه بأنه دَوَّنَ الأحداث بأمانة وصدق
(1)
، ويبدو أنه كان معجبًا بطرحه، ثم إنه تجاوز الحد وأفحش في وضع بعض العناوين، ومن ذلك وصفه حمل يزيد بن معاوية نساء الحسين إلى المدينة بقوله:(إرسال السبايا إلى المدينة)
(2)
، مع أن صاحب الكتاب لم يذكر كلمة [سبايا].
وقد أفدت من هذا الكتاب في ترجمة أبي حنيفة، وعند مقارنة الأخبار بالمصادر الأخرى، وفي تصحيح بعض الأسماء التي وقع فيها صاحب الكتاب.
(1)
الدينوري: الأخبار الطوال 387 ت عصام الحاج.
(2)
المصدر السابق 387.
وكل هذه الدراسات التي سبقت هذه الدراسة، لم يكلِّف القائمون عليها أنفسهم بالبحث عن نسبة الكتاب لأبي حنيفة الدينوري، ويمكن أن يُحسب لهذه الدراسة السبق في التحقق من نسبة الكتاب لأبي حنيفة.
أما عن جزء الكتاب المخصص للدراسة:
فهو الجزء الخاص بأخبار الدولة الأموية، والذي تبدأ أحداثه بتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وحتى نهاية الدولة الأموية بمقتل آخر خلفائها مروان بن محمد.
•
خطة البحث:
يشتمل البحث على مقدمة، وتمهيد، وسبعة فصول:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع وسبب الاختيار ومنهج الدراسة والجزء المخصص لها.
التمهيد: ترجمة أبي حنيفة الدينوري، التحقق من نسبة الكتاب إليه، أهمية الكتاب، ثم الحديث عن أصل صاحب الكتاب وميوله و مصادره، ثم المآخذ على الكتاب.
• الفصل الأول: «أحداث خلافة معاوية رضي الله عنه» .
وفيه من المباحث صلح الحسن رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه، خبر زياد بن أبيه مع معاوية رضي الله عنه، مواقف الشيعة من الصلح، مقتل حجر بن عدي، خبر وفاة زياد وخبر وفاة معاوية رضي الله عنه ووصيته.
• الفصل الثاني: «أحداث خلافة يزيد بن معاوية» .
بيعة يزيد وموقف الحسين رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه منها، دعوة أهل الكوفة للحسين رضي الله عنه ومقتل مسلم بن عقيل، خروج الحسين رضي الله عنه للكوفة
وموقف الصحابة منه، خروج الحسين وأحداث الطريق، معركة كربلاء ومقتل الحسين رضي الله عنه.
• الفصل الثالث: «بقية أحداث خلافة يزيد بن معاوية إلى وفاته» .
وفيه من المباحث ما بعد كربلاء، مواجهة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه مع يزيد، مقدمات وأسباب معركة الحرة، معركة الحرة، اتجاه جيش الشام إلى مكة ومصيره.
• الفصل الرابع: «الحرب على الخوارج وخبر العراق والشام بعد يزيد ابن معاوية» .
وفيه من المباحث بداية المواجهة مع الخوارج، تولي المهلب بن أبي صفرة الحرب على الخوارج، خبر العراق بعد يزيد بن معاوية، وصول مروان ابن الحكم للخلافة ووفاته، أخبار متفرقة.
• الفصل الخامس: «فتنة المختار وأخبار إمارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه» .
وفيه من المباحث المختار بن عبيد وبداية دعوته، غلبة المختار ومواجهة أهل الشام، المختار بن عبيد وقتلة الحسين رضي الله عنه، مصعب بن الزبير وقضائه على المختار، أخبار مصعب بن الزبير، ثم مقتله، ومقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
• الفصل السادس: «الحجاج وابن الأشعث، وخلافة هشام بن عبدالملك» .
وفيه من المباحث فتنة ابن الأشعث والقضاء عليه، أخبار الحجاج ووفاة عبد الملك، أخبار متفرقة عن الخليفة الوليد بن عبد الملك، والخليفة عمر بن عبد العزيز، بداية الدعوة العباسية، ظهور أبي مسلم الخراساني.
• الفصل السابع: «خلافة الوليد بن يزيد ونهاية الدولة الأموية» .
وفيه من المباحث هشام بن عبد الملك وولاته، خلافة الوليد بن يزيد وآثار مقتله، بني أمية بعد الوليد بن يزيد، نصر بن سيار والكرماني في خراسان،
أخبار متفرقة، انتصار الدعوة العباسية ومقتل الخليفة مروان بن محمد.
الخاتمة: وفيها النتائج.
أما عن المنهج المتبع في هذه الدراسة:
- عرَّفت في هذا البحث بأبي حنيفة الدينوري ثم حققت في نسبة الكتاب إليه.
- قمت بتجزئة النصوص ووضعت لها أرقامًا لكي يسهل نقدها، وليس لذلك علاقة في بداية الحدث أو نهايته.
- قمت بتعديل أوهام صاحب الكتاب في زمن بعض الأحداث.
- عرفت بالأماكن والأعلام، وصححت أخطاء المؤلف بأسماء بعض الأعلام.
- رددت ما استطعت من الشبهات والأكاذيب التي أوردها صاحب الكتاب، عن الصحابة والتابعين، وخصوصًا ما يمس العقيدة، وخاصية القرن المفضل.
- وبما أن صاحب الكتاب لم يسند أخباره في الغالب، فقد قمت بمقارنتها بالمصادر الأخرى التي أوردت الخبر مسندًا ثم نقدت السند والمتن، وإن لم أجد ذلك كان النقد على المتن.
- قمت بتصحيح بعض المقطوعات الشعرية المحرفة التي أوردها صاحب الكتاب.
- تجاوزت كثيرًا عن الأخبار التي ليس فيها قدح وإساءة، حفاظًا على النسق القصصي وإكمال الحدث، ومن ذلك ما انفرد به المؤلف.
- استطردت في مناقشة كثير من المسائل الشائكة تاريخيًّا، وقد جعلت ذكرها من قبل صاحب الكتاب سببًا لذلك.
- أكملت بعض الأحداث الناقصة التي أوردها صاحب الكتاب.
- عند الإحالة للهامش أشير إلى اسم المؤلف والكتاب، وتركت باقي المعلومات في الجزء المخصص للتعريف الكامل بالمصادر والمراجع.
وأخيرًا، أحمد الله عز وجل وأشكره وأثني عليه الخير كله على أن منّ عليَّ بإتمام هذا البحث.
ثم أشكر كل من كان له فضل عليَّ بعد الله في إتمام هذا البحث، ومن ذلك الوالدين، والمشرف على رسالتي الدكتور عبدالعزيز بن عبد الله السلومي، ومن قدَّم لي بعض الاستشارات البحثية ومنهم الدكتور خالد بن محمد الغيث.
كما أشكر عضوي لجنة المناقشة الدكتور محمد بن صامل السلمي والدكتور حسام الحزوري على تفضلها بمناقشة هذه الرسالة.
* * *
تمهيد
ترجمة أبي حنيفة الدينوري:
*
نسبه ونشأته:
هو أحمد بن داود بن وَنَنْد، أبو حنيفة الدينوري، ولد في مدينة الدينور من أعمال الجبال من أرض فارس، ونشأ في أسرة من أصل فارسي، وقد عاش معظم حياته في تلك المدينة
(1)
.
ولا يوجد تحديدًا لزمن ولادته، أما وفاته فهي بالدينور
(2)
سنة 282
(3)
.
وقد اختلف في أصل أبي حنيفة فقد قيل إنه فارسي كما سبق، وقول آخر أنه كردي؛ لأن الدينور التي ينسب إليها كانت في إقليم الجبال ذات الأغلبية الكردية، والتي أقام بها حسنويه الكردي مملكته
(4)
.
وهو قول المؤرخين الأكراد ومنهم:
محمد أمين زكي
(5)
فقد ترجم لأبي حنيفة في كتابه مشاهير الأكراد
(6)
.
وقد ذكر الدكتور أحمد محمود الخليل
(7)
أن أصل أبي حنيفة الدينوري كردي، وقد أرجع ذلك إلى أمور منها:
(1)
ابن العماد: شذرات الذهب 1/ 29.
(2)
أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر 7/ 35.
(3)
القفطي: إنباه الرواة 1/ 78.
(4)
كي لسترنج: بلدان الخلافة الإسلامية 224.
(5)
محمد أمين زكي ولد بالعراق 1297 هـ، من أصل كردي، وهو مؤرخ له العديد من المؤلفات باللغة الكردية والتركية، توفي سنة 1367 هـ. الزركلي، الأعلام 6/ 45.
(6)
محمد أمين زكي: مشاهير الأكراد 1/ 82.
(7)
أحمد محمود الخليل ولد في كرزيل بمنطقة عفرين، وتسمى بالكردية جبل الكرد، حصل على الماجستير والدكتوراه في الأدب العربي من جامعة حلب، له مدونات شخصية تكلم فيها عن كثير من المواضيع التي تخص الكرد ومنها سلسلة مشاهير الكرد.
المصدر:
…
https:// ahmedalkhalil.wordpress.com
- أن الدينور كانت تقع جغرافيًّا في قلب منطقة كانت مصايف ومشاتي الأكراد، أي أن المنطقة كانت مسكونة بالأكراد على الدوام ويتضح هذا بالخريطة التي رسمها ابن حوقل
(1)
.
- أن المنطقة التي تقع فيها الدينور هي جزء من منطقة غربي إيران حاليًّا وتسمى (كردستان).
- أن اليعقوبي
(2)
ذكر في كتابه البلدان بلاد الجبل وإقليم الجبال بأنها دار الأكراد، وتقع دينور في قلب إقليم الجبل.
ثم إنه نقل عن المؤرخ الكردي عبدالرقيب يوسف وذكر قوله: إن أبا حنيفة عالم كردي
(3)
.
*
رحلاته:
أمضى أبو حنيفة حياته بالرحلات، وقد وصل إلى العراق وإلى بيت المقدس ثم إلى المدينة وشواطئ الجزيرة العربية من جهة الخليج، فعاش في هذه البلدان فترات مختلفة، ثم انتقل إلى أصفهان سنة 235 هـ وعمل برصد الكواكب
(4)
.
*
شيوخه:
لم أقف على ترجمة مستوفية عن شيوخ أبي حنيفة الدينوري وأول من ذكر شيوخه ابن النديم في الفهرست حيث ذكر أنه أكثر من البصريين والكوفيين
(1)
صورة الأرض 305.
(2)
البلدان 20.
(3)
المدونة الشخصية للدكتور أحمد محمود الخليل: مشاهير الكرد في التاريخ، العلامة أبو حنيفة الدينوري.
https:// ahmedalkhalil.wordpress.com
(4)
المصدر السابق.
ولم يسم أحدًا من شيوخه إلا السكيت
(1)
وابنه يعقوب
(2)
ولم يكن ذلك دقيقًا ولا يمكن الاعتماد عليه ولم أقف على رواية له عنهم، ولما تتبعت رواياته في كتابه النبات وفي كتاب المجالسة وجوهر العلم وجدت جملة من الشيوخ الذين يروي عنهم أبو حنيفة الدينوري ومنهم:
الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن أصمع الباهلي، البصري، صاحب اللغة والنحو والغريب، والأخبار، وهو صدوق سني، مات سنة ست عشرة ومئتين
(3)
.
وقد أكثر الرواية عن الأصمعي في كتابه النبات، وهو لم يدركه وإنما أخذ العلم من طلابه، ومما يدل على ذلك ما ذكره صاحب كتاب المجالسة
(4)
عندما ساق السند من أبي حنيفة إلى الأصمعي بواسطة هؤلاء الطلاب، ومنهم الرياشي والمازني وزكريا بن يحيى وابن خبيق والزيادي.
الرياشي: عباس بن الفضل الرياشي، أبو الفضل البصري، روى عن الأصمعي والطيالسي وغيرهم. قال الخطيب البغدادي:(قدم بغداد وحدَّث بها وكان ثقة وكان من الأدب وعلم النحو بمحل عالٍ)
(5)
، قتله الزنج في البصرة
(1)
إسحاق بن السكيت أبو يعقوب، كان دائم الصمت، عالمًا بالشعر واللغة. القفطي: إنباه الرواة 1/ 255.
(2)
وابن السكيت وهو يعقوب بن إسحاق السكيت أبو يوسف، والسكيت لقب أبيه، وهو من أعلم الناس باللغة والشعر، له عدة كتب منها كتابه إصلاح المنطق، وغريب القرآن، وقد أدّبَ أولاد المتوكل ونادمه، ثم قتله المتوكل لتشيعه، سنة أربع وأربعين ومائة. الحموي: معجم الأدباء 6/ 2841. الصفدي: وفيات الأعيان 6/ 365.
(3)
الفلوجي: المعجم الصغير 2/ 820.
(4)
المجالسة وجواهر العلم المؤلف أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري، ت 333 هـ، وهو أحد طلاب أبي حنيفة، روى عنه في كتابه وعاصره، ومن المواضع 1/ 472، 2/ 188.
(5)
الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 14/ 22.
سنة سبع وخمسين ومئتين
(1)
.
المازني: بكر بن محمد المازني، أبو عثمان، شيخ العربية، أخذ من أبي عبيدة والأصمعي، كان شيعيًّا أماميًّا يقول بالإرجاء، يذكر أنه سُئل: لماذا قلت روايتك عن الأصمعي؟ فقال: رميت عنده بالقدر ومذهب الاعتزال. مات سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومئتين
(2)
.
زكريا بن يحيى: زكريا بن يحيى بن خلاد المنقري، البصري، أبو يعلى، حدَّث ببغداد، مكثر عن الأصمعي وهو مجهول الحال
(3)
.
ابن خبيق: عبد الله بن خبيق الأنطاكي الزاهد، له كلام حسن في التصوف وحسن المعاملة، مات سنة ستين ومئتين
(4)
.
الزيادي: إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه، نشأ في العراق، كان نحويًّا لغويًّا راويةً، روى عن الأصمعي وأبي عبيدة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين
(5)
.
وقد أكثر منه أبو حنيفة الدينوري في كتابه النبات.
أبو نصر: أحمد بن حاتم، النحوي صاحب الأصمعي، وقد روى عنه كتب اللغة والأدب، كان ثقة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئتين
(6)
.
روى عنه الدينوري في كتاب النبات.
أبو عمرو: عمرو بن أبي عمرو الشيباني اللغوي، كان ثبتًا واسع الرواية،
(1)
ابن حجر: التهذيب 5/ 125.
(2)
الذهبي: السير 12/ 270.
(3)
الذهبي: تاريخ الإسلام 19/ 143، العنسي: مصباح الأريب 1/ 465.
(4)
الذهبي: تاريخ الإسلام 19/ 177.
(5)
الحموي: معجم الأدباء 1/ 97
(6)
الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 4/ 336.
توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين
(1)
.
*
علمه وأقوال العلماء فيه، وعلاقته بكتاب الأخبار الطوال المنسوب له:
قال كمال الدين الأنباري
(2)
: (وأما أبو حنيفة أحمد بن داود، فكان ذا علوم كثيرة، منها النحو، واللغة، والهندسة، والحساب، والهيئة، وكان ثقة فيما يرويه)
(3)
.
هنا لم يذكر أن له علمًا في التاريخ وقد ذكر شيئًا من كتبه، ولم يذكر كتاب الأخبار الطوال.
قال عنه أبو يعلى الخليلي
(4)
: (أبو حنيفة الدينوري كبير المحل في اللغة، عالم، جامع، سمع الحديث وكان يعرف له كتاب القبلة، وكتاب النبات، سمعت عبد الله بن محمد الحافظ، يقول: سمعت شيخ الدينور، أحمد بن جعفر بن حمدان، وغيره، يبجلونه، ويعدلونه، وهو مشهور يعتمد على قوله وروايته)
(5)
.
هنا ترجم له في علماء الحديث، وأثنى عليه، ولم يذكر أن له كتابا اسمه الأخبار الطوال.
(1)
القفطي: إنباه الرواة 2/ 360.
(2)
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد، أبو البركات النحوي كمال الدين الأنباري، كان إمامًا ثقة صدوقًا فقيهًا، وله كثير من المصنفات، توفي سنة 577 هـ. الصفدي: الوافي بالوفيات 18/ 148.
(3)
نزهة الألباء في طبقات الأدباء 181.
(4)
الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني، القاضي، العلامة، الحافظ، كان ثقةً حافظًا عارفًا بالرجال والعلل، توفي في قزوين سنة ست وأربعين وأربع مائة. الذهبي: السير 17/ 667.
(5)
الإرشاد في معرفة علماء الحديث 2/ 625.
قال أبو حيان
(1)
: (والذي أقوله وأعتقده وآخذ به واستهام عليه أني لم أجد في جميع من تقدّم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا إلى أن يأذن الله بزوالها لما بلغوا آخر ما يستحقه كلّ واحد منهم، أحدهم هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة وبسببه جشّمنا هذه الكلفة، أعني أبا عثمان عمرو بن بحر، والثاني أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كلّ فنّ ساق وقدم ورواء وحكم، وهذا كلامه في «الأنواء» يدلّ على حظّ وافر من علم النجوم وأسرار الفلك، فأما كتابه في «النبات» فكلامه فيه في عروض كلام أبدى بدويّ وعلى طباع أفصح عربيّ، ولقد قيل لي: إن له في القرآن كتابًا يبلغ ثلاثة عشر مجلدًا ما رأيته، وأنه ما سبق إلى ذلك النمط، هذا مع ورعه وزهده وجلالة قدره. وقد وقف الموفّق
(2)
عليه وسأله وتحفّى به)
(3)
.
وقال عنه (أبو حنيفة هذا من كبار الناس وعلمائهم، وكان ثقةً مأمونًا زاهدًا حكيمًا، وكان بدويّ الكلام، رفيع الطبقة)
(4)
، ونجد أن أبا حيان التوحيدي لم يذكر أن له كتابًا اسمه الأخبار الطوال.
(1)
أبو حيان التوحيدي هو علي بن محمد بن العباس البغدادي، الضال الملحد، الصوفي، صاحب زندقة وانحلال، نفاه الوزير المهلبي لسوء عقيدته وكان يتفلسف، له تصانيفه الأدبية والفلسفية، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي من زنادقة الإسلام الثلاثة، بقي إلى حدود الأربع مئة. الذهبي: السير 17/ 119. ابن حجر: لسان الميزان 3/ 160.
(2)
طلحة بن جعفر بن المعتصم بن محمد بن الرشيد العباسي، أبو أحمد الموفق، كان شجاعًا مهيبًا ولد سنة 229 هـ ولي العهد لأخيه المعتمد، فكان بيده الحل والعقد، قضى على ثورة الزنج، مات سنة 278 هـ. الذهبي: السير 13/ 169.
(3)
الحموي: معجم الأدباء 1/ 259.
(4)
البصائر والذخائر 7/ 35.
قال عبد القادر الحنفي
(1)
: (أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري، صاحب كتاب النبات أحد العلماء المشهورين في اللغة ذكره أبو القاسم مسلمة بن قاسم الأندلسي في الذيل الذي ذيَّل به على تاريخه الكبير في أسماء المحدثين، وقال: فقيه حنفي الفقه وله من المصنفات كتاب الفصاحة، وكتاب الأنواء، وكتاب القبلة، وكتاب الدور، وكتاب الوصايا، وكتاب الجبر والمقابلة، وكتاب إصلاح المنطق .... )
(2)
.
وضعه المؤلف في تراجم طبقات الحنفية ومن أهل الحديث ولم يذكر أن له كتاب اسمه الأخبار الطوال.
قال عنه الذهبي: (صدوق، كبير الدائرة، طويل الباع، ألَّف في النحو واللغة والهندسة، والهيئة والوقت، وأشياء)
(3)
.
هنا نجد أن الإمام الذهبي وصفه بالصدوق، وذكر شيئًا من كتبه ولم يذكر له كتاب الأخبار الطوال.
ذكره ابن قطلوبغا في الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة
(4)
.
*
إنتاجه العلمي:
ذكرت المصادر أن لأبي حنيفة مجموعة من الكتب، ويبدو أنها اعتمدت على ما جمعه ابن النديم
(5)
في الفهرست؛ حيث قال: (وله من الكتب كتاب
(1)
عبد القادر بن محمد بن نصر القرشي، محيي الدين، عالم بالتراجم، من حفاظ الحديث، ومن فقهاء الحنفية، ولد 696 هـ، وتوفي 775 هـ في القاهرة، له جملة من الكتب. الأعلام: للزركلي 4/ 42.
(2)
الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية 1/ 67.
(3)
السير 13/ 422.
(4)
الثقات 1/ 336.
(5)
محمد بن إسحاق النديم البغدادي، مصنف كتاب فهرست العلماء، قال عنه ابن حجر:(لما اطلعت في مصنفه ظهر لي أنه رافضي معتزلي) .... (وهو غير موثوق)، اختلف في وفاته، فقد ذكر ابن حجر أنه عاش إلى ما بعد سنة 412 هـ. ابن حجر: لسان الميزان 6/ 557.
النبات يفضله العلماء في تأليفه، كتاب الفصاحة، كتاب الأنواء، كتاب القبلة والزوال، كتاب حساب الدور، كتاب الرد على رصد الأصفهاني، كتاب البحث في حساب الهند، كتاب البلدان، كتاب كبير، كتاب الجمع والتفريق، كتاب الجبر والمقابلة، كتاب الأخبار الطوال، كتاب الوصايا، كتاب نوادر الجبر، كتاب الشعر والشعراء، كتاب ما يلحن فيه العامة)
(1)
، وقد تبعه في نسبة كتاب الأخبار الطوال الحموي
(2)
والقفطي
(3)
، وكل هذه الكتب التي ذكرها ابن النديم لم أقف على أثر لها إلا أجزاء وجدت من كتاب النبات، وكتاب الأنواء الذي وجدت له نقولات في بعض الكتب، وكتاب الأخبار الطوال المنسوب له.
-
التحقق من نسبة كتاب الأخبار الطوال للدينوري:
ومما سبق من ذكر العلماء لأبي حنيفة، وأنه بهذه المنزلة الرفيعة، فهو يستحق ذلك بفضل ما جمعه من العلم، والذي يهمني من كتبه ما فيه موضوع بحثي وهو كتاب الأخبار الطوال، ففي ترجمة أبي حنيفة السابقة رأيت كثيرًا من التناقضات فبعض العلماء ينسبون كتاب الأخبار الطوال إلى أبي حنيفة والأغلب لا ينسبه، ومنهم من وثقه وجعله من كبار الحنفية، وترجموا له في علماء الحديث، وهذا أمر يثير الغرابة، فكيف يفعل هذا برجل قام بتأليف مثل هذا الكتاب المليء بالفتن والخرافات؟!.
وقد عرضت على مشرفي هذه التراجم وما حصل عندي من الحيرة
(1)
الفهرست 106.
(2)
في كتابه معجم الأدباء 1/ 261 نقلا عن ابن النديم.
(3)
في كتابه إنباه الرواة 1/ 76.
والشك في أمر هذا الكتاب ومؤلفه، والذي لفت نظري إلى فرضية أن الكتاب منسوب إلى أبي حنيفة الدينوري وليس له على الحقيقة، ثم بدأت أجمع الأدلة التي تثبت التباعد بينه وبين كتاب الأخبار الطوال ومما وجدت:
- يعتبر ابن النديم أول من نسب الكتاب لأبي حنيفة، وهو غير موثوق؛ لأن جميع من ترجم لأبي حنيفة قبله لم يذكروا أن له كتابًا اسمه الأخبار الطوال، ومنهم ابن حوقل المتوفى سنة 367 هـ حينما عرف بعلماء الدينور فقال:(وأبو حنيفة صاحب كتاب الأنواء وهو كتاب في غاية الحسن والجمال وله كتاب النبات في وجوه اللغة وغير ذلك من التآليف)
(1)
.
وقد ترجم له أبو حيان التوحيدي وهو معاصر لابن النديم كما سبق وكلاهما في بغداد، ولم يذكر أن لأبي حنيفة كتابًا باسم الأخبار الطوال، مع أنه أطال في الترجمة وذكر شيئًا من أخباره مما لم يذكره غيره، ثم ترجم له الخليلي المتوفى سنة 446 هـ، ولم يذكر أن له كتابًا اسمه الأخبار الطوال، وهو معاصر لابن النديم أيضًا، ويبدو أنه زار الدينور بعد وفاة أبي حنيفة، أو أنه التقى بعلمائها وسمع ثناءهم عليه، فلو عرفوا له كتاب الأخبار لم يثنوا عليه؛ لأن من يطلع على الكتاب لا يعدل صاحبه كما فعلوا.
وهذا يجعلنا نتساءل: كيف عرف ابن النديم أن لأبي حنيفة كتاب اسمه الأخبار الطوال، ولم يعرف أحد ممن كان قبله أو ممن عاصره؟ بل إنه قد انفرد في نسبته طيلة الفترة التي أعقبت ذكره للكتاب، ولم أقف على من نسب الكتاب إلى أبي حنيفة غيره حيث ظل هذا الكتاب غائبًا بعد ابن النديم إلى أن جاء ذكره من قبل القزويني المتوفى سنة 623 هـ، في كتابه التدوين في أخبار قزوين فقد أتى
(1)
صورة الأرض 309.
بخبر من كتاب الأخبار الطوال ونسبه إلى أبي حنيفة الدينوري
(1)
.
وبذلك لا نستبعد أن ابن النديم ساهم بالجزء الأكبر من نسبة هذا الكتاب لأبي حنيفة الدينوري.
ونستدل على ذلك بأشياء منها:
1 -
انفراد ابن النديم بنسبة الكتاب لمده تزيد على ما يقارب قرنين من الزمان.
2 -
أن صاحب كتاب الأخبار الطوال لا يشك أحد أنه من الشيعة؛ ولذلك أصبح من الضروري أن يكون الشخص المنسوب له الكتاب شيعيًّا، ولهذا جاء ابن النديم بأمر يبرهن به على تشيع المؤلف، فذكر تتلمذ أبي حنيفة الدينوري على يد السكيت وابنه، وقد انفرد بهذا أيضًا حيث قال:(أخذ عن البصريين والكوفيين وأكثر أخذه من السكيت وابنه)
(2)
وابن السكيت قد عرف بالتشيع، ولم أقف على رواية له عنهما.
3 -
أن ابن النديم غير موثوق، قد صدر عنه أشياء تجعلنا نشكك في مصداقيته، فقد ذكر ابن حجر أنه من الراوفض المعتزلة وأنه غير موثوق، ذكر عن الشافعي شيئًا ظاهره الافتراء، وثق كثيرًا من الضعفاء من أمثال الواقدي وضعف كثيرًا من الثقات
(3)
.
4 -
وجد ابن النديم عوامل ساعدت على إظهار كتاب الأخبار الطوال ونسبته إلى أبي حنيفة الدينوري، ومنها أن زمن تأليفه لكتاب الفهرست الذي
(1)
التدوين في أخبار قزوين 1/ 32.
(2)
الفهرست 106.
(3)
لسان الميزان 6/ 557.
انتهى منه سنة 377 هـ
(1)
كان متزامنًا مع سيطرة البويهيين
(2)
على بغداد
(3)
، وهم الذين عرفوا بتشيعهم وبفارسيتهم، فأصبح الكتاب غرضًا لإظهار زمن عزة الفرس وملكهم والإشادة بتاريخهم، وبما أن ابن النديم فيما يذكر أنه ورّاق، يبيع الكتب
(4)
فقد أصبح من الضروري إيجاد مثل هذا الكتاب.
- أن من يطلع على كتاب الأخبار الطوال يعرف حق المعرفة أن مصنفه ينتمي إلى الشعوبيين الفرس فقد تتبع واهتم بتاريخهم واعتنى بمآثرهم وأشاد بملوكهم وأطال في ذلك ثم تَنقَّص المسلمين العرب فقد جاء بروايات تحط من قدرهم، وأبو حنيفة الدينوري ليس بفارسي كما سبق في أصله، ثم إن لصاحب الكتاب ميول شيعية؛ وذلك لأنه تقصى أخبار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابنيه الحسن رضي الله عنه والحسين رضي الله عنه، وأنه أكثر في كتابه من القدح في الصحابة، وقام بانتقاء أخبار تخدم ميوله ومذهبه.
ولم أقف على من اتهم أبو حنيفة الدينوري بالتشيع أو رماه به من جميع المتقدمين.
(1)
انتهى ابن النديم من الكتاب في هذه السنة. الفهرست 7.
(2)
قامت الدولة البويهية في سنة 320 هـ حتى سنة 447 هـ، ينسبون إلى بلاد الديلم جنوب بحر قزوين، وهم شيعة متعصبين، حاقدين على الإسلام، أتوا بأفعال منكرة، وكانوا في البداية من الرعايا العاديين، على أن الأمجاد العظيمة التي حصل عليها بنو بويه جعل بعض المؤرخين يتوهمون نسبتهم إلى ملوك آل ساسان. أحمد العسيري: موجز التاريخ 229.
(3)
استولى بنو بويه على بغداد في سنة 334 هـ من الهجرة واستمر ملكهم في بغداد إلى أن دخل طغرلبك السلجوقي وقضى على ملكهم سنة 447 هـ وقد كان مدة ولايتهم مائة وعشر سنين. ابن كثير: البداية والنهاية 11/ 238، 12/ 83.
(4)
ذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء 6/ 2427 أنه لا يستبعد أن يكون ورَّاقًا يبيع الكتب؛ لأنه حوى في كتابه الفهرست كثيرًا من الكتب والفنون.
بل يذكر عنه أنه من كبار الحنفية
(1)
.
- قمت بالترجمة لأغلبية الشيوخ الذين روى عنهم أبو حنيفة في كتابه النبات، وكانت الجملة فيهم من أفاضل أهل اللغة، ولم أقف على لزومه وتتبعه للفسَّاق والمنحرفين بهذا الفن من الشيعة وغيرهم.
- كتاب الأخبار الطوال لا يحتوي على مقدمة، فقد بدأ الكتاب بقول: (بسم الله الرّحمن الرّحيم، فوضت أمري إلى الله.
قال أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري رحمه الله: وجدت فيما كتب أهل العلم بالأخبار الأولى؛ أن آدم عليه السلام كان مسكنه الحرم)
(2)
.
ويغلب على الظن- إن كان للكتاب مقدمة - فإنها تكون قد حُذِفَت، ويبدو أنها تحوي معلومات عن المؤلف الحقيقي للكتاب، فلذلك ذكر اسم أبي حنيفة الدينوري في أوله للتأكيد على أنه ألَّف الكتاب، ويؤيد هذا ختم الكتاب أيضًا باسمه بقوله:(وهذا آخر كتاب الأخبار الطوال على ما جمعه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري رحمه الله تعالى ورضي عنه)
(3)
.
* منهج الدينوري في كتابه النبات يختلف بالكلية عن منهج هذا الكتاب، فقد كان منهجه في كتاب النبات:
1 -
لا يكاد يذكر علمًا أو قولًا إلا ذكر من أين أخذه مع أنه يحذف السند، لكنه في جملة قوله ينسب القول إلى صاحبه مباشرة، وذلك مثل قوله:(وقال أبو عمرو)، (وقال أبو زياد)، (وقال بعض الرواة)
(4)
.
(1)
الذهبي: السير 13/ 422.
(2)
الأخبار الطوال: عبد المنعم عامر 1.
(3)
المصدر السابق 406.
(4)
الدينوري: كتاب النبات 107.
ولم يذكر في كتاب النبات الأسلوب الأعم، الذي اعتمد في كتاب الأخبار الطوال، وهي كلمة:(قالوا) إلا قليلًا لا يكاد يذكر، بل كان يستخدم قوله:(قال بعض الرواة)، (أخبرني بعض الأعراب)
(1)
.
2 -
كتابه النبات كان غاية في الإتقان زاخرًا بالعلم والمعرفة، وقد أُثْنِيَ عليه فيه. قال عنه ابن الساعي:(وكتاب النبات لم يصنَّف مثله في معناه)
(2)
، على العكس من كتاب الأخبار الطوال الذي يكثر فيه الخلط والوهم والتقديم والتأخير.
3 -
في كتاب النبات يرجح ويضعف ويأتي بالقول والقول الآخر، ومن أساليبه: فزعم آخرون، وزعم فلان، أما كتاب الأخبار الطوال فصاحبه يعتمد على رواية واحدة يبني عليها قوله.
4 -
وفي كتاب النبات يستشهد بالأبيات الشعرية ويبين في كل مرة بحرها من الشعر، وهذا لم يكن في الأخبار الطوال.
ومن أمثلة ذلك قوله من كتابه النبات: (ومما يشبه الحناء ويقويه على التسويد الصبيب، وقد أكثروا فيه فزعم أنه نقاعة أو طبيخ شجرة تكون بالحجاز يصبغ بها، ولم يبينوا أكثر من هذا، وزعم آخرون أنه طبيخ شجرة تشبه الذاب، وزعم آخرون أنه ماء شجرة السمسم، وزعم آخرون أنه نقاعة حناء تصب على حناء فتعجن بها، كل ذلك قد سمعتُ، والاختلاف فيه ليس من قبل الصبيب، هذه المياه كلها صبيب، ولكن من قبل الأشياء التي أخذ صبيبها فالصبيب واحد وما استل منه شتى، والشاهد على ذلك قول العجاج يصف فحلًا من الإبل فقال (من الرجز):
(1)
المصدر السابق صفحة 208.
(2)
ابن الساعي: الدر الثمين 257.
في هامة أعيت صدام الصدم
…
كأن نضحًا من صبيب الحمحم
حيث انتهت من عنق مورم)
(1)
مما سبق رأينا أن أبا حنيفة الدينوري يأتي بجميع الآراء التي تكلمت عن النبات الذي يريد إيضاحه، ثم يبين رأيه ويبرهن عليه، وكل ذلك من حرصه وتثبته على بيان الأمر على حقيقته، وهو اسم لنبات والأمر فيه واسع، فكيف ينسب له كتاب كتب بصيغة الحكم في أمر عظيم يخوض صاحبه في أعراض الصحابة والتابعين؟!! لاشك أن ذلك من التناقض الذي لا يمكن أن يجمعه شخص واحد.
- اتفق العلماء على نسبة كتاب النبات إلى أبي حنيفة الدينوري، واختلفوا في نسبة كتاب الأخبار الطوال إليه.
- من يطلع على كتاب الأخبار الطوال يجده مليئًا بالقدح والتنقص من الصحابة، وهذا خلل واضح في عقيدة المؤلف، وأبو حنيفة قد شهد له رجال من أهل بلده الدينور بالصلاح وحسن الرواية، ووصفوه بالصدق، ولم أقف على أحد من المتقدمين اتهمه في عقيدته.
ومما يروى عنه في صحة عقيدته ما ذكره الزمخشري عنه: (قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب الأنواء: المنكر هو نسبة الأمر إلى الكواكب وأنها هي المؤثرة، فأما من نسب الأثر إلى خالق الكواكب، وزعم أنه ضربها أمارة، ونصبها أعلامًا على ما يحدثه ويجدده في كل أوان بمشيئته الربانية فلا جناح عليه)
(2)
.
أفبعد هذا العلم والعقيدة يُنسب إليه كتابٌ فيه قدح في الصحابة؟!!
(1)
الدينوري: النبات 180.
(2)
ربيع الأبرار 1/ 87.
- أن آخر حدث سجله صاحب كتاب الأخبار الطوال هو موت المعتصم؛ حيث ختم كتابه بقوله: (ومات المعتصم بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين، وصلَّى عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي داود، وكان المعتصم أوصى إليه بالصلاة عليه، وكانت ولايته ثماني سنين وثمانية أشهر وسبعه عشر يومًا، وكان قد بلغ من السن تسعًا وثلاثين سنة)، وأبو حنيفة قد عاش إلى سنة 282 هـ، فلو كان هو صاحب الكتاب فلماذا يتوقف عن تسجيل الأحداث قبل الوفاة بخمسين سنة.
- إن حادثة نسبة كتاب الأخبار الطوال إلى أبي حنيفة لم تكن فريدة من نوعها، بل قد اتهم أحد معاصريه وهو عبد الله بن مسلم الدينوري
(1)
وهو المشهور بابن قتيبة، فقد نسب إليه كتاب الإمامة والسياسة وقد برأه العلماء منه
(2)
.
ونجد أن كتاب الإمامة والسياسة وكتاب الأخبار الطوال كلها تاريخية مما يدل على أن الناسب قد اعتقد بفكرةٍ ومذهبٍ ولم يستطع تمريرها إلا من خلال نسبة الكتاب لأحد الأعلام، وخصوصًا هذان العالمان، ويبدو أن السبب في التركيز عليهما أنهما تناولا شيئًا من أنواع العلوم، ثم لكونهما من الدينور وهي بعيدة عن الأمصار الإسلامية المشهورة؛ لذلك أصبح من السهل إلصاق التهم بهما، فالذي ينسب إليه كتاب الإمامة والسياسة رجل من أهل المغرب
(3)
،
(1)
عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد الكاتب، ولد ببغداد وحدَّث بها، ثم أقام بالدينور ونسب إليها وكان ثقة دينًا فاضلًا، وهو صاحب التصانيف المشهورة، ومن مصنفاته غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وعيون الأخبار، والمعارف، مات ابن قتيبة سنة 270 هـ. البغدادي: تاريخ بغداد 10/ 168.
(2)
منهم الدكتور عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان، في كتابه (كتاب الإمامة والسياسة في ميزان التحقيق العلمي)، فقد ذكر عدة براهين تبرئ ابن قتيبة من هذا الكتاب، للاستزادة راجع الكتاب.
(3)
عسيلان: كتاب الإمامة والسياسة 20.
والذي ألف كتاب الأخبار الطوال شيعي كما سيأتي في الحديث عن أصله، وهذا ديدن بعض الشيعة الذين ينسبون الأحاديث والأخبار ويسخرونها لأهدافهم ومعتقداتهم، وأحاديثهم ورواياتهم في الكتب كثيرة، ودليل ذلك التركيز على الموضوعات التي يهتم بها الشيعة في محتوى الكتابين.
- شذ كتاب الأخبار الطوال المنسوب لأبي حنيفة الدينوري بأنه وصل كاملًا من غير أي نقص فيه، بينما لا نجد لكتب أبي حنيفة الدينوري أثر إلا ما كان من كتاب النبات
(1)
الذي وجدت أجزاء منه، منها الجزء الثالث والنصف الأول من الجزء الخامس مع أنه من أشهر كتبه، وما وجد في الكتب نقلًا من كتاب الأنواء، وأما باقي الكتب التي نسبت إليه ليس لها أثر، وهذا يثير الغرابة ويجعلنا نتساءل: لماذا يصل كتاب الأخبار الطوال المنسوب إليه كاملًا من بين كتبه مع ضعف في شهرته مقارنة بكتاب النبات.
- عند الترجمة لأبي حنيفة الدينوري لم يذكر العلماء أن له علم بالأخبار حتى الذين نسبوا إليه الكتاب.
وقد أشار إلى وفاة أبي حنيفة جملة من المؤرخين، ووصفوه باللغوي
ولم يصفوه بالأخباري ولم يذكروا أن له كتابًا في الأخبار، وذلك سنة إحدى وثمانين ومئتين، منهم ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ فقد قال:(وفيها توفّي أبو حنيفة أحمد بن داود الدّينوريّ اللّغويّ صاحب كتاب النّبات وغيره)
(2)
.
وصاحب كتاب المختصر في أخبار البشر بقوله: (وفيها توفي أبو حنيفة
(1)
كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري، وفيه الجزء الثالث والنصف الأول من الجزء الخامس، تحقيق برنهارد لفين.
(2)
الكامل 6/ 488.
أحمد بن داود الدينوري، صاحب كتاب النبات)
(1)
. ومثله ابن الوردي
(2)
في تاريخه.
بل إن ابن كثير جعله من الأعيان بقوله: (وفيها توفّي من الأعيان أحمد بن داود أبو حنيفة الدّينوريّ اللّغويّ صاحب كتاب النّبات)
(3)
.
فلو أن ابن كثير اطلع على كتاب الأخبار الطوال المنسوب لأبي حنيفة، لم يصفه من الأعيان.
*
أهمية الكتاب:
رغم أن كتاب الأخبار الطوال من كتب التاريخ التي تزخر بها مكتباتنا الإسلامية، ويعد من الكتب الأولى التي كتبت عن التاريخ العام مع كونه مختصرًا، فإنه لم يكن له تأثير واضح في الكتب التاريخية التي جاءت بعده، وذلك لاقتصاره على الاتجاه الشعوبي، فلم ينزله المؤرخون منزلة رفيعة كما فعلوا بتاريخ خليفة بن خياط
(4)
.
وهو في ظاهره من كتب التاريخ العامة، وفي حقيقته عبارة عن أخبار منتقاة بعناية تعكس شخصية المؤلف واهتماماته، والتي سخَّر لها كتابه هذا، فقد اعتنى بالحروب والفتن التي وقعت بين المسلمين عبر تاريخهم في القرنين الأول والثاني، ولكن من وجهة نظر غير سليمة.
*
محتوى كتاب الأخبار الطوال:
بدأ بذكر تاريخ الأمم الماضية من الأنبياء وغيرهم، وركز على تاريخ
(1)
أبو الفداء 2/ 57.
(2)
التاريخ 2/ 234.
(3)
البداية والنهاية 11/ 83.
(4)
السلمي: منهج كتابة التاريخ 467.
الفرس وملوكهم، وأشاد بهم وبملكهم وذكر شيئًا من مآثرهم، ثم أتى على جزء من تاريخ العرب والروم وعلاقتهم بالفرس، ثم أشار لظهور الرسول صلى الله عليه وسلم وربط تاريخ ذلك بتاريخ زعماء الفرس، ولم يعط هذا الحدث أيّ اهتمامٍ يُذْكر، وأما في عهد الخلفاء الراشدين فقد تتبع الفتوحات مع الفرس ثم أطال الحديث عمَّا حدث بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه، أما في خلافة بني أمية فقد انتهج المؤلف في هذا الجزء نهجًا يثير الغرابة، وقد تمثل ذلك في تسجيله لأحداث هذه الدولة، حيث قام بحصر أخبار الفتن والحروب وعرضها بشكل مطوَّل، ومن ذلك قتل مسلم بن عقيل، وقتل الحسين رضي الله عنه، ومعركة الحرة، وفتنة المختار، وفتنة الخوارج، وفتنة بن الأشعث، وفي المقابل يُغْفل ويهمل الجوانب المشرقة في هذه الحقبة من التاريخ، مثل الفتوحات وغيرها من الإصلاحات التنظيمية والعمرانية.
ثم أتى على الدعوة العباسية وخص أبا مسلم بشيء من العناية وأشاد به.
وأما في معرض الحديث عن الدولة العباسية فلم يأتِ إلا بشيء يسير من الأحداث، ثم رتب ولايتهم ترتيبًا حوليًّا على غير عادته وذكر تاريخ ولاياتهم ووفياتهم، وكان هذا الجزء أقصر ما في كتابه.
*
أصل المؤلف وميوله وعصره:
بعد عرض الأدلة والبراهين التي تبين من خلالها أن أبا حنيفة الدينوري لم يؤلف هذا الكتاب وهو أبعد ما يكون عنه، بقي أن أتعرف على اسم صاحب الكتاب والفترة التي عاشها، وهذا أيضًا لم أجد ما يسعفني من معلومات لكي أستند إليها، فليس في كتابه شيء يمكن من خلاله التعرف على اسمه، ومن جهة معرفة زمانه أيضًا لم يأت المؤلف بأي من صيغ السماع المباشر مثل: حدثنا، أو حدثني، أو أخبرنا، أو أخبرني، أو أنبأنا، أو أنبأني، أو سمعتُ، أو قال لي فلان،
ولو أنه أتى بهذه الصيغ لعرفت من عاصره، ومن أخذ منهم مباشرة.
والذي وجدت في كتابه صيغ تحتمل السماع مثل قوله: (قال الهيثم)، (قال الأصمعي)، (قال الشعبي).
ولم أجد إلا شيئًا واحدًا يفيدنا بزمنه وهو توقفه عن الكتابة في سنة 227 هـ، وهذا نستأنس به، ولا يمكن أن نعتمد عليه أيضًا؛ لأننا لا نملك ما يسانده.
ولعلّ مؤلف الكتاب حرص على عدم إظهار اسمه وزمنه، فأخفى كل ما يدلّ عليه، وربما نحله مباشرة أو بعد زمن على رجل مشهور وهو (أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري)، والمتهم في ذلك هو ابن النديم، فهو ورّاق شيعي، وبعده تناقله المصنفون من غير تحقيق.
والذي أجزم به أن الكتاب ظهر في زمن البويهيين، وهم شيعة فرس وقد بينت ذلك مفصلًا فيما سبق وذلك عند الحديث عن ابن النديم ونسبة الكتاب.
ولذلك لا أستطيع أن أنسب الكتاب لأحد دون برهان.
لكن لا يخفى على من يطَّلع على هذا الكتاب أن صاحبه كان من الفرس، ويثبت ذلك تتبعه لسير ملوك الفرس والعناية الفائقة بتاريخهم والإشادة بهم وبحكمهم، وبغلبتهم على سائر الأقوام في ذلك الزمان، ثم يتحول إلى أبي مسلم الخراساني ويشيد بجهوده في سبيل الدعوة العباسية ويجعل له كل الفضل والأثر في قيام الدولة العباسية.
وهذا مما لاشك فيه أنه مذهب الشعوبيين الذين أخذوا على عاتقهم مدح الفرس وتنقص العرب.
ومما يدل على فارسيته أنه أورد في كتابه في كثير من المواضع كلمات فارسية منها قوله: (ويقال إن ذلك المكان بموضع من الماء يسمى داى مرج،
سمى بأمه؛ لأن الأم بلسان الفرس تسمى داي)
(1)
، (مرد ومرد، أي رجل ورجل)
(2)
.
(قالوا: ولما نظرت الفرس إلى العرب قد أقحموا دوابهم الماء وهم يعبرون، تنادوا ديوان آمدند، ديوان آمدند)
(3)
، (وقال لبهرام: أيها الاسبهبد)
(4)
(فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مارمار أي حية قد عرضت، فقال مولاه:
بكز بكز أي عضها)
(5)
.
ثم إنه قد أتى بروايتين فيهما انتقاصٌ للأمين؛ لكي يُعْلي بهما من شأن المأمون، الذي لا يخفي ميوله إلى الفرس وإيثارهم في دولته.
أما عن مذهبه فهو من غلاة الشيعة الذين أخذوا على عاتقهم الحطّ من قدر الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ذلك تصويره للصلح الذي تم بين الصحابيين الجليلين أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه بأن عمرًا رضي الله عنه خدع أبا موسى رضي الله عنه بقوله:(قالوا: ثم إن عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل أبي موسى وإجلاله، وتقديمه في الكلام وتوقيره، ويقول: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي، وأنت أكبر سنًّا مني)
(6)
.
وجاء برواية مكذوبة على لسان أبي موسى رضي الله عنه الأشعري وفيها مقارنة بين معاوية رضي الله عنه وبين أبرهة الصباح بقوله: (قال أبو موسى: اتق الله يا عمرو، أما ما ذكرت من شرف معاوية، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافة، لكان أحق
(1)
الأخبار الطوال 58.
(2)
المصدر السابق 123.
(3)
ومعناها جاء الشياطين. المصدر السابق 126.
(4)
كلمه فارسية تعني القائد. المصدر السابق 90.
(5)
المصدر السابق 361.
(6)
المصدر السابق 199.
الناس بها أبرهة بن الصباح، فإنه من أبناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا شرق الأرض وغربها)
(1)
.
وأنه تتبع سيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبنيه الحسن رضي الله عنه والحسين رضي الله عنه وما جرى بينهم وبين معاوية رضي الله عنه وابنه يزيد.
ولذلك نجد أن بعض المتأخرين الذين اطلعوا على كتاب الأخبار نقدوا مؤلفه وبينوا أصله ومذهبه:
قد وصفه أغا بزرك الطهراني
(2)
بقوله: (وهو من أبناء الفرس يستظهر إمامته)
(3)
.
ووصفه عبد المنعم عامر بقوله: (تجري في عروقه دماء الفرس، وتنصهر في نفسه عزة العرب وأمجاد الإسلام)
(4)
.
ووصفه العلامة، إحسان إلهي ظهير
(5)
، بأنه شيعي
(6)
.
ووصفه الدكتور محمد بن صامل السلمي
(7)
بقوله: (تبين أنه تنزعه عرق فارسية، مع ميول شيعية)
(8)
.
(1)
الأخبار الطوال 199.
(2)
هو محسن أو محمد محسن بن علي بن محمد رضا الطهراني، ولد سنة 1293 هـ، من أهل طهران، عالم بتراجم المصنفين، وأحد محدثي الشيعة، له عدة مصنفات، توفي سنة 1354 هـ. الزركلي: الأعلام 5/ 288.
(3)
الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1/ 338.
(4)
الأخبار الطوال (د).
(5)
إحسان إلهي ظهير، شيخ وكاتب إسلامي مبرز من لاهور، توفي في 1407 هـ أثر قنبلة وضعت له وهو يخطب. محمد خير: تكملة معجم المؤلفين 25.
(6)
الشيعة وآل البيت 1/ 100.
(7)
محمد بن صامل بن صوميل السلمي، ولد عام 1369 هـ، يعمل أستاذًا مشاركًا بقسم التاريخ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. موقع جامعة أم القرى. https:// uqu.edu.sa/ mssolami/ 1530
(8)
السلمي: منهج كتابة التاريخ 464.
*
مصادر صاحب كتاب الأخبار الطوال:
اعتمد صاحب الكتاب على مصادر كثيرة في كتابه ولكنها غامضة، وذلك لأنه لا يذكر السند ولم يصرح بمن أخذ عنه إلا في القليل من المواضع، وممن صرح بالأخذ منهم:
في التاريخ القديم:
- عبيد بن شرية: عبيد بن شرية، ويقال: ابن سارية الجرهمي، أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئًا، ووفد على معاوية رضي الله عنه ويقال: وافاه بالحيرة، فسأله عن أخبار الماضين وملوك العرب وأمره بتدوين ذلك، وله من الكتب كتاب الأمثال، وكتاب الملوك وأخبار الماضين
(1)
.
وقد ذكره صاحب الكتاب ويبدو أنه أخذ من كتبه في أخبار العرب وأنسابهم.
- ابن المقفع: عبد الله بن المقفع، أحد البلغاء والفصحاء، من مجوس فارس ثم أسلم، وكان يتهم بالزندقة، وهو الذي عرَّب كليلة ودمنه، توفي مقتولًا سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: بعد الأربعين
(2)
.
وقد ذكر صاحب الكتاب ابن المقفع في أحد رواياته وأنه أخذ برأيه حيث روى عنه ما نصه: (ويروى أن ابن المقفع كان يقول: يزعم جهال العجم ومن لا علم له أن جم الملك هو سليمان بن داود، وهذا غلط، فبين سليمان وبين جم أكثر من ثلاثة آلاف سنة)
(3)
.
وهذا يدل على أن ابن المقفع له علم بالتاريخ، فقد ذكر ابن النديم له كتابًا
(1)
الحموي: معجم الأدباء 4/ 1581.
(2)
الذهبي: السير 6/ 209.
(3)
الأخبار الطوال 6.
اسمه (التاج في سيرة أنوشِرْوان)
(1)
، وصاحب الكتاب يبدو أنه أخذ منه في تاريخ ملوك الفرس فقد أشاد بهذا الملك وذكر إنجازاته ومنها الإصلاحات المالية.
- ابن الكيس النميري: وقد اختلف في اسمه فقيل: زيد بن عبد الله وقيل: زيد بن الكيس النمري العوفي الوائلي، وقيل: عبيد بن مالك، من الخزرج، كان يقارب دغفلًا في العلم بأنساب العرب، وله كتاب في النسب
(2)
.
* تاريخ الخلفاء الراشدين:
- زيد بن وهب: زيد بن وهب الجهني، أبو سليمان الكوفي، ثقة جليل إمام حجة، رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وهو في الطريق، روى عن كثير من الصحابة، شهد مع علي رضي الله عنه مشاهده كلها، مات سنة ثمانين وقيل: ثلاث وثمانين وقيل: ست وتسعين
(3)
.
ذكر له صاحب الكتاب رواية واحدة في حرب علي رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه، وهي من طريق أبي مخنف
(4)
، وهنا نجد أنه لا يذكر اسم أبي مخنف في رواياته مع أنه اعتمد عليه كثيرًا، ولعل السبب في ذلك لما اشتهر عن أبي مخنف من الضعف، وأنه أراد أن يحيل القارئ إلى الثقة ويترك الضعيف.
- نصر بن مزاحم المنقري: ووجدت أن أغلب مادته في أحداث علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه يتوافق مع ما ذكره نصر بن مزاحم المنقري وذلك بعد الرجوع إلى كتاب نصر المسمى (وقعة صفِّين).
(1)
الفهرست 1/ 150.
(2)
بكر أبو زيد: طبقات النسابين 24.
(3)
الذهبي: السير 4/ 196، ابن حجر: التقريب 225.
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 18 من طريق أبي مخنف عن مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب.
وهو نصر بن مزاحم بن سيار المنقري، أبو الفضل من طبقة أبي مخنف، له من الكتب كتاب الجمل، وكتاب صفين، ومقتل حجر بن عدي، ومقتل الحسين رضي الله عنه والمختار بن أبي عبيد
(1)
.
وهو كوفي قال ابن حجر: رافضي جلد، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين
(2)
.
- أبو مخنف الأزدي:
هو أحد المؤرخين الكبار والرواة المشهورين، سجل له في الكتب العديد من الروايات.
وأبي مخنف هذا هو لوط بن يحيى بن مخنف بن سليمان بن الحارث الأزدي الكوفي، كان راوية أخباريًّا صاحب تصانيف في الفتوح وحروب الإسلام، مات سنة سبع وخمسين ومائة
(3)
.
قال عنه ابن عدي في الكامل: (حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالح، ولا يبعد منه أن يتناولهم، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم)
(4)
.
(قال عنه يحيى ليس بثقه، وقال مرة ليس بشيء، وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث وقال الدار قطني: ضعيف)
(5)
.
وأبو مخنف هذا مختص بأمر العراق وفتوحاتها، وأخبارها، يزيد على غيره
(6)
.
وصاحب الكتاب اعتمد على روايات أبي مخنف وأكثر منها، وخصوصًا
(1)
الصفدي: الوفيات 27/ 56.
(2)
لسان الميزان 8/ 267.
(3)
الحموي: معجم الأدباء 5/ 2252.
(4)
/ 241.
(5)
ابن الجوزي: الضعفاء والمتروكين 3/ 28.
(6)
الحموي: معجم الأدباء 5/ 2252. هذا قول العلماء وجد بخط أحمد بن الحارث الخرار.
في أخبار العراق والفتن، وقد اتضح ذلك عند مقارنة أخباره بما جاء عند ابن جرير الطبري.
وقد عد له ابن النديم مجموعة من الكتب فقال: (وله من الكتب: كتاب الردة، كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب أهل النهروان والخوارج، كتاب الغارات، كتاب الحريث بن راشد وبني ناجية، كتاب مقتل علي رضي الله عنه، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب مقتل محمد بن أبي بكر والأشتر ومحمد بن أبي حذيفة، كتاب الشورى ومقتل عثمان رضي الله عنه، كتاب المستورد بن علفة، كتاب مقتل الحسين رضي الله عنه، كتاب وفاة معاوية رضي الله عنه وولاية ابنه يزيد ووقعة الحرة وحصار بن الزبير، كتاب المختار بن أبي عبيد، كتاب سليمان بن صرد وعين الوردة، كتاب مرج راهط وبيعة مروان ومقتل الضحاك بن قيس، كتاب مصعب وولايته العراق، كتاب مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، كتاب مقتل سعيد بن العاص، كتاب حديث يا حميرا ومقتل بن الأشعث، كتاب بلال الخارجي، كتاب نجدة أبي قبيل، كتاب حديث الأزارقة، كتاب حديث روستقبان، كتاب شبيب الخارجي وصالح بن مسرح، كتاب مطرف بن المغيرة، كتاب دير الجماجم وخلع عبد الرحمن بن الأشعث، كتاب يزيد بن المهلب ومقتله بالعقر، كتاب خالد بن عبد الله القسري ويوسف بن عمرو وموت هشام وولاية الوليد، كتاب يحيى كتاب الضحاك الخارجي)
(1)
.
وكتب أبي مخنف هذه تشبه إلى حد كبير الموضوعات التي تناولها صاحب الكتاب والتي أطال الحديث فيها، ولعله اعتمد في رواياته على أهل الأخبار من الكوفيين.
(1)
الفهرست 1/ 122.
أما في تاريخ الأمويين:
- الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كِبَار، من أقيال اليمن، أبو عمرو الهمداني، الشعبي، الإمام، علامة عصره، رأى عليًّا وصلى خلفه، وروى عن عدد كبير من الصحابة، توفي سنة أربع ومائة
(1)
.
وقد ذكره صاحب الكتاب في روايتين وكلها لا تصح عنه، وأكثر الأباطيل التي تروى عن الشعبي تأتي عن المجالد بن سعيد
(2)
وهو كوفي شيعي، وعنه الهيثم بن عدي.
- الهيثم بن عدي: الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد الطائي، أبو عبد الرحمن المنبجي الكوفي، الأخباري، قال عنه ابن معين والبخاري: ليس بثقة كذاب.
وقال ابن المديني: هو أوثق من الواقدي ولا أرضاه في شيء.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي.
قال أبو داود: كذاب، قال السعدي: ساقط قد كشف قناعه.
وروي عن جاريته أنها قالت: سيدي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب.
وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا اعتبارًا
(3)
،
(1)
الذهبي: السير 4/ 318.
(2)
المجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، من أهل الكوفة يروي عن الشعبي، وقد ضعفه أصحاب الحديث، قال ابن حبان: كان رديء الحفظ، يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به، وسُئل عنه يحيى بن معين: فقال كان ضعيفًا، وقد روى عن الشعبي فأكثر، وروى عنه الهيثم بن عدي، كان راوية بالأخبار والأنساب والأشعار، مات سنة 141 هـ. ابن حبان: المجروحين 3/ 11، الحموي: معجم الأدباء 5/ 2271.
(3)
ابن كثير: التكميل في الجرح والتعديل 2/ 49.
مات سنة ست ومئتين وكان يغمز عليه في نسبه
(1)
.
وقد أكثر منه صاحب الكتاب، مع أنه لم يصرح باسمه إلا في مواضع قليلة، وقد وجدت ذلك في المقارنة مع كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، والهيثم متهم بالكذب، وهو من الشعوبيين
(2)
، ويبدو أنه نهج نهجه في الشعوبية، وفي العهد العباسي يأخذ من الهيثم عن أبيه.
وأبو الهيثم: هو عدي بن عبد الرحمن بن زيد الطائي، شامي نزل العراق، قال الذهبي:(حديثه عزيز الوقوع وما علمت به بأسًا)
(3)
.
- علي بن حمزة الكسائي: وهو شيخ القراءة والعربية، اختار قراءة اشتهرت وصارت إحدى القراءات السبع، كان من أعلم الناس بالنحو والغريب والقرآن، كان ذا منزلة رفيعة عند الرشيد، وأدب ولده الأمين، مات الكسائي بالري 189 هـ
(4)
.
فقد جاء برواية واحدة عنه بقوله: (قال علي بن حمزة الكسائي: ولاني الرشيد تأديب محمد وعبد الله)
(5)
.
وهذه الرواية عبارة عن رؤيا، وقد جاء بتفسيرها ما يفيد أن الأمين سوف يحكم ثم جاءت بأوصاف مشينة له، ولم أقف على من تابع صاحب الكتاب على هذه الرواية، وهو غير موثوق.
(1)
ابن حجر: لسان الميزان 8/ 361.
(2)
جعله عبد الله السامرائي في كتابه الشعوبية 99 من ضمن الكتاب الذين لم يصرح في شعوبيتهم؛ لأنه قد ألف مجموعة من الكتب في ذم العرب والفخر بالفرس؛ منها كتاب المثالب، كتاب تاريخ العجم وبني أمية، وكتاب بغايا قريش، وكتاب أخبار الفرس.
(3)
تاريخ الإسلام 9/ 524.
(4)
الذهبي: السير 9/ 131.
(5)
الأخبار الطوال 387.
- الأصمعي: وقد تقدمت ترجمته، صرح صاحب الكتاب باسمه في مواضع وذلك في خلافة هارون الرشيد، وهو حديث بين الأصمعي وبين الرشيد عن خلافة الأمين والمأمون يحكي حكم المنجمين على خلافة الأمين والتعريض بفشله إن حكم، وظاهر هذه الرواية أنها من مفترياته وعجائبه ولم أجد من يتابعه عليها.
*
منهج صاحب الكتاب وأسلوبه:
لم يكن صاحب الكتاب من أهل التاريخ ويبدو أنه متطفل عليه، ويتضح هذا من منهجه الذي سلكه في كتابه، فقد عاث في الأخبار وعبث فيها من تقديم وتأخير وحذف وإضافة، وتفرد وتحريف.
وقد بدأ صاحب الكتاب بقوله: أنه وجد في ما كتبه أهل العلم بالأخبار الأولى، ثم ساق حديثه عن الأخبار وأكثر أخباره يبدأ بـ (قالوا)، ولم يذكر السند في ذلك إلا نادرًا، وأنه يختار رواية واحدة ولعلها هي التي يريدها، مما يوحي أن صاحب الكتاب كان لديه فكرة ومذهب يريد أن يثبتها، فقام بقراءة بعض من كتب التاريخ والأدب ثم صاغها بأسلوبه.
وقد تعامل مع المصادر التي أخذ منها مادته تعاملًا غريبًا، وذلك بتحريف الروايات تحريفًا يخدم مذهبه وميوله، وهذا يظهر مدى خبثه وسوء تدينه
(1)
.
وفي جملة منهج صاحب الكتاب أنه عرض تاريخ الفرس وأشاد بملكهم، ثم جاء على تاريخ العرب المسلمين واختار منه أشنعه، ومن ذلك الحروب والفتن التي قامت بينهم، وجعلها مادته الأساسية في كتابه بعد أن ربط الأحداث
(1)
حدث ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب ومنها على سبيل المثال تحريفه لكلام الحسن بن علي رضي الله عنه في قوله: (وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب، وفشل عن القتال، ولست أرى أن أحملكم على ما تكرهون). راجع الرواية رقم (1).
ببعضها، وأطال فيها وأقصر عن غيرها من الأمجاد، وأهمل الترتيب الزمني لها؛ لكي لا يرتبط به، ليثبت من خلال ذلك أن هذا هو تاريخهم.
*
المآخذ على كتاب الأخبار الطوال:
1 -
عدم اهتمامه بتسجيل سنوات الأحداث، مما يوحي أنه لم يعترف بالنظام الحولي الذي اعتمده السواد الأعظم من المؤرخين، ولعله عدل عن ذلك لكي لا يضطر لذكر الأحداث التي لا يريدها، وقد تسبب ذلك في خلط الأحداث ببعضها البعض من تقديم وتأخير، وكثر وهمه في أوقات الأحداث وأسماء الرجال
(1)
.
2 -
عدم ترَضِّيه عن جميع الصحابة.
3 -
ذكره رواية واحدة للخبر، مع حذفه للسند، ولعلَّها التي يريدُ أن تكونَ.
4 -
رواية المنكرات عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، وغيره من التابعين والخلفاء، ومن ذلك تصويره الصحابة رضوان الله عليهم في جهادهم بصور لا تليق بهم مثل الإغارة عند الحاجة إلى طعام وعلف لدوابهم ومن ذلك قوله:(وأقام رستم بدير الأعور معسكرًا أربعه أشهر، وأرادوا مطاولة العرب ليضجروا، وكان المسلمون إذا فنيت أزوادهم وأعلافهم جردوا الخيل، فأخذت على البر حتى تهبط على المكان الذي يريدون، ويغيرون، فينصرفون بالطعام والعلف والمواشي)
(2)
.
وقوله: (فقال أهل الحيرة للمثنى: إن بالقرب منا قرية فيها سوق عظيم، تقوم في كل شهر مرة، فتأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد، فإن قدرت
(1)
وهم صاحب الكتاب في زمن الأحداث وفي أسماء الرجال في مواضع كثيرة من كتابه، ومنها وهمه في اسم (الحصين بن تميم)؛ حيث استمر في تسميته (الحصين بن نمير) راجع الرواية (47).
(2)
الأخبار الطوال 120.
على الغارة على تلك السوق أصبت أموالًا رغيبة يعنون سوق بغداد، وكانت قريه تقوم بها سوق في كل شهر)
(1)
.
وأنهم ما خرجوا جهادًا في سبيل الله، وإنما كان خروجهم لكثرة ما يسمعون من توافر الذهب والفضة في أرض العدو.
كقوله: (وأرسل بذلك إلى عمر رضي الله عنه، وكتب إليه بالفتح، فتباشر الناس بذلك، وأكبوا على الرسول، يسألونه عن أمر البصرة، فقال: إن المسلمين يهيلون بها الذهب والفضة هيلًا، فرغب الناس في الخروج)
(2)
.
وأنهم لا يفرقون بين الملح والكافور بقوله: (فدخلها المسلمون، فأصابوا فيها غنائم كثيرة، ووقعوا على كافور كثير، فظنوه ملحًا، فجعلوه في خبزهم، فأمرّ عليهم)
(3)
.
وكل ذلك منه لتشويه الفتح الإسلامي العربي.
* * *
(1)
الأخبار الطوال 116.
(2)
المصدر السابق 117.
(3)
المصدر السابق 127.
الفصل الأول «أحداث خلافة معاوية رضي الله عنه
-»
- أولًا: صلح الحسن رضي الله عنه ووصول معاوية رضي الله عنه للخلافة.
- ثانيًا: خبر زياد بن أبيه مع معاوية رضي الله عنه.
- ثالثًا: مواقف الشيعة من صلح الحسن رضي الله عنه.
- رابعًا: مقتل حجر بن عدي.
- خامسًا: وفاة زياد وولاية العراق، ووفاة معاوية رضي الله عنه ووصيته.
أولًا: صلح الحسن بن علي رضي الله عنه
-
ووصول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه للخلافة
* خطبة الحسن بن علي رضي الله عنهما بعد وفاة أبيه:
[1]
- (قالوا: ولما بلغ معاوية قَتْلَ عَلِيٍّ تَجَهَّزَ، وقدم أمامه عبد الله بن عامر بن كريز
(1)
، فأخذ على عين التمر
(2)
، ونزل الأنبار
(3)
يريد المدائن
(4)
، وبلغ ذلك الحسن بن علي، وهو بالكوفة
(5)
، فسار نحو المدائن لمحاربة عبد الله بن عامر بن كريز، فلما انتهى إلى ساباط
(6)
رأى من أصحابه فشلًا وتواكلًا عن الحرب، فنزل ساباط، وقام فيهم خطيبًا، ثم قال: أيها الناس، إني قد أصبحت غير محتمل على مسلم ضغينة وإني ناظر لكم كنظري لنفسي، وأرى رأيًا فلا تردوا عليّ رأيي، إن الذي تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة، وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب، وفشل عن القتال، ولست أرى أن أحْمِلكم على ما تكرهون.
(1)
عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن عبد شمس، ولد سنة أربع من الهجرة، ولي البصرة لعثمان رضي الله عنه، ثم ولي البصرة لمعاوية رضي الله عنه. الاستيعاب لابن عبد البر 369/ 3.
(2)
وهي بلدة في الأنبار غربي الكوفة. معجم البلدان لياقوت الحموي 176/ 4.
(3)
الأنبار: بينها وبين مدينة السّلام اثنا عشر فرسخًا، وسمّيت بهذا الاسم تشبيهًا لها ببيت التاجر الّذي ينضد فيه متاعه وهي الأنبار. المسالك والممالك للبكري 429/ 1.
(4)
المدائن: وهي مسكن الملوك الأكاسرة؛ لأن كل ملك منهم يبني له مدينة، فسميت المدائن. ياقوت الحموي: معجم البلدان 74/ 4.
(5)
الكوفة: هي أحد العراقين والآخر البصرة، أسست على يد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عندما فتح المسلمون العراق سنة 17 هـ، اتخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه عاصمة له، وتقع على نهر الفرات وتبعد عن بغداد 156 كم. البلادي: معجم المعالم الجغرافية 267.
(6)
سباط ويسمى ساباط المدائن وهو في العراق إلى الجانب الغربي من دجلة. الحميري: الروض المعطار 297.
فلما سمع أصحابه ذلك نظر بعضهم إلى بعض، فقال من كان معه ممن يرى رأي الخوارج: كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله، فَشَدَّ عليه نفر منهم، فانتزعوا مصلاه من تحته، وانتهبوا ثيابه حتى انتزعوا مطرفه عن عاتقه، فدعا بفرسه، فركبها، ونادى: أين ربيعة وهمدان؟ فتبادروا إليه، ودفعوا عنه القوم.
ثم ارتحل يريد المدائن، فَكَمِنَ له رجل ممن يرى رأي الخوارج، يُسمَّى الجراح بن قبيصة
(1)
من بني أسد بمظلم ساباط، فلما حاذاه الحسن قام إليه بمغوَل
(2)
فطعنه في فخذه، وحمل على الأسدي عبد الله بن خطل
(3)
وعبد الله ابن ظبيان
(4)
، فقتلاه.
ومضى الحسن رضي الله عنه مثخنًا حتى دخل المدائن، ونزل القصر الأبيض
(5)
، وعُولِجَ حتى برئ، واستعد للقاء ابن عامر)
(6)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(7)
، والطبري
(8)
، ...............................
(1)
اختلف في اسمه ولعل المشهور أنه الجراح بن سنان الأسدي حيث إنه ممن وشى بسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ومعه نفر من أصحابه، فدعى عليهم سعد رضي الله عنه، وقد لقي جزاءه فقد قطع بالسيوف عند طعنه للحسن رضي الله عنه بساباط. الطبري 121/ 4.
(2)
المغول: هو سوطٌ في جوفه سيفٌ دقيقٌ يشدّه الفاتك على وسطه ليغتال به النّاس. لسان العرب لابن منظور 510/ 11.
(3)
اختلف في اسمه ولم أقف على ترجمته. ففي مقاتل الطالبيين 72: عبد الله بن الخطل، وفي أنساب الأشراف 3/ 35: عبد الله بن الحصل.
(4)
لعل الصحيح من اسمه ظبيان بن عمارة كما ذكرت المصادر السابقة، يقول ابن حجر في ترجمته:"ذكره في التابعين ابن أبي حاتم، وابن حبان، وقرأت بخط الذهبي: لا صحبة له". الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 453/ 3.
(5)
القصر الأبيض: وهو قصر كسرى وهو الإيوان، وبه مقام الأكاسرة في المدائن. البكري: المسالك والممالك 430/ 1.
(6)
الأخبار الطوال 216، 217.
(7)
الطبقات، الطبقة الخامسة من الصحابة (ت د. محمد السلمي) 1/ 321.
(8)
التاريخ 5/ 159.
والبلاذري
(1)
مطولًا، وأوردها الحاكم في المستدرك مطولًا
(2)
.
• نقد النص:
ذكر في هذه الرواية أن معاوية رضي الله عنه لَمَّا سَمِعَ بموت عليٍّ رضي الله عنه تجهز، وهذا يعني أن المبادرَ بالخروج معاوية رضي الله عنه، فهذا الخبر غير صحيح؛ لأن الْمُبَادِر بالخروج لقتال أهل الشام، هم أهل العراق مع الحسن رضي الله عنه، وأنه كان كارهًا لذلك وسوف أورد بعض الآثار التي تؤيد ذلك.
(3)
(قال المحقق: إسناده لا بأس به)
(4)
.
وعنه أيضا: (أن الحسن بن علي قام بعد وفاة علي رضي الله عنهما فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كل ما هو آتٍ قريب، وإن أمر الله واقع، وإن كره الناس، وإني والله ما أحببتُ أن أَلِيَ مِنْ أمر أمة محمد ما يزن مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دمٍ، قد علمت ما يضرني بما ينفعني فألحقوا بطيتكم)
(5)
.
(قال المحقق: إسناده صحيح)
(6)
.
(1)
الأنساب 3/ 35.
(2)
المستدرك 3/ 190.
(3)
الطبقات، الطبقة الخامسة من الصحابة (ت د. محمد السلمي) 1/ 320.
(4)
المصدر السابق 1/ 320.
(5)
الطبقات 1/ 317 (ت د. محمد السلمي)، وأخرجه الإمام أحمد فضائل الصحابة (2/ 773) برقم 1364، والآجري في الشريعة (5/ 2169)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 8/ 1537، ونعيم بن حماد في الفتن 1/ 173.
(6)
المصدر السابق 1/ 317.
(1)
.
ويقول ابن كثير رحمه الله معلقًا على بيعة الحسن رضي الله عنه: «ولم يكن في نيّة الحسن أن يقاتل أحدًا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعًا عظيمًا لم يُسْمَع بمثله»
(2)
.
وأما عن قوله: إن معاوية رضي الله عنه جعل عبد الله بن عامر رضي الله عنه في المقدمة. فهذا لا يصح أيضًا؛ لأن عبد الله بن عامر رضي الله عنه بعثه معاوية رضي الله عنه لمفاوضة الحسن رضي الله عنه على الصلح كما سيأتي بيان ذلك في خبر الصلح مع الحسن رضي الله عنه.
وقد ذكر البلاذري
(3)
أن الذي كان على مقدمة معاوية رضي الله عنه هو بسر بن أرطأة
(4)
.
وفي هذه الرواية نُهِبَ الحسن رضي الله عنه، واختلفت المصادر في سبب
نهْبِه رضي الله عنه والاعتداء عليه إلى سببين هما:
- الأول: أن سبب ذلك هو ما شاع في الجيش أن قيس بن سعد رضي الله عنه
(5)
قد
(1)
البلاذري: الأنساب 29/ 3.
(2)
البداية والنهاية 16/ 8.
(3)
الأنساب 3/ 38.
(4)
بسر بن أرطأة أو ابن أبي أرطأة واسم أبي أرطأة عمير بن عويمر القرشي العامري، يكنى أبو عبد الرحمن، مختلف في صحبته، شهد فتح مصر، وكان من شيعة معاوية رضي الله عنه، وقد وجه إلى الحجاز واليمن أول سنة أربعين، قال عنه ابن حبان:(كان يلي لمعاوية الأعمال، وكان إذا دعا ربما استجيب له، وله أخبار في الفتن لا ينبغي التشاغل بها)، قيل: توفي في خلافة معاوية رضي الله عنه وقيل: بقي إلى خلافة عبد الملك. ابن حجر: الإصابة 1/ 421. قلت: يكثر اتهامه بفعل المنكرات وذلك نكاية بصحبته لمعاوية رضي الله عنه.
(5)
قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري رضي الله عنه، سيد الخزرج وابن سيدهم، دفعه أبوه إلى
الرسول صلى الله عليه وسلم ليخدمه، وهو منه بمنزلة صاحب الشرطة، وكان جوادًا، شجاعًا، يستدين ليطعم، يعد من دهاة العرب، ولَّاه علي إمرة مصر، وشهد معه حرب الخوارج والنهروان وصفين، ثم دخل مع الحسن رضي الله عنه في صلحه، ورجع إلى المدينة، اختلف في وفاته قيل: في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه وقيل: سنة إحدى وستين. ابن الجوزي: المنتظم 5/ 316. الذهبي: السير 3/ 102.
قُتِلَ، وقد كان يتولى مقدمة الحسن رضي الله عنه
(1)
.
- الثاني: أن السبب هو الخطبة
(2)
؛ لأن الحسن رضي الله عنه كشف عن نيته الصلح مع معاوية رضي الله عنه، وهذا يتعارض مع عزم العسكر على مكاشفة أهل الشام؛ ولذلك فعلوا ما فعلوا به رضي الله عنه، ولعل هذا هو الأقرب، والله أعلم.
ثم ذكر صاحب الكتاب زيادةً وتحريفًا في الخطبة لا يصح عن الحسن رضي الله عنه وهي قوله: (وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب، وفشل عن القتال، ولست أرى أن أَحْمِلَكُم على ما تكرهون).
وهذا يعني أن الحسن رضي الله عنه يريد القتال لو وَجَدَ مَنْ يسانده في ذلك، وهذه الزيادة انفرد بها صاحب الكتاب.
وهذا مخالف لما جاءت به المصادر التي أوردت هذه الخطبة مثل البلاذري والأصفهاني، فقد ورد فيها قول الحسن رضي الله عنه:(إني أرجو أن أكون أنصح خَلْقِهِ لِخَلْقِهِ، وما أنا محتمل على أحد ضغينة ولا حقدًا، ولا مريد به غائلة ولا سوءًا، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليّ، غفر اللّه لي ولكم)
(3)
.
ثم إنه ذكر أن الذين انتهبوا الحسن رضي الله عنه هم من الخوارج، وقد انفرد بهذا
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 321 (ت د. محمد السلمي)، الطبري: التاريخ 5/ 159.
(2)
البلاذري: الأنساب 3/ 35.
(3)
البلاذري: الأنساب 3/ 34. الأصفهاني: مقاتل الطالبيين 71.
أيضًا، وظاهر الأمر أن مَنْ فعل هذا هم جيشه وشيعته وهو السبب الذي جعله يَنْفُرُ منهم، ومما يدل على هذا ما قاله الحسن رضي الله عنه لأهل العراق: (يا أهل العراق، لو لم تذهل
(1)
نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم أبي، ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي أو قال: ردائي عن عاتقي)
(2)
، ويتجلّى ذلك في اعتراضهم على صلحه كما سيأتي، ولعل صاحب الكتاب أراد أن ينفي
التهمة عن الشيعة في هذا الحدث، وإنما جاء ذكر الخوارج في الرجل الذي طعنه
(3)
.
وأما حادثة الطعن التي تعرض لها الحسن رضي الله عنه وهي المحاولة الثانية
(4)
، أما الأولى فهي بعد ما استُخْلِفَ فقد روى ابن سعد بسنده عن أبي جميلة
(5)
أنه قال: (إن الحسن بن علي لَمَّا استُخْلِف حين قُتِلَ عليٌّ، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر- وزعم حصين
(6)
أنه بلغه أن الذي طعنه رجلٌ من بني أسد- وحسن ساجد، قال حصين: وعمي أدرك ذاك. قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وَرِكِهِ فمرض منها أشهرًا ثم برئ، فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم وضيفانكم أهل البيت الذين قال الله: {إِنَّمَا
(1)
تذهل: الذهل: تركك الشّيء تناساه على عمد. الخليل بن أحمد: العين 4/ 39.
(2)
ابن سعد: الطبقات 1/ 324 (ت د. محمد السلمي)، وبنحوه الطبري: التاريخ 5/ 159.
(3)
البلاذري: الأنساب 3/ 35.
(4)
هذه من استنباطات د. خالد الغيث في كتابه مرويات خلافة معاوية ص 126؛ حيث ذكر أن الحسن رضي الله عنه قد تعرض للاغتيال مرتين.
(5)
ميسرة بن يعقوب الكوفي صاحب راية علي رضي الله عنه وروى عنه، وعن عثمان رضي الله عنه، وعن الحسن رضي الله عنه، وثقه ابن حبان. التهذيب التهذيب لابن حجر 10/ 378.
(6)
حصين بن عبد الرحمن السلمي أبو هذيل، ثقة مأمون، من كبار أصحاب الحديث، وثقه ابن معين، والعجلي. تهذيب التهذيب لابن حجر 2/ 381.
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}
(1)
قال: فما زال يقول ذاك حتى ما يرى أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن بكاءً)
(2)
. [قال المحقق إسناده صحيح حيث توبع]
(3)
.
وقد أشار إليها الطبري حيث روى بسنده عن الزهري
(4)
أنه قال: (بايع أهل العراق الحسن رضي الله عنه بن عليٍّ رضي الله عنه بالخلافة، فطفق يشترط عليهم الحسن: إنّكم سامعون مطيعون، تُسَالِمون من سَالَمْت، وتحاربون من حاربت، فارتاب أهل العراق في أمره حين اشترط عليهم هذا الشّرط، وقالوا: ما هذا لكم بصاحبٍ، وما يريد هذا القتال، فلم يلبث الحسن رضي الله عنه بعد ما بايعوه إلا قليلا حتّى طُعِنَ طعنةً أشوته، فازداد لهم بغضًا، وازداد منهم ذعرًا)
(5)
.
وقد دلَّ ذلك على أن أهل العراق عرفوا نية الحسن رضي الله عنه في الصلح من أول خلافته، ولذلك حاول بعضهم اغتياله قبل الوصول إلى الصلح الذي لا يرغبون فيه.
[2]
- (وأقبل معاوية حتى وافى الأنبار، وبها قيس بن سعد بن عبادة من قبل الحسن فحاصره معاوية، وخرج الحسن فوافق عبد الله بن عامر، فنادى عبد الله بن عامر: يا أهل العراق، إني لَمْ أَرَ القتال، وإنما أنا مقدمة معاوية، وقد وافى الأنبار في جموع أهل الشام فأقرءوا أبا محمد -يعني الحسن- مني السلام، وقولوا له: أنشدك الله في نفسك وأنفس هذه الجماعة التي معك. فلما سمع ذلك
(1)
سورة الأحزاب آية 33.
(2)
الطبقات 1/ 323 (ت د. محمد السلمي).
(3)
المصدر السابق 1/ 323.
(4)
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري متفق على جلالته وإتقانه وثبته، وهو من رءوس الطبقة الرابعة. ابن حجر: تقريب التهذيب 1/ 506.
(5)
الطبري: التاريخ 5/ 162.
الناس انخذلوا وكرهوا القتال، وترك الحسن الحرب، وانصرف إلى المدائن، وحاصره عبد الله بن عامر بها)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
• نقد النص:
جاء في هذه الرواية أن عبد الله بن عامر رضي الله عنه حاصر الحسن رضي الله عنه، ولم أقف على رواية تثبت ذلك، ولعل صاحب الكتاب يريد توكيد المحاصرة؛ ليفهم أن الحسن رضي الله عنه أُرغم على الصلح وهو لا يريده.
* وقوع الصلح بين الحسن ومعاوية رضي الله عنهما:
[3]
- (ولما رأى الحسن من أصحابه الفشل أرسل إلى عبد الله بن عامر بشرائط اشترطها على معاوية على أن يسلم له الخلافة، وكانت الشرائط: ألا يأخذ أحدًا من أهل العراق بإحنة
(2)
، وأن يُؤمِّن الأسود والأحمر، ويَحْتَمِل ما يكون من هفواتهم، ويَجْعَل له خراج الأهواز مُسَلَّمًا في كل عام، ويحمل إلى أخيه الحسين بن على في كل عام ألفي ألف، ويُفَضِّلُ بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس.
فكتب عبد الله بن عامر بذلك إلى معاوية، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه له العهود المركبة والأَيْمَان المغلظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء الشام، ووجه به إلى عبد الله بن عامر، فأوصله إلى الحسن رضي الله عنه، فرضي به)
(3)
.
(1)
الأخبار الطوال 217.
(2)
إحنة: بكسر الألف أي حقد. الخطابي: غريب الحديث 2/ 529.
(3)
الأخبار الطوال 218.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(1)
مطولًا، وخليفة بن خياط مختصرًا
(2)
، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
وقد انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية في ذكره أن الحسن رضي الله عنه شرط لأخيه الحسين رضي الله عنه معه وبذكره الأيمان المغلظة، وهذه الرواية تحكي أن الصلح تم بين الحسن رضي الله عنه، ومعاوية رضي الله عنه، وذكرت بعض هذه المصادر السابقة شروط هذا الصلح، ولم تتفق على شيء معين ثابت يمكن الأخذ به، وقد جعلت الاعتماد على المال هو الأساس؛ لتسليم الحسن رضي الله عنه الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، وأن الحسن رضي الله عنه أخذ لنفسه ولمن معه ما يستطيع من معاوية رضي الله عنه. وما ذكرته هذه الرواية إلا مثالًا لذلك التصور، وأما عن حقيقة الأمر فهو مخالف لما تذكره بعض الروايات التي سيقت بأهواء مضللة جانبت الصواب فيه وعَدَلَتْه عن هدفه السامي، فهو أمر عظيم، وفعل جسيم، كان رائده الحسن رضي الله عنه.
وسوف أورد جملة من الشواهد والآثار التي من خلالها نتعرف على حقيقة هذا الصلح:
1 -
أنه من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد أخبر عن هذا الصلح، وأثنى على الحسن رضي الله عنه، فقد روى البخاري في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«ابني هذا سيّدٌ، ولعلّ اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»
(5)
.
2 -
روى البخاري في صحيحه هذا الصلح، وبيَّن كيفيته، من طريق
(1)
الطبقات 1/ 319 (ت د. محمد السلمي).
(2)
التاريخ 203.
(3)
الأنساب 3/ 41.
(4)
التاريخ 5/ 159.
(5)
الصحيح 5/ 26.
الحسن البصري
(1)
حيث قال: «استقبل واللّه الحسن بن عليٍّ معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنّي لأرى كتائب لا تولّي حتّى تقتل أقرانها، فقال له معاوية وكان واللّه خير الرّجلين: أي عمرو، إنْ قَتَلَ هَؤلاءِ هؤلاءِ، وهؤلاء هؤلاء مَنْ لِي بأمور النّاس؟ مَنْ لي بنسائهم؟ مَنْ لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريشٍ من بني عبد شمسٍ: عبد الرّحمن بن سمرة
(2)
، وعبد الله بن عامر بن كريزٍ، فقال: اذهبا إلى هذا الرّجل، فاعرضا عليه، وقولا له: واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه وتكلّما، وقالا له: فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن عليٍّ: إنَّا بنو عبد المطّلب، قد أصبنا من هذا المال، وإنّ هذه الأمّة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فَمَنْ لي بهذا، قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلّا قالا: نحن لك به، فصالحه»
(3)
.
قال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث: «قال المهلب
(4)
: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيد» يدل أن السيادة إنما يستحقها من انتفع به الناس؛ لأنه علَّق السيادة بالإصلاح بين الناس ونفعهم، هذا معنى السيادة. وقوله:(إنْ قَتَلَ هؤلاء هؤلاء) يدل على نظر معاوية في العواقب ورغبته في صرف الحرب. وقوله:
(1)
الحسن بن أبي يسار، أبو سعيد البصري، مولى زيد بن ثابت رضي الله عنه، وأمه مولاة أم سلمة رضي الله عنها أم المؤمنين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، شهد يوم الدار وعمره أربعة عشرة سنة، كان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا، روى عن جملة من الصحابة، توفي سنة 110 هـ. الذهبي: السير 4/ 563.
(2)
عبد الرحمن بن سمرة: عبدالرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، يكنى أبا سعيد، أسلم يوم فتح مكة. وصحب النبي صلى الله عليه وسلم. الاستيعاب لابن عبد البر 2/ 835.
(3)
الصحيح 2/ 186.
(4)
المهلب بن أحمد بن أبي صفرة بن أسيد بن عبد الله الأسدي، الأندلسي، أحد الأئمة، له مصنف شرح صحيح البخاري ت 435 هـ. الذهبي: السير 17/ 579.
(وكان والله خير الرجلين) يريد معاوية خير من عمرو بن العاص. وقوله: (اذهبا إلى هذا الرجل واطلبا إليه وأعرضا عليه) يدل على أن معاوية كان الراغب في الصلح، وأنه عرض على الحسن المال وبذله ورغبه فيه حقنًا للدماء وحرصًا على رفع سيف الفتنة، وعرفه ما وعد به النبى صلى الله عليه وسلم من سيادته، وأن الله يصلح به بين فئتين من المسلمين، فقال له الحسن: إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالي، وقد أصبْنَا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة إنفاق وإفضال على الأهل والحاشية، فإن تخليت من هذا الأمر قطعنا العادة (وإن هذه الأمة قد عاثت فى دمائها) يقول: قتل بعضها بعضًا فلا يكفون إلا بالمال، فأراد أن يسكن أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال، فقالا: نفرض لك من المال فى كل عام كذا ومن الأقوات والثياب ما تحتاج إليه لكل ما ذكرت، فصالحاه على ذلك. وفيه من الفقه: أن الصلح على الانخلاع من الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز للمختلع والمال له طيب، وكذلك هو جائز للمصالح الدافع المال إذا كان كل واحد منهما له سبب فى الخلافة يستند إليه، وعقد من الإمارة يعول عليه»
(1)
.
وقد علق ابن حجر رحمه الله على هذا الصلح في شرحه لحديث البخاري السابق بقوله: «وفي هذه القصّة من الفوائد علمٌ من أعلام النّبوّة، ومنقبةٌ للحسن بن عليٍّ، فإنّه تَرَكَ الْمُلْك لا لقلّةٍ ولا لذلّةٍ ولا لعلّةٍ، بل لرغبته فيما عند اللّه؛ لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدّين ومصلحة الأمّة، وفيها ردٌّ على الخوارج الّذين كانوا يكفّرون عليًّا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النّبيّ صلى الله عليه وسلم للطّائفتين بأنّهم من المسلمين»
(2)
.
(1)
شرح صحيح البخاري (8/ 95)
(2)
فتح الباري 13/ 66.
وقد ذكر ابن تيمية كلامًا عن الصلح بعد أن ساق الحديث السابق أيضًا فقال: «فأصلح اللّه بالحسن بين أهل العراق وأهل الشّام فجعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم الإصلاحَ به من فضائل الحسن، مع أنّ الحسن نزل عن الأمر وسلّم الأمر إلى معاوية، فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم يمدحه النّبيّ صلى الله عليه وسلم على ترك ما أمر به، وفَعْلِ ما لم يؤمر به، ولا مدحه على تَرْكِ الأولى وفِعْلِ الأدنى، فعلم أنّ الّذي فعله الحسن هو الّذي كان يحبّه اللّه ورسوله لا القتال»
(1)
.
3 -
إن ما تم بين الحسن رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه كان سرًّا في تفاصيله، وأصح ما خرج منه هو ما ذكره البخاري في حديثه السابق، ومما يؤيد ذلك ما أخرجه ابن سعد بسنده عن عمرو بن دينار
(2)
(3)
(قال المحقق: إسناده صحيح)
(4)
.
4 -
جاءت الآثار أن الحسن رضي الله عنه سلم الأمر لمعاوية رضي الله عنه وبايعه، وأمر أصحابه أن يبايعوا له؛ حيث روى ذلك ابن سعد بسنده عن هلال بن خباب
(5)
أنه قال: «جمع الحسن بن علي رءوس أصحابه في قصر المدائن، فقال: يا أهل العراق، لو لم تذهل
(6)
نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم أبي،
(1)
مجموع الفتاوى الكبرى 3/ 560.
(2)
عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، مولاهم ثقة ثبت، من الرابعة مات سنة 126 هـ. ابن حجر: التقريب 421.
(3)
الطبقات 1/ 330 (ت د. محمد السلمي).
(4)
المصدر السابق 1/ 330.
(5)
هلال بن خباب العبدي، مولاهم، أبو العلاء البصري، نزيل المدائن، صدوق، تغير بأَخرةٍ، من الخامسة. ابن حجر التقريب 575.
(6)
تذهل: الذهل: تركك الشّيء تناساه على عمد. الخليل بن أحمد: العين 4/ 39.
ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي أو قال: ردائي عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني أن تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا قال: ثم نزل فدخل القصر»
(1)
، (قال المحقق: إسناده حسن)
(2)
.
هذا ما تم عليه الصلح بين الصحابيين الجليلين الحسن ومعاوية رضي الله عنهما بطريقة تسمو بقدرهما وبقدر من معهما من ذلك الجيل العظيم، بعيدًا عن جميع الروايات التي شوهت صورة هذا الصلح، وجاءت به بطريقة هشة لا تحاكي إلا من رواها.
نستخلص مما سبق من النصوص التي وردت عن صلح الحسن رضي الله عنه ما يلي:
- أورد البخاري في حديثه عن الصلح ذكر المال ولم يورد تفاصيله.
- غموض أكثر التفاصيل الدقيقة في الصلح وسريته.
- أن الصلح كان من نية الحسن رضي الله عنه من بداية خلافته؛ لأنه لم يكن غائبًا عنه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيه.
- أن الحسن رضي الله عنه بذكائه استطاع أن يُلْزِمَ أتباعه بالصلح؛ حينما شَرَطَ عليهم المسالمة في أول بيعته، فلما جاء الصلح ذكرهم ببيعتهم له؛ ولذلك تابعه أصحابه للعهد الذي قد تم بينه وبينهم، ولم يخالف إلا قليل منهم لا يكاد يذكر.
* صُلْحُ قيس بن سعد رضي الله عنه.
[4]
- (وكتب إلى قيس بن سعد بالصلح، ويأمره بتسليم الأمر إلى معاوية، والانصراف إلى المدائن، فلما وصل الكتاب بذلك إلى قيس بن سعد قام في الناس، فقال: أيها الناس، اختاروا أحد الأمرين: القتال بلا إمام، أو
(1)
الطبقات 1/ 324 (ت د. محمد السلمي).
(2)
المصدر السابق 1/ 324.
الدخول في طاعة معاوية، فاختاروا الدخول في طاعة معاوية)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
، وابن أبي شيبة
(4)
.
ومما ورد في صلح قيس بن سعد رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه.
فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي أسامة
(5)
عن هشام
(6)
عن أبيه
(7)
أنه قال: (كان قيس بن سعد بن عبادة مع عليٍّ على مقدّمته ومعه خمسة آلافٍ قد حلقوا رءوسهم بعدما مات عليٌّ، فلمّا دخل الحسن في بيعة معاوية أَبَى قيسٌ أن يدخل، فقال لأصحابه: «ما شئتم، إن شئتم جالدتُ بكم أبدًا حتّى يموت الأعجل، وإنّ شئتم أخذتُ لكم أمانًا»، فقالوا: خذ لنا أمانًا، فأخذ لهم أنّ لهم كذا وكذا، وألَّا يعاقبوا بشيءٍ، وأنّي رجلٌ منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصّةً شيئًا، فلمّا ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كلّ يومٍ جزورًا حتّى بلغ)
(8)
.
دلّت هذه الآثار أن قيسًا رضي الله عنه كان في مقدمة الحسن رضي الله عنه، فخيّر أصحابه بين القتال أو الدخول في البيعة مع الحسن رضي الله عنه فاختاروا الدخول في البيعة، وقد رَفَضَ البيعة في أول الأمر، ثم دخل بعد ذلك معهم وبايع وانصرف إلى المدينة.
(1)
الأخبار الطوال 218.
(2)
الأنساب 3/ 50.
(3)
التاريخ 5/ 160
(4)
المصنف 7/ 472.
(5)
حماد بن أسامة القرشي الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس. ابن حجر التقريب 1/ 177.
(6)
هشام بن عروة بن الزبير، ثقة، فقيه، مات سنة خمس وأربعين أوست وأربعين ومائة. ابن حجر: التقريب 1/ 573.
(7)
عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، وأمه أسماء بنت أبي بكر، ولد سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، أحد الفقهاء السبعة، لزم عائشة رضي الله عنها وتفقه منها. الذهبي: سير أعلام النبلاء 4/ 421.
(8)
المصنف برقم 7/ 472، وفي الاستيعاب لابن عبد البر 3/ 1291
* دخول معاوية رضي الله عنه الكوفة:
[5]
- (فسار
(1)
حتى وافى المدائن، وسار الحسن بالناس من المدائن حتى وافى الكوفة، ووافاه معاوية بها، فالتقيا، فوكد عليه الحسن رضي الله عنه تلك الشروط والأيمان. ثم سار الحسن بأهل بيته حتى وافى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
، والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
.
ذكرت هذه المصادر السابقة أن الحسن رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه اجتمعوا بالكوفة، وأن الحسن رضي الله عنه خطب الناس بعد أن سلم الأمر، وقد انفرد صاحب الكتاب بذكر تأكيد الشروط والإيمان.
وكان صلح الحسن رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه في سنة إحدى وأربعين للهجرة، ويسمى ذلك عام الجماعة
(6)
، وذلك لاجتماع كلمة المسلمين على رجل واحد
(7)
.
* تعيين معاوية رضي الله عنه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على الكوفة:
[6]
- (وأخذ معاوية أهل الكوفة بالبيعة، فبايعوا، واستعمل عليهم المغيرة بن شعبة
(8)
، وسار منصرفًا في جموعه إلى الشام، فمكث المغيرة بن
(1)
أي الحسن رضي الله عنه.
(2)
الأخبار الطوال 218.
(3)
الطبقات 1/ 328 (ت د. محمد السلمي).
(4)
الأنساب 3/ 43.
(5)
التاريخ 5/ 136.
(6)
خليفة بن خياط: التاريخ 203.
(7)
ابن كثير: البداية والنهاية 6/ 246.
(8)
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، تولى البصرة لعمر رضي الله عنه ثم الكوفة وبعد عمر رضي الله عنه أقره عثمان رضي الله عنه عليها، وهو ممن اعتزل الفتنة بعد قتل عثمان رضي الله عنه. ابن الأثير: أسد الغابة 5/ 238.
شعبة على الكوفة من قبل معاوية تسع سنين حتى مات بها)
(1)
.
ذكر نحوًا منها فيما يخص تولية المغيرة، ابن سعد
(2)
والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
.
أما ما ذُكِرَ عن ولاية المغيرة أنها تسع سنين فهذا هو الصحيح، ولكن ولايته على الكوفة لم تستمر حتى وفاته، فقد روى الطبري
(5)
بسنده أن المغيرة رضي الله عنه طلب من معاوية رضي الله عنه أن يعزله فعزله، وكانت وفاته سنة خمسين
(6)
، وقد رجَّح ذلك ابن الأثير فقال:(بهذه السّنة في شعبان كانت وفاة المغيرة بن شعبة، في قول بعضهم، وهو الصّحيح)
(7)
، وكذلك ذكر ابن كثير
(8)
أن الصحيح والمشهور من وفاته سنة خمسين.
(1)
الأخبار الطوال 218.
(2)
الطبقات 1/ 139 (ت د. عبد العزيز السلومي).
(3)
الأنساب 4/ 165.
(4)
التاريخ 5/ 166.
(5)
التاريخ 5/ 331.
(6)
وممن ذكر وفاته في هذه السنة ابن سعد: الطبقات 6/ 20، خليفة بن خياط 1/ 210، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 1/ 160، الطبري: التاريخ 5/ 234.
(7)
الكامل 3/ 59.
(8)
البداية والنهاية 5/ 360.
ثانيًا: خبر زياد بن أبيه مع معاوية رضي الله عنه
-
[7]
- (وكان زياد بن أبيه
(1)
إنما يُعرَفُ بزياد بن عبيد، وكان عبيدٌ مملوكًا لرجل من ثقيف، فتزوج سمية، وكانت أَمةٌ للحارث بن كلدة، فأعتقها، فولدت له زيادًا، فصار حرًّا، ونشأ غلامًا لقنًا
(2)
ذهنا
(3)
، عاقلًا أديبًا، فأخرجه المغيرة بن شعبة معه إلى البصرة حين وليها من قبل عمر بن الخطاب، فاستكتبه المغيرة)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
ابن عبد البر
(6)
، وابن عساكر
(7)
مطولًا.
* بين زياد ومعاوية رضي الله عنه:
[8]
- (فلما وَلِيَ علي بن أبي طالب ولّى زيادًا أرض فارس فلما توجه إلى صفين كتب معاوية إلى زياد يتوعده، فقام زياد في الناس، فقال: إن ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق كتب إليَّ يتوعدني، وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في
(1)
اختلف في اسمه فيقال: زياد بن عبيد الثقفي، وزياد بن أبي سفيان وزياد بن سمية وهي أمه، يكنى أبا المغيرة، ولد عام الهجرة، وقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسلم إلا في عهد الصديق رضي الله عنه، وهو أخو الصحابي أبو بكرة رضي الله عنه لأمه، سمع من عمر رضي الله عنه، وكان من نبلاء الرجال، رأيًا، وعقلًا، وحزمًا، ودهاءً، وفطنة، كتب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ولابن عباس رضي الله عنه، وللمغيرة رضي الله عنه، تولى إقليم فارس لعلي رضي الله عنه، وولي البصرة والكوفة لمعاوية رضي الله عنه، وتوفي سنة ثلاث وخمسين من الهجرة. الذهبي: سير أعلام النبلاء 4/ 475.
(2)
لقن: أي سريع الفهم. ابن دريد: جمهرة اللغة 2/ 975.
(3)
الذهن: الفهم والعقل والفطنة وحفظ القلب، وقيل: هي قوة في القلب معدة لاكتساب العلوم. الزبيدي: تاج العروس 35/ 69.
(4)
الأخبار الطوال 219.
(5)
الأنساب 5/ 187.
(6)
الاستيعاب 2/ 523.
(7)
تاريخ دمشق 19/ 164.
تسعين ألف مدجج من شيعته، أما والله لئن رامني ليجدني ضرَّابًا بالسيف)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
والطبري
(3)
.
• نقد النص:
هذه الرواية لم أقف على مَنْ أوردها بسند صحيح، وزيادة على ذلك نكارة متنها، ومنه الأوصاف التي طالت والدي معاوية رضي الله عنهم، ومن ذلك وصف أبي سفيان رضي الله عنه
(4)
برأس النفاق، ووصف هند بنت عتبة
(5)
رضي الله عنها بآكلة
الأكباد، وذلك نكاية لها لما روي عنها أنها أكلت كبد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه
(6)
.
وهنا وقفة وتساؤل: هل تصح هذه الألقاب عنهما؟.
أما عن أبي سفيان رضي الله عنه ووصفه برأس النفاق، فليس لهذا الوصف أساس من الصحة وفيه اتهام لإسلام أبي سفيان رضي الله عنه، وهو من أسلم وحسن إسلامه؛ بل ذهبت عيناه بالجهاد في سبيل الله، ومما يُذْكَرُ في حسن بلائه ما رُوِيَ عن سعيد بن المسيب
(7)
عن أبيه قال: (فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت
(1)
الأخبار الطوال 219.
(2)
الأنساب 5/ 189.
(3)
التاريخ 170/ 5، وفي سندها المجالد وهو ضعيف سبقت ترجمته.
(4)
اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو الأمراء، ولد قبل الفيل بعشر سنوات، قاد قريش يوم أحد والأحزاب، أسلم قبل الفتح، وشارك مع الرسول صلى الله عليه وسلم حنينًا والطائف وذهبت عينه يوم الطائف، والأخرى يوم اليرموك، توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه بالمدينة سنة إحدى وثلاثين وقيل: اثنتين وثلاثين. الأصفهاني: معرفة الصحابة. 2/ 1509. الذهبي: السير 2/ 105.
(5)
هند بنت عتبة بن ربيعة، أم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، كانت من أحسن نساء قريش وأعقلهن، أسلمت عام الفتح، وشهدت اليرموك. الذهبي: السير 143.
(6)
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم في مكة، وشهد بدر، يلقب بأسد الله، قتله وحشي يوم أحد. الذهبي: السير 1/ 171.
(7)
سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء،
من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، توفي بعد التسعين. ابن حجر: التقريب 241.
رجل يقول: يا نصر الله اقترب، قال: فنظرت فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد)
(1)
.
ثم إن رأس النفاق هو عبد الله بن أُبي ابن سلول
(2)
، وأن هذه الرواية قد ورد ما يخالفها في نفس الموضع، فعند الطبري (رئيس الأحزاب)
(3)
، وهو كذلك في غزوة الخندق قبل إسلامه.
أما عن أمه هند وقصتها المزعومة مع كبد حمزة رضي الله عنه، فسوف أذكر الطرق التي جاءت بهذا الخبر ومنها:
ذكر الواقدي
(4)
في مغازيه
(5)
أن وحشي عندما قتل حمزة رضي الله عنه شق بطنه وأخذ كبده وأحضرها لهند بنت عتبة، فمضغتها ثم لفظتها، فهذه الرواية بهذا السند لا تصح؛ لأن الواقدي ضعيف، وهي أيضًا لا تصح عن وحشي؛ لأنه لم يفعل بحمزة غير القتل، وقد أجاب عن ذلك عندما سُئِلَ، وحديثه في صحيح البخاري
(6)
، وذكر قصة هند بنت عتبة ابن إسحاق
(7)
من طريقين مرسلين
(8)
، والمرسل ضعيف، وأخرجها الإمام أحمد في مسنده
(9)
وفي سندها عطاء بن
(1)
الفسوي في المعرفة والتاريخ 3/ 300 وأخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 90 (ت د. محمد السلمي).
(2)
رأس المنافقين هو عبد الله بن أُبي ابن سلول وهو من الخزرج. الزركلي: الأعلام 4/ 65.
(3)
التاريخ 5/ 170.
(4)
محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي، متروك، مع سعة علمه، من التاسعة، ت 207. ابن حجر: التقريب 498.
(5)
/ 286.
(6)
/ 100.
(7)
ابن هشام: السيرة. 2/ 91، ومحمد بن إسحاق، صدوق يدلس. ابن حجر: التقريب 467.
(8)
العوشن: ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية 147.
(9)
المسند 7/ 418، مخرجًا ت: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد. وأيضًا جاءت عند ابن سعد في الطبقات 3/ 12.
السائب
(1)
، قال ابن كثير: وهذا إسناد فيه ضعف من جهة عطاء بن السائب، وصوب قوله الألباني
(2)
.
وابن سعد
(3)
بسنده عن هوذة بن خليفة
(4)
عن عوف
(5)
، قال يحيى بن معين (هوذة عن عوف ضعيف)
(6)
، والبيهقي
(7)
وفي سنده ابن لهيعة
(8)
وهو ضعيف.
وفي مسند عمر بن عبد العزيز للباغندي
(9)
وفي سندها عبد الله بن سلمة بن أسلم
(10)
وهو ضعيف، وبذلك لم أقف على خبر صحيح يثبت فعل هند بن عتبة بحمزة رضي الله عنه.
(1)
عطاء بن السائب، أبو محمد، ويقال أبو السائب الثقفي، الكوفي، صدوق قد اختلط من الخامسة، مات سنة 136 هـ. ابن حجر: التقريب 391.
(2)
العوشن: ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية 150.
(3)
الطبقات 3/ 12.
(4)
هوذة بن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكرة، الثقفي، سكن بغداد، قال عنه يحيى بن معين: ضعيف، وقال مرة ليس بمحمود ولما سئل عن ذلك قال: لم يأتِ أحد بهذه الأحاديث كما جاء بها، وقال عنه الإمام أحمد: ما كان أصلح حديثه، وقال: أرجو أن يكون صادقًا، وقدم بغداد وسمع من الأئمة، وقد أدركه البخاري ولم يخرج له في الصحيح، مات نحوًا من سنة 210 هـ. البغدادي: تاريخ بغداد 14/ 95. القزويني: الإرشاد 2/ 591.
(5)
عوف بن أبي جميلة هو عوف الأعرابي، العبدي البصري، ثقة رمي بالقدر والتشيع، من السادسة، مات سنة 147 هـ. الذهبي: ميزان الاعتدال 3/ 305، ابن حجر: التقريب 433.
(6)
القزويني: الإرشاد 2/ 591.
(7)
دلائل النبوة 3/ 282.
(8)
عبد الله بن لهيعة، اختلط آخر عمره وكثر عنه المناكير، وقد ضعفه يحيى بن معين. الجرجاني: الكامل 5/ 237. ابن حجر: طبقات المدلسين 45.
(9)
مسند عمر بن عبد العزيز 179.
(10)
عبد الله بن سلمة بن أسلم بن عاصم، ضعفه الدارقطني وغيره، وقال أبو نعيم متروك. ابن حجر: لسان الميزان 4/ 488.
* صلح معاوية رضي الله عنه مع زياد:
[9]
- (فلما قُتِلَ عليٌّ، واسْتدفَّ
(1)
الأمر لمعاوية تحصن زياد بقلعة مدينة اصطخر
(2)
، وكتب معاوية له أمانًا على أن يأتيه، فإن رضي ما يعطيه، وإلا رده إلى متحصنه بتلك القلعة)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
والطبري
(5)
مطولًا.
يُفْهَمُ من هذه الرواية والتي قبلها أن زياد بن أبيه كان مع علي رضي الله عنه وابنه الحسن رضي الله عنه، فلما صار الأمر إلى معاوية رضي الله عنه، اعتزل وتحصن بقلعته، فأرسل إليه معاوية رضي الله عنه أمانًا وصالحه.
ومما ذكره الطبري في إحدى رواياته. فقال: حدّثني عمر
(6)
، قال: حدّثنا عليٌّ
(7)
، عن مسلمة بن محاربٍ
(8)
، قال: (أقام زيادٌ في القلعة أكثر من سنةٍ، فكتب إليه معاوية: علامَ تهلك نفسك؟ إليّ فأعلمني علم ما صار إليك ممّا
(1)
استدفَّ: واسْتَدَفَّ أَمْرُهم؛ أَي اسْتَتَبّ وَاسْتَقَامَ. ابن منظور: لسان العرب (9/ 106).
(2)
اصطخر: مدينة من أقدم مدن فارس وأشهرها اسمًا. الحميري: الروض المعطار 34.
(3)
الأخبار الطوال 219.
(4)
الأنساب 5/ 189.
(5)
التاريخ 5/ 176.
(6)
عمر بن شبة النميري، نزيل بغداد، صدوق، من كبار الحادية عشر، ت 260 هـ. ابن حجر: التقريب 413.
(7)
علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني، أبو الحسن المدائني، مولى عبد الرحمن بن سمرة، صاحب التصانيف، قال عنه ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب أخبار معروف بالأخبار وأقل ما له من الروايات المسندة، وقال عنه ابن حجر: لم أره في الثقات، مات سنة 224 هـ أو 225 هـ. الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 364. ابن حجر: لسان الميزان، ت: أبو غدة 6/ 13.
(8)
مسلمة بن محارب الزيادي، روى عن أبيه وابن جريج، وروى المدائني عنه. ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 8/ 266، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
اجتبيت من الأموال، وما خرج من يديك، وما بقي عندك، وأنت آمنٌ، فإن أحببت المقام عندنا أقمت، وإن أحببت أن ترجع إلى مأمنك رجعت فخرج زيادٌ من فارس) إلى قوله:(فسأل معاوية زيادًا عمّا صار إليه من أموال فارس، فأخبره بما حمل منها إلى عليٍّ رضي الله عنه، وما أنفق منها في الوجوه الّتي يحتاج فيها إلى النّفقة، فصدّقه معاوية على ما أنفق، وما بقي عنده، وقبضه منه، وقال: قد كنت أمين خلفائنا)
(1)
.
هذا أحسن ما رُوِيَ عمَّا حدث بين معاوية رضي الله عنه وبين زياد، والملاحظ ثناء معاوية رضي الله عنه على زياد في آخر الخبر وهو قوله:(قد كنت أمين خلفائنا)؛ وذلك لأن عمر رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه قد ولوه
(2)
.
وقد ذكر ابن كثير
(3)
أن معاوية رضي الله عنه كتب لزياد يسأله القدوم عليه، وذلك في أحداث سنة اثنتين وأربعين.
* خبر ادعاء معاوية رضي الله عنه لزياد:
[10]
- (فسار إلى معاوية، وترقت به الأمور إلى أن ادعاه معاوية، وزعم للناس أنه ابن أبي سفيان، وشهد له أبو مريم السلولي
(4)
وكان في الجاهلية خمارًا بالطائف، أن أبا سفيان وقع على سمية بعد ما كان الحارث أعتقها، وشهد رجل من بني المصطلق، اسمه يزيد، أنه سمع أبا سفيان يقول: إن زيادًا
(1)
التاريخ 5/ 178.
(2)
ذكر ابن عبد البر بسنده في الاستيعاب 2/ 252. أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث زيادًا في إصلاح فساد وقع في اليمن.
(3)
البداية والنهاية 8/ 27.
(4)
أبو مريم السلولي واسمه مالك بن ربيعة رضي الله عنه له صحبة ورواية، وقد شهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم الحديبية. ابن حجر: الإصابة 5/ 536.
من نطفة أقرها في رحم أمه سمية، فتم ادعاؤه إياه، وكان في ذلك ما كان)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
مطولًا، والطبري
(3)
مختصرًا، وابن عبد البر
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
تَذْكُرُ هذه الرواية أن معاوية رضي الله عنه ادّعى زيادًا ونسبه إلى أبيه، وجعله أخًا له، ويُرْمَى بِثِقَلِ هذا الادّعاء على معاوية رضي الله عنه، وهذا لم يثبت ولا يصح عنه، لأني لم أقف على نص صريح صحيح يثبت ذلك.
وأما الآثار الضعيفة التي أوردت هذا الخبر مسندًا، فهي على النحو التالي:
- وردت رواية عند الطبري
(5)
عن عمر بن شبة
(6)
بصيغة التمريض (زعموا) وساق قصة في عبد الله بن عامر رضي الله عنه
(7)
، أنه قدح في نسب زياد إلى أبي سفيان، فغضب لذلك معاوية رضي الله عنه.
- وأخرى عند الطبري
(8)
أيضًا وفي سندها عبد الرحمن بن صالح
(9)
، وعمرو بن هاشم
(10)
وكلاهما فيه علة، وتحدثتْ أن زيادًا طلب من أهل
(1)
الأخبار الطوال 219.
(2)
الأنساب 5/ 192.
(3)
التاريخ 5/ 214.
(4)
الاستيعاب 2/ 525.
(5)
التاريخ 5/ 215. ولم يذكر بقية السند.
(6)
عمر بن شبة صدوق سبقت ترجمته.
(7)
سبقت ترجمته
(8)
التاريخ 5/ 215.
(9)
عبد الرحمن بن صالح الأزدي العتكي، نزيل بغداد، صدوق، يتشيع. ابن حجر: التقريب 1/ 343.
(10)
عمرو بن هشام الجنبي الكوفي، لين الحديث أفرط فيه ابن حبان. ابن حجر: التقريب 427.
الكوفة أن يلحقوا نسبه بمعاوية رضي الله عنه ورفضوا طلبه وذهب إلى البصرة وشهد له رجل بذلك.
- وذُكِر هذا الخبر مُسْنَدًا عند ابن عبد البر
(1)
، وفي سنده هشام بن السائب الكلبي
(2)
، وأبيه
(3)
، وكلاهما ضعيفان، وفيه أن عمر رضي الله عنه بعث زيادًا إلى اليمن لإصلاح فساد في اليمن، فلما رجع ألقى خطبة تعجب منه عمر رضي الله عنه ومدحه، فقال أبو سفيان رضي الله عنه لمن حوله: إني أعرف أبوه، فقال له علي رضي الله عنه: من هو يا أبا سفيان؟ فتمثل بأبيات بَيَّنَ فيها أنه ولده وأن عدم الإقرار به خوفًا من عمر رضي الله عنه، ثم بعد أن انضم زياد إلى علي رضي الله عنه، كتب إليه يحذره من معاوية رضي الله عنه ويقول له: إن اعتراف أبي سفيان رضي الله عنه بك كان فلتة منه لا تستحق بها نسبًا ولا ميراثًا، ففرح زياد بهذا واعتبره شهادة من علي رضي الله عنه له.
- وذكر ابن عساكر
(4)
قصة أبي مريم السلولي مع أبي سفيان في الجاهلية، وأنه جاء له بسُمَيَّة، وذلك من طريق أحمد بن عبيد الله بن كادش
(5)
، وهو ممن اعترف بوضع الأحاديث.
وأما ما يخص أبا سفيان رضي الله عنه وتبرير من اتهمه بالزنا أن ذلك كان في
(1)
الاستيعاب 2/ 525.
(2)
هشام بن محمد بن السائب الكلبي، الأخباري النسابة، قال أحمد بن حنبل أنه كان صاحب سمر ونسب ما ظننت أن أحد يحدث عنه، وقال الدارقطني وغيره متروك، وقال ابن عساكر رافضي ليس بثقة، مات سنة أربع ومئتين. الذهبي: ميزان الاعتدال 4/ 305.
(3)
محمد بن السائب الكلبي، النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض. ابن حجر: التقريب (479).
(4)
تاريخ دمشق 19/ 173.
(5)
أحمد بن عبيد الله بن كادش، قال عنه ابن النجار: كان ضعيفًا في الرواية، مخلطًا، كذابًا، لا يحتج به وللأئمة فيه أقوال، وقال السمعاني: كان ابن ناصر يسيء القول فيه. الذهبي: سير أعلام النبلاء 19/ 559 ط. وذكره الذهبي في ذيل ديوان الضعفاء، أنه اعترف بوضع الحديث 1/ 17.
الجاهلية، فمن شيم العرب وخصوصًا الشرفاء منهم الترفع عن الدناءة، وما يمس المروءة حتى في جاهليتهم، وأبو سفيان من الشرفاء السادة في الجاهلية فقد أنف أن يكَذَّب، وخاف أن تؤخذ عليه، وذلك حينما سأله قيصر الروم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقصته رواها البخاري ومسلم
(1)
، فكيف بالزنا وهو أشد من الكذب؟!!
- وأصح ما ورد في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي عثمان النهدي
(2)
أنه قال: لمّا ادّعي زيادٌ لقيت أبا بكرة
(3)
، فقلت له: ما هذا الّذي صنعتم؟ إنّي سمعت سعد بن أبي وقّاصٍ، يقول: سَمِعَ أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «من ادّعى أبًا في الإسلام غير أبيه، يعلم أنّه غير أبيه، فالجنّة عليه حرامٌ» فقال أبو بكرة: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم
(4)
.
قلت: هذا الحديث الصحيح هو أصح ما ورد في قصة الادعاء، وهو خير دليل على براءة معاوية رضي الله عنه وزياد؛ لأن المخاطب بـ (أُدعى) يثبت أن الفاعل مجهول، وهذا له وجه آخر وهو أن أبي عثمان سمع بهذا الادعاء، مثل غيره، وجاء معاتبًا أبي بكرة رضي الله عنه؛ لأنه عرف المدّعى وجاء لمعاتبة أهله، ولو عرف المدعي وأنه معاوية رضي الله عنه، لما أتى إليهم، وبهذا لم يتبين لنا المدعي، وإنما عرفنا المدعى.
وأما النووي في شرحه لهذا الحديث فقال: (قال أبو عثمان لأبي بكرة: ما
(1)
البخاري: الصحيح 1/ 8. مسلم: الصحيح 3/ 1393.
(2)
عبدالرحمن بن مل، أبو عثمان النهدي، ثقة عابد، من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين. ابن حجر: التقريب 351.
(3)
أبو بكرة رضي الله عنه نفيع بن مسروح، اشتهر بكنيته، كان من فضلاء الصحابة، له رواية. ابن حجر: الإصابة 6/ 369.
(4)
الصحيح 1/ 80.
هذا الّذي صنعتم؟!! وكان أبو بكرة رضي الله عنه ممّن أنكر ذلك وهجر بسببه زيادًا وحلف ألا يكلّمه أبدًا).
وقال أيضًا: (وقوله: ادُّعِيَ ضبطناه بضمّ الدّال وكسر العين -مبنيٌّ لما لم يسمّ فاعله- أي ادّعاه معاوية ووجد بخطّ الحافظ أبي عامرٍ العبدريّ
(1)
(ادَّعَى) بفتح الدّال والعين على أنّ زيادًا هو الفاعل وهذا له وجهٌ من حيث إنّ معاوية ادّعاه وصدّقه زيادٌ فصار زيادٌ مدعيًا أنه ابن أبي سفيان واللّه أعلم)
(2)
.
لا أدري على أي شيء استند النووي باتهامه معاوية رضي الله عنه في هذا الخبر وسوف نرد على قوله بأمرين، وذلك فيما يخص استدلاله بحلف أبي بكرة رضي الله عنه وبضبط ادعى:
الأول: أن هذا الحلف الذي ذكره النووي يستدل به على موقف أبي بكرة رضي الله عنه من أخيه زياد بعد الادعاء، ولكن ليس هذا مكانه، فقد حلف أبو بكرة رضي الله عنه ألا يكلم زيادًا بسبب أنه لم يشهد معه على المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عند عمر رضي الله عنه ولم يكن لأجل الادعاء، ونستدل بذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمرٍ
(3)
، عن الزّهريّ
(4)
، عن ابن المسيّب
(5)
قال: شهد على المغيرة بن شعبة
(1)
محمد بن سعدون أبي عامر القرشي العبدري الأندلسي، سكن دمشق، ثم سكن بغداد، كان فقيهًا على مذهب داود بن علي الظاهري، ذكر ابن عساكر في ترجمته أنه يسيء القول في الأئمة، وأنه سيئ الاعتقاد، وكان بشع الصورة زري اللباس يدَّعِي أكثر مما يحسن، توفي سنة 524 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 53/ 59.
(2)
شرح صحيح مسلم 3/ 52.
(3)
معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت، مات سنة 154 هـ. ابن حجر: التقريب 541.
(4)
ثقة سبق ترجمته.
(5)
ثقة سبق ترجمته.
ثلاثةٌ بالزّنا، ونكّل زيادٌ فحدّ عمر الثّلاثة، وقال لهم:«توبوا تقبل شهادتكم» ، فتاب رجلان، ولم يتب أبو بكرة، فكان لا تُقبل شهادته، وأبو بكرة أخو زيادٍ لأمّه، فلمّا كان من أمر زيادٍ ما كان، حلف أبو بكرة ألا يكلّم زيادًا أبدًا، فلم يكلّمه حتّى مات)
(1)
.
الثاني: أما قوله بضبط أبي عامر العبدري، فإن أبا عامر هذا لم يكن موثوقًا لا في عقيدته ولا روايته.
وهو متهم بتساهله بالسماع ويتحدث ولا يصغي، وكان يقول يكفيني حضور المجلس
(2)
.
فمن ذلك لا نستبعد أن التحريف بالكلمة (ادّعى) بفتح الدال وفتح العين، جاء منه.
- وخلاصة القول في هذا النسب، أن معاوية رضي الله عنه لا يمكن أن يفعل هذا، وهو يعلم حرمة هذا الفعل، والمانع من ذلك فقهه وعدالته، وقد سمع بهذا الادعاء كثير من الصحابة ولم أقف على من أنكر ذلك على معاوية رضي الله عنه باسمه، وذلك لأنه لم يفعله، ولو فعله لأنكروا عليه، والحديث السابق عن أبي بكرة رضي الله عنه لم يُسَمَّ فيه الفاعل؛ ولذلك حصل الإنكار على الفعل واقتصر عليه، والأمر لا يعدو أن يكون إشاعة أُشيعت نقمة على معاوية رضي الله عنه وزياد للصلح الذي تم بينهما.
وقد ذكر هذا الاستلحاق - استلحاق معاوية نسب زيادٍ - بعض العلماء فمنهم من ساق النصوص الواردة في هذا الخبر من غير تمحيص لها، ومنهم من ترك هذا الخبر وتورَّع عن الدخول فيه:
(1)
المصنف 7/ 383. برقم 13564.
(2)
ذكر هذا القول فيه ابن ناصر الذهبي: تاريخ الإسلام 36/ 105.
فخليفة بن خياط قال: (كان من أمر معاوية وزياد الذي كان)
(1)
، والطبري قصر عنه ولم يُولِه عناية تُذْكَر، وهذا على غير عادته، وأما ابن عبد البر فساق الخبر من غير تمحيص للرواة، مع أن ضعف الأسانيد التي ساقها كان واضحًا جليًّا، وقد بسط ابن الأثير القول في ذلك وجعل من نفسه موضحًا لذلك ومبينًا له، بعد أن ساق روايات الطبري التي استقصرها عن بيان الحدث، فقال:(هذا جميع ما ذكره أبو جعفرٍ في استلحاق معاوية نسب زيادٍ، ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك، إنّما ذكر حكايةً جرت بعد استلحاقه، وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيّته، فإنّه من الأمور المشهورة في الإسلام لا ينبغي إهمالها)
(2)
.
ثم ساق حديثًا يدين فيه معاوية رضي الله عنه بهذا الحدَث من غير سند يمكن الاعتماد عليه.
وقد برَّر ابن العربي
(3)
فعل معاوية رضي الله عنه بإلحاق نسب زياد إلى أبيه، إلى أن ذلك من المسائل الفقهية التي يكون فيها الاجتهاد، وهو لم يتحقق من أصل الخبر، وأخذه على جملته ولم يرد إلا بعض الأباطيل فيه، وأما النووي في شرحه فقد سبق قوله.
ومن الدراسات الحديثة عن هذا الموضوع:
قال محمود شاكر
(4)
معلقًا على هذا الخبر: (ويبدو ضعف هذا فكيف
(1)
التاريخ 207.
(2)
الكامل 3/ 40.
(3)
العواصم والقواصم 241.
(4)
محمود شاكر ولد بالشام 1351 هـ، درس في مدارسها، وطلب العلم في المساجد، برع في علم الأنساب، وله إسهامات عظيمة في التاريخ منها موسوعة التاريخ الإسلامي في 22 جزءًا، وسلسلة العالم الإسلامي، وسلسلة مواطن الشعوب في آسيا وإفريقيا، وسلسلة الخلفاء، وكتب في علم الجغرافيا، والفكر الإسلامي، توفي عام 1436 هـ.
المصدر ملتقى أهل الحديث: ahlalhdeeth.com
قَبِلَ زيادٌ هذا الكلام أمامه؟ وكيف قَبِلَ معاوية؟ وكيف رضي المسلمون بهذه المخالفة الصريحة من الإمام؟ فهل ضاع الإحساس، وضاع الدين، ولا يزال الصحابة أحياء)
(1)
.
وذكر الغيث
(2)
بعد أن استقصى الاستلحاق، أنه لم يقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد اتهام معاوية رضي الله عنه بذلك، وأن الاتهام موجه لزياد وأنه هو الفاعل، واستدل بحديث (لما ادَّعَى زياد) بضبط أبي عامر العبدري، بفتح الدال والعين، وبترجمة الأصفهاني لزياد بقوله:(زياد بن سُميّة ادّعى أبا سفيان فنسب إليه)
(3)
، ثم ختم قوله مؤكدًا ذلك بهجر أبي بكرة رضي الله عنه لأخيه زياد
(4)
.
قلت: وحتى اتهام زياد لم يثبت؛ لأن الضبط ورد ما يخالفه، والأصفهاني لم يسند الخبر، وحلف أبو بكرة رضي الله عنه ليس هذا موضعه، وقد سبق بيانه في نقد هذه الرواية.
أما تبرئة زياد من هذا الاستلحاق:
- أن هذا الاستلحاق جاء سنة أربع وأربعين للهجرة
(5)
، أي بعد دخول زياد في أمر معاوية رضي الله عنه، ولم أقف على رواية صحيحة تثبت تورط زياد بهذا الاستلحاق.
وهذا الأمر يجعلنا نطرح أسئلة منها لماذا هذا التوقيت؟ ولماذا أثير حول
(1)
التاريخ الإسلامي العهد الأموي 4/ 22.
(2)
خالد بن محمد بن عبد الله الغيث، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية قسم التاريخ والحضارة الإسلامية، له من الكتب مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري عن استشهاد عثمان رضي الله عنه، ومرويات خلافة معاوية رضي الله عنه في تاريخ الطبري، ووقفات هادئة مع أشرطة التاريخ، وجواهر القرآن الكريم. المصدر: موقع جامعة أم القرى. https:// uqu.edu.sa
(3)
معرفة الصحابة 3/ 1217.
(4)
الغيث: مرويات خلافة معاوية 376.
(5)
خليفة بن خياط: التاريخ 207. الطبري: التاريخ 5/ 214.
زياد مسألة النسب؟.
وللإجابة عن هذه التساؤلات نقول:
إن زيادًا سكن العراق بعد الصلح مع معاوية رضي الله عنه، وهو الذي يغلب عليه سمة التشيع، فلم يكن حاله يسرهم بعد أن خرج في نظرهم من ولاء علي رضي الله عنه وأصحابه إلى ولاء معاوية رضي الله عنه، وهو بذلك لم يكن يفلت من لَمْزهم وما وجدوا له عيبًا إلا أنه لم ينتسب لأحد يذكر، فأشاعوا نسبه إلى أبي سفيان رضي الله عنه وجعلوه أخًا لمعاوية رضي الله عنه، وشاع ذلك في العراق وهذا ما جاء به الحديث الصحيح عن أبي عثمان النهدي يثبت ذلك، ولكنه لم يُسَمَّ فاعله، وقد كانت عادة أهل العراق في ذلك الزمان أن يلقبوا أمراءهم، ومن هذه الألقاب: ببة والقباع والقمر وضرطة الجمل
(1)
والأحنف، ولهذا لا يستغرب منهم تلقيب زياد بـ (زياد بن أبي سفيان) نكاية بولائه، ومما يدل على ذلك أنه لم ينسب إلى أبي سفيان رضي الله عنه قبل دخوله في أمر معاوية رضي الله عنه، ولو كان الفاعل معاوية رضي الله عنه لفعل ذلك وهو في أمس الحاجة إليه وذلك في خلافه مع علي رضي الله عنه؛ لأن زيادًا كان ضده، أو على أقل احتمال حينما أراد الصلح معه، ولكن كل ذلك لم يحدث إلا بعد وفاة علي رضي الله عنه وصلحه مع معاوية رضي الله عنه.
ثم إن هذا الأمر شاع بين الناس، ومن المعروف أن تاريخ الأُمويين لم يسجل إلا في العصر العباسي؛ ولذلك أصبح من الضروري إيجاد قصة لذلك الحدث، فنُسِجَتِ الروايات في ذلك، وبينها تناقض، فتارة يُرْمَى بثقل هذا الادعاء على معاوية رضي الله عنه وتارة إلى زياد.
(1)
أما ببة فهو عبد الله بن الحارث الهاشمي، والقباع هو الحارث بن عبد الله المخزومي، والقمر هو مسعود بن عمرو الأزدي، وضرطة الجمل عبد الرحمن بن مخنف. البلاذري: الأنساب 5/ 397، 7/ 426. الذهبي: السير 1/ 200، 4/ 181.
[11]
- (وأمر معاوية زيادًا أن يسير إلى الكوفة إلى أن يرد عليه أمره، فسار زياد حتى قَدِمَ الكوفة، وعليها المغيرة بن شعبة، فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلي
(1)
(2)
.
ذكر الطبري نحوًا منها مطولًا
(3)
.
* تولية زياد البصرة:
[12]
- (ووافاه
(4)
كتاب معاوية بولاية البصرة، فسار إليها فلما وافاها قصد المسجد الجامع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه قد كانت بيني وبين قوم أحقاد، وقد جعلتها تحت قدمي، ولست أؤاخذ أحدًا بعداوة، ولا أهتك له قناعًا حتى يبدي لي صفحته، فإذا أبداها لم أُنظِرْه، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان منكم مسيئًا فليقلع عن إساءته، وأعينونا رحمكم الله بالسمع والطاعة، ثم نزل)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(6)
، والطبري
(7)
أورد الخبر مطولًا وساق
(1)
سلمان بن ربيعة الباهلي، أبو عبد الله، له صحبة، يقال له: سلمان الخيل؛ لأنه يلي الخيول أيام عمر رضي الله عنه، كان رجلًا صالحًا يحج كل سنة، شهد فتوح الشام، وسكن العراق، وهو أول من ولي قضاء الكوفة، وولي غزوة أرمينية، في زمن عثمان رضي الله عنه، فقتل هناك غازيًا قبل الثلاثين أو بعدها. ابن حجر: الإصابة 3/ 117.
(2)
الأخبار الطوال 219.
(3)
الطبري 5/ 215.
(4)
أي زياد.
(5)
الأخبار الطوال 219، 220.
(6)
الأنساب 5/ 195.
(7)
التاريخ 5/ 217.
الخطبة، والجاحظ
(1)
ذكر الخطبة كاملة، وذكر خليفة بن خياط
(2)
، والطبري
(3)
أن تولية زياد على البصرة سنة خمس وأربعين للهجرة.
* ولاية زياد على العراق:
[13]
- (فلبث على البصرة حَوْلَيْن حتى مات المغيرة، فكتب إليه معاوية بولاية الكوفة مع البصرة، فسار إليها).
ذكر خليفة بن خياط
(4)
والطبري
(5)
أن وفاة المغيرة رضي الله عنه سنة خمسين، وأن معاوية رضي الله عنه جمع لزياد البصرة والكوفة.
• نقد النص:
هذه الرواية فيها وهم، وذلك في ذكر مدة بقاء زياد واليًا على البصرة عامين، وإنما الصحيح أنها خمس سنين، ثم جُمِعَتْ له البصرة والكوفة بعد وفاة المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، كما سبق ذلك في خبر مدة بقائه واليًا على الكوفة
(6)
.
* * *
(1)
البيان والتبيين 2/ 40.
(2)
التاريخ 207.
(3)
التاريخ 5/ 215.
(4)
التاريخ 210.
(5)
التاريخ 5/ 234.
(6)
انظر تفاصيل الخبر هذا الفصل.
ثالثًا: مواقف الشيعة من صلح الحسن رضي الله عنه
-
[14]
- (قالوا: وكان أول من لقي الحسن بن علي رضي الله عنه، فنَدَّمَه على ما صنع، ودعاه إلى رد الحرب حجر بن عدي
(1)
، فقال له: يا ابن رسول الله، لوددت أني مِتُّ قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجَوْر، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدَّنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيسة التي لم تلقَ بنا.
فاشتد على الحسن رضي الله عنه كلام حجر، فقال له: إني رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيًا على شيعتنا خاصة من القتل، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإن الله كلّ يومٍ هو في شأن.
قال: فخرج من عنده، ودخل على الحسين رضي الله عنه مع عبيدة بن عمرو
(2)
، فقالا: أبا عبد الله، شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل، وتركتم الكثير، أطِعْنا اليوم، واعْصِنا الدهر، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وَوَلِّني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف. فقال الحسين: إنا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل
(1)
حجر بن عدي بن معاوية بن جبلة الكندي، المعروف بحجر الخير، شهد القادسية، وكان من أصحاب علي رضي الله عنه، قتله معاوية رضي الله عنه بمرج راهط، وهو الذي افتتحها، وكانت وفاته سنة إحدى وخمسين وقيل: ثلاث وخمسين، ذكره البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفة بن خياط في التابعين، روى ابن عساكر بسنده () عن أبي أحمد العسكري قوله:(يذكر بعضهم أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم هو وأخوه وأكثر أصحاب الحديث لايصححون له رواية). ابن حجر: الإصابة 2/ 22، ابن عساكر: تاريخ دمشق 12/ 211.
(2)
عبيدة بن عمرو المرادي الكوفي، أسلم عام الفتح بأرض اليمن، وليس له صحبة، وهو أحد الأعلام الفقهاء، كان يوازي شريحًا بالقضاء. المزي: تهذيب الكمال 19/ 266.
إلى نقض بيعتنا)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
؛ إلا عندما ذَكَرَ رد الحسن رضي الله عنه فهو مختلف عما ذكرته هذه الرواية، وهو أن الحسن رضي الله عنه قال لحجر: ليس كل الناس يحب ما أحببت، وإني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت، وعند ذكره قول حجر:(وولِّني وصاحبي هذه المقدمة)، فقد ذكر البلاذري أنه قال:(ثم ادع قيس بن سعد وابعثه في الرجال)
(3)
، والخبر عند البلاذري كله عن حجر بن عدي.
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب في إقحام عبيدة بن عمرو في هذا الخبر.
وهذه الرواية، والتي أوردها البلاذري كلها لم ترد بسند، وفي متنهما نكارة وذلك فيما جاءتا به من كلام الحسن رضي الله عنه وأن هدفه من الصلح كان من حرصه على بقاء الشيعة، وأنه لو وجد رجالًا يعتمد عليهم مثل حجر لقاتل بهم معاوية رضي الله عنه، لأن فيهما عدول عن هدفه في الصلح، وهو حَقْن دماء المسلمين عامة، وقد بيَّن ذلك الحسن رضي الله عنه في خبر الصلح، كما سبق.
[15]
- (وروي عن علي بن محمد بن بشير الهمداني
(4)
، قال: خرجت أنا وسفيان ابن ليلى
(5)
حتى قدمنا على الحسن المدينة، فدخلنا عليه، وعنده
(1)
الأخبار الطوال 220.
(2)
الأنساب 3/ 151. لم تأتِ مسندة.
(3)
الأنساب 3/ 151.
(4)
علي بن محمد بن بشير الهمذاني لم أقف على ترجمة له. وذكر البلاذري أنه محمد بن بشر الهمداني 3/ 150، وذكر ابن سعد 1/ 437 في الطبقات أنه محمد بن بشير، قال المحقق د. محمد السلمي:(وهو شيخ لأبي مخنف وله في الطبري من طريق أبي مخنف ثلاث روايات وعنده بشر بدل بشير).
(5)
لعل الصحيح من اسمه سفيان بن الليل، روى عن الشعبي، قال العقيلي كان ممن يغلو في الرفض. لسان الميزان ت أبي غدة 4/ 91.
المسيب بن نجبة
(1)
وعبد الله بن الوداك التميمي
(2)
، وسراج بن مالك الخثعمي
(3)
، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: وعليك السلام، اجلس، لست مذل المؤمنين، ولكني معزهم، ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل عند ما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال، ووالله لئن سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بدٌّ من إفضاء هذا الأمر إليه)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
، وابن أبي شيبة
(6)
، والفسوي
(7)
، والحاكم
(8)
، وابن عبد البر
(9)
ورواياتهم متقاربة.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية أن القائل هو الهمداني، وهذا يخالف ما جاءت به في المصادر السابقة في أن القائل هو أبو عامر سفيان بن الليل ومما يُروى في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه حيث قال: حدثنا أسود بن عامرٍ
(10)
، قال
(1)
المسيب بن نجبة الفزاري، له إدراك، وليس له صحبة، شهد القادسية وفتوح العراق، قتل مع التوابين سنة خمس وستين. ابن حجر: الإصابة 6/ 234.
(2)
عبد الله بن الوداك التميمي، تابعي من الرابعة. أكرم الفلوجي: المعجم الصغير لرواة الإمام الطبري 1/ 331.
(3)
سراج بن مالك الخثعمي لم أقف على ترجمة له.
(4)
الأخبار الطوال 220، 212.
(5)
الأنساب 3/ 150.
(6)
المصنف 7/ 476.
(7)
المعرفة والتاريخ 3/ 317
(8)
المستدرك 3/ 193.
(9)
الاستيعاب 1/ 386.
(10)
الأسود بن عامر، يلقب بشاذان، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثمان ومئتين. ابن حجر: التقريب 111.
حدّثنا زهيرٌ
(1)
، قال حدّثنا أبو روقٍ الهمدانيّ
(2)
، قال حدّثنا أبو الغريف
(3)
، قال: كنّا مقدّمة الحسن بن عليٍّ اثني عشر ألفًا بمسكنٍ مستميتين تقطر سيوفنا من الجدّ على قتال أهل الشّام وعلينا أبو العمرو، قال: فلمّا أتانا صلح الحسن بن عليٍّ ومعاوية كأنّما كسرت ظهورنا من الحزن والغيظ، قال: فلمّا قدم الحسن بن عليٍّ الكوفة قام إليه رجلٌ منّا يكنّى أبا عامرٍ فقال: السّلام عليك يا مُذلَّ المؤمنين، فقال:(لا تقل ذاك يا أبا عامرٍ، ولكنّي كَرِهت أن أقتلهم طلب الْمُلْك أو على الْمُلْك)
(4)
.
هذا أحسن ما روي من كلام الحسن رضي الله عنه وفيه رده على سفيان بن الليل، أما ما جاء به صاحب الكتاب، في هذه الرواية فلا يصح عن الحسن رضي الله عنه؛ لأنه عدول عن هدفه في الصلح، وهو الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تكرر مثل هذا الكلام منه في وصف الحسن رضي الله عنه بأنه عدل إلى الصلح، واضطر إليه بسبب أنه لم يجد من يقاتل معه، وذلك في حديثه عن الصلح كما سبق.
والمتمعن في فيما ذكره صاحب الكتاب في هذه الرواية والتي قبلها يؤكد تشعيه، فهو يصرف الأحداث لصالح ما يعتقده ولو بالكذب.
[16]
- (ثم خرجنا من عنده، ودخلنا على الحسين، فأخبرناه بما رد علينا، فقال: صدق أبو محمد، فليكن كل رجل منكم حلسًا
(5)
من أحلاس
(1)
زهير بن معاوية بن حديج، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة 174، وولد سنة مائة. ابن حجر: التقريب 218.
(2)
أبو روق، عطية بن الحارث الهمذاني، صدوق، من الخامسة. ابن حجر: التقريب 393.
(3)
أبو الغريف، عبيد الله بن خليفة، صدوق رمي بالتشيع، من الثالثة. ابن حجر: التقريب 370.
(4)
المصنف 7/ 476.
(5)
الحلس، كساء على ظهر البعير، وجمعه أحلاس، وحلس بيته: إذا لم يبرحه. الفيروز: القاموس المحيط 1/ 538.
بيته، ما دام هذا الإنسان حيًّا)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
.
• نقد النص:
هذه الرواية تبعًا لما قبلها، وقد أفردناها للمقارنة، وقد جاءت هذه الرواية والتي قبلها عند البلاذري غير مسندة، وفيها أن الحسين رضي الله عنه كما تقول هذه الرواية أمر شيعته بالإمساك على الصلح حتى وفاة معاوية رضي الله عنه، وكأنه أوعدهم بعد موته، وهذا لا يصح عنه ولم يثبت؛ لأن سبب خروجه إلى العراق كان لمكاتبتهم إياه وليس لوعده، كما سيأتي في خبر خروجه.
ولقد أنزل صاحب الكتاب ومن يرى رأيه، صلح الحسن رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه بمثابة الفتنة بين المسلمين، وأنه من المصائب العظام التي يجب الصبر عليها، بل على العكس من ذلك تمامًا، فقد كان الصلح نصرًا للمسلمين وذلك ليس أن الحسن رضي الله عنه تنازل؛ بل لأن كلمة المسلمين اجتمعت على رجل واحد بعد فرقة دامت أكثر من خمس سنوات بدأت بمقتل عثمان رضي الله عنه، واستمرت
إلى صلح الحسن رضي الله عنه سنة إحدى وأربعين، فعادت للأمة الفتوحات ونشر الإسلام.
* موت الحسن بن علي رضي الله عنه:
[17]
- (ثم إن الحسن رضي الله عنه اشتكى بالمدينة، فثقل، وكان أخوه محمد ابن الحنفية
(3)
في ضيعة له، فأرسل إليه، فوافى، فدخل عليه، فجلس عن يساره،
(1)
الأخبار الطوال 221.
(2)
الأنساب 3/ 150.
(3)
محمد بن علي بن أبي طالب، القرشي، أبو القاسم، أمه من سبي بني حنيفة، قيل أن أبا بكر رضي الله عنه وهبها لعلي رضي الله عنه، فوُلِدَ محمد في العام الذي توفي فيه أبو بكر رضي الله عنه، غالت فيه الشيعة في زمانه، ولقبوه بالمهدي، بايع لعبد الملك بعد مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وكان يدخل على عبد الملك وقد قضى له دينه وحوائجه، توفي في سنة ثمانين أو إحدى وثمانين. الذهبي: السير 4/ 110.
والحسين عن يمينه، ففتح الحسن عينه، فرآهما، فقال للحسين: يا أخي، أوصيك بمحمد أخيك خيرًا، فإنه جلدة ما بين العينين ثم قال: يا محمد، وأنا أوصيك بالحسين، كأنفه ووازره)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وأما عن سنة وفاة الحسن رضي الله عنه فقد تُوفِي سنة تسع وأربعين ذكر ذلك خليفة بن خياط
(2)
.
وقال ابن كثير
(3)
: والمشهور أنه مات سنة تسع وأربعين.
[18]
- (ثم قال ادفنوني مع جدي صلى الله عليه وسلم، فإن مَنَعْتُم فالبقيع
(4)
ثم تُوفي، فَمَنَعَ مروان أن يُدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدُفِنَ في البقيع).
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(5)
، والبلاذري
(6)
، وابن شبة
(7)
مطولًا.
• نقد النص:
تُنْسَجُ حول هذه الوصية كثيرٌ من الروايات وهدفها المزايدة على ظلم بني أمية لبني هاشم، ولم أقف على رواية صحيحة تُثْبِتُ منعَ الحسن رضي الله عنه من الدفن مع جده صلى الله عليه وسلم لا من قِبَل بني أمية ولا من غيرهم، وحتى عائشة رضي الله عنها لم تسلم من ذلك فقد روي أنها منعته، ومن ذلك ما قاله الذهبي: (ويروى أنّ عائشة قالت: لا
(1)
الأخبار الطوال 221.
(2)
التاريخ 209.
(3)
البداية والنهاية 8/ 48.
(4)
البقيع: مقبرة أهل المدينة، وهي داخل المدينة. الحموي معجم البلدان 1/ 473.
(5)
ابن سعد: الطبقات 1/ 340. (ت د. محمد السلمي)
(6)
الأنساب 3/ 60.
(7)
تاريخ المدينة 1/ 106، 110.
يكون لهم رابعٌ أبدًا، وإنّه لبيتي أعطانيه رسول الله في حياته. إسناده مظلمٌ)
(1)
.
وأصح ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن سعد بسنده: (لما حضر الحسن، قال للحسين: ادفنوني عند أبي - يعني النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تخافوا الدماء، فإن خفتم الدماء فلا تهريقوا فيّ دمًا، ادفنوني عند مقابر المسلمين، قال: فلما قُبِضَ تسلح الحسين وجميع مواليه، فقال له أبو هريرة: أنشدك الله ووصية أخيك فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دمًا، قال: فلم يزل به حتى رجع، قال: ثم دفنوه في بقيع الغرقد، فقال أبو هريرة: أرأيتم لو جيء بابن موسى ليدفن مع أبيه فمنع أكانوا قد ظلموه؟ قال: فقالوا: نعم، قال: فهذا ابن نبي الله قد جيء به ليدفن مع أبيه)
(2)
، (قال المحقق: إسناده صحيح)
(3)
.
* الشيعة بعد موت الحسن رضي الله عنه:
[19]
- (وبلغ أهل الكوفة وفاة الحسن، فاجتمع عظماؤهم فكتبوا إلى الحسين رضي الله عنه يعزونه، وكتب إليه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب
(4)
، وكان أمحضهم
(5)
حبًّا ومودة: أما بعد، فإنَّ مَنْ قَبِلْنَا مِنْ شيعتك متطلعة أنفسهم إليك، لا يَعْدِلُون بك أحدًا، وقد كانوا عرفوا رأي الحسن أخيك في دفع الحرب، وعرفوك باللين لأوليائك، والغلظة على أعدائك، والشدة في أمر الله، فإن كنت تحب أن تطلب هذا الأمر فأقدم علينا، فقد وطَّنَّا أنفسنا على الموت
(1)
السير 3/ 276.
(2)
الطبقات 1/ 340 (ت د. محمد السلمي).
(3)
المصدر السابق. 1/ 340.
(4)
جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، القرشي، أمه أم هانئ بنت أبي طالب، قال ابن حجر: أما كونه له رؤية فحق؛ لأنه ولد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ابن بنت عمته، وخصوصية أم هانئ بالنبي صلى الله عليه وسلم شهيرة. ابن حجر: الإصابة 1/ 628.
(5)
أمحضهم: أمحض الود أخلصه، كمحضه. الفيروز آبادي: القاموس 1/ 653.
معك، فكتب إليهم: أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفَّقه، وسدَّده فيما يأتي، وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فألصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيًّا، فلن يحدث الله به حدثًا وأنا حي، كتبت إليكم برأيي والسلام)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
إلا في مكان الاجتماع فقد ذكروا أنه في دار سليمان بن صرد رضي الله عنه
(4)
ومعهم بنو جعدة بن هبيرة.
• نقد النص:
هذه الرواية لم ترد بسند صحيح، فقد وردت عن ابن سعد
(5)
بطرق ذكر المحقق أنها ضعيفة، ومن الخطأ والكذب فيها ما ذكره عن الحسين رضي الله عنه أنه قد بيَّتَ النية للخروج وهذا لا يصح عنه.
* موقف معاوية رضي الله عنه من وفاة الحسن رضي الله عنه:
[20]
- (وانتهى خبر وفاة الحسن إلى معاوية كَتَبَ به إليه عامله على المدينة مروان فأرسل إلى ابن عباس، وكان عنده بالشام قَدِمَ عليه وافدًا فدخل عليه، فعزاه، وأظهر الشماتة بموته، فقال له ابن عباس: لا تشمتن بموته، فوالله لا تلبث بعده إلا قليلًا)
(6)
.
(1)
الأخبار الطوال 221، 222.
(2)
الطبقات 1/ 440 (ت د. محمد السلمي).
(3)
الأنساب 3/ 151. ولم يسند الخبر.
(4)
سليمان بن صرد بن جون، كان اسمه يسار فغيره الرسول صلى الله عليه وسلم إلى سليمان، وقد روى عنه، وهو ممن كتب إلى الحسين رضي الله عنه، وقتل مع التوابين الذين خرجوا للطلب في دمه سنة 65 هـ. ابن حجر الإصابة 3/ 144.
(5)
الطبقات 1/ 440 (ت د. محمد السلمي) بإسناد جمعي قال المحقق عن طرقه أنها ضعيفة.
(6)
الأخبار الطوال 222.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(1)
، والبلاذري
(2)
، والطبراني
(3)
.
• نقد النص:
تَذْكُرُ هذا الرواية شماتة معاوية رضي الله عنه بموت الحسن رضي الله عنه، ومن الطرق التي جاءت بها مسندة:
-أوردها ابن سعد
(4)
بأسانيد عدة، وهي إما ضعيفة، أو منقطعة، كذا قال المحقق
(5)
.
-أما البلاذري
(6)
فقد أوردها بسند فيه عباس بن هشام
(7)
عن أبيه عن جده، وكلهم ضعاف، وفيها ألمح بالشماتة ولم يصرح.
- وأخرجها الطبراني
(8)
وعلق على سنده الهيثمي بقوله: (رواه الطبراني، وفيه يعقوب بن محمد الزهري
(9)
، وقد وثق، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح)
(10)
، ونقول: إن هذا لا يصح عن معاوية رضي الله عنه، ولم يثبت، وقد اتهمته بعض المصادر بأكبر من هذا، وهو أنه قد سَمَّه، وكل هذه من أباطيل التاريخ.
(1)
الطبقات 1/ 361 (ت د. محمد السلمي).
(2)
الأنساب 3/ 63.
(3)
المعجم الكبير 10/ 266.
(4)
الطبقات 1/ 361 (ت د. محمد السلمي).
(5)
المصدر السابق 1/ 361.
(6)
الأنساب 3/ 62.
(7)
العباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، روى عن أبيه، وكان واسع الحفظ ومع ذلك ينسب إلى غفله. ابن حجر: لسان الميزان 8/ 338.
(8)
المعجم الكبير 10/ 266 برقم 10622.
(9)
يعقوب بن محمد الزهري، ضعفه أبو زرعة، وقال أحمد ليس بشيء. الذهبي: ديوان الضعفاء 1/ 464.
(10)
مجمع الزوائد 9/ 179.
- وأما عن قول صاحب الكتاب: إن عامل المدينة في زمن وفاة الحسن رضي الله عنه هو مروان بن الحكم، فقد وهم في ذلك، والصحيح أن عامله هو سعيد بن العاص
(1)
، وهو من صلى على الحسن رضي الله عنه؛ فقد أخرج ابن سعد
(2)
من طريق أبي حازم الأشجعي
(3)
، قال: (قال حسين بن علي لسعيد بن العاص:
تقدم فلولا أنها سُنَّة ما قدمتك، يعني على الحسن)، (قال المحقق: إسناده حسن)
(4)
.
* بين معاوية رضي الله عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه:
[21]
- (قالوا: وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص، وهو على مصر، قد قبضها بالشرط الذي اشترطه على معاوية: أما بعد، فإن سؤَّال أهل الحجاز، وزوَّار أهل العراق قد كثروا عليّ، وليس عندي فضل من أعطيات الجنود، فأعِنِّي بخراج مصر هذه السنة.
فكتب إليه عمرو
(5)
:
معاوي إن تدركك نفس شحيحة
…
فما ورثتني مصر أمي ولا أبي
وما نلتها عفوًا ولكن شرطتها
…
وقد دارت الحرب العوان عليّ قطب
(1)
سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، قال أبو حاتم له صحبة، وقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وله تسع سنين، وهو والد عمرو بن سعيد الأشدق، ولي الكوفة لعثمان رضي الله عنه وولي المدينة غير مرة لمعاوية رضي الله عنه. الذهبي: السير 3/ 444.
(2)
الطبقات 1/ 348 (ت د. محمد السلمي).
(3)
سلمان الأشجعي، أبو حازم، كوفي من الثالثة، مات على رأس المائة. ابن حجر: التقريب
1/ 246.
(4)
ابن سعد: الطبقات 1/ 348 (ت د. محمد السلمي).
(5)
ذكر المسعودي: مروج الذهب 2/ 227، وابن عبد ربه: العقد الفريد 5/ 92 أبيات غير هذه.
ولولا دفاعي الأشعري وصحبه
…
لألفيتها ترغو كراغية السقب
فلما رجع الجواب إلى معاوية تذمم، فلم يعاوده في شيء من أمرها)
(1)
.
ذكره نحوًا منها: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
دون ذكر لهذه الأبيات.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية أن معاوية رضي الله عنه أعطى عمرو بن العاص مصر طُعْمة له وذلك مقابل مناصرته ضد علي رضي الله عنه.
وقد ذكر صاحب الكتاب
(4)
هذه المساومة المزعومة في معرض رواياته عما حدث بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه، ومما ذكره أن
معاوية رضي الله عنه أخذ يستعد لحربه مع علي رضي الله عنه ويجمع أنصاره، فساومه عمرو بن العاص رضي الله عنه على أن يقوم معه ضد علي رضي الله عنه وله مصر طُعمة، فرضي بذلك معاوية رضي الله عنه مُكْرَهًا كما يذكر.
أما عن المصادر التي أوردت هذا الخبر بسند فهي كالآتي:
ابن سعد
(5)
من طريق محمد بن عمر الواقدي
(6)
وهو ضعيف، وأما البلاذري
(7)
فقد رواه عن المدائني
(8)
عن عبد الله بن المبارك (9)، وعبد الله بن
(1)
الأخبار الطوال 222، 223.
(2)
الطبقات 4/ 258.
(3)
الأنساب 5/ 95.
(4)
الأخبار الطوال 158.
(5)
الطبقات 4/ 258.
(6)
سبق ترجمته.
(7)
الأنساب 5/ 95.
(8)
سبق ترجمته
(9)
عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، ثقة ثبت، مات سنة 181 هـ وله 63 سنة. ابن حجر: التقريب 320.
المبارك لم يدرك الحدث، فيعتبر إسناده معضل، وذكرها الطبري من طريق
أبي مخنف
(1)
وهو ضعيف، وذكرها ابن عبد ربه عن طريق سفيان بن عيينة
(2)
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن الحسن رضي الله عنه، وسفيان بن عيينة لم يدرك أبو موسى الأشعري، فكيف يروي عنه وإسناده هنا معضل.
فهذه الطرق المسندة التي جاءت بالخبر لم تأتِ بشيء صحيح، ومتنها مُنْكَر ولا يُقْبَل عن هذين الصحابيين، أن يقتسما بلاد المسلمين فيما بينهم والمانع من ذلك العدالة والصحبة.
ثم إن ولاية عمرو رضي الله عنه على مصر ليست أمرًا محدثًا، فهو من فتحها، وقد سبق له الولاية عليها، وهو أعرف الناس بها وبسياستها، حيث فتحها سنة عشرين من الهجرة
(3)
، ثم وليها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أربع سنين، ولعثمان رضي الله عنه أربع سنين إلا شهرين ثم لمعاوية رضي الله عنه سنتين إلا شهرًا
(4)
.
* * *
(1)
سبقت ترجمته
(2)
سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، ثقة حافظ، إمام حجة، ت 189 هـ. التقريب: ابن حجر 245.
(3)
خليفة بن خياط: التاريخ 142.
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 181.
رابعًا: مقتل حُجْر بن عَدِيّ
[22]
- (قالوا: وقد كان معاوية خلَّفَ على الكوفة حين شخص منها المغيرة بن شعبة، فصَعِد المنبر يوم الجمعة ليخطب فحصبه حجر بن عدي، وكان من شيعة علي، في نفر من أصحابه، فنزل مسرعًا من المنبر، ودخل قصر الإمارة، وبعث إلى حجر بخمسة آلاف درهم ترَضَّاه بها. فقيل للمغيرة: لِمَ فعلت هذا، وفيه عليك وهن وغضاضة؟ فقال: قد قتلته بها.
فلما مات المغيرة وجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة، كان يقيم بالبصرة ستة أشهر، وبالكوفة مثل ذلك، فخرج في بعض خرجاته إلى البصرة، وخلَّف على الكوفة عمرو بن حريث العدوي
(1)
، فصعد عمرو بن حريث ذات جمعة المنبر ليخطب، وقعد له حجر بن عدي وأصحابه فحصبوه، فنزل من المنبر، فدخل القصر، وأغلق بابه.
وكتب إلى زياد يخبره بما صنع حجر وأصحابه، فركب زياد البريد حتى وافى الكوفة، ودخل المسجد، وأخرج له سريره من القصر، فجلس عليه، فكان أول من دخل عليه من أشراف الكوفة محمد بن الأشعث بن قيس
(2)
، فسلم عليه بالإمارة.
فقال زياد: لا سلم الله عليك، انطلق فأتني بابن عمك الساعة.
قال محمد بن الأشعث: ما لي ولحجر، إنك لتعلم التباعد بيننا.
(1)
عمرو بن حريث بن عمرو بن (المخزومي) بدل (العدوي) له صحبة ورواية، توفي سنة 85 هـ. الذهبي: السير 3/ 419.
(2)
محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أمه أم فروة أخت أبي بكر رضي الله عنه روى عن عائشة، لا تصح له رواية ولا صحبة، قتل أيام المختار سنة 67 هـ. ابن حجر الإصابة 6/ 258.
فقال له جرير بن عبد الله رضي الله عنه
(1)
: أنا آتيك بحجر أيها الأمير، على أن تجعل له الأمان، وألا تعرض له حتى يلقى معاوية، فيرى فيه رأيه. قال: قد فعلت. فأقبل به إلى زياد، فأمر بحبسه، وأمر بطلب أصحابه الذين كانوا معه، فأُتِيَ بهم، فوجههم جميعًا إلى معاوية مع مائة رجل من الجند، فأنشأت أم حجر
(2)
تقول:
ترفع أيها القمر المنير
…
ترفع هل ترى حجرًا يسير
وإن تهلك فكل عميد قوم
…
من الدنيا إلى هلك يصير
وبعث زياد بثلاثة نفر من الشهود، ليشهدوا عنده بما فعل حجر وأصحابه، منهم أبو بردة بن أبي موسى
(3)
، وشريح بن هانئ الحارثي
(4)
، وأبو هنيدة القيني
(5)
، فأتوا معاوية، وشهدوا عليهم بحصبهم عمرو بن حريث، فأمر معاوية بهم، فقتلوا)
(6)
.
(1)
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن النضر البجلي، صحابي مشهور، يكنى أبا عمرو، قيل: إن إسلامه سنة عشر للهجرة وقيل: قبل ذلك، جعله عمر رضي الله عنه على بجيلة في حروب العراق وكان له أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن الكوفة، وبعثه علي رضي الله عنه رسولًا إلى معاوية رضي الله عنه، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسياء حتى توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: أربع وخمسين. ابن حجر: الإصابة 1/ 581.
(2)
هذه الأبيات لهند بنت زيد الأنصارية، وكانت شيعية (وليس كما وهم صاحب الكتاب أنها أم حجر). الطبقات ابن سعد 6/ 220.
(3)
عبد الله بن حضار الأشعري، ابن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات سنة 104 هـ. الذهبي: السير 5/ 5.
(4)
شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهاجر إلا بعده، ووفد أبوه على النبي صلى الله عليه وسلم، كان من أصحاب علي رضي الله عنه. ابن حجر الإصابة 3/ 307.
(5)
أبو هنيدة لم أقف على ترجمة له.
(6)
الأخبار الطوال 223، 224.
ذكر الخبر خليفة بن خياط
(1)
، مختصرًا.
وابن سعد
(2)
والبلاذري
(3)
، والفسوي
(4)
، والطبري
(5)
، مطولًا.
• نقد النص:
تعتبر قضية مقتل حجر بن عدي عند بعض المؤرخين، من القضايا المهمة في تاريخ بني أمية، ومثلها مثل قضية زياد بن أبيه، وبيعة يزيد، وخصوصًا في حقبة معاوية رضي الله عنه، وتبسط مفصلة بحيث توضع موضع الأحداث الكبيرة التي لا يمكن التغافل عنها، وهي المأخذ الثاني على معاوية رضي الله عنه بعد قضية زياد.
1 -
أولًا: الأسباب التي أدت إلى مقتل حجر بن عدي:
أسباب مقتل حجر بن عدي من الأشياء التي لا نستطيع عرضها بشكل واضح وصحيح؛ لأن أسبابها تعددت عند المؤرخين، ولم تأتِ بسند يمكن الاعتماد عليه، وسوف أذكرها كما جاءت في بعض المصادر، ومن ذلك:
- يُرْوَى أن حجر بن عدي كان ممن اعترض على الحسن رضي الله عنه في صلحه مع معاوية رضي الله عنه، وقد سبق ذكر موقفه، وقد ذكر البلاذري رواية عن أبي مخنف وغيره قالوا:(لم يزل حجر بن عدي مُنْكِرًا على الحسن بن علي بن أبي طالب صلحه لمعاوية، فكان يعذله على ذلك ويقول: (تركت القتال ومعك أربعون ألفًا ذوو نيات وبصائر في قتال عدوك). ثم كان بعد ذلك يذكر معاوية فيعيبه ويظلمه، فكان هذا هجيراه وعادته)
(6)
.
(1)
التاريخ 1/ 213.
(2)
الطبقات 6/ 218.
(3)
الأنساب 5/ 242.
(4)
المعرفة والتاريخ 3/ 320.
(5)
التاريخ 5/ 253.
(6)
الأنساب 5/ 243.
وقد حدث من حجر بعض الاعتراضات، وذلك في فترة تولي المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على الكوفة، وكان المغيرة رضي الله عنه يسعه بحلمه، ويصفح عنه ويتودده.
-وقد ذكر الطبري
(1)
السبب نفسه، الذي جاء عند البلاذري في الرواية السابقة، ثم ساق أسبابًا أخرى لاعتراض حجر، وتتلخص هذه الأسباب بأن معاوية رضي الله عنه حين ولَّى المغيرة رضي الله عنه أوصاه بسبِّ علي رضي الله عنه على المنبر، فكان المغيرة رضي الله عنه يفعل ذلك، وينكر عليه حجر، ولا تصح هذه الأسباب؛ لأنها جاءت بسند فيه رواة ضعاف كذابين، منهم هشام بن محمد الكلبي
(2)
، وأبو مخنف.
وحجر هذا ممن جعل الصلح ملزمًا له في حياة الحسن رضي الله عنه
(3)
، فلما توفي الحسن حصل منه ما حصل مما أدى لقتله، أما السبب الذي أدى إلى مقتله، فهو موقفه مع زياد بن أبيه وفيه روايتين هما:
الأولى: ما ذكره ابن سعد
(4)
بدون سند، وهو أن زيادًا لما وَلِيَ الكوفة، كان يعرف حجرًا حق المعرفة، فأخذه وحذره، وخوفه من إراقة دمه إن أحدث شيئًا لا يرضاه، ورغبه في مجلسه وقضاء حاجاته، فلما خرج جاء إليه إخوانه من الشيعة وقالوا له إن زيادًا لم ينصفك، وأنت شيخنا وأخذوا يجتمعون إليه، فسأله نائب زياد على الكوفة وهو عمرو بن حريث، عن هذه الجماعات التي معه، فرد أنها تنكر ما أنتم عليه، فأرسل إلى زياد وكان بالبصرة إن كان لك حاجة في الكوفة فأقدِمْ، فَقَدِمَ زيادٌ وأرسل من ينهاه عن ذلك فأبى، فأقام عليه زياد الشهود
(1)
التاريخ 5/ 253.
(2)
ضعيف سبقت ترجمته
(3)
ذكر ذلك د. خالد الغيث في كتابه مرويات خلافة معاوية رضي الله عنه 169.
(4)
الطبقات 6/ 218.
وبعثهم إلى معاوية رضي الله عنه، وقد ذكر مثله البلاذري
(1)
بسند فيه الهيثم بن عدي
(2)
وهو ضعيف.
الثانية: الحصب على المنبر وهو المشهور، واختلفت الروايات من هو المحصوب على أقوال منها:
- ذكر البلاذري
(3)
، والطبري
(4)
، عن هشام الكلبي
(5)
وصاحب الكتاب كما سبق أنه عمرو بن حريث، وهو نائب زياد على الكوفة.
- وذكر الطبري
(6)
أيضًا رواية أخرى، والحاكم بسنده
(7)
أنه زياد بن أبيه، حيث أطال الخطبة، فضرب حجر بن عدي بيده بكف من الحصى.
وبعد هذا العرض لقضية حجر بن عدي تبين أنه لم يكن راضيًا عن الصلح، وقد أخذ على عاتقه الاعتراضات على ولاة معاوية رضي الله عنه، وقد كان المغيرة رضي الله عنه يسعه بحلمه ويصفح عنه، ولما جاء زياد كان يعرفه أشد المعرفة فقد كان معه في صحبة علي رضي الله عنه، فأخذه وحذره، ولعله أراد أن يقطع هذا كله؛ لأنه يعلم أن الشيعة لن يدعوه فهو إمامهم وقائدهم في تلك الفترة، فأراد أن يقيم عليه الحجة.
وبعد ما حذره وهدده، لم ينتهِ عما هو عليه، وأَبَى أن يأتيه، ورفض أصحابه أن يسلموه، وحصلت بعض الاشتباكات مع جند زياد وأصحاب
(1)
الأنساب 5/ 246، 247.
(2)
سبق ترجمته.
(3)
الأنساب 5/ 246.
(4)
التاريخ 5/ 256.
(5)
ضعيف سبقت ترجمته.
(6)
التاريخ 5/ 256.
(7)
المستدرك 3/ 533.
حجر، وكادت أن تقوم فتنة
(1)
.
أما محاولة احتواء الموقف، فقد ذكر ابن سعد
(2)
والبلاذري
(3)
، أن زيادًا بعث إلى حجر بن عدي جماعة تنهاه عما هو عليه، منهم جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وعدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه
(4)
، ولكن لم يستجب لهم.
- وأما الطبري
(5)
، وصاحب الكتاب كما سبق، فقد ذكرا أن زيادًا طلب من محمد بن الأشعث أن يأتيه، بحجر بن عدي، فطلب محمد بن الأشعث من جرير بن عبد الله رضي الله عنه وعدي بن حاتم رضي الله عنه ومن معهم أن يأتوا زيادًا ويكلموه في أمر حجر وألا يفعل به شيئًا، وأن يبعث به إلى معاوية رضي الله عنه فيرى فيه رأيه، فوافق زياد.
فكتب زياد إلى معاوية رضي الله عنه بذلك كله، وأشهد عليه الشهود، وكتب شهادتهم وبعث بحجر ومن معه إلى معاوية رضي الله عنه، وبلغ عدد الشهود سبعين رجلًا، وأمر بهم معاوية فقتلوا في مكان يقال له: مرج العذراء
(6)
، وكان عددهم ثلاثة أو أربعة عشر رجلًا، قتل نصفهم
(7)
.
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 257.
(2)
الطبقات 6/ 218.
(3)
الأنساب 5/ 247.
(4)
عدي بن حاتم بن عبد الله بن الحشرج الطائي، أبو طريف، ولد الجواد المشهور، أسلم في سنة تسع، وقيل عشر، كان نصرانيًّا قبل إسلامه، وقد ثبت على الإسلام زمن الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق وسكن الكوفة، مات بعد الستين وقد عمر طويلًا قيل عمر 120 هـ وقيل: 180 هـ. ابن حجر: الإصابة 4/ 388.
(5)
التاريخ 5/ 263.
(6)
مرج العذراء: أو عذراء بلدة من ظاهر دمشق الشمالي بطرف الغوطة، وتسمى اليوم عدراء. البلادي: معجم المعالم الجغرافية 199.
(7)
ابن سعد: الطبقات 6/ 219، والطبري: التاريخ 5/ 272.
نلاحظ في هذه الرواية عدد الشهود وهم سبعون رجلًا وليس كما وهم صاحب الكتاب أنهم ثلاثة، ولم يكن معاوية رضي الله عنه متعجلًا في الحكم عليهم، بل استشار من حوله من كبار أهل الشام.
فقد أورد صالح بن أحمد بن حنبل
(1)
بسنده: (أنه لما بعث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، استشار الناس في قتلهم فمنهم المشير ومنهم الساكت)
(2)
.
ثانيًا: معارضة قتل حجر:
[23]
- (فدخل مالك بن هبيرة رضي الله عنه
(3)
على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، أسأت في قتلك هؤلاء النفر، ولم يكونوا أحدثوا ما استوجبوا به القتل، فقال معاوية: قد كنت هممت بالعفو عنهم إلا أن كتاب زياد وَرَدَ عليَّ يُعْلِمُنِي أنهم رؤساء الفتنة، وأني متى قتلتهم اجتثثت الفتنة من أصلها)
(4)
.
انفرد صاحب الكتاب في هذا الموقف لمالك بن هبيرة.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن مالك بن هبيرة رضي الله عنه اعترض على معاوية في قتل هؤلاء النفر، وهذا الموقف لم يثبت عنه.
(1)
صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، أبو الفضل الشيباني، الحافظ، الفقيه، القاضي، سمع أباه وتفقه عليه، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو بأصبهان، وهو صدوق، ثقة، ولد سنة 203 هـ، وتوفي سنة 265 هـ. الذهبي: السير 12/ 529.
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح 2/ 328.
(3)
مالك بن هبيرة بن خالد السكوني ويقال الكندي، له صحبة، شهد فتح مصر وولي حمص لمعاوية رضي الله عنه مات في زمن مروان بن الحكم. ابن حجر الإصابة 5/ 561.
(4)
الأخبار الطوال 224.
وقد ورد عند البلاذري
(1)
، والطبري
(2)
موقفًا آخر لمالك بن هبيرة يخالف ما سبق وهو أنه أراد أن يشفع في أمر حجر بن عدي، فلم يشفعه معاوية رضي الله عنه فيه.
أما ما ورد فيها من أن معاوية رضي الله عنه أقدم على قتل هؤلاء النفر بسبب قول زياد فيهم، فهذا يعني أن معاوية رضي الله عنه لم يأبه بالشهود، وهذا تحريف واضح للرواية لا يستبعد من صاحب الكتاب الذي حصر الشهود في ثلاثة كما في الرواية السابقة، وهم سبعون.
وقد رويت بعض الأحاديث، تذم مقتل حجر بن عدي منها:
ما أخرجه يعقوب بن سفيان
(3)
بسنده فقال: دخل معاوية على عائشة، فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجرًا وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم إصلاحًا للأمة، وأن بقاءهم فساد، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء)، (قال عنه الألباني: ضعيف)
(4)
.
وأخرج يعقوب أيضًا بسند فيه ابن لهيعة
(5)
عن علي رضي الله عنه أنه يقول: (يا أهل العراق، سيُقْتَلُ منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، قال: يُقْتَل حجر وأصحابه)
(6)
. وابن لهيعة هذا قال عنه ابن كثير: (ضعيف)
(7)
.
(1)
الأنساب 5/ 257.
(2)
التاريخ 5/ 274.
(3)
المعرفة والتاريخ 3/ 320.
(4)
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 8/ 199 برقم 2723.
(5)
ابن لهيعة سبقت ترجمته ص 68.
(6)
الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 3/ 321.
(7)
البداية والنهاية 8/ 60.
والخلاصة في ذلك أن معاوية رضي الله عنه أقدم على قتل حجر ومن معه؛ لأنه رأى في تركهم إفسادًا لغيرهم، وفي قتلهم قطع للفتنة.
يقول ابن العربي: (قد علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول: قَتَلَهُ ظلمًا، وقائل يقول: قَتَلَهُ حقًّا، فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله. قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لعن فيه معاوية، وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس- وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس- مكتوب على أبواب مساجدها: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم؛ ولكن حجرًا - فيما يقال - رأى من زياد أمورًا منكرة فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا)
(1)
.
[24]
- (ولما قتل حجر بن عدي وأصحابه استفظع أهل الكوفة ذلك استفظاعًا شديدًا.
وكان حجر من عظماء أصحاب علي، وقد كان علي أراد أن يوليه رياسة كِندَةَ، ويعزل الأشعث بن قيس
(2)
، وكلاهما من ولد الحارث بن عمرو آكل المرار
(3)
، ....................................................................
(1)
العواصم والقواصم 211.
(2)
الأشعث بن قيس بن معدي يكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي، أبو محمد، وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم وأسلم، ثم ارتد، وأسلم مرة أخرى حيث وفد على الصديق رضي الله عنه، ومن عليه وزوجه أخته، توفي بعد صلح الحسن رضي الله عنه. ابن سعد: الطبقات 6/ 22، ابن حجر: الإصابة 1/ 239.
(3)
والصحيح أن آكل المرار هو (حجر) وليس (الحارث) بن عمرو بن معاوية الأكرمين، والد امرئ القيس الشاعر، سمي بذلك لأن ابن الهبولة السليحي أغار عليه وأخذ امرأته هند بنت ظالم، فقال لها: كيف ترين الآن حجر؟ فقالت: (أراه والله حثيث الطلب، شديد الكلب، كأنه بعير آكل المرار) والمرار نبت حار يأكله البعير فتقلص منه شفته، وكان حجر أفوه خارج الأسنان فشبهته به، فسمي آكل المرار. السمعاني: الأنساب 12/ 170.
فأبى حجر بن عدي أن يتولى الأمر والأشعث حي)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب في ذكر هذه الرواية.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية مكانة حجر بن عدي، وقد وهم في نسب الأشعث بن قيس وحجر بن عدي، والصحيح أنهما لا يجتمعان بآكل المرار، وإنما يجتمعان بعدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين
(2)
، وأما الأشعث بن قيس فهو رئيس كِندَةَ من قبل أن تدخل هذه القبيلة في الإسلام، وقصة إسلامه مع قومه مشهورة في كتب التاريخ، وإنما يَذْكُرُ صاحب الكتاب ذلك لبيان أهمية حجر ومكانته حتى يعظم قتله.
* الرجوع إلى موقف معاوية رضي الله عنه من الحسين رضي الله عنه:
[25]
- (فخرج نفر من أشراف أهل الكوفة إلى الحسين بن علي، فأخبروه الخبر، فاسترجع وشق عليه.
فأقام أولئك النفر يختلفون إلى الحسين بن علي، وعلى المدينة يومئذ مروان بن الحكم، فترقى الخبر إليه، فكتب إلى معاوية يعلمه أن رجالًا من أهل العراق قدموا على الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهم مقيمون عنده يختلفون إليه، فاكتب إليَّ بالذي ترى. فكتب إليه معاوية: لا تعرض للحسين في شيء، فقد بَايَعَنَا، وليس بناقض بيعتنا ولا مخفر ذمتنا.
وكتب إلى الحسين: أما بعد، فقد انتهت إليَّ أمور عنك لست بها حريًّا؛
(1)
الأخبار الطوال 224.
(2)
راجع ترجمة كل من حجر بن عدي والأشعث بن قيس.
لأن من أعطى صفقة يمينه جدير بالوفاء، فاعلم، رحمك الله، أني متى أنكرك تستنكرني، ومتى تكدني أكدك، فلا يستفزنك السفهاء الذين يحبون الفتنة والسلام، فكتب إليه الحسين رضي الله عنه: ما أريد حربك، ولا الخلاف عليك)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب هذه الرواية بعد مقتل حجر بن عدي، وقد وردت عن ابن سعد والبلاذري بعد وفاة الحسن رضي الله عنه، ولم ترد عندهم بسند صحيح.
وأما متنها ففيه نكارة، وذلك فيما ذكرته من تهديد معاوية رضي الله عنه للحسين رضي الله عنه أنه هو غدر بيعته، وتذكيرًا له بالوفاء، وهذا لا يكون بين الصحابة، ولكن تَرَوَّى للمزايدة في التنديد بمعاوية رضي الله عنه لتهديده الحسين رضي الله عنه.
[26]
- (قالوا: ولم يرَ الحسن ولا الحسين طول حياة معاوية منه سوءًا في أنفسهما ولا مكروهًا، ولا قطع عنهما شيئًا مما كان شرط لهما، ولا تغير لهما عن بر)
(4)
.
انفرد صاحب الكتاب في هذه الرواية.
• نقد النص:
وهذا مما لا شك فيه، وقد شهد شاهد من أهلها، والحمد لله جاءت هذه الرواية ردًّا على ما قبلها، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم، مهما حصل بينهم من خلاف لا يمكن أن يتحول ذلك إلى عداوة أو قطيعة بينهم، فهم خير الناس.
(1)
الأخبار الطوال 224، 225.
(2)
الطبقات 1/ 436 (ت د. محمد السلمي)، بإسناد جمعي ذكر المحقق أن جميع طرقه ضعيفة.
(3)
الأنساب 3/ 151 ولم يسندها.
(4)
الأخبار الطوال 225.
خامسًا: خبر وفاة زياد، وخبر وفاة معاوية رضي الله عنه ووصيته
* خبر وفاة زياد:
[27]
- (قالوا: ومكث زياد على المصْرَيْن
(1)
أربع سنين
(2)
، فحضرته الوفاة عند ما مضى من خلافه معاوية ثلاث عشرة سنة، وذلك سنة ثلاث وخمسين.
فكتب إلى معاوية: أما بعد، فإني كتبتُ إليك وأنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وقد وليت الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد
(3)
، ووليت البصرة سمرة بن جندب الفزاري
(4)
، والسلام)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(6)
، والبلاذري
(7)
، والطبري
(8)
مختصرًا
(1)
المصرين: تثنية المصر، إذ أطلق هذا اللفظ يراد به البصرة والكوفة. الحموي: البلدان 5/ 137.
(2)
وقيل خمس سنين فقد روي عن فيل مولى زياد قال: (ملك زياد العراق خمس سنين ثم مات سنة ثلاث وخمسين) البخاري: التاريخ الكبير 7/ 140، الطبري: التاريخ 5/ 288.
(3)
عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، قال ابن منده: في صحبته وروايته نظر، ولي فارس لزياد في خلافة معاوية رضي الله عنه، واستخلفه زياد على البصرة لما مات فأقره معاوية رضي الله عنه، وهو الذي صلى على زياد. ابن الأثير: أسد الغابة 3/ 222. ابن حجر: الإصابة 4/ 63.
(4)
سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة الفزاري رضي الله عنه، له صحبة، وهو حليف الأنصار، كان زياد يستعمله على البصرة ستة أشهر وعلى الكوفة ستة أشهر، وكان شديدًا على الحرورية، فيقتل كل من أتي به منهم ولايقله، ويقول:(هم شر قتلى تحت أديم السماء يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء)، فالحرورية ومن قاربهم يطعنون فيه وينالون منه توفي في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه. ابن سعد: الطبقات 6/ 34، المزي: تهذيب الكمال 12/ 130.
(5)
الأخبار الطوال 225.
(6)
التاريخ 219.
(7)
الأنساب 5/ 240.
(8)
التاريخ 5/ 291.
وذلك من فيما يتعلق بتولية عبد الله بن خالد بن أسيد على الكوفة، وتولية سمرة بن جندب رضي الله عنه على البصرة.
وقد انفرد صاحب الكتاب في محتوى الرسالة.
[28]
- (فقيل له: لِمَ تُوَلِّ ابنك عبيد الله أحد الْمصْرَيْن؟ وليس بدون واحد من هذين، فقال: إن يكُ فيه خير فسيسبق إلى ذلك عمه معاوية)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
وفيها أن عبيد الله بن زياد وَفَدَ على معاوية رضي الله عنه وسأله أن يوليه، فقال له معاوية رضي الله عنه لو كان فيك خير لولاك أخي.
أما الطبري فقد روى أن عبيد الله بن زياد
(3)
وفد على معاوية رضي الله عنه فسأله من وَلَّى أخي على عمله فذكر له الولاة الذين استخلفهم زياد على عمله فقال له معاوية رضي الله عنه: (لو استعملك أبوك استعملتُك)
(4)
.
• نقد النص:
يلاحظ على هذه الروايات، ذكر القرابة بين زياد ومعاوية رضي الله عنه والسؤال كما جاء عن البلاذري أنه موجه من معاوية رضي الله عنه، وهو إقرار منه بالأخوة بينه وبين زياد، ولو ثبت إقرار معاوية رضي الله عنه بذلك لثبت النسب، ولا يخفى أن مثل هذه الروايات تُرْوَى لتثبيت النسب، وقد بينت فيما سبق من هذا الفصل بطلان
(1)
الأخبار الطوال 225.
(2)
الأنساب 5/ 283، ولم يسند الخبر.
(3)
عبيد الله بن زياد بن أبيه، أبو حفص، أمير العراق، أمه مرجانة من بنات ملوك الفرس، ولاه معاوية رضي الله عنه البصرة سنة خمس وخمسين، ثم ولي خراسان فكان أول عربي قطع نهر جيحون وافتتح بيكند، وقد أبغضه المسلمون بسبب قتله للحسين رضي الله عنه، ولما جاء نعي يزيد هرب إلى الشام، قتل يوم الخازر من قبل جيش ابن الأشتر سنة سبع وستين. الذهبي: السير 3/ 545.
(4)
التاريخ 5/ 295 من طريق عمر بن شبة عن المدائني، عن مسلمة بن محارب ومسلمة هذا مجهول الحال. المصنعي: مصباح الأريب 3/ 285، وعن محمد بن أبان القرشي ضعفه أبو داود وابن معين. الذهبي: المغني في الضعفاء 2/ 547.
هذا النسب وعدم ثبوته، وأمر آخر أن هذه الروايات لم ترد بسند صحيح، ثم إنه ورد ما يخالفها وهو أن معاوية رضي الله عنه وَلَّى عبيد الله بن زياد خراسان سنة أربع وخمسين
(1)
.
[29]
- (ثم مات
(2)
، وصلى عليه ابنه عبيد الله بن زياد، ودفن في مقابر قريش
(3)
.
ذكر البلاذري
(4)
أن من صلى عليه هو عبد الله بن خالد بن أسيد، وأنه دُفِنَ في منقطع البيوت بالكوفة. أما الطبري
(5)
فقد ذكر مكان الدفن أنه بالثوية إلى جانب الكوفة.
• نقد النص:
ذَكَرَت هذه الرواية أن مَنْ صلى على زياد هو ابنه عبيد الله، وقد وَهَمَ صاحب الكتاب في هذا؛ لأن الذي صلى عليه هو عبد الله بن خالد -أي كما ذكر البلاذري- وليس ابنه عبيد الله؛ وهذا يوافق ما جرت العادة أن من يلي الصلاة هو الوالي وقد ولّاه زياد قبل وفاته.
* ولاية البصرة والكوفة بعد زياد:
[30]
- (فتولى عبد الله بن خالد بن أسيد الكوفة ثمانية أشهر، وكتب معاوية إلى عبيد الله بن زياد بولاية البصرة، وعزل عبد الله بن خالد عن الكوفة،
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 295.
(2)
أي زياد.
(3)
مقابر قريش: هي مقبرة مشهورة في بغداد، بينها وبين دجلة شوط فرس جيد، وأول من دفن فيها جعفر الأكبر ابن المنصور أمير المؤمنين سنة 150 هـ. الحموي: البلدان 5/ 163.
(4)
البلاذري: الأنساب 5/ 278.
(5)
الطبري: التاريخ 5/ 290.
واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه
(1)
(2)
.
ذكر خليفة بن خياط
(3)
، والطبري
(4)
أن معاوية رضي الله عنه عزل عبد الله بن خالد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس رضي الله عنه
(5)
، ثم عزل معاوية رضي الله عنه سمرة بن جندب رضي الله عنه عن البصرة وولاها عبد الله بن عمرو بن غيلان
(6)
.
أما عن ولاية عبيد الله بن زياد للكوفة، فقد تولاها سنة خمس وخمسين بعد عبد الله بن عمرو بن غيلان
(7)
.
• نقد النص:
وبعد هذا الترتيب السابق تبين أن صاحب الكتاب قد وهم في ترتيب الولاة؛ لأنه قد خالف غيره.
* وفاة معاوية رضي الله عنه ووصيتة لابنه يزيد:
[31]
- (قالوا: ولما دخلتْ سنة ستين مرض معاوية مرضه الذي مات فيه، فأرسل إلى ابنه يزيد، وكان غائبًا عن مدينة دمشق، فلما أبطأ عليه دعا
(1)
النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري رضي الله عنه، أمه عمرة بنت رواحه أخت عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ولد قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بثمان سنين، كان جوادًا كريمًا شاعرًا، ولي الكوفة لمعاوية رضي الله عنه، ثم ولي حمص لمعاوية رضي الله عنه ولابنه يزيد، فلما مات يزيد صار زبيريًا، فخالفه أهل حمص فأخرجوه ثم قتلوه. ابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 1496.
(2)
الأخبار الطوال 225.
(3)
التاريخ 1/ 219.
(4)
التاريخ 5/ 300.
(5)
الضحاك بن قيس بن خالد الفهري القرشي رضي الله عنه، الأمير، عداده في صغار الصحابة، وتولى الكوفة لمعاوية رضي الله عنه بعد عبد الله بن خالد بن أسيد، ثم دمشق، وهو الذي صلى على معاوية رضي الله عنه وقام بخلافة حتى قدم يزيد، وبعد وفاة يزيد دعا لابن الزبير رضي الله عنه، ثم دعا لنفسه، ثم قتل في مرج راهط سنة أربع وستين. الذهبي: السير 3/ 241. ابن حجر: الإصابة 3/ 387.
(6)
خليفة بن خياط: التاريخ 223، والطبري: التاريخ 5/ 295.
(7)
خليفة بن خياط: التاريخ 223. والطبري: التاريخ 5/ 299.
الضحاك بن قيس الفهري، وكان على شُرَطِهِ، ومسلم بن عقبة
(1)
، وكان على حرسه، فقال لهما: أبلغا يزيد وصيتي، وأعلماه أني آمره في أهل الحجاز أن يكرم من قدم عليه منهم، ويتعهد من غاب عنه من أشرافهم، فإنهم أصله، وأني آمره في أهل العراق أن يرفق بهم ويداريهم ويتجاوز عن زلاتهم، وأني آمره في أهل الشام أن يجعلهم عينيه وبطانته، وألا يطيل حبسهم في غير شامهم، لئلا يجروا على أخلاق غيرهم. وأعلماه أني لست أخاف عليه إلا أربعة رجال: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر
(2)
، وعبد الله ابن الزبير، فأما الحسين بن علي فاحسب أهل العراق غير تاركيه حتى يخرجوه، فإن فعل، فظفرت به، فاصفح عنه، وأما عبد الله بن عمر فإنه رجل
قد وقذته العبادة، وليس بطالب للخلافة إلا أن تأتيه عفوًا، وأما عبد الرحمن
ابن أبي بكر فإنه ليس له في نفسه من النباهة والذكر عند الناس ما يمكنه
طلبها، ويحاول التماسها إلا أن تأتيه عفوًا، وأما الذي يجثم لك جثوم
الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك عبد الله بن الزبير، فإن فعل وظفرت به، فقطعه إربًا إربًا إلا أن يلتمس منك صلحًا، فإن فعل فاقبل منه، وأحقن دماء قومك بجهدك، وكف عاديتهم بنوالك، وتغمدهم بحلمك)
(3)
.
(1)
مسلم بن عقبة بن رباح المري، أمير جيش الحرة من قبل يزيد، مات بعد الحرة سنة 63 هـ. ابن حجر: الإصابة 6/ 232.
(2)
عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان رضي الله عنه، ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أسلم قبيل الفتح وحسن إسلامه، ولم يجرب عليه كذبة قط، كان شجاعًا راميًا حسن الرمي، شهد اليمامة وقتل سبعون من أكابرهم، اعترض على معاوية رضي الله عنه في بيعة ابنه يزيد، اختلف في زمن موته فقيل ثلاث وخمسين وقيل أربع وقيل: ثمان وخمسين. ابن عبد البر: الاستيعاب 2/ 824، ابن حجر: الإصابة 4/ 276.
(3)
الأخبار الطوال 225، 226.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(1)
، والبلاذري
(2)
، والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
ذَكَرَتْ هذه الرواية أن معاوية رضي الله عنه أوصى ابنه يزيد، ونصحه بنصائح يسير عليها لكي يستقيم أمره، وأتت من حرصه على الأمة، وقد ورد فيها بعض المآخذ مثل التحريض على رهط من قريش، وللتثبت منها سوف أعرض الطرق المسندة التي جاءت بها:
1 -
ذكر ابن سعد
(4)
روايتين من طريق محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف، الأولى: فيها أن معاوية رضي الله عنه خَوَّفَ يزيد من ثلاثة نفر هم: الحسين بن علي رضي الله عنه، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه
(5)
، وعمرو بن سعيد بن العاص
(6)
، وأمره أن يرفق بهم، والثانية: هي عبارة عن نصيحة عامة بين فيها معاوية لابنه سياسة الدولة.
2 -
وأما البلاذري
(7)
والطبري
(8)
، فقد ذكروا روايتين: الأولى من طريق
(1)
الطبقات 1/ 143 (ت د. عبد العزيز السلومي).
(2)
الأنساب 5/ 100، 5/ 144.
(3)
التاريخ 5/ 323.
(4)
الطبقات 1/ 143 (ت د. محمد السلمي).
(5)
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي رضي الله عنه، أبو بكر، أمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة، أول مولود من المهاجرين، ولد في السنة الأولى وقيل: الثانية من الهجرة، كان فارس قريش في زمانه، بويع بالخلافة بعد موت يزيد، سنة أربع وستين، ثم قتل من قبل جنود عبد الملك ابن مروان، سنة 73 هـ في مكة. ابن عبد البر: الاستيعاب 3/ 905. الذهبي: السير 3/ 363.
(6)
عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، تابعي، المعروف بالأشدق، كان شريفًا مطاعًا، وهو في الطبقة الثانية من تابعي المدينة، جمع معاوية رضي الله عنه ولاية مكة والمدينة لأبيه سعيد فجعله على مكة، فحج بالناس سنة ستين، وولي المدينة ليزيد بن معاوية، وقتله عبد الملك سنة سبعين للهجرة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 46/ 29.
(7)
الأنساب 5/ 100.
(8)
التاريخ 5/ 232.
عوانة بن الحكم
(1)
، وهو متهم بالوضع، وفيها أن معاوية رضي الله عنه نصح يزيد وخوفه من الحسين بن علي رضي الله عنه، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وقال له: إن الله كفاك عبد الرحمن بن أبي بكر، وأما عبد الله بن عمر فقد وقذه الإسلام.
- والأخرى من طريق عبد الحميد بن حبيب
(2)
عن أشياخه، وقوله: عن أشياخه فيها مجاهيل.
3 -
وأوردها الطبري
(3)
، من هشام بن محمد
(4)
عن أبي مخنف
(5)
، وكلاهما ضعيف، وفيها أن معاوية رضي الله عنه أوصى ابنه وخوفه من أربعة هم: الحسين رضي الله عنه، وابن عمر رضي الله عنه وابن الزبير رضي الله عنه وعبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه.
وبعد سرد الطرق وبيان رواتها تَبَيَّنَ أنها لم تأتِ بطرق صحيحة
(6)
، ولا يمكن الاعتماد عليها والتسليم بصحة كل ما ذكر فيها، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
- القسم الأول: الذي فيه الوصية مع ذكر أسماء الرهط، وفيها بعض المآخذ منها:
- أن فيها اختلافًا في ذكر أسماء الرهط وعددهم، والملاحظ أن التكرار
(1)
عوانة بن الحكم الأخباري المشهور، روى عن كثير من التابعين قل أن روى حديثًا مسندًا، وأنه كان عثمانيًّا يضع الأخبار لبني أمية. ابن حجر: لسان الميزان ت أبو غدة 6/ 247.
(2)
عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، كاتب الأوزاعي، ولم يروِ عن غيره، صدوق ربما أخطأ، ابن حجر: التقريب 1/ 333، وقد قال عنه النسائي: ليس بالقوي. الذهبي: ديوان الضعفاء 1/ 236.
(3)
التاريخ 5/ 322.
(4)
هشام بن محمد الكلبي ضعيف سبقت ترجمته.
(5)
لوط بن يحيى ضعيف سبقت ترجمته.
(6)
ومن ذلك أيضًا ما ذكره الجاحظ في البيان والتبيين 2/ 89، وابن عبد ربه في العقد الفريد 5/ 122، من طريق الهيثم ابن عدي وهو ضعيف.
والتركيز جاء على شخصين هما الحسين رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وهذا يثير الغرابة.
- أن بعضها ذكرت عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه وقد توفي قبل معاوية رضي الله عنه
(1)
.
وقد أوردها ابن كثير، وعلق على ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، فقال: والصحيح أنه مات قبل ذلك بسنتين
(2)
.
- وأما عن ذكر عبد الله بن عمر رضي الله عنه فلم يعارض البيعة أصلًا، وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع
(3)
عن سفيان
(4)
عن محمد بن المنكدر
(5)
قال: بلغ ابن عمر أن يزيد بن معاوية بويع له فقال: (إن كان خيرًا رضينا، وإن كان شرًّا صبرنا)
(6)
.
- وفيها اتهام لمعاوية رضي الله عنه بأنه وصف بعض هؤلاء الرهط بأوصاف لا تليق بهم.
وهذا القسم لم يأتِ وحده في المصادر السابقة وإنما أتى مقرونًا بالقسم الآخر.
(1)
اختلف في سنة وفاته فقد ذكر ابن سعد وأبو نعيم أنه توفي سنة ثلاث وخمسين، وقال يحيى بن بكير سنة أربع، وقيل: خمس، وقال ابن حبان: مات سنة ثمان، وقال البخاري: مات قبل عائشة وبعد سعد. ابن حجر: الإصابة 4/ 276.
(2)
البداية والنهاية 8/ 123.
(3)
وكيع بن الجراج بن مليح الرؤاسي، الكوفي، ثقة، حافظ، عابد، من كبار التاسعة مات سنة 197 هـ. ابن حجر التقريب 1/ 581.
(4)
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، حافظ، فقيه عابد، من رءوس السابعة، مات 161 هـ. ابن حجر: التقريب 1/ 244.
(5)
محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي، ثقة فاضل من الثالثة. مات 130 هـ. ابن حجر التقريب 1/ 508.
(6)
المصنف 6/ 190. ابن سعد: الطبقات 4/ 182
- ومجمل هذا الجزء يتنافى مع حكمة معاوية رضي الله عنه ودهائه وحلمه الذي اشتهر به، وإلا فكيف يضع ابنه وخليفته في مفترق طرق، وبسياسة متناقضة، بحيث يأمره بالرفق بالحسين رضي الله عنه، والانتقام من ابن الزبير رضي الله عنه وكلاهما من الصحابة ولهما قرابة بالرسول صلى الله عليه وسلم.
- أما القسم الثاني: والذي فيه وصية معاوية رضي الله عنه لابنه في كيفية تدبير ملكه بدون ذكر الرهط، حيث فَصَلَ فيه التعامل مع الأمصار كل مصر له طريقة، وهي نصيحة عامة:
فقد روى ابن سعد بسنده: (يا يزيد: اتّق اللّه، فقد وطّيت لك هذا الأمر، وولّيت من ذلك ما ولّيت، فإن يك خيرًا فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به، فارفق بالنّاس، وأغض عمّا بلغك من قولٍ تُؤذَى به وتنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك وتصلح لك رعيّتك. وإيّاك والمناقشة وحمل الغضب؛ فإنّك تهلك نفسك ورعيّتك، وإيّاك وجبّة أهل الشّرف واستهانتهم والتّكبّر عليهم، لِنْ لهم لينًا لا يرون منك ضعفًا ولا خورًا، وأوطئهم فرشك وقرّبهم فإنّه يعلم لك حقّك، ولا تهنهم وتستخفّ بحقّهم فيهينونك ويستخفّون بحقّك ويقولون فيك. فإذا أردت أمرًا فادع أهل السِّنّ والتّجربة من أهل صنائعي والانقطاع إليّ، فشاورهم ثمّ لا تخالفهم، وإيّاك والاستبداد برأيك، فإنّ الرّأي ليس في صدرٍ واحدٍ. اصدق من أشار عليك حتّى يجيبك على ما يعرف، ثمّ أطعه فيما أشار به، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك. وشمّر إزارك، وتعاهد جندك، وأصلح نفسك يصلح لك النّاس، لا تدع لهم فيك مقالًا، فإنّ النّاس سراعٌ إلى الشّرّ، واحضر الصّلاة، فإنّك إذا فعلت ما أوصيك به عُرِفَ لك حقّك، وعظمت مع مملكتك. وشَرِّف أهل المدينة ومكّة، فإنّهم أصلك وعشيرتك ونسبك، وشَرِّف أهل الشّام، فإنّهم أنصارك وحماتك وجندك الّذين تصول بهم أهل طاعةٍ.
واكتب إلى أهل الأمصار بكتابٍ تَعِدُهُم منك المعروف، فإنّ ذلك يبسط آمالهم، ووفّد عليك من الكور كلّها فأحسن إليهم وأكرمهم فإنّهم لمن ورائهم، ولا تسمعنّ قول قارفٍ ولا ماحلٍ، فإنّي رأيتهم وزراء سوءٍ)
(1)
.
وأورد البلاذري أيضًا وصية لمعاوية رضي الله عنه: (يا بني، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم مَنْ قدم عليك منهم، وتعهد مَنْ غاب عنك من وجوههم، وانظر أهل العراق وإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملًا فافعل، فإنَّ عزل عامل أهون عليك من أن تُشْهِرَ عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فإنهم بطانتك وعيبتك فإذا رَابَكَ من عدو شيء فانتصر بهم ثم ردهم إلى بلادهم فإن هم أقاموا في غيرها فسدت أخلاقهم)
(2)
.
(1)
الطبقات 1/ 143 (ت د. عبد العزيز السلومي)
(2)
الأنساب 5/ 146.
الفصل الثاني
أولًا: بيعة يزيد وموقف الحسين وعبد الله بن الزبير منها.
ثانيًا: دعوة أهل الكوفة للحسين وإرسال مسلم بن عقيل.
ثالثًا: دخول عبيد الله بن زياد الكوفة ومقتل مسلم بن عقيل.
رابعًا: عزم الحسين على الخروج للكوفة وموقف الصحابة منه.
خامسًا: أحداث الطريق إلى الكوفة.
سادسًا: معركة كربلاء ومقتل الحسين.
أولًا: بيعة يزيد بن معاوية وموقف الحسين رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه منها
[32]
- (ثم قدم عليه يزيد، فأعاد عليه هذه الوصية، ثم قضى، فأقبل الضحاك بن قيس حتى أتى المسجد الأعظم، فصعد المنبر، ومعه أكفان معاوية، فقال: أيها الناس، إن معاوية بن أبي سفيان كان عبدًا من عباد الله، ملكه على عباده، فعاش بقَدَرٍ ومات بأجل، وهذه أكفانه كما ترون، نحن مُدْرِجُوه فيها ومُدْخِلُوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أحب منكم أن يشهد جنازته فليحضر بعد صلاه الظهر. ثم نزل.
وتفرق الناس حتى إذا صلوا الظهر اجتمعوا وأصلحوا جهازه، وحملوه حتى واروه.
وانصرف يزيد فدخل الجامع، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه، ثم انصرف إلى منزله)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
مطولًا، وخليفة بن خياط
(3)
مختصرًا، والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية خبر وفاة معاوية وأنه سنة ستين، وأن يزيد حضر قبل الوفاة.
(1)
الأخبار الطوال 226، 227.
(2)
الطبقات 1/ 151 (ت د. عبد العزيز السلومي).
(3)
التاريخ 226.
(4)
الأنساب 5/ 155.
(5)
التاريخ 5/ 328.
والمشهور أنه لم يحضر ذلك، وأن الذي صلى عليه هو الضحاك بن قيس رضي الله عنه
(1)
.
ذكر ذلك ابن كثير وقال: (وعليه الجمهور)
(2)
، ومما يدل على ذلك هذه الخطبة التى ألقاها الضحاك، فلو كان يزيد حاضرًا لتولى الصلاة والخطبة؛ لأنه الخليفة بعد أبيه.
[33]
- (ومات معاوية وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية
(3)
، وعلى الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
، والطبري
(6)
، إلا في ذكر والي مكة، فقد ذكروا أنه عمرو بن سعيد بن العاص.
• نقد النص:
وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر ولاية يحيى بن حكيم على مكة من قبل معاوية رضي الله عنه، والصحيح أن ولايته في عهد يزيد بن معاوية
(7)
.
(1)
ذكر ذلك خليفة بن خياط 226، ابن سعد في الطبقات 1/ 151 (ت د. عبد العزيز السلومي)، والطبري: التاريخ 5/ 327، والذهبي: تاريخ الإسلام بروايتين عن أبي مسهر 4/ 317، وعن الزبير بن بكار 5/ 132.
(2)
البداية والنهاية 8/ 153.
(3)
يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، ولي مكة ليزيد بن معاوية، ذكر أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بايعه ليزيد ولكن يزيد رفض تلك البيعة وردها، ثم ذكر الحارث بن خالد ليزيد أن يحيى يداهن ابن الزبير رضي الله عنه فعزله يزيد وولى الحارث. ابن سعد الطبقات 5/ 475، ابن عساكر: تاريخ دمشق 28/ 207، الأعلام للزركلي 8/ 143.
(4)
الأخبار الطوال 227.
(5)
الأنساب 5/ 299.
(6)
التاريخ 5/ 338.
(7)
ابن سعد: الطبقات 5/ 475.
* تنفيذ وصية معاوية رضي الله عنه المزعومة وخروج الحسين رضي الله عنه وابن الزبير رضي الله عنه إلى مكة:
[34]
- (فلم تكن ليزيد همة إلا بيعة هؤلاء الأربعة نفر، فكتب إلى الوليد بن عتبة
(1)
يأمره أن يأخذهم بالبيعة أخذًا شديدًا لا رخصةَ فيه، فلما ورد ذلك على الوليد قطع به وخاف الفتنة، فبعث إلى مروان، وكان الذي بينهما متباعدًا، فأتاه، فأقرأه الوليد الكتاب واستشاره.
فقال له مروان: أما عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فلا تخافن ناحيتهما، فليسا بطالبين شيئًا من هذا الأمر، ولكن عليك بالحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فابعث إليهما الساعة، فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما قبل أن يعلن الخبر، فيثب كل واحد منهما ناحية، ويظهر الخلاف.
فقال الوليد لعبد الله بن عمرو بن عثمان
(2)
، وكان حاضرًا وهو حينئذ غلام حين راهق: انطلق يا بُنَيَّ إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فادْعُهُما.
فانطلق الغلام حتى أتى المسجد، فإذا هو بهما جالسين، فقال: أجيبا الأمير.
فقالا للغلام: انطلق، فإنا صائران إليه على إثرك. فانطلق الغلام.
(1)
الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، كان ذا حلم وجود وسؤدد، ولي لعمه معاوية رضي الله عنه المدينة، ولما جاء نعي يزيد لم يشدد على الحسين رضي الله عنه وابن الزبير رضي الله عنه، ذكر أن أهل الشام أرادوه على الخلافة بعد معاوية بن يزيد ولكنه طعن فمات قبل ذلك. الذهبي: السير 3/ 534.
(2)
عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي، كان جوادًا كريمًا، يلقب بالمطرف لجماله، أمه حفصة بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، توفي بمصر سنة ست وتسعين ابن سعد: الطبقات 92 (ت: زياد منصور)، المزي: تهذيب الكمال 15/ 363.
فقال ابن الزبير للحسين رضي الله عنه: فيمَ تراه بَعَثَ إلينا في هذه الساعة؟.
فقال الحسين: أحسب معاوية قد مات، فبعث إلينا للبيعة. قال ابن الزبير: ما أظن غيره. وانصرفا إلى منازلهما.
فأما الحسين فجمع نفرًا من مواليه وغلمانه، ثم مشى نحو دار الإمارة، وأمر فتيانه أن يجلسوا بالباب، فإن سمعوا صوته اقتحموا الدار.
ودخل الحسين على الوليد، وعنده مروان، فجلس إلى جانب الوليد، فأقرأه الوليد الكتاب، فقال الحسين: إن مثلي لا يُعطَى بيعته سرًّا، وأنا طوع يديك، فإذا جمعت الناس لذلك حضرت، وكنت واحدًا منهم.
وكان الوليد رجلًا يحب العافية، فقال للحسين: فانصرف إذن حتى تأتينا مع الناس، فانصرف.
فقال مروان للوليد: عصيتني، ووالله لا يمكنك من مثله أبدًا.
قال الوليد: ويحك، أتشير عليَّ بقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهما السلام؟ والله إن الذي يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله.
وتحرز
(1)
ابن الزبير في منزله، وراوغ الوليد حتى إذا جن عليه الليل سار نحو مكة، وتنكب الطريق الأعظم فأخذ على طريق الفرع.
ولما أصبح الوليد بلغه خبره، فوجه في إثره حبيب بن كدين
(2)
في ثلاثين فارسًا، فلم يقعوا له على أثره، وشغلوا يومهم ذلك كله بطلب ابن الزبير.
(1)
الحرز: الموضع الحصين. الزبيدي: تاج العروس 15/ 99.
(2)
والصحيح من اسمه أنه حبيب بن كرة، كما جاء ذلك عند البلاذري 5/ 300، والطبري: التاريخ 5/ 482. وهو حبيب بن كرة، قدم على يزيد بن معاوية بكتاب مروان بن الحكم حينما أخرجهم أهل المدينة زمن الحرة، وكانت معه راية مروان يوم المرج. ابن عساكر: تاريخ دمشق 12/ 44.
فلما أمسوا، وأظلم الليل مضى الحسين رضي الله عنه أيضًا نحو مكة، ومعه أختاه: أم كلثوم، وزينب وولد أخيه، وإخوته أبو بكر، وجعفر، والعباس، وعامة من كان بالمدينة من أهل بيته إلا أخاه محمد ابن الحنفية، فإنه أقام)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
مطولًا، وخليفة بن خياط
(3)
مختصرًا، والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
مطولًا.
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية متناسقة ومكملة للرواية رقم [31] والتي فيها وصية معاوية رضي الله عنه لابنه يزيد أن يحذر من الحسين بن علي رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وقد بينا أنها لم تأتِ بطرق صحيحة، فلو صحت لكان هذا زمن تنفيذها.
أما هذه الرواية فسوف أذكر الطرق التي جاءت بها مسندة:
- أوردها ابن سعد بثلاثة طرق، قال المحقق: كلها ضعيفة
(6)
.
- وأما خليفة بن خياط
(7)
، والبلاذري
(8)
فقد وردت عندهم من طريق رزيق مولى معاوية رضي الله عنه
(9)
، وفيها أن يزيد بعثه إلى الوليد بن عتبة أمير
المدينة يأمره بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط، وفي سندها محمد بن الزبير
(1)
الأخبار الطوال 227، 228.
(2)
الطبقات 1/ 438 (ت د. محمد السلمي).
(3)
التاريخ 232.
(4)
الأنساب 5/ 299.
(5)
التاريخ 5/ 338.
(6)
الطبقات 1/ 438 (ت د. محمد السلمي).
(7)
التاريخ 232.
(8)
البلاذري: الأنساب 5/ 309.
(9)
رزيق خصي يزيد بن معاوية، بعثه يزيد بعد وفاة معاوية رضي الله عنه سنة ستين بخبر الوفاة ولأخذ البيعة من أهل المدينة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 19/ 17.
الحنظلي
(1)
وهو ضعيف.
- وجاءت عند البلاذري
(2)
وعند الطبري
(3)
من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف، وفيها أن يزيد بعث إلى الوليد بن عتبة يخبره بوفاة معاوية رضي الله عنه، ويأمره بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط.
- وذكر البلاذري
(4)
، رواية أخرى في سندها ابن جعدبة
(5)
، وهو متهم بالكذب، وفيها أن يزيد أمر الوليد بأخذ البيعة من الحسين رضي الله عنه، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
تبين مما سبق أن هذه الرواية لم تأتِ بطرق صحيحة، وقد نصت على أن يزيد هو الذي أمر بأخذ البيعة من هؤلاء الرهط.
- وهناك رواية أخرى ذكرها خليفة بن خياط
(6)
، من طريق جويرية بن أسماء
(7)
، عن أشياخه من أهل المدينة، وقوله عن أشياخه يفيد أن فيها مجاهيل، وهي تذكر أن من أمر بأخذ البيعة من عبد الله بن الزبير رضي الله عنه والحسين رضي الله عنه، هو الوليد بن عتبة، والذي أشار عليه هو مروان بن الحكم.
- وكل ما سبق من الروايات لم يثبت بطرق صحيحة، وأما متنها ففيه من المآخذ التي لا يمكن قبولها عن الحسين رضي الله عنه وعن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، أما
(1)
محمد بن الزبير الحنظلي، متروك من السادسة. ابن حجر: التقريب 1/ 478.
(2)
الأنساب 5/ 299.
(3)
التاريخ 5/ 338.
(4)
الأنساب 5/ 310.
(5)
يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي، كذبه مالك وغيره، من السادسة. ابن حجر: التقريب 1/ 604.
(6)
التاريخ 232.
(7)
جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي، صدوق، من السابعة، مات سنة 173 هـ. ابن حجر: التقريب 1/ 143.
الحسين رضي الله عنه فمن ذلك وَعْدُه للوليد حينما قال: إن مثلي لا يبايع سرًّا، فإذا اجتمع الناس بايعت، وهذا وعد منه بالبيعة ليزيد علانية، وأنه لم يرفض البيعة إلا أن كونها سرًّا، ثم يخرج إلى مكة ولا يبايع، فيعتبر أنه أخلف الوعد، فنبرأ إلى الله أن يوصف ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة والمانع من ذلك عدالته.
- وأما عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فتذكر الروايات أنه راوغ الوليد بن عتبة، ووعده أنه سوف يحضر إليه، ثم خرج إلى مكة، وبعضها تذكر أنه هو مَنْ قال: لا أبايع سرًّا فإذا اجتمع الناس وبايعوا بايعت، وكل ذلك من الوعود التي قطعها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على نفسه ثم لم يتمها، وهذا لا يمكن قبوله على عبد الله بن الزبير رضي الله عنه والمانع من ذلك عدالته.
وفيها اتهام لمروان بن الحكم أنه أشار على الوليد أن يدعو الحسين رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه للبيعة فإن رفضا فاقتلهما، وهذا يخالف ما ورد عن مروان بن الحكم أنه أرسل إلى عبيد الله بن زياد حينما خرج الحسين رضي الله عنه إلى العراق فقال:(أما بعد: فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين. فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء ولا تنساه العامة ولا تدع ذكره. والسلام)
(1)
.
- وخلاصة القول أن جميع ما ذكرته الرواية رقم (31) التي جاءت بوصية معاوية رضي الله عنه لابنه يزيد حدث بالتفصيل فيما جاء به هذه الرواية التي تحدثت عن ما بعد وفاة معاوية رضي الله عنه، وكأنها حكت الواقع الذي وصفته الوصية، ومن ذلك عدم معارضة عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ومراوغة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وما سوف يأتي من خبر دعوة أهل العراق للحسين رضي الله عنه، وخروجه
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 452 (ت د. محمد السلمي).
إليهم ومقتله، وبهذا يتضح أن هذه الروايات صِيغَتْ بعد الأحداث، وأنها من نسج الوضاعين من أهل التاريخ.
ولعل الأمر لا يعدو أن الحسين رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه عندما سمعا بموت يزيد خافا من البيعة له، وهما لا يريدان ذلك، ولهذا خرجا إلى مكة.
ومما يدل على ذلك ما ذكره ابن سعد: (فبعث الوليد بن عتبة من ساعته - نصف الليل- إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد. فقالا: نصبح وننظر ما يصنع الناس ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث
له حزم ولا مروءة)
(1)
، وما رواه الطبري بسنده أن الحسين رضي الله عنه قال للوليد
ابن عتبة عندما طلب منه البيعة ليزيد: (أخِّرني وارفق، فأخَّره، فخرج إلى مكة)
(2)
.
[35]
- (وأما عبد الله بن عباس فقد كان خرج قبل ذلك بأيام إلى مكة)
(3)
.
انفرد بذكر هذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
ولعله أراد بذلك أن ابن عباس رضي الله عنه لم يبايع يزيد.
وقد ذكر البلاذري بسنده عن عامر بن مسعود الجمحي
(4)
أنه قال: إنا
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 442 (ت د. محمد السلمي).
(2)
التاريخ 5/ 347.
(3)
الأخبار الطوال 228.
(4)
عامر بن مسعود بن أمية بن خلف، مختلفٌ في صحبته، اتفق عليه أهل الكوفة بعد موت يزيد فاقره ابن الزبير رضي الله عنه، ثم عزله. ابن حجر: الإصابة 3/ 488. وذكره في التقريب 288، ولم يذكر له جرحًا أو تعديلًا.
لبمكة؛ إذ مَرَّ بنا بريدٌ يَنْعَى معاوية، فنهضنا إلى ابن عباس وهو بمكة وعنده جماعة وقد وضعت المائدة ولم يؤتَ بالطعام فقلنا له: يا أبا العباس، جاء البريد بموت معاوية فوجم
(1)
طويلًا ثم قال: اللّهم أوسع لمعاوية، أما واللّه ما كان مثل من قبله ولا يأتي بعده مثله وإن ابنه يزيد لمن صالحي أهله، فالزموا مجالسكم وأعطوا طاعتكم وبيعتكم، هات طعامك يا غلام، قال: فبينا نحن كذلك إذ جاء رسول خالد بن العاص
(2)
وهو على مكّة يدعوه للبيعة فقال: قل له اقضِ حاجتك فيما بينك وبين من حضرك فإذا أمسينا جئتك، فرجع الرسول فقال: لا بدّ من حضورك فمضى فبايع)
(3)
.
وهنا نجد أن ابن عباس رضي الله عنه أثنى على يزيد وبايع له، ولم أقف على رواية تذكر عدم بيعة ابن عباس رضي الله عنه ليزيد أو أنه عارضه.
قال ابن كثير: (فلمّا مات معاوية سنة ستّين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عبّاسٍ، وصمّم على المخالفةِ الحسينُ وابنُ الزّبير، وخرجا من المدينة فارّين إلى مكّة فأقاما بها)
(4)
.
[36]
- (وجعل الحسين رضي الله عنه يطوي المنازل، فاستقبله عبد الله بن مطيع
(5)
، وهو منصرف من مكة يريد المدينة، فقال له: أين تريد؟.
(1)
وجم: الوجوم والأجوم: السكوت على غيض وهم. الخليل بن أحمد: العين 6/ 195.
(2)
خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخرومي، أسلم عام الفتح، وأقام بمكة، ولي مكة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولعثمان بن عفان رضي الله عنه، وردت آثار أنه تأخر إلى خلافة معاوية. ابن حجر: الإصابة 2/ 205. ونجد أن في هذه الرواية وهم ظاهر في ولاية خالد بن العاص لمكة في هذه الفترة، وقد ورد في ما سبق أن الوالي عليها هو عمرو بن سعيد الأشدق، ولكن يستأنس بها في ذكر بيعة ابن عباس رضي الله عنه ليزيد، لأنه لم يرد خلافًا لها.
(3)
الأنساب 5/ 289.
(4)
البداية والنهاية 8/ 162.
(5)
عبد الله بن مطيع بن الأسود بن حارثة العدوي القرشي، ذكره ابن حبان وابن قانع وغيرهما في الصحابة، كان على قريش في وقعة الحرة، قتل مع ابن الزبير في حصار مكة من قبل الحجاج. ابن حجر: الإصابة 5/ 21.
قال الحسين: أما الآن فمكة.
قال خار
(1)
الله لك، غير أني أحب أن أشير عليك برأي.
قال الحسين وما هو؟.
قال: إذا أتيت مكة فأردت الخروج منها إلى بلد من البلدان، فإياك والكوفة، فإنها بلدة مشئومة، بها قُتِلَ أبوك، وبها خُذِلَ أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، بل الزم الحرم، فإن أهل الحجاز لا يعدلون بك أحدًا، ثم ادع إليك شيعتك من كل أرض، فسيأتونك جميعًا.
قال له الحسين: يقضي الله ما أحب)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
.
• نقد النص:
في هذا الخبر لقاء عبد الله بن مطيع للحسين رضي الله عنه وقد ذكر صاحب الكتاب ومثله الطبري من طريق أبي مخنف أن الحسين التقى بعبد الله بن مطيع مرتين، الأولى
(6)
وهو في طريقه إلى مكة والأخرى
(7)
عند خروجه من مكة، وهذا لا يمكن؛ لأن الطريق مختلف.
ولعل الأقرب والله أعلم أنه التقى به بعد مراسلة أهل الكوفة له وعزمه
(1)
خار الله لك: أي أعطاك ما هو خير لك. ابن منظور: لسان العرب 4/ 267.
(2)
الأخبار الطوال 228، 229.
(3)
الطبقات 1/ 443.
(4)
الأنساب 3/ 155 (ت د. محمد السلمي).
(5)
التاريخ 5/ 351.
(6)
الطبري: التاريخ 5/ 351.
(7)
المصدر السابق 5/ 395.
على المسير؛ لأنه حذره من أهل الكوفة وهو:
- إما في مكة
(1)
.
- أو في طريقه إلى الكوفة وهو ما ذكرته إحدى الروايات السابقة؛ لأنه حذره من أهل الكوفة.
[37]
- (ثم أطلق عنانه، ومضى حتى وافى مكة، فنزل شِعْبَ علي
(2)
، واختلف الناس إليه، فكانوا يجتمعون عنده حِلقًا حِلقًا، وتركوا عبد الله بن الزبير، وكانوا قبل ذلك يتحفلون
(3)
إليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم أن الناس لا يحفلون به
(4)
والحسين مقيم بالبلد، فكان يختلف إلى الحسين رضي الله عنه صباحًا ومساءً)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(6)
، والبلاذري
(7)
، والطبري
(8)
. وكلها أشارت إلى موقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من الحسين رضي الله عنه حينما قدم إلى مكة.
• نقد النص:
في هذه الرواية تلميح إلى أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان متضايق من وجود الحسين رضي الله عنه في مكة، وكلها جاءت من طرق غير صحيحة، وسيأتي بيان
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 443 (ت د. محمد السلمي).
(2)
شعب علي، وهو في الأصل شعب أبي يوسف، وهو الشعب الذي لجأ إليه بنو هاشم حينما تحالفت قريش ضدهم، فيعرف بشعب أبي طالب وشعب بني هاشم، وشعب علي. البلادي: معالم مكة التاريخية والأثرية 145.
(3)
يتحفلون: من تحفيت به تحفيًا، وهو المبالغة في إكرامه. ابن منظور: لسان العرب 14/ 187.
(4)
يحفلون: أي يجتمعون. الخليل: العين 3/ 235.
(5)
الأخبار الطوال 229.
(6)
الطبقات 1/ 443 (ت د. محمد السلمي) بأسانيد ذكر المحقق أنها ضعيفة.
(7)
الأنساب 5/ 301. من طريق أبي مخنف.
(8)
التاريخ 5/ 351. من طريق أبي مخنف.
حقيقة موقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من الحسين رضي الله عنه في الحديث عن موقف الصحابة من خروج الحسين رضي الله عنه.
[38]
- (ثم إن يزيد عزل يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية)
(1)
.
ذكر خليفة بن خياط
(2)
والطبري
(3)
في سنة ستين أن يزيد عزل الوليد بن عتبة عن مكة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص وحج بالناس في هذه السنة، وذكر البلاذري
(4)
أن يزيد ولى عمرو بن سعيد المدينة وولى يحيى بن الحكم مكة، وفي رواية أن عمرو بن سعيد ولى يحيى بن حكيم مكة وصار إلى المدينة.
• نقد النص:
ما ذكره البلاذري في تولية يزيد يحيى بن حكيم على مكة يدل على أنه تولى في خلافته، وليس كما ذكر صاحب الكتاب سابقًا في الرواية رقم [33] من أن معاوية رضي الله عنه توفي وهو على مكة.
والجمع بين الروايات السابقة أن يحيى بن حكيم لم يتولَّ إلا في عهد يزيد، وأنه نائب على مكة من قبل عمرو بن سعيد، كما جاء عند البلاذري ولم يذكر متى عزله.
* * *
(1)
الأخبار الطوال 229.
(2)
التاريخ 233.
(3)
التاريخ 5/ 399.
(4)
الأنساب 5/ 307، بروايتين الأولى عن الواقدي وفيها اسم أبيه (الحكم)، والثانية عن هشام الكلبي أنه (حكيم).
ثانيًا: دعوة أهل الكوفة للحسين رضي الله عنه وإرسال مسلم بن عقيل
* كُتُبِ استدعاء الحسين رضي الله عنه من قبل أهل الكوفة:
[39]
- (قالوا: ولما بلغ أهل الكوفة وفاة معاوية وخروج الحسين بن علي إلى مكة اجتمع جماعة من الشيعة في منزل سليمان بن صرد، واتفقوا على أن يكتبوا إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم، ليسلموا الأمر إليه، ويطردوا النعمان بن بشير، فكتبوا إليه بذلك، ثم وجهوا بالكتاب مع عبيد الله بن سبيع الهمدانى
(1)
وعبد الله بن وداك السلمى
(2)
، فوافوا الحسين رضي الله عنه بمكة لعشر خلون من شهر رمضان، فأوصلوا الكتاب إليه
(3)
.
ثم لم يمس الحسين يومه ذلك حتى وَرَدَ عليه بشر بن مسهر الصيداوى
(4)
، وعبد الرحمن بن عبيد الأرحبى
(5)
، ومعهما خمسون كتابًا من
(1)
عبيد الله بن سبيع الهمذاني ويقال ابن سبع، يروي عن علي رضي الله عنه، ذكر في فيمن كتب إلى الحسين رضي الله عنه. المزي: تهذيب الكمال 15/ 5. الطبري: التاريخ 5/ 352.
(2)
عبد الله بن الوداك السلمي، ذكر الطبري 5/ 352، أنه «عبد الله بن والٍ» بدل «وداك» ، وهو تيمي من تيم اللات، من تيم بكر بن وائل وليس سُلَميٌّ، كان من رءوس التوابين مع سليمان بن صرد. الطبري: التاريخ 5/ 552. ابن الأثير: الكامل 3/ 273.
(3)
وقد نص كتابهم على (بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من شيعة من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيهلا، فإن الناس، ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل، والسلام). الطبري: التاريخ 5/ 353.
(4)
بشر بن مسهر الصداوي، ولعل الصحيح من اسمه (قيس) بدل (مسهر) فهو قيس بن مسهر بن خليد بن جندب بن منقذ بن جسر بن نكرة بن الصيداء، صحب مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ثم أرسله الحسين رضي الله عنه بكتابه إلى أهل الكوفة فأخذه به ابن زياد فطرحه من فوق القصر فتقطع. البلاذري: الأنساب 2/ 159، 11/ 164.
(5)
عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي ذكر في رسل أهل الكوفة للحسين رضي الله عنه ثم بعثه مع مسلم بن عقيل، وقد قاتل مع الحسين حتى قتل. البلاذري: الأنساب 3/ 196. الطبري: التاريخ 5/ 352، 354.
أشراف أهل الكوفة ورؤسائها كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة والأربعة بمثل ذلك.
فلما أصبح وافاه هانئ بن هانئ السبيعي
(1)
وسعيد بن عبد الله الخثعمى
(2)
، ومعهما أيضًا نحو من خمسين كتابًا.
فلما أمسى أيضًا ذلك اليوم وَرَدَ عليه سعيد بن عبد الله الثقفي
(3)
ومعه كتاب واحد من شبث بن ربعي
(4)
، وحجار بن أبجر
(5)
، ويزيد بن الحارث
(6)
، وعروة بن قيس
(7)
، وعمرو بن الحجاج
(8)
، ومحمد بن عمير بن عطارد
(9)
(1)
هانئ بن هانئ المرادي، ذكره البلاذري في الأنساب 3/ 158، والطبري في التاريخ 5/ 353 في من أرسل إلى الحسين رضي الله عنه من الكوفيين.
(2)
سعيد بن عبد الله الخثعمي، والصحيح (الحنفي) بدل (الخثعمي) ذكر فيمن اعترض على صلح الحسن بن علي رضي الله عنه، وجاء ذكره في مراسلات أهل الكوفة للحسين رضي الله عنه، ثم أنه شارك في القتال معه وقتل. البلاذري: الأنساب 3/ 149، 185، 196. الطبري: التاريخ 5/ 353، 419.
(3)
هو الخثعمي الأول.
(4)
شبث بن ربعي بن حصين التميمي، أحد الأشراف، شيخ مضر بالكوفة، كان ممن أعان على عثمان رضي الله عنه وممن خرج على علي رضي الله عنه، ثم تاب، ثم شارك في قتل الحسين رضي الله عنه، وقد خرج مع المختار ثم انقلب عليه وأبلى بلاء حسنًا في قتاله. الذهبي: السير 4/ 150، الأعلام: الزركلي 3/ 154.
(5)
حجار بن أبجر بن جابر بن بجير من عجل، كان شريفًا، يروي عن علي. ابن سعد: الطبقات الكبرى 6/ 321.
(6)
يزيد بن الحارث الشيباني، له إدراك، وقد شهد اليمامة، وقد نزل البصرة. ابن حجر: الإصابة 6/ 548.
(7)
عروة بن قيس والصحيح (عرزة) بدل (عروة) وهو ممن كتب إلى الحسين رضي الله عنه وأعان على قتله حيث كان على خيل ابن زياد في كربلاء. الطبري: التاريخ 5/ 410.
(8)
عمرو بن الحجاج الزبيدي، اشترك في قتل الحسين رضي الله عنه وكان على ميمنة عمرو بن سعد، ثم إنه هرب من المختار فمات بواقصة عطشًا. البلاذري: الأنساب 3/ 190، 6/ 409، ابن حجر: الإصابة 5/ 111.
(9)
محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي، ليس له صحبة ولا رؤية، كان سيد أهل الكوفة وأجود مضر، وصاحب ربع تميم وهمذان، شهد مع علي صفين، ووفد على عبد الملك، ثم على عبد العزيز بن مروان بمصر وأقام بالشام كراهية ولاية الحجاج. ابن عساكر: تاريخ دمشق 55/ 38. ابن حجر: الإصابة 6/ 272.
وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة، فتتابعت عليه في أيام رُسُلُ أَهْلِ الكوفة ومن الكتب ما ملأ منه خرجين.
فكتب الحسين إليهم جميعا كتابًا واحدًا، ودفعه إلى هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى من بلغه كتابي هذا، من أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد، فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم، وإني باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهلى مسلم بن عقيل
(1)
ليعلم لي كِنْهُ
(2)
أمركم، ويكتب إليَّ بما يتبين له من اجتماعكم، فإنْ كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم أسرعتُ القدوم عليكم إن شاء الله، والسلام)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
، والطبري
(5)
.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية كُتُبَ أهل الكوفة للحسين رضي الله عنه يدعونه إلى المسير إليهم؛ ليبايعوه ويطردوا أميرهم النعمان بن بشير رضي الله عنه، ومما ورد من كتب أهل الكوفة إلى الحسين رضي الله عنه (أما بعد، فالحمد لله الّذي قصم عدوك الجبار العنيد
(1)
مسلم بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، كنيته أبو داود، وكان أشبه ولد عبد المطلب بالنبي صلى الله عليه وسلم، أدرك جماعة من الصحابة. ابن حبان: الثقات 5/ 391.
(2)
كنه: كنه كلّ شيء: غايته. الفراهيدي: العين 3/ 380.
(3)
الأخبار الطوال 229، 230.
(4)
الأنساب 3/ 157.
(5)
التاريخ 5/ 351.
الّذي انتزى على هذه الأمة، فابتزّها أمرها وغصبها فيْأَها، وتأمر عليها بغير رضا منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال اللّه دُولَةً بين أغنيائها، فبعدًا له كما بعدت ثمود، وليس علينا إمام فأقدم علينا لعل اللّه يجمعنا بك على الحق، واعلم أن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجمع معه جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه فألحقناه بالشام والسلام)
(1)
.
ومنها أيضا ((بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من شيعةٍ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيهلا، فإن الناس، ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام)
(2)
.
فبذلك نجد أن هذه الكتب أعطت للحسين رضي الله عنه تصورًا يستحق المسير، فأمير الكوفة لا يجتمع إليه الناس ولا يُصلُّون خلفه، وأهلها مستعدون لطرده بشرط موافقة الحسين رضي الله عنه ومسيره إليهم، وهذا ما جعل الحسين رضي الله عنه يعزم على الخروج إليهم.
وهذه المبالغة من أهل الكوفة جعلت سليمان بن صُرَد رضي الله عنه يشك في أمرهم؛ ولذلك اشترط عليهم النصرة للحسين رضي الله عنه قبل مكاتبته من قبلهم ومن قوله لهم: (إن معاوية قد هلك، وإن حسينًا قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه، قال: فاكتبوا إليه)
(3)
.
(1)
البلاذري: الأنساب 3/ 158. الطبري: التاريخ 5/ 352.
(2)
الطبري: التاريخ 5/ 353.
(3)
الطبري: التاريخ 5/ 352.
ثم جاء هذا الخبر بجملة أسماء الذين كتبوا إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وعند البحث عن هذه الأسماء في روايات مسندة لم نجدها ترد إلا عند الطبري من طريق أبي مخنف وهو غير موثوق، وسوف أبحث في حقيقة من هم الرجال الذين كتبوا ثم شاركوا في قتل الحسين رضي الله عنه من أشراف الكوفة، حتى لا نتهم أحدًا من غير جرم.
أما سليمان بن صرد رضي الله عنه فقد ورد اسمه في مكاتبة الحسين رضي الله عنه ولم يرد في قتاله، وخرج في حركة التوابين
(1)
؛ لأنه ندم ومن معه من الصادقين على خذله، وأما شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث، فقد كتبوا إلى الحسين رضي الله عنه وشاركوا في قتاله.
فقد روي عن الحسين رضي الله عنه أنه عاتبهم بقوله: (يا شبث بن ربعي،
ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث
(2)
، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجند، فأقبل! قالوا له: لم نفعل، فقال: سبحان الله!! بلى والله، لقد فعلتم)
(3)
.
عمرو بن الحجاج قد كتب إلى الحسين رضي الله عنه وشارك في قتاله، حيث كان
(1)
حركة التوابين: في سنة خمس وستين تحركت الشيعة للمطالبة بدم الحسين رضي الله عنه؛ لأنهم ندموا على خذلانه فسموا بالتوابين وعلى رأسهم سليمان بن صرد، فقابلهم جند الشام في معركة عين الورد وهزموهم، وقتل سليمان بن صرد، وكان ممن كتب إلى الحسين رضي الله عنه. ابن سعد: الطبقات 6/ 25. الطبري: التاريخ 5/ 551.
(2)
قيس بن الأشعث بن قيس، كان على ربع ربيعة وكندة في القتال ضد الحسين رضي الله عنه وقد كتب إلى الحسين رضي الله عنه، ثم شارك في قتاله وطلب منه النزول على حكم عبيد الله بن زياد فأبى، ويذكر أنه هو من أخذ قطيفة الحسين رضي الله عنه. البلاذري: الأنساب 3/ 188، 204. الطبري: التاريخ 5/ 425، 453.
(3)
الطبري: التاريخ 5/ 425. البلاذري: الأنساب 3/ 188.
على ميمنة عمر بن سعد قائد المعركة ضد الحسين رضي الله عنه
(1)
.
محمد بن عمير بن عطارد ذكر في مكاتبة الحسين رضي الله عنه ولم يذكر في قتاله
(2)
، ولم يخرج مع التوابين.
ولذلك أشك في مكاتبته للحسين رضي الله عنه؛ لأني لم أقف على من أورد ذكره غير أبي مخنف.
* إرسال الحسين رضي الله عنه ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة:
[40]
- (وقد كان مسلم بن عقيل خرج معه من المدينة إلى مكة، فقال له الحسين: يا ابن عم، قد رأيت أن تسير إلى الكوفة، فتنظر ما اجتمع عليه رأي أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كتبهم، فعَجِّلْ عليَّ بكتابك؛ لأُسرع القدوم عليك، وإن تكن الأخرى، فعجل الانصراف.
فخرج مسلم على طريق المدينة ليلم بأهله، ثم استأجر دليلين من قيس
(3)
، وسار، فضَلَّا ذات ليلة، فأصبحا، وقد تاها، واشتد عليهما العطش والحر، فانقطعا، فلم يستطيعا المشي، فقالا لمسلم: عليك بهذا السمت
(4)
، فالزمه لعلك أن تنجو، فتركهما مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة
(5)
الأنفس حتى أفضوا إلى طريق فلزموه، حتى وردوا الماء، فأقام مسلم بذلك الماء.
وكتب إلى الحسين مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء، يخبره خبره، وخبر الدليلين، وما ناله من الجهد، ويعلمه أنه قد تطير من الوجه الذي توجه
(1)
البلاذري: الأنساب 3/ 158، 187. الطبري: التاريخ 5/ 353، 422.
(2)
البلاذري: الأنساب 3/ 158، الطبري: التاريخ 5/ 353.
(3)
ذكر الطبري 5/ 354: أن الذين أرسلهم الحسين رضي الله عنه مع مسلم بن عقيل، قيس بن مسهر، وعمارة بن عبيد السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي.
(4)
السمت: الطريق، ومنه السير على الطريق بالظن. الفيروز آبادي: القاموس المحيط 154.
(5)
الحشاشة: بقية النفس. الزبيدي: تاج العروس 17/ 151.
له، ويسأله أن يعفيه ويوجه غيره، ويخبره أنه مقيم بمنزله ذلك من بطن الحربث
(1)
.
فسار الرسول حتى وافى مكة، وأوصل الكتاب إلى الحسين، فقرأه وكتب في جوابه: أما بعد، فقد ظننت أن الجبن قد قصر بك عما وجهتك به، فامضِ لما أمرتك فإني غير معفيك، والسلام)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
مختصرًا، والطبري
(4)
بمثلها.
* وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة:
[41]
- (فسار مسلم حتى وافى الكوفة، ونزل في الدار التي تعرف بدار المختار بن أبي عبيد
(5)
، ثم عرفت اليوم بدار المسيب.
فكانت الشيعة تختلف إليه، فيقرأ عليهم كتاب الحسين)
(6)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد، وجاء فيها أن الحسين رضي الله عنه أمره أن ينزل عند هانئ بن عروة.
وفيها: (وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين بن علي: إني قدمت الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت إليك ثمانية عشر ألفًا، فعَجِّلِ القدوم فإنه ليس دونها مانع، فلما أتاه كتاب مسلم أغذ السير حتى انتهى إلى زبالة،
(1)
بطن الحربث: مكان بين اليمن وعمان. الحموي: البلدان 2/ 236. وذكر الطبري 5/ 345 اسمًا غير هذا، وهو (الخبيت)، وهو ماء بالعالية يشترك فيه أشجع وعبس. الحموي: البلدان 2/ 345. ولعله المراد هنا.
(2)
الأخبار الطوال 230.
(3)
الأنساب 3/ 159.
(4)
التاريخ 5/ 354.
(5)
المختار بن أبي عبيد الثقفي، خرج بالكوفة وتتبع قتلة الحسين رضي الله عنه يقتلهم، كذب على الله وادعى أنه نبي وأن الوحي يأتيه، قتل في سنة سبع وستين. الذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 226.
(6)
الأخبار الطوال 230.
فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف)
(1)
.
والطبري بمثلها وزاد: (وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فأخذوا يبكون، فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري
(2)
، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، واللّه لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عليه، واللّه لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتّى ألقى اللّه، لا أريد بذلك إلا ما عند الله.
فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي
(3)
، فقال: رحمك اللّه! قد قضيت ما في نفسك، بواجز مِنْ قولك، ثمّ قال: وأنا واللّه الّذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه.
ثمّ قال الحنفي مثل ذلك فقال الحجاج بن علي
(4)
: فقلت لمحمّد بن بشير
(5)
: فهل كان منك أنت قول؟ فقال: إن كنت لأحب أن يعز اللّه أصحابي بالظفر، وما كنت لأحب أن أقتل، وكرهت أن أكذب)
(6)
.
(1)
الطبقات 1/ 458 (ت د. محمد السلمي).
(2)
عابس بن أبي شبيب اليشكري، بعثه مسلم في كتابه إلى الحسين رضي الله عنه الرائد لا يكذب أهله، وذكر أنه اشترك مع الحسين وقتل معه. البلاذري: الأنساب 3/ 197. الطبري: التاريخ 5/ 358، 444.
(3)
حبيب بن مظاهر الفقعسي، اشترك مع الحسين في معركة كربلاء وقتل فيها وحمل رأسه إلى عبيد الله ابن زياد. الطبري: التاريخ 5/ 439.
(4)
حجاج بن علي، روى عن علي رضي الله عنه، وروي عنه أبي مخنف وهو شيخ مجهول. ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 3/ 164.
(5)
محمد بن بشير الهمذاني، لعله شيخ لأبي مخنف. فقد ذكر ابن عساكر 14/ 204 رواية عنه، وسبقت ترجمته.
(6)
التاريخ 5/ 355. من طريق أبي مخنف.
نلاحظ هنا حجم الحماس الذي كان يكنه الشيعة لمناصرة الحسين رضي الله عنه، والذي سرعان ما ذهب مع أدراج الرياح، ويبدو أن لسان حالهم كحال محمد بن بشير، فهم يريدون الحكم للحسين رضي الله عنه ولم يوطنوا أنفسهم على الموت أصلًا في سبيل نصرته، وما أرادوا إلا الفتنة والإرجاف.
* موقف النعمان بن بشير رضي الله عنه من مسلم بن عقيل وسبب عزله:
[42]
- (ففشا أمره بالكوفة حتى بلغ ذلك النعمان بن بشير أميرها، فقال: لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا أثب إلا على من وثب عليّ، ولا آخذ بالقرفة
(1)
والظنة، فمَنْ أبدى صفْحَتَه ونكث بيعته ضربتُه بسيفي ما ثبت قائِمُه في يدي، ولو لم أكن إلا وحدي. وكان يحب العافية ويغتنم السلامة.
فكتب مسلم بن سعيد الحضرمى
(2)
وعمارة بن عقبة
(3)
، وكانا عيني يزيد بن معاوية إلى يزيد يعلمانه قدوم مسلم بن عقيل الكوفة داعيًا للحسين بن علي، وأنه قد أفسد قلوب أهلها عليه، فإن يكن لك في سلطانك حاجة فبادر إليه من يقوم بأمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان رجل ضعيف أو متضاعف، والسلام.
فلما ورد الكتاب على يزيد أمر بعهد، فكتب لعبيد الله بن زياد على الكوفة، وأمره أن يبادر إلى الكوفة، فيطلب مسلم بن عقيل طلب الحرزة
(4)
(1)
القرفة: جاء معناها في باب القاف والراء والفاء والقرف من الذنب، وفلان يقرف بالسوء أي يرمى به ويظن به، واقترف ذنبًا أي أتاه وفعله. الفرهيدي: كتاب العين: 5/ 146.
(2)
مسلم بن سعيد الحضرمي، والصحيح أن اسمه (عبد الله بن مسلم) الطبري 5/ 356، وهو حليف الأمويين كوفي من الثالثة، المعجم الصغير لرواة الإمام الطبري 1/ 328.
(3)
عمارة بن عقبة بن أبي معيط، الأموي القرشي، وهو ممن أسلم عام الفتح، وقد نزل الكوفة وله بها ولد، ومن أولاده مدركه. ابن حجر: الإصابة 4/ 481، البلاذري: الأنساب 9/ 348.
(4)
الحرزة: في مادة (ح ر ز) كل شيء ضممته وحفظته فقد أحرزته إحرازًا. ابن دريد الأزدي: جمهرة اللغة 1/ 510.
حتى يظفر به، فيقتله، أو ينفيه عنهما
(1)
، ودفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي
(2)
أبي قتيبة بن مسلم، وأمره بإغذاذ
(3)
السير، فسار مسلم حتى وافى البصرة، وأوصل الكتاب إلى عبيد الله بن زياد)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
مختصرًا، والطبري
(6)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذِكْرٌ لموقف النعمان بن بشير رضي الله عنه حينما سمع بوجود مسلم وباختلاف الشيعة إليه، ولم يتأكد من ذلك، فلم يسمح لنفسه الخوض في دماء المسلمين دون بينة تذكر، ولذلك رد على عبد الله بن مسلم حينما اتهمه بالضعف بقوله:(أن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه أحب إليّ من أن أكون من الأعزين في معصية اللّه)
(7)
.
وكان سبب عزله كما سبق.
وقد ذكر ابن سعد
(8)
سببًا شذ فيه، وهو أن يزيد خاف أن النعمان بن
(1)
في النسخة الأخرى (عنها). الأخبار الطوال: ت د. عصام علي الحاج.
(2)
مسلم بن عمرو بن حصين بن أسيد الباهلي، كان عظيم القدر عند يزيد بن معاوية، وجهه يزيد بتولية عبيد الله بن زياد الكوفة، ثم اشترك مع إبراهيم بن الأشتر في حربه ضد عبد الملك أيام مصعب، فلما قتل مصعب طلب الأمان فأمنه عبد الملك ثم مات من لحظته وكان قد ارتث. ابن عساكر: تاريخ دمشق 58/ 114.
(3)
الإغذاذ: الإسراع في السير. الفرهيدي: كتاب العين 4/ 344.
(4)
الأخبار الطوال 231.
(5)
الأنساب 2/ 77.
(6)
التاريخ 5/ 355. بروايتين الأولى وفي سندها خالد بن يزيد بن أسد ذكر ابن عدي في الكامل 3/ 427 أن أحاديثه كلها لا يتابع عليها لاسندًا ولا متنًا، والأخرى من طريق أبي مخنف.
(7)
الطبري: التاريخ 5/ 356.
(8)
الطبقات 1/ 459 (ت د. محمد السلمي).
بشير رضي الله عنه لا يقدم على الحسين رضي الله عنه.
وقد كان لموقف النعمان بن بشير رضي الله عنه ردة فعل من بعض الموالين ليزيد، فقد كتبوا إليه يخبرونه عن الخطر الذي قد أحدق بالكوفة، وهذا ما جعل يزيد بن معاوية يعزله ويولي بدلًا منه عبيد الله بن زياد وجمع له بين البصرة والكوفة
(1)
.
وجملة هذه الرواية لم ترد بسند يمكن القطع بصحته؛ ولذلك يستأنس بما ورد من خبر النعمان بن بشير رضي الله عنه، وأما أمر يزيد فيُفْهَمُ منه أن سبب قتل مسلم هو ذلك الأمر، ولم يكن كذلك إذ إنَّ الأحداث التي حتمت المواجهة بين مسلم بن عقيل وبين أعوان عبيد الله كانت السبب المباشر لقتله، والتي تمثلت في أن شيعة الكوفة قد بايعوا مسلمًا وخرجوا معه لقتال جند عبيد الله، ثم خذلوه وأسلموه لعدوه فقتله، وسوف يأتي خبره مفصلًا.
* كتاب الحسين رضي الله عنه لأهل البصرة:
[43]
- (وقد كان الحسين بن علي رضي الله عنه كتب كتابًا إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له يسمى سلمان
(2)
نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع
(3)
،
(1)
بعد وصول خبر مسلم بن عقيل إلى يزيد بن معاوية وموقف النعمان بن بشير رضي الله عنه منه، استشار يزيد سرجون فيمن يولي الكوفة فأشار عليه بعبيد الله بن زيد فجمع له البصرة والكوفة، وهذا لم يثبت لأنه من طريق هشام بن محمد، وعوانة بن الحكم. الطبري: التاريخ 5/ 356.
(2)
وذكر اسمه سليمان، قتل مع الحسين رضي الله عنه في كربلاء قتله سليمان بن عوف الحضرمي. الطبري: التاريخ 5/ 469.
(3)
مالك بن مسمع بن شيبان، أسلم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو سيد ربيعة في زمانه، قد وفد على معاوية رضي الله عنه فأكرمه، توفي في سنة ثلاث وسبعين وقيل: أربع وسبعين للهجرة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 56/ 497
والأحنف بن قيس
(1)
، والمنذر بن الجارود
(2)
، ومسعود بن عمرو
(3)
، وقيس ابن الهيثم
(4)
، سلام عليكم، أما بعد، فإنى أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع، فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، والسلام.
فلما أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعًا إلا المنذر بن الجارود، فإنه أفشاه، لتزويجه ابنته هند من عبيد الله بن زياد، فأقبل حتى دخل عليه، فأخبره بالكتاب، وحكى له ما فيه، فأمر عبيد الله بن زياد بطلب الرسول، فطلبوه، فأتوه به، فضربت عنقه)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(6)
، والطبري
(7)
مطولًا، وجاء عندهم أن سبب إفشاء المنذر بن الجارود لكتاب الحسين رضي الله عنه هو أن المنذر خاف أن يكون دسيسة من قبل عبيد الله بن زياد.
(1)
واسمه الضحاك وقيل صخر بن قيس بن معاوية التميمي، ويكنى أبا بحر، سمي الأحنف لحنف في رجله: وهو العوج والميل، يضرب بحلمه وسؤدده المثل، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وقد دعاء له النبي صلى الله عليه وسلم. ابن سعد: الطبقات 7/ 93، الذهبي: السير 4/ 88.
(2)
المنذر بن الجارود بن عمرو بن حنش، ينتهي نسبه إلى أسد بن ربيعة، من وجوه أهل البصرة، كان مع علي رضي الله عنه وولي اصطخر من قبله، وقد وفد على معاوية رضي الله عنه، وولاه يزيد بن معاوية ثغر الهند ومات هناك سنة 61 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 60/ 281.
(3)
مسعود بن عمرو العتكي، زعيم من بني عتيك، من الأزد اليمانيين، كان رئيس الأزد وربيعة في البصرة. الزركلي: الأعلام 7/ 219. وقصة مقتله سوف تأتي مبسوطة في هذا الكتاب.
(4)
قيس بن الهيثم السلمي، وقيل: السامي، ذكر البخاري وابن أبي حاتم أن له صحبة، ولي خرسان من قبل عبد الله بن عامر زمن عثمان رضي الله عنه، كان من أنصار بني أمية، ثم كان مع مصعب بن الزبير ولما انتهى زمنه، وفد على عبد الملك فعفى عنه، توفي بالبصرة. الطبري: التاريخ 5/ 172، ابن حجر: الإصابة 5/ 384. الأعلام للزركلي 5/ 209.
(5)
الأخبار الطوال 231، 232.
(6)
الأنساب 2/ 78.
(7)
التاريخ 5/ 357.
وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر سبب إفشاء المنذر بن الجارود لعبيد الله أنه بسبب النسب.
• نقد النص:
لم أقف على من أورد كتاب الحسين رضي الله عنه إلى أهل البصرة مسندًا إلا الطبري من طريق أبي مخنف
(1)
وهو ضعيف، ثم إن أهل البصرة لم يُذْكَرْ عنهم المشاركة في أمر الحسين رضي الله عنه، وقد خَصَّتِ المصادر أهل الكوفة بذلك، وهم من دعوا الحسين رضي الله عنه إليهم، ولو كان هو من دعاهم لبيعته لجاز أن يدعو أهل البصرة مثلهم.
ثم إن كتاب الحسين رضي الله عنه المزعوم جاء فيه قول الحسين رضي الله عنه: (وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أُحْيَت)
(2)
.
فهو يشير إلى ظهور البدع وترك العمل بالكتاب والسنة، وهذا الأمر لا يمكن تصوره عن ذلك العصر، وهم بالقرن الأول من القرون المفضلة وكثير من الصحابة لا يزالون أحياء.
وقد أورد ابن كثير هذا الخبر وعلق عليه بقوله: (وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أن هذا مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة)
(3)
.
قلت: وإن ذلك منهم لكي يوجدوا العذر لإخوانهم الذين كتبوا للحسين رضي الله عنه.
* * *
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 357.
(2)
المصدر السابق 2/ 357.
(3)
البداية والنهاية 8/ 170.
ثالثًا: دخول عبيد الله بن زياد الكوفة ومقتل مسلم بن عقيل
[44]
- (ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فاجتمع له الناس، فقام، فقال: أنصف القاره
(1)
من راماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني مع البصرة الكوفة، وأنا سائر إليها، وقد خلفت عليكم أخي عثمان بن زياد
(2)
، فإياكم والخلاف والإرجاف، فو الله الذي لا إله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خالف أو أرجف لأقتلنه ووليه، ولأخذن الأدنى بالأقصى، والبريء بالسقيم حتى تستقيموا، وقد أعذر من أنذر. ثم نزل، وسار، وخرج معه من أشراف أهل البصرة شريك بن الأعور
(3)
والمنذر بن الجارود، فسار حتى وافى الكوفة، فدخلها، وهو متلثم.
وقد كان الناس بالكوفة يتوقعون الحسين بن علي وقدومه، فكان لا يمر ابن زياد بجماعة إلا ظنوا أنه الحسين فيقومون له، ويدعون ويقولون: مرحبًا بابن رسول الله، قدمت خير مقدم.
فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسين إلى ما ساءه، وأقبل حتى دخل
(1)
وأصله أن رجلان التقيا أحدهما قاريّ، والآخر أسديّ، فقال القاريّ: إن شئت صارعتك، وإن شئت سابقتك وإن شئت راميتك، فقال: اخترت المرامات: فقال القاريّ: قد أنصفتني، وأنشد:
قد أنصف القارة من رماها
…
أنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها
ثم انتزع له سهمًا وشك فؤاده، قال السهيلي: فمعنى المثل إن القارة لا تنفد حجارتها إذا رمي بها، فمن راماها فقد أنصف. الزبيدي: تاج العروس 13/ 490.
(2)
عثمان بن زياد بن أبيه، ولاه أخوه عبيد الله بن زياد البصرة حينما شخص إلى الكوفة. البلاذري: الأنساب 2/ 78. الطبري: التاريخ 5/ 358.
(3)
شريك بن الأعور الحارثي، شاعر من أهل البصرة، وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان من أصحاب علي رضي الله عنه، ووفد على معاوية رضي الله عنه، صحب عبيد الله بن زياد عن دخوله إلى الكوفة في أحداث مسلم بن عقيل، وتوفي بعد خروج مسلم بثلاثة أيام، ابن عساكر: تاريخ دمشق 73/ 166.
المسجد الأعظم، ونودي في الناس، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة، إن أمير المؤمنين قد ولاني مصْرَكم، وقسم فَيْئَكُم فيكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على عاصيكم ومريبكم، وأنا منتهٍ في ذلك إلى أمره، وأنا لمطيعكم كالوالد الشفيق، ولمخالفكم كالسم النقيع، فلا يبقين أحد منكم إلا على نفسه، ثم نزل، فأتى القصر، فنزله، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
والبلاذري
(3)
مختصرًا، والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية خبر تولية يزيد بن معاوية لعبيد الله على الكوفة، وفيها خطبة عبيد الله في أهل البصرة وتهديدهم، وذلك قبل مسيره إلى الكوفة، وقد ورد هذا الخبر عند الطبري مسندًا من طريق أبي مخنف وقد انفرد به، وهو ضعيف وقد خولف، وذلك فيما ذكره ابن سعد
(5)
، والطبري
(6)
في رواية أخرى عندما أوردوا خبر تولية عبيد الله على الكوفة لم يذكروا أنه خطب أهل البصرة أو هددهم، ولذلك لم يثبت أن أهل البصرة دخلوا في أمر الحسين رضي الله عنه.
ولعل محاولة إقحام أهل البصرة بأمر الحسين رضي الله عنه فيه إيحاء أن أهل العراق كلهم قد كانوا في أمره، ولو كان الأمر كذلك لما بقي لولاة بني أمية أمر في العراق، ولكن المشهور أنه مقتصر على أهل الكوفة وهي مشهورة بالتشيع
(1)
الأخبار الطوال 232، 233.
(2)
الطبقات 1/ 459 (ت د. محمد السلمي).
(3)
الأنساب 2/ 78.
(4)
التاريخ 5/ 358.
(5)
الطبقات 1/ 459 (ت د. محمد السلمي).
(6)
التاريخ 5/ 348، من طريق عمار الدهني.
على خلاف البصرة.
[45]
- (وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان، وما كان من خطبة ابن زياد ووعيده، فخاف على نفسه.
فخرج من الدار التي كان فيها بعد عتمة حتى أتى دار هانئ بن عروة المذحجي
(1)
، وكان من أشراف أهل الكوفة، فدخل داره الخارجة، فأرسل إليه وكان في دار نسائه، يسأله الخروج إليه، فخرج إليه، وقام مسلم، فسلم عليه، وقال: إني أتيتك لتجيرني وتضيفنى، فقال له هانئ: لقد كلفتني شططًا بهذا الأمر، ولولا دخولك منزلي لأحببت أن تنصرف عني، غير أنه قد لَزَمَنِي ذمام
(2)
لذلك، فأدخله دار نسائه، وأفرد له ناحية منها، وجعلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ، وكان هانئ بن عروة مواصلًا لشريك بن الأعور البصري
(3)
الذي قام مع ابن زياد، وكان ذا شرف بالبصرة وخطر
(4)
، فانطلق هانئ إليه حتى أتى به منزله، وأنزله مع مسلم بن عقيل في الحجرة التي كان فيها.
وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة، فكان يحث هانئًا على القيام بأمر مسلم، وجعل مسلم يبايع من أتاه من أهل الكوفة، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق المؤكدة بالوفاء.
ومرض شريك بن الأعور في منزل هانئ بن عروة مرضًا شديدًا، وبلغ
(1)
هانئ بن عروة بن الفضفاض المرادي الغطفي، مخضرم سكن الكوفة، وكان من خواص علي رضي الله عنه، قتله عبيد الله بن زياد مع مسلم بن عقيل. ابن حجر: الإصابة 6/ 445.
(2)
الذّمام: الحرمة، وما يذم الرجل على إضاعته من العهد. الحميري: شمس العلوم 4/ 2231.
(3)
شريك بن الأعور الحارثي، شاعر من أهل البصرة، وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان من أصحاب علي رضي الله عنه، ووفد على معاوية رضي الله عنه، صحب عبيد الله بن زياد عن دخوله إلى الكوفة في أحداث مسلم بن عقيل، وتوفي بعد خروج مسلم بثلاثة أيام، ابن عساكر: تاريخ دمشق 73/ 166.
(4)
خطر: هو ارتفاع المكانة والمنزلة والمال والشرف. الخليل: العين 4/ 213.
ذلك عبيد الله بن زياد، فأرسل إليه يعلمه أنه يأتيه عائدًا.
فقال شريك لمسلم بن عقيل: (إنما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه، هو صائر إليّ ليعودني، فقم، فادخل الخزانة حتى إذا اطمأن عندي، فاخرج إليه، فقاتله، ثم صِرْ إلى قصر الإمارة، فاجلس فيه، فإنه لا ينازعك فيه أحد من الناس، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة، فكفيتك أمرها، أبايع لك أهلها).
فقال هانئ بن عروة: (ما أحب أن يقتل في داري ابن زياد).
فقال له شريك: وَلِمَ؟ فو الله إن قتله لقربان إلى الله.
ثم قال شريك لمسلم: لا تقصر في ذلك.
فبينما هم على ذلك إذ قيل لهم: الأمير بالباب.
فدخل مسلم بن عقيل الخزانة، ودخل عبيد الله بن زياد على شريك، فسلم عليه، وقال: ما الذي تجد وتشكو؟.
فلما طال سؤاله إياه استبطأ شريك خروج مسلم، وجعل يقول، ويسمع مسلمًا:
ما تنظرون بسلمى عند فرصتها
…
فقد وفى ودها، واستوثق الصرم
(1)
وجعل يردد ذلك.
فقال ابن زياد لهانئ: أيهجر؟ يعني يهذي.
قال هانئ: نعم، أصلح الله الأمير، لم يزل هكذا منذ أصبح.
ثم قام عبيد الله وخرج، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانة، فقال شريك:
ما الذي منعك منه إلا الجبن والفشل؟.
(1)
ذكر ابن سعد في الطبقات 1/ 460 (ت د. محمد السلمي) ما تنظرون بسلمى أن تحيوها، اسقوني ولو كانت فيها نفسي.
قال مسلم: منعني منه خلتان: إحداهما كراهية هانئ لقتله في منزله، والأخرى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)
(1)
.
فقال شريك: أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك، واستوسق
(2)
لك سلطانك.
ولم يعش شريك بعد ذلك إلا أيامًا، حتى توفى، وشيع ابن زياد جنازته، وتقدم فصلى عليه، ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق.
وخفي على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل، فقال لمولى له من أهل الشام يسمى معقلًا، وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس، وقال: خذ هذا المال، وانطلق، فالتمس مسلم بن عقيل، وتأتَّ
(3)
له بغاية التأتي.
فانطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم، وجعل لا يدري كيف يتأتى الأمر، ثم إنه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سوارى المسجد، فقال في نفسه: إن هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة، وأحسب هذا منهم.
فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام، فدنا منه، وجلس، فقال: جعلت فداك، إني رجل من أهل الشام، مولى لذي الكلاع، وقد أنعم الله عليّ بحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب من أحبهم، ومعي هذه الثلاثة آلاف درهم، أحب إيصالها إلى رجل منهم، بلغني أنه قدم هذا المصر داعية للحسين بن علي، فهل تدلني عليه لأوصل هذا المال إليه ليستعين به على
(1)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/ 45، وعبد الرزاق في مصنفه 5/ 298، وابن أبي شيبة في مصنفه 7/ 468، والطبراني في المعجم الأوسط 6/ 186، وقد صححه الألباني، انظر صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/ 541.
(2)
استوسق: استوسق لك الأمر: أمكنك. الزبيدي: تاج العروس 26/ 473.
(3)
تأت: تأتى له: ترفق وأتاه من وجهه. الزبيدي: تاج العروس 37/ 38.
بعض أموره، ويضعه حيث أحب من شيعته؟.
قال له الرجل: وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيرى ممن هو في المسجد؟.
قال: لأني رأيت عليك سيما الخير، فرجوت أن تكون ممن يتولى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال له الرجل: ويحك، قد وقعت على بغيتك، أنا رجل من إخوانك، واسمي مسلم بن عوسجة
(1)
، وقد سررت بك، وساءني ما كان من حسي قبلك، فإني رجل من شيعة أهل هذا البيت، خوفًا من هذا الطاغية ابن زياد، فأعطني ذمة الله وعهده أن تكتم هذا عن جميع الناس، فأعطاه من ذلك ما أراد.
فقال له مسلم بن عوسجة: انصرف يومك هذا، فإن كان غدًا فائتني في منزلي حتى أنطلق معك إلى صاحبنا يعني مسلم بن عقيل فأوصلك إليه.
فمضى الشامي، فبات ليلته، فلما أصبح غدا إلى مسلم بن عوسجة في منزله، فانطلق به حتى أدخله إلى مسلم بن عقيل، فأخبره بأمره، ودفع إليه الشامي ذلك المال، وبايعه.
فكان الشامي يغدو إلى مسلم بن عقيل، فلا يحجب عنه، فيكون نهاره كله عنده، فيتعرف جميع أخبارهم، فإذا أمسى وأظلم عليه الليل دخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره بجميع قصصهم، وما قالوا وفعلوا في ذلك، وأعلمه نزول مسلم في دار هانئ بن عروة.
ثم إن محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة
(2)
دخلا على ابن زياد
(1)
مسلم بن عوسجة، من أبطال العرب، شهد يوم أذريبجان، وغيره من أيام الفتوح، قتل مع الحسين رضي الله عنه بكربلاء سنة 61 هـ. الزركلي: الأعلام 7/ 222.
(2)
أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري، أبو حسان وقيل: أبو هند، اختلف في صحبته، ذكر ابن عبد البر أنه لا يستبعد ذلك لرواية كبار التابعين عنه، كان شريفًا جوادًا كريمًا، وله أخبار كثيرة، وقد وفد على عبد الملك فأكرمه، وذكر ابن حجر أن مولده قبل البعثة؛ لأنه عاش ثمانين سنة، وقد اختلف في سنة موته فقيل: سنة ستين وقيل: خمس وستين وقيل: سنة ست وستين. الذهبي: السير 3/ 537. ابن حجر: الإصابة 1/ 339.
مسلمين، فقال لهما: ما فعل هانئ بن عروة؟ فقالا: أيها الأمير، إنه عليل منذ أيام.
فقال ابن زياد: وكيف؟ وقد بلغني أنه يجلس على باب داره عامة نهاره، فما يمنعه من إتياننا، وما يجب عليه من حق التسليم؟.
قالا: سنعلمه ذلك، ونخبره باستبطائك إياه. فخرجا من عنده، وأقبلا حتى دخلا على هانئ بن عروة، فأخبراه بما قال لهما ابن زياد، وما قالا له، ثم قالا له: أقسمنا عليك إلا قمت معنا إليه الساعة لتسل سخيمة
(1)
قلبه.
فدعا ببغلته، فركبها، ومضى معهما، حتى إذا دنا من قصر الإمارة خبثت نفسه.
فقال لهما: إن قلبي قد أوجس من هذا الرجل خيفة.
قالا: وَلِمَ تحدثْ نفسك بالخوف وأنت بريء الساحة؟.
فمضى معهما حتى دخلوا على ابن زياد، فأنشأ ابن زياد يقول متمثلًا:
أريد حياته ويريد قتلي
…
عذيرك من خليلك من مراد
(2)
قال هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟.
(1)
السّخمة بالضّمّ: الحقد والضّغينة، والموجدة في النّفس. الزبيدي: تاج العروس 22/ 355.
(2)
هذا البيت لعمرو بن معدي يكرب الزبيدي، ومعناه من القائم بعذره عندي في مكافأتي على الخير بالشر، وله رواية أخرى:
أريد حباءه ويريد قتلي
…
عذيرك من خليلي من مراد
الخطابي: غريب الحديث 2/ 359.
قال ابن زياد: وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل، وإدخالك إياه منزلك، وجمعك له الرجال ليبايعوه؟.
فقال هانئ: ما فعلت، وما أعرف مِنْ هذا شيئًا.
فدعا ابن زياد بالشامي، وقال: يا غلام، ادعُ لي معقلًا.
فدخل عليهم.
فقال ابن زياد لهانئ بن عروة: أتعرف هذا؟.
فلما رآه علم أنه إنما كان عينًا عليهم.
فقال هانئ: أصدقك والله أيها الأمير، إني والله ما دعوت مسلم بن عقيل، وما شعرت به. ثم قص عليه قصته على وجهها.
ثم قال: فأما الآن فأنا مخرجه من داري لينطلق حيث يشاء، وأعطيك عهدًا وثيقًا أن أرجع إليك.
قال ابن زياد: لا والله، لا تفارقني حتى تأتيني به.
فقال هانئ: أو يجمل بي أن أسلم ضيفي وجارى للقتل؟ والله لا أفعل ذلك أبدًا.
فاعترضه ابن زياد بالخيزرانة، فضرب وجهه، وهشم أنفه، وكسر حاجبه، وأمر به، فادخل بيتًا.
وبلغ مذحجًا أن ابن زياد قد قتل هانئًا، فاجتمعوا بباب القصر، وصاحوا.
فقال ابن زياد لشريح القاضى
(1)
وكان عنده: ادخل إلى صاحبهم، فانظر
(1)
شريح بن الحارث الكندي، ويقال: شريح بن شراحيل أو ابن شرحبيل، أبو أمية، قاضي الكوفة، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، لا تصح له صحبة، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وانتقل من اليمن زمن الصديق رضي الله عنه، ولي القضاء في زمن عمر رضي الله عنه، ومات سنة 78، وقيل 80. الذهبي: السير 4/ 100.
إليه، ثم اخرج إليهم، فأعلمهم أنه حي. ففعل.
فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجاج: أما إذ كان صاحبكم حيًّا فما يعجلكم الفتنة؟ انصرفوا، فانصرفوا
(1)
.
فلما علم ابن زياد أنهم قد انصرفوا أمر بهانئ، فأتى به السوق، فضربت عنقه هناك.
ولَمَّا بلغ مسلم بن عقيل قتل هانئ بن عروة نادى فيمن كان بايعه، فاجتمعوا، فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندي
(2)
على كندة وربيعة، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد، وعقد لأبي ثمامة الصيداوي
(3)
على تميم وهمدان، وعقد للعباس بن جعدة بن هبيرة
(4)
على قريش والأنصار، فتقدموا جميعًا حتى أحاطوا بالقصر، واتبعهم هو في بقية الناس.
وتحصن عبيد الله بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف أهل الكوفة والأعوان والشرط، وكانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر
(5)
والنشاب
(6)
، ويمنعونهم من الدنو من القصر، فلم يزالوا بذلك حتى أمسوا.
(1)
ذكر موقفًا آخر لعمرو بن الحجاج وهو أنه عندما علم بما حصل لهانئ بن عروة على يد عبيد الله بن زياد قدم في قومه مذحج وأحاط بقصر الإمارة وأعلن أنه لم يخلع طاعة، ولم يفارق الجماعة وإنما جاء ليطمئن على هانئ فأمر عبيد الله شرح القاضي أن ينظر إلى هانئ ويخبرهم بحاله، فنظر إليه وأخبرهم فانصرفوا. الطبري: التاريخ 5/ 367.
(2)
عند الطبري 5/ 369، أنه عبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي. لم أقف على ترجمتة له.
(3)
لم أقف على ترجمة له. وعند الطبري: التاريخ 5/ 369، «الصائدي» بدل «الصيداوي» .
(4)
لم أقف على ترجمة له، وعند الطبري: التاريخ 5/ 369، أنه العباس بن جعدة الجدلي.
(5)
المدر: قطع طين يابس. الخليل: العين 8/ 38.
(6)
النشاب: النبل وحده نشابة والجمع نشاشيب. الزبيدي: تاج العروس 4/ 276.
* خذلان أهل الكوفة لمسلم بن عقيل:
وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة: لِيُشْرِفْ كل رجل منكم في ناحية من السور، فخوِّفوا القوم.
فأشرف كثير بن شهاب
(1)
، ومحمد بن الأشعث، والقعقاع بن شور
(2)
، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن
(3)
، فتنادوا: يا أهل الكوفه، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم، وجربتم شوكتهم، فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فَتَرُوا بعض الفتور.
وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه، وأخاه، وابن عمه فيقول: انصرف، فإن الناس يكفونك، وتجيء المرأة إلى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع.
فصلى مسلم العشاء في المسجد، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلًا، فلما رأى ذلك مضى منصرفًا ماشيًا، ومشوا معه، فأخذ نحو كِندة، فلما مضى قليلًا التفت فلم يرَ منهم أحدًا، ولم يصب إنسانًا يدله على الطريق، فمضى هائمًا على وجهه في ظلمة الليل حتى دخل على كِندة، فإذا امرأة
(4)
قائمة على باب
(1)
كثير بن شهاب بن الحصين، سيد مذحج في الكوفة، ولي لمعاوية رضي الله عنه الري، اختلف في صحبة ورجحها ابن حجر. ابن حجر: الإصابة 5/ 427.
(2)
القعقاع بن شور السدوسي الذهلي، وهو تابعي من سادات ربيعة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 49/ 352.
(3)
شمر بن ذي الجوشن (واسم ذي الجوشن شرحبيل) العامري الضبابي، يكنى أبا السابغة، وهو الذي أشار على عبيد الله بن زياد ألَّا يقبل من الحسين رضي الله عنه إلا أن ينزل على حكمه، وأحد قتلة الحسين رضي الله عنه ويقال: إنه هو مَنْ باشر قتله، ثم إنه قدم على يزيد في أهل الحسين رضي الله عنه، بيته أصحاب المختار فقتلوه. ابن عساكر: تاريخ دمشق 32/ 186.
(4)
اسمها طوعة. ابن سعد: الطبقات 1/ 461 (ت د. محمد السلمي).
دارها تنتظر ابنها وكانت ممن خف مع مسلم فآوته وأدخلته بيتها، وجاء ابنها، فقال: من هذا في الدار؟
فأعلمته، وأمرته بالكتمان.
ثم إن ابن زياد لما فقد الأصوات ظن أن القوم دخلوا المسجد، فقال: انظروا، هل ترون في المسجد أحدًا؟ وكان المسجد مع القصر.
فنظروا فلم يروا أحدًا، وجعلوا يشعلون أطناب
(1)
القصب، ثم يقذفون بها في رحبة المسجد ليضيء لهم، فتبينوا، فلم يروا أحدًا.
فقال ابن زياد: إن القوم قد خذلوا، وأسلموا مسلمًا، وانصرفوا.
* ملاحقة مسلم وقتله:
فخرج فِي مَنْ كان معه، وجلس في المسجد، ووضعت الشموع والقناديل، وأمر مناديًا فنادى بالكوفة ألا برئت الذمة من رجل من العرفاء
(2)
والشرطة والحرس لم يحضر المسجد.
فاجتمع الناس، ثم قال: يا حصين بن نمير
(3)
وكان على الشرطة ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، فإذا أصبحت فاستقر الدور، دارًا، دارًا، حتى تقع عليه. وصلى ابن زياد العشاء في المسجد، ثم دخل القصر.
(1)
أطنان: الطّنّ: حزمة القصب والحطب. الزبيدي: تاج العروس 35/ 358.
(2)
العرفاء: جمع عريف، وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس. ابن منظور: لسان العرب 9/ 238.
(3)
الصحيح من اسمه أنه الحصين بن (تميم) بدل (نمير) صاحب شرطة ابن زياد، وهو الذي أخذ قيس بن مسهر وعبد الله بن القطر أخو الحسين رضي الله عنه من الرضاعة وكانا رسولا الحسين رضي الله عنه إلى مسلم وبعث بهما إلى ابن زياد فقتلهما، وأحد قادة جيش عمر بن سعد الذي خرج لقتال الحسين رضي الله عنه. البلاذري: الأنساب 3/ 167، 168، 170، الطبري: التاريخ 5/ 372، 349، 395، 398، 437.
فلما أصبح جلس للناس، فدخلوا عليه، ودخل في أوائلهم محمد بن الأشعث، فأقعده معه على سريره، وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في بيتها إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وهو حينئذ غلام حين راهق فأخبره بمكان مسلم عنده.
فأقبل عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث، وهو جالس مع ابن زياد، فأسر إليه الخبرَ.
فقال ابن زياد: ما سار به ابنك؟.
قال: أخبرني أن مسلم بن عقيل في بعض دورنا.
فقال: انطلق، فأتني به الساعة.
وقال لعبيد بن حريث
(1)
: ابعث مائة رجل من قريش وكره أن يبعث إليه غير قريش خوفًا من العصبية أن تقع.
فأقبلوا حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل، ففتحوها، فقاتلهم، فرمي، فكسر فوه، وأخذ، فأتى ببغلة فركبها، وصاروا به إلى ابن زياد.
فلما أُدْخِلَ عليه، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له: سلم على الأمير.
قال: إن كان الأمير يريد قتلي، فما انتفع بسلام عليه، وإن كان لم يرد فسيكثر عليه سلامي.
قال ابن زياد: كأنك ترجو البقاء.
فقال له مسلم: فإن كنت مزمعًا على قتلي، فدعني أوصي إلى بعض مَنْ ها هنا من قومي.
(1)
ولعل الصحيح من اسمه (عمرو) بدل (عبيد) بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشي، له ولأبيه صحبه، ولد في أيام بدر، وقيل: قبل الهجرة بسنتين، ولي إمرة الكوفة لزياد وابنه عبيد الله، مات سنة 85 هـ. ابن حجر: الإصابة 4/ 510.
قال له: أوصِ بما شئت.
فنظر إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص
(1)
، فقال له: اخْلُ معي في طرف هذا البيت حتى أوصي إليك، فليس في القوم أقرب إليّ ولا أولى بي منك.
فتنحى معه ناحية، فقال له: أتقبل وصيتي؟.
قال: نعم.
قال مسلم: إن عليَّ ها هنا دينًا، مقدار ألف درهم، فاقضِ عني، وإذا أنا قُتلتُ فاستوهب من ابن زياد جثتي لئلا يُمَثِّل بها، وابعث إلى الحسين بن علي رسولًا قاصدًا من قبلك، يعلمه حالي، وما صرت إليه من غدر هؤلاء الذين يزعمون أنهم شيعته، وأخبره بما كان من نكثهم بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل، لينصرف إلى حرم الله، فيقيم به، ولا يغتر بأهل الكوفة.
وقد كان مسلم كتب إلى الحسين أن يقدم ولا يلبث.
فقال له عمر بن سعد: لك عليَّ ذلك كله، وأنا به زعيم.
فانصرف إلى ابن زياد، فأخبره بكل ما أوصى به إليه مسلم.
فقال له ابن زياد: قد أسأت في إفشائك ما أسره إليك، وقد قيل: إنه لا يخونك إلا الأمين، وربما ائتمنك الخائن.
وأمر ابن زياد بمسلم فرقي به إلى ظهر القصر، فأشرف به على الناس، وهم على باب القصر مما يلي الرحبة، حتى إذا رأوه ضربت عنقه هناك، فسقط رأسه إلى الرحبة، ثم اتبع الرأس بالجسد.
وكان الذي تولى ضرب عنقه أحمر بن بكير
(2)
.
(1)
عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أمير السرية التي قتلت الحسين رضي الله عنه، قتله وولده المختار صبرًا. الذهبي: السير 4/ 350.
(2)
أحمر بن بكير، ولعل الصحيح من اسمه أنه بكير بن حمران الأحمري، ذكره الطبري: التاريخ 5/ 378، والبلاذري 2/ 83.
وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الزبير الأسدي
(1)
:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري
…
على هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف أنفه
…
وآخر، يهوى من طمار، قتيل
أصابهما ريب الزمان، فأصبحا
…
أحاديث من يسعى بكل سبيل
ترى جسدًا قد غير الموت لونه
…
ونضح دم قد سال كل مسيل
(2)
(3)
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
مختصرًا، والبلاذري
(5)
مطولًا، والطبري
(6)
بمثله مطولًا.
• نقد النص:
جاءت في هذه الرواية مسندة عند الطبري
(7)
بطرق لا يمكن الاعتماد عليها.
وفيها محاولة اغتيال عبيد الله حينما جاء عائدًا لشريك بن الأعور،
(1)
لعل الصحيح من اسمه (عبد الله) بدل (عبد الرحمن) بن الزبير الأسدي، وهو شاعر معروف من أهل الكوفة، من شعراء بني أسد ونبلائهم، يكنى أبا سعد، وله أخبار مع عبد الله بن الزبير بن العوام، ثم ذكر قصيدته في مسلم بن عقيل. ابن عساكر: تاريخ دمشق 28/ 258.
(2)
اختلف في من قال هذه الأبيات قيل: إنها للفرزدق، ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات 1/ 461 (ت د. محمد السلمي)، والطبري: التاريخ 5/ 379، من طريق أبي مخنف، وقيل: للأخطل ذكرها الكلبي في نسب معد واليمن 1/ 329.
(3)
الأخبار الطوال من صفحة 233، إلى صفحة 242.
(4)
الطبقات 1/ 458 (ت د. محمد السلمي).
(5)
الأنساب 2/ 77.
(6)
التاريخ 5/ 347. من طريق أبي مخنف.
(7)
التاريخ بروايتين الأولى 5/ 363 من طريق أبي مخنف، والأخرى من طريق عيسى بن يزيد وهو لا يعرف، وليس له رواية. الفلوجي: المعجم الصغير 1/ 444.
والسبب أنه يستبعد أن يخرج في هذه الظروف بدون حرس
(1)
.
وبعد قتل هانئ تحرك مسلم بن عقيل بصدق لنصرته والأخذ بثأره، فرتب مسلم أنصاره ووزع ألويته وخرج لملاقاة ابن زياد ظنًّا منه أن من معه ومن يسمون أنفسهم شيعة صادقين بوعدهم لنصرته، وأصبح موقف ابن زياد خطيرًا وكاد أن يقع، لولا أنه استخدم بعض الأساليب التي تنم عن دهائه، فمنها أنه حبس أشراف الكوفة عنده وأمرهم بأن يكلموا من تحتهم ويخوفونهم بجند الشام، وبقطع العطاء والصلات، ويتمثل ذلك فيما رواه الطبري (فبعث عبيد اللّه إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثمّ قال: أشرفوا على الناس فمَنُّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم فصول الجنود من الشام إليهم)
(2)
.
ومنهم كثير بن شهاب حيث قال: (أيّها النّاس، ألحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى اللّه الأمير عهدًا: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتّى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها) .. (وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا، فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون)
(3)
.
ولم يذكر صاحب الكتاب أن ابن زياد هددهم بالعطاء؛ ولذلك أوردت ما سبق.
(1)
الشيباني: مواقف المعارضة 318.
(2)
الطبري: التاريخ 5/ 370.
(3)
الطبري: التاريخ 5/ 370.
وفعلا نجحت هذه الحيل وبدأ الجند بالانسحاب عن مسلم حتى بقي وحده، فعلم أنهم غدروا به وأسلموه لعدوه، فأصبح لا يفكر إلا بالحسين رضي الله عنه وكيف يبلغه ومن معه بهذا الخذلان حتى يرجعوا ولا يقدموا؛ لأنهم لا ناصر لهم.
وقد أدرك ابن زياد وَهَنَ هذه الجماعة فأخذ يبحث عن مسلم ولما وقع في يده قتله.
* رأس مسلم وكتاب يزيد إلى عبيد الله:
[46]
- (ثم بعث عبيد الله برءوسهما إلى يزيد، وكتب إليه بالنبأ فيهما.
فكتب إليه يزيد: لم نعد الظن بك، وقد فعلت فعل الحازم الجليد، وقد سألت رسوليك عن الأمر، ففرشاه لي، وهما كما ذكرت في النصح، وفضل الرأي، فاستوص بهما.
وقد بلغني أن الحسين بن علي قد فَصَلَ من مكة متوجهًا إلى ما قبلك، فأدرك العيون عليه، وضع الأرصاد على الطرق، وقم أفضل القيام، غير ألا تقاتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ بالخبر في كل يوم)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
مطولًا.
• نقد النص:
لم تأتِ هذه الرواية بسند يمكن الاعتماد عليه، وفيها كتاب عبيد الله إلى يزيد يخبره بما جرى بينه وبين مسلم بن عقيل، ويلاحظ عليها المبالغة في الإشادة بقتل مسلم بن عقيل، وفيها شرط يزيد لعبيد الله ألا يقاتل إلا من قاتله، وهو أمر واضح أن يزيد لم يأمر بقتال الحسين رضي الله عنه، ولكن عبيد الله زاد على أمره فقتل الحسين رضي الله عنه، وهذا الخبر يعتبر حجة على من رواه، حيث أن الشيعة
(1)
الأخبار الطوال 242.
(2)
التاريخ 5/ 380، من طريق أبي مخنف وهو ضعيف.
تتهم يزيد بقتل الحسين رضي الله عنه وهم يروون مثل هذا الخبر.
* مصير رأس مسلم:
[47]
- (وكان أنفذ الرأسين إليه مع هانئ بن أبي حية الهمداني
(1)
، والزبير بن الأروج التميمي
(2)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
والطبري
(5)
والذهبي
(6)
.
• نقد النص:
هذا الخبر لم أقف على من أورده بسند يمكن الاعتماد عليه، أما عن رأس مسلم فقد سبق وصيته لعمر بن سعد، التي أوردها صاحب الكتاب في الرواية (45) وهي أن يقضي دينه وأن يستوهب جثته من ابن زياد بعد قتله.
وقد روى ابن سعد
(7)
أن عمر بن سعد فعل ذلك بعد قتله، ولم يذكر أنه استثنى رأسه.
وهذا يدل على أن الرأس دفن مع الجسد ولم يحمل إلى يزيد.
[48]
- (وكان قتل مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي
(1)
هانئ بن أبي حية الوادعي الهمداني، لم أقف على ترجمة له.
(2)
ولعل الصحيح أنه الزبير ابن (الأروح) بدل (الأروج) التميمي، عراقي من التابعين، روى ابن عساكر بسنده عن أبي مخنف أن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة بعث الزبير بن الأروح وهانئ بن أبي حية برءوسهما إلى يزيد ثم ذكر كتاب عبيد الله وكتاب يزيد إليه بهذه الحادثة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 18/ 306.
(3)
الأخبار الطوال 242.
(4)
الطبقات 1/ 462 (ت د. محمد السلمي) بأسانيد ذكر المحقق أنها ضعيفة.
(5)
التاريخ 5/ 380. من طريق أبي مخنف.
(6)
تاريخ الإسلام 171، عن المدائني والواقدي وقال (بإسنادهم)، وهنا لم نتمكن من معرفة باقي السند، ولعل قول الذهبي بإسنادهم دليل على تضعيفه لهذه الرواية.
(7)
الطبقات 1/ 462 (ت د. محمد السلمي).
الحجة سنة ستين، وهي السنة التي مات فيها معاوية، وخرج الحسين بن علي من مكة في ذلك اليوم)
(1)
.
ذكر الطبري
(2)
أن خروج مسلم يوم الثلاثاء لثماني ليالٍ مضين من ذي الحجة وقيل: يوم الأربعاء يوم عرفة، وكان خروج الحسين رضي الله عنه يوم الثلاثاء أيضًا، أي قبل مقتل مسلم بيوم واحد.
والجمع بين ما ذكره صاحب الكتاب وبين ما ذكره الطبري أن خروج مسلم وقتله كان في عشر ذي الحجة من سنة ستين للهجرة.
[49]
- (ثم إن ابن زياد وجه بالحصين بن نمير وكان على شرطه في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة، وأمره أن يقيم بالقادسية
(3)
إلى القطقطانة
(4)
، فيمنع من أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز إلا من كان حاجًّا أو معتمرًا ومن لا يتهم بممالأة الحسين)
(5)
.
ذكر ابن سعد
(6)
أنه أمره أن يأخذ كل من أنكره، أما الطبري
(7)
فذكر أن عبيد الله فعل ذلك لما علم بقدوم الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة، وقد انفرد صاحب الكتاب بأمر عبيد الله بن زياد للحصين بن تميم:(إلا من كان حاجًّا أو معتمرًا ومن لا يتهم بممالأة الحسين).
(1)
الأخبار الطوال 242، 243.
(2)
التاريخ 5/ 381.
(3)
القادسية: موضع يبعد عن الكوفة خمسة عشر فرسخًا، وبها كانت معركة القادسية بين المسلمين والفرس بقيادة سعد بن أبي وقاص، وانتصر المسلمون عام 16 من الهجرة. الحموي: البلدان 4/ 291.
(4)
القطقطانة: موضع قرب الكوفة من جهة البرية، وكانت موضع سجن النعمان بن المنذر. 4/ 374.
(5)
الأخبار الطوال 242.
(6)
الطبقات 1/ 463 (ت د. محمد السلمي).
(7)
التاريخ 5/ 394.
رابعًا: عزم الحسين رضي الله عنه على الخروج إلى الكوفة، وموقف الصحابة منه
[50]
- (قالوا: ولما ورد كتاب مسلم بن عقيل على الحسين: أن الرائد
(1)
لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل، فأَقْدِمْ، فإن جميع الناس معك، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
، وعنده أن هذا الكتاب جاء من مسلم إلى الحسين رضي الله عنه قبل أن يقتل ببضع وعشرين ليلة. والطبري
(4)
.
* موقف الصحابة من خروج الحسين رضي الله عنه:
[51]
- (فلما عزم على الخروج، وأخذ في الجهاز بلغ ذلك عبد الله بن عباس، فأقبل حتى دخل على الحسين رضي الله عنه، فقال: يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق.
قال الحسين: أنا على ذلك.
قال عبد الله: أعيذك بالله يا ابن عم من ذلك.
قال الحسين: قد عزمت، ولا بد من المسير.
قال له عبد الله: أتسير إلى قوم طردوا أميرهم عنهم، وضبطوا بلادهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فَسِرْ إليهم، وإن كانوا إنما يدعونك إليهم، وأميرهم عليهم، وعماله يَجُبُّونَهُم، فإنهم إنما يدعونك إلى الحرب، ولا آمنهم أن يخذلوك كما
(1)
الرائد: الرّود: مصدر فعل الرائد: ومنه قولهم بعثنا رائدًا يرود لنا الكلأ والمنزل ويرتاده؛ أي يطلب وينظر فيختار أفضله، وهو مثل يضرب للذي لا يكذب إذا حدّث. الفراهيدي: العين 8/ 63.
(2)
الأخبار الطوال 243.
(3)
الأنساب 3/ 167.
(4)
التاريخ 5/ 375. من طريق أبي مخنف.
خذلوا أباك وأخاك، قال الحسين: يا ابن عم، سأنظر فيما قلت.
وبلغ عبد الله بن الزبير ما يهم به الحسين، فأقبل حتى دخل عليه، فقال له: لو أقمت بهذا الحرم، وبثثت رسلك في البلدان، وكتبت إلى شيعتك بالعراق أن يقدموا عليك، فإذا قوي أمرك نفيت عمال يزيد عن هذا البلد، وعليَّ لك المكانفة والمؤازرة، وإن عملت بمشورتي طلبت هذا الأمر بهذا الحرم، فإنه مجمع أهل الآفاق، ومورد أهل الأقطار لم يعدمك بإذن الله إدراك ما تريد، ورجوت أن تناله.
قالوا: وَلَمَّا كان في اليوم الثالث عاد عبد الله بن عباس إلى الحسين، فقال له: يا ابن عم، لا تقرب أهل الكوفة، فإنهم قوم غدرة، وأقم بهذه البلدة، فإنك سيد أهلها، فإن أبيت فسر إلى أرض اليمن، فإن بها حصونًا وشعابًا، وهي أرض طويلة عريضة، ولأبيك فيها شيعة، فتكون عن الناس في عزلة، وتبث دعاتك في الآفاق، فإني أرجو إن فعلت ذلك أتاك الذي تحب في عافية.
قال الحسين: يا ابن عم، والله إني لأعلم أنك ناصح مشفق، غير أني قد عزمت على الخروج.
قال ابن عباس: فإن كنت لا محالة سائرًا، فلا تخرج النساء والصبيان، فإني لا آمن أن تقتل كما قتل ابن عفان، وصبيته ينظرون إليه.
قال الحسين: يا ابن عم، ما أرى إلا الخروج بالأهل والولد.
فخرج ابن عباس من عند الحسين فمر بابن الزبير، وهو جالس، فقال له: قُرَّتْ عينك يا ابن الزبير بخروج الحسين.
ثم تمثل:
خلا لك الجو، فبيضي واصْفِري
…
ونَقِّري، ما شئت أن تنقري
(1)
(2)
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(3)
مختصرًا، والبلاذري
(4)
والطبري
(5)
مطولًا.
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية بموقف عبد الله بن عباس رضي الله عنه وقد ثبت أنه نهى الحسين بن علي رضي الله عنه عن الخروج إلى العراق، ومن ذلك ما أخرجه عبد الرزاق الصنعاني بسنده عن طاووس
(6)
قال: (سمعت ابن عبّاسٍ، يقول: استشارني الحسين بن عليٍّ رضي الله عنه بالخروج بمكّة قال: فقلت: لولا أن يُزْرَى بي أو بك لنشبتَ يديَّ في رأسك، قال: فقال: ما أحبّ أن يستحيل بي، يعني مكّة
…
)
(7)
.
وبموقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من خروج الحسين رضي الله عنه وفيها اتهام له بأنه حرَّض الحسين رضي الله عنه على الخروج؛ ليتسنى له التخلص منه، وَلِبَيَانِ ذلك
(1)
هذا البيت لطرفة بن العبد، وقصته أن طرفة وضع فخ لقنابر لكي يصطاها، ولكنه فشل في ذلك وذهب عنها فرآها رجعت إلى مكان فخه وأكلت ما فيه من الحب فقال:
يا لك من قُبَّرَةِ بمعمر
…
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونَقِّري ما شئت أن تُنقِّري
…
قد رحل الصياد عنك فابشري
فذهب ذلك مثلًا للحاجة يتمكن منها صاحبها. النيسابوري: مجمع الأمثال 1/ 239.
(2)
الأخبار الطوال 243، 244.
(3)
التاريخ 233.
(4)
الأنساب 3/ 161.
(5)
التاريخ 5/ 383.
(6)
طاووس: طاوس بن كيسان اليماني، ويقال اسمه (ذكوان) وطاوس لقبه، ثقة، فقيه فاضل، من الثالثة، ت 106 هـ. ابن حجر: التقريب 281.
(7)
الأمالي في آثار الصحابة 102، البلاذري: الأنساب 3/ 147.
سوف أورد الطرق التي جاءت بالخبر لنقف على حقيقته:
- ذكر الطبري مثل هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف وهي كاملة، وقد اختصرها صاحب الكتاب كما سبق، وهو اختصار أخل بها وجعلها متناقضة، فهي تَذْكُرُ أن ابن الزبير رضي الله عنه نصح الحسين رضي الله عنه بعدم الخروج، ثم ذكرت لوم ابن عباس رضي الله عنه له، وتمثله بالأبيات، فكيف يلومه على شيء لم يفعله، وأصل هذه الرواية أن الحسين رضي الله عنه عندما أراد الخروج للكوفة جاءه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وقال له:(أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها، ثم خشي ابن الزبير رضي الله عنه أن يتهمه الحسين رضي الله عنه فقال: (لو أقمت بالحجاز، ثم أردت هذا الأمر ما خولف عليك إن شاء الله)
(1)
.
وهذه الرواية مردوة لضعف سندها؛ ونكارة متنها؛ لأن فيها اتهام لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
- وذكر البلاذري أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: (عرض على الحسين رضي الله عنه أن يقيم بمكة فيبايعه، ويبايعه الناس، وإنما أراد ألَّا يتهمه وأن يعذر في القول)
(2)
.
- وأخرج خليفة بن خياط بسنده عن جويرية بن أسماء
(3)
عن أشياخه، وهذا فيه مجاهيل أن عبد الله بن الزبير قال للحسين رضي الله عنه:(ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فوالله لو أن لي مثلهم لذهبت إليهم)
(4)
.
وكل ما سبق لا يصح عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وقد ورد ما يخالفه ومن ذلك:
(1)
التاريخ 5/ 383.
(2)
الأنساب 3/ 164، وهي غير مسندة.
(3)
جويرية بن أسماء صدوق، سبقت ترجمته
(4)
التاريخ 233.
- ما أخرجه يعقوب بن سفيان عن أبي بكر الحميدي
(1)
عن سفيان
(2)
عن عبد الله بن شريك
(3)
عن بشر بن غالب
(4)
أنه سمعه يقول: قال عبد الله بن الزبير للحسين بن علي: أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك؟ فقال له الحسين: لئن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إليَّ من أن تستحل بي _ يعني مكة)
(5)
.
- وما أخرجه المصعب بن عبد الله
(6)
حيث قال: (وأخبرت عن هشام بن يوسف الصنعاني
(7)
، عن معمر
(8)
، قال: سمعت رجلًا يحدث، قال: سمعت الحسين بن علي يقول لعبدالله بن الزبير: «أتَتَنِي بيعة أربعين ألف رجل من أهل الكوفة، أو قال: من أهل العراق» ، فقال له عبد الله بن الزبير:«أتخرج إلى قوم قتلوا أباك، وأخرجوا أخاك؟» . قال هشام بن يوسف: فسألت معمرًا
عن الرجل؟ فقال: «هو ثقة» . وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي
(1)
عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحميدي المكي أبو بكر ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة مات بمكة سنة 219 هـ وقيل بعدها. ابن حجر: التقريب 303.
(2)
سفيان بن عيينة، ثقة سبقت ترجمته.
(3)
عبد الله بن شريك العامري الكوفي صدوق يتشيع، أفرط الجوزجاني فكذبه من الثالثة. ابن حجر: التقريب 307.
(4)
بشر بن غالب بن جنادة بن سفيان الأسدي، يروي عن الحسن رضي الله عنه، ذكره ابن حبان في الثقات 4/ 64.
(5)
المعرفة والتاريخ 2/ 753. وابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 203، والذهبي في السير 3/ 293 من طريق ابن المبارك.
(6)
مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، صدوق، عالم بالنسب، مات سنة 136 هـ. ابن حجر: التقريب 533.
(7)
هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عبد الرحمن القاضي، ثقة من التاسعة، مات سنة 197 هـ. ابن حجر: التقريب 573.
(8)
معمر بن راشد الأزدي، ثقة سبق ترجمته.
قال هذا)
(1)
.
هذا ما صح من موقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه مع الحسين رضي الله عنه، ومن اتهمه بالإشارة على الحسين رضي الله عنه بالخروج يظن أنه إنما يريد ذلك؛ ليتخلص منه حتى يبايع لنفسه، وهذا لم يحدث؛ لأنه لم يبايع له إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية.
- وقد ذكر ابن كثير
(2)
بعض أسماء مَنْ نَهَى الحسين رضي الله عنه عن الخروج للكوفة ومنهم، عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه
(3)
، وأبو واقد الليثي رضي الله عنه
(4)
، وجابر بن عبد الله رضي الله عنه، والمسور بن مخرمة رضي الله عنه
(5)
، وعبد الله ابن جعفر
(6)
، وعمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين.
وهؤلاء أغلبهم من أهل الحل والعقد في تلك الفترة، قد كان منهم إجماع على عدم خروج الحسين رضي الله عنه.
أما عن سبب عزم الحسين رضي الله عنه على الخروج، فقد ذكر الشيباني
(7)
أسباب، منها:
(1)
نسب قريش 239.
(2)
البداية والنهاية 8/ 175.
(3)
سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، اشتهر بكنيته، لم يحضر أُحدًا لصغر سنه، وحضر ما بعدها، أكثر من رواية الحديث. ابن حجر: الإصابة 3/ 65.
(4)
أبو واقد الليثي، اختلف في اسمه قيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، أسلم عام الفتح وكان يحمل لواء بني ليث، له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. ابن حجر: الإصابة 7/ 370.
(5)
المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن زهرة بن كلاب الزهري القرشي، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: قبلها، وقدم المدينة بعد الفتح، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، مات في خلافة يزيد في مكة. ابن حجر: الإصابة 6/ 93.
(6)
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أول مولود في الحبشة للمسلمين، حفظ عن النبي رضي الله عنه وأردف معه، ودعا له، مات سنة 87 هـ. ابن حجر: الإصابة 4/ 38.
(7)
الشيباني: مواقف المعارضة 299.
السبب الأول: إرادة الله سبحانه وتعالى وقدره.
السبب الثاني: أن الحسين أدرك أن يزيد بن معاوية لن يرضى أن يبقى بالحجاز له حرية التصرف دون أن يحمله على البيعة بالقوة.
* موقف أمير مكة من خروج الحسين رضي الله عنه:
[52]
- (قالوا: ولما خرج الحسين من مكة اعترضه صاحب شرطة أميرها، عمرو بن سعيد بن العاص في جماعة من الجند، فقال: إن الأمير يأمرك بالانصراف، فانصرف، وإلا منعتك، فامتنع عليه الحسين، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط.
وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شرطته، يأمره بالانصراف)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
.
• نقد النص:
ما جاء عن موقف صاحب شرطة مكة من قبل عمرو بن سعيد وأنه حاول منع الحسين رضي الله عنه وأنهم تضاربوا بالسياط، فهذه الرواية جاءت عند الطبري مسندة من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف.
وهذه الرواية والتي قبلها تؤكد لنا أن الهدف من اختيار بعض الموضوعات دون غيرها لشحن العواطف وتأجيج الفتن، كما هو مذهب أهل التشيُّع.
وقد روى الطبري من طريق أبي مخنف أيضًا أن لعمرو بن سعيد موقفًا
(1)
الأخبار الطوال 244.
(2)
الأنساب 3/ 164.
(3)
التاريخ 5/ 385. من طريق أبي مخنف وهو ضعيف.
آخر هو أنه وبطلب من عبد الله بن جعفر رضي الله عنه كتب إلى الحسين رضي الله عنه يؤمنه ويرغبه بعدم الخروج، وهذا نصه:(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أمّا بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك، بلغني أنك قد توجهت إلى العراق، وإني أعيذك باللّه من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثتُ إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبلْ إليّ معهما، فإن لك عندي الأمان والصلة والبر وحسن الجوار لك، واللّهُ عليَّ بذلك شهيد وكفيل، ومراع ووكيل، والسلام عليك)
(1)
.
ولعل هذا السبب أقرب لحال عمرو بن سعيد مع الحسين رضي الله عنه، وهو متناسق مع موقف الذين نهوه عن الخروج.
* * *
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 388.
خامسًا: أحداث الطريق إلى الكوفة
[53]
- (قالوا ولما فَصَلَ الحسين بن علي من مكة سائرًا، وقد وصل إلى التنعيم
(1)
لحق عيرًا مقبلة من اليمن، عليهما ورس
(2)
وحناء، ينطلق به إلى يزيد بن معاوية، فأخذها وما عليها.
وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يسير معنا إلى العراق أوفيناه كِرَاهه، وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من هاهنا أعطيناه من الكِرَى بقدر ما قطع من الأرض، ففارقه قوم، ومضى معه آخرون)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
، والطبري
(5)
.
• نقد النص:
هذه الرواية جاءت مسندة عند الطبري
(6)
، من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف، وهي تزعم أن الحسين رضي الله عنه أخذ عيرًا ليزيد بن معاوية، وفي متنها نكارة، وإلا فكيف يحل الحسين رضي الله عنه لنفسه أخذ مال بغير حقه، والمانع من ذلك فقه وعدالة؛ ولأنه قد جاء في الحديث عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كلّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمه، وماله، وعرضه»
(7)
.
(1)
التنعيم: وادي يحرم منه أهل مكة، وتسمى عمرته عمرة التنعيم، وهو أقرب الحل إلى المسجد الحرام ويبعد عنه ستة أكيال، من جهة الشمال على طريق المدينة، وهو الآن حي من أحياء مكة. البلادي: معالم مكة 50.
(2)
الورس: نبات كالسمسم ليس إلا باليمن. الفيروز آبادي: القاموس المحيط 1/ 579.
(3)
الأخبار الطوال 245.
(4)
الأنساب 3/ 164.
(5)
التاريخ 5/ 385.
(6)
المصدر السابق 5/ 385.
(7)
صحيح مسلم 4/ 1986.
ولو سلمنا بصحة هذا الخبر وأن الحسين رضي الله عنه أخذ مال يزيد، فكيف له أن يطلب الذهاب إلى يزيد حينما فاوضه عمر بن سعد وهو قد أخذ ماله، ومما لا شك فيه أن هذا من كَذِبِ الرواة الذين يدَّعون حب الحسين رضي الله عنه والدفاع عنه، فهم يكذبون عليه بدافع الولاء والمحبة ظاهرًا، والغلو والخبث باطنًا.
* لقاء الفرزدق بالحسين رضي الله عنه:
[54]
- (ثم سار حتى إذا انتهى إلى الصفاح
(1)
لقيه هناك الفرزدق
(2)
الشاعر مقبلًا من العراق، يريد مكة، فسلم على الحسين.
فقال له الحسين: كيف خَلَفْتَ الناس بالعراق؟
قال: خلفتهم، وقلوبهم معك، وسيوفهم عليك، ثم ودعه)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
مطولًا، وخليفة بن خياط
(5)
، والطبري
(6)
مختصرًا.
• نقد النص:
ولقاء الفرزدق بالحسين رضي الله عنه لم أقف على من أورده بسند صحيح، وقد أورده ابن سعد بسند من طريق لبطة
(7)
بن الفرزدق عن أبيه، قال عنه المحقق:
(1)
الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة. الحموي: معجم البلدان 3/ 412. وذكر خليفة بن خياط: التاريخ 231 أن الحسين رضي الله عنه لقيه في ذات عرق.
(2)
الفرزدق: هو همام بن غالب الحنظلي التميمي البصري، فكان أشعر أهل زمانه مع جرير والأخطل، مات سنة 110 هـ. الذهبي: السير 4/ 590.
(3)
الأخبار الطوال 245.
(4)
الطبقات 1/ 452 (تحقيق د. محمد السلمي).
(5)
التاريخ 231.
(6)
التاريخ 5/ 386. من طريق أبي مخنف.
(7)
لبطة بن الفرزدق بن غالب التميمي، من الرابعة، سكت عنه البخاري، وابن أبي حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات. الفلوجي: المعجم الصغير 2/ 773.
(إسناده ضعيف، وفي متن الخبر ألفاظ منكرة تدل على الوضع)
(1)
.
* أحداث طريق الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة:
[55]
- (ومضى الحسين حتى إذا صار ببطن الرمة
(2)
كَتَبَ إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد، فإن كتاب مسلم بن عقيل ورد عليَّ باجتماعكم لي، وتشوفكم إلى قدومي، وما أنتم عليه منطوون من نصرنا، والطلب بحقنا، فأحسن الله لنا ولكم الصنيع، وأثابكم على ذلك بأفضل الذخر
(3)
، وكتابي إليكم من بطن الرمة
(4)
، وأنا قادم عليكم، وحثيث السير إليكم، والسلام، ثم بعث بالكتاب مع قيس بن مسهر×، فسار حتى وافى القادسية.
فأخذه حصين بن نمير، وبعث به إلى ابن زياد، فلما أدخل عليه أغلظ لعبيد الله، فأمر به أن يطرح من أعلى سور القصر إلى الرحبة، فطرح، فمات)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(6)
، والبلاذري
(7)
مختصرًا، والطبري
(8)
مطولًا.
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 452 (ت د. محمد السلمي)، وأخرجه من طريق الفرزدق الصنعاني في آثار الصحابة 101، والفاكهي في أخبار مكة 1/ 330، والفسوي في المعرفة والتاريخ 2/ 673، والبلاذري في أنساب الأشراف 3/ 165، والطبري في التاريخ 5/ 386.
(2)
الرمة: واد معروف بعالية نجد، تنصب إليه أودية. الحموي: البلدان 1/ 449.
(3)
الذخر: بالذال ما يكون بالآخرة، وبالدال بالدنيا. الزبيدي: تاج العروس 11/ 363.
(4)
بطن الرمة وذكر أن اسمه الحاجر من بطن الرمة أو الحاجز. البلاذري: الأنساب 3/ 166.
(5)
الأخبار الطوال 245، 246.
(6)
ابن سعد: الطبقات 1/ 462 (ت د. محمد السلمي).
(7)
الأنساب 3/ 166.
(8)
التاريخ 5/ 394.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية نص كتاب الحسين رضي الله عنه وهو في بطن الرمة وقد انفرد به مسندًا الطبري من طريق أبي مخنف
(1)
وهو ضعيف، والملاحظ عليها زعمهم أن الحسين رضي الله عنه قال لأهل الكوفة (والطلب بحقنا) وهذا فيه نكارة وهو نسج من نسيج الشيعة؛ لأنهم يعتقدون أن الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم محصور في آل بيته وهم علي رضي الله عنه وأولاده، ولو صح هذا لوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالخلافة من بعده لعلي رضي الله عنه، وكذلك علي رضي الله عنه لابنه الحسن رضي الله عنه.
وما قام به الحسن رضي الله عنه بالتنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه وهو من غير آل البيت، لهو دليل على أن الأمر لم يحصر في آل البيت، ومما يدل على هذا أيضًا ما أخرجه الحاكم بسنده عن علي رضي الله عنه: (قيل لعليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: ألا تستخلف علينا؟ قال: «ما استخلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأستخلف، ولكن إن يرد اللّه بالنّاس خيرًا، فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيّهم على خيرهم»
(2)
.
قال عنه الحاكم: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه)
(3)
، وقال الهيثمي:(رواه البزّار، ورجاله رجال الصّحيح غير إسماعيل بن أبي الحارث، وهو ثقةٌ)
(4)
.
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 394.
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 84، والإمام أحمد في فضائل الصحابة 2/ 709، وفي السنة لابن أبي عاصم 2/ 551، والآجري في الشريعة 4/ 1718، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 256، وأبو يعلى الموصلي 1/ 284 (ت: حسين سليم أسد)، والبزار في مسنده 2/ 186.
(3)
المستدرك 3/ 84.
(4)
مجمع الزوائد 9/ 47.
* لقاء الحسين رضي الله عنه بعبد الله بن مطيع مرة أخرى:
[56]
- (وسار الحسين من بطن الرمة، فلقيه عبد الله بن مطيع، وهو منصرف من العراق، فسلم على الحسين، وقال له:
بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدك؟.
فقال: إن أهل الكوفة كتبوا لي يسألونني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء معالم الحق، وإماتة البدع.
قال له ابن مطيع: أنشدك الله ألا تأتي الكوفة، فو الله لئن أتيتها لتقتلن.
فقال الحسين: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}
(1)
، ثم ودعه ومضى)
(2)
.
تكرر لقاء عبد الله بن مطيع راجع نقد الرواية رقم [36].
* لقاء الحسين رضي الله عنه بزهير بن القين:
[57]
- (ثم سار حتى انتهى إلى زرود
(3)
، فنظر إلى فسطاط
(4)
مضروب، فسأل عنه، فقيل له: هو لزهير بن القين
(5)
، وكان حاجًّا أقبل من مكة يريد الكوفة. فأرسل إليه الحسين، أن ألقني أكلمك، فأبى أن يلقاه.
وكانت مع زهير زوجته، فقالت له: سبحان الله، يبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تجبه، فقام يمشى إلى الحسين، فلم يلبث أن انصرف، وقد أشرق
(1)
سورة التوبة آية 51.
(2)
الأخبار الطوال 246.
(3)
زرود: رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة، والزرد هو البلع، وسميت بذلك لأنها تبتلع مياه الأمطار. الحموي: معجم البلدان 3/ 139.
(4)
الفسطاط: بيت من الشعر. الفارابي: تاج اللغة. 3/ 1150.
(5)
زهير بن القين البجلي، من الثالثة، من أصحاب الحسين رضي الله عنه قتل معه في كربلاء. الفلوجي: المعجم الصغير 1/ 175.
وجهه، فأمر بفسطاطه فقلع، وضرب إلى لزق فسطاط الحسين.
ثم قال لامرأته: أنت طالق، فتقدمي مع أخيك حتى تصلي إلى منزلك، فإني قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين.
ثم قال لمن كان معه من أصحابه: من أحب منكم الشهادة فليقم، ومن كرهها فليتقدم، فلم يقم معه منهم أحد، وخرجوا مع المرأة وأخيها حتى لحقوا بالكوفة)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
مختصرًا، والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية خبر دخول زهير بن القين في أمر الحسين رضي الله عنه، وقد جاءت مسندة من طريق أبي مخنف، والملاحظ عليها أن الحسين رضي الله عنه طلب من زهير الانضمام إليه وعزة الحسين رضي الله عنه تتنافي مع أن يطلب من أي شخص أن ينظم إليه، ثم تذكر أن زهير وطَّن نفسه على الموت مع الحسين رضي الله عنه واستعد له، إلى أنه طلق امرأته، وهذا وصف لفرط حماسه، ومجريات الأحداث ليس فيها عزم الحسين رضي الله عنه على القتال في هذا الموضع.
ثم إن هذا الخبر قد ورد ما يخالفه فقد جاء عند البلاذري والطبري
(4)
برواية أخرى أن زهير بن القين خرج حاجًّا فلقي الحسين رضي الله عنه فانضم إليه.
وروى ابن سعد
(5)
أن زهير بن القين قاتل مع الحسين رضي الله عنه ومعه امرأته،
(1)
الأخبار الطوال 246، 247
(2)
الأنساب 3/ 167.
(3)
التاريخ 5/ 396.
(4)
ذكرها البلاذري: الأنساب 3/ 225، والطبري: التاريخ 5/ 392. من طريق حصين بن عبد الرحمن.
(5)
ابن سعد: الطبقات 1/ 485 (ت د. محمد السلمي).
فلما قُتِلَ بعثت امرأته كفنًا مع مولاه ليكفنه فيه، فلما جاء وجد الحسين رضي الله عنه فكفنه وترك مولاه زهيرًا، ثم رجع إليها بذلك فشكرته وأعطته كفنًا آخر لمولاه فذهب فكفنه به.
وهذان الخبران أنسب لخبر زهير بن القين مع الحسين رضي الله عنه لخلوهما من المبالغات.
* وصول خبر قتل مسلم إلى الحسين رضي الله عنه:
[58]
- (قالوا: ولما رحل الحسين من زرود تلقاه رجل من بني أسد
(1)
، فسأله عن الخبر، فقال: لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، ورأيت الصبيان يجرون بأرجلهما، فقال: إنّا للّه، وإنّا إليه راجعون، عند الله نحتسب أنفسنا.
فقال له: أنشدك الله يا ابن رسول الله في نفسك، وأنفس أهل بيتك، هؤلاء الذين نراهم معك، انصرف إلى موضعك، ودع المسير إلى الكوفة، فو الله ما لك بها ناصر.
فقال بنو عقيل وكانوا معه: ما لنا في العيش بعد أخينا مسلم حاجة، ولسنا براجعين حتى نموت، فقال الحسين: فما خير في العيش بعد هؤلاء، وسار)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
مختصرًا، والطبري
(4)
مطولًا.
(1)
ومن طريق أبي مخنف عند الطبري 5/ 397 أن الذي جاء بالخبر من الكوفة اسمه بكير بن المثعبة، واللذان أخذا منه الخبر هما أسديان، واسمهما عبد الله بن سليم، والمذري بن المشمعل. وعند البلاذري: الأنساب 3/ 168، بكير بن المعنقة.
(2)
الأخبار الطوال 247.
(3)
الأنساب 3/ 168.
(4)
/ 397. من طريق أبي مخنف.
• نقد النص:
في هذه الرواية وصل خبر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة إلى الحسين رضي الله عنه، وفيه وصف لحالة مسلم وهانئ بعد قتلهما، وأنهما قد جرى بأرجلهما في السوق، وهذا الخبر لم يرد بسند صحيح، فقد ذكره الطبري من طريق أبي مخنف.
ثم إنه قد سبق الحديث عن جثة مسلم وأنه وصى بها عمر بن سعد ليدفنها ففعل ذلك.
وأما هانئ فيصعب فعل ذلك به، وهو سيد قومه في ظل هذه الظروف، فقتله كاد يعصف بابن زياد وإمارته فكيف بجره بالسوق.
وقد جاء عند الطبري رواية أخرى تخالف ما سبق وهي: (فأقبل الحسين بن علي بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتّى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي، فقال له: أين تريد؟.
قال: أريد هذا المصر، قال له: ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيرًا أرجوه، فَهَمَّ أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: والله لا نرجع حتّى نصيب بثأرنا أو نقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم!)
(1)
. وهذه الرواية تخلو من الزيادات التي جاء بها صاحب الكتاب.
[59]
- (فلما وافى زبالة
(2)
وافاه بها رسول محمد بن الأشعث، وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره، وخذلان أهل الكوفة إياه، بعد أن بايعوه، وقد كان مسلم سأل محمد بن الأشعث ذلك.
فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر، وأفظعه قتل مسلم بن عقيل،
(1)
التاريخ 5/ 389. من طريق عمار الدهني عن أبي جعفر.
(2)
ذكر الطبري: التاريخ 5/ 397. أنها زرود، وأن الذي جاء إليه بخبر مسلم رجلان من بني أسد.
وهانئ بن عروة. ثم أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر
(1)
رسوله الذي وجهه من بطن الرمة.
وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم، وقد كانوا ظنوا أنه يقدم على أنصار وعضد تفرقوا عنه، ولم يبق معه إلا خاصته)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
، والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
مطولًا.
وقد اختلفت المصادر فيمن أرسل بخبر قتل مسلم إلى الحسين رضي الله عنه، فقيل محمد بن الأشعث
(6)
، وقيل: عمر بن سعد
(7)
ولعل الأخير هو الأقرب؛ لأن ذلك يعتبر من وصية مسلم له قبل قتله.
[60]
- (فسار حتى انتهى إلى بطن العقيق
(8)
، فلقيه رجل من بني عكرمة
(9)
، فسلم عليه، وأخبره بتوطيد
(10)
ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب
(11)
رصدًا له.
ثم قال له: انصرف بنفسي أنت، فو الله ما تسير إلا إلى الأسنة والسيوف،
(1)
أما قيس بن مسهر فقد أخذه الحصين بن تميم وهو في القادسية وسلمه لابن زياد فقتله. الطبري: التاريخ 5/ 395. وقد ورد قتله عند الطبري بعد خبر كتاب الحسين رضي الله عنه لأهل الكوفة مباشرة.
(2)
الأخبار الطوال 247، 248.
(3)
الطبقات 1/ 460، 462 (ت د. محمد السلمي).
(4)
الأنساب 3/ 168.
(5)
التاريخ 5/ 397. بروايتين الأولى بزرود، والأخرى بزبالة ولم يسمِّ المرسل.
(6)
البلاذري: الأنساب 2/ 85.
(7)
ابن سعد: الطبقات 1/ 462 (ت د. محمد السلمي).
(8)
بطن العقيق وعند الطبري 5/ 399 بطن العقبة.
(9)
اسمه لوذان أحد بني عكرمة، وقد روى هذا الخبر عن أحد عمومته. الطبري: التاريخ 5/ 399.
(10)
وطد: وطدت الشيء أطده وطدًا، أي أثبته وثقلته، والتوطيد مثله. الفارابي: تاج اللغة 2/ 551.
(11)
العذيب: ماء بين القادسية والمغيثة، وقيل: هو وادي لبني تميم، وهو من منازل حاج الكوفة. الحموي: البلدان 4/ 92.
ولا تَتَّكِلَنَّ على الذين كتبوا لك، فإن أولئك أول الناس مبادرة إلى حربك.
فقال له الحسين: قد ناصحت وبالغت، فجزيت خيرًا ثم سلم عليه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
.
نلاحظ حجم التحذيرات التي واجهها الحسين رضي الله عنه قبل أن يصل الكوفة، وكل من حذره من أهل الكوفة ألمح إلى الغدر والخذلان وكل هذه الروايات شاهدة على مر العصور أن الغادر الأول هم أهل الكوفة وهم من يدعي حب الحسين رضي الله عنه.
* لقاء الحسين رضي الله عنه بالحر بن يزيد:
[61]
- (ومضى حتى نزل بشراه
(3)
بات بها، ثم ارتحل وسار، فلما انتصف النهار، واشتد الحر، وكان ذلك في القيظ، تراءت لهم الخيل.
فقال الحسين لزهير بن القين: أما هاهنا مكان يلجأ إليه، أو شرف، نجعله خلف ظهورنا، ونستقبل القوم من وجه واحد؟.
قال له زهير: بلى، هذا جبل ذي جشم
(4)
، يسرة عنك، فمل بنا إليه، فإن سبقت إليه فهو كما تحب، فسار حتى سبق إليه، وجعل ذلك الجبل وراء ظهره.
- وأقبلت الخيل، وكانوا ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي
(5)
، ثم
(1)
الأخبار الطوال 248.
(2)
التاريخ 5/ 399 من طريق أبي مخنف.
(3)
شراة: جبل شامخ مرتفع من دون عسفان، لبني ليث. الحموي: البلدان 3/ 331. وذكر الطبري أنها (شراف) 5/ 400.
(4)
ذي جشم، وعند الطبري 5/ 400 أنه ذو (حسم) وهو وادٍ بنجد، وقيل: موضع بالبادية. البكري: معجم ما استعجم 2/ 446.
(5)
الحر بن يزيد التميمي اليربوعي، قائد من أشراف تميم. الأعلام: الزركلي 2/ 172.
اليربوعي، حتى إذا دنوا أَمَرَ الحسين فتيانه أن يستقبلوهم بالماء، فشربوا، وتغمرت خيلهم، ثم جلسوا جميعًا في ظل خيولهم، وأعنتها في أيديهم حتى إذا حضرت الظهر قال الحسين للحر: أتصلي معنا، أم تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟ قال الحر: بل نصلي جميعًا بصلاتك. فتقدم الحسين، فصلى بهم جميعًا. فلما انفتل
(1)
من صلاته حوَّل وجهه إلى القوم، ثم قال: أيها الناس، معذرة إلى الله، ثم إليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمتْ عليّ رسلكم، فإن أعطيتموني ما اطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم دَخَلْنَا معكم مصركم، وإن تكن الأخرى انصرفت من حيث جئت.
فأسكتَ القوم، ولم يردوا عليه، حتى إذا جاء وقت العصر نادى مؤذن الحسين، ثم أقام، وتقدم الحسين، فصلى بالفريقين، ثم انفتل إليهم، فأعاد مثل القول الأول.
فقال الحر بن يزيد: والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر.
فقال الحسين: ائتني بالخرجين اللذين فيهما كتبهم.
فأتى بخرجين مملوءين كتبًا، فنثرت بين يدي الحر وأصحابه، فقال له الحر: يا هذا، لسنا ممن كتب إليك شيئًا من هذه الكتب، وقد أمرنا ألا نفارقك إذا لقيناك أو نقدم بك الكوفة على الأمير عبيد الله بن زياد. فقال الحسين: الموت دون ذلك.
ثم أمر بأثقاله، فحُمِلَتْ، وأمر أصحابه، فركبوا، ثم ولى وجهه منصرفًا نحو الحجاز، فحال القوم بينه وبين ذلك، فقال الحسين للحر: ما الذي تريد؟، قال: أريد والله أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد، قال الحسين: إذن والله أنابذك الحرب.
(1)
انفتل: انصرف من صلاته. ابن منظور: لسان العرب 11/ 514.
فلما كثر الجدال بينهما قال الحر: إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك، وقد رأيت رأيًا فيه السلامة من حربك، وهو أن تجعل بيني وبينك طريقًا، لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى الحجاز، تكون نصفًا بيني وبينك حتى يأتينا رأي الأمير.
قال الحسين: فخذ هاهنا، فأخذ متياسرًا من طريق العذيب، ومن ذلك المكان إلى العذيب ثمانية وثلاثون ميلًا، فسارا جميعًا حتى انتهوا إلى عذيب الحمامات
(1)
، فنزلوا جميعًا، وكل فريق منهما على غلوه
(2)
من الآخر)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
مختصرًا، والبلاذري
(5)
، والطبري
(6)
مطولًا.
* لقاء الحسين رضي الله عنه بعبيد الله بن الحر الجعفي:
[62]
- (ثم ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنًا عن طريق الكوفة حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل
(7)
، فنزلوا جميعًا هناك، فنظر الحسين إلى فسطاط مضروب، فسأل عنه، فأخبر أنه لعبيد الله بن الحر الجعفي
(8)
، وكان
(1)
عذيب الحمامات وعند البلاذري: الأنساب 3/ 171 عذيب الهجانات، والطبري 5/ 403 العذيب، والعذيب: مكان قرب الكوفة في العراق. محمد شراب: المعالم الأثيرة 187.
(2)
الغلوة: قدر رمية بسهمٍ. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/ 383.
(3)
الأخبار الطوال 248، 249، 250.
(4)
الطبقات 1/ 463 (ت د. محمد السلمي).
(5)
الأنساب 3/ 169.
(6)
التاريخ 5/ 400.
(7)
قصر بني مقاتل: يقع أسفل وادي تبل الذي يبعد أميالًا يسيرة عن الكوفة، وينسب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة. الحموي: البلدان 2/ 14. البلاذري: الأنساب 12/ 369.
(8)
عبيد الله بن الحر الجعفي، له إدراك، وقد شهد القادسية، وكان شجاعًا شاعرًا قدم على معاوية رضي الله عنه وشهد معه صفين، وقد تمارض حتى لا يشهد قتل الحسين رضي الله عنه وهرب من ابن زياد، وقد ندم على عدم نصرته للحسين رضي الله عنه. ابن عساكر: تاريخ دمشق 37/ 417. ابن حجر: الإصابة 5/ 88.
من أشراف أهل الكوفة، وفرسانهم.
فأرسل الحسين إليه بعض مواليه يأمره بالمصير إليه، فأتاه الرسول، فقال: هذا الحسين بن علي يسألك أن تصير إليه.
فقال عبيد الله: والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته وخذلان شيعته، فعلمت أنه مقتول ولا أقدر على نصرة، فلست أحب أن يراني ولا أراه.
فانتعل الحسين حتى مشى، ودخل عليه قبته، ودعاه إلى نصرته.
فقال عبيد الله: والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أغني عنك، ولم أخلف لك بالكوفة ناصرًا، فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطة، فإن نفسي لم تسمح بعد بالموت، ولكن فرسي هذه الملحقة، والله ما طلبت عليها شيئًا قط إلا لحقته، ولا طلبني وأنا عليها أحد قط إلا سبقته، فخذها، فهي لك.
قال الحسين: أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا إلى فرسك)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
، والطبري
(4)
.
• نقد النص:
وخبر استنجاد الحسين رضي الله عنه بعبيد الله بن الحر لم أقف على من أورده بسند يمكن الاعتماد عليه، وقد تكرر هذا الموقف مع من يلتقي بهم الحسين رضي الله عنه ويدعوهم إلى طاعته والخروج معه، ونلاحظ أن هذه المواقف تحصر؛
(1)
الأخبار الطوال 250، 251.
(2)
الطبقات 1/ 513 (ت د. محمد السلمي).
(3)
الأنساب 3/ 174، وفي 7/ 30 من طريق أبي مخنف.
(4)
التاريخ 5/ 407، من طريق أبي مخنف.
ولعل الهدف منه تضخيم حجم الخذلان الذي يواجهه الحسين رضي الله عنه ممن يلقاه في طريق، وبينما نجد أن الخذلان الذي قد وقع له ممن دعاه وهم أهل الكوفة.
وهذه الرواية وغيرها التي جاءت بخبر عبيد الله بن الحر مع الحسين رضي الله عنه فيها تناقض، والظاهر أنه لم يلقَ الحسين رضي الله عنه أصلًا حتى يعرض عليه نصرته، والغالب على الظن أنه لو صح أن الحسين رضي الله عنه دعاه لنصرته لنصره، وسيأتي ذلك موضحًا في أبيات قالها سوف ترد معنا في آخر مقتل الحسين رضي الله عنه.
ومن أمثلة تناقض الروايات التي جاءت بخبره:
ذكر في الرواية السابقة أن ابن الحر قال: (والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته) إلى قوله: (ولست أحب أن أراه أو يراني).
وقوله حينما دعاه الحسين رضي الله عنه: (إنّا للّه وإنّا إليه راجعون! واللّه ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، واللّه ما أريد أن أراه ولا يراني)
(1)
.
فإذا كان هذه حاله فلماذا يخرج إلى مكان يتوقع فيه رؤية الحسين رضي الله عنه فلماذا لم يسلك طريقًا آخر لا يحتمل فيه لُقْيا الحسين رضي الله عنه؟
* قصة منع الحسين رضي الله عنه من الماء:
[63]
- (وسار الحسين من قصر بني مقاتل، ومعه الحر بن يزيد،
كلما أراد أن يميل نحو البادية منعه، حتى انتهى إلى المكان الذي يسمى كربلاء
(2)
فمال قليلًا متيامنًا حتى انتهى إلى نينوى
(3)
، فإذا هو براكب على
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 407.
(2)
كربلاء: موضع في طرف الكوفة من ناحية البرية، وهو المكان الذي قتل فيه الحسين رضي الله عنه. الحموي: البلدان 4/ 445.
(3)
نينوى: موضع بناحية سواد الكوفة، منها كربلاء. الحموي: البلدان 5/ 239،
نجيب
(1)
، مقبل من القوم، فوقفوا جميعًا ينتظرونه.
فلما انتهى إليهم سلم على الحر، ولم يسلم على الحسين.
ثم ناول الحر كتابًا من عبيد الله بن زياد، فقرأه، فإذا فيه:
أما بعد، فجعجع
(2)
بالحسين بن علي وأصحابه بالمكان الذي يوافيك كتابي، ولا تحله إلا بالعراء على غير خمر
(3)
ولا ماء، وقد أمرتُ حامل كتابي هذا أن يخبرني بما كان منك في ذلك، والسلام.
فقرأ الحر الكتاب ثم ناوله الحسين، وقال: لا بد من إنفاذ أمر الأمير عبيد الله بن زياد، فانْزِلْ بهذا المكان، ولا تجعل للأمير عليّ علة.
فقال الحسين تقدم بنا قليلًا إلى هذه القرية التي هي منا على غلوه، وهي الغاضرية
(4)
أو هذه الأخرى التي تسمى السقبة
(5)
فنزل في إحداهما.
قال الحر: إن الأمير كتب إليّ أن أحلك على غير ماء، ولا بد من الانتهاء إلى أمره.
فقال زهير بن القين للحسين: بأبي وأمي يا ابن رسول الله، والله لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية، فكيف بمن سيأتينا من غيرهم؟ فهلم بنا نناجز هؤلاء، فإن قتال هؤلاء أيسر علينا من قتال من يأتينا من غيرهم.
قال الحسين: فإنى أكره أن أبدأهم بقتال حتى يبدءوا)
(6)
.
(1)
النجيب: الفاضل من كل حيوان. الزبيدي: تاج العروس 4/ 237.
(2)
الجعجعة: هي الحبس والتضييق ويقصد احبسه وضيق عليه، والجعجعة صوت الرحى ومنها المثل:(أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا). ابن منظور: لسان العرب 8/ 51.
(3)
الخمر: ما واراك من شيء مثل الجبال والأشجار وغيرها. الفارابي: تاج اللغة 2/ 650.
(4)
الغاضرية: هي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء، تنسب إلى الغاضرة من بني أسد. الحموي: البلدان 4/ 183.
(5)
السقبة: لم أقف على تعريف لها. وعن الطبري: التاريخ 5/ 409، أنها (شفية).
(6)
الأخبار الطوال 251، 252.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(1)
، والطبري
(2)
.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن عبيد الله أمر الحر بن يزيد بمنع الماء من الحسين رضي الله عنه، وقد جاءت هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف وهو ضعيف، ثم إنه أي قوة يمتلكها الحسين رضي الله عنه حتى يمنع عنه الماء، وهذا مما لا شك فيه من مبالغات الرواة.
وقد أورد ابن كثير
(3)
هذه القصة ولم يذكر منع الماء وإنما ذكر أن عبيدالله أمر الحر أن يعدل بالحسين رضي الله عنه في السير إلى العراق في غير قرية ولا حصن، وما ذكره ابن كثير أقرب إلى واقع حال عبيد الله بن زياد مع الحسين رضي الله عنه؛ لأنه خاف أن يتحصن في حربه.
وقد علق الشيخ ابن باز على قصة منع الماء عن الحسين رضي الله عنه فقال: (وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشانًا وغير ذلك من الزيادات إنما تُذكر لدغدغة المشاعر، فلا يثبت منها شيء، وما ثبت يغني)
(4)
.
[64]
- (فقال له زهير: فها هنا قرية بالقرب منا على شط الفرات، وهي في عاقول
(5)
حصينة، الفرات يحدق بها إلا من وجه واحد، قال الحسين: وما اسم تلك القرية؟ قال: العقر
(6)
، قال الحسين: نعوذ بالله من العقر، فقال
(1)
الأنساب 3/ 176.
(2)
التاريخ 5/ 408.
(3)
البداية والنهاية 8/ 188.
(4)
مقتل الحسين رضي الله عنه للشيخ عبد العزيز بن باز على الشبكة الوطنية الكويتية على الرابط:
http:// www.nationalkuwait.com
(5)
العاقول: الأرض التي لا يهدى لها لكثرة معاطفها. الزبيدي: تاج العروس 30/ 30.
(6)
العقر: موضع يسمى عقر بابل قرب كربلاء. الحموي: البلدان 4/ 136.
الحسين للحر: سر بنا قليلًا، ثم ننزل)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
والحموي
(3)
.
• نقد النص:
وردت هذه الرواية عند الطبري من طريق أبي مخنف، وفيها نكارة فهي تصف الحسين رضي الله عنه بالتطير
(4)
والمانع من ذلك فقهه؛ لأنه لا يخفى على مثله نَهْيُ الرسول صلى الله عليه وسلم عن التطير حيث قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد)
(5)
.
* نزول الحسين رضي الله عنه في كربلاء:
[65]
- (فسار معه حتى أتوا كربلاء، فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم من المسير، وقال: انزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب.
قال الحسين: وما اسم هذا المكان؟
قالوا له: كربلاء.
قال: ذات كرب وبلاء، ولقد مر أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين، وأنا معه، فوقف، فسأل عنه، فأخبر باسمه، فقال:[ها هنا محط ركابهم، وها هنا مهراق دمائهم]، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: ثقل لآل بيت محمد، ينزلون هاهنا)
(6)
.
(1)
الأخبار الطوال 252.
(2)
التاريخ 5/ 409.
(3)
البلدان 4/ 136.
(4)
التطير: هو التشاؤم بالطيور والأسماء والبقاع وغيرها. السعدي: القول السديد في شرح كتاب التوحيد، ت: المرتضى الزين أحمد 105.
(5)
البخاري: الصحيح 7/ 126، برقم 5707.
(6)
الأخبار الطوال 252، 253.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(1)
، والطبري
(2)
.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية تطيُّر الحسين رضي الله عنه كما في الرواية السابقة وهذا لا يصح أيضًا، وقد جاء هذا الخبر عند ابن سعد مسندًا، وفيه أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رجع من صفّين ونزل في موضع قال: (ما يسمى هذا الموضع؟ قال: قلنا: كربلاء. قال: كربٌ وبلاءٌ.
قال: ثم قعد على رابية وقال: يقتل ها هنا قوم أفضل شهداء على وجه الأرض
(3)
، قال المحقق:(إسناده ضعيف)
(4)
.
ولا يصح أيضًا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو ابنه الحسين رضي الله عنه يقولان ذلك علمًا منهما بما سوف يحدث؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه
إلا الله.
وقد قال شيخ الإسلام عن علي رضي الله عنه: والكتب المنسوبة إلى عليٍّ، أو غيره من أهل البيت، في الإخبار بالمستقبلات كلّها كذبٌ، مثل كتاب «الجفر» و «البطاقة» وغير ذلك.
وكذلك ما يضاف إليه من أنّه كان عنده علمٌ من النّبيّ صلى الله عليه وسلم خصّه به دون غيره من الصّحابة.
وفي صحيح البخاريّ عن أبي حذيفة
(5)
قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم شيءٌ
(1)
الطبقات 1/ 431 (ت د. محمد السلمي).
(2)
التاريخ 5/ 409
(3)
الطبقات 1/ 431 (ت د، محمد السلمي). وأخرجه من الطريق نفسه ابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 221.
(4)
ابن سعد: الطبقات 1/ 431 (ت د. محمد السلمي).
(5)
والصحيح من اسمه أنه (أبي جحيفة رضي الله عنه كما ذكره البخاري، وهو وهب بن عبد الله السوائي الكوفي، يسمى وهب الخير، صحب النبي صلى الله عليه وسلم وحدث عنه، وقد صحب عليًّا رضي الله عنه وكان صاحب شرطة، توفي سنة أربع وسبعين. الذهبي: السير 3/ 203.
من الوحي ممّا ليس في القرآن؟ فقال: لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إلّا فهمًا يعطيه اللّه رجلًا في القرآن، وما في هذه الصّحيفة. قلت: وما في هذه الصّحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألَّا يقتل مسلمٌ بكافرٍ
(1)
(2)
.
ورُوِيَ أن الحسين رضي الله عنه قال ذلك مخبرًا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى ابن أبي عاصم عن المطلب بن عبد الله
(3)
أنه قال: (لما أحيط بالحسين رضي الله عنه قال: ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلاء فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي أرض كربٍ وبلاء)
(4)
، وفي سندها يعقوب بن حميد بن كاسب
(5)
، قال عنه الهيثمي (ضعيف وقد وثق)
(6)
.
* * *
(1)
البخاري: الصحيح 4/ 69 برقم 3047.
(2)
ابن تيمية: منهاج السنة 8/ 136.
(3)
المطلب بن عبد الله بن المطلب المخزومي، من الرابعة، صدوق كثير التدليس والإرسال. ابن حجر: التقريب 534.
(4)
وأخرجه من طريق المطلب بن أبي عاصم: الآحاد والمثاني 1/ 307، برقم 424، الشريعة للآجري 5/ 2157 برقم 1666، معرفة الصحابة لأبي نعيم 2/ 671 برقم 1805، المعجم الكبير للطبراني 3/ 106 برقم 2812.
(5)
يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، قال عنه يحيى بن معين والنسائي: ليس بشيء، وقال الأزدي: ضعيف الحديث، وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم، من العاشرة. الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3/ 215. ابن حجر: التقريب 607.
(6)
مجمع الزوائد 9/ 192 برقم 15133.
سادسًا: معركة كربلاء، ومقتل الحسين رضي الله عنه
-
* تاريخ مقتل الحسين رضي الله عنه:
[66]
- (ثم أمر الحسين بأثقاله، فحطت بذلك المكان يوم الأربعاء غُرَّة المحرم من سنة إحدى وستين، وقُتِلَ بعد ذلك بعشرة أيام، وكان قتلُه يوم عاشوراء)
(1)
.
ذكر ابن سعد
(2)
أن قتله يوم الجمعة في العاشر من محرم سنة إحدى وستين.
وذكر خليفة بن خياط
(3)
أن قتله يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين، يوم عاشوراء.
أما البلاذري
(4)
والطبري
(5)
فذكرا أن الحسين قُتِلَ في العاشر من محرم سنة إحدى وستين.
* سبب تولية عمر بن سعد على حرب الحسين رضي الله عنه:
[67]
- (فلما كان اليوم الثاني من نزوله كربلاء وافاه عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس.
وكانت قصة خروج عمر بن سعد، أن عبيد الله بن زياد ولاه الري
(6)
وثغر
(1)
الأخبار الطوال 253.
(2)
الطبقات 1/ 474 (ت د. محمد السلمي).
(3)
التاريخ 234.
(4)
الأنساب 3/ 219.
(5)
التاريخ 5/ 394.
(6)
الري: مدينة من أمهات المدن، تنسب إلى الجبل وليست منه، بل هي أقرب لخراسان. الحموي: البلدان 3/ 116. الحميري: الروض المعطار 278.
دستبي
(1)
والديلم
(2)
، وكتب له عهدًا عليها، فعسكر للمسير إليها، فحدث أمر الحسين، فأمره ابن زياد أن يسير إلى محاربة الحسين، فإذا فرغ منه سار إلى ولايته، فتلكأ
(3)
عمر بن سعد على ابن زياد، وكره محاربة الحسين.
فقال له ابن زياد: فاردد علينا عهدنا.
قال: فأسير إذن فسار في أصحابه أولئك الذين ندبوا معه إلى الري ودستبي، حتى وافى الحسين، وانضم إليه الحر بن يزيد في مَنْ معه)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد، وفيها أن عبيد الله قال لعمر بن سعد لما رآه كارهًا:(أعطِ اللهَ عهدًا لئن لم تَسِرْ إليه وتُقْدِم عليه، لأعزلنك عن عملك، وأهدم دارك، وأضرب عنقك، فقال: إذن أفعل)
(5)
، وكذلك البلاذري
(6)
، والطبري
(7)
.
* وصول عمر بن سعد ومفاوضاته مع الحسين رضي الله عنه:
[68]
- (ثم قال عمر بن سعد لقرة بن سفيان الحنظلي
(8)
: انطلق إلى الحسين، فسله ما أقدمك. فأتاه، فأبلغه.
فقال الحسين: أبلغه عني أن أهل هذا المصر كتبوا إليّ يذكرون أن لا إمام لهم، ويسألونني القدوم عليهم، فوثقتُ بهم، فغدروا بي، بعد أن بايعني منهم
(1)
دستبي: كورة كبيرة مقسومة بين الري وهمذان تشمل كثير من القرى. الحموي: البلدان 2/ 454.
(2)
الديلم: أرض كلها جبال ووهاد قرب قزوين. القزويني: آثار البلاد 330.
(3)
تلكأ: أبطأ وتوقف واعتل. الزبيدي: تاج العروس 1/ 425.
(4)
الأخبار الطوال 253.
(5)
الطبقات 1/ 464 (ت د محمد السلمي).
(6)
الأنساب 3/ 176.
(7)
التاريخ 5/ 409.
(8)
والصحيح من اسمه قرة بن (قيس) بدل (سفيان) من الخامسة فما فوق ولا يوجد له ترجمة. الطبري: التاريخ 5/ 411، الفلوجي: المعجم الصغير 3/ 177.
ثمانية عشر ألف رجل، فلما دنوت، فعلمت غرور ما كتبوا به إليّ، وأردت الانصراف إلى حيث منه أقبلت، فمنعني الحر بن يزيد، وسار حتى جعجع بي في هذا المكان، وَلِيَ بك قرابة قريبة، ورحم ماسة، فأطلقني حتى انصرف، فرجع قرة إلى عمر بن سعد بجواب الحسين بن علي.
فقال عمر: الحمد لله، والله إني لأرجو أن أُعْفَى من محاربة الحسين.
ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بذلك.
فلما وصل كتابه إلى ابن زياد كتب إليه في جوابه:
قد فهمت كتابك، فاعْرِضْ على الحسين البيعة ليزيد، فإذا بايع في جميع من معه، فأعلمني ذلك ليأتيك رأيي.
فلما انتهى كتابه إلى عمر بن سعد قال: ما أحسب ابن زياد يريد العافية.
فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن زياد إلى الحسين، فقال الحسين للرسول: لا أجيب ابن زياد إلى ذلك أبدًا، فهل هو إلا الموت، فمرحبًا به)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
مختصرًا، والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكرتْ هذه الرواية المحادثات التي تمت بين الحسين رضي الله عنه وعمر بن سعد، وقد جاءت مسندة عند الطبري من طريق هشام بن محمد الكلبي وهو ضعيف، ثم ذكرت هذه الرواية أن الحسين رفض البيعة ليزيد، وهو ما جعله يعزم على القتال، وقد تفرد صاحب الكتاب بذلك، وهذا الخبر لا يصح عنه.
وقد ورد ما يخالفه وهو أن عبيد الله بن زياد طلب من الحسين رضي الله عنه
(1)
الأخبار الطوال 253، 254.
(2)
الأنساب 3/ 177.
(3)
التاريخ 5/ 410. من طريق هشام بن محمد الكلبي ضعيف سبقت ترجمته.
النزول على حكمه فرفض وعزم على القتال وهو المشهور في هذا المقام، وذلك بعد أن عرض الحسين رضي الله عنه على عمر بن سعد خصالًا وهي:
الأولى: أن يرجع من حيث أتى.
والثانية: أن يذهب إلى يزيد ويضع يده بيده.
والثالثة: أن يذهب إلى الري ليجاهد الديلم.
وكاد عبيد الله أن يوافق على أحد هذه الخيارات الثلاثة لولا تدخل شمر بن ذي الجوشن الضبابي، فإنه حذره من قبول ذلك وطلب منه أن ينزله على حكمه
(1)
.
ونلاحظ هنا دور وزير الخبث والمكر وهو شمر بن ذي الجوشن، ولا يستبعد أن ذلك وافق هوى ابن زياد ودليل هذا أنه قبل منه دون تريث.
[69]
- (فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك، فغضب، فخرج بجميع أصحابه إلى النخيلة
(2)
ثم وجه الحصين بن نمير، وحجار بن أبجر، وشبث بن ربعي، وشمر بن ذي الجوشن، ليعاونوا عمر بن سعد على أمره.
فأما شمر فَنَفَذَ لِمَا وُجِّهَ لَهُ، وأما شبث فاعتلَّ بمرض.
فقال له ابن زياد: أتتمارض؟ إن كنت في طاعتنا فاخرج إلى قتال عدونا.
فلما سمع شبث ذلك خرج، ووجه أيضا الحارث بن يزيد بن رويم
(3)
.
قالوا: وكان ابن زياد إذا وَجَّهَ الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير، يصلون إلى كربلاء، ولم يبقَ منهم إلا القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين،
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 465 (ت د. محمد السلمي)، أما البلاذري في الأنساب 3/ 182، والطبري في التاريخ 5/ 414، فذكروا من قوله: أو أذهب إلى ثغر من الثغور. وجاء عند أبو العرب في المحن 154، أو أذهب إلى الترك أقاتلهم حتى أموت.
(2)
النّخيلة: تصغير نخلة، وهي موضع قرب الكوفة على سمت الشام. الحموي: البلدان 5/ 278.
(3)
الحارث بن يزيد، لم أقف على ترجمته.
فيرتدعون، ويتخلفون.
فبعث ابن زياد سويد بن عبد الرحمن المنقري
(1)
في خيل إلى الكوفة، وأمره أن يطوف بها، فمن وجده قد تخلف أتاه به.
فبينا هو يطوف في أحياء الكوفة إذ وجد رجلًا من أهل الشام
(2)
قد كان قدم الكوفة في طلب ميراث له، فأرسل به إلى ابن زياد، فأمر به، فضربت عنقه، فلما رأى الناس ذلك خرجوا)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية وصف لحال أهل الكوفة في خروجهم لقتال الحسين رضي الله عنه، وأنهم يتسللون ويتخلفون عن الذهاب لقتاله، وليس لهم في ذلك عذر فهم السبب في خروجه وقد جبنوا عن القتال معه بل خرجوا لقتاله، وإنما ذكر صاحب الكتاب وأمثاله ذلك ليحمل العذر للشيعة على خذلانهم الحسين رضي الله عنه وقتاله بدعوى الإكراه.
ثم يثنى تعذيره على شبث بن ربعي أحد الذين كتبوا للحسين رضي الله عنه وخرجوا لقتاله، وقد أقام عليه الحسين رضي الله عنه الحجة حينما قال له ولغيره من الشيعة الذين كتبوا إليه: (فنادى: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعتِ الثمار، واخضرَّ الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجند، فأقبل! قالوا
(1)
سويد بن عبدالرحمن المنقري، وعند البلاذري 3/ 179 القعقاع بن سويد بن عبد الرحمن بن بجير المنقري. ولم أقف على ترجمته.
(2)
عند البلاذري 3/ 179 أنه من همدان.
(3)
الأخبار الطوال 254، 255.
(4)
الأنساب 3/ 178.
له: لم نفعل، فقال: سبحان اللّه! بلى واللّه، لقد فعلتم .. )
(1)
، بل يروى أنه أحد القادة مع عمر بن سعد ضد الحسين رضي الله عنه فهو على الرجال
(2)
.
ولعل سبب هذا التعذير لشبث أنه كان من شيعة علي رضي الله عنه؛ ولكنه لم يكن بريئًا من الفتن والشرور، فقد أعان على قتل عثمان رضي الله عنه، ثم كان مع علي رضي الله عنه فخرج عليه وحرر الحرورية ثم تاب، ثم أعان على قتل الحسين رضي الله عنه، وختم حياته بأنه أبلى بلاءً حسنًا في فتنة المختار
(3)
، وحال شبث كحال السواد الأعظم من أهل الكوفة الذين كتبوا للحسين رضي الله عنه ثم خرجوا لقتاله في ذلك الزمن.
ثم تحدثت الرواية عن قتل عبيد الله لرجل جاء إلى الكوفة في هذه الأحداث من غير ذنب، وهذا يُرْوَى للبالغة في وصفِ حالة الرعب الذي جعلهم يخرجون لقتال الحسين رضي الله عنه.
وهنا وقفة وتساؤل: لماذا يقع اللوم من الشيعة على غيرهم في مقتل الحسين رضي الله عنه، وفي المقابل يحملون العذر لأنفسهم؟.
والجواب على هذا أن ذلك كان شيئًا التزموا به لكي يخرجوا أنفسهم من الحرج ويلقونه على عاتق غيرهم، بل قد صيروه حديثًا لهم ولأتباعهم، وأخذوا على شيطنة غيرهم وتبرئة أنفسهم من الجرم الذي لا ينسى، والهدف شحن عواطف أتباعهم وإيقاظ هممهم للانتقام من الآخر لزعزعة المسلمين وتفريقهم على مرِّ الأزمان.
ومع أن هذه الرواية لم تأت مسندة ولا يمكن الوثوق بها، ولكن تأثير الرواية الشيعية كان واضحًا عليها.
(1)
التاريخ 5/ 425.
(2)
الطبري: التاريخ 5/ 422.
(3)
ابن حجر: تهذيب التهذيب 4/ 303.
* منع الماء عن الحسين رضي الله عنه ثأرًا لعثمان رضي الله عنه:
[70]
- (قالوا: وورد كتاب ابن زياد على عمر بن سعد، أن امنع الحسين وأصحابه الماء، فلا يذوقوا منه حسوة
(1)
كما فعلوا بالتقي عثمان بن عفان.
فلما ورد على عمر بن سعد ذلك أمر عمرو بن الحجاج أن يسير في خمسمائة راكب، فينيخ على الشريعة
(2)
، ويحولوا بين الحسين وأصحابه، وبين الماء، وذلك قبل مقتله بثلاثة أيام، فمكث أصحاب الحسين عطاشى.
قالوا: ولما اشتد بالحسين وأصحابه العطش أمر أخاه العباس بن علي
(3)
وكانت أمه من بني عامر بن صعصعة
(4)
أن يمضي في ثلاثين فارسًا وعشرين راجلًا، مع كل رجل قربة حتى يأتوا الماء، فيحاربوا من حال بينهم وبينه.
فمضى العباس نحو الماء وأمامهم نافع بن هلال
(5)
حتى دنوا من الشريعة، فمنعهم عمرو بن الحجاج، فجالدهم العباس على الشريعة بمن معه حتى أزالوهم عنها، واقتحم رجال الحسين الماء، فملئوا قربهم، ووقف العباس في أصحابه يذبون عنهم حتى أوصلوا الماء إلى عسكر الحسين)
(6)
.
(1)
الحسوة: ملء الفم. الهروي: تهذيب اللغة 5/ 109.
(2)
الشريعة: هي مورد الماء التي يشرعها الناس ولا يسمى كذلك إلا إذا كان عدًّا لا انقطاع له، وتكون طاهرًا معينًا لا يسقى بالرشاء. الزبيدي: تاج العروس 21/ 260.
(3)
العباس بن علي بن أبي طالب، شهد كربلاء مع الحسين رضي الله عنه، وقتل فيها. نسب قريش: مصعب الزبيري 43.
(4)
والصحيح أن أمه هي أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة من بني كلاب. نسب قريش: مصعب الزبيري 43، والبلاذري: الأنساب 3/ 181.
(5)
نافع بن هلال البجلي، من أشراف العرب وشجعانهم، شهد وقعة الحسين رضي الله عنه، وقاتل معه، ثم أسر فقتله شمر بن ذي الجوشن. الزركلي: الأعلام 8/ 6.
(6)
الأخبار الطوال 255.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(1)
، والطبري
(2)
مطولًا.
• نقد النص:
تحدثت هذه الرواية عن سبب منع الماء عن الحسين رضي الله عنه وأنه مقارنة بمنعه عن عثمان رضي الله عنه، والمقارنة هنا تظهر لنا تأثير النزعة الشيعية، ولا وجه للمقارنة في ذلك؛ لأن الأمر أصلًا لم يحدث، فهذه الرواية جاءت مسندة من طريق أبي مخنف
(3)
، وقدسبق الحديث عن بطلان قصة منع الماء في نقد الرواية [63].
وقد تكرر من أبي مخنف وصاحب الكتاب هذه الصياغة، فقد ذكروا في حديثهم عن صفين بأن معاوية رضي الله عنه ومن معه منعوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الماء نكاية بهم لمنعهم الماء عن عثمان بن عفان رضي الله عنه
(4)
.
وهذا يدل على أن صاحب الكتاب اعتمد على روايات أبي مخنف كثيرًا.
* أمر عبيد الله عمر بن سعد بقتال الحسين رضي الله عنه:
[71]
- (ثم إن ابن زياد كتب إلى عمر بن سعد: أما بعد، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتطاوله الأيام، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتكون شفيعه إليّ، فأعرض عليه، وعلى أصحابه النزول على حكمي، فإن أجابوك فابعث به وبأصحابه إليّ، وإن أَبَوْا فازحف إليه، فإنه عاق شاق، فإن لم تفعل فاعتزل جندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناك بأمرنا فنادى عمر بن سعد في أصحابه أن انهدوا
(5)
إلى القوم.
(1)
الأنساب 3/ 180.
(2)
التاريخ 5/ 412.
(3)
الطبري: التاريخ 5/ 412.
(4)
الأخبار الطوال 168، الطبري: التاريخ 4/ 571.
(5)
النّهود: مُضِيٌّ على كل حال. الخليل: العين 4/ 28.
فنهض إليهم عشية الخميس وليلة الجمعة لتسع ليال خلون من المحرم، فسألهم الحسين تأخير الحرب إلى غد، فأجابوه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب ناقض نفسه في هذه الرواية عند ما أورد أن عبيد الله بن زياد طلب من الحسين رضي الله عنه النزول على حكمه، وهذا الأمر هو ما جعل الحسين رضي الله عنه يعزم على القتال وليس كما ذكر في الرواية رقم [68] أن الحسين رضي الله عنه رحب بالموت عندما جاءه طلب عبيد الله بن زياد بالبيعة ليزيد.
[72]
- (قالوا: وأمر الحسين أصحابه أن يضموا مضاربهم بعضهم من بعض، ويكونوا أمام البيوت، وأن يحفروا من وراء البيوت أخدودًا، وأن يضرموا فيه حطبًا وقصبًا كثيرًا، لئلا يؤتوا من أدبار البيوت، فيدخلوها.
قالوا: ولما صلى عمر بن سعد الغداة نهد بأصحابه، وعلى ميمنته عمرو ابن الحجاج، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن واسم شمر شرحبيل بن عمرو بن معاوية، من آل الوحيد، من بني عامر بن صعصعة وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي، والراية بيد زيد مولى عمر بن سعد. وعبَّى الحسين أيضًا أصحابه، وكانوا اثنين وثلاثين فارسًا وأربعين راجلًا، فجعل زهير بن القين على ميمنته، وحبيب بن مظهر على ميسرته، ودفع الراية إلى أخيه العباس بن علي، ثم وقف، ووقفوا معه أمام البيوت)
(4)
.
(1)
الأخبار الطوال 255، 256.
(2)
الأنساب 3/ 183.
(3)
التاريخ 5/ 415.
(4)
الأخبار الطوال 256.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(1)
، الطبري
(2)
مطولًا.
* دخول الحر بن يزيد في أمر الحسين رضي الله عنه:
[73]
- (وانحاز الحر بن يزيد الذي كان جعجع بالحسين إلى الحسين، فقال له: قد كان مني الذي كان، وقد أتيتك مواسيًا لك بنفسي، أَفَتَرَى ذلك لي توبة مما كان منى؟. قال الحسين: نعم، إنها لك توبة، فأبشر، فأنت الحر في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة، إن شاء الله)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
والبلاذري
(5)
مختصرًا، والطبري
(6)
مطولًا.
جاءت هذه الرواية بخبر دخول الحر بن يزيد أحد قادة عبيد الله بن زياد في أمر الحسين رضي الله عنه، وهو المتسبب في حبس الحسين رضي الله عنه عن الرجوع وألجأه إلى مكان قتله، وقد اختصر صاحب الكتاب هذا الخبر، وتمامه: هو أن الحر بن يزيد لم يتوقع أن الأمر يصل إلى القتال بين الحسين رضي الله عنه وجيش عبيد الله بن زياد، وذلك بعد فشل جميع المحاولات، ومنها الخصال الثلاث التي سبق أن عرضها الحسين رضي الله عنه على عبيد الله، وقد جعل من نفسه السبب الذي أدى بالحسين رضي الله عنه إلى ذلك، ولم يجد تكفيرًا لذنبه إلا أن يتحول إلى الحسين رضي الله عنه، بعد أن قال لعمر بن سعد: (أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: نعم. قال: أما لكم في واحدة من هذه الخصال التي عرض رضًا؟ قال: لو كان الأمر إليّ فعلتَ. فقال
(1)
الأنساب 3/ 187.
(2)
التاريخ 5/ 422.
(3)
الأخبار الطوال 256.
(4)
الطبقات 1/ 469 (ت د. محمد السلمي).
(5)
الأنساب 3/ 173، 189.
(6)
التاريخ 5/ 427.
سبحان الله!! ما أعظم هذا. أن يَعْرِضَ ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما يعرض فتأبونه. ثم مال إلى الحسين فقاتل معه حتى قُتِلَ)
(1)
.
وقال: (إني واللّه أُخَيِّرُ نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئًا ولو قطعت وحرقت، ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين، فقال له: جعلني الله فداك يا ابن رسول اللّه! أنا صاحبك الّذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، واللّه الّذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدًا، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من الحسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، ووالله لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وإني قد جئتك تائبًا مما كان مني إلى ربي، ومواسيًا لك بنفسي حتّى أموت بين يديك)
(2)
، وقال أيضًا:(يا قوم، لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تمتنعوا منه)
(3)
.
* أسماء من قتل مع الحسين رضي الله عنه من بني هاشم:
[74]
- (قالوا: ونادى عمر بن سعد مولاه زيدًا أن قَدِّمِ الراية، فتقدم بها، وشَبَّتِ الحرب.
فلم يزل أصحاب الحسين يقاتلون ويُقتلون، حتى لم يبقَ معه غير أهل بيته.
فكان أول من تقدم منهم، فقاتل علي بن الحسين
(4)
، وهو عليٌّ الأكبر،
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 469 (ت د. محمد السلمي).
(2)
الطبري: التاريخ 5/ 427.
(3)
البلاذري: الأنساب 3/ 225.
(4)
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو علي الأكبر، ليس له عقب، قتل مع أبيه بنهر كربلاء، والذي قتله هو منقذ بن مرة العبدي. ابن سعد: الطبقات 5/ 211. الطبري: التاريخ 5/ 446.
فلم يزل يقاتل حتى قُتل، طعنه مُرة بن منقذ العبدي
(1)
، فصرعه، وأخذته السيوف فقتل.
ثم قُتل عبد الله بن مسلم بن عقيل
(2)
، رماه عمرو بن صبح الصيداوي
(3)
، فصرعه.
ثم قُتل عدي بن عبد الله بن جعفر الطيار
(4)
، قتله عمرو بن نهشل التميمي
(5)
.
ثم قُتل عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب
(6)
، رماه عبد الله بن عروة الخثعمي
(7)
بسهم، فقتله.
(1)
مرة بن منقذ العبدي، كان شجاعًا، بعث إليه المختار بن كامل ليقتله، بسبب قتاله ضد الحسين رضي الله عنه فلم يقدر عليه ثم هرب مرة إلى مصعب بن الزبير. الطبري: التاريخ 6/ 64.
(2)
عبد الله بن مسلم بن عقيل، قتل مع الحسين رضي الله عنه في كربلاء، أمه رقية بنت علي، والذي قتله عمر بن صبيح الصداوي، وقيل: زيد بن رقاد الجنبي. البلاذري: الأنساب 3/ 200، 6/ 407. الطبري: التاريخ 5/ 469.
(3)
عمر بن صبح الصيداوي، ويقال الصدائي، قاتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، رماه بسهم، ثم رماه بآخر ففلق قلبه، وقد طلبه المختار، فجئ به إليه فقتله. البلاذري: الأنساب 3/ 200، الطبري: التاريخ 5/ 447، 6/ 65.
(4)
عدي بن عبد الله بن جعفر والصحيح أن اسمه (عون) والذي قتله هو عبد الله بن قطبة الطائي. البلاذري: الأنساب 3/ 200، الطبري: التاريخ 5/ 447.
(5)
والصحيح من اسمه (عامر) بدل (عمرو) التميمي، وهو الذي قتل محمد بن عبد الله بن جعفر. ابن سعد: الطبقات 1/ 477 (ت د. محمد السلمي). البلاذري: الأنساب 3/ 200. الطبري: التاريخ 5/ 447.
(6)
عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، اشترك في قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني، وبشر بن سواط الهمذاني، وفي زمن المختار بعث إليهما عبد الله بن كامل فقتلهما. البلاذري: الأنساب 6/ 409. الطبري: التاريخ 5/ 447، 6/ 59.
(7)
عبد الله بن عروة، وقيل: عروة الخثعمي، وهو قاتل جعفر بن عقيل. البلاذري: الأنساب 3/ 200. الطبري: التاريخ 5/ 447.
ثم قُتل محمد بن عقيل بن أبي طالب
(1)
، رماه لقيط بن ناشر الجهني
(2)
بسهم، فقتله.
ثم قُتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب
(3)
، ضربه عمرو بن سعد بن مقبل الأسدي.
ثم قُتِل أبو بكر بن الحسن بن علي
(4)
، رماه عبد الله بن عقبه الغنوي
(5)
بسهم، فقتله.
قالوا: ولَمَّا رأى ذلك العباس بن علي قال لإخوته عبد الله
(6)
، وجعفر
(7)
، وعثمان
(8)
، بَنِي عليٍّ، عليه وعليهم السلام، وأمهم جميعًا أم البنين العامرية من آل الوحيد: تقدموا، بنفسي أنتم، فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه
(9)
.
فتقدموا جميعًا، فصاروا أمام الحسين، يقونه بوجوههم ونحورهم،
(1)
الصحيح أنه محمد بن أبي سعيد بن عقيل، قتله لقيط بن ياسر الجهني. الطبري: 5/ 469.
(2)
والصحيح من اسمه أنه لقيط بن (ياسر) بدل (ناشر) الجهني. الطبري: التاريخ 5/ 469.
(3)
القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قتله سعد بن عمرو بن نفيل وقيل: عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي. البلاذري: الأنساب 3/ 201. الطبري: التاريخ 5/ 468.
(4)
أبو بكر بن الحسن بن علي، قتله عبد الله بن عقبة الغنوي، ابن سعد: الطبقات 1/ 470 (ت د. محمد السلمي). الطبري: التاريخ 5/ 468.
(5)
عبد الله بن عقبة الغنوي، من رءوس الخوارج، ومن أهل الأهواء، من الرابعة، وهو الذي قتل أبا بكر بن الحسن يوم كربلاء، طلبه المختار فهرب إلى الجزيرة، فهدم داره. الطبري: التاريخ 6/ 65. أكرم الفلوجي: المعجم الصغير 1/ 318.
(6)
عبد الله بن علي بن أبي طالب، قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي. التاريخ: الطبري 5/ 449.
(7)
جعفر بن علي بن أبي طالب، قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي. التاريخ: الطبري 5/ 449.
(8)
عثمان بن علي بن أبي طالب، رماه خولي بن يزيد الأصبحي ثم شد عليه رجلًا من بني أبان بن دارم فقتله. الطبري: التاريخ 5/ 449.
(9)
وفي الطبري: التاريخ 5/ 448، زعموا أن العباس بن علي قال لإخوته من أمه عبد الله، وجعفر، وعثمان يا بني أمي تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم ففعلوا فقتلوا.
فحمل هانئ بن ثويب الحضرمي
(1)
على عبد الله بن علي، فقتله.
ثم حمل على أخيه جعفر بن علي، فقتله أيضًا.
ورمى يزيد الأصبحي
(2)
عثمان بن علي بسهم، فقتله، ثم خرج إليه، فاحتز رأسه، فأتى عمر بن سعد، فقال له: أثبني.
فقال عمر: عليك بأميرك يعنى عبيد الله بن زياد فسله أن يثيبك.
وبقي العباس بن علي
(3)
قائمًا أمام الحسين يقاتل دونه، ويميل معه حيث مال، حتى قُتِلَ، رحمة الله عليه)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(5)
، والبلاذري
(6)
، والطبري
(7)
مطولًا.
* قتل الحسين رضي الله عنه:
[75]
- (وبقي الحسين وحده، فحمل عليه مالك بن بشر الكندي
(8)
، فضربه بالسيف على رأسه، وعليه برنس خز، فقطعه، وأفضى السيف إلى رأسه، فجرحه.
فألقى الحسين البرنس، ودعا بقلنسوة، فلبسها، ثم اعتم بعمامة، وجلس،
(1)
والصحيح من اسمه هانئ بن (ثبيت) بدل (ثوبت) وهو الذي قتل عبد الله بن علي وجعفر بن علي. ابن سعد الطبقات، ت السلمي 1/ 475. الطبري: التاريخ 5/ 449.
(2)
والصحيح أن اسمه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، قتل أيام المختار، وقد دل على مكانه امرأته، وكانت ناقمة عليه لقتله الحسين رضي الله عنه. الطبري: التاريخ 5/ 453.
(3)
سبق ترجمته.
(4)
الأخبار الطوال 256، 257.
(5)
الطبقات 1/ 475 (ت د. محمد السلمي).
(6)
التاريخ 3/ 200.
(7)
التاريخ 5/ 446.
(8)
ولعل الصحيح من اسمه مالك بن (النسير) بدل (بشر). البلاذري: الأنساب 3/ 203، الطبري: التاريخ 4/ 448.
فدعا بصبي له صغير، فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني أسد، وهو في حجر الحسين بمشقص
(1)
، فقتله)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
، والطبري
(4)
.
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية مسندة عند الطبري من طريق أبي مخنف، وأما متنها ففيه نكارة، وهو ما جاء فيها من خبر جلوس الصبي في حجر الحسين رضي الله عنه أثناء المعركة ثم قتله، فهل وضع المعركة يسمح بذلك؟ وهل المسلمون يجيزون قتل الصبيان؟
* منع الحسين رضي الله عنه من شرب الماء:
[76]
- (وبقي الحسين مليًّا جالسًا، ولو شاءوا أن يقتلوه قتلوه، غير أن كل قبيلة كانت تتكل على غيرها، وتكره الإقدام على قتله.
وعطش الحسين، فدعا بقدح من ماء، فلما وضعه في فِيهِ رماه الحصين بن نمير بسهم، فدخل فمه، وحال بينه وبين شرب الماء، فوضع القدح من يده.
ولما رأى القوم قد أحجموا عنه قام يتمشى على المنساة
(5)
نحو الفرات، فحالوا بينه وبين الماء، فانصرف إلى موضعه الذي كان فيه، فانتزع له رجل من القوم بسهم، فأثبته في عاتقه، فنزع السهم)
(6)
.
(1)
المشقص: السهم العريض النصل. الزبيدي: تاج العروس 18/ 16.
(2)
الأخبار الطوال 258.
(3)
الطبقات 1/ 471 (ت د. محمد السلمي). بإسناد جمعي وبطرق عدة ذكر المحقق أن كلها ضعيفة.
(4)
التاريخ 5/ 448. من طريق أبي مخنف.
(5)
المنساة: العصا. الرازي: مختار الصحاح 1/ 309.
(6)
الأخبار الطوال 258.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(1)
، والطبري
(2)
.
• نقد النص:
نلاحظ أن في هذه الرواية والروايات السابقة التي تذكر منع الماء من الحسين رضي الله عنه، لم يثبت منها شيء، وقد تَقَلَّبَتْ فمرة تذكرُ منع الماء عن الحسين رضي الله عنه ومن معه، وأخرى تذكرُ منعه من الحسين رضي الله عنه بشخصه، وهذه الروايات لا نعلم مَنْ الذي رواها لنا بهذه الدقة، وكأنه قائمًا على رأس الحسين رضي الله عنه يصف حاله، وهي بلا شك مزايدات من الرواة الشيعة، يراد بها التعظيم لبشاعة القتل، وهذا مُشاهد حتى عصرنا هذا من أهل الوعظ فيهم.
[77]
- (وضربه زرعة بن شريك التميمي بالسيف، واتقاه الحسين بيده، فأسرع السيف في يده، وحمل عليه سنان بن أوس النخعى، فطعنه، فسقط، ونزل إليه خولي بن يزيد الأصبحي ليحز رأسه، فأرعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد
(3)
، فاحتز رأسه، فدفعه إلى أخيه حولي)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(5)
والبلاذري
(6)
والطبري
(7)
.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن من احتز رأس الحسين رضي الله عنه هو شبل بن يزيد أخو خولي بن يزيد وقد انفرد بهذا.
(1)
الأنساب 3/ 201. ولم يذكر لها سندًا.
(2)
التاريخ 5/ 449، من طريق هشام عن أبيه محمد بن السائب وكلاهما ضعيف.
(3)
شبل بن يزيد لم أقف على ترجمته.
(4)
الأخبار الطوال 258.
(5)
الطبقات 1/ 470 (ت د. محمد السلمي).
(6)
الأنساب 3/ 203.
(7)
التاريخ 5/ 448.
وقد ذكر ابن كثير
(1)
أنه سنان بن أبي عمرو بن أنس النخعي، وقيل: شمر بن ذي الجوشن، وقيل: رجل من مذحج، وقيل: عمر بن سعد، وليس بشيء، ثم ذكر أن الأول أشهر.
وقد روى الطبراني فقال: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز
(2)
، حدثنا الزّبير بن بكّارٍ
(3)
، قال: (وُلِدَ الحسين بن عليٍّ رضي الله عنه لخمس ليالٍ خلون من شعبان سنة أربعٍ من الهجرة، وقُتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرّم سنة إحدى وستّين، وقتله سنان بن أبي أنسٍ النّخعيّ، وأجهز عليه خوليّ بن يزيد الأصبحيّ من حمير، وحزّ رأسه وأتى به عبيد الله بن زيادٍ
…
)
(4)
، قال عنه الهيثمي:(رواه الطّبرانيّ، ورجاله ثقاتٌ)
(5)
.
والجمع بين ما سبق هو أن من تولى قتل الحسين رضي الله عنه هو سنان بن أنس، ومن حز رأسه خولي بن يزيد، وهو الذي حمله إلى ابن زياد.
[78]
- (ثم مال الناس على ذلك الورس الذي كان أخذه من العير، وإلى ما في المضارب، فانتهبوه)
(6)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(7)
، والطبري
(8)
.
(1)
البداية والنهاية. 8/ 204. وقد ذكر أن اسمه سنان بن (أبي عمرو) والمشهور أنه سنان بن أنس.
(2)
علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، الإمام، الحافظ، الصدوق، قال عنه الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم: كتب إلينا بحديثه وكان صدوقًا، وقال عنه الذهبي: كان حسن الحديث، صنف المسند الكبير. الذهبي: السير 13/ 348.
(3)
الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، ثقه، أخطأ السليماني في تضعيفه، من صغار العاشرة. ابن حجر: التقريب 214.
(4)
المعجم الكبير 3/ 117. ابن أبي الدنيا: مقتل علي بن أبي طالب 99.
(5)
مجمع الزوائد 9/ 194.
(6)
الأخبار الطوال 258.
(7)
الأنساب 3/ 240.
(8)
التاريخ 5/ 453.
• نقد النص:
هذه الحادثة لا تصح راجع نقد الرواية [53].
* مَنْ بقي مِنْ أصحاب الحسين رضي الله عنه.
[79]
- (ولم ينجُ من أصحاب الحسين وولده وولد أخيه إلا ابناه، علي الأصغر، وكان قد راهق، وعمر، وقد كان بلغ أربع سنين)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
وابن حبان
(3)
والبلاذري
(4)
والطبري
(5)
.
انفرد صاحب الكتاب بذكر عمر بن الحسين.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية الذين بقوا من أهل الحسين رضي الله عنه، ومنهم علي بن الحسين وهو علي الأصغر، وأنه لم يُقتل بسبب صغر سنه، والمشهور أنه لم يُقتل بسبب مرضه
(6)
، وأن عمره ثلاث وعشرين سنة، وقد نهى عمر بن سعد عن قتله
(7)
.
وورى ابن حبان
(8)
أن من بقي من أهل الحسين رضي الله عنه من الذكور هم عمرو بن الحسن فلم يقتل لصغره، والحسن بن الحسن بن علي فقد جرح جراحات بليغة حتى حسبوه قد قُتِلَ ثم عاش بعد ذلك.
(1)
الأخبار الطوال 259.
(2)
الطبقات 1/ 480 (ت د. محمد السلمي).
(3)
الثقات 2/ 310.
(4)
الأنساب 3/ 206
(5)
التاريخ 11/ 630.
(6)
ابن سعد: الطبقات 1/ 480 (ت د. محمد السلمي)، البلاذري: الأنساب 3/ 206، الطبري: التاريخ 11/ 630.
(7)
الطبري: المنتخب في ذيل المذيل 119، ابن عساكر: تاريخ دمشق 41/ 367.
(8)
ابن حبان: الثقات 2/ 310.
وروى الطبري
(1)
أن الحسن بن الحسن استصغر ولم يقتل ومثله عمر بن الحسن.
وأما من أولاد الحسين رضي الله عنه فالصحيح أنه لم يبقَ من ذريته إلا علي الأصغر، ودليل ذلك أنه ليس للحسين رضي الله عنه عقب إلا من ولده علي بن الحسين رضي الله عنه
(2)
.
[80]
- (ولم يسلم من أصحابه إلا رجلان؛ أحدهما المرقع بن ثمامة الأسدي
(3)
، بعث به عمر بن سعد إلى ابن زياد فسيره إلى الرَّبَذَة
(4)
، فلم يزل بها حتى هلك يزيد، وهرب عبيد الله إلى الشام، فانصرف المرقع إلى الكوفة، والآخر مولى لرباب
(5)
، أم سكينة، أخذوه بعد قتل الحسين، فأرادوا ضرب عنقه، فقال لهم: إني عبد مملوك، فخلوا سبيلَه)
(6)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(7)
والطبري
(8)
.
(1)
التاريخ 5/ 496.
(2)
ابن عساكر: تاريخ دمشق 41/ 375، البري: جوهرة نسب النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 223 الذهبي: السير 4/ 390.
(3)
المرقع بن ثمامة بن خويلد بن عاصم بن أوس الأسدي. نجى من القتل في كربلاء والسبب أن قومه أمنوه، فلما قدم عمر بن سعد على عبيد الله أخبره خبره فسيره إلى الزارة. الطبري: التاريخ 5/ 454. ابن حجر: تبصير المنتبه 3/ 733.
(4)
الربذة: من قرى المدينة، تبعد عنها مسيرة ثلاث أيام، وهي قريبة من ذات عرق على طريق الحاج، وبها قبر الصحابي أبي ذر الغفاري. الحموي: البلدان 3/ 24. وذكر البلاذري: الأنساب 3/ 205، والطبري: التاريخ 5/ 454، أنه نفاه إلى الزارة: وهي عين بالبحرين وبها قرية كبيرة. الحموي: البلدان 3/ 126.
(5)
الرباب بنت امرئ القيس الكلبية، وهي أم سكينة بنت الحسين. الطبري: التاريخ 5/ 454.
(6)
الأخبار الطوال 259.
(7)
الأنساب 3/ 205.
(8)
التاريخ 5/ 454.
وكان سبب نجاة الأول وهو المرقع بن ثمامة الأسدي أن نفرًا من قومه أمنوه فخرج إليهم.
والثاني وهو مولى لرباب واسمه عقبة بن سمعان
(1)
أخذه عمر بن سعد وقال له: من أنت؟ قال: عبد مملوك، فخلَّى سبيلَه
(2)
.
* * *
(1)
عقبة بن سمعان، مولى الرباب بنت امرئ القيس الكلبية، امرأة الحسين بن علي، من الرابعة، لا يوجد له ترجمة، الفلوجي: المعجم الصغير: الفلوجي 1/ 381.
(2)
البلاذري: الأنساب 3/ 205، الطبري: التاريخ 5/ 454.
الفصل الثالث
«بقية أحداث خلافة يزيد إلى وفاته»
أولًا: أحداث ما بعد كربلاء.
ثانيًا: مواجهات عبد الله بن الزبير مع يزيد.
ثالثًا: مقدمات وأسباب الحرة.
رابعًا: معركة الحرة.
خامسًا: اتجاه جيش الشام إلى مكة ومصيره.
أولًا: أحداث ما بعد كربلاء
* حمل الرءوس إلى عبيد الله:
[81]
- (وبعث عمر بن سعد برأس الحسين من ساعته إلى عبيد الله بن زياد مع خولى بن يزيد الأصبحي)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
، والطبري
(4)
، وزاد عندهم أنه بعث الرأس مع خولي بن يزيد، وحميد بن مسلم الأزدي
(5)
.
[82]
- (وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين، ثم آذن في الناس بالرحيل، وحُمِلَتِ الرءوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأسًا، جاءت هوازن منها باثنين وعشرين رأسًا، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسًا مع الحصين بن نمير، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأسًا مع قيس بن الأشعث، وجاءت بنو أسد بستة رءوس مع هلال الأعور
(6)
، وجاءت الأزد بخمسة رءوس مع عيهمة بن زهير
(7)
، وجاءت ثقيف باثنتي عشرة رأسًا مع الوليد بن عمرو
(8)
(9)
.
(1)
الأخبار الطوال 259.
(2)
الطبقات 1/ 481 (ت د. محمد السلمي).
(3)
الأنساب 3/ 206.
(4)
التاريخ 5/ 455.
(5)
حميد بن مسلم الأزدي، لم أقف على ترجمة له، ساق له أبي مخنف روايات عن مقتل الحسين رضي الله عنه وعن فتنة المختار، ويذكر أنه كان صديقًا لإبراهيم بن الأشتر. الطبري: التاريخ 6/ 18.
(6)
هلال بن الأعور: لم أقف على ترجمته.
(7)
عيهمة بن زهير: لم أقف على ترجمته.
(8)
الوليد بن عمرو: لم أقف على ترجمته.
(9)
الأخبار الطوال 259.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(1)
، والبلاذري
(2)
.
• نقد النص:
هذه الرواية باطلة لأنها جاءت مسندة من طريق أبي مخنف
(3)
وهو ضعيف، ثم إنه لا يوجد حاجة لحمل الرءوس كلها إلى عبيد الله بن زياد كما تقول هذه الرواية، وإنما الثابت هو حمل رأس الحسين رضي الله عنه كما سيأتي.
[83]
- (وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل المستورة على الإبل وكانت بين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قتل الحسين خمسون عامًا)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(5)
.
ومما يروى في موقف عمر بن سعد من نساء الحسين رضي الله عنه وابنه علي بن الحسين، أنه قال:(لا تعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض)
(6)
.
وهذا تأكيد لما ذكره صاحب الكتاب من أن عمر بن سعد حمل نساء الحسين رضي الله عنه على الجمال المستورة، وهذا الأمر كله ينفي تعرض أهل الحسين رضي الله عنه لأي شر بعد المعركة.
وقد أثنى علي بن الحسين على عمر بن سعد وقال: (جزيت من رجل خيرًا فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شرًّا)
(7)
.
(1)
التاريخ 5/ 467.
(2)
الأنساب 3/ 207.
(3)
البلاذري: الأنساب 3/ 207، الطبري: التاريخ 5/ 467.
(4)
الأخبار الطوال 259.
(5)
التاريخ 5/ 455.
(6)
ابن سعد: الطبقات 1/ 480 (ت د. محمد السلمي)، الطبري: التاريخ 5/ 454.
(7)
الطبري: التاريخ 5/ 454.
وأما ابن زياد فقد رُوِيَ أن أحسن شيء فعله ابن زياد أنه لما جيء بنساء الحسين رضي الله عنه وأهله، أمر لهن بمنزل في مكان معتزل، وأجرى عليهن رزقًا، وأمر لهن بنفقة وكسوة
(1)
، وهذا مما لا شك فيه، فشيمة المسلم لا تسمح له بأذى المرأة مهما كان الخلاف.
وأما قوله: إن بين وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مقتل الحسين رضي الله عنه خمسون عامًا فهذا صحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي في السنة الحادية عشرة من الهجرة في الثاني عشر من ربيع الأول
(2)
، والحسين كما سبق أن بيناه قتل سنة إحدى وستين.
* عبيد الله بن زياد ورأس الحسين رضي الله عنه:
[84]
- (قالوا: ولما أدخل رأس الحسين على ابن زياد فوضع بين يديه جعل ابن زياد ينكت بالخيزرانة ثنايا الحسين، وعنده زيد بن أرقم
(3)
، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: مه، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثمها، ثم خنقته العبرة، فبكى، فقال له ابن زياد: مم تبكي؟ أبكى الله عينيك، والله لولا أنك شيخ قد خرفت لضربت عنقك)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
، والطبري
(6)
.
• نقد النص:
جاء في هذه الرواية نكث عبيد الله بن زياد الخبيث رأس الحسين رضي الله عنه
(1)
البلاذري: أنساب الأشراف 3/ 226. الطبري: التاريخ 5/ 393.
(2)
خليفة بن خياط: التاريخ 1/ 94.
(3)
زيد بن أرقم بن قيس بن النعمان من الخزرج، شهد الخندق والمريسيع، وغزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، له حديث كثير، وروى عن علي رضي الله عنه. ابن حجر: الإصابة 2/ 487.
(4)
الأخبار الطوال 259، 260.
(5)
الأنساب 3/ 207. بروايتين دون سند، الأولى بحضرة زيد بن أرقم عند ابن زياد، والثانية 214، بحضرة أبو برزة الأسلمي عند يزيد.
(6)
التاريخ 5/ 456.
بالقضيب، بحضرة زيد بن أرقم رضي الله عنه وهذا لم يثبت، وإنما الثابت أن النكث كان بحضرة أنس بن مالك رضي الله عنه، فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، أتى عبيد اللّه بن زيادٍ برأس الحسين عليه السلام، فجعل في طستٍ، فجعل ينكث، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنسٌ:«كان أشبههم برسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوبًا بالوسمة»
(1)
.
أما عن مصير رأس الحسين رضي الله عنه:
فقد توسع شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن رأس الحسين رضي الله عنه وصنف كتابًا اسماه «رأس الحسين رضي الله عنه» ، وقد ذكر حمل الرأس إلى عبيد الله بن زياد فقال:(الذي ثبت في صحيح البخاري: أن الرأس حُمِلَ إلى قدام عبيد الله بن زياد، وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه بحضرة أنس بن مالك) وفي المسند (أن ذلك كان بحضرة أبي برزة الأسلمي)، ولكن بعض الناس روى بإسناد منقطع (أن هذا النكت كان بحضرة يزيد بن معاوية) وهذا باطل.
فإن أبا برزة، وأنس بن مالك، كانا بالعراق ولم يكونا بالشام، ويزيد بن معاوية كان بالشام، لم يكن بالعراق حين مقتل الحسين، فمن نقل أنه نكث بالقضيب بحضرة هذين قُدَّامه فهو كاذب قطعًا، كذبًا معلومًا بالنقل المتواتر)
(2)
.
[85]
- (قالوا: وكانت الرءوس قد تقدم بها شمر بن ذي الجوشن أمام
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 26، والإمام أحمد في فضائل الصحابة 2/ 783، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 1/ 306، والطبراني في المعجم الكبير 3/ 125، وابن حبان في صحيحه 15/ 429.
(2)
ابن تيمية: رأس الحسين 199.
عمر بن سعد)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، الطبري
(3)
.
راجع نقد الرواية رقم [82].
* دفن قتلى كربلاء:
[86]
- (قالوا: واجتمع أهل الغاضرية فدفنوا أجساد القوم)
(4)
.
ذكر الطبري
(5)
مثلها، وزاد بعد ما قتلوا بيوم.
* حال عمر بن سعد بعد قتله الحسين رضي الله عنه:
[87]
- (ورُوِيَ عن حميد بن مسلم
(6)
قال: كان عمر بن سعد لي صديقًا، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين، فسألته عن حاله، فقال: لا تسأل عن حالي، فإنه ما رجع غائب إلى منزله بِشَرٍّ مما رجعت به، قطعت القرابة القريبة، وارتكبت الأمر العظيم)
(7)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(8)
، والبلاذري
(9)
.
* وصول خبر مقتل الحسين رضي الله عنه إلى يزيد وموقفه:
[88]
- (قالوا: ثم إن ابن زياد جهز عليَّ بن الحسين ومن كان معه من
(1)
الأخبار الطوال 260.
(2)
الأنساب 3/ 206.
(3)
التاريخ 5/ 456. من طريق أبي مخنف، وزاد: ومعه قيس بن الأشعث وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج.
(4)
الأخبار الطوال 260.
(5)
التاريخ 5/ 455.
(6)
مجهول الحال.
(7)
الأخبار الطوال 260.
(8)
الطبقات 1/ 485 (ت د. محمد السلمي).
(9)
الأنساب 3/ 211.
الحرم، ووجه بهم إلى يزيد بن معاوية مع زحر بن قيس
(1)
، ومحقن بن ثعلبة
(2)
، وشمر بن ذي الجوشن، فساروا حتى قدموا الشام، ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة دمشق، وأدخلوا معهم رأس الحسين، فرُمِيَ بين يديه.
ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: يا أمير المؤمنين، وَرَدَ علينا هذا في ثمانية عشر رجلًا من أهل بيته، وستين رجلًا من شيعته، فصرنا إليهم، فسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد، أو القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف منهم مأخذها جعلوا يلوذون إلى غير وزر
(3)
، لوذان الحمام من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر جزوز، أو نوم قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم مُعفَّرة، تُسْفَى عليهم الرياح، زُوَّارهم العقبان، ووفودهم الرخم.
فلما سمع ذلك يزيد دمعت عينه وقال: ويحكم، قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، رحم الله أبا عبد الله. ثم تمثَّل:
نفلق هامًا من رجال أعزة
…
علينا، وهم كانوا أعق وأظلما
(4)
(5)
(1)
زحر بن قيس بن معاوية بن سنعة الجعفي، له إدراك، وقد كان من الفرسان، من أصحاب علي رضي الله عنه، وشهد معه صفين، وأولاده من أشراف الكوفة. ابن عساكر: تاريخ دمشق. ابن حجر: الإصابة
2/ 520.
(2)
الصحيح من اسمه (محفز) بدل (محقن) وهو محفز بن ثعلبة بن مرة العائذي القرشي، وقد وفد على يزيد بن معاوية. ابن عساكر: تاريخ دمشق 57/ 96.
(3)
وزر: ملجأ. الخليل: العين 316.
(4)
هذا البيت للحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب المري، شاعر مشهور، ذكر ابن ماكولا أن له صحبة. ابن حجر: الإصابة 2/ 74.
(5)
الأخبار الطوال 260، 261.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(1)
، والبلاذري
(2)
مختصرًا، والطبري بمثله مطولًا
(3)
.
• نقد النص:
مع أن هذا الخطاب الذي أُلْقِيَ بين يدي يزيد لم يرد بشيء صحيح، وفيه مبالغات في وصف القتلى، إلا أنه حجة على من رواه وبراءة ليزيد من دم الحسين رضي الله عنه، وأنه لم يأمرهم بقتله، وإلا فما الحاجة إلى ذكر حالهم مع الحسين رضي الله عنه لو كان هو الآمر، ثم إن بكاءه ودمع عينه لهو خير دليل في اعتراضه على قتلهم له.
وما ذكرته هذه الرواية أن يزيد تمثل ببيت من الشعر عندما وضع الرأس أمامه، فهذا باطل؛ لأن رأس الحسين رضي الله عنه لم يُحْمَلْ أصلا إلى يزيد وقد سبق نفي ابن تيمية لذلك في نقد الرواية رقم (84)، أما تمثله بهذه الأبيات فهو باطلٌ ببطلان حمل الرأس إليه، وقد اتهموه أيضًا بعد الحرة أنه تمثل ببيت لابن الزبعرى كما سيأتي، ولم يتمثل فيه حتى ابن زياد.
وقد ذكر ابن سعد
(4)
قولًا وهو أن الذي تمثل بهذه الأبيات هو عبيد الله بن زياد.
قال المحقق السلمي: (والذي في تاريخ الطبري من طريق أبي مخنف، وفي معجم الطبراني بإسناد رجاله ثقات كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد إلا أنه معضل فإن الليث بن سعد لم يدرك الحادثة، وأيضًا عند ابن الأثير بالكامل وابن
(1)
الطبقات 1/ 486 (ت د. محمد السلمي).
(2)
الأنساب 3/ 214.
(3)
التاريخ 5/ 459. من طريق هشام بن محمد بن الكلبي، سبقت ترجمته وهو ضعيف.
(4)
الطبقات 1/ 481 (ت د. محمد السلمي).
كثير بالبداية والنهاية أن الذي تمثل بهذا الشعر هو: يزيد بن معاوية لا عبيد الله، وعلى كلٍّ لم يصل من طريق صحيح، بل أحسنه معضل)
(1)
.
ولو ثبت أن يزيد تمثل في هذا البيت لظهر لنا ما كان يخفيه من الفرح على قتل الحسين رضي الله عنه؛ لأن معنى هذا البيت: (نشقق هاماتٍ من رجال يكرمون علينا لأنهم منا، وهم كانوا أسبق إلى العقوق وأوفر ظلمًا؛ لأنهم بدءونا بالشر، وألجئونا إلى القتال، ونحن منتقمون ومجازون)
(2)
.
ويزيد شاعر يَعْرِفُ الشعر فلا يصح أن يتمثل بشيء يناقض ما أبداه من الحزن على قتل الحسين رضي الله عنه.
[89]
- (ثم أمر بالذرية فأُدْخِلوا دار نسائه، وكان يزيد إذا حضر غذاؤه دعا عليَّ بن الحسين وأخاه عمر فيأكلان معه، فقال ذات يوم لعمر بن الحسين
(3)
: هل تصارع ابني هذا؟ يعنى خالدًا، وكان من أقرانه.
فقال عمر: بل أعطني سيفًا، وأعطه سيفًا حتى أقاتله، فتنظر أينا أصبر. فضمه يزيد إليه، وقال: شنشنة أعرفها من أخزم
(4)
، هل تلد الحية إلا حية
(5)
.
(1)
ابن سعد: الطبقات 1/ 481 (ت. د محمد السلمي).
(2)
الأصفهاني: شرح ديوان الحماسة 1/ 146.
(3)
جاء في الطبري: التاريخ 5/ 462 أنه عمر بن (الحسن) وليس ابن (الحسين) وهو الذي ذكرناه سابقًا أنه ممن بقي من أهل بيت الحسين رضي الله عنه.
(4)
أصل هذا المثل لأبي أخزم الطائي، وذلك أن أخزم كان عاقًّا لأبيه، فلما مات خلف بنين عقوا جدَّهم وضربوه وأدموه فقال: إن بني زملوني بالدم
…
شنشنة أعرفها من أخزم، والشنشنة القطعة والمضغة من اللحم، (وهذا المعنى أراد صاحب الكتاب)، وقيل في معناها: الشنشة السجية والطبيعة؛ أي فيه شبه من أبيه في الرأي والحزم والذكاء. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 2/ 504.
(5)
يقال للابن يجاري أباه، العصا من العصية، وهل تلد الحية إلا الحية. البرقوقي: الذخائر والعبقريات 1/ 59.
قال: ثم أمر بتجهيزهم بأحسن جهاز، وقال لعلي بن الحسين: انطلق مع نسائك حتى تبلغهن وطنهن، ووجه معه رجلًا في ثلاثين فارسًا، يسير أمامهم، وينزل حجرة
(1)
عنهم، حتى انتهى بهم إلى المدينة)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
، والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
تذكرُ هذه الرواية طلب يزيد بن معاوية من علي بن الحسين رضي الله عنه مبارزة ابنه خالد، وحقيقة أمرها أنها جاءت من طرق غير موثوقة، وفي متنها ما يدل على نكارتها، فالمقام مقام حزن وعزاء من يزيد وأهل بيته، ولا حاجة لجلب مزيدٍ من العداوة.
أما عن معاملة علي بن الحسين وأهله، فلم يصح أنهم تعرضوا لأذى من قبل يزيد بن معاوية، بل يروى غير ذلك، ومنه:
فقد ذكر ابن كثير
(5)
عن يزيد أنه (فرَقَّ عليهم يزيد وبعث بهم إلى الحمَّام وأجرى عليهم الكساوي والعطايا والأطعمة، وأنزلهم في داره، وهذا يردّ قول الرّافضة: إنّهم حملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا، حتّى كذب من زعم منهم أنّ الإبل البخاتيّ إنّما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتهنّ من قبلهن ودبرهن).
وقد وصف علي بن الحسين حاله ومن معه مع يزيد فقال: (لمّا قتل
(1)
حجرة: أي ناحية. الخليل: العين 3/ 75.
(2)
الأخبار الطوال 261.
(3)
الطبقات 1/ 489 (ت د. محمد السلمي)، وأن المدعو عمرو بن الحسن، بطرق قال المحقق إنها ضعيفة.
(4)
التاريخ 5/ 462. من طريق أبي مخنف، وهو ضعيف.
(5)
البداية والنهاية 8/ 213.
الحسين دخلنا الكوفة، فلقِيَنَا رجلٌ، فدخلنا منزله، فأحلفنا، فنمت، فلم أستيقظ إلّا بحسّ الخيل في الأزقّة، فحملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا وقال: إنه سيكون في قومك أمورٌ، فلا تدخل معهم في شيءٍ، فلمّا كان من أهل المدينة ما كان، كُتِبَ مع مسلم بن عقبة كتابًا فيه أماني، فلمّا فرغ مسلمٌ من الحرّة بعث إليّ، فجئته وقد كتبت وصيّتي، فرمى إليّ بالكتاب، فإذا فيه: استوصِ بعليّ بن الحسين خيرًا، وإن دخل معهم، في أمرهم فأمّنه واعف عنه، وإن لم يكن معهم فقد أصاب وأحسن)
(1)
.
أما عن إرسال نساء الحسين رضي الله عنه إلى المدينة فقد ذكر صاحب الكتاب أن يزيد بن معاوية بعثهم مع علي بن الحسين رضي الله عنه، وهو بذلك قد خالف غيره، ومن ذلك ما ذكره ابن سعد أن يزيد بن معاوية: (بعث بثقل الحسين ومن بقي من نسائه وأهله وولده معهم، وجهزهم بكل شيء، فلم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وقال لعلي بن الحسين: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فَعَلْتَ، وإن أحببت أن أردك إلى بلادك وأصلك، قال: بل تردني إلى بلادي، فرده إلى المدينة وأوصله، وأمر الرسل الذين وجههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا، ومتى شاءوا، وبعث بهم مع محرز بن حريث الكلبي
(2)
، ورجل من بهراء، وكانا من أفاضل أهل الشام)
(3)
.
وذكر الطبري أن يزيد قال للنعمان بن بشير رضي الله عنه: (جهزهم بما يصلحهم،
(1)
الذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 20.
(2)
محرز بن حريث، وقيل (حزيب) بدل (حريث) بن مسعود بن عدي بن هذيم الكلبي، رجل من أفاضل أهل الشام، بعثه يزيد بن معاوية من دمشق مع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ردهم من دمشق إلى المدينة قيمًا على حفظهم، وشهد المرج مع مروان، وهو الذي استنقذه يوم المرج. ابن عساكر: تاريخ دمشق 57/ 79.
(3)
الطبقات 1/ 490 (ت د. محمد السلمي).
وابعث معهم رجلًا من أهل الشام صالحًا أمينًا، وابعث معه خيلًا وأعوانًا فيسير بهم إلى المدينة)
(1)
.
* ما روي عن عبيد الله بن الحر الجعفي بعد قتل الحسين رضي الله عنه:
[90]
- (قالوا: وإن عبيد الله بن الحر ندم على تركه إجابة الحسين حين دعاه بقصر بني مقاتل إلى نصرته، وقال:
فيا لك حسرة ما دمت حيًّا
…
تردد بين حلقى والتراقى
(2)
حسين حين يطلب بَذْل نصري
…
على أهل العداوة والشِّقاق
فما أنسى غداة يقول حزنًا
…
أتتركني وتزمع لانطلاق؟
فلو فلق التلهف قلب حيٍّ
…
لهم القلب مني بانفلاق
(3)
ثم مضى نحو أرض الجبل مغاضبًا لابن زياد، واتبعه أناس من صعاليك الكوفة)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(5)
، والبلاذري
(6)
.
• نقد النص:
سبق في نقد الرواية رقم [62] أن دعوة الحسين رضي الله عنه لعبيد الله بن الحر لنجدته لم ترد بسند صحيح، وفي هذه الأبيات السابقة تأكيدًا على مزاعم ندمه في عدم استجابته لنصرة الحسين رضي الله عنه بعدما طلب نصرته.
(1)
التاريخ 5/ 462.
(2)
جاء هذا البيت وحده عند البلاذري في الأنساب 7/ 22.
(3)
ذكر ابن سعد: الطبقات 1/ 490 (ت د. محمد السلمي) هذه الأبيات وزاد عليها.
(4)
الأخبار الطوال 262.
(5)
الطبقات 1/ 513 (ت د. محمد السلمي).
(6)
الأنساب 7/ 31
وقد ورد ما يخالف ذلك وهو ما رواه الطبري: (أن عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم يرَ عبيد اللّه بن الحر، ثمّ جاءه بعد أيام حتّى دخل عليه، فقال: أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضًا، قال: مريض القلب، أو مريض البدن! قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد مَنَّ اللّه عليَّ بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا، قال: لو كنت مع عدوك لرُئِي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى، قال: وغفل عنه ابن زياد غفلة، فخرج ابن الحر فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قالوا: خرج الساعة، قال: عليَّ به، فأحضرت الشرطة فقالوا له: أجب الأمير، فدفع فرسه ثمّ قال: أبلغوه أني لا آتيه واللّه طائعًا أبدًا)
(1)
.
وعبيد الله بن الحر في كلامه هنا صادقًا وليس لمثله أن يكذب؛ لأنه لا يخاف من ابن زياد، ولو سبق أن استنجد به الحسين رضي الله عنه ورفض وهو يخاف ابن زياد لأخبره بذلك لكي يحظى بمكان عنده، ولكنه مرض ولم يشهد قتل الحسين رضي الله عنه وندم على ألا يكون من المدافعين عنه وقال هذه القصيدة التي خلدت موقفه
(2)
:
يقول أمير غادر حق غادر
…
ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة
ونفسي على خذلانه واعتزاله
…
وبيعة هذا الناكث العهد لائمة
فيا ندما ألا أكون نصرته
…
ألا كل نفس لا تسدد نادمة
وإني لأني لم أكن من حماته
…
لذو حسرة ما أن تفارق لازمه
(1)
التاريخ 5/ 469. وبنحوها البلاذري: الأنساب 7/ 31.
(2)
ذكر هذه الأبيات ابن سعد في الطبقات 1/ 514 (ت د. محمد السلمي)، وبنحوها البلاذري: الأنساب 7/ 31. والطبري: التاريخ 5/ 470.
سقى الله أرواح الذين تآزروا
…
على نصره سقيا من الغيث دائمة
وهذه القصيدة أشهر من التي أوردها صاحب الكتاب.
* تعليقات العلماء حول خروج الحسين رضي الله عنه وقتله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية متحدثًا عن يزيد ومقتل الحسين رضي الله عنه فيقول: (وجرت في إمارته أمورٌ عظيمةٌ: - أحدها مقتل الحسين رضي الله عنه وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله؛ ولا نكّت بالقضيب على ثناياه رضي الله عنه، ولا حمل رأس الحسين رضي الله عنه إلى الشّام لكن أمر بمنع الحسين رضي الله عنه وبدفعه عن الأمر، ولو كان بقتاله فزاد النّوّاب على أمره؛ وحضّ الشمر بن ذي الجوشن على قتله لعبيداللّه بن زيادٍ؛ فاعتدى عليه عبيد اللّه بن زيادٍ، فطلب منهم الحسين رضي الله عنه أن يجيء إلى يزيد؛ أو يذهب إلى الثّغر مرابطًا؛ أو يعود إلى مكّة، فمنعوه رضي الله عنه إلّا أن يستأسر لهم وأمر عمر بن سعدٍ بقتاله - فقتلوه مظلومًا - له ولطائفة من أهل بيته رضي الله عنهم، وكان قتله رضي الله عنه من المصائب العظيمة فإنّ قتل الحسين، وقتل عثمان قبله: كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمّة وقتلتهما من شرار الخلق عند اللّه، ولَمّا قدم أهلهم رضي الله عنهم على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيّرهم إلى المدينة، وروي عنه أنّه لعن ابن زيادٍ على قتله، وقال: كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين لكنّه مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له والأخذ بثأره: كان هو الواجب عليه، فصار أهل الحقّ يلومونه على تركه للواجب مضافًا إلى أمورٍ أخرى. وأمّا خصومه فيزيدون عليه من الفِرْية أشياء)
(1)
.
وعلق الشيخ عبد العزيز بن باز على مقتل الحسين رضي الله عنه: (لم يكن في خروج الحسين رضي الله عنه مصلحة؛ ولذلك نهاه كثير من الصحابة، وحاولوا منعه
(1)
ابن تيمية: الفتاوى 3/ 410.
ولكنه لم يرجع، وبهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده، ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدره الله كان ولو لم يشأ الناس، وقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء وقد قُدِّم رأس يحيى عليه السلام مهرًا لبغي وقُتِل زكريا عليه السلام، وكثير من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى:
(1)
وكذلك قُتِل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
ومما ذكر رحمه الله في كيفية التعامل مع الحدث:
لا يجوز لمن يخاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه رضي الله عنهم أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب) أخرجه البخاري، وقال:(أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة). أخرجه مسلم، والصالقة هي التي تصيح بصوت مرتفع. وقال:(إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعًا من جرب وسربالًا من قطران) أخرجه مسلم. وقال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة). وقال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. وقال: (النياحة من أمر الجاهلية و إن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من لهب النار). رواه ابن ماجه.
والواجب على المسلم العاقل إذا تذكر مثل هذه المصائب أن يقول كما أمر الله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)}
(2)
. وما
(1)
سورة آل عمران 18.
(2)
سورة البقرة 156.
علم أن علي بن الحسين أو ابنه محمدًا أو ابنه جعفرًا أو موسى بن جعفر رضي الله عنهم ما عرف عنهم ولا عن غيرهم من أئمة الهدى أنهم لطموا أو شقوا أو صاحوا، فهؤلاء هم قدوتنا.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
…
إن التشبه بالكرام فلاح)
(1)
من خلال ما سبق يتبين أن المسئول عن قتل الحسين رضي الله عنه هم:
1 -
الأول: رءوس أهل الكوفة الذين جاءت المصادر بذكر أسمائهم، وهم ينقسمون إلى فرقتين الأولى: من كتب للحسين رضي الله عنه وشارك في قتاله، وهم أشنع فرقة، والأخرى: من كتبت له ولم تشترك في قتاله وهم من أمثال سليمان بن صرد رضي الله عنه ومن معه، وقد خرجوا فيما يسمى بحركة التوابين.
2 -
الثاني: الشمر بن ذي الجوشن، ويتمثل ذلك في رأيه الذي دفع عبيدالله ابن زياد لقتال الحسين رضي الله عنه.
3 -
الثالث: عبيد الله بن زياد فهو القائد الأول.
4 -
الرابع: عمر بن سعد وهو قائد المعركة.
5 -
الخامس: كل من شارك في المعركة من الجند.
هناك بعض التساؤلات منها:
- لماذا شُنِّعَ بمن قتل الحسين رضي الله عنه ولم يشنع بمن قتل أباه وهو أفضل منه؟.
- استمرار المطالبة بدم الحسين رضي الله عنه والثأر له لقرون من الزمن إلى عصرنا هذا، هل ما زال قتلة الحسين أحياء؟.
(1)
مقتل الحسين رضي الله عنه للشيخ عبد العزيز بن باز، على الشبكة الوطنية الكويتية، الرابط:
http:// www.nationalkuwait.com
والإجابة على هذه التساؤلات هي أن الشيعة لم يرق لهم تنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، فحاولوا أن يرجعوا هذا الأمر لآل البيت عن طريق الحسين رضي الله عنه فكاتبوه وخذلوه، وألقوا اللوم على غيرهم ليتنصلوا من هذه الذنب ويحملوه على عاتق غيرهم، واستمروا في تتبع آل البيت وإخراجهم عن ولاتهم حتى يُقْتَلوا وتزيد الأمة بقتلهم ضعفًا وتفرقًا وبلاء، وفي حقيقة الأمر ليس هذا منهم ولاء وإخلاص، ولو كان هذا في ظاهره، فأما باطنه فهو عداء منظم، يهدف إلى إرهاق الأمة وتفريق أمرها، فهم مَنْ أحْدَثَ القلاقل والنزاعات منذ ذلك الحدث إلى زماننا هذا، وتزداد أرصدة نواحهم ومآسيهم، وهي المادة التي يعتمدون عليها لجلب أتباعهم، بحجة أنهم ظُلِمُوا وخُذِلُوا، وأنهم الفرقة الوحيدة التى ينقطع عندهم حب آل البيت والإخلاص لهم.
* * *
ثانيًا: مواجهات عبد الله بن الزبير مع يزيد
* موقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من بيعة يزيد:
[91]
- (قالوا: وإن ابن الزبير لما سار إلى مكة، وخرج الحسين عنها سائرًا إلى الكوفة كان يقول: إني في الطاعة، غير أني لا أبايع أحدًا، وأنا مستجير بالبيت الحرام.
فبعث إليه يزيد بن معاوية رجلًا في عشرة نفر من حرسه، وقال: انطلق، فانظر ما عنده، فإن كان في الطاعة فخذه بالبيعة، وإن أَبَى فاجعل في عنقه جامعة وائتني به. فلما قدم الحرسي عليه، وأخبره بما أتاه فيه تمثل ابن الزبير:
ما إن ألين لغير الحق أسأله
…
حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وقال للحرسي: انصرف إلى صاحبك، فأعلمه أنني لا أجيبه إلى شيء مما يسألني.
قال الحرسي: ألست في الطاعة؟.
قال: بلى، غير أني لا أمكنك من نفسي، ولا أكاد.
فانصرف الحرسي إلى يزيد، فأخبره بذلك)
(1)
.
أورد نحوًا منها: ابن سعد
(2)
مطولًا، وخليفة بن خياط
(3)
مختصرًا، والفاكهي
(4)
، والبلاذري
(5)
، والطبري
(6)
مطولًا، ..............................
(1)
الأخبار الطوال 262.
(2)
الطبقات 2/ 42 (ت د. محمد السلمي) ..
(3)
التاريخ 251.
(4)
أخبار مكة 2/ 337.
(5)
الأنساب 5/ 307.
(6)
التاريخ 5/ 476.
والطبراني
(1)
والحاكم
(2)
مختصرًا.
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب في صيغة هذه الرواية، وهي أن يزيد أرسل نفرًا من حرسه؛ لأخذ البيعة من عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وأمرهم بأن يأخذوه بالقوة، وكل هذا مما لا يحتمل قبوله، فهل بلغ بعبد الله بن الزبير رضي الله عنه كل هذا الضعف والهوان حتى يرسل يزيد إليه بعض حرسه ليأتوا به مغلولًا، بل قد روي ما يخالف ذلك، وهو أن يزيد أوفد إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه رجالًا من أكابر أهل الشام
(3)
.
ومما جاء في خبر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه مع يزيد:
ما ذكره ابن سعد في بداية الأمر بينهما: أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه لما جاءت بيعة يزيد وهو في المدينة، خرج منها وهو يقول: (هو يزيد الذي نعرف والله ما أحدث خيرًا ولا مروءة، وخرج من ليلته إلى مكة، فلم يزل مقيمًا بها حتى خرج الحسين بن علي منها إلى العراق. ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية. وبلغ يزيد ذلك، فوجد عليه، فقال ابن الزبير: أنا على السمع والطاعة لا أبدل ولا أغير، ومشى إلى يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية الجمحي وهو والي مكة ليزيد بن معاوية، فبايعه له على الخلافة، فكتب بذلك يحيى إلى يزيد فقال: لا أقبل هذا منه حتى يؤتى به
(1)
المعجم الكبير 13/ 92.
(2)
المستدرك 3/ 633.
(3)
ذكر البلاذري: الأنساب 5/ 308، أسماء الوفد وهم: الحصين بن نمير، ومسلم بن عقبة، وزفر بن الحارث، وعبد الله بن عضاة الأشعري، وروح بن زباع، ومالك بن هبيرة، ومالك بن حمزة، وأبا كبشة السكسكي، وزمل بن عمرو العذري، عبد الله بن مسعدة الفزاري، ناتل بن قيس الجذامي، والضحاك بن قيس.
في جامعة .... )
(1)
، وفي هذه الرواية حال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه مع بيعة يزيد إلا أن فيها مبالغة في وصفه بالتحريض على بني أمية.
ثم أرسل يزيد إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فأبى البيعة لهم بهذه الصفة وقال: (اللهم إني عائذ ببيتك الحرام، وقد عرضت عليهم السمع والطاعة فأبوا إلا أن يحلوا بي ويستحلوا مني ما حرمت)
(2)
.
وقال المدائنيّ: (كتب يزيد إلى ابن الزّبير يدعوه إلى بيعته، فكتب ابن الزّبير يدعوه إلى الشورى، وكان فيما كتب به يزيد:
لو بغير الماء حلقي شرقٌ
…
كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
(3)
فأذكرك اللّه في نفسك، فإنك ذو سن من قريش، وقد مضى لك سلف صالح وقدم صدق من اجتهاد وعبادة، فاربب صالح ما مضى ولا تبطل ما قدمت من حسنٍ، وادخل فيما دخل فيه الناس ولا تردهم في فتنة ولا تحل حرم اللّه، فأبى أن يبايع، فحلف ألَّا يقبل بيعته إلا في جامعة)
(4)
.
ومما يؤكد ذلك ما رواه ابن أبي عاصم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: بعث يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزّبير بقيدٍ من فضّةٍ، وجامعةٍ من ذهبٍ، فقال:«أقسمت عليك لتأتينّي فيه» ، فقال ابن الزّبير: ولا ألين لغير الحقّ أسأله حتّى يلين لضرس الماضغ الحجر .. )
(5)
.
(1)
الطبقات 2/ 42 (تحقيق د. محمد السلمي) طرقها ضعيفة كما ذكر المحقق، ولكن يستأنس بها.
(2)
المصدر السابق. 2/ 42، والطبري: التاريخ 5/ 467.
(3)
هذا البيت لعدي بن زيد، ومعناه لو غصصت بغير الماء أنقذته بالماء فإذا غصصت بالماء فلا حيلة، ويضرب في ابتلاء الرجل بمن كان يرجو منه الإغاثة. الزمخشري: المستقصى في أمثال العرب 2/ 408.
(4)
البلاذري: الأنساب 5/ 303.
(5)
ابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني 1/ 416 برقم 585، وقد أخرجها الفاكهي في أخبار مكة 2/ 337، والطبراني في المعجم الكبير 13/ 92، برقم 230، والحاكم في المستدرك 3/ 633، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1/ 331، والطبري: التاريخ 5/ 476.
ومما سبق نرى أن يزيد أشغله تثاقل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه عن بيعته، وأن أساس دعوته هي الشورى، ثم إنه بايع بعد عناء، فحلف يزيد ألا يقبل منه ذلك إلا أن يأتي بجامعة، ثم نصحه من حوله بأن يقبل منه وأن يبر قسمه
(1)
فأرسل قيدًا من فضة وجامعة من ذهب فرفض عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ذلك.
[92]
- (فوجه يزيد بعشرة نفر من أشراف أهل الشام، فيهم النعمان بن بشير، وعبد الله بن عضاة الأشعري
(2)
وكان له صلاح، ومسلم بن عقبة لعنه الله فقال لهم: انطلقوا، فأعيدوه إلى الطاعة والجماعة وأعلموه، أن أحب الأمور إلى ما فيه السلامة، فساروا حتى وافوا مكة، ودخلوا على ابن الزبير في المسجد، فدعوه إلى الطاعة وسألوه البيعة.
فقال ابن الزبير لابن عضاة: أتستحل قتالي في هذا الحرم؟.
قال: نعم، إن أنت لم تجب إلى طاعة أمير المؤمنين.
قال ابن الزبير: وتستحل قتل هذه الحمامة؟ وأشار إلى حمامة من حمام المسجد. فأخذ ابن عضاة قوسه، وفوق فيها سهمًا، فبوأه نحو الحمامة، ثم قال: يا حمامة، أتعصين أمير المؤمنين؟.
والتفت إلى ابن الزبير، وقال: أما لو أنها قالت نعم لقتلتها)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
.
(1)
البلاذري: الأنساب 5/ 308. نصحه بذلك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابنه معاوية بن
يزيد.
(2)
عبد الله بن عبد الرحمن بن عضاة الكركير الأشعري، شهد صفين مع معاوية رضي الله عنه، وكان رسول يزيد إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه. ابن عساكر: تاريخ دمشق 73/ 231.
(3)
الأخبار الطوال 263.
(4)
/ 309. من طريق الهيثم بن عدي والواقدي وهما ضعيفان.
• نقد النص:
هؤلاء الوفد هم الذين أرسلهم يزيد في الرواية السابقة، ولكن صاحب الكتاب جعل الوفد فيما سبق هم من الحرس، وذكر في هذه الرواية أنهم أشراف الشام وهذا من التناقض.
ثم جاء بهذه المحادثة التي تمت بين ابن عضاة وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، لم أقف على من أوردها بشيء صحيح، وأما عن متنها ففيه نكارة وهو ما ذكرته عن عبد الله بن عضاة، أنه أراد أن يجبر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على البيعة، وخوفه بالقتل، وأنه جعل رفضه يبيح قتله، وقارن ذلك بحمامة الحرم.
[93]
- (وإن ابن الزبير خلا بنعمان بن بشير، فقال: أنشدك الله، أنا أفضل عندك أم يزيد؟ فقال: بل أنت. فقال: فوالدي خير أم والده؟ قال: بل والدك. قال: فأمي خير أم أمه؟ قال: بل أمك. قال: فخالتي خير أم خالته؟ قال: بل خالتك. قال: فعمتي خير أم عمته؟ قال: بل عمتك، أبوك الزبير، وأمك أسماء ابنة أبي بكر، وخالتك عائشة، وعمتك خديجة بنت خويلد. قال: أفتشير عليّ بمبايعة يزيد؟.
قال النعمان: أما إذا استشرتني فلا أرى لك ذلك، ولست بعائد إليك بعد هذا أبدًا.
ثم إن القوم انصرفوا إلى الشام، فأعلموا يزيد أن ابن الزبير لم يجب إلى شيء.
قال مسلم بن عقبة المري ليزيد: يا أمير المؤمنين، إن ابن الزبير خلا بالنعمان بن بشير، فكلمه بشيء، لم نَدْرِ ما هو، وقد انصرف إليك بغير رأيه الذي خرج من عندك)
(1)
.
(1)
الأخبار الطوال 263، 264.
ذكر نحوًا منها مختصرًا: البلاذري
(1)
.
• نقد النص:
هذا الخبر لم أقف على من أورده بسند صحيح.
وقد انفرد صاحب الكتاب ببقية المحادثة، والتي فيها ذكره النعمان بن بشير رضي الله عنه، وأنه أشار على ابن الزبير رضي الله عنه ألا يبايع يزيد عندما استشاره بذلك، وهذا فيه نكارة، وإلا فكيف يشير على عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ألا يبايع يزيد بن معاوية وهو قد بايعه، فهذا في حقيقته غش له، ونبرأ إلى الله أن يتصف أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، والمانع من ذلك عدالته.
ولعل الهدف من إيراد مثل هذا هو التشكيك الخفي من قبل أحد عظماء الوفد في يزيد وعدم أهليته للبيعة.
* دعوة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إلى البيعة له:
[94]
- (ولما انصرف القوم من عند ابن الزبير جمع ابن الزبير إليه وجوه أهل تهامة والحجاز، فدعاهم إلى بيعته، فبايعوه جميعًا، وامتنع عليه عبد الله بن عباس، ومحمد ابن الحنفية)
(2)
.
انفرد صاحب الكتاب في هذا الخبر.
• نقد النص:
تذكرُ هذه الرواية أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه دعا إلى البيعة في زمن يزيد بن معاوية، وهذا كله لا يصح بهذا الزمن، أي في خلافة يزيد بن معاوية؛
لأن المشهور أن بيعة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كانت بعد وفاة يزيد في سنة أربع
(1)
البلاذري: الأنساب 5/ 307، من طريق الواقدي وهو ضعيف.
(2)
الأخبار الطوال 264.
وستين للهجرة
(1)
.
ومما يدل على هذا ما رواه البلاذري فقال: حدثنا زهير بن حرب
(2)
أبو خيثمة، حدّثنا وهب بن جريرٍ
(3)
، حدّثنا جويرية
(4)
، عن نافع
(5)
: أن ابن الزّبير لم يَدعُ له بالخلافة حتى مات يزيد
(6)
، وقال نافع: كنت تحت منبره يوم دعا إلى نفسه وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى
(7)
.
وقد ذكر خليفة بن خياط بيعة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فقال: (وفي سنة أربع وستّين دعا ابن الزبير إلى نفسه وذلك بعد موت يزيد بن معاوية، فبويع في رجب لسبع خلون من سنة أربع وستّين ولم يكن يدعو إليها ولا يدعو لها حتّى مات يزيد)
(8)
.
يتضح مما سبق من الروايات أن علاقة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه مع يزيد بن معاوية في طلب البيعة، مرت بمراحل وهي:
1 -
خروج عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من المدينة إلى مكة، بعد سماعه نبأ وفاة معاوية رضي الله عنه والبدء ببيعة يزيد، وكان يسمي نفسه العائذ، ولم يكن يزيد يهتم ببيعته لانشغاله بالحسين رضي الله عنه، وتتسم هذه الفترة بالركود.
(1)
خليفة بن خياط: التاريخ 254، الفسوي: المعرفة والتاريخ 3/ 331، الطبري: التاريخ 5/ 501.
(2)
زهير بن حرب، أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد، ثقة ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث. ابن حجر: التقريب 217.
(3)
وهب بن جرير بن حازم الأزدي، ثقة من التاسعة توفي سنة 206 هـ. ابن جحر: التقريب 585.
(4)
صدوق سبقت ترجمته.
(5)
نافع هو أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور من الثالثة مات سنة 117 هـ. ابن حجر: التقريب 559.
(6)
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 2/ 134.
(7)
الأنساب 5/ 351.
(8)
التاريخ 257.
2 -
بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه، أصبحت أنظار المعارضين لبني أمية تتطلع إليه؛ لأنه لم يبقَ أحد يستحق الأمر بعد الحسين رضي الله عنه سواه، فخافه يزيد وحرص على بيعته، وذلك خوفًا من أن يجمع أنصاره ويخرج عليه؛ لأن بقاءه بمكة يثير المخاوف، فهي مهوى أفئدة المسلمين، ولبعدها عن مركز الخلافة، فبدأ يزيد بالمراسلات الودية، لكنها فشلت بسبب غضب يزيد على تباطؤ ابن الزبير رضي الله عنه، الذي كاد أن يبايع لولا يمين يزيد التي أفقدت الحوار المنحى الودي الذي يتسم بالحلم والحكمة، ودخل في الغضب الذي يفسد كل شيء، ويتمثل ذلك في حلف يزيد ألا يقبل منه إلا أن يؤتى مغلولًا، وابن الزبير رضي الله عنه ليس مضطرًّا إلى قبول ذلك وهو عزيز مكرم بين أصحابه، ولو تخلق يزيد بسجية الحلم التي اشتهر بها والده، لأمكن له احتواء موقف ابن الزبير رضي الله عنه.
3 -
لجأ يزيد في هذه المرحلة إلى الخيار العسكري بعد احتدام الموقف بينه وبين ابن الزبير رضي الله عنه، فأرسل إلى عامله في المدينة عمرو بن سعيد الأشدق أن يبعث جيشًا إلى ابن الزبير، فوجه عمرو بن سعيد جيشًا بقيادة عمرو بن الزبير، فهزمه ابن الزبير رضي الله عنه ومن معه من أهل مكة وفشلت هذه الحملة
(1)
، ومن أسباب فشل هذه الحملة تفرق أصحاب عمرو بن الزبير عنه، وهذه القوة أول قوة تغزو مكة بعد فتحها في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم.
4 -
بعد هزيمة جيش المدينة الذي أرسله عمرو بن سعيد، استفحل أمر ابن الزبير رضي الله عنه، وأصبح خطرًا لا يمكن أن يُحتمل من قبل يزيد، ولم يكن غائبًا على يزيد أسباب فشل هذه الحملة التي قامت من المدينة، فهي جارة لمكة ولها حرمة، وفيها أناس كثير يرون مثل رأي ابن الزبير رضي الله عنه في بيعة يزيد، فقرر إرسال
(1)
ابن سعد: الطبقات 2/ 45. البلاذري: الأنساب 5/ 311، الطبري: التاريخ 5/ 344. أبو العرب: المحن 1/ 149.
جيشًا من الشام، يكمن في رجالاته الولاء لبني أمية، وفي غمرات هذه الأحداث جاء خبر خلع أهل المدينة ليزيد، فأصبح على الجيش مهمتين بدل مهمة واحدة، وهي إرجاع أهل المدينة للبيعة، وإخضاع ابن الزبير رضي الله عنه لها، فتحققت المهمة الأولى وهي ما تُسمى في التاريخ بموقعة الحرة في حياة يزيد، أما الأخرى فقد توفي يزيد وفشل أمرها.
* * *
ثالثًا: مقدمات وأسباب الحرة:
[95]
- (وإن ابن الزبير أمر بطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، وارتحل مروان من المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام.
ولما انتهى إلى يزيد بن معاوية مبايعة أهل تهامة والحجاز لعبد الله بن الزبير ندب له الحصين بن نمير السكوني، وحبيش بن دلجة القينى
(1)
، وروح ابن زنباع الجذامي
(2)
، وضم إلى كل واحد منهما جيشًا، واستعمل عليهم جميعًا مسلم بن عقبة المري، وجعله أمير الأمراء)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
.
• نقد النص:
ورد في هذه الرواية أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أمر بطرد عمال يزيد من المدينة؛ مما يعني أن أهل المدينة خلعوا يزيد بسبب طلب ابن الزبير رضي الله عنه لهم، وذكره البلاذري روايتين عن الواقدي وهو ضعيف، ولا يستبعد أن يكون أهل المدينة تأثروا بموقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من عدم بيعة يزيد، ولكن هذا ليس من طريق مباشر؛ لأنني لم أقف على من أورده بسند صحيح.
(1)
حبيش بن دلجة القيني، أحد وجوه أهل الشام من أهل الأردن، وشهد صفين مع معاوية، وكان على قضاعة الأردن يومئذ، وولاه يزيد بن معاوية على أهل الأردن يوم وجههم إلى الحرة، وكان أمير الجيش الذي وجهه مروان إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فقتل في الربذة. ابن عساكر: 12/ 86.
(2)
روح بن زنباع بن سلامة بن روح الجذامي، أبو زرعة، له إدراك، ولا تصح له صحبة، سيد شريف، ولي جند فلسطين ليزيد بن معاوية، وكان بمنزلة الوزير من عبد الملك بن مروان، كان إذا خرج من الحمام أعتق رقبة، توفي سنة أربع وثمانين للهجرة. الذهبي: السير 4/ 250. ابن حجر: الإصابة 2/ 419.
(3)
الأخبار الطوال 264.
(4)
الأنساب 5/ 319، 5/ 327.
ثم ذكرت أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حينما رفض بيعة يزيد، دعا إلى بيعته، وطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، فأما دعوة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه للبيعة فهذا الأمر لم يحصل إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية، وأما طرد عمال يزيد فلم يحصل إلا من أهل المدينة، وليس لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه علاقة بذلك، ولعل صاحب الكتاب ذكر ذلك وجعله سببًا لإرسال يزيد جيشًا من الشام إلى أهل المدينة وإلى ابن الزبير رضي الله عنه في مكة، وهذا مخالف لما جاء في سبب موقعة الحرة في المصادر الأخرى.
- فقد ذكر خليفة بن خياط
(1)
والطبري
(2)
من طريق جويرية بن أسماء، قال: سمعت أشياخًا من أهل المدينة، ثم ذكر السبب في خلع أهل المدينة ليزيد، وهو أنه ممن وفد على يزيد من أهل المدينة عبد الله بن حنظلة
(3)
، ومعه ثمانية من البنين فأكرمهم وأوصلهم، فلما رجع إلى المدينة سبَّه وخلعه، وأما قول جويرية بن أسماء سمعت أشياخًا من أهل المدينة فهذا فيه مجاهيل.
أما متنها فالملاحظ عليها أنها لم تذكر السبب في خلع عبد الله بن مطيع ليزيد، ولا يعقل أن يخلعه بدون سبب، فيصبح الخبر الذي في هذه الرواية ناقصًا يحتاج إلى مزيد بيان، ولعله حُذِف لبشاعته، وقد جاء السبب برواية أخرى عند الطبري
(4)
من طريق أبي مخنف، وقد زاد في عدد الوفد وذكر بينهم عبد الله بن حنظلة، ثم ذكر أن سبب خلع أعضاء الوفد ليزيد، فقال: (فلما قدم أولئك النفر
(1)
التاريخ 237.
(2)
التاريخ 5/ 495.
(3)
عبد الله بن حنظلة الغسيل بن أبي عامر الأوسي الأنصاري، من صغار الصحابة، كان أمير الأنصار يوم الحرة وقتل فيها. الذهبي: السير 3/ 321.
(4)
التاريخ 5/ 480.
الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبة، وقالوا: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس)
(1)
، ولا يمكن قبول هذه الرواية لضعف سندها؛ لأنها من طريق أبي مخنف، ونكارة متنها، وهو ذكره هذه الأفعال المشينة عن يزيد.
- وذكر خليفة بن خياط عن أبي اليقظان
(2)
: أنهم دعوا إلى الرضا والشورى
(3)
، ومع أن هذا الخبر لم يأت من طريق صحيح ولكنه وافق دعوة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
- في سنة ثلاث وستين عَزَلَ يزيد بن معاوية والي المدينة الوليد بن عتبة، وهو الشخص المجرب الذي استطاع أن يمسك بزمام الأمور في المدينة التي تتوسط الأحداث المتوترة بين الشام ومكة، وولَّى عثمان بن محمد بن
أبي سفيان
(4)
(5)
، وهو كما ذُكِرَ عنه أنه حَدَثٌ لم يجرب الأمور، ولم يكن له رأي، فاستضعفه أهل المدينة وأخرجوه ومن معه من بني أمية بعد أن خلعوا يزيد
(6)
.
وقد تبين مما سبق أن سبب موقعة الحرة هو خلع يزيد بن معاوية من قبل أهل المدينة، ولكن لم يرد سببٌ واضحٌ لذلك الخلع، وقد استنبطت بعض
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 480.
(2)
عثمان بن عمير، وقيل عثمان بن أبي حميد البجلي، الكوفي الأعمى ضعيف، واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع من السادسة مات في حدود 150 هـ. ابن حجر: التقريب 386.
(3)
التاريخ 237.
(4)
عثمان بن محمد بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، ولي المدينة ليزيد بن معاوية، وأقام الحج سنة ثلاث وستين، ثم هاجت الفتنة في المدينة فأخرجه أهل المدينة ومن معه من بني أمية. ابن عساكر: تاريخ دمشق 40/ 24.
(5)
التاريخ 254.
(6)
الطبري: التاريخ 5/ 482.
الأسباب لذلك، منها:
- موقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من بيعة يزيد بن معاوية، والذي كاد أن يُبَايَع لولا الخلاف الذي حدث بينهما، ومطالبته بعودة الأمر إلى الشورى، مما جعل يزيد يرسل له الرسل لكي يردوه عن رأيه، فلما فشلت تلك الرسل، اضطر لإرسال قوة تنطلق من المدينة لمحاربته
(1)
، ففشلت تلك القوة أيضًا، فعَظُمَ أمر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وأهل المدينة يراقبون تلك الأحداث، ويرون كيف صمد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على موقفه، فلم يكن ذلك صعبًا عندهم أن يفعلوا مثله، وهم يرون رأيه؛ لأن دعواهم واحدة وهي الشورى في الخلافة، فقد روى البلاذري
(2)
عن المدائني أنه قال: (كتب يزيد إلى ابن الزّبير يدعوه إلى بيعته فكتب ابن الزّبير يدعوه إلى الشورى).
- استضعف أهل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، مما أدى بهم إلى طرده وخلع يزيد.
[96]
- (وشيعتهم حتى بلغ ماء، يقال له وبره
(3)
، وهي أقرب مياه الشام إلى الحجاز. فلما ودعهم قال: يا مسلم، لا تردن أهل الشام عن شيء يريدونه بِعَدُوِّهم، واجعل طريقك إلى المدينة، فإن حاربوك فحاربهم، فإن ظفرت بهم، فانهبها ثلاثة أيام، ثم أنشأ يقول
(4)
:
أبلغ أبا بكر إذا الخيل انبرى
…
وسارت الخيل إلى وادي القرى
(1)
راجع نقد الرواية (94).
(2)
الأنساب 5/ 303.
(3)
وبرة: اسم قرية على عين ماء تخرّ من جبل آرة، وهي قرية ذات نخيل من أعراض المدينة. الحموي: معجم البلدان 5/ 359.
(4)
وادي القرى: وهو وادٍ بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى. الحموي: البلدان 5/ 341.
أجمع سكران من الخمر ترى
(1)
وذلك أن ابن الزبير كان يسمى يزيد السكران)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
مختصرًا، وخليفة بن خياط
(4)
مختصرًا، والبلاذري
(5)
والطبري
(6)
مطولًا.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن يزيد وصى مسلم بن عقبة ألا يَرُد أهل الشام عما يريدونه بأهل المدينة، وهذا بمثابة إذن منه له بالفساد والنهب، كما جاء في بعض الروايات التي تذكر أن يزيد أمر مسلم بن عقبة أن ينهب المدينة ثلاثة أيام، وكل هذا لم يرد بشيء صحيح
(7)
.
وقال البرزنجي
(8)
: (إلا أننا لم نجد رواية تاريخية صحيحة تؤكد أن يزيد بن معاوية أمر باستحلال المدينة لثلاثة أيام، أو أن جيش الشام استحل المدينة لثلاثة أيام، ولعل الجيش استحل المدينة لثلاثة أيام كتصرف فردي من قائد الجيش، ولا نستطيع أن نثبت هذا الاستحلال)
(9)
.
(1)
البلاذري: الأنساب 5/ 322.
(2)
الأخبار الطوال 264، 265.
(3)
الطبقات 2/ 64 (تحقيق د. محمد السلمي).
(4)
التاريخ 237.
(5)
الأنساب 5/ 321.
(6)
التاريخ 5/ 482.
(7)
ابن سعد: الطبقات 2/ 64 (ت د. محمد السلمي). بإسناد جمعي قال عنه المحقق ضعيف. وذكرها الطبري 5/ 484، من طريق أبي مخنف، وابن عساكر 24/ 434، وابن كثير في البداية والنهاية 7/ 329، من طريق المدائني ولم يذكر بقية السند.
(8)
لم أقف على ترجمة له.
(9)
صحيح وضعيف تاريخ الطبري 4/ 86.
وأما تمثل يزيد في هذه الأبيات والتي تتضمن ردًّا منه على أبي بكر وهو عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الذي تقول هذه الرواية أنه اتهمه بشرب الخمر، وهذه الأبيات لم ترد بسند صحيح
(1)
، ولو ثبت أن يزيد قال ذلك لثبتت تهمته بشرب الخمر.
ثم إنه ورد ما يخالف ذلك وهي أبيات من الشعر ليزيد خالية من ذكر الخمر، وذلك في ما رواه البلاذري أن يزيد لَمَّا عرض جنده كتب إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه رقعة لطيفة أفرد بها رسولًا، ويقال: إنه لم يكتب ولكنه قال قولًا ظاهرًا:
أجمع رجال الأبطحين فإنني
…
أدعو إليك رجال عكّ وأشعر
ورجال كلب والسكون ولخمها
…
وجذام تقدمها كتائب حمير
كيف النجاء أبا خبيبٍ منهم
…
فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر
(2)
وهناك أمر يجب أن نتطرق له، وهو ما ردة فعل يزيد حينما خلعه أهل
(1)
خليفة بن خياط: التاريخ 237، عن وهب بن جرير عن أبيه ولم يذكر بقية السند، والطبري: التاريخ 5/ 484، جاءت عنده مسندة من طريق أبي مخنف. ابن عسكر: تاريخ دمشق 24/ 479 عن المدائني ولم يذكر بقية السند، وعنده أيضًا 27/ 18 من طريق ابن عفير عن ابن فليح يحيى بن فليح بن سليمان، قال ابن حزم: مجهول. وقال مرة: ليس بالقوي. ابن حجر: لسان الميزان 8/ 471 ..
(2)
أوردها البلاذري 5/ 322، وكان البيت الأول منها:
استعد ربك في السماء فإنني
…
أدعو إليك رجال عك واشعر
وحتى هذا الأبيات لم تسلم من إلصاق التهم، ففي البيت السابق مخالفة عقدية لا تصح عن يزيد، لأن معناه أنت يا أبا خبيب استعد بربك وأنا استعد برجال، وقد ذكر البلاذري رواية أخرى في البيت الأول عن الشاميين وذلك من قول يزيد (أجمع)، وهو المذكور في مطلع القصيدة السابقة، وهو ما اخترته ليكون في مطلعها، لعدم المخالفة؛ ولأنهم أقرب للحدث من غيرهم.
المدينة وطردوا عامله؟ وهل قرر معاقبتهم دونما تعقل، أم حاول احتواء الموقف؟.
الجواب: بعد ما وصل إلى يزيد بن معاوية خلع أهل المدينة لبيعته، حاول رد أهل المدينة لبيعته بالطرق السلمية ومن ذلك:
- بعث إليهم النعمان بن بشير رضي الله عنه، فقد ذكر البلاذري: (وبعث يزيد إلى النعمان بن بشير فقال له: إن عدد الناس بالمدينة الأنصار وهم قومك، فأتهم فأفثأهم
(1)
عما يريدون، فصار النعمان إلى قومه فاستنهاهم من أنفسهم، وحذرهم جنود أهل الشام، ورغبهم في بيعة يزيد)
(2)
.
- قبل شفاعة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فيهم، فقد روى ابن سعد بسنده فقال: (ولما بلغ يزيد بن معاوية وثوب أهل المدينة وإخراجهم عامله وأهل بيته عنها، وجه إليهم مسلم بن عقبة المري، وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، كانت به النوطة
(3)
، فوجهه في جيش كثيف، فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة، وقال: إنما تقتل بهم نفسك، فقال: أجل أقتل بهم نفسي، وأشفي نفسي، ولك عندي واحدة، أمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقًا، فإن هم تركوه، ولم يعرضوا له، ولم ينصبوا الحرب تركهم، ومضى إلى ابن الزبير فقاتله، وإن هم منعوه أن يدخلها ونصبوا له الحرب، بدأ بهم، فناجزهم القتال، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له)
(4)
.
(1)
فثأ: يدل على تسكين شيء يغلي ويفور، يقال فثات القدر: سكنت من غليانها. القزويني: مقاييس اللغة 4/ 475.
(2)
الأنساب 5/ 321. ونحوًا منه الطبري: التاريخ 5/ 481.
(3)
النوطة: وهي الحوصلة وورم في الصدر أو النحر أو غدة في البطن مهلكة. الزبيدي: تاج العروس 20/ 158.
(4)
الطبقات 2/ 64 (ت د. محمد السلمي).
[97]
- (ولما بلغ أهل المدينة وصول الجيش تأهبوا للحرب، فوَلَّتْ قريش عليها عبد الله بن مطيع العدوى، ووَلَّتِ الأنصار عليها عبد الله بن حنظلة الراهب وهو غسيل الملائكة، ثم خرجوا إلى الحرة، فعسكروا بها)
(1)
.
وذكر خليفة بن خياط
(2)
والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
أن على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى المهاجرين معقل بن سنان
(5)
.
وعند ابن سعد
(6)
أن أميرهم كان عبد الله بن حنظلة.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن أمير الأنصار عبد الله بن حنظلة، ثم وصف أباه حنظلة
(7)
رضي الله عنه (بالراهب)، وهذا وهم وغلط منه، فلم يكن له لقب إلا الغسيل؛ لأن الملائكة غسلته يوم أحد، وأما لقب الراهب فيطلق على أبيه واسم أبيه أبي عامر، عمرو بن صيفي
(8)
.
(1)
الأخبار الطوال 2265.
(2)
التاريخ 237.
(3)
الأنساب 5/ 324.
(4)
التاريخ 5/ 487.
(5)
معقل بن سنان الأشجعي، له صحبة ورواية، وهو حامل لواء أشجع يوم الفتح، كان من كبار أهل الحرة فأسر وقتل. الذهبي: السير 2/ 576.
(6)
الطبقات 5/ 66. البلاذري: الأنساب 5/ 320. الطبري: التاريخ 5/ 487.
(7)
حنظلة بن أبي عامر الأوسي الأنصاري، المعروف بغسيل الملائكة، قتل يوم أحد، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله؛ لأنه خرج جُنبًا. ابن حجر: الإصابة 2/ 119.
(8)
وقيل: اسمه عبد عمرو بن صيفي، الأنصاري الأوسي، كان أبا عامر يعرف بالجاهلية بالراهب، ولما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خرج إلى مكة وقاتل مع قريش وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم الفاسق. ابن الأثير: أسد الغابة 2/ 85.
[98]
- (ففي ذلك يقول شاعرهم:
إن في الخندق المكلل بالمجد
…
لضربًا يفور بالسنوات
(1)
لست منا، وليس خالك منا
…
يا مضيع الصلاة للشهوات
(2)
(3)
ذكر نحوًا منها: ابن قتيبة
(4)
، والبلاذري
(5)
.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب هذه الأبيات وقال: إن شاعرهم يقصد أهل المدينة، ويعني بها يزيد بن معاوية، وفيها اتهام ليزيد بترك الصلاة وتتبع الشهوات، ولم أقف على خبر صحيح يفيد أن هذه الأبيات قيلت في يزيد بن معاوية، والطرق التي ذكرت أنها قيلت فيه، إما ضعيفة أو منقطعة
(6)
، أو أنها غير مسندة أصلًا، وهي واحدة من التهم التي ألصقت به، ولا تصح عنه.
وبعد ذلك نريد أن نعرف: هل يستحق يزيد الخلع من قبل أهل المدينة أم لا؟ وهل ما ينسب إليه من المنكرات صحيح؟.
(1)
ذكره نحوه البلاذري: الأنساب 5/ 324.
(2)
اختلف في من قال هذه البيت، فذكر ابن قتيبة في المعارف 246، والبلاذري في الأنساب 10/ 473 أنها لمحمد بن عبد الله بن سعيد من ولد سعيد بن زيد رضي الله عنه، وذكر البلاذري في الأنساب 2/ 56
أنه لموسى شهوات، وأما الذهبي في تاريخ الإسلام 5/ 272 فذكر أنه لعبد الرحمن بن سعيد بن زيد.
(3)
الأخبار الطوال 265.
(4)
المعارف 246.
(5)
الأنساب 5/ 325 من طريق المدائني ولم يذكر بقية السند، أنه سمع من يذكر أن أهل المدينة كتبوا بهذه الأبيات إلى يزيد، وهي عنده أربعة أبيات.
(6)
ذكرها البلاذري في الأنساب 2/ 56 من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف، أن هذه الأبيات لموسى وقد قالها في يزيد. وفي 10/ 473، من طريق أبو اليقظان عثمان بن عمير الكوفي، وهو ضعيف، والذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 273 من طريق الزبير بن بكار عن مصعب بن عبد الله عن أبيه، و محمد بن الضحاك، ولم يذكر بقية السند.
والجواب على ذلك أقول: إن خير شاهد على عدم تصويب أهل المدينة في خلعهم ليزيد هو ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه الذي دافع عن بيعة يزيد وحذر من خلعه ومن ذلك:
ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيعٍ حين كان من أمر الحرّة ما كان، زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرّحمن وسادةً، فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثًا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله:«من خلع يدًا من طاعةٍ، لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ، مات ميتةً جاهليّةً»
(1)
.
وما أخرجه البخاري عن نافع أيضًا أنه قال: (لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر، حشمه وولده، فقال: إنّي سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «ينصب لكلّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة» وإنّا قد بايعنا هذا الرّجل على بيع اللّه ورسوله، وإنّي لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع اللّه ورسوله ثمّ ينصب له القتال، وإنّي لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلّا كانت الفيصل بيني وبينه)
(2)
.
رأينا في هذين الخبرين الصحيحين كيف أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقف وقفة حازمة للدفاع عن بيعة يزيد، وأنه نهى من حوله عن ذلك، وذكَّرَهم بالوعيد المترتب على خلع البيعة دونما سبب يذكر ولو كان هنا سبب لجادله به عبد الله بن مطيع رضي الله عنه ولكن لا شيء يذكر أنها الفتنة.
أما ما ينسب إلى يزيد بن معاوية من المنكرات والتي جعلت سببًا لخلعه، فقد قمت بحصر ما استطعت من النصوص لأعرف أصول الخبر
(1)
الصحيح 3/ 1478.
(2)
الصحيح 9/ 57.
وطرقه، فمن هذه النصوص التي أوردت هذا الخبر ما يلي:
- روى الأزرقي بسنده عن ابن جريجٍ
(1)
، قال: سمعت غير واحدٍ من
أهل العلم ممّن حضر ابن الزّبير حين هدم الكعبة وبناها قالوا: لمّا أبطأ عبد الله بن الزّبير عن بيعة يزيد بن معاوية، وتخلّف وخشي منهم، لحق بمكّة ليمتنع بالحرم، وجمع مواليه، وجعل يظهر عيب يزيد بن معاوية ويشتمه، ويذكر شربه الخمر وغير ذلك، ويثبّط النّاس عنه، ويجتمع النّاس إليه، فيقوم فيهم بين الأيّام فيذكر مساوئ بني أميّة، فيطنب في ذلك، فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فأقسم ألَّا يؤتى به إلّا مغلولًا)
(2)
، وفي قوله عن غير واحد من أهل العلم: فيه مجاهيل.
- عن الهيثم بن عدي
(3)
، عن ابن عياش
(4)
وعوانة
(5)
، وعن هشام بن الكلبي، عن أبيه
(6)
وأبي مخنف وغيرهما، قالوا: (كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتخاذ القيان والغلمان والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة ثم جرى على يده قتل الحسين وقتل أهل الحرة ورمي البيت وإحراقه، وكان مع هذا صحيح
(1)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، من السادسة، مات سنة 150 هـ أو بعدها وقد جاز السبعين وقيل: جاز المائة، ولم يثبت. ابن حجر: التقريب 363.
(2)
أخبار مكة 1/ 201.
(3)
ضعيف سبقت ترجمته.
(4)
عبد الله بن عياش الهمداني، كان راوية للأخبار والأدب، ويقع في أخباره المناكير، ابن حجر: لسان الميزان، ت: أبو غدة 4/ 537.
(5)
ضعيف سبقت ترجمته.
(6)
وهما ضعيفان سبقت ترجمتهما.
العقدة فيما يرى، ماضي العزيمة لا يهم بشيء إلا ركبه)
(1)
، وبهذا السند الجمعي لا يصح هذا الخبر؛ لأن كل ما فيه من الرجال ضعاف.
- عن ابن عياش قال: (خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران)
(2)
، وابن عياش يقع في أخباره المناكير.
- قال عوانة: (كان مسور بن مخرمة وفد إلى يزيد قبل ولاية عثمان بن محمد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورًا الحدّ)
(3)
.
- روى الهيثم بن عدي عن عوانة قال: أتى محمد بن أبي الجهم
(4)
، فقال له: أبايعك على كتاب اللّه وسنة نبيه، فأمر فضربت عنقه، وقال: حباك أمير المؤمنين وأعطاك ثم تشهد عليه بشرب الخمر؟! واللّه لا تشهد بعدها بشهادة زور أبدًا
…
)
(5)
، وسند هذا الخبر ضعيف.
- روى الطبري
(6)
عن أبي مخنف، وفيه حديث وفد المدينة عند عودتهم من يزيد، حيث قالوا:(إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس).
(1)
البلاذري: الأنساب 5/ 286.
(2)
المصدر السابق 5/ 287.
(3)
المصدر السابق 5/ 320.
(4)
محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، أمه خولة بنت القعقاع التميمية، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن سعد من الطبقة الأولى من أهل المدينة، وهو أحد الرءوس يوم الحرة، قتله مسلم بن عقبة فيها سنة ثلاث وستين. ابن سعد 5/ 171، ابن حجر: الإصابة 6/ 195.
(5)
البلاذري: الأنساب 5/ 329، وأخرجه ابن عساكر 54/ 180 من نفس الطريق وزاد عن عوانة وعكرمة بن خالد، وعكرمة بن خالد بن سلمة المخزومي، ضعيف. ابن حجر: التقريب 396.
(6)
التاريخ 5/ 479.
وما ذكره أبي مخنف أيضًا عن المنذر بن الزبير أنه قال عن يزيد: (إن يزيد واللّه لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إليَّ أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، واللّه إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتّى يدع الصّلاة، وعابه بمثل ما عابه به أصحابه الّذين كانوا معه وأشد، فكان سعيد بن عمرو يحدث بالكوفة أن يزيد بن معاوية بلغه قوله فيه فقال: اللّهمّ إني آثرته وأكرمته، ففعل ما قد رأيت، فاذكره بالكذب والقطيعة)
(1)
، وأبي مخنف ضعيف.
- وأخرج البيهقي
(2)
بسنده عن ابن فليحٍ: (أنّ أبا عمرو بن حفص بن المغيرة
(3)
وفد على يزيد فأكرمه وأحسن جائزته، فلمّا قدم المدينة قام إلى جنب المنبر- وكان مُرْضيًّا صالحًا- فقال: ألم أحبّ أن أكرم، والله لرأيت يزيد بن معاوية يترك الصّلاة سكرًا فأجمع النّاس على خلعانه بالمدينة فخلعوه)، وابن فليح قال عنه ابن حجر: ليس بالقوي، وقال مرة: مجهول
(4)
.
وذكر الطبري
(5)
رواية نحوًا منها عن أبي مخنف، أن أمير المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، بعث وفدًا إلى يزيد فيهم عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة
(6)
، فلما رجعوا إلى المدينة، سبُّوه، وذكروا شربه للخمر.
(1)
البلاذري: الأنساب 5/ 320، الطبري: التاريخ 5/ 480.
(2)
دلائل النبوة 6/ 474. وابن عساكر: تاريخ دمشق 27/ 18، من طريق يعقوب بن سفيان الفسوي.
(3)
أبا عمرو بن حفص بن المغيرة، قيل: إن اسمه أحمد، وقيل عبد الحميد خرج مع علي رضي الله عنه إلى اليمن حينما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم عليها فمات هناك، وقيل: عاش إلى خلافة عمر. ابن حجر: الإصابة 12/ 464.
(4)
يحيى بن فليح بن سليمان. ابن حجر: لسان الميزان 8/ 471.
(5)
التاريخ 5/ 480.
(6)
عبد الله بن أحمد بن حفص بن المغيرة المخزومي، خرج مع أبيه بصحبة عمر رضي الله عنه إلى الشام، وذكره خليفة بن خياط فيمن خلع يزيد، ثم ذكره في قتلى الحرة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 27/ 17.
- ذكر خليفة بن خياط
(1)
عن أبي اليقظان
(2)
وهو ضعيف، خبر وفادة عبدالله بن أبي عمرو على يزيد بن معاوية ومعه محمد بن عمرو بن حزم
(3)
، وأنهم لما رجعوا خلعوا يزيد وأظهروا شتمه والبراءة منه، ولم يأتي فيه ذكر للخمر، ولعله حذف لبشاعته.
- روى ابن سعد من طريق محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف: (كان معقل بن سنانٍ قد صحب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وحمل لواء قومه يوم الفتح، وكان شابًّا ظريفًا، وبقي بعد ذلك، فبعثه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان على المدينة ببيعة يزيد بن معاوية، فقدم الشّام في وفدٍ من أهل المدينة، فاجتمع معقل بن سنانٍ ومسلم بن عقبة الّذي يعرف بمسرفٍ، قال: فقال معقل بن سنانٍ لمسرفٍ وقد كان آنسه وحادثه إلى أن ذكر معقل بن سنانٍ يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقال: إنّي خرجت كرهًا ببيعة هذا الرّجل، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه، رجلٌ يشرب الخمر وينكح الحرم، ثمّ نال منه، فلم يترك)
(4)
.
- وروى الواقديّ بسنده: لمّا وثب أهل الحرّة، وأخرجوا بني أميّة عن المدينة، واجتمعوا على عبد الله بن حنظلة، وبايعهم على الموت قال: يا قوم اتّقوا الله، فو الله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرْمَى بالحجارة من السّماء،
(1)
التاريخ 236.
(2)
سبقت ترجمته.
(3)
محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولد في السنة العاشرة من الهجرة، في نجران وكان أبوه عاملًا عليها، ليس له صحبة ولا رواية، كان على الخزرج يوم الحرة وقتل فيها. ابن حجر: الإصابة 6/ 200.
(4)
الطبقات 4/ 283، وجاءت هذه الرواية من طريق الواقدي عند أبي العرب في المحن 182، والحاكم في المستدرك 3/ 599، والذهبي في تاريخ الإسلام. تدمري 5/ 252، وابن عساكر في تاريخ دمشق 93/ 363.
إنّه رجلٌ ينكح أمّهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخلّ ويدع الصّلاة)
(1)
، والواقدي ضعيف.
- وروى ابن عساكر بسند فيه محمد بن زكريا الغلابي
(2)
(كان يزيد بن معاوية في حداثته صاحب شراب يأخذ مآخذ الأحداث، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق فقال: يا بني، ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك، ثم قال يا بني، إني منشدك أبياتًا فتأدب بها واحفظها فأنشده:
انصب نهارًا في طلاب العلا
…
واصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجى
…
واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهي)
(3)
.
ذكره ابن الجوزي
(4)
في الموضوعات وقال: (ذكر معاوية في هذا الحديث إنّما هو من قصده بالشّين وذلك من الغلابيّ فإنّه كان غاليًا في التّشيّع).
- وروى ابن عساكر بسنده عن عمر بن شبة
(5)
قال: (لما حج الناس في خلافة معاوية جلس يزيد بالمدينة على شراب فاستأذن عليه ابن عباس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرُفِع)
(6)
.
(1)
الذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 27.
(2)
محمد بن زكريا الغلابي، البصري الأخباري، ضعيف. ابن حجر: لسان الميزان 7/ 139. الذهبي: المغني في الضعفاء 2/ 851.
(3)
ابن عساكر: تاريخ دمشق 65/ 403، ابن الجوزي: الموضوعات 3/ 278. ابن كثير: البداية والنهاية 8/ 250.
(4)
الموضوعات 3/ 278.
(5)
عمر بن شبة صدوق، سبقت ترجمته.
(6)
ابن عساكر: تاريخ مشق 65/ 306.
وهذه الرواية علق عليها ابن عساكر فقال: (هذه الحكاية منقطعة عمر بن شبة بينه وبين يزيد زمان)
(1)
.
- أما المدائني فقد روى أخبارًا عن اتهام يزيد بشرب الخمر، وهو ليس بالقوي وقل ما له من الروايات المسندة
(2)
.
ومن رواياته:
- ذكر ابن الجوزي رواية عن المدائني
(3)
عن أشياخه، وفيها أن عبد الله بن عمرو بن حفص خلع يزيد بن معاوية مع أهل المدينة وقال:(قد خلعتُ يزيد كما خلعت عمامتي- ونزعها عن رأسه- وإني لا أقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سِكِّير)
(4)
.
وقوله عن أشياخه: فيه مجاهيل.
وما رواه خليفة بن خياط
(5)
، عن المدائني عن بقية بن عبد الرحمن عن أبيه
(6)
، أن يزيد بعث إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ليبايعه (فقال ابن الزبير: أتأمراني ببيعة رجل يشرب الخمر ويدع الصّلاة ويتبع الصّيد).
- وعن المدائنيّ قال: كان يزيد ينادم على الشراب سرجون مولى معاوية
(7)
.
(1)
ابن عساكر: تاريخ دمشق 65/ 306.
(2)
راجع ترجمته، وقد اتهمه الجاحظ في كتابه البغال ص 28 بوضع الأخبار والتشيع، قلت: والمتتبع لرواياته يجد ذلك بوضوح.
(3)
لم يوثق سبق ترجمته.
(4)
المنتظم 6/ 12.
(5)
التاريخ 252.
(6)
لم أقف على ترجمة لبقية بن عبد الرحمن ولا لأبيه وهذا السند انفرد به المدائني.
(7)
البلاذري: أنساب 5/ 288.
- وقد ذكر الذهبي حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم
(1)
كما سبق، والذي فيه نهيُّ ابن عمر رضي الله عنه عن خلع يزيد، وقال:(وزاد فيه المدائنيّ، عن صخرٍ، عن نافعٍ: فمشى عبد الله بن مطيعٍ وأصحابه إلى محمّد ابن الحنفيّة، فأرادوه على خلع يزيد، فأبى، وقال ابن مطيعٍ: إنّ يزيد يشرب الخمر، ويترك الصّلاة، ويتعدّى حكم الكتاب، قال: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد أقمت عنده، فرأيته مواظبًا للصّلاة، متحريًّا للخير، يسأل عن الفقه، قال: كان ذلك منه تصنّعًا لك ورياءً)
(2)
.
نلاحظ مما سبق قول الذهبي: (وزاد فيه المدائني) وهذه الزيادة التي جاء بها المدائني قد انفرد بها وهو غير موثوق ولم أقف على رواية للمدائني عن صخر إلا هذه، ولم أجد هذه الزيادة في جميع المصادر المتقدمة التي وقفت عليها، فيُحْتَملُ أنها أضيفت إلى كتب المدائني؛ لأنها تعارض روايات المدائني السابقة التي جاءت باتهام يزيد بن معاوية بشرب الخمر.
- بعد عرض النصوص السابقة التي ورد فيها مجموعة من التهم الموجهة إلى يزيد بن معاوية، والتي منها تركه للصلاة، وشربه للخمر، تبين أنها لم ترد بسند صحيح، فهي باطلة، ولم يصح عن يزيد شيء منها، ولم تكن هذه التهم سببًا لخلع أهل المدينة ليزيد، ولا سببًا لعدم بيعة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه له، وإنما جاءت متأخرة من فعل الرواة.
وهنا أمر يجب التنبه له، وهو أن معظم الروايات الواردة عن رجالات الحرة تُذْكَرُ أنهم زاروا الشام ثم رجعوا يشهدون على يزيد بشرب الخمر وترك الصلاة، وكأنهم شاهدوا شيئًا لا يعجبهم في يزيد، ثم رجعوا يشهدون بذلك
(1)
الصحيح 3/ 1478.
(2)
تاريخ الإسلام 5/ 274، وابن كثير: البداية والنهاية 8/ 255.
عليه، وهي روايات ضعيفة ذكرت أسماء معينة، نجد أنها اجتمعت في رءوس الحرة، وكأنهم لم يخلعوا يزيد إلا لأشياء شاهدوها أثناء زياراتهم للشام، فهم الوحيدون الذين رأوا ذلك وحكوه لغيرهم من أهل المدينة.
وهذا يجعلني أشكُ في وضع هذه الروايات بعد الحرة بزمن بعيد، وذلك بعد أن حُصِرتْ أسماء القائمين على أمر الحرة، ثم نُسِبَتْ إليهم زيارة الشام والرجوع بهذا الخبر المشين بيزيد لأهل المدينة.
وأضيف على ذلك أن في الشام رجالًا ثقات عدول من الصحابة، مقيمين حول يزيد من أمثال النعمان بن بشير رضي الله عنه وعبد الله بن جعفر رضي الله عنه وغيرهم، هل خفي عليهم أمر يزيد وظهر لغيرهم ممن زار الشام ورجع؟
وقد رد هذه التهمة ابن العربي فقال: (فإن قيل: كان يزيد خمارًا، قلنا: لا يحل إلا بشاهدين)
(1)
.
ولا يَحْسَبُ مَنْ يطلع على ما سبق أن هذا دفاعًا عن يزيد لوحده، وإنما هو دفاع قبل ذلك عمن بايعه من الصحابة رضوان الله عليهم وعن معاوية رضي الله عنه الذي ولاه عليهم وعن مقام الخلافة في ذلك القرن المفضل، فالقادح في دين يزيد يقدح بما سبق كله، وكل ما وصل إلينا عنه وعن غيره من أعلام الأمة في القرون المفضلة كان سببه الرواة الكذابين، الذين جعلوا همهم تشويه رموز هذه الأمة، وهذه التهمة غيض من فيض وقطرة من بحر مما أصاب تاريخ الأمويين بعد زوال ملكهم.
* * *
(1)
ابن العربي: العواصم من القواصم ص 227.
رابعًا: معركة الحرة
* وصول جيش الشام إلى المدينة:
[99]
- (ووافاهم الجيش، فقاتلوهم حتى كثرت القتلى)
(1)
.
- ذكر خليفة بن خياط
(2)
عدد القتلى من قريش والأنصار، فقال:(فجميع من أصيب من الأنصار مائة رجل وثلاثة وسبعون رجلًا، وجميع من أصيب من قريش والأنصار ثلاثمائة رجل وستّة).
- وذكر يعقوب بن سفيان
(3)
بسنده عن الإمام مالك: (وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، وقُتِلَ يومئذ من حملة القرآن سبعمائة نفس).
- وذكر أبو العرب
(4)
بسند فيه الواقدي: (أن الزهري سئل: كم بلغ القتل يوم الحرّة؟ قال أمّا من قريشٍ والأنصار ومهاجرة العرب ووجوه النّاس فسبعمائة وسائر ذلك عشرة آلافٍ وأصيب بها نساءٌ وصبيانٌ بالقتل).
وهذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها الواقدي، وأما متنها فهو منكر؛ لأن فيها ذكر لقتل الصبيان والنساء، وهذا الفعل لم يحدث أن المسلمين فعلوه مع المشركين، فكيف يفعلونه مع المسلمين.
وفيها مبالغة وذلك في عدد القتلى، ونرد على هذه المبالغة وغيرها بقول ابن تيمية عن قتل الحرة:(لكن لم يُقْتَلْ جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلافٍ، ولا وصلت الدّماء إلى قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا إلى الرّوضة، ولا كان القتل في المسجد).
(1)
الأخبار الطوال 265.
(2)
التاريخ 250.
(3)
التاريخ 3/ 325.
(4)
المحن 184.
نلاحظ مما سبق من الروايات التي حددت قتلى الحرة أن بينها تباينًا واضحًا فقد ارتفع العدد في الرواية الثانية عن الأولى إلى الضعف ثم إلى أضعاف كثيرة في الرواية الثالثة، ونجد في رواية خليفة بن خياط العدد الذي يتوافق مع المشاركين في الحرة، فلم يذكر أن أهل المدينة كلهم شاركوا في الحرة، ولا أنهم استعانوا بأحد من غيرهم، وهذا العدد ليس بالقليل إذا تمت مقارنته بأهل المدينة وحدهم، فبحرمة دماء المسلمين فيما بينهم عامة، ودماء الصحابة وأبنائهم خاصة، وحرمة المكان، تكون هذه الدماء قد أُسْرِفَ فيها وانتُهِكَتْ حرمتها، وهو الإسراف الذي حصل مع النهب.
* دخول جيش الشام إلى المدينة:
[100]
- (وأقبلتْ طائفة من أهل الشام، فدخلوا المدينة من قبل بني حارثة، وهم الذين قالوا:{إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}
(1)
، فلم يشعر القوم، وهم يقاتلون مَنْ يليهم، إلا وأهل الشام يضربونهم من أدبارهم، فقُتِلَ عبد الله بن حنظلة أمير الأنصار، وقُتِلَ عمرو بن حزم الأنصاري
(2)
قاضي المدينة
(3)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط والطبري
(5)
والبلاذري
(6)
.
(1)
سورة الأحزاب آية 13.
(2)
عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على نجران، مات بعد الخمسين. ابن حجر: الإصابة 4/ 511. وقد وهم صاحب الكتاب بأنه قتل يوم الحرة، والذي ورد اسمه في يوم الحرة هو ابنه محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري وقد سبقت ترجمته.
(3)
أما قاضي المدينة فهو ابنه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، استقضاه عثمان بن حيان المري، والي المدينة في عهد الوليد بن عبد الملك. أبو بكر الملقب بوكيع: أخبار القضاة 1/ 141.
(4)
الأخبار الطوال 265.
(5)
خليفة بن خياط: التاريخ 238. الطبري: التاريخ 5/ 495. من طريق جويرية بن أسماء عن أشياخه من أهل المدينة، وهذا فيه مجاهيل.
(6)
الأنساب 5/ 327. أبو العرب: المحن 176.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن جيش الشام دخل المدينة من قبل بني الحارثة.
ومما يؤيد هذا القول، ما ذُكِرَ عن مسلم بن عقبة أنه لما قدم المدينة أكمن كمينًا مما يلي منازل بني الحارثة، فلما التَحَمَ جيش أهل المدينة بجيش الشام صبر لهم أهل المدينة وقاتلوا أشد قتال، فلم يشعروا إلا بالكمين يضرب أدبارهم فانهزموا
(1)
.
أما قول صاحب الكتاب: إن الذين قالوا: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}
(2)
، هم بنو الحارثة، فهذا لا يصح على العموم؛ لأن تفسير الآية: أن من قال هذا المنافقون منهم، ولا يشمل كل بني الحارثة من الأنصار.
(3)
.
وتفسيرها: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} من بني حارثة بن الحرث لأصحابهم فى الخندق {يَاأَهْلَ يَثْرِبَ} يعنون يا أهل المدينة {لَا مُقَامَ لَكُمْ} لا مكان لكم في الخندق عند القتال {فَارْجِعُوا} إلى المدينة {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ} من منافقي بني حارثة {النَّبِيَّ} صلى الله عليه وسلم بالرّجوع إلى المدينة و {يَقُولُونَ} ائذن لنا يا نبي الله بالرّجوع إلى المدينة {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} خالية من الرّجال نخاف عليها سرق السراق {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} بخالية {إِنْ يُرِيدُونَ} ما يريدون
(1)
البلاذري: الأنساب 5/ 328، من طريق الواقدي.
(2)
سورة الأحزاب آية 13.
(3)
سورة الأحزاب الآيتان 13، 14.
بذلك {إِلَّا فِرَارًا} من القتل
(1)
.
[101]
- (واستباح أهل الشام المدينة ثلاثة أيام بلياليها)
(2)
.
ذكر البلاذري: (ثم أنهب الناس المدينة ثلاثة أيام)، (وأباح مسلم المدينة ثلاثة أيام يقتلون ويأخذون المتاع ويعبثون بالإماء ويفعلون ما لا يحبه الله)
(3)
، أما الطبري فقد روى عن أبو مخنف قوله:(وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناس ويأخذون الأموال)
(4)
.
• نقد النص:
ذكر استباحة المدينة من قبل جيش الشام ثلاثة أيام.
قد بالغ المؤرخون في حجم هذه الاستباحة، بينما جاءت آثار صحيحة بينت ذلك، وحصرته في الإسراف في القتل والنهب ومنها:
ما أخرجه البخاري عن: جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال:(بِعْتُ من النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعيرًا في سفرٍ، فلمّا أتينا المدينة قال: «ائت المسجد فصلّ ركعتين» فوزن - قال شعبة: أراه فوزن لي - فأرجح، فما زال معي منها شيءٌ حتّى أصابها أهل الشّأم يوم الحرّة)
(5)
.
فهذا يثبت وقوع النهب من قبل جيش الشام.
وسُئل الإمام أحمد عن يزيد بن معاوية قال: (هو فعل بالمدينة ما فعل؟ قلت: وما فعل؟ قال: قتل بالمدينة من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وفعل، قلت: وما فعل؟ قال: نهبها، قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه الحديث، ولا
(1)
الفيروزآبادي: تنوير المقباس 1/ 351.
(2)
الأخبار الطوال 265.
(3)
الأنساب 5/ 327 غير مسندة.
(4)
التاريخ 5/ 491.
(5)
الصحيح 3/ 161.
ينبغي لأحدٍ أن يكتب عنه حديثًا)
(1)
.
حددتْ هاتان الروايتان الأعمال التي قام بها جيش يزيد في الشام، وهي القتل، والنهب، ولا شيء أكثر وأعظم من هذا في ذلك القرن، فهو القرن المفضل الأول، وينبغي ألا يصدق ما يرد من الروايات التي تجاوزت الحد في وصف ما جرى بالإباحة التي لو صح أنها حصلت لكانت إساءة لجميع المسلمين على مر عصورهم، لكن لا يشك في صدورها من الأعداء أنفسهم ليجروا بذلك الخزي والعار على المسلمين، ولكن الله حفظ هذه الأمة بالسند، ليقف حدًّا لعبث الرواة الكذابين ودسائسهم الخبيثة، والوصف الذي ينبغي أن توصف به هذه الحادثة هو (الإسراف)؛ لأن السلف سموا مسلم بن عقبة (مسرفًا)، أما الإباحة فهي تعني إباحة كل ما حرم الله مثل الأعراض وقتل النساء والصبيان، وهذا الوصف تروج له الروايات الضعيفة.
- أما مزاعم بعض الروايات التي تكلمت عن استباحة الأعراض، فهذا لا يصح ولم يثبت منه شيء.
قال السلمي: (غير أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن هذه الحادثة قد بولغ في، وصفها وفي عدد القتلى الذين قتلوا فيها، وأن جنود الجيش وقعوا على النساء، وافتضوا الأبكار، فولدت بعد الحرة ألف امرأة من غير زوج، وأُجهز على الجرحى، وقتل المدبر، وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالت وراثت بين القبر والمنبر، وانقطعت الصلاة في المسجد أربعين يومًا، وخلت المدينة من أهلها، وتركت الثمار للعوافي، إلى غير ذلك فهذا أمر لا يحتمل وقوعه، ولا تقبله طبيعة المجتمع، ولا سنن العادة، لا سيما مع قرب العهد بالرسالة، ولم
(1)
أبو بكر الخلال: السُّنّة 3/ 520.
ينقل أن مثل هذا الفعل من انتهاك الأعراض، والإسراف في القتل، وقع مع الكفار، فكيف يتصور وقوعه مع المسلمين، وفي دار النبوة والهجرة؟! والحادثة لا شك أنها كبيرة ومؤسفة وخطأ جسيم، ولذلك أجمع السلف على تسمية مسلم بن عقبة مسرفًا، ولكن هذا لا يجعلنا ننفي أصل الحادثة وهو إباحة المدينة بعد توارد الأدلة على ثبوتها، كما فعل بعض المستشرقين والباحثين المعاصرين الذين جهلوا السلف الماضين، ونسبوهم إلى ضعف التحقيق العلمي، مع أنهم هم لم يبنوا حكمهم هذا على التتبع والاستقراء ودراسة كافة النصوص الواردة في الموضوع، وإلا لتبين لهم الحق والواقع)
(1)
.
وقال الشيباني، بعد أن فند الروايات وما فيها من مزاعم ثم عرض الأدلة والقرائن:(وبهذه الأدلة والقرائن التي ذكرناها يُتأكد لنا أن انتهاك أعراض نساء المدينة لا أساس له من الصحة، وأنها روايات جاءت متأخرة، وبدافع حزبي بغيض، يتخذ من كره وتشويه التاريخ الأموي دافعًا له)
(2)
.
* محاسبة مسلم لرءوس الحرة:
[102]
- (فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة، فدعاهم إلى البيعة، فكان أول من أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود
(3)
، وجدته أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له مسلم: بايعني.
قال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فقال مسلم: بل بايع على أنكم فيء لأمير المؤمنين، يفعل في أموالكم
(1)
ابن سعد: الطبقات 2/ 65 (ت د. محمد السلمي).
(2)
مواقف المعارضة 559.
(3)
يزيد بن عبد الله بن زمعة بدل (ربيعة) بن الأسود بن عبد المطلب، وأمه زينب بنت أبي سلمة، قتله مسلم بن عقبة يوم الحرة. ابن سعد: الطبقات 1/ 103 (ت زياد منصور).
وذراريكم ما يشاء. فأبى أن يبايع على ذلك، فأمر به، فضربت عنقه.
ثم تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، فقال له مسلم: أنت الذي وفدت على أمير المؤمنين، فأكرمك وحباك، فرجعت إلى المدينة تشهد عليه بشرب الخمر، والله لا تشهد بشهادة زور أبدًا، اضربوا عنقه. فضربت عنقه، ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي، وكان حليفًا لبني هاشم، فقال له مسلم: أتذكر يومًا مررت بي بطبرية
(1)
، فقلت لك، من أين أقبلت؟ فقلت، سرنا شهرًا، وأنضينا ظهرًا، ورجعنا صفرًا، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاوية، ونبايع رجلًا من أولاد المهاجرين؟.
فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا قتلتك، وقد أمكنني الله منك يا أحمق، ما أشجع والخلافة؟! فتعزل وتولى، اضربوا عنقه)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
، والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية محاسبة مسلم بن عقبة قائد جيش الشام لقادة جيش أهل المدينة في وقعة الحرة، والملاحظ عليها ذكر أفعالهم قبل المعركة ومنها
(1)
طبرية: بحيرة تقع على بعد ثلاث وأربعين كيلًا من البحر المتوسط، وبجوارها مدينة، وإليها ينسب الطبراني. محمد شراب: المعالم الأثير 170.
(2)
الأخبار الطوال 265، 266.
(3)
ابن سعد: الطبقات 104 (زياد محمد منصور) جاء خبر يزيد بن زمعة مع مسلم، وفي الطبقات 4/ 282، قصة معقل بن سنان مع مسلم، وفي 5/ 171 خبر محمد بن أبي الجهم كلها من طريق الواقدي وهو ضعيف.
(4)
الأنساب 5/ 328. ذكر قصة محمد بن أبي الجهم من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
(5)
التاريخ 5/ 492. من طريق هشام بن محمد، وهو ضعيف.
شهادة بعضهم على يزيد بأنه يشرب الخمر، ثم تخييرهم بالبيعة ليزيد على أنهم فيء وفي بعض الروايات أنكم خول ليزيد يحكم في أموالهم وذراريهم ما يشاء، وهذا لا يمكن تصديقه، ومن يقبل بهذا منهم، وهو مما لاشك فيه أنه زيادة من فعل الرواة، ولم أقف على من أورد ذلك بسند يمكن الاعتماد عليه.
ولذا أقول: إن مسلم قتل هؤلاء؛ لأنهم رءوس الحرة وقادة الجيش بها، وأن هذه المبايعة التي وردت عنه لن يقبلها جميع من بقي من أهل المدينة، فلماذا خير هؤلاء فقط وترك غيرهم هل ما بقي من أهل المدينة إلا هم؟! أم هل جميع أهل المدينة رضوا بهذا وبايعوا لقوله فلذلك نجوا من القتل؟!.
وما يؤيد ذلك ما ذكره خليفة بن خياط فقال: (وقُتِلَ معقل بن سنان الأشجعيّ صبرًا ومحمّد بن أبي حذيفة العدوي صبرًا، ومحمّد بن أبي الجهم ابن حذيفة صبرًا)
(1)
، (وقُتِلَ يزيد بن عبد الله بن زمعة صبرًا)
(2)
.
وذكر ابن سعد في ترجمته فقال: (محمّد بن أبي جهمٍ أحد الرّءوس يوم الحرّة، وقُتِلَ يومئذٍ في ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وستّين)
(3)
.
وهذا يدل على أنه من نجا من رءوس الحرة قُتِلَ صبرًا بعد المعركة.
[103]
- (ثم تقدم عمرو بن عثمان
(4)
، فقال له: أنت الخبيث ابن الطيب، الذي إذا ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن عثمان بن عفان، وإذا ظهر أهل
(1)
التاريخ 250.
(2)
المصدر السابق 241.
(3)
الطبقات 5/ 171.
(4)
عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، من كبار التابعين، وهو مدني، ثقة، وقد عده ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وفد على معاوية فأغزاه أرض الروم ففتح أنقرة، وقد تزوج رملة بنت معاوية بن أبي سفيان، توفي قريب الثمانين. ابن عساكر: تاريخ دمشق 46/ 285. تاريخ الإسلام 5/ 496.
الحجاز قلت أنا واحد منكم، وأنت في ذلك تبغي أمير المؤمنين الغوائل، انتُفُوه، فنُتِفَتْ لحيته، حتى ما تركت فيها شعرة.
فقام إليه عبد الملك بن مروان، فاستوهبه، فوهبه له)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
، والبلاذري
(3)
.
• نقد النص:
تحدثت هذه الرواية عن عمرو بن عثمان بن عفان، وموقف مسلم بن عقبة معه، وأنه سبه، وأمر بنتف لحيته.
ولم أقف على من أوردها بسند صحيح، وأما متنها فهو منكر، ولا يصح عن ذلك القرن هذه الأعمال القبيحة.
ثم إنه ورد عند البلاذري موقفًا لعمرو بن عثمان غير ما ذكرته هذه الرواية وهو: (ولقيت بنو أميّة مسلم بن عقبة بوادي القرى فسلموا عليه، فدعا عمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فسأله عن الخبر فلم يخبره بشيء ليمينه التي حلفها لأهل المدينة، فقال: لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، واللّه لا أقلتها قرشيًّا بعدك)
(4)
.
وهذا الخبر أحسن من الذي قبله وهو متناسق مع أحداث الحرة؛ لأن أهل المدينة أخرجوا بني أمية بعد خلعهم يزيد؛ ولذلك التقوا بمسلم في طريقه إلى المدينة بوادي القرى.
وأمر آخر هو أن عمرو بن عثمان ابن عم ليزيد بن معاوية، فكلاهما من
(1)
الأخبار الطوال 266.
(2)
التاريخ 5/ 494. من طريق هشام بن محمد الكلبي، وهو ضعيف.
(3)
الأنساب 5/ 329. من طريق الهيثم بن عدي، وهو ضعيف.
(4)
البلاذري: الأنساب 5/ 323. وذكر الطبري: التاريخ 5/ 485.
بني أمية، وقد تزوج برملة بنت معاوية أخت يزيد
(1)
، فكيف يصدق أن مسلم يفعل به هذا وهو يعلم صلة قرابته من يزيد؟
* خبر مسلم بن عقبة مع علي بن الحسين:
[104]
- (ثم أتاه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فأجلسه معه على ثيابه وفراشه، وقال: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك. فقال علي: إني كنت لما فعل أهل المدينة كارهًا. قال: أجل. ثم حمله على بغلة، وصرفه إلى منزله)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(3)
، وذكر البلاذري
(4)
في خبر الحرة أن علي بن الحسين قد اعتزل بضيعة له قرب المدينة كراهية أن يشهد شيئًا من أمرهم.
[105]
- (وبعث إلى علي بن عبد الله بن عباس
(5)
ليؤتى به للبيعة، فأُخرج من منزله، فأقبلوا به، فلقيه الحصين بن نمير، فانتزعه من يد الجلاوزة. وكان الحصين من أخوال علي بن عبد الله. فقال مسلم: إني إنما بعثت إليه للبيعة، فائتني به. فأرسل إليه الحصين، فجاء حتى بايع)
(6)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(7)
.
(1)
ابن سعد: الطبقات 5/ 150.
(2)
الأخبار الطوال 266.
(3)
الطبري: التاريخ 5/ 493.
(4)
الأنساب 5/ 323. و ذكر ذلك ابن كثير في البداية 8/ 238.
(5)
علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ولد في العام الذي قتل فيه علي بن أبي طالب فسمي باسمه، لقب بالسَّجَّاد لكثرة صلاته، وهو جد الخلفاء، توفي سنة 118 هـ، وعمره 78 سنة. الذهبي: السير 5/ 285.
(6)
الأخبار الطوال 267.
(7)
الأنساب 5/ 329. من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
• نقد النص:
وفي هذه الرواية ذكرٌ لعلي بن العباس وأنه قد دخل في أمر أهل المدينة، ولكن ذلك لم يثبت؛ لأنه لم يرد بسند يمكن الاعتماد عليه؛ وقد ورد ما يخالفه، وهو ما رواه ابن كثير عن أبي جعفرٍ الباقر
(1)
: (لم يخرج أحدٌ من آل أبي طالبٍ ولا من بني عبد المطّلب أيّام الحرّة)
(2)
.
[106]
- (وأرسلت بنت الأشعث بن قيس
(3)
، وكانت امرأة الحسين بن علي، إلى مسلم بن عقبة تعلمه أن منزلها انتهب، فأمر برد جميع ما أخذ لها)
(4)
.
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
أورد صاحب الكتاب هذه الرواية التي فيها عفو مسلم بن عقبة عن جعدة بنت الأشعث وهي امرأة الحسن رضي الله عنه، وليس كما وهم صاحب الكتاب أنها امرأة الحسين رضي الله عنه وهذا إيعازٌ منه بالعلاقة التي تروج لها الروايات الضعيفة
(5)
بالربط بين هذه المرأة وبين موت الحسن رضي الله عنه، وأنها هي من دسّت له السم،
(1)
هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولد 56 هـ، جمع بين العلم والسؤدد والثقة والرزانة وهو أحد الأئمة الاثنى عشر. الذهبي: 4/ 402.
(2)
البداية والنهاية 8/ 256.
(3)
جعدة بنت الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، كانت زوجة الحسن بن علي بن أبي طالب، وقد خلف عليها يعقوب بن طلحة ثم العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقد أنجبت منه. ابن سعد: الطبقات 5/ 315. البلاذري: الأنساب 3/ 15. قلت: هذا من الأدلة البينة على أنها بريئة من سَمِّ الحسن رضي الله عنه، وإلا فكيف يُخْلِف على امرأة غدرت بزوجها!!
(4)
الأخبار الطوال 267.
(5)
أخرج ابن سعد بسنده، قصة سم الحسن رضي الله عنه الطبقات، (ت د. محمد السلمي). وقال عنه المحقق:(إسناده ضعيف). والبلاذري: الأنساب 3/ 55 ولم يسند الخبر.
وأن الذي أمرها بذلك معاوية رضي الله عنه، وقد ساق صاحب الكتاب هذه الرواية ليثبت أن لها يدًا عند بني أمية.
وهذا لا يصح عن معاوية رضي الله عنه، ولا عن ابنه يزيد وقد رد العلماء هذه التهمة.
قال ابن العربي: (فإن قيل: قد دس على الحسن من سمه. قلنا: هذا محال من وجهين: أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلم الأمر. الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تحملونه - بغير بينة - على أحد من خلقه في زمان متباعد لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل المصمم)
(1)
، وأورد الذهبي الخبر وعلق عليه بقوله:(هذا شيءٌ لا يصحّ فمن الّذي اطّلع عليه)
(2)
، وأورد ابن كثير الخبر وعلق عليه:(وروى بعضهم أنّ يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سمّي الحسن وأنا أتزوّجك بعده، ففعلت، فلمّا مات الحسن بعثت إليه فقال: إنّا واللّه لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟ وعندي أنّ هذا ليس بصحيحٍ، وعدم صحّته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى)
(3)
.
وقال ابن تيمية: (وأمّا قوله: «إنّ معاوية سمّ الحسن». فهذا ممّا ذكره بعض النّاس، ولم يثبت ذلك ببيّنةٍ شرعيّةٍ، أو إقرارٍ معتبرٍ، ولا نقلٍ يجزم به، وهذا ممّا لا يمكن العلم به، فالقول به قولٌ بلا علمٍ)
(4)
.
(1)
العواصم والقواصم 213.
(2)
تاريخ الإسلام 4/ 40.
(3)
البداية والنهاية 8/ 47.
(4)
منهاج السنة 4/ 469.
وقال ابن خلدون: (وما ينقل من أنّ معاوية دس إليهم السمّ مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك)
(1)
.
وقد تَقصَّى الغيث
(2)
الأعراض التي ظهرت على الحسن رضي الله عنه عند وفاته وقام بعرضها على أحد الأطباء المتخصصين وكانت النتيجة أن الأعراض لم تكن أعراض سم.
(1)
التاريخ 2/ 649.
(2)
مرويات خلافة معاوية: 395.
خامسًا: اتجاه جيش الشام إلى مكة، ومصيره
* موقف يزيد من معركة الحرة:
[107]
- (ثم شخص بالجيش إلى مكة، وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة، فتمثل يزيد.
ليت أشياخي ببدر شهدوا
…
جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها
…
واستحر القتل في عبد الأشل
(1)
(2)
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
.
• نقد النص:
نقل عن يزيد أنه تمثل بهذه الأبيات، واختلفت المصادر متى قال ذلك، بعضها ذكرت أنه تمثل بها عند قتل الحسين رضي الله عنه
(4)
، والأخرى عند وصول خبر الحرة إليه
(5)
، وكل ذلك لا يصح عنه.
وفي ذلك يقول ابن تيمية عن يزيد: (والديوان الشعري الذي يعزى إليه
(1)
هذه الأبيات لعبد الله بن الزبعرى في قصيدة قالها يوم أحد وفي مطلعها: يا غراب البين أسمعت فقل .. إنما تنطق شيئًا قد فعل. وبها يفتخر بهزيمة المسلمين يوم أحد، فرد عليه حسان بن ثابت رضي الله عنه بقوله:
ذهبت يا ابن الزبعرى وقعة
…
كان منا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم
…
وكذلك الحرب أحيانًا دول
ابن هشام: السيرة النبوية ت: السقا 2/ 137.
(2)
الأخبار الطوال 267.
(3)
الأنساب 5/ 333.
(4)
الأصفهاني: مقاتل الطالبيين 119. ابن الجوزي: المنتظم 5/ 343. وابن كثير: البداية والنهاية 8/ 209، وفي سنده محمد بن حميد الرازي قال عنه ابن كثير أنه شيعي.
(5)
البلاذري: الأنساب 5/ 323، وابن عبد ربه: العقد الفريد 5/ 139. وهي غير مسندة.
عامته كذب، وأعداء الإسلام كاليهود وغيرهم يكتبونه للقدح في الإسلام، يذكرون فيه ما هو كذب ظاهر، كقولهم إنه أنشد:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا
…
جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكبش من أقرانهم
…
وعدلناه ببدرٍ فاعتدل
وأنه تمثل بهذا ليالي الحرّة فهذا كذب.
وهذا الشعر لعبد الله بن الزّبعرى أنشده عام أحدٍ لما قتل المشركون حمزة، وكان كافرًا، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه)
(1)
.
بل ورد ما ينافي هذا الخبر:
قال ابن كثير: (وروى المدائنيّ أنّ مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباعٍ إلى يزيد ببشارة الحرّة، فلمّا أخبره بما وقع قال: واقوماه، ثمّ دعا الضّحّاك بن قيس الفهري، فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة؟ فما الّذي يجبرهم؟ قال: الطّعام والأعطية، فأمر بحمل الطّعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته)، وقال:(وهذا خلاف ما ذكره كذبة الرّوافض عنه من أنّه شمت بهم واشتفى بقتلهم، وأنه أنشد ذكرًا وأثرًا شعر ابن الزّبعرى)
(2)
.
وقال ابن الوزير: (وقد تركت ما يختص الشيعة بروايته مما لم أعرف له إسنادًا، مثل ما يروى عن يزيد من قوله: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا
…
جزع الخزرج من وقع الأسل)
(3)
.
* خلاصة وقعة الحرة:
1 -
إن خلع أهل المدينة ليزيد كان نتيجة رأي اجتمع عليه رءوسهم من
(1)
جامع المسائل 5/ 148.
(2)
البداية والنهاية 8/ 256.
(3)
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم 8/ 126.
أمثال عبد الله بن مطيع ومعقل بن سنان، ومحمد بن أبي الجهم، ويزيد بن عبد الله بن زمعة، ولم يثبت أن لعبد الله بن الزبير علاقة في أمرهم إلا أن دعواهم واحدة، وهي المطالبة بالشورى، ولم يصح أن الخلع بسبب فسق يزيد أو شربه للخمر وغيره.
2 -
حاول يزيد احتواء موقفهم، وأرسل النعمان بن بشير إليهم ليثنيهم عما كانوا عليه ولكنهم أصروا على موقفهم من خلعه، وهذا لا يشفع له؛ لأنه أخطأ خطأ جسيمًا، لم يسامح عليه عندما أرسل شخص من العتاة الجبابرة الذي أسرف في قتل ونهب المدينة.
3 -
لم يكن أهل المدينة جميعهم قد وافقوا على خلع يزيد، بل تمسكت طائفة منهم بالبيعة، منهم آل البيت وعلى رأسهم علي بن الحسين ومن معه في المدينة من آل عبد المطلب، وآل عمر بن الخطاب وعلى رأسهم عبد الله بن عمر، وبعض الصحابة مثل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وبني أمية وكبيرهم مروان بن الحكم، وهؤلاء لم يمسهم أذى أهل الشام، وهذا يدل دلالة واضحة أن يزيد يستحق البيعة، ولا يصح عنه القيام بأعمال مشينة تستوجب خلعه، فلم يجمع أهل المدينة على خلعه، ولا حتى أهل الحل والعقد منهم، فلا يوجد في المدينة آنذاك أفقه من عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومع ذلك لم يخلعوه.
4 -
قتل مسلم بن عقبة من تبقى من رءوس الحرة صبرًا.
5 -
أقصى ما فعله أهل الشام بأهل المدينة أنهم نهبوا المدينة وأسرفوا في قتل أهلها، مع إمكانية هزيمتهم وإخضاعهم دون الحاجة لمزيد من القتل، وهذا كله ليس أمرًا يسيرًا يمكن تجاوزه؛ لأن كل هذا حدث في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الصحابة وأبنائهم، وهذا هو السبب المباشر لتعظيم الحادثة في قلوب
المسلمين على مر العصور، ولذلك يجب أن يقتصر التصور على هذه الأعمال؛ لأنها في ذلك الجيل عظيمة، ولا يطلق المسلم خياله لتلك الروايات الفاسدة، التي صورت القرن المفضل بتلك الخرافات والأباطيل.
6 -
أهل المدينة أخطئوا في خلع يزيد، وهو أخطأ بمعاقبتهم.
7 -
جاءت بعض الكتب بأخبار مشينة لهذه المعركة وغيرها من أحداث دولة بني أمية، وصورتها لنا بأفظع الصور والمشاهد، فكأننا نقرأ عن غزو المغول للمسلمين، بل أفظع من ذلك، وهذا كله؛ لأن تدوين تاريخ بني أمية جاء متأخرًا بزمن لا يخلو من العبث والدس.
* وفاة مسلم بن عقبة وخبر غزو مكة:
[108]
- (فلما بلغ ابن عقبة هرشى
(1)
اعتل، واشتدت علته، ونزل به الموت، فقال: أسندوني. فاسند، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني إن حدث بي في وجهي هذا حدث أن استخلف الحصين بن نمير على الجيش، ولو كان الأمر إليّ ما استخلفته؛ لأن من شأن اليمانية الرقة، غير أني لا أعصي أمير المؤمنين.
ثم قال: يا حصين، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب من يومك، ولا ترد أهل الشام عن شيء يريدونه بعدوهم، ولا تجعل أذنك وعاء لقريش فيخدعوك. ثم مات، وكانت به الذبحة)
(2)
.
أورد نحوًا منها: ابن سعد
(3)
، وخليفة بن خياط
(4)
مختصرًا، والأزرقي
(5)
(1)
هرشي: هي ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة، يُرى منها البحر ولها طريقان، فكل من سلك واحدًا منهما أفضى به إلى موضع واحد. الحموي: البلدان 5/ 397.
(2)
الأخبار الطوال 267.
(3)
الطبقات 2/ 67 (ت د. محمد السلمي).
(4)
التاريخ 254.
(5)
أخبار مكة 1/ 202.
والبلاذري
(1)
والطبري
(2)
مطولًا.
• نقد النص:
اختلفت المصادر في مكان موته والأشهر أنه في المشلل
(3)
.
أما المرض الذي أصابه فقيل إنه الماء الأصفر
(4)
، أو أنه النقرس
(5)
، وقيل: الفالج
(6)
، وقيل: النوطة
(7)
، والله أعلم.
وأما عن وصية مسلم بن عقبة للحصين بن نمير ألا يرد أهل الشام في ما يريدونه بعدوِّهم فلم ترد بسند صحيح، ولعل ورودها هنا امتداد لوصية يزيد بن معاوية المزعومة وتأكيدًا لها.
[109]
- (فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير فسار حتى وافى مكة.
وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه، ونصب الحصين المجانيق على جبل أبي قبيس، وكانوا يرمون أهل المسجد)
(8)
.
أورد نحوًا منها: ابن سعد
(9)
وخليفة بن خياط
(10)
والأزرقي
(11)
(1)
الأنساب 5/ 335.
(2)
التاريخ 5/ 496، بروايتين الأولى عن أبي مخنف، ولم يذكر قوله: لا تردن أهل الشام ما يريدونه بعدوهم، والأخرى من طريق هشام بن محمد، وهو ضعيف وفيها هذه الوصية التي أوردها صاحب الكتاب.
(3)
الطبقات 2/ 67 (ت د. محمد السلمي)، الزبيري: نسب قريش 127. البلاذري: الأنساب 5/ 332. الطبري: التاريخ 5/ 496.
(4)
الأزرقي: أخبار مكة 1/ 202.
(5)
البلاذري: الأنساب 5/ 337 عن المدائني.
(6)
الطبراني: المعجم الكبير 14/ 187.
(7)
ابن سعد: الطبقات 2/ 64 (ت د. محمد السلمي)، الذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 24.
(8)
الأخبار الطوال 267، 268.
(9)
الطبقات 2/ 67 (ت د. محمد السلمي).
(10)
التاريخ 255.
(11)
أخبار مكة 1/ 202.
والبلاذري
(1)
مطولًا. والطبري
(2)
بمثله مطولًا، وزاد عندهم حريق الكعبة في هذه الحملة.
* وصول خبر وفاة يزيد لجيش الشام:
[110]
- (فبيناهم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن معاوية، فأرسل إلى عبد الله بن الزبير: إن الذي وجهنا لمحاربتك قد هلك، فهل لك في الموادعة؟ وتفتح لنا الأبواب، فنطوف بالبيت، ويختلط الناس بعضهم ببعض، فَقَبِلَ ذلك ابن الزبير، وأمر بأبواب المسجد، ففُتِحَتْ، فجعل الحصين وأصحابه يطوفون بالبيت. فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير، فأخذ الحصين بيده، فقال له سرًّا: هل لك في الخروج معي إلى الشام؟ فادعوا الناس إلى بيعتك، فإن أمرهم قد مرج، ولا أرى أحدًا أحق بها اليوم منك، ولست أعصى هناك. فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده، وقال، وهو يجهر بقوله: دون أن أقتل بكل رجل من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام.
فقال الحصين: لقد كذب من زعم أنك من دهاة العرب، أكلمك سرًّا، وتكلمني علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
، والبلاذري
(5)
، والطبري
(6)
.
(1)
الأنساب 5/ 338.
(2)
التاريخ 5/ 497.
(3)
الأخبار الطوال 268.
(4)
الطبقات 2/ 67 (ت د. محمد السلمي)، وقال المحقق: بإسناد جميعي ضعيف.
(5)
الأنساب 5/ 348 من طريق الواقدي، وهو ضعيف.
(6)
الطبري: التاريخ 5/ 502 من طريق هشام بن محمد الكلبي، وهو ضعيف.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية أنه لما ورد خبر موت يزيد بن معاوية، التقى الحصين بن نمير بعبد الله بن الزبير رضي الله عنه ثم خيره بالذهاب معه إلى الشام؛ ليأخذ له البيعة هناك، ولكن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه رفض ذلك بشدة ورفع صوته، فسفهه الحصين لذلك وعاب عليه فعله، وهي تحكي غفلة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعدم تفهمه لأسلوب المحادثة، وأنه أوهن الأمر الذي عرضه عليه الحصين بن نمير، وهذا الأمر لا يصح عنه، فهو داهية وما ساد ودانت له الرقاب وبايعته الأمصار إلا وهو كذلك، ومن نقل عنه ذلك إلا ليشينه ويوهن أمره.
وأصح ما جاء في هذه المحادثة ما رواه البلاذري، فقال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي
(1)
حدّثنا وهب بن جرير بن حازم
(2)
عن جويرية بن أسماء
(3)
، قال: حدّثني بردٌ مولى آل الزّبير
(4)
: أنّ حصينًا بعث إلى ابن الزّبير إنّي أحبّ لقاءك، قال: فموعدك بعد العتمة بأعلى مكّة، فخرج ابن الزّبير بعد أن صلّى بالنّاس إلى المكان الّذي وعده فيه وليس عليه سلاحٌ، وأقبل ابن نميرٍ وعليه الدّرع والسّيف وقد لبس ممطرًا، فلمّا أراد الجلوس بدت نعل السّيف، فقال له ابن الزبير: أغدرًا يا ابن نميرٍ؟ قال: لا ولكنّي خفت أصحابك، ثمّ قال له: أبايعك غدًا بين الرّكن والمقام أنا وجميع أصحابي على أن تنتقل إلى الشّام فتسكنها ونقاتل عنك النّاس ما بقيت أرواحنا، فقال: إنّ لي أمراء لست أقطع أمرًا دونهم، فأناظرهم ثمّ يأتيك رأيي، فرجع فأخبر ابن صفوان وذويه، فقالوا: أتخرج من بلدٍ نصرك اللّه به وتفارق حرم اللّه وأمنه وتستعين بقومٍ رموا بيت
(1)
أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة 246 هـ. ابن حجر: التقريب 77.
(2)
ثقة سبقت ترجمته.
(3)
جويرية بن أسماء صدوق، سبقت ترجمته.
(4)
برد مولى آل الزبير بن العوام، يروي عن ابن الزبير. ابن حبان: الثقات 4/ 81.
اللّه لا خلاق لهم؟! فأرسل إلى الحصين: إنّ أصحابي قد أبوا أن يتحوّلوا إلى الشّام، قال: فهل أنت مؤمّنّي وأصحابي حتّى نطوف بالبيت ثمّ ننصرف عنك؟ فأمّنَهم فطافوا ثمّ انصرفوا)
(1)
.
نستخلص من هذه الرواية أنه لما مات يزيد التقى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بالحصين بن نمير، الذي دعاه إلى أن يبايعه هو ومن معه، على شرط أن يذهب معه إلى الشام، ولكن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه رفض ذلك بعد مشاورة أصحابه؛ ولذلك لم تتم البيعة له من قبل الحصين بن نمير ومن معه؛ لأن الشرط الذي بينهما لم يتم وهو الذهاب معه إلى الشام، وليس كما جاء عند صاحب الكتاب وغيره.
ونلاحظ كيف تعامل الحصين بن نمير مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأنزله مكانته، فهو رضي أن يبايعه، وأن يحمل من معه على بيعته؛ لأنه يعرف قدره وفضله، وليس الأمر كما صورته لنا تلك الروايات الضعيفة التي ضيعت هيبته ومكانته وأوهنت أمره.
[111]
- (ثم انصرف في أصحابه إلى الشام، ومر بالمدينة، فبلغه أنهم على محاربته ثانيًا، فجمع إليه أهلها، وقال: ما هذا الذي بلغني عنكم؟ فاعتذروا إليه، وقالوا: ما هممنا بذلك)
(2)
.
أورد نحوًا منها: البلاذري
(3)
.
• نقد النص:
تحكي هذه الرواية أن الحصين بن نمير بلغه أن أهل المدينة مقيمين على
(1)
الأنساب 5/ 350.
(2)
الأخبار الطوال 268.
(3)
الأنساب 5/ 348.
حربه ثانية، فجمعهم وسألهم عن ذلك فاعتذروا إليه، وهذا لم يثبت، وقد ورد ما يخالفه حيث ذكر الطبري رواية تحكي حال هذا الجيش بعد خروجه من مكة:(فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة، فاستقبله عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبٍ ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلةٍ له، فسلّم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نميرٍ فرسٌ له عتيقٌ، وقد فني قتّه وشعيره، فهو غرضٌ، وهو يسبّ غلامه ويقول: من أين نجد هنا لدابّتنا علفًا! فقال له عليّ بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابّتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوجهه، فأمر له بما كان عنده من علفٍ، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشّام فذلّوا حتّى كان لا ينفرد منهم رجلٌ إلا أخذ بلجام دابّته ثمّ نكس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون)
(1)
.
ومع أن هذه الرواية لم تأتِ من طريق صحيح، وفيها مبالغة في نقص المئونة التي أصابت جيش الشام، ولكن يُسْتأنس بها لمعرفة حال ذلك الجيش بعد عودته إلى الشام، وهذا لا يستبعد؛ لأن أمر بني أمية بعد يزيد ركد بعض الوقت وفشا أمر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ولم يستقر أمرهم إلا بعد قتله في ولاية عبد الملك بن مروان.
* خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يوم الحرة:
[112]
- (وذكر أبو هارون العبدي
(2)
، قال: رأيت أبا سعيد الخدري، ولحيته بيضاء، وقد خف جانباها، وبقي وسطها، فقلت: يا أبا سعيد، ما حال لحيتك؟ فقال: هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة، دخلوا عليّ بيتي، فانتهبوا
(1)
التاريخ 5/ 502 من طريق هشام بن محمد الكلبي، وهو ضعيف.
(2)
عمارة بن جوين العبدي، أبو هارون، تابعي ضعيف قال حماد بن زيد كذاب. الذهبي: المغني في الضعفاء 2/ 460.
ما فيه حتى أخذوا قدحي الذي كنت أشرب فيه الماء، ثم خرجوا، ودخل عليّ بعدهم عشرة نفر، وأنا قائم أصلي، فطلبوا البيت، فلم يجدوا فيه شيئًا، فأسفوا لذلك، فاحتملوني من مصلاي، وضربوا بي الأرض، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من لحيتي، فنتفه، فما ترى منها خفيفًا فهو موضع النتف، وما تراه عافيًا فهو ما وقع في التراب، فلم يصلوا إليها، وسأدعها كما ترى حتى أوافي بها ربي)
(1)
.
أورد نحوًا منها: أبو العرب
(2)
، والطبراني
(3)
.
• نقد النص:
خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يأتي بالتسلسل التاريخي مع أحداث الحرة.
وهو خبر لم أقف على من أورده بسند صحيح، وفي متنه نكارة وهو ما نسبه من أفعال مشينة قام بها جيش الشام تجاه أبي سعيد رضي الله عنه، ثم إنه قد ورد خبر أصح منه وأشهر يخالفه ويرده، وهو ما أخرجه خليفة بن خياط، حيث قال: حدّثنا وهب بن جرير
(4)
، قال: حدثنا أبو عقيل الدّورقي
(5)
، قال: سمعت أبا نضرة
(6)
يحدث، قال: دخل أبو سعيد الخدريّ يوم الحرّة غارًا فدخل عليه رجل ثمّ خرج، فقال لرجل من أهل الشّام: أدلك على رجل تقتله، فلمّا انتهى
(1)
الأخبار الطوال 268، 269.
(2)
المحن 305، بروايتين الأولى من طريق المبارك بن المفضل وهو صدوق، يدلس ويسوي من الثالثة. ابن جحر: التقريب 519، والثانية 306 في سندها الواقدي. ومثلها عند ابن عساكر: تاريخ دمشق 20/ 395.
(3)
المعجم الكبير 6/ 34 من طريق أبي هارون العبدي، وهو ضعيف.
(4)
ثقة وقد سبقت ترجمته.
(5)
أبو عقيل الدورقي، هو بشير بن عقبة، ثقة من السابعة. ابن حجر: التقريب 125.
(6)
المنذر بن مالك بن قطعة، العبدي، العوقي، البصري، أبو نضرة، مشهور بكنية، ثقة من الثالثة، مات سنة 108 هـ. ابن حجر: التقريب 546.
الشّامي إلى باب الغار، وقال لأبي سعيد وفي عنق أبي سعيد السّيف اخرج إليّ، قال: لا وإن تدخل عليّ أقتلك؛ فدخل الشّامي، فوضع أبو سعيد السّيف، وقال: بوء بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين، فقال: أبو سعيد الخدريّ: أنت؟ قال: نعم، قال: فاستغفر لي قال: غفر الله لك)
(1)
.
تبين لنا بهذا الخبر أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه اعتزل أهل المدينة ولم يكن معهم في خلعهم ليزيد، وأنه لم يصب بأي مكروه.
* * *
(1)
التاريخ 239، وأخرجه البلاذري في الأنساب 5/ 335، والطبري في تاريخه 5/ 491، وابن عساكر في تاريخ دمشق 20/ 395، والذهبي في تاريخ الإسلام 5/ 553، وابن حجر في الإصابة 3/ 66.
الفصل الرابع
«الحرب على الخوارج وخبر العراق والشام بعد يزيد»
أولًا: بداية المواجهة مع الخوارج.
ثانيًا: تولي المهلب بن أبي صفرة حرب الخوارج.
ثالثًا: بداية الخلاف بين الخوارج ونهايتهم.
رابعًا: العراق بعد يزيد بن معاوية.
خامسًا: وصول مروان بن الحكم إلى الخلافة ووفاته.
سادسًا: أخبار متفرقة.
أولًا: بداية المواجهة مع الخوارج
[113]
- (قالوا: وفي سنة ثمانين تفاقم أمر الأزارقة الخوارج، وإنما سموا أزارقة برئيسهم نافع بن الأزرق
(1)
(2)
.
• نقد النص:
انفرد بهذا القول صاحب الكتاب ولم تذكر المصادر أي خبر للخوارج سنة ثمانين، وقد ذكر الطبري
(3)
أن اشتداد شوكة الخوارج كانت سنة خمس وستين.
[114]
- (وكان أول خروجهم في أربعين رجلًا، وفيهم من عظمائهم نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود
(4)
، وعبد الله بن صبار
(5)
، وعبد الله بن إباض
(6)
، وحنظلة بن بيهس
(7)
، وعبيد الله بن مأحوز
(8)
، وذلك في سلطان يزيد.
(1)
نافع بن الأزرق الحروري، من رءوس الخوارج، له أسئلة مع ابن عباس رضي الله عنه، أقام بسرف الأهواز، يتعرض الناس فأثخن القتل فيهم حتى في النساء والصبيان، فارتاع منه أهل البصرة، قتل سنة 65 هـ. ابن حجر: الميزان 8/ 246.
(2)
الأخبار الطوال 269.
(3)
التاريخ 5/ 613.
(4)
عطية بن الأسود اليمامي الحنفي، من علماء الخوارج وأمرائهم، تنسب إليه فرقة العطوية. السمعاني: الأنساب 9/ 238. الزركلي: الأعلام 4/ 237.
(5)
الصحيح من اسمه عبد الله بن صفار بدل (صبار) الصيرمي التميمي، رئيس الصفرية قال الزركلي: وفي نسبتهم له خلاف. البلاذري: الأنساب 12/ 53. الزركلي: الأعلام 4/ 93.
(6)
عبد الله بن إباض التميمي الإباضي، رأس الإباضية من الخوارج، وهم فرقة كبيرة، وكان هو فيما قيل رجع عن بدعته فتبرأ منه أصحابه. ابن حجر: لسان الميزان، ت: أبو غدة 4/ 418.
(7)
لم أقف على ترجمته.
(8)
عبيد الله بن الماحوز، من رؤساء الخوارج، تولى قيادتهم بعد أخيه عبد الله بن الماحوز، تولوا الرئاسة بعد نافع بن الأزرق 5/ 604.
وعلى البصرة يومئذ عبيد الله بن زياد، فوجه إليهم عبيد الله أسلم بن ربيعة
(1)
في ألفي فارس، فلحقهم بقرية من الأهواز تدعى آسك
(2)
مما يلي فارس، فواقعهم، فقتلت الخوارج من أصحاب ابن ربيعة خمسين رجلًا، فانهزم أسلم، فأنشأ رجل من الخوارج يقول:
أألفا مؤمن منكم زعمتم
…
ويهزمكم بآسك أربعونا؟
كذبتم، ليس ذاك كما زعمتم
…
ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم
…
على الفئة الكثيرة ينصرونا
(3)
أطعتم أمر جبار عنيد
…
وما من طاعة للظالمينا
(4)
(5)
أورد نحوًا منها: خليفة بن خياط
(6)
مختصرًا، والبلاذري
(7)
والمبرد
(8)
والطبري
(9)
مطولًا.
• نقد النص:
لعل صاحب الكتاب أراد أن يختصر الخبر فأدخل بعضه على بعض، وسوف أورد الخبر مرتبًا على نحو ما جاءت به المصادر الأخرى.
(1)
والصحيح من اسمه أسلم بن زرعة بدل (ربيعة)، تولى خراسان من قبل عبيد الله بن زياد، ثم وجهه ابن زياد لقتال مرداس بن عمرو، أبو هلال وقتل بآسك. الطبري: التاريخ 5/ 471.
(2)
آسك: بلد من نواحي الأهواز، قرب أرجان، بين أرجان ورامهرمز. معجم البلدان 1/ 53.
(3)
هذه الأبيات لعيسى الخطي. البلاذري: الأنساب 5/ 183.
(4)
انفرد به صاحب الكتاب.
(5)
الأخبار الطوال 269.
(6)
التاريخ 256.
(7)
الأنساب 5/ 180.
(8)
الكامل في اللغة والأدب 3/ 184.
(9)
التاريخ 5/ 314.
جاءت هذه الرواية تحكي خروج أربعين رجلًا من الخوارج، وفيهم عظماء الخوارج وهذا مخالف لما جاءت به المصادر السابقة والتي ذكرت أن خبر اجتماع الخوارج وفيهم عظمائهم وعلى رأسهم نافع بن الأزرق كان في مكة وقد قاتلوا مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ضد أهل الشام، ثم تفرقوا عنه عندما سألوه عن رأيه في عثمان رضي الله عنه فخالفهم، فخرج نجدة بن عامر باليمامة، وخرج نافع بن الأزرق بالبصرة، وتفرق عنه أكثر زعمائهم، سنة أربع وستين
(1)
، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مجتمعين في خروجهم، بل تفرقوا بعد عودتهم من ابن الزبير رضي الله عنه.
ثم إن هذا الخبر الذي ذكر فيه هذه الأبيات جاء في قصة مرداس بن أدية
(2)
، وهو من الخوارج، الذي كان في سجن ابن زياد ثم أخرج منه، فخرج في أربعين رجلًا إلى الأهواز، فأرسل له عبيد الله بن زياد جيشًا في ألفين رجل فهزمهم مرداس بن أدية.
وهذه القصة مشهورة ويستشهد بها على شجاعة الخوارج.
وهنا وقفة وتساؤل: هل يمكن لأربعين رجلًا أن يهزموا ألفين؟.
وللإجابة عن هذا السؤال أقول: إنه بعد استقراء الخبر من مصادر أخرى لوحظ عليه ما يلي:
- جرت بين القائد المرسل من قبل عبيد الله بن زياد وبين مرداس بن أدية
(1)
خليفة بن خياط: التاريخ 253. ابن سعد: الطبقات الكبرى 5/ 25. الطبري: التاريخ 5/ 564.
(2)
مرداس بن حدير بن عامر الحنظلي التميمي، من عظماء (الشراة) الخوارج، أحد الخطباء الأبطال العباد، شهد صفين مع علي رضي الله عنه وأنكر هو وأخوه عروة التحكيم، وشهد النهروان، سجنه عبيدالله بن زياد ونجا، ثم خرج في آسك وقتل فيها سنة 61 هـ. البري: الجوهرة 1/ 138. الزركلي: الأعلام 7/ 202.
محاورة حول سبب الخروج وحاول إقناعهم بالرجوع
(1)
.
- ذكر الإسفراييني
(2)
أن قائد بن زياد يرى رأي الخوارج، وأورد قوله لمرداس ومن معه: (أنتم على الحق ولكنّا نخاف من ابن زياد
…
).
- تذكر المصادر الهزيمة ولا تذكر وقوع قتلى، سوى أن بعضها ذكرت أن رجلًا واحدًا من جيش أبي بلال قُتِل
(3)
، وأما جيش أهل البصرة لم يرد فيه قتلى.
- ذكر المبرد
(4)
أن أسلم بن زرعة انهزم وأصحابه من غير قتال.
وبعد أن عرضنا هذه الملاحظات على هذا الخبر يتضح بجلاء عدم وقوع القتال بين الطرفين، فكون القائد متهمًا بميله للخوارج، ولا يوجد قتلى في صفوف الجيش المهزوم، فكيف حدثت المعركة.
وقد اختُلِفَ في القائد الذي أَرْسَل عبيد الله بن زياد لقتل مرداس بن أدية، فقيل أنه أسلم بن زرعة
(5)
، وهو الأشهر، وقيل: عبد الله بن حصن
(6)
.
[115]
- (فاغتاظ ابن زياد من ذلك، فكان لا يدع بالبصرة أحدًا ممن يتهم برأي الخوارج إلا قتله، حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل)
(7)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وقد ذكر الطبري في هذا الموضع: (وفي هذه السنة اشتد عبيد اللّه بن زياد
(1)
المبرد: الكامل في اللغة 3/ 184.
(2)
الفَرْق بين الفِرَق 71.
(3)
البلاذري: الأنساب 5/ 182.
(4)
الكامل 3/ 184.
(5)
البلاذري: أنساب الأشراف 5/ 182، والعقد الفريد: ابن عبد ربه 2/ 241.
(6)
خليفة بن خياط: التاريخ 256. الطبري: التاريخ 5/ 314.
(7)
الأخبار الطوال 270.
على الخوارج، فقتل منهم صبرًا جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبرًا عروة بن أدية، أخو أبي بلال مرداس بن أدية)
(1)
.
• نقد النص:
نجد أن هذه الرواية التي أوردها الطبري لم تذكر أنه قتلهم على التهمة وإنما وصفت القتلى أنهم من الخوارج ولم تحدد العدد، أما قوله بالتهمة والظنة فلم يكن أمر الخوارج خفيًّا حتى يؤخذ بذلك، وإنما القصد من إيراد الكلام أنهم أغاظوه، وإثبات لما زعم أنها هزيمة له، وأما ردة فعل عبيد الله بن زياد في فشل الحملة التي وردت في الرواية السابقة، فالمحفوظ أنه أرسل جيشًا آخر بقيادة عباد بن أخضر
(2)
، فهزمهم وقتلوا جميعًا
(3)
.
والمتتبع في ولاية عبيد الله بن زياد يجد أن من حسناته تضييق الخناق على الخوارج، ولا أدل على ذلك من تفاقم أمرهم بعد خروجه إلى الشام.
* الخوارج بعد موت يزيد:
[116]
- (ولم يزل يتفاقم أمر الخوارج، ويتحلب إليهم من كان على رأيهم وهواهم من أهل البصرة حتى كثروا بعد موت يزيد، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق. وخاف أهل البصرة الخوارج على أنفسهم، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان، فاجتمعوا على مسلم بن عبيس القرشي
(4)
، ووجهوا معه خمسة
(1)
التاريخ 5/ 312.
(2)
عباد بن أخضر، وأخضر الذي نسب إليه وهو اسم زوج أمه، وأما نسبه فهو عباد بن علقمة بن عباد من بني مازن بن مالك التميمي، وهو قائد اشتهر في العصر الأموي، ثم قتلته الخوارج غيلة. الزركلي: الأعلام 3/ 257. ابن حزم: جمهرة أنساب العرب 211.
(3)
خليفة بن خياط: التاريخ 256. وأما الطبري: التاريخ 5/ 471 فذكر اسمه عباد بن الأخضر.
(4)
مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أمره ببة على قتال الخوارج، كان من أهل الفضل والقدر، قتل يوم دولاب سنة خمس وستين. مصعب الزبيري: نسب قريش 147. والبلاذري: الأنساب 7/ 148.
آلاف فارس من أبطال البصرة، فسار إليهم، فلحقهم بمكان يسمى الدولاب
(1)
فالتقوا واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، وصاروا إلى المكادمة، فقُتِلَ مسلم بن عبيس، وانهزم أصحابه)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(3)
مختصرًا، والبلاذري
(4)
والطبري
(5)
مطولًا.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب يناقض نفسه، وذلك حينما ذكر أن تفاقم أمر الخوارج في سنة ثمانين كما سبق، ثم يذكر في هذه الرواية أن تفاقم أمرهم بعد موت يزيد، وهو ما ذكرته المصادر الأخرى.
ثم يذكر أن الناس بعد ما توفي يزيد بن معاوية، وخروج عبيد الله إلى الشام اجتمعوا على مسلم بن عبيس وهذا وهم منه، والذي جاءت به المصادر أن الذي اجتمعت عليه الناس بعد عبيد الله بن زياد هو عبد الله بن الحارث بن نوفل
(6)
الملقب ببة، سنة أربع وستين
(7)
، وكتب الناس لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه:
(1)
دولاب: مكان بينه وبين الأهواز فرسخان، وفيه كانت الوقعة بين أهل البصرة والخوارج، وقتل فيه نافع بن الأزرق. الحميري: الروض المعطار 247.
(2)
الأخبار الطوال 270.
(3)
التاريخ 256.
(4)
الأنساب 7/ 143.
(5)
التاريخ 5/ 613.
(6)
عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وأمه هند بنت أبي سفيان، ولد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وشهد مع عمر رضي الله عنه الجابية، ولي البصرة لابن الزبير رضي الله عنه، توفي في عمان سنة أربع وثمانين، ولقب ببة؛ لأن أمه كانت تنقره وتقول: ياببة ياببة .. لأنكحن ببة .. جارية خدبة
…
تسود أهل الكعبة. الذهبي: السير 1/ 200. ابن حجر: الإصابة 5/ 8.
(7)
خليفة بن خياط: التاريخ 258. الطبري: التاريخ 5/ 514.
أنا قد رضينا به، فأقره على البصرة
(1)
.
ولما اجتمع أمر أهل البصرة على عبد الله بن الحارث، بعث جيشًا لمقاتلة الخوارج بقيادة مسلم بن عبيس.
أما سبب خروجهم وتفاقم أمرهم:
لمَّا مات يزيد بن معاوية وَثَبَ أهل العراق على عبيد الله بن زياد ورفضوا ولايته، وكسر الخوارج أبواب السجون وأخرجوا من كان فيها من أصحابهم، واستغلوا انشغال أهل البصرة بقتال الأزد، وربيعة وبني تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو، فخرج نافع بن الأزرق فتبعوه واجتمعوا إليه
(2)
.
وأما قتال مسلم بن عبيس للخوارج، فقد حصل بينه وبينهم وقعة عظيمة، قتل فيها أغلب زعماء الفريقين، فقد قتل فيها نافع بن الأزرق وابن عبيس.
ومما يروى في ذلك ما أخرجه الطبري بسنده عن معاوية بن قرة
(3)
، قال:(خرجنا مع ابن عبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحوز، وقتل ابن عبيس)
(4)
.
وهذه المعركة المشهور أنها بدولاب
(5)
.
[117]
- (فقال رجل من الأزد:
قد رمينا العدو إذ عظم الخطب
…
بذى الجود مسلم بن عبيس
(1)
ابن سعد: الطبقات 5/ 25.
(2)
التاريخ 5/ 567.
(3)
معاوية بن قرة بن إياس المزني، الإمام العالم الثبت، والد القاضي إياس بن معاوية، روى عن أبيه وعن كثير من الصحابة، وثقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم وابن سعد والنسائي. مات سنة 113 هـ وعمره 76 سنة. الذهبي: السير 5/ 153.
(4)
التاريخ 5/ 613.
(5)
البلاذري: الأنساب 7/ 149. الطبري: التاريخ 5/ 614.
فانظروا غير مسلم بن عبيس
…
فاطلبوه من حيث أين وليس
لو رموا بالمهلب بن أبي صفرة
(1)
…
كانوا له كأكلة حيس
(2)
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذه الأبيات.
[118]
- (وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها)
(3)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
والذي جاء عند الطبري
(4)
أن ولاية المهلب جاءت في أثناء هذه الأحداث، فقد قدم المهلب من عند عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ومعه كتاب ولاية على خراسان، فطلب منه أهل البصرة أن يتولى قتال الخوارج.
• نقد النص:
وهم صاحب الكتاب في خبر أن المهلب كان على خراسان، والصحيح أنه لم يتولها إلا بعد انتهاء حربه مع الخوارج وسيأتي معنا خبره.
[119]
- (فخاف أهل البصرة حين قُتِلَ مسلم بن عبيس خوفًا شديدًا من الخوارج، فاختاروا عثمان بن معمر القرشي
(5)
، وانتدب معه زهاء عشرة آلاف رجل من أبطالهم، فسار بهم عثمان في طلب الخوارج، فلحقهم بفارس،
(1)
المهلب بن صفرة العتكي الأزدي، واسم أبي صفرة ظالم بن سراق، ويكنى أبا سعيد، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي البصرة، مات سنة ثلاث وثمانين. ابن سعد: الطبقات 7/ 129. ابن عساكر: تاريخ دمشق 61/ 280.
(2)
الأخبارالطوال 270.
(3)
المصدر السابق 270
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 615.
(5)
عثمان بن معمر التيمي القرشي، قائد من الشجعان من أهل الحجاز، نعته المهلب بالمعجل المفرط؛ لأنه استعجل في مناجزة الخوارج فور وصوله، فقتل عثمان وانهزم أصحابه. الأعلام: الزركلي 4/ 209.
فاقتتلوا، فقتل عثمان، وانهزم أصحابه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
، والبلاذري
(3)
.
كان ذلك في ذي القعدة في سنة خمس وستين
(4)
.
[120]
- (فكتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير يعلمونه أنه لا إمام لهم، ويسألونه أن يوجه إليهم رجلًا من قبله يتولى الأمر، فوجه إليهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقدم البصرة، وتولى الأمر بها.
فدعا وجوه أهل البصرة، فاستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج، فكلهم قالوا: عليك بالمهلب بن أبي صفرة)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(6)
، والطبري
(7)
.
• نقد النص:
هذا الخبر جاء في المصادر مع خبر اعتزال عبد الله بن الحارث الملقب ببة عن إمارة البصرة، والذي سبق ذكر اجتماع الناس عليه، وليس كما ذكر صاحب الكتاب أنه بعد وفاة عثمان بن معمر.
ومما يروى في سبب اعتزال ببة عن الإمارة:
- أن الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشمي فوَلِيَ أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فشكى إليه الناس سوء حالهم
(1)
الأخبار الطوال 270.
(2)
الطبري: التاريخ 5/ 613.
(3)
البلاذري: الأنساب 7/ 155.
(4)
المصدر السابق 7/ 156.
(5)
الأخبار الطوال 270، 271.
(6)
الأنساب 5/ 407
(7)
التاريخ 5/ 528.
وانعدام الأمن، وطلبوا منه أن يضع السيف ويشد على الناس، فأبى عليهم وقال:(ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام، ناولني نعلي، فانتعل ثمّ لحق بأهله)
(1)
.
- (كان مسعود يدعو إلى بني أمية وقد بايعه قوم، وكانت الخوارج قد ظهرت بالبصرة وكانت تطلبه، فقتله قوم منهم وقد انصرف من المسجد، فلما انصرفت الأزد وجدته في بني منقر وقد مُثِّلَ به، فرميت به بنو تميم، فاقتتلوا ثمّ اصطلحوا، واجتمع أهل البصرة على عبد الله بن الحارث ببة فبايعوه، ثمّ إنه كثر الشر والقتال فاعتزلهم)
(2)
، ثم أمر الناس عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي
(3)
، وكل ذلك لما فسد الأمر وقامت الفتنة في البصرة بسبب مقتل مسعود بن عمرو، و خروج عبيد الله بن زياد إلى الشام.
وقد اجتمع أهل البصرة على عبد الملك بن عبد الله بن عامر
(4)
،
ثم عبد الله بن الحارث الملقب ببة، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير رضي الله عنه، ثم قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو القباع
(5)
.
وهذا يدل على أن كتابة أهل البصرة لابن الزبير رضي الله عنه كان بعد اعتزال ببة، وأن الذي جاء بعده هو عمر بن عبيد الله بن معمر، ثم الحارث بن عبد الله
(1)
المصدر السابق 5/ 528.
(2)
البلاذري: الأنساب 5/ 424.
(3)
الطبري: التاريخ 5/ 528.
(4)
عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز، يقال له: قفيز، ولي البصرة في أيام عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ثم ولَّاه القباع فارس. البلاذري: الأنساب 9/ 363.
(5)
الطبري: 5/ 527. وذكر ابن الأثير في الكامل 3/ 235 ذلك دون ذكر عبد الملك بن عامر؛ لأن المشهور أن أول من اجتمع عليه أمر أهل البصرة بعد عبيد الله هو عبد الله بن الحارث.
المخزومي.
أما عن خبر تولية المهلب على حرب الخوارج فسيأتي معنا في الرواية رقم [122].
[121]
- (وقام رجل من أهل البصرة يعرف بابن عرادة
(1)
، فأنشده:
مضى ابن عبيس مسلم لسبيله
…
فقام لها الشيخ الحجازي عثمان
فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر
…
وابرق، والبرق الحجازي خوان
ولم يكن عثمان جناح بعوضة
…
واضحى عدو الدين مثل الذي كانوا
وليس لها إلا المهلب إنه
…
مليء بأمر الحرب، شيخ له شان
إذا قيل من يحمى العراقين أومأت
…
إليه معد بالأكف، وقحطان
فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم
…
وليس لها إلا المهلب إنسان)
(2)
ذكر نحوًا من هذه الأبيات البلاذري
(3)
.
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب بأن هذه القصيدة قيلت في المهلب وقد وَهِم في ذلك، لأنه لم يتولَّ حرب الخوارج إلا بعد هذه الأحداث وزاد عنده هذين البيتين:
وليس لها إلا المهلب إنه
…
مليء بأمر الحرب، شيخ له شان
(1)
اسمه حنظلة بن عرادة، التميمي، من بني ربيع بن مقاعس، الشاعر، له أخبار مع سلم بن زياد، ومن أخباره معه أنه لما ولي سَلْم خرسان من قبل يزيد بن معاوية اختار من فرسان وأشراف البصرة، فاختار منهم حنظلة بن عرادة، فتخاصم سلم وعبيد الله ابنا زياد عليه، فجعل له الاختيار فاختار زياد على عبيد الله. البلاذري: الأنساب 12/ 259. الطبري: 5/ 472.
(2)
الأخبار الطوال 271.
(3)
الأنساب 7/ 156
فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم
…
وليس لها إلا المهلب إنسان
والذي جاء عند البلاذري
(1)
أن هذه القصيدة قيلت في الحارثة بن بدر
(2)
، وأن من قالها هو رجل من بني تميم.
والأبيات التي فيها ذكر للحارثة بن بدر هي:
فلولا ابن بدر لعراقين لم يقم
…
بما قام فيه للعراقين إنسان
إذا قيل من حام الحقيقة أومأت
…
إليه معد بالأكف وقحطان
(3)
وأما المهلب بن أبي صفرة أمير معروف يستحق مثل هذه القصيدة وأكثر ولكن ليس له في هذه القصيدة ذكر، ولا ندري ما سبب تحريف هذه القصيدة، وإدراج المهلب فيها.
ونلاحظ أن الشاعر في هذه الأبيات ذكر حارثة ومدحه، ولكنه أجحف في حق عثمان بن عبيد الله ولم يذكر بلاءه.
وقد ذكر البلاذري
(4)
أبياتًا قبلها فيها مدح لعثمان بن عبيد الله بعد قتله بدولاب:
ونال الشهادة منهم فتى
…
بدولاب كالقمر الأزهر
طويل النجاد رفيع العماد
…
كهمك من فارس مسعر
(1)
البلاذري: الأنساب 7/ 156.
(2)
حارثة بن بدر حصين الغداني التميمي، أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم، وله أخبار في الفتوح، وقصة مع عمر رضي الله عنه ومع علي رضي الله عنه، وقصص مع زياد، ركب سفينة ومعه ناس من قومه، فاستنجد به رجلًا فلما قرب لينقذه أعمل الرجل سلاحه في السفينة فغرقت به وبمن معه سنة أربع وستين. ابن حجر: الإصابة 2/ 138.
(3)
أورد هذين البيتين المبرد في الكامل 3/ 222 وابن عبد ربه في العقد الفريد 8/ 55، وذلك في ذكر الحارثة بن بدر وحربه مع الأزارقة.
(4)
البلاذري: الأنساب 7/ 156.
أطاع الكتاب رجاء الثواب
…
وقاتل عن دبر المدبر
ليعذره اللّه والمسلمون
…
ومعذرة اللّه للمعذر
ثم ذكر مناسبة ذلك أن عثمان بن عبيد الله اختلف مع الحارثة في هذا المعركة مع الخوارج، فاعتزل الحارثة فلما ناجزهم عثمان وقتل، قاتل حارثة الخوارج ومنعهم من تتبع الناس.
* * *
ثانيًا: تولِّي المهلب بن أبي صفرة الحرب على الخوارج
* خبر تولِّي المهلب قتال الخوارج في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه:
[122]
- (فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله: أيها الأمير، اكتب إلى أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وسله أن يكتب إلى المهلب بأن يخلف على خراسان رجلًا، ويسير إلى الخوارج، فيتولى محاربتهم. فكتب.
فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى المهلب بن أبي صفرة، أما بعد، فإن الحارث بن عبد الله كتب إليّ يخبرني أن الأزارقة المارقة قد سعرت نارها، وتفاقم أمرها، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من قيامك، فتكفي أهل مصرك شرهم، وتؤمن روعتهم، فاخلف بخراسان من يقوم مقامك من أهل بيتك، وسر حتى توافي البصرة، فتستعد منها بأفضل عدتك، وتخرج إليهم، فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم، والسلام.
فلما وصل كتابه إلى المهلب خلَّف على خراسان، وأقبل حتى وافى البصرة، فصعد على المنبر، وكان نَزْر الكلام وجيزه، فقال:
أيها الناس، إنه قد غشيكم عدو جاحد، يسفك دماءكم، وينتهب أموالكم، فإن أعطيتموني خصالًا أسألكموها قمت لكم بحربهم، واستعنت بالله عليهم، وإلا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في أمركم.
قالوا: وما الذي تريد؟
قال: أنتخب منكم أوساطكم، لا الغني المثقل، ولا السبروت
(1)
المخف، وعليّ أن لي ما غلبت عليه من الأرض، وألا أخالف فيما أدبر من
(1)
السّبروت، والسّبرات: المحتاج المقلّ. وقيل: الّذي لا شيء له. الزبيدي: تاج العروس 4/ 545.
رأيي في حربهم، وأتركُ ورأييَّ الذي أراه، وتدبيري الذي أدبره.
فناداه الناس: لك ذلك، وقد رضينا به.
فنزل من المنبر، وأتى منزله، وأمر بديوان الجند، فأحضر، فانتخب من أبطال أهل البصرة عشرين ألف رجل
(1)
، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل، وبقيتهم من سائر العرب، وولى ابنه المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل.
وسار حتى أتى الخوارج، وهم بنهر تستر
(2)
، فواقعهم، فهزمهم، حتى بلغوا الأهواز، فقال زياد الأعجم
(3)
في ذلك:
جزى الله خيرًا، والجزاء بكَفِّه
…
أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا
ولما رأينا الأمر قد جدَّ جده
…
وألا توارى دوننا الشمس كوكبا
دعونا أبا غسان
(4)
، فاستك سمعه
…
وأحنف طأطأ رأسه، وتهيَّبا
وكان ابن منجوف
(5)
لكل عظيمةٍ
…
فقصّر عنها حبله وتذبذبا
فلما رأينا القوم قد كلَّ حدهم
…
لدى حربهم فيها دعونا المُهلَّبا
(1)
وعند البلاذري: الأنساب 7/ 195. والطبري: التاريخ 5/ 621 أن عددهم اثنا عشر ألفًا.
(2)
تستر: مدينة بين الأهواز وبين عسكر مكرم ثمانية فراسخ، والذي فتحها هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وبينها وبين مدينة سابور ثمانية فراسخ. الحميري: الروض المعطار 140.
(3)
زياد الأعجم هو زياد بن سليم، أبو أمامة مولى عبد قيس، كانت في لسانه عجمة، قد شهد فتح إصطخر مع أبي موسى الأشعري، وكان رجلًا هجَّاءً قليل المدح للملوك والوفادة إليهم. محمد بن سلام: طبقات فحول الشعراء 2/ 693، الذهبي: تاريخ الإسلام 7/ 83.
(4)
هو مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أبو غسان من بكر بن وائل، ولد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ووفد على معاوية رضي الله عنه، كان سيد زمانه، مقدمًا معروفًا بذلك، حليمًا رئيسًا، توفي سنة أربع وسبعين. ابن عساكر: تاريخ دمشق 56/ 497.
(5)
سويد بن منجوف السدوسي، أبو المنهال، كان ذا أدب، كان من أشراف الكوفة، رأى علي رضي الله عنه وسمع أبا هريرة رضي الله عنه، ووفد على معاوية رضي الله عنه توفي سنة 72 هـ. ابن عساكر 72/ 381، الذهبي: تاريخ الإسلام 2/ 819.
وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يومًا، ثم ارتحل سائرا في آثارهم)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
مطولًا، وانفرد صاحب الكتاب في ذكر هذه الأبيات
(4)
.
• نقد النصوص:
جاءت هذه الرواية في خبر تولي المهلب بن أبي صفرة حرب الخوارج، وتذكر أن المهلب كان على خراسان، وهو لم يتولاها إلا بعد الانتهاء من حرب الخوارج.
ثم أتى على ذكر تولية المهلب لحرب الخوارج وكيف تم ذلك، والذي يروى في ذلك أن المهلب بن أبي صفرة قدم من عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ومعه ولايته على خراسان، فطلب منه أهل البصرة أن يتولى حرب الخوارج، وقد وافق المهلب على ذلك بشرط موافقة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فبعثوا إليه فوافق على ذلك، فخرج المهلب لحربهم
(5)
.
ويروى أنهم كتبوا له كتابًا على لسان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وأنه شرط عليهم أنه له ما غلب عليه من الأرض، وهذا لم يأتِ بسند صحيح
(6)
.
وقد روى البلاذري ما يعطي تصورًا كاملًا عن حال أهل البصرة مع
(1)
الأخبار الطوال 271، 272.
(2)
الأنساب 7/ 158.
(3)
التاريخ 5/ 615.
(4)
ذكر هذه القصيدة د. يوسف حسين بكار في كتابه شعر زياد الأعجم ص 46، وقد أخذها من كتاب الأخبار.
(5)
البلاذري: الأنساب 7/ 158. الطبري: التاريخ 5/ 621.
(6)
الطبري: التاريخ 5/ 615 من طريق هشام بن محمد، وهوضعيف.
الخوارج في تلك الفترة: (وفزع النّاس إلى الأحنف بن قيس فأتى الأحنف القباع، فشكا إليه ما النّاس فيه، فقال: أشيروا عليّ بمن أُولِّي؟ فأشار قوم بمالك بن مسمع الجحدري، وأشار قوم بزياد بن عمرو العتكي، فقال الأحنف: لا أرى لهم غير المهلب، فكلم القباع المهلب وقال له: إن أهل مصرك قد ارتضوك ورجوك وأملوا أن يقمع اللّه هذا العدو بك، فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله إني عند نفسي لدون .. )
(1)
.
وذكر الطبري: (أن أهل البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قبل المهلب
أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلب، وقال: هو أقوى على حربهم مني)
(2)
.
ثم نجد أن صاحب الكتاب يذكر أن المهلب سار إلى الخورج فوافاهم بنهر تستر فواقعهم حتى بلغوا الأهواز، ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، وهنا قد ناقض نفسه وخالف غيره، فأول لقاء بينهم كان بالجسر قرب الكوفة، كما جاءت بذلك المصادر الأخرى
(3)
، وقوله: ثم أقام بالجسر بعد أن هزم الخوارج، فالجسر هنا هو مكان المعركة، وليس نهر تستر.
ثم جاء صاحب الكتاب بهذه الأبيات والتي فيها ثناء على المهلب بن أبي صفرة في جهاده ضد الخوارج، والمآخذ عليها أن فيها إجحاف في ذكر مالك بن مسمع، وسويد بن منجوف، والأحنف بن قيس، وهم من أشراف البصرة وأمراء القبائل فيها، ووصفتهم بالجبن والقعود عن القتال، وقد جاء ذكرهم في الروايات التي ساقها البلاذري والطبري، والتي فيها أن قتال الخوارج لم يعرض
(1)
الأنساب 7/ 158.
(2)
التاريخ 5/ 621.
(3)
البلاذري: الأنساب 7/ 159، والمبرد: الكامل في اللغة 3/ 225، الطبري: التاريخ 5/ 616.
عليهم أصلًا حتى يتهموا بالجبن، إلا ما كان من طلب أهل الكوفة الأحنف أن يتولى قتال الخوارج فأشار عليهم بالمهلب، والإشارة هنا لا تعني التخلي عن القيام بالحرب والجبن عنه، وإنما حسن الرأي.
وقد علق على ذلك ابن الأثير بقوله: (لما يعلم فيه من الشجاعة والرأي والمعرفة بالحرب)
(1)
، وقد أدى هذا الرأي ثماره، فحينما تولَّى المهلب قتالَ الخوارج مزقهم كل ممزق.
وسيرة الأحنف بن قيس في الجهاد تشهد له على الشجاعة وحسن القيادة، فقد سطَّرت لنا كتب التاريخ عن سيرة ما يثبت ذلك وينفي خلافه، ومما جاء في حروبه ومناقبه:
- أذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين بالانسياح في بلاد فارس، برأي من الأحنف بن قيس لما عرف عنه فضله وصدقه
(2)
.
- افتتح مرو الروذ بعد أن صالح أهلها
(3)
.
- حاصر أهل بلخ، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف
(4)
.
- جمع أهل خراسان جمعًا كبيرًا بمرو، فالتقاهم الأحنف، فهزمهم، وكان ذلك الجمع لم يسمع بمثله
(5)
.
[123]
- (فبلغ ذلك نافع بن الأزرق، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب، فواقعهم بمكان يسمى نسلى
(6)
، فقاتلهم يومًا إلى الليل، وأصابته
(1)
ابن الأثير: الكامل 3/ 276.
(2)
الطبري: التاريخ 4/ 94.
(3)
الطبري: التاريخ 4/ 310.
(4)
الطبري: التاريخ 4/ 313.
(5)
الذهبي: السير 4/ 91.
(6)
نسلى: وهو جبل بمناذر بمناحي الأهواز. الحموي: البلدان 3/ 232. والمشهور أن اسم هذا الموضع (سلى وسلبرى).
ضربة في وجهه، أغمي عليه منها، فقال الناس قُتِلَ الأمير، فازدادوا لذلك حنقًا وجدًّا، وقتلوا من الخوارج بشرًا كثيرًا، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق، وانهزمت الخوارج نحو فارس)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
قد انفرد صاحب الكتاب بذكر أن نافع بن الأزرق قُتل في هذه المعركة، وهو قد قُتل في دولاب، كما مر بنا، وفي ذكره لإصابة المهلب.
وقد تحدثت المصادر
(4)
الأخرى أنها قد حدثت معركة عظيمة بمكان يسمى سلى وسلبرى
(5)
، بين المهلب والخوارج وكاد المهلب ومن معه أن يُهزموا، ولكنهم عاودوا الكرة وهزموا الأزارقة وقتلوا الكثير منهم، ومن بينهم زعيم الخوارج عبيد الله بن الماحوز، ولم تذكر أن المهلب أصيب فيها.
وكان ذلك في شوال سنة ست وستين، وبعد عبيد الله بن الماحوز قام بأمر الخوارج الزبير بن الماحوز
(6)
.
[124]
- (وبلغ أهل البصرة أن المهلب قُتِلَ، فَرَجَّ المصر بأهله، وهمَّ أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أن يهرب، فكتب إليه رجل من
(1)
الأخبار الطوال 273.
(2)
الأنساب 7/ 159.
(3)
التاريخ 5/ 616.
(4)
البلاذري: الأنساب 7/ 159. الطبري: التاريخ 5/ 616.
(5)
سلى وسلبرى: وهنا مجموع اللفظين موضع واحد من نواحي خوزستان جند يسابور. الحموي: البلدان 3/ 232.
(6)
البلاذري: الأنساب 7/ 160. وعنده أن اسمه عبيد الله بن بشير بن الماحوز.
بني يشكر:
أيا حار، يا ابن السادة الصيد، هب لنا
…
مقامك، لا ترحل ولم يأتك الخبر
فإن كان أودى بالمهلب يومه
…
فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر
وما لك من بعد المهلب عرجه
…
وما لك بالمصرين سمع ولا بصر
فدونك، فالحق بالحجاز، ولا تقم
…
ببلدتنا، ان المقام بها خطر
وان كان حيا كنت بالمصر آمنا
…
وكان بقاء المرء فينا هو الظفر
وقال رجل من بني سعد:
ألا كل ما يأتي من الأمر هين
…
علينا يسير عند فقد المهلب
فإن يك قد أودى فما نحن بعده
…
بأمنع من شاء عجاف لاذؤب
نعوذ بمن أرسى ثبيرًا مكانه
…
ومرسى حراء والقديد وكبكب
من الخبر الملقى على الحور حذرها
…
ويشجى به ما بين بصرى ويثرب
فأقبل البشير إلى أهل البصرة بسلامة المهلب، فاستبشروا بذلك، واطمأنوا، وأقام أميرها بعد أن هم بالهرب.
فقال رجل من بني ضبة:
إن ربا انجى المهلب ذا
…
الطول لأهل أن تحمدوه كثيرا
لا يزال المهلب بن أبي صفرة
…
ما عاش بالعراق أميرا
فإذا مات فالرجال نساء
…
ما يساوي من بعده قطميرا
قد أمنا بك العدو على المصر
…
ووقرت منبرا وسريرا)
(1)
(1)
الأخبار الطوال 273، 274.
انفرد صاحب الكتاب في هذا الخبر وهذه الأبيات.
• نقد النص:
جاء في هذا الخبر أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو أمير البصرة من قبل ابن الزبير رضي الله عنه همَّ بالهروب عند ما جاء نبأ وفاة المهلب، وقد ذكرنا في نقد الرواية السابقة أن ذلك لم يحصل، وأن الانتصار كان حليف المهلب ومن معه، ومما روي في ذلك: ما رواه البلاذري
(1)
أن المهلب بعث إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بخبر الانتصار، وبرأس عبيد الله بن الماحوز زعيمهم، وكذلك روى الطبري
(2)
أن المهلب بن أبي صفرة بعث كتابًا إلى الأمير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يخبره بالنصر. ومما قيل في ذلك من الشعر:
قل للأزارقة الذين تمزقوا
…
بسلى وسلبرى لقيت نحوسا
قتل المهلب جمعكم وأخذتم
…
من رسله بعد المساء رؤوسا
[125]
- (وقال رجل من الخوارج في قتل نافع بن الأزرق:
شمت المهلب، والحوادث جمة
…
والشامتون بنافع بن الأزرق
إن مات غير مداهن في دينه
…
ومتى يمر بذكر نار يصعق
والموت أمر لا محالة واقع
…
من لا يصبحه نهارًا يطرق
فلئن مُنينا بالمهلب إنه
…
لأخو الحروب وليث أهل المشرق
ولعله يشجى بنا ولعلنا
…
نشجى به في كل ما قد نلتقي
بالسمر نختطف النفوس ذوابلا
…
وبكل أبيض صارم ذي رونق
(1)
الأنساب 7/ 161.
(2)
التاريخ 5/ 619.
فيذيقنا في حربنا، ونذيقه
…
كل مقالته لصاحبه ذق)
(1)
ذكر بعض منها البلاذري
(2)
، والمبرد
(3)
.
نقد الأبيات:
ذكر صاحب الكتاب هذه الأبيات وهي رثاء في زعيم الأزارقة نافع بن الأزرق، والمفترض أن يوردها بعد مقتله في معركة دولاب كما فعل البلاذري، ولكنه وَهِم في زمن مقتله، وجعله في معركة سلى وسلبري، وقد خالف غيره في ذكر المهلب فيها، وزيادة الأبيات الثلاثة الأخيرة، حيث إن هذه القصيدة وردت موجّهة للحارثة بن بدر، ومطلعها قوله:
شمت ابن بدر والحوادث جمّة
…
والجائرون بنافع بن الأزرق
(4)
* عزل الحارث بن أبي ربيعة عن البصرة وتولية مصعب بن الزبير:
[126]
- (وبلغ عبد الله بن الزبير ما كان من عزم عامله بالبصرة على الهرب، فعزله، وولى أخاه مصعبًا
(5)
، فسار مصعب حتى قدمها، وتولى أمر جميع العراقين وفارس والأهواز)
(6)
.
انفرد صاحب الكتاب في سبب عزل الحارث بن أبي ربيعة عن البصرة
(1)
الأخبار الطوال 274.
(2)
البلاذري: الأنساب 7/ 150.
(3)
الكامل في اللغة 3/ 216.
(4)
البلاذري: الأنساب 7/ 150، الكامل في اللغة 3/ 216.
(5)
مصعب بن الزبير بن العوام القرشي، كان فارسًا شجاعًا كريمًا، ولي لأخيه عبد الله العراقين خمس سنين، قتل فيها المختار بن عبيد الثقفي، ثم سار لحرب عبد الملك بن مروان فالتقى بجند الشام في دير الجثاليق، وقتل هناك بعد أن خذله جنده من أهل العراق، سنة 72 هـ وعمره 40 سنة. الذهبي: السير 4/ 140.
(6)
الأخبار الطوال 274.
من قبل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه.
وقد ذكر ابن سعد
(1)
، والبلاذري
(2)
، والطبري
(3)
أن ابن الزبير رضي الله عنه
عزل الحارث بن عبد الله أبي ربيعة وولى أخاه مصعب بن الزبير ولم يذكروا السبب.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في الرواية رقم 124 أن الحارث بن عبد الله قد عزم على الهرب عند وصوله خبر هزيمة المهلب، وهو أمر لم يقع، وهنا يذكر أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه عزله لذلك السبب.
[127]
- (ولما قتل نافع بن الأزرق اجتمعت الخوارج، فولوا على أنفسهم عبد الله بن ماحور
(4)
، وكان من نُسَّاكهم)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(6)
، والبلاذري
(7)
، وكان ذلك في معركة دولاب وعلى أهل البصرة مسلم بن عبيس.
• نقد النص:
قد وهم صاحب الكتاب في ذكره مقتل نافع بن الأزرق في فترة قتال المهلب للخوارج.
(1)
الطبقات 5/ 29.
(2)
الأنساب 7/ 14.
(3)
التاريخ 6/ 93.
(4)
الصحيح من اسمه عبدالله بن (الماحوز) بدل (ماحور).
(5)
الأخبار الطوال 275.
(6)
التاريخ 5/ 614.
(7)
الأنساب 7/ 153.
[128]
- (وبلغ ذلك المهلب، فسار من الأهواز في طلبهم حتى وافاهم بمدينة سابور
(1)
من أرض فارس، فالتقوا، فاقتتلوا، وانهزمت الخوارج في آخر النهار حتى انتهوا إلى مكان يدعى كركان
(2)
واتبعهم المهلب، فوافاهم، فالتقوا به في يوم شديد المطر، فقاتلهم، فهزمهم، فأخذوا نحو كرمان
(3)
،
فلم يزل المهلب يسير في طلبهم من بلد إلى بلد، ويواقعهم وقعه بعد وقعة طول ما ملك عبد الله بن الزبير إلى مقتله، وخلوص الأمر لعبد الملك بن مروان)
(4)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
* حرب الخوارج في عهد عبد الملك:
[129]
- (فلما استدف
(5)
الأمر لعبد الملك، وولى الحجاج العراقين استبطأ المهلب في استئصال الخوارج، وظن أنه يهوى مطاولتهم، فبعث إليه عبد الأعلى بن عبد الله العامري
(6)
، وعبد الرحمن بن سبرة
(7)
، وقال لهما
(1)
سابور: مدينة من مدن فارس، بناها سابور أحد ملوك الفرس، وسميت باسمه. الحميري: الروض المعطار 299.
(2)
كركان: قرية بالقرب من قرميسين 4/ 452.
(3)
كرمان: ولاية مشهورة، ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخرسان. القطيعي: مراصد الاطلاع 3/ 1160، الحموي: البلدان 4/ 454.
(4)
الأخبار الطوال 275.
(5)
استدف: استتب واستقام. الزبيدي: تاج العروس 23/ 305.
(6)
عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي، أبو عبد الرحمن، في الطبقة الرابعة من تابعي البصرة، كان شجاعًا سخيًّا فصيحًا، شهد مع الحجاج يوم الزاوية، وفد على هشام بن عبد الملك، وكان هشام يتعجب من فصاحته. خليفة بن خياط: الطبقات 363، البلاذري: الأنساب 8/ 408، 9/ 362.
(7)
عبد الرحمن بن سبرة، وقيل ابن أبي سبرة، واسم أبي سبرة يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفي، له ولأبيه صحبة، وفي اسم أبيه وصحبة اختلاف، ورجَّح ابن حجر أن اسم أبيه أبي سبرة وأن له صحبة. ابن حجر: الإصابة 4/ 260، 261، 5/ 177.
احملاه على مناجزة القوم وترك مطاولتهم، فقدما عليه، فأخبراه بما بعثا له، فقال لهما: أقيما حتى تعاينا ما نحن فيه، فإن الحجاج أتاه السماع فقَبِله، وأتاه العيان فردَّه، وقد حملني على خلاف الرأي، وزعم أنه الشاهد وأنا
الغائب)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
وفيها أن الحجاج اتهم المهلب بأنه يهاب قتال الخوارج، وهدده العزل إن لم يناجز القوم، وفي رواية أخرى من طريق المدائني: أن الحجاج اتهم المهلب بانشغاله عن الحرب بالجباية.
والطبري
(3)
، وفيها: أن الحجاج اتهم المهلب بمطاولة الخوارج ليأكل من الأرض ثم استحثه على مناجزة القوم.
• نقد النص:
في هذا الخبر كتاب الحجاج للمهلب يتهمه بمطاولة الخوارج وهذا لم يثبت، ثم إنه هل يمكن للحجاج أن يتهم المهلب بهذا الأمر العظيم وهو البقاء على الخوارج لكي يجني بمطاولتهم الخراج، وهو أحد الأمراء الموثوق بهم عند الخلفاء، وهو المعروف بنصحه وبعظيم الأمر الذي يقوم به؟!! وهل يسوغ للمهلب قبول هذه التهمة من الحجاج ثم يستمر بعمله!!
[130]
- (ثم سار نحو الخوارج فلحقهم بأداني أرض كرمان، فواقعهم، وأمامه ابنه المفضل
(4)
، فقتل رئيس الخوارج عبد الله بن ماحور
(5)
، وانهزموا
(1)
الأخبار الطوال 275.
(2)
الأنساب 7/ 424 من طريق الهيثم بن عدي، وهوضعيف.
(3)
التاريخ 6/ 301 من طريق هشام عن أبي مخنف، وهما ضعيفان.
(4)
المفضل بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي البصري، أبو غسان، تولى خرسان من قبل الحجاج سنة خمس وثمانين، فأقام بها سبعة أشهر فغزا باذغيس، ثم ولاه سليمان بن عبد الملك جند فلسطين، وقتل سنة اثنتين ومائة. ابن حجر: التهذيب 10/ 275.
(5)
الصحيح من اسمه الماحوز سبقت ترجمته.
حتى توسطوا أرض كرمان، وولوا على أنفسهم رجلًا من نساكهم، يسمى قطري بن الفجاءة
(1)
(2)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذ الخبر.
ذكر الطبري
(3)
أن قتل عبد الله بن الماحوز كان في معركة دولاب، التي قُتِلَ فيها نافع بن الأزرق، ثم تولى أمرهم عبيد الله بن الماحوز.
ولما قُتِلَ عبيد الله بن الماحوز، في المعركة التي وقعت بسلى وسلبرى
(4)
، تولى بعده الزبير بن الماحوز
(5)
ولما قُتِلَ تولى بعده قطري بن الفجاءة
(6)
[131]
- (ثم إن المهلب انصرف إلى بلد سابور، فوافاهم يوم النحر، فخرج بالناس إلى المصلى.
فبينا هو يخطب الناس على المنبر، وقد صلى بهم إذ أقبلت الخوارج، فقال: سبحان الله، أفي مثل هذا اليوم يأتوننا؟ ما أبغض إليّ المحاربة فيه، ولكن الله تعالى يقول: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا
(1)
قطري بن الفجاءة واسمه جعونة بن مازن، أبو نعامة المازني التميمي، رأس الخوارج، بطل مشهور، كان خطيبًا بليغًا، وله شعر فصيح، خرج زمن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، واستفحل أمره، وسير له الحجاج الجيوش فكسرهم وغلب على فارس، سار إليه سفيان بن الأبرد فانتصر عليه وقتله، ويقال: إنه عثر به فرسه فانكسرت فخذه بطبرستان، فظفروا به وحمل رأسه إلى الحجاج سنة 79 هـ. الذهبي: السير 4/ 151.
(2)
الأخبار الطوال 275.
(3)
التاريخ 5/ 614.
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 619.
(5)
البلاذري الأنساب 7/ 160.
(6)
البلاذري: الأنساب 7/ 407، الطبري: التاريخ 6/ 126.
عَلَيْهِ}
(1)
ثم نزل عن المنبر، ونادى في أصحابه، فركبوا واستلاموا، واستقبلوا الخوارج، فحملت عليهم الخوارج، وأمامهم عظيم منهم يسمى عمرو القنا
(2)
وكان من فرسانهم، وهو يرتجز:
نحن صبحناكم غداه النحر
…
بالخيل أمثال الوشيج تسرى
يقدمها عمرو القنا في الفجر
…
إلى أناس لهجوا بالكفر
اليوم أقْضِي في العدو نَذْري
ثم اقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، وكثرت بينهم القتلى، فلم يزل كل فريق منهما على مكانه حتى حال بينهم الليل)
(3)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
[132]
- (وانحازت الخوارج إلى كازرون
(4)
، وسار إليهم المهلب فواقعهم بكازرون، فأسرع المهلب في الخوارج، فتفرقوا في تلك الوقعة، وصاروا سيارة، وخرجوا إلى تخوم إصطخر، واتبعهم المهلب.
فتواقف الفريقان، وحمل بعضهم على بعض، وأمام الخوارج رجل يرتجز:
حتى متى يتبعنا المهلب
…
ليس لنا في الأرض منه مهرب
ولا السماء، أين أين المذهب؟
فلما سمع قطري ذلك بكى، ووطَّن نفسه على الموت، وباشر الحرب
(1)
سورة البقرة، الآية:194.
(2)
عمرو بن عميرة، من بني سعد من تميم، شاعر فحل، كان من رؤساء الأزارقة وفرسانهم، يعرف بعمرو القنا، توفي سنة 77 هـ. المرزباني: معجم الشعراء 1/ 229. الأعلام للزركلي 5/ 82.
(3)
الأخبار الطوال 275، 276.
(4)
كازرون: مدينة بفارس بين البحر وشيراز. الحموي: البلدان 4/ 429.
بنفسه، وهو يرتجز:
حتى متى تخطئني الشهادة
…
والموت في أعناقنا قلادة
ليس الفرار في الوغي بعادة
…
يا رب زدني في التقى عبادة
وفي الحياه بعدها زهادة
فاقتتلوا يومهم حتى حال بينهم الليل)
(1)
.
ذكر الطبري
(2)
، والبلاذري
(3)
أن المهلب جاء إلى كازرون، ثم أقبل عليه عبد الرحمن بن مخنف
(4)
في جند من أهل الكوفة، فخندق المهلب ومن معه ورفض عبد الرحمن بن مخنف أن يخندق، فجاء الخوارج إلى المهلب ووجدوه قد تخندق، وذهبوا إلى عبد الرحمن بن مخنف ومن معه فهزموه وقتلوه. أما عن زمن هذه الوقعة فهو في رمضان سنة خمس وسبعين
(5)
.
* * *
(1)
الأخبار الطوال 276، 277.
(2)
التاريخ 6/ 211.
(3)
الأنساب 7/ 424.
(4)
عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، قائد من الشجعان، كان مع المهلب في قتال الخوارج فقتل في كازرون. الزركلي: الأعلام 3/ 336.
(5)
البلاذري: 7/ 425، والطبري: التاريخ 6/ 211.
ثالثًا: بداية الخلاف بين الخوارج ونهايتهم
* الخلاف بين الخوارج:
[133]
- (ومضى قطري في أصحابه نحو جيرفت
(1)
، وهم بالهرب إلى كرمان، فقال رجل من أصحابه:
أيا قطري الخير إن كنت هاربًا
…
سَتُلبسنا عارًا وأنت مهاجر
إذا قيل قد جاء المهلب أسلمت
…
له شفتاك الفم، والقلب طائر
فحتى متى هذا الفرار مخافة
…
وأنت ولي، والمهلب كافر
ولما رأت الخوارج نكول قطري عن الحرب، وما هم به من الفرار خلعوه عنهم، وولوا عبد ربه
(2)
وكان من نُسَّاكهم، فسار بهم إلى قومس
(3)
، فأقام بها)
(4)
.
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية سبب اختلاف الخوارج مع قائدهم قطري بن الفجاءة؛ لأنه نَكَل عن الحرب، ثم ولوا عليهم عبد ربه بدلًا منه، وقد اختلفت المصادر في طرح خبر الخوارج.
ومما ذكر في سبب اختلاف الخوارج ونهايتهم:
ما رواه الطبري
(5)
: أن أول ما وقع به الخلاف بين الخوارج هو أنهم اختلفوا مع قطري بن الفجاءة في قتل رجل يدعى المقعطر، قد قتل منهم رجلًا فطلبوا من قطري أن يسمح لهم بقتله فرفض ووقع الخلاف، فعزلوا عنهم قطري وولوا بدلًا منه عبد ربه الكبير، وبايع بعضهم قطري، ثم تقاتلوا فيما بينهم، وقد توقف المهلب في هذه الفترة عن قتالهم؛ لأنه رأى أن ذلك يضعفهم، وكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج بمناجزتهم، فرد عليه المهلب بتركهم على الحال التي هم فيها حتى يضعف بعضهم بعضًا، ثم خرج قطري ومن معه إلى طَبَرِستان
(6)
، وناهض المهلب عبد ربه ومن معه فتقاتلوا فيما بينهم قتالًا شديدًا، فقَتَلَ منهم المهلب مقتلة عظيمة ولم ينجوا منهم إلا القليل.
ويذكر البلاذري
(7)
: أن أول ما وقع الخلاف بينهم في رجل اتهموه على امرأة يدخل عليها بغير إذن، فجمع قطري بينهم وبينه، فتلا عليهم ذلك الرجل قول الله تبارك وتعالى:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ}
(8)
فبكوا وعانقوه وقالوا: استغفر لنا، فقال لهم عبد ربه الصغير: إنه خَدَعكم وأنه كما ظننتم به، فبايعه بعضهم وتنكروا لقطري، فانقسم عسكرهم إلى قسمين؛ قسم مع عبد ربه الصغير، وقسم مع قطري، فتقاتلوا فيما بينهم، ثم خرج قطري وفارقهم، فحارب المهلب، وقتل عبد ربه وطلب أصحابه الأمان.
(1)
جيرفت: مدينة بكرمان، وهي من أعيان مدنها، فتحت في أيام عمر بن الخطاب. الحموي: البلدان 2/ 198.
(2)
عبد ربه الصغير مولى بني قيس، وابن عبد ربه الكبير مولى بني يشكر. البلاذري: الأنساب 7/ 437.
(3)
قومس: كورة واسعة فيها مدن وقرى ومزارع، تقع في ذيل طبرستان، بين الري ونيسابور. الحموي: البلدان 4/ 414.
(4)
الأخبار الطوال 277.
(5)
التاريخ 6/ 301.
(6)
طبرستان: من بلاد خرسان، وهو بلد كثير الحصون والأودية، وأهلها من أشراف العجم. الحميري: الروض المعطار 383.
(7)
الأنساب 7/ 435.
(8)
سورة النور، الآية:11.
[134]
- (وإن الحجاج كتب إلى المهلب: أما بعد، فقد طاولت القوم وطاولوك، حتى ضروا بك ومرنوا على حربك، ولعمري لو لم تطاولهم لانحسم الداء وانفصم القرن، وما أنت والقوم سواء، إن خلفك رجالًا وأموالًا، والقوم لا رجال عندهم ولا أموال، ولن يدركك الوجيف
(1)
بالدبيب، ولا الجد بالتعذير، وقد بعثت إليك عبيد الله بن موهب
(2)
، ليأخذك بمناجزة القوم وترك مطاولتهم، والسلام.
فلما قدم عبيد الله بن موهب على المهلب بكتاب الحجاج كتب إليه في جوابه:
أما بعد، فإنه أتاني من قبلك رجلان، لم أعطهما على الصدق ثمنًا، ولم أحتج مع العيان إلى التقدير، ولم يكذبا فيما أنبآك به من أمري وأمر عدوي، والحرب لا يدركها إلا المكيث، ولا بد لها من فرجة يستريح فيها الغالب، ويحتال فيها المغلوب، فإما أن أنساهم وينسوني فهيهات من ذلك، والقوم سُدًى، فإن طمعوا أقاموا، وإن يئسوا هربوا، فعليَّ في مقامهم القتال والحرب، وفي هربهم الجد والطلب، وأنا إذا طاولتهم شاركتهم في رأيهم، وإذا عاجلتهم شركوني في رأيي، فإن خلَّيْتَنِي ورأيي فذاك داء محسوم وقرن مفصوم، وإن عجلتني لم أطعك ولم أعصك، وكان وجهى إليك بإذن منك، وأنا أعوذ بالله من سخط الأمراء ومقت الأئمة، والسلام.
فلما قرأ الحجاج كتابه كتب إلى المهلب: إني قد رددتُ الرأيَ إليك، فدَبِّرْ ما ترى، واعمل ما تريد.
(1)
الوجيف: هو ضرب من السير السريع. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 5/ 157.
(2)
لم أقف على ترجمته.
فلما أتاه كتاب الحجاج بذلك نشط لطلب الخوارج)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذا، وقد سبق نقد كتاب الحجاج للمهلب في الرواية (129).
* نهاية الأزارقة:
[135]
- (وسار في طلبهم إلى أرض قومس، فهربوا منه، فأتوا جيرفت وتحصنوا في مدينة هناك، فخرج خلفهم، وحاصرهم في تلك المدينة حتى أكلوا خيلهم، وأمر المهلب ابنه يزيد أن يقيم عليهم أيامًا، ثم يخلي لهم عن الباب، فإذا خرجوا وأصحروا اتبعهم.
وتنحى المهلب فعسكر على خمسة فراسخ، وأقام عليهم يزيد أيامًا، ثم خلَّى لهم عن الباب، فخرجوا، واتبعهم المهلب، فسار في طلبهم يومين حتى لحقهم، فوقفوا له، فاقتتلوا يومًا كله، ثم غدوا في اليوم الثاني على الحرب، فناداهم عبد ربه: يا معشر المهاجرين، روحوا بنا إلى الجنة، فإن القوم رائحون إلى النار.
فاطَّعَنوا بالرماح حتى تكسرت، واضطربوا بالسيوف حتى تَقطَّعت، ثم صاروا إلى المعانقة، فترجل المهلب في حماته، وحمل عليهم، وهو يتلو قول الله عز وجل:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}
(2)
.
فلم يزالوا يقتتلون حتى حال بينهم الليل، ثم غدوا على الحرب، وقد كَسَرَتِ الخوارج جفون سيوفهم، وحلقوا رءوسهم، فاقتتلوا، فقُتِلَ عبد ربه، وجميع أبطاله، ولم يبقَ إلا ضعفاؤهم، فدخلوا في عسكر المهلب، وانضم كل رجل إلى عشيرته من أصحاب المهلب.
(1)
الأخبار الطوال 277، 278.
(2)
سورة البقرة آية رقم 193.
فنزل المهلب عن فرسه، وقال: الحمد لله الذي ردَّنا إلى الأمن، وكفانا مئونة الحرب، وكفي أمر هذا العدو، ووجه بشر بن مالك الحرسى
(1)
إلى الحجاج يبشره بالفتح
(2)
، وكتب معه كتاب الظفر.
فلما وصل الكتاب إلى الحجاج وجه به إلى عبد الملك، وقام بشر بن مالك، فأنشأ يقول:
قد حسمنا داء الأزارقة الدهر
…
فأضحوا طرًّا، كآل ثمود
بطعان الكماة في ثغر القوم
…
وضرب يشيب رأس الوليد
كلما شئت راعني قطري
…
فوق عبل الشوى أقب عنود
معلما يضرب الكتيبة بالسيف
…
(3)
(4)
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية. أما البلاذري والطبري فقد ذكروا نهايتهم كما سبق في نقد الرواية رقم [133].
[136]
- (وكتب الحجاج إلى المهلب يأمره بالقدوم عليه، فسار حتى قدم على الحجاج، فاستقبله الحجاج، وأظهر بره وإكرامه، وأمر له بالجوائز والصلات، وأمر لولده وكانوا سبعة: المغيرة، وحبيب، ويزيد، والمفضل، ومدرك، ومحمد، وعبد الملك، وعبد الله، وأكرم أصحاب المهلب)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(6)
، والطبري
(7)
.
(1)
بشر بن مالك، لم أقف على ترجمته.
(2)
وفي الطبري: التاريخ 6/ 319 أن المهلب قدم على الحجاج بعد أن فرغ من الأزارقة.
(3)
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذه الأبيات.
(4)
الأخبار الطوال 278، 279.
(5)
الأخبار الطوال 280.
(6)
التاريخ 276.
(7)
التاريخ 6/ 319.
* نهاية قطري بن الفجاءة:
[137]
(ولحق قطري بالري، فوجه الحجاج سفيان بن الأبرد
(1)
حتى أتى الري، وعليها إسحاق بن محمد بن الأشعث
(2)
، فركب معه في مئة فارس من جنده، وسارا حتى لحقاه، وهو في مئة فارس بتخوم طبرستان، فنزل عن دابته، ونام متوسدًا يده، ثم استيقظ، وقال لِعِلْجٍ من أهلها: إيتني بشَربةٍ من ماء. فأتاه بالماء، ولحقه القوم، فقتلوه قبل أن يشرب ذلك الماء، واحتز رأسه، وأخذه سفيان بن الأبرد، وانصرف إلى الحجاج، فرمى بالرأس بين يديه، فوجه الحجاج بالرأس إلى عبد الملك)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(4)
مختصرًا، والبلاذري
(5)
، وعندهم
أن من تولى قتله هما: سَوْرة بن أبجر الدارمي
(6)
، وباذان مولى بن
الأشعث
(7)
، والطبري
(8)
بمثلها مطولًا.
(1)
سفيان بن الأبرد بن أبي أمامة بن قابوس، أبو يحيى الكلبي له دار بدمشق، وقد غزى مع يزيد بن معاوية القسطنطينية، وهو من قضى على قطري بن الفجاءة، حيث لقيه في جيش من الشام وقتله في طبرستان. الطبري: التاريخ 6/ 309، ابن عساكر: تاريخ دمشق 21/ 341.
(2)
إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الكوفي، كان على ربع كندة وربيعة مع عبد الرحمن بن مخنف في حرب المهلب على الخوارج، يعد من أصحاب عمر بن عبد العزيز. الطبري: التاريخ 6/ 197، ابن عساكر: تاريخ دمشق 8/ 185.
(3)
الأخبار الطوال 280.
(4)
التاريخ 276.
(5)
الأنساب 7/ 439.
(6)
سَوْرة بن أبجر التميمي من بني أبان بن دارم، من الذين تولوا قتل قطري، ويقال: هو المتولي لذلك، كان نائبًا للجنيد على سمرقند فلقيه جيشًا من الترك فقتلوه ومن معه سنة 113 هـ. خليفة بن خياط: التاريخ 344، ابن قتيبة: المعارف 411، الطبري: التاريخ 6/ 310.
(7)
لم أقف على ترجمته.
(8)
الطبري: التاريخ 6/ 308.
[138]
- (وأقام المهلب بعد انصرافه بالبصرة في منزله حتى وافاه عهده من عند عبد الملك على خراسان، فسار إليها فمكث عليها خمس سنين، ثم مات)
(1)
.
ذكر خليفة بن خياط
(2)
والطبري
(3)
أن المهلب قدم على الحجاج فولاه خراسان سنة ثمانٍ وسبعين.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب تولية المهلب على خراسان من قبل عبد الملك وقد وهم في ذلك؛ لأن عبد الملك قد جمع للحجاج خراسان وسجستان مع العراق فولى خراسان المهلب
(4)
، وقد توفي المهلب سنة اثنتين وثمانين بعد أن استخلف عليها ابنه يزيد بن المهلب، فأقره الحجاج
(5)
.
[139]
- (فجعل عبد الملك أمر خراسان إلى الحجاج، فأقر الحجاج عليها يزيد بن المهلب.
وكان يزيد أجمل ولد المهلب جمالًا وأكملهم عقلًا، وأفضلهم رأيًا، وأذربهم لسانًا، وكان المهلب استخلفه عليها عند وفاته، فمكث عليها أعوامًا، ثم عزله الحجاج، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم
(6)
، فافتتح كل ما وراء النهر،
(1)
الأخبار الطوال 280.
(2)
التاريخ 276.
(3)
التاريخ 6/ 319.
(4)
الطبري: التاريخ 6/ 320.
(5)
الطبري: التاريخ 6/ 354. خليفة بن خياط: التاريخ 288.
(6)
قتيبة بن مسلم بن عمرو الباهلي، الأمير أبو حفص، ولي خراسان عشر سنين، فتح بخارى وسمرقند، وخوارزم بعد أن نقضوا وارتدوا، وفتح فرغانة وبلاد الترك سنة خمس وتسعين، نزع الطاعة بعد وفاة الوليد بن عبد الملك، فقام عليه جماعة من تميم فقتلوه، سنة 96 هـ. الذهبي: السير 4/ 410.
ولم يزل هناك إلى أن هاج به أصحابه، فقتلوه)
(1)
.
ذكر البلاذري
(2)
والطبري
(3)
: أن الحجاج عزل يزيد بن المهلب، وولى أخاه المفضل بن المهلب، وذلك في سنة خمس وثمانين
(4)
، أما قتيبة فقد ذكر أن ولايته كانت في ست وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك
(5)
.
[140]
- (وأفضى الملك بعد ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، ثم إلى سليمان بن عبد الملك، فولى سليمان على العراق خالد بن عبد الله القسري
(6)
، فولى خالد أخاه أسد بن عبد الله
(7)
خراسان، فلم يزل بها حتى ظهر فيها دعاة الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس
(8)
(9)
.
(1)
الأخبار الطوال 280.
(2)
فتوح البلدان 303.
(3)
التاريخ 6/ 393.
(4)
الطبري: التاريخ 6/ 393. البلاذري: فتوح البلدان 303.
(5)
الطبري: التاريخ 6/ 424. خليفة بن خياط: التاريخ 291.
(6)
خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد البجلي، القسري، الدمشقي، أبو الهيثم كان جوادًا، من نبلاء الرجال، ولي مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان بن عبد الملك، ثم ولي العراقين لهشام بن عبد الملك من سنة ست ومائة إلى سنة عشرين ومائة، وهو الذي ضحَّى بالجعد بن درهم، توفي سنة 126 هـ. المزي: تهذيب الكمال 8/ 107. الذهبي: السير 5/ 425.
(7)
أسد بن عبد الله البجلي القسري، أخو خالد بن عبد الله السابق، ولي خراسان لأخيه، فغزا غور ولقي جمعًا كبيرًا منه فهزمهم في سنة ثمان ومائة، ثم جاشت الترك حتى أتوا مرو الروذ في سنة سبع عشرة ومائة فسار إليهم وهزمهم، وقد ظفر بجماعة من دعاة بني العباس فصَلَبهم، وتوفي في سنة 120 هـ. المزي: تهذيب الكمال 2/ 504. ابن كثير: البداية 9/ 271.
(8)
محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ولد سنة أربع وستين، أوصى إليه بالإمامة أبو هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية، وقال له: إن هذا الأمر في ولدك، فصارت الشيعة إليه بعد أبي هاشم، ابتدأ أمره في خلافة الوليد بن عبد الملك، وتوفي بالشراة من أرض الشام في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك 125 هـ. ابن سعد الطبقات، ت: زياد منصور 1/ 243. الذهبي: تاريخ الإسلام، ت: تدمري 8/ 225. ابن عساكر: تاريخ دمشق 54/ 362.
(9)
الأخبار الطوال 281.
ذكر خليفة بن خياط أن خالد بن عبد الله القسري وَلِيَ مكة في عهد الوليد بن عبد الملك
(1)
، ولما ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة أقره على مكة ثم عزله
(2)
.
وذكر خليفة بن خياط
(3)
والطبري
(4)
أن ولاية خالد بن عبد الله القسري للعراق في خلافة هشام بن عبد الملك.
ثم ذكر الطبري
(5)
أنه في سنة سبع عشرة ومائة أخذ أسد بن عبد الله دعاة لبني العباس فقتل بعضهم، ومثل ببعضهم.
• نقد النص:
ومما سبق نجد أن صاحب الكتاب وَهَمَ في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق في عهد سليمان بن عبد الملك، والمشهور أنه على مكة وأن ولايته على العراق في عهد هشام بن عبدالملك.
* * *
(1)
التاريخ 310.
(2)
المصدر السابق 317.
(3)
المصدر السابق 337.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 27.
(5)
المصدر السابق 7/ 107.
رابعًا: العراق بعد يزيد بن معاوية:
* الرجوع إلى خبر عبيد الله بن زياد أمير العراق بعد يزيد:
[141]
- (قالوا: ومات يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد بالبصرة، فكتب إليه الحارث بن عباد بن زياد
(1)
بهذه الأبيات:
ألا يا عبيد الله قد مات من به
…
ملكت رقاب العالمين يزيد
أتثبت للقوم الذين وترتهم؟
…
وذاك من الرأي الزنيق بعيد
وما لك غير الازدجار فإنهم
…
أجاروا أباك، والبلاد تميد
فتعجب عبيد الله من رأي ابن أخيه، وكان ذا رأي)
(2)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر وبهذه الأبيات.
[142]
- (ثم إن عبيد الله دعا بمولى له يسمى مهران
(3)
، وكان يعدل
في الدهاء والأدب والعقل بوردان
(4)
غلام عمرو بن العاص، وهو الذي ينسب إليه البراذين المهرانية، فقال: يا مهران، إن أمير المؤمنين يزيد قد هلك، فما
(1)
الحارث بن عباد بن زياد لم أقف على ترجمة له.
(2)
الأخبار الطوال 281.
(3)
مهران ذكر خليفة بن خياط أنه مولى زياد وحاجبه، والصحيح أن اسمه (حمران)؛ لأنه ذكر بهذا الموضع وبهذا الاسم عند الطبري والبلاذري، وأما ابن عساكر فترجم له بأيوب بن حمران، وهو مولى عبيد الله بن زياد، بعثه عبيد الله بن زياد إلى الشام ليأتي بخبر يزيد بن معاوية، فجاء بخبر موت يزيد واختلاف أهل الشام، ولم يذكر أن عبيد الله استشاره في أمره. خليفة بن خياط: التاريخ 212. البلاذري: الأنساب 5/ 401. والطبري: التاريخ 5/ 506. ابن عساكر: تاريخ دمشق 10/ 94.
(4)
وردان مولى عمرو بن العاص، أبو عبيد، ويقال: أبو عثمان، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل مصر، شهد فتح مصر وصفين مع عمرو بن العاص، تولى خراج مصر، كان وردان من عمرو بن العاص بمنزلة صاحب الشرط من الأمير، كان لا يعمل شيئًا حتى يشاوره، وكان داهية، توفي سنة ثلاث وخمسين من الهجرة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 62/ 428. الصفدي: الوافي بالوفيات 27/ 256.
الرأي عندك؟.
فقال مهران: أيها الأمير، إن الناس إن ملكوا أنفسهم لم يولوا عليهم أحدًا من ولد زياد، وإنما ملكتم الناس بمعاوية، ثم بيزيد، وقد هلكا، وإنك قد وترت الناس، ولست آمنًا أن يثبوا بك، والرأي لك أن تستجير هذا الحي من الأزد، فإنهم إن أجاروك منعوك، حتى يبلغوا بك مأمنك، والرأي أن تبعث إلى الحارث بن قيس، فإنه سيد القوم، وهو لك محب، ولك عنده يد، فتخبره بموت يزيد، وتسأله أن يجيرك، فقال عبيد الله: أصبت الرأي يا مهران)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
• نقد النص:
والذي ورد عند البلاذري
(2)
والطبري
(3)
: أن عبيد الله قد وجه مولاه حمران إلى يزيد فأتاه بموته، وأن الناس في الشام قد اختلفوا بعده، ثم قام فخطب الناس وحثهم على الطاعة، فبايعوه ثم ما لبثوا أن خلعوه، ولم يذكر عندهم أنه استشاره في أمره.
* عبيد الله واستجارته بالأزد:
[143]
- (ثم بعث من ساعته إلى الحارث بن قيس
(4)
، فأتاه فأخبره بموت يزيد، واستشاره، فقال: المستشار مؤتمن، فإن أردت المقام منعناك معاشر الأزد، وإن أردت الاستخفاء اشتملنا عليك حتى يسكن عنك الطلب،
(1)
الأخبار الطوال 281.
(2)
الأنساب 5/ 401.
(3)
التاريخ 5/ 506.
(4)
الحارث بن قيس بن صهبان بن عدوان الجهضمي، من زهران بن كعب، وهو الذي ذهب بعبيد الله إلى مسعود بن عمرو حتى أجاره، وقد رفض مسعود في بداية الأمر، ثم وافق بعد إلحاح من الحارث وزوجة مسعود أم بسطام. البلاذري: الأنساب 5/ 403. ابن دريد: الاشتقاق: 1/ 502.
ويخفى على الناس موضعك، ثم نوجه معك من يبلغك مأمنك. فقال عبيد الله: هذا أريد.
فقال له الحارث: فأنا أقيم عندك، إلى أن تمسي ويختلط الظلام، ثم أنطلق بك إلى الحي.
فأقام الحارث عند عبيد الله، فلما أمسى واختلط الظلام أمر عبيد الله أن توقد السرج في منزله ليلته كلها، ليظن من يطلبه أنه في منزله، ثم قام فلبس ثيابه، واعتم بعمامته وتلثَّم.
فقال له الحارث: التلثم بالنهار ذل، وبالليل ريبة، فأَحْسِرْ عن وجهك، وسِر خلفي، فإن المقدم وقاية للمؤخر، فسار.
فقال للحارث: تخلل بنا فداك أبي وأمي الطرق، ولا تأخذ بنا طريقًا واحدًا، فإني لا آمن أن يَطْلُبَ أَثَرِي.
فقال الحارث: لا بأس عليك، إن شاء الله، فاطمئن، ثم سارا هويًّا
(1)
.
فقال للحارث: أين نحن؟.
قال: في بني مسلم. قال: سَلِمْنَا إن شاء الله، ثم سارا جميعًا ساعة، فقال: أين نحن؟. قال الحارث في بني ناجية.
قال: نجونا إن شاء الله.
ثم سارا حتى انتهيا إلى الأزد، وأقحم الحارث بعبيد الله دار مسعود بن عمرو، وكان رئيس الأزد كلها بعد المهلب بن أبي صفرة، وكان المهلب في هذا الوقت بخراسان بعد.
فقال الحارث لمسعود: يا ابن عم، هذا عبيد الله بن زياد، قد أجرته عليك وعلى قومك.
(1)
سار هويًّا: الهوي بالسير إذا مضى. الهروي: تهذيب اللغة 6/ 258.
قال مسعود: أهلكت قومك يا ابن قيس، وعرَّضتنا لحرب جميع أهل البصرة، وقد كنا أجرنا أباه من قبله فما كانت عنده مكافأة.
وكان سبب إجارتهم زيادًا، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في خلافته ولى زيادًا البصرة عند خروجه إلى صِفِّين، وإنما كان يعرف بزياد بن عبيد، فوجه معاوية إلى البصرة عامر بن الحضرمي في جمع، فغلب على البصرة، وهرب منه زياد، فلجأ إلى الأزد، فأجاروه، ومنعوه حتى ثاب الناس إلى زياد، واجتمعوا، فطرد عامر بن الحضرمي عن البصرة، وأقام على عمله فيها.
ثم إن مسعود بن عمرو أدخل عبيد الله دار نسائه، وأفرده في بيت من بيوته، وَوَكَّل به امرأتين من خدمه، وجمع إليه قومه، فأعلمهم ذلك.
ولما أصبح الناس، واستحق عندهم الخبر أتوا داره، فاقتحموها ليقتلوه، فلم يصادفوا فيها أحدًا، فانطلقوا إلى الحبس، فكسروه، وأخرجوا من كان فيه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
ومن الأسباب التي أدت إلى فشل عبيد الله بن زياد في جمع كلمة أهل العراق، وعدم سيطرته على مجريات الأحداث رغم حزمه وشدة بأسه:
- قتله الحسين رضي الله عنه، وهذا ما جعل الناس يكرهونه، ويرفضون بيعته.
- خروج الخوارج من سجن عبيد الله بن زياد، فقد ذكر البلاذري
(4)
أن ابن زياد تلَقَّى الخوارج بعد عودتهم من عبد الله بن الزبير وحبسهم وأن عددهم مائة
(1)
الأخبار الطوال 282، 283.
(2)
الأنساب 5/ 420.
(3)
التاريخ 5/ 508.
(4)
الأنساب 5/ 401.
وأربعين، وذكر المبرد
(1)
أن في سجن عبيد الله بن زياد أربعمائة من الخوارج عندما توفي يزيد بن معاوية، فضعف أمره وكلم فيهم فأخرجهم فأفسدوا الناس عليه وطلبوا من الناس محاربته.
* اجتماع أهل البصرة على إمام بعد عبيد الله بن زياد:
[144]
- (وبقي أهل البصرة تسعة أيام بغير والٍ.
فاتفقوا على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن هاشم، فولوه أمرهم لصلاحه، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولى الأمر، وقام بالتدبير)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(3)
، وخليفة بن خياط مختصرًا
(4)
، والبلاذري
(5)
والطبري
(6)
بمثله مطولًا.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية أن أهل البصرة اختاروا عبد الله بن الحارث ليكون أميرًا لهم، وذلك بعد هرب ابن زياد، وقد ذكر صاحب الكتاب في رواية رقم [116] أن أهل البصرة ولوا عليهم مسلم بن عبيس، وهنا نجد أنه يناقض نفسه.
وأما عن ذكره سبب اختيار أهل البصرة لعبد الله بن الحارث لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا السبب لم تذكره المصادر السابقة، إلا ما جاء عند
(1)
الكامل 3/ 203.
(2)
الأخبار الطوال 283.
(3)
الطبقات 7/ 100.
(4)
التاريخ 258.
(5)
الأنساب 5/ 422.
(6)
التاريخ 5/ 513 بروايتين؛ الأولى من طريق وهب بن جرير، والأخرى من طريق أبو عبيدة معمر بن
المثنى.
الطبري
(1)
برواية أخرى من طريق معمر بن المثنى
(2)
وهو ضعيف، ونلاحظ فيها ترسيخ مفهوم أحقية الولاية في قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم وكأنه من ضروريات الولاية، وهذا هو مذهب الشيعة.
ثم إنه روي عن سبب توليتهم له ما يخالف ذلك:
ما ذكره يعقوب بن سفيان في ترجمته: (وهذا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، حيث بقي أهل البصرة بعد موت يزيد بن معاوية بلا أمير فاصطلح عليه أهل البصرة، وكان ظاهر الصلاح وله رضًا في العامة، وأراده أهل البصرة على التعسف لصلاح البلد فعزل نفسه وقعد في منزله)
(3)
.
وهو من العلماء المحدثين ذكر ابن سعد في ترجمته: (وكان عبد الله بن الحارث يكنى أبا محمّدٍ، وسمع من عمر بن الخطّاب خطبته بالجابية، وسمع من عثمان بن عفّان، ومن أبيّ بن كعبٍ، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عبّاسٍ، ومن أبيه الحارث بن نوفلٍ، وكان ثقةً كثير الحديث)
(4)
.
قال عنه الذهبي: ( .. وكان من سادة بني هاشمٍ، يصلح للخلافة لعلمه، وسؤدده)
(5)
.
(1)
التاريخ 5/ 512. من طريق وهب بن جرير.
(2)
أبو عبيدة معمر بن المثنى، وهو مولى لبني تيم، وهو العلامة النَّسابة، صاحب التصانيف، ولد سنة 110 هـ، قال عنه ابن قتيبة: كان الغريب أغلب عليه، وأنه يبغض العرب، ويرى رأي الخوارج، وقال عنه أبو داود: كان يبهت الناس، قال عنه الذهبي: لم يقع لنا شيئًا من عوالي راويته، وذكره في ديوان الضعفاء، توفي سنة 210 هـ. سؤالات الآجري لأبي داود 302، ابن قتيبة: المعارف 543، الذهبي: السير 9/ 445، وديوان الضعفاء 395.
(3)
المعرفة والتاريخ 3/ 373.
(4)
الطبقات 5/ 25.
(5)
السير 4/ 499.
ويضاف إلى ذلك ما سبق أن مر بنا في سبب اعتزاله الإمارة حينما كثر الشر وطلب منه الناس إعمال السيف حتى يستقيم أمرهم.
فدلت هذه الآثار أن علمه وصلاحه ومكانته بين الناس هو ما جعله أهلًا لرضاهم وليس لقرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم كما زعم صاحب الكتاب وغيره.
* خروج عبيد الله إلى الشام وأحداث الطريق:
[145]
- (ولما أتى على عبيد الله أيام، وأمن الطلب، قال لمسعود بن عمرو، والحارث بن قيس: إن الناس قد سكنوا، ويئسوا مني، فاعملا في إخراجي من البصرة لألحق بالشام. فاكْتَرَيَا
(1)
له رجلًا من بني يشكر
(2)
أمينًا هاديًا بالطريق، وحملاه على ناقة مهرية
(3)
، وقالا لليشكرى: عليك به لا تفارقه حتى توصله إلى مأمنه بالشام. فخرج، وخرجا معه مشيعين له في نفر من قومهما ثلاثة أيام، ثم ودعاه وانصرفا.
قال اليشكري: فبينا نحن نسير ذات ليلة إذا استقبلنا عير وحادٍ يحدو فيها، ويقول:
يا رب، رب الأرض والعباد
…
العن زيادًا، وبني زياد
كم قتلوا من مسلم عباد
…
جم الصلاة خاشع الفؤاد
يكابد الليل من السُّهاد
(1)
الاكتراء: اكترى الدابة والأرض: أي أخذها بأجر. الحميري: شمس العلوم 9/ 5818. وقوله اكتريا الحارث بن قيس ومسعود بن عمرو، سيأتي الحديث أن مسعودًا قُتِلَ قبل خروج عبيد الله إلى الشام.
(2)
هو يساف بن شريح بن أساف العدوي من بني يشكر، صحب عبيد الله بن زياد وروى عنه وذلك في خروجه من العراق إلى الشام ودخل معه دمشق، له إدراك، من الثانية، وليس له رواية. ابن عساكر: تاريخ دمشق 28/ 35. أكرم الفلوجي: المعجم الصغير 2/ 659.
(3)
مهرية: نسبة إلى مهرة بن حيدان، حي عظيم، وإبل مهرية منسوبة إليهم. ابن سيده: المحكم والمحيط الأعظم 4/ 317.
فلما سمع عبيد الله ذلك فزع، وقال: عرف مكاني. فقلت: لا تخف، فليس كل من ذكرك يعلم موضعك. ثم سرنا فأطرق طويلًا، وهو على ناقته، فظننت أنه نائم، فناديته: يا نومان. فقال: ما أنا بنائم، ولكني مفكر في أمر. قلت: إني لأعلم الذي كنت مفكرًا فيه. فقال: هاته إذن.
قلت: ندمت على قتلك الحسين بن علي، وفكرت في بنائك القصر الأبيض بالبصرة، وما أنفقت عليه من الأموال، ثم لم يقض لك التمتع به، وندمت على ما كان من قتلك الخوارج من أهل البصرة بالظنة والتوهم.
قال عبيد: ما أصبت يا أخا بني يشكر شيئًا مما كنت مفكرًا فيه، أما قتلي الحسين فإنه خرج على إمام وأمة مجتمعة، وكتب إليّ الإمام يأمرني بقتله، فإن كان ذلك خطأ كان لازمًا ليزيد، وأما بنائي القصر الأبيض، فما فكرتي في قصر بنيته للإمام بأمره وماله، وأما قتلي مَنْ قتلت من الخوارج؛ فقد قَتَلَهُم قَبْلِي مَنْ هو خير مني، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، غير أني فكرت في بني أبي، وأولادهم، فندمت على تركي إخراجهم من البصرة قبل وقوع ما وقع، وفكرت في بيوت الأموال بالكوفة والبصرة ألا أكون فرقتها وبددتها في الناس عند ما ورد عليّ من وفاة الخليفة، فكنت اكتسب بذلك حمدًا في الناس وذكرًا.
قلت: فما تريد أن تصنع الآن؟ قال: إن وافيت دمشق، وقد اجتمع الناس على إمام دخلت فيما دخلوا فيه، وإن لم يكونوا اجتمعوا على أحد كانوا غنمًا، قلبتها كيف شئت)
(1)
.
ذكر نحوًا من هذه الرواية: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
، وانفرد صاحب
(1)
الأخبار الطوال 283، 284، 285.
(2)
الأنساب 5/ 410 من طريق المدائني، وهو غير موثوق.
(3)
التاريخ 5/ 522 فقد ساق الرواية بسنده عن اليشكري وعن المدائني وجعلها واحدة.
الكتاب في ذكره الأبيات السابقة.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية ما كان من خبر عبيد الله بن زياد ومحادثة اليشكري الذي كان يرافقه، وقد انفرد صاحب الكتاب وخالف غيره باتهام يزيد بن معاوية بالكتابة لعبيد الله بن زياد يأمره بقتل الحسين رضي الله عنه.
فالذي ورد عند البلاذري والطبري من جواب عبيد الله بن زياد عند سؤاله عن قتل الحسين رضي الله عنه فهو قوله: (أما الحسين فإنّه سار إليّ يريد قتلي فاخترت قتله على أن يقتلني)
(1)
.
ولعل من يتهم يزيد بن معاوية بقتل الحسين رضي الله عنه يعتمد على مثل هذه الرواية التي أوردها صاحب الكتاب، وقد نفى العلماء عنه هذه التهمة.
* * *
(1)
الأنساب 5/ 410، التاريخ 5/ 522.
خامسًا: وصول مروان بن الحكم إلى الخلافة ووفاته:
* كيفية توليه مقاليد الحكم:
[146]
- (قال: فَسِرْنَا حتى دخلنا دمشق، والناس مختلفون، لم يملكوا عليهم أحدًا، وقد كان مروان بن الحكم هَمَّ باللحاق بعبد الله بن الزبير ليبايعه، ويكون معه.
فدخل عبيد الله، وعنفه في ذلك، وقال: أنت سيد قومك، وأحق الناس بهذا الأمر، فمُدَّ يدك أبايعك.
فقال مروان: وما تبلغ بيعتك وحدك؟ أخرج إلى الناس وناظرهم في ذلك.
فخرج من عنده، ولقي جماعة بني أمية، فعنفهم في ذلك، وفي تخاذلهم، وحملهم على بيعة مروان، فاجتمعوا، وبايعوه)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب في ربط هذا الخبر بالرواية السابقة عن اليشكري، وذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية دور عبيد الله بن زياد في بيعة مروان بن الحكم، وقد صورت لنا أن بني أمية انقطع بهم الرأي وحارت عقولهم حتى قدم عليهم عبيد الله بن زياد، وعنّفهم، ثم أرشدهم إلى بيعة كبيرهم مروان بن الحكم، وهي تلغي كل من شارك في جمع كلمة بني أمية إلا دور عبيد الله بن زياد، وهذا يقلل من شأن بني أمية، ويوهن أمرهم، ويلغي كل سابقة لهم في السيادة.
(1)
الأخبار الطوال 285.
(2)
الطبقات. 5/ 38.
(3)
الأنساب 6/ 275 من طريق أبي مخنف.
(4)
التاريخ 5/ 530.
وعند الطبري أيضًا رواية يذكر فيها: (بويع مروان بن الحكم في المحرّم سنة خمسٍ وستّين، وكان مروان بالشّام لا يحدّث نفسه بهذا الأمر حتّى أطمعه فيه عبيد اللّه بن زيادٍ حين قدم عليه من العراق)
(1)
.
وفي هذا أيضًا يقصر الأمر على عبيد الله بن زياد.
ولا يستطيع أحد أن يلغي دور قائد مثل عبيد الله بن زياد في تعزيز بني أمية في تلك الفترة، ولكن ليس بهذه الصورة، وخبر بيعة مروان بن الحكم يطول، ولم يأت بهذه السهولة وسأذكر من النصوص ما يتضح به هذا الحدث.
مات يزيد بن معاوية سنة أربع وستين في شهر ربيع الأول، وكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر وقيل: تسعة أشهر
(2)
، وبعد وفاة يزيد بن معاوية خلفه ابنه معاوية بن يزيد
(3)
، فلم يلبث إلا أربعين يومًا، ثم مات
(4)
.
ذكر من أشار على عبد الملك بن مروان بالخلافة:
1 -
الحصين بن نمير السكوني، فقد جادل مالك بن هبيرة الذي كان يهوى أن تكون الخلافة لخالد بن يزيد
(5)
ويبرر ذلك بقوله: (هلم فلنبايع لهذا
(1)
التاريخ 5/ 534.
(2)
الطبري: التاريخ 5/ 499. خليفة بن خياط: التاريخ 255.
(3)
معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أبو ليلى، كان شابًّا صالحًا، ولي الخلافة بعد أبيه وأتته بيعة الآفاق إلا ما كان من عبد الله بن الزبير، فولي الخلافة ثلاثة أشهر وقيل: أربعين يومًا، ولم يولِّ أحدًا ولم يعزل من ولاة أبيه أحدًا، ولما حضرته الوفاة رفض أن يستخلف وقال:(والله ما نفعتني حيًّا أفأتحملها ميتًا، والله لا يذهب بنو أمية بحلاوتها القليلة وأتحمل مرارتها الطويلة)، ثم أمر أن يصلي عليه الوليد بن عتبة، وأن يصلي بالناس الضحاك بن قيس، وتوفي سنة أربع وستين وعمره تسعة عشرة سنة، وقيل: عشرين وقيل: إحدى وعشرين. البلاذري: الأنساب 5/ 356. ابن عساكر: تاريخ دمشق 59/ 296.
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 503. خليفة بن خياط: التاريخ 255. الفسوي: المعرفة والتاريخ 3/ 326.
(5)
خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أبو هاشم الأموي، كان حليمًا موصوفًا بالعلم وقول الشعر، يذكر أنه بويع له بالخلافة بعد مروان ولكن لم يتم له ذلك، توفي سنة أربع وثمانين وقيل: خمس، وقيل: سنة تسعين. الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 55.
الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا)، فقال له الحصين:(لا، لعمر اللّه، لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبي)
(1)
.
2 -
روح بن زنباع الجذامي، قام خطيبًا وأثنى على مروان بن الحكم ورشح أن يلي الخلافة لكبر سنه وشرفه، بدلًا من خالد بن يزيد؛ لأنه صغير
(2)
، وقال أيضًا:(بايعوا الكبير، واستشبوا الصغير)
(3)
.
3 -
أهل الأردن، (قال أهل الأردن وغيرهم لمروان: أنت شيخ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزّبير كهل، وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارمِ بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسطها، فبايعوه بالجابية يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين)
(4)
.
4 -
عبيد الله بن زياد، فقد روى البلاذري بسنده فقال:(فقدم ابن زياد الأردن على بني أمية وقد بايعوا خالدًا فقال: إنكم قد أخطأتم الرأي في بيعة خالد، وقد بايع النّاس ابن الزّبير، وهو ابن حواريّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورجل له سن وصلاح في دينه وفضل، وتبايعون أنتم غلامًا حديث السن ليست له حنكة وتريدون أن تقارعوا به ابن الزّبير؟ قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن تبايعوا مروان بن الحكم فإنّ له سنًّا وفقهًا وفضلًا)
(5)
.
5 -
عمرو بن سعيد العاص، فقد قال لمروان بن الحكم: (صدق واللّه
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 536.
(2)
الطبري: التاريخ 5/ 536.
(3)
ابن سعد: الطبقات. 5/ 38.
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 534.
(5)
الأنساب 6/ 278.
عبيد الله بن زياد أنت سيد قريش وفرعها وأنت أحق النّاس بهذا الأمر)
(1)
، مؤيدًا بذلك كلام عبيد الله بن زياد في مروان بن الحكم.
وقد ذكر خليفة بن خياط تصورًا عامًّا عن تلك الفترة فقال: (وقد كان أهل الشّام بايعوا ابن الزبير ما خلا أهل الجابية ومن كان من بني أميّة ومواليهم وابن زياد، فبايعوا مروان بن الحكم ومن بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، وذلك للنّصف من ذي القعدة، ثمّ ساروا إلى الضّحّاك فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا عشرين يومًا ثمّ كانت الهزيمة على الضّحّاك بن قيس، فقُتِلَ الضّحّاك وأصحابه)
(2)
.
بعد عرض النصوص السابقة اتضح أن أهل الشام اختلفوا بعد وفاة معاوية بن يزيد، وانقسموا إلى قسمين: فريق يوالي بني أمية وفريق يوالي عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فأما فريق بني أمية فقد اختلفوا فيما بينهم فيمن يولون، فمنهم من يريد تولية خالد بن يزيد، والقسم الآخر يرى أنه صغير ولا يصلح للخلافة، ويرى تولية مروان بن الحكم فاجتمع رأيهم على مروان بن الحكم، بعد مشورة أصحاب الرأي من بني أمية وغيرهم من كبار رجالات دولتهم، ولم يقتصر الرأي على عبيد الله بن زياد.
* سبب وفاة مروان بن الحكم:
[147]
- (وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة
(3)
، التي كانت
(1)
البلاذري: الأنساب 6/ 275.
(2)
التاريخ 259.
(3)
أم خالد هي فاختة ابنة أبي هشام بن عتبة بن عبد شمس، خلف عليها مروان بن الحكم بعد يزيد بن معاوية، وتباينت أقوال المؤرخين في أهداف هذا الزواج، فقيل: إنه تزوجها حتى يصغر شأن ابنها خالد فلا يطلب الخلافة، وقيل: إنها طمعت بعودة الملك في بيتها، وقيل: إنه واعدها بأن يولي ابنها،. البلاذري: الأنساب 6/ 275، الطبري: التاريخ 5/ 541. قلت: وكل هذا لم يرد بسند صحيح.
امرأة يزيد بن معاوية، فلما تم الملك لمروان بن الحكم تسعة أشهر قتلته امرأته أم خالد.
وذلك أن مروان نظر يومًا إلى ابنها خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام من أبناء سبع سنين، يمشى مشية أنكرها، فقال له: ما هذه المشية يا ابن الرطبة؟ فشكا الغلام ذلك إلى أمه، فقالت له: إنه لا يقول بعد هذا.
فسقته السم، فلما أحس بالموت، جمع بني أمية وأشراف أهل الشام، فبايع لابنه عبد الملك)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
والطبري
(3)
مطولا.
• نقد النص:
تحدثت هذه الرواية عن اتهام مروان بن الحكم بالسخرية من خالد بن يزيد بأمه، وبألفاظ مشينة قبيحة، وسوف أقوم بدراسة هذا الخبر من جانبين:
الأول: الروايات التي أوردت الخبر مسندًا:
ذكر البلاذري لهذه الرواية أربع طرق الأولى: من طريق المدائني، وهذه الرواية جاءت بكيفية قتله بصيغة التمريض زعموا (فزعم بعض النّاس أنّها سقته شربة لبن مسموم فقتلته، وزعم بعضهم أنّها ألقت على وجهه مرفقة
(4)
حين أخذ مضجعه بعد العشاء الآخرة، ووثبت عليه هي وجواريها فغممته حتّى أتين على نفسه ثمّ صرخن وقالت: مات فجأة)
(5)
.
(1)
الأخبار الطوال 285.
(2)
الأنساب 6/ 279.
(3)
التاريخ 5/ 610 من طريق الواقدي.
(4)
المرفقة: الوسادة؛ لأنها توضع تحت المرفق. نشوان الحميري: شمس العلوم 4/ 2571.
(5)
البلاذري: الأنساب 6/ 280.
والثانية
(1)
من طريق جورية بن أسماء عن المدنيين، وفيه مجاهيل، والثالثة
(2)
من طريق هشام بن عمار الدمشقي
(3)
ولم يذكر بقية السند.
والرابعة
(4)
من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف.
أما الطبري
(5)
فقد جاءت عنده من طريق الواقدي وهو ضعيف.
وبذلك لم نقف على من أوردها بسند صحيح.
الثاني: المتن وأما عن متنها فلو سلمنا أنها قد وضعت له السم فأين أعراضه، وهل يعقل أن تنجو من عقاب ابنه عبد الملك.
ثم هل بلغ بمروان من الفسق وسوء الخلق وقلة التّدين أن يصف امرأته أمام الناس، ولكن شخصية مروان تعرضت لحملة شرسة من بعض المؤرخين وغيرهم، ورويت فيه أحاديث وأخبارًا مكذوبة، ووصف بأوصاف وألقاب قبيحة، مثله مثل معاوية رضي الله عنه وابنه يزيد.
وقد ذكر خليفة بن خياط
(6)
وفاة مروان في سنة خمس وستين ولم يذكر سببًا في ذلك، مما يدل على أن وفاته طبيعة.
* * *
(1)
البلاذري: الأنساب 6/ 297.
(2)
المصدر السابق 6/ 298.
(3)
هشام بن عمار بن نصير السلمي الدمشقي، الخطيب، صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح، من كبار العاشرة مات سنة 245. ابن حجر: التقريب 573.
(4)
الأنساب 6/ 299.
(5)
التاريخ 5/ 610.
(6)
التاريخ 262.
سادسًا: أخبار متفرقة
* خبر عمرو بن سعيد وسبب قتله:
[148]
- (وامتنع عمرو بن سعيد من البيعة، ومات مروان، وله ثلاث وستون سنة، ثم ملك عبد الملك بن مروان سنة ست وستين، فخرج عمرو بن سعيد بن العاص عليه، فصار أهل الشام فرقتين: فرقة مع عبد الملك، وفرقة مع عمرو بن سعيد.
فدخلت بنو أمية وأشراف أهل الشام بينهما حتى اصطلحا، على أن يكونا مشتركين في الملك، وأن يكون مع كل عامل لعبد الملك شريك لعمرو بن سعيد، وعلى أن اسم الخلافة لعبد الملك، فإن مات عبد الملك فالخليفة من بعده عمرو بن سعيد، وكتبا فيما بينهما كتابًا، وأشهدا عليه أشراف أهل الشام.
وكان روح بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك بن مروان، فقال له، وقد خلا به يومًا: يا أمير المؤمنين، هل من رأيك الوفاء لعمرو؟
قال: ويحك يا ابن زنباع، وهل اجتمع فحلان في هجمة قط إلا قتل أحدهما صاحبه؟ وكان عمرو بن سعيد رجلًا معجبًا بنفسه، متهاونًا في أمره، مغترًّا بأعدائه.
ثم إن عمرًا دخل على عبد الملك يومًا، وقد استعد عبد الملك للغدر به، فأمر به، فأخذ، فأضجع، وذبح ذبحًا، ولفَّ في بساط.
وأحس أصحاب عمرو بذلك، وهم بالباب، فتنادوا، فأخذ عبد الملك خمسمائة صرة، قد هيئت، وجعل في كل صرة ألفا درهم، فأمر بها فأصعدت إلى أعلى القصر، فألقيت إلى أصحاب عمرو بن سعيد مع رأس عمرو، فترك أصحابه الرأس ملقى، وأخذوا المال، وتفرقوا.
فلما أصبح عبد الملك أخذ من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلًا، فضرب أعناقهم، وهرب الباقون، فلحقوا بعبد الله بن الزبير)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وخبر قتل عمرو بن سعيد ذكره خليفة بن خياط
(2)
مختصرًا، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن روح بن زنباع سأل عبد الملك هل من رأيه الوفاء لعمرو بن سعيد؟ وقد انفرد بهذا، ولم أقف على من ذكر أن روحًا له دور في هذه القضية، وهو رجل صالح، وذكره هنا فيه اتهام له بتحريض عبد الملك على الغدر بعمرو بن سعيد، ولا يمكن قبول ذلك لما ذكر عن روح من التقى والصلاح.
وانفرد صاحب الكتاب أيضًا بذكر أن عمرو بن سعيد لم يبايع عبد الملك وهذا وهمٌ منه، فقد بايعه ثم خلعه، جاء ذلك عند خليفة بن خياط كما سيأتي.
أما الأسباب التي دعت عبد الملك بن مروان؛ لأن يتخلص من عمرو بن سعيد فهي كما يلي:
السبب الأول: مطالبة عمرو بن سعيد لعبد الملك بن مروان بأن يجعل الأمر له من بعده، وحجته في ذلك أنه زعم أن مروان بن الحكم وعده أن يكون له الأمر من بعده، وذلك مقابل قيامه معه حتى استقام أمره، ولم يجبه عبد الملك بشيء يسره
(5)
.
(1)
الأخبار الطوال 286.
(2)
التاريخ 266.
(3)
الأنساب 5/ 443.
(4)
التاريخ 6/ 140.
(5)
البلاذري: الأنساب 5/ 443 من طريق أبي مخنف.
وذكر يعقوب بن سفيان ذلك فقال: (فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، وقام بعده ابنه عبد الملك، فنازعه فيها عمرو بن سعيد بن الأشدق وكان نائبًا على المدينة من زمن معاوية رضي الله عنه وأيام يزيد ومروان، فلما هلك مروان زعم أنه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك، فضاق به ذرعًا، ولم يزل به حتى أخذه بعد ما استفحل أمره بدمشق فقتله سنة تسع وستين، ويقال في سنة سبعين)
(1)
.
وهذه الرواية أصح ما ورد في ذلك.
السبب الثاني: الاستيلاء على دمشق، وذلك حينما خرج عبد الملك في بعض حروبه ومعه عمرو بن سعيد، ولما كانوا ببعض الطريق رجع عمرو بن سعيد إلى دمشق وطرد عامل عبد الملك عليها، فلما افتقده عبد الملك سأل عنه، فأخبر خبره، فرجع إلى دمشق وقاتله أيامًا، ثم اصطلحا وكتبا بينهما كتابًا، وبعد أربعة أيام استدعاه وقتله
(2)
.
وزاد عند خليفة بن خياط أن عمرو بن سعيد خلع عبد الملك وغلب على دمشق بعد أن أخرج خليفة عبد الملك عليها، فسار عبد الملك إليه فاصطلحا على أن يكون الأمر من بعد عبد الملك لعمرو، وأن له مع كل عامل عاملًا، ثم دخل عبد الملك دمشق وغدر بعمرو قتله، (وقال له: لو أعلم أن تبقى وتصلح قرابتي لفديتك بدم النواظر، ولكنه قلما اجتمع فحلان في إبل إلّا أخرج أحدهما صاحبه)
(3)
.
(1)
المعرفة والتاريخ 3/ 326. من طريق يحيى بن عبد الله عن الليث، ذكر ابن حجر أنه ثقة في الليث. التقريب 592.
(2)
البلاذري: الأنساب 5/ 443. والطبري: التاريخ 6/ 140.
(3)
التاريخ 266.
السبب الثالث: وقد جاء عند الطبري
(1)
في بعض رواياته أن السبب كان عداوة قديمة بين عبد الملك بن مروان وبين عمرو بن سعيد.
وهذا مستبعد؛ لأنهما عاشا في المدينة فترة من الزمن، وولي كل منهما على ولاية الآخر ولم يرد شيئًا عن أنهما قد تخاصما من قبل.
والذي قام به عمرو يتلخص بأمرين هما:
الأمر الأول: أنه طالب عبد الملك بولاية العهد من بعده، وهو يزعم أن مروان بن الحكم أعطاه ذلك، فقابله عبد الملك بالرفض، ولعل هذا هو أساس الخلاف بينهما وهو السبب الأقوى لرواية يعقوب بن سفيان السابقة.
الأمر الثاني: أنه أقدم على خلع عبد الملك والاستيلاء على دمشق، وكاد أن يذهب حكم عبد الملك لولا أنه قضى عليه، وهذا الأمر هو المشهور بينهما؛ ولكن لم أقف على خبر صحيح يدعمه.
[149]
- (وفي ذلك يقول قائلهم:
غدرتم بعمرو يال مروان ضله
…
ومثلكم يبنى البيوت على الغدر
فرحنا، وراح الشامتون بقتله
…
كان على أكتافنا فلق الصخر
وما كان عمرو عاجزا، غير أنه
…
أتته المنايا بغته، وهو لا يدرى
كان بني مروان إذ يقتلونه
…
بغاث من الطير اجتمعن على صقر)
(2)
ذكر نحوًا منها: الزبيري
(3)
، والبلاذري
(4)
.
(1)
التاريخ 6/ 147. من طريق هشام بن محمد.
(2)
الأخبار الطوال 287.
(3)
نسب قريش 179، وذكر أنها ليحيى بن الحكم وهو أخو مروان بن الحكم. وذكر ذلك العسكري: الأوائل 248.
(4)
الأنساب 4/ 450 وذكر أنها ليحيى بن سعيد أخي عمرو بن سعيد.
رجع الحديث إلى حال العراق بعد يزيد:
* خبر مقتل مسعود بن عمرو والخلاف فيه:
[150]
- (قالوا: ولما خرج عبيد الله من البصرة شاع بها أن عبيد الله كان عند الأزد، فأقبل رجل من الخوارج ليلًا، فجلس لمسعود بن عمرو، فلما خرج لصلاة الفجر، وثب عليه بسكين فقتله، فاجتمعت الأزد، وقالوا: والله ما قتله إلا بنو تميم، ولنقتلن سيدهم الأحنف بن قيس.
فقال الأحنف لقومه: إن الأزد قد اتهموكم في قتل صاحبهم، وقد استغنوا بالظن عن اليقين، ولا بد من غرم عقله، فجمعوا ألف ناقة، ووجهوا بها إلى الأزد وكانت دية الملوك فرضيت الأزد، وكفوا)
(1)
.
ذكر خليفة بن خياط
(2)
مختصرًا، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
جاء صاحب الكتاب بخبر قتل مسعود بن عمرو هنا في خلافة عبد الملك بن مروان، وجاءت به المصادر بعد موت يزيد بن معاوية وخبر عبيد الله بن زياد مع أهل العراق.
وقد تحدثت المصادر عن قتل مسعود بن عمرو وحددت وقته، ولكن لا يزال هنا غموض حول من قتله، هل هو من بني تميم أو من غيرهم، وفي هذا الحدث كادت أن تقوم حرب بين الأزد وبني تميم؛ لأن الأزد أصروا على اتهام بني تميم بقتله.
(1)
الأخبار الطوال 278.
(2)
التاريخ 258.
(3)
الأنساب 5/ 396.
(4)
التاريخ 5/ 525.
وسأورد بعض النصوص التي تعطي صورة أكثر وضوحًا عن هذا الحدث ومنها:
- أحداث البصرة بعد وفاة يزيد بن معاوية:
- قتل عمرو بن مسعود بعد وفاة معاوية بن يزيد سنة أربع وستين.
- قد سبق ذِكْرُ أن عبيد الله بن زياد قد أَخْرَج من سجنه بعض الخوارج، وقد كان أشد شيء عليهم.
- بعد فشل عبيد الله في جمع أهل البصرة على رأيه استجار بالأزد، فأجاره زعيمهم عمرو بن مسعود
(1)
.
- تحالف عمرو بن مسعود ومالك بن مسمع وسويد بن منجوف ليردوا عبيد الله بن زياد إلى الإمارة، وولوا عليهم عمرو بن مسعود
(2)
.
- وروى البلاذري بسنده: (سارت الأزد وربيعة حتّى أتوا المسجد، وصعد مسعود بن عمرو المنبر، ثمّ خرج وخرجنا فإذا بمسعود على بغلته وقد ازدحم النّاس عليه حتّى سقط، وأقبل ابن الأزرق من قبل بني سليم في نحو من أربعين يحكمون
(3)
، فقصدوا له فضربوه بأسيافهم حتّى قتلوه)
(4)
.
دور الأحنف بن قيس وسعيه بالصلح:
روى البلاذري بسنده أن الأحنف قال: (يا معشر الأزد، اتقوا اللّه فإنا والله ما نحن قتلنا مسعودًا إنّما قتله الخوارج، قالوا: فإنا وجدناه عندكم في دوركم وما نطلب به إلا مَنْ وجدناه عنده قتيلًا وفي داره، قال الأحنف: فما الذي
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 525.
(2)
خليفة بن خياط: التاريخ 258.
(3)
أي من الخوارج المحكمية.
(4)
الأنساب 5/ 423.
يرضيكم؟ قالوا: واحدة من ثلاث، ترحلون فتلحقون بباديتكم وتخلون بيننا وبين المصر، أو تقيمون الحرب بيننا وبينكم حتّى تكون الدار لنا أو لكم، أو تدون مسعودًا عشر ديات وتهدرون قتلاكم وتدون قتلانا، فقال الأحنف: أما هذه فقد قبلناها، وأمّا الأخريان فلا، فدعا لها أناسًا من قومه فأبوا أن يحملوها، فدعا لها إياس بن قتادة
(1)
فتحملها، وأداها كلها من عطائه وأعطيات قومه وأمواله)
(2)
.
ويروى أيضًا: (فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود، ويغمد السيف، ويؤدي سائر القتلى من الأزد وربيعة، فضمن ذلك الأحنف، ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدي هذا المال، فرضي به القوم)
(3)
.
تبين مما سبق أن عبيد الله بن زياد استجار بالأزد بعد موت يزيد بن معاوية، فأجاره زعيمهم مسعود بن عمرو، وقام مع قومه ومن حالفهم من بكر بن وائل إلى عبيد الله ليردوه إلى الإمارة مرة أخرى، فذهب إلى مسجد الكوفة ليخطب الناس فجاءه ناس من خوارج بني تميم فقتلوه، ولعل سبب ذلك لما علموا عنه أنه أجار عبيد الله بن زياد وهو عدوهم، فتحالفت الأزد ومن معها على تميم وقاموا لقتالهم.
وكان زعيم تميم في تلك الفترة الأحنف بن قيس فلم يكن يريد الدخول في
(1)
إياس بن قتادة بن أوفى من بني عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ابن أخت الأحنف، كان شريفًا في قومه، وفي الطبقة الأولى من تابعي البصرة، وهو حامل الديات في زمن الأحنف، اعتزل وترك السلطان وأصبح مؤذنًا حتى مات. ابن سعد: الطبقات 7/ 141. البلاذري: الأنساب 12/ 389.
(2)
البلاذري: الأنساب 5/ 426.
(3)
المبرد: الكامل في اللغة 1/ 118.
هذا الأمر في بدايته، ثم عزم عليه قومه
(1)
فقام وحاول أن يقنع الأزد أنه لم يأمر بقتل مسعود، ولكنهم كانوا جادين في اتهامهم إياه، وهذا ما يؤكد لنا أن من قتله ناس من بني تميم، ولكنهم من الخوارج، ومن المعروف أن الخوارج أمرهم فيهم ومع من يرأسهم، وأما تميم البصرة من غير الخوارج فهم تحت سيادة الأحنف، ولكن الفتنة صماء مطبقة لا تعرف الفروق، فقام الأحنف بهذا الأمر وأصلح بين الناس وتحمل هو وابن أخته إلياس دية مسعود بن عمرو، مع أن بعض بني تميم اعترضوا على ذلك، ولكنه مضى في أمره، فحقنت الدماء وسكنت الفتنة وتفرغ أهل البصرة لقتال الخوارج.
- وقد رجح البلاذري
(2)
أن خروج عبيد الله بن زياد إلى الشام بعد قتل مسعود بن عمرو في شعبان سنة أربع وستين، وكان نزوله دار مسعود في جماد الآخرة سنة أربع وستين.
وفي هذا يتأكد لنا أن مسعود بن عمرو لم يتولَ أمر البصرة، ولم يوله عبيد الله أمرها، وإنما كان مطالبًا بها لابن زياد، ولما قتل مسعود خرج عبيد الله إلى الشام.
وفيه أيضًا رد على رواية هشام بن محمد التي أوردها الطبري
(3)
، وهي أن زيادًا لما خرج إلى الشام استخلف مسعود بن عمرو على البصرة، وأن بني تميم عارضوا ذلك ثم حدث بينهم ما حدث.
* سلطان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه:
[151]
- (وقويَ أمر عبد الله بن الزبير، وأعطاه أهل الكوفة الطاعة،
(1)
الطبري: التاريخ 5/ 518.
(2)
الأنساب 5/ 409.
(3)
الطبري: التاريخ 5/ 524.
فولي الكوفة عبد الله بن مطيع العدوي، ووجه أخاه مصعب بن الزبير إلى البصرة، وأمر عبد الله بن مطيع بمكاتبته، ووجه عماله إلى اليمن، والبحرين، وعمان، وسائر الحجاز، ودانت لابن الزبير البلدان إلا الشام ومصر. فإن مروان بن الحكم كان حماهما)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن كثير
(2)
.
سبق ذكر أن أهل البصرة ولُّوا عليهم عبد الله بن الحارث، ثم أرسلوا إلى عبد الله بن الزبير فأقره عليهم، وهذا يدل على أن أهل العراق كلهم صاروا إلى إمارة عبد الله بن الزبير.
- وَلِيَ عبد الله بن مطيع الكوفة لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، سنة خمس وستين
(3)
.
- وولي مصعب بن الزبير على البصرة بعد الحارث بن عبد الله سنة سبع وستين
(4)
.
* تجديد بناء الكعبة في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه:
[152]
- (وانحلبت على ابن الزبير الأموال، فهدم الكعبة وجدد بناءها، وذلك سنة خمس وستين، ولف الحجر الأسود في حرير، وجعله في تابوت وختم عليه، واستودعه الحجبة مع جميع ما كان معلقًا في الكعبة من ذهب وجوهر، ولما بناها أدخل الحجر في البيت، فلما قُتِلَ ابن الزبير نقضها الحجاج، وأعاد بناءها على ما كان، فهي على ذلك إلى اليوم)
(5)
.
(1)
الأخبار الطوال 287.
(2)
البداية والنهاية 8/ 373.
(3)
ابن سعد: الطبقات 5/ 147.
(4)
الطبري: التاريخ 6/ 93.
(5)
الأخبار الطوال 287. 288.
ذكر نحوًا منها: الأزرقي
(1)
والبلاذري
(2)
والطبري
(3)
مطولًا.
ذكرت هذه الرواية هدم عبد الله بن الزبير رضي الله عنه للكعبة وإعادة بنائها، ومما يروى في سبب ذلك:
الحريق الذي أصاب الكعبة، في حرب عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأهل الشام سنة أربع وستين، فقد رقت حشوة الكعبة وضعف بناؤها
(4)
.
ومما يدل على هذا: ما أخرجه مسلم عن عطاءٍ
(5)
، قال: (لمّا احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشّام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزّبير حتّى قدم النّاس الموسم يريد أن يجرّئهم -أو يحرّبهم- على أهل الشّام، فلمّا صدر النّاس، قال: يا أيّها النّاس، أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثمّ أبني بناءها؟ أو أصلح ما وَهَى منها؟ قال ابن عبّاسٍ: فإنّي قد فرق لي رأيٌ فيها، أرى أن تصلح ما وَهَى منها، وتدع بيتًا أسلم النّاس عليه، وأحجارًا أسلم النّاس عليها، وبعث عليها النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزّبير:«لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتّى يجدّه، فكيف بيت ربّكم؟ إنّي مستخيرٌ ربّي ثلاثًا، ثمّ عازمٌ على أمري» ، فلمّا مضى الثّلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه النّاس أن ينزل بأوّل النّاس يصعد فيه أمرٌ من السّماء، حتّى صعده رجلٌ، فألقى منه حجارةً، فلمّا لم يره النّاس أصابه شيءٌ تتابعوا فنقضوه حتّى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزّبير أعمدةً، فستّر عليها السّتور حتّى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزّبير: إنّي سمعت
(1)
أخبار مكة 1/ 204.
(2)
الأنساب 5/ 349.
(3)
التاريخ 5/ 622.
(4)
خليفة بن خياط: التاريخ 252.
(5)
عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم المكي، ثقة فاضل مات سنة 114 هـ. ابن حجر: التقريب 391.
عائشة تقول: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أنّ النّاس حديثٌ عهدهم بكفرٍ، وليس عندي من النّفقة ما يقوّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرعٍ، ولجعلت لها بابًا يدخل النّاس منه، وبابًا يخرجون منه» ، قال:«فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف النّاس» ، قال:«فزاد فيه خمس أذرعٍ من الحجر حتّى أبدى أسًّا نظر النّاس إليه، فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلمّا زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشر أذرعٍ، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه»
(1)
.
* * *
(1)
مسلم: الصحيح 2/ 970.
الفصل الخامس
«فتنة المختار وإمارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
-»
أولًا: المختار الثقفي وبداية دعوته.
ثانيًا: غلبة المختار ومواجهة أهل الشام.
ثالثًا: المختار وتتبعه لقتلة الحسين رضي الله عنه.
رابعًا: مصعب بن الزبير والقضاء على المختار.
خامسًا: أخبار عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأخيه مصعب بن الزبير.
سادسًا: مقتل مصعب بن الزبير، وخضوع العراق لعبد الملك بن مروان.
سابعًا: الحجاج بن يوسف ومقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
أولًا: المختار الثقفي وبداية دعوته
* بداية دعوة المختار وأتباعه:
[153]
- (قالوا: وإن المختار بن أبي عبيد الثقفي
(1)
جعل يختلف بالكوفة إلى شيعة بني هاشم، ويختلفون إليه، فيدعوهم إلى الخروج معه والطلب بدم الحسين، فاستجاب له بشر كثير، وكان أكثر من استجاب له همدان، وقوم كثير من أبناء العجم الذين كانوا بالكوفة، ففرض لهم معاوية وكانوا يسمون الحمراء وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل
(2)
.
وكان على الكوفة يومئذ من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن مطيع، فأرسل ابن مطيع إلى المختار: ما هذه الجماعات التي تغدو وتروح إليك؟ فقال المختار: مريض، يعاد)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
، والطبري
(5)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية بداية ظهور المختار، ومن هم أتباعه ومن قام بأمره، وقد انفرد صاحب الكتاب بتسمية أصحاب المختار بالحمراء، والمشهور أنهم
(1)
المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي، ولد عام الهجرة، كان مع عمه في المدائن وعندما نزلها الحسن جريحًا، أشار على عمه بتسليم الحسن رضي الله عنه إلى معاوية، ولذلك غضبت عليه
الشيعة وأرادوا قتله إلا أن عمه كلم الحسن رضي الله عنه، فسألهم الإمساك عنه، البلاذري: الأنساب 6/ 375.
(2)
ذكر الطبري: التاريخ 6/ 23 أن عدد من بايعه كانوا اثنى عشر ألف، ولم يسمهم.
(3)
الأخبار الطوال 288.
(4)
الأنساب 6/ 382.
(5)
التاريخ 6/ 10.
يسمون بالخشبية؛ وذلك لأن أكثرهم كانوا يقاتلون بالخشب
(1)
، ويسمَّون أيضًا بالكيسانية
(2)
.
وقبل الدخول في أمر المختار هناك أسئلة يُسْتَحْسَن الإجابة عليها وهي مَنْ هو المختار قبل دعوته؟ ثم ما هي دعوته وعلاقته بآل البيت؟ وما عقيدته؟.
وللإجابة عن ذلك في ما يلي:
أولا: حال المختار قبل دعوته:
كان المختار مع عمه سعد بن مسعود
(3)
، والي المدائن من قبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما طعن الحسن رضي الله عنه ونزل المدائن، اقترح المختار على عمه أن يوثق الحسن رضي الله عنه ويرسله إلى معاوية رضي الله عنه لينال بذلك الشرف والغنى ولكن عمه أَبَى عليه وشتمه وبين له حرمته وقرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم
(4)
.
وبهذا الحدث نرى طبيعة الغدر المتأصلة فيه، وقد غضبت لذلك ناس من الشيعة، وهَمُّوا بقتله لولا أن طلب عمه من الحسن رضي الله عنه أن يأمرهم أن يكفوا عن ذلك
(5)
.
وروي أن مسلم بن عقيل حينما قدم الكوفة نزل دار المختار بن أبي عبيد، وقد بايعه المختار سرًّا، ولما خرج مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد
(1)
البلاذري: الأنساب 6/ 397.
(2)
وهم أصحاب المختار بن أبي عبيد الثقفي، وهم فرق يجمعهم القول بنوعين من البدع إحداهما: تجويز البداء على الله تعالى عما يقولون، والأخرى قولهم بإمامة محمد ابن الحنفية. الإسفراييني: التبصير في الدين 30.
(3)
سعد بن مسعود الثقفي، ذكر البخاري والطبراني أن له صحبة، ويقال: إنه تابعي كبير من الثانية، ممن سعى في عزل عمار بن ياسر رضي الله عنه عن الكوفة في عهد عمر رضي الله عنه، ثم كان مع علي رضي الله عنه في صفين وولاه المدائن، ابن حجر: الإصابة 3/ 70. أكرم الفلوجي: المعجم الصغير 1/ 190.
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 195.
(5)
البلاذري: الأنساب 6/ 376.
لم يكن المختار حاضرًا، ثم سمع بخروجه، وأتى لنصرته فلم يدرك ذلك وأخذ بها، ولما أحضر عند عبيد الله بن زياد أنكر ذلك، فضربه ابن زياد على عينه، ثم شفع له عمرو بن حريث واكتفى عبيد الله بسجنه، ثم أُخْرِجَ من سجنه بشفاعة عبد الله بن عمر رضي الله عنه؛ لأن أخت المختار كانت معه
(1)
.
ثم إن المختار كان مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في حربه مع جند الشام، وقد قاتل معه أشد القتال، فلما انقضت الحرب، وغادر أهل الشام استأذن المختار من عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في الخروج إلى الشام، وكان في نيته الغدر به، مع أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان لا يشك في صدقه وولائه
(2)
، وكان سبب تركه له أنه لم يُوله شيئًا
(3)
.
ثانيا: دعوة المختار وعلاقته بآل البيت:
رأينا فيما سبق أن المختار يتقلب في ولائه، وكأنه يبحث عن شيء ولم يجده، فقد كان يميل إلى معاوية رضي الله عنه، ثم صار مع مسلم بن عقيل، ولما قُتِلَ انحاز إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ولما خرج المختار من عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إلى الكوفة، وكان عليها عبد الله بن مطيع، فأظهر مناصحة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعابه في السر، ودعا إلى ابن الحنفية، وحرض الناس على ابن مطيع، وقتل صاحب شرطته، واتخذ له شيعة وخيلًا عظيمة، ثم هرب منه ابن مطيع
(4)
.
فالمختار يتولى آل البيت وهم يتبرءون منه، ولا يثبت أن أحدًا منهم أثنى عليه، وهذا يدل على أنه لا شيء فوق الدين، فهم عرفوا كذب المختار وسوء
(1)
البلاذري: الأنساب 7/ 376.
(2)
ابن سعد: الطبقات 5/ 98.
(3)
البلاذري: الأنساب 6/ 379.
(4)
ابن سعد: الطبقات 5/ 147.
عقيدته، ولذلك تبرؤوا منه، ولم ترد آثار صحيحة عن ابن عباس رضي الله عنه
(1)
، ولا عن محمد ابن الحنفية، ولا عن علي بن الحسين تذكر أنهم كانوا يتولون المختار، بل ورد عنهم ما يخالف ذلك ومن ذلك:
ما رواه البلاذري بسنده عن هشام بن عروة بن الزبير أنه قال: قيل
لابن عبّاسٍ إنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه، فقال: صدق إنّهما وحيان
وحيٌ اللّه إلى محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، ووحيٌ الشياطين، وقرأ:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ}
(2)
(3)
.
قال فخر الدين الرازي: (المختارية أتباع المختار بن أبي عبيد الثّقفيّ وهم يقولون: إن الإمام بعد الحسين هو محمّد ابن الحنفيّة، ثمّ زعم المختار أنه نائب محمّد ودعا الخلق إلى الضّلالة وأراد محمّد أن يقصد نحوه ويمنعه عن ذلك، فلمّا علم المختار أنه يريد قصده صعد المنبر وقال: يا قوم قد ذُكِرَ أن إمامكم قد قصد نحوكم، ومن أمارات الإمام ألا يؤثر فيه السّيف فإذا أتى فجربوا هذا فلمّا بلغ ذلك محمّدًا، وأنه قد قصد بذلك قتله هرب)
(4)
.
أما علي بن الحسين، فقد تبرأ من المختار على رءوس الأشهاد، وذلك
(1)
فقد روى البلاذري في الانساب 6/ 446 عن عبّاس بن هشام عن أبيه عن جدّه عن أبي صالحٍ قال: (كان ابن عبّاسٍ يقول في المختار: طلب بثأرِنا، وقتل قَتَلَتنا، فنهاه محمّد ابن الحنفيّة، وقال: نحن أعلم به فلا تقل فيه من الخير شيئًا)، وهذا الخبر روي عن عباس بن هشام الكلبي عن أبيه هشام عن جده محمد، وكلهم ضعاف. وروى ابن سعد، في الطبقات 5/ 73 عن الواقدي وهو ضعيف نحوًا مما سبق من كلام ابن عباس عن المختار.
(2)
سورة الأنعام، الآية:121.
(3)
الأنساب 6/ 446. وقد روي هذا الأثر أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنه فقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1379، والطبراني في المعجم الأوسط 1/ 283، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 333 أن رجاله رجال الصحيح.
(4)
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين 1/ 62.
لما سأل أبا جعفر عن المختار قال: (إنّ عليّ بن حسينٍ قام على باب الكعبة، فلعن المختار، فقال له رجلٌ: جعلني اللّه فداك، تلعنه وإنّما ذبح فيكم؟ فقال: إنّه كان كذّابًا، يكذب على اللّه وعلى رسوله)
(1)
.
وقد ابتدأ المختار دعوته في الكوفة سنة أربع وستين، وكانت متزامنة مع حركة التوابين التي يقودها سليمان بن صرد فانحازت طائفة من الشيعة إليه، وكان سليمان أثقل شيء عليه
(2)
.
ثالثا: عقيدة المختار:
ذكر الشهرستاني
(3)
: أن المختار بن أبي عبيد الثقفي، كان خارجيًا، ثم صار زبيريًّا، ثم صار شيعيًّا، وما انتظم أمره بالكوفة إلا بأمرين هما:
الأول: انتسابه إلى محمد ابن الحنفية علمًا ودعوة.
والآخر: أنه أخذ على عاتقه الثأر من قتلة الحسين رضي الله عنه.
وقد ادعى المختار النبوة، وقال بعقيدة البداء على الله سبحانه وتعالى.
وقال الشهرستاني: (وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء؛ لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة؛ فإن وافق كونه قوله، جعله دليلًا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم)، وقال:(وكان لا يفرق بين النسخ والبداء؛ قال: إذا جاز النسخ في الأحكام، جاز البداء في الأخبار)
(4)
.
(1)
أخرجه ابن سعد في الطبقات، 5/ 313. والدولابي في الكنى 2/ 464 من طريق محمد بن علي أبي جعفر.
(2)
البلاذري: الأنساب 6/ 367.
(3)
الملل والنحل 1/ 147.
(4)
المصدر السابق 1/ 148. وقال إن من مذهب المختار: أنه يجوز البداء على الله تعالى، والبداء له معانٍ: البداء في العلم وهو أن يظهر له خلاف ما علم؛ ولا أظن عاقلًا يعتقد هذا الاعتقاد، والبداء في الإرادة، وهو أن يظهر له صوابًا على خلاف ما أراد وحكم.
والبداء في الأمر: هو أن يأمر بشيء، ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك. ومن لم يُجِزِ النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة.
وذكر الإسفراييني السبب الذي جعل المختار يدّعي النبوة فقال: (ثمّ إن المختار خدعته السبابية
(1)
الغلاة من الرافضة، فقالوا له: أنت حجّة هذا الزّمان وحملوه على دعوى النّبوّة فادعاها عند خواصه وزعم أن الوحي ينزل عليه)
(2)
.
وقد أخرج مسلم في صحيحه حديثًا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنّ في ثقيفٍ كذّابًا ومبيرًا)، فأمّا الكذّاب فرأيناه، وأمّا المبير فلا إخالك إلّا إيّاه
(3)
، وذلك في حوارها مع الحجاج بن يوسف الثقفي بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
قال أبو الفضل السبتي: (وقولها: «إن فى ثقيف كذابًا ومبيرًا، أما الكذاب فرأيناه»؛ تعني المختار بن أبي عبيد، «وأما المبير فإخالك هو»؛ تريد لكثرة قتله)
(4)
.
وعلق ابن كثير على هذا الحديث فقال: (وكان المختار هو الكذّاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرّفض أوّلًا ويبطن الكفر المحض)
(5)
.
(1)
السبابية: أتباع عبد الله بن سبأ، الذي غلا في علي رضي الله عنه وزعم أنه كان نبيًّا، ثمّ غلا فيه حتّى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا من غواة الكوفة، ورفع خبرهم إلى علي رضي الله عنه فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين. الإسفراييني: الفرق بين الفرق 1/ 223.
(2)
الفرق بين الفرق 1/ 34.
(3)
الصحيح 4/ 1971.
(4)
إكمال المعلم بفوائد مسلم 7/ 589.
(5)
البداية والنهاية 9/ 153.
وقال ابن تيمية: (وأمّا الشّيعة فكثيرٌ منهم يعترفون بأنّهم إنّما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ومعاداة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، كما يعرف ذلك من خطاب الباطنيّة وأمثالهم من الدّاخلين في الشّيعة، فإنّهم يعترفون بأنّهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام، وإنّما يتظاهرون بالتّشيّع لقلّة عقل الشّيعة وجهلهم، ليتوسّلوا بهم إلى أغراضهم، وأوّل هؤلاء - بل خيارهم - هو المختار بن أبي عبيدٍ الكذّاب، فإنّه أمير الشيعة، وقتل عبيد الله بن زياد، وأظهر الانتصار للحسين، وتقرب بذلك لمحمد ابن الحنفية وأهل بيت .. ).
(ومن المعلوم أنّ عمر بن سعدٍ أمير السّريّة الّتي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدّنيا على الدّين، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيدٍ الّذي أظهر الانتصار للحسين وقتل قاتله، بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبًا من عمر بن سعدٍ، فهذا الشّيعيّ شرٌّ من ذلك النّاصبيّ، بل والحجّاج بن يوسف خيرٌ من المختار بن أبي عبيدٍ، فإنّ الحجّاج كان مبيرًا كما سمّاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسفك الدّماء بغير حقٍّ، والمختار كان كذّابًا يدّعي النّبوّة وإتيان جبريل إليه، وهذا الذّنب أعظم من قتل النّفوس، فإنّ هذا كفرٌ، وإن كان لم يتب منه كان مرتدًّا، والفتنة أعظم من القتل)
(1)
.
* دخول إبراهيم بن الأشتر في أمر المختار:
[154]
- (فلم يزل كذلك حتى قال له نصحاؤه: عليك بإبراهيم بن الأشتر
(2)
، فاستمله إليك، فإنه متى شايعك على أمر ظفرت به، وقضيت حاجتك.
(1)
منهاج السنة النبوية 2/ 68.
(2)
إبراهيم بن الأشتر بن مالك بن الحارث النخعي، أحد الأبطال الأشراف، كان شيعيًّا فاضلًا، وهو الذي قتل عبيد الله بن زياد في وقعة الخازر، ثم كان من أمراء مصعب بن الزبير، وقتل مع مصعب سنة اثنين وسبعين. الذهبي: السير 4/ 35.
فأرسل المختار إلى جماعة من أصحابه، فدخلوا عليه، وبيده صحيفة مختومة بالرصاص.
فقال الشعبي
(1)
: وكنت فيمن دخل عليه، فرأيت الرصاص أبيض يلوح، فظننت أنه إنما ختم من الليل، فقال لنا: انطلقوا بنا حتى نأتي إبراهيم بن الأشتر.
قال: فمضينا معه، وكنت أنا ويزيد بن أنس الأسدي
(2)
، وأحمر بن سليط
(3)
، وعبد الله بن كامل
(4)
، وأبو عمرة كيسان
(5)
، مولى بجيله، الذي يقول الناس: قد جاوره أبو عمرة، وكان من بعد ذلك على شرط المختار.
قال الشعبي: فأتينا إبراهيم بن الأشتر، وهو جالس في صحن داره، فسلمنا عليه، فتناول يد المختار، وأجلسه معه على مقعدة كان عليها.
(1)
عامر بن شراحيل بن عبدٍ، وقيل: ابن عبد ذي قباز، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل، أبو عمرو الشعبي، كوفي من شعب همدان، كان ثقة حافظًا فقيهًا فاضلًا، ولد في خلافة عمر، روى عن كثير من الصحابة، خرج إلى المدائن خوفًا من المختار ثم رجع إلى الكوفة، وجهه عبد الملك في رسالة إلى ملك الروم فأعجب به، مات الشعبي سنة 105 وقيل: 106 هـ. الخطيب: تاريخ بغداد 12/ 222. ابن حجر: التقريب 287.
(2)
يزيد بن أنس المالكي الأسدي، قائد من الشجعان، وهو من أصحاب المختار، وقد خرج معه على بني أمية مطالبًا بدم الحسين رضي الله عنه وقد أرسله إلى الموصل، فأرسل له عبيد الله بن زياد جيشًا فهزمه يزيد ومات بعد هذه الحادثة. الزركلي: الأعلام 8/ 179.
(3)
والصحيح من اسمه أحمر بن (شميط) بدل (سليط) البجلي، أحد القادة من أصحاب المختار، شهد وقائع مع المختار وبني أمية، ثم التقى بجيش أمام مصعب بن الزبير فقتل وتفرق جيشه. الزركلي: الأعلام 1/ 276.
(4)
عبد الله بن كامل الشاكري من همدان، صاحب شرطة المختار، شهد معه وقائعه ثم قتل في حروبه مع المصعب. البلاذري: الأنساب 6/ 395، 430.
(5)
كيسان أبو عمرة من الموالي، وهو مولى عرينة، كان على حرس المختار، وهو صاحب الكيسانية بعثه المختار لقتل عمر بن سعد فقتله، وكان رئيس الموالي وإليه يشكون أمرهم، وهو صاحب سر المختار وأمره. البلاذري: الأنساب 6/ 395، 406، الطبري: التاريخ 6/ 33، 96.
وتكلم المختار وكان مفوها، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الله قد أكرمك، وأكرم أباك من قبلك بموالاة بني هاشم ونصرتهم، ومعرفة فضلهم، وما أوجب الله من حقهم، وقد كتب إليك محمد بن علي بن أبي طالب يعني ابن الحنفية هذا الكتاب بحضرة هؤلاء النفر الذين معي.
فقال القوم جميعًا: نشهد أن هذا كتابه، رأيناه حين كتبه.
ثم ناوله، ففتحه وقرأه، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي إلى إبراهيم الأشتر، أما بعد، فإن المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين، فساعده في ذلك، وآزره يثبك الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.
فلما قرأ إبراهيم بن الأشتر الكتاب قال للمختار: سمعًا وطاعة لمحمد بن علي، فقل ما بدا لك، وادعُ إلى ما شئت، فقال المختار: أتأتينا، أو نأتيك في أمرنا؟ فقال إبراهيم: بل أنا آتيك كل يوم إلى منزلك.
قال الشعبي: فكان إبراهيم بن الأشتر يركب إلى المختار في كل يوم في نفر من مواليه وخدمه.
قال الشعبي: ودخلتني وحشة من شهادة النفر الذين كانوا معي، على أنهم رأوا محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب إلى إبراهيم بن الأشتر، فأتيتهم في منزلهم رجلًا رجلًا، فقلت: هل رأيت محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟ فكل يقول: نعم، وما أنكرت من ذلك؟.
فقلت في نفسي: إن لم أستعلمها من العجمي، يعني أبا عمرة، لم أطمع فيها من غيره.
فأتيته في منزله، فقلت: ما أخوفني من عاقبه أمرنا هذا أن ينصب الناس جميعًا لنا، فهل شهدت محمد ابن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟.
فقال: والله ما شهدته حين كتبه، غير أن أبا إسحاق يعني المختار عندنا ثقة، وقد أتانا بعلامات من ابن الحنفية، فصدقناه.
قال الشعبي: فعرفت عند ذلك كذب المختار، وتمويهه، فخرجت من الكوفة حتى لحقت بالحجاز، فلم أشهد من تلك المشاهد شيئًا)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
دون ذكر للشعبي، وأما البلاذري
(3)
فذكر أن الشعبي حضر مع المختار لضم ابن الأشتر ولم يذكر أنه شهد بشيء، والخبر غير مسند، والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية بدأ المختار يستميل كبار القادة والأشراف وذلك بادعائه أنه مرسل من عند محمد ابن الحنفية، ومن هؤلاء القادة إبراهيم بن الأشتر، والذي استماله بطريقة دنيئة وهي عن طريق كتاب وضعه على لسان محمد ابن الحنفية، وأن الشعبي حضر معهم ولم يشهد، ثم أخذ يسأل الذين شهدوا على صدق المختار فأخبروه أن شهادتهم للمختار كانت لصدقه، ولكن هذا الخبر ناقص، وتمامه ما رواه الطبري
(5)
من طريق أبي مخنف، وفيها أن الشعبي حضر هو وأبوه مع المختار حينما أراد تقديم الكتاب المزعوم من قبل المختار على لسان محمد ابن الحنفية، ولم يشهد هو وأبوه مع النفر؛ ولكنه أقر بصدقهم عندما سأله ابن الأشتر، وهذه الرواية لم تأتِ من طريق صحيح عن الشعبي، وأما متنها فمنكر فكيف يسع الشعبي أن يحضر مع المختار هو وأبوه ولا
(1)
الأخبار الطوال 288، 289.
(2)
الطبقات 5/ 98.
(3)
الأنساب 6/ 385.
(4)
التاريخ 6/ 15.
(5)
التاريخ 6/ 15.
يشهدوا بشهادة الحضور.
ومما سبق نقول: إنه لا يوجد خبر صحيح يمكن الاعتماد عليه، يثبت علاقة الشعبي بالمختار، بل قد رُوِيَ أن الشعبي خرج من الكوفة زمن فتنة المختار إلى البصرة ومن ذلك: أن له أخبارًا مع الأحنف بن قيس، وهو متزامن مع خروج المختار فقد قال الشعبي:(فاخرتُ أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة والأحنف ساكتٌ لا يتكلّم، فلمّا رآني غلبتهم أرسل غلامًا له فجاء بكتابٍ، فقال: هاك اقرأ. فقرأته فإذا فيه من المختار إليه يذكر أنّه نبيٌّ. قال فيقول الأحنف: أنّى فينا مثل هذا)
(1)
، ثم إنه خرج إلى المدينة فقد رواه ابن سعد بسنده عن الشعبي أنه قال:(أقمت بالمدينة مع عبد الله بن عمر ثمانية أشهرٍ أو عشرة أشهرٍ)
(2)
، قال محمّد بن سعدٍ:(وكان سبب مقامه بالمدينة أنّه خاف من المختار فهرب منه إلى المدينة فأقام بها)
(3)
، وذكر أبو عبد الله الحاكم أن الشعبي أقام بالمدينة ثمانية أشهر هاربًا من المختار
(4)
. وهذا يثبت أن الشعبي لم يكن يخفى عليه فساد المختار، فخافه وخرج من العراق إلى المدينة.
(1)
الفسوي: المعرفة والتاريخ 2/ 32.
(2)
الطبقات. 6/ 248.
(3)
المصدر السابق 6/ 248.
(4)
الذهبي: السير 4/ 297.
ثانيًا: غلبة المختار، ومواجهة أهل الشام
* خبر المختار مع عبد الله بن مطيع:
[155]
- (قالوا: وكان على شرطة عبد الله بن مطيع بالكوفة إياس بن نضار العجلي
(1)
، وكان طريق إبراهيم بن الأشتر إذا ركب إلى المختار على باب داره، فأرسل إلى إبراهيم: إنه قد كثر اختلافك في هذا الطريق، فأقصر عن ذلك.
فأخبر إبراهيم المختار بما أرسل إليه إياس، فقال له المختار: تجنب ذلك الطريق، وخذ في غيره. ففعل.
وبلغ إياسًا أن إبراهيم بن الأشتر لا يقلع عن إتيان المختار كل يوم، فأرسل إليه: أن أمرك يريبني، فلا أرينك راكبًا، ولا تبرحن منزلك، فأضرب عنقك.
فأخبر إبراهيم المختار بذلك. واستأذنه في قتله، فأذن له، وإن إبراهيم ركب في جماعة من أهل بيته وما يليه، وجعل طريقه على مجلس إياس، فقال له إياس: يا ابن الأشتر، ألم آمرك ألا تبرح من منزلك؟ فقال له إبراهيم: أنت والله ما علمت أحمق، فقال للجلاوزة: نكسوه، فانتضى إبراهيم سيفه، وشد على إياس، فضربه حتى قتله. ثم حمل على الجلاوزة، فانحرفوا عنه، ومضى إبراهيم.
وبلغ عبد الله بن مطيع الخبر، فأمر بطلب إبراهيم، ووجه إلى منزله، وبلغ ذلك المختار، فوجه إلى إبراهيم بمائة فارس، فلما وافوه حمل على أصحاب
(1)
إياس بن (مضارب) بدل (نضار) العجلي، تولى شرطة ابن مطيع، قتله إبراهيم بن الأشتر لما وقف في طريقه وأراد أن يقبض عليه ويرسله إلى ابن مطيع. البلاذري: الأنساب 6/ 383، 389.
ابن مطيع، فانهزموا عنه، فأقبل إبراهيم نحو دار الإمارة، ووافاه المختار في سبعة آلاف فارس، فتحصن ابن مطيع في القصر، وبعث إلى الحرس والجند، فوافاه منهم نحو ثلاثة آلاف
(1)
رجل، فنادى يا لثارات الحسين، فوافاه زهاء عشرة آلاف رجل ممن بايعه على الطلب بدم الحسين.
وفي ذلك يقول عبد الله بن همام:
وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى
…
ويزويه عن رود الشباب شموع
دعا، يالثارات الحسين فأقبلت
…
كتائب من همدان بعد هزيع
ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك
…
يقود جموعًا أردفت بجموع
ومن أسد وافى يزيد لنصره
…
بكل فتى ماضى الجنان منيع
(2)
وخرج ابن مطيع من القصر، واجتمع إليه الجنود، ونهد إليه المختار في أصحابه، وعلى مقدمته ابن الأشتر، فالتقوا، فاقتتلوا، فقتل من أصحاب ابن مطيع بشر كثير، فانهزموا.
وبادر ابن مطيع إلى القصر، فتحصن فيه في طائفة من أصحابه، وأقبلت همدان حتى تسلقوا القصر بالحبال من ناحية دار عمارة بن عقبة بن أبي معيط
(3)
.
فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل الأمان على نفسه ومن معه من أصحابه، فأجابه المختار إلى ذلك، فآمنه.
فخرج ابن مطيع، وأظهر المختار إكرامه، وأمر له من بيت المال بمائة
(1)
في البلاذري: الأنساب 6/ 391 عدد من كان مع المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة.
(2)
جاءت هذه الأبيات عند البلاذري: الأنساب 6/ 402، والطبري: التاريخ 6/ 35.
(3)
عمارة بن عقبة بن معيط القرشي والأموي، من مُسْلمة الفتح، عِداده في أهل الكوفة. ابن حجر: الإصابة 4/ 481.
ألف ألف درهم، وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب، وقال له: ارحل إذا شئت)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
مختصرًا، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذكر للمواجهة التي تمت بين عبد الله بن مطيع وبين المختار.
وما جاء به البلاذري
(5)
والطبري
(6)
في أمر ابن مطيع مع المختار أن ابن مطيع لما حُصِرَ أشار عليه أصحابه بالخروج، فخرج واستخفى، ثم إن المختار علم بمكانه فبعث له بمال ثم خرج من الكوفة.
وقد ورد أن سبب عفو المختار عن ابن مطيع أنه كان صديقًا له من قبل
(7)
.
وأما قول صاحب الكتاب أن المختار حفظ قرابة ابن مطيع بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد انفرد بهذا القول، ويبدو أنه من تعليقه على الحادثة، وإلا فمنهج المختار وفعله لا يجعله أهلًا لأن يوالي أحدًا من الصحابة، إلا أن يكون ذلك منه تقية، وأما عدم قتله عبد الله بن مطيع وأصحابه فلعله لا يريد تهييج أهل العراق وهو في بداية دعوته، وحتى يزداد بعفوه عنهم محبة أتباعه.
(1)
الأخبار الطوال 290، 291، 292.
(2)
الطبقات 5/ 147.
(3)
الأنساب 6/ 389.
(4)
التاريخ 6/ 18.
(5)
الأنساب 6/ 394.
(6)
التاريخ 6/ 33.
(7)
الطبري: التاريخ 6/ 33.
وروى ابن سعد
(1)
سببًا آخر شذ فيه عن حرب المختار مع ابن مطيع، وقد تمثل في أن المختار أراد أن يخطئ ابن مطيع ويقلل من سياسته في العراق وأن قيامه عليه ونزع إمارته من الكوفة كان بسبب أن ابن مطيع يوالي بني أمية وقد كتب لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه بذلك.
[156]
- (ثم إن المختار غلب على الكوفة ودانت له العراق وسائر البلاد إلا الجزيرة والشام ومصر، فإن عبد الملك قد كان حماها، ووجه عماله في الآفاق.
فاستعمل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني
(2)
على الموصل، ومحمد بن عثمان التميمي
(3)
على أذربيجان
(4)
، وعبد الله بن الحارث
(5)
أخا الأشتر على الماهين وهمذان
(6)
، ويزيد بن معاوية البجلي على أصبهان
(7)
وقم
(8)
وأعمالها، وابن مالك البكراوي
(9)
..............................
(1)
الطبقات 5/ 148. من طريق الواقدي.
(2)
عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، الكوفي، من سادات همدان، من الطبقة الثالثة، ولا يوجد له ترجمة. الفلوجي: المعجم الصغير 1/ 283.
(3)
وعند الطبري: التاريخ 6/ 34 أنه محمد بن عمير بن عطارد، وقد سبقت ترجمته.
(4)
أذربيجان: كورة تلي الجبل، من بلاد العراق، وتقع غرب أرمينية. الحميري: الروض المعطار 20.
(5)
عبد الله بن الحارث وهو أخي الأشتر، من أعيان الكوفة، كان من النفر الذين كلموا زياد في أمر حجر حتى أمنه إلى معاوية رضي الله عنه، وأول من عقد له المختار راية وذلك على أرمينية. الطبري: التاريخ 5/ 264، 6/ 34.
(6)
همذان: مدينة من عراق العجم من كور الجبل، وهي الآن مقاطعة فارسية. الحميري: الروض المعطار 596. الحربي: معالم مكة 101.
(7)
أصبهان: مدينة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، وهي من نواحي الجبل، وأصبهان اسم للإقليم بأسره، وكانت مدينتها جيا ثم صارت اليهودية. الحموي: البلدان 1/ 206.
(8)
قم: مدينة بأرض الجبال بين ساوة وأصبهان، أهلها شيعة غالية. القزويني: آثار البلاد 442.
(9)
عند الطبري: التاريخ 6/ 34، أن على حلوان سعد بن حذيفة بن اليمان.
على حلوان
(1)
وماسبذان
(2)
، ويزيد بن أبي نجبة الفزاري
(3)
على الري ودستبى، وزحر بن قيس على جوخى
(4)
، وفرق سائر البلدان على خاصته)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(6)
. وقد انفرد صاحب الكتاب بقوله: (ودانت له البلاد إلا ما كان من الشام ومصر).
• نقد النص:
في هذه الرواية بالغ صاحب الكتاب بالمناطق التي سيطر عليها المختار، وكأنه يريد تعظيم أمره، والإشادة به وبملكه، وقوله:(دانت له البلاد إلا مصر والشام) ليس دقيقًا وهو عار من الصحة، فأين المهلب والمناطق التي حررها من الخوارج وهي تابعة لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه مع الحجاز، بل إن البصرة لم يُحْكَم القبضة عليها، ومنها انطلقت الجيوش بقيادة مصعب للقضاء عليه كما سيأتي معنا في حديث القضاء على المختار.
والذي يظهر والله أعلم أنه لم يسيطر إلا على الكوفة والموصل والجزيرة وما حولها ودليل هذا ما رواه البلاذري بسنده: (أن مصعب بن الزّبير لما فرغ من قتال المختار، كان إبراهيم بن الأشتر على الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية، فعزله ووجهه لقتال الأزارقة، ووجه المهلب بن أبي صفرة على عمله، ثمّ عزل المهلب ورد إبراهيم بن الأشتر على العمل، ووجه المهلب لقتال الأزارقة)
(7)
.
(1)
حلوان: من كور الجبل بين فارس والأهواز. الحميري: الروض المعطار 195.
(2)
ماسبذان: أحد فروع الكوفة. الحميري: الروض المعطار 519.
(3)
لم أقف على ترجمة له.
(4)
جوخى: كورة بالعراق وهو ماسقي من نهر جوخى. الحميري: الروض المعطار 181.
(5)
الأخبار الطوال 291، 292.
(6)
التاريخ 6/ 34 من طريق أبي مخنف.
(7)
الأنساب 7/ 83.
[157]
- (وولى الشرطة كيسان أبا عمرة
(1)
، وأمره أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول، وتتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن علي، فيهدمها.
وكان أبو عمرة بذلك عارفًا، فجعل يدور بالكوفة على دورهم، فيهدم الدار في لحظة، فمن خرج إليه منهم قتله، حتى هدم دورًا كثيرة، وقتل أناسًا كثيرين، وجعل يطلب ويستقصي، فمن ظفر به قتله، وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم الذين كانوا معه)
(2)
.
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
والذي جاء في البلاذري
(3)
والطبري
(4)
من فعل كيسان أبا عمرة: أن المختار بعثه لقتل عمر بن سعد فقتله، ثم بعثه لقتل خولي بن يزيد الأصبحي.
* حرب المختار مع أهل الشام:
[158]
- (ثم إن المختار عقد ليزيد بن أنس الأسدي في عشرين ألف رجل وقواهم بالسلاح والعدة، وولاه الجزيرة وما غلب عليه من أرض الشام، فسار يزيد حتى نزل نصيبين
(5)
.
وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فخرج بأهل الشام فوافى نصيبين، وقاتل يزيد بن أنس، فهزمه، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وبلغ المختار
(1)
وعند البلاذري: الأنساب 6/ 395 أن عبد الله بن كامل الشاكري ولي شرطة المختار، وأن كيسان أبو عمرة مولى عرينة ولي حرس المختار، وهو صاحب الكيسانية.
(2)
الأخبار الطوال 292.
(3)
الأنساب 6/ 406.
(4)
التاريخ 6/ 59، 60.
(5)
نصيبين: تقع في أقصى الشمال من الجزيرة الفراتية بين حدود تركيا وسوريا، وهي على الطريق بين الموصل وحلب. الحربي: معجم المعالم الجغرافية 319.
ذلك، فقال لإبراهيم بن الأشتر: أيها الرجل، إنما هو أنا وأنت، فسر إليهم، فوالله لتقتلن الفاسق عبيد الله بن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم.
قال إبراهيم: ما أحسبك أيها الأمير بأحرص على قتال أهل الشام، ولا أحسن بصيرة في ذلك مني، وأنا سائر.
فانتخب له المختار عشرين ألف رجل، وكان جلهم أبناء الفرس الذين كانوا بالكوفة، ويسمون الحمراء، وسار نحو الجزيرة، ورَدَّ مَنْ كان انهزم من أصحاب يزيد بن أنس، فصار في نحو من ثلاثين ألف رجل.
وبلغ ذلك عبد الملك، فعقد للحصين بن نمير في فرسان أهل الشام، وكانوا نحوًا من أربعين ألفًا، وفيهم عبيد الله بن زياد، وفيهم من قتلة الحسين: عمير بن الحباب
(1)
، وفرات بن سالم
(2)
، ويزيد بن الحضين
(3)
، وأناس سوى هؤلاء كثير.
فقال فرات لعمير: قد عرفت سوء ولاية بني مروان، وسوء رأيهم في قومنا من قيس، ولئن خلص الأمر، وصفا لعبد الملك ليستأصلن قيسًا، أو ليقصينهم، ونحن منهم، فانصرف بنا لننظر ما حال إبراهيم بن الأشتر.
فلما جنهما الليل ركبا فرسيهما، وبينهما وبين عسكر إبراهيم أربعة فراسخ، وكانا يمران بمسالح أهل الشام، فيقولون لهما: من أنتما؟ فيقولان:
(1)
عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، الشاعر، أحد فرسان العرب المشهورين بالنجدة، له أخبار مع عبد الملك بن مروان، وكان مع عبيد الله بن زياد يوم الخارز ثم انحاز إلى إبراهيم بن الأشتر، قاتل بني تغلب وله معهم وقائع، فقتلوه بعدما أثخن فيهم وقتل ساداتهم، وذلك سنة سبعين من الهجرة. البلاذري: الأنساب 6/ 424. ابن عساكر: تاريخ دمشق 46/ 472.
(2)
فرات بن سالم، لم أقف على ترجمة له.
(3)
لم أقف على ترجمة له.
طليعة للأمير الحصين بن نمير.
فأقبلا حتى أتيا عسكر إبراهيم بن الأشتر، وقد أوقد النيران، وهو قائم يعبي أصحابه، وعليه قميص أصفر هروي وملاءة موردة متوشحًا بها، متقلدًا سيفه.
فدنا منه عمير بن الحباب، فصار خلفه، وإبراهيم لا يأبه له، فاحتضنه من ورائه، فما تحلحل إبراهيم عن موضعه، غير أنه أمال رأسه، وقال:
من هذا؟ قال: أنا عمير بن الحباب. فأقبل بوجهه إليه، وقال: اجلس حتى أفرغ لك. فتنحَّى عنه، وقعدا ممسكين بأعنة فرسيهما.
فقال عمير لصاحبه: هل رأيت رجلًا أربط جأشًا، وأشد قلبًا من هذا؟ تراه تحلحل من مكانه، أو اكترث
(1)
لي، وأنا محتضنه من خلف، فقال له صاحبه: ما رأيت مثله.
فلما فرغ إبراهيم من تعبئة أصحابه أتاهما، فجلس إليهما، ثم قال لعمير: ما أعملك إليّ يا أبا المغلس؟.
قال عمير: لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك، وذلك أني لم أسمع فيه كلامًا عربيًّا حتى انتهيت إليك، وإنما معك هؤلاء الأعاجم، وقد جاءك صناديد أهل الشام وأبطالهم، وهم زهاء أربعين ألف رجل، فكيف تلقاهم بمن معك؟.
فقال إبراهيم: والله لو لم أجد إلا النمل لقاتلتهم بها، فكيف وما قوم أشد بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي؟ وإنما هم أولاد الأساورة من أهل فارس، والمرازبة، وأنا ضارب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله.
(1)
أكترث: ما أكترث له أي ما أبالي به. الزبيدي: تاج العروس 5/ 333.
قال عمير: إن قومي قيسًا، إذا التقى الجبلان غدًا في ميسرة أهل الشام فلا تحفل بنا، فإنا منهزمون لنكسر الجيش بذلك، فإنا لا نحب ظهور بني مروان لسوء صنيعهم إلينا معاشر قيس، وأنا إليك لأميل.
قال إبراهيم: وذاك، ثم انصرفا إلى معسكرهما. ولما أصبح الفريقان زحف بعضهم إلى بعض، فتواقفوا بمكان يدعى خازر
(1)
فنادى إبراهيم بن الأشتر حماة عسكره عليكم بالميسرة، وفيها قيس.
فقال عمير بن الحباب لصاحبه: هذا وأبيك الحزم، لم يثق بقولنا وخاف مكرنا. وصاح عمير بن الحباب في قيس، يا لثارات مرج راهط، فنكسوا أعلامهم، وانهزموا، فانكسر أهل الشام. وحمل عليهم إبراهيم بن الأشتر، فأكثر فيهم القتل، وانهزم أهل الشام، فأتبعهم إبراهيم يقتلهم إلى الليل، وقتل أميرهم الحصين بن نمير وكان من قتلة الحسين، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وعظماء أهل الشام.
فلما وضعت الحرب أوزارها قال إبراهيم بن الأشتر: إني قتلت في الوقعة رجلًا من أهل الشام، كان يقاتل في أوائلهم قتالًا شديدًا، وهو يقول: أنا الغلام القرشي، فلما سقط شممت منه ريح المسك، فاطلبوه بين القتلى.
فطلب حتى أصابوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد، فأمر به إبراهيم، فحز رأسه، فوجَّه به إلى المختار، فوجه به المختار إلى محمد ابن الحنفية، واحتوى إبراهيم بن الأشتر على عسكر الشام، فغنم ما كان فيه)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
(1)
خازر: نهر بناحية الموصل معروف. الحميري: الروض المعطار 212.
(2)
الأخبار الطوال 292، 293، 294، 295.
(3)
الأنساب 6/ 423.
(4)
التاريخ 6/ 86.
• نقد النص:
جاءت هذه الرواية مسندة من طريق أبي مخنف، وقد زاد فيها عند صاحب الكتاب من قول عمير بن الحباب:(لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك) إلى قوله: (والنصر من عند الله) وكأنه يشير إلى أن المعركة التي فيها الانتقام من أهل الشام الذين قتلوا الحسين رضي الله عنه بزعمه قامت على الفرس الذين مع ابن الأشتر، وهو بذلك يشير إلى عظمة الوجود الفارسي المنتقم للحسين رضي الله عنه ويثبته ويشيد به، وهذا يضاف إلى قومية المؤلف، والرد على ذلك أن هذه الزيادة انفرد بها، ثم إن أهل الشام لم يقتلوا الحسين رضي الله عنه ولم يكن من بينهم إلا عبيد الله بن زياد، وأن الذي قتل الحسين رضي الله عنه كما سبق معنا هم أهل الكوفة.
وهذا قد ورد ما يخالفه وهو ما رواه البلاذري
(1)
أن عماد جيش ابن الأشتر هم من همدان وتميم وكندة وربيعة ومذحج وأسد، وربع من أهل المدينة وهم زهاء تسعة آلاف.
وذكر في هذه الرواية خبر هزيمة جيش الشام من قبل المختار بقيادة إبراهيم بن الأشتر، وأن سبب الهزيمة هو انهزام جيش الشام بسبب دخول عمير بن الحباب مع ابن الأشتر وذلك باتفاق مسبق بين القائدين، وقد جاء البلاذري
(2)
من طريق المدائني بمثله، وهذا لم يثبت، فقد ذكر الطبري
(3)
في رواية أخرى أن عمير بن الحباب أتى إلى ابن الأشتر فنصحه بمناجزة القوم وواعده بالانهزام، ولكنه لم يفعل وقاتل كراهية الانسحاب ثم أتى إلى ابن الأشتر بعد المعركة.
(1)
الأنساب 6/ 423.
(2)
المصدر السابق 6/ 449.
(3)
الطبري: التاريخ 6/ 89.
ثم أتت الرواية على بعض خرافات المختار، وما فيها من الإخبار بالغيب ومنها قوله:(والله لتقتلن الفاسق عبيد الله بن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم).
[159]
- (فأتته هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري
(1)
، امرأة عبيد الله بن زياد، فأخبرته بانتهاب ما كان معها من مالها، فقال لها: كم ذهب لك؟ قالت: قيمة خمسين ألف درهم. فأمر لها بمائة ألف درهم، ووجه معها مائة فارس حتى أتوا بها أباها البصرة)
(2)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية خبر هند بنت أسماء، وأنها شكت إلى إبراهيم بن الأشتر ما أصابه الجند من مالها وأنه رد ذلك عليها، وهذا الخبر لم يرد بسند يمكن الاعتماد عليه، وما ذكره غيره يخالفه تمامًا.
فأما الطبري
(3)
فذكر من خبرها في هذه المعركة أن عيينة بن أسماء
(4)
حمل أخته هند لما قتل عبيد الله بن زياد.
وأما ابن عساكر فذكر من خبرها بسنده: (كانت هند بنت أسماء بن
(1)
هند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، يذكر أنه لم يكن في زمانها مثلها في عقلها وأدبها، وجمالها كانت زوجة عبيد الله بن زياد، وهي لا تفارقه لا في حضر ولا في سفر، وقد حضرت معه يوم الخازر، فلما مات حزنت عليه أشد الحزن، ثم خلف عليها بشر بن مروان، ثم بعده الحجاج. ابن عساكر: تاريخ دمشق 70/ 165. الزركلي: الأعلام 8/ 96.
(2)
الأخبار الطوال 296.
(3)
التاريخ 6/ 90.
(4)
عيينة بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري الكوفي، الشريف، الشاعر، كان مع ابن الأشعث، ولما كان يوم دير الجماجم خرج إلى الحجاج وفارق ابن الأشعث. البلاذري: الأنساب 7/ 303. المرزباني: معجم الشعراء 276.
خارجة عند عبيد الله بن زياد بن أبيه وهو ابتكرها وكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر، فقتل يوم الخازر وهو من الزاب، وهي معه، فقالت: لا يستمكن هؤلاء مني، ثم شدت عليها قباءة وعمامته ومنطقته وركبت فرسه الكامل، ثم خرجت حتى دخلت الكوفة في بقية يومها وليلتها، ليس معها أنيس)
(1)
.
[160]
- (ودخل عبيد الله بن عمرو الساعدي
(2)
، وكان شاعرًا على إبراهيم بن الأشتر، فأنشده:
الله أعطاك المهابة والتقى
…
وأحل بيتك في العديد الأكثر
وأقر عينك يوم وقعة خازر
…
والخيل تعثر بالقنا المتكسر
من ظالمين كفتهم آثامهم
…
تركوا لعافية وطير حسر
ما كان أجرأهم، جزاهم ربهم
…
شر الجزاء على ارتكاب المنكر
إني أتيتك إذ تناءى منزلي
…
وذممت إخوان الغنى من معشري
وعلمت أنك لا تضيع مدحتي
…
ومتى أكن بسبيل خير أشكر
فهلم نحوي، من يمينك نفحة
…
إن الزمان ألح يا ابن الأشتر
فأعطاه عشرة آلاف درهم)
(3)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الأبيات.
• نقد النص:
وقد أورد هذه الأبيات تأكيدًا منه على ما ذكره في الرواية السابقة أن سبب قتال أهل الشام لأنهم قتلة الحسين رضي الله عنه، وهو بذلك يريد أن ينفي التهمة عن
(1)
تاريخ دمشق 70/ 165.
(2)
لم أقف على ترجمة له.
(3)
الأخبار الطوال 296.
أهل الكوفة ويحولها إلى أهل الشام.
[161]
- (وإن إبراهيم بن الأشتر أقام بالموصل، ووجه عماله إلى مدن الجزيرة، فاستعمل إسماعيل بن زفر
(1)
على قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي
(2)
على حران والرها وسميساط
(3)
، وعمير بن الحباب السلمي على كفرتوثا
(4)
، والسفاح ابن كردوس
(5)
على سنجار
(6)
، وعبد الله بن مسلم
(7)
على ميافارقين
(8)
، ومسلم بن ربيعة العقيلي
(9)
على آمد
(10)
، وسار هو إلى نصيبين، فأقام بها)
(11)
.
(1)
ولعل الصحيح من اسمه زفر بن الحارث كما جاء عند البلاذري: الأنساب 6/ 427 من طريق الهيثم بن عدي، وهو زفر بن الحارث بن عبد عمرو الكلابي، من أمراء العرب، سكن البصرة ثم الشام، هرب بعد مرج راهط وتحصن بقرقيسيا، توفي بخلافة عبد الملك. الذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 403.
(2)
حاتم بن النعمان بن عمر الباهلي، كان سيد بني باهلة، افتتح مرو سنة 31 هـ وشهد مع معاوية رضي الله عنه صفين وكان أميرًا على بعض العسكر. ابن عساكر: تاريخ دمشق 11/ 379.
(3)
سميساط: مدينة على شاطي الفرات في طرف الروم. الحموي: البلدان 3/ 258.
(4)
كفر توثا: قرية كبيرة من أعمال الجزيرة. القطيعي: مراصد الاطلاع 3/ 1196.
(5)
لم أقف على ترجمة له.
(6)
سنجار: مدينة مشهورة في نواحي الجزيرة، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام. الحموي: البلدان 3/ 262.
(7)
عبد الله بن مسلم لم أقف على ترجمة له.
(8)
ميفارقين: من أشهر المدن بديار بكر في الجزيرة. الحموي: البلدان 5/ 335.
(9)
مسلم بن ربيعة بن عاصم العقيلي، لم أقف على ترجمة له ولم أقف على من جاء بذكره في هذا الموضع، وابنه إسحاق بن مسلم كان من قواد مروان بن محمد وله ترجمة عند ابن عساكر: تاريخ دمشق 8/ 280.
(10)
آمد: مدينة من أعمال الموصل والجزيرة، ما بين دجلة والموصل، قريبة من ميفارقين. الحميري: الروض المعطار 3.
(11)
الأخبار الطوال 296، 297.
ذكر الطبري: (ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عماله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة)
(1)
.
وذكر البلاذري نحوًا من رواية الطبري، وزاد عن الهيثم بن عدي أنه قال:(ولَّى ابن الأشتر زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم بن النعمان الباهلي حران والرها، وسميساط وناحيتها، وعمير بن الحباب كفرتوثا وطور عبدين) وقال البلاذري: (وليس ذلك بثبت عند الكلبي)
(2)
.
• نقد النص:
هنا نجد البلاذري شكك في رواية الهيثم بن عدي، التي اعتمدها صاحب الكتاب في دخول أمراء الشام، وهم زفر بن الحارث في أمر المختار وتوليته قرقيسيا، وفي تولية حاتم بن النعمان الباهلي، فلم أجد من تابعه على ذلك حتى في أمر عمير بن الحباب، ولو ثبت دخوله في أمر المختار لثبت تواطؤه مع ابن الأشتر في يوم الخازر، كما ذكرت الرواية رقم [158]، والتي فيها أن عميرًا من قتلة الحسين رضي الله عنه، ثم يُعطَى ولاية بعد المعركة وهذا كله من التناقض.
وما اختاره صاحب الكتاب من رواية الهيثم في أمراء الشام، ودخولهم بأمر المختار يوحي أن جملة أمراء الشام دخلوا في أمر المختار، وهذا منه ومن الهيثم تعظيمًا لشأن المختار وتثبيتًا لسلطانه.
* عبيد الله بن الحر والمختار:
[162]
- (وإن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفى، وكان
(1)
التاريخ 6/ 93.
(2)
الأنساب 6/ 427.
بناحية الجبل يتطرف
(1)
ويغير: إنما خرجت غضبًا للحسين، ونحن أيضًا ممن غضب له، وقد تجردنا لنطلب بثأره، فأعنا على ذلك، فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك.
فركب المختار إلى داره بالكوفة فهدمها، وأمر بامرأته أم سلمة، ابنة عمر الجعفي
(2)
، فحُبِسَتْ في السجن، وانتهب جميع ما كان في منزله، وكان الذي تولى ذلك عمرو بن سعيد بن قيس الهمداني
(3)
، وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر، فقصد إلى ضيعة لعمرو بن سعيد بالماهين
(4)
، فأغار عليها، واستاق مواشيها، وأحرق زرعها، وقال:
وما ترك الكذاب من جُلِّ مالنا
…
ولا المرء من همدان غير شريد
أفي الحق أن يجتاح مالي كله
…
وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد؟
(5)
ثم اختار من أبطال أصحابه مائة فارس، فيهم محشر التميمي
(6)
، ودلهم بن زياد المرادي
(7)
، وأحمر طيّئ
(8)
، وخلف بقية أصحابه بالماهين،
(1)
التطرف: هو التباعد. الزبيدي: تاج العروس 24/ 87.
(2)
ولعل الصحيح من اسمها: أم سلمة بنت عبدة بن الحليق الجعفية. البلاذري: الأنساب 7/ 32.
(3)
والصحيح من اسمه أنه (عبد الرحمن) بدل (عمرو) بن سعيد بن قيس، شجاع من أشراف اليمنيين، من شبام، كان سيد قومه، تولى الموصل للمختار، ثم قام مع أهل الكوفة في أمر المختار وقتل في أحد حروبه ضده. البلاذري: الأنساب 6/ 395، 398، الأعلام: الزركلي 3/ 307. وعند البلاذري: الأنساب 7/ 32، في نفس الموضع أن الذي فعل ذلك هو عبد الله بن كامل.
(4)
. الماهين: لم أقف على تعريف لها.
(5)
ذكر نحوها الطبري: التاريخ 6/ 130 وعدد أبياتها تسعة.
(6)
لم أقف على ترجمة له.
(7)
يعرف بدلهم المرادي وهو أحد أصحاب ابن الحر وأحد الفرسان. البلاذري: الأنساب 7/ 32. الطبري: التاريخ 6/ 133، ولم يذكر عندهم في هذا الموضع.
(8)
لم أقف على ترجمة له.
وسار نحو الكوفة حتى انتهى إلى جسرها ليلًا، فأمر بقُوَّام الجسر، فكُتِّفُوا، ووَكَّل بهم رجلًا من أصحابه، ثم عبر، ودخل الكوفة، فلقيه أبو عمرة كيسان، وهو يعس بالكوفة، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن أصحاب عبد الله بن كامل، أقبلنا إلى الأمير المختار، قال: امضوا في حفظ الله.
فمضوا حتى انتهوا إلى السجن، فكسروه، فخرج كل من فيه، وحمل أم سلمة على فرس، وَوَكَّل بها أربعين رجلًا، وقدمها، ثم مضى، وبلغ الخبر المختار، فأرسل راشدًا مولى بجيلة في ثلاثة آلاف رجل، وعطف عليهم أبو عمرة من ناحية بجيلة في ألف رجل.
وخرج عليهم عبد الله بن كامل من ناحية النخع في ألف رجل، فأحاطوا بهم، فلم يزل عبيد الله يكشفهم، ويسير والحجارة تأخذه هو وأصحابه من سطوح الكوفة حتى عبر الجسر، وقد قُتِلَ من أصحاب المختار مائة رجل، ولم يقتل من أصحابه إلا أربعة نفر.
وسار عبيد الله حتى انتهى إلى بانقيا
(1)
فنزلوا، وداووا جروحهم، وعلفوا دوابهم، وسقوها، ثم ركبوا، فلم يحلوا عقدها حتى انتهوا إلى سورا فأراحوا بها، ثم ساروا حتى أتوا المدائن، ثم لحق بأصحابه بالماهين)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
والطبري
(4)
مختصرًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية أن المختار انتقم من عبيد الله بن
(1)
بانقيا: أرض بالنجف دون الكوفة. الحميري: الروض المعطار 76.
(2)
الأخبار الطوال 297، 298.
(3)
الأنساب 7/ 32.
(4)
التاريخ 6/ 129.
الحر؛ وذلك لأنه رفض أن يُعِينَهُ على قَتَلَة الحسين رضي الله عنه، وقد انفرد بهذا السبب، وقد ورد عند غيره ما يخالفه فعند الطبري والبلاذري
(1)
أن السبب الذي جعل المختار ينتقم من عبيد الله بن الحر هو أن عبيد الله بدأ يُغِيرُ على مناطق تابعة للمختار.
* * *
(1)
الأنساب 7/ 32، التاريخ 6/ 129.
ثالثًا: المختار وتتبعه لقتلة الحسين رضي الله عنه
-
* تتبع المختار لقتلة الحسين رضي الله عنه:
[163]
- (ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ومحمد بن الأشعث، وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين، وأتى بعبد الرحمن بن أبزي الخزاعي
(1)
، وكان ممن حضر قتال الحسين، فقال له: يا عدو الله، أكنت ممن قاتل الحسين؟ قال: لا، بل كنت ممن حضر، ولم يقاتل. قال: كذبت، اضربوا عنقه.
فقال عبد الرحمن: ما يمكنك قتلي اليوم حتى تُعْطَى الظفر على بني أمية، ويصفو لك الشام، وتَهْدِمُ مدينة دمشق حجرًا حجرًا، فتأخذني عند ذلك، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر، كأني أنظر إليها الساعة.
فالتفت المختار إلى أصحابه وقال: أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم. ثم أمر به إلى السجن.
فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به، فقال له: يا أخا خزاعة، أظرفًا عند الموت؟.
فقال عبد الرحمن بن أبزي: أنشدك الله أيها الأمير إن الموت هاهنا ضيعة.
قال: فما جاء بك من الشام؟ قال: بأربعة آلاف درهم لي على رجل من أهل الكوفة، أتيته متقاضيًا.
(1)
عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي، مولاهم، له إدراك وصحبة، وهو من صغار الصحابة، كان قارئًا لكتاب الله عالمًا بالفرائض، وقد استخلفه نافع بن عبد الحارث في زمن عمر رضي الله عنه على مكة، ثم سكن الكوفة، وقد ولاه علي رضي الله عنه على خراسان، ذكر الذهبي أنه عاش إلى نيف وسبعين. الذهبي: السير 3/ 201. ابن حجر: الإصابة 4/ 238.
فأمر له المختار بأربعة آلاف درهم، وقال له: إن أصبحت بالكوفة قتلتك.
فخرج من ليلته حتى لحق بالشام)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب نسب هذه القصة إلى أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عبد الرحمن بن أبزي رضي الله عنه، وفيها أنه كذب على المختار ليطلقه، ولم أقف على من جاء بذكر هذا الصحابي في خبر قتل الحسين رضي الله عنه أو في موقفه مع المختار.
ثم إنه قد ورد عند ابن سلام بسنده ما يخالفه، وذلك في القول الذي جاء على لسان عبد الرحمن بن أبزي رضي الله عنه للمختار أنه منسوب لسراقة البراقي
(2)
، وهو قوله:(ما يمكنك قتلي اليوم حتى تعطي الظفر على بني أمية، ويصفو لك الشام، وتهدم مدينة دمشق حجرًا حجرًا، فتأخذني عند ذلك، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر، كأني أنظر إليها الساعة)
(3)
. وستأتي قصته مع المختار في الرواية رقم [170].
[164]
- (ومكث المختار بذلك يطلب قَتَلَة الحسين، وتُجْبَى إليه الأموال من السواد، والجبل، وأصبهان، والري، وأذربيجان، والجزيرة ثمانية
(1)
الأخبار الطوال 298، 299.
(2)
سراقة بن مردس الأزدي البارقي، من شعراء العراق، كان ظريفًا، أسره المختار ثم أطلقه بعد أن صنع له حديثًا يعجب المختار، وهو قوله: إن الذي أسرني هم الملائكة؛ فسُرَّ بذلك المختار وأطلقه، ثم هجا المختار وهرب إلى دمشق وكان قريب من بشر بن مروان الذي يجتمع إليه الشعراء فيغري بينهم، فحمل سراقة على هجاء جرير فهجاه. محمد بن سلام: طبقات فحول الشعراء 2/ 439. ابن عساكر: تاريخ دمشق 20/ 156.
(3)
ابن سلام: طبقات فحول الشعراء 2/ 439.
عشر شهرًا، وقرّب أبناء العجم، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات، وقرّب مجالسهم، وباعد العرب وأقصاهم، وحرمهم. فغضبوا من ذلك.
واجتمع أشرافهم فدخلوا عليه، فعاتبوه، فقال: لا يبعد الله غيركم، أكرمتكم فشمختم بآنافكم، ووليتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم، وأوفى، وأسرع إلى ما أريد)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية.
وأما الطبري فقد روى عن أبي مخنف عن موسى بن عامر العدوي
(2)
قال: (وعلى حرسه كيسان أبو عمرة مولى عرينة، فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك؟ فقال له- وأسرَّ إليه: شق عليهم أصلحك الله صرفَ وجهك عنهم إلى العرب، فقال له: قل لهم: لا يشقن ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم ثم سكت طويلًا، ثم قرأ:{إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}
(3)
قال: فحدثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ما هو إلا أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم والله به قد قتلهم)
(4)
.
• نقد النص:
ورواية الطبري أحسن حالًا من رواية صاحب الكتاب وهي موافقة لحال
(1)
الأخبار الطوال 299.
(2)
موسى بن عامر العدوي، أبو الأشعر، من السادسة فما فوق لا يعرف ولا توجد له ترجمة. الفلوجي: المعجم الصغير 2/ 583. قلت: وهو شيخ لأبي مخنف يروي عنه في حوادث المختار.
(3)
سورة السجدة، الآية:22.
(4)
التاريخ 6/ 33.
المختار مع العرب، فقد قربهم وأوكل إليهم كثير من المهام والقيادات، وبذلك يكون صاحب الكتاب خالف غيره وحرف في هذه الرواية؛ حيث ذكر أن العرب هم من عاتبوا المختار؛ لأنه قرب العجم وتركهم، وقد اختتم روايته بزيادة أوصاف واتهامات يريد أن يثبتها على العرب، وهي قوله:(ووليتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم، وأوفى، وأسرع إلى ما أريد)، ولعل هذا هدفه من قلب الرواية، ويضاف إلى شعوبيته.
* ثورة أهل الكوفة على المختار:
[165]
- (قالوا: فدنت العرب، بعضها إلى بعض، وقالوا: هذا كذاب، يزعم أنه يوالي بني هاشم، وإنما هو طالب دنيا.
فاجتمعت القبائل على محاربته، وصاروا في ثلاثة أمكنة، وولوا أمرهم رفاعة بن سوار
(1)
، فاجتمعت كندة، والأزد، وبجيلة، والنخع، وخثعم، وقيس، وتيم الرباب في جبانة مراد
(2)
، واجتمعت ربيعة وتميم، فصاروا في جبانة الحشاشين
(3)
.
وأرسل المختار إلى همدان وكانوا خاصته واجتمع إليه أبناء العجم.
فقال لهم: ألا ترون ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: بلى.
قال: فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لتقديمي إياكم، فكونوا أحرارًا كرامًا.
فحرضهم بذلك، وأخرجهم إلى ظهر الكوفة، فأحصاهم، فبلغوا أربعين ألف رجل.
وإن شمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، ومحمد بن الأشعث، وأخاه
(1)
لم أقف على ترجمة له.
(2)
جبانة مراد: موضع بالكوفة. اليعقوبي: البلدان 149.
(3)
لم أقف على تعريف لها.
قيس بن الأشعث قدموا الكوفة عند ما بلغهم خروج الناس على المختار وخلعهم طاعته، وكانوا هرابًا من المختار طول سلطانه؛ لأنهم كانوا الرؤساء في قتال الحسين، فصاروا مع أهل الكوفة، وتولوا أمر الناس.
وتأهب الفريقان للحرب، واجتمع أهل الكوفة جميعًا في جبانة الحشاشين، وزحف المختار نحوهم، فاقتتلوا، فقتل بينهم بشر كثير، فنادى المختار: يا معشر ربيعة، ألم تبايعوني؟ فلِمَ خرجتم عليَّ؟
قالت ربيعة: قد صدق المختار، فقد بايعناه وأعطيناه صفقة أيماننا، فاعتزلوا، وقالوا: لا نكون على واحد من الفريقين. وثبت سائر القبائل، فقاتلوا.
وإن أهل الكوفة انهزموا، وقد قُتِلَ منهم نحو خمس مائة رجل، وأُسِرَ منهم مئتا رجل، فهرب أشراف الكوفة، فلحقوا بالبصرة، وبها مصعب بن الزبير، فانضموا إليه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(2)
مختصرًا، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا، وانفرد صاحب الكتاب بموقف ربيعة.
• نقد النص:
أما موقع المعركة فليس جبانة الحشاشين، وإنما هو جبانة السبيع وكانت المعركة سنة ست وستين
(5)
.
وفي هذه الرواية نجد أن صاحب الكتاب يعيد الكَرَّة عن الحديث الذي تم
(1)
الأخبار الطوال 299، 300، 301.
(2)
التاريخ 263.
(3)
الأنساب 6/ 398.
(4)
التاريخ 6/ 43.
(5)
البلاذري: الأنساب 6/ 402، الطبري: التاريخ 6/ 43.
بين المختار وبين العجم الذين معه، كما قلب الرواية السابقة، وكأنه يريد أن يثبت أن العرب قاتلوا المختار دفاعًا عن مكانتهم، وليس لأنه كاذب محتال، ومما لا شك فيه أن هذا من تغيير الحقائق وقلبها، وقد ذكر نحوًا من هذا الخبر الطبري
(1)
عن أبي مخنف، وذكر فيه معاتبة أهل الكوفة للمختار أنه قرب الموالي، وجعل لهم الفيء، فرضي المختار أن يجيب لهم كل ما أرادوا واشترط عليهم نصرته على بني أمية ولكنهم أجمعوا على حربه.
وهذه الرواية وُجِدَ ما يعارضها ويناقضها من أبي مخنف نفسه راوي الخبر، فقد ذكر في رواية أخرى المآخذ التي أخذها أهل الكوفة على المختار ومنها قولهم:(إنه تأمَّر علينا بغير رضًا منا، وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا، وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل، وأطعم موالينا فيئنا، وأخذ عبيدنا، فحرَّبَ بهم يتامانا وأراملنا، وأظهر هو وسبئيته البراءة من أسلافنا الصالحين)
(2)
.
وبهذه الروية نجد أن أهل الكوفة وجدوا على المختار مجموعة من المآخذ التي حملتهم على قتاله.
وأما قوله فجلُّ أصحاب المختار من همدان، فهذا أيضًا لا يكون على إطلاقه فقد اشتركت همدان ضده مع أهل الكوفة بقيادة عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني
(3)
، بل يروى أنه وبعد معركة جبانة السبيع أسر المختار من الهمدانيين خمسمائة أسير
(4)
.
ثم ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية أن ربيعة خذلوا أهل الكوفة وانحازوا إلى المختار، فلم أجد مَنْ تابعه على ذلك، ثم إنه وُجِدَتْ رواية
(1)
التاريخ 6/ 43.
(2)
الطبري: التاريخ 6/ 44.
(3)
الطبري: التاريخ 6/ 45.
(4)
البلاذري: التاريخ 6/ 401.
مخالفة لما ذكر، فقد رُوِيَ أنهم اشتركوا في الحرب ضده وأن عليهم يزيد بن الحارث، وأنه لما هزمت اليمن ومضر تفرقت ربيعة
(1)
.
* تتبع المختار لقتلة الحسين رضي الله عنه:
مقتل عمر بن سعد:
[166]
- (وبلغ المختار أن شبث بن ربعي، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن الأشعث مع عمر بن سعد قد أخذوا طريق البصرة في أناس معهم من أشراف أهل الكوفة، فأرسل في طلبهم رجلًا من خاصته يسمى أبا القلوص الشبامي
(2)
في جريدة خيل، فلحقهم بناحية المذار، فواقعوه، وقاتلوه ساعة، ثم انهزموا، ووقع في يده عمر بن سعد ونجا الباقون.
فأتى به المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكن منك، والله لأشفين قلوب آل محمد بسفك دمك، يا كيسان، اضرب عنقه، فضرب عنقه، وأخذ رأسه، فبعث به إلى المدينة، إلى محمد ابن الحنفية)
(3)
.
انفرد صاحب الكتاب في هذه الرواية التي تذكر مقتل عمر بن سعد في موقعة جبانة السبيع، وقد أشار إلى ذلك خليفة بن خياط
(4)
، وذكر أن مقتله وابنه حفص في جبانة السبع سنة ست وستين، ثم ذكر في رواية أخرى أنه قُتِلَ سنة سبع وستين.
• نقد النص:
وأما المصادر الأخرى
(5)
فقد جاءت برواية أشهر من ما سبق، وهي تذكر
(1)
البلاذري: الأنساب 6/ 398، 399.
(2)
لم أقف على ترجمته.
(3)
الأخبار الطوال 301.
(4)
التاريخ 263.
(5)
البلاذري: الأنساب 6/ 405، الطبري: التاريخ 6/ 60.
أن المختار أول ما أتى الكوفة أحسنَ بالناس السيرة وتألف قلوبهم، فطلب عمر بن سعد أمانًا من المختار فأمنه وكتب له بذلك كتابًا، ثم بعث إليه من يقتله، فقتله وألحق به ابنه حفص.
أما بعث رأس عمر بن سعد إلى محمد ابن الحنفية من قبل المختار فلم يأتِ بسند صحيح
(1)
.
[167]
- (وقال أعشى همدان، وكان من أهل الكوفة:
ولم أنس همدانا غداة تجوسنا
…
بأسيافها، لا أسقيت صوب هاضب
فقتل من أشرافنا في محالهم
…
عصائب منهم أردفت بعصائب
فكم من كمي قد أبارت سيوفهم
…
إلى الله أشكو رزء تلك المصائب
يقتلنا المختار في كل غائط
…
فيا لك دهر مرصد بالعجائب)
(2)
أورد البلاذري
(3)
نحوًا منها، عن أعشى همدان، وفيها خبر هزيمة أهل الكوفة في جبانة السبيع وزاد فذكر هذه الأبيات:
جزى اللّه إبراهيم عن أهل مصره
…
جزاء امرئ عن وجهه الحق ناكب
سما بالقنا من أرض ساباط مرقلا
…
إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
فصب على الأحياء من صوب ودقة
…
شآبيب موت عقبت بالحرائب
فأضحى ابن ربعي قتيلا مجدلًا
…
كأن لم يقاتل مرة ويحارب
يقصد به شبث بن ربعي، وقد نفى البلاذري أن يكون قتل في هذه المعركة وأن من قال ذلك احتج بهذه القصيدة، ومن نفى احتج بهذا الشطر (فأضحى ابن
(1)
الطبري: التاريخ 6/ 62 من طريق أبي مخنف.
(2)
الأخبار الطوال 301.
(3)
الأنساب 6/ 402.
صبهان قتيلًا مجدلًا)، ثم قال:(وذلك الثبت والأول غلط وإنما مات حتف أنفه)
(1)
.
* مقتل شمر بن ذي الجوشن:
[168]
- (وبلغ المختار أن شمر بن ذي الجوشن مقيم بدستميسان
(2)
في أناس من بني عامر بن صعصعة، يكرهون دخول البصرة لشماتة أهل البصرة بهم، فأرسل المختار إليهم زربيًّا، مولى بجيلة، في مائة فارس على الخيل العتاق، فسار بهم بالحث الشديد، فقطع أصحابه عنه إلا عشرة فوارس، فلحقهم وقد استعدوا له، فطعنه شمر، فقتله، وانهزم أصحابه العشرة حتى لحق بهم الباقون، فطلبوا شمرًا وأصحابه، فلم يلحقوهم، ومضى شمر حتى نزل قريبًا من البصرة بمكان يدعى سادماه
(3)
فأقام به)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
مختصرًا، والطبري
(6)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذا الخبر شمر بن ذي الجوشن ولم يأت على قتله، ويبدو أنه اختصر الخبر ولم يتمه.
(1)
الأنساب 6/ 402.
(2)
بدستميسان: كورة جلية بين واسط والبصرة والأهواز، وهي أقرب إلى الأهواز. الحموي: البلدان 2/ 455.
(3)
ولعله الصحيح من اسمه ساتيدما كما جاء عند الطبري 6/ 52 ومعناه الجبل المحيط بالأرض، ومنه جبل بارما وهو معروف بين حمرين وما يتصل به قرب الموصل والجزيرة. الحموي: البلدان 3/ 169.
(4)
الأخبار الطوال 301، 302.
(5)
الأنساب 6/ 407.
(6)
التاريخ 6/ 52.
وتمام الخبر ما رواه البلاذري
(1)
والطبري
(2)
أن أهل الكوفة لما هُزِمُوا في يوم الجبانة خرج شمر بن ذي الجوشن على فرسه، فأرسل المختار إليه غلام له يدعى زربي مع جند له، فلحقه زربي فعطف عليه شمر فقتله، ثم خرج إلى قرية وكتب إلى مصعب كتابًا فأرسل مع رجل، فأمسك أصحاب المختار بهذا الرجل وسألوه عن صاحب الكتاب فأخبرهم مكانه، فانتهى خبره إلى المختار فبعث إليه جيشًا فلم يشعر إلا وقد أحاطوا به، فقاتلهم ثم قتلوه.
فيصبح ما سبق أشهر مما ذكره صاحب الكتاب الذي جاء بقصة مقتل شمر بن ذي الجوشن في خبر مسير أحمر بن سليط، الذي أرسله المختار لملاقاة المصعب، مما يعني أنه في آخر زمن المختار كما سوف يأتي معنا في الرواية رقم [174].
[169]
- (وإن قيس بن الأشعث أنف من أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها، فانصرف إلى الكوفة مستجيرًا بعبدالله بن كامل، وكان من أخص الناس عند المختار.
فأقبل عبد الله إلى المختار، فقال: أيها الأمير، إن قيس بن الأشعث قد استجار بي وأجرته، فانفذ جواري إياه.
فسكت عنه المختار مليًّا، وشغله بالحديث، ثم قال: أرني خاتمك، فناوله إياه، فجعله في أصبعه طويلًا.
ثم دعا أبا عمرة، فدفع إليه الخاتم، وقال له سرًّا: انطلق إلى امرأة عبد الله بن كامل، فقل لها: هذا خاتم بعلك علامة، لتدخليني إلى قيس بن
(1)
البلاذري: الأنساب 6/ 407.
(2)
الطبري: التاريخ 6/ 52.
الأشعث، فإني أريد مناظرته في بعض الأمور التي فيها خلاصه من المختار، فأدخلته إليه. فانتضى سيفه، فضرب عنقه، وأخذ رأسه، فأتى به المختار، فألقاه بين يديه.
فقال المختار: هذا بقطيفة الحسين، وذلك أن قيس بن الأشعث أخذ قطيفة كانت للحسين حين قتل، فكان يسمى قيس قطيفة.
فاسترجع عبد الله بن كامل، وقال للمختار: قتلت جاري وضيفي وصديقي في الدهر؟
قال له المختار: لله أبوك، اسكت، أتستحل أن تجير قتله ابن بنت نبيك؟)
(1)
.
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذا الخبر عن قيس بن الأشعث.
• نقد النص:
لم أقف على خبر يفيد بزمن وفاة قيس بن الأشعث، وانقطع خبره في المصادر بعد قتل الحسين رضي الله عنه.
* سراقة البارقي والمختار:
[170]
- (ثم إن المختار دعا بالأسرى الذين أسرهم من أهل الكوفة في الوقعة التي كانت بينه وبين أهل الكوفة، فجعل يضرب أعناقهم حتى انتهى إلى سراقة البارقي، وكان فيهم، فقام بين يديه، وأنشأ يقول
(2)
:
ألا من مبلغ المختار أنا
…
نزونا نزوة كانت علينا
خرجنا لا نرى الإشراك دينا
…
وكان خروجنا بطرًا وحينا (2)
(1)
الأخبار الطوال 302.
(2)
أوردها الطبري: التاريخ 6/ 54 كاملة.
ثم قال للمختار: أيها الأمير، لو أنكم أنتم الذين قاتلتمونا لم تطمعوا فينا.
فقال له المختار: فمن قاتلكم؟.
قال سراقة: قاتلنا قوم بيض الوجوه على خيل شهب.
قال له المختار: تلك الملائكة، ويلك، أما إذ رأيتهم فقد وهبتك لهم.
ثم خلى سبيله، فهرب، فلحق بالبصرة، وأنشأ يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق أني
…
رأيت الشهب
(1)
كمتا
(2)
مصمتات
(3)
أرى عيني ما لم ترياه
…
كلانا عالم بالترهات
(4)
كفرت بدينكم وبرئت منكم
…
ومن قتلاكم حتى الممات
(5)
(6)
ذكر نحوًا منها: ابن سلام
(7)
والبلاذري
(8)
مختصرًا، والطبري
(9)
مطولًا.
[171]
- (وهرب أسماء بن خارجة الفزاري، وكان شيخ أهل الكوفة وسيدهم من المختار خوفًا على نفسه، فنزل على ماء لبني أسد يسمى
(1)
الشهب: الشهبة في الخيل أن تشق معظم شعره أو شعيرات بيض. ابن منظور: لسان العرب 1/ 508.
(2)
الكمت: لون بين السواد والحمرة. ابن منظور: لسان العرب 5/ 68.
(3)
المصمتات: وهي الخيل التي لا يخالط لونها لون آخر. ابن منظور: لسان العرب 2/ 56.
(4)
الترهات: الأباطيل واحدتها ترهة. ابن منظور: لسان العرب 13/ 380.
(5)
كذا نحوًا منها البلاذري: الأنساب 6/ 410، أما الطبري 6/ 55، فزاد عنده هذا البيت:
إذا قالوا أقول لهم كذبتم
…
وإن خرجوا لبست لهم أداتي
(6)
الأخبار الطوال 303.
(7)
ابن سلام: طبقات فحول الشعراء 2/ 439.
(8)
الأنساب 6/ 410.
(9)
التاريخ 6/ 54.
ذروه
(1)
في نفر من مواليه وأهل بيته فأقام به)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
، وذكر أن سبب هروبه أن المختار سجع سَجْعًا ذكر فيه أنه سيحرق دار أسماء فخرج هاربًا منه.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب ذكر أسماء بن خارجة في سياق تتبع المختار لقتلة الحسين، وكأنه منهم، وفي حقيقة الأمر لم نجد له ذكرًا في مراسلة أهل الكوفة للحسين رضي الله عنه، ولا فيمن خرج لقتاله وهو من الأشراف فلو خرج لما خفي مكانه.
والذي رُوِيَ عنه في أمر مسلم بن عقيل أنه حينما قدم الكوفة ونزل عند هانئ بن عروة، أرسل عبيد الله بن زياد محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة ليأتوا بهانئ إليه، وأسماء لا يعلم من أمر هانئ شيئًا، فذهبا إليه وجعلوا له أمانًا على أن يأتي إلى ابن زياد، فلما جاءه هشم وجهه وأخبر أنه سيقتله، فاعترض عليه أسماء بن خارجة، ولكن ابن زياد لم يأبه به ونفذ ما يريد
(4)
.
ولم أقف على خبر يؤكد ضلوع أسماء بن خارجة في أمر الحسين رضي الله عنه أو في قتله، وهذا يدل على أن سبب استخفائه من المختار أنه لا يريد الدخول في أمره، ولذلك بلغ خبره المختار فصرح بأنه يريد حرق بيته فهرب منه، ومثله الشعبي كما مر بنا.
(1)
ذرة: قيل: ماء لبني مرة بن عوف، وقيل: مكان حجازي بأرض غطفان. الحموي: البلدان
3/ 5. وذكر البلاذري 6/ 410 أنه نزل في بني عبس ومرة في غيرهم حتى قتل المختار.
(2)
الأخبار الطوال 303.
(3)
الأنساب 6/ 410، ثم ذكر رواية أخرى عن المدائني 6/ 450 أن أسماء بن خارجة هرب إلى البادية ولم يذكر السبب.
(4)
الطبري: التاريخ 5/ 360.
[172]
- (وهرب عمرو بن الحجاج، وكان من رؤساء قتلة الحسين، يريد البصرة، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف
(1)
.
فقال له أهل الماء: ارحل عنا، فإنا لا نأمن المختار، فارتحل عنهم، فتلاوموا، وقالوا: قد أسأنا.
فركبت جماعة منهم في طلبه ليردوه، فلما رآهم من بعيد ظن أنهم من أصحاب المختار، فسلك الرمل في مكان يدعى البيضة
(2)
، وذلك في حمارة القيظ، وهي فيما بين بلاد كلب وبلاد طيّئ، فقال فيها، فقتله ومن معه العطش)
(3)
.
ذكر نحوًا منها مختصرًا: البلاذري
(4)
وذكر أنه هرب إلى واقصة
(5)
فمات بها عطشًا.
والطبري
(6)
ذكر أنه سلك طريق سراف وواقصة فلم ير حتى الساعة.
[173]
- (ولم يزل أسماء مقيمًا بذروة إلى أن قتل المختار، ودخل مصعب بن الزبير الكوفة، فانصرف أسماء إلى منزله بالكوفة)
(7)
.
راجع نقد الرواية رقم [171].
* * *
(1)
سراف: لم أقف على تعريفه.
(2)
البيضة: وهي من العذيب، وقد سبق التعريف به. القطيعي: مراصد الاطلاع 1/ 198.
(3)
الأخبار الطوال 303، 304.
(4)
الأنساب 6/ 409.
(5)
شراف وواقصة: وهما قريبتان من الإحساء. الحموي: البلدان 3/ 331.
(6)
التاريخ 6/ 52.
(7)
الأخبار الطوال 304.
رابعًا: مصعب بن الزبير، والقضاء على المختار
* اجتماع مصعب بن الزبير والمهلب للقضاء على المختار:
[174]
- (ولما تتبع المختار أهل الكوفة جعل عظماؤهم يتسللون هربًا إلى البصرة حتى وافاها منهم مقدار عشرة آلاف رجل، وفيهم محمد بن الأشعث، فاجتمعوا، ودخلوا على مصعب بن الزبير.
فتكلم محمد بن الأشعث، وقال: أيها الأمير، ما يمنعك من المسير لمحاربة هذا الكذاب الذي قتل خيارنا، وهدم دورنا، وفرق جماعتنا، وحمل أبناء العجم على رقابنا، وأباحهم أموالنا؟ سِرْ إليه، فإنا جميعًا معك، وكذلك من خلفنا بالكوفة من العرب، هم أعوانك.
قال مصعب: يا ابن الأشعث، أنا عارف بكل ما ارتكبكم به، وليس يمنعني من المسير إليه إلا غيبة فرسان أهل البصرة وأشرافهم، فإنهم مع ابن عمك المهلب ابن أبي صفرة في وجوه الأزارقة بناحية كرمان، غير أني قد رأيت رأيًا.
قال: وما رأيت أيها الأمير؟
قال: رأيت أن أكتبَ إلى المهلب، آمره أن يوادع الأزارقة، ويقبل إليّ فيمن معه، فإذا وافى تجهزنا لمحاربة المختار.
قال ابن الأشعث: نعم ما رأيت، فاكتب إليه، واجعلني الرسول.
فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب كتابًا، يذكر له ما فيه أهل الكوفة من القتل والحرب، ويفسر فيه أمر المختار.
فسار محمد بن الأشعث بكتابه حتى ورد كرمان، وأوصل الكتاب إلى
المهلب، وقال له: يا ابن عم، قد بلغك ما لقي أهل الكوفة من المختار، وقد كتب إليك الأمير مصعب بما قد قرأته.
فكتب المهلب إلى قطري، وكان رئيس الأزارقة يومئذ، يسأله الموادعة إلى أجل سماه، ويكتب بينهما كتابًا في ذلك، ويضعان الحرب إلى ذلك الأجل.
فأجابه قطري إلى ذلك، وكتبا بينهما كتابًا وجعلا الأجل ثمانية عشر شهرًا.
وسار المهلب بمن معه حتى وافى البصرة، فوضع مصعب لأهل البصرة العطاء وتهيأ للمسير.
وبلغ المختار ذلك فعقد لأحمر بن سليط في ستين ألف رجل من أصحابه، وأمره أن يستقبل القوم، فيناجزهم الحرب.
فسار أحمر بن سليط في الجيوش حتى وافى المذار، (وقد انصرف إليها شمر بن ذي الجوشن أنفه من أن يأتي البصرة هاربًا، فيشمتوا به، فوجه أحمر بن سليط إلى المكان الذي كان متحصنًا فيه خمسين فارسًا، وأمامهم نبطي
(1)
يدلهم على الطريق، وذلك في ليلة مقمرة.
فلما أحس بهم دعا بفرسه فركبه، وركب من كان معه ليهربوا، فأدركهم القوم، فقاتلوهم، فقُتِلَ شمر وجميع من كان معه، واحتزوا رءوسهم، فأتوا بها أحمر بن سليط، فوجهها إلى المختار، فوجه المختار برأس شمر إلى محمد ابن الحنفية بالمدينة)
(2)
.
وسار مصعب بن الزبير بجماعة أهل البصرة نحو المذار، وتخلف عنه
(1)
نبطي: والجمع أنباط وهم قوم من العجم ينزلون العراقين فسموا نبطًا، لاستنباطهم ما يخرج من الأرض. حسن شراب: المعالم الأثيرة 145.
(2)
راجع نقد الرواية رقم [166] والتي فيها خبر مقتل شمر بن ذي الجوشن.
المنذر بن الجارود
(1)
، وهرب منه نحو كرمان في جماعة من أهل بيته، ودعا لعبد الملك بن مروان.
وأقبل مصعب حتى وافى المذار، وأمامه الأحنف بن قيس في تميم.
وزحف الفريقان، بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب المختار، واستحر القتال فيهم، ومضوا نحو الكوفة، واتبعهم مصعب يقتلهم في جميع طريقه، فلم يفلت منهم إلا القليل.
فقال أعشى همدان في ذلك:
ألم يبلغك ما لقيت شبام
…
وما لاقت عرينة بالمذار
أتيح لهم بها ضرب طلحق
…
وطعن بالمثقفة الحرار
كأن سحابة صعقت عليهم
…
فعمتهم هنالك بالدمار
وما إن ساءني ما كان منهم
…
لدى الإعسار مني واليسار
ولكني فرحت وطاب نومي
…
وقر لقتلهم منى قرارى (2)
وإن مصعبًا سار بالجيوش نحو الكوفة، فعبر دجلة، وخرج إلى
أرض كسكر (3)، ثم أخذ على حديثة الفجار (4)، ثم أخذ على النجرانية (5)
(1)
ذكر ابن سعد في الطبقات 5/ 561، أن المنذر بن الجارود قد توفي سنة إحدى وستين أو أول سنة اثنتين وستين، قلت: وهذا يعني أنه لم يدرك عبد الملك بن مروان.
(2)
ذكر نحوها البلاذري: الأنساب 6/ 431، ومطلعها قوله:
أما نبئت والأنباء تنمي
…
بما لاقت بجيلة بالمذار
وذكر الطبري 6/ 97 نحوها وكان مطلعها:
ألا هل أتاك والأنباء تنمي
…
بما لاقت بجيلة بالمذار
(3)
كسكر: في العراق وقصبتها واسط التي بين الكوفة والبصرة. الحموي: البلدان 4/ 461.
(4)
لم أقف على تعريف لها.
(5)
النجرانية: لم أقف على تعريف لها، ولعلها نجران، وهي قرب الكوفة وبينها وبين واسط، =
حتى قارب الكوفة.
وبلغ المختار مقتل أصحابه، فنادى في بقية من كان معه من جنوده، فقواهم بالأموال والسلاح، وسار بهم من الكوفة مستقبلًا لمصعب بن الزبير، فالتقوا بنهر البصريين، فاقتتلوا، فقتل من أصحاب المختار مقتلة عظيمة، وقتل محمد بن الأشعث، وقتل عمر بن علي بن أبي طالب
(1)
رضي الله عنه، وذلك أنه قدم من الحجاز على المختار، فقال له المختار: هل معك كتاب محمد ابن الحنفية؟ فقال عمر: لا، ما معي كتابه.
فقال له: انطلق حيث شئت فلا خير لك عندي.
فخرج من عنده، وسار إلى مصعب، فاستقبله في بعض الطريق، فوصله بمائة ألف درهم، وأقبل مع مصعب حتى حضر الوقعة، فقتل فيمن قتل من الناس
(2)
.
وانهزم المختار حتى دخل الكوفة، وتبعه مصعب، فدخل في أثره، وتحصن المختار في قصر الإمارة، فأقبل مصعب حتى أناخ عليه، وحاصره أربعين يومًا. ثم إن المختار قلق بالحصار قلقًا عظيمًا، فقال للسائب بن مالك
(1)
وسمي بذلك لأن نصارى نجران سكنوه لما أجلاهم عمر رضي الله عنه. القطيعي: مراصد الاطلاع 3/ 1360.
() عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ولد في خلافة عمر رضي الله عنه فوهبه علي رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه فسماه عمر، يذكر أنه قتل أيام المختار، وعلق الذهبي على هذا الخبر، فقال: فلعله أخوه وسَمِيه، وإنما المعروف أن الذي قتل مع مصعب عبيد الله بن علي. الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 163. ومما يؤكد قول الذهبي أن عبيد الله قتل في هذا الموضع ما ذكره ابن سعد في الطبقات 5/ 117، وابن قتيبة في المعارف 401، والطبري: التاريخ 6/ 104.
وذكر البلاذري في الأنساب 6/ 439 أنه لما قتل عبيد الله بن علي بن أبي طالب قال مصعب للمهلب: يا أبا سعيد، أعلمت أنهم قتلوا عبيد الله بن علي، وهم يعرفونه ويزعمون أنهم شيعة أبيه.
(2)
ذكر نحوًا من قصة عبيد الله بن علي بن أبي طالب. ابن سعد في الطبقات 5/ 117.
الأشعري
(1)
، وكان من خاصته: أيها الشيخ، أخرج بنا نقاتل على أحسابنا لا على الدين. فاسترجع السائب، وقال: يا أبا إسحاق، لقد ظن الناس أن قيامك بهذا الأمر دينونة.
فقال المختار: لا، لعمري ما كان إلا لطلب دنيا، فإني رأيت عبد الملك ابن مروان قد غلب على الشام، وعبد الله بن الزبير على الحجاز، ومصعبًا على البصرة، ونجدة الحروري على العروض، وعبد الله بن خازم
(2)
على خراسان، ولست بدون واحد منهم، ولكن ما كنت أقدر على ما أردت إلا بالدعاء إلى الطلب بثأر الحسين.
ثم قال: يا غلام، عليّ بفرسي ولامتي، فأُتي بدرعه، فتدرعها، وركب فرسه، ثم قال: قبَّح الله العيشَ بعد ما أرى، يا بواب، افتح، ففتح له الباب.
وخرج ومعه حماة أصحابه، فقاتل القوم قتالًا شديدًا، وانهزم أصحابه، ومضى هو نحو القصر، وهو في حامية أصحابه، فدخل القصر من أصحابه ستة آلاف رجل، وبقي مع المختار نحو من ثلاثمائة رجل، فأخذ أصحاب مصعب عليه باب القصر، فلجأ المختار فيمن معه إلى حائط القصر، وأقبل يَذَّمَّر أصحابه، ويحمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل أكثر من كان معه.
(1)
السائب بن مالك الأشعري، أحد الكبار من أصحاب المختار ومن الذين سعوا لبيعته، وكان المختار يستخلفه على الكوفة إذا خرج منها، وقد قتل معه. البلاذري: الأنساب 6/ 440، الطبري: التاريخ 6/ 9، 110.
(2)
عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت السلمي، أبو صالح، أمير خراسان، اختلف في صحبته، وقال ابن حجر: وفي ثبوت ذلك نظر، كان من أشجع الناس ولي خراسان، من قبل عبد الله بن عامر زمن عثمان رضي الله عنه، ولما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعبد الملك، كتب ابن خازم إلى ابن الزبير فأقره على خراسان، ثم بعث إليه عبد الملك فأبى عليه، ثم ثار عليه ابن الدورقية وقتله. ابن حجر: الإصابة 4/ 61. قلت: ولم يذكره بهذا الموضع من كلام المختار البلاذري في الأنساب 6/ 440، والطبري في التاريخ 6/ 107، وهو كما سبق تابع لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
فحمل عليه إخوان من بني حنيفة
(1)
من أصحاب المهلب، فضرباه بالسيف حتى سقط، وبادرا إليه، فاحتزا رأسه، فأتيا به مصعبًا، فأعطاهما ثلاثين ألف درهم.
فقال سويد بن أبي كاهل
(2)
يذكر قتل المختار:
يا ليت شعرى متى تغدو مخيسه
…
منا فتبلغ أهل الموسم الخبرا
إنا جزرنا عن الكذاب هامته
…
من بعد طعن وضرب يكشف الخمرا)
(3)
ذكر نحو منها: ابن سعد
(4)
، وخليفة بن خياط
(5)
مختصرًا، والبلاذري
(6)
، والطبري
(7)
مطولًا، وقد زاد عن البلاذري والطبري
(8)
أن شبث بن ربعي أيضًا استحث مصعب على قتال المختار بعد أن بين له ما لاقاه أهل الكوفة منه.
وأما ابن سعد
(9)
فقد ذكر سببًا غير ذلك، وهو أن المختار كان يوالي عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ثم كتب إليه يخبره بأنه يخدعه وأن ما قام به من مولاته
(1)
هما طرفة وطرافا، ابنا عبد الله بن جاجة من بني حنيفة. الطبري: التاريخ 6/ 108.
(2)
سويد بن أبي كاهل، واسمه غطيف بن حارثة بن حسل اليشكري، ويقال: الوائلي، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية، وعاش في الإسلام دهرًا إلى زمن الحجاج، له قصيدة عينية تسمى اليتيمة لما اشتملت عليه من الأمثال. ابن حجر: الإصابة 3/ 222. لم أقف على من ذكر هذين البيتين غير صاحب الكتاب.
(3)
الأخبار الطوال من صفحة 304، إلى صفحة 308.
(4)
الطبقات 2/ 82 (ت د. محمد السلمي).
(5)
التاريخ 264.
(6)
الأنساب 6/ 427.
(7)
التاريخ 6/ 93.
(8)
الأنساب 6/ 427، التاريخ 6/ 93.
(9)
الطبقات 2/ 82 (ت د. محمد السلمي).
ليتمكن مما يريد، فعلم عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أمره وكلمه من حوله وأخبره بغشه وسوء مذهبه، فبعث إليه أخاه مصعب وأمره بقتاله.
وقد انفرد ابن سعد بهذا السبب.
وفي سياقه لأخبار المختار ذكر أن المختار يظهر في بداية أمره أنه مع ابن الزبير وأنه يمثل واليه على الكوفة، وهذا مستبعد؛ لأنه لم يأتِ من طرق صحيحة
(1)
، ثم إن المختار لم يكن أمره بهذا الخفاء حتى لا يعلم بل كان شره واضحًا وبلاؤه عظيمًا.
* رأس المختار:
[175]
- (ووجه مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع عبد الله بن عبد الرحمن
(2)
.
قال عبد الله: فوافيت مكة بعد العشاء الآخرة، فأتيت المسجد، وعبد الله بن الزبير يصلي، قال: فجلست أنتظره، فلم يزل يصلي إلى وقت السحر، ثم انفتل من صلاته، فدنوت منه، فناولته كتاب الفتح، فقرأه، وناوله غلامه، وقال: أمسكه معك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الرأس معي. قال: فما تريد؟. قلت: جائزتي. قال: خذ الرأس الذي جئت به بجائزتك. فتركته، وانصرفت)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
.
(1)
ابن سعد في الطبقات بإسناد جمعي، 2/ 79 قال عنه المحقق د محمد السلمي:(فيه ضعفاء ومن لا يعرف).
(2)
لم أقف على ترجمته.
(3)
الأخبار الطوال 308.
(4)
الطبقات 2/ 79 (ت د. محمد السلمي).
• نقد النص:
قُتِلَ المختار على يد مصعب بن الزبير سنة سبع وستين للهجرة
(1)
.
ذكر صاحب الكتاب أن رأسه بُعِثَ إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه لكنه لم يُعْطِ حامل الرأس شيئًا، وقال له: خذ الرأس فهو جائزتك، وهذا الخبر أورد مثله ابن سعد بإسناد جمعي، قال عنه المحقق:(فيه ضعفاء ومن لا يعرف)
(2)
، وبذلك لم أقف على من أورد ذلك بسند صحيح.
وفي هذه الرواية تعريض بعبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه بخيل، وهذا ما تروجه الروايات الضعيفة، وهو كغيره من أعلام الهدى، أما أن ترمى إليه تهمة أو يوصف بوصف يوهن أمره، فبعض الصحابة والتابعين والخلفاء لا بد في الغالب أن تدور حوله التهم، ولكن هذا لا يضر مثله، فقد شهد له بالصلاح والزهد وحسن المعاشرة، فلو كان فيه بخل لم يسوده الناس، وسيأتي الرد على هذه الشبهة في الحديث عن الشبهات التي أثيرت حوله في هذا الكتاب.
* * *
(1)
الطبري: التاريخ 6/ 93.
(2)
الطبقات 2/ 79 (ت د. محمد السلمي).
خامسًا: أخبار عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأخيه مصعب:
* عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وموقفه من ابن عباس رضي الله عنه وابن الحنفية:
[176]
- (قالوا: ولما قُتِلَ المختار، واستتب الأمر لعبد الله بن الزبير، أرسل إلى عبد الله بن عباس ومحمد ابن الحنفية: إما إن تبايعاني أو تخرجا من جواري، فخرجا من مكة، فنزلا الطائف، وأقاما هناك، وتوفي عبد الله بن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد ابن الحنفية.
وخرج محمد ابن الحنفية حتى أتى أيلة
(1)
، وكتب إلى عبد الملك بن مروان، يستأذنه في القدوم عليه، والنزول في جواره، فكتب إليه: وراءك أوسع لك، ولا حاجة لي فيك، فأقام محمد ابن الحنفية عامه ذلك بأيلة، ثم توفى بها
(2)
(3)
.
ذكر نحوًا منها مطولًا: ابن سعد
(4)
والبلاذري
(5)
والطبري
(6)
.
• نقد النص:
ورد في علاقة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه مع عبد الله بن عباس رضي الله عنه ومحمد ابن الحنفية أخبارًا كثيرة، وفيها أمور منكرة، لا يمكن قبولها، ولم ترد بسند صحيح ومن ذلك:
(1)
أيلة: هي مدينة العقبة اليوم. حسن شراب: المعالم الأثيرة 40.
(2)
ذكر البلاذري في الأنساب 3/ 293 والمسعودي في التنبيه والإشراف 273 أنه توفي في المدينة سنة 81 هـ.
(3)
الأخبار الطوال 309.
(4)
الطبقات 5/ 100.
(5)
الأنساب 2/ 276.
(6)
التاريخ 6/ 75.
- روى ابن سعد أخبارًا عمّا جرى بين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وبين عبد الله بن عباس رضي الله عنه ومحمد ابن الحنفية، وأكثر ما رواه في هذا عن الواقدي
(1)
، وهو ضعيف، ومن ذلك قوله:(فلمّا جاء نعي يزيد بن معاوية، وبايع ابن الزّبير لنفسه، ودعا النّاس إليه دعا ابن عبّاسٍ ومحمّد ابن الحنفيّة إلى البيعة له فأبيا يبايعان له، وقالا: حتّى يجتمع لك البلاد، ويتّسق لك النّاس، فأقاما على ذلك ما أقاما. فمرّةً يكاشرهما ومرّةً يلين لهما، ومرّةً يباديهما، ثمّ غلظ عليهما، فوقع بينهم كلامٌ وشرٌّ، فلم يزل الأمر يغلظ حتّى خافا منه خوفًا شديدًا ومعهما النّساء والذّرّيّة، فأساء جوارهم، وحصرهم وآذاهم، وقصد لمحمّد ابن الحنفيّة فأظهر شتمه وعيبه، وأمره وبني هاشمٍ أن يلزموا شعبهم بمكّة، وجعل عليهم الرّقباء، وقال لهم فيما يقول: واللّه، لتبايعنّ أو لأحرقنّكم بالنّار)
(2)
.
- وأخرج ابن سعد
(3)
بسنده من طريق هوذة بن خليفة
(4)
عن عوف
(5)
خبرًا فيه أن عبد الله بن الزبير منع محمد ابن الحنفية أن يدخل مكة إلا أن يبايعه، فخرج إلى الشام، فمنعه عبد الملك بن مروان أيضًا من دخولها حتى يبايعه، ثم إن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أرسل أخاه عروة يتهدده بالحبس إن لم يبايع.
(1)
وهذه الأخبار التي رواها الواقدي حكم على أسانيدها بالضعف، وبعضها بالضعف ونكارة المتن د. محمد السلمي، في تحقيقه لكتاب الطبقات، الطبقة الخامسة من الصحابة 1/ 183. وروى الفاكهي 2/ 360 في أخبار مكة نحوًا من هذه الأخبار عن الواقدي أيضًا.
(2)
ابن سعد: الطبقات 5/ 100.
(3)
المصدر السابق 5/ 105.
(4)
سبقت ترجمته
(5)
سبقت ترجمته
وهذا لم يأت بسند صحيح، قال يحيى بن معين:(هوذة عن عوف ضعيف)
(1)
.
- وعند ابن سعد من طريق أبي حمزة
(2)
، قال: (كنت مع محمّد بن عليٍّ، فسرنا من الطّائف إلى أيلة بعد موت ابن عبّاسٍ بزيادةٍ على أربعين ليلةً. قال: وكان عبد الملك قد كتب لمحمّدٍ عهدًا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتّى يصطلح النّاس على رجلٍ، فإذا اصطلحوا على رجلٍ بعهدٍ من اللّه وميثاقٍ كتبه عبد الملك، فلمّا قدم محمّدٌ الشّام بعث إليه عبد الملك: إمّا أن تبايعني، وإمّا أن تخرج من أرضي
…
فأحرم بعمرةٍ، وقلّد هديًا، فعمدنا إلى البيت، فلمّا أردنا أن ندخل الحرم تلقّتنا خيل ابن الزّبير، فمنعتنا أن ندخل فأرسل إليه محمّدٌ، لقد خرجت وما أريد أن أقاتلك، ورجعت وما أريد أن أقاتلك، دعنا، فلندخل، ولنقضِ نُسُكَنَا، ثمّ لنخرج عنك، فأبى، ومعنا البُدْن قد قلّدناها، فرجعنا إلى المدينة، فكنّا بها حتّى قدم الحجّاج، فقتل ابن الزّبير، ثمّ سار إلى البصرة والكوفة، فلمّا سار مضينا، فقضينا نسكنا، وقد رأيت القمل يتناثر من محمّد بن عليٍّ، فلمّا قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة، فمكث ثلاثة أشهرٍ ثمّ توفّي)
(3)
.
وهذا لم يرد بسند صحيح؛ لأنه من طريق أبي حمزة ولم يوثق.
- وروي أن عبد الله بن الزبير حبس محمد ابن الحنفية ومن معه من أهل
(1)
القزويني: الإرشاد 2/ 591.
(2)
عمران بن أبي عطاء، أبو حمزة، الأسدي، الواسطي القصاب، حدَّث عن ابن العباس وابن الحنفية، وقد وثق، قال أبو زرعة: لين، وقال العقيلي: لا يتابع حديثه، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو داود: ليس بذاك وهو ضعيف، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. الذهبي: ميزان الاعتدال 3/ 239. ابن حجر: التقريب 430.
(3)
ابن سعد: الطبقات 5/ 109.
بيته بزمزم، وتوعدهم بالقتل والإحراق؛ وذلك لأنهم كرهوا بيعته حتى تجتمع عليه الأمة، وأن المختار أرسل جيشًا لنجدتهم، ولكن محمد ابن الحنفية أبى عليهم أن يقاتلوا في الحرم
(1)
، وهذا لايصح منه شيء لأنه من طريق المدائني وأبي مخنف.
ومما سبق من النصوص نجد قَدْحًا ومبالغة واضحة بسياسة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعبد الملك بن مروان تجاه محمد ابن الحنفية، والمستفيد من هذا في المقام الأول هم الشيعة، فلا عجب أن تجد مثل هذه الزيادات؛ ولذلك لم يثبت أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حصر محمد ابن الحنفية ومن معه، وحاول إحراقهم، أو أنه منعه من دخول مكة لأداء العمرة.
وفي الروايات السابقة نجد أن موقف محمد ابن الحنفية يتكرر، وهو أن سبب عدم بيعته هو أنه لا يبايع في فرقة، وهذا منهج ابن عباس رضي الله عنه أيضًا فهو قد حذا حذوه واقتدى به.
ولم يكن ابن عباس رضي الله عنه مبايعًا لابن الزبير رضي الله عنه، ولم يكن مخالفًا أيضًا، فقد كان ابن الزبير رضي الله عنه يستشير ابن عباس رضي الله عنه في المسائل الفقهية
(2)
، ثم إنه أثنى عليه ومدحه، فقد أخرج البخاري بسنده: قال ابن أبي مليكة: وكان بينهما شيءٌ، فغدوت على ابن عبّاسٍ، فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزّبير، فتحلّ حرم اللّه؟ فقال:«معاذ اللّه، إنّ اللّه كتب ابن الزّبير وبني أميّة محلّين، وإنّي واللّه لا أحلّه أبدًا» ، قال: قال النّاس: بايع لابن الزّبير فقلت: «وأين بهذا الأمر عنه، أمّا أبوه: فحواريّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يريد الزّبير - وأمّا جدّه: فصاحب الغار - يريد
(1)
البلاذري: الأنساب 2/ 276، ولم يسند الخبر، والطبري: التاريخ 6/ 75، في خبر طويل رواه عن أبي مخنف والمدائني.
(2)
الطحاوي: شرح مشكل الآثار 9/ 379.
أبا بكرٍ - وأمّه: فذات النّطاق - يريد أسماء - وأمّا خالته: فأمّ المؤمنين - يريد عائشة - وأمّا عمّته: فزوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم يريد خديجة - وأمّا عمّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم: فجدّته - يريد صفيّة - ثمّ عفيفٌ في الإسلام، قارئٌ للقرآن
…
)
(1)
.
وقوله: (وأين بهذا الأمر عنه) أي إنه أجدر الناس بالخلافة وليست بعيدة عنه لما له من المكارم والمزايا
(2)
.
وهذا الأثر الصحيح يعطي دلالة واضحة أن الخلاف بينهما لم يصل إلى درجة التقاتل والتقاطع بينهما، فابن عباس رضي الله عنه أقر بأحقيته للخلافة، ولم يخالفه ولم يرضَ بقتاله.
ثم إنه روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قد سأل عن أهل المدينة زمن الحرة وهو في الطائف
(3)
، وقد توفي فيه كما هو مشهور، وهذا يدل على أنه أقام فيه آخر حياته.
وقضية سجن محمد ابن الحنفية التي وردت في النصوص وهي إحدى الشُّبَهِ المثارة في علاقة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بمحمد ابن الحنفية، فلم أقف على مَنْ أوردها بسند صحيح، والذي ورد في ذلك أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه سجن الحسن بن محمد ابن الحنفية
(4)
.
فقد روى الفاكهي فقال: حدّثنا محمّد بن أبي عمر
(5)
، قال: ثنا سفيان
(6)
،
(1)
البخاري: الصحيح 6/ 66.
(2)
المصدر السابق 6/ 66 نفسه من تعليق مصطفى البغا.
(3)
خليفة بن خياط 237.
(4)
الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، الهاشمي المدني، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء. ابن حجر: التقريب 164.
(5)
محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، صدوق صنف المسند، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة. ابن حجر: التقريب 513.
(6)
سفيان بن عيينة، ثقة سبق ترجمته.
عن عمرو بن دينارٍ
(1)
، قال: أخبرني الحسن بن محمّدٍ، قال:(أخذني ابن الزّبير رضي الله عنهما فحبسني في دار النّدوة في سجن عارمٍ، فانفلتُّ منه في قيودي، فلم أزل أتخطّى الجبال، حتّى سقطتُّ على أبي بمنى)
(2)
.
وسبب ذلك أن الحسن بن محمد قام مع ناس من الخشبية في نصيبين بعد قتل المختار، فعارضوا أمير الموصل التابع لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فهزمهم وأسر الحسن وأرسله إلى ابن الزبير رضي الله عنه في مكة.
(3)
* دخول إبراهيم بن الأشتر في أمر مصعب:
[177]
- (وقتل المختار، وإبراهيم بن الأشتر عامله على كورة الجزيرة، فكتب إلى مصعب يسأله الأمان، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فقدم وبايعه، وفوض مصعب إليه جميع أمره، وأظهر بره وألطافه)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
مختصرًا، والطبري
(6)
مطولًا.
* الشبهات المثارة حول مصعب بن الزبير:
* مصير أصحاب المختار:
[178]
- (ولم تزل الستة الآلاف الذين دخلوا القصر متحصنين فيه شهرين، حتى نفد جميع ما كان المختار أعده فيه من الطعام، فسألوا الأمان، فأبى مصعب أن يعطيهم الأمان إلا على حكمه، فأرسلوا إليه: إنا ننزل على
(1)
ثقة ثبت سبقت ترجمته.
(2)
أخبار مكة 3/ 302.
(3)
الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 334.
(4)
الأخبار الطوال 309.
(5)
الأنساب 7/ 89.
(6)
التاريخ 6/ 111.
حكمك، فنزلوا عند ما بلغ إليهم الجوع، فضرب أعناقهم كلها، وكانوا ستة آلاف: ألفين من العرب، وأربعة آلاف من العجم)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية قتل من تبقى من جند المختار على يد مصعب، وهذه من الشبه المثارة عليه، ولم أقف على خبر صحيح يثبت وقوع الحادثة بهذا العدد.
وقد اختلفت الروايات في عدد المحاصرين من جند المختار، الذين قتلهم مصعب بن الزبير، ويستبعد أن يكون العدد كما ذكره صاحب الكتاب ستة آلاف أو خمسة آلاف كما ذكر غيره
(5)
؛ لأن هذا العدد لو كان مع المختار لم يضطر إلى اللجوء إلى القصر فبإمكانه أن يعيد ترتيبهم ويقاتل بهم؛ ولكن الذي ورد عنه أنه نزل من القصر، وقاتل قتال الذي يئس من النصر، وقصده بذلك عدم النزول على حكم مصعب ومن معه؛ لأنه يعرف أن مصيره القتل.
قال الإسفراييني: (ثمّ وقعت الهزيمة على المختار وأصحابه، فانهزموا إلى دار الإمامة بالكوفة، وتحصن فيها مع أربعمائة من أتباعه، وحاصرهم مصعب فيها ثلاثة أيام حتّى فني طعامهم، ثمّ خرجوا إليه في اليوم الرّابع
(1)
الأخبار الطوال 309.
(2)
الطبقات 2/ 84 (ت د. محمد السلمي) بإسناد جمعي وقال: (فيه ضعفاء ومن لا يعرف).
(3)
الأنساب 6/ 442.
(4)
التاريخ 6/ 116 من طريق أبي مخنف.
(5)
ذكر البلاذري في الأنساب 6/ 442، والطبري 6/ 116 أنهم ستة آلاف، وبرواية أخرى أنهم ثمانية آلاف.
مستقتلين فقُتِلُوا وقُتِلَ المختار معهم)
(1)
.
وهنا وقفة وتساؤل: أين معظم الجند الذين كانوا مع المختار؟.
والجواب على ذلك: أنها جرت أحداث قبل وأثناء حرب المختار ساهمت بالتقليل من جنده، ومن ذلك:
- أمر مصعب عبد الرحمن بن مخنف أن يأتي الكوفة مستخفيًا ويخرج من استطاع من أهلها ويبايع له سرًّا، ويخذل أصحاب المختار عنه
(2)
.
- حصلت هزائم متتالية، قُتِلَ فيها الكثير من جند المختار قبل لجوئه إلى القصر وحصاره
(3)
.
- يروى أن المختار وجنوده بلغوا حالة من الضعف والهوان حتى إن أهل البيوت في الكوفة يرمونه بالحجارة ويصبون عليهم الماء القذر
(4)
، وهذا يدل على قلة عددهم.
ومما يروى عن مصير أصحاب المختار ولم يثبت:
روي أنهم نزلوا على حكم مصعب وكاد أن يعفو عنهم، فاعترض عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث وبعض أشراف الكوفة، فقالوا اخترنا أو اخترهم، وذكروا له دماءهم، فعدل عن ذلك وقتلهم
(5)
.
وذكر ابن سعد بسنده أن القتل حدث لهم بعد أن أعطاهم الأمان
(6)
، وكل
(1)
الفرق بين الفرق 1/ 37.
(2)
البلاذري: الأنساب 6/ 429، الطبري: التاريخ 6/ 95.
(3)
البلاذري: الأنساب 6/ 438، الطبري: التاريخ 6/ 100.
(4)
الطبري: التاريخ 6/ 105.
(5)
البلاذري: الأنساب 6/ 442. الطبري: التاريخ 6/ 116 من طريق أبي مخنف.
(6)
الطبقات 2/ 79 (ت د. محمد السلمي) بإسناد جمعي وقال عنه: (إسناده جمعي فيه الضعفاء ومن لا يعرف).
هذا لم يصح منه شيء.
وما أخرج ابن أبي شيبة
(1)
من طريق محمد بن كناسة
(2)
، والبلاذري
(3)
من طريق عباس ابن هشام الكلبي
(4)
، والطبري
(5)
من طريق أبي مخنف: أن عبد الله بن عمر أنكر على مصعب بن الزبير قتل أصحاب المختار.
وهذا لم يثبت عن ابن عمر رضي الله عنه، وهو في رواية الكوفيين الذين يكثر
فيهم التشيع وفيهم تعاطف مع المختار، وهذا الحدث يعد من المآخذ على مصعب وهو ما جعله يوصف بأنه سفَّاكًا للدماء
(6)
، ويروى أنه سمى نفسه الجزار
(7)
.
وكل هذه الأوصاف لا يصح منها شيء، وهي تمهيد وتثبيت لهذه الرواية والتي تليها.
* مصعب وامرأة المختار:
[179]
- (ودعا مصعب بامرأتي المختار، أم ثابت ابنة سمرة بن
(1)
المصنف 6/ 204 برقم 30686.
(2)
محمد بن عبد الله بن كناسة الكوفي الأسدي، قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: (كان
صاحب أدب يكتب حديثه ولا يحتج به). ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 7/ 300، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين 3/ 95، والذهبي في الضعفاء 2/ 596، واحتجوا بقول أبي حاتم فيه.
(3)
الأنساب 6/ 452.
(4)
ضعيف سبقت ترجمته
(5)
الطبري: التاريخ 6/ 112.
(6)
ذكره الذهبي في السير 4/ 141، ولم يسند قوله ولعله أطلق عليه ذلك لما اشتهر عنه هذا الخبر المكذوب.
(7)
ذكره البلاذري: الأنساب 7/ 18 والطبري: التاريخ 6/ 93 من طريق المدائني، وهو ليس بالقوي وقل ماله من الروايات المسندة.
جندب
(1)
، وعمرة بنت النعمان بن بشير
(2)
، فدعاهما إلى البراءة من المختار، فأما أم ثابت فإنها تبرأت منه، وأبتْ عمرة أن تتبرأ منه، فأمر بها مصعب، فأخرجت إلى الجبانة، فضُرِبَ عنقها، فقال بعض الشعراء
(3)
في ذلك:
إن من أعجب العجائب عندي
…
قتل بيضاء حرة عطبول
قتلوها بغير ذنب سفاها
…
إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا
…
وعلى المحصنات جر الذيول
وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت
(4)
في ذلك:
ألم تعجب الأقوام من قتل حرة
…
من المخلصات الدين محمودة الأدب؟
من الغافلات المؤمنات بريئة
…
من الزور والبهتان والشك والريب
(5)
علينا كتاب الله في القتل واجب
…
وهن الضعاف في الحجال وفي الحجب
(1)
أم ثابت بنت سمرة بن جندب لم أقف على ترجمة لها.
(2)
عمرة بنت النعمان بن بشير، امرأة شاعرة سكنت دمشق، ذكر أن الحارث بن خالد بن العاص خطبها حين قدم دمشق فقالت: كهول دمشق وشبانها .. أحب إلينا من الجالية، لهم زفر كصنان التيوس
…
أعيا على المسك والغالية، فقال يجيبها: ساكنات العقيق أشهى إلى النفس
…
من الساكنات دور دمشق، يتضوعن إن تطيبن بالمسك
…
صنانًا كأنه ريح مرق، ثم ذكر ابن عساكر أن هذه الأبيات لأختها حميدة، وأن المختار تزوجها وقتلها مصعب بعد أن شهدت للمختار عند المصعب بأنه عبد صالح، وذكر ذلك بإسناده عن صالح بن وجيه وعن أبي مخنف الذي ذكره الطبري، الزبيري: في نسب قريش 313، والفاكهي: في أخبار مكة 4/ 193، وابن عساكر: في تاريخ دمشق 69/ 294.
(3)
عند البلاذري: الأنساب 6/ 443، والمبرد: الكامل في اللغة 3/ 180، والطبري 6/ 443 أنه عمر بن أبي ربيعة القرشي، وسمى البلاذري والطبري أيضًا رجلًا آخر وهو عبد الله بن الزبير الأسدي.
(4)
سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري، شاعر ابن شاعر ابن شاعر، ذكره يحيى بن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم. الصفدي في الوفيات 15/ 146.
(5)
ذكر البلاذري: الأنساب 6/ 444 هذين البيتين في سياقه للقصة، وقال: إنها للأحوص أو غيره.
فقلت ولم أظلم، أعمرو بن مالك
…
يقتل ظلمًا، لم يخالف ولم يرب
ويسبقنا آل الزبير بوترنا
…
ونحن حماة الناس في البارق الأشب
فإن تعقب الأيام منهم نجازهم
…
على حنق بالقتل والأسر والحنب
(1)
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
.
• نقد النص:
هذا الحدث والذي قبله جاء بعد قتل المختار بن أبي عبيد الثقفي، وصاحب الكتاب كعادته في انتقاء الأخبار التي فيها قدح وإساءة لأعلام المسلمين، وفيه أن مصعب بن الزبير قتل امرأة المختار بعد أن سألها عنه فأخبرته أنه رجل صالح وهناك روايات أخرى تذكر أنها تزعم أنه نبي.
وخبر قتل مصعب لامرأة المختار لم يرد بسند صحيح، فقد رواه الطبري
(4)
عن أبي مخنف وهو ضعيف، وقد ذكر فيه أن مصعبًا كتب إلى أخيه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في أمرها، وأنها تزعم أن المختار نبي، فكتب له أن أخرجها واقتلها.
وأخرجه ابن عساكر
(5)
بسند فيه الحسن بن فهم
(6)
، ولم يوثق.
ومن طريق آخر بسنده عن صالح بن وجيه
(7)
وهو لم يدرك الحدث.
(1)
الأخبار الطوال 309، 310.
(2)
الأنساب 6/ 443.
(3)
التاريخ 6/ 112.
(4)
التاريخ 6/ 112.
(5)
تاريخ دمشق 69/ 295.
(6)
الحسين بن محمد بن عبدالرحمن بن فهم، صاحب محمد بن سعد (صاحب الطبقات)، قال الحاكم: ليس بالقوي، ومثله الدارقطني. ابن حجر: لسان الميزان 3/ 202.
(7)
صالح بن وجيه لم أقف على ترجمة له، وقد أخرج له الفاكهي 2/ 99 خبرًا يذكر فيه المهدي الخليفة العباسي بمعنى أنه عاصره.
وروايته نحوًا مما ذكر الطبري عن أبي مخنف، وفي متنه نكارة، فمتى كان المسلمون يفتشون عن النساء ليحاسبونهن على أقوالهن ثم يقتلونهن.
ومثل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأخيه مصعب لا يخفى عليهما نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، ثم إنه لو صح الخبر بردتها عن الإسلام أين الاستتابة قبل القتل، لكن الواضع لهذه الرواية جهل حكم الردة، ولم يتتبعِ العلماءُ هذه القضية التي حدث فيها القتل قبل الاستتابة ولم يستشهدوا بها لعلمهم بضعف ناقلها.
وكلتا الروايتين السابقتين من خزايا أبي مخنف ودسائسه.
أفبعد أن انتصر مصعب بن الزبير على المختار وقتله، وخلص الناس من شره، يأتي من يحاول أن ينال من هذا القائد العظيم الذي لو لم يكن له إلا قتل المختار والقضاء على فتنته لكفاه أن يُشْكَرُ؟!! لكن لا بد للأقلام العابثة أن يأتي دورها في أغلب مواطن العزة والشرف للمسلمين، فبدأت التهم تدور حول مصعب كما دارت حول أخيه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
* * *
سادسًا: مقتل مصعب بن الزبير، وخضوع العراق لعبد الملك بن مروان:
* مقتل مصعب بن الزبير:
[180]
- (ثم إن مصعب بن الزبير نزل القصر بالكوفة، واستعمل العمال، وجبى الخراج، فولى البصرة عبيد الله بن معمر التيمي
(1)
، ورد المهلب إلى قتال الأزارقة).
ذكر البلاذري
(2)
أن المصعب بعث على البصرة عمر بن عبيد الله
(3)
، وولى الموصل والجزيرة المهلب، ثم عزله ووجهه إلى الخوارج
(4)
.
وذكر الطبري
(5)
نحوًا منه مطولًا.
[181]
- (قالوا: ولما صفا الأمر لعبد الله بن الزبير ودانت له البلدان إلا أرض الشام، جمع عبد الملك بن مروان إخوته، وعظماء أهل بيته، فقال لهم: إن مصعب بن الزبير قد قتل المختار، ودانت له أرض العراق، وسائر البلدان، ولست آمَنَهُ أن يغزوكم في عقر بلادكم، وما من قوم غزوا في عقر دارهم إلا ذلوا، فما ترون؟.
فتكلم بشر بن مروان
(6)
، فقال: يا أمير المؤمنين، أرى أن تجمع إليك
(1)
الطبري: التاريخ 6/ 119.
(2)
البلاذري: الأنساب 7/ 18، 83.
(3)
عمر بن عبيد لله بن معمر القرشي التيمي، من شجعان قريش وأشرافها ولي البصرة لابن الزبير، توفي سنة اثنتين وثمانين. الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 163.
(4)
الأخبار الطوال 310.
(5)
التاريخ 6/ 116، وفي ص 127، ذكر أنه بعد قتل المختار تولى المهلب الجزيرة والموصل، فلما قرب الخوارج من الأهواز رد المهلب على حربهم.
(6)
بشر بن مروان بن الحكم الأموي، أحد الأجواد، ولي العراقين لأخيه عبد الملك بن مروان، مات بالبصرة سنة خمس وستين، ورثاه الفرزدق. الذهبي: السير 4/ 146.
أطرافك، وتستجيش جنودك، وتضم إليك قواصيك، وتسير إليه، وتلف الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله.
فقال القوم: هذا الرأي، فاعمل به، فإن بنا قوة ونهوضًا.
فوجه رسله إلى كور الشام ليجتمع إليه، فاجتمع له جميع أجناد الشام، ثم سار وقد احتشد، ولم ينزل.
وبلغ مصعب بن الزبير خروجه، فضم إليه أطرافه، وجمع إليه قواصيه، واستعد، ثم خرج لمحاربته، فتوافى العسكران بدير الحانات
(1)
، فقال عدي بن زيد بن عدي
(2)
، وكان مع عبد الملك:
لعمري لقد أصحرت خيلنا
…
بأكناف دجلة للمصعب
يجرون كل طويل الكعوب
…
معتدل النصل والثعلب
بكل فتى واضح وجهه
…
كريم الضرائب والمنصب
(3)
ولما نظر أصحاب مصعب إلى كثرة جموع عبد الملك تواكلوا، وشملهم الرعب، فقال مصعب لعروة بن المغيرة
(4)
، وهو يسايره: ادنُ يا عروة أكلمك، فدنا منه، فقال: أخبرني عن الحسين، كيف صنع حين نزل به الأمر؟.
(1)
لم أقف على تعريف له.
(2)
عدي بن بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع العاملي، المعروف بابن الرقاع، كان أبرصًا، مدح الوليد بن عبد الملك، وهاجى جرير، فهم به جرير فنهاه الوليد، وهو في هذه القصيدة يمدح عبد الملك ويهجو مصعبًا. ابن عساكر: تاريخ دمشق 40/ 126، الذهبي: تاريخ الإسلام
7/ 163.
(3)
ذكر نحو هذا البلاذري: الأنساب 7/ 96، والطبري: التاريخ 6/ 151.
(4)
عروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي، أبو يعفور، روى عن أبيه المغيرة رضي الله عنه، في الطبقة الثانية من
تابعي الكوفة، قال الشعبي: كان أميرًا على الكوفة، وكان خير أهل بيته. ابن سعد: الطبقات
6/ 269.
قال عروة: فجعلت أحدثه بحديث الحسين، وما عرض عليه ابن زياد من النزول على حكمه، فأبى ذلك، وصبر للموت، فضرب مصعب معرفة دابته بالسوط، ثم قال:
فإن الألى بألطف من آل هاشم
…
تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
(1)
وإن عبد الملك كتب إلى رؤساء أصحاب مصعب يستميلهم إليه، ويعرض عليهم الدخول في طاعته، ويبذل لهم على ذلك الأموال، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر فيمن كتب، فأقبل إبراهيم بالكتاب مختومًا فناوله مصعبًا، وقال: أيها الأمير، هذا كتاب الفاسق عبد الملك بن مروان، قال له مصعب: فهلا قرأته، قال: ما كنت لأفضه، ولا أقرأه إلا بعد قراءتك له، ففضه مصعب، وإذا فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى إبراهيم بن الأشتر، أما بعد، فإني أعلم أن تركك الدخول في طاعتي ليس إلا عن معتبة، فلك الفرات وما سقى، فأنجز إليّ فيمن أطاعك من قومك، والسلام).
فقال مصعب: فما يمنعك يا ابن النعمان؟
قال: لو جُعِلَ لي ما بين المشرق إلى المغرب ما أعنت بني أمية على ولد صفية
(2)
. فقال مصعب: جزيت خيرًا أبا النعمان.
(1)
ذكر ابن سعد في الطبقات (ت د. محمد السلمي) 2/ 89، البلاذري في الأنساب 7/ 99 أن هذا البيت لسليمان بن قتة.
(2)
صفية بنت عبد المطلب بن هاشم، عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخت حمزة بن عبد المطلب، خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير، أسلمت وهاجرت مع ولدها الزبير إلى المدينة، وعاشت إلى خلافة عمر رضي الله عنه. ابن حجر: الإصابة 8/ 218.
فقال إبراهيم لمصعب: أيها الأمير، لست أشك أن عبد الملك قد كتب إلى عظماء أصحابك بنحو مما كتب إليّ، وإنهم قد مالوا إليه، فائذن لي في حبسهم إلى فراغك، فإن ظفرت مَنَنْتُ بهم على عشائرهم، وإن تكن الأخرى كنت قد أخذت بالحزم.
قال مصعب: إذن يحتجوا عليّ عند أمير المؤمنين. فقال إبراهيم: أيها الأمير، لا أمير المؤمنين والله لك اليوم، وما هو إلا الموت، فمت كريمًا. فقال مصعب: يا أبا النعمان، إنما هو أنا وأنت فنقدم للموت. قال إبراهيم: إذن، والله أفعل. قال: ولما نزلوا بدير الجاثليق
(1)
باتوا ليلتهم.
فلما أصبحوا نظر إبراهيم بن الأشتر، فإذا القوم الذين اتهمهم قد ساروا تلك الليلة، فلحقوا بعبد الملك بن مروان، فقال لمصعب: كيف رأيت رأيي؟.
ثم زحف بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا، فاعتزلت ربيعة، وكانوا في ميمنة مصعب، وقالوا لمصعب: لا نكون معك ولا عليك.
وثبت مع مصعب أهل الحفاظ، فقاتلوا، وإمامهم إبراهيم بن الأشتر، فقُتِلَ إبراهيم.
فلما رأى مصعب ذلك، استمات، فترجل، وترجل معه حماة أصحابه، فقاتلوا حتى قُتِلَ عامتهم، وانكشف الباقون عن مصعب.
فحمل عليه عبد الله بن ظبيان
(2)
، فضربه من ورائه بالسيف، ولا يشعر به
(1)
دير الجاثليق: دير قديم البناء في مسكن قرب بغداد على غربي دجلة، وبه الحرب بين عبد الملك ومصعب بن الزبير. الحموي: البلدان 2/ 503.
(2)
والصحيح من اسمه هو عبيد الله بن زياد بن ظبيان العائشي التيمي، كان فاتكًا رديئًا، وهو الذي قتل مصعب بن الزبير في أرض الجاثليق واحتز رأسه وجاء به إلى عبد الملك فسجد فهم به، وكان يقول: ليتني قتلته فأكون قتلت ملكي العرب، ويذكر أن الذي قتله هو زائدة بن قدامة وقال: يا لثأرات المختار. الفسوي: المعرفة والتاريخ 3/ 331، الطبري: التاريخ 6/ 159، ابن ماكولا: الإكمال 6/ 378.
مصعب، فخر صريعًا، فنزل وأجهز عليه، واحتز رأسه.
فأتى به عبد الملك، فحزن عليه حزنا شديدًا، وقال: متى تغدو قريش مثل مصعب؟ وددت لو أنه قبل الصلح، وإني قاسمته مالي.
ولما قُتِلَ مصعب بن الزبير استأمن من بقي من أصحابه إلى عبد الملك، فأمنهم.
فقال عبد الله بن قيس الرقيات
(1)
:
لقد ورد المصرين خزي وذلة
…
قتيل بدير الجاثليق مقيم
فما صبرت في الحرب بكر بن وائل
…
ولا ثبتت عند اللقاء تميم
ولكنه ضاع الذمار فلم يكن
…
بها عربي عند ذاك كريم
وكان قتل مصعب يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين
(2)
.
فارتحل عبد الملك بالناس حتى دخل الكوفة، فدعاهم إلى البيعة، فبايعوه. ثم جهز الجيوش إلى تهامة لمحاربة عبد الله بن الزبير، وولى الحرب قدامة بن مظعون
(3)
، وأمره بالمسير. وانصرف عبد الملك إلى الشام)
(4)
.
(1)
عبد الله بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة، من قريش الظواهر، ونسب إلى الرقيات؛ لأن جدات له توالين يسمين رقية. ابن سلام: طبقات فحول الشعراء 2/ 647.
(2)
ذكر خليفة بن خياط: التاريخ 267، والفسوي: المعرفة والتاريخ 2/ 331، أن قتل مصعب في هذه السنة، وكذلك الطبري: التاريخ 6/ 151، وأنه في جمادى الأولى من طريق المدائني.
(3)
قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي، له صحبة وهو من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، مات سنة ست وثلاثين في خلافة علي رضي الله عنه، ويقال: سنة ست وخمسين. ابن حجر: الإصابة 5/ 325. ولا أدري لماذا جاء على ذكره صاحب الكتاب في هذا الموضع الذي انفرد به.
(4)
الأخبار الطوال من صفحة 310 إلى صفحة 313.
ذكر نحوًا منها ابن سعد
(1)
، والبلاذري
(2)
، والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية خبر قضاء عبد الملك على مصعب بن الزبير، وقد انفرد صاحب الكتاب بجعل السبب في عزم عبد الملك على حرب مصعب بن الزبير بإشارة من بشر بن مروان، وفي الرد الذي أورده على لسان إبراهيم بن الأشتر:(لو جعل لي ما بين المشرق إلى المغرب ما أعنت بني أمية على ولد صفية)، وهذا من تشيعه وتزويره. وقد اختلفت المصادر في سبب ذلك:
فقد روى ابن سعد
(4)
في ذلك أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان يكتب إلى مصعب ويأمره بغزو عبد الملك، فجمع مصعب العدة واستعد لذلك، فلما بلغ عبد الملك تجهز وخرج بنفسه.
وذكر البلاذري
(5)
سببًا آخر، وهو أن أشراف الكوفة والبصرة كتبوا إلى عبد الملك يدعونه، وهذا ما جعله يسير إليهم.
وأما الطبري
(6)
فذكر أن عبد الملك قدم يريد مصعبًا، فضمن له خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ذلك، فقدم البصرة وفشلت مهمته، وخرج منها بأمان، ثم إن مصعبًا عزم على المسير لعبد الملك فكاتب عبد الملك الذين يوالونه من أهل العراق وواعدهم، ثم التقى الجيشان وكانت الغلبة لعبد الملك.
ثم إنه لا يوجد أدنى شك أن الأمويين يريدون استعادة نفوذهم في بلاد
(1)
الطبقات 2/ 87 (ت د. محمد السلمي).
(2)
الأنساب 7/ 83.
(3)
التاريخ 6/ 151.
(4)
الطبقات 2/ 88 (ت د. محمد السلمي).
(5)
الأنساب 7/ 83.
(6)
التاريخ 6/ 152.
العراق وخراسان والحجاز، ولا بد لذلك أن يكون على مراحل، فقد عزم عبد الملك على البدء بأهل العراق وما يتبعها من بلاد فارس ثم الحجاز، لكي يأمن الشام من خطر العراقيين، ويتقوى بالرجال والعتاد ثم يخرج إلى الحجاز؛ ليقضي على أعظم خطر يهدد ملكه، وهذا ما فعله كما سيأتي.
ولا بد لنا هنا أن نطرح تساؤلات منها: ما أهمية العراق بالنسبة لسلطان آل الزبير؟. وما هي الأسباب التى أدت إلى فشلهم في الحفاظ عليه؟. وللإجابة عن ذلك نبدأ بأهمية العراق بالنسبة لآل الزبير.
- إن العراق أولى الولايات التي انضمت لحكم آل الزبير، وبسهولة وبدون أدنى جهد يُذْكَر؛ لأن العراقيين خضعوا بسرعة؛ كي يتداركوا خطر الخوارج، ثم جاءهم خطر آخر وهو أشد من الأول وهو خطر المختار، فزاد ذلك من تمسكهم.
- أن العراقيين هم في الأساس الجند الأكثر قوة ودعمًا لآل الزبير.
- يعتبر العراق وما ورائه من بلاد فارس المصدر الأساسي لقوة آل الزبير الاقتصادية وذلك في الخراج والفيء وغيره.
أما عن أسباب فشل آل الزبير في الحفاظ على العراق فهي كالآتي:
- زوال الأخطار المحدقة بالعراق والتي تمثلت بانحسار الخوارج إلى خراسان، ومقتل المختار، وهي لم تذهب بسهولة بل بحروب كثيرة؛ ولذلك فقد فتر العراقيون في تلك الفترة من الحروب وملوها، ورأوا عزم عبد الملك على حربهم فمالوا إليه؛ لأنهم خافوا حربه ولذلك تركوا آل الزبير.
- اختيار عبد الملك بن مروان ضم العراق لملكه في ذلك الوقت جاء مناسبًا لتفكك الوسط القبلي الذي يقوم عليه أهل العراق في حروبهم وولاتهم،
فبعد مقتل المختار مات الأحنف بن قيس
(1)
الذي يسيطر على بني تميم في العراق، وهي من القوى الضاربة في العراق ومثلها الأزد، ومات محمد بن الأشعث بحرب المختار فلم يبقَ لهم إلا المهلب وهو منشغل بحرب الخوارج، ولم يقم مصعب باستدعائه ليكون له عونًا على أهل الشام كما فعل عندما قاتل المختار، وقد روى عن ابن خازم
(2)
أنه فند أسباب خسارة مصعب فقال: (أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استعمله على فارس، قال: أفمعه المهلب ابن أبي صفرة؟ قيل: لا، استعمله على الموصل، قال: أفمعه عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة، فقال: وأنا بخراسان!
خذيني فجريني جعار
(3)
وأبشري
…
بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره)
(4)
- استعمال عبد الملك مكيدة حربية تَكْمُن في دهاء بني أمية ومقدرتهم على السياسة في الحروب وغيرها، ألا وهي قيامه باستمالة قادة العراقيين وأشرافه إليه عن طريق المكاتبة فاستجابوا له، إلا ما كان من إبراهيم بن الأشتر الذي أخبر مصعبًا بذلك وأثبت له ولاءه، ولم يستجب مصعب لرأي إبراهيم بن الأشتر
(5)
، والذي يقتضي بمحاسبة القادة، وتثبيت ولائهم، وهذا نابع من فقه
(1)
ذكر البلاذري في الأنساب 7/ 84 أن الأحنف مات في تلك الأيام التي دخل فيها مصعب الكوفة لقتال عبد الملك.
(2)
سبق ترجمته.
(3)
اسم لضبع لكثرة جعرها. الخليل: العين 1/ 224.
(4)
الطبري: التاريخ 6/ 158. وبمثله البلاذري: الأنساب 7/ 99، وفي رواية أخرى 7/ 172 عنده أن المهلب على حرب الخوارج، وذكر ذلك ابن الأثير 3/ 284 في نفس الرواية السابقة، وسبب الاختلاف في تحديد عمل المهلب؛ لأن مصعبًا عزل إبراهيم بن الأشتر عن الموصل والجزيرة وأرمينية ووجهه إلى حرب الخوارج وولى مكانه المهلب، ثم عزله ورده لعمله السابق ووجه المهلب للخوارج. البلاذري: الأنساب 7/ 83.
(5)
الطبري: التاريخ 6/ 157، وأبو العرب في المحن 208.
مصعب وتدينه، فلم يقبل بالأخذ بالظنة والتهمة، وهو أيضًا يعرف أن أخاه عبد الله رضي الله عنه لن يقبل بهذا أيضًا، فهم اتقوا الله في أهل العراق ولكن أهل العراق خذلوهم كما خذلوا آل البيت من قبلهم.
فحال مصعب بن الزبير كحال الحسين بن علي رضي الله عنه، فكلاهما قد خُذِلَ؛ ولذلك سأل مصعب عن حال الحسين رضي الله عنه حينما خذله أهل العراق، ليعلم من حوله أنه لن ينزل على حكم أهل الشام وأنه سوف يتبع سنة الكرام التي سنها الحسين رضي الله عنه.
* * *
سابعًا: الحجاج ومقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
-
* مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
[182]
- (ثم وجه الحجاج بن يوسف لمحاربة عبد الله بن الزبير، وعزل قدامة بن مظعون، فسار الحجاج حتى نزل الطائف، وأقام شهرًا.
ثم كتب إلى عبد الملك: إنك يا أمير المؤمنين متى تدع ابن الزبير يعمل فكره، ويستجيش ويجمع أنصاره، وتثوب
(1)
إليه فلاله
(2)
كان في ذلك قوة له، فائذن في معاجلته لي، فأَذَنَ له.
فقال الحجاج لأصحابه: تجهزوا للحج، وكان ذلك في أيام الموسم.
ثم سار من الطائف حتى دخل مكة، ونصب المنجنيق على أبي قبيس.
فقال الأقيشر الأسدي
(3)
:
(1)
الوثوب: المبادرة للشيء والمسارعة إليه. الزبيدي: تاج العروس 4/ 332.
(2)
الفل: المنهزم والجميع الفلول: والفلال. الفراهيدي: العين 8/ 316.
(3)
هو المغيرة بن عبد الله بن المعرض بن عمرو بن أسد بن خزيمة، المعروف بالأقشر الأسدي الكوفي، ويكنى أبا المعرض، ولقب بالأقيشر لأنه كان أحمر الوجه، شاعر إسلامي وقد أدرك الجاهلية، وكان جوادًا مطعمًا، له قصيدة يرثي بها مصعب بن الزبير. ابن عساكر: تاريخ دمشق 60/ 63، ابن حجر: الإصابة 6/ 243. ولم يرد عندهم أنه قال هذه الأبيات التي ذكرها صاحب الكتاب، وذكر الجاحظ في الحيوان 7/ 62، والبلاذري في الأنساب 7/ 117 أن هذه الأبيات لشاعر اسمه الأقيبل القيني، وهو الأقيبل بن شهاب الكلبي ينسب إلى القين بن جسر، وقصته أن الحجاج بعد ما سمع هذه الأبيات طلبه، فاستجار بقبر مروان بن الحكم، وضرب عليه خيمة، فدعاه عبد الملك فلما صار بين يديه أنشد:
إني أعوذ بقبر لست مخفره
…
ولا أعوذ بقبر بعد مروانا
فقال له عبدالملك: إني لا أعوذ به أحدًا غيرك، وأمر كاتبه أن يكتب إلى الحجاج أني فوضت الأمر إليك فاعمل فيه بما ترى، ولما انطلق إلى الحجاج في مكة فكر في أمره فقال: لعل الكتاب مثل صحيفة المتلمس، فقال:
لأطلبن خمولًا قد علت شرفا
…
كأنها في الضحى نخل مواقير
فقد علمت وعلم المرء ينفعه
…
أن انطلاقي إلى الحجاج تغرير
مستخفيًا صحفًا تدمي طوابعًا
…
وفي الصحائف حيلت مناكير
لئن أتيت لحجاج معتذرًا
…
إذا فلا قبلت تلك المعاذير
ثم لحق بقومه في باديتهم، فلم يزل معهم حتى هلك.
لم أر جيشًا غر
(1)
بالحج مثلنا
…
ولم أر جيشًا مثلنا غير ما خرس
دلفنا
(2)
لبيت الله نرمي ستوره
…
بأحجارنا زفن
(3)
الولائد
(4)
في العرس
دلفنا له يوم الثلاثاء من منى
…
بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس
فإلا ترحنا من ثقيف وملكها
…
نصل لأيام السباسب والنحس
فطلبه الحجاج، فهرب، وأناخ الحجاج بابن الزبير، وتحصن منه ابن الزبير في المسجد، واستعمل الحجاج على المنجنيق ابن خزيمة، فجعل يرمي أهل المسجد ويقول:
خطاره مثل الفنيق الملبد
…
نرمي بها عواذ أهل المسجد
(5)
فلما اشتد على ابن الزبير وأصحابه الحصار، خرجت بنو سهم من بابهم، فقال ابن الزبير:
فرت سلامان، وفرت النمر
…
وقد تكون معهم فلا تفر
(6)
(1)
الغر: معناه في قولهم غر: فلان فلانًا: عرضه للهلكة والبوار. الزبيدي: تاج العروس 13/ 224.
(2)
دلفنا: تقدمنا. ابن منظور: لسان العرب 9/ 106.
(3)
زفن: الزفن هو الرقص. الفراهيدي: العين 7/ 372.
(4)
الولائد: الشواب من الجواري. ابن منظور: لسان العرب 3/ 470.
(5)
ذكر الطبري: التاريخ 5/ 498 أن هذا البيت ارتجز به أهل الشام في حصارهم الأول لمكة.
(6)
ذكر البلاذري: الأنساب 7/ 126 من طريق أبي مخنف مثل ذلك، وذكر الخبر عند ابن الجوزي في صفوة الصفوة 1/ 304، من طريق عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال ذلك حين قيل له:
وجعل أهل الشام يدخلون عليه المسجد، فيشد عليهم، فيخرجهم من المسجد حتى رمى بحجر، فأصاب جبهته، فسقط لوجهه، ثم تحامل، فقام، وهو يقول:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا
(1)
…
ولكن على أقدامنا تقطر الدما
(2)
ثم قال لأصحابه: اخرجوا إلى من بالباب، واحملوا، ولا يلهينكم طلبي، والسؤال عني، فإني في الرعيل الأول.
فخرج، وخرجوا معه، فقاتل قتالًا شديدًا حتى قُتِلَ عامة من كانوا معه، وأحدقوا به من كل جانب، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه.
فأمر به الحجاج، فصلبه، فمر به عبد الله بن عمر، فقال: رحمك الله أبا بكر، أما والله لقد كنت صوامًا قوامًا، غير أنك رفعت الدنيا فوق قدرها، وليست لذلك بأهلٍ، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق.
وكان مقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين
(3)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(5)
، وخليفة بن خياط
(6)
مختصرًا،
(1)
إن فلانًا لحق بالحجاج، وفلانًا لحق بالحجاج، وقد ذكر الحداد في كتاب تخريج أحاديث إحياء علوم الدين 6/ 2817 كامل السند إلى عروة، وهذا يدل على أنه ليس المقصود بني سهم.
() الكلم: الجرح، والجمع كلوم. ابن منظور: لسان العرب 12/ 524.
(2)
هذا البيت للحصين بن الحمام. الزجاجي: الأمالي 207.
(3)
ذكر خليفة بن خياط 269، أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قتل لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، وعمره ثلاث وسبعين؛ لأنه ولد في العام الأول من الهجرة ومات في سنة ثلاث وسبعين.
(4)
الأخبار الطوال 313، 314، 315.
(5)
الطبقات 2/ 91 (ت د. محمد السلمي).
(6)
التاريخ 268.
والبلاذري
(1)
، والطبري
(2)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية خبر مسير الحجاج لحرب عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وأنه بطلب من الحجاج نفسه، وقد ذكر الطبري نحوًا من هذا.
وقد روي أن ذلك كان من عبد الملك نفسه دون طلب من الحجاج
(3)
.
وقد جاء صاحب الكتاب بخبر يذكر فيه قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه حينما مر على عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بعد أن قتله الحجاج فقال: (رحمك الله أبا بكر، أما والله لقد كنت صوامًا قوامًا، غير أنك رفعت الدنيا فوق قدرها، وليست لذلك بأهلٍ، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق)، وهذا القول مكذوب على عبد الله ابن عمر رضي الله عنه؛ لأنه قد ثبت قوله في الصحيح عند مسلم عن أبي نوفلٍ
(4)
أنه قال: (رأيت عبد الله بن الزّبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريشٌ تمرّ عليه، والنّاس حتّى مرّ عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه فقال: السّلام عليك، أبا خبيبٍ السّلام عليك أبا خبيبٍ السّلام عليك أبا خبيبٍ أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت، ما علمت، صوّامًا، قوّامًا، وصولًا للرّحم، أما والله لأمّةٌ أنت أشرّها لأمّةٌ خيرٌ، ثمّ نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجّاج موقف عبد الله وقوله: فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثمّ أرسل إلى أمّه أسماء
(1)
الأنساب 7/ 115.
(2)
التاريخ 6/ 174.
(3)
ذكر ذلك خليفة بن خياط: التاريخ 268، والبلاذري: الأنساب 7/ 115.
(4)
أبو نوفل بن أبي عقرب الكناني، وقيل: اسمه مسلم، وقيل: عمرو بن مسلم، وقيل: معاوية بن مسلم، ثقة، من الثالثة. ابن حجر: التقريب 679.
بنت أبي بكرٍ، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرّسول: لتأتينّي أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتّى تبعث إليّ من يسحبني بقروني، قال: فقال: أروني سبتيّ فأخذ نعليه، ثمّ انطلق يتوذّف، حتّى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدوّ الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنّك تقول له: يا ابن ذات النّطاقين أنا، والله ذات النّطاقين، أمّا أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعام أبي بكرٍ من الدّوابّ، وأمّا الآخر فنطاق المرأة الّتي لا تستغني عنه، أما إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثنا، «أنّ في ثقيفٍ كذّابًا ومبيرًا» فأمّا الكذّاب فرأيناه، وأمّا المبير فلا إخالك إلّا إيّاه، قال: فقام عنها ولم يراجعها)
(1)
.
فبهذا النص نجد التحريف الواضح بين ما ثبت في هذا الحديث وبين ما رواه صاحب الكتاب في كلام عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ونلحظ مدى خطورة تحريف الرواة لسير السلف وإدراج ما تخفيه صدورهم من الحنق والكراهية على أهل الحق، وهذا يندرج تحته كثير من أهل الأخبار، فلو أن صاحب الكتاب أسند الخبر لذهب عنه هذا الاتهام ولكنه ذكره جازمًا به، فقد جعل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ليس أهلًا للخلافة، والقيام بأمر المسلمين وأنه رفع الدنيا فوق قدرها، فالحمد لله الذي وفق هذه الأمة للسند لكي يعرف به الحق من الباطل.
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (وفيه الثّناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة، وفيه منقبةٌ لابن عمر لقوله بالحقّ في الملأ وعدم اكتراثه بالحجّاج؛ لأنّه يعلم أنّه يبلغه مقامه عليه وقوله وثناؤه عليه، فلم يمنعه ذلك أن
(1)
الصحيح 4/ 1971.
يقول الحق ويشهد لابن الزّبير بما يعلمه فيه من الخير، وبطلان ما أَشَاعَ عنه الحجّاج من قوله أنه عدو)
(1)
.
وقد أثنى عليه عبد الله بن عباس رضي الله عنه وبَيَّنَ أحقيته بهذا الأمر وعظيم نسبه وقرابته
(2)
.
فشهادة ابن عباس رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنه له كافية له أن يكون أهلًا للخلافة.
وفي هذا الخبر مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه شهيدًا على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، وبذلك تنتهي دولته، التي نشأت من سنة أربع وستين إلى اثنتين وسبعين من الهجرة، فهي ما يقارب تسع سنوات، وهي حافلة بالعدل والإنجازات، وقد بدأت دولته بحرب الخوارج وطردهم عن العراق على يد أحد رجالاته وهو المهلب بن أبي صفرة، ثم أعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ثم قضى على المختار على يد أخيه مصعب بن الزبير.
وبعد مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه صَفَى لعبد الملك بن مروان ملكه بعد تفرق بين المسلمين دام ما يقارب تسع سنوات، حصل فيه من القتل والتفرق الشيء الكثير، وتعطلت الفتوحات بسبب هذا الخلاف، وجاء هذا التفرق من عدم وجود الولاية الشرعية، فلو أن معاوية بن يزيد وَلَّى الأمر بعده لأحد بني أمية الأكفاء؛ لحقن بذلك دماء أهل الشام والعراق والحجاز، وكل ذلك
بتقدير الله.
وقد سبق معنا أن الخوارج لم تَقْوَ شوكتهم إلا بعد موت يزيد وكذلك المختار لم يخرج إلا مقلدًا لمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه كما صرح بذلك، وما حصل من تقاتل أهل الشام فيما بينهم إلا لعدم وجود خليفة
(1)
النووي: شرح مسلم 16/ 98.
(2)
راجع نقد الرواية رقم 174.
شرعيًّا بينهم، ولذلك أقول: إن معاوية رضي الله عنه أصاب في جمع الناس على ابنه يزيد، وهذا تأكيد منه على أهمية ولاية العهد، ويضاف إلى دهائه وتبصره بالعواقب.
* أسباب زوال سلطان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه:
- سقوط العراق بيد عبد الملك بن مروان ومقتل أخيه مصعب بن الزبير، فالعراق كان بمثابة القوة الضاربة لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
- عدم جدوى استمرار الحصار من قبل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وذلك بسبب الجوع الذي تسببت به طول فترة الحصار من قبل أهل الشام، فأهل الشام استطاعوا أن يثبتوا لما يأتيهم من مدد الشام.
- عمدَ الحجاج إلى حيلة حربية، ألا وهي إعطاء الأمان كل من أتاه من جند ابن الزبير رضي الله عنه.
- قاتل معه ناس من الحبشة يجيدون الرمي، قتلوا جماعة من أهل الشام، فحمل عليهم الشاميون فانكشفوا واعتذروا من عبد الله رضي الله عنه وقالوا: لسنا أصحاب مواجهة
(1)
.
- وكان مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قتال الحجاج جند من أصحاب ابن عديس
(2)
وهم خوارج ذوو بأس وشدة كانت له نكاية بأهل الشام، فبلغه عنهم ما يقولون في عثمان رضي الله عنه، فقال: (والله ما أحب أن أستظهر على عدوي بمن
(1)
البلاذري: الأنساب 7/ 119.
(2)
هو عبد الرحمن بن عديس البلوي، أبو محمد، من الفرسان، صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وبايع تحت الشجرة، وشهد فتح مصر، وكان من الرءوس الذين سعوا بقتل عثمان رضي الله عنه، سجنه معاوية رضي الله عنه وهرب من سجنه، قتل سنة ست وثلاثين. ابن سعد: الطبقات 7/ 509، الإصابة: ابن حجر 4/ 281.
يبغض عثمان، ولا بأن ألقى اللّه إلا ناصرًا له، وجعل يماكرهم، فقالوا: والله ما نرى أن نقاتل مع رجل يكفر أسلافنا، وما قاتلنا إلا لحرمة هذا البيت، وأن نردها شورى فتفرقوا عنه فاختل عسكره وعريت مصافه، ودنا منه عدوه حتّى قاتلوه)
(1)
.
فهذا هو ابن الزبير رضي الله عنه منعه تقواه أن يلقى الله مستنصرًا بمن يبغض عثمان رضي الله عنه.
وسوف أقف على بعض ما يثار حول ابن الزبير رضي الله عنه من الشبهات وأردّها، وهي كما يلي:
الشبهة الأولى: ما جاء بها صاحب الكتاب وهي عدم أهليته للخلافة، والحديث السابق عن ابن عمر رضي الله عنه يرد على ذلك.
الشبهة الثانية: أنه خارج على دولة بني أمية.
وللرد على ذلك نقول: إنه قد ثبت لنا أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه لم يطلب الخلافة إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية، وقد بينا ذلك بالأدلة في فصل سابق، وقد اجتمعت له أغلب البلدان، إلا ما كان من بعض بلدان الشام، حتى إن مروان بن الحكم هم بمبايعته لولا تدارك بعض الموالين لبني أمية له، فبهذا الوقت قد مرضت الدولة الأموية وكاد أن يضمحل أمرها، وهو الوقت الذي سنحت فيه الفرصة لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن يعلن أمره بحيث أنه لم يكن له منازع، بل إنه لم ينازع إلا بعد أن استعاد عبد الملك العراق بعد سنة سبعين من الهجرة، فهو بذلك لم يكن خارجًا على إمام زمانه.
ويؤيد ذلك ما ذكره ابن كثير في كلامه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: (ثمّ هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشدُ من مروان بن
(1)
البلاذري: الأنساب 7/ 120.
الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت البيعة له في الآفاق وانتظم له الأمر واللّه أعلم)
(1)
.
فامتناع مروان بن الحكم عن بيعة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وقيامه بأمر الشام جعل عبد الله بن عباس رضي الله عنه يمتنع عن بيعتهما ومعه رضي الله عنه محمد ابن الحنفية، ومات ابن عباس قبله، ولم يبايع له، وكذلك امتنع عبد الله بن عمر رضي الله عنه ولم يبايع له، ولا لعبد الملك بن مروان إلا بعد قضاء الحجاج على عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
فقد أخرج البخاري في صحيحة عن عبد الله بن دينارٍ
(2)
، قال:(شهدت ابن عمر حيث اجتمع النّاس على عبد الملك، قال: (كتب إنّي أقرّ بالسّمع، والطّاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنّة اللّه وسنّة رسوله ما استطعت، وإنّ بنيّ قد أقرّوا بمثل ذلك)
(3)
.
الشبهة الثالثة: وهي أنه كان يعاب عليه بالبخل.
وهي من المواد التي لاقت رواجًا من بعض أهل الأخبار، فقد ألمح لها صاحب الكتاب في ذكره لرأس المختار حينما أوتي به إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فقال لمن أتى به: خذ الرأس هدية لك، وقد ذكرنا أن هذا الخبر لم يصح منه شيء. ويؤيد ما ذكرناه القاضي عياض في شرحه للحديث السابق فقد قال: (وقوله فيه: «وصولًا للرحم» : أصح من قول من بخله ونسبه لذلك من أصحاب الأخبار، لإمساكه مال الله عمن لا يستحق، وقد عده صاحب كتاب الأجواد
(1)
البداية 8/ 374.
(2)
عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى عبد الله بن عمر، ثقة، من الرابعة، مات سنة 126 هـ. ابن حجر: التقريب 302.
(3)
الصحيح 9/ 77.
فيهم، وهو الذي يشبه أفعاله وشيمته)
(1)
.
وحكايته في كتاب الأجواد هي: (عن أم ذرة
(2)
وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها، قالت: إن ابن الزبير بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة وألف، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس)
(3)
.
ومن أمثلة ما ذكر في بخله: ما رواه البلاذري عن الواقدي قوله: (وأصابت النّاس مجاعة شديدة حتّى ذبح ابن الزّبير فرسًا له وقسم لحمه في أصحابه)
(4)
.
وفي رواية أخرى عن الواقدي أيضًا أنه قال: (وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، ومُدُّ الذرة بعشرين درهمًا، وإن بيوت ابن الزّبير لمملوءة قمحًا وشعيرًا وذرة وتمرًا)
(5)
.
وهذا في حديثه عن حصار الحجاج بن يوسف لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ونلحظ في هذا حجم التناقض بين الروايتين، فالأولى تثني على كرم ابن الزبير رضي الله عنه وإيثاره، والأخرى تذم بخله، وكلها عن الواقدي وهو من قد ضعفه العلماء، فلم يسعه المدح حتى جاء بالذم، ومثل ذلك في كتب الأخبار كثير.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يبخل ابن الزبير رضي الله عنه ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: («ليس المسلم من شبع وجاره جائعٌ إلى جنبه»
(6)
، وهذا الأثر
(1)
إكمال المعلم بفوائد مسلم 7/ 588.
(2)
أم ذرة المدنية، مولاة عائشة رضي الله عنها، تابعية من الثالثة مقبولة. الفلوجي: المعجم الصغير 2/ 840.
(3)
التنوخي: المستجاد من فعلات الأجواد 1/ 2. ابن سعد: الطبقات 8/ 67.
(4)
الأنساب 7/ 120.
(5)
البلاذري: الأنساب 7/ 121.
(6)
ابن أبي الدنيا: مكارم الأخلاق 1/ 107 برقم 347، المروزي: تعظيم قدر الصلاة 2/ 593 برقم 629، المنتخب: عبد بن حميد 1/ 231 برقم 694. الطحاوي: شرح معاني الآثار 1/ 28 برقم 116، بلفظ: (يعاتب ابن الزبير رضي الله عنه في البخل). الحاكم: المستدرك 4/ 148 برقم 7307.
جاء على روايات عدة من طريق عبد الله بن المساور
(1)
وهي أن ابن عباس رضي الله عنه يعاتب رجلًا في البخل
(2)
، وأنه يخبر
(3)
عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وأنه يبخل
(4)
ابن الزبير رضي الله عنه، وروى هذا الحديث مجردًا دون تعليق
(5)
.
وقد ذكر هذا الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة فقال: (رجاله ثقات غير ابن مساور فهو مجهول كما قال الذهبي في الميزان
…
وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي
(6)
، وقال الألباني:(نعم هو صحيح بما له من شواهد، فقد روي من حديث أنس وابن عباس وعائشة)
(7)
.
فنجد أن الألباني صحح الحديث ولم يصحح الإسناد وعلته عبد الله بن المساور الذي جاء بالزيادات التي فيها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
ورُوِيَ عن ليث بن أبي سليمٍ
(8)
قال: كان ابن عباسٍ يكثر أن يعنف
ابن الزبير بالبخل، قال: فلقيه يومًا فعيّره، فقال له ابن الزبير: ما أكثر ما تعيرني
يا ابن عباسٍ؟ قال: إنّي إن أفعل، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ المؤمن
(1)
عبد الله بن مساور، مجهول. ابن حجر: لسان الميزان 9/ 346.
(2)
المروزي: البر والصلة 123 برقم 239.
(3)
البخاري: الأدب المفرد 1/ 52 برقم 112، البيهقي: شعب الإيمان 7/ 454 برقم 5272.
(4)
الطبراني: المعجم الكبير 12/ 154 برقم 12741، البيهقي: شعب الإيمان 12/ 87 برقم 9089.
(5)
ابن أبي شيبة: المصنف 6/ 164 برقم 30359، وله في شعب الإيمان 1/ 39، الدارمي: الزهد 2/ 507، أبو يعلى الموصلي: المسند 5/ 92 برقم 2699. تمام: الفوائد 2/ 105 برقم 1262، البيهقي: الآداب 1/ 29 برقم 71. وله في شعب الإيمان 5/ 76.
(6)
ذكر في كتاب تلخيص مختصر الذهبي، ت: سعد آل حميد 6/ 2705 أن تصحيح الإسناد الذي فيه عبد الله بن المساور جاء من توثيق ابن حبان له.
(7)
الألباني: السلسلة الصحيحة 1/ 279.
(8)
الليث بن أبي سليم بن زنيم، صدوق اختلط جدًّا ولم يميز فترك، من السادسة. ابن حجر: التقريب 464.
لا يشبع وجاره وابن عمّه جائعٌ»
(1)
.
وهذا لم يصح إسناده؛ لأن ليثًا متروك.
فالحديث السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح ولكن إقحام عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فيه هو ما لم يرد بسند صحيح.
* * *
(1)
ابن عساكر: دمشق 28/ 218. الذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 444.
الفصل السادس
«أخبار الحجاج، وفتنة ابن الأشعث، وأخبار هشام بن عبد الملك»
أولًا: أخبار متفرقة.
ثانيًا: فتنة عبد الرحمن بن الأشعث والقضاء عليها.
ثالثًا: أخبار الحجاج، ووفاة عبد الملك.
رابعًا: أحداث في خلافة الوليد بن عبد الملك.
خامسًا: شيء من أخبار سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز.
سادسًا: بداية الدعوة العباسية.
سابعًا: ظهور أبو مسلم الخراساني.
أولًا: أخبار متفرقة
* قصة عروة بن الزبير مع الحجاج:
[183]
- (ولما قُتِلَ عبد الله بن الزبير خرج أخوه عروة بن الزبير هاربًا من الحجاج حتى أتى الشام، فاستجار بعبد الملك بن مروان، فأجاره، وأظهر إكرامه، وأقام عنده.
فكتب الحجاج إلى عبد الملك به أن أموال عبد الله بن الزبير عند أخيه عروة، فرُدَّه إليّ لاستخرجها منه. فقال عبد الملك لبعض حراسه: انطلق بعروة إلى الحجاج.
فقال عروة: يا بني مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه.
فتذمم عبد الملك، وخلَّى سبيل عروة. وكتب إلى الحجاج: إلْهُ عن عروة، فلن أسلطك عليه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الفاكهي
(2)
والفسوي
(3)
، البلاذري
(4)
.
• نقد النص:
خبر عروة مع الحجاج جاء مسندًا عند الفاكهي وهو أصح وأوثق مما جاء به صاحب الكتاب، الذي جاء بالخبر وفيه نزعة تشيع، وهو تحريف قول عروة ابن الزبير السابق بقوله:(يا بني مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه)، وهذا من الطعن في حكم بني أمية.
(1)
الأخبار الطوال 315، 316.
(2)
أخبار مكة 2/ 352.
(3)
المعرفة والتاريخ 1/ 553.
(4)
الأنساب 9/ 441.
حيث قال الفاكهي: (وحدّثني أبو زرعة
(1)
، عن عليّ بن عبد الله
(2)
قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: "لمّا قتل الحجّاج عبد الله بن الزّبير رضي الله عنهما أخذ عروة بن الزّبير أموال ابن الزّبير فأودعها قومه، ثمّ لحق بعبد الملك، فلمّا انتهى إلى الباب قال للبوّاب: قل لأمير المؤمنين أبو عبد الله بالباب قال: من أبو عبد الله؟ قال: قل له أبو عبد الله فدخل الحاجب، فقال: إنّ رجلًا بالباب عليه ثياب السّفر يقول: أبو عبد الله بالباب قال: قلت له: من أبو عبد الله؟ قال: قل له: أبو عبد الله بالباب قال: ويحك ذاك عروة بن الزّبير، ائذن له قال: فأذن له فدخل، فقال: مرحبًا بأبي عبد الله حتّى أقعده معه على السّرير، ثمّ قال: ما فعل أبو خبيبٍ؟ قال: قُتِلَ يرحمه الله قال: فنزل عبد الملك عن السّرير فخرّ ساجدًا، ثمّ عاد إلى السّرير قال: وجاء رسولٌ من عند الحجّاج بكتابٍ يخبره فيه بقتل ابن الزّبير، وأنّ عروة أخذ الأموال فأودعها قومه ولحق بك، فأقرأه عبد الملك الكتاب، فغضب عروة وقال: "والله ما يدعون الرّجل أو يأخذ سيفه فيموت كريمًا ")
(3)
، وزاد في رواية الفسوي موقف عبد الملك:(فلمّا رأى ذلك كتب إلى الحجّاج: أن أعرض عن ذلك)
(4)
.
وأما عن الحجاج فقد حمل على عروة وأراد أن يأخذه فلم يجد طريقًا إلا اتهامه بحيازة الأموال، وهذه الأموال خاصة لورثة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ولم
(1)
هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، المخزومي القرشي، الرازي، وهو ثقة وأحد الأئمة المشهورين، والحفاظ المتقنين، ولد سنة مائتين، وتوفي سنة مائتين وأربع وستين. المزي: تهذيب الكمال 19/ 89. ابن حجر: التقريب 373.
(2)
علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي، البصري، المعروف بابن المديني، ثقة ثبت، إمام أهل الحديث وعلله، حتى قال عنه البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، مات سنة 234. الذهبي: السير 11/ 41، ابن حجر: التقريب 403.
(3)
أخبار مكة 2/ 352.
(4)
المعرفة والتاريخ 1/ 554.
تكن من مال المسلمين وإلا لم يكن لعروة سبيل لحيازتها وهو من كبار الفقهاء في عصره، فهو بريء من هذا؛ ولذلك لم يحذر من مواجهة عبد الملك؛ لأنه يعرف أنه لا يتهمه بها.
* أحداث سنة أربع وسبعين:
[184]
- (فأقام الحجاج بمكة حتى أقام للناس الحج، وأمر بالكعبة فنقضت، وأعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(2)
، والطبري
(3)
.
جاء في الرواية رقم [152] أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أعاد بناء الكعبة، ثم جاء الحجاج وهدمها وأعاد بناءها على ما كانت عليه من قبل بأمر عبد الملك.
وأصح ما جاء في ذلك:
ما أخرجه مسلم في صحيحه: (فلمّا قُتِلَ ابن الزّبير كتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أنّ ابن الزّبير قد وضع البناء على أسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكّة، فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزّبير في شيءٍ، أمّا ما زاد في طوله فأقرّه، وأمّا ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسدّ الباب الّذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه)
(4)
.
وبهذا هدم الحجاج الكعبة بأمر عبد الملك بن مروان وأعاد بناءها؛ لأنه ظن أن ما فعله عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بها كان من أمره ورأيه، ولم يعلم أنه اعتمد بذلك على ما رواه عن خالته عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1)
الأخبار الطوال 316.
(2)
التاريخ 270.
(3)
التاريخ 6/ 195.
(4)
الصحيح 2/ 970.
وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه: (أنّ عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزّبير حيث يكذب على أمّ المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتّى أزيد فيه من الحجر، فإنّ قومك قصّروا في البناء»، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أمّ المؤمنين تحدّث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على ما بنى ابن الزّبير)
(1)
.
[185]
- (وفي ذلك العام توفي عبد الله بن عمر، وله أربع وسبعون سنة، فدفن بذي طوى
(2)
في مقبرة المهاجرين، وكان يكنى أبا عبد الرحمن.
وفيها مات أبو سعيد الخدرى، واسمه سعد بن مالك.
وفيها مات رافع بن خديج، وله ست وثمانون سنة، وكان يكنى أبا عبد الله)
(3)
.
وقوله: وفيها أي سنة ثلاث وسبعين.
اختلف في وفاة عبد الله بن عمر فقيل: في سنة ثلاث وسبعين وقيل: أربع وسبعين
(4)
.
وقال ابن كثير: (قال الواقديّ وجماعةٌ: توفّي ابن عمر سنة أربعٍ وسبعين، وقال الزّبير بن بكّارٍ وآخرون: توفّي سنة ثلاثٍ وسبعين والأوّل أثبت، واللّه أعلم)
(5)
.
(1)
مسلم: الصحيح 2/ 972 برقم 1333.
(2)
ذي طوى: من جبال مكة، وأصبح اليوم في وسط عمرانها. محمد شراب: المعالم الأثيرة 101.
(3)
الأخبار الطوال 316.
(4)
الربعي: تاريخ مولد العلماء ووفياتهم 1/ 194.
(5)
البداية والنهاية 9/ 9.
وتوفي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بعد الحرة بسنة
(1)
، وقيل: أربع وسبعين
(2)
، وهو المشهور.
وأما رافع بن خديج
(3)
قيل: إنه توفي سنة ثمانٍ وستين
(4)
، وقيل: ثلاث وسبعين
(5)
وقيل: أربع وسبعين
(6)
.
[186]
- (قالوا: وأمر عبد الملك بضرب الدراهم سنة ست وسبعين، ثم أمر بعد ذلك بضرب الدنانير، وهو أول من ضربهما في الإسلام، وإنما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم)
(7)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(8)
، والبلاذري
(9)
مطولًا، والطبري
(10)
.
وخبر سك النقود من قبل عبد الملك بن مروان، قد اختصره صاحب الكتاب. ولم تفصح كتب التاريخ عن سبب قيام عبد الملك بسك النقود،
(1)
البخاري: التاريخ الكبير 4/ 44.
(2)
الطبري: التاريخ 11/ 525، الربعي: تاريخ مولد العلماء ووفياتهم 1/ 193، البغوي: معجم الصحابة 3/ 22.
(3)
رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن زيد الخزرجي الأنصاري، استُصغر يوم بدر وأجيز يوم أحد، كان يفتي بالمدينة زمن معاوية رضي الله عنه وبعده، توفي في المدينة وشهده ابن عمر رضي الله عنه. الأصفهاني: معرفة الصحابة 2/ 1044. الذهبي: السير 3/ 181.
(4)
ابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني 4/ 119.
(5)
البغوي: معجم الصحابة 2/ 351، الطبراني: المعجم الكبير 4/ 240 بروايتين، الأصفهاني: معرفة الصحابة 2/ 1044.
(6)
الربعي: تاريخ مولد العلماء 1/ 193، الطبراني: المعجم الكبير 4/ 240، الحاكم: المستدرك 3/ 684.
(7)
الأخبار الطوال 316.
(8)
الطبقات. 5/ 229.
(9)
فتوح البلدان 237، 447.
(10)
التاريخ 6/ 256.
ولا بد من وجود سبب دعاه لذلك، وقد ذكر هذا الحدث البلاذري في الفتوح مفصلًا وذكر السبب، فقال (قالوا: كانت القراطيس تدخل بلاد الروم من أرض مصر ويأتي العرب من قبل الروم الدنانير. فكان عبد الملك بن مروان أول من أحدث الكتاب الّذي يكتب فى رءوس الطوامير من {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
(1)
، وغيرها من ذكر اللّه، فكتب إليه ملك الروم إنكم أحدثتم في قراطيسكم كتابًا نكرهه، فإن تركتموه وإلا أتاكم في الدنانير من ذكر نبيكم ما تكرهونه. قال: فكبر ذلك في صدر عبد الملك فكره أن يدع سنة حسنة سنها، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له: يا أبا هاشم إحدى بنات طبق
(2)
وأخبره الخبر، فقال: افرخ روعك
(3)
يا أمير المؤمنين، حَرِّمْ دنانيرهم فلا يتعامل بها، واضرب للناس سككًا
(4)
، ولا تعف هؤلاء الكفرة مما كرهوا في الطوامير
(5)
. فقال عبد الملك: فرجتها عني فرَّج اللّه عنك، وضرب الدنانير)
(6)
.
وقد اختُلِفَ في السنة التي ضرب فيها الدراهم وفي من ضربها ويبدو أنها على مراحل؛ حيث ذكر البلاذري: (أن عبد الملك أول من ضرب الذهب عام الجماعة سنة أربع وسبعين، قال أبو الحسن المدائني: ضرب الحجاج الدراهم آخر سنة خمس وسبعين، ثمّ أمر بضربها في جميع النواحي سنة ست
(1)
سورة الإخلاص الآية: 1.
(2)
إحدى بنات طبق: وبنات طبق هي الدواهي، وإحدى بنات طبق يروى أن أصلها الحية؛ لأنها استدارت حتى صارت مثل: الطبق، ويقال: إحدى بنات طبق: طبق شرك على رأسك، تقول ذلك للرجل إذا رأى ما يكرهه. ابن سيده: المحكم والمحيط الأعظم 6/ 293.
(3)
أفرخ روعك: ليذهب عنك رعبك وفزعك، فإن الأمر ليس على ما تحاذره. الزبيدي: تاج العروس 21/ 132.
(4)
السك: هو الضرب والسبك والطبع. أحمد مختار: معجم اللغة 2/ 1086
(5)
الطوامير: واحدها طومار وهو الصحيفة. ابن منظور: لسان العرب 4/ 503.
(6)
فتوح البلدان 238، ابن قتيبة: عيون الأخبار 4/ 296، العسكري الأوائل 254.
وسبعين)
(1)
.
[187]
- (وفي تلك السنة
(2)
مات جابر بن عبد الله، وله سبع وتسعون سنة)
(3)
.
ذكر خليفة بن خياط
(4)
أنه توفي سنة ثمانٍ وستين، وذكر البلاذري
(5)
والطبري
(6)
عن الواقدي أنه توفي سنة ثمانٍ وسبعين
(7)
، وعمره أربع وتسعين وهو الأشهر.
* * *
(1)
فتوح البلدان 449.
(2)
أي سنة ست وسبعين كما في الرواية السابقة.
(3)
الأخبار الطوال 316.
(4)
التاريخ 256.
(5)
الأنساب 1/ 248.
(6)
التاريخ 11/ 526.
(7)
ذكر الذهبي: السير 3/ 194، أن هذا القول روي عن الواقدي ويحيى بن بكير وطائفة.
ثانيًا: فتنة عبد الرحمن بن الأشعث والقضاء عليها
* فتنة عبد الرحمن بن الأشعث:
[188]
- (ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس على الحجاج. وكان سبب خروجه أنه دخل على الحجاج يومًا، فقال له الحجاج: إنك لمنظراني. قال عبد الرحمن: إي والله، ومخبراني. وقام عبد الرحمن، فخرج. فقال الحجاج لمن كان عنده: ما نظرت إلى هذا قط، إلا أشهيت أن أضرب عنقه. وكان عامر الشعبي حاضرًا.
وإن عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبي، فقام عبد الرحمن إليه. فقال له: هل ذكرني الأمير بعد خروجي من عنده بشيء؟ فقال الشعبى: أعطني عهدًا وثيقًا ألا يسمعه منك أحد. فأعطاه ذلك، فأخبره بما كان الحجاج قال فيه. فقال عبد الرحمن: والله لأجهدن في قطع خيط رقبته. ثم إن عبد الرحمن دب في عُبَّاد أهل الكوفة وقرائهم، فقال: أيها الناس، ألا ترون هذا الجبار- يعني الحجاج-وما يصنع بالناس؟ ألا تغضبون لله؟ ألا ترون أن السنة قد أُميتت، والأحكام قد عُطلت، والمنكر قد أعلن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معي، فما يحل لكم السكوت. فلم يزل يدب في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعُبَّاد، وواعدهم يومًا يخرجون فيه، فخرجوا على بكرة أبيهم، واتبعهم الناس، فساروا حتى نزلوا الأهواز، ثم كتبوا إلى الحجاج
(1)
(2)
:
خلع الملوك وسار تحت لوائه
…
شجر العرى وعراعر الأقوام (1)(2)
(1)
شجر العرى: سوقة الناس. وعراعر القوم: سادتهم. ابن منظور: لسان العرب 4/ 559.
(2)
اختلف في من القائل فيذكر أن هذا البيت للمهلهل بن ربيعة أو لشرحبيل بن مالك، وقال البكري: رأيته منسوبًا إلى عمرو بن الأيهم، وكلهم من تغلب. ابن قتيبة: المعاني الكبير 2/ 967. البكري: سمط اللآلي 1/ 341.
فأرسل الحجاج كتابه إلى عبد الملك بن مروان.
فكتب عبد الملك في جوابه:
وإني وإياهم كمن نَبَّه القطا
…
ولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى
إخال صروف الدهر للحين منهم
…
ستحملهم مني على مركب وعر
(1)
(2)
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(3)
مختصرًا، والبلاذري
(4)
والطبري
(5)
مطولًا.
نقد النص:
في هذا الرواية خبر فتنة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وهي من الفتن الكبرى التي عصفت بالمسلمين، ومثلها كما سبق فتنة المختار والخوارج، وقد قُتِل فيها أعداد كبيرة من المسلمين، وهي من الأحداث التي لاقت عناية في المصادر، ولم تذكر هذه الرواية الخبر بما يستوفي حقه، فقد أغفلت سبب إرسال الحجاج لهذا الجيش بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وجعلت هذه الرواية أسباب خروج ابن الأشعث على الحجاج أسبابًا شخصية بحتة، ثم إننا نجد في هذه الرواية إقحامًا لذكر الشعبي، وأنه نَمَّ بين الحجاج وابن الأشعث، وهي لم تأت بطرقٍ
(6)
صحيحة يمكن الاعتماد عليها،
(1)
ذكر أن هذه الأبيات لوعلة بن الحارث الجرمي، وهو شاعر جاهلي من فرسان العرب، يماني الأصل، أحد فرسان قضاعة، وشعرائها. أبو تمام: الوحشيات 167، الآمدي: المؤتلف والمختلف 259، الزركلي: الأعلام 8/ 116.
وذكر ابن قتيبة: الشعر والشعراء أنها لشاعر اسمه الأجرد من ثقيف 2/ 724.
(2)
الأخبار الطوال 316، 317
(3)
التاريخ 280.
(4)
الأنساب 7/ 309.
(5)
التاريخ 6/ 326.
(6)
البلاذري: الأنساب 7/ 309 من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف، والطبري: التاريخ 6/ 327 من طريق أبي مخنف وهو ضعيف، تكرر منه إقحام الشعبي في رواية كذب المختار على محمد ابن الحنفية.
وقد تكرر من بعضها ذكر الشعبي في فتنة المختار، وكأننا نلمس منها النكاية به، وأنه يدخل في سبب الفتن.
وأما متنها ففيه تناقض وإلا فكيف يعطي الحجاج هذا الجيش لابن الأشعث وهو لم يثق بولائه ويريد التخلص منه.
وقد عرض صاحب الكتاب بمجموعة من الفتن والمنكرات التي يدعي أن ابن الأشعث نقمها على الحجاج، وفيها مبالغة واضحة في حق ذلك القرن وأهله، وقد تكرر منه هذه الصياغة بقوله على لسان الحسين رضي الله عنه:(فإن السنة قد أُميتت)، وكأن سائر زمن بني أمية بهذه الأوصاف ولا شك أن هذا مِنْ تطريزِ الشيعة كما حكى ذلك ابن كثير
(1)
.
ومما ورد في أسباب هذه الفتنة:
نأتي أولًا على السبب الذي جعل الحجاج يرسل قوة بهذا الحجم إلى سجستان ألا وهو ضياع أمر المسلمين في سجستان وهيمنة الترك على تلك البلاد وجرأتهم على المسلمين وذلك في ولاية عبيد الله بن أبي بكرة
(2)
فقد منعه رتبيل زعيم الترك الإتاوة التي كان يؤديها للمسلمين، فعزم ابن أبي بكرة محاربته بعد أن كتب للحجاج بذلك، فقام بهذا الأمر ومعه قائد كان على أهل الكوفة وهو شريح بن هانئ
(3)
، فحاربوا ملك الترك وأذلوه ثم إن شريح نهى
ابن أبي بكرة من التوغل، فلم ينته فتوغل وكاد أن يهلك، وطلب الصلح مع
(1)
راجع نقد الرواية رقم (43).
(2)
عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، ابن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكرة رضي الله عنه، أحد الأجواد الكرام، تولى سجستان مرتين من خمسين إلى ثلاث وخمسين زمن معاوية رضي الله عنه، ثم في زمن الحجاج، توفي سنة 79 هـ بسجستان. الذهبي: تاريخ الإسلام 5/ 479.
(3)
شريح بن هانئ الحارثي، فقيه فاضل، له رواية عن بعض الصحابة. الذهبي: السير 4/ 109.
ملك الترك وصالحه، ثم هلك هو ومن معه جوعًا في تلك البلاد، ورفض شريح الصلح وحارب بمن معه ثم قُتِلَ، فأتى الحجاج خبرهم فبعث به إلى عبد الملك، فأمره أن يبعث على سجستان من يراه من المسلمين
(1)
، وذلك في سنة ثمانٍ وسبعين
(2)
.
وذكر سببًا آخر وهو أن الحجاج بعث هميان بن عدي السدوسي
(3)
إلى كرمان ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى مدد، فعصى هميان ومن معه فوجه الحجاج ابن الأشعث إليه وهزمه
(4)
، وهذا السبب مستبعد وقد ساقه الطبري ممرَّضًا.
* حجم الجيش وعتاده:
أولى الحجاج هذا الجيش عناية فائقة وجعله مؤهلًا لملاقاة عدو كبير فأخذ يستعد، فانتخب من الكوفة اثني عشر ألفًا ويقال عشرة آلاف ومن البصرة مثلهم، وسموا ذلك الجيش بالطواويس ويقال: إن الناس سموهم بذلك لتكامل أهبتهم وعدتهم ونبلهم وشجاعتهم
(5)
.
وقد روي أن عددهم أربعون ألفًا من البصرة والكوفة، وأن الحجاج بسط العطاء لهم كاملًا، وأخذهم بالخيول الروائع، والسلاح الكامل
(6)
.
(1)
البلاذري: الأنساب 7/ 403. الطبري: التاريخ 6/ 322.
(2)
الطبري: التاريخ 6/ 322.
(3)
هميان بن عدي السدوسي، كان فارسًا شجاعًا، تولى شرطة الحارث بن عبد الله المخزومي، ثم إنه ثار مع ابن الأشعث، فهدم الحجاج داره وسجن امرأته، ثم فر هيمان إلى بلاد الترك فلما مات الحجاج أقبل فمات في طريق البصرة. البلاذري: الأنساب 5/ 405، 7/ 324، 13/ 356.
(4)
البلاذري: الأنساب 7/ 310. الطبري: التاريخ 6/ 329.
(5)
البلاذري: الأنساب 7/ 309.
(6)
الطبري: التاريخ 6/ 327.
نتائج الحملة وأسباب تمرد ابن الأشعث ومن معه على الحجاج:
1 -
لم تكن نتائج الحملة بمعزل عن أسباب الخروج على الحجاج وخلعه، فقد اعتذر رتبيل لابن الأشعث عما أصاب المسلمين من قبل على يدي جنوده وسأله الموادعة، ولكنه رفض وأصرَّ على محاربته، فسار في أرضه وضم إليه ما ترك له رتبيل من الحصون والقلاع وجعل عليها عاملًا من قبله، وحوى كثيرًا من الغنائم، ثم توقف معللًا ذلك بأن المسلمين يجب أن يتعرفوا على الأرض بعد المكوث بها عامًا من الزمن، ثم يعاودوا المسير إليهم ويؤخرون ما قدر لهم، ثم يستمرون على ذلك الأعوام القادمة حتى يقضوا عليهم، وكتب إلى الحجاج بذلك
(1)
.
فكتب الحجاج لابن الأشعث كتابًا يسَفِّه رأيه ويضعفه في عدم التوغل، وهو يريد الأخذ بثأر المسلمين الذين قتلهم رتبيل من قبل، فأمره بالتقدم لحربهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، وهدده بعزله وتولية أخيه بدلًا منه، فقام ابن الأشعث بالناس خطيبًا وبيَّن خطر التوغل، وأنه اختار هذا الرأي بعد مشورة أصحاب الرأي ممن كان معه، وبين لهم رأي الحجاج في التوغل، وحذرهم من مغبة ذلك لكي لا يصيبهم ما أصاب إخوانهم من قبل، فوافقه الناس على ذلك، ثم خلعوا الحجاج وبايعوا له
(2)
.
ونجد في هذا الخبر سببًا واقعيًّا لقيام ابن الأشعث ومن معه بالخروج، وليس كما عرض صاحب الكتاب من ذكر كلام الحجاج عن ابن الأشعث ورأيه فيه، والذي جعله سببًا في انتقام ابن الأشعث.
(1)
البلاذري: الأنساب 7/ 310، الطبري: التاريخ 6/ 328.
(2)
البلاذري: 7/ 312، الطبري: 6/ 334.
[189]
- (قالوا: وأهديت لعبد الملك في ذلك اليوم جارية إفريقية، أهداها إليه موسى بن نصير
(1)
، عامله على أرض المغرب، وكانت من أجمل نساء دهرها، فباتت عنده تلك الليلة، فلم ينل منها شيئًا أكثر من أن غمز كفها، وقال لها: إن دونك أمنية المتمني، قالت: فما يمنعك؟ قال: يمنعني بيت مُدِحنا به، وهو:
قوم إذا حاربوا شدُّوا مآزرهم
…
دون النساء ولو باتت بأطهار
(2)
فزعموا أنه مكث سبعة أشهر لا يقرب امرأة حتى أتاه قتل عبد الرحمن ابن محمد)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
مختصرًا، والمبرد
(5)
مطولًا، والجارية من عامله في اليمن.
• نقد النص:
هذه الرواية لم ترد بسند يمكن الاعتماد عليه وفي آخرها استخدم صاحب الكتاب أسلوبا قل ما ستخدمه في كتابه وذلك في تمريضه بقوله "فزعموا" ولا أدري لماذا؟ هل يعتقد أن كل ما يكتبه صحيح؟
(1)
موسى بن نصير أبو عبد الرحمن اللخمي، كان ذا رأي وحزم ولي غزو البحر لمعاوية رضي الله عنه، وهو
من أرسل مولاه طارق ابن زياد لفتح الأندلس، ثم أتمها هو سنة 92 هـ، وقد قيل: إنه لم تهزم له
راية أبدًا ولم يبدد له جمع، وكان ينوي فتح القسطنطينية، حج ومات بالمدينة. الذهبي: السير، 4/ 496.
(2)
هذا البيت للأخطل، المبرد: الكامل في اللغة 1/ 218.
(3)
الأخبار الطوال 318.
(4)
الأنساب 3/ 117.
(5)
الكامل 1/ 217.
[190]
- (ثم إن الحجاج بعث أيوب ابن القرية
(1)
إلى عبد الرحمن
ابن محمد، وقال: انطلق، فادفعه إلى الطاعة، وله الأمان على ما سلف من
ذنبه. فانطلق إليه ابن القرية، فدعاه، فأبلغ في الدعاء، فقال له عبد الرحمن: ويحك يا ابن القرية، أيحل لك طاعته مع ارتكابه العظائم، واستحلاله المحارم؟! اتق الله يا ابن القرية، ووال عباد الله في البرية. ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه، وأقام مع عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: إني أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابًا مسجعًا، أُعَرِّفه فيه سوء فعاله، وأبصره قبح سريرته، فَأمْلِه عليّ، فقال أيوب: إن الحجاج يعرف ألفاظي، قال: وما عليك، إني لأرجو أن نقتله عن قريب، فَأَمْلَى عليه، فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد، إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل طاعة الله، الذين يحكمون بما أنزل الله، ولا يسفكون دمًا حرامًا، ولا يعطلون لله أحكامًا، فإني أحمد الله الذي بعثني لمنازلتك، وقواني على محاربتك حين تهتكت ستورك، وتحيرت أمورك، فأصبحت حيران تائهًا، لهفان لا تعرف حقًّا، ولا تلائم صدقًا، ولا ترتق فتقًا
(2)
، ولا تفتق رتقًا، وطالما تطاولت فيما تناولت، فصرت في الغي مذبذبًا، وعلى الشرارة مركبًا، فَتَدَبَّرْ أمرك، وقِسْ شبرك بفترك
(3)
، فإنك مراق عراق، ومعك عصابة فساق، جعلوك مثالهم، كحذوهم نعالهم، فاستعد للأبطال بالسيوف والعوال، فستذوق وبال أمرك، ويرجع عليك غيك، والسلام.
(1)
أيوب ابن القرية والقرية أمه، واسم أبيه يزيد بن قيس بن زرارة النمري الهلالي، كان أعرابيًّا أميًّا، صحب الحجاج، وفد على عبد الملك، كان يضرب به المثل في الفصاحة والبيان، دخل في فتنة ابن الأشعث فقتله الحجاج سنة أربع وثمانين. الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 44.
(2)
الرتق: الرتق إلحام الفتق وإصلاحه. الفراهيدي: العين 5/ 126.
(3)
الفتر: ما بين السبابة والإبهام بعد فتحهما. الزبيدي: تاج العروس 13/ 295.
فلما قرأ الحجاج الكتاب عرف ألفاظ ابن القرية، وعلم أنه من إملائه، فكتب إلى عبد الرحمن في جوابه.
بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، سلام على أهل التورع لا التبدع، فإني أحمد الله الذي حيرك بعد البصيرة، فمرقت عن الطاعة، وخرجت عن الجماعة، فعسكرت في الكفر، وذهلت عن الشكر، فلا تحمد الله في سراء، ولا تصبر لأمره في ضراء، قد أتاني كتابك بلفظات فاجر، فاسق غادر، وسيمكن الله منه، ويهتك سُتُورَه، أما بعد فهلم إلى فعل وفعال، ومعانقة الأبطال بالبيض والعوال، فإن ذلك أحرى بك من قيل وقال، والسّلام على من اتّبع الهدى، وخشي الله، واتقى)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن منظور
(2)
مختصرًا.
* حرب ابن الأشعث مع الحجاج:
[191]
- (وإن عبد الملك وجه إلى الحجاج عشرة آلاف رجل من فرسان أهل الشام لمحاربة عبد الرحمن بن محمد.
فلما قدموا عليه تجهز، وسار نحو عبد الرحمن، فالتقوا بالأهواز، فاقتتلوا، فانهزم عبد الرحمن، ومضى على وجهه، فمر على رجل من أصحابه مسلوب حافٍ، يمشى ويعثر. فأنشأ عبد الرحمن يقول:
منخرق الخفين يشكو الوجى
(3)
…
تنكئه
(4)
أطراف مرو حداد
(1)
الأخبار الطوال 318، 319.
(2)
مختصر تاريخ دمشق 5/ 132. وهي ساقطة من تاريخ ابن عساكر.
(3)
الوجى: الحفا وأن يرق القدم أو الحافر أو الفرسن وينسحج. الزبيدي: تاج العروس 40/ 166.
(4)
تنكئه: في مادة (نكى) نكى العدو ونكى فيه، ينكي نكاية، بالكسر إذا أصاب منه قتل أو جرح. الزبيدي: تاج العروس 40/ 130.
أخرجه الخذلان عن أرضه
…
كذلك من يكره حر الجلاد
إن كان في الموت له راحة
…
فالموت حتم في رقاب العباد
(1)
فقال الرجل: فهلا ثبت، فنقاتل معك. فقال له عبد الرحمن: أو بمثلك تسد الثغور؟!)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(3)
، والبلاذري
(4)
والطبري
(5)
مطولًا.
استمرت الحرب بين ابن الأشعث والحجاج طويلًا، وكان من وقائعهم يوم تستر هزم فيه الحجاج، سنة إحدى وثمانين
(6)
.
ومن أيامهم أيضًا يوم الزاوية بالبصرة سنة اثنتين وثمانين
(7)
، وقيل: سنة ثلاث وثمانين
(8)
.
ثم التقوا بدير الجماجم، وقد انضم إلى ابن الأشعث كثيرًا من القراء والصالحين لبغضهم الحجاج وسياسته، وبلغ عدد جنده مائة ألف، واجتمع رءوس أهل الشام أن يصلحوا ما فسد من أمر العراق، فطلبوا من عبد الملك أن يعزل الحجاج طلبًا لرضا أهل العراق وحقن دمائهم، وأن يعطي ابن الأشعث ولاية يتولاها ما دام حيًّا، فوافق على ذلك وبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك
(9)
(1)
ذكر نحوًا منها: البلاذري: الأنساب 3/ 110، الطبري: التاريخ 6/ 392.
(2)
الأخبار الطوال 319، 330.
(3)
التاريخ 81.
(4)
الأنساب 7/ 322.
(5)
التاريخ 6/ 339.
(6)
الطبري: التاريخ 6/ 340.
(7)
الطبري: التاريخ 6/ 343.
(8)
المصدر السابق 6/ 368.
(9)
عبد الله بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو عمر الأموي، من الطبقة الرابعة من تابعي الشام،، ولي الغزو في خلافة أبيه وغزا الروم وفتح فيها بعض الحصون وبنى المصيصة، وولي مصر، توفي سنة مائة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 29/ 343، الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 402.
وأخاه محمد بن مروان
(1)
إلى العراق فعرضا على ابن الأشعث ومن معه الأمر، فكاد ابن الأشعث أن يوافق على ذلك فخطبهم وطمعهم بالأمر، ولكنهم أعجبوا بكثرتهم ورفضوا الطلب، فخلعوه ثانية وكانت أكثر من الأولى، فرد الأمر إلى الحجاج، فبدأ بقتالهم وكان للقراء كتيبة لها وقع عظيم في الحجاج ومن معه
(2)
.
وكان للعلماء في جيش ابن الأشعث أثر عظيم في دفع الناس وتشجيعهم ومن هؤلاء الشعبي وعبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه
(3)
، وأبو البختري الطائي
(4)
، وكان لأصحاب ابن الأشعث ضروبًا من الشجاعة والصبر، ولكنهم هزموا في هذه المعركة سنة ثلاث وثمانين
(5)
.
وآخر هذه الوقائع وقعة مسكن، والتي انهزم فيه ابن الأشعث وخرج بمن
(1)
محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، في الطبقة الثانية من التابعين، وهو والد آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد، من خيرة الأمراء، وقد كان قويًّا شديد البأس، ولَّاه أخوه عبد الملك إمارة الجزيرة، وقاتل الخوارج فيها وفي جبال أرمينية والخزر، توفي سنة مائة. ابن سعد: الطبقات 5/ 237، ابن حجر: لسان الميزان 7/ 497.
(2)
الطبري: التاريخ 6/ 357.
(3)
عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، تابعي فقيه من الحفاظ، ولد في خلافة الصديق أو قبل ذلك وقيل: في خلافة عمر رضي الله عنه، وروى عن عثمان، وصحب عليًّا رضي الله عنه، ووفد على معاوية رضي الله عنه، كان من كبار الخارجين مع ابن الأشعث، ومات بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين. الخطيب: تاريخ بغداد 10/ 197. الذهبي: السير 4/ 262.
(4)
سعيد بن فيروز بن أبي عمران، أبو البختري، الطائي، مولاهم الكوفي، أحد العباد الفقهاء، حدث عن بعض الصحابة، قام مع ابن الأشعث وقتل في دير الجماجم سنة ثلاث وثمانين. المزي: تهذيب الكمال 11/ 32، الذهبي: السير 5/ 160.
(5)
الطبري: التاريخ 6/ 357.
بقي معه إلى رتبيل فأمنه وأكرمه
(1)
.
* نهاية ابن الأشعث:
[192]
- (ومضى عبد الرحمن حتى استجار بملك الأتراك، فأقام عنده.
فكتب عبد الملك إلى ملك الأتراك، يخبره بشقاق عبد الرحمن، وخلعه الطاعة، وخروجه عليه، ويسأله أن يرده عليه. فقال ملك الأتراك لطراخنته
(2)
: إن ابن الأشعث هذا رجل مخالف للملوك، فلا ينبغي لي أن آويه، بل أبعث به إلى ملكه، فيتولى من أمره ما أحب.
فوجَّه به مع مائة رجل من ثقاته، فأنزلوه في طريقه قصرًا في قرية، فرقى إلى ظهر القصر، ورمى بنفسه من السور، فمات)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(4)
مختصرًا، والبلاذري
(5)
والطبري
(6)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب: "أن ابن الأشعث عندما بعثه رتبيل إلى الحجاج قذف نفسه من أعلى قصر فمات، وهذا الخبر مشهور لكن لم أقف على من أورده بسند صحيح
(7)
، وهو خبر منكر، فابن الأشعث لم يكن سيئ العقيدة
(1)
الطبري: التاريخ 6/ 366.
(2)
الطراخنة: جمع ومفردها طرخان، وهو اسم للشريف والرئيس، في اللغة الخراسانية الفارسية. الزبيدي: تاج العروس 7/ 302.
(3)
الأخبار الطوال 320.
(4)
التاريخ 288.
(5)
الأنساب 7/ 352.
(6)
التاريخ 6/ 389.
(7)
ذكرها البلاذري: الأنساب 7/ 353 من طريق الهيثم بن عدي ومن طريق المدائني، والطبري: التاريخ 6/ 389. من طريق هشام بن محمد عن أبي مخنف ورواية أخرى من طريق معمر بن المثنى وكلهم ضعاف.
متجردًا من دينه حتى يقتل نفسه بهذه الطريقة المخزية. وقد اختُلِف في سبب موته ومن ذلك:
- أنه في سنة خمس وثمانين طلب الحجاج من رتبيل أن يبعث إليه بعبد الرحمن بن الأشعث، فقيده ومن معه من أهل بيته وبعث به إلى الحجاج فمات في الطريق
(1)
.
- أن السُّل أصابه فمات، فبعث رتبيل إليه فحَزَّ رأسه وبعث به إلى الحجاج
(2)
.
- أنه مات حتف أنفه، ويقال: دُسَّ له شَربة سم فمات منها
(3)
.
* آثار فتنة ابن الأشعث ونتائجها:
لم تكن هذه الفتنة كأي فتنة سبقتها بل كانت عظيمة، اشترك فيها أكثر أطياف المجتمع المسلم في ذلك العصر، فعظم فيها الخطب وسفكت فيها كثير من الدماء المعصومة، وأصبح الناس إما الحجاج وإما ابن الأشعث، فلما هزم ابن الأشعث تبجَّح الحجاج في أخذ المشاركين معه ونكَّل بهم.
ويشترك مع الحجاج في سفك هذه الدماء عبد الملك بن مروان لتسليطه الحجاج على الناس وهو يعلم قسوته، ثم إن ابن الأشعث ليس بمعزل عن ذلك فهو القائد المؤتمن على من تحت يديه من الجند، فقد غَرَّر بهم وحثهم على الخروج فسفكت دماؤهم بسببه.
(1)
الطبري: التاريخ 6/ 389.
(2)
الطبري: التاريخ 6/ 390.
(3)
البلاذري: الأنساب 7/ 353.
فلو عمل ابن الأشعث على نقل مظالم الحجاج لأهل العراق بطرق سلمية؛ لكان ذلك أجدر من حمل السلاح ومقارعة الحكام بالقوة؛ لأن عبد الملك لم يكن ليفرط بالعراق بسبب الحجاج، ودليل ذلك ما هم به من عزله لما رأى جد أهل العراق في ذلك، لكنه تأخر كثيرًا حتى سفكت الدماء وهاجت الفتنة بينهم.
وقد كان الحسن البصري يَنْهَى عن قتال الحجاج، وكان رأيه في ذلك لما سأله نفر ممن يريد قتال الحجاج فقال الحسن:«أرى ألا تقاتلوه؛ فإنّها إن تكن عقوبةً من اللّه فما أنتم برادّي عقوبة اللّه بأسيافكم، وإن يكن بلاءً فاصبروا حتّى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين» قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟ قال: وهم قومٌ عربٌ، قال: وخرجوا مع ابن الأشعث قال: «فقتلوا جميعًا»
(1)
.
* * *
(1)
ابن سعد: الطبقات 7/ 163.
ثالثًا: أخبار الحجاج، ووفاة عبد الملك بن مروان:
* أيوب ابن القرية والحجاج:
[193]
- (وإن أيوب ابن القرية أُسر فيمن أُسر من أصحاب عبد الرحمن، فادخل به على الحجاج، فلما أدخل عليه، قال له: يا عدو الله، بعثتك رسولًا إلى عبد الرحمن، فتركت ما بعثت له، وصرت وزيرًا ومشيرًا، تصدر له الكتب، وتسجع له الكلام، وتدبر له الأمور، فقال ابن القرية: أصلح الله الأمير، كان شيطانًا في مسك إنسان، استمالني بسحره، وخلبني بلفظه، فكان اللسان ينطق بغير ما في القلب.
قال الحجاج: كذبت يا ابن اللخناء، بل كان قلبك منافقًا، ولسانك مدامجًا، فكتمت أمرًا أظهره الله، وأطعت فاسقًا خذله الله، فما بقي من نعتك؟ قال ابن القرية: ذهني جديد، وجوابي عتيد.
قال: كيف علمك بالأرض؟
قال: ليسألني الأمير عما أحب.
قال: أخبرني عن الهند. قال: بحرها در، وجبلها ياقوت، وشجرها عطر.
قال: فأخبرني عن مكران. قال: ماؤها وشل
(1)
، وتمرها دقل
(2)
، وسهلها جبل، ولصها بطل، إن كثر الجيش بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا.
قال: فخراسان. قال: ماؤها جامد، وعدوها جاهد، بأسهم شديد، وشرهم عتيد، وخيرهم بعيد.
قال: فاليمن. قال: أرض العرب، ومعدن الذهب.
(1)
وشل: الوشل الماء القليل يتجلب من صخرة أو جبل يقطر منه قليلًا قليلًا. الخليل: العين 6/ 285.
(2)
دقل: وهم من أردئ التمر، ولم يكن له لون. الخليل: العين 5/ 116.
قال: فعمان. قال: حرها شديد، وصيدها موجود، وأهلها عبيد. قال: فالبحرين. قال: كناسة بين مصرين، وجنة بين بحرين.
قال: فمكة. قال: قوم ذوو جفاء، ومن سجيتهم الوفاء.
قال: فالمدينة. قال: ذوو لطف وبر، وخير وشر.
قال: فالبصرة. قال: حرها فادح، وماؤها مالح، وفيضها سائح.
قال: فالكوفة. قال: جنة بين حماة وكنة، العراق تحشد لها، والشام يدر عليها، سفلت عن برد الشام، وارتفعت عن حر الحجاز.
قال: فالشام. قال: تلك عروس بين نسوة جلوس، تجلب إليها الأموال، وفيها الضراغمة الأبطال.
قال له الحجاج: ثكلتك أمك، أنت المصدر الكتب لابن الأشعث، ألم تعلم أني لا أصاحب على الشقاق، ولا أجامع على النفاق؟
قال ابن القرية: استبقني أيها الأمير.
قال: لماذا؟ قال: لنبوة بعد هفوة.
قال الحجاج: لا، بل لغدرة بعد نكثه، يا غلام، ناولني الحربة.
وقد أمسك ابن القرية أربعة رجال فلا يستطيع تحريكًا، وهز الحجاج الحربه ثلاثًا. فقال ابن القرية: اسمع مني ثلاث كلمات، تكن بعدي مثلًا.
قال: هات. قال: لكل جواد كبوة، ولكل حليم هفوة، ولكل شجاع نبوة.
فوضع الحجاج الحربة في ثندوة ابن القرية، ودفعها حتى خالطت جوفه، ثم خضخضها، وأخرجها، فأتبعها دم أسود.
فقال الحجاج: هكذا تشخب
(1)
أوداج
(2)
الإبل، وفحص ابن القرية
(1)
الشخب: ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة. الحربي: غريب الحديث 2/ 542.
(2)
الطبري: التاريخ 6/ 386.
برجليه وشخص بصره، وجعل الحجاج ينظر إليه حتى قضى، فحمل في النِّطْع.
فقال الحجاج: لله درك يا ابن القرية، أي أدب فقدنا منك، وأي كلام رصين سمعنا منك)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
والطبري
(3)
مختصرًا، وفي خبره أنه استأذن الحجاج أن يكلمه فلم يأذن له وقتله، فندم على ذلك.
• نقد النص:
نجد أن صاحب الكتاب ذكر قصة ابن القرية مع الحجاج وأنه قد خلعه بعدما أقنعه ابن الأشعث بذلك وبين له سوء الحجاج، وأنه سحره بلسان، وهذا سبب لا يحتمل قبوله؛ لأن ابن القرية ينعم بقرب الحجاج ولن يسمع فيه أحد، وهو ممن لا يخفى عليه القول لِمَا يتمتع به من البلاغة والفصاحة.
وقد روي سببًا آخر أقرب مما سبق وهو أنه أجبر على خلعه، بعدما هدده ابن الأشعث بالقتل إن لم يفعل
(4)
.
ثم إن صاحب الكتاب ختم الرواية بوصف دقيق لصفة القتل، لا أجد من تابعه عليه، ولعله زادها نكاية بالحجاج.
ومن ذلك أيضًا هذه الرواية التالية.
* أنس بن مالك رضي الله عنه مع الحجاج:
[194]
- (ودخل بعد ذلك أنس بن مالك. فقال له الحجاج: هيه يا أنس، يومًا مع المختار، ويوما مع ابن الأشعث، جوَّال في الفتن، والله لقد هممت
(1)
الأخبار الطوال من صفحة 320 إلى صفحة 323.
(2)
الأنساب 7/ 386.
(3)
التاريخ 6/ 385.
(4)
الطرابلسي: المجموع اللفيف 45.
أن أطحنك طحن الرحى بالثفال
(1)
، وأجعلك غرضًا للنِّبال.
قال أنس: من يعني الأمير؟ أصلحه الله.
قال: إياك أعنى، أسك الله سمعك.
فانصرف أنس إلى منزله، وكتب من ساعته إلى عبد الملك بن مروان:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد، فإن الحجاج قال لي نكرًا، وأسمعني هجرًا، ولم أكن لذلك أهلًا، فخذ على يديه، وأعدني عليه، والسلام.
فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبًا، ثم كتب إليه: هيه يا ابن يوسف، أردت أن تعلم رأي أمير المؤمنين في أنس، فإن سوغك مضيت قدمًا، وإن لم يسوغك رجعت القهقرى، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، أنسيت مكاسب آبائك بالطائف في حفر الآبار، وسد السكور، وحمل الصخور على الظهور؟ أَبَلَغ من جرأتك على أمير المؤمنين أن تعنت بأنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، يطلعه على سره، ويفشى إليه الأخبار التي كانت تأتيه عن ربه؟ فإذا أتاك كتابي هذا فامش إليه على قدميك حتى تأخذ كتابه إليَّ بالرضا، والسلام.
فلما وصل كتاب عبد الملك إلى الحجاج قال لمن حوله من أصحابه: قوموا بنا إلى أبي حمزة فقام ماشيًا، ومضى معه أصحابه حتى أتى أنسًا، فأقرأه كتاب عبد الملك إليه، فقال أنس: جزى الله أمير المؤمنين خيرًا، كذلك كان رجائي فيه، قال له الحجاج: فإن لك العُتْبى، وأنا صائر إلى مسرتك، فاكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا، فكتب إليه أنس بالرضا عنه، ودفعه إلى الحجاج، فأنفذه
(1)
الثفال: الجلدة تجعل حول الرحى تمسك الدقيق. ابن سيده: المحكم والمحيط الأعظم 1/ 270.
الحجاج على البريد إلى عبد الملك)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري مطولًا
(2)
، والطبراني
(3)
بمثله مختصرًا، والنهرواني
(4)
بمثله.
• نقد النص:
تذكر هذه الرواية أن الحجاج أساء إلى أنس بن مالك واتهمه بموالاة ابن الأشعث والوقوف معه، ولم أقف على من أورد ذلك بسند صحيح
(5)
.
ولم يذكر عن أنس رضي الله عنه أنه دخل مع الناس في فتنة ابن الأشعث، بل رُوِيَ عنه ما يخالف ذلك فقد أخرج البخاري في صحيحه عن الزبير بن عدي
(6)
قال: (أتينا أنس بن مالكٍ، فشكونا إليه ما نلقى من الحجّاج، فقال: «اصبروا، فإنّه
لا يأتي عليكم زمانٌ إلّا الّذي بعده شرٌّ منه، حتّى تلقوا ربّكم» سمعته من
نبيّكم صلى الله عليه وسلم
(7)
.
(1)
الأخبار الطوال 323، 324.
(2)
الأنساب 7/ 295. غير مسندة وفيها أن الحجاج اتهم أنس بمجموعة من الفتن وليس منها فتنة
ابن الأشعث.
(3)
المعجم الكبير 1/ 237.
(4)
الجليس الصالح 489.
(5)
جاء هذا الخبر وفي سنده هشام الكلبي عند النهرواني في الجليس الصالح 489، وابن الجوزي في المنتظم 6/ 337، وابن كثير في البداية والنهاية. 9/ 153.
ومن طريق آخر عن علي بن زيد بن جدعان، قال عنه ابن حجر في التقريب 401: ابن جدعان ينسب إلى جده، ضعيف من الرابعة، مات سنة 131 هـ، وذكر الخبر الطبراني في الكبير 7/ 274، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 274:(وعلي بن زيد ضعيف، وقد وثق)، والذهبي في تاريخ الإسلام. 6/ 294.
(6)
الزبير بن عدي الهمداني اليامي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من الخامسة توفي سنة مائة وإحدى وثلاثين. ابن حجر: التقريب 214.
(7)
الصحيح 9/ 49.
فبهذا الخبر الصحيح نرى أن أنسًا رضي الله عنه يأمر الناس بالصبر على الحجاج، فكيف يخرج عليه وهو يأمر بالصبر عليه.
* وفاة عبد الملك بن مروان:
[195]
- (قالوا: ولما حضرت عبد الملك الوفاة، وذلك في سنة ست وثمانين أخذ البيعة لابنه الوليد، وكان ولده: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ومسلمة، ومحمد.
ثم قال للوليد: يا وليد، لا ألفينك إذا وضعتني في حفرتي أن تعصر عينيك كالأمة الورهاء
(1)
بل ائتزر وشمر، والبس جلد النمر، وادع الناس إلى البيعة ثانيًا، فمن قال برأسه كذا، فقل بالسيف كذا، ووعك وعكًا شديدًا. فلما أصبح جاء الوليد، فقام بباب المجلس، وهو غاص بالنساء، فقال: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ قيل له: يرجى له العافية، وسمع عبد الملك ذلك، فقال:
وكم سائل عنا يريد لنا الردى
…
وكم سائلات والدموع ذوارف
ثم أمر بالنساء، فخرجن، وأذن لبني أمية فدخلوا عليه وفيهم خالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فقال لهما: يا بني يزيد، أتحبان أن أقيلكما بيعة الوليد؟ قالا: معاذ الله، يا أمير المؤمنين. قال: لو قلتما غير ذلك لأمرت بقتلكما على حالتي هذه، ثم خرجوا عنه، واشتد وجعه، فتمثل ببيت أمية بن أبي الصلت:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي
…
في قلال الجبال أرعى الوعولا (2)
(1)
الورهاء: الوره ضعف العقل، رجل أوره وامرأة ورهاء. ابن دريد: جمهرة اللغة 2/ 808.
(2)
ذكر ذلك الفاكهي في أخبار مكة 3/ 166: أن أمية بن الصلت قالها عند احتضاره، والبيت
الأول:
كل عيش وإن تطاول دهرًا
…
صائرًا أمره إلى أن يزولا
…
=
فلم يُمْسِ يومه ذلك حتى قضى)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: النهرواني
(2)
.
• نقد النص:
جاء في هذه الرواية أن عبد الملك بايع لابنه الوليد لما حضرت الوفاة، وقد وهم صاحب الكتاب في ذلك، والصحيح أنه بايع لابنيه الوليد وسليمان قبل وفاته، وذلك بعد وفاة أخيه عبدالعزير بن مروان
(3)
في سنة أربع وثمانين
(4)
.
لأن البيعة كانت لأخيه عبد العزيز بن مروان وأراد عبد الملك أن يجعلها لابنه فرفض عبد العزيز ثم توفي، فتمكن عبد الملك مما أراده فبايع لأبنائه الوليد ثم سليمان
(5)
.
وفيها وصية عبد الملك لابنه الوليد يأمره أن يأخذ البيعة من الناس بالقوة، وأن يقتل كل من خالفه، وفيها أيضًا التعرض لأبناء يزيد لمعرفة رأيهما في البيعة، وكل ذلك لم يرد بسند صحيح
(6)
.
(1)
وروى ابن أبي الدنيا في المحتضرين 93: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما حضرته الوفاة تمثَّل به.
() الأخبار الطوال 224، 225.
(2)
الجليس الصالح 453.
(3)
عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، عقد له مروان بن الحكم لولاية العهد بعد عبد الملك، وولاه مصر، ثم أقره عبد الملك، وقد ثقل عليه وأراد أن يخلعه ليولي ابنيه الوليد وسليمان ولكن قبيصة بن ذؤيب منعه من ذلك، وكان على خاتمه، ثم توفي عبد العزيز بمصر، فبايع عبد الملك للوليد وبعده سليمان ثم الوليد. ابن سعد: الطبقات 5/ 236، الذهبي: السير 4/ 249.
(4)
خليفة بن خياط: التاريخ 289، الطبري: التاريخ 6/ 416.
(5)
الطبري: التاريخ 6/ 414.
(6)
فقد أخرجه النهرواني 453، عن محمد بن الحسن بن دريد، قال عنه: الدارقطني تكلموا فيه. الذهبي: ديوان الضعفاء 347.
وأما عن علاقة عبد الملك بأبناء يزيد فهي حسنة تنفي ما جاء في هذا الخبر من امتحان بيعتهما من قبل عبد الملك، ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن عبد الملك أنه كان يستشير خالد بن يزيد
(1)
ومعنى ذلك أنه يثق به ويقربه.
وقد انفرد صاحب الكتاب في اتهام عبد الملك ابنه الوليد بالفرح لموته، وتمثله بالبيت السابق، وهذا يرد عليه أن هذا الخبر حمل في طياته جملة من المخالفات وهذا منها.
ومن وصايا عبد الملك، والتي يظهر فيها حكمته وتدينه:
- (أوصى عبد الملك بنيه في مرضه الذي مات فيه فقال: أوصيكم بتقوى اللّه فإنها أزين حلية، وأحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الّذي عنه تفترون، ومجنكم الّذي عنه ترمون، وأكرموا الحجاج فإنه الّذي وطأ لكم المنابر، ودوَّخ لكم البلاد، وأذلّ الأعداء، وكونوا بني أم بررة لا تدب بينكم العقارب، وكونوا في الحرب أحرارًا، فإن القتال لا يُقرب منية قبل وقتها، وكونوا للمعروف منازل، فإن المعروف شيء يبقى آخره وذخره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب، فإنهم أصون له، وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتغمدوا ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا)
(2)
.
- وما وصى به أخاه عبد العزيز في ولاية على مصر بقوله: (قال له: انظر ما أوصيك به فاجعله لك إمامًا: أبسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور فهو أبلغ بك، وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفنّ أحد ببابك إلا أعلمك مكانه؛ لتكون أنت الّذي تأذن له أو ترده،
(1)
سبقت في هذا الكتاب استشارته في أمر النقود راجع نقد الرواية 148.
(2)
البلاذري: الأنساب 7/ 268.
وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك بالكلام يأنسون بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك أمر مُشْكَلٌ فاستظهر عليه بالمشاورة، فإنها تفتح مغاليق الأمور المبهمة، واعلم أن لك نصف الرأي، ولأخيك نصفه، ولن يهلك امرؤ عن مشورة، وإذا سخطت على أحد فأخِّرْ عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف عنها أقدر منك على ردها بعد إمضائها)
(1)
.
- (وقال عبد الملك بن مروان لابنه الوليد وكان ولي عهده: يا بنيّ، اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعية أو تملكه إلا حرفان: حزم وتوان)
(2)
.
- (أوصى عبد الملك ولده، وأهل بيته، فقال: يا بني مروان ابذلوا معروفكم، وكفوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم ولا تبخلوا إذا سُئلتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، فإنه مَنْ ضَيَّقَ ضُيِّقَ عليه، ومن وَسَّعَ وُسِّعَ عليه)
(3)
.
وقد ذكر في كتاب وصايا العلماء عن حضور الموت أن عبد الملك لما أحس بالموت قال: "ارفعوني على شرفٍ، ففعل ذلك، فتنسّم الرّوح ثمّ قال: يا دنيا ما أطيبك، إنّ طويلك لقصيرٌ، وإنّ كثيرك لحقيرٌ، وإن كنّا منك لفي غرورٍ، وتمثّل بهذين البيتين:
إن تناقش يكن نقاشك يا ربّ
…
عذابًا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت ربٌّ صفوحٌ
…
عن مسيءٍ ذنوبه كالتّراب"
(4)
[196]
- (وكان سلطانه إحدى وعشرين سنة وستة أشهر، وكان له يوم
(1)
البلاذري: الأنساب 7/ 210.
(2)
ابن عبد ربه: العقد الفريد 1/ 42.
(3)
البلاذري: الأنساب 7/ 212.
(4)
الربعي: وصايا العلماء 82.
مات ثمانٍ وخمسون سنة، من ذلك سبع سنين، كان فيها محاربًا لعبد الله بن الزبير، ثم صفا له الْمُلك بعد قتله ابن الزبير ثلاث عشرة سنة ونصفًا)
(1)
.
ذكر ابن سعد بسنده فقال: (مات عبد الملك بن مروان بدمشق يوم الخميس للنّصف من شوّالٍ سنة ستٍّ وثمانين، وله ستّون سنةً، فكانت ولايته من يوم بويع إلى يوم توفّي إحدى وعشرين سنةً وشهرًا ونصفًا، وكان تسع سنين منها يقاتل فيها عبد الله بن الزّبير ويسلّم عليه بالخلافة بالشّام ثمّ بالعراق بعد مقتل مصعبٍ، وبقي بعد مقتل عبد الله بن الزّبير واجتماع النّاس عليه ثلاث عشرة سنةً وأربعة أشهرٍ إلّا سبع ليالٍ، وقد روي لنا أنّه مات وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنةً، والأوّل أثبت وهو على مولده سواءٌ)
(2)
.
وذكر الخطيب البغدادي بسنده فقال: (كان موت عبد الملك لانسلاخ شوال، وقال آخرون: للنصف من شوال سنة ست وثمانين، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ومنهم من قال ابن إحدى وستين سنة، وهذا أثبت عندنا، فكانت خلافته من مقتل ابن الزبير إلى أن توفي ثلاث عشرة سنة، وأربعة أشهر، وثماني وعشرين ليلة، وصلى عليه ابنه الوليد بن عبد الملك)
(3)
.
والمشهور من وفاة عبد الملك في شوال سنة ست وثمانين
(4)
.
ونجد أنهم اتفقوا على سنة وفاته، ومدة خلافة، واختلفوا في عمره؛ لأنه لا يوجد شيء ثابت عن سنة ولادته، فسلطانه تسع سنين من خمس وستين إلى ثلاث وسبعين، وأما خلافته فكانت حينما اجتمع عليه الناس بعد مقتل
(1)
الأخبار الطوال 325.
(2)
الطبقات 5/ 235
(3)
تاريخ بغداد 10/ 390.
(4)
ابن سعد: الطبقات 5/ 235. خليفة بن خياط: التاريخ 293، الطبري: التاريخ 6/ 418.
عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من سنة ثلاث وسبعين إلى ست وثمانين، فهذه ثلاث عشرة سنة، والمجموع إحدى وعشرين سنة.
* * *
رابعًا: أحداث في خلافة الوليد بن عبد الملك:
* ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة:
[197]
- (ولما انصرف الوليد من قبل أبيه قصد المسجد الأعظم، واجتمع إليه الناس، فبايعوه، وعقد لعمر بن عبد العزيز بن مروان على الحرمين.
فنزل المدينة، فدعا بعشرة نفر من أفاضل أهلها، منهم عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة
(1)
، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
(2)
، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة
(3)
، وسليمان بن يسار
(4)
، والقاسم بن محمد
(5)
، وسالم بن عبد الله
(6)
، فاجتمعوا، فدخلوا عليه، فقال: اعلموا أنني لست أقطع
(1)
والصحيح من اسمه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ولد في خلافة عمر رضي الله عنه وكان أعمى، وهو الثقة الفقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة، وجدّه عتبة بن مسعود رضي الله عنه أخو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان الزهري يسميه بحرًا، توفي سنة ثمان وتسعين وقيل: تسع وتسعين. ابن الجوزي: المنتظم 7/ 29. الذهبي: السير 4/ 478.
(2)
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، اسمه كنيته، ولد في خلافة عمر، وهو من سادات بني مخزوم، ثقة فقيهٌ عالمٌ، وأحد فقهاء المدينة السبعة، وقد كان أعمى، ويسمى راهب قريش لكثرة صلاته، مات سنة أربع وتسعين في المدينة. الذهبي: السير 4/ 416.
(3)
أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، القرشي، العدوي، المدني، الفقيه، كان من علماء قريش. البخاري: الكبير 9/ 13. الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 512.
(4)
سليمان بن يسار، المدني، أخو عطاء بن يسار، كان إمامًا فقيهًا مجتهدًا، وصفه الإمام مالك بأنه من أعلم الناس بعد سعيد بن المسيب، وأنه يقوم من مجلسه إذا كثر الكلام وسمع اللغط، تولى سوق المدينة في إمارة عمر بن عبد العزيز، توفي في عشر الثمانين. الفسوي، المعرفة والتاريخ 1/ 549، الذهبي: تاريخ الإسلام 7/ 100.
(5)
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، كنيته أبو محمد، الإمام الحافظ القدوة، من سادات التابعين، ومن أفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وفقهًا، اختلف في وفاته، فقيل: مائة وخمس، وقيل: ست وقيل: سبع. ابن حبان: الثقات 5/ 302. الذهبي: السير 5/ 53.
(6)
سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أحد فقهاء المدينة، زمن سادات التابعين، وعلمائهم وثقاتهم، توفي سنة ست ومائة وصلى عليه هشام بن عبد الملك. ابن خلكان: وفيات الأعيان 2/ 349، المزي: تهذيب الكمال 10/ 145.
أمرًا إلا برأيكم ومشورتكم، فأشيروا علي. قالوا: نفعل أيها الأمير، جزيت على ما تنوي خير ما جزى مؤثر لمرضاة ربه، ثم خرجوا)
(1)
.
ذكر نحوًا منها الطبري
(2)
، وزاد عنده عبد الله بن عبد الله بن عمرو
(3)
وعبدالله بن عامر بن ربيعة
(4)
وخارجة بن زيد
(5)
.
• نقد النص:
يُفْهَمُ من هذه الرواية أن الوليد بعث عمر بن عبدالعزيز واليًا على المدينة فور توليه الخلافة، وهذا فيه مخالفة لما ورد في تاريخ ذلك.
فقد ذكر خليفة بن خياط أن عمر بن عبد العزير ولي المدينة للوليد في سنة سبع وثمانين أو في أو آخر سنة ست وثمانين، إلى سنة ثلاث وتسعين
(6)
.
وذكر الطبري أنها في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين
(7)
.
وقد سبق في ذكر وفاة عبد الملك أنها في شوال سنة ست وثمانين،
(1)
الأخبار الطوال 326.
(2)
التاريخ 6/ 427.
(3)
هكذا عن الطبري ولعل الصحيح من اسم جده (عمر) فهو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، كان أكبر ولد عبد الله بن عمر رضي الله عنه، من وجوه قريش وأشرافها، ومن صالحي قريش وعُبَّاد أهل المدينة، أوصى إليه أبيه، مات سنة خمس ومائة. ابن حبان: علماء الأمصار 1/ 108. ابن حجر: الإصابة 5/ 151.
(4)
عبد الله بن عامر بن ربيعة، أبو محمد العنزي، أبوه عامر بن ربيعة أحد كبار البدريين، ولد عام الحديبية، أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم، توفي سنة 85 هـ. الذهبي: السير 3/ 521.
(5)
خارجة بن زيد بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، أحد فقهاء المدينة السبعة، كان عالمًا بالمواريث، مات سنة تسع وتسعين وقيل: مائة. الذهبي: السير 4/ 437.
(6)
التاريخ 311.
(7)
التاريخ 6/ 427.
والجمع بين الخبرين أن ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة كانت بعد شهرين إلى ستة أشهر من خلافة الوليد.
وهذا الخبر عن عمر بن عبد العزيز بمثابة تأسيس مجلس شورى، والمتتبع لسيرته سواء في إمارة على المدينة أو خلافة يجد فيها كثيرًا من التوفيق والسداد؛ لأنه قرب العلماء والصالحين واستشارهم.
ومن هؤلاء الذين سموا فقهاء المدينة اشتهر منهم سبعة وسموا بفقهاء المدينة السبعة، وقد عدهم ابن حجر فقال:(هم على أشهر الرّوايات: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت)
(1)
.
* توسعة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم:
[198]
- (ثم كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز، أن يشتري الدُّورَ التي حول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيزيدها في المسجد، ويجدد بناء المسجد.
وكتب إلى ملك الروم يعلمه ما هم به من ذلك، ويسأله أن يبعث إليه ما استطاع من الفسيفساء فوجه إليه منها أربعين وسقًا، فبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فهدم عمر المسجد، وزاد فيه، وبناه، وزينه بالفسيفساء)
(2)
.
ذكر نحوًا منها ابن سعد
(3)
مطولًا، وخليفة بن خياط
(4)
والبلاذري
(5)
(1)
ابن حجر: الإصابة 1/ 75.
(2)
الأخبار الطوال 226.
(3)
الطبقات 8/ 167.
(4)
التاريخ 310.
(5)
فتوح البلدان 17.
مختصرًا، والطبري
(1)
مطولًا، والآجري مختصرًا
(2)
.
* موقف العلماء وعامة الناس من هذا الحدث:
قد تعاظم العلماء وعامة الناس هذا الحدث، وكان العلماء يرون أن تركها أولى لكي يعتبر الناس ويقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وحجراته، ويزهدوا عن عمارة الدنيا
(3)
.
فقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: (واللّه لوددت أنّهم تركوها على حالها ينشأ ناشئٌ من أهل المدينة ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول اللّه في حياته فيكون ذلك ممّا يزهد النّاس في التّكاثر والتّفاخر فيها يعني الدّنيا)
(4)
.
وما أخرجه الآجري بسنده عن رجاء بن حيوة
(5)
قال: (كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنِ اكْسر مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وحجراته، وقد كان اشتراها من أهلها وأرغبهم في ثمنها، وكان الوليد هو الّذي بنى مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومسجد مكّة ومسجد دمشق ومسجد مصر، وأن تبني مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر بن عبد العزيز حتّى قعد في ناحية المسجد وقعدت
(1)
التاريخ 6/ 435.
(2)
الشريعة 5/ 2390.
(3)
ابن كثير: البداية والنهاية 6/ 89.
(4)
ابن سعد: الطبقات 8/ 167.
(5)
رجاء بن حيوة بن جرول، وقيل: ابن جندل الإمام القدوة والوزير العادل، الفلسطيني وقيل: الكندي، قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا كثير العلم، وقال الذهبي: كان قريب المنزلة من سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وأجرى الله على يديه خيرًا كثيرًا، ثم أُخِّر بعد ذلك فأقبل على شأنه، مات سنة 112 هـ. ابن سعد: الطبقات 7/ 454. الذهبي: السير 4/ 557. المزي: تهذيب الكمال 9/ 151.
معه ثمّ أمر بهدم الحجرات فما رأيت باكيًا ولا باكيةً أكثر من يومئذٍ جزعًا)
(1)
.
أما عن جلب الفُسَيفساء والصُّنّاع من الروم فقد ذكر ذلك ابن كثير وقال معلقًا على عليه: (والمشهور أنّ هذا إنّما كان من أجل مسجد دمشق فاللّه أعلم)
(2)
، وكان هذا الحدث عام سبع وثمانين وقيل: ثمان وثمانين
(3)
.
* جهاد قتيبة بن مسلم فيما وراء النهر:
[199]
- (وكان على خراسان من قبل الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلي.
فكتب إليه الحجاج يأمره بعبور النهر نهر بلخ، وأن يفتح تلك البلاد. فاستعد قتيبة، وسار في المفازة التي بين مدينة مرو وبين مدينة آمويه
(4)
، وهي ذات رمال وغضي، فصار إلى آموية، ثم عبَر النهر وسار إلى بخارى.
وكان ملك تلك الأرضين يسمى صول، وكان ملكه على جميع ما وراء النهر، فلقيه الملك، فحاربه قتيبة، فهزمه، وهرب صول نحو الصغانيان، فاحتوى قتيبة على بخارى وحيزها، فولى عليها رجلًا. وسار حتى وافى بلاد السغد
(5)
، فأناخ على مدينتها العظمى، وهي سمرقند، فحاصرها أشهرًا. فوجه إليه دهقانها: إنك لو أقمت على مدينتي هذه عمرك لم تصل إليها؛ لأنا نجد في كتب آبائنا، أنه لا يقدر عليها إلا رجل اسمه بالان، لست إياه، فامضِ لشأنك.
(1)
الشريعة 5/ 2369.
(2)
البداية والنهاية 9/ 90.
(3)
البلاذري: فتوح البلدان 17.
(4)
آموية: يطلق عليها عدة أسماء منها: آمل الشط، وآمل زم، وآمل جيحون، وآمل مفازة، وآمل: وهي مدينة مشهورة في غربي جيحون على طريق القاصد إلى بخارى من مرو. الحموي: معجم البلدان 1/ 58.
(5)
السغد: ناحية فيها قرى كثيرة بين بخارى وسمرقند وقصبتها سمرقند، وقال أيضا بالصاد. الحموي: البلدان 3/ 222.
فزعموا أن قتيبة احتال لما يئس من مكابرتها، فهيأ صناديق، وجعل لها أبوابًا من أسافلها، تغلق من داخل، وتفتح، وجعل في كل صندوق رجلًا مستلئمًا، معه سيفه، وأقفل أبوابها العليا.
ثم أرسل إلى الدهقان: أما إذا كان هذا هكذا، فإني راحل عنك إلى الصغانيان
(1)
، وناحيتها، ومعي فضول أموال وسلاح، فوادعني، وأحرز هذه الصناديق عندك إلى عودي إن سلمت.
فأجابه إلى ذلك، وتقدم قتيبة إلى الرجال أن يفتحوا أبواب الصناديق في جوف الليل، فيخرجون، ثم يصيرون إلى باب المدينة فيفتحوه.
وأمر الدهقان بالصناديق، فأدخلت المدينة.
فلما جن الليل، وهدأ الناس خرج الرجال مستلئمين، معهم السيوف، لا يستقبلهم أحد إلا قتلوه، حتى أتوا باب المدينة، فقتلوا الحرس، وفتحوا الباب.
ودخل قتيبة بالجيش، ووقعت الواعية
(2)
، وهرب الدهقان في سرب، فلحق بالملك، وصارت سمرقند في قبضة قتيبة، فخلف عليها رجلًا.
وسار حتى أتى الصغانيان، فهرب الملك منهم حتى صار في بلاد الترك، ووغل فيها، وخلَّى المملكة لقتيبة. فدخل قتيبة الصغانيان، ووجه عماله إلى كش
(3)
ونسف
(4)
، وافتتح جميع ما وراء النهر، وجميع تخارستان
(5)
، ولم يبق من خراسان شيء إلا افتتحه، ولم يزل قتيبة بخراسان سنين حتى شغب عليه
(1)
الصغانيان: من أكبر مدن ما وراء النهر. الحميري: الروض المعطار 261.
(2)
الواعية: الصوت، وقيل: الصراخ على الميت. ابن منظور: لسان العرب. 15/ 397.
(3)
كش: مدينة بالقرب من سمرقند. القزويني: آثار البلاد 554.
(4)
نسف: مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند. الحموي: البلدان 5/ 385.
(5)
تخارستان: من بلاد خراسان على مقربة من بلخ. الحميري: الروض المعطار 131.
أجناده، فقتلوه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(2)
مختصرًا، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب هذه الرواية، وفيها خبر جهاد قتيبة بن مسلم فيما وراء النهر، ثم أتى على فتحه لسمرقند، وأنه فتحها غدرًا، وقد مَرَّضَ الرواية بقوله:(فزعموا)، ولكن لم يورد غيرها وهذا ما تروج له الروايات الضعيفة
(5)
وسوف أبين ذلك مفصلًا:
الفتح الإسلامي لسمرقند:
أول فتح لسمرقند كان في عهد معاوية رضي الله عنه والذي افتتحها هو سعيد بن عثمان، فقد صالح أهلها وأعطوه رهائن، وذلك في سنة ست وخمسين
(1)
الأخبار الطوال 327، 328.
(2)
التاريخ 291، 295، 300.
(3)
البلدان 405.
(4)
التاريخ 6/ 424. 472.
(5)
جاء عند البلاذري في فتوح البلدان 406، رواية من طريق أبي عبيدة معمر بن المثنى ما يفيد غدر قتيبة في فتحه، وأبو عبيدة هذا ضعيف، وعند الطبري في التاريخ 6/ 475 من طريق المدائني وفي إسناده مجاهيل منهم الحسن بن رشيد، والمهلب بن إياس وطفيل بن مرداس، وقد ألمحوا إلى الغدر في رواياتهم لخبر فتح سمرقند من قبل قتيبة، ومن طريق الباهليين ولم يذكروا الغدر في فتحه، وروى الطبري 6/ 476 عن المدائني عن محمد بن أبي عيينة أن العجم تعير قتيبة بالغدر في فتحه، ومحمد بن أبي عيينة هذا قد ذكر ابن حبان في الثقات 7/ 418 أنه شاعر هجّاء يروي الحكايات ليس من أهل العلم الذين يرجع إلى رواياتهم. وروى الطبري 6/ 479 من طريق المدائني عن عمر بن عبد الله التميمي أن الذي جاء بخبر فتح قتيبة لسمرقند إلى الشام أقسم له أن قتيبة لم يفتحها إلا غدرًا، وعمر هذا لا يعرف. الفلوجي: المعجم الصغير 1/ 410.
للهجرة
(1)
، وفي عهد يزيد بن معاوية غزاهم سَلْم بن زياد، فصالحوه
(2)
.
فتح سمرقند من قبل قتيبة:
نلاحظ فيما سبق تكرار غزو المسلمين لسمرقند ومصالحة أهلها؛ مما يوحي أنهم كانوا ينقضون الصلح، وأن المسلمين في تلك الفتوحات لم يدخلوا المدينة إلا في فتح قتيبة، وهذا يبرهن على أن الفتح الحقيقي لها هو فتح قتيبة، وقد قال في عزمه على فتحها:(حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية)
(3)
.
وقد ذكر خليفة بن خياط: أن قتيبة بن مسلم غزا سمرقند، وافتتحها بعد قتال شديد بين الطرفين انتهى بالصلح، وذلك سنة ثلاث وتسعين
(4)
، ولم يذكر أنه غدر بهم، وكذلك الطبري
(5)
بسنده فيما رواه عن الباهليين.
ومما سبق تبين أن قتيبة لم يغدر بأهل سمرقند وإنما فتحها بعد قتال، ولكن روج الغدر لتشويه الفتح، ومما يروى في ذلك قصة لأهل سمرقند مع عمر بن عبد العزيز، ومفادها أنهم شكوا إليه أن قتيبة غدر بهم عن فتح مدينتهم وطلبوا منه أن ينصفهم.
ومن أمثلة ما يروى في ذلك: عن أبي عبيدة
(6)
وغيره: (لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب
(1)
خليفة بن خياط: التاريخ 224. الطبري: التاريخ 5/ 306.
(2)
خليفة بن خياط: التاريخ 235. البلاذري: فتوح البلدان 399. الطبري: التاريخ 5/ 474.
(3)
الطبري: التاريخ 6/ 478.
(4)
التاريخ 305.
(5)
التاريخ 6/ 476.
(6)
معمر بن المثنى ضعيف سبقت ترجمته
لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فنصب لهم جميع ابن حاضر الباجي
(1)
فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء فَكَرِهَ أهلُ مدينة سمرقند الحرب وأقروا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم)
(2)
.
وَرَدَتْ نحوًا من هذه القصة عند الطبري
(3)
وابن قدامة
(4)
، ولم تأت بطرق صحيحة
(5)
يمكن الجزم بحقيقتها.
وأما عن متنها فنلاحظ أن القضية التي تظلم منها أهل سمرقند استمرت من سنة ثلاث وتسعين إلى تسع وتسعين ولم أقف على شكاية لأحد منهم في هذه الفترة، إلا في خلافة عمر بن عبد العزيز ومع ذلك لم يتغير منها شيء، فالقضية التي تَظَلُّمَوا منها عادت كما كانت، فلا يُسْتَبْعَد أن تكون هذه القصة نُسِجَتْ نكاية بقتيبة وبالعرب وفتحهم، أو للتأكيد على عصر عمر بن عبد العزيز وعدالته، وهذا موضوع تندرج تحته معظم الروايات التي تذكر عدل عمر بن عبد العزيز وهو أهل لذلك، ولكن ليس في تخطئة وتهميش أعمال غيره من الخلفاء والقادة، وتصور عصورهم بالفترات المظلمة التي لم تنجلِ إلا في عصر عمر رحمه الله، فلا ينبغي
(1)
جميع بن حاضر لم أقف على ترجمته.
(2)
البلاذري: الفتوح 407.
(3)
التاريخ 6/ 567.
(4)
الخراج 408.
(5)
جاءت هذه الرواية مسندة عند البلاذري وابن قدامة من طريق أبو عبيدة معمر بن المثنى وهو ضعيف سبقت ترجمته.
والطريق الآخر الذي جاء عند الطبري عن علي بن محمد المدائني سبقت ترجمته وهو لم يوثق، عن كليب بن خلف وهو من التاسعة ولا يعرف له ترجمة. الفلوجي: المعجم الصغير 2/ 476، عن طفيل بن مرداس، وهو من الثامنة فما فوق لا يعرف له ترجمة. الفلوجي 1/ 257. فزيادة على المدائني هؤلاء المجاهيل.
لنا أن ننساق وراء كل من يمدحه ولو على حساب الذم في غيره، فما صح من سيرته يغني عن ما كذب عليه وعلى غيره.
أما عن قتيبة بن مسلم فهو أحد قادة الإسلام والأعلام المشهورين، فيذكر أنه لم تهزم له راية، وقد جال المشرق وفتح الفتوح وأضاف إلى الدولة الأموية ما ليس منها، بل أن من جاء بعده لم يصل إلى ما وصل إليه، أفبعد هذا الجهاد والإنجازات نسمع لمن يسبه أو يقدح فيه؟!! كلا بل الواجب مدحه وذكر محاسنه في سلفنا الصالح.
* نهاية قتيبة بن مسلم:
ذكر الطبري
(1)
خبر قتل قتيبة بن مسلم مطولًا في سنة ست وتسعين، وقد اختصره ابن كثير فقال: (وذلك أنّه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همّته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلمّا فرغ من مقالته لم يجبه أحدٌ منهم إلى مقالته، فشرع في تأنيبهم وذمّهم، قبيلةً قبيلةً، وطائفةً طائفةً، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرّقوا، وعملوا على مخالفته، وسعوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجلٌ يقال له: وكيع بن أبي سودٍ
(2)
، فجمع جموعًا كثيرةً، ثمّ ناهضه فلم يزل به حتّى قتله في ذي الحجّة من هذه السّنة)
(3)
.
(1)
التاريخ 6/ 506
(2)
وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود الغداني التميمي، يكنى أبا مطرف، كان رأسًا مع قتيبة في حروبه، وله بلاء مع الترك، فكتب الحجاج إلى قتيبة بقتله، فعزله عن الرئاسة فحقد عليه؛ ولذلك سعى لقتله، فلما ولي سليمان ثار قتيبة عليه وخلعه، فقتله وكيع فحظي عنده فولاه خرسان تسعة أشهر ثم عزله. البلاذري: الأنساب 12/ 190. ابن قتيبة: المعارف 415. الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 454.
(3)
البداية والنهاية 9/ 189.
وقال: (وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفصٍ الباهليّ، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النّجباء الكبراء، والشّجعان وذوي الحروب والفتوحات السّعيدة، والآراء الحميدة، وقد هدى اللّه على يديه خلقًا لا يحصيهم إلّا اللّه، فأسلموا ودانوا للّه عز وجل، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئًا كثيرًا كما تقدّم ذلك مفصّلًا مبيّنًا، واللّه سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيّب تعبه وجهاده.
ولكن زلّ زلّةً كان فيها حتفه، وفعل فعلةً رغم فيها أنفه، وخلع الطّاعة فبادرت المنية إليه، وفارق الجماعة فمات ميتةً جاهليّةً
(1)
، لكن سبق له من الأعمال الصّالحة ما قد يكفّر الله به سيئاته، ويضاعف به حسناته، واللّه يسامحه ويعفو عنه، ويتقبّل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغانه من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجّة من هذه السّنة، وله من العمر ثمانٍ وأربعون سنة)
(2)
.
* ولاية خراسان بعد قتيبة بن مسلم:
[200]
- (فاستعمل الوليد بن عبد الملك عليها الجراح بن عبد الله الحكمي
(3)
(4)
.
(1)
وقد وصفه ابن كثير رحمه الله بهذه الميتة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من خرج من طاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتةً جاهليةً .. ) الحديث. البخاري: الصحيح 2/ 1476 برقم 1848.
(2)
ابن كثير: البداية والنهاية 9/ 190.
(3)
الجراح بن عبد الله الحكمي، أبو عقبة، كان بطلًا شجاعًا مهيبًا عابدًا قارئًا كبير القدر، ولي البصرة للحجاج، ثم ولي خراسان وسجستان لعمر بن عبد العزيز، وفي سنة اثنتي عشر ومائة غزا الترك فقُتِل هو وأصحابه، وكان قتله بلاء على المسلمين. الذهبي: السير 5/ 190.
(4)
الأخبار الطوال 328.
ذكر خليفة بن خياط
(1)
، والطبري
(2)
: أن وكيع بن أبي سود تولى أمر خراسان بعد مقتل قتيبة بن مسلم تسعة أشهر، ثم جاء بعده يزيد بن المهلب.
• نقد النص:
قد وهم صاحب الكتاب في ذكره ولاية الجراح بن عبد الله على خراسان في عهد الوليد، والصحيح أنه وليها من قبل عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين
(3)
.
[201]
- (وحج الوليد بن عبد الملك في سنة إحدى وتسعين، وقد فرغ عمر بن عبد العزيز من بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فدخله، وطاف به، ونظر إلى بنائه)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(5)
مطولًا.
* من بقي من الصحابة في عصر الوليد:
[202]
- (ولم يكن بقي في زمن الوليد من الصحابة إلا نفر يسير، منهم بالمدينة، سهل بن سعد الساعدي
(6)
، وكان يكنى أبا العباس، توفي في آخر خلافة الوليد، وكان يوم مات ابن مائة سنة، ومنهم جابر بن عبد الله،
(1)
التاريخ 318.
(2)
التاريخ 6/ 526.
(3)
خليفة بن خياط: التاريخ 320.
(4)
الأخبار الطوال 328.
(5)
التاريخ 6/ 465.
(6)
سهل بن سعد بن مالك الساعدي الخزرجي الأنصاري، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله رواية، يقال: إن اسمه حزن فغيره الرسول صلى الله عليه وسلم إلى سهل، وهو آخر من مات من الصحابة في المدينة، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل: إحدى وتسعين وقيل: قبل ذلك وقيل: ست وتسعين. الذهبي: 3/ 422، ابن حجر: الإصابة 3/ 167.
وبالبصرة أنس بن مالك، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى
(1)
، وبالشام أبو أمامة الباهلي
(2)
.
ذكر خليفة بن خياط
(3)
أن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه توفي سنة إحدى وتسعين.
وذكر ابن قتيبة أنه توفي في نفس السنة وعمره مائة سنة، وهو آخر من توفي من الصحابة في المدينة
(4)
.
وأما جابر بن عبد الله رضي الله عنه فقد توفي سنة ثمان وسبعين وهو المشهور من وفاته
(5)
، في خلافة عبد الملك بن مروان.
وأنس بن مالك رضي الله عنه توفي بالبصرة وهو آخرة من توفي فيها من الصحابة
(6)
، قال ابن كثير:(وقد اختلف المؤرّخون في سنة وفاته، فقيل: سنة تسعين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: اثنتين وتسعين، وقيل: ثلاثٍ وتسعين، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور واللّه أعلم)
(7)
.
وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه توفي بالكوفة سنة ست وثمانين، وهو آخر من
(1)
عبد الله بن أبي أوفى بن علقمة بن خالد الأسلمي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أصحاب الشجرة، شهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الغزوات، وسكن الكوفة وهو آخر الصحابة موتًا فيها، وقد كف بصره في آخر حياته، توفي سنة ست وثمانين وقيل: سبع، وقيل: ثمان. الذهبي: السير 3/ 428.
(2)
أبو أمامة الباهلي واسمه صدي بن عجلان بن الحارث بن وهب الباهلي، مشهور بكنيته، له صحبة ورواية، وممن بايع تحت الشجرة، وقد سكن حمص، توفي سنة إحدى وتسعين، وقيل: ست وثمانين وله مائة وست سنين. الذهبي: السير 3/ 359، ابن حجر: الإصابة 3/ 339.
(3)
التاريخ 303.
(4)
المعارف 341.
(5)
ابن سعد: الطبقات 5/ 221، ابن قتيبة: المعارف 307، البلاذري: الأنساب 1/ 248، الطبري: التاريخ 11/ 526.
(6)
ابن قتيبية: المعارف 341.
(7)
البداية والنهاية 9/ 190.
توفي فيها من الصحابة
(1)
، وقيل: ثمانٍ وثمانين وهو الصحيح من وفاته كما قال الذهبي
(2)
.
وأبو أمامة الباهلي رضي الله عنه توفي سنة ست وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان
(3)
.
• نقد النص:
كل ما ذكر صاحب الكتاب من الصحابة قد أدرك خلافة الوليد بن عبد الملك إلا جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فإنه مات سنة ثمان وسبعين، أي في خلافة عبد الملك بن مروان.
* مقتل سعيد بن جبير ونهاية الحجاج:
[203]
- (وفي السنة الخامسة من خلافة الوليد مات الحجاج بواسط
(4)
، وله أربع وخمسون سنة، وكانت إمرته على العراق عشرين سنة، منها في خلافة عبد الملك خمس عشرة سنة، وفي خلافة الوليد خمس سنين
(5)
.
وقد كان قتل سعيد بن جبير
(6)
قبل موته بأربعين يومًا.
(1)
ابن قتيبية: المعارف 341.
(2)
الذهبي: تاريخ الإسلام 6/ 25.
(3)
ابن سعد: الطبقات 7/ 412.
(4)
واسط: مدينتان على شاطئ دجلة، القديمة في الشرق، والجديدة في الغرب، وهي التي بناها الحجاج وسميت واسط لتوسطها بين الكوفة والبصرة. الحميري: الروض المعطار 599.
(5)
ذكر الطبري: التاريخ 6/ 493: أن وفاته كانت سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وكانت ولايته عشرين سنة.
(6)
سعيد بن جبير بن هشام الوالبي، الأسدي، مولاهم، الكوفي، وهو الحافظ، المقرئ، المفسر، وأحد أعلام التابعين، كان أسود، أخذ العلم من عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنه، خرج مع ابن الأشعث فلما قتل هرب إلى مكة، فأخذه واليها خالد بن عبد الله القسري وبعثه إلى الحجاج، فقتله سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة خمس وتسعين بواسط وعمره تسع وأربعين سنة. ابن خلكان: وفيات الأعيان 2/ 371. الذهبي: السير 4/ 321.
قالوا: وكان يقول في طول مرضه إذا هجر: ما لي ولك يا ابن جبير؟ وقتل ابن جبير وهو ابن تسع وأربعين سنة، وكان يكنى أبا عبد الله، وكان ولاؤه لبني أمية)
(1)
.
أما خبر قتل سعيد بن جبير فقد ذكر نحوًا منه: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذه الرواية مدة حكم الحجاج على العراق في عهد عبد الملك بن مروان وعهد الوليد وقد وهم في ذلك، فقد ذكر خليفة بن خياط
(5)
والطبري
(6)
أن ولاية الحجاج على العراق من قبل عبد الملك سنة خمس وسبعين، وأن وفاته كانت سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وكانت وفاة عبد الملك سنة ست وثمانين.
فتصبح ولايته في عهد عبد الملك إحدى عشرة سنة، وفي عهد الوليد تسع سنين، فبذلك يكون جملة ولايته على العراق عشرين سنة.
ثم أتى على خبر مقتل سعيد بن جبير على يد الحجاج، وهذا من أعظم المآخذ عليه.
(1)
الأخبار الطوال 328، 329.
(2)
الطبقات 6/ 264.
(3)
الأنساب 7/ 363.
(4)
التاريخ 6/ 487.
(5)
التاريخ 292، 293، 307.
(6)
التاريخ 6/ 202، 418، 493.
* ما جاء في سبب قتل الحجاج لسعيد بن جبير:
وكان السبب في ذلك أن سعيد بن جبير خرج مع ابن الأشعث، وكان على عطاء الجند فلما هُزِمَ ابن الأشعث هرب إلى أصفهان فطلبه الحجاج فخرج إلى أذربيجان فأقام بها مدة، ثم خرج معتمرًا فاستقر به الحال بمكة
(1)
، ولما ولي مكة خالد بن عبد الله القسري، أخذه وأرسله إلى الحجاج في العراق
(2)
.
وروي عن سفيان بن عيينة: (لم يقتل بعد سعيد بن جبير إلا رجلًا واحدًا)
(3)
.
وذكر الذهبي تعليقًا على قتله: (ولمّا علم من فضل الشّهادة، ثبت للقتل، ولم يكترث، ولا عامل عدوّه بالتّقيّة المباحة له - رحمه الله تعالى)
(4)
، لمّا قتل سعيد بن جبير قال الحسن البصري:(لقد أطفأ من نور الله شيئًا ما أصبح على وجه الأرض مثله)
(5)
، وكان قتل سعيد رحمه الله في شهر شعبان سنة خمس وتسعين للهجرة
(6)
.
ومات الحجاج بعده في رمضان في سنة خمس وتسعين
(7)
، وقيل: في شوال وله عشرين سنة في إمارة العراق
(8)
.
(1)
الطبري: التاريخ 6/ 487.
(2)
ابن سعد: الطبقات 6/ 246، ابن قتيبة: المعارف 445، الطبري: التاريخ 6/ 488، أبو العرب: المحن 243.
(3)
أبو نعيم: حلية الأولياء 4/ 290.
(4)
الذهبي: السير 4/ 340.
(5)
أبو بكر الدينوري: المجالسة وجوهر العلم 6/ 18.
(6)
الذهبي: السير 4/ 341، ابن حجر: تهذيب التهذيب 4/ 13.
(7)
ابن قتيبة: المعارف 359.
(8)
الطبري: التاريخ 6/ 493.
خامسًا: شيء من أخبار سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز
* أخبار سليمان بن عبد الملك:
[204]
- (ولما تم للوليد بن عبد الملك تسع سنين وستة أشهر حضرته الوفاة، فأسند الملك إلى أخيه سليمان بن عبد الملك. فبويع سليمان في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وسليمان يومئذ من أبناء سبع وثلاثين سنة، فملك سليمان سنتين وثمانية أشهر، ثم مرض مرضته التي مات فيها)
(1)
.
ذكر خليفة بن خياط
(2)
والطبري
(3)
أن الوليد بن عبد الملك توفي سنة ست وتسعين، وكانت خلافته تسع سنين وخمسة أشهر وأيامًا.
وتوفي سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين وعمره ثلاث وثلاثون وقيل أربع وأربعون، وكانت خلافته سنتين وعشرة أشهر ونصف وقيل تسعة أشهر ونصف
(4)
.
وذكر الطبري
(5)
أن الوليد بن عبد الملك توفي يوم السبت في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وأن أهل السير أجمعوا على ذلك واختلفوا في مدة ولايته، فقيل عشر سنين إلا شهرًا، وقيل: تسع سنين وسبعة أشهر، وقيل: ثمان سنين وستة أشهر، وقيل: تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين.
(1)
الأخبار الطوال 329.
(2)
التاريخ 309.
(3)
التاريخ 6/ 495.
(4)
خليفة بن خياط: التاريخ 316.
(5)
التاريخ 6/ 495.
* استخلاف سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز:
[205]
- (فلما ثقل كتب كتابًا، وختمه، ولم يدر أحد ما كتب فيه، ثم قال لصاحب شرطه: اجمع إليك إخوتي، وعمومتي، وجميع أهل بيتي، وعظماء أجناد الشام، وأحملهم على البيعة لمن سميت في هذا الكتاب، فمن أبى منهم أن يبايع، فاضرب عنقه، ففعل، فلما اجتمعوا في المسجد أمرهم بما أمر به سليمان، فقالوا: أخبرنا، من هو؟ لنبايعه على بصيرة، فقال: والله ما أدري مَنْ هو، وقد أمرني أن أضرب عنق من أبى.
قال رجاء بن حيوة: فدخلت على سليمان، فأكببت عليه، وقلت: يا أمير المؤمنين، من صاحب الكتاب الذي أمرتنا بمبايعته؟. فقال: إن أخوي يزيد وهشامًا لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة، فجعلتها للرجل الصالح، عمر بن عبد العزيز، فإذا توفي عمر رجع الأمر إليهما.
فخرج رجاء بن حيوة، فأخبر يزيد وهشامًا بذلك، فرضيا، وسلَّما، وبايعا، ثم بايع بعدهما جميع الناس، وكان أكبر ولده يومئذ محمد بن سليمان
(1)
، فكانت له اثنتا عشرة سنة.
وجعل يقول، وهو يجود بنفسه:
إن بني صبية صيفيون
…
أفلح من كان له ربعيون
(2)
(3)
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
مطولًا، والبلاذري بمثله مختصرًا
(5)
،
(1)
محمد بن سليمان بن عبد الملك، لم أقف على ترجمته.
(2)
الولد الصيفي: الذي يولد للرجل وقد أسن. والربعي: الذي يولد له في عنفوان شبابه. ابن عبد ربه: العقد الفريد 3/ 39.
(3)
الأخبار الطوال 229، 230.
(4)
الطبقات 5/ 335.
(5)
الأنساب 8/ 167.
والطبري
(1)
مطولًا، والمعافى ابن زكريا
(2)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر وصية سليمان بن عبد الملك بالخلافة من بعده لعمر بن عبد العزيز، ومما يؤخذ على هذا الخبر عدم ذكر دور رجاء بن حيوة، وفيه أيضًا أن سليمان اضطر لتولية عمر بن عبد العزيز؛ لأن أبناءه صغار.
وهذا فيه قدحٌ لسليمان بن عبد الملك، وإضاعة لاجتهاده في تحري الخير، والذي تمثل بحسن اختياره لمستشاره الخاص وهو رجاء بن حيوة الذي قام بدور عظيم ظهر فيه صدقه وأمانته، فهو من أشار عليه بتولية عمر بن عبد العزيز وتكفل أيضًا بإتمام هذه المهمة، وقد وصفه ابن كثير فقال:(وكان وزير صدق لبني أمية)
(3)
.
والمشهور من هذا الخبر أن لرجاء بن حيوة يدًا في ذلك، فقد ذكرت المصادر أن سليمان بن عبد الملك لما مرض وحس بدنو أجله بدأ يفكر في ولاية العهد من بعده، وكان قد جعل من خاصته أحد العلماء المشهورين بالنصيحة والصدق وهو رجاء بن حيوة، فهو مستشاره الخاص وأمينه على سره، حيث قَوَّمَ له أمر البيعة وأشار عليه بتولية عمر بن عبد العزيز، وأحسن ما رُوِيَ في ذلك ما أخرجه المعافى بن سليمان
(4)
بسنده عن عبد الرّحمن بن
(1)
التاريخ 6/ 550.
(2)
الجليس الصالح 497.
(3)
ابن كثير: البداية والنهاية 9/ 205.
(4)
المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد أبو الفرج النهرواني، القاضي، المعروف بابن طراز، ولد سنة 305 هـ كان علمًا بالفقه والنحو واللغة وأصناف الأدب، قال عنه البرقاني والعتيقي: ثقة، توفي سنة 390 هـ. الخطيب: تاريخ بغداد 13/ 230.
حسان الكناني
(1)
، قال: لما مرض سليمان بن عبد الملك المرض الّذي توفّي فيه، وكان مرضه بدابق، ومعه رجاء بن حيوة، فقال لرجاء بن حيوة: يا رجاء، من لهذا الأمر من بعدي؟ أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب، قال: فالآخر؟ قال: ذاك صغير، قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز. قال: أتخوّف بني عبد الملك، ألَّا يرضوا، قال: فولِّ عمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتابًا وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختومًا عليها، قال: لقد رأيت. إيتني بقرطاس، قال: فدعا
…
بقرطاسٍ فكتب فيه العهد لعمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك ثمّ ختمه ودفعه إلى رجاء، قال: اخرج إلى النّاس، فمُرْهُم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختومًا
…
قال رجاء: وثقل سليمان، وحجب النّاس عنه حتّى مات، فلمّا مات أجلسته وأسندته وهيأته وخرجت إلى النّاس فقالوا: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فقلت: إن أمير المؤمنين قد أصبح ساكنًا، وقد أحب أن تسلموا عليه وتبايعوا على ما في هذا الكتاب، والكتاب بين يديه، قال: فأذنت للنّاس فدخلوا وأنا قائم عنده، فلمّا دنوا قلت: إن أميركم يأمركم بالوقوف. ثمّ أخذت الكتاب من عنده، ثمّ تقدّمت إليهم فقلت: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا على ما في الكتاب أجمعين، وفرغت من بيعتهم. قلت لهم: آجركم الله في أمير المؤمنين قالوا: فمن؟ فافتح الكتاب، فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فلمّا نظرت بنو عبد الملك تغيّرت وجوههم، فلمّا قرءوا من بعده يزيد بن عبد الملك كأنّهم تراجعوا، فقالوا: أين عمر بن عبد العزيز؟ فطلبوه فلم يوجد في القوم، قال: فنظروا فإذا هو في مؤخر المسجد، قال: فأتوه فسلموا عليه بالخلافة، فعقر فلم
(1)
عبد الرحمن بن حسان الكناني، لا بأس به من السابعة. ابن حجر: التقريب 339.
يستطع النهوض حتّى أخذوا بضبعيه فرَقَوا به المنبر، فلم يقدر على الصعود حتّى أصعدوه، فجلس طويلًا لا يتكلّم، فلمّا رآهم رجاء جلوسًا قال: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه؟ قال: فنهض القوم إليه فبايعوه رجلًا رجلًا
…
)
(1)
.
وسليمان بن عبد الملك كان قد قرب عمر بن عبد العزير وجعله مستشارًا له، فقد روى أبو زرعة بسنده:(كانت خلافة سليمان بن عبد الملك كأنها خلافة عمر بن عبد العزيز، كان إذا أراد شيئًا، قال له: ما تقول يا أبا حفص؟ قالا جميعًا)
(2)
.
وأما عن آخر ما تلفظ به الخليفة سليمان بن عبد الملك فقد ذكرت الرواية أنه تمثل بالبيت الذي سبق، ومعناه أنه تمنى أن يكون له بنون كبار حتى يوليهم الخلافة، ويعني هذا أنه اضطر لتولية عمر بن عبدالعزيز؛ لأنه لم يجد من يوليه من أبنائه لصغر سنهم.
ويرد على ذلك بأن هذا لم يرد عنه بسند صحيح
(3)
، وقد ذكر ابن كثير تمثل سليمان بهذا البيت في آخر ما تكلم به وقال:(والصحيح أن آخر ماتكلم به أن قال: (اللهم إني أسألك منقلبًا كريمًا ثم قضى)
(4)
.
وروى ابن أبي الدنيا عن بعض أهل العلم أن ما تلفظ به سليمان بن عبد الملك هو قوله: (أسألك منقلبًا كريمًا)
(5)
.
(1)
الجليس الصالح 497. ابن عساكر: تاريخ دمشق 45/ 159. الذهبي: تاريخ الإسلام 7/ 192.
(2)
التاريخ 193.
(3)
ذكر البلاذري: الأنساب 7/ 269 أن سليمان تمثَّل بهذين البيتين عن وفاته، من طريق المدائني.
(4)
البداية والنهاية 9/ 205.
(5)
المحتضرين 80. والمبرد: التعازي 230.
وقد كان سليمان له ولد كبير اسمه أيوب بن سليمان
(1)
وكان يكنى به، وقد ولاه العهد من بعده، ولكن أيوب هذا مات قبل أبيه
(2)
.
وكانت وفاته في شهر صفر سنة تسع وتسعين
(3)
، ومدة خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام
(4)
.
وكان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير، وذاك لأنه أذهب عنهم الحجاج، فأطلق الأسرى وأخلى السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز
(5)
.
[206]
- (وذكر عن الكلبي
(6)
أنه قال: بعث إلي سليمان بن عبد×الملك، فدخلت عليه، وقد انتفخ سحري، فسلمت عليه بالخلافة، فرد علي السلام.
ثم أومأ إليَّ، فجلست، فسكت عني حتى إذا سكن جأشي، قال لي: يا كلبي، إن ابني محمدًا قرة عيني وثمرة قلبي، وقد رجوت أن يبلغ الله به أفضل ما بلغ رجل من أهل بيته، وقد وليتك تأديبه، فعلمه القرآن، وروِّه الأشعار، فإن الشعر ديوان العرب، وفهمه أيام الناس، وخذه بعلم الفرائض، وفهمه السنن،
(1)
أيوب بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، كان عفيفًا أديبًا، ولي غزو الصائفة، ورشحه أبوه لولاية العهد، قال جرير في ذلك:
إن الإمام الذي تُرْجَى فواضله
…
بعد الإمام ولي العهد أيوب
ولكنه مات قبل أبيه بأيام سنة 98 هـ. ابن قتيبة: المعارف 361، الصفدي: الوافي بالوفيات 10/ 29.
(2)
ابن قتيبة: المعارف 361.
(3)
المصدر السابق 193.
(4)
الطبري: التاريخ 6/ 546.
(5)
ابن الأثير: الكامل 4/ 49.
(6)
سليمان بن سليم بن كيسان مولى بني كلب، ارتضاه هشام بن عبد الملك لتأديب ابنه محمد وأوصاه بما ينبغي أن يأخذه به، وذكر ابن عساكر باقي القصة كما سبق. ابن عساكر: تاريخ دمشق 22/ 330.
ولا تفتر عنه ليلًا ونهارًا، فإذا أخطأ بكلمة، أو زل بحرف، أو هفا بقول، فلا تؤنبه بين يدي جلسائه، ولكن إذا خلا لك مجلسك، لئلا تمحكه
(1)
، وإذا دخل عليه الناس للتسليم، فخذه بألطافهم وإظهار برهم، وإذا حيوه فليحيهم بأحسن منها، وأطيبا لمن حضر بمائدتكما الطعام، واحمله على طلاقة الوجه، وحسن البشر، وكظم الغيظ، وقله القذر، والتثبت في المنطق، والوفاء بالعهد، وتنكب
(2)
الكذب، ولا يركبن فرسًا مخذوفًا
(3)
، ولا مهلوبًا
(4)
ولا يركبن بسرج صغير، فتبدو إليتاه منه. قال: فلم يلبث سليمان بعد ذلك إلا قليلًا حتى مات)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: ابن أبي الدنيا
(6)
، والراغب الأصفهاني
(7)
، وابن عساكر
(8)
.
• نقد النص:
جميع المصادر السابقة ذكرت أن هذا الخبر يروى عن هشام بن عبد الملك وقد وهم صاحب الكتاب في نسبته إلى سليمان بن عبد الملك.
* أخبار عمر بن عبد العزيز:
[207]
- (وأسند الأمر إلى عمر بن عبد العزيز، قالوا: فلما استخلف
(1)
تمحكه: المحك: هو التمادي في اللجاجة عند المساومة والغضب ونحوه. الخليل: العين
2/ 68.
(2)
النكب: اجتناب الشيء. الخليل: العين 5/ 385.
(3)
الحذف: قطع الشيء من الطرف. الخليل: العين 3/ 201.
(4)
اللهب: الغبار الساطع، والفرس الملهب: شديد الجري ملهب الغبار. الخليل: العين 4/ 54.
(5)
الأخبار الطوال 330.
(6)
النفقة على العيال 1/ 521.
(7)
محاضرات الأدباء 1/ 57.
(8)
تاريخ دمشق 22/ 330.
قعد للناس على الأرض. فقيل له: لو أمرت ببساط يبسط لك، فتجلس، ويجلس الناس عليه كان ذلك أهيب لك في قلوب الناس، فتمثل:
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى
…
له صبوة إحدى الليالي الغوابر
(1)
ولولا التقى من خشيه الموت والردى
…
لعاصيت في حب الصبا كل زاجر
(2)
(3)
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(4)
.
[208]
- (وكان إذا جلس للناس قال بسم الله، وبالله، وصلى الله على رسول الله، {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)}
(5)
، ثم تمثل بهذه الأبيات:
نسر بما يبلى، ونشغل بالمنى
…
كما سر بالأحلام في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو وغفله
…
وليلك نوم، والردى لك لازم
وسعيك فيما سوف تكره غبه
…
كذلك في الدنيا تعيش البهائم)
(6)
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(7)
، وابن أبي الدنيا
(8)
، والبيهقي
(9)
وأبو نعيم الأصفهاني
(10)
.
(1)
الغوابر: أي البواقي. الزبيدي: تاج العروس 13/ 187. وهذا البيت جاء في البلاذري: الأنساب 10/ 495 أنه لعاصم بن عمر بن الخطاب.
(2)
لم أقف على من قال هذا البيت.
(3)
الأخبار الطوال 331.
(4)
الطبقات 5/ 340.
(5)
سورة الشعراء، الآيات: 205 - 207.
(6)
الأخبار الطوال 331.
(7)
الأنساب 8/ 182.
(8)
الزهد 196.
(9)
شعب الإيمان 13/ 257.
(10)
حلية الأولياء 5/ 319.
[209]
- (ثم نصب نفسه لرد المظالم، وبدأ ببني أمية، وأخذ ما كان في أيديهم من الغصوب، فردها على أهلها)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: أبو محمد المصري
(2)
، وابن سعد
(3)
، والفسوي
(4)
والبلاذري
(5)
مطولا، والآجري
(6)
، وأبو نعيم
(7)
.
• نقد النص:
في هذه الرواية نجد أن صاحب الكتاب أورد كلمة (الغصوب) وقد انفرد بها وكلمة (المظالم) وردت في بعض المصادر، وأن عمرًا بدأ في بني أمية وكل هذا فيه مبالغة وتجاوز، وخير ما ترد به هذه الرواية وغيرها ممن مثلت عصر ما قبل عمر بن عبد العزيز بالعصور المظلمة ما رواه الفسوي في ذكره لأخبار عمر بن عبد العزيز أنه حينما ولي الخلافة رد ما كان عنده من الهبات التي وهبت له ثم أورد قوله: (أما بعد، فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا، والله ما كان لهم أن يعطوناها، وما كان لنا أن نقبلها، وأرى الذي قد صار إليّ
ليس عليّ فيه دون الله محاسب، ألا وإني قد رددتها وبدأت بنفسي وأهل بيتي .. )
(8)
.
ويعني ذلك أنه بدأ بنفسه وأهل بيته، وكلم بني أمية في ذلك ورفضوا أن
(1)
الأخبار الطوال 331.
(2)
سيرة عمر بن عبدالعزيز 81، 111.
(3)
الطبقات 5/ 347.
(4)
المعرفة والتاريخ 1/ 570.
(5)
الأنساب 8/ 176.
(6)
أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز 57.
(7)
حلية الأولياء 5/ 356.
(8)
المعرفة والتاريخ 1/ 616.
يرجعوا ما بأيديهم من الهبات والعطايا التي حصلوا عليه من الخلفاء السابقين، وقد ساقها الفسوي بأسانيد وهي أشمل مما وردت عند غيره ولم ترد عنده كلمة مظالم، ويستحسن الرجوع إليها لمعرفة حاله وموقفه من العطايا والهبات السابقة لعصره من الخلفاء السابقين، وهي التي يمنحها الحاكم لتأليف القلوب وجمع الكلمة وخصوصا في مرحلة التأسيس، وهي ليست مظالم كما صورتها بعض الروايات التي بالغت في طرح هذا الأمر، وفي عصر عمر بن عبد العزيز استتب الأمر واستقر فأصبح فعله في منعها صحيح.
[210]
- (ودخل عليه أناس من خاصته، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ألا تخاف غوائل قومك؟ فقال: أبيوم سوى يوم القيامة تخوفونني؟ فكل خوف أتقيه قبل يوم القيامة لا وقيته)
(1)
.
انفرد بهذا الخبر صاحب الكتاب، ولعله ساقها للتأكيد على مزاعمه في الرواية السابقة.
[211]
- (فلما تم لخلافته سنتان وخمسة أشهر مات، وأفضى الأمر إلى يزيد بن عبد الملك في أول سنة مائة وإحدى)
(2)
.
ذكر خليفة بن خياط
(3)
وابن سعد
(4)
، والطبري
(5)
أن عمر بن عبد العزيز توفي سنة إحدى ومائة بدير سمعان
(6)
في شهر رجب.
(1)
الأخبار الطوال 331.
(2)
الأخبار الطوال 331، 332.
(3)
التاريخ 321.
(4)
الطبقات 5/ 408.
(5)
التاريخ 6/ 565.
(6)
دير سمعان: دير بنواحي دمشق. الحموي: البلدان 2/ 517.
وكان خلافته سنتين وخمسة أشهر، وفي رواية أخرى زاد أربعة أيام
(1)
.
• نقد النص:
وَهِم صاحب الكتاب في زمن تولي يزيد بن عبد الملك الخلافة في أول سنة إحدى ومئة، والصحيح كما جاءت به المصادر السابقة أن ذلك في شهر رجب أي في منتصف سنة إحدى ومئة.
[212]
- (فولى المصرين أخاه مسلمة بن عبد الملك، وكان مسلمة ذا عقل كامل وأدب فاضل، فاستعمل مسلمة على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
(2)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(4)
والطبري
(5)
.
* * *
(1)
الطبري: التاريخ 6/ 565.
(2)
سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، لقب بخذينة، وجَّهه مسلمة بن عبد الملك على خراسان، وكانت ولايته أكثر من سنة ونصف السنة، وذلك في عهد يزيد بن عبد الملك، وقد قتل يزيد بن المهلب. الطبري: التاريخ 6/ 562. ابن حجر: نزهة الألباب في الألقاب 1/ 234.
(3)
الأخبار الطوال 332.
(4)
التاريخ 333.
(5)
التاريخ 6/ 605.
سادسًا: بداية الدعوة العباسية:
[213]
- (قالوا: وفي ذلك العام
(1)
توافدت الشيعة على الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، وكان مستقره بأرض الشام، بمكان يسمى الحميمة
(2)
وكان أول من قدم من الشيعة ميسرة العبدى
(3)
، وأبو عكرمة السراج
(4)
، ومحمد بن خنيس
(5)
، وحيان العطار
(6)
(7)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(8)
، والطبري
(9)
مختصرًا.
[214]
- (فقدم هؤلاء عليه، فأرادوه على البيعة، وقالوا له: ابسط يدك لنبايعك على طلب هذا السلطان، لعل الله أن يحيى بك العدل، ويميت بك
(1)
أي عام إحدى ومائة.
(2)
الحميمة: قرية من كور دمشق، من أعمال البلقاء، أقطعها عبد الملك بن مروان لعلي بن عبد الله بن عباس. الحميري: الروض المعطار 199.
(3)
ميسرة النبال، أبو رباح، مولى الأزد، وقال بعضهم: مولى لبني أسد، وكانت داره في الأزد، كان القائم بأمر الشيعة في الكوفة فلما مات سنة مائة ولى محمد بن علي الأمر بعده بكير بن ماهان. أخبار الدولة العباسية 184، 194. الطبري: التاريخ 7/ 26.
(4)
الصحيح أن اسمه زياد بن درهم أبا عكرمة، وهو من دعاة بني العباس، وقد أرسله محمد بن علي إلى خرسان فتسمى بماهان واكتنى بأبي محمد، قتله أسد بن عبد الله القسري. وأما السراج فهو آخر واسمه موسى وهو أحد الدعاة بني العباس أيضا. البلاذري 4/ 116، أخبار الدول العباسية 203.
(5)
محمد بن خنيس، مولى همدان، أحد دعاة بني العباس، وجهه محمد بن علي سنة مائة إلى خرسان. أخبار الدولة العباسية 183، الطبري: التاريخ 6/ 562.
(6)
حيان العطار، مولى النخع، وقد زعم أنه مولى إبراهيم بن الأشتر، أحد الدعاة، وجهه محمد بن علي سنة مائة إلى خراسان، أخبار الدولة العباسية 184، الطبري: التاريخ 6/ 562.
(7)
الأخبار الطوال 332.
(8)
الأنساب 4/ 114.
(9)
التاريخ 6/ 562.
الجور، فإن هذا وقت ذلك، وأوانه، والذي وجدناه مأثورًا عن علمائكم.
فقال لهم محمد بن علي: هذا أوان ما نأمل ونرجو من ذلك؛ لانقضاء مائة من التاريخ، فإنه لم تنقضِ مائة سنة على أمة قط إلا أظهر الله حق المحقين، وأبطل باطل المبطلين، لقول الله جل اسمه:{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}
(1)
.
فانطلقوا أيها النفر، فادعوا الناس في رفق وستر، فإني أرجو أن يتمم الله أمركم، ويظهر دعوتكم، ولا قوة الا بالله)
(2)
.
ذكر في كتاب أخبار الدولة العباسية
(3)
نحوًا منها.
• نقد النص:
هذا الكلام منسوب إلى محمد بن علي، ولم أقف على من أسنده إليه بسند يمكن أن يعتمد عليه، وأما عن ربط الآية بالمعنى السابق فلم أجد له أصلًا في كتب التفسير ولا كتب الحديث، وظاهر الأمر أنه من الخرافات التي صاحبت الدعوة العباسية، ومثله التسويد كما سيأتي.
[215]
- (ثم وجه ميسرة العبدي، ومحمد بن خنيس إلى أرض العراق، ووجه أبا عكرمة، وحيان العطار إلى خراسان، وعلى خراسان يومئذ سعيد بن عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص.
فجعلا يسيران في أرض خراسان من كورة إلى أخرى، فيدعوان الناس إلى بيعة محمد بن علي، ويزهدانهم في سلطان بني أمية لخبث سيرتهم، وعظيم جورهم، فاستجاب لهما بخراسان أناس كثيرون، وفشا بعض أمرهم وأعلن.
(1)
سورة البقرة آية 259.
(2)
الأخبار الطوال 332.
(3)
فبلغ أمرهما سعيدًا، فأرسل إليهم، فأتى بهم، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم تجار. قال: فما هذا الذي يذكر عنكم؟ قالوا: وما هو؟ قال: أخبرنا أنكم جئتم دعاة لبني العباس. قالوا: أيها الأمير، لنا في أنفسنا وتجارتنا شغل عن مثل هذا. فأطلقهما. فخرجا من عنده، يدوران كور خراسان ورساتيقها في عداد التجار، فيدعوان الناس إلى الإمام محمد بن علي، فمكثا بذلك عامين)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
مختصرًا.
نقد النص:
جاء صاحب الكتاب في هذه الرواية بوصف (لخبث سيرتهم، وعظيم جورهم) وقد انفرد به ويبدو أنه من تعليقه ودسائسه، وهذا وصف فيه مبالغة وتعميم لسائر خلفاء بني أمية وهذا لا شك أن فيه ظلم لهم، ولا يخلو الأمر من بعض التجاوزات سواء من الخلفاء أو الولاة، ولكن بالجملة لم تأتِ دولة بعدهم أحسن من دولتهم.
قال ابن تيمية: (فكان الإسلام وشرائعه في زمنهم أظهر وأوسع مما كان بعدهم)
(3)
[216]
- (ثم قدما على الإمام محمد بن علي بأرض الشام، فأخبراه أنهما قد غرسا بخراسان غرسًا يرجوان أن يثمر في أوانه، وألفياه قد ولد له
أبو العباس ابنه
(4)
، فأمر بإخراجه إليهم، وقال: هذا صاحبكم، فقبلوا
(1)
الأخبار الطوال 333.
(2)
التاريخ 6/ 616.
(3)
ابن تيمية: منهاج السنة النبوية 8/ 238.
(4)
عبد الله بن محمد بن علي عبد الله بن عباس، الهاشمي، كان شابًّا أبيضَ مليحًا، طويلًا مهابًا، هرب مع أهله إلى الكوفة خوفًا من مروان بن محمد، ثم بويع له بالخلافة سنة اثنين وثلاثين ومائة، ومات سنة ست وثلاثين ومائة. الذهبي: السير 6/ 77.
أطرافه كلها)
(1)
.
ذكر البلاذري
(2)
مثلها، والطبري
(3)
بنحوها، وذكروا أن ذلك في سنة أربع ومائة.
• نقد النص:
ما ذكرته هذه الرواية من أن محمد بن علي أمر من أتاه من أتباعه أن يقبلوا أطراف ابنه جاء مسندًا من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
[217]
- (وكان مع الجنيد بن عبد الرحمن
(4)
عامل السند رجل من الشيعة، يسمى بكير بن ماهان
(5)
، فانصرف إلى موطنه من الكوفة، وقد أصاب بأرض السند مالًا كثيرًا، فلقيه ميسرة العبدي وابن خنيس، وأخبراه بأمرهما، وسألاه أن يدخل في الأمر معهما، فأجابهما إليه، وقام معهما، وأنفق جميع ما استفاد بأرض السند من الأموال بذلك السبب.
ومات ميسرة بأرض العراق، وكتب الإمام محمد بن علي إلى بكير بن ماهان، أن يقوم مقام ميسرة، وكان بكير يكنى بأبي هاشم، وبها كان يعرف
(1)
الأخبار الطوال 333.
(2)
الأنساب 4/ 81، وفي سندها الهيثم بن عدي.
(3)
التاريخ 7/ 15.
(4)
الجنيد أو جنيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث المري من مرة غطفان، قال ابن عساكر عنه: كان من الأجواد الممدحين، ولم يكن بالمحمود في حروبه، استعمله هشام على السند وخراسان سنة 112 هـ، بعد أشرس بن عبد الله وعزله سنة 115 هـ وولى عاصم الهلالي وذكر المدائني أن هشامًا غضب عليه؛ لأنه تزوج من بنت يزيد بن المهلب فعزله، وأمر عاصمًا أن يقتله فمات قبل ذلك. خليفة بن خياط: التاريخ 342. ابن عساكر: تاريخ دمشق 11/ 322.
(5)
بكير بن هامان الهرمزفرهي، أبو هاشم، عده في بني مسلية، وقد غزا مع يزيد بن المهلب حين فتح جرجان، وأحد دعاة بني العباس، ورث مالًا كثيرًا وجعله في الدعوة، ويذكر أنه صحب الجنيد بن عبد الرحمن، ولاه محمد بن علي أمر الدعوة بعد ميسرة، وقد كان يتخفى ببيع العطر. البلاذري: الأنساب 4/ 117، الطبري: التاريخ 7/ 25. السمعاني: الأنساب 13/ 398.
في الناس.
وكان رجلًا مفوهًا، فقام بالدعاء، وتولى الدعوة بالعراقين، وكانت كتب الإمام تأتيه، فيغسلها بالماء ويعجن بغسالتها الدقيق، ويأمر، فيختبز منه قرص، فلا يبقى أحد من أهله وولده إلا أطعمه منه.
ثم إنه مرض مرضه الذي مات فيه، فأوصى إلى أبي سلمة الخلال
(1)
، وكان أيضًا من كبار الشيعة، وكتب إليه يعلمه ذلك.
فكتب محمد بن علي إلى أبي سلمة، فولاه الأمر، وأمره بالقيام بما كان يقوم به أبو هاشم، ثم كتب إلى أبي عكرمة وحيان، وكانا صاحبي الأمر بخراسان، يأمرهما أن يكاتبا أبا سلمة، فدعاهما إلى الدخول معه في أمره، فأجاباه، ودخلا معه، وكانفاه)
(2)
.
ذكر نحوًا منها مختصرًا: البلاذري
(3)
، والطبري
(4)
.
• نقد النص:
الملاحظ على هذه الرواية ما انفرد به صاحب الكتاب في وصفه لبكير وعمله في كتب محمد بن علي، وكل هذه لا ننفيها عنهم ولا نثبتها لهم، ولعلها تعمل لمزيد من القدسية التي أضافها أصحاب الدعوة على أئمتهم؛ لأنهم من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لإشباع العواطف الدينية ثم تسخيرها لأهدافهم.
(1)
حفص بن سليمان، الكوفي، المعروف بالخلَّال، مولى السبيع من همدان، من دعاة بني العباس، وزير السفاح، وهو أول من وقع عليه اسم الوزارة، أنفق أمواله في سبيل الدعوة العباسية، دسَّ إليه أبي مسلم من يقتله فقتله، وسبب ذلك أنه أراد تحويل الأمر إلى آل أبي طالب. البلاذري: الأنساب 4/ 155. الذهبي: تاريخ الإسلام 8/ 400.
(2)
الأخبار الطوال 333، 334.
(3)
الأنساب 4/ 117.
(4)
التاريخ 7/ 25، 329.
[218]
- (ثم إن يزيد بن عبد الملك عزل أخاه مسلمة عن العراق وخراسان، واستعمل مكانه خالد بن عبد الله القسرى، واستعمل خالد أسد بن عبد الله على خراسان)
(1)
.
ذكر خليفة بن خياط
(2)
، والطبري
(3)
أن يزيد عزل مسلمة عن العراق وولى بدلًا منه عمر بن هبيرة
(4)
وذلك سنة اثنتين ومائة.
ثم ولي خالد بن عبد الله العراق بعد عمر بن هبيرة سنة ست ومائة، فولى أخاه أسد بن عبد الله بخراسان
(5)
.
• نقد النص:
وهم صاحب الكتاب في ترتيب الولاة، فوضع خالد بن عبدالله بعد مسلمة بن عبدالله، وبينهما ولاية عمر بن هبيرة لم يذكرها.
[219]
- (فانتهى خبر أبي عكرمة، وحيان إلى أسد بن عبد الله، فأمر بطلبهما، فأخذا، وأتى بهما، فضربت أعناقهما، وصلبا.
وبلغ ذلك محمد بن علي، فقال: الحمد لله الذي صحح هذه العلامة، وقد بقي من شيعتي رجال سوف يفوزون بالشهادة)
(6)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(7)
، والطبري
(8)
.
(1)
الأخبار الطوال 334.
(2)
التاريخ 328.
(3)
التاريخ 6/ 617.
(4)
عمر بن هبيرة بن معاوية بن سكين الفزاري، الأمير الشامي، جمعت له العراق سنة ثلاث ومائة، ثم عزل بخالد القسري، فسجنه خالد فهرب من سجنه واستجار بمسلمة بن عبد الملك، مات سنة مائة وسبعة تقريبًا. الذهبي: السير 4/ 562.
(5)
. خليفة بن خياط: التاريخ 336، الطبري: التاريخ 7/ 37.
(6)
الأخبار الطوال 334.
(7)
الأنساب 4/ 116.
(8)
التاريخ 7/ 40.
[220]
- (فلما تم لملك يزيد بن عبد الملك أربع سنين وأشهر توفي بالبلقاء من أرض دمشق، وكانت وفاته سنة خمس ومائة، وله يوم مات ثمان وثلاثون سنة، ثم استخلف هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربع وثلاثين
سنة)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(2)
إلا أنه ذكر أن عمره ثلاث أو أربع وثلاثين، والطبري
(3)
ذكر روايات في عمر يزيد بن عبد الملك: منها إن عمره ثلاث وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين وقيل ثمان وثلاثين.
[221]
- (فعزل أسد بن عبد الله عن خراسان، وولاها الجنيد بن عبد الرحمن، وكان رجلًا من اليمانية، ذا فضل وسخاء، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
ذهب الجود والجنيد جميعًا
…
فعلى الجود والجنيد السلام
(4)
(5)
ذكر خليفة بن خياط
(6)
أن أسدًا ولَّاه أخاه خالد بن عبد الله، فعزله هشام سنة ثمان ومائة وولى مكانه أشرس بن عبد الله السلمي
(7)
، وفي سنة ثلاث عشرة ومائة عزله وولى الجنيد بن عبد الرحمن.
[222]
- (ولما قتل أبو عكرمة وحيان وَجَّهَ الإمام محمد بن علي
(1)
الأخبار الطوال 334.
(2)
التاريخ 331.
(3)
التاريخ 7/ 21.
(4)
هذا البيت لأبي جويرية الشاعر، واسمه عيسى بن أوس بن عصمة بن عبد قيس، من قصيدة يمدح فيها الجنيد بن عبد الرحمن المري. المرزباني: معجم الشعراء 258.
(5)
الأخبار الطوال 335.
(6)
التاريخ 358.
(7)
أشرس بن عبد الله السلمي، يسمى الكامل لفضله، ولاه هشام بن عبد الملك خرسان سنة 109 هـ واستمر إلى سنة 112 هـ، غزا الترك فأحاطوا به فعزله هشام وولى الجنيد بن عبد الرحمن ليحفظ به الثغر. الزركلي: الأعلام 1/ 331.
إلى خراسان خمسة نفر من شيعته: سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم
(1)
، وموسى بن كعب
(2)
، وخالد بن الهيثم
(3)
، وطلحة بن زريق
(4)
، وأمرهم بكتمان أمرهم، وألا يفشوه إلى أحد إلا بعد أن يأخذوا عليه العهود المؤكدة بالكتمان.
فساروا حتى أتوا خراسان، فكانوا يأتون كورة بعد كورة، فيدعون الناس سرًّا إلى أهل بيت نبيهم، ويبغِّضون إليهم بني أمية، لما يظهر من جورهم واعتدائهم، وركوبهم القبائح، حتى استجاب لهم بَشَر كثير في جميع كور خراسان.
وبلغ الجنيد أمرهم، فأمر بطلبهم، وأُخِذُوا، وأتى بهم الجنيد.
فقال: يا فسقة، قد قدمتم هذه البلاد، فأفسدتم قلوب الناس على بني أمية، ودعوتم إلى بني العباس.
فتكلم سليمان بن كثير، وقال: أيها الأمير، أتاذن لي في الكلام؟
قال: تكلم قال: أنا وإياك كما قال الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق
…
لاستغثت اليوم بالماء القراح
نعلمك أيها الأمير، أنا أناس من قومك اليمانية، وأن هؤلاء المضرية تعصبوا علينا، فرقوا إليك فينا الزور والبهتان؛ لأنا كنا أشد الناس على قتيبة،
(1)
مالك بن الهيثم الخزاعي، أحد الثائرين الاثنى عشر القائمين بأعباء منشأ الدولة العباسية، قاموا بخراسان مع أبي مسلم، حكى المدائني عنه: وقد رمي بالإباحية والزندقة، قال الذهبي:(الله أعلم بسريرته) ويقال: كان على رأي الخُرَّمية في إباحة المحارم، كان المنصور يعظمه ويبجله. الذهبي: تاريخ الإسلام 10/ 413.
(2)
موسى بن كعب التميمي، أحد النقباء الاثنى عشر، في الدعوة العباسية، كان المنصور يعظمه وقد ولاه مصر فمات بها. الذهبي: تاريخ الإسلام 9/ 310.
(3)
في البلاذري: الأنساب 4/ 116، خالد بن (إبراهيم) بدل (الهيثم) أبو داود أحد النقباء الاثنى عشر.
(4)
طلحة بن رزيق، أبو منصور أحد الدعاة الاثنى عشر. البلاذري: الأنساب 4/ 116.
فهم الآن يطلبون بثأره بكل علة.
فقال الجنيد لمن كان حوله من أصحابه: ما ترون؟.
فتكلم عبد الرحمن بن نعيم
(1)
رئيس ربيعة، وكان من خاصته: نرى أن تَمُنَّ بهم على قومك، فلعل الأمر كما يقولون، فأمر بإطلاقهم، فخرجوا، وكتبوا بقصتهم إلى الإمام، فكتب إليهم: إن هذا أقل ما لكم، فاكتموا أمركم، وترفقوا في دعوتكم)
(2)
.
ذكر نحوًا منها البلاذري
(3)
مختصرًا، والطبري
(4)
مطولًا، وذكروا أن ذلك في عهد أسد بن عبد الله القسري وأنه ضرب بعضهم وعفى عن بعض.
• نقد النص:
وَهِم صاحب الكتاب في أن القبض على هؤلاء في عهد الجنيد، وانفرد بقوله:(ويبغِّضون إليهم بني أمية، لما يظهر من جورهم واعتدائهم، وركوبهم القبائح) ويبدو أن هذه من دسائسه وتعليقاته، راجع نقد الرواية رقم (215).
[223]
- (فساروا من مدينة مرو إلى بخارى، ومن بخارى إلى سمرقند، ومن سمرقند إلى كش ونسف، ثم عطفوا على الصغانيان، وجازوا منها إلى ختلان
(5)
، وانصرفوا إلى مرو الروذ
(6)
، والطالقان
(7)
، وعطفوا إلى هراة
(8)
،
(1)
عبد الرحمن بن نعيم القشيري، تولى خراسان لعمر بن عبد العزيز. الطبري: التاريخ 6/ 558.
(2)
الأخبار الطوال 335، 336.
(3)
الأنساب 4/ 117.
(4)
التاريخ 7/ 107.
(5)
ختلان: بلاد مجتمعة وراء النهر قرب سمرقند. الحموي: معجم البدان 2/ 346.
(6)
مرو الروذ: مدينة قريبة من مرو الشاهجان. القطيعي: مراصد الاطلاع 2/ 1262.
(7)
الطلقان: مدينة بين مرو الروذ وبلخ وهي أكبر مدن خرسان. القطيعي: مراصد الاطلاع 2/ 876.
(8)
هراة: بلد بخراسان بالقرب من بوشنج. الحميري: الروض المعطار 594.
وبوشنج
(1)
، وجازوا إلى سجستان
(2)
. فغرسوا في هذه البلدان غرسًا كثيرًا، وفشا أمرهم في جميع أقطار خراسان، وبلغ ذلك الجنيد، فأَسِف على تركهم، ووجه في طلبهم، فلم يقدر عليهم، فكتب إلى خالد بن عبد الله القسرى، وكان على العراق، يعلمه انتشار خراسان وما حدث فيها من الدعاة إلى محمد بن علي، فكتب خالد بن عبد الله إلى هشام يعلمه بذلك، فكتب إليه هشام، يأمره بالكتاب إلى الجنيد، ألا يرغب في الدماء، وأن يكف عمن كف عنه، ويسكن الناس بجهده، وأن يطلب النفر الذين يدعون الناس حتى يجدهم، فينفيهم، فلما انتهى ذلك إلى الجنيد بعث رسله في أقطار خراسان، وكتب إلى عماله في الكور يطلب القوم، فطلبوا، فلم يدرك لهم أثر)
(3)
.
انفرد صاحب الكتاب بهذا الخبر.
ذكر البلاذري
(4)
: أن في ولاية الجنيد كثر دعاة بني هاشم وقوي أمرهم، وذكر الطبري
(5)
: أنه كان في ولاية الجنيد جماعة من دعاة بني العباس، فظفر برجل منهم فقتله، وأهدر دم من يجده منهم.
* * *
(1)
بوشنج: من مدن هراة وهي على النصف منها. الحميري: الروض المعطار 118.
(2)
سجستان: ناحية كبيرة وولاية واسعة وهي جنوب هراة. الحموي: البلدان 3/ 190.
(3)
الأخبار الطوال 336، 337.
(4)
الأنساب 13/ 102.
(5)
التاريخ 7/ 88.
سابعًا: ظهور أبي مسلم الخراساني، وأثره في الدعوة:
* ظهور أبي مسلم وأثره في الدعوة:
[224]
- (قالوا: وكان بدءُ أَمْرِ أبي مسلم أنه كان مملوكًا لعيسى، ومعقل، ابني إدريس، ابن عيسى العجليين
(1)
، وكان مسكنهما بماه البصرة، مما يلى أصبهان.
وكان أبو مسلم وُلِدَ عندهما، فنشأ غلامًا، فَهِمًا، أديبًا، ذهنًا، فأحباه حتى نزل منهما منزلة الولد.
وكانا يتوليان بني هاشم، ويكاتبان الإمام محمد بن علي، فمكثا بذلك ما شاء الله.
ثم إن هشامًا عزل خالد بن عبد الله القسرى من العراق، وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي
(2)
، فكان يوسف بن عمر لا يدع أحدًا يعرف بموالاة بني هاشم، ومودة أهل بيت رسول الله إلا بعث إليه، فحبسه عنده بواسط.
فبلغه أمر عيسى، ومعقل ابني إدريس، فأشخصهما، وحبسهما بواسط فيمن حبس من الشيعة، وكانا أخرج معهما أبا مسلم فكان يخدمهما في الحبس.
وإن سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، ولاهز بن قرط
(3)
، وهم كانوا
(1)
الصحيح أن اسمهما عيسى ويونس ابني معقل العجلي. الطبري: التاريخ 7/ 198 لم أقف على ترجمة لهما.
(2)
يوسف بن عمر الثقفي، ولي لهشام بن عبد الملك اليمن سنة ست ومائة والعراق سنة عشرين ومائة، ولما تولى الوليد عزل وقتل. الذهبي: تاريخ الإسلام 8/ 315.
(3)
وقيل: لاهز بن قريط أو: قريظ بن بن معدي بن رفاعة المرئي المروزي، أحد دعاة بني العباس، وفد على محمد بن علي في الحميمة، كان يعدل سليمان بن كثير بالقدر والمحل، قتله أبو مسلم؛ لأنه أعلم نصر بن يسار بمحاولة قتله، ويقال: قتله لأنه صهر سليمان بن كثير. السمعاني: الأنساب 8/ 170. ابن عساكر: تاريخ دمشق 64/ 34.
الدعاة بخراسان قدموا للحج، وقدم معهم قحطبة بن شبيب
(1)
، وكان ممن بايعهم، وشايعهم على أمرهم، فجعلوا طريقهم على مدينة واسط، ودخلوا الحبس، فلقوا من كان فيه من الشيعة، فرأوا أبا مسلم، فأعجبهم ما رأوا من هيأته، وفهمه، واستبصاره في حب بني هاشم.
ونزل هؤلاء النفر بعض الفنادق بواسط، فكان أبو مسلم يختلف إليهم طول مقامهم حتى أَنِسَ بهم، وأَنِسُوا به، فسألوه عن أمره. فقال: إن أمي كانت أَمَةً لعمير بن بطين العجلي
(2)
، فوقع عليها، فحملت بي، فباعها، وهي حامل، فاشتراها عيسى، ومعقل، ابنا إدريس، فولدت عندهما، فأنا كهيئة المملوك لهما.
ثم إن النفر شخصوا من واسط، وأخذوا نحو مكة على طريق البصرة، فوصلوا إلى مكة، وقد وافاها الإمام محمد بن علي حاجًّا، فلقوه، وسلموا عليه، وأخبروه بما غرسوا به في جميع خراسان من الغرس، ثم أخبروه بممرهم بواسط، ودخولهم على إخوانهم المحبوسين بها.
ووصفوا له صفة أبي مسلم، وما رأوا من ذكاء عقله وفهمه، وحسن بصره، وجودة ذهنه، وحسن منطقه. فسألهم: أحر هو أم مملوك؟.
فقالوا: أما هو، فيزعم أنه ابن عمير بن بطين العجلي
(3)
، وكانت قصته كيت وكيت، ثم فسروا له ما حكى لهم من أمره.
فقال: إن الولد تبع للأم، فإذا انصرفتم فاجعلوا ممركم بواسط، فاشتروه،
(1)
قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان الطائي، أحد نقباء بني العباس ومن قوادهم، أصابته طعنة في وجهه فهلك بالفرات سنة 132 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 49/ 297.
(2)
لم أقف على ترجمة له.
(3)
لم أقف على ترجمة له.
وابعثوا به إلى الحميمة من أرض الشام، لأجعله الرسول فيما بيني وبينكم، على أني أحسبكم لا تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم ابني هذا يعني إبراهيم فاستوصوا به خيرًا، فإني سأوصيه بكم خيرًا.
فانصرف القوم نحو خراسان، ومروا بواسط، ولقوا عيسى، ومعقل ابني إدريس، فأخبروهما بحاجة الإمام إلى أبي مسلم، وسألوهما بيعه منهم. فزعموا، أنهما وهباه لهم.
فوجه به القوم إلى الإمام، فلما رآه تفرس فيه الخير، ورجا أن يكون هو القيم بالأمر، لعلامات رآها فيه، قد كانت بلغته، فجعله الرسول فيما بينه وبينهم، فاختلف إليهم مرارًا كثيرة)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
مطولًا، والطبري
(3)
مختصرًا.
• نقد النص:
أورد صاحب الكتاب في هذه الرواية خبر أبي مسلم وبداية انضمامه للدعوة العباسية، وقد أطال في هذا كما سيأتي، وقد أولاه عناية خاصة لم يسبق أن اعتنى بأحد في كتابه هذا كعنايته به، وذلك يدل على إعجاب به، ويضاف إلى شعوبيته.
أما عن الخبر في أصل أبي مسلم وبداية انضمامه للدعوة، فلم يكن واضحًا فقد اختلفت الروايات في ذلك ومما ورد في أصله:
- أن اسمه عبد الرحمن بن مسلم، من أهل ضياع بني معقل العجليين في أصفهان، وكان إدريس وعيسى ابنيّ معقل قد سجنا بالكوفة بسبب الخراج،
(1)
الأخبار الطوال 337، 338.
(2)
الأنساب 4/ 118.
(3)
التاريخ 7/ 198.
وكان أبو مسلم معهما للخدمة، وفي ذلك السجن عاصم بن يونس العجلي
(1)
فمر به سليمان بن كثير وهو خارج بمن معه للكوفة فسمع أبو مسلم كلامهم فأعجبه ذلك وطلب الانضمام إليهم.
وقيل: إن أبا مسلم لبعض أهل هراة أو بوشنج فقدم مولاه على الإمام فأعجبه عقله فابتاعه منهم ومكث عنده سنين ثم وجهه إلى خراسان.
وقيل: كانت أُمَهُ أَمَةَ لبني معقل، وكان أبوه من أهل ضياعهم فأتى الكوفة معهم فابتيع للإمام، وذكر أن أباه من أهل بابل
(2)
أو خطرانية
(3)
وكيلًا للعجليين وكان اسمه زاذان بن بنداد هرمز وأُمْهُ وشيكة فقدم العراق مع عيسى بن معقل، فكان يخدمه في سجن الكوفة، فسمع ناسًا من الشيعة فمال إليهم، وزعم قوم أن اسمه إبراهيم واسم أبيه عثمان وأنه من ولد كسرى وأن الإمام كان يبعثه إلى خراسان
(4)
.
[225]
- (ثم توفي الإمام محمد بن علي، فقام بالأمر بعده ابنه إبراهيم بن محمد، وكان أكبر ولده، فأمر أبا مسلم أن يسير إلى الدعاة بالعراق، وخراسان، فيعلمهم وفاة الإمام، وقيامه بالأمر من بعده.
فسار حتى وافى العراق، ولقي أبا سلمة، ومن كان معه من الشيعة، فأخبرهم بما أمره به.
(1)
عاصم بن يونس، قيل: العجلي أو أنه مولى بني عجل، اختلف في سبب حبسه بالكوفة، فقيل: إنه بسبب دم، وقيل: إنه اتهم بالدعاء لبني العباس، وذلك سنة 124 هـ. أخبار الدولة العباسية 198، الطبري: التاريخ 7/ 198.
(2)
بابل: هي مدينة العراق القديمة التي فيها حدائق بابل المعلقة، وقد اندثرت بابل وبقي آثارها اليوم. الحربي: معجم المعالم 39.
(3)
خطرانية: لم أقف على تعريف لها.
(4)
البلاذري: الأنساب 4/ 119.
ثم سار إلى خراسان ولقي الدعاة بها، فأخبرهم بذلك، وبلغ وفاة الإمام جميع من بايع في أقطار خراسان، فسودوا ثيابهم حزنًا لمصابه، وتسليًا عليه، وكان أول من سود منهم ثيابه حريش مولى خزاعة، وكان عظيم أهل نسا، ثم سودها من بعده قحطبة بن شبيب، ثم سود القوم جميعًا، وكثرت الشيعة بخراسان كلها، وعَلِنَ أمرهم)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
مختصرًا.
• نقد النص:
كانت وفاة محمد بن علي سنة مئة وأربع وعشرين، ويقال: سنة خمس وعشرين، أما كتاب إبراهيم بن علي إلى خراسان فيذكر أنه أرسله مع بكير بن ماهان
(4)
.
وقد انفرد صاحب الكتاب بذكر أن التسويد ظهر حزنًا على موت محمد بن علي.
وذكر الطبري أن أول من سوَّد هو أسيد بن عبد الله
(5)
ونادى: يا منصور أمت، وذلك بعد أن كتب أبو مسلم إلى الكور بإظهار الأمر، سنة تسع وعشرين ومائة
(6)
. وكان هذا أول ظهور السواد.
(1)
الأخبار الطوال 339.
(2)
الأنساب 4/ 118، 121.
(3)
التاريخ 7/ 227، 294.
(4)
أخبار الدولة العباسية 239، الطبري: التاريخ 7/ 199، 227، 294.
(5)
أسيد بن عبد الله الخزاعي، أحد القادة الشجعان، من ذوي الرأي، كانت إقامته في نَسا، من مدن خراسان، صحب أبو مسلم وخدمه برأيه وسعيه، ثم كان أول من لبس السواد، (شعار بن العباس) وقد ولي خرسان. الزركلي: الأعلام 1/ 331.
(6)
التاريخ 7/ 369.
أما عن أصل التسويد في الدعوة العباسية فقد ذكره ابن كثير، فقال:(إنّ بني العباس كان السواد من شعارهم، أخذوا ذلك من دخول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكّة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، فأخذوا بذلك وجعلوه شعارهم في الأعياد والجمع والمحافل)
(1)
.
وقال الذهبي: (كان أبو مسلمٍ سفّاكًا للدّماء، يزيد على الحجّاج في ذلك، وهو أوّل من سنّ للدّولة لبس السّواد)
(2)
.
[226]
- (وكتب يوسف بن عمر، وكان على العراقين، إلى هشام، يخبره بذلك، فكتب هشام إلى يوسف، يأمره أن يبعث إليه رجلًا، له علم بخراسان، ومعرفة بمن فيها من قوادها، وجنودها، وقد كان يوسف بن عمر عزل عنها الجنيد بن عبد الرحمن، واستعمل عليها جعفر بن حنظلة البهراني
(3)
.
فكتب جعفر إلى يوسف بن عمر مع عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي
(4)
، يخبره بتفاقم أمر المسودة بخراسان، وكثرة من أجاب الدعاة بها.
فلما أتاه كتاب هشام يأمره أن يوجه إليه رجلًا، له علم بخراسان، حمل عبد الكريم بن سليط إليه على البريد.
قال عبد الكريم: فسرت حتى وافيت دمشق، فدخلت على هشام،
(1)
البداية والنهاية 10/ 56.
(2)
السير 6/ 51.
(3)
جعفر بن حنظلة بن هانئ، فارس بهراء، ولي خرسان في عهد هشام بن عبد الملك، بعد أسد بن عبد الله أربعة أشهر ثم جاء عهد نصر بن سيار سنة إحدى وعشرين، ثم كان له أخبار مع المنصور. ابن الكلبي: نسب معد واليمن 2/ 703. الطبري: التاريخ 7/ 141، 492.
(4)
عبد الكريم بن سليط بن عقبة ويقال: ابن عطية، الهفَّاني الحنفي المروزي، وفد على هشام بن عبد الملك فبعث معه بعهد نصر بن سيار على خراسان. ابن عساكر: تاريخ دمشق 36/ 437.
فسلمت عليه بالخلافة. فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي. قال: كيف علمك بخراسان وأهلها؟ قلت: أنا بها جد عالم.
ثم أخبرته أن وجهي كان منها بكتاب أميرها جعفر بن حنظلة البهراني إلى يوسف بن عمر يخبره بما حدث فيها.
قال: إني أريد أن أُولي أمرها رجلًا من القواد، الذين هم مرتبون بها، فمن ترى أن أولي أمرها منهم، وأيهم أقوم بها؟.
قال عبد الكريم: وكان هواي في اليمانية فقلت: يا أمير المؤمنين، أين أنت من رجل من قوادها ذي حزم، وبأس، ومكيدة، وقوة، ومكانفة من قومه؟ قال: ومن هو؟ قلت: جديع بن علي الأزدي المعروف بالكرماني
(1)
، قال: وكيف يسمى الكرماني؟ قلت: ولد بكرمان، كان أبوه مع المهلب عند محاربته الأزارقة، فولد هذا هناك، قال: لا حاجة لي في اليمانية وكان هشام يبغض اليمانية، وكذلك سائر بني أمية. قلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من المجرب البطل النافذ اللسن؟ قال: ومن هو؟ قلت: يحيى بن نعيم
(2)
، المعروف بأبي الميلاء، وهو ابن أخي مصقلة بن هبيرة. قال: لا حاجة لي فيه؛ لأن ربيعة لا تسد بها الثغور.
فقلت: يا أمير المؤمنين، فعليك بالماجد اللبيب الأريب، الكامل
(1)
جديع بن علي ويقال: ابن سعيد الكرماني، الأزدي، وسمي الكرماني؛ لأنه ولد بجيرفت من كرمان، اختلف مع نصر بسبب تقريبه تميم وتعصبه ضد ربيعة واليمن، فغضب عليه نصر فحبسه فهرب من محبسه، واجتمعت إليه اليمن وربيعة فحارب نصر، ثم قتله الحارث بن سريج المجاشعي، وصلبه نصر، وهذا الاختلاف والعصبية مما زاد قوة أبي مسلم الخراساني. البلاذري: الأنساب 4/ 129.
(2)
يحيى بن نعيم الشيباني، ابن أخي مصقلة بن هبيرة الشيباني، تولى آمل من قبل أسد بن عبد الله، فقتل وصلب خداش صاحب الدعوة العباسية الذي أظهر دين الخُرَّمية، وكان مع الكرماني في حروبه مع نصر بن سيار. الطبري: التاريخ 7/ 105، 335. ابن عساكر: تاريخ دمشق 10/ 389.
الحسيب، عقيل بن معقل الليثي
(1)
. قال، فكأنه هويه. فقلت: إن اغتفرت منه هنة فيه. قال: وما هي؟ قلت: ليس بعفيف البطن والفرج. قال: لا حاجة لي فيه.
قلت: فالكامل النافذ، الفارس المجرب، محسن بن مزاحم السلمي. قال، فكأنه هويه، للمضرية. قلت: ان اغتفرت هنة فيه. قال: وما هي؟ قلت: أكذب، ذي لهجة. قال: لا حاجة لي فيه.
قلت: فذو الطاعة لكم، المتمسك بعهدكم، المقتدي بقدوتكم، يحيى بن الحصين بن المنذر بن الحارث بن وعلة
(2)
. قال: ألم أخبرك أن ربيع لا تسد بها الثغور؟.
قلت: فالكامل النافذ الشجاع البطل، قطن بن قتيبة بن مسلم
(3)
. قال: فمال إليه للمضرية. قلت: إن اغتفرت منه هنة. قال: وما هي؟ قلت: لا آمنه إن أفضى إليه السلطان أن يطلب جنود خراسان بدم أبيه قتيبة، فإنهم جميعًا تظافروا عليه. قال: لا حاجة لي فيه. قلت: فأين أنت من العفيف المجرب، الباسل المحنك، نصر بن سيار الليثى
(4)
؟ قال: فكأنه تفاءل به، ومال إليه،
(1)
عقيل بن معقل الليثي، كان عاملًا على بلخ من قبل نصر بن سيار، فكتب إليه أن يأخذ الحريش الذي كان يخفي يحيى بن زيد عنده، فأخذ الحريش وجلده فأبى أن يخبره، ثم جاء قريش بن الحريش فأخبره بشرط ألَّا يقتُلَ أباه، فقبض عليه وأرسله إلى نصر. البلاذري: الأنساب 3/ 261. الطبري: 7/ 228.
(2)
يحيى بن الحصين بن المنذر بن الحارث، أبوه الحضين صاحب راية ربيعة مع علي رضي الله عنه، وأما يحيى فكان أثيرًا عند بني أمية، قتله أبو مسلم مع المضرية. ابن حزم: جمهرة أنساب العرب 317.
(3)
قطن بن قتيبة بن مسلم، لم أقف على ترجمته له.
(4)
نصر بن سيار المروزي، أبو الليث، الأمير تولى خراسان، وقد خرج عليه أبو مسلم ولم يستطعه، فاستنجد بمروان ولم ينجده لاشتغاله باختلال الجزيرة وأذربيجان، فتقهقر أمام أبي مسلم، وقد مرض بالري فحمل إلى ساوة ومات بها في ربيع الأول سنة 131 هـ. الذهبي: تاريخ الإسلام 8/ 552.
للمضرية. قلت: إن اغتفرت منه خصلة. قال: وما هي؟ قلت: ليست له بخراسان عشيرة من جنودها، وإنما يقوى على ولاية خراسان من كانت له بها عشيرة من جنودها. قال: فأي عشيرة أكثر مني، لا أبا لك، يا غلام؟ انطلق إلى الكتاب، فمرهم بإنشاء عهده، وائتوني به.
فكتب له عهده، وأتى به، فناولنيه، وقال: انطلق حتى توصله إليه. ثم أمر أن أحمل على البريد. فسرت حتى وافيت خراسان، فأتيته في منزله، فناولته العهد، فأمر لي بعشرة آلاف درهم. ثم تناول العهد، فانطلق إلى جعفر بن حنظلة، الأمير كان بها، فدخل عليه، وهو جالس على سريره، فناوله العهد. فلما قرأه أخذ بيد نصر، فرفعه حتى أجلسه معه على سريره، وقال: سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين، فقال له نصر: أبا خلف، السلطان سلطانك، فمر بأمرك، ودعا له جعفر بن حنظلة، وسلم الأمر إليه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها البلاذري
(2)
والطبري
(3)
مطولًا، وكلها من طريق المدائني عن بعض شيوخه.
• نقد النص:
انفرد صاحب الكتاب في ذكر أن سبب تولية نصر بن سيار هو ظهور المسودة في خراسان.
وهذه الرواية لا تصح عن هشام بن عبد الملك لأنها من طريق المدائني وفي سندها مجاهيل وهي تصف الطريقة التي تولى فيها نصر بن سيار على خراسان من قبل هشام، وفي متنها نكارة حيث ذكر فيها تصنيف الرجال من حيث قبائلهم
(1)
الأخبار الطوال من صفحة 339 إلى صفحة 343.
(2)
الأنساب 9/ 119.
(3)
التاريخ 7/ 154.
وبهتهم، وفيه إساءة لبعض القبائل من قبل هشام وأنه رغب بالمضرية على اليمنية، وهي لا تحاكي دهاء هشام وقدرته على سياسة الدولة، فهو بذلك عاجز عن اختيار رجل من دولته يصلح لولاية خراسان.
ثم أورد كلمة انفرد بها ويبدو أنها من تعليقه وهي قوله: (وكان هشام يبغض اليمانية، وكذلك سائر بني أمية) وهذا التعليق يختصر سبب إيراده مثل هذه الرواية.
وقد أورد الطبري رواية أخرى يمكن أن نستأنس بها، وهي أن يوسف بن عمر أمير العراق كتب إلى هشام يستشيره بمن يولي خراسان، وذكر له أسماء رجال قد رشحهم لها ومن بين تلك الأسماء نصر بن سيار وكان في آخر الكتاب وأكثر من ذكر أسماء القيسية له، ثم علل بعدم ذكر نصر في أول الكتاب بأنه ليس له عشيرة بخراسان، ففهم هشام بأن ذلك منه ترشيح للقيسية، فأمر بتولية نصر بن يسار وكتب له كتابا منه قوله:(فلم يقل من عشيرته أمير المؤمنين)
(1)
، فكأن الأمر أصلًا يشار به إلى نصر بن يسار وأراد يوسف بن عمر أن ينحِّيه عنها.
* تولية أبي مسلم أمر خراسان:
[227]
- (وإن سليمان بن كثير، ولاهز بن قرط، ومالك بن الهيثم، وقحطبة بن شبيب أرادوا الحج، فخرجوا مع الحاج متنكرين حتى أتوا مكة، وقد وافاها في ذلك العام إبراهيم بن محمد الإمام، فأخبروه بما اجتمع له الناس بخراسان. وقد كانوا حملوا إليه ما بعثت به إليه الشيعة. فقالوا: قد حملنا إليك مالًا. قال: وكم هو؟ قالوا: عشرة آلاف دينار، ومائتا ألف درهم. فقال: سلموه
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 165
إلى مولاي عروة، فدفعوه إليه.
فقال لهم إبراهيم: إني قد رأيت أن أولي الأمر هناك أبا مسلم، لما جربت من عقله، وبلوت من أمانته، وأنا موجهه معكم، فاسمعوا له، وأطيعوا أمره، فإن والدي رحمة الله عليه قد كان وصف لنا صفته، وقد رجوت أن يكون هو الذي يسوق إلينا الملك، فعاونوه، وكانفوه، وانتهوا إلى رأيه، وأمره.
قالوا: سمعًا وطاعة لك أيها الإمام.
فانصرفوا، وأبو مسلم معهم، حتى صاروا إلى خراسان. فتشمر أبو مسلم للدعاء، وأخذ القوم بالبيعة، ووجه كل رجل من أصحابه إلى ناحية من خراسان، فكانوا يدورون بها كورة كورة، وبلدًا بلدًا، في زي التجار.
فاتبعه عالم من الناس عظيم، فواعدهم لظهوره يومًا سماه لهم، وولى على من بايعه في كل كورة رجلًا من أهلها، وتقدم إليهم بالاستعداد للخروج من ذلك اليوم الذي سماه لهم حتى أجاب جميع أرض خراسان، سهلها وجبلها، وأقصاها وأدناها.
وبلغ في ذلك ما لم يبلغه أصحابه من قبله، واستتب له الأمر على محبته، وصار من أعظم الناس منزلًا عند شيعته، حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ويذكرونه، فلا يملون)
(1)
.
ذكر نحوًا منها البلاذري
(2)
مطولًا، والطبري
(3)
مختصرًا.
• نقد النص:
زاد عند صاحب الكتاب قول إبراهيم بن محمد أن أباه أوصاه بأبي مسلم
(1)
الأخبار الطوال 342، 343.
(2)
الأنساب 4/ 119.
(3)
التاريخ 7/ 329.
وقوله: (قد رجوت أن يكون هو الذي يسوق إلينا الملك)، وعن سؤاله لهم كم مقدار المال الذي معهم، وهذا منه تمجيد له ومبالغة في أثره.
ثم أورد بعض المخالفات العقدية التي كانت تصاحب الدعاة، وهي قوله:(حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ويذكرونه، فلا يملون).
وأما عن ذكره تولية أبي مسلم في هذا اللقاء، فقد انفرد بذلك، وقد رُويَ ما يخالفه، وهو أن إبراهيم ولّى عليهم أبا سلمة، وذلك سنة سبع وعشرين ومائة
(1)
.
ثم قدموا على إبراهيم مرة أخرى، وطلبوا منه تولية رجل يتولى أمرهم في خراسان، فاستخار ووجه أبا مسلم
(2)
.
وذكر الطبري
(3)
أن أبا مسلم كان يختلف إلى خراسان، حتى ظهور العصبية واضطراب الناس، فكتب سليمان بن كثير كتابًا إلى أبي سلمة الخلال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم بن محمد أن يوجه رجلًا من أهل بيته، فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فوجه لهم أبا مسلم.
* * *
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 329.
(2)
البلاذري: الأنساب 4/ 119، أخبار الدولة العباسية 256.
(3)
التاريخ 7/ 353.
الفصل السابع
«آثار مقتل الوليد بن يزيد، ونهاية الدولة الأموية»
أولًا: هشام بن عبد الملك، وولاته.
ثانيًا: أحداث مقتل الوليد بن يزيد، وآثارها.
ثالثًا: بنو أمية بعد يزيد بن الوليد.
رابعًا: ما حدث بين الكرماني ونصر بن سيار.
خامسًا: أخبار متفرقة.
سادسًا: انتصار الدعوة العباسية، ومقتل مروان بن محمد.
أولًا: هشام بن عبد الملك وولاته:
* عزل خالد بن عبد الله القسري ومحاسبته:
[228]
- (وقد كان خالد بن عبد الله ولي العراقين عشر سنين، أربعًا في خلافة يزيد بن عبد الملك، وستًّا في خلافة هشام)
(1)
.
ذكر خليفة بن خياط
(2)
والطبري
(3)
أن خالد بن عبد الله ولي العراق في خلافة هشام بن عبد الملك.
• نقد النص:
وهم صاحب الكتاب في ذكر تولي خالد بن عبد الله العراق ليزيد بن عبد الملك.
[229]
- (فلما عزله هشام، وولَّى مكانه يوسف بن عمر حاسبه يوسف، فخرج عليه عشرة آلاف درهم، قد كان وهبها للناس، وبذرها وكان من أسخى العرب فحبسه يوسف بن عمر عنده في العراق، وكتب إلى هشام بتقاعد خالد بالمال الذي خرج عليه.
فكتب إليه هشام بالبسط عليه فدعا به يوسف بن عمر وقال: ما هذا التقاعد بمال السلطان يا ابن الكاهن؟ يعني شق بن صعب
(4)
المعروف بالكهانة، وكان خالد بن عبد الله من ولده، فقال له خالد بن عبد الله: أتعيرني بشرفي يا ابن الخمّار؟ وإنما كان أبوك وجدك بالطائف أصحاب حانة، وبلغ
(1)
الأخبار الطوال 343.
(2)
التاريخ 336.
(3)
التاريخ 7/ 26.
(4)
شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري، كاهن جاهلي، وقد قال ابن حزم: إن من ولده خالد وأسد القسريان. الأعلام للزركلي 3/ 170.
هشامًا أن خالدًا بذر ذلك المال في الناس، فكتب إلى يوسف يأمره بإطلاقه، والكف عنه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكرٌ لعزل خالد القسري سنة عشرين ومائة، ثم محاسبته من قبل يوسف بن عمر الوالي الجديد كما جرت به العادة في أواخر عهد بني أمية، وهذا مما زاد في وهن أمر الدولة فكل والٍ يُتْرَك ولا يُتَابع في أمره حتى تنتهي ولايته، ثم يحاسب والأحسن من ذلك أن يتابع ويحاسب في أمره كله من حين ولايته، فهذا أجدر من إهماله؛ لأن هذا أدعى إلى عدم بسط يده وقلة مظالمه، وحال خالد بن عبد الله أشبه بهذا فقد استمر في ولايته ما يقارب خمس عشر سنة
(4)
، لم يُحَاسب إلا بعد عزله.
أما عن السبب الذي دعا يوسف بن عمر إلى محاسبة خالد بن عبد الله، مع تبذير الأموال هو أنه اعتل عليه بانكسار الخراج في عهده
(5)
.
* خبر خروج زيد بن علي وقتله:
[230]
- (فلم يزل خالد مقيمًا بالكوفة حتى خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
(6)
بالكوفة، وكان خروجه في صفر سنة
(1)
الأخبار الطوال 343، 344.
(2)
الأنساب 9/ 100.
(3)
التاريخ 7/ 254.
(4)
من سنة خمس ومائة إلى سنة عشرين ومائة. البلاذري: الأنساب 9/ 102. الطبري: التاريخ 7/ 254.
(5)
البلاذري: الأنساب 9/ 102. الطبري: التاريخ 7/ 254.
(6)
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، كان ذا علمٍ وجلالٍ وصلاحٍ، هفا فخرج فقتل سنة 122 هـ. الذهبي: السير 5/ 389.
ثماني عشرة ومائة.
فسار إليه يوسف بن عمر، فالتقوا بالكناسة فانهزم أصحاب زيد، وخذلوه، فأخذه يوسف بن عمر، فضرب عنقه، وبعث برأسه إلى هشام، وصلب جسده بالكناسة)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: ابن سعد
(2)
، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذه الرواية ذكر صاحب الكتاب خبر خروج زيد بن علي، وقد اختصره على غير عادته في ذكر آل البيت وتقفي أثرهم كما فعل بجده الحسين بن علي رضي الله عنه، ويعود السبب في ذلك أن زيد بن علي لم يكن في عداد أئمة الشيعة الإمامية التي يتتبع أخبارهم صاحب الكتاب؛ لأن زيدًا له منهج خاص شَذَّ فيه عن منهج الشيعة ألا وهو تولي الشيخين.
وقد عد المؤرخون أسبابًا لخروجه منها: أنه دخل على هشام بن عبد الملك في دين له فأغلظ عليه
(5)
.
وقيل: إن يوسف بن عمر حاسب يزيد بن خالد القسري في مال، فدعا أن أودعه عند زيد بن علي وبعض بني هاشم، فأمره هشام أن يجمع بينهم فحلفوا أنه ما أودعهم شيء
(6)
.
(1)
الأخبار الطوال 344.
(2)
الطبقات 5/ 325.
(3)
الأنساب 3/ 229.
(4)
التاريخ 7/ 160.
(5)
ابن سعد: الطبقات 5/ 325. الفسوي: المعرفة والتاريخ 3/ 348.
(6)
البلاذري/ الأنساب 3/ 235، الطبري: التاريخ 7/ 160.
وذكر الذهبي سببا آخر واختصره، وهو أن زيد بن علي وفد على يوسف بن عمر فأحسن جائزته، ثم رجع إلى المدينة فأتاه ناس من الكوفة فقالوا: ارجع فليس يوسف بشيء، فنحن نأخذ لك الكوفة، فرجع وبايعه ناس كثير، وخرجوا معه، ثم تفرقوا عنه بعد أن سألوه عن رأيه في أبي بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه، وطلبوا منه التبرؤ منهم حتى يقاتلوا معه، فأخبرهم أنه يتولاهم ويتبرأ ممن تبرأ منهم، ولم يقاتل معه إلا من هو على رأيه
(1)
، ولعل هذا السبب أقرب لحاله، والله أعلم.
قال ابن تيمية: (ومن زمن خروج زيد بن عليٍّ افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سُئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم، فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًّا، لانتسابهم إليه)
(2)
، (وقد سمي أتباعه بالزيدية وهم لا يشتمون الشيخين ولا عائشة، ولا سائر العشرة؛ ولكنهم يفضلون عليًّا رضي الله عنه ويقدمونه في الخلافة، ثم أبا بكر ثم عمر، ثم يسكتون عن عثمان رضي الله عنه، ويحطون على معاوية غفر الله له)
(3)
.
وأما عن زمن خروجه فقد وهم صاحب الكتاب وشذ في أنه سنة مائة وثماني عشرة، والمحفوظ أنه سنة إحدى وعشرين ومائة
(4)
، وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومائة
(5)
.
(1)
تاريخ الإسلام 8/ 106.
(2)
منهاج السنة 1/ 35.
(3)
حافظ الحكمي: معارج القبول 3/ 1180.
(4)
ابن قتيبة: المعارف 365. الطبري: التاريخ 7/ 160.
(5)
الفسوي: المعرفة والتاريخ 3/ 348. الطبري: التاريخ 7/ 160.
* خالد القسري بعد عزله:
[231]
- (وإن خالدًا كتب إلى هشام يستأذنه في الخروج إلى طرسوس
(1)
غازيًا متطوعًا، فأذن له هشام في ذلك، فسار حتى وافى طرسوس فأقام بها مرابطًا. وإن رجلًا من أهل العراق كان يتلصص، ويكنى أبا المعرس، قدم من الكوفة نحو أرض الشام، في جماعة من لصوص الكوفة، حتى وافوا مدينة دمشق، فكان إذا جنّه الليل أشعل في ناحية من السوق النار، فإذا تصايح الناس، واشتغلوا بإطفاء الحريق، أقبل في أصحابه إلى ناحية أخرى من السوق، فكسر الأقفال، وأخذ ما قدر عليه، ثم هرب.
فدخل كلثوم بن عياض القسري
(2)
على هشام، وكان معاديًا لخالد بن عبد الله، وهو ابن عمه، فقال لهشام: يا أمير المؤمنين، إن هذا الحريق لم يكن بدمشق، وقد حدث، وما هو إلا عمل محمد بن خالد بن عبد الله القسرى
(3)
وغلمانه.
فأمر هشام بطلب محمد بن خالد، فأتوه به، وبغلمان له، فأمر بحبسه، وحبس غلمانه. وبلغ ذلك خالدًا، وهو بطرسوس، فسار حتى وافى دمشق، فنزل في داره بها، وغدا عليه الناس مسلمين، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: أيها الناس، خرجت غازيًا بإذن هشام وأمره، فحبس ابني وغلماني، أيها الناس، ما لي
(1)
طرطوس: بلد بالشام مشرفة على البحر قرب المرقب وعكا. الحموي: معجم البلدان 4/ 30.
(2)
والصحيح من اسمه كلثوم بن عياض القشيري بدل (القسري) ولي دمشق لهشام بن عبد الملك، ثم غزا المغرب فقتل هناك. ابن عساكر: تاريخ دمشق 50/ 217. قلت: وقد ساق له ابن عساكر في تاريخه بعض الخطب ما يدل على علمه وفضله.
(3)
محمد بن خالد بن عبد الله القسري، غلب على الكوفة ودخل في أمر بني العباس، وقد أمره المنصور على المدينة سنة 141 هـ، وأمره بالقبض على محمد بن عبد الله بن حسن، ففشل في القبض عليه، فعزله المنصور وحبسه وحاسبه سنة 144 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 52/ 384.
ولهشام؟ والله ليكفن عني هشام يسميه في كل مرة باسمه ولا يقول: أمير المؤمنين أو لأدعون إلى عراقي الهوى، شامي الدار، حجازي الأصل، إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس
(1)
، ألا وإني قد أذنت لكم أن تبلغوا هشامًا.
وبلغ هشامًا ذلك فقال: خرف أبو الهيثم، وأنا حري باحتماله، لقديم حرمته، وعظيم حقه، فأقام خالد بن عبد الله بمدينة دمشق عاتبًا لهشام، مصارمًا له، لا يركب إليه، ولا يعبأ به، وهشام في كل ذلك يحتمله، ويحلم عنه)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
والطبري
(4)
من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف.
• نقد النص:
هذه الرواية الضعيفة أعطت تصورًا باطلًا عن معاملة هشام بن عبد الملك وعامله المعزول خالد بن عبد الله القسري، وما يزيد في بطلانها أن خالدًا لما عُزِل ذهب إلى هشام، ومعنى ذلك أنه أَمِنَه ولم يحدث شيئًا حتى يخافه، ولو كان العكس لما أحب قربه، ثم إن خالدًا ظل بحماية هشام ولم يقتل إلا بعده، وهنا وقفة، وهي أن لخالد أعداء، فلذلك كثرت الافتراءات حوله، ولم يتمكنوا منه لمعرفة هشام بولائه.
ونلاحظ أن جملة ما ساقه صاحب الكتاب من أخبار حول هشام تدور على خفته، وعدم تبصُّره بأمور الحكم، وأنه يصدِّق كل ما يقال حوله، وما يُنَمُّ له
(1)
إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، الإمام، كان بالحميمة، عهد إليه أبوه بالأمر، قال ابن سعد:(توفي في السجن، سنة إحدى وثلاثين ومائة). الذهبي: السير 5/ 379.
(2)
الأخبار الطوال 344، 345.
(3)
الأنساب 9/ 102.
(4)
التاريخ 7/ 354.
في أصحابه، فيأخذهم، ثم يتبين له براءتهم وهكذا.
[232]
- (وإن رجلًا يسمى عبد الرحمن بن ثويب الكلبي
(1)
دخل على خالد بن عبد الله، فسلم عليه، وعنده نفر من أشراف أهل الشام، فقال له: يا أبا الهيثم، إني أحبك لعشر خصال فيك يحبها الله منك: كرمك، وعفوك، ودينك، وعدلك، ورأفتك، ووقارك في مجلسك، ونجدتك، ووفاؤك، وصلتك ذوي رحمك، وأدبك. فأثنى عليه خالد، وقال له خيرًا.
وبلغ هشامًا ذلك فقال: أَبَلَغَ من أمر الفاسق عبد الرحمن بن ثويب أن يصف خالدًا بمحاسن لم تجتمع في أحد من الخلفاء المؤتمنين على عباد الله وبلاده؟ ثم أمر به، فأحسن أدبه، ونفي عن دمشق.
وبلغ ذلك خالدًا، وعنده أناس من وجوه أهل الشام، فقال لهم: ألا تعجبون من صنيع هشام برجل ذكر مني خصالًا؟ زعم أنه يحبني لها، فضربه وطرده، وإن أعظم مما قال في عبد الرحمن بن ثويب قول عبد الله بن صيفي
(2)
حين قال له: يا أمير المؤمنين، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك أم رسولك؟. قال هشام: بل خليفتي في أهلي، قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنت أكرم على الله منه، فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي، وهي تضارع الكفر، ويغضب على عبد الرحمن بن ثويب، وينكر عليه ما وصفني به من خصال، يحبها الله، فأحبنى لها، فلم يحفل هشام حين بلغه ذلك من قول خالد، ولم يؤاخذه بشيء
(1)
في الطبري 7/ 257، إنه عبد الرحمن بن ثويب (الضني) بدل الكلبي من ضنة سعد أخو عذرة بن سعد. لم أقف على ترجمة له.
(2)
عبد الله بن صيفي، وقد ذكر البلاذري 9/ 106 أنه ابن شفي الحميري، والطبري 7/ 258، أنه ابن شقي الحميري، ولم أقف على ترجمته.
من مقالته)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
، والطبري
(3)
.
• نقد النص:
وردت هذه الرواية مسندة عند البلاذري من طريق الهيثم بن عدي وهو ضعيف. وعند الطبري بسند فيه أحمد بن معاوية
(4)
وهو متهم بالأباطيل.
وأما عن متنها ففيه منكر عظيم لا يصح عن أمير المؤمنين هشام،
وفي ألفاظ النص أيضًا غرابة، وإلا فكيف يخيره بين خليفته ورسوله وهو الخليفة. ثم إن هذا الأثر روي عن الحجاج وهو الأقرب لتناسق الألفاظ، فقد أخرج أبو داود بسنده عن المغيرة
(5)
، عن الربيع بن خالد الضّبّيّ
(6)
، قال:(سمعت الحجّاج يخطب، فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله عليّ ألا أصلّي خلفك صلاة أبدًا، وإن وجدت قومًا يجاهدونك لأجاهدنّك معهم)
(7)
.
حكم الألباني: بأنه ضعيف الإسناد مقطوع
(8)
.
(1)
الأخبار الطوال 346.
(2)
الأنساب 9/ 105.
(3)
التاريخ 7/ 258.
(4)
أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، حدث عن الثقات بالبواطيل وكان يسرق الحديث. ابن عدي: الكامل 1/ 283.
(5)
المغيرة بن مقسم الضبي، أبو هاشم، الكوفي، الأعمى، ثقة، لكنه مدلس، من السادسة. ابن حجر: التقريب 543.
(6)
الربيع بن خالد الضبي، ثقة من الرابعة، قتل يوم الجماجم. ابن حجر التقريب 206.
(7)
السنن 7/ 40.
(8)
صحيح وضعيف سنن أبي داود 1/ 2 برقم 4642 رابط الكتاب:
http:// waqfeya.com/ book.php? bid=5944
ثانيًا: أحداث خلافة الوليد بن يزيد وآثار مقتله:
* خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
[233]
- (فلما تم لخلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر مرض مرضته التي مات، فأسند الخلافة إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك)
(1)
.
ذكر خليفة بن خياط
(2)
مثله، وزاد في مدة خلافة هشام بن عبد الملك أحد عشر يومًا، وكانت وفاته سنة خمس وعشرين ومائة.
وذكر أبو زرعة
(3)
أن هشام مات سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وأشهر.
* خبر مقتل خالد بن عبد الله القسري:
[234]
- (فلما استخلف الوليد بن يزيد أمر صاحب شرطته سعيد بن غيلان
(4)
بأخذ خالد بالمال الذي عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه، وقال: أسمعني صياحه.
فأقبل سعيد بن غيلان إلى خالد وهو في منزله، فأخرجه، فانطلق به إلى السجن، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب، فلم يكلمه خالد بحرف.
وقال الأشعث بن القيني
(5)
فيما نال خالدًا:
(1)
الأخبار الطوال 346.
(2)
التاريخ 357.
(3)
التاريخ 196.
(4)
ولعل الصحيح من اسمه (غيلان) ذكره البلاذري: الأنساب 9/ 107، الطبري: التاريخ 7/ 259. ولم أقف على ترجمة له.
(5)
الأشعث القيني، لم أقف على ترجمته.
ألا إن خير الناس نفسًا ووالدًا
…
أسير قريش عندها في السلاسل
لعمري، لقد أعمرتم السجن خالدًا
…
وأوطأتموه وطأة المتثاقل
فإن تحبسوا القسري لا تحبسوا اسمه
…
ولا تحبسوا معروفه في القبائل
(1)
وقدم يوسف بن عمر الثقفي بمال العراقين على الوليد، فجلس الوليد للناس، وأذن لهم إذنًا عامًّا. فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمري
(2)
، وكان معاندًا لخالد، فقال: يا أمير المؤمنين، عليَّ محاسبة خالد بخمسة آلاف ألف درهم، فسلمه إليَّ. فأرسل الوليد إلى خالد وهو في السجن أن زياد بن عبد الرحمن قد أعطى بمحاسبتك خمسه آلاف ألف درهم، فإن صححتها لنا، وإلا دفعناك إليه. فأرسل له خالد: إن عهدي بالعرب لأتباع، وبالله لو سألتني أن أضمن لك هذا، ورفع عودًا من الأرض، ما فعلت. فلما رأى الوليد بن يزيد تقاعد خالد بما عليه من المال أمر به، فسلم إلى يوسف بن عمر، وقال: انطلق به إلى العراق، واستدنه جميع ما عليه من المال.
فحمله يوسف بن عمر معه إلى واسط، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه، ثم يرده إلى الحبس، فأخرجه ذات يوم، وقال: ما هذا التقاعد يا ابن المائقة؟!
فقال له خالد: ما ذكرك الأمهات، لعنك الله؟ والله لا أكلمك بكلمة أبدًا.
فغضب يوسف بن عمر من ذلك، فوضع على خالد المضرسة، وجعل
(1)
ذكر ابن قتيبه في عيون الأخبار 1/ 151 بيتين منها، وذكر أنها قيلت في حبس خالد بن عبد الله القسري ولم يسمِّ القائل.
(2)
والصحيح من اسمه هو أبان بن عبد الرحمن النميري، سكن العراق وهو دمشقي، ووفد على الوليد بن يزيد مع يوسف بن عمر أمير العراق، وقد اشترك مع يوسف بن عمر في شراء خالد عبد الله. الطبري: التاريخ 7/ 259. ابن عساكر: تاريخ دمشق 6/ 145. ابن خلكان: وفيات الأعيان 7/ 110.
يعذبه بها حتى قتله، فدفنه ليلًا في عباءة كانت عليه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(2)
مختصرًا، والبلاذري
(3)
والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر مقتل خالد بن عبد الله القسري، والسبب أن الوليد أراد محاسبة خالد على أموال العراق، وزاد عند غيره، أنه سأله عن ابنه يزيد بن خالد وكان مستخفيًا عن هشام، وألحَّ عليه في ذلك ففهم خالد أنه يريد أن يأخذه، فأغلظ القول له
(5)
.
ورويت في سبب معاتبة الوليد لخالد روايات منها:
- أن الوليد أراد أن يبايع لابنيه الحكم وعثمان، فأراد خالدًا في ذلك فأبى، فغضب عليه
(6)
.
- عزم قوم من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة، على قتل الوليد، فأراد الحج، فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق، فطلب منه أن يترك الحج هذا العام، فلما سأله عن السبب، رفض أن يخبره السبب، فغضب عليه وحبسه، فلما قدم يوسف بن عمر سلمه له مقابل مبلغ من المال
(7)
.
ولعل الأقرب في سبب محاسبة الوليد لخالد هو المال؛ لأنه أسلمه إلى
(1)
الأخبار الطوال 347، 348.
(2)
التاريخ 362.
(3)
الأنساب 9/ 109.
(4)
التاريخ 7/ 258.
(5)
البلاذري: الأنساب 9/ 106، الطبري: التاريخ 7/ 258.
(6)
الطبري: التاريخ 7/ 232
(7)
المصدر السابق 7/ 233.
غريمه يوسف بن عمر بعد أن ضمن له المال، وهو مطلب يوسف كما مر بنا في خلافة هشام، ولكن لم يقدر على ذلك إلا بعد موته. وكان ذلك في سنة خمس وعشرين ومائة
(1)
.
ويَرِدُ هنا تساؤلٌ!، وهو: مَنْ هو خالد؟ ولماذا هذا المصير المؤلم، الذي ناله من بني أمية، مع ما ذُكِرَ من بلائه لهم؟.
كان خالد بن عبد الله من أوفى رجال بني أمية، وله مناقب كثيرة ليس هذا مجال حصرها، وقد ساق شيئًا منها ابن كثير ثم ختم بقوله:(فإنّه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع - كما قدمنا - من قتله للجعد بن درهم، وغيره من أهل الإلحاد، وقد نسب إليه صاحب العقد أشياء لا تصح؛ لأن صاحب العقد كان فيه تشيّعٌ شنيعٌ ومغالاة في أهل البيت)
(2)
.
ومع أن بلاءه مع بني أمية إلا أنه أصابه منهم شر؛ ولذلك نجد أن البلاء الذي أصابه يشبه البلاء الذي أصيب به سعيد بن جبير، عندما أسلمه إلى الحجاج ليقتله، وقد كان الحجاج غريمه - كما سبق لنا من قصته -، فلم يمت حتى لقي نفس المصير، فقد أسلمه الوليد إلى يوسف بن عمر غريمه أيضًا ليقتل فسلط الله عليه، مثلما تسلط على سعيد بن جبير.
* مقتل الخليفة الوليد بن يزيد:
[235]
(فأنشأ الوليد بن يزيد:
ألم تهتج فتذكر الوصالا
…
وحبلًا كان متصلًا فزالا
بلى، فالدمع منك له سجال
…
كماء الغرب ينهمل انهمالا
(1)
خليفة بن خياط: التاريخ 362.
(2)
البداية والنهاية 10/ 23.
فدع عنك ادكارك آل سعدى
…
فنحن الأكثرون حصًى ومالا
ونحن المالكون الناس قَسْرًا
…
نسومهم المذلة والنَّكالا
ونوردهم حياض الخسف ذلًا
…
وما نالوهم إلا خبالا
وطئنا الأشعرين بكلِّ أرضٍ
…
ولم يك وطؤنا أن يستقالا
وكندة والسكون قد استعاذوا
…
نسومهم المذلة والخبالا
شددنا مُلكنا ببني نزار
…
وقوَّمنا بهم من كانَ مالا
وهذا خالد فينا قتيلًا
…
ألَا مَنعوهُ إن كانوا رجالا
ولو كانت بنو قحطان عُرْبًا
…
لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبًا أسيرًا
…
نحمله سلاسلنا الثقالا
ولكن المذلة ضعضعتهم
…
فلم يجدوا لذلتهم مقالا
فلما سمع من كان بأقطار الشام من اليمانية هذا الشعر أنفوا أنفًا شديدًا، فاجتمعوا من مدن الشام، وساروا نحو الوليد بن يزيد، وبلغ الوليد مسيرهم، فأمر بمحمد بن خالد بن عبد الله فحبس بدمشق.
وأقبلت اليمانية، وخرج إليهم الوليد بمضر مستعدًّا للحرب، فالتقوا، واقتتلوا، وأثخنت اليمانية القتل في مضر، فانهزمت مُضَر، وأخذوا نحو دمشق، ودخل الوليد قصره، فتحصن فيه، وأقبلت اليمانية حتى دخلت دمشق، وأخرجوا محمد بن خالد من محبسه، ورأسوه عليهم، فأرسل محمد بن خالد إلى ابن عم الوليد بن يزيد، وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فجاء به، فبايعوه جميعًا، وأرسل إلى أشراف المضريين، فبايعوه طوعًا وكرهًا، وخلعوا الوليد بن يزيد، فلبث مخلوعًا أيامًا كثيرة، وهو خليع بني أمية، فقام يزيد بن الوليد
بالخلافة، ووضع للناس العطاء، وفرق في اليمانية الصلات والجوائز.
وأقبل محمد بن خالد إلى قصر الوليد بن يزيد، وأمر بالأوهاق
(1)
، فألقيت في شرف القصر، وتسلقوا، فعلوه، ونادوا: يا وليد، يا لوطي، يا شارب الخمر، ثم نزلوا إليه، فقتلوه. واستدف الملك ليزيد بن الوليد)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(3)
والبلاذري
(4)
والطبري
(5)
مطولًا.
• نقد النص:
قامت الثورة على الوليد بن يزيد من داخل البيت الأموي، والذي قام بها ابن عمه يزيد بن الوليد، وليس كما ذكر صاحب الكتاب أنه محمد بن خالد القسري، ثم إنه ليس السبب في مقتل الوليد هو قتله لخالد بن عبد الله القسري، وغضب اليمانية عليه بعد أن قال القصيدة السابقة، بحيث لا يمكن قصر هذا الفعل على هذه القصيدة؛ لأن نسبة هذه القصيدة للوليد بن يزيد لم يثبت، ولكن قد تكون القصيدة نفسها قيلت للتأليب عليه، ودليل ذلك أنها قيلت على لسانه، وهي تثبت المصير الذي لقيه خالد في خلافة الوليد.
فقد ذكرها الطبري بصيغة التمريض بقوله: (فقال الوليد بن يزيد - فيما زعم الهيثم بن عدي- شعرًا يوبخ به أهل اليمن في تركهم نصرة خالد بن عبد الله)
(6)
، وزيادة على تمريض الطبري لها أنها من طريق الهيثم بن عدي، وهو ضعيف.
(1)
الأوهاق: جمع وهق، وهو حبل تشد به الإبل والخيل. ابن منظور: لسان العرب 10/ 386.
(2)
الأخبار الطوال 348، 349.
(3)
التاريخ 363.
(4)
الأنساب 9/ 145.
(5)
التاريخ 7/ 231.
(6)
التاريخ 7/ 234.
ثم ذكر أن هذا الشعر قاله بعض أهل اليمن على لسان الوليد يحرض عليه اليمانية، ولعل هذا هو الأقرب، وهذا يمكن أن يجعل سببًا من أسباب الثورة عليه
(1)
.
أما عن السبب الحقيقي لهذه الثورة فهو القائم عليها وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وقد وجد مادته في ذلك عن طريق اليمانية وجميع الغاضبين على الوليد بن يزيد، وكان معه رجال ممن ينتسب إلى غيلان
(2)
، وكان السمة العامة لهذه الثورة إنكار المنكر، ولكنها في الحقيقة ثورة القادرية الذين ينسب إليهم يزيد بن الوليد كما سيأتي.
وقد وجد هذا المشئوم الذي أوْدَى بالخلافة الأموية إلى الهاوية بعض الإنذارات المبكرة؛ ولكنه لم يرتدع عن غيه وسفهه في انتهاك حرمة الخلافة وهتك سترها ومن هذه الإنذارات:
أن يزيد بن الوليد أتاه آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية، وكانوا قد اضطغنوا على الوليد فأرادوه على البيعة، فشاور أخاه العباس بن الوليد، فحذره وهدده بالقبض عليه وتسليمه لأمير المؤمنين الوليد، ولكنه لم يرتدع عن ذلك وأخذ الناس بالبيعة له سرًّا، وقد جعل يظهر نصحه لهم وشفقته عليهم، وبدأ بتشويه صورته وذكر مساوئه
(3)
.
ومنها: أن مروان بن محمد - وكان على أرمينية - لمّا علم بأمر يزيد ومن
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 234.
(2)
غيلان بن مسلم الدمشقي، كاتب من البلغاء تنسب إليه فرقة الغيلانية من القدرية، وهو ثاني من تكلم بالقدر ودعا إليه، ولم يسبقه سوى معبد الجهني، قال الشهرستاني في الملل والنحل:(كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد)، تاب من القدر في عهد عمر بن عبد العزيز، ثم رجع بعد ذلك، فأحضر له الأوزاعي فناظره وأفتى بقتله، فقتل وصلب في خلافة هشام. الأعلام: للزركلي 5/ 124.
(3)
الطبري: التاريخ 7/ 237.
معه من أهل بيته، أرسل إلى سعيد بن عبد الملك
(1)
، وحذَّره الفتنة والعواقب التي سوف تجري عليهم إذا فعلوا ذلك بخليفتهم، وذكره بنعم الله على أهل بيته، وخوفه من ذهابها على أيدي هؤلاء المشئومين، فبعث سعيد بذلك إلى العباس بن الوليد، فحذر العباس يزيد من ذلك، فحلف له أنه لم يفعل فصدقه
(2)
، وكل ما تخوف منه هؤلاء العقلاء وقع بعد ذلك.
وقد اعترف بذلك ابن لبشر بن الوليد
(3)
فقال: (دخل أبي بشر بن الوليد على عمي العباس، فكلمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يرده، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلم عمي ويرد عليه قوله! وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبي، وكان الصواب فيما يقول عمي، فقال العباس: يا بني مروان، إني أظن الله قد أذن في هلاككم، وتمثل قائلًا:
إني أعيذُكُم بالله من فتنٍ
…
مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إن البرية قد ملَّت سياستكم
…
فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
(1)
سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، يعرف بسعيد الخير، كان حسن السيرة، ولي الغزو في خلافة هشام، وولي فلسطين في خلافة الوليد بن يزيد، وبقي إلى أن دعا يزيد الناقص إلى نفسه سنة 126 هـ، وقيل: إنه بقي إلى أن قتل في يوم نهر أبي فطرس سنة 132 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 21/ 313.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 239.
(3)
بشر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، ولاه أبوه الموسم سنة 95 هـ، كان من علماء بني أمية، خرج غازيًا بأهل الشام ومصر حتى بلغ أدرنة ثم قفل، أنكر قتل الوليد بن يزيد، وقال:
عجبًا لا ينقضي، عجب قتل الوليد
…
سما الملك له، زال فأمسى ليزيد
أسلمته عبد شمس، في بقايا ثمود
…
قال يوم الدار، لما مسه حر الحديد
اتقوا الله وكفوا، أين عقدي وعهودي
…
قتلوه ثم قالوا، هلك غير فقيد
ابن عساكر: تاريخ دمشق 10/ 268. قلت: موقفه هذا أنسب لحاله من الأول، أولعله ندم.
لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم
…
إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم
…
فثم لا حسرة تغني ولا جزع)
(1)
* محاصرة الوليد ومقتله:
حينما أتم الثوار أمرهم وحاصروا الوليد في قصره، رفض المواجهة وفضل الموت على المصحف كحال عثمان رضي الله عنه يوم الدار، وآخر ما دار بينهم وبينه أنه قال: (أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه! فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي
(2)
: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم! ألم أرفع المؤن عنكم! ألم أعط فقراءكم! ألم أخدم زمناكم!
(3)
فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل لي لسعة عما ذكرت، ورجع إلى الدار، فجلس وأخذ مصحفًا، وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة السكسكي، فنزل إليه وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نحِّ سيفك، فقال له الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حاله فيهم غير هذه)
(4)
، فقتله رجل لقب بوجه الفلس
(5)
واسمه عبد الرحمن
(6)
.
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 239.
(2)
لم أقف على ترجمته.
(3)
الزمن: المبتلى بَيِّن الزَّمانة، وهي العاهة. ابن منظور: لسان العرب 13/ 199.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 246. وبمثله البلاذري: 9/ 178.
(5)
البلاذري: الأنساب 9/ 184.
(6)
عبد الرحمن بن ميمون أحد الفرسان، وهو الذي احتز رأس الوليد بن يزيد. ابن حجر: نزهة الألقاب 2/ 228.
قال البلاذري: (كانت ولايته سنة وشهرين وأيامًا، ويقال: سنة وثمانية أشهر والأول أثبت، وقتل في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة)
(1)
.
وليس لنا أن ننفي كل ما قيل عنه، ولا أن نثبته دون سند صحيح، ولكن يسعنا أن نحكم عليه بما نقل لنا من الأحداث من بعده، فنجد أن السب والتوبيخ يَطَاله ويسلم من بعده ويمدح وهو يزيد بن الوليد أو ما يسمى بيزيد الناقص
(2)
، ومثل ذلك ما ذكره صاحب الكتاب أنه هو من وضع العطاء للناس، وما ذكرنا سابقًا عن الوليد يثبت عكس ذلك، فالذي وضع العطاء وزاد الناس الوليد بن يزيد، والذي سمي بالناقص وأنقص عطاء الناس هو يزيد بن الوليد، ولعل المراد من ذلك إثبات صلاح الأخير، وفسق الأول ليتسنى البسط
فيه.
هذا خبر قتل الوليد بن يزيد على يد ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك.
والحديث عن الخليفة الوليد بن يزيد وعن أسباب مقتله يطول، ولا يسعني هنا إلا أن أذكر من هو هذا الخليفة، وهل يصح ما نُسب إليه، حتى يتسنى لنا الحكم عليه، لاسيما أن قتله أورث الشرور على من بقي من بني أمية ولم تقم له قائمة بعدها، وخبر مقتله من الأخبار الشائكة في التاريخ الأموي.
وهذه وقفات مع أخباره وسيرته وبعض ما نسب إليه:
- حج بالناس سنة ست عشرة ومائة في خلافة هشام
(3)
.
وقد ذكر أن سبب تولية هشام له الحج في هذه السنة أنه أراد أن يصرفه عن ندماء اتخذهم لشرب الخمر، وأنه حمل معه كلاب وخمر ليشربه على ظهر الكعبة.
(1)
الأنساب 9/ 185.
(2)
وإنما سمي بالناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادها الوليد لهم. الطبري: التاريخ 7/ 261.
(3)
الطبري: التاريخ 7/ 98.
وهذا الخبر رواه الطبري
(1)
عن المدائني بإسناد منقطع، ثم كيف لهشام وما عرف به من حسن السيرة وصحبة العلماء أن يولي الحج رجلًا بلغ من أمره ما سبق.
ثم ساق الطبري الخبر مطولًا، وفيه أن هشامًا أراد عزله لما تمادى في الشراب والمجون وحصل بينهما بعض المشاحنة، وأن الوليد خرج وأقام في البرية حتى توفي هشام، وهذا من الشواهد والآثار التي رويت وعملت على تشويه هذا الخليفة.
ونجد أن هذا الخبر خلط بين أن هشام أراد خلعه لمجونه وفسقه، وأنه يريد تولية ابنه بدلًا منه، وقد حصل بينهما قطيعة، حتى مات هشام، وهذا الخبر لا يتسنى لنا نفيه بالجملة؛ لأن ما جاء بعده من انتقام الوليد من أبناء هشام دليل على القطيعة التي قد حصلت بينهما. حتى قال الوليد بن يزيد في قطيعة هشام له شعرًا، ومنه قوله:
رأيتك تبني جاهدًا في قطيعتي
…
فلو كنت ذا إرب لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة
…
فويل لهم إن مت من شر ما تجنى!
كأني بهم والليت أفضل قولهم
…
ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني
كفرت يدًا من منعم لو شكرتها
…
جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
(2)
وقال أيضًا:
أليس عظيمًا أن أرى كل واردٍ
…
حياضك يومًا صادرًا بالنوافل
وأرجع مجذوذ الرجاء مصرّدًا
(3)
…
بتخليةٍ عن ورد تلك المناهل
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 209.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 215. والبيتين الأخيرين منها ذكرهما البلاذري في الأنساب 9/ 138.
(3)
مصرد: أي مصيب. ابن منظور: لسان العرب 3/ 249.
فأويست ممّا كنت آمل فيكم
…
وليس يلاقي ما رجا كل آمل
كذي قبضةٍ يومًا على عرض هبوةٍ
…
يشد عليها كفه بالأنامل
(1)
تبين هذه الأبيات حجم القطيعة التي كانت بينه وبين هشام.
- تولى الوليد بن يزيد الخلافة بعد هشام، فاستعمل العمال، وأتته بيعة الآفاق
(2)
.
وهذا يدل على اجتماع الأمة عليه بعد هشام، فأين العلماء والمصلحون لماذا لم يعترضوا على بيعة هذا الفاسق كما يروى عنه؟!.
- أمر الوليد بن يزيد أن يأخذ أموال هشام وولده، إلا مسلمة بن هشام
(3)
أمر بالكف عنه؛ لأنه كان يكثر على أبيه أن يرفق بالوليد
(4)
، وهذا يثبت تعرضه للأذى من هشام وبقية ولده إلا مسلمة.
- كتب إليه مروان بن محمد كتابًا بليغًا، يبارك له بالخلافة، ويعظم حقه فيها، ويلوم هشام على ظلمه له ويخطئه
(5)
.
وقد قام بأعمال جلية لم يسبق عليها منها ما ذكره الطبري: (فلما ولي الوليد أجرى على زَمْنى أهل الشام وعُميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعًا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة، لأهل الشام خاصة، وزاد مَنْ وفد إليه من أهل بيته
(1)
البلاذري: الأنساب 9/ 183.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 216.
(3)
مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو شاكر الأموي، تولى الموسم في أيام أبيه، وغزا الصائفة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 58/ 65.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 216.
(5)
البلاذري: الأنساب 9/ 147، الطبري: التاريخ 7/ 216.
في جوائزهم الضعف، وكان وهو ولي عهد يطعم مَنْ وَفَد إليه من أهل الصائفة قافلًا، ويطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له: زيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابهم، ولم يقل في شيء يسأله: لا فقيل له: إن في قولك: انظر، عدة ما يقيم عليها الطالب، فقال: لا أعود لساني شيئًا لم اعتده، وقال:
ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق
…
بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة
…
وأعطيه مني عليكم تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم
…
به يكتب الكتاب شهرًا وتطبع
(1)
وقد زاد في أعطيات الناس، وأنقصها يزيد بن الوليد بعد ذلك فسمي بالناقص
(2)
.
ولقد أكثرت بعض الكتب الذم في هذا الخليفة، فلا تجد ذكرًا له إلا قبيحًا وممزوجًا بأنواع القبائح، وخصوصًا كتب الأدب وهي التي يقل فيها التثبت، ولم نقف على أشياء صحيحة في ما يذكر عنه، فكلها أحاديث وأقاويل تناقلته الرواة مع الزمن، ويبدو أن الدور الإعلامي الذي قام به الثائرون عليه أثبت كل هذا، ثم سارت به الركبان.
ثم إن تسلط هذا الخليفة على أبناء هشام وخالد بن عبد الله جعل منه عرضة للانتقام بمحورين: الأول: من بعض المتعاطفين معهم من البيت الأموي، والثاني: من اليمانية التي ينتسب إليهم خالد بن عبد الله، والمتمعن بما صح من شعره وأعماله الطيبة التي بذلها للناس في حكمه يجد هناك تعارضًا مع ما يروى من قبيح سيرة، وأن هذه الأعمال يستحيل أن تجتمع في شخص واحد.
(1)
الطبري: التاريخ 217، 218.
(2)
البلاذري: الأنساب 9/ 146.
وهو بحق خليفة مظلوم بغي عليه، ومن أدلة ذلك:
- يروى أن أيوب السختياني
(1)
لما بلغه مقتل الوليد قال: (ليتهم تركوا لنا خليفتنا ولم يقتلوه)
(2)
.
- ذكر ابن الأثير الوليد بن يزيد فقال: (وقد نزّه قومٌ الوليد ممّا قيل فيه، وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنّه قيل عنه وألصق به وليس بصحيحٍ)
(3)
.
ثم ساق أخبارًا في ذلك ومنها:
دخل ابن للغمر بن يزيد على الرشيد فسأله ممن أنت قال من قريش قال من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن، ولو أنك مروان. فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد فقال: رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعًا عليه، أرفع حوائجك، فرفعها فقضاها.
وجاء ذكر الوليد بن يزيد عند الخليفة العباسي المهدي، فقال المهدي إنه زنديق، فقام أبو علاثة
(4)
الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقًا، فأقر المهدي قوله وشكره
(5)
.
ويقول العسيري
(6)
عن الوليد بن يزيد: (وقد أشيع عنه انحرافات ومنكرات تبدو كالأساطير، حتى إن البعض تصوره زنديقًا، محتقرًا للقرآن، مهاجمًا تعاليم الإسلام، ولو صح ذلك لكانت فرصة لعمه هشام لعزله، ولكن
(1)
أيوب بن أبي نَيمية كيسان العنزي، أبو بكر، وهو الإمام الحافظ سيد العلماء، كان ثقة ثبت، يعد من صغار التابعين، ومن سادات أهل البصرة، توفي سنة 131 هـ وعمره 63 سنة. الذهبي: السير 6/ 15.
(2)
البلاذري: الأنساب 9/ 184.
(3)
الكامل 4/ 308.
(4)
لم أقف على ترجمته.
(5)
ابن الأثير: الكامل 4/ 308.
(6)
لم أقف على ترجمته.
ذلك لم يحصل كما أن أشياعه الذين دافعوا عنه قبل مقتله كانوا كثيرين، والثورات التي طالبت بالثأر له لم تهدأ حتى انتصر أتباعه بقيادة مروان بن محمد)
(1)
.
* آثار مقتله:
- إن يزيد بن الوليد الذي قام بالثورة على ابن عمه والذي أقر
بخطبته
(2)
التي ألقاها عند توليه الخلافة أنه لم يقم إلا لإنكار المنكر الذي ظهر على الوليد بن يزيد، وهو بنفسه لم يسلم من المنكرات العقائدية التي وصفه بها العلماء.
- ذكر أنه كان قدريًّا، حيث روي عن الشافعي أنه قال:(ولي يزيد بن الوليد الذي يقال له: الناقص، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه وقرب غيلان)
(3)
، قال ابن عساكر:(ولعله قرب أصحاب غيلان؛ لأن غيلان قتله هشام بن عبد الملك)
(4)
.
وروى الطبري بسنده: (أن يزيد بن الوليد مرض في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده، قال: فلم تزل القدرية يحثونه على البيعة، ويقولون له: إنه لا يحل لك أن تهمل أمر الأمة فبايع لأخيك، حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده)
(5)
.
(1)
موجز التاريخ الإسلامي 170.
(2)
ذكر خطبته خليفة بن خياط: 365.
(3)
ابن عساكر: تاريخ دمشق 74/ 124.
(4)
ابن عساكر: تاريخ دمشق 74/ 124.
(5)
التاريخ 7/ 295.
- أخرج أبو زرعة بسنده: (كان القاضي سليمان بن حبيب المحاربي
(1)
قاضي الخلفاء إلى أن جاء قتل الوليد بن يزيد)
(2)
، وهذا دليل على أن الشر وقع بعد مقتله.
وروي عنه أيضًا أنه كان صديقًا ليزيد بن الوليد، فلما ولي الخلافة قال: اللهم أنسه ذكري
(3)
.
- ذكر ابن جرير الطبري فقال: (وفي هذه السنة اضطرب حبل بني مروان، وهاجت الفتنة)
(4)
.
ثم ذكر جملة من الفتن منها، خروج سليمان بن هشام بعمان غاضبًا على يزيد بن الوليد، ووثوب أهل حمص مطالبين بدم الوليد بن يزيد
(5)
، وخلاف أهل الأردن وفلسطين
(6)
، وامتنع نصر بن سيار من تسليم عمله لعامل منصور بن جمهور، وهو ولي العراق من قبل يزيد بن الوليد
(7)
، وأظهر الخلاف مروان بن محمد، وكتب إلى الغمر بن يزيد يطالبه بالقيام بدم أخيه
(8)
، ووقوع الفتنة بين اليمانية والنزارية بخراسان، وهي بين الكرماني ونصر بن سيار
(9)
.
(1)
سليمان بن حبيب المحاربي، أبو أيوب، ويقال: أبو ثابت، الدمشقي الداراني، القاضي، وهو قاضي الخلفاء قضى بدمشق فيه عهد عمر بن عبد العزيز، وليزيد، وهشام، والوليد بن يزيد، وقد قضى لهم ثلاثين سنة، وثقه يحيى بن معين، توفي سنة ست وعشرين ومائة. المزي: تهذيب الكمال 11/ 382.
(2)
التاريخ 701.
(3)
الذهبي: السير 6/ 22.
(4)
التاريخ 7/ 262. يعني سنة ست وعشرين ومائة.
(5)
الطبري: التاريخ 7/ 262
(6)
المصدر السابق 7/ 266.
(7)
المصدر السابق 7/ 277.
(8)
الطبري التاريخ 7/ 281.
(9)
المصدر السابق 7/ 285.
ثالثًا: بنو أمية بعد الوليد بن يزيد
* بيعة يزيد بن الوليد ومقتل يوسف بن عمر:
[236]
- (وإن محمد بن خالد وجه منصور بن جمهور
(1)
في خيل إلى العراق، وأمره أن يقصد إلى مدينة واسط، فيأخذ الناس بالبيعة ليزيد بن الوليد، فإذا بايعوا دعا بيوسف بن عمر، فضرب عنقه.
فسار منصور بن جمهور، فبدأ بالكوفة وأخذهم بالبيعة ليزيد بن الوليد، فلما بايعوا سار منها إلى واسط، فاجتمع إليه الناس، فبايعوا ليزيد، فلما فرغ دعا بيوسف بن عمر، فقال له: أنت القاتل سيد العرب خالد بن عبد الله؟.
قال يوسف: كنت مأمورًا، وما لي في ذلك من ذنب، فهل لك أن تعفيني من القتل، وأعطيك ديتي عشرة آلاف درهم؟ فضحك منه، ثم حمله حتى أتى به محمد بن خالد
(2)
بالشام، فقال له محمد: أما زعمك أني كنت مأمورًا
فقد صدقت، وقد قتلت قاتل أبي، وإنما أقتلك بعبده غزوان، ثم قدمه،
فضرب عنقه)
(3)
.
(1)
منصور بن جمهور بن حصن بن عمرو الكلبي، كان أعرابيًّا جافيًا، ممن سعى في قتل الوليد بن يزيد، ولي العراقين ليزيد، كان قدريًّا غيلانيًّا، تولى العراقين ليزيد، ثم عزل فصار خارجيًّا، ذهب إلى السِّند بعد عزله، فأسس إمارة له هناك سماها المنصورة، فلما آلت الخلافة إلى بني العباس أرسل له أبو العباس جيشًا، فهزم ثم هام على وجه فمات عطشًا، سنة 134 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 60/ 313.
(2)
محمد بن خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري البجلي، غلب على الكوفة ودعا لبني العباس حينما ظهروا، ثم تولى المدينة في عهد المنصور، وذلك أيام خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، ثم عزله سنة 144 هـ، وولى مكانه رياح بن عثمان المري، وأمر بحبسه ومحاسبته. ابن عساكر: تاريخ دمشق 52/ 348.
(3)
الأخبار الطوال 349، 350.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(1)
مختصرًا، والطبري
(2)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر تولية يزيد بن الوليد العراق لمنصور بن جمهور، وقد كان منصور بن جمهور أعرابيًّا جافيًّا غيلانيًّا، ولم يكن من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية، وحمية لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد
(3)
.
وقد أنكر عليه ذلك، فقد روى الطبري: (دخل على يزيد بن الوليد يزيد بن حجرة الغساني
(4)
وكان دينًا فاضلًا ذا قدر في أهل الشام، قد قاتل الوليد ديانة - فقال: يا أمير المؤمنين، أوليت منصورًا العراق؟ قال: نعم؛ لبلائه وحسن معونته، قال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك في أعرابيته وجفائه في الدين. قال: فإذا لم أُوَّلِّ منصورًا في حسن معاونته فمن أولي؟! قال: تُولي رجلًا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود)
(5)
.
وكأن يزيد بن حجر استنكر تقريب يزيد بن الوليد منصور بن جمهور، مع ما فيه من الجفاء والجهل بالدين، فأنكر عليه ذلك وكأنه يقول: ألم تخرج على ابن عمك لإنكار المنكرات فكيف تولي رجلًا هذه حاله، ولكن يزيد رد عليه أن لمنصور حق علينا لبلائه في الخروج معنا على الوليد، فلا بد من مكافأته، ولعل هذا سبب اتهام يزيد بن الوليد بتقريب الغيلانية، وأن من قام معه في ثورته هذا ومن على نهجه.
(1)
الأنساب 9/ 193.
(2)
التاريخ 7/ 270.
(3)
الطبري: التاريخ 7/ 270.
(4)
لم أقف على ترجمته.
(5)
التاريخ 7/ 271.
أما خبر عزل ومحاسبة يوسف بن عمر واليًا العراق الذي حاسب خالد بن عبد الله وقتله، فقد وهم صاحب الكتاب في ذكر أن منصور بن جمهور هو الذي قبض عليه وأنه أسلمه إلى محمد بن خالد القسري.
والذي ورد من قصته أنه لما قدم العراق منصور بن جمهور واليًا عليها هرب يوسف بن عمر إلى البلقاء فبعث إليه يزيد بن خالد القسري
(1)
من يأتي به، فلما جيء به إلى الشام حبس، فلما مات يزيد بن الوليد وتولى إبراهيم بن الوليد أقبل مروان بن محمد إلى الشام، فأرسل يزيد بن خالد مولى خالد ويكنى أبا أسد في عدة من أصحابه، فدخل السجن وأخرج يوسف بن عمر وقتله
(2)
، وقيل: إن يزيد بن خالد هو من تولى ذلك
(3)
.
وهذا هو المشهور من قصة مقتل يوسف بن عمر.
ويذكر أن يوسف بن عمر أتى يزيد بن الوليد ووضع يده بيده، فحبسه لمحاسبته، فجاءت اليمانية مع يزيد بن خالد وطالبوا بثأر خالد فوثبوا بيوسف وقتلوه، وقتلوا معه أبناء الوليد، وذلك في خلافة يزيد بن الوليد
(4)
.
وهذا ما يؤكد انتشار ظاهرة محاسبة عُمَّال الولايات لمن قد سبقهم في العمل، وهو ما زاد الدولة الأموية بسببها تفرقًا ووهنًا.
(1)
يزيد بن خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري البجلي، حبسه الوليد بن يزيد فلما مات تخلص من حبسه، ثم كان مع يزيد بن الوليد، ويذكر أن مروان بن محمد فقع عينيه، قتله رجل من بني نمير بالغوطة سنة 127 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 65/ 168. الصفدي: الوفيات 28/ 20. ولعل السبب في انتقام مروان بن محمد منه؛ لأنه شارك في قتل أبناء الوليد مع يوسف بن عمر.
(2)
البلاذري: الأنساب 9/ 194. الطبري: التاريخ 7/ 274.
(3)
خليفة بن خياط: التاريخ 373.
(4)
البلاذري: الأنساب 9/ 194.
* وفاة يزيد بن الوليد:
[237]
- (فملك يزيد بن الوليد ستة أشهر، ثم مات)
(1)
.
ذكر ابن قتيبة
(2)
أن يزيد بن الوليد مات سنة ست وعشرين ومائة وخلافته خمسة أشهر.
وذكر الطبري
(3)
ذلك وزاد: وقيل ستة أشهر.
* خلافة إبراهيم بن الوليد:
[238]
- (وقام بالملك من بعده أخوه إبراهيم بن الوليد، فبايعه الناس بالشام، وجميع الآفاق، وجعل ولي العهد من بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان
(4)
، واستعمل على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة
(5)
، فسار ابن هبيرة حتى نزل المكان الذي إلى اليوم يسمى قصر ابن هبيرة وبنى فيه قصرًا، واتخذ ذلك المكان منزلا له ولجنوده)
(6)
.
(1)
الأخبار الطوال 350.
(2)
المعارف 367.
(3)
التاريخ 7/ 298.
(4)
عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان الأموي، كان وجيهًا عند يزيد بن الوليد، وقام معه ضد الوليد بن يزيد، وجعله يزيد ولي العهد بعد أخيه إبراهيم، كان يقول في القدر، وهو أخ لأبي العباس السفاح لأمه، قتله أهل دمشق بعد ثورة مروان بن محمد، ودخوله دمشق في حدود 130 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 15/ 132. الصفدي: الوفيات 18/ 287.
(5)
يزيد بن عميرة بن هبيرة الفزاري، أصله من الشام، كان بطلًا شجاعًا، خطيبًا بليغًا، ولي قنسرين، وقيل: حلب للوليد بن يزيد، ثم قام مع مروان لما غلب على دمشق، فجمع له ولاية العراق في سنة 128 هـ، استمر حتى قيام الدعوة العباسية، والتقى معهم ثم هزم، وقُتِل صبرًا بعد ما أُمِّن، وذلك أن أبو مسلم أغرى به السفاح سنة 132 هـ. ابن عساكر: تاريخ دمشق 65/ 324. الذهبي: السير 6/ 207.
(6)
الأخبار الطوال 350.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(1)
والبلاذري
(2)
والطبري
(3)
.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن بيعة إبراهيم بن الوليد كانت عامة، وأنها من جميع الآفاق، وقد انفرد بهذا وخالف غيره، فلم تكن بيعته عامة، ومما ورد في ذلك:
- ذكر خليفة بن خياط
(4)
: أن إبراهيم بويع له في الشام، ما خلا حمص، فإنهم لم يبايعوا له، ثم ذكر أن مروان بن محمد لم يبايع أصلًا ليزيد بن الوليد، وكان على أرمينية، ودعا إلى من يرضاه المسلمون للبيعة، ثم رضي وأراد أن يبايع فأرسل وفدًا إلى يزيد، ولما مات يزيد بن الوليد رد مروان ذلك الوفد، ثم خرج يريد إبراهيم في الشام.
- وأما الطبري
(5)
فذكر أن الأمر لم يتم له، فجمعة يسلم عليه بالخلافة، وجمعة يسلم عليه بالإمارة، وجمعة لا يسلم عليه لا بالإمارة ولا بالخلافة، حتى قدم مروان بن محمد فخلعه، ويذكر أنه استمر أربعة أشهر، وقيل: سبعين ليلة.
وفيما سبق من النصوص دليل على أن الأمر لم يتم لإبراهيم بن الوليد حتى في الشام فكيف بسائر الآفاق!!
أما عن ولاية العهد بعد إبراهيم:
فقد ورد عند البلاذري
(6)
والطبري
(7)
أن يزيد جعله ولي عهده ومن بعده
(1)
التاريخ 369.
(2)
الأنساب 9/ 189.
(3)
التاريخ 7/ 296.
(4)
التاريخ 369، 373
(5)
التاريخ 7/ 299.
(6)
الأنساب 9/ 189.
(7)
البلاذري: الأنساب 9/ 204. الطبري: التاريخ 7/ 295.
عبد العزيز بن الحجاج.
وقيل: إن يزيد لم يولِّ أحدًا بعده، فكتب مولاه قطن كتابًا على لسانه يولي فيه عهدًا لإبراهيم بالخلافة
(1)
، وأما ذكره أن إبراهيم ولّى العراق يزيد بن عمر ابن هبيرة، فقد وهم في ذلك؛ لأن ولايته كانت في خلافة مروان بن محمد
(2)
.
وأما عن ولاية العراق في عهد يزيد بن الوليد فقد كانت بيد عبد الله بن عمر بن عبد العزيز
(3)
، ولما توفي يزيد وقام إبراهيم بالأمر، قام بعض أهل العراق بثورة ضده، وبايعوا لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر
(4)
في سنة سبع وعشرين ومائة
(5)
.
* ثورة مروان بن محمد وخلع إبراهيم:
[239]
- (قالوا: وإن المضرية تلاومت فيما كان من غلبة اليمانية عليها، وقتلهم الخليفة الوليد بن يزيد، فدب بعضهم إلى بعض، واجتمعوا من أقطار الأرض وساروا حتى وافوا مدينة حمص، وبها مروان بن محمد بن مروان بن
(1)
البلاذري: أنساب 9/ 205.
(2)
كانت ولاية يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق في سنة ثمان وعشرين ومائة من قبل مروان بن محمد. خليفة بن خياط: التاريخ 382. الطبري: التاريخ 7/ 347
(3)
عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، من الطبقة الخامسة، ولي العراق ليزيد بن الوليد بعد يوسف بن عمر سنة ست وعشرين ومائة، ثم أخذه ابن هبيرة وبعثه إلى مروان بن محمد فحبسه بحران مع إبراهيم بن محمد، فقيل: إنه قتل غيلة، وقيل: مات في السجن من وباء وقع بحَرَّان. ابن عساكر: تاريخ دمشق 31/ 216.
(4)
عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب، خرج بالكوفة فبعث إليه مروان بن محمد جندًا فلحق بأصفهان وغلب عليها، واجتمع له قوم كثير، وذلك سنة إحدى وثلاثين ومائة، ثم أخذه أبو مسلم الخراساني فحبسه حتى مات. ابن سعد: الطبقات، القسم المتمم لتابعي المدينة تحقيق زياد منصور 263.
(5)
خليفة بن خياط: التاريخ 375. الطبري: التاريخ 7/ 302.
الحكم، وكان يومئذ شيخ بني أمية وكبيرهم، وكان ذا أدب كامل ورأي فاضل، فاستخرجوه من داره، وبايعوه، وقالوا له: أنت شيخ قومك وسيدهم، فاطلب بثأر ابن عمك الوليد بن يزيد.
فاستعد مروان بجنوده في تميم، وقيس، وكنانة، وسائر قبائل مضر، وسار نحو مدينة دمشق، وبلغ ذلك إبراهيم بن الوليد، فتحصن في قصره.
ودخل مروان بن محمد دمشق، فأخذ إبراهيم بن الوليد وولي عهده عبد العزيز بن الحجاج فقتلهما، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسرى
(1)
نحو العراق حتى أتى الكوفة، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي
(2)
، فاستخفى فيها، وعلى الكوفة يومئذ زياد بن صالح الحارثي
(3)
، عاملًا ليزيد بن عمر بن هبيرة)
(4)
.
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في هذا الخبر كيفية وصول مروان بن محمد إلى الحكم، وذلك بعد خلع إبراهيم ثم قتله، وقد جعل ذلك كله من قِبَل المضرية، ولم يكن لمروان بن محمد إلا بعض المشاركة في الحدث بعد أن جمعت له المضرية الجيوش وولوه أمرهم، وهذا الخبر مخالفًا لما ورد عن الطريقة التي وصل بها مروان بن محمد إلى الحكم.
(1)
سبق ترجمته.
(2)
لم أقف على ترجمة له.
(3)
زياد بن صالح الحارثي، أحد القادة الشجعان ولي الكوفة لبني أمية، ولما ظهر العباسيون خرج إلى الشام ثم إلى بلاد ما وراء النهر وجمع إليه أنصار الأمويين لمواجهة أبي مسلم، ولما جَدَّ أبو مسلم في طلبه تفرق جمعه وهرب إلى دهقان فقتله وبعث رأسه إلى أبي مسلم. الزركلي: الأعلام 3/ 54.
(4)
الأخبار الطوال 350، 351.
والذي ورد في ذلك أن مروان بن محمد لم يكن راضيًا عما فعله يزيد بالوليد في قتله الوليد بن يزيد وأخذ الحكم منه، ثم رضي بعدما أقره يزيد على عمل أبيه محمد، فبعث ببيعته مع وفد فلما مات يزيد بن الوليد ردهم من منبج
(1)
.
فلما ولي إبراهيم جمع مروان الجيوش وأقبل إلى دمشق، والتقى بجيش إبراهيم بقيادة سليمان بن هشام، بمكان يسمى عين الجر
(2)
، فهزمهم مروان، وقبل دخول مروان بن محمد دمشق، قتل أبناء الوليد وهما الحكم وعثمان من قبل يزيد بن خالد القسري ومن معه، ويذكر أن معهما يوسف بن عمر، ثم دخل مروان دمشق وبويع له بالخلافة، ثم إن إبراهيم طلب الأمان فأمنه
(3)
.
والسبب في قتل أبناء الوليد أن يزيد بن خالد ومن معه خافوا من مروان أن يولي أحدهما، فينتقما من قتلة أبيهما فقرر قتلهم
(4)
.
ومما سبق يفهم أن مروان بن محمد لم يقتل إبراهيم، وأنه أمَّنَه، وليس كما وهم صاحب الكتاب.
وكذلك عبد العزيز بن الحجاج لم يقتله مروان، بل يروى أن قتله كان قبل دخول مروان إلى دمشق، وأن من قتله هم موالي الوليد بن يزيد
(5)
، وقيل: أهل دمشق
(6)
، وقيل: إن أبا محمد السفياني
(7)
وضع عشرة آلاف درهم لمن
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 300.
(2)
عين الجر: عين تخرج من جبل في موضع معروف بين بعلبك ودمشق، وتعرف اليوم بعين جر. الحموي: معجم البلدان 4/ 177. محمد علي: الرحلة الشامية 59.
(3)
خليفة بن خياط: التاريخ 374، البلاذري: الأنساب 9/ 224، الطبري: التاريخ 7/ 311.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 302.
(5)
الطبري: التاريخ 7/ 311.
(6)
خليفة بن خياط: التاريخ 373.
(7)
زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب القرشي الأموي، من وجوه بني حرب، له دار بدمشق في ربض باب الجابية، وجههه الوليد بن يزيد حينما بلغه خروج يزيد بن الوليد، ثم أخذ وحبس بالخضراء إلى أن قدم مروان بن محمد فأطلقه، ثم حبسه بحران ثم أطلقه، وبعد ذلك خرج بقنسرين ودعا لنفسه فهزمه عبد الله بن على فهرب ولم يزل مستخفيًا حتى قتل بالمدينة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 19/ 153.
يأتي برأسه فثار الناس عليه فقتلوه
(1)
، والمشهور أن من قتله هم موالي الوليد، وهم من أهل دمشق، وسبب ذلك لأنه هو من قام بمهمة قتل الوليد بن يزيد، وهو من قاد الجيوش ضده وحاصره
(2)
.
والسبب الذي جعل مروان بن محمد يرشح نفسه للخلافة، ما روي عن الحكم بن الوليد
(3)
، وهو ولي عهد أبيه الوليد بن يزيد قد قال أبيات من الشعر يوصي بالخلافة من بعده لمروان بن محمد، والذي نقل هذا عنه لمروان أبو محمد السفياني، الذي كان محبوسًا معه، وأخوه في السجن، فلما دخل مروان دمشق بايعه أبو محمد بالخلافة، وأخبره بالأبيات التي فيها الوصية ومنها قوله:
ألا من مبلغ مروان عنِّي
…
وعمي الغمر طال بذا حنينا
بأني قد ظلمت وصار قومي
…
على قتل الوليد متابعينا
فإن أَهْلِك أنا وولي عهدي
…
فمروان أمير المؤمنينا
(4)
(1)
البلاذري: الأنساب 9/ 223.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 311، ابن الجوزي: المنتظم 7/ 259، ابن الأثير: الكامل 4/ 332. ابن كثير: البداية 10/ 25.
(3)
الحكم بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان القرشي الأموي، جعله أبوه الوليد وليًّا للعهد من بعده، واستعمله على دمشق، ومن بعده لأخيه عثمان بن الوليد، فلما قُتِل أبيهما حبسا، فلما قدم مروان بن محمد إلى دمشق خاف من اشترك في قتل الوليد والدهما أن يوليهما مروان ثم ينتقما ممن قتله، فبعث إليهما يزيد بن خالد القسري من يقتلهما في الحبس فقُتِلا، ويذكر أنهما جعلا الأمر لمروان بن محمد بعدهما. ابن عساكر: تاريخ دمشق 15/ 80.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 311.
رابعًا: ما حدث بين الكرماني ونصر بن سيار
* قيام العصبية القبلية في خراسان:
[240]
- (ثم إن العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانية.
وكان سبب ذلك، أن جديع بن علي المعروف بالكرماني كان سيدَ مَنْ بأرض خراسان من اليمانية، وكان نصر بن سيار متعصبًا على اليمانية، مبغضًا لهم، فكان لا يستعين بأحد منهم، وعادى أيضًا ربيعة لميلها إلى اليمانية، فعاتبه الكرماني في ذلك.
فقال له نصر: ما أنت وذاك؟ قال الكرماني: إنما أريد بذلك صلاح أمرك، فإني أخاف أن تفسد عليك سلطانك، وتحمل عليك عدوك هذا المطل، يعنى المسودة. قال له نصر: أنت شيخ قد خرفت. فأسمعه الكرماني كلامًا غليظًا، فغضب نصر، وأمر بالكرماني إلى الحبس، فحبس في القهندر، وهي القلعة العتيقة.
فغضب أحياء العرب للكرماني، فاعتزلوا نصر بن سيار، واجتمع إلى نصر المضرية، فطابقوه وشايعوه.
وكان للكرماني مولى من أبناء العجم، ذو دهاء وتجربة، وكان يخدمه في محبسه، وكان الكرماني رجلًا ضخمًا عظيم الجثة، عريض ما بين المنكبين، فقال له مولاه: أتوطن نفسك على الشدة والمخاطرة حتى أُخرجك من الحبس؟ قال له الكرماني: وكيف تخرجني؟ قال: إني قد عينت على ثقب ضيق، يخرج منه ماء المطر إلى الفارقين، فوطن نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب. قال الكرماني: لا بد من الصبر، فاعمل ما أردت.
فخرج مولاه إلى اليمانية، فواطأهم، ووطنهم في طريقه، فلما جن الليل،
ونام الأحراس أقبل مولاه من خارج السور، فوقف له على باب الثقب، وأقبل الكرماني حتى أدخل رأسه في الثقب، وبسط فيه يديه حتى نالت يداه كفي مولاه، فاجتذبه اجتذابة شديدة، سلخ بها بعض جلده، ثم اجتذبه ثانية حتى انتهى به إلى النصف، فإذا هو بحية في الثقب، فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مارمار أي حية قد عرضت، فقال مولاه: بكز بكز أي عضها، ثم اجتذبه الثالثة، فاخرجه، فقال لمولاه: أمهلني ساعة، حتى أفيق، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ.
فلما رجعت إلى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل، وأتى بدابة ركبها حتى انتهى إلى منزله، واجتمعت إليه الأزد، وسائر من بخراسان من اليمانية، وانحازت ربيعة معهم.
وبلغ نصر بن سيار الخبر، فدعا بصاحب الحبس فضرب عنقه، وظن أن ذلك كان بمواطأة منه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
بمثله مختصرًا، والطبري
(3)
مطولًا.
• نقد النص:
في سنة إحدى وعشرين ومائة تولى على خراسان جديع الكرماني، ثم عُزِلَ عنها ووليها نصر بن سيار، وذلك من قبل يوسف بن عمر في خلافة هشام بن عبد الملك
(4)
.
جاء عند الطبري أن ذلك وقع في سنة ست وعشرين ومائة، ثم إنه ذكر أسبابًا أخرى لما جرى بين الكرماني ونصر، ومن ذلك:
(1)
الأخبار الطوال 351، 352.
(2)
الأنساب 4/ 129.
(3)
التاريخ 7/ 285.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 154.
أن نصر بن سيار لما أتاه عهده على خراسان من قبل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، قام الكرماني في أصحابه وقال: الناس في فتنة فاختاروا لأنفسكم رجلًا. فقالوا: أنت لنا، وقالت المضرية لنصر: إن الكرماني يفسد عليك أمرك فأرسل إليه فاقتله، أو احبسه، فقرر حبسه، وكان ذلك بعد مقتل الوليد.
وقيل: أتى قوم إلى نصر وحذروه من الكرماني، وقالوا: إنه يدعو إلى فتنة، وأنه يطلب السلطان، وكان نصر والكرماني متصافين، وقد أحسن الكرماني إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما ولي نصر عَزَلَ الكرماني عن الرئاسة ثم ولاه يسيرًا ثم عزله، فتباعد ما بينهما، فحبسه نصر بعد أن ذكَّرَه بفضائله عليه، ثم هرب من سجنه، وخرج عليه
(1)
.
وهذا ما روي في خبر العصبية القبلية في خراسان، ويبدو أن صاحب الكتاب حصرها في أفعال نصر وتحزبه مع النزارية ضد اليمانية، وهذا مبالغة منه، ولعلها قامت لأسباب منها: أنها امتداد للفتنة التي قامت في الشام ضد الخليفة الوليد بن يزيد، والتي أدت إلى مقتله، فقد راج أمر الناس ووقعت الفتنة في الشام والعراق وخراسان، فتحزب العرب في خراسان لولائهم القبلي بدلًا من ولائهم لبني أمية، ومن ذلك الكرماني ومن معه من اليمانية، فالكرماني يمتلك قاعدة عريضة من الأتباع، ثم إنه يعتبر الرجل الأول في هذا الحي من العرب، أما المضرية فقد تحزبوا وهم يمثلون الجانب الأعلى؛ لأن ولاءهم أخذ الشرعية بسبب نصر وولايته، ثم إن التنافس الواضح بين الكرماني ونصر على خراسان، كان له الأثر الكبير في خروج الكرماني على نصر، وخصوصًا أن الكرماني قد جرب السلطة ثم عزل عنها وله أتباع يحثونه عليها.
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 287.
* آثار هذه الفتنة:
ذكر البلاذري
(1)
في بداية الخبر عن العصبية التي وقعت بخراسان أنها زادت من أمر أبي مسلم.
وقد أثّرت هذه الفتنة على وحدة الصف في خراسان، ففي أثناء هذا التقاتل بين العرب أصبح هناك فرصة سانحة لأتباع الدولة العباسية ودعاتها للبسط في الدعوة؛ بل إنها عجلت ظهورها.
* مراسلة نصر للكرماني بعد هروبه من السجن:
[241]
- (ثم قال لسلم بن أحوز المازني
(2)
، وكان على شرطه: انطلق إلى الكرماني، فأعلمه: أني لم أرد به مكروهًا، وإنما أردت تأديبه لما استقبلني به، ومره أن يصير إليَّ آمنًا؛ لأناظره في بعض الأمر.
فصار سَلْم إليه، فإذا هو بمحمد بن المثنى الربعي
(3)
جالسًا على الباب في سبعمائة رجل من ربيعة، فدخل عليه، فأبلغه الرسالة، فقال الكرماني: لا، ولا كرامة، ما له عندي إلا السيف.
فأبلغ ذلك نصرًا، فأرسل نصر بعصمة بن عبد الله الأزدي
(4)
، وكان من
(1)
الأنساب 4/ 129.
(2)
سَلْم بن أحوز المازني التميمي، هو صاحب شرطة نصر بن سيار، أرسله نصر إلى يحيى بن زيد بن علي بن الحسين فقتله، ويذكر أنه من قتل الجهم بن صفوان صاحب الجهمية بمرو، ثم قتل بعد بجرجان من قبل أبي مسلم الخراساني. البلاذري: الأنساب 13/ 43.
(3)
لم أقف على ترجمته.
(4)
عصمة بن عبد الله الأسدي، من أصحاب نصر بن سيار وقد يستخلفه إذا خرج، وهو مبعوثه أيضًا، فقد بعثه إلى الكرماني في مفاوضات الصلح بينهم، ثم بعثه إلى يوسف بن عمر، وكان من شعراء خراسان، قتل في أحد الحروب بين نصر والكرماني والذي قتله صالح بن القعقاع الأزدي. الطبري: التاريخ 7/ 209، 291، 336. المرزباني: معجم الشعراء 274.
خاصته، فقال له: انطلق إلى ابن عمك، فأمِّنْه، ومره أن يصير إليّ آمنًا؛ لأناظره في بعض ما قد دهمنا من هذا العدو. فقال الكرماني لعصمة حين أبلغه رسالة نصر: يا ابن الخبيثة، وما أنت وذاك؟ وقد ذكر لي عمك، أنك لغير أبيك الذي تنسب إليه، إنما تريد أن تتقرب إلى ابن الأقطع يعني نصرًا، أما لو كنت صحيح النسب لم تفارق قومك، وتميل إلى من لا رحم بينه وبينك. فانصرف عصمة إلى نصر، وأبلغه قوله)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
.
• نقد النص:
نجد أن في هذه الرواية خبر مراسلة نصر بن سيار للكرماني، وهو يحاول بذلك رده إلى الطاعة بعد أن خرج من حبسه، وقد انفرد صاحب الكتاب في ذكر أن الكرماني قدح بنسب رسول نصر وهو عصمة، وهذا لم يثبت، ثم إنه مخالف لما رواه الطبري أن عصمة قال للكرماني:(يا أبا علي، إني أخاف عليك عاقبة ما ابتدأت به في دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خصالًا، فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد بذلك إلا الإنذار إليك. فقال الكرماني لعصمة: إني أعلم أن نصرًا لم يقل هذا لك، ولكنك أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى منزلك، فيرسل من أحب غيرك فرجع عصمة)
(3)
.
ونجد في هذا الرواية ردًّا على ما قبلها وما جاء فيها أن نصرًا أبعد اليمانية، فقد أرسل رجلًا منهم وهو عصمة الأزدي وهو من خاصته، ولكن أيدي العبث تأبى إلا أن تغير من الحقائق.
(1)
الأخبار الطوال 352.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 291.
(3)
المصدر السابق 7/ 291.
* محاولة نصر بن سيار رد الكرماني إلى حلف جاهلي:
[242]
- (ثم إن الكرماني كتب إلى عمر بن إبراهيم
(1)
، من ولد أبرهة ابن الصباح
(2)
، ملك حمير، وكان آخر ملوكهم، وكان مستوطنًا الكوفة، يسأله أن يوجه إليه بنسخة حلف اليمن وربيعة، الذي كان بينهم في الجاهلية، ليحييه، ويجدده، وإنما أراد بذلك أن يستدعي ربيعة إلى مكانفته، فأرسل به إليه، فجمع الكرماني إليه أشراف اليمن وعظماء ربيعة، وقرأ عليهم نسخة الحلف.
وكانت النسخة:
بسم الله العلي الأعظم، الماجد المنعم، هذا ما احتلف عليه آل قحطان وربيعة الإخوان، احتلفوا على السواء السواء، والأواصر والإخاء، ما احتذى رجل حذا، وما راح راكب واغتدى، يحمله الصغار عن الكبار، والأشرار عن الأخيار. آخر الدهر والأبد، إلى انقضاء مدة الأمد، وانقراض الآباء والولد، حلف يوطأ ويثب، ما طلع نجم وغرب، خلطوا عليه دماءهم، عند ملك أرضاهم، خلطها بخمر وسقاهم، جز من نواصيهم أشعارهم، وقلم عن أناملهم أظفارهم، فجمع ذلك في صر، ودفنه تحت ماء غمر، في جوف قعر بحر آخر الدهر، لا سهو فيه ولا نسيان، ولا غدر ولا خذلان، بعقد مؤكد شديد، إلى آخر الدهر الأبيد، ما دعا صبي أباه، وما حلب عبد في إناه، تحمل عليه الحوامل، وتقبل عليه القوابل، ما حل بعد عام قابل، عليه المحيا والممات، حتى ييبس الفرات، وكتب في الشهر الأصم عند ملك أخي ذمم، تبع بن ملك
(1)
لم أقف على ترجمة له.
(2)
أبرهة بن الصباح الحميري، من ملوك اليمن في الجاهلية، ولي الحكم بعد حسان بن عمرو، واستمر حكمه ثلاث وسبعين سنة، وكان عالمًا جوادًا، وهو غير أبرهة الحبشي صاحب الفيل الذي ليس له صلة بالعرب. الزركلي: الأعلام 1/ 82.
يكرب، معدن الفضل والحسب، عليهم جميعًا كفل، وشهد الله الأجل، الذي ما شاء فعل، عقله من عقل، وجهله من جهل.
فلما قرئ عليهم هذا الكتاب تواقفوا
(1)
على أن ينصر بعضهم بعضًا، ويكون أمرهم واحدًا)
(2)
.
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذا الحلف.
• نقد النص:
لم أقف على أصل لهذا الحلف الذي ذكره صاحب الكتاب.
وقد جاءت ردود من بعض المعاصرين على هذا الكتاب ومنهم:
- ناصر الدين الأسد
(3)
؛ حيث قال: (وقد زعم أبو حنيفة الدينوري
(4)
أن عمر بن إبراهيم من ولد أبرهة بن الصباح ملك حمير أرسل إلى الكرماني نسخة حلف اليمن وربيعة، الذي كان بينهم في الجاهلية، ثم أورد نص هذا الحلف)
(5)
.
وقصده ما ذكر في هذا الكتاب المنسوب للدينوري.
- جواد علي
(6)
؛ حيث قال: (وهو كتاب يظهر أنه دُوِّنَ في الإسلام، وأن واضعه لم يكن له علم بأحوال اليمن في ذلك العهد)
(7)
.
(1)
التواقف في الحرب والمناظرة. الحميري: شمس العلوم 11/ 7264.
(2)
الأخبار الطوال 353، 354.
(3)
ناصر الدين الأسد، مفكر أردني ولد بمدينة العقبة في الأردن 1922 م، أسس الجامعة الأردنية، وهو أول وزير للتعليم العالي في الأردن، نال العديد من الجوائز في الأدب، توفي في الأردن عام 2015 م. المصدر:
…
weziwezi.com.
(4)
يقصد بذلك صاحب الكتاب وقد أثبت عدم نسبة إليه.
(5)
مصادر الشعر الجاهلي 66.
(6)
جواد علي، باحث مؤرخ لغوي، ولد بالكاظمية بالعراق 1325 هـ، وتلقى تعليمه بالعراق، ثم ألمانيا، وحصل على الدكتوراه في التاريخ العربي، له العديد من البحوث التاريخية والأدبية، توفي عام 1408 هـ. محمد خير: تكملة معجم المؤلفين 131.
(7)
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 7/ 383.
* المواجهات بين نصر والكرماني:
[243]
- (فأرسل الكرماني إلى نصر: إن كنت تريد المحاربة فأبرز إلى خارج المدينة. فنادى نصر في جنوده من مضر.
وخرج، فعسكر ناحية من الصحراء، وفعل الكرماني مثل ذلك. وخندق كل واحد منهما في عسكره، ويسمى ذلك المكان إلى اليوم الخندقين.
ووجه الكرماني محمد بن المثنى، وأبا الميلاء الربعيين، في ألف فارس، من ربيعة، وأمرهما أن يتقدما إلى عسكر نصر بن سيار.
فأقبلا، حتى إذا قاربا عسكره قال نصر لابنه تميم: اخرج إلى القوم في ألف فارس من قيس وتميم.
فانتخب ألف فارس، ثم خرج، فالتقوا، واقتتلوا، وحمل محمد بن المثنى الربعي على تميم بن نصر، فتضاربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئًا، لكمال لامتيهما، فلما رأى محمد بن المثنى ذلك حمل بنفسه على تميم، فعانقه، فسقطا جميعًا إلى الأرض، وصار محمد فوق تميم، فانحنى على حلقه بالسيف، فذبحه.
وقال نصر بن سيار يرثي ابنه تميمًا:
نفى عني العزاء وكنت جلدًا
…
غداة جلَى الفوارس عن تميم
(1)
وما قصرت يداه عن الأعادي
…
ولا أضحى بمنزله اللئيم
وفاء للخليفة وابتذالًا
…
لمهجته يدافع عن حريم
فمن يك سائلا عني فإني
…
أنا الشيخ الغضنفر ذو الكليم
(1)
ذكر البلاذري في الأنساب 4/ 134 نحوًا من هذا البيت، وذكر أن نصرًا قاله لما قتل ابنه في
العصبية.
نمتني من خزيمة باذخات
…
بواسق ينتمين إلى صميم
(1)
قالوا: فمكثوا بذلك عشرين شهرًا
(2)
، ينهض بعضهم إلى بعض كل يوم، فيقتتلون هويًا، ثم ينصرفون، وقد انتصف بعضهم من بعض.
وشغلهم ذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه حتى قوي أمره، واشتد ركنه، وعلا شأنه في جميع كور خراسان)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(4)
مختصرًا، والطبري
(5)
مطولًا.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر صاحب الكتاب بعض المواجهات التي تمت بين نصر بن سيار والكرماني، ثم ذكر مقتل ابن نصر في هذه المواجهة، وهذا وهم منه، فقد ذكر الطبري
(6)
أن هذه المعركة كانت سنة تسع وعشرين ومائة في السنة التي قتل فيها الكرماني.
وأما مقتل تميم بن نصر فهو في سنة ثلاثين ومائة في المواجهة بين نصر وأبي مسلم، فقد كان على جيش أبي مسلم قحطبة بن شبيب، وكان على جيش نصر ابنه تميم بن نصر، فقتل في تلك المواجهة
(7)
.
* محاولة الإصلاح:
[244]
- (فقال عقيل بن معقل الليثي لنصر بن سيار: إن هذه العصبية
(1)
ذكر في كتاب أخبار الدولة العباسية 326 أبيات عن نصر، وهي قريبة من هذه الأبيات.
(2)
ذكر خليفة بن خياط: التاريخ 389: أنهم استمروا في القتال سنة ونصف.
(3)
الأخبار الطوال 354، 355.
(4)
التاريخ 389.
(5)
التاريخ 7/ 368.
(6)
المصدر السابق 7/ 367.
(7)
المصدر السابق 7/ 389.
قد تمادت بيننا وبين هؤلاء القوم، وقد شغلتك عن جميع أعمالك، وضبط سلطانك، وقد أظلك هذا العدو الكلب، فأنشدك الله أن تشام نفسك وعشيرتك، قارب هذا الشيخ يعني الكرماني بعض المقاربة، فقد انتقض الأمر على الإمام مروان بن محمد.
فقال نصر: يا ابن عم، قد فهمت ما ذكرت، ولكن هذا الملاح قد ساعدته عشيرته، وظافرتهم على أمرهم ربيعة، فقد عَدَا من أجل ذلك طوره، فلا ينوي صلحًا، ولا ينيب إلى أمان، فانطلق يا ابن عم إن شئت، فسله ذلك، وأعطه عني ما أراد.
فمضى عقيل بن معقل حتى استأذن على الكرماني، فدخل فسلم.
ثم قال له: إنك شيخ العرب وسيدها بهذه الأرض، فابق عليها، قد تمادت هذه العصبية بيننا وبينكم، وقد قتل منا ومنكم ما لا يحصيه أحد، وقد أرسلني نصر إليك، وجعل لك حكم الصبي على أبويه، على أن ترجع إلى طاعته، لتتآزرا على إطفاء هذه النار المضطرمة في جميع كور خراسان، قبل أن يكاشفوا يعني المسودة.
قال الكرماني: قد فهمت ما ذكرت، وكنت كارهًا لهذا الأمر، فأبى ابن عمك -يعني نصرًا- إلا البذخ والتطاول حتى حبسني في سجنه، وبعثني على نفسه وقومه.
قال له عقيل: فما الذي عندك في إطفاء هذه النائرة
(1)
، وحقن هذه الدماء؟.
قال الكرماني: عندي من ذلك أن نعتزل أنا وهو الأمر، ونولي جميعًا أمرنا
(1)
النائرة: مصدرها من نار ينور نر، فهو نائر، ونارت النار أضاءت. د. أحمد مختار: معجم اللغة 3/ 2302.
رجلًا من ربيعة، فيقوم بالتدبير، ونساعده جميعًا، ونتشمر لطلب هؤلاء المسودة قبل أن يجتمعوا، فلا نقوى بهم، ولو أجلب عليهم معنا جميع العرب.
قال عقيل: إن هذا ما لا يرضى به الإمام مروان بن محمد، ولكن الأمير نصرًا يجعل الأمر لك، تُولِّي مَنْ شئت، وتَعْزِل مَنْ شئت، وتدبر في هؤلاء المسودة ما شئت، ويتزوج إليك، وتتزوج إليه.
قال الكرماني: كيف يتزوج إليَّ، وليس لي بكفء؟
قال عقيل: أتقول هذا لرجل له بيت كنانة؟
قال الكرماني: لو كان من مصاص كنانة ما فعلت، فكيف وهو ملصق فيهم؟ فأما قولك: إنه يجعل الأمر إلي، أُولِّي، وأعْزِلُ مَنْ أريد، فلا، ولا كرامة، أن أكون تبعًا له، أو أكاره على السلطان. فانصرف عقيل إلى نصر، فقال: إنك كنت بهذا الملاح أبصر مني، ثم أخبره بما دار بينهما كله)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
.
• نقد النص:
نجد في هذا الخبر أن صاحب الكتاب أطلق لقب الإمام على مروان بن محمد، ولم يذكر هذا اللقب من قبل لا لمروان ولا لغيره من خلفاء بني أمية، ويبدو أنه أخطأ في ذلك وظن أنه يتحدث عن أحد أئمة بني العباس.
ثم إنه أورد زيادة في هذا الخبر لم تأتِ عند الطبري وهي الجزء الأخير من النص والمتمثل بقدح الكرماني بنسب نصر، والذي ورد عند الطبري أن
(1)
الأخبار الطوال 355، 356، 357.
(2)
التاريخ 7/ 292.
الكرماني قال (لا آمنه على حال)
(1)
.
والظاهر أن هذه الزيادة محدثة في الخبر من قبل صاحب الكتاب، وإلا فأصل نصر بن سيار ونسبه ليس فيه مقدح، وقد تكرر منه هذا القدح كما في قصة عصمة الأزدي الذي أرسله نصر إلى الكرماني كما مر بنا، ثم إن عقيل بن معقل هذا ابن عم لنصر فكيف يقدح في نسب ابن عمه أمامه؟
ولعل السبب الذي دعا صاحب الكتاب لذكر نصر وتهميش نسبه والحط من قدره، أن نصرًا يوالي بني أمية وهو ممثلهم في خراسان، وقد وقف ضد الدعوة العباسية موقفًا صارمًا لولا خروج الكرماني عليه، والذي تسبب في ضعف موقفه، فلا يستبعد أن ذلك مدفوعًا من تشيعه وبغضه لبني أمية وولاتهم، ثم إنه يغلب جانب الحق مع الكرماني؛ لأنه يمثل المعارضة في خراسان، ولم يكن ذلك ولاءً بل لاتفاقه معه في معارضة بني أمية.
* * *
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 292.
خامسًا: أخبار متفرقة:
* إنذار نصر للخليفة مروان بن محمد:
[245]
- (فكتب نصر بن سيار، إلى الإمام مروان بن محمد، يخبره بخروج الكرماني عليه، ومحاربته إياه، واشتغاله بذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه، حتى قد عظم أمرهم، وإن المحصى المقلل لهم يزعم، أنه قد بايعه مئتا ألف رجل، من أقطار خراسان، فتدارك يا أمير المؤمنين أمرك، وابعث إليّ بجنود من قبلك يقوى بهم ركني، وأستعين بهم على محاربة من خالفني.
ثم كتب في أسفل كتابه:
أرى تحت الرماد وميض جمر
…
ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى
…
وإن الشر مبدؤه كلام
وقلت من التعجب، ليت شعري
…
أأيقاظ أمية أم نيام؟
فإن يقظت، فذاك بقاء ملك
…
وإن رقدت، فإني لا ألام
فإن يك أصبحوا، وثووا نيامًا
…
فقل قوموا، فقد حان القيام
فلما وصل كتابه إلى مروان كتب إلى معاوية بن الوليد بن عبد الملك، وكان عامله على دمشق، ومروان حينئذ بمدينة حمص، يأمره أن يكتب إلى عامله بالبلقاء، أن يسير إلى الحميمة، فيأخذ إبراهيم بن محمد بن علي، فيشده وثاقًا، ويرسل به إليه.
فأتى إبراهيم، وهو جالس في مسجده، فلف رأسه، وحمل إلى مروان، وأتبعه من أهل بيته عبد الله بن علي، وعيسى بن موسى بن علي، ونفر من مواليه.
فلما دخل على مروان قال له: ما هذه الجموع التي خرجت بخراسان تطلب لك الخلافة؟ قال له إبراهيم: ما لي بشيء من ذلك علم، فإن كنت إنما تريد التجني علينا فدونك وما تريد، ثم بسط لسانه على مروان، فأمر به، فحبس)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(2)
مختصرًا، والبلاذري
(3)
، والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
هذه الرسالة من نصر بن سيار إلى مروان كانت بعد أن ظهرت الدعوة العباسية في خراسان وكثر أتباعها في سنة تسع وعشرين ومائة
(5)
.
وكان رد الخليفة مروان على نصر: (فكتب إليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم ألّا نصر عنده)
(6)
.
ورد مروان على نصر بهذه العبارة (الثؤلول)، وهي تعني الخراج، الذي يكون في الجسد، ليوحي أن مروان احتقر أمر الدعوة العباسية، ولم يرعها تلك الأهمية، وما علم أن نهاية ملكه عليها.
وفي هذا الخبر نجد أن مروان بن محمد أمر بالقبض على إبراهيم بن محمد، وقد قرن صاحب الكتاب هذا الخبر بهذه الأبيات مما جعلها سببًا في
(1)
الأخبار الطوال 357، 358.
(2)
التاريخ 369.
(3)
الأنساب 9/ 313.
(4)
التاريخ 7/ 369.
(5)
الطبري: التاريخ 7/ 369.
(6)
المصدر السابق 7/ 369.
ذلك، وقد اختُلِف في سبب القبض على إبراهيم بن محمد، ومما يروى في ذلك ما يلي:
- ذكر البلاذري
(1)
أن نصرًا دسَّ رجلًا استأمنه إلى أبي مسلم، وأظهر الدخول معه، فعرف أن الذي يدعون إليه ويكاتبونه يدعى إبراهيم بن محمد، فكتب إلى مروان بذلك.
- أما الطبري
(2)
فقد ذكر في سبب القبض على إبراهيم هو أن مروانًا عثر على رسول بين إبراهيم وأبي مسلم، فأمر مروان بالقبض على إبراهيم، فأخذ وكتف دون ذكر أن رأسه لُف.
- وذكر ابن كثير
(3)
سببًا آخر في سبب القبض عليه ورجحه، وهو أن إبراهيم حج في سنة إحدى وثلاثين فاشتهر أمره؛ لأنه وقف في أبهة عظيمة، ونجائب كثيرة، فانتهى أمره إلى مروان، وقيل له: إن أبا مسلم يدعو الناس إلى هذا ويسمونه خليفة.
وما يزيد في ترجيحه أننا نجد أن وصول خبر إبراهيم وسجنه مواكبًا لقيام الدعوة؛ لأن الطبري
(4)
ذكر سجنه في سنة تسع وعشرين ومائة، وهي السنة التي ظهرت فيها الدعوة العباسية في خراسان.
* موت إبراهيم في سجن مروان:
[246]
- (قال الهيثم
(5)
: فأخبرني أبو عبيدة
(6)
، قال: كنت آَتِي إبراهيم
(1)
الأنساب 4/ 121.
(2)
التاريخ 7/ 370.
(3)
البداية والنهاية 10/ 43.
(4)
التاريخ 7/ 353.
(5)
الهيثم بن عدي، ضعيف سبقت ترجمته.
(6)
لعله معمر بن المثنى، وهو ضعيف، وقد سبق ترجمته، ولم أقف على سند يجمع بينهما.
في محبسه، ومعه فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأسلم عليه، وأظل عامة نهاري عنده، وربما جنى الليل عنده، فأبيت معه، فبينا أنا ذات ليلة عنده، وقد بت معه في الحبس، فأنا نائم في سقيفة فيه، إذ أقبل، مولى لمروان، فاستفتح الباب، ففتح له، فدخل ومعه نحو من عشرين رجلًا من موالي مروان، فلبثوا ساعة، ثم خرجوا، ولم أسمع لأحد صوتًا، فلما أصبحت دخلت البيت لأسلم عليهما، فإذا هما قتيلان، فظننت أنهما خنقًا)
(1)
.
ذكر البلاذري
(2)
نحوًا منها.
• نقد النص:
هذه الرواية باطلة من جهة سندها، فهي من طريق الهيثم بن عدي، وأبي عبيدة وكلاهما ضعيفان.
وأما ما ورد في موت إبراهيم بن محمد فقد ورد في ذلك روايات عدة، وكلها تدور حول أن مروان قتله أو دس إليه من يقتله في السجن ومن ذلك:
- ذكر البلاذري
(3)
روايات وهي: أن إبراهيم ومن معه ديست بطونهما، ويقال: غُما، ويقال: سُما، ويقال: عصر ما تحت سراويلهما حتى ماتا.
- وذكر الطبري
(4)
روايتين الأولى: أن مروان بن محمد هدم على إبراهيم بيتًا فمات، والأخرى: أنه سُمَّ في لبن داخل السجن فمات منه.
وهذا الاختلاف نابع من الغموض الذي يدور حول الكيفية التي مات بها، فكلٌّ يدلي بدلوه، ولعل السبب الذي جعل مروان لا يقتله، بل فضل سجنه
(1)
الأخبار الطوال 358.
(2)
الأنساب 4/ 121.
(3)
المصدر السابق 4/ 122.
(4)
التاريخ 7/ 436.
أنه خاف من ردة الفعل التي قد يستجلبها قتله؛ فلذلك أرجح موته في السجن
(1)
بسبب المرض، ومما يؤيد ذلك ما ذكر الطبري فقال: (إن أهل السير اختلفوا
في أمر إبراهيم بن محمد، فقال بعضهم: لم يقتل لكنه مات في سجن مروان بن محمد بالطاعون)
(2)
، ثم روى بسنده عن مخلد بن محمد
(3)
فقال: (فهلك في سجن حران منهم في وباء وقع بحران العباس بن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر)
(4)
، وكانت وفاته في سنة اثنتين وثلاثين ومائة
(5)
.
* رحيل أئمة الدعوة العباسية إلى العراق:
[247]
- (ولما قُتِلَ إبراهيم بن محمد خاف أخواه: أبو جعفر، وأبو العباس على أنفسهما، فخرجا من الحميمة هاربين إلى العراق، ومعهما عبد الله، وإسماعيل، وعيسى، وداود بنو علي بن عبد الله بن عباس، حتى قدموا الكوفة، ونزلوا على أبي سلمة الداعي، الذي كان داعية أبيهما، محمد بن علي بأرض العراق.
فأنزلهم جميعًا دار الوليد بن سعد
(6)
، التي في بني أود، وألزمهم مساورا
(1)
ذكر ابن عساكر 7/ 204 رواية عن ابن سعد صاحب الطبقات: أن إبراهيم مات في السجن سنة إحدى وثلاثين ومائة، ولم يذكر سببًا لذلك، وهذا يدل على أنه لم يقتل، وهذه الرواية ذكر محقق تاريخ دمشق أنها لا توجد في المطبوع من كتاب الطبقات.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 435.
(3)
مخلد بن محمد بن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، كان في عسكر مروان بن محمد وشهد دخوله دمشق وبيعته بها بالخلافة، حكى عنه عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد. ابن عساكر: تاريخ دمشق 57/ 165.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 436.
(5)
الطبري: التاريخ 7/ 435.
(6)
الوليد بن سعد مولى بني هاشم، له منزل بالكوفة نزله أبو العباس عبد الله بن محمد بعد مجيئه إلى الكوفة، وبه بويع بالخلافة، يوم الجمعة في ربيع الأول سنة 132 هـ. خليفة بن خياط: التاريخ 401. الطبري: التاريخ 7/ 423.
القصاب، ويقطينا الأبزاري، وكانا من كبار الشيعة، وقد كانا لقيا محمد بن علي في حياته، فأمرهما أن يعينا أبا سلمة على أمره.
وكان أبو سلمة خلالًا، فكان إذا أمسوا أقبل مساور بشقة لحم، وأقبل أبو سلمة بِخَلٍ، وأقبل يقطين بالأبزار، فيطبخون، ويأكلون.
وفي ذلك يقول أبو جعفر:
لحم مساور، وخل أبي سلمة
…
وأبزار يقطين، وطابت المرقة
(1)
فلم يزل أبو العباس، وأبو جعفر مستخفين بالكوفة إلى أن قدم قحطبة بن شبيب العراق.
قالوا: وبلغ أبا مسلم قتل الإمام إبراهيم بن محمد، وهرب أبي العباس، وأبي جعفر من الشام، واستخفاءهما بالكوفة عند أبي سلمة.
فسار من خراسان حتى قدم الكوفة، ودخل عليهما، فعزاهما بأخيهما، إبراهيم الإمام.
ثم قال لأبي العباس: مد يدك أبايعك، فمد يده، فبايعه، ثم سار إلى مكة، ثم انصرف إليهما، فتقدم إليه أبو العباس، ألا يدع بخراسان عربيًّا لا يدخل في أمره إلا ضرب عنقه.
ثم انصرف أبو مسلم إلى خراسان، فجعل يدورها، كورة كورة، ورستاقًا رستاقًا، فيواعدهم اليوم الذي يظهرون فيه، ويأمرهم بتهيئة السلاح والدواب
(1)
لم أقف على من ذكر أن هذا البيت لأبي جعفر.
لمن قدر)
(1)
.
ذكر البلاذري
(2)
نحوًا منها مختصرًا.
• نقد النص:
جاء في هذا الخبر أن إخوة إبراهيم بن محمد خرجوا إلى الكوفة خوفًا على أنفسهم من مروان بن محمد، وهذا السبب ليس له مبرر؛ لأن مروان ليس له أن يأخذهما من غير ذنب، وقد ورد ما يخالف هذا السبب.
فقد روى الطبري
(3)
أن إبراهيم بن محمد لما أخذه مروان نعى نفسه لأهله، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة، وأوصى بالأمر من بعده إلى أبي العباس، فلما قدموا الكوفة أنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، وأخفى أمرهم، وكان من أمر أبي سلمة أنه أراد تحويل الأمر إلى آل أبي طالب، فمنعه أبو الجهم ومن معه الذين بايعوا أبا العباس بالخلافة، فدخل في أمرهم أبو سلمة وبايع.
فلذلك نجد أن رواية الطبري أقرب لمجريات الأحداث فلم تعد الحميمة مكانًا آمنًا للدعوة، بعد القبض على قائد الدعوة فيها وصار من الحكمة تغيير الموقع، ثم إن دور أبي سلمة وأبي العباس ليس التلذذ بالطعام في هذا الوقت كما ذكر صاحب الكتاب.
وفي هذا الخبر صَوَّرَ صاحب الكتاب أبا العباس ومن معه من رجال الدعوة بالغفلة عن أمرهم حتى أقبل أبو مسلم وتدارك الأمر بمبايعة أبي العباس، ولم أقف على من ذكر قدوم أبي مسلم في هذا الوقت إلى العراق غيره.
(1)
الأخبار الطوال 358، 359.
(2)
الأنساب 4/ 122.
(3)
التاريخ 7/ 424.
وقد ورد ما يخالفه فقد ذكر الطبري في الرواية السابقة؛ أن الذي بايعه أبو الجهم ومن معه، وليس أبو مسلم ولم يكن أبو مسلم متفرغًا في ذلك الوقت للعزى أو غيره، فهو منهمك بقيادة الجيوش ومحاربة المخالفين للدعوة.
ثم إن قوله إن أبا العباس أمر أبا مسلم ألا يدع بخراسان عربيًّا لا يدخل في أمره إلا ضرب عنقه، فهذا القول يروى عن إبراهيم بن محمد وهو المشهور
(1)
، فقد ذكر الطبري
(2)
أن مروان بن محمد عندما أتاه رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم، كان قد عاد من عند إبراهيم، وفيه أن إبراهيم أمر أبا مسلم ألا يدع بخراسان عربيًّا إلا قتله، وقد ذكرت ذلك في أسباب القبض على إبراهيم ثم رجحت غيره.
وذكر البلاذري
(3)
أن مروان بن محمد كتب بهذا القول إلى نصر بن سيار، وهذا مردود؛ لأنهم جنده فكيف يأمره بقتل جنده، وقد شذ البلاذري في ذلك، وهذه المقولة لا تصح عن إبراهيم بن محمد، لما يعرف عنه من تدينه، فكيف يأمر بقتل قومه وبدون ذنب؛ لأنها على إطلاقها تشمل العموم.
ثم إن المنفذ ذلك وبدون أمر من أحد هو أبو مسلم الخراساني، ونجد أن صاحب الكتاب ينسب قتل العرب إلى أبي العباس، وقد حكى العلماء عن أبي مسلم أنه هو صاحب جرائم الإبادة بحق العرب في خراسان، وجعل عذره في ذلك الدعوة العباسية، وقد اجتمع فيه سفك الدماء وسوء العقيدة.
ومن أقوال العلماء فيه:
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 370، ابن مسكوية: تجارب الأمم 3/ 279، ابن الجوزي: المنتظم 7/ 272، ابن الأثير: الكامل 4/ 366.
(2)
التاريخ 7/ 370.
(3)
الأنساب 9/ 314.
قال الذهبي عنه: (كان أبو مسلمٍ سفّاكًا للدّماء يزيد على الحجّاج في ذلك، وهو أوّل من سنّ للدّولة لبس السّواد)
(1)
.
وقال عنه: (كان أبو مسلمٍ بلاءً عظيمًا على عرب خراسان، فإنّه أبادهم بحدّ السّيف)
(2)
.
وذكر ابن خلكان أنه قتل في دولته أكثر من ستمائة ألف صبرًا
(3)
.
وقد ذكر الشهرستاني عن سوء مذهبه فقال: (وكان أبو مسلم صاحب الدولة على مذهب الكيسانية في الأول، واقتبس من دعاتهم العلوم التي اختصوا بها)
(4)
.
[248]
- (قالوا: ولما أعيت نصر بن سيار الحيل في أمر الكرماني، وخاف أزوف
(5)
أبي مسلم كتب إلى مروان:
يا أيها الملك الواني بنصرته
…
قد آن للأمر أن يأتيك من كثب
أضحت خراسان، قد باضت صقورتها
…
وفرخت في نواحيها بلا رهب
فإن يطرن، ولم يحتل لهن بها
…
يلهبن نيران حرب أيما لهب
فلما وصلت هذه الأبيات إلى مروان كتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة عامله على العراقين، يأمره أن ينتخب من جنوده اثني عشر
(6)
رجلًا، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفة والبصرة، ويولي عليهم رجلًا حازمًا، يرضى
(1)
الذهبي: السير 6/ 51.
(2)
المصدر السابق 6/ 53.
(3)
وفيات الأعيان 3/ 148.
(4)
الملل والنحل 1/ 154.
(5)
أزوف: من مادة (أزف) ومعناه: دنا واقترب. الزبيدي: تاج العروس 23/ 12.
(6)
هنا سقط كلمة (ألف).
عقله وإقدامه، ويوجه بهم إلى نصر بن سيار.
فكتب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان: إن من معه من الجنود لا يفون باثني عشر ألفًا، ويعلمه أن فرض الشام أفضل من فرض العراق؛ لأن عرب العراق ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية، وفي قلوبهم إحن.
ولما أبطأ عن نصر الغوث أعاد إلى مروان:
من مبلغ عني الإمام الذي
…
قام بأمر بين ساطع
إني نذير لك من دولة
…
قام بها ذو رحم قاطع
(1)
والثوب إن أنهج فيه البلى
…
أعيا على ذي الحيلة الصانع
كنا نداريها، فقد مزقت
…
واتسع الخرق على الراقع
(2)
فلم يجد عند مروان شيئًا)
(3)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(4)
والطبري
(5)
مختصرًا.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب في الرواية أن نصرًا كتب إلى مروان يستنجده، وقد تكرر ذلك منه في الرواية رقم (245) وهذا وهم منه، فالأبيات الأولى في هذه الرواية قد انفرد صاحب الكتاب في البيت الأول منها، وقد جاء عند البلاذري
(6)
(1)
لم أقف على من ذكر أن هذين البيتين لنصر بن سيار.
(2)
وهذين البيتين الأخيرين ذكرهما ابن عساكر في تاريخ دمشق 23/ 123، أنهما لشاعر اسمه شقران السلاماني.
(3)
الأخبار الطوال 359، 360.
(4)
الأنساب 9/ 314.
(5)
التاريخ 7/ 369.
(6)
الأنساب 9/ 314.
والطبري
(1)
نحوًا من البيتين الأخيرين في أبيات بعثها نصر إلى يزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق، يستنجده بها، وتبين ذلك من مطلع القصيدة الذي لم يذكره صاحب الكتاب، وهو:
أبلغ يزيدًا وخير القول أصدقه
…
وقد تبينت أن لا خير في الكذب
وقد كان رده مخالف - أيضًا - لما ذكر صاحب الكتاب وهو أن يزيد بن عمر رد بقوله: (لا غلبة إلا بكثرة، وليس عندي رجل)
(2)
.
وأما الأبيات الأخيرة فقد ذكرها البلاذري
(3)
ونسبها إلى يزيد بن عمر بن هبيرة حينما ضاع أمره وسيطر العباسيون على العراق.
ثم أتى صاحب الكتاب على العطاء وذكر أن بني أمية يفضلون أهل الشام في العطاء على أهل العراق؛ وذلك لأن أهل العراق ليس لهم نصيحة للخلفاء، وكل هذا لم أجد من يتابعه عليه، وليس له أصل ورد يزيد بن عمر على نصر محفوظ كما سبق.
وهذا من خلطه في سياقه للأحداث وحجم تزويره والزيادات التي تحصل من قبله حتى أدى به ذلك إلى الإتيان بأبيات موضوعة، وهو بعد هذه الأحداث لم يذكر ظهور الدعوة كما سيأتي، مع أن غيره ذكرها قبل هذه الأحداث.
* * *
(1)
التاريخ 7/ 369.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 370، وأما عند البلاذري: الأنساب 9/ 314، فإن يزيد اعتذر بقوله:(لا تكثرن فما عندي رجل واحد).
(3)
الأنساب 4/ 146.
سادسًا: انتصار الدعوة العباسية ومقتل مروان بن محمد:
[249]
- (وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبيه، فخرجوا جميعًا في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه، وقد سودوا ثيابهم، تسليًا على إبراهيم بن محمد بن علي بن عباس الذي قتله مروان، فكان أول من ورد عليه من القواد، وقد لبس السواد، أسيد بن عبد الله، ومقاتل بن حكيم، ومحقن بن غزوان، والحريش مولى خزاعة، وتنادوا: محمد، يا منصور، يعنون محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أول من قام بالأمر، وبث دعاته في الآفاق)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: الطبري
(2)
مطولًا.
• نقد النص:
نرى صاحب الكتاب في هذا الخبر يعلن قيام الدعوة العباسية، وقد سبق أن أشرنا إلى زمن قيامها، وأنها قبل هذه الأحداث، ثم إنه ينسب الأمر بقيامها لأبي مسلم، ويذكر أنها بعد وفاة الإمام إبراهيم، وأن التسويد كان حزنًا على وفاة إبراهيم، وقد أخطأ في هذا كله، وخالف غيره.
فالذي أمر بإظهار الدعوة هو إبراهيم بن محمد، فقد ذكر ذلك الطبري في أحداث سنة تسع وعشرين ومائة فقال: (وفي هذه السنة
(3)
أمر إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أبا مسلم، وقد شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد)
(4)
.
(1)
الأخبار الطوال 360، 361.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 353.
(3)
أي في سنة تسع وعشرين ومائة. وذكر خليفة بن خياط في التاريخ 387 أنه في هذه السنة أيضًا.
(4)
التاريخ 7/ 353.
ويتضح في هذه الرواية أن الذي أذن بإظهار الدعوة هو إبراهيم بن محمد، وذلك قبل سجنه من قبل مروان، وأن السواد كان علامة الظهور فقط، وقد سبق لصاحب الكتاب أن ذكر السواد عند موت محمد بن علي، ولعله يريد أن يجعل السواد للحزن، وهذا هو ما يذهب إليه الشيعة، وقد سبق الحديث عن السواد وسببه.
وأمر إظهار الدعوة في غاية الخطورة، ولا يمكن لأبي مسلم أن يفعله دون أن يكون أمرًا من صاحب الدعوة إبراهيم بن محمد، وهو الذي ولّاه، والذي يظهر أن صاحب الكتاب يريد أن يجعل الأمر كله لأبي مسلم.
* دخول الناس في الدعوة:
[250]
- (وانجفل الناس على أبي مسلم من هراة، وبوشنج، ومرو الروذ، والطالقان، ومرو، ونسا، وأبيورد، وطوس، ونيسابور، وسرخس
(1)
، وبلخ، والصغانيان، والطخارستان، وختلان، وكش، ونسف، فتوافوا جميعًا مسودي الثياب، وقد سودوا أيضًا أنصاف الخشب التي كانت معهم، وسموها كافر كوبات)
(2)
.
ذكر الطبري
(3)
نحوًا منها مطولًا.
• نقد النص:
ذكر في هذا لرواية أنهم سودوا أنصاف الخشب ولعله وصف للرايات التي يحملونا، وقد سموها (كفر كوبات)، وهي في الأصل (كافر كوباد) وتعني
(1)
سرخس: مدينة بين نسابور ومرو. الحميري: الروض المعطار 316.
(2)
الأخبار الطوال 261.
(3)
التاريخ 7/ 356.
مضرب الكفار
(1)
، فهذه الكلمة ظاهرها أنها فارسية غير عربية، وهو يشير إلى أن أغلب المشاركين في جيش الدعوة من غير العرب، وأنها تضرب كل كافر.
وقد انفرد في ذلك صاحب الكتاب، وقد جاء عند الطبري وصف للراية: (اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يدعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعًا، وعقد الراية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاث عشرة ذراعًا، وهو يتلو:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}
(2)
(3)
.
[251]
- (وأقبلوا فرسانًا، وحمارة، ورجالة، يسوقون حميرهم ويزجرونها، هر مروان، يسمونها مروان، ترغيمًا لمروان بن محمد، وكانوا زهاء مئة ألف رجل
(4)
(5)
.
ذكر نحوًا منها: الرازي
(6)
.
• نقد النص:
في هذا الرواية ذكر مروان وأن الجند يسوقون الحمير باسم مروان،
ولعل هذا يكون سببًا من أسباب تلقيب مروان الحمار، وأن هذا اللقب خرج من قبل أصحاب الدعوة والهدف منه احتقار مروان، والحط من قدره عند الجند.
ومما يؤيد هذا ما ذكره السمعاني فقال: (وجماعة نسبوا إلى رأي
(1)
الأخبار الطوال، تحقيق عمر فاروق الطباع 331.
(2)
سورة الحج آية 39.
(3)
الطبري: التاريخ 7/ 356.
(4)
ذكر خليفة بن خياط: التاريخ 390 أنهم عشرة آلاف.
(5)
الأخبار الطوال 261.
(6)
نثر الدر في المحاضرات 3/ 52.
الجعد بن درهم
(1)
مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد فلما جاءت الخراسانية نسبوه إليه شنعة عليه كما قالوا له: مروان الحمار، وهو مشهور بمروان الفرس)
(2)
.
وقد رويت أسباب أخرى لتسميته مروان بالحمار، منها: أنهم كانوا يسمونه بالحمار لقولهم فلان أصبر من حمار في الحروب؛ لأنه لا يخف له لبد في محاربة الخارجين عليه، وقيل: إنه سمي بالحمار؛ لأن العرب تسمي كل رأس سنة حمارًا، ولما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار
(3)
.
وكل هذه التأويلات ليس لها مسوغ، فقد وجد من هو أصبر منه على الحروب ولم يلقب بذلك، ومضت سنون وجاء على رأسها حكام من العرب لم يلقب أحد منهم بذلك.
وهنا وقفة وتساؤل؟ هل يصح تلقيب مروان بالحمار؟ وهل له علاقة بالجعد بن درهم؟ وهل هو من جلب الشقاء والزوال على دولة بني أمية؟.
للإجابة على ذلك نأتي على سيرته وأعماله:
* مروان بن محمد وأعماله:
- تولى مروان بن محمد سنة 114 هـ أرمينية والجزيرة وأذربيجان من قبل هشام بن عبد الملك
(4)
.
(1)
الجعد بن درهم، هو أول من ابتدع القول بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وهذا لا يجوز على الله، كان زنديقًا، قتله خالد بن عبد الله القسري وقال: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، إنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم الله موسى تكليمًا ثم نزل وذبحه، في حدود سنة عشرين ومائة. الذهبي: السير 5/ 433. الصفدي: الوافي بالوفيات 11/ 67.
(2)
الأنساب 3/ 287.
(3)
الذهبي: تاريخ الإسلام 8/ 534.
(4)
خليفة بن خياط: التاريخ 345.
- بعث مروان بن محمد في سنة 117 هـ وهو على أرمينية بعثين، فافتتح أحدهما حصونًا ثلاثة من اللان، ونزل الآخر تومانشاه فنزل أهلها على الصلح
(1)
.
- غزا مروان بن محمد في سنة 120 هـ أرض الترك
(2)
.
- ثم غزا مروان بن محمد سنة 121 هـ بلاد صاحب سرير الذهب، فافتتح بلاده وخرب أرضه، وفرض الجزية عليه
(3)
.
هذا جهاده وهذه سيرته أثناء إمارته، فكيف بخلافته.
وأما علاقته بالجعد بن درهم وذلك بتسميته (مروان الجعدي) نسبة إلى الجعد بن درهم؛ لأنه مؤدبه.
فمن المصادر المتقدمة التي ذكرت هذا الخبر:
- البلاذري
(4)
ولم يسند الخبر.
- ابن عساكر
(5)
من طريق أبي معشر
(6)
.
- ابن الفقيه
(7)
ولم يسند الخبر.
- ابن النديم
(8)
في الفهرست.
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 199.
(2)
الطبري: التاريخ 7/ 139.
(3)
المصدر السابق 7/ 160.
(4)
الأنساب 8/ 379.
(5)
تاريخ دمشق 57/ 328.
(6)
نجيح بن عبد الرحمن السندي، المدني، أبو معشر، ضعيف من السادسة، أسن واختلط، مات سنة 170 هـ. ابن حجر: التقريب 559.
(7)
البلدان 336.
(8)
الفهرست 410، وقد سبقت ترجمة ابن النديم ص 18 وهو غير موثوق.
وبعد عرض هذه المصادر التي نسبت مروان بن محمد إلى الجعد بن درهم لم أقف على من ذكر ذلك بسند يمكن الاعتماد عليه، ولذلك لا يستغرب أن هذا اللقب تشنيعًا عليه.
وبما أن هذه النسبة مشهورة وهي تمس عقيدة الخليفة مروان، وقد تناقلها بعض العلماء؛ بل إن منهم من جعل تبعيته المزعومة للجعد سببًا لذهاب دولته، وذلك لكثرة الفتن والشرور، وقد سبق معنا أن الفتن قامت بمقتل الوليد بن يزيد وليست وليدة خلافته.
لذلك نريد أن نقف على حدث مقتل الجعد بن درهم ومن قتله وأين مكان دعوته؟.
أعلن الجعد بن درهم دعوته في العراق، فقتله خالد القسري وكان أميرًا عليها، وكان ذلك في حدود سنة 120 هـ
(1)
.
وفي أثناء هذا الحدث كان مروان بن محمد أميرًا على الجزيرة وأرمينية، فهنا وقفة وتساؤل؟ إذا كان مروان بن محمد على رأي الجعد فلماذا لم يعلن الجعد دعوته في إمارة مروان بن محمد؟ حتى على الأقل يحظى بحماية من الأذى في نشر فكره.
والجواب على ذلك أنه لم يفعل، فلذلك لا يقع الاتهام.
وهذا اتهام خطير لا يصح التلفظ به؛ لأنه يصوب الى خليفة من خلفاء المسلمين جاهد في الله حق جهاده، فقاتل الروم والخوارج والقادرية وحمى ثغور المسلمين، ثم يتهم في عقيدته، بلا شك إن ذلك لا يمكن تصوره.
ولا يقل التشنيع عليه بنبزه بالحمار عن اتهامه بعقيدته، وهذا لا نقبل
(1)
الصفدي: الوفيات 11/ 67.
أن ينبز به أحدًا من المسلمين فكيف بخليفة من خلفاء المسلمين، والله المستعان.
[252]
- (فلما بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه، وخاف على نفسه، ولم يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية، والربعية إليهم، فيكون في ذلك اصطلامه
(1)
، فأراد أن يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعة.
فكتب إليهم، وكانوا جميعًا بمرو:
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتها
(2)
…
أن يغضبوا قبل ألا ينفع الغضب
ما بالكم تلحقون الحرب بينكم
…
كأن أهل الحجا عن فعلكم غيب
وتتركون عدوًّا قد أظلكم
…
ممن تأشب، لا دين ولا حسب
ليسوا إلى عرب منا، فنعرفهم
…
ولا صميم الموالي، إن هم نسبوا
قوما يدينون دينًا ما سمعت
…
عن الرسول، ولا جاءت به الكتب
فمن يكن سائلي عن أصل دينهم
…
فإن دينهم أن تقتل العرب
(3)
فلم تحفل ربيعة بهذه الأبيات)
(4)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(5)
، والطبري
(6)
مختصرًا.
وذكر المرزباني
(7)
هذه الأبيات ونسبها لنصر بن سيار.
(1)
الاصطلام معناه: الاستئصال، يقال: اصطلم القوم: إذا أبيدوا. الحميري: شمس العلوم
6/ 3816.
(2)
ابن عبد ربه: العقد الفريد 5/ 221، المرزباني: معجم الشعراء 367.
(3)
ابن الأثير في الكامل 4/ 367.
(4)
الأخبار الطوال 261، 262.
(5)
الأنساب 4/ 132.
(6)
التاريخ 7/ 363.
(7)
معجم الشعراء 367.
• نقد النص:
ذكر صاحب الكتاب أن نصر بن سيار خاف من انضمام الكرماني ومن معه من ربيعة إلى أبي مسلم الخراساني، فكتب هذه القصيدة وخص بها ربيعة، وهذا لا يصح؛ لأنه قد ورد ما يخالفه، ومن ذلك ما أورده البلاذري من قول نصر في البيت الأول:
أبلغ ربيعة فِي مروٍ وذا يمن
…
أَنْ اغضبوا قبل ألَّا ينفع الغضب
وهذا النداء واضح بأنه للعرب كافة وليس لربيعة وحدهم.
وقد ذكر ابن الأثير
(1)
مناسبة هذه القصيدة في أحداث سنة تسع وعشرين ومائة، أن نصرًا أراد أن يجمع كلمة العرب على أبي مسلم، فكتب هذه الأبيات السابقة.
فالقتال في خراسان كان قائمًا بين العرب كلهم وهم متفرقون بين نصر بن سيار والكرماني والحارث بن سريج وشيبان الحروري
(2)
.
وهذه القصيدة تعتبر من الشواهد على حال القائمين على الدعوة العباسية في خراسان، وما صاحبهم من الخرافات الدينية والقومية.
[253]
- (وبلغ أبا العباس الإمام، وهو مستخف بالكوفة أن أبا مسلم لو أراد أن يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل، غير أنه يدافع الحرب، فكتب إليه يؤنبه في ذلك)
(3)
.
(1)
الكامل 4/ 367.
(2)
شيبان بن سلمة السدوسي الحروري، أحد قادة الحرورية، ثار على نصر بن سيار، وحاصره، ولما ظهرت الدعوة العباسية دعاه أبو مسلم لبيعته، فطلب هو من أبي مسلم أن يبايعه، فأرسل له أبو مسلم جيشًا لمحاربته، فقتل شيبان في هذه المواجهات. الزركلي: الأعلام 3/ 180.
(3)
الأخبار الطوال 362.
انفرد بهذه الرواية صاحب الكتاب.
• نقد النص:
في هذه الرواية دفاع واضح من صاحب الكتاب عن أبي مسلم، أنه يدفع الحرب، وهو قادر عليها، وأن أبا العباس هو الذي حمله على ذلك، وقد سبق الحديث عن أبي مسلم وتعطشه لسفك دماء العرب.
* مقتل الكرماني:
[254]
- (وكان أبو مسلم يحب أن يستميل أحد الرجلين، ليفصم به شوكة الآخر، فأرسل إلى الكرماني، يسأله أن ينضم إليه، لينتقم له من نصر بن سيار، فعزم على المسير إليه، وأقبل أبو مسلم في عساكره إلى أرض مرو، فعسكر على ستة فراسخ من المدينة.
وخرج إليه الكرماني ليلًا في نفر من قومه، فاستأمن لجميع أصحابه، فأمنهم أبو مسلم، وأكرم الكرماني، فأقام معه، وشق ذلك على نصر بن سيار، وأيقن بالهلكة.
فكتب إلى الكرماني يسأله الرجوع إليه، على أن يعتزلا، ويوليا الأمر رجلًا من ربيعة، يرضيانه، وهو الأمر الذي كان سأله إياه.
فأصغى الكرماني إلى ذلك، وتحمل ليلًا من معسكر أبي مسلم، حتى انصرف إلى معسكره، واسترسل الكرماني إلى نصر، فلما أصاب منه غرة دسَّ عليه من قتله.
ويقال: بل وجه إليه نصر رجلًا من قواده في ثلاث مائة فارس، فكمنوا له ليلًا عند منصرفه من معسكر أبي مسلم، فلما حاذاهم، وهو غافل عنهم، حملوا عليه، فقتلوه.
وبلغ ذلك أبا مسلم فقال: لا يبعد الله غيره، لو صبر معنا لقمنا معه، ونصرناه على عدوه)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(2)
والبلاذري
(3)
مختصرًا، والطبري
(4)
مطولًا.
• نقد النص:
ذكرت هذه الرواية مقتل الكرماني، وظهر أبو مسلم فيها مظهر المشفق على الكرماني من نصر، وقد زاد هذا الموقف عند صاحب الكتاب وانفرد به عن غيره، وقد اختلف في مقتل الكرماني ومن قتله على النحو التالي:
- روي أن الكرماني ونصرًا تصالحوا وجرى السفراء بينهم، فما لبثوا أن حمل الحارث بن سريج على الكرماني وقتله
(5)
.
- وقيل: إن أبا مسلم صالح الكرماني، فساء ذلك نصر، وأراد أن يفرق بينهما، فكاتب الكرماني ومناه بالصلح ثم أصاب منه غرة، فأرسل إليه ابن الحارث بن سريج ومعه ثلاثمائة فقاتله فقتله، ثم صلبه، ثم قام بالأمر عنه ابنه علي بن جديع الكرماني فصالح أبا مسلم
(6)
.
وهذا ما يوافق رواية صاحب الكتاب الثانية.
وكان ذلك في سنة تسع وعشرين ومائة
(7)
.
(1)
الأخبار الطوال 362.
(2)
التاريخ 388.
(3)
الأنساب 3/ 129.
(4)
التاريخ 7/ 370.
(5)
خليفة بن خياط: التاريخ 388.
(6)
الطبري: التاريخ 7/ 370.
(7)
الطبري: التاريخ 7/ 367.
وكلها تشير على أن من دبّر قتله هو نصر، والاختلاف فيمن باشر ذلك هل هو الحارث بن سريج أو ابنه، وقد ذكر أن الحارث بن سريج قد خالف نصرًا، واجتمعت إليه بنو تميم، فقاتل الكرماني فقتله الكرماني سنة ثمان وعشرين ومائة
(1)
.
ولعل الأقرب والله أعلم أن من قتل الكرماني هو ابن الحارث بن سريج؛ لأن الحارث قد قتل قبل ذلك، والذي دفع نصرًا إلى إرسال ابن الحارث إلى الكرماني ليأخذه بدم أبيه.
وقد جاء عند البلاذري ما يؤيد ذلك: (ويقال: إن الحارث قاتل جديعًا فقتله جديع، ثمّ وثبت تميم وفيهم حاتم بن الحارث بن سريج فقتلوا جديعًا والله أعلم)
(2)
.
ثم إن أبا مسلم لا يريد تقريب الكرماني ليعينه على عدوه نصر، ولكن يريد أن يتقوى بأحدهما على الآخر ليقضي عليهم جميعًا، كما حصل فقد قرب ابن الكرماني حتى انتهى من نصر ثم قضى عليه
(3)
.
[255]
- (وقال نصر في ظفره بالكرماني:
لعمري، لقد كانت ربيعة ظافرت
…
عدوي بغدر حين خابت جدودها
وقد غمزوا مني قناة صليبة
…
شديدًا على من رامها الكسر عودها
وكنت لها حصنًا، وكهفًا، وجنةً
…
يؤول إلي، كهلها، ووليدها
فمالوا إلى السوءات، ثم
…
وهل يفعل السوءات إلا مريدها؟
(1)
خليفة بن خياط: التاريخ 383.
(2)
الأنساب 4/ 129.
(3)
البلاذري: الأنساب 9/ 281.
فأوردت كرمانيها الموت
…
كذاك منايا الناس يدنو بعيدها)
(1)
انفرد صاحب الكتاب بذكر هذه الأبيات.
* نهاية ابن الكرماني ونصر بن سيار:
[256]
- (قالوا: ولما قتل الكرماني مضى ابنه عليّ مِنْ خَنْدَقِهِ إلى أبي مسلم، فسأله أن يطلب له بثأر أبيه.
فأمر قحطبة بن شبيب أن يستعد، ويسير حتى ينيخ على نصر في خندقه، فينابذه الحرب، أو ينيب إلى الطاعة.
فسار قحطبة، فبدأ بالمدينة، فدخلها، واستولى عليها، وأرسل إلى نصر يؤذنه بالحرب. فكتب نصر إلى أبي مسلم، يسأله الأمان، على أن يدخل معه في أمره، فأجابه إلى ذلك، وأمر قحطبة أن يمسك عنه.
فلما أصاب نصر من قحطبة غفلة تحمل في حشمه وولده، وحاشيته ليلًا، فخرج من معسكره من غير أن يعلم أصحابه، وسار نحو العراق، وجعل طريقه على جرجان، فأقام بها، فمرض فيها، فسار منها إلى ساوه، فأقام بها أيامًا ثم توفي بها. فاستأمن جميع أصحابه وأصحاب الكرماني إلى أبي مسلم إلا أناسًا كرهوا أمر أبي مسلم، فساروا من مدينة مرو هرابًا، حتى أتوا طوس، فأقاموا بها)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(3)
، والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
مطولًا.
(1)
الأخبار الطوال 363.
(2)
الأخبار الطوال 363.
(3)
التاريخ 390.
(4)
الأنساب 4/ 130.
(5)
التاريخ 7/ 377.
• نقد النص:
في هذا الخبر ذكر المصالحة بين علي بن جديع الكرماني وأبي مسلم، وأن سببه الطلب بثأر أبيه من نصر، وأن أبا مسلم قَبِل ذلك وأعانه على نصر، وقد انفرد صاحب الكتاب بهذا، ثم أتى على نهاية نصر.
أما عن علي بن جديع ومصالحته نصر فيذكر في ذلك سببًا آخر، وهو أن ابن الكرماني صالح نصرًا على حرب أبي مسلم، فلما علم أبو مسلم بذلك، أرسل إلى ابن الكرماني وذكره بقتل أبيه من قبل نصر، فرجع الكرماني عن رأيه وانتقض الصلح، فلما علم نصر بميل ابن الكرماني إلى أبي مسلم بعث إلى أبي مسلم بطلب الدخول معه، وبعث الكرماني ومن معه من ربيعة وقحطان بذلك، فاختار أبو مسلم الكرماني ومن معه على نصر ومضر
(1)
.
ويقال: إن علي بن جديع الكرماني لما تولى الأمر بعد أبيه اتفق مع شيبان الخارجي
(2)
على محاربة نصر، فمال أبو مسلم إليه، وأخذ يثني عليه ويصوب أمره، ويقول له: قد عظم أمرك ووهن أمر نصر، فابعث عمالك إلى الأمصار، وأخذ يستدرجه ويعظمه.
فلما انتهى من نصر بعث إلى ابن الكرماني من يأتي به على أية حال، فجيء به إليه فحبسه، ثم أخرجه وقتله
(3)
.
وقد ذكر الطبري خبر مقتل الكرماني وخاصة أصحابه فقال: (وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بن الكرماني، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمي له خاصته ليوليهم، ويأمر لهم بجوائز وكِسًا، فسماهم له فقتلهم جميعًا)
(4)
.
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 377، وخليفة بن خياط 390 مختصرًا.
(2)
سبق ترجمته ص 601.
(3)
البلاذري: الأنساب 4/ 130.
(4)
التاريخ 7/ 388.
أما نصر فقد نجا من غدر أبي مسلم حين أمنه وأظهر أنه يريد إكرامه، وذلك أن نصرًا لما قدم على أبي مسلم، أرسل إليه من يخبره أنه يريد محادثته، وكان ممن بعث إليه لاهز بن قرط، فلما أتوه تلا لاهز قول الله تعالى:{إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}
(1)
، فتنبه لذلك نصر وقال لهم: إنه صائر إلى أمر أبي مسلم، ثم احتال عليهم وهرب، فأخبر أبي مسلم بفعل لاهز فقتله
(2)
، ثم إن نصرًا سار إلى الري، فلما صار إليها مرض، فحمل إلى ساوة بقرب همذان فمات بها
(3)
، وكان ذلك في سنة إحدى وثلاثين ومائة
(4)
.
فهذا أبو مسلم وهذه أعماله الخسيسة، فقد كان لا يدع للعرب في خراسان مجالًا للاجتماع، فكلما حاولوا ذلك عمل بخبثه بالتفريق بينهما، وحينما يجد الفرصة يغدر بهم ويسفك دماءهم، ونجد أن صاحب الكتاب صوره بذلك البطل الشهم الذي يحب نصرة المظلوم، وأنه وافٍ بالعهد ولا يحب الغدر.
ولعل هذا من تسليط الله عليهم بسبب عصبيتهم واختلافهم، ولولا العصبية والخلاف بين العرب في خراسان لم تتمكن الدعوة العباسية من الانتصار، فقد فتح هذا التنافس والتناحر على العرب شرًّا أذهب به أمرهم، وتسلط عليهم من عاث في دمائهم وفرق جمعهم وأصبحوا أذلاء بعد عزتهم، ومن صور هذا الذل أنهم يتنافسون في التحالف مع أبي مسلم لكي يتقوى به أحدهما على الآخر، وهذا الخلاف والتنازع فيما بينهم هو الذي أفشلهم وأذهب ريحهم، وبدَّل قوتهم ذلة وهوانًا، وهذا من سنن الله في خلقه، قال تعالى:
(1)
سورة القصص: الآية 20.
(2)
البلاذري: الأنساب 4/ 131. الطبري: التاريخ 7/ 384.
(3)
البلاذري: الأنساب 4/ 131. الطبري: التاريخ 7/ 403.
(4)
الطبري: التاريخ 7/ 403.
(1)
.
قال أبو جعفر: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا، أيها المؤمنون، ربّكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا}، يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم {فَتَفْشَلُوا}، يقول: فتضعفوا وتجبنوا، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ})
(2)
.
* غلبة أبي مسلم على خراسان:
[257]
- (وإن أبا مسلم استولى على خراسان، واستعمل عماله عليها.
فكان أول من عقد له منهم زنباع بن النعمان
(3)
، على سمرقند،
وولى خالد بن إبراهيم، على طخارستان، وولى محمد بن الأشعث، الطبسين، ثم وجه أصحابه إلى سائر تلك البلاد، وضم إلى قحطبة بن شبيب أبا
عون
(4)
، مقاتل بن حكيم العكي
(5)
، وخالد بن برمك
(6)
، وحارثة بن
(1)
سورة الأنفال، الآية:46.
(2)
الطبري: جامع البيان، 1/ 575.
(3)
في الطبري: التاريخ 7/ 389، (سباع بن النعمان الأزدي) ولعل هذا هو الصحيح من اسمه، وهو أحد الشجعان الذين قاموا بالدعوة العباسية، ولاه أبو مسلم سمرقند، ولما تم الأمر إلى أبي العباس دعاه وأمره إن وجد فرصة إلى أبي مسلم أن يثب به ويقتله، فبلغ ذلك أبي مسلم فسجنه بآمل ثم أمر عامله بقتله، فقتله. الزركلي: الأعلام 3/ 76.
(4)
في الطبري: التاريخ 7/ 389 أبو عون عبد الملك بن يزيد.
(5)
مقاتل بن حكيم العكي، من أهل مرو، تولى إمارة حران في زمن السفاح، حصل بينه وبين عبد الله بن علي مواجهات كان سببها موالاته للمنصور، فسجن في ذلك وقتل من قبل الموالين لعبد الله بن علي. ابن عساكر: تاريخ دمشق 60/ 100.
(6)
خالد بن برمك، أبو العباس الفارسي، الوزير، قال الصولي كان يُتهم بدين المجوس، وكان يختلف إلى الإمام محمد بن علي ثم إلى ابنه إبراهيم، وزر للسفاح بعد أبي سلمة الخلال، ثم وزر للمنصور، مات سنة 165 هـ. الذهبي: السير 7/ 229.
خزيمة
(1)
، وعبد الجبار بن نهيك
(2)
، وجهور بن مراد العجلي
(3)
، والفضل بن سليمان
(4)
، وعبد الله بن النعمان الطائي
(5)
، وضم إلى كل واحد من هؤلاء القواد صناديد الجنود وأبطالهم.
وأمر قحطبة أن يسير إلى طوس، فيلقى من قد اجتمع بها من جنود نصر بن سيار، والكرماني، فيحاربهم حتى يطردهم عنها، ثم يتقدم، قدمًا قدمًا، حتى يرد العراق.
فسار قحطبة حتى إذا دنا من طوس هرب أولئك الذين قد كانوا تجمعوا بها، فتفرقوا، وسار قحطبة من طوس إلى جرجان، فافتتحها.
وسار منها إلى الري، فواقع عامل مروان عليها، فهزمه، ثم سار من الري إلى أصبهان حتى وافاها، وبها عامر بن ضبارة، من قبل يزيد بن عمر، فهرب منه، ودخلها قحطبة، واستولى عليها.
ثم سار حتى أتى نهاوند، وبها مالك بن أدهم الباهلي، فتحصن أيامًا، ثم
(1)
لعل الصحيح من اسمه (خازم) بدل (حارثة) بن خزيمة النهشلي، شارك العباسيين في بداية دولتهم، وهو أحد قوادهم، غلب على مرو الروذ وقتل عامل نصر بن سيار، وولي خراسان وشارك مع الحسن بن قحطبة في حربه مع ابن هبيرة، مات ببغداد. ابن قتيبة: المعارف 414، الطبري: التاريخ 7/ 360، 389، 418.
(2)
الصحيح من اسمه (عثمان) بن نهيك، أحد رجال العباسيين قام مع أبي مسلم، وولاه أبو جعفر المنصور على حرسه، ثم اشترك مع أبي جعفر في قتل أبي مسلم الخراساني. الطبري: التاريخ 7/ 362، 453، 488.
(3)
الصحيح من اسمه جهور بن (مرار) بدل (مراد) العجلي، أحد قادة أبي جعفر المنصور بعثه للقبض على عبد الصمد أخي عبد الله بن علي فقبض عليه وسلَّمه لأبي جعفر، ثم أرسله أبو جعفر للقضاء على ثورة سنباذ، فحَوَى ما في الخزائن وخلع أبا جعفر، فأرسل إليه أبو جعفر محمد بن الأشعث الخزاعي فهزمه، فهرب جهور ثم أخذ وقتل. الطبري: التاريخ 7/ 476، 497.
(4)
لم أقف على ترجمته.
(5)
في الطبري: التاريخ 7/ 389، عبد الله بن (عثمان) بدل (النعمان) الطائي، ولم أقف على ترجمته.
استأمن إلى قحطبة، فأمنه، فخرج إليه، وسار قحطبة حتى نزل حلوانًا، فأقام بها.
وكتب إلى أبي مسلم يعلمه خبره، وأن مروان بن محمد قد أقبل من الشام حتى وافى الزابين فأقام بها في ثلاثين ألفًا، وأن يزيد بن عمر بن هبيرة قد استعد بواسط.
فأتاه كتاب أبي مسلم، يأمره أن يوجه أبا عون العكي في ثلاثين ألف فارس من أبطال جنوده إلى مروان بن محمد بالزابين، فيحاربه، ويسير هو في بقية الجنود إلى واسط، فيحارب يزيد بن عمر، ليشغله عن توجيه المدد إلى مروان.
ففعل قحطبة ذلك.
وبلغ مروان وصول أبي عون إليه بالجيوش من حلوان فاستقبله، فالتقيا بشهرزور
(1)
، فاقتتلوا، فانهزم أهل الشام حتى صاروا إلى مدينة حران)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(3)
مختصرًا، الطبري
(4)
مطولًا.
[258]
- (قال الهيثم: فحدثني إسماعيل بن عبد الله القسري
(5)
، أخو خالد بن عبد الله قال: دعاني مروان عند وصوله إلى حران، وكنت أخص الناس عنده، فقال لي: يا أبا هاشم، وما كناني قبل ذلك، فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
(1)
شهرزور: وهي كورة واسعة في الجبال بين أربل وهمدان، وأغلب سكانها من الأكراد. الحموي: معجم البلدان 3/ 375.
(2)
الأخبار الطوال 364، 365.
(3)
الأنساب 9/ 314.
(4)
التاريخ 7/ 389.
(5)
إسماعيل بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري، أخو خالد بن عبد الله القسري، روى عن أخيه، تولى إمرة الموصل، وكان في صحابة أبي جعفر، تدخل في صلح ما بين العباسيين وما تبقى من فلول الأمويين وأخذ لهم أمانًا من أبي جعفر المنصور. البلاذري: الأنساب 4/ 145، ابن عساكر: تاريخ دمشق 8/ 427.
قال: ترى ما قد نزل من الأمر، وأنت الموثوق برأيه، فما ترى؟ قلت: وعلام أجمعت يا أمير المؤمنين؟ قال: أجمعت على أن أرتحل بأهلي، وولدي، وخاصة أهل بيتي، ومن اتبعني من أصحابي حتى أقطع الدرب، وأصير إلى ملك الروم، فأستوثق منه بالأمان، ولا يزال يأتيني الخائف من أهل بيتي وجنودي حتى يكشف أمري، وأصيب قوة على محاربة عدوي.
قال إسماعيل: وذلك، والله، كان الرأي له عندي، غير أني ذكرت سوء أثره في قومي، ومعاداته إياهم، وتحامله عليهم، فصرفت الرأي عنه.
وقلت له: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله، أن تحكم أهل الشرك في نفسك وحرمك؛ لأن الروم لا وفاء لهم، قال: فما الرأي عندك؟.
قلت: الرأي أن تقطع الفرات، وتستقري مدن الشام، مدينة مدينة، فإن لك بكل مدينه صنائع ونصحاء، وتضمهم جميعًا إليك، وتسير حتى تنزل ببلاد مصر، فهي أكثر أهل الأرض مالًا، وخيلًا، ورجالًا، فتجعل الشام أمامك، وإفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن تكن الأخرى اتسع لك المهرب نحو إفريقية، فإنها أرض واسعة، نائية منفردة.
قال: صدقت، لعمري، وهو الرأي، فسار من حران حتى قطع الفرات، وجعل يستقري مدن الشام، فيستنهضهم، فيروغون عنه، ويهابون الحرب، فلم يسر معه منهم إلا قليل)
(1)
.
ذكر نحوًا منها: البلاذري
(2)
مختصرًا.
• نقد النص:
هذه الرواية عن إسماعيل لا تصح؛ لأن في سندها الهيثم بن عدي وهو
(1)
الأخبار الطوال 355، 356.
(2)
الأنساب 9/ 319.
ضعيف، وقد ذكرها البلاذري
(1)
، واكتفى بذكر: قال إسماعيل بن عبد الله، ثم ساق الرواية، وهي مختلفة عن هذه الرواية، وفيها أن إسماعيل بن عبد الله أراد صرف مروان عن الرأي الذي فيه إقامة مروان في أرض الروم حتى يجتمع إليه أتباعه، ثم جعله إلى الرأي الآخر الذي هزم فيه، وذلك نكاية به لتقريبه القيسية على اليمانية.
ثم إنه كيف لمروان أن يستشير أحد أعدائه ويحكمه في مصيره؛ لأن إسماعيل هذا أخو خالد القسري الذي قتله أحد ولاة بني أمية، ومروان - أيضًا - قد انتقم من يزيد بن خالد لقتله أبناء الوليد بن يزيد، وقد سبق الحديث عن هذا كله.
والخبر الذي ورد عن إسماعيل بن عبد الله في الأحداث الأخيرة، هو أنه تدخل في حل جيش الأمويين في العراق الذي صمدوا في محاربة جيش العباسيين وقال لهم:(علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان)
(2)
.
ويدل هذا على أن إسماعيل بن خالد انضم إلى العباسيين ودخل في خاصتهم، وسعى بالصلح بينهم وبين فلول الأمويين، فكيف يكون قد التقى مروان وأشار عليه.
* نهاية حكم مروان وقتله:
[259]
- (وسار أبو عون صاحب قحطبة في أثر مروان حتى انتهى إلى الشام، وقصد دمشق، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، فيهم ثمانون رجلًا من ولد مروان بن الحكم.
(1)
الأنساب 9/ 319.
(2)
البلاذري: الأنساب 4/ 145. الطبري: التاريخ 7/ 454.
ثم عبر الشام سائرًا نحو مصر حتى وافاها، واستعد مروان فيمن كان معه، من أهل الوفاء له، وكانوا نحوًا من عشرين ألف رجل، وسار مستقبلًا أبا عون حتى التقى الفريقان، فاقتتلوا.
فلم يكن لأصحاب مروان ثبات، فقُتِلَ منهم خلق، وانهزم الباقون، فتبددوا، وهرب مروان على طريق إفريقية، وطلبته الخيل، فحال بينها وبينه الليل، فعبر مروان النيل في سفينة، فصار في الجانب الغربي، وكان منجمًا، فقال لغلامه: إني إن سلمت هذه الليلة رددت خيل خراسان على أعقابها حتى أبلغ خراسان.
ثم نزل، ودفع دابته إلى غلامه، وخلع درعه، فتوسدها، ونام لشدة ما قد كان مر به من التعب، ولم يكن معه دليل يدله على الطريق، وخاف أن يوغل في تلك المفاوز، فيضل.
وأقبل رجل من أصحاب أبي عون، يسمى عامر بن إسماعيل
(1)
في طلب مروان، حتى أتى المكان الذي عبر فيه مروان، فدعا بسفينة، فجلس فيها، وعبر، فانتهى به السير إلى مروان، وهو مستثقل نومًا، فضربه بالسيف حتى قتله)
(2)
.
ذكر نحوًا منها: خليفة بن خياط
(3)
مختصرًا، والبلاذري
(4)
، والطبري
(5)
مطولًا.
(1)
عامر بن إسماعيل بن عامر الحارثي الجرجاني، من بني مسلية، شهد حصار دمشق، ونفذ إلى مصر، وهو الذي أدرك مروان بن محمد ببوصير، وقَتَلَ مروان بعض أصحابه، وكان من كبار قواد الدولة، كان له قدر عند المنصور مات سنة سبع وخمسين ومائة. ابن عساكر: تاريخ دمشق 25/ 318. الذهبي: تاريخ الاسلام 9/ 447.
(2)
الأخبار الطوال 266، 267.
(3)
التاريخ 403.
(4)
الأنساب 9/ 319.
(5)
التاريخ 7/ 437.
• نقد النص:
جاء في هذه الرواية خبر هزيمة مروان ثم قتله بعد هربه إلى مصر، وقد ذكر صاحب ذلك ونسبه إلى أبي عون وقد خالف غيره في ذلك.
والذي ورد في ذكر هزيمة مروان وتتبعه أن الذي تولى ذلك عبد الله بن علي
(1)
عم أبي العباس، وقد التقى به في معركة الزاب، وقد استلم القيادة من أبي عون بأمر من أبي العباس وذلك بعد ظهوره، فقاتل مروان بن محمد وهزمه
(2)
، وكان ذلك في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة
(3)
، أما ملاحقة مروان بن محمد، فيروى أن عبد الله بن علي وَكَّلَ أخاه صالح بن علي
(4)
بملاحقة مروان
(5)
.
ولم يكن عامر بن إسماعيل لوحده حينما قتل مروان، كما جاء عند
(1)
عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، عم أبو جعفر المنصور، كان بطلًا، مهيبًا جبارًا، من دهاة قريش، سافكًا للدماء، به قامت الدولة العباسية، ولاه أبو العباس حرب مروان بن محمد، واستولى على الشام، وفي حصار دمشق قتل خمسين ألفًا، ولم يرقب إلَّا ولا ذمة، وصار أميرًا عليها، فلما ولي المنصور خالف عليه فوجه إليه أبا مسلم فهزمه في نصيبين، واختفى عبد الله، فعثر عليه المنصور وحبسه، فوقع عليه البيت الذي حبس فيه فمات سنة مائة وسبع وأربعين بمدينة السلام، ويذكر أنه قتل ثلاثًا وثمانين رجلًا من بني أمية. الخطيب: تاريخ بغداد 10/ 9. الذهبي: سير أعلام النبلاء 6/ 161. وقد ذكر لنا الدكتور نايف أبو قريحة أنه هو من يستحق لقب السفاح وليس أبو العباس.
(2)
البلاذري: الأنساب 9/ 315. الطبري: التاريخ 7/ 432.
(3)
الطبري: التاريخ 7/ 435.
(4)
صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، عم المنصور، ولد بالشراة من أرض البلقان، من أعمال دمشق، سنة ست وتسعين أو قبلها، قهر بني أمية، ولحق مروان وبيته في بوصير، وقد ولي دمشق وولي الموسم، أنشأ مدينة أدنة، قاتل الروم بقيادة طاغيتهم قسطنطين بن أليون، وهم مائة ألف وهزمهم وسبى منهم، مات سنة اثنين وخمسين ومائة. الصفدي: الوافي بالوفيات 16/ 153.
(5)
خليفة بن خياط: التاريخ 404، الطبري: التاريخ 7/ 440.
صاحب الكتاب، والذي روي في ذلك أن صالح بن علي توجه في طلب مروان؛ فجعل على مقدمته أبا عون وعامر بن إسماعيل، وسار في ملاحقة خيل مروان حتى نزل الصعيد، وحصل بينهم عدة لقاءات وفي كلها يهزم مروان، ثم استمر في ملاحقته حتى نزل في مكان يقال له: ذات الساحل فنزل به، فقدم أبو عون عامر بن إسماعيل ومعه شعبة بن كثير المازني، فلقوا خيلًا لمروان، فقتلوا بعضهم وأسروا الباقين، ثم سألوهم عن مروان، فأخبروهم على أن يأمنوهم، فوجدوه نازلًا في بوصير، فخرج إليهم في نفر يسير فأحاطوا به فقتلوه
(1)
، وكان قتله في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة
(2)
، ويذكر أنه يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة
(3)
.
وقد اختلف فيمن باشر قتله، فيروى أنه عامر بن إسماعيل
(4)
كما ذكر صاحب الكتاب، ويروى أنه رجل من أهل البصرة يقال له: المعوذ
(5)
، وقيل: إنه محمد بن شهاب المازني، وقيل: إنه مزاحم بن حسان الحارثي
(6)
.
ومما سبق من أحداث الدولة الأموية نستخلص بعض الأسباب التي أدت إلى سقوطها:
- عدم معالجة الأخطاء في زمانها، ومن ذلك ترك يزيد الانتقام من عبيد الله بن زياد، وتأديبه لما قام بقتل الحسين رضي الله عنه وأقل ما يمكن فعله هو عزله، وما فعله عبد الملك من بسط يد الحجاج على أهل العراق مع معرفته
(1)
الطبري: التاريخ 7/ 440
(2)
خليفة بن خياط: التاريخ 404.
(3)
الطبري: التاريخ 7/ 442.
(4)
ابن عساكر: تاريخ دمشق 57/ 346.
(5)
الطبري: التاريخ 7/ 442. وأما البلاذري: الأنساب 9/ 322 فقد ذكر أنه يسمى أبا العود.
(6)
البلاذري: الأنساب 9/ 322.
بقسوته وجبروته، وهذا ما جعل للأعداء مادة يستندون عليها للتأليب على بني أمية، ومثل ذلك ثورة المختار، والدعوة العباسية.
- التنازع على السلطة حيث بدأت بوادره في عهد هشام بن عبد الملك، واختتامه على يد يزيد بن الوليد الذي اغتال ابن عمه، فانفتح الشر على الأموييين، وفسد أمرهم في عقر دارهم.
- عدم وجود نظام ثابت في الحكم.
- عدم الاهتمام بأمر خراسان مع أهميتها ومن ذلك جعل أمرها لوالي العراق، مما جعلها مسرحًا للقوى المعادية مثل الخوارج والدعوة العباسية.
- عدم الاستجابة لصرخات الإنذار التي أطلقها والي خراسان نصر بن سيار وهذا يوحي أن الخليفة مروان في شغل عنها.
- اتساع المساحة التي تحويها الدولة الأموية والذي يتطلب عليها مزيدًا من التنبه واليقظة وعدم الغفلة عن دقائق الأمور وجليلها، ومن هذا عدم الاهتمام بدعاة العباسيين في بداية ظهورهم.
- التنظيم الدقيق الذي انتهجه العباسيون في دعوتهم له دور بارز في النجاح.
- اختيار الدعوة العباسية خراسان مسرحًا للدعوة يوحي بمزيد من العناية الفائقة التي يوليها أئمة الدعوة، فهي بعيدة كل البعد عن مركز الخلافة.
* * *
الخاتمة
الحمد لله على تمام نعمه، وجزيل عطائه وكرمه، والصلاة والسلام على خاتم أنبياءه ورسوله محمد وعلى آله وصحبه، وبعدُ:
بعد انتهاء هذا البحث الذي أسأل الله أن يجعله عملاً صالحاً وأن يكتب له القبول، إنه القادر سبحانه، خرجت ببعض النتائج من هذا البحث، وقسمتها إلى قسمين نتائج عامة ونتائج خاصة.
فمن النتائج العامة ما يلي:
1 -
عدم الوقوف على الأخبار والتسليم بصحتها، بل يجب نقد متنها وسندها، وعرضها لمنهج المحدثين، ولا تعفى من ذلك حتى ولو اشتهرت.
2 -
البحث عن أصول الأخبار من بدايتها، حتى يتسنى الوقوف على من جاء بها.
3 -
القدح والإساءة التي نالت أعلام المسلمين، يجب التأكد منها والحذر من نشرها ولو عبر القصص والمواعظ، إلا بعد التأكد من صحتها.
4 -
عِرْضُ المسلم له حرمة وهو باقٍ إلى يوم القيامة، فلا يعني ذهاب الأثر وانعدام المُدافع، يبرر القول فيه.
5 -
تاريخ المسلمين وخصوصاً الأوائل منهم تعرضت لهجمات واسعة، من جهات عدة كلاً بحسب هدفه، وذلك لتشكيكنا في أعظم ما يمثل هويتنا.
6 -
تعتبر حقبة بني أمية في هذا الكتاب مثالا لما أصاب تاريخ المسلمين من تحريف وكذب.
7 -
لا زلنا بحاجة ماسة لإعمال النقد والتنقيح في تراثنا الإسلامي.
8 -
يجب على كل من يبحث في كتب وروايات السلف أن يتأكد من نسبتها لهم قبل الحكم عليهم.
9 -
دولة بني أمية هي دولة الصحابة والتابعين وأبنائهم، وهي أعظم حقب التاريخ بعد العهد النبوي والخلفاء الراشدين.
10 -
من العجب أنك تجد في بعض كتب التاريخ وغيرها حشوًا زائفًا في ذكر مثالب العرب المسلمين، ويسلم غيرهم من أمثال أبي مسلم الخرساني الفارسي الذي يمثل بأنه ساق المنجزات العظيمة، وفي الحقيقة أنه ساقها على جماجم العرب، لهو دليل واضح على أن هناك أيدي خفية عبثت في التاريخ الإسلامي منذ زمن بعيد، وهذا الكتاب نموذجًا لذلك.
النتائج الخاصة:
1 -
بعد التحقيق وجمع الأدلة تبين أن كتاب الأخبار الطوال منسوب لأبي حنيفة الدينوري وهو لا يمت له بصلة فلذلك يجب تغيير اسم الكتاب من (كتاب الأخبار الطوال للدينوري) إلى (كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري).
2 -
نفور الحسن بن علي رضي الله عنه من أهل العراق، وحرصه على الصلح، كان لأسباب بينها في خطبة له منها طعنه ونهب متاعه، وليس لأنهم رفضوا القتال معه.
3 -
لم يحاصر معاوية رضي الله عنه الحسن رضي الله عنه ولم يضطره للصلح وقد تم ذلك بعد توفيق الله، وهو غاية في نفس الحسن رضي الله عنه كان الهدف منها حقن دماء المسلمين عامة وليس دماء الشيعة خاصة، وكان معاوية رضي الله عنه يعلم أن الحسن رضي الله عنه يكره القتال فراسله فتم الصلح ولم يكن غائبا عن الحسن رضي الله عنه حديث جده صلى الله عليه وسلم في الصلح، فهو رائده، ومن أجل مناقبه.
4 -
مصالحة الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية رضي الله عنه كانت من أرقى وأشرف المصالحات عبر التاريخ، ويكفي بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بها، والحسن رضي الله عنه ومن معه ومعاوية رضي الله عنه ومن معه هما الفئتين من المسلمين.
6 -
أصح ما روي في خبر صلح الحسن رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه ما ورد في صحيح البخاري.
7 -
استطاع الحسن رضي الله عنه، بتوفيق الله ثم بذكائه أن يلزم أهل العراق بالصلح وذلك حينما شرط عليهم في بيعته أن يسالموا من يسالم.
8 -
لم يرق للشيعة صلح الحسن رضي الله عنه فاعترضوا عليه.
9 -
معاوية رضي الله عنه لم يدعي زياد بن عبيد ولم ينسبه لأبيه أبي سفيان رضي الله عنه ولم يفعل ذلك زياد، وإنما أشيعت عنهما تهمة الإدعاء وهما في براءة منها ومن قال غير ذلك عليه الإثبات.
10 -
لا يصح وصف أبي سفيان رضي الله عنه برأس النفاق، ولا تلقيب هند بنت عتبة بآكلة الأكباد، وكل هذه من الأباطيل التي لم يثبت منها شيء.
11 -
لم يشمت الخليفة معاوية رضي الله عنه بموت الحسن رضي الله عنه، ولم يقطع صلته عنه ولا عن أخيه الحسين رضي الله عنه، وكل ما يروى في ذلك مزايدات باطله.
12 -
إن ثبت أن الحسن رضي الله عنه أوصى أن يدفن مع جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يثبت أنه منع من ذلك لا من قبل عائشة رضي الله عنها ولا مروان بن الحكم.
13 -
ظهرت من حجر بن عدي بوادر الخروج، فقتله معاوية رضي الله عنه تفادياً لفتنة أعظم من قتله.
14 -
عمر بن العاص رضي الله عنه هو فاتح مصر وولايته على مصر من قبل الخليفة معاوية رضي الله عنه امتداد لولاياته السابقة عليها، ولا يصح ما ينقل عنه أنه أخذها من معاوية رضي الله عنه لمساعدة ضد حربه مع علي رضي الله عنه.
15 -
أوصى الخليفة معاوية رضي الله عنه ابنه يزيد بوصايا في السياسة والحكم، ولا يثبت أنه أوصاه بنفر من قريش منهم الحسين رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ولعل ما يروى في ذلك أخذ من أحداث ولاية الخليفة يزيد ثم نسب إلى معاوية رضي الله عنه تشنيعا عليه.
16 -
خروج الحسين رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه من المدينة إلى مكة، لم يكن إلا خروجاً من حَرَجِ بيعة الخليفة يزيد بن معاوية، ولم يكونوا مجبرين، ولا كتب الخليفة يزيد بن معاوية بإجبارهم على البيعة.
17 -
لم تكن في نية الحسين رضي الله عنه الخروج إلى أهل الكوفة إلا بعد وفاة معاوية رضي الله عنه وذلك حينما كاتبه أهل الكوفة يدعونه إليهم، ولم يثبت أنه واعدهم بالخروج قبل موت الخليفة معاوية رضي الله عنه.
18 -
تعتبر حادثة مقتل مسلم بن عقيل أو علامات الغدر من قبل أهل الكوفة وكاد الحسين رضي الله عنه أن يرجع لولا عزم أخوة مسلم على الأخذ بثأره.
19 -
لم يثبت أن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أشار على الحسين رضي الله عنه بالخروج إلى الكوفة، وما يروى عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه متضايقا من وجوده في مكة أو أنه أشار عليه بالخروج، كل هذا لم يثبت منه شيء، بل وجدت رواية صحيحة تثبت أنه نصحه بعدم الخروج إلى الكوفة.
20 -
الحسين رضي الله عنه لم يتوقع القتال أثناء خروجه للكوفة، ولذلك لا يصح عنه أنه استنجد بأحد في طريقه إليها.
21 -
كاد الصلح أن يقع بين الحسين رضي الله عنه وعبيد الله بن زياد لولا تدخل الشمر بن ذي الجوشن وزير السوء.
22 -
الحسين رضي الله عنه ومن معه لم يمنعوا من الماء، وما يروى في ذلك كله كذب.
23 -
أهل الكوفة من الشيعة كتبوا للحسين رضي الله عنه، ومهدوا له المسير إليهم، وأعطوه البيعة وواعده بالنصرة، ثم خرجوا لقتاله، والآمر بقتاله هو عبيد الله بن زياد، بمشورة من الشمر بن ذي الجوشن، وهو من حمل الرأس إليه، ولم يُحْمَل إلى الخليفة يزيد بن معاوية، وليس له يد في قتله.
24 -
لم يتعرض أحد من أهل الحسين رضي الله عنه ولا نسائه لأي أذى من قبل عبيد الله، ولا من قبل الخليفة يزيد بن معاوية حتى وصلوا إلى المدينة.
25 -
ندم عبيد الله بن الحر على عدم نصرته للحسين رضي الله عنه، ولم يثبت أن الحسين رضي الله عنه دعاه لنصرته فأبى.
26 -
لم يخلع أهل المدينة الخليفة يزيد بن معاوية إلا لأجل الشورى، ولا يصح شيء من المنكرات التي نسبت له، والأخبار التي تروى في ذلك نسجت بعد الحرة بزمن، ودليل ذلك أنه لا يوجد نص صحيح صريح يثبتها.
21 -
لم يثبت عن الخليفة يزيد بن معاوية أنه أوصى جيشه بأهل المدينة، وقد كان يتمنى السلامة من حربهم، وما يروى عنه في محاولة احتوائهم وإرجاعهم للبيعة عن طريق النعمان بن بشير رضي الله عنه وغيره لهو خير دليل على سلامة قصده.
22 -
تمسك عبد الله بن عمر رضي الله عنه في بيعة الخليفة يزيد بن معاوية ودفاعه عنها أصح شاهد على صواب بيعته، وعلى خطأ أهل المدينة في خلعه.
23 -
لم يفعل جيش الشام يوم الحرة في أهل المدينة غير القتل والنهب ولم يثبت غيره، ولا يوجد في ذلك القرن أعظم من ذلك.
24 -
شق على الخليفة يزيد بن معاوية ما أصاب أهل المدينة بعد الحرة، ولذلك جبرهم بالأعطيات، ولم يثبت عنه أنه شمت بهم أو تمثل بأبيات تفيد ذلك.
25 -
بعد موت الخليفة يزيد بن معاوية ركد حكم بني أمية بعض الشيء، فسيطر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على الحجاز و العراق والمشرق الإسلامي ثم عادت إلى حوزتهم بعد تسع سنوات من الخلاف والحروب وذلك بعد القضاء على عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من قبل الحجاج، وسبب هذا كله الفراغ الذي حدث في ولاية العهد بعد معاوية بن يزيد بن معاوية.
26 -
عظم أمر الخوارج بعد وفاة الخليفة يزيد بن معاوية وذلك بسبب الانقسام الحاصل بين بني أمية وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وكان المهلب حامل لواء حربهم وهو الذي قضى عليهم.
27 -
شد الحجاج على الخوارج بمؤازرته للمهلب حتى قضى عليهم وهذا يعد من حسناته.
28 -
دخل كثير من رجالات الشام في دعم مروان بن الحكم في الوصول للحكم، وقد شاركهم عبيد الله بن زياد في ذلك.
29 -
لم يثبت أن لأم خالد بن يزيد بن معاوية يد في موت مروان بن الحكم، ولا أنه عيرها بشيء.
30 -
يروى أن سبب قتل عمرو بن سعيد من قبل الخليفة عبد الملك بن مروان هو أنه خرج عليه، ولم يثبت أن مروان بن الحكم أوصى له بالحكم.
31 -
أحكم عبيد الله بن زياد وطأته على الخوارج ونكل بهم وهذا يعد من حسناته، وبعد موت الخليفة يزيد بن معاوية وإخراجه من العراق خرجوا من سجنه وأفسدوا أمر العراق وقتلوا مسعود بن عمرو.
32 -
كادت أن تقع فتنة بين العرب في العراق بسبب قتل مسعود بن عمرو لولا لطف الله ثم تدارك الأحنف بن قيس الذي تحمل ديته.
33 -
كان المختار بن أبي عبيد فاسدا في عقيدته، وقد حمل شعار حب
آل البيت وهم يتبرؤون منه، والمطالبة بثأر الحسين رضي الله عنه، ولأجل هذا اغتر به أهل العراق وأطاعوه فحدثت فتنة عظيمة، قتل بسببها الكثير من المسلمين.
34 -
تتبع المختار بن أبي عبيد لقتلة الحسين رضي الله عنه ليس حبًّا له وإنما تماشيا مع شعاره الذي حمله، ولعل الله سلط عليهم شر خلقه لقبح فعلهم وعظيم جرمهم.
35 -
لم يخفى على الكثير ممن عاصر المختار بن أبي عبيد فساده وقبح
سريرته، ولذلك تبرأ منه كبار أهل البيت مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنه ومحمد بن الحنفية، وهرب منه الشعبي وأسماء بن خارجة وغيرهم.
36 -
من أعظم أعمال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في سلطانه، القضاء على المختار بن أبي عبيد، وتخليص المسلمين من شره، على يد أخيه مصعب بن الزبير.
36 -
بعد قتل المختار، ظهرت شبهتان حول مصعب بن الزبير؛ الأولى قتل الآلاف المتبقين من أصحاب المختار، والثانية قتل امرأة المختار وكلها لم تثبت عنه، ولعل ظهور هذه الشبه جاءت بعد زمنه، وهي نكاية مبطنه ممن يولي المختار ويصوب منهجه.
37 -
لم يثبت أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ومحمد بن الحنفية تعرضوا لأي أذى من قبل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في زمن سلطانه.
38 -
خذل مصعب بن الزبير من قبل أغلب أهل العراق، كما فعلوا بالحسين بن علي رضي الله عنه من قبله، ولذلك فضل الموت على طريقته.
39 -
كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أهلًا للخلافة بشهادة ابن عباس رضي الله عنه، وابن عمر رضي الله عنه، ولكن الله يؤتي ملكه من يشاء.
40 -
إعادة بناء الكعبة والزيادة التي أحدثها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في سلطانه جاء تنفيذا لما تمناه الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها، وهدمها وإعادتها لما كانت عليه من قبل على يد الخليفة عبد الملك بن مروان كان جهلاً منه بحديث عائشة رضي الله عنها، وقد ندم على ذلك.
41 -
كانت فتنة ابن الأشعث وبالاً على أهل العراق، حيث سفكت فيها الكثير من الدماء، فلو أنهم أطاعوا أنس رضي الله عنه والحسن البصري ولم يخرجوا لكان خيراً لهم.
42 -
لم يكن للشعبي يدًا في إذكاء الفتنة بين ابن الأشعث والحجاج، وقد كانت أسباب فتنة ابن الأشعث تتلخص في سياسة الحجاج مع أهل العراق في الجهاد وغيره.
43 -
لم يؤثر عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل في أمر ابن الأشعث، بل حذر من الخروج عليه، ولهذا لم يثبت أن الحجاج عنّفه.
44 -
لم يقتل ابن الأشعث نفسه، وإنما مات بالسم أو بالقتل.
45 -
علاقة الخليفة عبد الملك بأبناء الخليفة يزيد بن معاوية حسنة، ولم يثبت أنه هددهم بالبيعة لأبنه الوليد بن عبد الملك.
46 -
الفتح الحقيقي لسمرقند كان على يد قتيبة بن مسلم الباهلي، وقد روي كذبا وزورا أنه فتحها غدرًا، بل إنه يروى أن الغدر تكرر من أهل سمرقند أنفسهم وذلك لأنها قد فتحت قبل قتيبة ثم غدرت.
47 -
استخلاف سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز كان برضاه واختياره؛ وليس لأن أولاده صغار، وقد كان لرجاء بن حيوة الأثر الكبير في ذلك.
48 -
كان الخليفة سليمان بن عبد الملك خليفة صالحا، وآخر ما تلفظ به «اللهم إني أسألك منقلبًا كريمًا» ، ولم يثبت انه تلفظ بأبيات تظهر ندمه على أنه لم يبايع لأحد من أبناءه.
49 -
لم يثبت أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رد الغصوب من بني أمية، ولا تسمى مظالم، وأن ما هي أعطيات منحت لهم من الخلفاء السابقين تأليفا لهم، وقد حاول عمر إرجاعها ولكنهم رفضوا ذلك، وارجع هو ومن أطاعه من أهل بيته ما أخذوا من أعطيات، وهذا زهدا منه، وزمانه يختلف عن زمان من قبله، فقد استتبت الدولة، أما المظالم فأخذها منهم ومن غيرهم.
50 -
جعلت الدعوة العباسية خراسان مسرحًا لها، وقد أخفت هدفها
بشعارات ترق لها العامة الذين تهافتوا في سبيل تحقيقها.
51 -
تساهل ولاة بني أمية مع دعاة العباسيين، أو أخذهم وقتلهم كلها أمور لم تأتي بنتيجة ملموسة في صد الدعوة العباسية، والأحسن من ذلك هو التتبع والبحث الحثيث للوصول إلى رؤوس الدعوة والقضاء عليهم.
52 -
وجد أئمة الدعوة العباسية في أبو مسلم الشخصية الحازمة الباطشة التي سخرت الموالي وسحقت العرب.
53 -
لو تمت المواجهة الحازمة مع الدعوة العباسية منذ بدايتها، وجعلت ولاية خراسان مرتبطة بالخليفة نفسه، وعين عليها رجلا حازما، لأمكن تداركها.
54 -
قام مؤلف الكتاب بتمجيد شخصية أبي مسلم الخراساني، وهذا نابع من قومية، وإلا فهو أول رجل دعا إلى القومية في الإسلام ونفذ إقصى الآخر، فقد أباد العرب بحد السيف وباسم بني العباس.
55 -
لم يثبت أن للخليفة هشام بن عبد الملك يدا في تأجيج الفتنة بين العرب وإحياء النعرات القبلية.
56 -
كان شعار الدعوة العباسية تخليص الناس من ظلم بني أمية، وقد جاءوا بأشنع مما كان عليه بني أمية، الذين كانت أعظم الفتن في حكمهم الدماء، فقد زادوا عليهم في المخالفات الدينية وسفكوا أضعاف أضعاف ما سفك في حقبة بني أمية.
57 -
ظهور مبدأ محاسبة الولاة بعد انتهاء ولاياتهم في أواخر حكم بن أمية يعتبر أول وهن أصاب دولتهم، فلو عمدوا على المتابعة أثناء الولاية لكان أجدر من الأخذ بعد الإهمال.
58 -
خالد بن عبد الله القسري، هو أحد رجالات دولة بني أمية أصابه مصير غريب أدى بحياته على يديهم، يشبه مصير سعيد بن جبير، ولعل ذلك
الجزاء من جنس العمل إن ثبت أنه من أسلمه للحجاج ليقتله.
59 -
أعظم خطر أصاب دولة بني أمية في أواخر حكمهم هي دعوة بني العباس، ودليل ذلك أنها هي من سحقت دولتهم، وليس ما حدث بين العرب أنفسهم كما صور هذا صاحب الكتاب وغيره.
60 -
مقتل الخليفة الوليد بن يزيد على يد ابن عمه يزيد بن الوليد هي فتنة أصابت وحدة البيت الأموي وبددت أركانه وهو آخر خليفة في الإسلام أجمعت الأمة على بيعة قاطبة وبعده لم تجتمع على أحد.
61 -
حمل يزيد بن الوليد على عاتقه إنكار المنكر ثم أقدم على قتل الخليفة الوليد بن يزيد، وهو بشخصه لم يسلم من المنكرات، فقد اتهم برأي القدرية.
62 -
جميع ما يذكر عن الوليد بن يزيد من المنكرات فيها مبالغة واضحة تحتاج إلى تثبت وتمحيص، وعندي أنه لا يثبت منها شيء، ويبدوا أن بعضها ألصقت للتخلص منه، والبعض الآخر زيد عليه بفعل الرواة ومنها وسمه ببعض الفواحش والمنكرات.
63 -
الوليد بن يزيد بدأ خلافته بما أذهبها، فقد قام بحملة تصفيات من بعض بني عمه وبعض الولاة فكثر الحانقين عليه، ولم يثبت أنه قال قصيدة في ذم اليمانية ولعله قيلت على لسانه للتأليب عليه.
64 -
هناك لبس تاريخي يحدث بين الخليفتين الوليد ين يزيد ويزيد بن الوليد فالأول زاد الناس ولم يثبت عنه مخالفات عقدية، والأخير أنقص الناس وثبت أن له مخالفات عقدية، ولهذا تجد أهل الأهواء من المؤرخين والرواة يثنون علي الأخير ويقدحون بالأول، كما فعل صاحب الكتاب، ولعل نشأة مثل هذا اللبس جاء لمحاولة تلميع الأخير وتحسين صورته، لدوره القبيح في وهن البيت الأموي.
65 -
لم يستتب الأمر ليزيد بن الوليد ولا لأخيه إبراهيم، حتى جاء مروان ابن محمد الذي حاول جمع شتات الخلافة ولم يلبث حتى داهمته قوات العباسيين وقضت على دولته.
66 -
مجيء مروان بن محمد إلى دمشق وتوليه مقاليد الحكم من إبراهيم جاء لمطالب من داخل البيت الأموي وليس للمضرية شأن في ذلك.
67 -
خروج الكرماني على نصر بن سيار هو من أضعف موقف العرب في خراسان تجاه دعوة بني العباس وليست العصبية القبلية، التي جاءت تبعا لهذه الفتنة.
68 -
كانت عقيدة أبو مسلم سيئة، وهو مَنْ أَذْكَى خلاف العرب.
69 -
خلدت قصيدة نصر بن سيار حاجته للعون والمدد من الأمويين، وهي خير دليل على أن الخطر الأكبر هو الدعوة العباسية، وفيها توثيق لمخالفاتها العقدية.
70 -
لا صحة لما ينسب عن مروان بن محمد بأن له علاقة بالجعد بن درهم، ولا يصح أيضا تلقيبه بالحمار، وإنما هذه اللقاب جاءت مصاحبة للدعوة العباسية نكاية به وتشنيعا عليه لجهوده في صدها.
71 -
انحصرت جهود أبي مسلم الخراساني لنصرة الدعوة العباسية في خراسان وبلاد المشرق، والذي تولى محاربة مروان بن محمد وملاحقته حتى قتله هم بني العباس أنفسهم.
72 -
من أسباب نجاح أبي مسلم في خراسان الخلافات بين العرب، و انشغال الخليفة مروان بن محمد بالفتن التي في الشام والعراق.
والحمد لله رب العالمين.
* * *
المصادر والمراجع
أولًا: المصادر
1 -
ابن أبي الدنيا: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي (المتوفى: 281 هـ)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، المحقق: إبراهيم صالح، الناشر: دار البشائر - دمشق، الطبعة: الأولى 1422 هـ.
2 -
ابن أبي الدنيا: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي (المتوفى: 281 هـ)، مكارم الأخلاق، المحقق: مجدي السيد إبراهيم، الناشر: مكتبة القرآن - القاهرة.
3 -
ابن أبي الدنيا: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي (المتوفى: 281 هـ)، المحتضرين، المحقق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم - بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م.
4 -
ابن أبي الدنيا: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي (المتوفى: 281 هـ)، النفقة على العيال، المحقق: د. نجم عبد الرحمن خلف، الناشر: دار ابن القيم - السعودية - الدمام، الطبعة: الأولى، 1410 هـ - 1990 م.
5 -
ابن أبي الدنيا: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي (المتوفى: 281 هـ)، الزهد لابن أبي الدنيا، الناشر: دار ابن كثير، دمشق، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م.
6 -
ابن أبي حاتم: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر
التميمي، الحنظلي، الرازي (المتوفى: 327 هـ)، الجرح والتعديل، الناشر: طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد الدكن - الهند، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، 1271 هـ 1952 م.
7 -
ابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235 هـ)، المصنف في الأحاديث والآثار، المحقق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، 1409 هـ.
8 -
ابن الأثير: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين (المتوفى: 630 هـ)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، المحقق: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1415 هـ - 1994 م.
9 -
ابن الأثير: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين (المتوفى: 630 هـ)، الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1417 هـ/ 1997 م.
10 -
ابن الأثير: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري (المتوفى: 606 هـ)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، 1399 هـ - 1979 م.
11 -
ابن الجوزي: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (المتوفى: 597 هـ)، الضعفاء والمتروكون، المحقق: عبد الله القاضي، الناشر:
دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ.
12 -
ابن الجوزي: جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد (المتوفى: 597 هـ)، الموضوعات، ضبط وتقديم وتحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر: محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى، جـ 1، 2: 1386 هـ - 1966 م، جـ 3: 1388 هـ - 1968 م.
13 -
ابن الساعي: علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله أبو طالب (المتوفى: 674 هـ)، الدر الثمين في أسماء المصنفين، تحقيق وتعليق: أحمد شوقي بنبين - محمد سعيد حنشي، الناشر: دار الغرب الإسلامي، تونس، الطبعة: الأولى، 1430 هـ - 2009 م.
14 -
ابن السائب: أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي (المتوفى: 204 هـ)، نسب معد واليمن الكبير، المحقق: الدكتور ناجي حسن، الناشر: عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، الطبعة: الأولى، 1408 هـ - 1988 م.
15 -
ابن العماد: عبد الحي بن أحمد بن محمد العَكري الحنبلي، أبو الفلاح (المتوفى: 1089 هـ)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، حققه: محمود الأرناؤوط، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير، دمشق - بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986 م.
16 -
ابن الفقيه: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق الهمداني (ت 365)، البلدان، المحقق: يوسف الهادي، الناشر: عالم الكتب، بيروت، الطبعة: الأولى، 1416 هـ - 1996 م.
17 -
ابن الملقن: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804 هـ)، مختصرُ استدراك الحافظ الذّهبي على مُستدرَك أبي عبد الله الحَاكم، تحقيق ودراسة: جـ 1، 2: عبد الله بن حمد اللحَيدَان،
جـ 3 - 7: سَعد بن عبد الله بن عبد العَزيز آل حميَّد، الناشر: دَارُ العَاصِمَة، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1411 هـ.
18 -
ابن النديم: أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي المعتزلي الشيعي (المتوفى: 438 هـ)، الفهرست، المحقق: إبراهيم رمضان، الناشر: دار المعرفة بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية 1417 هـ - 1997 م.
19 -
ابن الوردي: عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، أبو حفص، زين الدين المعري الكندي (المتوفى: 749 هـ)، تاريخ ابن الوردي، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1996 م.
20 -
ابن الوزير: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير (المتوفى: 840 هـ)، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة: الثالثة، 1415 هـ - 1994 م.
21 -
ابن بطال: أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: 449 هـ)، شرح صحيح البخاري لابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: مكتبة الرشد - السعودية/ الرياض، الطبعة: الثانية، 1423 هـ - 2003 م.
22 -
ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ)، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، المحقق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة:
الأولى، 1406 هـ - 1986 م.
23 -
ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1408 هـ - 1987 م.
24 -
ابن تيمية: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ)، جامع الرسائل، المحقق: د. محمد رشاد سالم، الناشر: دار العطاء - الرياض، الطبعة: الأولى 1422 هـ - 2001 م.
25 -
ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354 هـ)، الثقات، طبع بإعانة: وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية، تحت مراقبة: الدكتور محمد عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف العثمانية، الناشر: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة: الأولى، 1393 هـ- 1973 م.
26 -
ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354 هـ)، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، المحقق: محمود إبراهيم زايد، الناشر: دار الوعي - حلب، الطبعة: الأولى، 1396 هـ.
27 -
ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354 هـ)، مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار، حققه ووثقه وعلق عليه: مرزوق على إبراهيم، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة، الطبعة: الأولى
1411 هـ - 1991 م.
28 -
ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354 هـ)، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (المتوفى: 739 هـ)، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت.
29 -
ابن حجر العسقلاني: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفى: 852 هـ)، لسان الميزان، المحقق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: دار البشائر الإسلامية، الطبعة: الأولى، 2002 م.
30 -
ابن حجر العسقلاني: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفى: 852 هـ)، تهذيب التهذيب، الناشر: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة: الطبعة الأولى، 1326 هـ.
31 -
ابن حجر العسقلاني: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفى: 852 هـ)، تقريب التهذيب، المحقق: محمد عوامة، الناشر: دار الرشيد - سوريا، الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986 م.
32 -
ابن حجر العسقلاني: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفى: 852 هـ)، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، تحقيق: محمد علي النجار، مراجعة: علي محمد البجاوي، الناشر: المكتبة العلمية، بيروت - لبنان.
33 -
ابن حجر العسقلاني: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفى: 852 هـ)، تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، المحقق: د. عاصم بن عبد الله القريوتي، الناشر: مكتبة المنار - عمان، الطبعة: الأولى، 1403 هـ - 1983 م.
34 -
ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبدالعزيز بن عبد الله بن باز، الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ.
35 -
ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456 هـ)، جمهرة أنساب العرب، تحقيق: لجنة من العلماء، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1403/ 1983 م.
36 -
ابن حماد: أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي (المتوفى: 228 هـ)، كتاب الفتن، المحقق: سمير أمين الزهيري، الناشر: مكتبة التوحيد - القاهرة، الطبعة: الأولى، 1412 هـ.
37 -
ابن خرداذبة أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله (المتوفى: نحو 280 هـ)، المسالك والممالك، الناشر: دار صادر أفست ليدن، بيروت، عام النشر: 1889 م.
38 -
ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن محمد، أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (المتوفى: 808 هـ)، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، المحقق: خليل شحادة، الناشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة: الثانية، 1408 هـ - 1988 م.
39 -
ابن خلكان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البرمكي الإربلي (المتوفى: 681 هـ)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر - بيروت.
40 -
ابن خياط: أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري
البصري (المتوفى: 240 هـ)، تاريخ خليفة بن خياط، المحقق: د. أكرم ضياء العمري، الناشر: دار القلم، مؤسسة الرسالة - دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، 1397 هـ.
41 -
ابن دريد: أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي (المتوفى: 321 هـ)، الاشتقاق، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1411 هـ - 1991 م.
42 -
ابن دريد: أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي (المتوفى: 321 هـ)، جمهرة اللغة، المحقق: رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الأولى، 1987 م.
43 -
ابن رافع: عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث، أبو محمد المصري (المتوفى: 214 هـ)، سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، المحقق: أحمد عبيد، الناشر: عالم الكتب - بيروت - لبنان، الطبعة: السادسة، 1404 هـ - 1984 م.
44 -
ابن زكريا: أحمد بن فارس القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395 هـ)، معجم مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399 هـ - 1979 م.
45 -
ابن سعد: أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي (المتوفى: 230 هـ)، الجزء المتمم لطبقات ابن سعد [الطبقة الخامسة في من قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم أحداث الأسنان]، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى، 1968 م.
46 -
ابن سعد: أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي (المتوفى: 230 هـ)، الجزء المتمم لطبقات ابن سعد [الطبقة
الخامسة في من قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم أحداث الأسنان]، تحقيق: محمد بن صامل السلمي، الناشر: مكتبة الصديق - الطائف، الطبعة: الأولى، 1414 هـ - 1993 م.
47 -
ابن سعد: أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي (المتوفى: 230 هـ)، الجزء المتمم لطبقات ابن سعد [الطبقة الرابعة من الصحابة ممن أسلم عند فتح مكة وما بعد ذلك]، تحقيق ودراسة: الدكتور/ عبد العزيز عبد الله السلومي، الناشر: مكتبة الصديق - الطائف، المملكة العربية السعودية، عام النشر: 1416 هـ.
48 -
ابن سلّام: محمد بن سلّام (بالتشديد) بن عبيد الله الجمحي بالولاء، أبو عبد الله (المتوفى: 232 هـ)، طبقات فحول الشعراء، المحقق: محمود محمد شاكر، الناشر: دار المدني - جدة.
49 -
ابن سيده: أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي (ت: 458 هـ)، المحكم والمحيط الأعظم، المحقق: عبد الحميد هنداوي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2000 م.
50 -
ابن شبة: عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: 262 هـ)، تاريخ المدينة لابن شبة، حققه: فهيم محمد شلتوت، طبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد - جدة، عام النشر: 1399 هـ.
51 -
ابن شمائل القطيعي: عبدالمؤمن بن عبدالحق، البغدادي، الحنبلي، صفيّ الدين (المتوفى: 739 هـ)، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، الناشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، 1412 هـ.
52 -
ابن عباس: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (المتوفى: 68 هـ) - ينسب له -،
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، جمعه: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (المتوفى: 817 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية- لبنان.
53 -
ابن عبد ربه: أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم المعروف الأندلسي (المتوفى: 328 هـ)، العقد الفريد، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1404 هـ.
54 -
ابن عبدالبر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، المحقق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، 1412 هـ - 1992 م.
55 -
ابن عساكر: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله (المتوفى: 571 هـ)، تاريخ دمشق، المحقق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415 هـ - 1995 م.
56 -
ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (المتوفى: 276 هـ)، المعارف، تحقيق: ثروت عكاشة، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة: الثانية، 1992 م.
57 -
ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (المتوفى: 276 هـ)، الشعر والشعراء، الناشر: دار الحديث، القاهرة، عام النشر: 1423 هـ.
58 -
ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (المتوفى: 276 هـ)، عيون الأخبار، الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت، تاريخ النشر: 1418 هـ.
59 -
ابن قدامة: قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد البغدادي، أبو الفرج (المتوفى: 337 هـ)، الخراج وصناعة الكتابة، الناشر: دار الرشيد للنشر، بغداد، الطبعة: الأولى، 1981 م.
60 -
ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي البصري ثم الدمشقي
(المتوفى: 774 هـ)، التَّكْميل في الجَرْح والتَّعْدِيل ومَعْرِفة الثِّقَات والضُّعفاء والمجَاهِيل، دراسة وتحقيق: د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، الناشر: مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، اليمن، الطبعة: الأولى، 1432 هـ - 2011 م.
61 -
ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي (المتوفى: 774 هـ)، البداية والنهاية، المحقق: علي شيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى 1408 هـ - 1988 م.
62 -
ابن ماكولا: سعد الملك، أبو نصر علي بن هبة الله بن جعفر (المتوفى: 475 هـ)، الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى 1411 هـ-1990 م.
63 -
ابن منظور: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711 هـ)، لسان العرب، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الثالثة - 1414 هـ.
64 -
ابن منظور: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711 هـ)، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، المحقق: روحية النحاس، رياض عبد الحميد مراد، محمد مطيع، دار النشر: دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق - سوريا، الطبعة: الأولى، 1402 هـ - 1984 م.
65 -
أبو البركات الأنباري: عبدالرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، كمال الدين (المتوفى: 577 هـ)، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، المحقق: إبراهيم السامرائي، الناشر: مكتبة المنار، الزرقاء - الأردن، الطبعة: الثالثة،
1405 هـ - 1985 م.
66 -
أبو العرب: محمد بن أحمد بن تميم التميمي المغربي الإفريقي (المتوفى: 333 هـ)، المحن، المحقق: د عمر سليمان العقيلي، الناشر: دار العلوم - الرياض - السعودية، الطبعة: الأولى، 1404 هـ - 1984 م.
67 -
أبو الفداء: زين الدين قاسم بن قُطْلُوبَغَا السُّودُونِي الجمالي الحنفي (المتوفى: 879 هـ)، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (يُنشر لأول مرة على نسخة خطية فريدة بخطِّ الحافظ شمس الدين السَّخاوي المتوفى سنة 902 هـ)، دراسة وتحقيق: شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، الناشر: مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة صنعاء، اليمن، الطبعة: الأولى، 1432 هـ - 2011 م.
68 -
أبو الفرج الأصبهاني: علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي القرشي، (المتوفى: 356 هـ)، مقاتل الطالبيين، المحقق: السيد أحمد صقر، الناشر: دار المعرفة، بيروت.
69 -
أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد البجلي الرازي ثم الدمشقي (المتوفى: 414 هـ)، الفوائد، المحقق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، 1412 هـ.
70 -
أبو حيان التوحيدي: علي بن محمد بن العباس (المتوفى: نحو 400 هـ)، البصائر والذخائر، المحقق: د/ وداد القاضي، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى، 1408 هـ - 1988 م.
71 -
أبو داود: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275 هـ)، سنن أبي داود، المحقق: محمد محيي
الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.
72 -
أبو داود: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275 هـ)، سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني في الجرح والتعديل، المحقق: محمد علي قاسم العمري، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1403 هـ/ 1983 م.
73 -
أبو زرعة: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري الدمشقي (المتوفى: 281 هـ)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي، رواية: أبي الميمون بن راشد، دراسة وتحقيق: شكر الله نعمة الله القوجاني (أصل رسالة ماجستير بكلية الآداب - بغداد)، الناشر: مجمع اللغة العربية - دمشق.
74 -
أبو سعد الآبي: منصور بن الحسين الرازي، (المتوفى: 421 هـ)، نثر الدر في المحاضرات، المحقق: خالد عبد الغني محفوظ، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت/ لبنان، الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2004 م.
75 -
أبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن سليمان بن خالد بن عبد الرحمن بن زبر الربعي (المتوفى: 379 هـ)، وصايا العلماء عند حضور الموت، المحقق: صلاح محمد الخيمي والشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير - دمشق - بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986 م.
76 -
الآجُرِّي: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي (المتوفى: 360 هـ)، الشريعة، المحقق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن - الرياض/ السعودية، الطبعة: الثانية، 1420 هـ - 1999 م.
77 -
الآجُرِّي: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي (المتوفى:
360 هـ)، أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز رحمه الله وسيرته، المحقق: د. عبدالله عبد الرحيم عيلان، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت/ سورية، الطبعة: الثانية، 1980 م - 1400 هـ.
78 -
الأزرقي: أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق الغساني المكي (المتوفى: 250 هـ)، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، المحقق: رشدي الصالح ملحس، الناشر: دار الأندلس للنشر - بيروت.
79 -
الإسفراييني: طاهر بن محمد، أبو المظفر (المتوفى: 471 هـ)، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، المحقق: كمال يوسف الحوت، الناشر: عالم الكتب - لبنان، الطبعة: الأولى، 1403 هـ - 1983 م.
80 -
الإسفراييني: عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي التميمي، أبو منصور (المتوفى: 429 هـ)، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، الناشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة: الثانية، 1977.
81 -
الأصبهاني: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (المتوفى: 430 هـ)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، 1394 هـ - 1974 م.
82 -
الأصبهاني: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (المتوفى: 430 هـ)، معرفة الصحابة، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى 1419 هـ - 1998 م.
83 -
الأصفهاني: أبو على أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي (المتوفى:
421 هـ)، شرح ديوان الحماسة، المحقق: غريد الشيخ، وضع فهارسه العامة: إبراهيم شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2003 م.
84 -
الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري (المتوفى: 1420 هـ)، صحيح الجامع الصغير وزياداته، الناشر: المكتب الإسلامي.
85 -
الآمدي: أبو القاسم الحسن بن بشر (المتوفى: 370 هـ)، المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم وبعض شعرهم، المحقق: الأستاذ الدكتور ف. كرنكو، الناشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 هـ - 1991 م.
86 -
البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422 هـ.
87 -
البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله (المتوفى: 256 هـ)، التاريخ الكبير، الطبعة: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن، طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان.
88 -
البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله (المتوفى: 256 هـ)، الأدب المفرد، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة: الثالثة، 1409 هـ - 1989 م.
89 -
البرقوقي: عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن سيد بن أحمد الأديب المصري (المتوفى: 1363 هـ)، الذخائر والعبقريات - معجم ثقافي جامع،
الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، مصر.
90 -
البُرِّي: محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التِّلمساني (المتوفى: بعد 645 هـ)، الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة، نقحها وعلق عليها: د. محمد التونجي، الأستاذ بجامعة حلب، الناشر: دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع - الرياض، الطبعة: الأولى، 1403 هـ - 1983 م.
91 -
البزار: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي (المتوفى: 292 هـ)، مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار، المحقق: محفوظ الرحمن زين الله، (حقق الأجزاء من 1 إلى 9)، وعادل بن سعد (حقق الأجزاء من 10 إلى 17)، وصبري عبد الخالق الشافعي (حقق الجزء 18)، الناشر: مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، (بدأت 1988 م، وانتهت 2009 م).
92 -
البغوي: أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهنشاه (المتوفى: 317 هـ)، معجم الصحابة، المحقق: محمد الأمين بن محمد الجكني، الناشر: مكتبة دار البيان - الكويت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2000 م.
93 -
البكري: أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد الأندلسي (المتوفى: 487 هـ)، سمط اللآلي في شرح أمالي القالي نسخه وصححه ونقحه وحقق ما فيه واستخرجه من بطون دواوين العلم: عبد العزيز الميمني، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
94 -
البَلَاذُري: أحمد بن يحيى بن جابر بن داود (المتوفى: 279 هـ)، جمل من أنساب الأشراف.
95 -
ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني
(المتوفى: 728 هـ)، رأس الحسين، تحقيق ودراسة: الدكتور السيد الجميلي.
96 -
البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر (المتوفى: 458 هـ)، السنن الكبرى، المحقق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنات، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م.
97 -
البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر (المتوفى: 458 هـ)، دلائل النبوة، المحقق: د. عبد المعطي قَلْعجي، الناشر: دار الكتب العلمية، دار الريان للتراث، الطبعة: الأولى - 1408 هـ - 1988 م.
98 -
البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر (المتوفى: 458 هـ)، شعب الإيمان، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، 1423 هـ - 2003 م.
99 -
البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر (المتوفى: 458 هـ)، الآداب للبيهقي، اعتنى به وعلق عليه: أبو عبد الله السعيد المندوه، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1408 هـ- 1988 م.
100 -
الجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، (المتوفى: 255 هـ)، البيان والتبيين، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت، عام النشر: 1423 هـ.
101 -
الجرجاني: أبو أحمد بن عدي (المتوفى: 365 هـ)، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-علي محمد معوض، شارك في تحقيقه: عبد الفتاح أبو سنة، الناشر: الكتب العلمية - بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ- 1997 م.
102 -
الجوهري: أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي (المتوفى: 393 هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الرابعة 1407 هـ- 1987 م.
103 -
الحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: 405 هـ)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 هـ - 1990 م.
104 -
الحربي: إبراهيم بن إسحاق أبو إسحاق (198 - 285 هـ)، غريب الحديث، المحقق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، الناشر: جامعة أم القرى - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، 1405 هـ.
105 -
الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي (المتوفى: 626 هـ)، معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1414 هـ - 1993 م.
106 -
الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي (المتوفى: 626 هـ)، معجم البلدان، الناشر: دار صادر، بيروت، الطبعة: الثانية، 1995 م.
107 -
الحِميري: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم (المتوفى:
900 هـ)، الروض المعطار في خبر الأقطار، المحقق: إحسان عباس، الناشر: مؤسسة ناصر للثقافة - بيروت - طبع على مطابع دار السراج، الطبعة: الثانية، 1980 م.
108 -
الحميري: نشوان بن سعيد اليمني (المتوفى: 573 هـ)، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، المحقق: د. حسين بن عبد الله العمري - مطهر بن علي الإرياني - د. يوسف محمد عبد الله، الناشر: دار الفكر المعاصر (بيروت - لبنان)، دار الفكر (دمشق - سورية)، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م.
109 -
الخطابي: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي (المتوفى: 388 هـ)، غريب الحديث، المحقق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، وخرج أحاديثه: عبد القيوم عبد رب النبي، الناشر: دار الفكر، الطبعة: 1402 هـ - 1982 م.
110 -
الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي (المتوفى: 463 هـ)، تاريخ بغداد وذيوله، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 هـ.
111 -
الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي (المتوفى: 463 هـ)، تالي تلخيص المتشابه، المحقق: مشهور بن حسن آل سلمان، أحمد الشقيرات، الناشر: دار الصميعي - الرياض، الطبعة: الأولى، 1417 هـ.
112 -
الدولابي: أبو بِشْر محمد بن أحمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الرازي (المتوفى: 310 هـ)، الكنى والأسماء، المحقق: أبو قتيبة نظر
محمد الفاريابي، الناشر: دار ابن حزم - بيروت/ لبنان، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2000 م.
113 -
الدينوري: أبو بكر أحمد بن مروان (المتوفى: 333 هـ)، المجالسة وجواهر العلم، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: جمعية التربية الإسلامية (البحرين - أم الحصم)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان)، تاريخ النشر: 1419 هـ.
114 -
الدينوري: أبو حنيفة أحمد بن داود (المتوفى: 282)، الأخبار الطوال، تحقيق: عمر فاروق الطباع، الناشر: دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى 1415 هـ.
115 -
الدينوري: أبو حنيفة أحمد بن داود (المتوفى: 282 هـ)، الأخبار الطوال، تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال، الناشر: دار إحياء الكتب العربي - عيسى البابي الحلبي وشركاه/ القاهرة، الطبعة: الأولى، 1960 م.
116 -
الدينوري: أبو حنيفة ت 282، الأخبار الطوال، تحقيق: الدكتور عصام علي الحاج، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية: 1433 - 2012.
117 -
الدينوري: أبي حنيفة أحمد بن داود، كتاب النبات، الجزء الثالث والنصف الأول من الجزء الخامس، حققه وشرحه وقدم له: برنهارد لفين، دار النشر: دار فرانزشتاينز بفيسبادن، الطبعة: 1394 هـ - 1947 م.
118 -
الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز (المتوفى: 748 هـ)، سير أعلام النبلاء، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة،
1405 هـ/ 1985 م.
119 -
الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز (المتوفى: 748 هـ)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، المحقق: عمر عبد السلام التدمري، الناشر: دار العربي، بيروت، الطبعة: الثانية، 1413 هـ - 1993 م.
120 -
الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز (المتوفى: 748 هـ)، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1382 هـ - 1963 م.
121 -
الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز (المتوفى: 748 هـ)، ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين، المحقق: حماد بن محمد الأنصاري، الناشر: مكتبة النهضة الحديثة - مكة، الطبعة: الأولى.
122 -
الرازي: زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي (المتوفى: 666 هـ)، مختار الصحاح، المحقق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا، الطبعة: الخامسة، 1420 هـ/ 1999 م.
123 -
الراغب الأصفهاني: أبو القاسم الحسين بن محمد (المتوفى: 502 هـ)، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الناشر: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت، الطبعة: الأولى، 1420 هـ.
124 -
الرافعي: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم القزويني (المتوفى: 623 هـ)، التدوين في أخبار قزوين، المحقق: عزيز الله العطاردي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: 1408 هـ-1987 م.
125 -
الربعي: أبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن سليمان بن خالد بن عبدالرحمن بن زبر (المتوفى: 379 هـ)، تاريخ مولد العلماء ووفياتهم، المحقق: د. عبدالله أحمد سليمان الحمد، الناشر: دار العاصمة - الرياض، الطبعة: الأولى، 1410 هـ.
126 -
الرُّوياني: أبو بكر محمد بن هارون (المتوفى: 307 هـ)، مسند الروياني، المحقق: أيمن علي أبو يماني، الناشر: مؤسسة قرطبة - القاهرة، الطبعة: الأولى، 1416 هـ.
127 -
الزبيري: مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، أبو عبد الله (المتوفى: 236 هـ)، نسب قريش، المحقق: ليفي بروفنسال، أستاذ اللغة والحضارة بالسوربون، ومدير معهد الدروس الإسلامية بجامعة باريس سابقًا، الناشر: دار المعارف، القاهرة، الطبعة: الثالثة.
128 -
الزجاجي: عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي النهاوندي، أبو القاسم (المتوفى: 337 هـ)، الأمالي، تحقيق: عبد السلام هارون، الناشر: دار الجيل - بيروت، الطبعة: الثانية، 1407 هـ - 1987 م.
129 -
الزمخشري: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، جار الله (المتوفى: 538 هـ)، المستقصى في أمثال العرب، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية، 1987 م.
130 -
الزمخشري: جار الله (توفي 583 هـ)، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، الناشر: مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1412 هـ.
131 -
السلمي: أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حرب المروزي (المتوفى: 246 هـ)، البر والصلة (عن ابن المبارك وغيره)، المحقق: د. محمد سعيد بخاري، الناشر: دار الوطن - الرياض، الطبعة: الأولى، 1419 هـ.
132 -
السمعاني: عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي المروزي، أبو سعد (المتوفى: 562 هـ)، الأنساب، المحقق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة: الأولى، 1382 هـ - 1962 م.
133 -
الشهرستاني: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد (المتوفى: 548 هـ)، الملل والنحل، الناشر: مؤسسة الحلبي.
134 -
الشيباني: أبو بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد (المتوفى: 287 هـ)، السنة، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، 1400 هـ
135 -
الشيباني: أبو بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد (المتوفى: 287 هـ)، الآحاد والمثاني، المحقق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة، الناشر: دار الراية - الرياض، الطبعة: الأولى، 1411 هـ - 1991 م.
136 -
الشيباني: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد (المتوفى: 241 هـ)، فضائل الصحابة، المحقق: د. وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، 1403 هـ - 1983 م.
137 -
الشيباني: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد (المتوفى: 241 هـ)، مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابن أبي الفضل صالح (203 هـ - 266 هـ)، الناشر: الدار العلمية - الهند.
138 -
الشيباني: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد (المتوفى: 241 هـ)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر:
مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م.
139 -
الصفدي: صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله (المتوفى: 764 هـ)، الوافي بالوفيات، المحقق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث - بيروت، عام النشر: 1420 هـ- 2000 م.
140 -
الصنعاني: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني (المتوفى: 211 هـ)، المصنف، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي- الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، 1403 هـ.
141 -
الصنعاني: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني (المتوفى: 211 هـ)، الأمالي في آثار الصحابة للحافظ الصنعاني، المحقق: مجدي السيد إبراهيم، الناشر: مكتبة القرآن - القاهرة.
142 -
الطائي: حبيب بن أوس بن الحارث، أبو تمام: الشاعر، الأديب (المتوفى: 231 هـ)، الوَحشيَّات وهوَ الحمَاسَة الصُّغرى، علق عليه وحققه: عبد العزيز الميمني الراجكوتي، وزاد في حواشيه: محمود محمد شاكر، الناشر: دار المعارف، القاهرة، الطبعة: الثالثة.
143 -
الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم (المتوفى: 360 هـ)، الروض الداني (المعجم الصغير)، المحقق: محمد شكور محمود الحاج أمرير، الناشر: المكتب الإسلامي، دار عمار - بيروت، عمان، الطبعة: الأولى، 1405 هـ - 1985 م.
144 -
الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم (المتوفى: 360 هـ)، المعجم الكبير، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة: الثانية.
145 -
الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي،
أبو القاسم (المتوفى: 360 هـ)، المعجم الأوسط، المحقق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين - القاهرة.
146 -
الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي،
أبو جعفر (المتوفى: 310 هـ)، المنتخب من ذيل المذيل، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان.
147 -
الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي،
أبو جعفر (المتوفى: 310 هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م.
148 -
الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر (المتوفى: 310 هـ)، تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري، (صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369 هـ)، الناشر: دار التراث - بيروت، الطبعة: الثانية - 1387 هـ.
149 -
الطحاوي: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري (المتوفى: 321 هـ)، شرح مشكل الآثار، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1415 هـ- 1494 م.
150 -
العسكري: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران (المتوفى: نحو 395 هـ)، الأوائل، الناشر: دار البشير، طنطا، الطبعة: الأولى، 1408 هـ.
151 -
العسيري: أحمد معمور، موجز التاريخ الإسلامي منذ آدم عليه السلام-
إلى عصرنا الحاضر، الناشر: غير معروف، (فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض).
152 -
العلوي: محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني أبو جعفر الأفطسي الطرابلسي (المتوفى: بعد 515 هـ)، المجموع اللفيف، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1425 هـ.
153 -
الفاكهي: أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي (المتوفى: 272 هـ)، أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، المحقق: د. عبد الملك عبد الله دهيش، الناشر: دار خضر - بيروت، الطبعة: الثانية، 1414 هـ.
154 -
فخر الدين الرازي: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي (المتوفى: 606 هـ)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، المحقق: علي سامي النشار، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
155 -
الفراهيدي" أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم البصري (المتوفى: 170 هـ)، كتاب العين، المحقق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال.
156 -
الفسوي: يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي، أبو يوسف (المتوفى: 277 هـ)، المعرفة والتاريخ، المحقق: أكرم ضياء العمري، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الثانية، 1401 هـ- 1981 م.
157 -
الفيروزآبادي: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (المتوفى: 817 هـ)، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الثامنة، 1426 هـ - 2005 م.
158 -
القاضي عياض: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي
السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544 هـ)، شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِي عِيَاض المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، المحقق: الدكتور يحيى إِسماعيل، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1998 م.
159 -
القزويني: أبو يعلى الخليلي، خليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل (المتوفى: 446 هـ)، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، المحقق: د. محمد سعيد عمر إدريس، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، 1409 هـ.
160 -
القزويني: زكريا بن محمد بن محمود (المتوفى: 682 هـ)، آثار البلاد وأخبار العباد، الناشر: دار صادر - بيروت.
161 -
القضاعي: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد الكلبي الْمِزِّيّ (المتوفى: 742 هـ)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المحقق: د. بشار عواد معروف، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، 1400 هـ - 1980 م.
162 -
القفطي: جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف (المتوفى: 646 هـ)، إنباه الرواة على أنباه النحاة، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1982 م.
163 -
الكَسّي: أبو محمد عبد الحميد بن حميد بن نصر ويقال له: الكَشّي بالفتح والإعجام (المتوفى: 249 هـ)، المنتخب من مسند عبد بن حميد، تحقيق: الشيخ مصطفى العدوي، الناشر: دار بلنسية للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1423 هـ - 2002 م.
164 -
الكوفي: أحمد بن محمد (ت 314)، كتاب الفتوح، تحقيق: علي شيري، الناشر: دار الأضواء، الطبعة الأولى: عام 1411 هـ.
165 -
اللالكائي: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي (المتوفى: 418 هـ)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الناشر: دار طيبة - السعودية، الطبعة: الثامنة، 1423 هـ/ 2003 م.
166 -
المبرد: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، (المتوفى: 285 هـ)، التعازي والمراثي والمواعظ والوصايا، تقديم وتحقيق: إبراهيم محمد حسن الجمل، مراجعة: محمود سالم، الناشر: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.
167 -
المبرد: محمد بن يزيد، أبو العباس (المتوفى: 285 هـ)، الكامل في اللغة والأدب، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة، الطبعة: الطبعة الثالثة 1417 هـ - 1997 م.
168 -
محيي الدين الحنفي: عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي، أبو محمد، (المتوفى: 775 هـ)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، الناشر: مير محمد كتب خانه - كراتشي.
169 -
المرزباني: أبو عبيد الله محمد بن عمران (المتوفى: 384 هـ)، معجم الشعراء، بتصحيح وتعليق: الأستاذ الدكتور ف. كرنكو، الناشر: مكتبة القدسي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية، 1402 هـ - 1982 م.
170 -
المَرْوَزِي: أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج (المتوفى: 294 هـ)، تعظيم قدر الصلاة، المحقق: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الناشر: مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1406 هـ.
171 -
المسعودي: أبو الحسن علي بن الحسين بن على (المتوفى: 346 هـ)، التنبيه والإشراف، تصحيح: عبد الله إسماعيل الصاوي، الناشر: دار الصاوي - القاهرة.
172 -
المسعودي: علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: كمال حسن مرعي، الطبعة: الأولى، 1432 هـ، الناشر: شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر - بيروت-لبنان.
173 -
مسكويه: أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب (المتوفى: 421 هـ)، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، المحقق: أبو القاسم إمامي، الناشر: سروش، طهران، الطبعة: الثانية، 2000 م.
174 -
مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261 هـ)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
175 -
المعافري: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543 هـ)، العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قدم له وعلق عليه: محب الدين الخطيب رحمه الله، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1419 هـ.
176 -
المعافري: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213 هـ)، السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1375 هـ - 1955 م.
177 -
المعافى: أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى الجريري النهرواني (المتوفى: 390 هـ)، الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي، المحقق: عبد الكريم سامي الجندي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى 1426 هـ - 2005 م.
178 -
المنقري: ابن مزاحم (ت 212)، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الناشر: المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثانية: 1382 هـ.
179 -
الموصلي: أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي، (المتوفى: 307 هـ)، مسند أبي يعلى، المحقق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة: الأولى، 1404 - 1984، عدد الأجزاء: 13، 12 -
180 -
الموصلي: محمد بن حوقل البغدادي، أبو القاسم (المتوفى: بعد 367 هـ)، صورة الأرض، الناشر: دار صادر، أفست ليدن، بيروت، عام النشر: 1938 م.
181 -
مؤلف أخبار الدولة العباسية - مجهول (المتوفى: ق 3 هـ)، أخبار الدولة العباسية وفيه أخبار العباس وولده، تحقيق: عبد العزيز الدوري، عبد الجبار المطلبي، الناشر: دار الطليعة، بيروت.
182 -
النووي: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف (المتوفى: 676 هـ)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثانية، 1392 هـ.
183 -
النيسابوري: أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني (المتوفى: 518 هـ)، مجمع الأمثال، المحقق: محمد محيى الدين عبد الحميد،
الناشر: دار المعرفة - بيروت، لبنان.
184 -
الهيثمي: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان (المتوفى: 807 هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، المحقق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، عام النشر: 1414 هـ - 1994 م.
185 -
الواسطي: الباغندي الصغير محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الأزدي، أبو بكر (المتوفى: 312 هـ)، مسند أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، المحقق: محمد عوامة، الناشر: مؤسسة علوم القرآن - دمشق، الطبعة: 1404 هـ.
186 -
الواقدي: محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، (المتوفى: 207 هـ)، المغازي، تحقيق: مارسدن جونس، الناشر: دار الأعلمي - بيروت، الطبعة: الثالثة، 1409 هـ/ 1989 م.
187 -
وكيع: أبو بكرٍ محمد بن خلف بن حيان بن صدقة الضبي البغدادي، (المتوفى: 306 هـ)، أخبار القضاة، المحقق: صححه وعلق عليه وخرّج أحاديثه: عبد العزيز مصطفى المراغي، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى، بشارع محمد علي بمصر لصاحبها: مصطفى محمد، الطبعة: الأولى، 1366 هـ= 1947 م.
188 -
اليعقوبي: أحمد بن إسحاق (أبو يعقوب) بن جعفر بن وهب بن واضح (المتوفى: بعد 292 هـ)، البلدان، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1422 هـ.
ثانيًا: المراجع
189 -
إحسان: إحسان إلهي ظهير الباكستاني (المتوفى: 1407 هـ)، الشيعة وأهل البيت، الناشر: إدارة ترجمان السنة، لاهور - باكستان.
190 -
الأسد: ناصر الدين، مصادر الشعر الجاهلي، الناشر: دار المعارف بمصر، الطبعة: السابعة 1988 م.
191 -
الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري (المتوفى: 1420 هـ)، صحيح الجامع الصغير وزياداته، الناشر: المكتب الإسلامي.
192 -
الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري (المتوفى: 1420 هـ)، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى.
193 -
الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري (المتوفى: 1420 هـ)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، الناشر: دار المعارف، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1412 هـ/ 1992 م.
194 -
الأمير: محمد علي بن محمد توفيق بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي (المتوفى: 1374 هـ)، الرحلة الشامية (1910)، حرّرها وقدّم لها: علي أحمد كنعان، الناشر: دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي - الإمارات العربية المتحدة، المؤسسة العربية، للدراسات والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 2002 م.
195 -
البرزنجي: محمد بن طاهر، صحيح وضعيف تاريخ الطبري، إشراف: محمد صبحي حسن حلاق، مراجعة: أ. د. أكرم ضياء العمري، وأ. د. عماد الدين خليل، الناشر: دار ابن كثير للنشر والتوزيع. دمشق بيروت الطبعة الأولى: 1428 هـ.
196 -
بكار: د. يوسف حسين، ديوان زياد بن الأعجم، الناشر: دار الميسرة، الطبعة الأولى 1403 هـ.
197 -
بكر أبو زيد: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: 1429 هـ)، طبقات النسابين، الناشر: دار الرشد، الرياض، الطبعة: الأولى، 1407 هـ - 1987 م.
198 -
البلادي: عاتق بن غيث بن زوير بن زاير بن حمود بن عطية بن صالح الحربي (المتوفى: 1431 هـ)، معالم مكة التأريخية والأثرية، الناشر: دار مكة للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1400 هـ - 1980 م.
199 -
الحكمي: حافظ بن أحمد بن علي (المتوفى: 1377 هـ)، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، الناشر: دار ابن القيم - الدمام، الطبعة: الأولى، 1410 هـ - 1990 م.
200 -
الزَّبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، (المتوفى: 1205 هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية.
201 -
الزركلي: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الدمشقي (المتوفى: 1396 هـ)، الأعلام، الناشر: دار العلم للملايين، الطبعة: الخامسة عشر - أيار/ مايو 2002 م.
202 -
زكي: محمد أمين، مشاهير الكرد وكردستان في الدولة الإسلامية، الناشر: مطبعة التفيض الأهلية ببغداد، الطبعة: عام 1364 هـ-1945 م.
203 -
السامرائي: د. عبد الله سلوم، الشعوبية حركة مضادة للإسلام والأمة العربية، الإيداع في المكتبة الوطنية - بغداد برقم 648 - سنة 1984 م.
204 -
السعدي: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر
ابن حمد (المتوفى: 1376 هـ)، القول السديد شرح كتاب التوحيد، المحقق: المرتضى الزين أحمد، الناشر: مجموعة التحف النفائس الدولية، الطبعة: الثالثة.
205 -
السلمي: د. محمد بن صامل، منهج كتابة التاريخ الإسلامي، مع دراسة لتطور التدوين ومناهج المؤرخين حتى نهاية القرن الثالث الهجري، الناشر: دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة: الأولى شوال 1429 هـ.
206 -
شاكر: أحمد، التاريخ الإسلامي، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة السابعة 1421 هـ.
207 -
الشيباني: د. محمد بن عبد الهادي، موقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية، دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض الطبعة الثانية 1430 هـ.
208 -
الطهراني: الشيخ آغا بزك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الناشر: دار الأضواء للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة، 1984 م.
209 -
عسيلان: د. عبدالله بن عبدالرحيم، رسالة (كتاب الإمامة والسياسة في ميزان التحقيق العلمي)، الناشر: مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى 1405 هـ.
210 -
علي: د. جواد (المتوفى: 1408 هـ)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الناشر: دار الساقي، الطبعة: الرابعة 1422 هـ/ 2001 م.
211 -
عمر: د. أحمد مختار عبد الحميد (المتوفى: 1424 هـ)، معجم اللغة العربية المعاصرة، بمساعدة فريق عمل، الناشر: عالم الكتب، الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م.
212 -
العنسي: أبو عبد الله محمد بن أحمد المصنعي، مصباح الأريب في تقريب الرواة الذين ليسوا في تقريب التهذيب، قرظه وقدم له: محمد بن عبد الوهاب الوصابي، الناشر: مكتبة صنعاء الأثرية، اليمن - الفاروق
الحديثة للطباعة والنشر، مصر، الطبعة: الأولى، 1426 هـ - 2005 م (جـ 4: 2009 م).
213 -
عواجي: د. غالب بن علي، فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، الناشر: المكتبة العصرية الذهبية للطباعة والنشر والتسويق، جدة، الطبعة: الرابعة، 1422 هـ - 2001 م.
214 -
العوشن: د. محمد بن عبد الله، ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية، الناشر: دار طيبة.
215 -
الغيث: د. خالد بن محمد، مرويات خلافة معاوية رضي الله عنه في تاريخ الطبري دراسة نقدية مقارنة، الناشر: دار الأندلس الخضراء - جدة، الطبعة الأولى 1420 هـ.
216 -
قلعجي: محمد رواس- قنيبي: حامد صادق، معجم لغة الفقهاء، الناشر: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1408 هـ - 1988 م.
217 -
كي: لسترنج (ت 1933 م)، بلدان الخلافة الإسلامية، نقله إلى العربية وعلق عليه: بشير فرنسيس وكوركيس عواد، الناشر: مؤسسة الرسالة.
218 -
نويهض: عادل، معجم المفسرين «من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر» ، قدم له: مُفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد، الناشر: مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة، 1409 هـ - 1988 م.
219 -
يوسف: محمد خير بن رمضان بن إسماعيل، تكملة معجم المؤلفين، وفيات (1397 - 1415 هـ) = (1977 - 1995 م)، الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997 م.