المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الدرر الثرية من الفتاوى البازية منتقاة من: (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة) لسماحة - الدرر الثرية من الفتاوى البازية

[ابن باز]

فهرس الكتاب

الدرر الثرية من الفتاوى البازية

منتقاة من: (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة)

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

تقديم

اللجنة العلمية في مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية

ص: 1

ح

عبد الرحمن بن محمد الحميزي، 1432 هـ

فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر

الحميزي، عبد الرحمن بن محمد

الدرر الثرية من الفتاوى البازية./ عبد الرحمن بن محمد الحميزي. -

الرياض، 1432 هـ

480 ص، 17 × 24 سم

ردمك: 2 - 8737 - 00 - 603 - 978

1 -

الفتاوى الشرعية

2 - الفقه الحنبلي.

أ- العنوان

ديوي 258. 4

10455/ 1432

رقم الإيداع: 10455/ 1432

ردمك: 2 - 8737 - 00 - 603 - 978

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد

فإن هذا الكتاب الذي بين يديك هو عبارة عن مختارات من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مفتي عام المملكة العربية السعودية قد استخرجتها من (30) مجلد من فتاوى سماحة الشيخ.

وسوف أذكر بعض التنبيهات في مقدمة هذا الكتاب منها:

1 -

أن جميع ما ذكر في هذا الكتاب مأخوذ من كتاب: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، الطبعة الرابعة عام 1427 هـ.

2 -

الفتاوى التي ذكرتها مأخوذة بنصها من كتاب الشيخ بدون زيادة أو نقص أو تصرف في كلام سماحة الشيخ رحمه الله

3 -

قمت بتوثيق كل فتوى في الهامش، وذلك حسب المجلد والصفحة، وقد رمزت للمجلد بـ ج، وللصفحة بـ ص.

4 -

قمت بوضع فهرس في نهاية الكتاب لكل الفتاوى الموجودة.

وإني أقترح على القارئ الكريم أن يقرأ مع عائلته في بيته وفي أي وقت يختارونه وبشكل يومي فتوى من هذه الفتاوى أو اثنتين أو ثلاث ويتدارسونها فيما بينهم، ليستفيدوا منها الفوائد العظيمة في الدنيا والآخرة،

ص: 3

مثل تعلم العلم وتنزل السكينة والطمأنينة على البيت وتأليف قلوب البيت الواحد ونشر المحبة بينهم

إلخ.

كما أقترح على إمام المسجد أن يقرأ على جماعة مسجده من هذه الفتاوى وِفْقَ الآتي:

1 -

أن تكون قراءة الفتوى بعد صلاة العشاء لكي يحضرها أكبر عدد من المصلين، لأنه كما هو مشاهد أن قرابة نصف المصلين تقريبًا في كل مسجد يأتون بعد إقامة الصلاة؛ وأيضًا يكون المصلي له الحرية إن أحب الاستماع جلس وأن أحب الانصراف انصرف.

2 -

أن تكون القراءة بشكل يومي وأن لا تزيد عن فتوى واحدة لكي لا تأخذ وقتًا طويلاً فتسبب الملل للمصلين، ولكي يستمع لها أكبر عدد ممكن من المصلين في المسجد، بل وحتى النساء في البيوت.

3 -

أن يقرأ الإمام فتاوى الصيام والحج عند قرب موسم الصيام ووقت الحج.

4 -

كما أقترح على الإمام في حالة الانتهاء من قراءة هذا الكتاب بأن يقوم بإعادته من جديد كما يصنع مع كتاب رياض الصالحين، لأن هذا الكتاب قد يستغرق قرابة السنتين للانتهاء منه، والناس قد ينسون السؤال والإجابة في هذه المدة الطويلة، وقد يسمعها من لم يسمعها أول مرة.

وإن في إصدار هذا الكتاب فوائد كثيرة منها:

1 -

ربط الناس عامة والشباب خاصة بعلمائهم الكبار الموثوقين.

ص: 4

2 -

إقامة مجالس ذكر حتى وإن كان وقتها قصيرًا عبارة عن دقيقتين أو ثلاث - يحضرها الكثير من الناس لتغشاهم الرحمة وتتنزل عليهم السكينة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده.

3 -

تعليم الناس وإبعادهم عن الجهل الذي هو سبب كل شر وفتنه وبلية.

4 -

في ذلك حفظ للعباد من العقوبات العامة والخاصة، لأن الطاعات والأعمال الصالحة سبب الخيرات والبركات والأمن والأمان ورغد العيش وضدها الغفلة والجهل والمعاصي فهي سبب كل شر وابتلاء وعقوبة إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح الكثيرة جدًا.

سائلاً المولى عز وجل أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم نافعًا لعباده، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 5

مقدمة اللجنة العلمية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فيطيب «للجنة العلمية في مؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية» أن تضع بين يدي القارئ الكريم هذا الجمع الموسوم بـ «الدرر الثرية من الفتاوى البازية» .

وهو منتقى من مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، تضمن فتاوى وتوجيهات عامة يكثر السؤال عنها في شؤون الدين والدُّنيا، مما له تعلق بالعقيدة، والعبادات والمعاملات والأخلاق.

نسأل الله أن ينفع بهذا الجمع مُعده وقارئه، وكل من سعى لإخراجه، وأن يجعله من العلم النافع الَّذي يجري أجره على سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به والقارئ في دار الكرامة مع الأحبة محمد وصحبه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللجنة العلمية

بمؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية

ص: 7

‌ترجمة سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز رحمه الله

ولد الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمة الله في ذي الحجة سنة 1330 هـ بمدينة الرياض وكان بصيرا ثم أصابه مرض في عينيه عام 1346 هـ وضعف بصره ثم فقده عام 1350 هـ وحفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ ثم جدّ في طلب العلم على العلماء في الرياض ولما برز في العلوم الشرعية واللغة تم تعيينه في القضاء عام 1357 هـ ولم ينقطع عن طلب العلم حتى وفاته رحمه الله حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار ولم تشغله المناصب عن ذلك، وقد عنى عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار وهي درجة قل أن يبلغها أحد خاصة في هذا العصر.

‌مشايخه

تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ومن أبرزهم: الشيخ محمد بن عبداللطيف قاضي الرياض، الشيخ صالح بن عبدالعزيز، الشيخ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض، الشيخ حمد بن فارس وكيل بيت المال في الرياض، سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية وقد لازم حلقاته نحوا من عشر سنوات وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة 1347 هـ إلى سنة 1357 هـ، الشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة المكرمة أخذ عنه علم التجويد في عام 1355 هـ.

ص: 9

أعماله وماصبه

تولى الشيخ العديد من المناصب منها على سبيل المثال:

1 -

رئاسة هيئة كبار العلماء في المملكة.

2 -

رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الهيئة المذكورة.

3 -

عضوية ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.

4 -

رئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد.

5 -

رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.

6 -

عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

7 -

عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة. ولم يقتصر نشاطه على ما ذكر فقط فقد كان يلقي المحاضرات ويحضر الندوات العلمية ويعلق عليها ويعمر المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي اصبح صفة ملازمة له.

‌مؤلفاته

كثيرة جدا نذكر منها

1 -

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة.

2 -

الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.

3 -

التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك).

ص: 10

4 -

التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة (حكم الاحتفال بالمولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ احمد).

5 -

رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.

6 -

العقيدة الصحيحة وما يضادها،، وغيرها كثير من مؤلفاته.

‌وفاته

توفّي الشيخ رحمه الله يوم الخميس 27/ 1/ 1420 هـ عن عمر يناهز 89 سنة قضاها رحمه الله في الجد والاجتهاد والعمل الصالح وطلب العلم وتعلمه وبذله والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وقضاء حوائج المسلمين ومساعدتهم والوقوف معهم رحمه الله وغفر له واسكنه فسيح جناته ونور ضريحه وأنزله منازل الأبرار وجمعنا به في دار كرامته ومستقر رحمته.

ولقد صلى على جثمانه بعد صلاة الجمعة خلق كثير وجموع غفيرة لا يحصيهم إلا الله عز وجل، وهذا برهان ودليل محبة الناس له، رحمه الله واسكنه فسيح جناته.

ص: 11

‌فتاوى العقيدة

ص: 13

س: ما‌

‌ حكم التميمة من القرآن ومن غيره

(1)

؟.

ج: أما التميمة من غير القرآن كالعظام والطلاسم والودع وشعر الذئب وما أشبه ذلك فهذه منكرة محرمة بالنص، لا يجوز تعليقها على الطفل ولا على غير الطفل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» وفي رواية «من تعلق تميمة فقد أشرك» .

أما إذا كانت من القرآن أو من دعوات معروفة طيبة، فهذه اختلف فيها العلماء، فقال بعضهم: يجوز تعليقها، ويروى هذا عن جماعة من السلف جعلوها كالقراءة على المريض.

والقول الثاني: أنها لا تجوز وهذا هو المعروف عن عبد الله بن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما وجماعة من السلف والخلف قالوا: لا يجوز تعليقها ولو كانت من القرآن سداً للذريعة وحسما لمادة الشرك وعملا بالعموم؛ لأن الأحاديث المانعة من التمائم أحاديث عامة، لم تستثن شيئاً. والواجب: الأخذ بالعموم فلا يجوز شيء من التمائم أصلا؛ لأن ذلك يفضي إلى تعليق غيرها والتباس الأمر.

فوجب منع الجميع، وهذا هو الصواب لظهور دليله، فلو أجزنا التميمة من القرآن ومن الدعوات الطيبة لانفتح الباب وصار كل واحد يعلق ما شاء، فإذا أنكر عليه، قال: هذا من القرآن، أو هذه من الدعوات الطيبة، فينفتح الباب، ويتسع الخرق وتلبس التمائم كلها.

(1)

ج 1 ص 51

ص: 15

وهناك علة ثالثة وهي: أنها قد يدخل بها الخلاء ومواضع القذر، ومعلوم أن كلام الله ينزه عن ذلك، ولا يليق أن يدخل به الخلاء.

س: جرت العادة عند بعض القبائل أن ينحروا الإبل عند المناسبات، هل يعتبر هذا قدحاً في العقيدة

(1)

؟.

ج: هذا فيه تفصيل، فإن كان نحرها للضيفان وإطعام الناس فهذا لا بأس به، وهو عمل مشروع، أما إن كان نحرها عند لقاء الملوك أو عند لقاء المعظمين تعظيماً لهم فهذا شرك؛ لأنه ذبح لغير الله، فيدخل في عموم قوله تعالى:{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}

(2)

وهكذا نحرها عند القبور تذكيراً بجود أهلها وكرمهم، فهذا من عمل الجاهلية، وهو منكر لا يجوز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا عقر في الإسلام» فإن قصد به التقرب إلى أهل القبور فهذا شرك أكبر وهكذا الذبح للجن والأصنام كله من الشرك الأكبر، نسأل الله السلامة من ذلك.

س:‌

‌ هل يخرج الشرك الأصغر صاحبه من الملة

(3)

؟

ج: الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، بل ينقص الإيمان وينافي كمال التوحيد الواجب، فإذا قرأ الإنسان يرائي أو تصدق يرائي، أو نحو ذلك نقص إيمانه وضعف وأثم على هذا العمل، لكن لا يكفر كفراً أكبر.

(1)

ج 1 ص 53

(2)

- سورة البقرة الآية 173.

(3)

ج 1 ص 55

ص: 16

س: قولكم ما هي الوهابية وهل هي مذهب خامس أم تتبع بعض المذاهب الأربعة

(1)

؟

ج: هذه الكلمة يطلقها الكثير من الناس على دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي رحمه الله، ويسمونه وأتباعه الوهابيين، وقد علم كل من له أدنى بصيرة بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعوته أنه قام بنشر دعوة التوحيد الخالص، والتحذير من الشرك بسائر أنواعه كالتعلق بالأموات وغيرهم كالأشجار والأحجار ونحو ذلك، وهو رحمه الله في العقيدة على مذهب السلف الصالح، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله كما تدل على ذلك كتبه وفتاواه وكتب أتباعه من أبنائه وأحفاده وغيرهم، وقد طبعت كلها وانتشرت بين الناس، وقد قام الإمام محمد رحمه الله في وقت استحكمت فيه غربة الإسلام، وخيم على الجزيرة العربية وغيرها إلا ما شاء الله سحب الجهالة، وانتشرت بها عبادة الأنداد والأوثان فما كان من أمر الشيخ رحمه الله إلا أن شمر عن ساعد الجد، وناضل وكافح، وكرس جهوده في القضاء على طرق الغواية مستعملا في ذلك شتى الوسائل الموصلة إلى نشر التوحيد النقي من الخرافات بين الناس، وكان من نعم الله سبحانه أن وفق الله الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية في ذلك الوقت لقبول هذه الدعوة فقام معه في هذا السبيل هو وأولاده ومن تحت إمرته ومن تابعه في هذا الخير جزاهم الله كل خير وغفر لهم ووفق ذريتهم جميعاً لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده، وما زالت أصقاع الجزيرة العربية تعيش في ظل هذه الدعوة الخيرة إلى يومنا هذا، وكانت دعوته رحمه الله وفق كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وليست الوهابية مذهبا خامسا كما يزعمه الجاهلون

(1)

ج 1 ص 374

ص: 17

والمغرضون، وإنما هي دعوة إلى العقيدة السلفية وتجديد لما درس من معالم الإسلام والتوحيد في الجزيرة العربية كما سلف.

س: إذا تخاصم قبيلتان أو شخصان وحكم شيخ القبيلة على المدعى عليه بعقائر من الإبل أو الغنم تعقر وتذبح عند من له الحق، إلى آخره

(1)

.

ج: الذي يظهر لنا من الشرع المطهر أن هذه العقائر لا تجوز؛ لوجوه:

أولها: أن هذا من سنة الجاهلية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا عقر في الإسلام» .

والثاني: أن هذا العمل يقصد منه تعظيم صاحب الحق، والتقرب إليه بالعقيرة، وهذا من جنس ما يفعله المشركون من الذبح لغير الله، ومن جنس ما يفعله بعض الناس من الذبح عند قدوم بعض العظماء، وقد قال جماعة من العلماء: إن هذا يعتبر من الذبح لغير الله، وذلك لا يجوز، بل هو في الجملة من الشرك، كما قال الله سبحانه:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}

(2)

.

والنسك هو الذبح، قرنه الله بالصلاة لعظم شأنه، فدل ذلك على أن الذبح يجب أن يكون لله وحده، كما أن الصلاة لله وحده، وقال تعالى {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}

(3)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله» .

(1)

ج 1 ص 442

(2)

- الأنعام الآيتان 162 - 163.

(3)

- الكوثر الآيتان 1 - 2.

ص: 18

الوجه الثالث: أن هذا العمل من حكم الجاهلية، وقد قال الله سبحانه:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

(1)

وفيه مشابهة لأعمال عباد الأموات، والأشجار والأحجار كما تقدم. فالواجب: تركه، وفيما شرع الله من الأحكام ووجوه الإصلاح ما يغني ويكفي عن هذا الحكم، والله ولي التوفيق.

س: يقول السائل: إنكم تدعون إلى التوحيد فما دليلكم على كلمة التوحيد، من أين اشتقت

(2)

؟

فالجواب: أن يقال على ذلك أدلة كثيرة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والتوحيد معناه توحيد الله يعني الاعتقاد أنه واحد لا شريك له. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}

(3)

وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}

(4)

والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وأما الأحاديث فمنها: ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن:«ادعهم إلى أن يوحدوا الله» بهذا اللفظ رواه البخاري في الصحيح، وفي صحيح مسلم عن طارق ابن أشيم الأشجعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

- المائدة الآية 50.

(2)

ج 3 ص 140

(3)

- سورة الذاريات الآية 56.

(4)

- سورة الأنبياء الآية 25.

ص: 19

أنه قال: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» فصرح بقوله: «وحد الله» فدل ذلك على أن هذا هو معنى لا إله إلا الله.

ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس، على أن يوحد الله» الحديث، وذلك تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى:«بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» الحديث. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .. والله الموفق.

س: اعتاد بعض الناس الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصبح الأمر عادياً عندهم ولا يعتقدون ذلك اعتقاداً فما حكم ذلك

(1)

؟

ج: الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من المخلوقات منكر عظيم ومن المحرمات الشركية ولا يجوز لأحد الحلف إلا بالله وحده، وقد حكى الإمام ابن عبد البر رحمه الله الإجماع على أنه لا يجوز الحلف بغير الله وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك وأنه من الشرك كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» .

وفي لفظ آخر: «فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت» .

وخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه

(1)

ج 3 ص 144

ص: 20

قال: «من حلف بالأمانة فليس منا» ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة، والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده ولا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله كائناً من كان للأحاديث المذكورة وغيرها. ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهى أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» خرجه مسلم في صحيحه.

والحلف بغير الله من الشرك الأصغر للحديث السابق، وقد يكون شركاً أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحقه الله، أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية .. نسأل الله أن يمن على المسلمين جميعاً بالعافية من ذلك، وأن يمنحهم الفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.

س: الطفل الذي ولد من أبوين كافرين ومات قبل بلوغه سن التكليف هل هو مسلم عند الله أم لا؟ علماً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل مولود يولد على الفطرة

) الحديث. وإذا كان مسلماً فهل يجب على المسلمين أن يغسلوا جنازته ويصلوا عليه؟ أفيدونا مأجورين

(1)

.

ج: إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال: «الله

(1)

ج 3 ص 163

ص: 21

أعلم بما كانوا عاملين» وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار، وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في امتحان أهل الفترة يوم القيامة، وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين لقول الله عز وجل:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}

(1)

وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعاً. وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله الكلام في حكم أولاد المشركين وأهل الفترة في آخر كتابه: (طريق الهجرتين) تحت عنوان (طبقات المكلفين) فمن أحب أن يطلع عليه فليفعل فإنه مفيد جداً وبالله التوفيق.

س: ما هو‌

‌ تعريف الغزو الفكري

في رأيكم

(2)

؟

ج: الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة وهو أخطر من الغزو العسكري، لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المآرب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منها أن تكرهه.

(1)

- سورة النساء الآية 15.

(2)

ج 3 ص 438

ص: 22

وهو داء عضال يفتك بالأمم، ويذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها، ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمراً صعباً وإفهامها سبيل الرشد شيئاً عسيراً.

وهذا الغزو يقع بواسطة المناهج الدراسية والثقافية العامة ووسائل الإعلام والمؤلفات الصغيرة والكبيرة وغير ذلك من الشئون التي تتصل بالأمم، ويرجو العدو من ورائها صرفها عن عقيدتها والتعلق بما يلقيه إليها، نسأل الله السلامة والعافية.

س: أنا مريضة وأحيانا أبكي لما صارت إليه حالتي بعد مرضي فهل هذا البكاء معناه اعتراض على الله عز وجل وعدم الرضا بقضائه وهذا الفعل خارج عن إرادتي وكذلك هل التحدث مع المقربين عن المرض يدخل في ذلك

(1)

؟

ج: لا حرج عليك في البكاء إذا كان بدمع العين فقط لا بصوت لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم: (العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ولا حرج عليك أيضا في إخبار الأقارب والأصدقاء بمرضك مع حمد الله وشكره والثناء عليه وسؤاله العافية وتعاطي الأسباب المباحة. نوصيك بالصبر والاحتساب وأبشري بالخير لقول الله سبحانه وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

(2)

وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا

(1)

ج 4 ص 144

(2)

سورة الزمر الآية 10.

ص: 23

إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}

(1)

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصيب المسلم هم ولا غم ولا نصب ولا وصب وهو المرض ولا أذى حتى الشوكة إلا كفر الله بها من خطاياه) وقوله عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيرا يصب منه) نسأل الله أن يمن عليك بالشفاء والعافية وصلاح القلب والعمل إنه سميع مجيب.

س: ما‌

‌ حكم الحلف بالكعبة

ونحوها وما هي صيغة الحلف الجائز

(2)

؟

ج: لا يجوز الحلف بالكعبة ولا بغيرها من المخلوقات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) متفق على صحته.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بشيء دون الله فقد أشرك) رواه الإمام أحمد من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإسناد صحيح وقوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

والأحاديث في ذلك كثيرة وفيها يعلم تحريم الحلف بالكعبة والأمانة والأنبياء وغيرهم من سائر الخلق.

واليمين الشرعية هي اليمين بالله وحده وصفتها أن يقول: والله أو بالله أو تالله لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا وهكذا لو حلف بغير اسم الجلالة من أسماء الله وصفاته كالرحمن والرحيم ومالك الملك وحياة الله وعلم الله ونحو ذلك.

(1)

سورة البقرة الآية 155 - 157.

(2)

ج 4 ص 146

ص: 24

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف كثيرا بقوله: «والذي نفسي بيده» والله ولي التوفيق.

س: هل يصح أن أصلي خلف من يستغيث بغير الله ويتلفظ بمثل هذه الكلمات «أغثنا يا غوث مدد يا جيلاني» وإذا لم أجد غيره فهل لي أن أصلي في بيتي

(1)

؟

ج: لا تجوز الصلاة خلف جميع المشركين ومنهم من يستغيث بغير الله ويطلب منه المدد. لأن الاستغاثة بغير الله من الأموات والأصنام والجن وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه، أما الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر الذي يقدر على إغاثتك فلا بأس بها، لقول الله عز وجل في قصة موسى:{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}

(2)

وإذا لم تجد إماما مسلما تصلي خلفه جاز لك أن تصلي في بيتك، وإن وجدت جماعة مسلمين يستطيعون الصلاة في المسجد قبل الإمام المشرك أو بعده فصل معهم، وإن استطاع المسلمون عزل الإمام المشرك وتعيين إمام مسلم يصلي بالناس وجب عليهم ذلك لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شرع الله في أرضه إذا أمكن ذلك بدون فتنة. لقول الله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

(3)

الآية، وقوله سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(4)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم «من

(1)

ج 4 ص 314

(2)

سورة القصص الآية 15.

(3)

سورة التوبة الأية 71

(4)

سورة التغابن الآية 16.

ص: 25

رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم في صحيحه.

س: ما حكم الدين الإسلامي في زيارة القبور والتوسل بالأضرحة وأخذ خروف وأموال للتوسل بها كزيارة السيد البدوي والحسين والسيدة زينب أفيدونا أفادكم الله

(1)

.

ج: زيارة القبور نوعان:

أحدهما: مشروع ومطلوب لأجل الدعاء للأموات والترحم عليهم ولأجل تذكر الموت والإعداد للآخرة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» وكان يزورها صلى الله عليه وسلم، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم، وهذا الفرع للرجال خاصة لا للنساء، أما النساء فلا يشرع لهن زيارة القبور بل يجب نهيهن عن ذلك؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور من النساء، ولأن زيارتهن للقبور قد يحصل بها فتنة لهن أو بهن مع قلة الصبر وكثرة الجزع الذي يغلب عليهن، وهكذا لا يشرع لهن اتباع الجنائز إلى المقبرة. لما ثبت في الصحيح عن أم عطية رضي الله عنها قالت:(نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فدل ذلك على أنهن ممنوعات من اتباع الجنائز إلى المقبرة لما يخشى في ذلك من الفتنة لهن وبهن، وقلة الصبر، والأصل في النهي: التحريم لقول الله سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}

(2)

أما الصلاة على الميت

(1)

ج 4 ص 344

(2)

سورة الحشر الآية 7.

ص: 26

فمشروعة للرجال والنساء كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، أما قول أم عطية رضي الله عنها (لم يعزم علينا) فهذا لا يدل على جواز اتباع الجنائز للنساء. لأن صدور النهي عنه صلى الله عليه وسلم كاف في المنع، وأما قولها:(لم يعزم علينا) فهو مبني على اجتهادها وظنها، واجتهادها لا يعارض به السنة.

النوع الثاني: بدعي وهو: زيارة القبور لدعاء أهلها والاستغاثة بهم أو للذبح لهم أو للنذر لهم، وهذا منكر وشرك أكبر نسأل الله العافية، ويلتحق بذلك أن يزوروها للدعاء عندها والصلاة عندها والقراءة عندها، وهذا بدعة غير مشروع ومن وسائل الشرك، فصارت في الحقيقة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: مشروع، وهو أن يزوروها للدعاء لأهلها أو لتذكر الآخرة.

الثاني: أن تزار للقراءة عندها أو للصلاة عندها أو للذبح عندها فهذه بدعة ومن وسائل الشرك.

الثالث: أن يزوروها للذبح للميت والتقرب إليه بذلك، أو لدعاء الميت من دون الله أو لطلب المدد منه أو الغوث أو النصر فهذا شرك أكبر نسأل الله العافية، فيجب الحذر من هذه الزيارات المبتدعة، ولا فرق بين كون المدعو نبيا أو صالحا أو غيرهما، ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه والاستغاثة به، أو عند قبر الحسين أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم، والله المستعان.

ص: 27

س: إذا ابتلي أحد بمرض أو بلاء سيئ في النفس أو المال، فكيف يعرف أن ذلك الابتلاء امتحان أو غضب من عند الله

(1)

؟

ج: الله عز وجل يبتلي عباده بالسراء والضراء وبالشدة والرخاء، وقد يبتليهم بها لرفع درجاتهم وإعلاء ذكرهم ومضاعفة حسناتهم كما يفعل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والصلحاء من عباد الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وتارة يفعل ذلك سبحانه بسبب المعاصي والذنوب، فتكون العقوبة معجلة كما قال سبحانه:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}

(2)

فالغالب على الإنسان التقصير وعدم القيام بالواجب، فما أصابه فهو بسبب ذنوبه وتقصيره بأمر الله، فإذا ابتلي أحد من عباد الله الصالحين بشيء من الأمراض أو نحوها فإن هذا يكون من جنس ابتلاء الأنبياء والرسل رفعا في الدرجات وتعظيما للأجور وليكون قدوة لغيره في الصبر والاحتساب، فالحاصل أنه قد يكون البلاء لرفع الدرجات وإعظام الأجور كما يفعل الله بالأنبياء وبعض الأخيار، وقد يكون لتكفير السيئات كما في قوله تعالى:{مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه}

(3)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أصاب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه حتى الشوكة يشاكها) وقوله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يصب منه) وقد يكون ذلك

(1)

ج 4 ص 370

(2)

سورة الشورى الآية 30.

(3)

سورة النساء الآية 123.

ص: 28

عقوبة معجلة بسبب المعاصي وعدم المبادرة للتوبة كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة) خرجه الترمذي وحسنه.

س: ما حكم التوسل بسيد الأنبياء، وهل هناك أدلة على تحريمه

(1)

؟

ج: التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه تفصيل، فإن كان ذلك باتباعه ومحبته وطاعة أوامره وترك نواهيه والإخلاص لله في العبادة فهذا هو الإسلام وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، وهو الواجب على كل مكلف .. وهو الوسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة، أما التوسل بدعائه والاستغاثة به وطلبه النصر على الأعداء والشفاء للمرضى - فهذا هو الشرك الأكبر، وهو دين أبي جهل وأشباهه من عبدة الأوثان، وهكذا فُعل ذلك مع غيره من الأنبياء والأولياء أو الجن أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار أو الأصنام. وهناك نوع ثالث يسمى التوسل وهو التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم أو بحقه أو بذاته مثل أن يقول الإنسان: أسألك يا ألله بنبيك أو جاه نبيك أو حق نبيك أو جاه الأنبياء أو حق الأنبياء أو جاه الأولياء والصالحين وأمثال ذلك فهذا بدعة ومن وسائل الشرك ولا يجوز فعله معه صلى الله عليه وسلم ولا مع غيره؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع ذلك والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع المطهر، وأما توسل الأعمى به في حياته صلى الله عليه وسلم فهو توسل به صلى الله عليه وسلم ليدعو له ويشفع له إلى الله في إعادة

(1)

ج 5 ص 322

ص: 29

بصره إليه، وليس توسلا بالذات أو الجاه أو الحق كما يعلم ذلك من سياق الحديث وكما أوضح ذلك علماء السنة في شرح الحديث.

وقد بسط الكلام في ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في كتبه الكثيرة المفيدة، ومنها كتابه المسمى: القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، وهو كتاب مفيد جدير بالاطلاع عليه والاستفادة منه.

وهذا الحكم جائز مع غيره صلى الله عليه وسلم من الأحياء كأن تقول لأخيك أو أبيك أو من تظن فيه الخير: ادع الله لي أن يشفيني من مرضي أو يرد علي بصري أو يرزقني الذرية الصالحة أو نحو ذلك بإجماع أهل العلم. والله ولي التوفيق.

س: النطق بالشهادة لا شك أنه لا بد معه من التصديق، فما هو

(1)

؟

جـ: أولا لا بد من النطق بالشهادتين، فلو أمكنه النطق ولكنه امتنع من النطق لم يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين، وهذا محل إجماع من أهل العلم، ثم مع النطق لا بد من اعتقاد معنى الشهادتين والصدق في ذلك، وذلك بأن يعتقد بأنه لا معبود حق إلا الله ولو قالها كاذبا كالمنافقين يقولونها وهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعهم هذه الكلمة ولم يدخلوا في الإسلام باطنا، كما قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}

(2)

وقال عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}

(3)

فلا بد من التصديق بالقلب واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله،

(1)

ج 5 ص 340

(2)

- سورة النساء من الآية 145.

(3)

- سورة البقرة الآية 8.

ص: 30

فإن استكبر عن الانقياد لشرع الله كفر ولم ينفعه النطق بالشهادتين. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

(1)

وقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}

(2)

وهكذا لو استكبر عن الشهادة بأن محمدا رسول الله أو قالها كاذبا فإنه يكون كافرا حتى يؤمن بأن محمدا رسول الله وينقاد لشرعه وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم. والله المستعان.

س: الإيمان والتوحيد والعقيدة أسماء لمسميات هل تختلف في مدلولاتها

(3)

؟.

ج: نعم، تختلف بعض الاختلاف، ولكنها ترجع إلى شيء واحد. التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والإيمان هو الإيمان بأنه مستحق للعبادة، والإيمان بكل ما أخبر به سبحانه، فهو أشمل من كلمة التوحيد، التي هي مصدر وحد يوحد، يعني أفرد الله بالعبادة وخصه بها؛ لإيمانه بأنه سبحانه هو المستحق لها؛ لأنه الخلاق؛ لأنه الرزاق؛ ولأنه الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ ولأنه مدبر الأمور والمتصرف فيها، فهو المستحق للعبادة، فالتوحيد هو إفراده بالعبادة ونفيها عما سواه، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام، والعقيدة تشمل الأمرين، فالعقيدة تشمل التوحيد، وتشمل الإيمان بالله وبما أخبر به سبحانه أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم،

(1)

- سورة الحج الآية 62.

(2)

- سورة غافر الآية 60.

(3)

ج 6 ص 280

ص: 31

والإيمان بأسمائه وصفاته، والعقيدة: هي ما يعتقده الإنسان بقلبه ويراه عقيدة يدين الله بها ويتعبده بها، فيدخل فيها كل ما يعتقده من توحيد الله والإيمان بأنه الخلاق الرزاق وبأنه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، والإيمان بأنه لا يصلح للعبادة سواه، والإيمان بأنه حرم كذا وأوجب كذا وشرع كذا ونهى عن كذا، فهي أشمل.

س: ما‌

‌ الفرق بين الأسماء والصفات

(1)

؟

ج: كل أسماء الله سبحانه مشتملة على صفات له سبحانه تليق به وتناسب كماله، ولا يشبهه فيها شيء، فأسماؤه سبحانه أعلام عليه ونعوت له عز وجل، ومنها: الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن .. إلى غير ذلك من أسمائه سبحانه الواردة في كتابه الكريم وفي سنة رسوله الأمين، فالواجب إثباتها له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهذا هو معنى قول أئمة السلف كمالك والثوري والأوزاعي وغيرهم: أمروها كما جاءت بلا كيف.

والمعنى أن الواجب إثباتها لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه.

أما كيفيتها فلا يعلمها إلا الله سبحانه، ولما سئل مالك رحمه الله عن قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}

(2)

كيف استوى؟ أجاب رحمه الله بقوله: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، يعني

(1)

ج 6 ص 285

(2)

سورة طه الآية 5.

ص: 32

بذلك رحمه الله: السؤال عن الكيفية، وقد روي هذا المعنى عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعن أم سلمة رضي الله عنها، وهو قول أئمة السلف جميعا. كما نقله عنهم غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في:«العقيدة الواسطية» وفي: «الحموية» و «التدمرية» وفي غيرها من كتبه رحمه الله. هكذا نقله عنهم العلامة ابن القيم رحمه الله في كتبه المشهورة، ونقله عنهم قبل ذلك أبو الحسن الأشعري رحمه الله.

س: قال شيخ لمريده الذي يريد أن يدرس في أوربا وهو يودعه: يا بني إذا سولت لك نفسك بالمعصية هناك فتذكر شيخك يصرف الله عنك هذا السوء وهذه الفاحشة، فهل هذا شرك بالله

(1)

؟

ج: هذا منكر عظيم وشرك بالله جل وعلا؛ لأنه فزع إلى الشيخ لينقذه من هذا الشيء، والواجب أن يقول: فاذكر الله واسأل ربك العون والتوفيق واعتصم به، وأما أن يوصيه بأن يذكر شيخه فهذا من أخطاء غلاة الصوفية، يوجهون مريديهم وتلاميذهم إلى أن يعبدوهم من دون الله، ويلجئوا إليهم ويتوكلوا عليهم في قضاء الحاجات وتفريج الكروب، وهذا من الشرك الأكبر، نعوذ بالله من ذلك.

فالواجب على هذا الشخص أن يتقي الله، وأن يفزع إليه سبحانه فيما يهمه، ويسأله العون والتوفيق، لا إلى شيخه الذي علمه أن يفزع إليه، والله المستعان.

(1)

ج 6 ص 430

ص: 33

س: ما حكم النكت في ديننا الإسلامي، وهل هي من لهو الحديث علما بأنها ليست استهزاء بالدين أفتونا مأجورين

(1)

؟

ج: التفكه بالكلام والتنكيت إذا كان بحق وصدق فلا بأس به ولا سيما مع عدم الإكثار من ذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا صلى الله عليه وسلم، أما ما كان بالكذب فلا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد. والله ولي التوفيق.

س: امرأة من الطائف تسأل: هل يجوز لي أن أستعين بساحر حتى يخرج لي السحر المتواجد في زرع الحوش ولا أستعين به إلا في هذا الموضوع فقط؟ أرجو من سماحتكم الرد السريع لأنني في ضرورة قصوى وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(2)

.

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: لا يجوز الاستعانة بالسحرة في شيء من الأمور بل الواجب قتلهم والقضاء عليهم من جهة الدولة إذا ثبت عليهم تعاطي السحر من طريق المحاكم الشرعية ونوصيك بتقوى الله سبحانه وسؤاله الشفاء والعافية من كل سوء والتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات صباحا ومساء وأن تقولي صباحا ومساء (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات وأن تقرئي آية الكرسي عند

(1)

ج 6 ص 492

(2)

ج 7 ص 146

ص: 34

النوم، وبعد كل صلاة فريضة بعد الأذكار الشرعية، وأن تقرئي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثلاث مرات بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب وعند النوم، وبذلك تسلمين إن شاء الله من كل سوء، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بذلك شفاك الله وعافاك من كل سوء.

ونرى رفع الموضوع إلى رئيس الهيئة بالطائف وإظهاره عن محل الشخص المتهم بالسحر حتى نقيم الدعوى عليه لدى المحكمة لإجراء ما يلزم نحوه. وفق الله الجميع لما يرضيه.

س: ما هي‌

‌ الطريقة الشرعية للوقاية من السحر

(1)

؟

ج: أن يسأل الله جل وعلا: العافية، ويتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وأن يقول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاث مرات) في اليوم والليلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء» وكذلك إذا نزل بيتا فقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» ويكرر في الصباح والمساء: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ثلاث مرات «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات، كذلك يقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة وعند النوم.

(1)

ج 8 ص 114

ص: 35

ومن أسباب السلامة أيضا قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و (المعوذتين) بعد كل صلاة، فهي من أسباب السلامة، وبعد الفجر والمغرب (ثلاث مرات):{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و (المعوذتين)، هذه من أسباب السلامة أيضا مع الإكثار من ذكر الله جل وعلا، والإكثار من قراءة كتابه العظيم، وسؤاله سبحانه وتعالى: أن يكفيك شر كل ذي شر.

ومن أسباب السلامة أيضا أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر طوارق الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان» هذه من التعوذات التي يقي الله بها العبد الشر.

س: إذا مات إنسان وهو يذبح للجن، ومصر على ذلك هل يصلى عليه ويدعى له

(1)

؟

ج: لا يجوز أن يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يعتبر من المسلمين، ولا يقبر معهم. لأنه مشرك. وهكذا الذي يدعو الجن أو الأولياء أو أهل القبور، وينذر لهم والعياذ بالله.

س: هل يجوز الذهاب إلى الكهان والعرافين والمشعوذين وسؤالهم والتداوي عندهم بالزيت ونحوه

(2)

؟

(1)

ج 8 ص 149

(2)

ج 8 ص 157

ص: 36

ج: لا يجوز الذهاب إلى العرافين والسحرة والمنجمين والكهنة ونحوهم، ولا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم، ولا يجوز التداوي عندهم بزيت ولا غيره؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إتيانهم وسؤالهم وعن تصديقهم؛ لأنهم يدعون علم الغيب، ويكذبون على الناس، ويدعونهم إلى أسباب الانحراف عن العقيدة.

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» أخرجه مسلم في صحيحه، وقال صلى الله عليه وسلم:«من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» ، وقال عليه الصلاة والسلام:«ليس منا من سحر أو سحر له أو تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وفيما أباح الله من التداوي بالرقية الشرعية والأدوية المباحة عند المعروفين بحسن العقيدة والسيرة ما يكفي والحمد لله. والله ولي التوفيق.

س: ما حكم من يمتنع عن الدعاء لولي الأمر - حفظك الله -

(1)

.

ج: هذا من جهله، وعدم بصيرته؛ لأن الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات، ومن النصيحة لله ولعباده، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إن دوسا عصت وهم كفار قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» فهداهم الله وأتوه مسلمين. فالمؤمن يدعو للناس بالخير، والسلطان أولى من يدعى له؛ لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له من أهم الدعاء، ومن أهم النصح: أن يوفق للحق وأن يعان عليه، وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء،

(1)

ج 8 ص 210

ص: 37

فالدعاء له بالتوفيق والهداية وبصلاح القلب والعمل وصلاح البطانة من أهم المهمات، ومن أفضل القربات، وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال:(لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان)، ويروى ذلك عن الفضيل بن عياض رحمه الله.

س: ذكر في الحديث: «أن من علق تميمة فقد أشرك» أرجو شرح هذا الحديث

(1)

.

ج: هذا الحديث ورد باللفظ الآتي: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» رواه أحمد وأبو داود، والتمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، وهي ما تسمى عند بعض الناس بالجوامع وبالحجب والحروز، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من تعلق تميمة فلا أتم الله له» وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» .

والعلة في كون تعليق التمائم من الشرك هي والله أعلم: أن من علقها سيعتقد فيها النفع، ويميل إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها، ويضعف توكله على الله وحده، وكل ذلك كاف في إنكارها والتحذير منها، وفي الأسباب المشروعة والمباحة ما يغني عن التمائم، وانصراف الرغبة عن الله إلى غيره شرك به، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. وتعليق التمائم يعتبر من الشرك الأصغر ما لم يعتقد معلقها بأنها تدفع عنه الضرر بذاتها دون الله، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد صار تعليقها شركا أكبر.

(1)

ج 8 ص 304

ص: 38

س: ما هي صفات السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب

(1)

؟

ج: بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهم المستقيمون على دين الله، السبعون ألفا، ومع كل ألف سبعون ألفا. مقدم هذه الأمة المؤمنة، مقدموهم يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر. وهم الذين جاهدوا أنفسهم لله، واستقاموا على دين الله، أينما كانوا في أداء الفرائض، وترك المحارم، والمسابقة إلى الخيرات.

ومن صفاتهم: لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون:

لا يسترقون يعني ما يطلبون من يرقيهم، ولا يكتوون، وليس معناه تحريم هذا، لا بأس بالاسترقاء ولا بأس بالكي عند الحاجة إليهما، ولكن من صفاتهم ترك ذلك والاستغناء بالأسباب الأخرى، لا يطلبون من يرقيهم، ما يقول يا فلان ارقني، ولكن إذا دعت الحاجة لا بأس، لا يخرجه ذلك إذا دعت الحاجة عن السبعين، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تسترقي في بعض مرضها، وأمر أم أيتام جعفر بن أبي طالب أن تسترقي لهم، كما في الحديث الصحيح.

وهكذا الكي، كوى بعض أصحابه عليه الصلاة والسلام، وقال:«الشفاء في ثلاث، كية نار، أو شرطة محجم أو شربة عسل، وما أحب أن أكتوي، وقال: وأنا أنهى أمتي عن الكي» ، فالكي آخر الطب، إذا تيسر الطب الآخر فهو أولى، وإذا دعت الحاجة إليه فلا بأس.

(1)

ج 28 ص 60

ص: 39

س: ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في عذاب القبر، وهل هو على الروح فقط، أو على الروح والجسد

(1)

؟

ج: من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، الميت إما أن ينعم وإما أن يعذب، أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، وقد أخبر النبي بهذا عليه الصلاة والسلام عن ذلك: فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فعلى المسلم أن يؤمن بهذا. وقد أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على شخصين يعذبان، أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من بوله.

أهل السنة والجماعة يؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، أنه حق على الروح والجسد جميعا، ولكن نصيب الروح أكثر، كما قال الله جل وعلا في آل فرعون:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}

(2)

فهكذا الميت الصالح ينعم في قبره، وغير الصالح يعذب في قبره، ويوم القيامة العذاب أشد، والنعيم أعظم، بعد البعث والنشور.

س: هل يكفي المعتقد الصحيح عن العمل، والاستقامة على شرع الله

(3)

؟

ج: لا يكفي الإيمان المعتقد عن العمل، لا بد من العمل:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}

(4)

، لا بد من العمل، يؤمن بالله ورسوله وتوحيد الله ويعمل،

(1)

ج 28 ص 66

(2)

سورة غافر الآية 46

(3)

ج 28 ص 67

(4)

سورة البقرة الآية 277

ص: 40

يؤدي فرائض الله وينتهي عن محارم الله، لا بد من هذا وهذا، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ}

(1)

. لا بد من الإيمان والعمل.

س: ما مصير من لا يعلم بأن دين الإسلام هو الدين الصحيح، والمقبول عند الله، ويعتقد دينا خير الإسلام

(2)

؟.

ج: إذا كان المسئول عنه عاش بين المسلمين، وقد بلغه القرآن والسنة، ومع ذلك يعتقد دينا غير دين الإسلام فحكمه حكم أهل الدين الذي اعتقده وهو الكفر، لأن الله جل وعلا يقول في القرآن الكريم عن نبيه عليه الصلاة والسلام:{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}

(3)

، ويقول سبحانه:{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ}

(4)

، ويقول صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار»

(5)

.

أما إن كان المسئول عنه قد عاش بين الكافرين الذين لم يبلغهم القرآن، ولا خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا حكمه حكم أهل الفترة، وهم يمتحنون يوم

(1)

سورة لقمان الآية 8

(2)

ج 28 ص 202

(3)

سورة الأنعام الآية 19

(4)

سورة إبراهيم الآية 52

(5)

أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برقم 153.

ص: 41

القيامة، فمن نجح في الامتحان دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ لأن الله سبحانه يقول:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}

(1)

والله ولي التوفيق.

س: هل يشترط في‌

‌ إقامة الحجة

على قوم أن يكون الداعية عالما مجتهدا أم يكفي أنه يعرف الحق بدليله إذا كانت المسألة من مسائل العقيدة كدعاء غير الله وعبادة القبور ونحوه

(2)

؟

ج: يكفي إقامة الحجة ببيان الحق بأدلته لمن ترك الحق ونصيحته وتوجيهه للخير من أهل العلم وإن لم يكونوا مجتهدين، بل يكفي كونهم يعلمون الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يدعون إليه وفيما يأمرون به، وعلى المدعو إلى الله أن يقبل الحق، وأن يحذر التكبر والإصرار على الباطل، وإذا كانت عنده شبهة فليسأل عنها أهل العلم بأسلوب حسن وتواضع ونية صالحة، ومتى أصلح العبد النية وبذل وسعه في طلب الحق يسر الله أمره، ومنحه التوفيق كما قال الله عز وجل:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}

(3)

، وقال سبحانه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}

(4)

، وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ

(1)

سورة الإسراء الآية 15

(2)

ج 28 ص 213

(3)

سورة الطلاق الآية 2 - 3

(4)

سورة الطلاق الآية 4

ص: 42

سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}

(1)

والفرقان هو النور والبصيرة والعلم النافع، وفق الله المسلمين لكل خير، وأصلح قادتهم إنه سميع قريب.

س: هل التبرك بقبر النبي صلى الله عليه وسلم جائز

(2)

؟

ج: لا يجوز، بل هو بدعة ومن وسائل الشرك، فالتبرك بزيد، أو عمرو، أو بجدران الكعبة، أو بما يشبهه، أو بالأسطوانات، هذه بدعة قد تفضي إلى الشرك إذا ظن أن البركة تحصل منها، أما إذا ظن أنها مشروعة فهذه بدعة، والواجب ترك ذلك، وإنما شرع التبرك به صلى الله عليه وسلم في حياته، وكذلك شرع الله التبرك بماء زمزم الذي جعله الله مباركا.

لكن يجب على المؤمن التمسك بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحذر مما خالفها، والله ولي التوفيق.

س: سائل يقول: إن والده يذبح لغير الله فيما قيل له عن ذلك، ويريد الآن أن يتصدق عنه ويحج عنه، ويعزو سبب وقوع والده في ذلك إلى عدم وجود علماء ومرشدين وناصحين له، فما الحكم في ذلك كله

(3)

؟

ج: إذا كان والده معروفا بالخير والإسلام والصلاح، فلا يجوز له أن يصدق من ينقل عنه غير ذلك ممن لا تعرف عدالته، ويسن له الدعاء له والصدقة عنه حتى يعلم يقينا أنه مات على الشرك، وذلك بأن يثبت لديه بشهادة الثقات العدول اثنين أو أكثر

(1)

سورة الأنفال الآية 29

(2)

ج 28 ص 286

(3)

ج 28 ص 289

ص: 43

أنهم رأوه يذبح لغير الله من أصحاب القبور أو غيرهم، أو سمعوه يدعو غير الله، فعند ذلك يمسك عن الدعاء له، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له، مع أنها ماتت في الجاهلية على دين الكفار، ثم استأذن ربه أن يزورها فأذن له، فدل ذلك على أن من مات على الشرك ولو جاهلا لا يدعى له، ولا يستغفر له، ولا يتصدق عنه، ولا يحج عنه، أما من مات في محل لم تبلغه دعوة الله، فهذا أمره إلى الله سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار؛ لأحاديث صحيحه وردت في ذلك.

س: يقولون: إن الذين يذهبون للقبور ويدعون أصحابها فعلهم فعل شرك وهم ليسوا بمشركين، فهل هذا صحيح

(1)

؟

ج: ليس بصحيح، أصحاب القبور الذين يذهبون إلى القبور ويدعونها من دون الله ويستغيثون بها من دون الله هذا الشرك الأكبر، هذا عمل كفار قريش وغيرهم عند اللات والعزى وأشباههما، وهذا هو الشرك الأكبر، فالواجب تحذيرهم وإنذارهم بأن يتوبوا إلى الله من ذلك ويجددوا إسلامهم.

س: ما هو‌

‌ ضابط التوسل بالله

جل وعلا

(2)

، ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة من التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته.

(1)

ج 28 ص 329

(2)

سورة الأعراف الآية 180

ص: 44

ويشرع التوسل أيضا إلى الله - سبحانه - بالإيمان به وبمحبته وبسائر الأعمال الصالحة، ومن ذلك محبة أنبياء الله ورسله والمؤمنين من عباده، ومن ذلك التوسل ببر الوالدين والعفة عن الزنا، وأداء الأمانة؛ للحديث الصحيح الوارد في قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، وعجزوا عن دفعها، وكانوا ثلاثة، فدعوا الله - سبحانه - وتوسلوا إليه بأعمالهم الصالحة، فانزاحت عنهم الصخرة، وحديثهم ثابت في الصحيحين، وكان أحدهم توسل ببره لوالديه، والثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة، والثالث بأدائه الأمانة لأصحابها، والله الموفق.

س: أسمع بعض الناس إذا سمع كلاما مستغربا أو رأى شيئا غريبا قال: (يا وجه الله) فما حكم هذا القول؟ جزاكم الله خيرا

(1)

.

ج: لا يجوز لأحد من المسلمين أن يدعو صفات الله، عند جميع أهل العلم، كأن ي‌

‌قول: يا وجه الله

، أو يا علم الله، أو يا رحمة الله أو ما أشبه ذلك. وإنما الواجب أن يدعوه سبحانه بأسمائه الحسنى؛ لقول الله عز وجل:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمَائِهِ}

(2)

الآية، فيقول: يا الله يا رحمن يا رحيم. ونحو ذلك.

ويستحب التوسل بصفات الله فيقول: اللهم إني أسألك بأنك عظيم، أو بقدرتك العظيمة، أو بحلمك ونحو ذلك. والله ولى التوفيق.

(1)

ج 28 ص 403

(2)

سورة الأعراف الآية 180

ص: 45

س: هل رؤية الله سبحانه وتعالى ثابتة وما الدليل؟ وما القول الراجح في ذلك؟ وهل المنافقون يرونه في المحشر

(1)

؟

ج: رؤية الله في الآخرة ثابتة عند أهل السنة والجماعة من أنكرها كفر، يراه المؤمنون يوم القيامة ويرونه في الجنة كما يشاء بإجماع أهل السنة كما قال عز وجل:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}

(2)

وقال سبحانه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}

(3)

فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله، وتواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، أما في الدنيا فلا يرى في الدنيا كما قال سبحانه وتعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}

(4)

. وقال لموسى: {لَنْ تَرَانِي}

(5)

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واعلموا أنه لن يرى أحد ربه حتى يموت»

(6)

فالدنيا ليست محل الرؤية؛ لأن الرؤية نعيم، رؤية الله أعلى نعيم أهل الجنة وهذه الدار ليست دار النعيم، دار الأكدار ودار الأحزان ودار التكليف فلا يرى في الدنيا لكنه يرى في الآخرة يراه المؤمنون، أما الكفار فهم عنه محجوبون كما قال سبحانه:{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}

(7)

فالكفار محجوبون عن الله يوم القيامة

(1)

ج 28 ص 410

(2)

سورة القيامة الآية 22 - 23

(3)

سورة يونس الآية 26

(4)

سورة الأنعام الآية 103

(5)

سورة الأعراف الآية 143

(6)

أخرجه مسلم في كتاب الفن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد، برقم 2931.

(7)

سورة المطففين الآية 15

ص: 46

والمؤمنون يرونه في الآخرة، والصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، أما المنافقون فمحل نظر جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه يأتي هذا اليوم الأمة وفيها منافقوها لكن ليس فيه الصراحة بأنهم يرونه يوم القيامة.

س: ما حكم من يحلف بالنبي؟

(1)

ج: لا يجوز الحلف بغير الله كائناً من كان - لا بالنبي ولا بغيره - يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» ، وقال:«لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» ، وقال صلى الله عليه وسلم:«من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه وخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» ، وقال عليه الصلاة والسلام:«من حلف بالأمانة فليس منا» . والمقصود: أن الواجب الحلف بالله وحده، ولا يجوز الحلف بالنبي، ولا بغير النبي، ولا بالأمانة، ولا بالكعبة، ولا بغير ذلك، فالحلف بالله وحده، يقول صلى الله عليه وسلم:«من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» ، ولا يجوز الحلف بغير الله كائناً من كان. نسأل الله العافية.

س: صادفتني مشكلة فنذرت لأحد الأئمة، وقد علمت أنه لا يجوز النذر لغير الله، علماً بأن المكان الذي فيه الإمام بعيد عني. فهل يجوز لي أن أدفع هذا النذر للفقراء أو أكفر عنه؟

(2)

(1)

ج 23 ص 104

(2)

ج 23 ص 157

ص: 47

ج: هذا النذر باطل لأنه عبادة لغير الله، وعليك التوبة إلى الله من ذلك، والرجوع إليه، والإنابة والاستغفار، والندم، فالنذر عبادة، قال الله تعالى:{وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ}

(1)

؛ يعني: فيجازيكم عليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»

(2)

.

فهذا النذر نذر باطل، وشرك بالله عز وجل فضلاً عن أن النذر لأحد الأئمة الأموات نذر باطل وشرك بالله.

فالنذر لا يجوز إلا لله وحده؛ لأنه عبادة، فالصلاة والذبح والنذر والصيام والدعاء، كلها لله وحده سبحانه وتعالى كما قال سبحانه وتعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

(3)

وقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}

(4)

؛ يعني أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وقال سبحانه وتعالى:{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}

(5)

، وقال عز وجل:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}

(6)

.

فالعبادة حق لله، والنذر عبادة، والصوم عبادة، والصلاة عبادة، والدعاء عبادة، فيجب إخلاصها لله وحده.

(1)

سورة البقرة، الآية 270.

(2)

أخرجه البخاري برقم: 6206، كتاب (الأيمان والنذور)، باب (النذر فيما لا يملك).

(3)

سورة الفاتحة، الآية 5.

(4)

سورة الإسراء، الآية 23.

(5)

سورة غافر، الآية 14.

(6)

سورة الجن، الآية 18.

ص: 48

فهذا النذر باطل، وليس عليك شيء، لا للفقراء، ولا لغيرهم، بل عليك التوبة، وليس عليك الوفاء بهذا النذر، لكونه باطلاً وشركاً، وعليك بالتوبة الصادقة والعمل الصالح

وفقك الله وهداك لما فيه رضاه، ومنّ عليك بالتوبة النصوح.

س: ذكر حديث أن من علق تميمة فقد أشرك، أرجو شرح هذا الحديث

(1)

؟

ج: هذا الحديث ورد باللفظ الآتي: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»

(2)

رواه أحمد وأبو داود، والتمائم شيء يُعلق على الأولاد عن العين وهي ما تسمى عند بعض الناس بالجوامع والحجب والحروز وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من تعلق تميمة فلا أتم الله له»

(3)

وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» . والعلة في كون تعليق التمائم من الشرك هي - والله أعلم-: أن من علقها سيعتقد فيها النفع ويميل إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها، ويضعف توكله على الله وحده وكل ذلك كافٍ في إنكاره والتحذير منها، وفي الأسباب المشروعة والمباحة ما يغني عن التمائم وانصراف الرغبة عن الله إلى غيره شرك به، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

وتعليق التمائم يعتبر من الشرك الأصغر ما لم يعتقد معلّقها بأنها تدفع عنه الضرر بذاتها دون الله، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد صار تعليقها شركاً أكبر.

(1)

ج 25 ص 94

(2)

- أخرجه الإمام أحمد في مسند المكثرين من الصحابة برقم 3433، وأبو داود في كتاب الطب، باب في تعليق التمائم، برقم 3385.

(3)

- أخرجه الإمام أحمد في مسند الشاميين برقم 16781.

ص: 49

س: كيف نوفق بين الأحاديث التي وردت في زيادة العمر وذلك حين صلة الرحم وليلة القدر وغير ذلك مما ورد فيها أحاديث التي ورد أنها مما يزاد في العمر وينسأ في الأجل ومعنى الحديث الذي ورد أن الإنسان حينما يتكون أو يصير في أربعين يوماً يكتب أجله وشقي أو سعيد أفيدونا مأجورين؟

(1)

ج: ليس بين الأحاديث منافاة ولا تناقض فإن الله جل وعلا قَدَّر الأشياء؛ قدر الآجال، قدر الأرزاق، قدر الأعمال والشقاء والسعادة، وقدر أسبابها، وقدر أن هذا يبر والديه ويصل أرحامه، ويكون له بسبب ذلك زيادة في عمره، وقدر أن الآخر يكون قاطعاً وغير بار ويكون النقص في العمر وقد يكون هذا، هذا طويل العمر وهذا قصير العمر لأسباب أخرى، فالله قدر الأشياء وقدر أسبابها سبحانه وتعالى فلا منافاة؛ فبر الوالدين وصلة الأرحام من أسباب بركة العمر وطوله، والقطيعة والعقوق من أسباب قصره ومحق بركته ولا منافاة بين هذا وبين كون الأجل معدوداً ومحدوداً، وليس هناك زيادة ولا نقص فيما قدره الله سبحانه وتعالى، لكن هذه الأقدار مقدرة بأسبابها فهذا يطول عمره إلى كذا بأسباب كذا وكذا، وهذا ينقص عمره بأسباب كذا وكذا، وهذا يقتل لسن كذا وكذا، وهذا يموت لسن كذا وكذا إلى آخره، ربنا قدر الأشياء بأسبابها سبحانه وتعالى.

س: ما هو الحكم في‌

‌ التداوي قبل وقوع الداء

كالتطعيم؟

(2)

ج: لا بأس بالتداوي إذا خشي وقوع الداء؛ لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها، فلا بأس بتعاطي الدواء لدفع البلاء الذي يخشى منه؛

(1)

- ج 25 ص 358

(2)

ج 26 ص 170

ص: 50

لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من تصبح بسبع تمراتٍ من تمر المدينة لم يضره سحر ولا سم»

(1)

، وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه، فهكذا إذا خشي من مرضٍ وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكانٍ لا بأس بذلك من باب الدفاع كما يعالج المرض النازل، يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد المرض أو الجن أو العين؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وقد أوضح عليه الصلاة والسلام أن ذلك من الشرك الأصغر، فالواجب الحذر من ذلك.

س: يقوم بعض الناس باستخدام بخور يباع عند العطارين يسمى (نقض) يدعون أنها تطرد الشياطين

(2)

.

ج: لا أعلم لهذا العمل أصلاً شرعياً. والواجب تركه؛ لكونه من الخرافات التي لا أصل لها، وإنما تطرد الشياطين بالإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن، والتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

«من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» ، وقال له رجل: يا رسول الله ماذا لقيت البارحة من لدغة عقرب، فقال له صلى الله عليه وسلم:«أما إنك لو قلت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك» ، وقال عليه الصلاة والسلام:«من قال حين يصبح: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات لم يضره شيء حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح» .

(1)

أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب فضل تمر المدينة برقم 2047 بلفظ «عجوة» بدل «تمر المدينة» .

(2)

ج 26 ص 171

ص: 51

‌فتاوى الطهارة

ص: 53

س: خرجنا مجموعة إلى البر، وجلسنا على غدير ماء، وكان الماء مكدراً بالطين وبعض الأعشاب، فهل يجوز الوضوء للصلاة من هذا الماء

(1)

؟

ج: يجوز الوضوء من مثل هذا الماء، والغسل به، والشرب منه؛ لأن اسم الماء باق له، وهو بذلك طهور لا يسلبه ما وقع به من التراب والأعشاب اسم الطهورية. والله ولي التوفيق.

س: إذا كان الإناء مطلياً بالذهب وليس مصنوعاً من الذهب الخالص، فهل يحرم استعماله؟ وهل ينطبق عليه الحديث الذي ينهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة

(2)

؟

ج: نص العلماء على أن هذا ينطبق عليه النهي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم:«الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق على صحته، واللفظ لمسلم في الصحيح، وأخرجه الدارقطني، وصحح إسناده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً:«من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» فقوله صلى الله عليه وسلم: «من شرب في إناء ذهب أو فضة .... » نهي يعم ما كان من الذهب أو الفضة، وما كان مطلياً بشيء منهما، ولأن المطلي فيه زينة الذهب وجماله، فيمنع ولا يجوز بنص الحديث، وهكذا الأواني الصغار؛ كأكواب الشاي، وأكواب القهوة،

(1)

ج 10 ص 17

(2)

ج 10 ص 22

ص: 55

والملاعق، ولا يجوز أن تكون من الذهب أو من الفضة، بل يجب البعد عن ذلك، والحذر منه.

وإذا وسع الله تعالى على العباد، فالواجب التقيد بشريعة الله تعالى، وعدم الخروج عنها، وإذا كان عنده فضل من المال فلينفق على عباد الله المحتاجين، وفي مشاريع الخير، ولا يسرف ولا يبذر.

س: ما حكم من يتوضأ داخل الحمام، وهل يجوز وضوءه

(1)

؟

ج: لا بأس أن يتوضأ داخل الحمام، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويسمي عند أول الوضوء، يقول:(بسم الله)؛ لأن التسمية واجبة عند بعض أهل العلم، ومتأكدة عند الأكثر، فيأتي بها وتزول الكراهة؛ لأن الكراهة تزول عند وجود الحاجة إلى التسمية، والإنسان مأمور بالتسمية عند أول الوضوء، فيسمى ويكمل وضوءه.

وأما التشهد فيكون بعد الخروج من الحمام - وهو: محل قضاء الحاجة - فإذا فرغ من وضوئه يخرج ويتشهد في الخارج. أما إذا كان الحمام لمجرد الوضوء ليس للغائط والبول، فهذا لا بأس أن يأتي بها فيه؛ لأنه ليس محلاً لقضاء الحاجة.

س: مطلوب من الإنسان ذكر الله في كل وقت، وعلى كل حال إلا في أماكن نهي عن ذكر الله فيها، كالحمام مثلاً، فهل يقطع الإنسان ذكر الله في الحمام بتاتاً، حتى ولو في قلبه

(2)

؟.

ج: الذكر بالقلب مشروع في كل زمان ومكان، في الحمام وغيره.

(1)

ج 10 ص 28

(2)

ج 10 ص 32

ص: 56

وإنما المكروه في الحمام ونحوه: ذكر الله باللسان؛ تعظيماً لله سبحانه، إلا التسمية عند الوضوء، فإنه يأتي بها إذا لم يتيسر الوضوء خارج الحمام؛ لأنها واجبة عند بعض أهل العلم، وسنة مؤكدة عند الجمهور.

س: هل يشترط الاستنجاء لكل وضوء

(1)

؟

ج: لا يشترط الاستنجاء لكل وضوء، وإنما يجب الاستنجاء من البول والغائط وما يلحق بهما، أما غيرهما من النواقض؛ كالريح، ومس الفرج، وأكل لحم الإبل، والنوم، فلا يشرع له الاستنجاء، بل يكفي في ذلك الوضوء الشرعي: وهو غسل الوجه، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأس مع الأذنين، وغسل الرجلين مع الكعبين، كما في قوله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}

(2)

.

س: هل يجوز استعمال الروائح العطرية المسماة بـ: (الكولونيا) المشتملة على مادة الكحول

(3)

؟

ج: استعمال الروائح العطرية المسماة بـ: (الكولونيا)، المشتملة على مادة الكحول لا يجوز؛ لأنه ثبت لدينا بقول أهل الخبرة من الأطباء: أنها مسكرة؛ لما فيها من مادة السبيرتو المعروفة، وبذلك يحرم استعمالها على الرجال والنساء.

(1)

ج 10 ص 33

(2)

- سورة المائدة الآية 6.

(3)

ج 10 ص 38

ص: 57

أما الوضوء فلا ينتقض بها. وأما الصلاة ففي صحتها نظر؛ لأن الجمهور يرون نجاسة المسكر، ويرون أن من صلى متلبساً بالنجاسة ذاكراً عامداً لم تصح صلاته.

وذهب بعض أهل العلم إلى عدم تنجيس المسكر. وبذلك يعلم أن من صلى وهي في ثيابه أو بعض بدنه ناسياً، أو جاهلاً حكمها، أو معتقداً طهارتها، فصلاته صحيحة.

والأحوط: غسل ما أصاب البدن والثوب منها؛ خروجاً من خلاف العلماء، فإن وجد من الكولونيا نوع لا يسكر لم يحرم استعماله؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. والله ولي التوفيق.

س: ما حكم تطويل الأظافر ووضع (مناكير) عليها، مع العلم أنني أتوضأ قبل وضعه، ويجلس 24 ساعة ثم أزيله

(1)

؟

ج: تطويل الأظافر خلاف السنة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب ونتف الإبط وقلم الأظفار» ولا يجوز أن تترك أكثر من أربعين ليلة؛ لما ثبت عن أنس رضي الله عنه قال: (وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة: ألا نترك شيئاً من ذلك أكثر من أربعين ليلة)، ولأن تطويلها فيه تشبه بالبهائم وبعض الكفرة. أما (المناكير) فتركها أولى، وتجب إزالتها عند الوضوء؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى الظفر.

(1)

ج 10 ص 49

ص: 58

س: ما حكم إزالة الشعر الذي ينبت في وجه المرأة

(1)

؟

ج: هذا فيه تفصيل: إن كان شعراً عادياً فلا يجوز أخذه؛ لحديث (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة) الحديث.

والنمص: هو أخذ الشعر من الوجه والحاجبين.

أما إن كان شيئاً زائداً يعتبر مثله تشويها للخلقة؛ كالشارب، واللحية، فلا بأس بأخذه ولا حرج؛ لأنه يشوه خلقتها ويضرها، ولا يدخل في النمص المنهي عنه.

س: أرجو بيان‌

‌ كيفية الوضوء والصلاة

على ضوء ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لشدة الحاجة إلى ذلك جزاكم الله خيرا

(2)

؟

ج: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه كان في أول الوضوء يغسل كفيه ثلاثا مع نية الوضوء، ويسمي؛ لأنه المشروع، وروي عنه صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة أنه قال:«لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» .

فيشرع للمتوضئ أن يسمي الله في أول الوضوء، وقد أوجب ذلك بعض أهل العلم مع الذكر، فإن نسي أو جهل فلا حرج، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات، ويغسل وجهه ثلاثا، ثم يغسل يديه مع المرفقين ثلاثا، يبدأ باليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه وأذنيه مرة واحدة، ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاث مرات، يبدأ باليمين، وإن اقتصر على مرة أو مرتين فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه

(1)

ج 10 ص 51

(2)

ج 10 ص 98

ص: 59

وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وربما غسل بعض أعضائه مرتين وبعضها ثلاثا، وذلك يدل على أن الأمر فيه سعة، والحمد لله، لكن التثليث أفضل، وهذا إذا لم يحصل بول أو غائط، فإن حصل شيء من ذلك فإنه يبدأ بالاستنجاء ثم يتوضأ الوضوء المذكور.

أما الريح، والنوم، ومس الفرج، وأكل لحم الإبل، فكل ذلك لا يشرع منه الاستنجاء، بل يكفي الوضوء الشرعي الذي ذكرناه، وبعد الوضوء يشرع للمؤمن والمؤمنة أن يقولا:«أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويشرع لمن توضأ أن يصلي ركعتين، وتسمى: سنة الوضوء، وإن صلى بعد الوضوء السنة الراتبة كفت عن سنة الوضوء.

س: أثناء وضوئي نسيت أن أمسح رأسي وغسلت رجلي، فهل علي أنا أعيد الوضوء كاملا أو أعيد مسح الرأس ثم أغسل الرجلين بعد ذلك

(1)

؟

ج: عليك أن تمسح رأسك وأذنيك، ثم تعيد غسل الرجلين إذا ذكرت ذلك قبل طول الفصل، فإن طال الفصل فعليك أن تعيد الوضوء من أوله؛ لأن الموالاة بين الأعضاء فرض من فروض الوضوء. والله ولي التوفيق.

س: توضأت للفجر وصليت، ونسيت لبس الجوارب (الشراب)، ونمت بعد الصلاة ثم استيقظت للذهاب لعملي، ولبست الشراب على غير طهارة، وعندما جاء

(1)

ج 10 ص 103

ص: 60

وقت الظهر توضأت ومسحت على الشراب وصليت، وهكذا العصر والمغرب والعشاء، اعتقادا مني أنني لبستهما على طهارة. ولم أتذكر أنني لم ألبسهما على طهارة إلا بعد العشاء بحوالي ساعتين، فما حكم صلاتي في الأوقات الأربعة هل هي صحيحة أم لا؟ علما أنني لم أتعمد ذلك

(1)

.

ج: من لبس الخفين أو الجوربين - وهما: الشراب - على غير طهارة فمسح عليهما وصلى ناسيا فصلاته باطلة، وعليه إعادة جميع الصلوات التي صلاها بهذا المسح. لأن من شرط صحة المسح عليهما: لبسهما على طهارة بإجماع أهل العلم، ومن لبسهما على غير طهارة ومسح عليهما فحكمه حكم من صلى على غير طهارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» .

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فذهب إلى حاجته، ثم رجع فتوضأ، وجعل المغيرة يصب عليه الماء، فلما مسح صلى الله عليه وسلم برأسه أهوى المغيرة لينزع خفيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما. والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

(1)

ج 10 ص 114

ص: 61

وبهذا تعلم أيها السائل أن عليك أن تعيد الصلوات الأربع، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولا إثم عليك من أجل النسيان. لقول الله سبحانه:{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}

(1)

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد فعلت) ومعنى ذلك: أنه سبحانه استجاب دعوة عباده في عدم مؤاخذتهم بما وقع منهم عن خطأ أو نسيان، فلله الحمد والشكر على ذلك.

س: أشعر أحيانا خلال الوضوء أن وضوئي ينتقض، وكذلك في الصلاة، ولا أدري هل هذا حقيقة أم وسواس؟ حتى أنني كثير الإعادة للصلاة والوضوء مما جعلني أحيانا لا أدرك صلاة الجماعة وأفكر كثيرا في الصلاة

(2)

.

ج: هذه الوساوس من الشيطان، والواجب عليك إطراحها، وعدم الالتفات إليها، وإكمال وضوئك وصلاتك؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام:«لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» متفق عليه، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» .

بهذين الحديثين وما جاء في معناهما من الأحاديث يعلم كل مؤمن ومؤمنة: أنه لا ينبغي له الانصراف من صلاته ولا من وضوئه بما يحصل من الوساوس، بل يشرع له الإعراض عنها، حتى يعلم يقينا أنه خرج منه شيء، وحتى يعلم يقينا في موضوع الوضوء أنه قد انتقض وضوءه. والله ولي التوفيق.

(1)

- سورة البقرة الآية 286.

(2)

ج 10 ص 124

ص: 62

س: إذا كان الإنسان قد توضأ أو هو على وضوء فلمس أمه أو شقيقته أو نحو ذلك، فهل يبطل وضوءه

(1)

؟

ج: الصواب: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، سواء كانت زوجته أو غيرها، هذا هو الصواب، وفيه خلاف بين أهل العلم، فللعلماء في هذا أقوال ثلاثة:

أحدها: أن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقا.

والثاني: لا ينقضه مطلقا.

والثالث: التفصيل: إن كان عن شهوة وتلذذ نقض، وإلا فلا.

والراجح من الأقوال الثلاثة: أنه لا ينقض مطلقا؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ صلى الله عليه وسلم، ولأن الأصل سلامة الطهارة، فلا تنتقض إلا بدليل واضح، ولأن هذا الأمر يبتلى به الناس في بيوتهم، فلو كان مس المرأة ينقض الوضوء لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا واضحا ولم يغفله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين.

وأما قوله عز وجل في سورتي النساء والمائدة: {أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} فالمراد بذلك: الجماع، كما قاله ابن عباس وجمع كثير من أهل العلم.

والمس والمسيس والملامسة معناها واحد، وكلها يعنى بها: الجماع في أصح قولي العلماء، لكن إن خرج من الإنسان وقت الملامسة شيء من المذي انتقض وضوءه، ووجب عليه غسل الذكر والأنثيين، ثم الوضوء للصلاة ونحوها. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 10 ص 136

ص: 63

س: هل يجوز الإمساك بالمصحف المفسر بدون طهارة؟ والمقصود: هو المصحف الذي على جوانبه تفسير للقرآن الكريم، أي: أنه «قرآن وتفسير» ؟ نرجو من سماحتكم إفادتنا

(1)

.

ج: يجوز إمساك كتب التفسير من غير حائل ومن غير طهارة؛ لأنها لا تسمى مصحفا، أما المصحف المختص بالقرآن فقط فلا يجوز مسه لمن لم يكن على طهارة؛ لقول الله عز وجل:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ}

(2)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» .

والأصل في الطهارة المطلقة في العرف الشرعي: هي الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، كما فهم ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عن أحد منهم - فيما نعلم - أنه مس المصحف وهو على غير طهارة، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو الصواب. والله الموفق.

س: ما الحكمة في أن لحم الإبل يبطل الوضوء؟ وهل حساء لحم الإبل يبطل الوضوء أيضا

(3)

؟

ج: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل ولم يبين لنا الحكمة، ونحن نعلم أن الله سبحانه حكيم عليم، لا يشرع لعباده إلا ما فيه الخير والمصلحة لهم في الدنيا والآخرة، ولا ينهاهم إلا عما يضرهم في الدنيا والآخرة.

(1)

ج 10 ص 148

(2)

- سورة الواقعة الآيات 77 - 79.

(3)

ج 10 ص 157

ص: 64

والواجب على المسلم أن يتقبل أوامر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم ويعمل بها، وإن لم يعرف عين الحكمة، كما أن عليه أن ينتهي عما نهى الله عنه ورسوله، وإن لم يعرف عين الحكمة؛ لأنه عبد مأمور بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مخلوق لذلك، فعليه الامتثال والتسليم، مع الإيمان بأن الله حكيم عليم، ومتى عرف الحكمة فذلك خير إلى خير.

أما المرق من لحم الإبل، وهكذا اللبن، فلا يبطلان الوضوء، وإنما يبطل ذلك اللحم خاصة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«توضؤوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من لحوم الغنم» وسأله رجل فقال يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال «نعم» قال أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال «إن شئت» وهما حديثان صحيحان ثابتان عن النبي صلى الله عليه وسلم.

س: هل غسل الجمعة واجب أم مستحب

(1)

؟

ج:‌

‌ الغسل يوم الجمعة سنة مؤكدة

؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستاك ويتطيب» وقوله صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه

(1)

ج 10 ص 170

ص: 65

وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام» رواه مسلم في صحيحه، وفي لفظ له:«من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا» مع أحاديث كثيرة في الباب.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «واجب على كل محتلم» معناه عند أكثر أهل العلم: متأكد، كما تقول العرب:(العدة دين، وحقك عليَّ واجب)، ويدل على هذا المعنى: اكتفاؤه صلى الله عليه وسلم بالوضوء في بعض الأحاديث.

وهكذا الطيب، والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير إلى الجمعة، كله من السنن المرغب فيها، وليس شيء منها واجباً.

س: إذا كان بالقرب مني بحر أو نهر وكنت أستحم فيه، وبعد ذلك حان وقت الصلاة وليس عندي ماء غيره أتوضأ منه، فهل يكفي استحمامي عن الوضوء أم لا

(1)

؟

ج: عليك أن تتوضأ مما حولك من البحر أو النهر، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من ماء البحر فقال «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وإذا تحممت لإزالة النجاسة أو الوسخ فلا يكفي، إذ لا بد من الوضوء، أما إذا تحممت عن جنابة ونويت الحدثين: الأصغر، والأكبر بالغسل كفى، ولكن الأفضل أن تتوضأ ثم تغتسل، هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، يستنجي أولا، ثم يتوضأ وضوء الصلاة ثم يغتسل، هذا هو السنة، لكن لو نواهما جميعا بنية واحدة أجزأه عند أهل العلم، ولكن الأفضل للمسلم أن يفعل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا المرأة في غسل الحيض والنفاس، سواء كان الماء من ماء البحار، أو النهر، أو الآبار، أو العيون، والله يقول سبحانه:

(1)

ج 10 ص 176

ص: 66

{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}

(1)

الآية.

س: استيقظت في حدود شروق الشمس مجنبا فإذا دخلت في الغسل ستشرق الشمس، هل أتيمم وأصلي، أم أغتسل ثم أصلي

(2)

؟

ج: عليك أن تغتسل وتكمل طهارتك ثم تصلي، وليس لك التيمم والحال ما ذكر. لأن الناسي والنائم مأموران أن يبادرا بالصلاة وما يلزم لها من حين الذكر والاستيقاظ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» ومعلوما أنه لا صلاة إلا بطهور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة بغير طهور» .

ومن وجد الماء فطهوره الماء، فإن عدمه صلى بالتيمم؛ لقول الله عز وجل:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}

(3)

الآية من سورة المائدة.

والواجب عليك أن تهتم بصلاتك، وأن تعنى بها غاية العناية بوضع منبه عند رأسك، أو تكليف من يوقظك من أهلك عند دخول الوقت؛ حتى تؤدي ما أوجب الله عليك من الصلاة مع إخوانك المسلمين في بيوت الله عز وجل، وحتى تسلم من مشابهة المنافقين الذين يتأخرون عن الصلاة، ولا يأتونها إلا كسالى. أعاذنا الله وإياك وسائر المسلمين من صفاتهم وأخلاقهم. والله ولي التوفيق.

(1)

- سورة المائدة الآية 6.

(2)

ج 10 ص 182

(3)

- سورة المائدة الآية 6.

ص: 67

س: هل خروج المذي يوجب الغسل

(1)

؟

ج:‌

‌ خروج المذي لا يوجب الغسل

، ولكن يوجب الوضوء بعد غسل الذكر والأنثيين إذا أراد أن يصلي أو يطوف أو يمس المصحف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عنه قال «فيه الوضوء» وأمر من أصابه المذي أن يغسل ذكره وأنثييه.

وإنما الذي يوجب الغسل هو المني، إذا خرج دفقا بلذة، أو رأى أثره بعد اليقظة من نومه ليلا أو نهارا.

س: التيمم هل يُسْقِط عن الجنب الاغتسال بتاتا؟ وكم صلاة يمكن أن أصلي به، وما هي نواقضه

(2)

؟

ج: التيمم يقوم مقام الماء، فالله جعل الأرض مسجدا وطهورا للمسلمين، فإذا فقد الماء أو عجز عنه لمرض قام التيمم مقامه، فلا يزال كافيا حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه الغسل عن جنابته السابقة، وهكذا المريض إذا برئ وعافاه الله يغتسل عن جنابته السابقة التي طهرها بالتيمم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» ثم قال «فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك» رواه الترمذي، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ورواه البزار، وصححه ابن القطان، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فإذا وجد الماء الجنب أمسه بشرته، أي: اغتسل بعد ذلك عن ما مضى، وأما صلواته الماضية فهي صحيحة بالتيمم عند فقده الماء أو عجزه عن استعماله؛ لمرض

(1)

ج 10 ص 187

(2)

ج 10 ص 201

ص: 68

يمنعه من الماء، حتى ينتهي المرض ويشفى منه، وحتى يجد الماء إذا كان فاقدا له، ولو طالت المدة.

س: هل يجوز للمرأة النفساء أن تصوم وتصلي وتحج قبل أربعين يوما إذا طهرت

(1)

؟

ج: نعم، يجوز لها أن تصوم، وتصلي، وتحج وتعتمر، ويحل لزوجها وطؤها في الأربعين إذا طهرت، فلو طهرت لعشرين يوما اغتسلت، وصلت وصامت، وحلت لزوجها. وما يروى عن عثمان بن أبي العاص أنه كره ذلك فهو محمول على كراهة التنزيه، وهو اجتهاد منه رحمه الله ورضي عنه، ولا دليل عليه.

والصواب: أنه لا حرج في ذلك، إذا طهرت قبل الأربعين يوما، فإن طهرها صحيح، فإن عاد عليها الدم في الأربعين، فالصحيح: أنها تعتبره نفاسا في مدة الأربعين، ولكن صومها الماضي في حال الطهارة وصلاتها وحجها كله صحيح، لا يعاد شيء من ذلك ما دام وقع في حال الطهارة.

س: ما حكم مسح أثر الغائط والبول بالورق؟ هل يكفي عن الماء

(2)

؟

ج: نعم يكفي المسح بالورق وغيره من الجامدات الطاهرات كالأحجار والخشب والخرق والتراب وغير ذلك، ما عدا العظام والأرواث إذا أنقى المحل وكرر ذلك ثلاث مرات فأكثر، ويقوم ذلك مقام الماء لأحاديث كثيرة وردت في ذلك منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن

(1)

ج 10 ص 211

(2)

ج 29 ص 15

ص: 69

تجزي عنه»

(1)

. رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الحافظ الدارقطني: إسناده صحيح، وعن خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال:«سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال: «بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع»

(2)

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بعظم أو روث وقال: «إنهما لا يطهران»

(3)

أخرجه الدارقطني وقال: إسناده صحيح، وأخرج مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، ونهى أن يستنجى برجيع أو عظم»

(4)

، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفيما ذكرناه منها كفاية إن شاء الله.

س: ما حكم رشاش البول الذي يقع على الثياب نتيجة اصطدام الماء الخارج بجسم صلب؟ هل يلزم الغسل أم يكفي النضح

(5)

؟

ج: لا بد من الغسل، ما يصيب الثياب أو الرجل من البول لا بد فيه من الغسل، ولا يكفي النضح؛ لأنه نجاسة مغلظة، الذي ينضح المذي خاصة، وبول الصبي الذي لم يأكل الطعام ينضح، أما البول للصبي الذي يأكل الطعام فيغسل.

(1)

أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها برقم 44، والإمام أحمد في باقي مسند الأنصار، حديث عائشة رضي الله عنها برقم 24491

(2)

أخرجه الإمام أحمد في مسند الأنصار رضي الله عنهم، حديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه 21349، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة برقم 41، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة برقم 315.

(3)

أخرجه الدارقطني في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء برقم 9.

(4)

أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة برقم 262.

(5)

ج 29 ص 21

ص: 70

س: سماحة الشيخ: عند ذهابي إلى المسجد أو أثناء الصلاة تنزل بعض قطرات البول، فما حكم صلاتي؟ علما أنه أخبرني بعض الشباب أن أزيل البقعة بالماء فقط، وهل أعيد الوضوء بعد إزالة البقع؟ وفقكم الله

(1)

.

ج: عليك أن تعيد الوضوء والاستنجاء، وتغسل ما أصابك من البول إذا كان البول ليس بمستمر معك، أما إذا كان مستمرا فأنت صاحب سلس، توضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت، ولا يضرك ما خرج وقت الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«توضئي لوقت كل صلاة»

(2)

.

س: ما حكم النطق بالشهادة أثناء الوضوء في داخل دورة المياه

(3)

؟

ج: السنة إذا فرغ من الوضوء أن يتشهد خارج الحمام؛ لأنه ليس هناك ضرورة أن يتشهد داخل الحمام، بل إذا فرغ يخرج ثم يقول:«أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»

(4)

، ويكره أن يقول هذا في الداخل.

أما عند بدء الوضوء فيسمي ولو في الداخل، فيقول: بسم الله ثم يتوضأ؛ لأنه محتاج إلى التسمية، وقد أوجبها جمع من أهل العلم مع الذكر، فلا يدعها، والكراهة تزول عند الحاجة، أما الشهادة فليس هناك حاجة أن يأتي بها وهو في الحمام، بل يخرج ثم يأتي بالشهادة بعد ذلك.

(1)

ج 29 ص 22

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم برقم 228.

(3)

ج 29 ص 27

(4)

سنن الترمذي الطهارة (55).

ص: 71

س: ما حكم صبغ اللحية باللون الأسود؟ وما حكم من يفعل ذلك

(1)

؟

ج: لا يجوز صبغ الشيب - سواء كان في الرأس أو اللحية - بالصبغ الأسود؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة النهي عن ذلك، ويشرع تغييره بغير الأسود كالأحمر والأصفر، وكالحناء والكتم مخلوطين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد»

(2)

(3)

من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم»

(4)

متفق على صحته من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والله ولي التوفيق.

س: هل‌

‌ إطالة الأظافر

محرمة؟ وما حكم الصلاة بهذه الحالة

(5)

؟

ج: الأظافر يجوز بقاؤها مدة أربعين يوما، وهكذا الشارب والإبط، وهكذا العانة؛ لما ثبت في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال:«وقت لنا في قص الشارب وقلم الظفر ونتف الإبط وحلق العانة، ألا يدع ذلك أكثر من أربعين ليلة»

(6)

، وفي

(1)

ج 29 ص 42

(2)

أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة وتحريمه برقم 2102

(3)

رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(4)

أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الخضاب برقم 5899، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب في مخالفة اليهود في الصبغ برقم 2103.

(5)

ج 29 ص 50

(6)

أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة برقم 258.

ص: 72

لفظ: «وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»

(1)

، فإذا بلغ ذلك أربعين يوما وجب عليه قص الشارب وقلم الظفر ونتف الإبط وحلق العانة للحديث المذكور.

س: ما هي الشروط التي يجب على المسلم مراعاتها عند المسح على الجوربين

(2)

؟

ج:

1 -

لا بد من طهارة: فيلبسها على طهارة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد المغيرة أن ينزع خفيه، قال:«دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»

(3)

، فإذا أراد أن يمسح فليلبسهما على طهارة رجلا كان أو امرأة، مسافرا كان أو مقيما.

2 -

لا بد من أن يكونا ساترين صفيقين، ويمسح مع الخروق اليسيرة على الصحيح.

3 -

أن يكون المسح لمدة معينة هي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ولا يمسح أكثر من ذلك. إذا توافرت هذه الشروط فإن المؤمن يمسح على خفيه وجوربيه، والمرأة كذلك.

س: هل للإنسان أن يتوضأ داخل الحمام أثناء الاستحمام قبل أن يرتدي ملابسه

(4)

؟

ج: لا نعلم بأسا في هذا إذا اغتسل من الجنابة أو يوم الجمعة، لكن الأفضل أن يبتدئ بالوضوء في غسل الجنابة، أن يتوضأ ثم يغتسل للجنابة، ويكفيه الوضوء الأول؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ، يعني يستنجي ويغسل ما

(1)

أخرجه الإمام أحمد في المسند، باقي مسند المكثرين مسند أنس بن مالك رضي الله عنه برقم 11823.

(2)

ج 29 ص 68

(3)

أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب لبس جبة الصوف في الغزو برقم 5799، ومسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين برقم 274.

(4)

ج 29 ص 93

ص: 73

أصاب فرجه وما حوله، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغتسل حتى إذا انتهى من الغسل انتهى من كل شيء، وليس عليه وضوء بعد ذلك، إلا إذا أحدث بعد الغسل بأن مس فرجه أو خرج منه ريح فإنه يعيد الوضوء، أما إذا اغتسل ولم يمس فرجه ولم يخرج منه ريح ولم يحدث فإن وضوءه الأول كاف.

أما غسل الجمعة فإن شاء توضأ قبله، وإن شاء توضأ بعده، ولا يكفي الغسل وحده، بل لا بد من وضوء قبله أو بعده، وإذا توضأ قبله أو بعده وهو عريان فلا بأس في ذلك لأنه تجرد ليغتسل.

س: سؤال عن الطريقة الصحيحة للتيمم

(1)

؟

ج: الطريقة الصحيحة بينها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمار بن ياسر في الصحيحين قال له: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بهما الأرض (ضرب بهما الأرض: أي: بكفيه)، ثم مسح بهما وجهه وكفيه»

(2)

، وهذا مطابق لقوله سبحانه:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}

(3)

، فإذا كان في السفر وليس عنده ماء أو مريض لا يستطيع استعمال الماء ضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة - ضربة خفيفة -، ثم مسح بهما

(1)

ج 29 ص 99

(2)

صحيح البخاري التيمم (347)، صحيح مسلم الحيض (368)، سنن الترمذي الطهارة (144)، سنن النسائي الطهارة (320)، سنن أبي داود الطهارة (322)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (571)، مسند أحمد (4/ 265)، سنن الدارمي الطهارة (745).

(3)

سورة المائدة الآية 6

ص: 74

وجهه وكفيه، وإذا علق فيها تراب نفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هكذا المشروع، يكفي ضربة واحدة، هذه هي السنة.

وإذا ضرب ضربتين إحداهما لوجهه والأخرى لكفيه لا بأس، لكن الأفضل والسنة ضربة واحدة كما في حديث عمار، يضرب بهما الأرض، أو إذا كان عنده إناء فيه تراب أو ما أشبه ذلك يضرب بهما بالتراب، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، هذا هو التيمم الشرعي بنية الطهارة، ويسمى الله يقول: بسم الله، كما يسمي في الماء عند الوضوء، وإذا ضرب بهما التراب ومسح بهما وجهه وكفيه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، كما يفعل في الماء؛ لأن هذا يقوم مقام الماء.

س: ما مدى صحة الأحاديث التي وردت في‌

‌ صبغ اللحية بالسواد

، فقد انتشر صبغ اللحية بالسواد عند كثير ممن ينتسب إلى العلم؟

(1)

ج: في هذا الباب أحاديث صحيحة كثيرة، من أشهرها حديث جاء في قصة والد الصديق رضي الله عنه. راوه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما رأى رأس والد الصديق ولحيته كالثغامة بياضاً:«غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد»

(2)

وفي رواية: «وجنبوه

(1)

- ج 25 ص 282

(2)

- أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة وتحريمه بالسواد، برقم 3925.

ص: 75

السواد»

(1)

وحديث ابن عباس رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة»

(2)

وهذا وعيد شديد، وفي ذلك أحاديث أخرى كلها تدل على تحريم الخضاب بالسواد، وعلى شرعية الخضاب بغيره.

(1)

- أخرجه الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين، برقم 13933، وابن ماجه في كتاب اللباس، باب الخضاب بالسواد، برقم 3614

(2)

- أخرجه الإمام أحمد في مسند بني هاشم برقم 2341، وأبو داود في كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب السواد برقم 3679، والنسائي في كتاب الزينة، باب النهي عن الخضاب بالسواد، برقم 4988.

ص: 76

‌فتاوى الصلاة

ص: 77

س: عمري الآن 29 سنة وقد بدأت أصلي منذ سن الرابعة والعشرين وما زلت ولله الحمد وأشكره على أن هداني. ولقد بادرت بقضاء ما علي من صلوات منذ أن كان عمري خمسة عشر عاما حسب طاقتي، ولكن اختلف رأي الناس فمنهم من يقول: لا يلزمك القضاء والتوبة كافية، ومنهم من يقول: يلزمك القضاء .. أرجو بيان الصواب

(1)

؟

ج: الصواب أنه لا يلزمك القضاء والتوبة النصوح كافية في ذلك وهي المشتملة على الندم على ما وقع منك والاستقامة على الصلاة والعزم الصادق ألا تعود إلى تركها لقول الله عز وجل: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}

(2)

الآية، وقوله سبحانه:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(3)

وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}

(4)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها» وقوله عليه الصلاة والسلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

ونسأل الله عز وجل أن يمنحك الفقه في الدين والثبات على الحق ونوصيك بصحبة الأخيار والحذر من صحبة الأشرار. تقبل الله توبتك وأحسن لنا ولك الختام.

(1)

ج 5 ص 428

(2)

- سورة الأنفال من الآية 38.

(3)

- سورة النور من الآية 31.

(4)

- سورة التحريم من الآية 8.

ص: 79

س: ما يقول شيخنا الجليل فيمن لا يصلي ولا يصوم عمدا وبعد أن هداه الله وأناب إليه وبكى على إسرافه على نفسه، رجع يصلي ويصوم ويقوم بجميع العبادات هل يؤمر بقضاء الصلاة والصوم أم تكفيه الإنابة والتوبة

(1)

؟

ج: من ترك الصلاة والصيام ثم تاب إلى الله توبة نصوحا لم يلزمه قضاء ما ترك؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر يخرج من الملة وإن لم يجحد التارك وجوبها في أصح قولي العلماء، وقد قال الله سبحانه وتعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}

(2)

الآية.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها»

(3)

والأدلة في هذا كثيرة؛ ومنها قوله سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(4)

، وقوله سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}

(5)

الآية.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»

(6)

، والمشروع للتائب أن يكثر بعد التوبة من الأعمال الصالحات، وأن يكثر من سؤال الله سبحانه الثبات على الحق وحسن الخاتمة. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 28 ص 418

(2)

سورة الأنفال الآية 38

(3)

صحيح مسلم الإيمان (121)، مسند أحمد (4/ 204).

(4)

سورة طه الآية 82

(5)

سورة التحريم الآية 8

(6)

أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، برقم 4250.

ص: 80

س: ما حكم من مات وهو لا يصلي، مع العلم أن أبويه مسلمان؟ وكيف تكون معاملته من ناحية التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن والدعاء والترحم عليه؟

(1)

ج: من مات من المكلفين وهو لا يصلي فهو كافر، لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه، بل ماله لبيت مال المسلمين في أصح أقوال العلماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:«بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»

(2)

أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»

(3)

أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح من حديث بريدة رضي الله عنه. وقال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل-رحمه الله تعالى-: (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا تركه كفر إلا الصلاة)

(4)

والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة وهذا فيمن تركها كسلا ولم يجحد وجوبها، وأما من جحد وجوبها فهو كافر مرتد عن الإسلام عند جميع أهل العلم، نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويسلك بهم صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.

(1)

ج 10 ص 250.

(2)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) في مسند جابر بن عبدالله برقم (14762)، ومسلم في (الإيمان) باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم (82).

(3)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (22428)، والترمذي في (الإيمان) باب ما جاء في ترك الصلاة برقم (2621).

(4)

رواه الترمذي في (الإيمان) باب ما جاء في ترك الصلاة برقم (2622).

ص: 81

س: من الرياض أرسل إلينا رسالة ما حكم (ورقة توزع بين الناس)، وتتضمن حديثا منسوبا للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه:(من تهاون بالصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة .. ) إلى آخر ما جاء في الورقة، ويسأل عن صحة ذلك الحديث

(1)

.

ج: هذا الحديث مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، لا أساس له من الصحة، كما بين ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله في (الميزان)، والحافظ ابن حجر في (لسان الميزان)، فينبغي لمن وجد هذه الورقة أن يحرقها، وينبه من وجده يوزعها؛ دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم من كذب الكذابين.

وفيما ورد في القرآن العظيم والسنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم شأن الصلاة والتحذير من التهاون بها ووعيد من فعل ذلك ما يشفي ويكفي، ويغني عن كذب الكذابين، مثل قوله سبحانه:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}

(2)

وقوله سبحانه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}

(3)

وقوله سبحانه: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}

(4)

والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» خرجه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح، وقوله صلى الله عليه وسلم:«بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» أخرجه مسلم في صحيحه.

(1)

ج 10 ص 277

(2)

- سورة البقرة الآية 238.

(3)

- سورة مريم الآية 59.

(4)

- سورة الماعون الآيتان 4 - 5.

ص: 82

وقوله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الصلاة يوما بين أصحابه: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف» رواه الإمام أحمد بإسناد حسن.

قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث: وإنما يحشر يوم القيامة من ضيع الصلاة مع هؤلاء الكفرة؛ لأنه إن ضيعها بسبب الرئاسة شابه فرعون، ومن ضيعها بسبب الوزارة والوظائف الأخرى شابه هامان وزير فرعون، فيحشر معه يوم القيامة إلى النار، ومن ضيعها بسبب المال

والشهوات شابه قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض، بسبب استكباره عن اتباع الحق، من أجل ماله الكثير واتباعه الشهوات فيحشر معه إلى النار، وإن ضيعها بسبب التجارة وأنواع المعاملات شابه أبي بن خلف - تاجر أهل مكة - من الكفرة، فيحشر معه يوم القيامة إلى النار. نسأل الله العافية من حالهم وحال أمثالهم.

س: كثير من المرضى يتهاون بالصلاة ويقول: إذا شفيت قضيت الصلاة، وبعضهم يقول: كيف أصل وأنا لا أستطيع الطهارة ولا التنزه من النجاسة، فبم توجهون هؤلاء

(1)

؟

ج: المرض لا يمنع من أداء الصلاة بحجة العجز عن الطهارة ما دام العقل موجودا، بل يجب على المريض أن يصلي حسب طاقته، وأن يتطهر بالماء إذا قدر على ذلك، فإن لم يستطع استعمال الماء تيمم وصلى، وعليه أن يغسل النجاسة من بدنه

(1)

ج 10 ص 307

ص: 83

وثيابه وقت الصلاة، أو يبدل الثياب النجسة بثياب طاهرة وقت الصلاة، فإن عجز عن غسل النجاسة وعن إبدال الثياب النجسة بثياب طاهرة سقط عنه ذلك، وصلى حسب حاله؛ لقول الله عز وجل:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(1)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنهما لما شكا إليه المرض، قال:«صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه البخاري في صحيحه، ورواه النسائي بإسناد صحيح، وزاد:«فإن لم تستطع فمستلقياً» .

س: لم أصل إلا بعد ما بلغت الرابعة والعشرين من عمري، وصرت الآن أصلي مع كل فرض فرضا آخر، فهل يجوز لي ذلك؟ وهل أداوم على هذا، أم أن علي حقوقا أخرى؟ أفيدوني أفادكم الله

(2)

.

ج: الذي يترك الصلاة عمدا ليس عليه قضاء على الصحيح، وإنما عليه التوبة إلى الله عز وجل؛ لأن الصلاة عمود الإسلام، وتركها من أعظم الجرائم، بل تركها عمدا كفر أكبر في أصح قولي العلماء؛ لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح، عن بريدة رضي الله عنه؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام:«بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفي الباب أحاديث أخرى تدل على ذلك.

(1)

- سورة التغابن الآية 16.

(2)

ج 10 ص 329

ص: 84

فالواجب عليك يا أخي التوبة إلى الله- التوبة الصادقة- وذلك؛ بالندم على ما مضى منك، والإقلاع من ترك الصلاة، والعزم الصادق على أن لا تعود إلى ذلك، وليس عليك أن تقضي- لا مع كل صلاة ولا في غير ذلك- بل عليك التوبة فقط، والحمد لله، من تاب تاب الله عليه، يقول الله سبحانه:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(1)

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» .

فعليك أن تصدق في التوبة، وأن تحاسب نفسك، وأن تجتهد بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها في الجماعة، وأن تستغفر الله عما جرى منك، وتكثر من العمل الصالح، وأبشر بالخير، يقول الله سبحانه:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(2)

ولما ذكر الشرك والقتل والزنا في سورة الفرقان قال جل وعلا بعد ذلك: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}

(3)

. نسأل الله لنا ولك التوفيق، وصحة التوبة، والاستقامة على الخير.

س: ما العلة في ذكر: (لا حول ولا قوة إلا بالله) بين الحيعلتين علما أن معناهما: دعوة للصلاة؟ وهل في ذلك حديث يدل على ذلك

(4)

؟

ج: الحكمة في ذلك: أن العبد ضعيف ليس له قدرة على التحول من حال إلى حال إلا بالله، ومن ذلك ذهابه إلى الصلاة لأدائها مع الجماعة، لا حول له ولا قوة

(1)

- سورة النور الآية 31.

(2)

- سورة طه الآية 82.

(3)

- سورة الفرقان الآيات 68 - 70.

(4)

ج 10 ص 345

ص: 85

على ذلك إلا بالله، فيستشعر عجزه وضعفه، وأنه لا يقدر على إجابة هذا النداء إلا بالله وحده، فيقول عند الحيعلة:(لا حول ولا قوة إلا بالله). وقد صح في ذلك حديث عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه. وفق الله الجميع لما فيه رضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

س: أصلي الفروض أحيانا بمفردي؛ نظرا لعدم وجود مسجد بالقرب مني، فهل يلزمني الأذان والإقامة لكل صلاة أم يجوز أن أصلي دون أذان أو دون إقامة

(1)

؟

ج: السنة: أن تؤذن وتقيم؛ أما الوجوب ففيه خلاف بين أهل العلم، ولكن الأولى بك والأحوط لك أن تؤذن وتقيم؛ لعموم الأدلة، ولكن يلزمك أن تصلي في الجماعة متى أمكنك ذلك. فإذا وجدت جماعة أو سمعت النداء في مسجد بقربك وجب عليك أن تجيب المؤذن، وأن تحضر مع الجماعة، فإن لم تسمع النداء ولم يكن بقربك مسجد فالسنة أن تؤذن أنت وتقيم.

وقد ثبت عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال لرجل: (إذا كنت في غنمك وباديتك فارفع صوتك بالنداء، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«لا يسمع صدى صوت المؤذن شجر ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» . والله ولي التوفيق.

س: هل تجوز مجاوبة الأذان الصادر من جهاز (المذياع)

(2)

؟

ج: إذا كان في وقت الصلاة فإنها تشرع الإجابة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة

(1)

ج 10 ص 351

(2)

ج 10 ص 363

ص: 86

صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة».

خرجه مسلم في صحيحه، وقال عليه الصلاة والسلام:«من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاري في صحيحه، وزاد البيهقي رحمه الله بإسناد حسن بعد قوله:«الذي وعدته» «إنك لا تخلف الميعاد» .

س: كثير من العمال يؤخرون صلاتي الظهر والعصر إلى الليل، معللين ذلك بأنهم منشغلون بأعمالهم، أو أن ثيابهم نجسة، أو غير نظيفة، فبماذا توجهونهم

(1)

؟

ج: لا يجوز للمسلم أو المسلمة تأخير الصلاة المفروضة عن وقتها، بل يجب على كل مسلم ومسلمة من المكلفين أن يؤدوا الصلاة في وقتها حسب الطاقة، وليس العمل عذرا في تأخيرها، وهكذا نجاسة الثياب ووساختها، كل ذلك ليس بعذر.

وأوقات الصلاة يجب أن تستثنى من العمل، وعلى العامل وقت الصلاة أن يغسل ثيابه من النجاسة، أو يبدلها بثياب طاهرة.

أما الوسخ فليس مانعا من الصلاة فيها، إذا لم يكن ذلك الوسخ من النجاسات، أو فيه رائحة كريهة تؤذي المصلين، فإن كان الوسخ يؤذي المصلين بنفسه أو رائحته وجب على المسلم غسله قبل الصلاة، أو إبداله بغيره من الثياب النظيفة؛ حتى يؤدي الصلاة مع الجماعة.

(1)

ج 10 ص 382

ص: 87

ويجوز للمعذور شرعا- كالمريض والمسافر- أن يجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا يجوز الجمع في المطر والوحل الذي يشق على الناس.

س: ما‌

‌ حكم من صلى والدخان في جيبه

وهو ساه أو متعمد

(1)

؟

ج: الدخان من المحرمات الضارة بالإنسان، وهو من الخبائث التي حرمها الله عز وجل، وهكذا بقية المسكرات من سائر أنواع الخمور. لما فيها من مضرة عظيمة، وهكذا القات المعروف عند أهل اليمن وغيرهم محرم؛ لما فيه من المضار الكثيرة، وقد نص كثير من أهل العلم على تحريمه.

والدخان فيه خبث كثير وضرر كثير، فلا يجوز شربه ولا بيعه ولا شراؤه ولا التجارة فيه، وقد قال جل وعلا في كتابه العظيم:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}

(2)

فلم يحل الله لنا الخبائث، والدخان ليس من الطيبات، بل هو خبيث الطعم، خبيث الرائحة، عظيم المضرة، وهو من أسباب موت السكتة، ومن أسباب أمراض كثيرة- فيما ذكره الأطباء، منها: السرطان، فالمقصود: أنه مضر جدا، وخبيث، وحرام بيعه وشراؤه، وحرام التجارة فيه.

أما الصلاة وهو في الجيب فلا يضر، فالصلاة صحيحة؛ لأنه شجر ليس بنجس، ولكنه محرم ومنكر كما سبق، لكن لو صلى وهو في جيبه عامدا أو ساهيا فصلاته صحيحة، ويجب عليه إتلافه، والحذر منه، والتوبة إلى الله عما سلف من تعاطيه.

(1)

ج 10 ص 395

(2)

- سورة المائدة الآية 4.

ص: 88

س: من وجد في ثوبه نجاسة بعدما سلم من صلاته، هل يعيد صلاته

(1)

؟

ج: من صلى وفي بدنه أو ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة في أصح قولي العلماء، وهكذا لو كان يعلمها سابقا ثم نسيها وقت الصلاة ولم يذكر إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة. لقول الله عز وجل:{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}

(2)

فقال الله: «قد فعلت» كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه صلى الله عليه وسلم صلى في بعض الأيام وفي نعله قذر فأخبره جبرائيل بذلك فخلعها واستمر في صلاته ولم يستأنفها، وهذا من تيسير الله سبحانه ورحمته بعباده.

أما من صلى ناسيا الحدث فإنه يعيد الصلاة بإجماع أهل العلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» أخرجه مسلم في صحيحه، وقوله صلى الله عليه وسلم:«لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق على صحته.

س: بعض الناس يصلون في ثوب خفيف جدا بدون سراويل طويلة، فهل صلاتهم صحيحة؟ وبما ننصحهم

(3)

؟

ج: إذا كان الذي يصلي رجلا، فالواجب أن يستر ما بين السرة والركبة، وإذا كان الثوب خفيفا ترى منه العورة المذكورة، فالصلاة غير صحيحة، أما إذا كان

(1)

ج 10 ص 401

(2)

- سورة البقرة الآية 286.

(3)

ج 10 ص 412

ص: 89

اللباس يستر الفخذين وبقية العورة ولا يرى معه لحمته فلا حرج في ذلك، أو كان عليه سراويل وافية تستر ما بين السرة والركبة، فلا يضره كون الثوب خفيفا، لكن يشرع للرجل مع ذلك ستر العاتقين أو أحدهما. لقوله عليه الصلاة والسلام:«لا يصلي الرجل في ثوب ليس على عاتقه منه شيء» متفق على صحته.

أما المرأة فيجب أن تستر بدنها كله في الصلاة، وأن تكون ملابسها ساترة صفيقة لا يرى من ورائها شيء من بدنها، ماعدا الوجه فقط في الصلاة، وإن كشفت الكفين فلا بأس، لكن الأفضل سترهما، ولا يجوز لها أن تصلي في أثواب خفيفة يرى منها لحمها ويعرف لونه أحمر أو أسود، فإن كان يراها أجنبي وجب عليها ستر وجهها أيضا.

س: أرجو أن تفيدوني عن‌

‌ حكم الصلاة في ثوب مرسوم عليه صور

حيوانات وجزاكم الله خيرا

(1)

.

ج: لا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المصورين وأخبر أنهم يعذبون يوم القيامة «

ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» وأمر بطمس الصور، ولما رأى عند عائشة رضي الله عنها سترا فيه صورة غضب وهتكه، لكن الصلاة صحيحة؛ لأن النهي عن لبس المصور عام وليس خاصا بحال الصلاة، فهو كالمغصوب وثوب الحرير للرجال تصح الصلاة فيها في أصح قولي العلماء، وعلى من فعل ذلك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وعدم العود لمثله.

(1)

ج 10 ص 415

ص: 90

ولكن إذا كانت الصورة في شيء يمتهن كالبساط والوسادة ونحوهما، فلا حرج في ذلك بالنسبة لاستعمال ما فيه الصور؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، أما التصوير فمحرم مطلقا، سواء أكان فيما يعلق ويحترم أو فيما يمتهن؛ لعموم الأحاديث الدالة على تحريم التصوير ولعن المصورين. والله ولي التوفيق.

س: ما الحكم إذا تبين أن الصلاة تمت إلى غير القبلة بعد الاجتهاد؟ وهل هناك فرق بين ما إذا كان ذلك في بلد مسلم أو كافر أو كان في البرية

(1)

؟

ج: إذا كان المسلم في السفر أو في بلاد لا يتيسر فيها من يرشده إلى القبلة فصلاته صحيحة، إذا اجتهد في تحري القبلة ثم بان أنه صلى إلى غيرها.

أما إذا كان في بلاد المسلمين فصلاته غير صحيحة. لأن في إمكانه أن يسأل من يرشده إلى القبلة، كما أن في إمكانه معرفة القبلة من طريق المساجد.

س: إذا تلفظت في داخل المسجد وقلت: اللهم إني نويت الوضوء لصلاة العصر مثلا، أو نويت الصلاة بهذه الطريقة هل هذا يعتبر بدعة

(2)

؟

ج: ليس التلفظ بالنية لا في الصلاة ولا في الوضوء بمشروع. لأن النية محلها القلب، فيأتي المرء إلى الصلاة بنية الصلاة ويكفي، ويقوم للوضوء بنية الوضوء ويكفي، وليس هناك حاجة إلى أن يقول: نويت أن أتوضأ، أو نويت أن أصلي، أو نويت أن أصوم، أو ما أشبه ذلك، إنما النية محلها القلب، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» .

(1)

ج 10 ص 420

(2)

ج 10 ص 423

ص: 91

ولم يكن عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه يتلفظون بنية الصلاة، ولا بنية الوضوء، فعلينا أن نتأسى بهم في ذلك، ولا نحدث في ديننا ما لا يأذن به الله ورسوله، يقول عليه الصلاة والسلام:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» يعني: فهو مردود على صاحبه. فبهذا يعلم أن التلفظ بالنية بدعة. والله ولي التوفيق.

س: لاحظت أن بعض الناس عندما يأتي لصلاة العيد يصلي ركعتين، وبعضهم لا يصلي، وبعضهم يقرأ القرآن قبل الصلاة، وبعضهم يشتغل بالتكبير (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد) أرجو من سماحتكم توضيح حكم الشرع في هذه الأمور، وهل هناك فرق بين كون الصلاة في المسجد أو في مصلى العيد؟

(1)

ج: السنة لمن أتى مصلى العيد لصلاة العيد، أو الاستسقاء أن يجلس ولا يصلي تحية المسجد؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم فيما نعلم إلا إذا كانت الصلاة في المسجد فإنه يصلي تحية المسجد؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»

(2)

متفق على صحته.

والمشروع لمن جلس ينتظر صلاة العيد أن يكثر من التهليل والتكبير؛ لأن ذلك هو شعار ذلك اليوم، وهو السنة للجميع في المسجد وخارجه حتى تنتهي الخطبة. ومن اشتغل بقراءة القرآن فلا بأس. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 13 ص 13

(2)

رواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار) حديث أبي قتادة الأنصاري برقم (22146)، والبخاري في (الصلاة) باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى برقم (1167)، ومسلم في (صلاة المسافرين) باب استحباب تحية المسجد برقم (741).

ص: 92

س: ما‌

‌ صفة صلاة الكسوف

والخسوف، وهل هناك فرق بينهما، وما رأي سماحتكم حول ما ينشر في الصحف عن بدء وانتهاء الخسوف والكسوف؟

(1)

ج: قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة صفة صلاة الكسوف، وأمر أن ينادى لها بجملة: الصلاة جامعة.

وأصح ما ورد في ذلك في صفتها أن يصلي الإمام بالناس ركعتين في كل ركعة قراءتان وركوعان وسجدتان ويطيل فيهما القراءة والركوع والسجود، وتكون القراءة الأولى أطول من الثانية، والركوع الأول أطول من الركوع الثاني، وهكذا القراءة في الركعة الثانية أقل من القراءة الثانية في الركعة الأولى، وهكذا الركوع في الركعة الثانية أخف من الركوعين في الأولى. وهكذا القراءة في الثانية من الركعة الثانية أخف من القراءة الأولى فيها، وهكذا الركوع الثاني فيها أخف من الركوع الأول فيها.

أما السجدتان في الركعتين فيسن تطويلهما تطويلا لا يشق على الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك، ثم بعد الصلاة يشرع للإمام إذا كان لديه علم أن يعظ الناس ويذكرهم ويخبرهم أن كسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وأن المشروع للمسلمين عند ذلك الصلاة وكثرة الذكر والدعاء والتكبير والعتق والصدقة حتى ينكشف ما بهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى

(1)

ج 13 ص 34

ص: 93

ينكشف ما بكم» وفي رواية أخرى: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» . وجاء في بعض الأحاديث: الأمر بالصدقة والعتق.

أما أخبار الحسَّابين عن أوقات الكسوف فلا يُعَول عليها، وقد صرح بذلك جماعة من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما؛ لأنهم يخطئون في بعض الأحيان في حسابهم، فلا يجوز التعويل عليهم، ولا يشرع لأحد أن يصلي صلاة الكسوف بناء على قولهم، وإنما تشرع صلاة الكسوف عند وقوعه ومشاهدته. فينبغي لوزارات الإعلام منع نشر أخبار أصحاب الحساب عن أوقات الكسوف حتى لا يغتر بأخبارهم بعض الناس؛ ولأن نشر أخبارهم قد يخفف وقع أمر الكسوف في قلوب الناس، والله سبحانه وتعالى إنما قدره لتخويف الناس وتذكيرهم؛ ليذكروه ويتقوه ويدعوه ويحسنوا إلى عباده. والله ولي التوفيق.

س: هل تسن الخطبة بعد صلاة الكسوف؟

(1)

ج: تسن الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وقد قال الله عز وجل:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}

(2)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني»

(3)

ولما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين، وتفقيههم في الدين، وتحذيرهم من أسباب غضب الله وعقابه. ويكفي أن يفعل ذلك وهو في المصلى بعد الفراغ من الصلاة. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 13 ص 44

(2)

سورة الأحزاب، الآية 21.

(3)

رواه البخاري في (النكاح) باب الترغيب في النكاح برقم (5063)، ومسلم في (النكاح) استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه برقم (1401).

ص: 94

س: ما معنى قولنا في دعاء الاستفتاح للصلاة: (وتعالى جدك)

(1)

؟

ج: معنى ذلك: تعالى كبرياؤك وعظمتك كما قال سبحانه في سورة الجن، عن الجن أنهم قالوا:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا}

(2)

وفق الله الجميع.

س: أصلي وأنا أدافع الريح أحيانا، فهل صلاتي صحيحة

(3)

؟

ج: الواجب على المؤمن إذا شُغِل بالريح أو البول أو الغائط شغلا يؤذي أنه لا يدخل الصلاة بل يقضي حاجته من غائط وبول وريح ثم يتوضأ ويصلي وهو خاشع القلب والجوارح مقبل على صلاته، هذا هو الذي ينبغي لكل مؤمن ومؤمنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان»

(4)

يعني البول والغائط، والريح في معناهما فإن الريح إذا اشتدت تكون في معنى البول والغائط في إيذاء المصلي وفي إشغاله عن صلاته فالمشروع لك أيتها الأخت في الله إذا أحسست بالريح الشديدة أن تتخلصي منها وتتوضئي ثم تصلي.

س: ما حكم سكتة الإمام بعد الفاتحة، وقد سمعت أنها بدعة

(5)

؟

ج: الثابت في الأحاديث سكتتان: إحداهما: بعد التكبيرة الأولى، وهذه تسمى سكتة الاستفتاح، والثانية: عند آخر القراءة قبل أن يركع الإمام وهي سكتة لطيفة

(1)

ج 11 ص 74

(2)

سورة الجن الآية 3.

(3)

ج 11 ص 80

(4)

رواه أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (23037)، ومسلم في (المساجد ومواضع السجود) برقم (869)، وأبو داود في (الطهارة) برقم (82).

(5)

ج 11 ص 84

ص: 95

تفصل بين القراءة والركوع. وروي سكتة ثالثة بعد قراءة الفاتحة، ولكن الحديث فيها ضعيف، وليس عليها دليل واضح فالأفضل تركها، أما تسميتها بدعة فلا وجه له، لأن الخلاف فيها مشهور بين أهل العلم، ولمن استحبها شبهة فلا ينبغي التشديد فيها، ومن فعلها أخذا بكلام بعض أهل العلم لما ورد في بعض الأحاديث مما يدل على استحبابها، فلا حرج في ذلك، ولا ينبغي التشديد في هذا كما تقدم. والمأموم يقرأ الفاتحة في سكتات إمامه، فإن لم يكن له سكتة قرأ المأموم الفاتحة ولو في حالة قراءة الإمام، ثم ينصت للإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لعلكم تقرءون خلف إمامكم» قلنا نعم قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»

(1)

رواه الإمام أحمد والترمذي بإسناد حسن. وهذا في الجهرية، أما في السرية فيقرأ المأمومون الفاتحة وما تيسر معها من القرآن في الأولى والثانية من الظهر والعصر. والله الموفق.

س: نحن نصلي في الصحراء ولا يتقيد الواحد منا بالنظر إلى مكان سجوده بل يمد بصره في الصحراء فهل هذا يبطل الصلاة

(2)

؟

ج: مد البصر إلى جهة الأمام في الصحراء أو عن يمين أو عن شمال لا يبطل الصلاة لكنه مكروه والسنة الخشوع في الصلاة والإقبال عليها وطرح البصر إلى محل السجود كما قال الله عز وجل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ

(1)

رواه الترمذي في (الصلاة) برقم (286)، وأبو داود في (الصلاة) برقم (701)، وأحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (21636) و (21684).

(2)

ج 11 ص 88

ص: 96

خَاشِعُونَ}

(1)

، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من الخشوع طرح البصر إلى محل السجود وهكذا نص الأئمة والعلماء على شرعية طرح البصر إلى موضع السجود لأن هذا أجمع للقلب وأبعد عن الحركة والعبث، فالسنة للمؤمن أن يطرح البصر إلى موضع سجوده وأن لا ينظر هاهنا وهاهنا لا في الصحراء ولا في غير الصحراء بل يخشع في صلاته ويقبل عليها ويدع الحركات، فبعض الناس قد يعبث في الساعة أو في لحيته أو في أنفه أو في شيء من ثيابه وغير ذلك وهذا خلاف المشروع لأن العبث يكره إلا من حاجة إذا كان قليلا أما الحركة الكثيرة المتوالية من غير ضرورة فإنها تبطل الصلاة، فينبغي للمؤمن أن يتحرى الخشوع ويحرص على ذلك في صلاته حتى يكملها عملا بقوله سبحانه:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}

(2)

وعملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسكنوا في الصلاة»

(3)

لما رأى ناسا يشيرون بأيديهم في الصلاة قال: «اسكنوا في الصلاة» وأمرهم بالسكون وهو ترك العبث، أما الطمأنينة فلا بد منها وهي من أركان الصلاة لحديث المسيء في صلاته فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بالإعادة لما أخل بالطمأنينة، أما ما زاد على ذلك من الخشوع المشروع فهو سنة كما تقدم. والله ولي التوفيق.

(1)

سورة المؤمنون الآيتان 1 - 2.

(2)

سورة المؤمنون الآيتان 1 - 2.

(3)

رواه الإمام أحمد في (مسند البصريين) برقم (19959) و (20053) و (20059) و (20119)، ورواه مسلم في (كتاب الصلاة) برقم (651)، والنسائي في (السهو) برقم (1171).

ص: 97

س: نشاهد كثيرا من الناس يضع يديه تحت سرته والبعض يضعهما فوق صدره وينكر إنكارا شديدا على من يضعهما تحت سرته. والبعض يضعهما تحت لحيته، والبعض يرسل يديه. فما هو الصواب في ذلك وفقكم الله

(1)

؟

ج: قد دلت السنة الصحيحة على أن الأفضل للمصلي حين قيامه في الصلاة أن يضع كفه اليمنى على كفه اليسرى على صدره قبل الركوع وبعده ثبت ذلك من حديث وائل بن حجر وقبيصة بن هلب الطائي عن أبيه رضي الله عنهما. وثبت ما يدل على ذلك من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. أما وضعهما تحت السرة فقد ورد فيه حديث ضعيف عن علي رضي الله عنه، أما إرسالهما أو وضعهما تحت اللحية فهو خلاف السنة. والله ولي التوفيق.

س: كيف يؤدي المسلم‌

‌ الصلاة في الطائرة

؟ وهل الأفضل له الصلاة في الطائرة أول الوقت، أو الانتظار حتى يصل المطار إذا كان سيصل في آخر الوقت

(2)

؟

ج: الواجب على المسلم في الطائرة إذا حضرت الصلاة أن يصليها حسب الطاقة: فإن استطاع أن يصليها قائما ويركع ويسجد فعل ذلك، وإن لم يستطع صلى جالسا وأومأ بالركوع والسجود، فإن وجد مكانا في الطائرة يستطيع فيه القيام والسجود في الأرض بدلا من الإيماء وجب عليه ذلك لقول الله سبحانه:{فَاتَّقُوا اسْتَطَعْتُمْ مَا اللَّهَ} (3) وقول النبي صلى اللهعليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله

(1) ج 11 ص 98.

(2)

ج 11 ص 99.

(3)

سورة التغابن، الآية 16.

ص: 98

عنهما وكان مريضا: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب»

(1)

رواه البخاري في الصحيح، ورواه النسائي بإسناد صحيح وزاد:«فإن لم تستطع فمستلقياً» والأفضل له أن يصلي في أول الوقت فإن أخرها إلى آخر الوقت ليصليها في الأرض فلا بأس، لعموم الأدلة. وحكم السيارة والقطار والسفينة حكم الطائرة. والله ولي التوفيق.

س: إذا انتهى الإمام في المسجد الحرام من الصلاة وقام المأموم ليقضي ما فاته من الركعات ومرت امرأة من أمامه فهل تبطل صلاته؟ أم أن سترة الإمام إذا انتهت تستمر للمصلي؟ وما المسافة التي يمكن بها تحديد سترة المصلي؟ جزاكم الله خيراً

(2)

.

ج: بسم الله والحمد لله .. المسجد الحرام لا يحتاج المصلي فيه إلى سترة، فالناس يصلون فيه جميعا ولا يحتاجون إلى سترة، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم لأنه لا يمكن التحرز من المار، فإذا مرت امرأة أو غيرها لم تقطع الصلاة والصلاة صحيحة والغالب في المسجد الحرام العجز عن التحرز من ذلك، وقد جاء في حديث ضعيف أنه صلى الله عليه وسلم كانت تمر بين يديه المرأة وغيرها وهو يصلي في المسجد الحرام، وجاء عن ابن الزبير رضي الله عنهما أنه كان يصلي والناس أمامه يطوفون، والمقصود أن المسجد الحرام لا يحتاج المصلون فيه إلى سترة. والله ولي التوفيق.

(1)

رواه البخاري في (الجمعة) برقم (1050).

(2)

ج 11 ص 103

ص: 99

س: هل يجوز رفع الصوت بالقراءة في الصلاة قليلا بحيث لا يسمع ذلك إلا أنا؛ لأنني والحال ما ذكر أكون أكثر خشوعا

(1)

؟

ج: إذا كان الإنسان يصلي لنفسه شرع له أن يفعل ما هو أصلح لقلبه من الجهر والإسرار إذا كان في صلاة النافلة ليلا ولم يتأذ بجهره أحد. فإذا كان حوله من يتأذى بجهره كالمصلين والقراء والنوم شرع له خفض الصوت. أما في الصلاة النهارية كصلاة الضحى والرواتب وصلاة الظهر والعصر، فإن السنة فيها الإسرار ويشرع للإمام أن يجهر بعض الأحيان ببعض الآيات لقول أبي قتادة رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمعنا الآية أحيانا، يعني في صلاة الظهر والعصر. والله ولي التوفيق.

س: سائلة تسأل عن حكم الالتفات بالصلاة للاستعاذة من الشيطان (خنزب)

(1)

؟

ج: الالتفات في الصلاة للتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند الوسوسة لا حرج فيه بل هو مستحب عند شدة الحاجة إليه بالرأس فقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه لما اشتكى إليه ما يجده من وساوس الشيطان فأمره أن يتفل عن يساره ثلاث مرات ويتعوذ بالله من الشيطان، ففعل ذلك فشفاه الله من ذلك. أما الالتفات في الصلاة لغير سبب فهو مكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ذلك:«هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»

(2)

وفق الله الجميع لما فيه رضاه إنه سميع مجيب.

(1)

ج 11 ص 126

(2)

ج 11 ص 130

(3)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (23891). والبخاري في (الأذان) برقم (751).

ص: 100

س: أين يضع المصلي يديه في الصلاة

(1)

؟

ج: في حال القيام يضعهما على صدره، هذا هو الأفضل لصحة الأحاديث في ذلك قبل الركوع وبعده، أما في حال الركوع فيضعهما على ركبتيه، وفي حال السجود يضعهما على الأرض حيال منكبيه أو حيال أذنيه، وأما في حال الجلوس بين السجدتين فيضعهما على فخذيه أو ركبتيه، وهكذا في حال التشهد الأول والأخير ولكنه في حال التشهد يضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة حتى يسلم إشارة إلى وحدانية الله سبحانه ويحركها عند الدعاء وفي بعض الأحيان يقبض الأصابع كلها - أعني: أصابع كفه اليمنى - ويشير بالسبابة لأن كلتا الصفتين قد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله ولي التوفيق.

س: هل يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام فقط أم لا بد من رفعها في جميع أركان الصلاة

(2)

؟

ج: السنة رفع اليدين عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك واجبا بل سنة فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم وفعله خلفاؤه الراشدون وهو المنقول عن أصحابه صلى الله عليه وسلم، فالسنة للمؤمن أن يفعل ذلك في جميع الصلوات وهكذا المؤمنة، لأن الأصل أن الرجال والنساء سواء في الأحكام

(1)

ج 11 ص 146

(2)

ج 11 ص 156

ص: 101

إلا ما خصه الدليل، فالسنة أن يرفع المصلي يديه عند التكبيرة الأولى حيال منكبيه أو حيال أذنيه، وهكذا عند الركوع، وهكذا عند الرفع منه، وهكذا عند القيام من التشهد الأول إلى الثالثة، كما جاءت فيه الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كله مستحب وسنة وليس بواجب، ولو صلى ولم يرفع صحت صلاته اهـ.

س: أشاهد بعض المصلين يضع طرف غترته تحت وجهه أثناء السجود فما حكم فعلهم هذا وفقكم الله

(1)

؟

ج: إذا كان هناك حاجة كبرودة الأرض أو حرارتها أو وعورتها فلا بأس بذلك فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعلون ذلك عند الحاجة. أما عند عدم الحاجة فالأفضل ترك ذلك وأن يباشر المصلِّي المصلَّى بوجهه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وأصحابه رضي الله عنهم.

س: ما رأي سماحتكم في النحنحة في الصلاة والنفخ والبكاء هل يبطل الصلاة أم لا

(2)

؟

ج: النحنحة والنفخ والبكاء كلها لا تبطل الصلاة ولا حرج فيها إذا دعت إليها الحاجة، ويكره فعلها لغير حاجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنحنح لعلي رضي الله عنه إذا استأذن عليه وهو يصلي. وأما البكاء فهو مشروع في الصلاة وغيرها إذا صدر عن خشوع وإقبال على الله من غير تكلف، وقد صح عن النبي

(1)

ج 11 ص 158

(2)

ج 11 ص 167

ص: 102

صلى الله عليه وسلم أنه كان يبكي في الصلاة، وصح ذلك عن أبي بكر الصديقوعمر الفاروق رضي الله عنهما وعن جماعة غيرهم من الصحابة والتابعين لهمبإحسان.

س: لقد ذكر لنا بعض الإخوة المسلمين بأن سماحتكم سبق أن أفتيتم بعدم جواز‌

‌ الدعاء بعد الفريضة

وإنما يكون بعد النافلة، فإن كان ما يقولون صحيحا، نرجو من سماحتكم التفضل بتوضيح هذا الأمر وذكر الأدلة حتى نكون على بصيرة من ديننا وهدي نبينا

(1)

؟

ج: لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم فيما نعلم أنهم كانوا يرفعون أيديهم بالدعاء بعد صلاة الفريضة وبذلك يعلم أنه بدعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(2)

خرجه مسلم في صحيحه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

(3)

متفق على صحته.

أما الدعاء بدون رفع اليدين وبدون استعماله جماعياً فلا حرج فيه لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم دعا قبل السلام وبعده وهكذا الدعاء بعد النافلة لعدم ما يدل على منعه، ولو مع رفع اليدين لأن رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة لكن لا يكون بصفة دائمة بل في بعض

(1)

ج 11 ص 167.

(2)

سبق تخريجه في ص (122).

(3)

رواه مسلم في (الأقضية) برقم (3242).

ص: 103

الأحيان لأنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو رافعا يديه بعد كل نافلة والخير كله في التأسي به صلى الله عليه وسلم والسير على نهجه لقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}

(1)

.

س: هل يجوز أن يدعو المصلي في صلاته المفروضة مثلا بعد فعل الأركان والواجبات كأن يقول في السجود بعد سبحان ربي الأعلى اللهم اغفر لي وارحمني وغير ذلك؟ أرجو إفادتي بالأذكار اللازمة لذلك

(2)

؟

ج: يشرع للمؤمن أن يدعو في صلاته في محل الدعاء سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة ومحل الدعاء في الصلاة هو السجود وبين السجدتين وفي آخر الصلاة بعد التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقبل التسليم كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بين السجدتين بطلب المغفرة وثبت أنه كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني وعافني. وقال عليه الصلاة والسلام: «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم»

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه وخرج مسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء»

(4)

، وفي الصحيحين عن عبد الله بن

(1)

سورة الأحزاب الآية 21.

(2)

ج 11 ص 171

(3)

سبق تخريجه في ص (11).

(4)

سبق تخريجه في ص (35).

ص: 104

مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه التشهد قال: «ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء»

(1)

.

وفي لفظ: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو»

(2)

، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تدل على شرعية الدعاء في هذه المواضع بما أحبه المسلم من الدعاء سواء كان يتعلق بالآخرة أو يتعلق بمصالحه الدنيوية بشرط ألا يكون في دعائه إثم ولا قطيعة رحم والأفضل أن يكثر من الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق.

س: ما رأي سماحتكم في رفع الأيدي للدعاء بعد الصلاة؟ وهل هناك فرق بين صلاة الفريضة والنافلة

(3)

؟

ج: رفع الأيدي في الدعاء سنة ومن أسباب الإجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا»

(4)

أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم من حديث سلمان الفارسي. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى طيب ولا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا

(1)

سبق تخريجه في ص (13).

(2)

سبق تخريجه في ص (13).

(3)

ج 11 ص 180

(4)

سبق تخريجه في ص (178).

ص: 105

مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}

(1)

وقال عز وجل {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}

(2)

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك»

(3)

رواه مسلم.

لكن لا يشرع رفعهما في المواضع التي وجدت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرفع فيها كأدبار الصلوات الخمس وبين السجدتين وقبل التسليم من الصلاة وحين خطبة الجمعة والعيدين. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع في هذه المواضع وهو عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة فيما يأتي ويذر لكن إذا استسقى في خطبة الجمعة أو خطبة العيدين شرع له رفع اليدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

أما الصلاة النافلة فلا أعلم مانعا من رفع اليدين بعدها في الدعاء عملا بعموم الأدلة لكن الأفضل عدم المواظبة على ذلك؛ لأن ذلك لم يثبت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو فعله بعد كل نافلة لنقل ذلك عنه؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم قد نقلوا أقواله وأفعاله في سفره وإقامته وسائر أحواله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جميعا. أما الحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة تضرع وتخشع وأن تقنع أي ترفع يديك تقول يا رب يا رب فهو حديث ضعيف. كما أوضح ذلك الحافظ بن رجب وغيره والله ولي التوفيق.

(1)

سورة البقرة الآية 172.

(2)

سورة المؤمنون الآية 51.

(3)

سبق تخريجه في ص (179).

ص: 106

س: ألاحظ أنه أثناء قراءة التشهد يقوم بعض المصلين بتحريك السبابة يمينا ويسارا وبعضهم إلى أعلى وأسفل، وذلك بحركات سريعة متتالية أو بطيئة، والبعض الآخر يرفع أصبعه ولا يحركها وآخرون لا يرفعون أصبعهم هذه بالمرة، فما الحكم في ذلك

(1)

؟

ج: السنة للمصلي حال التشهد أن يقبض أصابعه كلها أعني أصابع اليمنى ويشير بالسبابة ويحركها عند الدعاء تحريكا خفيفا إشارة للتوحيد وإن شاء قبض الخنصر والبنصر وحلق الإبهام مع الوسطى وأشار بالسبابة كلتا الصفتين صحتا عن النبي صلى الله عليه وسلم أما يده اليسرى فيضعها على فخذه اليسرى مبسوطة ممدودة أصابعها إلى القبلة فإن شاء وضعها على ركبته كلتا الصفتين صحتا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

س: أثناء فراغ الإمام من قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية والتراويح يشرع في قراءة القرآن دون أن أتمكن من قراءة الفاتحة لأنه ليس هناك سكتة تكفي للقراءة علما بأنني قرأت حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

(2)

وحديث: «قراءة الإمام قراءة لمن خلفه» فكيف الجمع بينهما

(3)

؟

ج: اختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم والأرجح وجوبها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه.

(1)

ج 11 ص 185

(2)

رواه البخاري في (الأذان) برقم (714) باب (وجوب القراءة للإمام والمأموم)، ومسلم في (الصلاة) برقم (595) باب (وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة).

(3)

ج 11 ص 225

ص: 107

وقوله صلى الله عليه وسلم: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم» ؟ قالوا نعم قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» أخرجه أبو داود وغيره بإسناد حسن، فإذا لم يسكت الإمام في الصلاة الجهرية قرأها المأموم ولو في حالة قراءة إمامه، ثم ينصت عملا بالحديثين المذكورين فإن نسي المأموم ذلك أو جهل وجوب ذلك سقطت عنه كالذي جاء والإمام راكع فإنه يركع مع الإمام وتجزئه الركعة في أصح قولي العلماء وهو قول أكثر أهل العلم لحديث أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه أنه أتى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف ثم دخل في الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام من الصلاة:«زادك الله حرصاً ولا تعد» ولم يأمره بقضاء الركعة رواه البخاري في صحيحه.

أما حديث: «قراءة الإمام قراءة لمن خلفه» فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة كما نبه على ذلك بعض أهل العلم بالحديث ولو صح لكان من العام المخصوص بقراءة الفاتحة، والله ولي التوفيق.

س: إذا حضر المأموم إلى الصلاة والإمام راكع هل يكبر تكبيرة الافتتاح والركوع أو يكبر ويركع

(1)

؟

ج: الأولى والأحوط أن يكبر التكبيرتين: إحداهما: تكبيرة الإحرام وهي ركن ولا بد أن يأتي بها وهو قائم، والثانية: تكبيرة الركوع يأتي بها حين هويه إلى الركوع فإن خاف فوت الركعة أجزأته تكبيرة الإحرام في أصح قولي العلماء لأنهما عبادتان اجتمعتا في وقت واحد فأجزأت الكبرى عن الصغرى وتجزئ هذه الركعة عند أكثر

(1)

ج 11 ص 244

ص: 108

العلماء لما روى البخاري في صحيحه عن أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه أنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف ثم دخل في الصف. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «زادك الله حرصا ولا تعد» والمعنى لا تعد إلى الركوع دون الصف بل على الداخل ألا يركع حتى يصل إلى الصف ولم يأمره بقضاء الركعة فدل على إجزائها وسقوط الفاتحة في حقه لفوات محلها وهو القيام وهذا هو الأصح عند من قال بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم.

س: مشكلتي أنني إذا دخلت المسجد واستقبلت القبلة وكبرت تكبيرة الإحرام أرجع فأشك هل كبرت تكبيرة الإحرام فأكبر ثانية وبعد ذلك أقرأ الفاتحة فأسهو وأعود إلى قراءتها من جديد وخاصة إذا كنت مع الإمام. هل صلاتي على هذه الحال صحيحة؟ وماذا أفعل للتجنب من السهو؟ أفيدوني أثابكم الله

(1)

.

ج: الصلاة والحال ما ذكرت صحيحة ولكن ينبغي لك الحذر من الوساوس وذلك بالإقبال على الله واستحضار عظمته إذا دخلت في الصلاة وجمع قلبك على ذلك مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وبذلك تزول الوساوس إن شاء الله وترغم الشيطان وترضي ربك سبحانه.

س: سائلة تقول في سؤالها إنني أتشكك كثيرا في عدد الركعات، مع أنني أقرأ بصوت عال حتى أتذكر ما أقرؤه، ولكن أيضا يصيبني الشك، فعندما أنتهي من أداء الصلاة أحس كأني نسيت ركعة أو سجدة أو الجلوس للتشهد، رغم إنني أحرص كثيرا على ألا أتشكك في الصلاة، ولكن بدون فائدة، فأرجو أن ترشدوني

(1)

ج 11 ص 254

ص: 109

ماذا أفعل والحال ما ذكر، و هل يجب علي إعادة الصلاة عند الشك، وهل هناك دعاء أدعو به عند بداية الصلاة لإزالة الشك

(1)

؟

ج: يجب عليك محاربة الوساوس والحذر منها والإكثار من التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقول الله سبحانه:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}

(2)

السورة.

وقوله سبحانه: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

(3)

.

وإذا فرغت من الصلاة أو الوضوء ثم طرأ عليك الشك في ذلك فأعرضي عنه ولا تلتفتي إليه واعتمدي أن الصلاة صحيحة والوضوء صحيح، وإذا وقع الشك في الصلاة هل صليت ثلاثا أو أربعا فاجعليها ثلاثا وأكملي الصلاة ثم اسجدي سجدتين للسهو قبل السلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من وقع له مثل هذا السهو أن يفعل ما ذكرنا، أعاذنا الله وإياك من الشيطان.

س: إذا قمت إلى الصلاة يصيبني نوع من الوساوس والهواجس، ولا أعلم أحيانا ماذا قرأت ولا عدد الركعات أفيدوني ماذا أفعل

(4)

؟

ج: المشروع للمصلي من الرجال والنساء أن يقبل على صلاته ويخشع فيها لله، ويستحضر أنه قائم بين يدي ربه حتى يتباعد عنه الشيطان وتقل الوساوس، عملا

(1)

ج 11 ص 257

(2)

سورة الناس الآيات 1 - 4.

(3)

سورة الأعراف الآية 200.

(4)

ج 11 ص 258

ص: 110

بقول الله سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}

(1)

ومتى كثرت الوساوس فالمشروع التعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولو في الصلاة فينفث عن يساره ثلاثا ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص لما أخبره أن الشيطان قد لبس عليه صلاته، ومتى شك المصلي في عدد الركعات فإنه يأخذ بالأقل ويبني على اليقين ويكمل صلاته ثم يسجد للسهو سجدتين قبل أن يسلم لما ثبت عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا شك أحدكم في الصلاة فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان»

(2)

خرجه مسلم في صحيحه، والله ولي التوفيق.

س: ما هو السبب في عدم الخشوع في الصلاة؟ وكيف يتخلص الإنسان من ذلك

(3)

؟

ج: الله جل وعلا يقول: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}

(4)

والخشوع له أسباب، وعدمه له أسباب فللخشوع أسباب وهي: الخضوع بين يدي الله، وأن تذكر أنك واقف بين يديه سبحانه وتعالى، وقد ورد في الحديث الصحيح:

(1)

سورة المؤمنون الآيتان 1 - 2.

(2)

سبق تخريجه في ص (251).

(3)

ج 11 ص 264

(4)

سورة المؤمنون الآيتان 1 - 2.

ص: 111

«إذا كبر أحدكم فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه»

(1)

وفي لفظ آخر: «إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه»

(2)

.

فالإنسان إذا دخل في الصلاة فإنه يناجي ربه فيتذكر هذا المقام العظيم، وأنه بين يدي الله، فليخشع لله، وليقبل على صلاته، وليتذكر عظمة الله عز وجل، وأنه بين يدي أعظم عظيم سبحانه وتعالى، وليقبل على صلاته وليقبل على قراءته وعلى سجوده وركوعه، ويتذكر كل ما يلزم في هذا المقام، وأن غفلته عن الله تنقص صلاته فينبغي له أن يتذكر ذلك حتى تزول عنه الغفلة وحتى تزول عنه الوساوس، ويسأل ربه العون على هذا في سجوده، وفي آخر التحيات يقول اللهم أعني على الخشوع، اللهم يسر لي الخشوع، اللهم أعذني من الشيطان ومن شر نفسي يسأل ربه، ويستعين به سبحانه وتعالى.

س: إذا شك المصلي هل صلى ثلاثا أم أربعا فماذا يفعل

(3)

؟

ج: الواجب عليه مع الشك أن يبني على اليقين وهو الأقل وذلك بأن يجعلها ثلاثا في الصورة المذكورة ويأتي بالرابعة ثم يسجد للسهو ويسلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان

(1)

رواه الترمذي في (الصلاة برقم (346) والنسائي في (السهو) برقم (1178).

(2)

رواه البخاري في (الصلاة) برقم (390) ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (856) والإمام أحمد في (مسند المكثرين) برقم (4673).

(3)

ج 11 ص 266

ص: 112

صلى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان» خرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. أما إن غلب على ظنه أحد الأمرين من النقص أو التمام فإنه يبني على غلبة ظنه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين للسهو بعد السلام. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين بعد السلام»

(1)

خرجه البخاري في الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

س: هل يجوز تأخير صلاتي الشفع والوتر إلى حين قيام الليل بأن أصلي صلاة الليل ثم أختمها بالشفع والوتر أو أنه يجب الإتيان بها قبل النوم

(2)

؟

ج: المؤمن والمؤمنة مخيران من شاء أوتر في أول الليل ومن شاء في آخره والأفضل آخر الليل لمن تيسر له ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل»

(3)

رواه مسلم في الصحيح.

وإذا تيسر للمؤمن أو المؤمنة الإيتار والتهجد آخر الليل كان ذلك أفضل لأن ذلك وقت نزول الله، ووقت إجابة الدعاء لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر

(1)

رواه البخاري في (الصلاة) برقم (386)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (889) واللفظ متفق عليه.

(2)

ج 11 ص 313

(3)

سبق تخريجه في ص (310).

ص: 113

فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى ينفجر الفجر»

(1)

وفي لفظ آخر: «يقول سبحانه هل من سائل فيعطى سؤله هل من مستغفر فيغفر له هل من تائب فيتاب عليه»

(2)

وهذا الحديث العظيم متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا النزول يليق بالله لا يشابهه شيء من خلقه في جميع صفاته لا بكيف ولا بمثل كاستوائه على عرشه وكسمعه وبصره وغضبه ورضاه ونحو ذلك كلها صفات تليق بالله لا يشابه فيها خلقه سبحانه وتعالى، هكذا قال أهل السنة والجماعة يجب إثبات صفات الله كما جاءت في الكتاب والسنة على وجه يليق به سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}

(3)

وقال سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}

(4)

والسنة أن يجعل المؤمن آخر وتره ركعة واحدة يقرأ فيها الفاتحة وقل هو الله أحد ثم يركع ثم يرفع، وإن أوتر بثلاث بتشهد واحد وسلام واحد فلا بأس، وإن سرد خمسا فلا بأس، ولكن الأفضل مثنى مثنى يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة لقوله صلى الله عليه وسلم:«صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى»

(5)

متفق على صحته.

(1)

رواه البخاري في (الجمعة) برقم (1077)، ومسلم في (صلاة المسافرين) برقم (1261) و (1265)، والإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (7196).

(2)

رواه مسلم في (صلاة المسافرين) برقم (1263)، (1265)، والإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (9220).

(3)

سورة الشورى الآية 11.

(4)

سورة الإخلاص الآية 4.

(5)

سبق تخريجه في ص (305).

ص: 114

فهذه السنة، أما إن كان يخاف أن لا يقوم آخر الليل فالسنة أن يوتر أول الليل يصلي ثنتين أو أربعا أو ستا أو ثمان أو أكثر ويسلم من كل ركعتين ثم يوتر بواحدة قبل أن ينام.

س: إذا فاتتني سنة الفجر فمتى أقضيها؟

(1)

ج: إذا فاتت سنة الفجر فالمسلم مخير وهكذا المسلمة إن شاء صلاها بعد الصلاة وإن شاء صلاها بعد ارتفاع الشمس وهو أفضل وكل هذا ورد عن النبي، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم بأنه رأى من يصلي بعد صلاة الفجر فأنكر عليه فقال يا رسول الله إنها سنة الفجر فسكت عنه صلى الله عليه وسلم.

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بقضائها بعد ارتفاع الشمس وكل هذا بحمد الله جائز.

س: إنني أصلي صلاة الضحى بعد صلاة الفجر، أي بعد شروق الشمس مباشرة، وأحيانا أصليها قبل الظهر، فهل هذا صحيح

(2)

؟

ج: صلاة الضحى يدخل وقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح، إلى وقوف الشمس قبل الزوال.

والأفضل صلاتها بعد اشتداد الحر، وهذه صلاة الأوابين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«صلاة الأوابين حين ترمض الفصال»

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه، والفصال أولاد الإبل، ومعنى ترمض تشتد عليها الرمضاء، وهي حرارة الشمس.

(1)

ج 11 ص 374

(2)

ج 11 ص 395

(3)

رواه مسلم في (صلاة المسافرين) برقم (1237) واللفظ له، ورواه الإمام أحمد في (مسند الكوفيين) برقم (18470).

ص: 115

ومن صلاها في أول الوقت بعد ارتفاع الشمس قدر رمح فلا بأس، ومن صلاها بعد اشتداد الشمس قبل دخول صلاة الظهر فلا بأس، لأن الأمر في هذا موسع فيه بحمد الله.

والمهم المحافظة والعناية بها، فإن كان الإنسان ينشغل عنها في آخر الوقت ويخشى أن لا يصليها بادر بها في أول الوقت حتى يدرك فضلها، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة وأبا الدرداء بصلاة الضحى، وقال عليه الصلاة والسلام:«يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»

(1)

خرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه.

وهذا يدل على فضل هاتين الركعتين، وأن لهما شانا عظيما، وإذا صلى أربعا أو ستا أو ثمانا أو أكثر فلا بأس، ولكن أقل ذلك ركعتان يركعهما من الضحى.

س: هل يشترط لسجود التلاوة طهارة، وهل يكبر إذا خفض ورفع سواء كان في الصلاة أو خارجها؟ وماذا يقال في هذا السجود؟ وهل ما ورد من الدعاء فيه صحيح؟ وهل يشرع السلام في هذا السجود إذا كان خارج الصلاة

(2)

؟

ج: سجود التلاوة لا تشترط له الطهارة في أصح قولي العلماء وليس فيه تسليم ولا تكبير عند الرفع منه في أصح قولي أهل العلم.

(1)

رواه مسلم في (صلاة المسافرين) برقم (1181) واللفظ له، ورواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار) برقم (20501).

(2)

ج 11 ص 406

ص: 116

ويشرع فيه التكبير عند السجود لأنه قد ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما يدل على ذلك.

أما إذا كان سجود التلاوة في الصلاة فإنه يجب فيه التكبير عند الخفض والرفع لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في الصلاة في كل خفض ورفع.

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»

(1)

رواه البخاري في صحيحه، ويشرع في سجود التلاوة من الذكر والدعاء ما يشرع في سجود الصلاة لعموم الأحاديث ومن ذلك:«اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته تبارك الله أحسن الخالقين»

(2)

روى ذلك مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول هذا الذكر في سجود الصلاة من حديث علي رضي الله عنه.

وقد سبق آنفا أنه يشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا في سجود التلاوة بقوله: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وامح عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السلام»

(3)

.

والواجب في ذلك قول: سبحان ربي الأعلى، كالواجب في سجود الصلاة، وما زاد عن ذلك من الذكر والدعاء فهو مستحب.

(1)

رواه البخاري في (الأذان) برقم (595)، والدارمي في (الصلاة) برقم (1225).

(2)

رواه مسلم في (صلاة المسافرين) برقم (1290) والترمذي في (الدعوات) برقم (3344).

(3)

رواه الترمذي في (الجمعة) برقم (528)، وابن ماجه في (إقامة الصلاة) برقم (1043).

ص: 117

وسجود التلاوة في الصلاة وخارجها سنة وليس بواجب لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث زيد بن ثابت ما يدل على ذلك وثبت عن عمر رضي الله عنه ما يدل على ذلك أيضا، والله ولي التوفيق.

س: ما هي صفة صلاة الشكر وما صفة صلاة الاستخارة

(1)

؟

ج: لا أعلم أنه ورد شيء في صلاة الشكر وإنما الوارد في سجود الشكر وصلاة التوبة فيشرع للإنسان إذا أذنب ذنبا أن يصلي ركعتين ويتوب إلى الله توبة صادقة فهذه هي صلاة التوبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتطهر فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين ويتوب إلى الله من ذلك الذنب إلا قبل توبته»

(2)

خرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث علي رضي الله عنه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وهكذا الشكر له سجود مشروع إذا بشر بشيء يسره بولد، أو فتح للمسلمين، أو بانتصار المسلمين على عدوهم، أو بغير هذا مما يسره فإنه يسجد لله شكرا مثل سجود الصلاة ويقول سبحان ربي الأعلى ويدعو في السجود، ويحمد الله ويثني عليه على ما حصل من الخير، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جاءه أمر يسره سجد لله شكرا ولما بشر الصديق رضي الله عنه بقتل مسيلمة سجد لله شكرا، ولما وجد علي رضي الله عنه المخدج في قتلى الخوارج سجد لله شكرا. وأما صلاة

(1)

ج 11 ص 424

(2)

رواه الإمام أحمد في (مسند العشرة المبشرين بالجنة) برقم (2) و (57) بلفظ: «

فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له» وأخرجه ابن حبان في صحيحه في (كتاب الرقائق) برقم (623).

ص: 118

الاستخارة فهي مثل بقية الصلوات أيضا ركعتين يقرأ فيهما الفاتحة وما تيسر معها وبعد السلام يرفع يديه ويدعو ربه ويستخيره فيقول: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسمي حاجته من زواج أو سفر أو غيرهما- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي ثم بارك لي فيه وإن كان شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه وقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به»

(1)

خرجه البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله ولي التوفيق.

س: نشاهد بعض الناس يتزاحمون من أجل‌

‌ الصلاة في حجر إسماعيل

، فما حكم الصلاة فيه، وهل له مزية

(2)

؟

ج: الصلاة في حجر إسماعيل مستحبة؛ لأنه من البيت وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه دخل الكعبة عام الفتح وصلى فيها ركعتين»

(3)

متفق على صحته من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن بلال رضي الله عنه. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما أرادت دخول الكعبة: «صلي في الحجر فإنه من البيت»

(4)

.

(1)

سبق تخريجه في ص (422).

(2)

ج 11 ص 432

(3)

رواه البخاري في (الصلاة) برقم (382)، وفي (الجمعة) برقم (1101)، ومسلم في (الحج) برقم (2362).

(4)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (23475)، والترمذي في (الحج) برقم (802)، والنسائي في (مناسك الحج) برقم (2863).

ص: 119

أما الفريضة فالأحوط عدم أدائها في الكعبة أو في الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولأن بعض أهل العلم قالوا: إنها لا تصح في الكعبة ولا في الحجر لأنه من البيت.

وبذلك يعلم أن المشروع أداء الفريضة خارج الكعبة وخارج الحجر تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم وخروجا من خلاف العلماء القائلين بعدم صحتها في الكعبة ولا في الحجر، والله ولي التوفيق.

س: غالبا ما تفوتني صلاة العصر، وأصليها في المنزل وذلك بسبب عملي الذي لا ينتهي إلا بأذان العصر، وأخرج من العمل وأنا مرهق وليس لدي وقت للراحة والأكل ولا أقدر على الصلاة في وقتها. فهل يصح لي الصلاة في البيت و‌

‌تأخير الصلاة عن وقتها

(1)

؟

ج: ليس ما ذكرته عذرا يسوغ لك تأخير الصلاة مع الجماعة، بل الواجب عليك أن تبادر إليها مع إخوانك المسلمين في بيوت الله عز وجل، ثم تكون الراحة وتناول الطعام بعد ذلك، لأن الله سبحانه أوجب عليك أداء الصلاة في وقتها مع إخوانك المسلمين في الجماعة وليس ما ذكرته عذرا شرعيا في تأخيرها، ولكن ذلك من خداع الشيطان والنفس الأمارة بالسوء ومن ضعف الإيمان وقلة الخوف من الله عز وجل فاحذر هواك وشيطانك ونفسك الأمارة بالسوء تحمد العاقبة وتفوز بالنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة. وقاك الله شر نفسك وأعاذك من نزغات الشيطان.

(1)

- ج 12 ص 28

ص: 120

س: بعض الناس - هدانا الله وإياهم - يتخلفون عن صلاة الجماعة بدون عذر شرعي، وبعضهم يعتذر بأعماله الدنيوية وحينما تسدي لهؤلاء النصيحة يستمرون في تعنتهم بل يرددون دائما الصلاة لله وليس لأحد دخل في ذلك، فما قولكم في ذلك

(1)

؟

ج: التناصح بين المسلمين وإنكار المنكر من أهم الواجبات كما قال الله سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

(2)

.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»

(3)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» قيل لمن يا رسول الله؟ قال «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»

(4)

رواهما مسلم في صحيحه.

ولا شك أن ترك الصلاة في الجماعة بغير عذر من المنكرات التي يجب إنكارها، ويجب أن تؤدى الصلوات الخمس في المساجد في حق الرجال لأدلة كثيرة، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر»

(5)

خرجه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما، وصححه الحاكم وإسناده جيد، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل أعمى يا رسول الله ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال عليه الصلاة والسلام «هل تسمع النداء بالصلاة» قال نعم قال «فأجب» خرجه مسلم في صحيحه.

(1)

- ج 12 ص 29

(2)

- سورة التوبة الآية 71.

(3)

- رواه مسلم في (الإيمان) برقم (70) والنسائي في (الإيمان وشرائعه) برقم (4922).

(4)

- رواه مسلم في (الإيمان) برقم (82).

(5)

- رواه ابن ماجه في (المساجد والجماعات) برقم (785).

ص: 121

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والواجب على المسلم إذا أنكر عليه أخوه المنكر ألا يغضب وألا يرد عليه إلا خيرا، بل ينبغي له أن يشكره ويدعو له بالخير لكونه دعاه إلى طاعة الله وذكره بحقه، ولا يجوز له أن يتكبر على داعي الحق؛ لقول الله سبحانه ذاما من فعل ذلك ومتوعدا له بعذاب جهنم:{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}

(1)

نسأل الله لجميع المسلمين الهداية.

س: إذا أراد الإنسان أن يسافر إلى مكان يبعد عن مقر إقامته مدة ساعة بالطائرة، فهل يجوز له أن يجمع ويقصر الصلاة وهو مقيم في فندقه أو مقر إقامته، وهل له الفطر في رمضان؟ نرجو الإجابة

(2)

.

ج: ليس لأحد أن يقصر الصلاة وهو مقيم إلا إذا كان مريضا يشق عليه الصوم أو مسافرا في أثناء سفره.

أما من أراد السفر وهو في بلده فليس له أن يقصر حتى يسافر ويغادر عامر البلد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا لم يقصر حتى يغادر المدينة وليس لأحد أن يصلي وحده سواء كان مسافرا أو مقيما في محل تقام فيه الجماعة، بل عليه أن يصلي مع الناس ويتم معهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» أخرجه ابن ماجة والدارقطني وابن حبان والحاكم بإسناده على شرط مسلم. وقد قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما هو العذر؟ فقال: خوف أو مرض.

(1)

سورة البقرة الآية 206.

(2)

ج 12 ص 39

ص: 122

وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: «هل تسمع النداء للصلاة» ؟ قال نعم قال: «فأجب» أخرجه مسلم في صحيحه.

وقال عليه الصلاة والسلام: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»

(1)

متفق على صحته.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض ولقد كان الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)

(2)

أخرجه مسلم في صحيحه.

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على كل مسلم مسافر أو مقيم أن يصلي في الجماعة، وأن يحذر الصلاة وحده إذا كان يسمع النداء للصلاة. والله ولي التوفيق.

(1)

- رواه البخاري في (الأحكام) برقم (6683)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (1040) واللفظ له.

(2)

- رواه مسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (1046).

ص: 123

س: ما هي نصائحكم لإخواننا الذين يصلون في أماكنهم وفي أعمالهم

(1)

؟

ج: من سمع النداء فليجب، والواجب على المسلمين إجابة المنادي للصلاة إن لم يكن هناك عذر شرعي، وقد ثبت أن رجلا أعمى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم «هل تسمع النداء للصلاة» قال نعم قال:«فأجب» .

فهذا رجل أعمى أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أجب» . وفي لفظ قال: «لا أجد لك رخصة» .

فالواجب على المسلمين الصلاة مع الجماعة في المساجد ومن تأخر بغير عذر شرعي فقد تشبه بالمنافقين؛ لقول ابن مسعود رضي الله عنه: (من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإن الله شرع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم - وفي لفظ لكفرتم - ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق - وفي لفظ أو مريض -).

فهذا عبد الله بن مسعود وهو من كبار الصحابة رضي الله عنهم يقول: لا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق أو مريض. فهذا يدل على أن الواجب على المؤمن أن يجتهد في أداء الصلاة في الجماعة وأن يحذر صفات المنافقين، والله ولي التوفيق.

(1)

- ج 12 ص 54

ص: 124

س: هل الأفضل أن تصلي المرأة وحدها أو تصلي في جماعة النساء؟

(1)

ج: كل ذلك جائز، إن صلت وحدها فلا بأس وإن صلت مع النساء فلا بأس، الأمر واسع في ذلك، وكان النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يصلين على حدة، كل واحدة تصلي لوحدها، فإذا تيسر جماعة من النساء فصلين جميعا في البيت وأمتهن خيرهن فذلك حسن، وقد روي عن أم سلمة وعن عائشة رضي الله عنهما أنهما أمتا بعض النساء في بعض الأحيان. فالحاصل أنه لا باس بأن تصلي في جماعة من النساء وتكون الإمامة وسطهن، عن يمينها بعضهن، وعن يسارها بعضهن، ترفع صوتها بالتكبير والقراءة في أوقات الجهر كالمغرب والعشاء والفجر، وتعمل كما يعمل الرجل تكبر وترفع يديها حذاء منكبيها وتقول بعد التكبير سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أو تأتي بنوع من أنواع الاستفتاح الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تسمي وتقرأ الفاتحة، ثم تقرأ سورة معها، وهكذا في الثانية في المغرب والعشاء، أما في الثالثة فتقرأ الفاتحة فقط، وهكذا في الرابعة، وفي الفجر تقرأ الفاتحة وما تيسر معها من السور لكن أطول من العشاء والمغرب، وهكذا في الظهر والعصر تصلي بهم سرا ليس فيها جهر بقراءة. فالحاصل أنها مثل ما يصلي الرجل، لكنها لا تتقدم، تكون في وسطهن.

(1)

- ج 12 ص 78

ص: 125

س: ورد في الحديث الصحيح النهي عن قرب المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراثا، فهل يلحق بذلك ما له رائحة كريهة وهو محرم كالدخان؟ وهل معنى ذلك أن من تناول هذه الأشياء معذور بالتخلف عن الجماعة بحيث لا يأثم بتخلفه؟

(1)

ج: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أكل ثوما أو بصلا فلا يقربن مسجدنا وليصل في بيته»

(2)

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو الإنسان»

(3)

.

وكل ما له رائحة كريهة حكمه حكم الثوم والبصل كشارب الدخان ومن له رائحة في إبطيه أو غيرهما يؤذي جليسه فإنه يكره له أن يصلي مع الجماعة، وينهى عن ذلك حتى يستعمل ما يزيل هذه الرائحة.

ويجب عليه أن يفعل ذلك مع الاستطاعة حتى يؤدي ما أوجب الله عليه من الصلاة في الجماعة، أما التدخين فهو محرم مطلقا ويجب عليه تركه في جميع الأوقات؛ لما فيه من المضار الكثيرة في الدين والبدن والمال، أصلح الله حال المسلمين ووفقهم لكل خير.

(1)

- 83

(2)

- رواه البخاري في (الأذان) برقم (808)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (875، 876).

(3)

- رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (14483)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (874).

ص: 126

س: إمام يلحن في القرآن وأحيانا يزيد وينقص في أحرف الآيات القرآنية، ما حكم الصلاة خلفه

(1)

؟

ج: إذا كان لحنه لا يحيل المعنى فلا حرج في الصلاة خلفه مثل نصب «رب» أو رفعها في الحمد لله رب العالمين، وهكذا نصب الرحمن أو رفعه ونحو ذلك، أما إذا كان يحيل المعنى فلا يصلى خلفه إذا لم ينتفع بالتعليم والفتح عليه، مثل أن يقرأ إِيَّاكَ نَعْبُدُ بكسر الكاف، ومثل أن يقرأ «أنعمت» بكسر التاء أو ضمها فإن قبل التعليم وأصلح قراءته بالفتح عليه صحت صلاته وقراءته، والمشروع في جميع الأحوال للمسلم أن يعلم أخاه في الصلاة وخارجها؛ لأن المسلم أخو المسلم يرشده إذا غلط ويعلمه إذا جهل ويفتح عليه إذا ارتج عليه القرآن.

س: نظرا للسرعة المفرطة التي يؤدي بها بعض الأئمة الصلاة، غالبا ما يضطر الإنسان معهم إلى عدم قراءة السورة بعد الفاتحة في الصلاة السرية، فهل أعيد الصلاة بعد مثل هؤلاء فإن الصلاة معهم ينقصها الخشوع والاطمئنان

(2)

؟

ج: الواجب على الأئمة أن يتقوا الله، وأن يطمئنوا في صلاتهم وفي ركوعهم وسجودهم، وأن يرتلوا القراءة ويحسنوا أصواتهم بها حتى يؤدوا كلام الرب بتلاوة حسنة وقراءة واضحة تخشع لها القلوب.

هذا هو الواجب على الأئمة أن يجتهدوا في‌

‌ الطمأنينة والخشوع في الصلاة

حتى يستفيدوا ويستفيد من خلفهم، وحتى يؤدوها كما شرع الله، وقد قال الله سبحانه:

(1)

ج 12 ص 98

(2)

ج 12 ص 103

ص: 127

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}

(1)

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته أن يطمئن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا

»

(2)

الحديث.

فالواجب على الأئمة أن يعنوا بهذا الأمر، وأن يطمئنوا في ركوعهم وسجودهم وبعد الركوع وبين السجدتين، وأن يعنوا بالقراءة فيقرءوا قراءة واضحة بينة ليس فيها خفاء ولا إسقاط شيء من الحروف، وأن يمكنوا من وراءهم من القراءة بعد الفاتحة وإن كانت غير واجبة، ولكن الأفضل في الصلاة السرية أن يقرأ المأموم الفاتحة وما يتيسر معها مع إمامه، والإمام كذلك يقرأ سورة بعد الفاتحة أو آيات في السرية والجهرية في الأولى والثانية، لكن في السرية يقرأ المأموم زيادة على الفاتحة وفي الجهرية تكفيه الفاتحة وينصت للإمام، فإذا لم يتمكن المأموم من أن يقرأ مع الفاتحة شيئا لأن الإمام استعجل فلا يضره ذلك، لأن الواجب الفاتحة وما زاد عليها ليس بواجب فلا يضر تركه ولا يبطل الصلاة، ولكن يجب أن يعتني بالركوع والسجود من جهة الطمأنينة وبين السجدتين وبعد الركوع كذلك، هذه أمور عظيمة وفريضة لا بد منها في حق الجميع: الإمام والمأموم والمنفرد، والله ولي التوفيق.

(1)

- سورة المؤمنون الآيتان 1، 2.

(2)

- رواه البخاري في (الاستئذان) برقم (5782)، ومسلم في (الصلاة) برقم (602).

ص: 128

س: ما حكم الصلاة خلف من يذهب إلى قبور الصالحين للتبرك بها وتلاوة القرآن في الموالد وغيرها بأجر على ذلك؟

(1)

ج: هذا فيه تفصيل إن كان مجرد الاحتفال بالموالد من دون شرك فهذا مبتدع فينبغي أن لا يكون إماما لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»

(2)

.

والاحتفال بالموالد من البدع، أما إذا كان يدعو الأموات ويستغيث بهم، أو بالجن، أو غيرهم من المخلوقات فيقول: يا رسول الله انصرني، أو اشف مريضي، أو يقول: يا سيدي الحسين، أو يا سيدي البدوي، أو غيرهم من الأموات، أو الجمادات كالأصنام، المدد المدد، فهذا مشرك شركا أكبر لا يصلى خلفه، ولا تصح إمامته - نسأل الله العافية - أما إذا كان يرتكب بدعة كأن يحضر المولد ولكن لا يأتي بالشرك، أو يقرأ القرآن عند القبور، أو يصلي عندها، ولا يأتي بشرك فهذا يكون قد ابتدع في الدين فيعلم ويوجه إلى الخير وصلاته صحيحة إذا لم يفعلها عند القبور، أما الصلاة في المقبرة فلا تصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»

(3)

متفق عليه.

(1)

- ج 12 ص 108

(2)

- رواه أبو داود في (السنة) برقم (3991).

(3)

- رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (22931)، والبخاري في (الجنائز) برقم (1301)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (823).

ص: 129

س: هل تصح الصلاة وراء المبتدع والمسبل إزاره

(1)

؟

ج: نعم تصح الصلاة خلف المبتدع وخلف المسبل إزاره وغيرهما من العصاة في أصح قولي العلماء ما لم تكن البدعة مكفرة لصاحبها، فإن كانت مكفرة له كالجهمي ونحوه ممن بدعتهم تخرجهم عن دائرة الإسلام، فلا تصح الصلاة خلفهم، ولكن يجب على المسئولين أن يختاروا للإمامة من هو سليم من البدعة والفسق، مرضي السيرة، لأن الإمامة أمانة عظيمة، القائم بها قدوة للمسلمين، فلا يجوز أن يتولاها أهل البدع والفسق مع القدرة على تولية غيرهم.

والإسبال من جملة المعاصي التي يجب تركها والحذر منها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار»

(2)

رواه البخاري في صحيحه، وما سوى الإزار حكمه حكم الإزار كالقميص والسراويل والبشت ونحو ذلك، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل إزاره والمنان فيما أعطى والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب»

(3)

خرجه مسلم في صحيحه.

وإذا صار سحبه للإزار ونحوه من أجل التكبر، صار ذلك أشد في الإثم وأقرب إلى العقوبة العاجلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»

(4)

.

(1)

ج 12 ص 118

(2)

- رواه البخاري في (اللباس) برقم (5341)، وأحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (9555).

(3)

- رواه مسلم في (الإيمان) برقم (154)، والترمذي في (البيوع) برقم (1132)، والنسائي في (الزكاة) برقم (2516).

(4)

- رواه البخاري في (المناقب) برقم (3392) واللفظ له، ورواه مسلم في (اللباس والزينة) برقم (3889).

ص: 130

والواجب على كل مسلم أن يحذر ما حرم الله عليه من الإسبال وغيره من المعاصي، كما يجب عليه أن يحذر البدع كلها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(1)

خرجه مسلم في صحيحه، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة»

(2)

خرجه مسلم أيضا. نسأل الله لنا وللمسلمين جميعا العافية من البدع والمعاصي إنه خير مسئول.

س: صلى الإمام بجماعة على غير وضوء نسيانا، فما حكم هذه الصلاة في الحالات الآتية

(3)

:

1 -

إذا تذكر أثناء الصلاة؟

2 -

إذا تذكر بعد السلام وقبل تفرق الجماعة؟

3 -

إذا تذكر بعد تفرق الجماعة؟

ج: إذا لم يذكر إلا بعد السلام فصلاة الجماعة صحيحة وليس عليهم إعادة، أما الإمام فعليه الإعادة. أما إن ذكر وهو في أثناء الصلاة فإنه يستخلف من يكمل بهم صلاتهم في أصح قولي العلماء لقصة عمر رضي الله عنه، فإنه لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فأتم بهم الصلاة ولم يستأنف. وبالله التوفيق.

(1)

- رواه مسلم في (الأقضية) برقم (3243).

(2)

- رواه مسلم في (الجمعة) برقم (1435).

(3)

ج 12 ص 136

ص: 131

س: شخص دخل المسجد بعد صلاة العصر وانتهاء الجماعة وقام يصلي منفردا وأثناء الصلاة دخل شخص آخر فهل يصلي معه؟

(1)

ج: الأفضل‌

‌ إذا قام المسبوق يصلي وجاء آخر

أن يصف معه عن يمينه ويصلي معه، فإن كانا اثنين صفا خلفه حتى يحصل لهم فضل الجماعة، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا دخل وقد فاتته الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام:«من يتصدق على هذا فيصلي معه» فالسنة أن يقوم بعض الحاضرين فيصلي مع الداخل حتى تحصل له الجماعة هذا هو المشروع، وفي هذا فضل عظيم.

س: هل الجماعة تدرك بإدراك السلام مع الإمام أم لا تدرك إلا بإدراك ركعة، وإذا دخل جماعة والإمام في التشهد الأخير هل الأفضل لهم الدخول مع الإمام أم ينتظرون سلامه ويصلون جماعة

(2)

؟

ج: لا تدرك الجماعة إلا بإدراك ركعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة»

(3)

فقد أدرك الصلاة خرجه مسلم في صحيحه، لكن من كان له عذر شرعي يحصل له فضل الجماعة وإن لم يدركها مع الإمام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا»

(4)

رواه البخاري في الصحيح، ولقوله صلى الله عليه وسلم في غزوة

(1)

- ج 12 ص 153

(2)

ج 12 ص 157

(3)

- رواه البخاري في (مواقيت الصلاة) برقم (546)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (954) واللفظ متفق عليه.

(4)

- رواه الإمام أحمد في (مسند الكوفيين) برقم (18848)، والبخاري في (الجهاد والسير) برقم (2774) واللفظ له، ورواه أبو داود في (الجنائز) برقم (2687).

ص: 132

تبوك: «إن في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم حبسهم العذر»

(1)

وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر»

(2)

متفق عليه.

ومتى أدرك جماعة الإمام في التشهد الأخير فدخولهم معه أفضل، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا»

(3)

متفق عليه، ولو صلوا جماعة وحدهم فلا حرج إن شاء الله.

س: إذا جاء المسلم إلى المسجد ووجد الجماعة يصلون التراويح وهو لم يصل العشاء فهل يصلي معهم بنية العشاء

(4)

؟

ج: لا حرج أن يصلي معهم بنية العشاء في أصح قولي العلماء، وإذا سلم الإمام قام فأكمل صلاته، لما ثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة ولم ينكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وفي الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه في بعض أنواع صلاة الخوف صلى بطائفة ركعتين ثم سلم ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم فكانت الأولى فرضه أما الثانية فكانت نفلا وهم مفترضون، والله ولي التوفيق.

(1)

- رواه البخاري في (المغازي) برقم (4071)، ومسلم في (الإمارة) برقم (3534).

(2)

- رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (12409)، ومسلم في (الإمارة) برقم (3534).

(3)

- رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (7209)، والبخاري في (الجمعة) برقم (908)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (602).

(4)

ج 12 ص 181

ص: 133

س: إذا أم رجل صبيين فأكثر، فهل يجعلهما خلفه أو عن يمينه، وهل البلوغ شرط لمصافة الصبي

(1)

؟

ج: المشروع في هذا أن يجعلهما خلفه كالمكلفين إذا كانا قد بلغا سبعا فأكثر، وهكذا لو كان صبي ومكلف يجعلهما خلفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأنس واليتيم وجعلهما خلفه لما زار النبي صلى الله عليه وسلم جدة أنس، وهكذا لما صف معه جابر وجبار من الأنصار جعلهما خلفه.

أما الواحد فإنه يكون عن يمينه، سواء أكان رجلا أو صبيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صف معه ابن عباس في صلاة الليل عن يساره أداره عن يمينه.

وهكذا أنس رضي الله عنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض صلوات النافلة فجعله عن يمينه، أما المرأة فأكثر فإنها تكون خلف الرجال ولا يجوز لها أن تصف مع الإمام ولا مع الرجال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بأنس واليتيم جعل أم سليم خلفهما وهي أم أنس.

س: هل يبدأ الصف من اليمين أو من خلف الإمام؟ وهل يشرع التوازن بين اليمين واليسار؟ بحيث يقال: اعدلوا الصف كما يفعله كثير من الأئمة

(2)

؟

ج: الصف يبدأ من الوسط مما يلي الإمام، ويمين كل صف أفضل من يساره، والواجب ألا يبدأ في صف حتى يكمل الذي قبله ولا بأس أن يكون الناس في يمين الصف أكثر ولا حاجة إلى التعديل، بل الأمر بذلك خلاف السنة، ولكن لا يصف

(1)

ج 12 ص 197

(2)

ج 12 ص 205

ص: 134

في الثاني حتى يكمل الأول، ولا في الثالث حتى يكمل الثاني، وهكذا بقية الصفوف. لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بذلك.

س: هل تصح الصلاة للمنفرد خلف الصف؟ وهل يجوز له سحب أحد المصلين من الصف الأمامي بدلا من الصلاة بعد الجماعة لوحده؟

(1)

ج: لا يجوز للمنفرد أن يصلي خلف الصف، ولا تصح صلاته. لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا صلاة لمنفرد خلف الصف»

(2)

ولأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة بل عليه أن يلتمس فرجة حتى يدخل فيها، فإن لم يجد صف عن يمين الإمام إن أمكن ذلك، إلا وجب عليه الانتظار حتى يأتي من يصف معه، ولو خاف أن تفوته الصلاة. فإن انقضت الصلاة ولم يأته أحد صلى وحده.

والواجب على كل مسلم أن يبادر للصلاة مع الجماعة، وأن يحرص على إدراكها كاملة مع الجماعة في بيوت الله، وهي المساجد. لقول الله عز وجل:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى}

(3)

الآية، وقوله عز وجل:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}

(4)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم

(1)

- ج 12 ص 221

(2)

- رواه الإمام أحمد في (مسند المدنيين) برقم (15862) ولفظه «لا صلاة لرجل فرد خلف الصف» وابن ماجه في (إقامة الصلاة والسنة فيها) باب صلاة الرجل خلف الصف وحده، برقم (1003) ولفظه «لا صلاة للذي خلف الصف» .

(3)

- سورة البقرة الآية 238.

(4)

- سورة البقرة الآية 43.

ص: 135

يأته فلا صلاة له إلا من عذر»

(1)

قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما هو العذر؟ (قال خوف أو مرض). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأله رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له صلى الله عليه وسلم «هل تسمع النداء بالصلاة» قال نعم قال «فأجب»

(2)

أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

س: ما حكم ائتمام من يقصر بمن يتم صلاته أو العكس وكيف يفعلان؟

(3)

ج: إذا أم من يقصر الصلاة من يتمها فإنه إذا سلم الإمام من صلاته اثنتين يقوم المقيم ويتم أربعا إذا كان الإمام هو المسافر فيصلي اثنتين، ثم إذا سلم يقوم من وراءه ويصلون أربعا إذا كانوا مقيمين غير مسافرين والمسافرون يسلمون معه، هذا إذا كان الإمام هو المسافر، أما إذا كان الإمام هو المقيم والمسافرون خلفه فإنهم يتمون معه فليس لهم القصر بل يتمون أربعا. لما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عمن يصلي خلف الإمام قالوا له: يا ابن عباس ما لنا إذا صلينا خلف الإمام صلينا أربعا وإذا صلينا في رحالنا صلينا اثنتين؟ فقال: هكذا السنة.

رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد وأصله في صحيح مسلم، وهذا يدل على أن صلاة المسافر خلف الإمام المقيم يجب أن تكمل أربعا للحديث المذكور. والله ولي التوفيق.

(1)

- رواه ابن ماجه في (المساجد والجماعات) باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، برقم (793).

(2)

- رواه الإمام مسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، برقم (653)، والنسائي في (الإمامة) باب المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن، برقم (850).

(3)

- ج 12 ص 260

ص: 136

س: إذا ذهبنا إلى البر فهل يجوز لنا أن نقصر الصلاة الرباعية ونجمعها؟

(1)

ج: إذا كان المكان الذي ذهبتم إليه من البر بعيدا عن محل إقامتكم ويعتبر الذهاب إليه سفرا فلا مانع من القصر إذا كانت المسافة 80 كيلا تقريبا، والقصر أفضل من الإتمام وهو أن يصلي المسافر الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والعشاء ركعتين ولا مانع من الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وتركه- أي الجمع- أفضل إذا كان المسافر مقيما مستريحا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان مدة إقامته في منى يقصر الصلاة ولا يجمع، وإنما جمع في عرفة ومزدلفة لداعي الحاجة إلى ذلك.

ومتى عزم المسافر على الإقامة في مكان أكثر من أربعة أيام فالواجب عليه ألا يقصر، بل يصلي الرباعية أربعا وهو قول أكثر أهل العلم، أما إذا كانت الإقامة أربعة أيام فأقل فالقصر أفضل. والله ولي التوفيق.

س: ما ضابط الجمع بين الصلاتين أثناء المطر أو في حال المطر؟

(2)

ج: إذا وجد العذر جاز أن يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء لعذر وهو المريض، والمسافر، وهكذا في المطر الشديد في أصح قولي العلماء، يجمع بين الظهر والعصر كالمغرب والعشاء، وبعض أهل العلم يمنع الجمع بين الظهر والعصر في البلد للمطر ونحوه كالدحض الذي تحصل به المشقة، والصواب جواز ذلك كالجمع بين المغرب والعشاء إذا كان المطر أو الدحض شديدا يحصل به

(1)

- ج 12 ص 280

(2)

- ج 12 ص 292

ص: 137

المشقة، فإذا جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم فلا بأس، كالمغرب والعشاء، سواء جمع في أول الوقت أو في وسط الوقت، المهم إذا كان هناك ما يشق عليهم بأن كانوا في المسجد وهطل المطر الشديد، والأسواق يشق عليهم المشي فيها لما فيها من الطين والماء جمعوا ولا بأس، وإن لم يجمعوا فلهم العذر يصلون في بيوتهم، بوجود الأمطار في الأسواق ووجود الطين.

س: إذا سافر شخص من الرياض إلى مكة وفي طريقه مر على القصيم ويوجد في القصيم بعض أقربائه فجلس عندهم يومين، فهل يعتبر مسافرا أو مقيما

(1)

؟

ج: هذا يعتبر مسافرا ما دام في غير وطنه، ولو كان فيه قريب له كأخ أو أخت أو غيرهما، لكن لا يصلي وحده بل يصلي مع الجماعة ويتم معهم أربعا لوجوب الصلاة في الجماعة، أما إذا كان معه شخص آخر أو أكثر فلهم أن يصلوا قصرا، ولهم أن يصلوا مع جماعة البلد ويتموا. أما إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فإن عليه أن يتم الصلاة الرباعية سواء كان المسافر واحدا أو كانوا جماعة.

س: إذا مر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والإمام يخطب يوم الجمعة فهل يجوز أن نصلي ونسلم عليه صلى الله عليه وسلم

(2)

؟

ج: تشرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر ذكره عليه الصلاة والسلام في خطب الجمعة والعيد ومجالس الذكر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي»

(3)

صلى الله عليه وسلم.

(1)

ج 12 ص 299

(2)

ج 12 ص 338

(3)

- رواه الترمذي في (الدعوات) برقم (3468)، وأحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (7139).

ص: 138

س: ما حكم‌

‌ من يرفع يديه والخطيب يدعو

للمسلمين في الخطبة الثانية مع الدليل، أثابكم الله؟

ج: رفع اليدين غير مشروع في خطبة الجمعة ولا في خطبة العيد لا للإمام ولا للمأمومين، وإنما المشروع الإنصات للخطيب والتأمين على دعائه بينه وبين نفسه من دون رفع صوت، وأما رفع اليدين فلا يشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه في خطبة الجمعة ولا في خطبة الأعياد، ولما رأى بعض الصحابة بعض الأمراء يرفع يديه في خطبة الجمعة أنكر عليه ذلك، وقال: ما كان النبي يرفعهما عليه الصلاة والسلام، نعم إذا كان يستغيث في خطبة الجمعة للاستسقاء، فإنه يرفع يديه في حال الاستغاثة- أي طلب نزول المطر- لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في هذه الحالة، فإذا استسقى في خطبة الجمعة أو في خطبة العيد فإنه يشرع له أن يرفع يديه تأسيا بالنبي عليه الصلاة والسلام.

س: هل لصلاة الجمعة سنة قبلها أو بعدها

(1)

؟

ج:‌

‌ ليس للجمعة سنة راتبة قبلها

في أصح قولي العلماء، ولكن يشرع للمسلم إذا أتى المسجد أن يصلي ما يسر الله له من الركعات يسلم من كل ثنتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»

(2)

رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد حسن، وأصله في الصحيح من دون ذكر النهار.

(1)

ج 12 ص 386

(2)

- رواه الترمذي في (الصلاة) برقم (389، 394)، والنسائي في (قيام الليل) برقم (1648).

ص: 139

ولأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ما يدل على أن المشروع للمسلم إذا أتى المسجد يوم الجمعة أن يصلي ما يسر الله له قبل خروج الإمام ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم ركعات محددة في ذلك فإذا صلى ثنتين أو أربعا أو أكثر من ذلك فكله حسن وأقل ذلك ركعتان تحية المسجد، أما بعدها فلها سنة راتبة أقلها ركعتان وأكثرها أربع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا»

(1)

وكان صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد الجمعة في بيته. وفق الله الجميع لما يرضيه.

س: بعض المأمومين يتضجر من قراءة سورة السجدة وسورة الدهر في فجر الجمعة لطولهما، فما موقف الإمام علما بأن أكثرهم يرغب في ذلك وبعضهم لا يرغب

(2)

؟

ج: هذه سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيشرع للإمام قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة وإن كره ذلك بعض الجماعة لكسلهم؛ لأن السنة مقدمة على الجميع والمشروع للأئمة في جميع الصلوات أن يراعوا فعل السنة ويحافظوا عليها؛ لقوله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}

(3)

. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني»

(4)

.

(1)

- رواه مسلم في (الجمعة) برقم (881)، والترمذي في (الجمعة) برقم (481)، والدارمي في (الصلاة) برقم (1575) واللفظ له.

(2)

ج 12 ص 393

(3)

- سورة الأحزاب الآية 21.

(4)

- رواه البخاري في (النكاح) برقم (5063)، ومسلم في (النكاح) برقم (1401).

ص: 140

س: هل يكتفي بالغسل الواجب قبل صلاة الفجر للجمعة أم لا

(1)

؟

ج: السنة غسل يوم الجمعة عند التهيؤ لصلاة الجمعة، والأفضل أن يكون ذلك عند التوجه إلى المسجد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل»

(2)

.

وإذا كان اغتسل في أول النهار أجزأه؛ لأن غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة، وقال بعض أهل العلم بالوجوب، فينبغي المحافظة على هذا الغسل يوم الجمعة في يوم الجمعة والأفضل أن يكون عند توجهه إلى الجمعة كما تقدم. لأن هذا أبلغ في النظافة، وأبلغ في قطع الروائح الكريهة، مع العناية بالطيب واللباس الحسن، وكذلك ينبغي له إذا خرج إليها أن يعتني بالخشوع وأن يقارب بين خطاه؛ لأن الخطى تحط بها السيئات ويرفع الله بها الدرجات فينبغي أن يكون له خشوع وعناية، وإذا وصل إلى المسجد قدم رجله اليمنى، وصلى على رسول الله عليه الصلاة والسلام وسمى الله وقال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ثم يصلي ما قدر الله له، ولا يفرق بين اثنين، وبعد ذلك يجلس ينتظر إما في قراءة وإما في ذكر واستغفار أو سكوت حتى يأتي الإمام، ويكون منصتا إذا خطب الإمام، ثم يصلي معه، فإذا فعل ذلك فقد أتى خيرا عظيما.

وجاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت للخطيب حتى يفرغ من خطبته ثم

(1)

ج 12 ص 404

(2)

- أخرجه البخاري في (الجمعة) برقم (882) واللفظ له ومسلم في (الجمعة) برقم (845).

ص: 141

يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام»

(1)

وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها.

س: ما‌

‌ حكم السلام بعد السنة

(2)

؟

ج: يشرع للمتلاقيين في الصف أن يسلم أحدهما على الآخر وأن يتصافحا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا»

(3)

ولقول أنس رضي الله عنه: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا) وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم»

(4)

رواه مسلم في صحيحه.

وسئل صلى الله عليه وسلم أي الإسلام أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»

(5)

متفق على صحته، إلا إذا كان من لقيه يعلم أنه كافر فإنه لا يبدؤه بالسلام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام»

(6)

الحديث رواه مسلم.

(1)

- رواه مسلم في (الجمعة) برقم (1418) واللفظ له، والترمذي في (الجمعة) برقم (458).

(2)

ج 12 ص 411

(3)

- رواه الترمذي في (الاستئذان) برقم (2651)، وأبو داود في (الأدب) برقم (4536).

(4)

- رواه مسلم في (الإيمان) برقم (81)، والترمذي في (صفة القيامة) برقم (2434)، وأحمد في (مسند العشرة المبشرين بالجنة) برقم (1355).

(5)

- رواه البخاري في الإيمان برقم (11، 27)، ومسلم في (الإيمان) برقم (56).

(6)

- رواه مسلم في (السلام) برقم (4030)، والترمذي في (الاستئذان والآداب) برقم (2624).

ص: 142

س: هل ثبت في الوسيلة بعد الأذان قول: الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، أم يكفي «وابعثه اللهم المقام المحمود» فقط، وكذلك عند الإقامة، ماذا يقال عند قول:«قد قامت الصلاة»

(1)

؟.

ج: يستحب للمسلم إذا سمع الأذان أن يقول مثل قول المؤذن إلا في الحيعلتين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول»

(2)

. متفق على صحته، ولما روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما سمع الأذان قال مثل قول المؤذن وعندما سمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال مثل قول المؤذن في آخر الأذان، ثم قال عليه الصلاة والسلام: من قال ذلك من قلبه دخل الجنة»

(3)

، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة»

(4)

رواه مسلم في صحيحه.

وروى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة

(1)

ج 29 ص 140

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي برقم 611، ومسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه برقم 384 واللفظ له.

(3)

أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه برقم 385.

(4)

أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه برقم 384.

ص: 143

التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة»

(1)

. زاد البيهقي بسند جيد عن جابر بعد قوله: الذي وعدته: «إنك لا تخلف الميعاد» .

ويستحب أن يجاب المقيم كما يجاب المؤذن، ويقول عند قول المقيم:«قد قامت الصلاة» مثله: «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» كما يستحب أن يقول عند قول المؤذن في أذان الفجر «الصلاة خير من النوم» مثله: «الصلاة خير من النوم» لعموم الأحاديث المذكورة وغيرها.

أما ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال عند الإمامة:«أقامها الله وأدامها»

(2)

، فهو حديث ضعيف لا يعتمد عليه. وبالله التوفيق.

س: ما‌

‌ حكم صلاة الطفلة دون خمار

(3)

؟

ج: إذا كانت لم تبلغ فصلاتها صحيحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»

(4)

، فدل ذلك على أن غير الحائض؛ وهي غير البالغة لا حرج عليها في الصلاة بغير خمار، ولكن كونها تصلي بالخمار أولى وأكمل إذا كانت بنت سبع أو أكثر؛ أما من دون السبع من الذكور والإناث فليسوا من

(1)

أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء برقم 614.

(2)

أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: ما يقول إذا سمع الإقامة برقم 528.

(3)

ج 29 ص 200.

(4)

أخرجه أحمد في باقي مسند الأنصار باقي المسند السابق برقم 24641، والترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء لا تقبل صلاه المرأة إلا بخمار برقم 377.

ص: 144

أهل الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع»

(1)

.

س: الأولاد والبنات هل لهم أجر إذا قاموا بتعليم والدهم الكبير في السن الصلاة

(2)

؟ ج: يجب عليهم أن يعلموه إذا كان يجهل، لكن بالرفق واللين والكلام الطيب لا بالشدة حتى يقبل منهم، وهكذا مع غيره من كبار السن، يتحرى المعلم الرفق، لأنه أقرب للقبول، كما قال صلى الله عليه وسلم:«من يحرم الرفق يحرم الخير كله»

(3)

فالولد مع والده ومع أخيه الكبير ومع جده ومع أمه يرفق بهم كثيرا لعلهم يقبلون منه، وهكذا مع غيرهم، لأن الشدة قد تسبب الحرمان وعدم الفائدة.

س: ما حكم الصلاة في الثوب الذي غطى الكعبين؟ وهل تصح الصلاة خلف من ثوبه كذلك؟ رغم أن هذا الرجل يعلم أحاديث النهي عن ذلك. أفيدونا جزاكم الله خيرا

(4)

؟

ج:‌

‌ صلاة المسبل

صحيحة ولكنه آثم، والواجب نصيحته وتحذيره مما حرم الله عليه، ويجب على المسلم ألا تنزل ملابسه عن الكعب؛ لقول النبي صلى الله

(1)

أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة برقم 495، وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه برقم 6717.

(2)

ج 29 ص 203.

(3)

أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل الرفق برقم 2592.

(4)

ج 29 ص 220.

ص: 145

عليه وسلم: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار»

(1)

خرجه الإمام البخاري في صحيحه.

وحكم جميع الملابس من قميص وسراويل وبشت حكم الإزار، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان فيما أعطى، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»

(2)

خرجه الإمام مسلم في صحيحه.

وهذا في حق الرجال. أما المرأة فالواجب عليها ستر قدميها عند خروجها إلى الأسواق بالجوارب أو الملابس الضافية، وهكذا في البيت إذا كان عندها أجنبي كأخي زوجها ونحوه. وبالله التوفيق.

س: سائلة تقول عندما أقف بين يدي الله سبحانه وتعالى في الصلاة تحضر في عقلي أفكار وأفكار ووساوس، فهل صلاتي صحيحة مع هذه الأفكار، ما العمل الذي أعمل حتى تبتعد عني هذه الأفكار السوداء جزاكم الله خيرا

(3)

؟

ج: عليك أن تجاهدي نفسك في إحضار قلبك بين يدي الله، واستحضار أنك بين يدي الله، وأن الله سبحانه يراقبك ويرى مكانك حتى تخشعي لله، وحتى تبتعد عنك الوساوس، فإذا كثرت فتعوذي بالله من الشيطان وانفثي عن يسارك ثلاث مرات، وقولي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاث مرات، تزول هذه الوساوس

(1)

أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار برقم 5787.

(2)

أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية برقم 106.

(3)

ج 29 ص 242.

ص: 146

إن شاء الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بعض الصحابة بذلك، لكن عليك أن تجتهدي في إحضار قلبك بين يدي الله، واستشعار أنك بين يدي الله، وأن الله سبحانه يطلع عليك ويرى مكانك، كما في الحديث الصحيح:«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

(1)

فاستشعري هذه العظمة وهذه الرؤية وأنه سبحانه يراك ويعلم حالك فاخشعي لله واحذري الوساوس، وهذا من أسباب سلامتك من الوساوس، لكن متى بقيت ولم تزل فتعوذي بالله من الشيطان ولو في الصلاة فاتفلي عن يسارك ثلاث مرات، وقولي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاث مرات وتزول هذه الوساوس إن شاء الله.

س: هل يلزم‌

‌ الالتزام بالاستعاذة والبسملة في كل ركعة

من ركعات الصلاة أم يكفي ذلك في الركعة الأولى

(2)

؟

ج: أما التسمية فالسنة في كل الركعات، إذا كنت تقرأ سورة مستقلة تسمي قبلها، أما الاستعاذة فسنة في الركعة الأولى، أما الركعات الأخرى فاختلف فيها العلماء هل تشرع الاستعاذة أم لا؟ فمن استعاذ فلا بأس ومن ترك فلا بأس في الركعات الأخرى، لكن تشرع الاستعاذة في الركعة الأولى بتأكيد وهكذا التسمية، أما في الركعات الأخرى فيسن .. رجل أو امرأة، يسن إذا افتتح سورة، أما إذا كان يقرأ بعض آيات فلا حاجة إلى التسمية تكفي التسمية الأولى عند قراءته الفاتحة.

(1)

أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم برقم 50، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان برقم 8.

(2)

ج 29 ص 243

ص: 147

س: هل يجوز قول (بلى) عند السور التي تنتهي ببعض الأسئلة مثل: {أَلَيْسَ اللهُ الْحَاكِمِينَ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}

(1)

، مثل قول (آمين) عند قراءة الفاتحة؟ وجزاكم الله خيرا.

حيث أسمع بعض المصلين يقولون ذلك

(2)

؟

ج: لا يشرع ذلك إلا عند تلاوة آخر آية من سورة القيامة وهي قوله تعالى: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}

(3)

فإنه يستحب أن يقال عند قراءتها: «سبحانك فبلى»

(4)

؛ لصحة الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله ولي التوفيق.

س: بعض أهل العلم يقول: إن الضم في الصلاة سنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، والبعض الآخر يقول: إنه بدعة أي الضم بعد القيام من الركوع.

أفيدونا أفادكم الله

(5)

؟

ج: الضم سنة حال القيام في الصلاة قبل الركوع وبعده هذا هو الصواب.

ومن قال: إنه بدعة فقد غلط غلطا بينا، فقد ثبت في الحديث الصحيح «عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قائما في الصلاة يضع يده اليمنى على اليسرى والرسغ والساعد»

(6)

رواه أبو داود والنسائي

(1)

سورة التين، الآية 8.

(2)

ج 29 ص 282.

(3)

سورة القيامة، الآية 40.

(4)

أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين مسند أبي هريرة رضي الله عنه برقم 7342، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود برقم 887 بلفظ (بلى).

(5)

ج 29 ص 284.

(6)

سنن النسائي الافتتاح (889)، سنن أبي داود الصلاة (726)، مسند أحمد (4/ 318).

ص: 148

بإسناد صحيح. وكذلك «قال قبيصة بن هلب الطائي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يمينه على شماله على صدره حال الوقوف في الصلاة»

(1)

رواه ابن أبي شيبة بإسناد جيد

(2)

. وهكذا روى البخاري في الصحيح «عن سهل بن سعد من طريق أبي حازم قال: كان الرجل يؤمر أن يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: ولا أعلمه ينمي ذلك إلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم»

(3)

. وهذا يدل على أن القائم في الصلاة يضع يمينه على شماله وهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده وهذا هو الصواب.

س: جدتي امرأة كثيرة العبادة، ولكن صلاتها غير صحيحة، وقد حاولت معها ولكن تقول: قد تعلمت على يد فلان وفلان فما حكم صلاتها

(4)

؟

ج: حاول معها تصحيح ما أخطأت فيه الذي في استطاعتك، إن كنت على بصيرة في ما ذكرت وكنت تعلم حكم الله فيما ذكرت، فحاول معها النصيحة وبين لها ما أخطأت فيه، إذا كانت مثلا لا تقرأ الفاتحة علمها، وإذا كانت لا تقرأ التشهد التحيات علمها، وإن كانت تعجل في الركوع والسجود علمها، وقل لها: عملك هذا ما يكفيك، وتقرأ عليها الأحاديث أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تطمئن وحتى تعقل وتفهم.

(1)

سنن الترمذي الصلاة (252)، مسند أحمد (5/ 226).

(2)

أخرجه أبو شيبة في مصنفه ج 1 برقم 3938.

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة برقم 740.

(4)

29 ص 339.

ص: 149

س: ما حكم‌

‌ الضحك في الصلاة

، وهل من ضحك في الصلاة، هل عليه إعادة

(1)

؟

ج: الضحك في الصلاة يبطلها بإجماع أهل العلم، فإذا ضحك في الصلاة بطلت، وهكذا لو تكلم عمدا بطلت صلاته، إلا إذا كان ناسيا أو جاهلا فلا تبطل صلاة الناسي والجاهل، لكن الضحك يبطل مطلقا؛ لأنه استخفاف بالصلاة وتهاون بها.

س: أفتنا فيما إذا نسي الإمام في الصلاة وسلم عن ركعة أو ركعتين وانتبه هل يجب عليه التكبير ابتداء الباقية أم لا هذا والباري يحفظك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(2)

ج: إذا سهى الإمام في الصلاة وسلم عن اثنتين أو ثلاث فالحكم في ذلك أن عليه الإتمام إذا تنبه أو نبه في وقت قريب، فإن كان سلم عن اثنتين عاد إلى الصلاة وجلس لينهض إلى الثالثة بتكبير، أما. إذا كان قد سلم عن ثلاث فإنه يرجع إلى الصلاة بالنية من دون حاجة إلى تكبير فيقف بنية الصلاة والمأمومون كذلك ثم يقرأ ويكمل من صلاته، ويسجد للسهو في الحالتين أعني فيما إذا سلم عن اثنتين أو ثلاث، والأفضل في هذه الحال أن يكون سجوده بعد السلام، ثم يسلم بعد سجدتي السهو تسليما آخر، وإن سجد قبل سلامه من الصلاة أجزأ ذلك ولا بأس. وفقنا الله وإياك للفقه في الدين والثبات عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(1)

ج 29 ص 344.

(2)

ج 30 ص 8.

ص: 150

س: بما أن الصلاة في المسجد الحرام تعادل مائة ألف صلاة في غيره، فهل يطمع قارئ القرآن بثواب مضاعف مائة ألف مرة في كل تلاوة

(1)

؟

ج: المضاعفة في الصلاة ثابتة، الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف، أما القراءة والصدقة والصيام فلم يثبت فيها شيء وعدد معين، لكن فيها فضل المضاعفة، فالصدقة هنا والصيام والذكر وقراءة القرآن كلها لها فضل عظيم، لكن ليس فيها شيء محدد، إنما جاء التحديد في الصلاة، وجاء في الصيام حديث ضعيف، أما الصلاة فقد ثبت فيها أن الصلاة في المسجد الحرام هنا بمائة ألف، والصواب أنه يعم الحرم كله.

س: إذا كنت إماما في التراويح، فهل يلزم أن أقرأ كل ليلة آيات تتبع ما سبقها - أي أقرأ سور القرآن مرتبة - أم أقرأ مما وقفت عليه من الآيات التي قرأتها في النهار

(2)

؟

ج: المشروع للأئمة أن يسمعوا المأمومين جميع القرآن في قيام رمضان إذا استطاعوا ذلك، فيقرأ الإمام في كل ليلة الآيات والسور التي تلي ما قرأه في الليلة الماضية حتى يسمع المصلين خلفه جميع كتاب ربهم سبحانه متواليا حسب ما رتب في المصحف، وإذا استطاع أن يكمل بهم ختمه فهو أفضل إذا لم يشق عليهم، مع العناية بالترتيل والخشوع والطمأنينة؛ لأن المقصود من الصلاة هو التقرب إلى الله سبحانه والخشوع بين يديه رغبة فيما عنده من الثواب وحذرا

(1)

ج 30 ص 22.

(2)

ص 30.

ص: 151

مما لديه من العقاب، وليس المقصود مجرد أداء ركعات بغير خشوع ولا حضور قلب بين يدي الله سبحانه وتعالى، وفق الله المسلمين لما فيه صلاحهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة.

س: بعض الأئمة - وفقهم الله - يحول دعاء القنوت في رمضان إلى موعظة ليحرك بها قلوب المصلين، ويبكيهم، فيذكر النار وأهوالها والقبر وأحوال أهله مثل: «اللهم انقلهم من ضيق اللحود ومراتع الدود إلى جناتك جنات الخلود، وهكذا

»، فهل هذا مشروع؟ أم أنه من الاعتداء في الدعاء .. وما نصيحتكم للأئمة في هذا الجانب، فقد ازداد تنافس الأئمة فيه؟ وما رأيكم فيمن يدعو في القنوت بدعاء الصلاة على الجنازة كقوله:«اللهم اغفر لحينا وميتنا وذكرنا وأنثانا»

(1)

جزاكم الله خيرا

(2)

.

ج: السنة في القنوت الدعاء بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم سبطه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو «اللهم اهدنا فيمن هديت إلى آخره»

(3)

، وإذا دعا مع ذلك بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه دعا به فحسن، وذلك من حديث علي رضي الله عنه وهو «اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من

(1)

سنن أبي داود الجنائز (3201)، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1498).

(2)

ج 30 ص 41.

(3)

سنن الترمذي الصلاة (464)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1746)، سنن أبي داود الصلاة (1425)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1178)، مسند أحمد (1/ 199)، سنن الدارمي الصلاة (1591).

ص: 152

عقوبتك ونعوذ بك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»

(1)

ومنذلك الدعاء بقنوت عمر رضي الله عنه: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك إلى آخره» ، وإذا دعا مع ذلك بدعوات طيبة فلا حرج، ولكن يشرع له أن يتحرى التخفيف وعدم الإطالة حتى لا يشق على الناس ويتحرى الدعوات الجامعة، كسؤال الجنة وما يقرب إليها من قول أو عمل والتعوذ با لله من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل، وسؤاله العفو بقوله:«اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا»

(2)

والخلاصة أنه ليس في ذلك دعاء مخصوص سوى ما ورد في حديث الحسن وأبيه، ودعاء عمر، وفق الله الجميع.

س: إذا نمت عن صلاة الوتر، ولم أؤدها في الليل، فهل أقضيها؟ وفي أي وقت

(3)

؟ ج: السنة قضاؤها ضحى بعد ارتفاع الشمس وقبل وقوفها، شفعا لا وترا، فإذا كانت عادتك الإيتار بثلاث ركعات في الليل فنمت عنها أو نسيتها شرع لك أن تصليها نهارا أربع ركعات في تسليمتين، وإذا كان عادتك الإيتار بخمس ركعات في الليل فنمت عنها أو نسيتها شرع لك أن تصلي ست ركعات في النهار في ثلاث تسليمات، وهكذا الحكم فيما هو أكثر من ذلك، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شغل عن صلاته بالليل بنوم أو

(1)

سنن الترمذي الدعوات (3513)، سنن ابن ماجه الدعاء (3850)، مسند أحمد (6/ 208).

(2)

سنن الترمذي الدعوات (3566)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1747)، سنن أبي داود الصلاة (1427)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1179).

(3)

ج 30 ص 47.

ص: 153

مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة»

(1)

. رواه مسلم في صحيحه.

وكان وتره صلى الله عليه وسلم في الغالب إحدى عشرة ركعة، والسنة أن يصلي القضاء شفعا ركعتين ركعتين؛ لهذا الحديث الشريف؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم:

«صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»

(2)

. أخرجه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، لكن بدون ذكر النهار وهذه الزيادة ثابتة عند من ذكرنا آنفا وهم أحمد وأهل السنن. والله ولي التوفيق.

س: ما هو القول الصحيح والراجح في صلاة الضحى هل تصلى يوميا أم يوما بعد يوم أم ماذا

(3)

؟

ج: الراجح فيها والسنة فيها كل يوم، صلاة الضحى سنة كل يوم فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:«أنه أوصى أبا هريرة بثلاث: صلاة الضحى والوتر قبل النوم وصيام ثلاثة أيام من كل شهر»

(4)

وثبت في صحيح مسلم

(1)

أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض برقم 746.

(2)

أخرجه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه برقم

4776، ومالك في الموطأ، كتاب النداء للصلاة، باب ما جاء في صلاة الليل.

(3)

ج 30 ص 59.

(4)

أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب صيام أيام البيض ثلاث عشر وأربع عشر برقم 1981، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان برقم 721.

ص: 154

أيضا أن النبي أوصى أبا الدرداء: «أن يصلي صلاة الضحى كل يوم أوصاه بصلاة الضحى والوتر قبل النوم وصوم ثلاثة أيام من كل شهر»

(1)

.

وثبت أيضا في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر لما ذكر له السلاميات وأن عليه صدقة قال: «كل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة»

(2)

- إلى آخره - قال: يجزئ عن ذلك ركعتان تركعهما من الضحى»

(3)

.

س: كيف يمكنني استخارة الله في الأمور التي أخشى أن أفشل في الوصول إلى الصواب فيها؟ وما هي شروط الاستخارة

(4)

؟

ج: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى بالاستخارة فيما يهم به العبد، ولا يتأكد من كونه خيرا، فيتطهر ويصلي ركعتين، ثم يقول: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسميه باسمه من زواج أو سفر أو غيرهما- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره

(1)

أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان برقم 722.

(2)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (720)، مسند أحمد (5/ 167).

(3)

أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان برقم 720.

(4)

ج 30 ص 69.

ص: 155

لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبةأمري فاصرفه عني واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به»

(1)

.

س: ما حكم الصلاة على القبر وقت النهي

(2)

؟

ج: لا يصلى على القبر وقت النهي إلا إذا كان ذلك في الوقت الطويل أي بعد صلاة العصر وصلاة الفجر فوقت النهي هنا طويل، فلا بأس بالصلاة في هذا الوقت؛ لأنها من ذوات الأسباب، أما في الأوقات المضيقة، وهي التي جاءت في حديث عقبة رضي الله عنه في صحيح مسلم، قال رضي الله عنه: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب

(3)

، فلا تجوز الصلاة في هذه الأوقات على الميت ولا دفنه فيها لهذا الحديث الصحيح.

س: هل الثواب في كل مساجد مكة المكرمة مثل الثواب في الحرم؟ لأن كثيرا من الناس يصلون في مساجد مكة وفي حدود الحرم ويقولون إن الأجر سواء

(4)

؟

ج: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، منهم من رأى أن المضاعفة تختص بما حول الكعبة المسجد الحرام الذي حول الكعبة، وأن مضاعفة المائة ألف صلاة

(1)

سنن الترمذي الجمعة (586).

(2)

ج 30 ص 72.

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى برقم 1166.

(4)

ج 30 ص 79.

ص: 156

إنما يكون ذلك لمن صلى في المسجد المحيط بالكعبة. وذهب آخرون من أهل العلمإلى أن المسجد الحرام يعم جميع الحرم، وإن كان للصلاة فيما حول الكعبة ميزة وفضل لكثرة الجماعة وعدم الخلاف في ذلك، ولكن الصواب هو القول الثاني. وهو أن الفضل يعم، وأن المساجد في مكة يحصل لمن صلى فيها التضعيف الوارد في الحديث. وإن كان ذلك قد يكون دون من صلى في المسجد الحرام الذي حول الكعبة؛ لكثرة الجمع وقربه من الكعبة، ومشاهدته إياها، وخروجه من الخلاف في ذلك. ولكن ذلك لا يمنع من كون جميع بقاع مكة كلها تسمى المسجد الحرام، وكلها يحصل فيها المضاعفة إن شاء الله.

س: ما‌

‌ حكم صلاة الفريضة في المنزل

من شخص يدرك فضل صلاة الجماعة، ولكن يصلي في بيته كثيرا وقل ما يذهب إلى المسجد

(1)

؟

ج: صلاة الرجل مع إخوانه في الله في الجماعة في بيوت الله عز وجل، وهي المساجد واجبة مع القدرة في حق من يسمع الأذان؛ لقول الله عز وجل:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}

(2)

والمعنى صلوا مع المصلين. ولقوله سبحانه: {وَالْآصَالِ بِالْغُدُوِّ فِيهَا لَهُ يُسَبِّحُ اسْمُهُ فِيهَا وَيُذْكَرَ تُرْفَعَ أَنْ اللَّهُ أَذِنَ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ اللَّهِ ذِكْرِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}

(3)

، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء

(1)

ج 30 ص 108.

(2)

سورة البقرة الآية 43.

(3)

سورة النور الآية 36 - 37.

ص: 157

فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر»

(1)

قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما هو العذر؟ قال: «خوف أو مرض» وروى مسلم في صحيحه أن رجلا أعمى قال يا رسول الله: ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تسمع النداء للصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب»

(2)

، وروى مسلم في صحيحه أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:«من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف»

(3)

، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

ووصيتي لكل مسلم أن يتقي الله، وأن يحافظ على الصلاة في الجماعة، وأن يحذر التشبه بالمنافقين في التخلف عنها. وفقني الله وجميع المسلمين لما فيه رضاه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.

(1)

أخرجه ابن ماجه في كتاب (المساجد) برقم (793).

(2)

أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء برقم 653.

(3)

صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (654)، سنن أبي داود الصلاة (550)، سنن ابن ماجه المساجد والجماعات (777)، مسند أحمد (1/ 415).

ص: 158

س: إذا كان الأب يريد أن يصلي الصلاة المكتوبة ومعه اثنان من الأبناء لم يبلغوا سن التكليف فأين مكانهم من الصف هل يجعلهما عن يمينه وهو إمامهم أم خلفه وبهم تنعقد الجماعة، نرجو توضيح هذه المسألة بارك الله فيكم

(1)

؟

ج: المشروع أن يجعلهما خلفه إذا كانا قد بلغا سبع سنين فأكثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أم أنسا ويتيما وجعلهما خلفه في النافلة لما زار جدة أنس ضحى، لكن ليس له أن يصلي في البيت، بل يجب عليه أن يصلي مع المسلمين في المساجد هو وأبناؤه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر» قيل لابن عباس رضي الله عنهما: «ما هو العذر قال: خوف أو مرض»

(2)

ولأنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل أعمى قائلا: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي فقال له صلى الله عليه وسلم:«هل تسمع النداء بالصلاة» قال: نعم، قال:«فأجب»

(3)

وفي رواية أخرى: «لا أجد لك رخصة»

(4)

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا أن يؤم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة لأحرق عليهم بيوتهم»

(5)

وقال عبد الله بن

(1)

ج 30 ص 113.

(2)

أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجب برقم 217.

(3)

اخرجه مسلم في كتاب (المساجد) ومواضع الصلاة برقم (653).

(4)

أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء برقم 653.

(5)

أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة برقم 552.

ص: 159

مسعود رضي الله عنه: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها- يعني الصلاة في الجماعة- إلا منافق أو مريض» . والله ولي التوفيق.

س: هناك البعض من جماعة مسجدنا يتخلفون عن صلاة الفجر، وقد نصحتهم عدة مرات، هل أرفع فيهم إلى الهيئة بعد ذلك أم أستمر في نصحهم

(1)

؟

ج: نوصيك بالاستمرار في النصيحة وزيارة المتخلفين مع من تيسر معك من خواص الدعاة أو الجماعة لنصحهم وبيان عظم الخطر عليهم في تخلفهم عن صلاة الجماعة، وأن ذلك من خصال أهل النفاق، لعلهم يستجيبون ويهتدون، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا»

(2)

، وقال عليه الصلاة والسلام:«من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر»

(3)

واستأذنه رجل أعمى ليس له قائد يلازمه هل له رخصة أن يصلي في بيته فقال له صلى الله عليه وسلم: «لا أجد لك رخصة»

(4)

، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكبارهم:«لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق» يعني صلاة الجماعة.

(1)

ج 30 ص 117.

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة برقم 644، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها برقم 651.

(3)

أخرجه الإمام أحمد في مسند المكثرين، باقي مسند أبي هريرة برقم 9687، وابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب صلاة العشاء والفجر في جماعة برقم 797.

(4)

أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة برقم 217.

ص: 160

فالواجب على كل مسلم أن يحافظ عليها في الجماعة، وأن يحذر التخلف عنها، والواجب على أئمة المساجد أن يناصحوا المتخلفين ويذكروهم ويحذروهم غضبا لله وعقابه، فإذا لم تنفع النصيحة وجب رفع أمر المتخلفين إلى مركز الهيئة الذي في حي المسجد حتى يقوم بما يلزم في هذا الأمر حسب ما لديه من التعليمات، ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا لما فيه صلاحهم ونجاتهم من غضب الله وعقابه.

س: جماعة من الموظفين يسمعون النداء، ثم يصلون في الشركة جماعة، فهل فعلهم هذا صحيح

(1)

؟

ج: الواجب على جميع الرجال أن يصلوا مع الجماعة في المسجد، ولا يجوز لهم أن يصلوا في دورهم، ولا في محل العمل إذا كان المسجد قريبا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر»

(2)

قيل لابن عباس رضي الله عنهما ما هو العذر؟ قال: «خوف أو مرض» وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله: ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال صلى الله عليه وسلم:«هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال:«فأجب»

(3)

خرجه مسلم في صحيحه.

س: هل يجوز للمأموم عدم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية

(4)

؟

(1)

ج 30 ص 120.

(2)

أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجب برقم 217.

(3)

أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء برقم 653.

(4)

ج 30 ص 159.

ص: 161

ج: الواجب عليه أن يقرأ سرا الفاتحة مع الإمام في الجهرية والسرية هذا هو الصواب، فإن تركها جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه، أو جاء والإمام راكع أو عند الركوع، سقطت عنه لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا بكرة، أتى الرسول في الركوع، وركع دون الصف ثم دخل في الصف فلما سلم قال له:«زادك الله حرصا ولا تعد»

(1)

ولم يأمره بقضاء الركعة، وقال صلى الله عليه وسلم:«لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»

(2)

وقال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

(3)

. فالواجب أن يقرأ المأموم بفاتحة الكتاب في الجهرية والسرية، لكن لو تركها جاهلا يحسب أنه يتحملها الإمام، كما قال جماعة من أهل العلم أو ناسيا أو جاء عند الركوع سقطت عنه.

س: هل يجوز للإمام بعد ختام الصلاة المفروضة أن يدعو بقبول الصلاة والصوم وإصلاح الأحوال والرحمة للأحياء والأموات وعلى المصلين أن يؤمنوا وراءه، فإذا كان هذا لا يجوز فما الدليل أثابكم الله

(4)

؟

ج: ليس للإمام أن يدعو بعد الصلوات الخمس رافعا للدعاء يديه، أو غير رافع يديه وهم يؤمنون ليس من المشروع هذا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله،

(1)

أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب إذا ركع دون الصف برقم 783.

(2)

أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب برقم 823.

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات برقم 756، ومسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم 394.

(4)

ج 30 ص 170

ص: 162

والصحابة لم يفعلوه وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(1)

، وقال عليه الصلاة والسلام:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

(2)

فلم يكن صلى الله عليه وسلم يرفع يديه ويدعو والناس يؤمنون بعد الفجر ولا بعد الظهر ولا بعد العصر ولا بعد المغرب ولا بعد العشاء ولا كان يدعو من دون رفع يديه ويؤمنوا على دعائه، أما إذا دعا الإنسان لنفسه أو للمسلمين بينه وبين ربه، بعد الذكر فلا بأس أما الدعاء المشترك بين الإمام والمأمومين أو برفع اليدين هذا لم يشرع ولم يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ولا نعلم أحدا من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فعله.

س: هل يجوز للمريض المقعد أن يصلي وهو جالس

(3)

؟

ج: المريض له الصلاة وهو جالس إذا شق عليه القيام فإنه يصلي وهو جالس؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح من حديث عمران بن حصين لما اشتكى قال: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب فإن لم تستطع فمستلقيا»

(4)

وهذا من تسهيل الله وتيسيره.

(1)

أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم 1718.

(2)

صحيح البخاري الصلح (2697)، صحيح مسلم الأقضية (1718)، سنن أبو داود السنة (4606)، سنن ابن ماجه المقدمة (14)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 256).

(3)

ج 30 ص 175

(4)

أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم برقم 371.

ص: 163

فالمريض من الرجال والنساء إذا كان يشق عليه القيام يصلي قاعدا. فإن عجز عن القعود من شدة المرض صلى على جنبه الأيمن أفضل. فإن شق عليه ذلك صلى مستلقيا وتكون رجلاه إلى القبلة. ويصلي مستقبلها بوجهه وهكذا المقعد الذي لا يستطيع القيام لشلل به فإنه يصلي قاعدا ووجهه إلى القبلة ويسجد في الأرض. ويركع في الهواء، فإن لم يستطع السجود على الأرض سجد في الهواء وجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}

(1)

ويقول عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(2)

ا. هـ والله ولي التوفيق.

س: كثيرا ما أسافر بالقطار لمسافة طويلة يمر فيها وقت صلاتين أو ثلاث، ولضيق المكان في القطار لا أجد مكانا أصلي فيه، فهل أجمع هذه الصلوات جمع تقديم أم جمع تأخير أم أصلي كلا منها في مكان جلوسي

(3)

؟

ج: يجب عليك وعلى كل ركاب القطار من المسلمين أن يصلوا الصلاة في وقتها، ولهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما إذا كانوا مسافرين، وعليهم أن يصلوا حسب طاقتهم، قائمين أو جالسين، وإذا لم يستطيعوا الركوع أو السجود أومأوا بذلك، وجعلوا السجود أخفض من الركوع؛ لقول الله سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(4)

والواجب على قائد القطار أن يرفق

(1)

سورة البقرة الآية 286

(2)

سورة التغابن الآية 16

(3)

ج 30 ص 192

(4)

سورة التغابن الآية 16

ص: 164

بهم وأن يقف بهم في الأماكن المناسبة لأداء الصلاة في وقتها، وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل به إنه جواد كريم.

س: نحن مسافرون وبجانبنا مسجد في العزيزية فهل نصلي فيه أم في البيت

(1)

؟

ج: أنتم مخيرون، فإن صليتم قصرا في محلكم فلا بأس، وإن صليتم مع الناس صلوا أربعا، والمسافر مخير إن شاء صلى قصرا وإن شاء صلى مع الناس أربعا، إلا إذا كان واحدا فلا يصلي وحده، لا بد أن يصلي مع الجماعة، سواء كانوا قاصرين أو متمين، إن كانوا قاصرين قصر معهم وإن كانوا متمين أتم معهم، لا يصلي وحده.

س: إذا كان يوم جمعة هل تجمع وتقصر صلاة الظهر والعصر معا في السفر

(2)

؟

ج: المسافر ليس عليه جمعة، وإنما يصلي ظهرا ولا بأس أن يجمع بين الظهر والعصر.

أما إذا صلى المسافر مع الناس الجمعة في أي بلد فإنه لا يجمع إليها العصر، بل عليه أن يصلي العصر في وقتها.

س: ما حكم رفع اليدين للمأمومين للتأمين على دعاء الإمام في خطبة الجمعة، وما حكم رفع الصوت بقول آمين

(3)

؟

ج: لا يشرع رفع اليدين في خطبة الجمعة لا للإمام ولا للمأمومين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون، لكن لو استسقى في خطبة الجمعة شرع له وللمأمومين رفع اليدين؛ لأن النبي صلى الله عليه

(1)

ج 30 ص 203

(2)

ج 30 ص 215

(3)

ج 30 ص 249

ص: 165

وسلم، لما استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه ورفع الناس أيديهم، وقد قال الله سبحانه:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}

(1)

أما التأمين من المأمومين على دعاء الإمام في الخطبة فلا أعلم به بأسا بدون رفع صوت، وبالله التوفيق.

س: ما حكم وقوف الإمام بعد الفاتحة لحين يقرأ المأموم الفاتحة وإذا لم يقف الإمام تلك الوقفة فمتى يقرأ المأموم الفاتحة؟

(2)

ج: ليس هناك دليل صريح يدل على شرعية سكوت الإمام حتى يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية. أما المأموم فالمشروع له أن يقرأها في حالة سكتات إمامه إن سكت فإن لم يتيسر ذلك قرأها المأموم سراً ولو كان إمامه يقرأ، ثم ينصت بعد ذلك لإمامه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

(3)

متفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»

(4)

رواه أحمد وأبو داود وابن حبان بإسناد حسن.

(1)

سورة الأحزاب الآية 21

(2)

ج 25 ص 106

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات، برقم 714، ومسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، برقم 595.

(4)

أخرجه الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين برقم 21688، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، برقم 701.

ص: 166

وهذان الحديثان يخصصان قوله عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}

(1)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا» الحديث رواه مسلم في صحيحه، لكن لو ترك المأموم قراءة الفاتحة جهلاً أو ناسياً صحت صلاته في أصح قولي العلماء؛ لأن قراءتها في حقه واجبة لا ركن، وهكذا لو جاء المأموم والإمام راكع فركع معه أجزأته الركعة وسقطت عنه الفاتحة لفوات محلها، والأصل في هذا حديث أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه أنه جاء إلى الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف ثم دخل في الصف فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال له:«زادك الله حرصاً ولا تعد» رواه البخاري في صحيحه ولم يأمره لقضاء الركعة فدل ذلك على سقوط الفاتحة عمن لم يدرك القيام مع الإمام وفي حكم من تركها جاهلاً أو ناسياً من المأمومين في أصح قولي العلماء كما تقدم والله ولي التوفيق.

س: هل الحديث الذي رواه أحمد في‌

‌ صلاة الحاجة

صحيح أم لا؟

(2)

ج: نعم، روى أحمد رحمه الله وغيره بإسناد صحيح عن علي رضي الله عنه عن الصديق رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال:«من أذنب ذنباً ثم تاب ثم تطهر وصلى ركعتين فتاب إلى الله من ذلك تاب الله عليه»

(3)

أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذا صحيح وثابت وهو من الأسباب المعروفة إذا

(1)

- سورة الأعراف، الآية 204.

(2)

ج 25 ص 165

(3)

- أخرجه الإمام أحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، برقم 46.

ص: 167

أذنب وأتى شيئاً مما يكرهه الله ثم تطهر وصلى ركعتين - صلاة التوبة- ثم سأل ربه واستغفره فهو حريٌّ بالتوبة كما وعده الله بذلك، وحديث صلاة الاستخارة يسمى أيضاً صلاة الحاجة؛ لأن الاستخارة في الحاجات التي تهم الإنسان فيشرع له أن يصلي ركعتين ويستخير الله في ذلك.

س: إذا كان الإنسان في صلاة ثم عطس فهل يحمد الله، سواء كانت فريضة أو نافلة

(1)

؟

ج: نعم يشرع له أن يحمد الله؛ لأنه ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع من يحمد الله بعد عطاسه في الصلاة فلم ينكر عليه. بل قال: «لقد رأيت كذا وكذا من الملائكة كلهم يبتدرونها أيهم يكتبها» ، ولأن حمد الله من جنس ذكر الصلاة وليس بمناف لها.

س: ورد في الحديث: سُئِل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار، ولكنه لا يشهد الجمعة والجماعة، فقال: هو في النار، ما صحة هذا الحديث الشريف؟

(2)

ج: هذا الأثر معروف عن ابن عباس، وصحيح عنه رضي الله عنهما، وهو يدل على أن إضاعة الجمعة والجماعة من أسباب دخول النار، والعياذ بالله.

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لينتهين أقوام عن

(1)

ج 25 ص 173

(2)

- ج 25 ص 187

ص: 168

تركهم الجُمُعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين»

(1)

خرجه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة، وابن عمر رضي الله عنهم، وخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام:«من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه»

(2)

، وقال عليه الصلاة والسلام:«من سمع النداء ولم يأت فلا صلاة له إلا من عذر»

(3)

.

فالواجب على المسلم البدار بإجابة النداء للجمعة والجماعة، وأن لا يتأخر عن ذلك، ومتى تأخر عن ذلك بغير عذر شرعي - كالمرض والخوف- فهو متوعد بالنار ولو كان يصوم النهار ويقوم الليل.

نسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة والعافية من كل سوء.

س: في أي الأوقات يتحرى المسلمون ساعة الإجابة يوم الجمعة، أفي يوم الجمعة كله، أم في العصر، أم بعد صلاة الجمعة مباشرة؟

(4)

ج: الله جل وعلا جعل في الجمعة ساعة يقبل فيها الدعاء، وهي ساعة قليلة لا يوافقها المسلم وهو قائم يصلي إلا أعطاه الله سؤاله، فهي ساعة عظيمة قليلة، جاء في بعض الروايات عند مسلم أنها حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى مرفوعاً، وعلّله بعضهم بأنه من كلام أبي بردة بن أبي موسى وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم،

(1)

- أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة برقم 1432.

(2)

- أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجمعة برقم 888.

(3)

- أخرجه ابن ماجه في كتاب المساجد، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة برقم 785.

(4)

- ج 25 ص 197

ص: 169

والصواب ثبوت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن سلام أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وجاء في بعض الأحاديث أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وكلها صحيحة لا تنافي بينها، فأحراها وأرجاها ما بين الجلوس على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، هذه الأوقات هي الأرجى لساعة الإجابة، وبقية الأوقات في يوم الجمعة كلها ترجى فيها إجابة الدعاء، لكن أرجاها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى أن تقضي الصلاة وما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس كما تقدم، وبقية ساعات الجمعة ترجى فيها هذه الإجابة لعموم بعض الأحاديث الواردة في ذلك.

فينبغي الإكثار في يوم الجمعة من الدعاء رجاء أن يصادف هذه الساعة المباركة، ولكن ينبغي أن تحظى الأوقات الثلاثة المذكورة آنفا بمزيد من العناية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص على أنها ساعة الإجابة. والله ولي التوفيق.

س: الدعاء جماعة بعد الصلاة في الأيام العادية، ما حكمه إذا استمر عليه البعض من الناس؟

(1)

ج: هذا من البدع، الإنسان يدعو ربه وحده، ما يحتاج يتجمع مع مجموعة ويدعو بهم واحد، لا، كل واحد إذا فرغ من الصلاة يأتي بالأذكار الشرعية ويدعو بينه وبين ربه، أما يكون لهم إماماً يدعو بهم، يرفع يديه ويدعون، ليس له أصل، هذا من المحدثات. والله يهدينا وإخواننا المسلمين.

(1)

ج 26 ص 115

ص: 170

س: ما معنى‌

‌ حديث: «ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بدون سواك»

؟

(1)

ج: السواك سنة وطاعة عند الصلاة أو عند الوضوء؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»

(2)

خرجه النسائي بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»

(3)

متفق على صحته، وفي لفظ:«لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء»

(4)

خرجه الإمام النسائي بإسناد صحيح، أما حديث:«صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بلا سواك» فهو حديث ضعيف ليس بصحيح وفي الأحاديث الصحيحة ما يغني عنه والحمد لله.

س: أقيمت صلاة العشاء واكتمل الجانب الأيمن من الصف الأول والجانب الأيسر فيه قليل في الناس، فقلنا: اعدلوا الصف من اليسار، فقال أحد المصلين: اليمين أفضل، لكن أحد الناس عقّب عليه وجاء بحديث:«من عمر مياسر الصفوف فله أجران» أفتونا ما هو الصواب في هذه المسألة؟

(5)

ج: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن يمين كل صف أفضل من يساره، ولا يشرع أن يقال للناس: اعدلوا الصف، ولا حرج أن يكون يمين الصف أكثر، حرصاً على تحصيل الفضل. أما ما ذكره بعض الحاضرين من حديث:

(1)

ج 26 ص 288

(2)

أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب الترغيب في السواك برقم 5.

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة برقم 887، ومسلم في كتاب الطهارة باب السواك برقم 252.

(4)

أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين، باقي المسند السابق برقم 25808.

(5)

ج 26 ص 290

ص: 171

«من عمَّر مياسر الصفوف فله أجران»

(1)

فهو حديث ضعيف خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف.

س: حديث: «من جلس بعد صلاة الصبح يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلّى ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة»

(2)

؟

ج: هذا الحديث له طرق لا بأس بها، فيعتبر بذلك من باب الحسن لغيره، وتستحب هذه الصلاة بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، أي بعد ثلث أو ربع ساعة تقريباً من طلوعها.

(1)

أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب فضل ميمنة الصف برقم 1007.

(2)

ج 26 ص 310

ص: 172

‌فتاوى الجنائز

ص: 173

س: هل يجوز وضع قطعة من الحديد أو «لافتة» على قبر الميت مكتوب عليها آيات قرآنية بالإضافة إلى اسم الميت وتاريخ وفاته .. إلخ

(1)

؟

ج: لا يجوز أن يكتب على قبر الميت لا آيات قرآنية ولا غيرها، لا في حديدة ولا في لوح ولا في غيرهما. لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم:«نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه. رواه الإمام مسلم في صحيحه، زاد الترمذي والنسائي بإسناد صحيح: «وأن يكتب عليه»

س: هل يجوز إهداء بعض أعمال الخير إلى الميت

(2)

؟

ج: يجوز إهداء ما ورد به الشرع المطهر من الأعمال. كالصدقة، والدعاء، وقضاء الدين، والحج والعمرة إذا كان المحجوج عنه ميتا أو عاجزا. لكبر سنه، أو مرض لا يرجى برؤه، وهكذا من تؤدى عنه العمرة. لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ما يدل على ذلك، وجاء في الكتاب العزيز ما يدل على شرعية الدعاء للمسلمين أحياء أو أمواتا، مثل قول الله سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

(3)

(1)

ج 4 ص 337

(2)

ج 8 ص 342

(3)

سورة الحشر الآية 10.

ص: 175

ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أن رجلا قال له يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» متفق عليه، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أن رجلا قال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما؟ قال:«نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما» والله ولي التوفيق.

س: ما حكم العادات في العزاء، من الولائم وقراءة القرآن والأربعينيات والسنوات وما شاكل ذلك

(1)

؟

ج: هذه العادات لا أصل لها في الشرع المطهر ولا أساس لها بل هي من البدع ومن أمر الجاهلية فإقامة وليمة إذا مات الميت يدعو إليها الجيران والأقارب وغيرهم لأجل العزاء بدعة لا تجوز، وهكذا إقامة هذه الأمور كل أسبوع أو على رأس السنة كلها من البدع الجاهلية وإنما المشروع لأهل الميت الصبر والاحتساب والقول كما قال الصابرون: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد وعدهم الله خيرا كثيرا فقال سبحانه: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}

(2)

ولا حرج عليهم أن يصنعوا لأنفسهم الطعام العادي لأكلهم وحاجاتهم وهكذا إذا نزل بهم ضيف لا حرج عليهم أن يصنعوا له طعاما يناسبه لعموم الأدلة في ذلك ويشرع لأقاربهم وجيرانهم أن يصنعوا لهم

(1)

ج 9 ص 318

(2)

- سورة البقرة الآية 157.

ص: 176

طعاما يرسلونه إليهم لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما أتى نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قتل في مؤتة في الشام أنه قال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم»

(1)

فدل ذلك على مشروعية إرسال الطعام إلى أهل الميت من أقاربهم أو غيرهم أيام المصيبة.

س: هل من النياحة اجتماع أهل الميت في بيت، واستقبالهم للناس ثلاثة أيام تسهيلا على الأقرباء

(2)

؟

ج: النياحة لا تجوز، لكن إذا جلس في البيت ليعزيه الناس، لا بأس، جلس في بيته في الأوقات المناسبة حتى يزوره أقاربه وغيرهم من المعزين، لا بأس بذلك، لكن لا يحتفلون بالطعام، أهل الميت يذبحون للناس، أو يصنعون طعاما للميت، لا، هذا بدعة لا أصل له، لكن إذا جلس صاحب البيت، في الأوقات المناسبة من المغرب والعشاء، أو الضحى أو غيره ليزوره إخوانه، ويعزوه حتى لا يشق عليهم، أو عزوه في الطريق، أو في المقبرة أو في المسجد كفى ذلك.

س: ما هي‌

‌ طريقة التلقين

؟

(3)

ج: يقال للمحتضر قل: لا إله إلا الله، اذكر ربك يا فلان، وإذا قالها كفى، ولا يضجر المحتضر حتى يثبت على الشهادة، وإذا ذكر الله عنده وقلده المحتضر كفى والحمد لله.

(1)

- رواه الترمذي في الجنائز برقم 919، وأبو داود في الجنائز برقم 2725، وابن ماجه في الجنائز برقم 1599 واللفظ له وأحمد في مسند أهل البيت برقم 1660.

(2)

ج 28 ص 64

(3)

ج 13 ص 93

ص: 177

س: ما حكم قراءة القرآن على الميت، ووضع المصحف على بطنه؟

(1)

ج: ليس لقراءة القرآن على الميت أو على القبر أصل صحيح، بل ذلك غير مشروع، بل من البدع، وهكذا وضع المصحف على بطنه ليس له أصل، وليس بمشروع، وإنما ذكر بعض أهل العلم وضع حديدة أو شيء ثقيل على بطنه بعد الموت حتى لا ينتفخ.

س: هل يشرع‌

‌ توجيه المحتضر للقبلة

(2)

؟

ج: نعم، يستحب ذلك عند أهل العلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«الكعبة قبلتكم أحياء وأمواتاً» (2).

س: ما هي كيفية التوجيه إلى القبلة بالنسبة للمحتضر

(3)

؟

ج: يجعل على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة كما يوضع في اللحد.

س: هل الأولى ب‌

‌تغسيل الرجل زوجته

أو الرجال

(4)

؟

ج: تغسيل المرأة زوجها أمر لا بأس به إذا كانت خبيرة بذلك، وقد غسل علي رضي الله عنه زوجته فاطمة رضي الله عنها، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه.

(1)

ج 13 ص 95

(2)

ج 13 ص 101

(3)

ج 13 ص 101

(4)

ج 13 ص 107

ص: 178

س: ما‌

‌ حكم إقامة دورات لتعليم تغسيل الأموات

(1)

؟

ج: تعليم تغسيل الموتى طيب ومشروع وليس فيه شيء؛ لأن بعض الناس لا يحسن التغسيل، والحاجة ماسة إلى معرفة كيفية تغسيل الميت.

س: هل يبين المغسل بعض العلامات من الخير والشر

(2)

؟

ج: علامات الخير لا بأس بالإخبار عنها، أما الشر فلا؛ لأنها غيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسود أو غير ذلك فلا بأس، لكن الممنوع أن يقول غسلت فلانا ورأيت فيه كذا من علامات الشر؛ لأن ذلك يحزن أهله ويؤذيهم وهو من الغيبة.

س: ما كيفية‌

‌ تكفين الميت

بالنسبة للذكر والأنثى

(3)

؟

ج: السنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض، كما كفن النبي- صلى الله عليه وسلم في ذلك، وإن كفن في ثوب واحد واسع يعمه ويستره كفى، وإن كفن في قميص وإزار ولفافة جاز. أما المرأة فالأفضل تكفينها في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فهذا هو الأفضل كما ذكره أهل العلم، وجاء في ذلك أحاديث تدل عليه، وإن كفنت في أقل من ذلك فلا بأس.

س: يلحظ أن المرأة لا تحضر صلاة الجنازة، والسؤال لفضيلة الشيخ: هل ذلك ممنوع شرعاً

(4)

؟

(1)

ج 13 ص 118

(2)

ج 13 ص 123

(3)

ج 13 ص 127

(4)

ج 13 ص 133

ص: 179

ج: الصلاة على الجنازة مشروعة للرجال والنساء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل: يا رسول الله وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»

(1)

يعني من الأجر. متفق على صحته.

لكن ليس للنساء اتباع الجنائز إلى المقبرة؛ لأنهن منهيات عن ذلك، لما ثبت في الصحيحين عن أم عطية رضي الله عنها قالت:«نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا»

(2)

أما الصلاة على الميت فلم تنه عنها المرأة، سواء كانت الصلاة عليه في المسجد أو في البيت أو في المصلى، وكان النساء يصلين على الجنائز في مسجده صلى الله عليه وسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده. وأما الزيارة للقبور فهي خاصة بالرجال كاتباع الجنائز إلى المقبرة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور، والحكمة في ذلك - والله أعلم - ما يخشى في اتباعهن الجنائز إلى المقبرة وزيارتهن للقبور من الفتنة بهن وعليهن، ولقوله- صلى الله عليه وسلم:«ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»

(3)

متفق على صحته. وبالله التوفيق.

(1)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (8955)، والبخاري في (الجنائز) برقم (1325)، ومسلم في (الجنائز) برقم (945).

(2)

رواه الإمام أحمد في (مسند القبائل) برقم (26758)، والبخاري في (الجنائز) برقم (1287)، ومسلم في (الجنائز) برقم (38).

(3)

رواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار) برقم (21322)، والبخاري في (النكاح) برقم (5096)، ومسلم في (الذكر والدعاء والتوبة) برقم (2740) و (2741).

ص: 180

س: أرجو أن توضحوا كيفية الصلاة على الجنازة كما ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كثيرا من الناس يجهلونها

(1)

؟

ج: صفة الصلاة على الجنازة قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وهي أن يكبر أولا ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسمي ويقرأ الفاتحة وسورة قصيرة أو بعض الآيات، ثم يكبر ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مثلما يصلي عليه في آخر الصلاة، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت، والأفضل أن يقول:«اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم أبدله دارا خيراً من داره وأهلا خيرا من أهله اللهم أدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار وافسح له في قبره ونور له فيه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» كل هذا محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن دعا له بدعوات أخرى فلا بأس مثل أن يقول: «اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم اغفر له وثبته بالقول الثابت» ، ثم يكبر الرابعة ويقف قليلا، ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه قائلا:(السلام عليكم ورحمة الله).

ويسن أن يقف الإمام عند رأس الرجل وعند وسط المرأة؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس وسمرة بن جندب- رضي الله عنهما، وأما قول بعض العلماء: إن السنة الوقوف عند صدر الرجل فهو قول ضعيف ليس عليه

(1)

ج 13 ص 141

ص: 181

دليل فيما نعلم، ويكون الميت حين الصلاة عليه موجها إلى القبلة؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم عن الكعبة:«إنها قبلة المسلمين أحياء وأمواتاً»

(1)

والله ولي التوفيق.

س: ما‌

‌ حكم قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة

(2)

؟

ج: قراءة سورة بعد الفاتحة أفضل كما ثبت ذلك عن النبي- صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

س: هل يجوز أن أصلي على قبر أبي صلاة الجنازة عند زيارته طلباً للرحمة له؟

(3)

ج: إذا كنت قد صليت على أبيك مع الناس فلا حاجة إلى إعادة الصلاة، بل تزوره وتدعو له فقط؛ تأتي المقبرة وتسلم على أهل القبور وتدعو لهم وتدعو لأبيك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»

(4)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية»

(5)

.

فتسلم على أهل القبور وعلى أبيك، وتدعو له بالمغفرة والرحمة، ولا حاجة إلى الصلاة، هذا إذا كنت صليت عليه.

(1)

رواه أبو داود في (الوصايا) باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم برقم (2874).

(2)

ج 13 ص 144

(3)

ج 13 ص 154

(4)

رواه ابن ماجة في (الجنائز) باب ما جاء في زيارة القبور برقم (1569).

(5)

رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور برقم (974).

ص: 182

أما إذا كنت لم تصل عليه مع الناس فإنك تذهب إلى قبره وتصلي عليه في مدة شهر فأقل، إذا كان مضى له شهر أو أقل، أما إذا طالت المدة فلا صلاة عند جمع من أهل العلم، والدعاء يكفي لأبيك والاستغفار له، والترحم عليه، والتصدق عنه بالمال، كل هذا ينفع الميت، من أب وغيره.

س: الجنين هل يصلى عليه

(1)

؟

ج: إذا ولد في الشهر الخامس وما بعده فإنه يغسل ويصلى عليه، ويدفن في قبور المسلمين.

س: ما هي السنة لمن تبع الجنازة

(2)

؟

ج: السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض، وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها، وهذا كله على سبيل الاستحباب، لكن الأفضل ألا ينصرف التابع للجنازة إلا بعد الفراغ من الدفن حتى يستكمل الأجرين، أجر الصلاة، وأجر الاتباع لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من تبع جنازة مسلم فكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد»

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه.

س: وضع العلامة على القبر ما حكمها

(4)

؟

ج: لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف كحجر أو عظم من غير كتابة ولا

(1)

ج 13 ص 164

(2)

ج 13 ص 177

(3)

سبق تخريجه في ص 177.

(4)

ج 13 ص 200

ص: 183

أرقام؛ لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر؛ لأنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم علم على قبر عثمان بن مظعون بعلامة.

س: بعد دفن الميت يقرأ بعض الناس من المصحف سورة (يس) عند القبر، ويضعون غرسا على القبر مثل الصبار، ويزرع سطح القبر بالشعير أو القمح بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع ذلك على قبرين من أصحابه، ما حكم ذلك؟

(1)

ج: لا تشرع قراءة سورة (يس) ولا غيرها من القرآن على القبر بعد الدفن ولا عند الدفن، ولا تشرع القراءة في القبور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون، كما لا يشرع الأذان ولا الإقامة في القبر، بل كل ذلك بدعة، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(2)

خرجه الإمام مسلم في صحيحه.

وهكذا لا يشرع غرس الشجر على القبور، لا الصبار ولا غيره، ولا زرعها بشعير أو حنطة أو غير ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك في القبور ولا خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم. أما ما فعله مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما من غرس الجريدة فهذا خاص به صلى الله عليه وسلم

(1)

ج 13 ص 202

(2)

رواه البخاري معلقاً في (البيوع) باب النجش (4/ 355 ـ الفتح)، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة برقم (1718).

ص: 184

وبالقبرين؛ لأنه لم يفعل ذلك مع غيرهما، وليس للمسلمين أن يحدثوا شيئا من القربات لم يشرعه الله؛ للحديث المذكور، ولقول الله سبحانه:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} الآية

(1)

. وبالله التوفيق.

س: ورد في الحديث الأمر بالدعاء للميت بعد دفنه، فهل هذا الأمر للوجوب أو هو سنة؟ وقد لاحظنا أن الناس تركوا هذه السنة أو هذا الواجب بعد دفن الميت، فما هو توجيه سماحتكم في ذلك

(2)

؟

ج: الدعاء للميت بعد الدفن بالثبات والمغفرة سنة وليس بواجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» والله الموفق.

س: الصدقات على الميت ساعة الدفن وقراءة القرآن بالأجرة حلال أم حرام

(3)

؟

ج: الحمد لله، لا تشرع الصدقة عن الميت حين الموت؛ لأن ذلك لم يرد في الشرع في هذه الحالة الخاصة، والعبادات توقيفية، ولكن إذا تصدق عنه بدون تقيد بساعة الموت فلا بأس، بل ذلك قربة وفيه أجر للمتصدق وللميت؛ لما في الحديث الصحيح أن امرأة توفيت فقال ابنها يا رسول الله ألها أجر إن تصدقت عنها؟ فقال النبي- صلى الله عليه وسلم:(نعم)

(4)

. وقد أجمع أهل العلم على انتفاع الميت بالصدقة والدعاء، وأما القراءة بالأجرة فلا تجوز سواء كانت لحي أو لميت؛ لأن

(1)

سورة الشورى، الآية 21.

(2)

ج 13 ص 205

(3)

ج 13 ص 207

(4)

رواه البخاري في (الجنائز) باب موت الفجأة برقم (1388)، ومسلم في (الزكاة) باب وصول ثواب الصدقة عن الميت برقم (1004).

ص: 185

ذلك لم يرد في الشرع المطهر. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعلم نزاعا بين أهل العلم في تحريم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن.

وفي الحديث الصحيح «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(1)

أي: مردود، وهكذا القراءة للموتى وغيرهم ولو بدون أجرة ليس لها أصل في الشرع يعتمد عليه.

س:‌

‌ هل تصل الأعمال إلى الموتى

(2)

؟

ج: يصل إليهم ما دل الشرع على وصوله إليهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»

(3)

رواه مسلم في صحيحه، ولأحاديث أخرى وردت في ذلك، ومن ذلك: الصدقة، والدعاء، والحج، والعمرة، وما خلفه الميت من نشر العلم.

أما إهداء الصلاة والقراءة إلى الموتى أو الطواف أو صيام التطوع فلا أعلم لذلك أصلا، والمشروع تركه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم في صحيحه.

س: هل إذا ورَّث الميت مصحفا ينال أجرا عند تلاوة أبنائه فيه

(4)

؟

ج: المصحف إذا خلفه الميت فهو ينفعه إذا وقفه- أي جعله وقفا- ينفعه أجره، كما لو وقف كتبا للعلم المفيد؛ علم الشرع، أو علم مباح ينتفع به الناس، فإنه يؤجر

(1)

سبق تخريجه ص 203

(2)

ج 13 ص 249

(3)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (8627)، ومسلم في (الوصية) برقم (1631)، وقد روياه بلفظ:(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة ..... ) إلخ.

(4)

ج 13 ص 281

ص: 186

على ذلك؛ لأنه إعانة على خير، كما لو وقف أرضا أو بيتا أو دكانا يتصدق بغلته على الفقراء، أو تبرع للمساجد، كل هذا يؤجر عليه. وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»

(1)

.

فالصدقات الجارية تنفع الميت إذا كان مسلما، وينفعه دعاء أولاده ودعاء غيرهم، وينفعه الوقف الذي يوقفه بعده في سبيل الخير، من بيت أو أرض أو دكان أو نخيل، أو أشباه ذلك، فينتفع هو بهذا الوقف إذا انتفع به الناس، أكلوا من ثمرته وانتفعوا بثمرته، أو صرفت ثمرته في مساجد المسلمين لإصلاحها في فرشها، أو عمارتها.

س: مات عندنا في البلد رجل وجاء خبر وفاته في النهار ورأينا نساء مسنات من البلد يذهبن إلى بيته وهو مسجى بعد تكفينه وسط النساء وهن حوله فسألناهن لم تذهبن عنده؟ قلن نتبارك به، فما حكم عملهن هذا؟ وهل هو سنة

(2)

؟

ج: هذا العمل لا يجوز، بل هو منكر؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتبرك بالأموات أو قبورهم، ولا أن يدعوهم من دون الله أو يسألهم قضاء حاجة أو شفاء مريض أو نحو ذلك؛ لأن العبادة حق الله وحده، ومنه تطلب البركة، وهو سبحانه الموصوف بالتبارك، كما قال عز وجل في سورة الفرقان:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}

(3)

وقال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}

(4)

ومعنى ذلك أنه

(1)

سبق تخريجه ص 249.

(2)

ج 13 ص 291

(3)

سورة الفرقان، الآية 1.

(4)

سورة الملك، الآية 1.

ص: 187

سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة، أما العبد فهو مبارك - بفتح الراء- إذا هداه الله وأصلحه ونفع به العباد، كما قال-عز وجل عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام:{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ}

(1)

والله ولي التوفيق.

س: أنا أسكن في حي به مقبرة وأسلك كل يوم طريقا بجانبها بل أسلك هذا الطريق في اليوم أكثر من مرة. ماذا يجب علي في هذه الحالة، هل أسلم على الموتى دائما أم ماذا أفعل؟ أرشدوني بارك الله فيكم

(2)

.

ج: زيارة القبور الزيارة الشرعية سنة؛ لما فيها من التذكير بالآخرة وبالموت، ولما فيها من الدعاء للموتى- إذا كانوا مسلمين- بالمغفرة والرحمة والعافية من النار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»

(3)

وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية»

(4)

والأحاديث في الزيارة كثيرة، ويشرع لك كلما مررت على القبور أن تسلم على أصحابها وتدعو لهم بالمغفرة والعافية، وليس ذلك واجبا، وإنما هو مستحب وفيه أجر عظيم، وإن مررت ولم تسلم فلا حرج، وبالله التوفيق.

(1)

سورة مريم، الآيتان 30، 31.

(2)

ج 13 ص 334

(3)

سبق تخريجه ص 285.

(4)

سبق تخريجه ص 292.

ص: 188

س: ما‌

‌ حكم تخصيص يوم الجمعة لزيارة المقابر

(1)

؟

ج: لا أصل لذلك، والمشروع أن تزار القبور في أي وقت تيسر للزائر من ليل أو نهار، أما التخصيص بيوم معين أو ليلة معينة فبدعة لا أصل له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

(2)

متفق على صحته، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها.

س: هل ينهى عن‌

‌ استقبال القبر حال الدعاء للميت

(4)

؟

ج: لا ينهى عنه؛ بل يدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القبر بعد الدفن وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل»

(5)

ولم يقل استقبلوا القبلة فكله جائز سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر، والصحابة رضي الله عنهم دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر.

س: هل تجوز قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن الكريم للميت عند زيارة قبره؟ وهل ينفعه ذلك؟ أفتونا جزاكم الله خيراً

(6)

.

(1)

ج 13 ص 336

(2)

سبق تخريجه ص 307.

(3)

سبق تخريجه ص 307.

(4)

ج 13 ص 338

(5)

سبق تخريجه ص.

(6)

ج 13 ص 340

ص: 189

ج: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزور القبور ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه ونقلوها عنه، من ذلك:«السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية»

(1)

ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة من القرآن الكريم أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم فلو كان ذلك مشروعا لفعله وبينه لأصحابه رغبة في الثواب ورحمة بالأمة وأداء لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

(2)

فلما لم يفعل ذلك مع وجود أسبابه دل على أنه غير مشروع وقد عرف ذلك أصحابه رضي الله عنهم فاقتفوا أثره واكتفوا بالعبرة والدعاء للأموات عند زيارتهم ولم يثبت عنهم أنهم قرءوا قرآنا للأموات فكانت القراءة لهم بدعة محدثة وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

(3)

والله الموفق.

س: نبش القبر الذي في المسجد إذا كان في نبشه فتنة هل ينبش أم يترك

(4)

؟

ج: يجب أن ينبش القبر إذا كان في المسجد، وكان المسجد هو السابق، ويكون ذلك من جهة ولاة الأمور؛ إما المحكمة أو الإمارة حتى لا تكون فتنة. أما إن كان المسجد هو الأخير فالواجب هدمه؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود

(1)

سبق تخريجه ص 292.

(2)

سبق تخريجه ص 128.

(3)

سبق تخريجه ص 307.

(4)

ج 13 ص 360

ص: 190

والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»

(1)

متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم لما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور:«أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله»

(2)

متفق عليه. ومن هذين الحديثين وما جاء في معناهما يعلم أنه لا يجوز أن يصلى في المساجد التي فيها القبور؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله عز وجل.

س: نلاحظ في وقت العزاء أن أغلب الناس عندما يريدون التعزية يقبلون المعزى أو يعانقونه، والبعض ينكر ذلك ويقول: إن التعزية مصافحة فقط، فما رأي سماحتكم في ذلك

(3)

؟

ج: الأفضل في التعزية وعند اللقاء المصافحة إلا إذا كان المعزي أو الملاقي قد قدم من سفر فيشرع مع المصافحة المعانقة؛ لقول أنس رضي الله عنه: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا» والله ولي التوفيق.

س: هل يعتبر تخصيص أيام ثلاثة للعزاء لأهل الميت من الأمور المبتدعة، وهل هناك عزاء للطفل والعجوز والمريض الذي لا يرجى شفاؤه بعد موتهم

(4)

؟

(1)

سبق تخريجه ص 293.

(2)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (23731)، والبخاري في (الجنائز) برقم (1341)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (528).

(3)

ج 13 ص 374

(4)

ج 13 ص 379

ص: 191

ج: التعزية سنة؛ لما فيها من جبر المصاب والدعاء له بالخير، ولا فرق في ذلك بين كون الميت صغيراً أو كبيراً، وليس فيها لفظ مخصوص بل يعزي المسلم أخاه بما تيسر من الألفاظ المناسبة مثل أن يقول:(أحسن الله عزاءك وجبر مصيبتك وغفر لميتك) إذا كان الميت مسلماً. أما إذا كان الميت كافراً فلا يدعى له وإنما يعزى أقاربه المسلمون بنحو الكلمات المذكورة، وليس لها وقت مخصوص ولا أيام مخصوصة، بل هي مشروعة من حين موت الميت، قبل الصلاة وبعدها، وقبل الدفن وبعده، والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت؛ لعدم الدليل على التحديد.

س: في بعض البلدان إذا مات الميت يجتمعون في بيت الميت ثلاثة أيام يصلون ويدعون له، فما حكم هذا

(1)

؟

ج: الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة، وهكذا الصلاة في البيت لا تجوز، بل على الرجال الصلاة في المسجد مع الجماعة، وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء لهم والترحم على ميتهم. أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم بقراءة خاصة أو أدعية خاصة أو غير ذلك فذلك بدعة، ولو كان هذا خيراً لسبقنا إليه سلفنا الصالح، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله، فقد قُتِلَ جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة رضي الله عنهم في معركة مؤتة فجاءه الخبر عليه الصلاة والسلام من الوحي بذلك، فنعاهم للصحابة وأخبرهم بموتهم وترضى عنهم ودعا لهم ولم يتخذ لهم مأتما، وكذلك الصحابة من بعده لم يفعلوا شيئا من ذلك، فقد مات الصديق رضي الله عنه ولم يتخذوا له مأتماً، وقتل

(1)

ج 13 ص 383

ص: 192

عمر رضي الله عنه وما جعلوا له مأتماً، ولا جمعوا الناس ليقرءوا القرآن، وقتل عثمان بعد ذلك، وعلي رضي الله عنهما، فما فعل الصحابة رضي الله عنهم لهما شيئا من ذلك، وإنما السنة أن يصنع الطعام لأهل الميت من أقاربهم أو جيرانهم فيبعث إليهم، مثلما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم حينما جاءه نعي جعفر فقال لأهله:«اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم»

(1)

أخرجه الخمسة إلا النسائي، هذا هو المشروع، أما أن يحملوا بلاء مع بلائهم، ويكلفوا ليضعوا طعاماً للناس فهو خلاف السنة، وهو بدعة؛ لما ذكرنا آنفا، ولقول جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه:(كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة)

(2)

أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح. والنياحة هي: رفع الصوت بالبكاء وهي محرمة، والميت يعذب في قبره بما يناح عليه، كما صحت به السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيجب الحذر من ذلك. أما البكاء فلا بأس به إذا كان بدمع العين فقط بدون نياحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم:«إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»

(3)

.

(1)

رواه الإمام أحمد في (مسند أهل البيت) برقم (1754)، والترمذي في (الجنائز) برقم (998)، وأبو داود في (الجنائز) برقم (3132) وابن ماجة في (الجنائز) برقم (1610).

(2)

رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) برقم (6866)، وابن ماجة في (ما جاء في

الجنائز) برقم (1612).

(3)

رواه البخاري في (الجنائز) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنا بك لمحزونون» برقم (1310) واللفظ له، ومسلم في (الفضائل) باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال برقم (2315).

ص: 193

س: إني قلت لأخي: إذا توفيت لا تبكوا عليَّ، ولا تذيعوا بالميكرفون، وأنا أخاف أن يفعلوا ذلك، فما توجيهكم لهم جزاكم الله خيراً

(1)

؟

ج: الواجب على المسلمين في هذه الأمور الصبر والاحتساب، وعدم النياحة، وعدم شق الثوب، ولطم الخد، ونحو ذلك؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»

(2)

ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة»

(3)

وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب»

(4)

رواه مسلم في الصحيح.

والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت. وقال صلى الله عليه وسلم «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة» .

والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، أو تنتفه.

والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة. والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، وكل هذا من الجزع، فلا يجوز للمرأة ولا للرجل فعل شيء من ذلك. والواجب على أهلك أيتها السائلة أن يقبلوا هذه الوصية، ويحذروا من النياحة

(1)

ج 13 ص 413

(2)

رواه البخاري في (الجنائز) برقم (1212) واللفظ له، ورواه مسلم في (الإيمان) برقم (148).

(3)

رواه مسلم في (الجنائز) برقم (943).

(4)

رواه البخاري معلقاً في (الجنائز) باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة (3/ 165 ـ فتح)، ومسلم في (الإيمان) برقم (104).

ص: 194

عليك؛ لأن النياحة تضرهم وتضر الميت، كما في الحديث الصحيح:«الميت يعذب في قبره بما نيح عليه»

(1)

فلا يجوز لهم النياحة على الميت.

أما البكاء بدمع العين، وحزن القلب فلا حرج فيه، إنما الممنوع رفع الصوت بالصياح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم:«إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»

(2)

وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحم»

(3)

.

س: ما هو شرح حديث «اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت»

(4)

وما معنى الكفر في هذا الحديث؟

(5)

ج: هذا حديث صحيح رواه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه.

والطعن في النسب: هو التنقيص لأنساب الناس وعيبها على قصد الاحتقار لهم والذم، أما إن كان من باب الخبر، فلان من بني تميم ومن أوصافهم كذا، ومن قحطان، أو من قريش، أو من بني هاشم، يخبر عن أوصافهم من غير طعن في أنسابهم فذلك ليس من الطعن في الأنساب.

والنياحة هي: رفع الصوت بالبكاء على الميت، وهي محرمة، والمراد بالكفر هنا: كفر دون كفر، وليس هو الكفر المطلق المعرف بأداة التعريف: كقوله عليه الصلاة

(1)

رواه البخاري في (الجنائز) برقم (1210)، ومسلم في (الجنائز) برقم (1537).

(2)

سبق تخريجه ص 385.

(3)

رواه البخاري في (الجنائز) برقم (1221)، ومسلم في (الجنائز) برقم (1532).

(4)

- أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة برقم 100.

(5)

- ج 25 ص 100

ص: 195

والسلام: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»

(1)

أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا هو الكفر الأكبر في أصح قولي العلماء، والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان.

وهكذا الشرك شركان: أكبر وأصغر، فالشرك الأكبر مثل: دعاء الأموات، والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو للأصنام والأشجار والأحجار والكواكب، والشرك الأصغر مثل: لولا الله وفلان، وما شاء الله وشاء فلان، والواجب أن يقول: لولا الله ثم فلان وما شاء الله ثم شاء فلان.

وكذا الحلف بغير الله كالحلف بالنبي، أو حياة فلان، أو بالأمانة فهذا من الشرك الأصغر.

وهكذا الرياء مثل كونه يستغفر الله ليسمع الناس، أو يقرأ ليرائي الناس فهو شرك أصغر.

والظلم ظلمان: أكبر وهو الشرك بالله كقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}

(2)

وكقوله سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}

(3)

.

أما الظلم الأصغر: فهو مثل ظلم الناس في دمائهم وأموالهم، وظلم العبد نفسه بالمعاصي: كالزنا وشرب المسكر ونحوها، نعوذ بالله من ذلك.

(1)

- رواه مسلم في الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، برقم 117.

(2)

- سورة البقرة الآية 254.

(3)

- سورة الأنعام الآية 82.

ص: 196

‌فتاوى الزكاة

ص: 197

س: لماذا لا يهتم الناس الآن بالزكاة، ويعطونها حقها، كباقي أركان الإسلام الخمسة؟

(1)

ج: الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يهتما بصلاتهما وزكاتهما في جميع الأحوال، وان يحذر كل منهما التساهل في ذلك؛ لقول الله سبحانه:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}

(2)

، وقوله عز وجل:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}

(3)

، وقال سبحانه:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}

(4)

، وقال عز وجل:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}

(5)

.

وحكم جميع الأموال التي تجب فيها الزكاة حكم الذهب والفضة، فالواجب على جميع المسلمين الذين لديهم أموال تجب فيها الزكاة أن يتقوا الله وأن يؤدوا زكاتها، وأن يصرفوها في أهلها المستحقين لها، وأن يحذروا التشبه بمن بخل بها أو تساهل بشأنها. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 14 ص 28

(2)

سورة النور، الآية 56

(3)

سورة البينة، الآية 5

(4)

سورة مريم، الآية 59

(5)

سورة التوبة، الآيتان 34، 35

ص: 199

س: رجل يعتمد في دخله على المرتب الشهري، فيصرف بعضه ويوفر البعض الآخر، فكيف يخرج زكاة هذا المال؟

(1)

ج: عليه أن يضبط بالكتابة ما يدخره من مرتباته، ثم يزكيه إذا حال عليه الحول، كل وافر شهري يزكى إذا حال عليه الحول، وإن زكى الجميع تبعاً للشهر الأول فلا بأس به وله أجر ذلك، وتعتبر الزكاة معجلة عن الوفر الذي لم يحل عليه الحول، ولا مانع من تعجيل الزكاة إذا رأى المزكي المصلحة في ذلك، أما تأخيرها بعد تمام الحول فلا يجوز إلا لعذر شرعي، كغيبة المال أو غيبة الفقراء.

س: لي دين عند أحد الإخوة، هل يلزمني زكاته، أو أن هناك وقتاً محدداً لذلك؟

(2)

ج: إذا كان الدين الذي لك على موسرين باذلين متى طلبته أعطوك حقك، فعليك أن تزكيه كلما حال عليه الحول، كأنه عندك وهو عندهم كالأمانة، أما إن كان من عليه الدين معسراً لا يستطيع أداءه لك، أو كان غير معسر لكنه يماطلك ولا تستطيع أخذه منه، فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يلزمك أداء الزكاة عنه حتى تقبضه من هذا المماطل أو المعسر فإذا قبضته استقبلت به حولاً وأديت الزكاة بعد تمام الحول من قبضك له، وإن أديت الزكاة عن سنة واحدة من السنوات السابقة التي عند المعسر أو المماطل فلا بأس، قال هذا بعض أهل العلم، ولكن لا يلزمك إلا في المستقبل متى قبضت المال من المعسر أو المماطل واستقبلت به حولاً ودار عليه الحول لزمك الزكاة هذا هو المختار.

(1)

ج 14 ص 36

(2)

ج 14 ص 43

ص: 200

س: بالنسبة لإخراج الزكاة إذا كان على المزكي ديون أكثر مما لديه، فهل يخرج على الموجود زكاة أم لا؟

(1)

ج: يجب على من لديه مال زكوي أن يؤدي زكاته إذا حال عليه الحول ولو كان عليه دين في أصح قولي العلماء؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة على من لديه مال تجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول ولو كان عليه دين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر عماله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة، ولم يأمرهم أن يسألوهم هل عليهم دين أم لا؟ ولو كان الدين يمنع لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عماله أن يستفسروا من أهل الزكاة هل عليهم دين. والله ولي التوفيق.

س: هل زكاة مال القرض الحسن على المقرض أم على المقترض؟

(2)

ج: إذا أقرضت مالاً وهو عند مليء فعليك زكاته، وإن كان على معسر فلا زكاة فيه، والمقترض يختلف، فإن كنت قد أعطيت إنساناً مليئاً مائة ألف ريال أو مائتي ألف أو أكثر أو أقل، وهو مليء غير مماطل بك متى طلبته أعطاك مالك، فهذا المال عليك زكاته وهو يزكي ما عنده من المال إذا كان المال عنده حتى حال عليه الحول، وإن كان قد أنفقه في وجوه أخرى فلا شيء عليه، أما أنت فتزكي المال الذي أقرضته إياه؛ لأنه مال مملوك لك عند مليء باذل فتزكيه أنت، أما إن كان عند معسر أو عند مماطل فليس عليك فيه زكاة كما سبق.

(1)

ج 14 ص 50

(2)

ج 14 ص 53

ص: 201

س: رجل عنده مائة من الإبل لكن أغلب السنة يعلفها فهل فيها زكاة؟

(1)

ج: إذا كانت الماشية من الإبل أو البقر أو الغنم ليست سائمة جميع الحول أو أكثره فإنها لا تجب فيها الزكاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرط في وجوب الزكاة فيها أن تكون سائمة، فإذا أعلفها صاحبها غالب الحول أو نصف الحول فلا زكاة فيها إلا أن تكون للتجارة فإنها تجب فيها زكاة التجارة، وتكون بذلك من عروض التجارة كالأراضي المعدة للبيع والسيارات ونحوها، إذا بلغت قيمة الموجود منها نصاب الذهب والفضة كما تقدم.

س: يوجد عند أمي تسع حبات غوائش من الذهب، وقلادة صغيرة، وعدد من الخواتم، وهي معدة للاستعمال، فهل عليها زكاة؟ وهل يجوز أن أؤدي الزكاة عن أمي من مالي

(2)

؟

ج: إذا بلغت الغوائش المذكورة والقلادة والخواتم نصاب الزكاة، وهو عشرون مثقالاً، ومقداره بالجنيه السعودي أحد عشر جنيهاً ونصف، ومقداره بالجرام اثنان وتسعون غراماً، فإن عليها الزكاة في أصح قولي العلماء -؛ لعموم الأدلة الشرعية، ولا يجب إخراجها منها، بل لا مانع من إخراج الزكاة عنها من غيرها.

ولا بأس أن تخرج الزكاة من مالك عن أمك - إذا أذنت لك في ذلك - وهي ربع العشر، ومقدار ذلك خمسة وعشرون من الألف، وخمسون من الألفين، وهكذا كلما زاد المال زاد الواجب. وأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(1)

ج 14 ص 57

(2)

ج 14 ص 117

ص: 202

س: إذا كان الإنسان يجمع مالاً يريد أن يتزوج به، فهل يعفى من الزكاة

(1)

؟

ج: لا تسقط عنه الزكاة بنية الزواج، وهكذا من جمع المال ليوفي به ديناً، أو يشتري به عقاراً ليوقفه، أو عبداً ليعتقه، بل على الجميع أداء الزكاة إذا حال الحول على المال المجموع؛ لأن الله سبحانه أوجب الزكاة، ولم يجعل مثل هذه المقاصد مسقطاً لها.

والزكاة تزيد المال ولا تنقصه، وتزكيه وتزكي صاحبه، كما قال الله سبحانه:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}

(2)

، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما نقصت صدقة من مال»

(3)

.

وفق الله الجميع لما فيه رضاه، وبراءة الذمة من حقه وحق عباده؛ إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه.

س: كثير من الناس يتعامل مع البنوك، وقد يدخل في هذه المعاملات معاملات محرمة؛ كالربا مثلاً، فهل في هذه الأموال زكاة؟ وكيف تخرج؟

(4)

ج: يحرم التعامل بالربا مع البنوك وغيرها، وجميع الفوائد الناتجة عن الربا كلها محرمة، وليست مالاً لصاحبها، بل يجب صرفها في وجوه الخير، إذا كان قبضها وهو يعلم

(1)

ج 14 ص 126

(2)

سورة التوبة، الآية 103.

(3)

رواه مسلم في (البر والصلة والآداب)، باب (استحباب العفو والتواضع)، برقم:2588.

(4)

ج 14 ص 153.

ص: 203

حكم الله في ذلك، أما إن كان لم يقبضها فليس له إلا رأس ماله؛ لقول الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}

(1)

.

أما إن كان قبضها قبل أن يعرف حكم الله في ذلك فهي له، ولا يجب عليه إخراجها من ماله؛ لقول الله عز وجل:{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

(2)

.

وعليه زكاة أمواله التي ليست من أرباح الربا؛ كسائر أمواله التي يجب فيها الزكاة، ويدخل في ذلك ما دخل عليه من أرباح الربا قبل العلم، فإنها من جملة ماله؛ للآية المذكورة. والله ولي التوفيق.

س: لدي بيت أسكنه، ولدي أرض، أحياناً أفكر في بيعها وأحياناً أفكر في بنائها مسكن لي، فهل فيها زكاة؟ وأرجو يا سماحة الشيخ إعطائي تفصيلاً عن‌

‌ زكاة الأراضي

بشكل عام - جزاكم الله خيراً

(3)

.

ج: لا زكاة في الأرض ولا في غيرها من العروض، إلا إذا عزم مالكها على إعدادها للبيع، فإنه يزكي قيمتها إذا حال عليها الحول وهي نصاب، أما إذا كان المالك متردداً هل يبيعها أو لا يبيعها، فإنه لا زكاة فيها حتى يجزم بنية البيع ويحول

(1)

ج 14 ص 153

(2)

سورة البقرة، الآيتان 278، 279.

(3)

سورة البقرة، الآية 275.

(4)

ج 14 ص 166

ص: 204

عليها الحول بعد ذلك وهي نصاب فأكثر؛ لما روى أبو داود وغيره عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع»

(1)

، وله شاهد من حديث أبي ذر رضي الله عنه وهو قول جمهور أهل العلم، وحكاه بعضهم إجماعاً. أما إن كان العقار من بيت أو حانوت أو أرض معداً للإجارة، فإن الزكاة لا تجب في أصله، وإنما تجب في الأجرة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في النقدين، أو ما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية إذا حال عليها الحول. والله ولي التوفيق.

س: رجل لديه محلات تجارية بها أنواع عديدة من البضائع، كالأقمشة والأحذية والعطورات، فكيف يؤدي زكاتها؟

(2)

ج: على كل من لديه سلع للبيع سواء كانت أقمشة أو غيرها - أن يزكي قيمتها، إذا حال عليها الحول مع النقود التي عنده؛ لما أخرج أبو داود رحمه الله بإسناد حسن، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:«أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع»

(3)

، ولأدلة أخرى ذكرها أهل العلم في باب زكاة العروض.

س: سائل يقول: ما هي‌

‌ زكاة مساهمة الأراضي

؟ ويقول: إنه وضع ألف ريال، وبعد خمس سنوات صارت خمسة آلاف ريال.

(4)

(1)

سبق تخريجه.

(2)

ج 14 ص 184.

(3)

سبق تخريجه في ص 160

(4)

ج 14 ص 189.

ص: 205

ج: إذا وضع الإنسان دراهم مساهمة في أراضي أو نحوها للبيع، فإنه يزكيها كل سنة حسب قيمتها حسب قيمة الأرض أو غيرها من السلع كل سنة تُقَوَّم ويزكي هو وأصحابه الشركاء، كل يزكي حصته، فإذا بيعت زكى السنوات الماضية، بحيث يحسب زكاتها ويخرجها بعد ذلك.

ولكن لا يلزمه أن يزكيها حسب السنة الأخيرة، وإنما كل سنة بحسابها؛ السنة الأولى على قدر قيمتها، والسنة الثانية على قدر قيمتها، وهكذا؛ لأن القيمة تختلف، بحيث تكون في أول الأمر رخيصة، ثم تزيد قيمتها أو العكس، فيلزمه أن يزكي القيمة في كل سنة بحسبها، وهي ربع العشر من القيمة. والله ولي التوفيق.

س: أملك عدداً من الأسهم في بعض الشركات السعودية المساهمة، وأسأل عن كيفية إخراج زكاتها؟ هل هو حسب قيمتها الحالية في السوق، أم على الأرباح السنوية؛ لأنني لم أنو بيعها؟ أفتونا مأجورين.

(1)

ج: إذا كانت الأسهم للاستثمار لا للبيع، فالواجب تزكية أرباحها من النقود إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب، أما إذا كانت الأسهم للبيع، فإنها تزكى مع ربحها كلما حال الحول على الأصل حسب قيمتها حين تمام الحول سواء كانت أرضاً أو سيارات أو غيرهما من العروض. وفق الله الجميع.

(1)

ج 14 ص 191

ص: 206

س: هل يصح أن يحتفظ بالزكاة من أجل إعطائها لأحد الفقراء الذين لم يتصل بهم بعد؟

(1)

ج: إذا كانت المدة يسيرة غير طويلة فلا بأس أن يحتفظ بالزكاة حتى يعطيها بعض الفقراء من أقاربه أو من هم أشد فقراً وحاجة لكن لا تكون المدة طويلة، وإنما تكون أياماً غير كثيرة. هذا بالنسبة لزكاة المال.

أما زكاة الفطر فلا تؤجل، بل يجب أن تقدم على صلاة العيد، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وتخرج قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة، لا بأس، ولا تؤجل بعد الصلاة.

س: ما نصيحتكم لرجل لا يؤدي الزكاة، لعل قلبه يلين فيرجع إلى الحق؟

(2)

ج: نصيحتي لمن بخل بها أن يتقي الله وأن يتذكر أن الذي أعطاه إياها قد ابتلاه بها، الذي أعطاه المال قد ابتلاه به، فإن شكر النعمة وأدى حقها أفلح وإن بخل بالزكاة ولم يؤد حق هذه النعمة خسر وخاب وذاق عذاب وجزاء ذلك في قبره ويوم القيامة نسأل الله العافية.

فالمال زائل وأمره خطير وعواقبه وخيمة لمن بخل ولم يؤد زكاته، وسوف يدعه لمن بعده ويكون عليه حسابه ووزره، فالواجب على كل مسلم عنده مال أن يتقي الله ويتذكر الموقف بين يدي الله، وانه سبحانه يجازي كل عامل بعمله وأن هذا المال بلية، كما قال عز وجل: «{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}

(3)

، وقال سبحانه:

(1)

ج 14 ص 222

(2)

ج 14 ص 237

(3)

سورة التغابن، الآية 15

ص: 207

{وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}

(1)

، فالمال ابتلاء وامتحان، فإن شكرت الله وأديت حقه وصرفته في وجوهه أفلحت كل الفلاح، وصار نعمة في حقك، ونعم الصاحب للمؤمن هذا المال، يصل به رحمه، ويؤدي به الحقوق التي عليه، ويساهم في المشاريع الخيرية، وينفع المستضعفين ويواسيهم، فهو نعمة بحقه عظيمة، وإذا بخل به فهو بليَّة عليه عظيمة، وعاقبته وخيمة فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من كل سوء.

س: توفي رجل وخلف أموالاً وأيتاماً، فهل في هذه الأموال زكاة؟ وإن كان كذلك فمن يخرجها؟

(2)

ج: تجب الزكاة في أموال اليتامى من النقود والعروض المعدة للتجارة وفي بهيمة الأنعام السائمة وفي الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة؛ وعلى ولي الأيتام أن يخرجها في وقتها، فإن لم يكن لهم من جهة والدهم المتوفى وجب رفع الأمر إلى المحكمة؛ حتى تعين لهم ولياً يتولى شئونهم وشئون أموالهم وعليه في ذلك تقوى الله والعمل بما فيه صلاحهم وصلاح أموالهم؛ لقول الله سبحانه:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}

(3)

، وقوله سبحانه:{وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}

(4)

، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ويعتبر الحول في أموالهم من حين مات والدهم؛ لأنها بموته دخلت في ملكهم. والله ولي التوفيق.

(1)

سورة الأنبياء، الآية 35

(2)

ج 14 ص 240

(3)

سورة البقرة، الآية 220

(4)

سورة الأنعام، الآية 152

ص: 208

س: إذا كان لك دين عند مريض أو فقير معسر فهل لك أن تسقطه عنه من الزكاة؟

(1)

ج: لا يجوز ذلك؛ لأن الواجب إنظار المعسر حتى يسهل الله له الوفاء، ولأن الزكاة إيتاء وإعطاء، كما قال الله سبحانه:{وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}

(2)

وإسقاط الدين عن المعسر ليس إيتاء ولا إعطاء، وإنما هو إبراء، ولأنه يقصد من ذلك وقاية المال لا مواساة الفقير.

لكن يجوز أن تعطيه من الزكاة من أجل فقره وحاجته، أو من أجل غرمه، وإذا رد عليك ذلك أو بعضه من الدين الذي عليه فلا بأس إذا لم يكن ذلك عن مواطأة بينك وبينه ولا شرط، وإنما هو فعل ذلك من نفسه. وفق الله الجميع للفقه في الدين والثبات عليه.

س: ما حكم صرف زكاة المال لبناء مسجد يوشك على الانتهاء، وقد توقف بناؤه؟

(3)

ج: المعروف عند العلماء كافة، وهو رأي الجمهور والأكثرين، وهو كالإجماع من علماء السلف الصالح الأولين أن الزكاة لا تصرف في عمارة المساجد وشراء الكتب ونحو ذلك، وإنما تصرف في الأصناف الثمانية الذين ورد ذكرهم في الآية في سورة التوبة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل.

وفي سبيل الله تختص بالجهاد. هذا هو المعروف عند أهل العلم وليس من ذلك صرفه في تعمير المساجد، ولا في تعمير المدارس، ولا الطرق ولا نحو ذلك. والله ولي التوفيق

(1)

ج 14 ص 280

(2)

سورة البقرة، الآية 43

(3)

ج 14 ص 294

ص: 209

س: هل يجوز دفع الزكاة إلى القريب، كالأخ والعم والعمة والخال والخالة ونحوهم؟

(1)

ج: إذا كانوا فقراء فلا بأس بدفع الزكاة إليهم، بل الصدقة فيهم أفضل من غيرهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة»

(2)

.

أما إذا كان الأقارب من آبائه، وأمهاته، وأجداده، وجداته، وأولاده، وأولاد أولاده، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً فلا يدفع الزكاة إليهم، بل يجب أن يواسيهم من ماله وينفق عليهم حسب الطاقة.

س: هل يصح لي إخراج زكاة المال أو زكاة الفطر إلى إخواني وأخواتي القاصرين الذين تقوم على تربيتهم والدتي بعد وفاة والدنا رحمه الله؟ وهل يصح دفع هذه الزكاة إلى إخواني غير القاصرين ولكني أشعر أنهم محتاجون إليها ربما أكثر من غيرهم من الناس أدفع لهم هذه الزكاة؟

(3)

ج: إن دفع الزكاة إلى الأقارب الذين هم من أهلها أفضل من دفعها إلى من هم ليسوا من قرابتك؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة إلا إذا كان هؤلاء الأقارب ممن تلزمك نفقتهم، وأعطيتهم من الزكاة ما تحمي به مالك من الإنفاق فإن هذا لا يجوز، فإن قدر أن هؤلاء الإخوة الذين ذكرت والأخوات فقراء، وان مالك لا يتسع عليهم للإنفاق عليهم فلا حرج عليك أن تعطيهم من زكاتك. وكذلك لو كان هؤلاء الإخوة والأخوات عليهم ديون للناس وقضيت دينهم من

(1)

ج 14 ص 302

(2)

سبق تخريجه

(3)

ج 14 ص 310

ص: 210

زكاتك، فإنه لا حرج عليك في هذا أيضاً؛ وذلك لأن الديون لا يلزم القريب أن يقضيها عن قريبه فيكون قضاؤه من زكاته أمراً مجزياً حتى ولو كان ابنك أو أباك وعليه دين لأحد ولا يستطيع وفاءه فإنه يجوز لك أن تقضيه من زكاتك، أي يجوز أن تقضي دين أبيك من زكاتك، ويجوز أن تقضي دين ولدك من زكاتك بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة عليك فإن كان سببه تحصيل نفقة واجبة عليك فإنه لا يحل لك أن تقضي الدين من زكاتك؛ لئلا يتخذ ذلك حيلة على منع الإنفاق على من تجب نفقتهم عليه لأجل أن يستدين ثم يقضي ديونهم من زكاته. والله أعلم.

س: هل يجوز دفع زكاة المال للأشراف من بني هاشم؟

(1)

ج: كل من عرف أنه من بني هاشم لا يجوز أن تدفع إليه الزكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد»

(2)

، ولأحاديث أخرى وردت في ذلك ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وآل محمد هم بنو هاشم، ويدخل فيهم ذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سواء كانوا من ذرية الحسن أو الحسين أو غيرهما.

س: ما حكم الدين في التسول؟

(3)

(1)

ج 14 ص 311

(2)

رواه الإمام أحمد في (مسند الشاميين) حديث عبد المطلب بن ربيعة برقم (17064)، ومسلم في (الزكاة) باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة برقم (1073)

(3)

ج 14 ص 319

ص: 211

ج: التسول لا يجوز إلا في أحوال ثلاث قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة فقال ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش» ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكله صاحبه سحتاً»

(1)

. فهذا الحديث: قد أوضح فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنواع المسألة المباحة، وان ما سواها محرم، فمن كان عنده ما يسد حاجته من راتب وظيفة أو تجارة أو غلة وقف أو عقار أو كسب يدوي من نجارة أو حدادة أو زراعة أو نحو ذلك حرمت عليه المسألة.

أما من اضطر إليها فلا حرج عليه أن يسال بقدر الحاجة، وهكذا من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين أو النفقة على أهله وأولاده، فلا حرج عليه أن يسأل لسد الغرامة. والله ولي التوفيق.

س: ما حكم صدقة الفطر، وهل يلزم فيها النصاب؟ وهل الأنواع التي تخرج محددة؟ وإن كانت كذلك فما هي؟ وهل تلزم الرجل عن أهل بيته بما فيهم الزوجة والخادم؟

(2)

(1)

رواه الإمام أحمد في (مسند البصريين) حديث قبيصة بن مخارق برقم (20078)، ومسلم في (الزكاة) باب من تحل له المسألة برقم (1044)

(2)

ج 14 ص 197

ص: 212

ج: زكاة الفطر فرض على كل مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو عبد؛ لما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على الذكر والأنثى والصغير والكبير والحر والعبد من المسلمين. وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة»

(1)

. متفق على صحته.

وليس لها نصاب بل يجب على المسلم إخراجها عن نفسه وأهل بيته من أولاده وزوجاته ومماليكه إذا فضلت عن قوته وقوتهم يومه وليلته.

أما الخادم المستأجر فزكاته على نفسه إلا أن يتبرع بها المستأجر أو تشترط عليه، أما الخادم المملوك فزكاته على سيده، كما تقدم في الحديث.

والواجب إخراجها من قوت البلد، سواء كان تمراً أو شعيراً أو براً أو ذرة أو غير ذلك، في أصح قولي العلماء؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط في ذلك نوعاً معيناً، ولأنها مواساة، وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته.

(1)

رواه البخاري في (الزكاة) باب فرض صدقة الفطر برقم 1503

ص: 213

‌فتاوى الصيام

ص: 215

س: ما حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان بل ربما صام ولم يصل

(1)

؟

ج: كل من حُكِمَ بكفره بطلت أعماله قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(2)

وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}

(3)

.

وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يكفر كفرا أكبر إذا كان مقرا بالوجوب ولكنه يكون كافرا كفرا أصغر ويكون عمله هذا أقبح وأشنع من عمل الزاني والسارق ونحو ذلك، ومع هذا يصح صيامه، وحجه عندهم إذا أداها على وجه شرعي ولكن تكون جريمته عدم المحافظة على الصلاة وهو على خطر عظيم من وقوعه في الشرك الأكبر عند جمع من أهل العلم، وحكى بعضهم قول الأكثرين أنه لا يكفر الكفر الأكبر إن تركها تكاسلا وتهاونا وإنما يكون بذلك قد أتى كفرا أصغر، وجريمة عظيمة، ومنكرا شنيعا أعظم من الزنا والسرقة والعقوق وأعظم من شرب الخمر نسأل الله السلامة ولكن الصواب والصحيح من قولي العلماء أنه يكفر كفرا أكبر نسأل الله العافية، لما تقدم من الأدلة الشرعية فمن صام وهو لم يصل فلا صيام له ولا حج له.

س: شهر رمضان هل هو من خصائص هذه الأمة أم هو عند الأمم السابقة؟

(4)

ج: يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

(5)

دلت هذه الآية الكريمة على أن الصيام عبادة

(1)

ج 9 ص 280

(2)

- سورة الأنعام الآية 88.

(3)

- سورة المائدة الآية 5.

(4)

ج 15 ص 7

(5)

سورة البقرة، الآية 183

ص: 217

قديمة فرضت على من قبلنا كما فرضت علينا ولكن هم متقيدون بالصيام في رمضان أم في غيره؟ هذا لا أعلم له نصاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما فضائل رمضان وخصائصه فكثيرة ومنها ما رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم تعطها أمة قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، وتصفد فيه مردة الجن فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويزين الله كل يوم جنته فيقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة والأذى ويصيروا إليك، ويغفر لهم في آخر ليلة» قيل: أهي ليلة القدر؟ قال: «لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله»

(1)

.

فهذه الخصال بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها من خصائص هذه الأمة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:«من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»

(2)

متفق على صحته.

وقال عليه الصلاة والسلام: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»

(3)

متفق عليه. «وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأخيرة من رمضان شد مئزره وأيقظ أهله»

(4)

متفق عليه.

(1)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) مسند أبي هريرة برقم 7857

(2)

رواه البخاري في (صلاة التراويح) باب فضل ليلة القدر برقم 2014، ومسلم في (صلاة المسافرين) وقصرها باب الترغيب في قيام رمضان برقم 760.

(3)

رواه البخاري في (صلاة التراويح 9 باب تحري ليلة القدر برقم 2017، 2020، ومسلم في (الصيام) باب فضل ليلة القدر برقم 1169.

(4)

رواه البخاري في (صلاة التراويح 9 باب العمل في العشر الأواخر من رمضان برقم 2024.

ص: 218

س: يحصل كل عام بلبلة حول شهر رمضان المبارك دخولاً وخروجاً، فتختلف بلاد المسلمين ما بين متقدم وبين متأخر، ما الحل لهذه المشكلة؟

(1)

ج: الأمر واسع بحمد الله، فلكل أهل بلد رؤيتهم كما ثبت ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما لما قدم عليه كريب من الشام في المدينة سأله ابن عباس بم صام معاوية رضي الله عنه وأهل الشام فقال له كريب: قد رآه الناس بالجمعة وصام معاوية وصام الناس، فقال ابن عباس:«نحن رأيناه يوم السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه»

(2)

فرأى أن الشام بعيد وأنه لا تلزم أهل المدينة رؤية الشام، وبهذا قال جماعة من أهل العلم ورأوا أن لكل بلد رؤيتهم، فإذا ثبتت في المملكة العربية السعودية مثلاً وصام برؤيته أهل الشام ومصر وغيرهم فحسن؛ لعموم الأحاديث، وإن لم يصوموا وتراءوا الهلال وصاموا برؤيتهم فلا بأس، وقد صدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بأن لكل أهل بلد رؤيتهم؛ لحديث ابن عباس المذكور وما جاء في معناه.

س: من الذي لا صوم عليه؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً

(3)

.

ج: المجنون، وفاقد العقل، والصبي، والصبية قبل البلوغ، أما الحائض والنفساء فيجب عليهما الصوم، ولكن لا يجوز لهما الصوم في رمضان وغيره حال الحيض والنفاس، وعليهما القضاء لما أفطرا من أيام رمضان، أما المريض والمسافر

(1)

ج 15 ص 84

(2)

سبق تخريجه

(3)

ج 15 ص 175

ص: 219

فيجوز لهما الصوم والفطر في رمضان، والفطر أفضل، وعليهما القضاء إذا أفطرا في رمضان؛ لقول الله سبحانه:{وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

(1)

، لكن إذا كان المريض لا يرجى برؤه بشهادة الأطباء الثقات فلا يلزمه الصوم ولا القضاء، وعليه أن يطعم مسكيناً عن كل يوم، وهو نصف صاع بالصاع النبوي من قوت البلد ومقداره كيلو ونصف تقريباً، وهكذا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذان لا يستطيعان الصوم يطعمان عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد، ولا صوم عليهما ولا قضاء. ويجوز دفع الكفارة عن جميع رمضان دفعة واحدة في أول الشهر أو آخره، أو في أثنائه لفقير واحد أو أكثر، وهكذا حال الحامل والمرضع إذا شق عليهما الصيام تفطران وعليهما القضاء كالمريض.

س: بعض الشباب هداهم الله يتكاسلون عن الصلاة في رمضان وغيره ولكنهم يحافظون على صيام رمضان ويتحملون العطش والجوع فبماذا تنصحهم وما حكم صيامهم؟

(2)

ج: نصيحتي لهؤلاء أن يفكروا ملياً في أمرهم، وأن يعلموا أن الصلاة أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأن من لم يصل وترك الصلاة متهاوناً فإنه على القول الراجح عندي الذي تؤيده دلالة الكتاب والسنة أنه يكون كافراً كفراً مخرجاً عن الملة مرتداً عن الإسلام، فالأمر ليس بالهين؛ لأن من كان كافراً مرتداً عن الإسلام لا يقبل منه لا صيام ولا صدقة، ولا يقبل منه أي عمل؛ لقوله تعالى:

(1)

سورة البقرة، الآية 185

(2)

ج 15 ص 177

ص: 220

{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}

(1)

فبين سبحانه وتعالى أن نفقاتهم مع أنها ذات نفع متعد للغير لا تقبل منهم مع كفرهم، وقال سبحانه وتعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}

(2)

، الذين يصومون ولا يصلون لا يقبل صيامهم بل هو مردود عليهم مادمنا نقول إنهم كفار كما يدل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فنصيحتي لهم أن يتقوا الله عز وجل وأن يحافظوا على الصلاة ويقوموا بها في أوقاتها مع المسلمين، وأنا ضامن لهم بحول الله أنهم إذا فعلوا ذلك فسوف يجدون في قلوبهم الرغبة الأكيدة في رمضان وفيما بعد رمضان على أداء الصلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين؛ لأن الإنسان إذا تاب إلى ربه وأقبل عليه وتاب إليه توبة نصوحاً، فإنه يكون بعد التوبة خيراً منه قبلها، كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن آدم عليه الصلاة والسلام أنه بعد أن حصل ما حصل منه من أكل الشجرة، قال الله تعالى:{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}

(3)

.

س: هل يؤمر الصبي المميز بالصيام؟ وهل يجزئ عنه ولو بلغ في أثناء الصيام؟

(4)

ج: الصبيان والفتيات إذا بلغوا سبعاً فأكثر يؤمرون بالصيام ليعتادوه، وعلى أولياء أمورهم أن يأمروهم بذلك كما يأمرونهم بالصلاة، فإذا بلغوا الحلم وجب

(1)

سورة التوبة، الآية 54

(2)

سورة الفرقان، الآية 23

(3)

سورة طه، الآية 122

(4)

ج 15 ص 180

ص: 221

عليهم الصوم، وإذا بلغوا في أثناء النهار أجزأهم ذلك اليوم، فلو فرض أن الصبي أكمل الخامسة عشرة عند الزوال وهو صائم ذلك اليوم أجزأه ذلك، وكان أول النهار نفلاً وآخره فريضة إذا لم يكن بلغ قبل ذلك بإنبات الشعر الخشن حول الفرج وهو المسمى العانة، أو بإنزال المني عن شهوة، وهكذا الفتاة الحكم فيهما سواء، إلا أن الفتاة تزيد أمراً رابعاً يحصل به البلوغ وهو الحيض.

س: ما حكم الصيام للمرأة الحائض والنفساء، وإذا أخرتا القضاء إلى رمضان آخر، فماذا يلزمهما؟

(1)

ج: على الحائض والنفساء أن تفطرا وقت الحيض والنفاس، ولا يجوز لهما الصوم ولا الصلاة في حال الحيض والنفاس، ولا يصحان منهما، وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: هل تقضي الحائض الصوم والصلاة؟ فقالت: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»

(2)

متفق على صحته. وقد أجمع العلماء رحمهم الله على ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من وجوب قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة في حق الحائض والنفساء، رحمة من الله سبحانه لهما وتيسيراً عليهما؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات وفي قضائها مشقة عليهما.

أما الصوم فإنما يجب في السنة مرة واحدة وهو صوم رمضان، فلا مشقة في قضائه عليهما، ومن أخرت القضاء إلى ما بعد رمضان لغير عذر شرعي، فعليها التوبة إلى الله من

(1)

ج 15 ص 181

(2)

رواه مسلم في (الحيض) باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة برقم 508

ص: 222

ذلك مع القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم. وهكذا المريض والمسافر إذا أخرا القضاء إلى ما بعد رمضان آخر من غير عذر شرعي فإن عليهما القضاء والتوبة وإطعام مسكين عن كل يوم. أما إن استمر المرض أو السفر إلى رمضان آخر فعليهما القضاء فقط دون الإطعام بعد البرء من المرض والقدوم من السفر.

س: ما الحكم إذا طهرت الحائض في أثناء نهار رمضان؟

(1)

ج: عليها الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم كما لو ثبتت رؤية رمضان نهاراً، فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم. والله ولي التوفيق.

س: كثير من الناس إذا ولدت عندهم المرأة أخذت بعد وضعها أربعين يوماً وهي لا تصلي ولا تصوم ولو كانت هذه المرأة طاهرة، فما الحكم؟

(2)

ج: النفاس يمنع الصلاة والصوم والوطء مثل الحيض.

النفاس: هو الدم الذي يخرج بسبب الولادة، فما دامت المرأة ترى الدم في الأربعين فلا تصلي، ولا تصوم، ولا يحل لزوجها وطؤها، حتى تطهر أو تكمل أربعين، فإن استمر الدم حتى أكملت الأربعين، وجب أن تغتسل عند نهاية الأربعين؛ لأن النفاس لا يزيد عن أربعين يوماً على الصحيح، فتغتسل وتصلي،

(1)

ج 15 ص 193

(2)

ج 15 ص 196

ص: 223

وتحل لزوجها، وتتحفظ من الدم بالقطن ونحوه؛ حتى لا يصيب ثيابها وبدنها، ويكون حكم هذا الدم حكم دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة ولا من الصوم، ولا يمنع زوجها منها، وعليها أن تتوضأ لكل صلاة، أما إن رأت الطهر قبل الأربعين فإنها تغتسل، وتصلي وتصوم وتحل لزوجها مادامت طاهرة ولو لم يمض من الأربعين إلا أيام قليلة، فإن عاد عليها الدم في الأربعين، لم تصل، ولم تصم، ولم تحل لزوجها، حتى تكمل الأربعين، وما فعلته في أيام الطهارة من صلاة أو صوم فإنه صحيح، ولا تلزمها إعادة الصوم.

ص: 224

‌فتاوى الحج

ص: 226

س: هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟

(1)

ج: الحج واجب على المكلف على الفور مع القدرة، إذا استطاع. قال الله عز وجل:{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

(2)

، فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو واجب مع الاستطاعة، أما العاجز فلا حج عليه، لكن لو استطاع ببدنه وماله وجب عليه، وإذا استطاع بماله، ولم يستطع ببدنه لكونه هرماً أو مريضاً لا يرجى برؤه فإنه يقيم من ينوب عنه ويحج عنه.

س: إذا كان الشاب قادراً على أن يحج فأخر الحج إلى أن يتزوج أو يكبر في السن فهل يأثم؟

(3)

ج: إذا بلغ الحلم وهو يستطيع الحج والعمرة وجب عليه أداؤهما؛ لعموم الأدلة ومنها قوله سبحانه: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}

(4)

، ولكن من اشتدت حاجته إلى الزواج وجبت عليه المبادرة به قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يسمى مستطيعاً، إذا كان لا يستطيع نفقة الزواج والحج جميعاً فإنه يبدأ بالزواج حتى يعف نفسه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع

(1)

ج 16 ص 358

(2)

سورة آل عمران، الآية 97.

(3)

ج 16 ص 359

(4)

سورة آل عمران، الآية 97.

ص: 227

منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»

(1)

متفق على صحته.

س: ما هو الأفضل أن يكون بين العمرة والعمرة للرجال والنساء؟

(2)

ج: لا نعلم في ذلك حداً محدوداً بل تشرع في كل وقت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»

(3)

متفق على صحته، فكلما تيسر للرجل والمرأة أداء العمرة فذلك خير وعمل صالح، وثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:«العمرة في كل شهر» . وهذا كله في حق من يقدم إلى مكة من خارجها، أما من كان في مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات، وعدم الخروج إلى خارج الحرم لأداء العمرة إذا كان قد أدى عمرة الإسلام، وقد يقال باستحباب خروجه إلى خارج الحرم لأداء العمرة في الأوقات الفاضلة كرمضان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«عمرة في رمضان تعدل حجة»

(4)

ولكن يجب أن يراعى في حق النساء عنايتهن بالحجاب والبعد عن أسباب الفتنة وطوافهن من وراء الناس وعدم مزاحمة

(1)

رواه البخاري في (النكاح) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» برقم 5065، ومسلم في (النكاح) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه برقم 1400.

(2)

ج 16 ص 362

(3)

رواه البخاري في (الحج) باب وجوب العمرة وفضلها برقم 1773، ومسلم في (الحج) باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم 1349.

(4)

رواه الإمام أحمد في (مسند بني هاشم) بداية مسند عبد الله بن العباس برقم 2804، وابن ماجة في (المناسك) باب العمرة في رمضان برقم 2994.

ص: 228

الرجال على الحجر الأسود، فإن كن لا يتقيدن بهذه الأمور الشرعية فينبغي عدم ذهابهن إلى العمرة؛ لأنه يترتب على اعتمارهن مفاسد تضرهن، وتضر المجتمع، وتربو على مصلحة أدائهن العمرة، إذا كن قد أدين عمرة الإسلام، والله سبحانه وتعالى أعلم.

س: ما قولكم عن بر الولد والديه بحجة، وعنده مسجد يحتاج إلى بناء، هل الأفضل أن يتبرع لبناء المسجد أو الحج عن والديه؟

(1)

ج: إذا كانت الحاجة ماسة إلى تعمير المسجد فتصرف نفقة الحج تطوعاً في عمارة المسجد؛ لعظم النفع واستمراره وإعانة المسلمين على إقامة الصلاة جماعة.

أما إذا كانت الحاجة غير ماسة إلى صرف النفقة -أعني نفقة حج التطوع- في عمارة المسجد لوجود من يعمره غير صاحب الحج، فحجه تطوعاً عن والديه بنفسه وبغيره من الثقات أفضل إن شاء الله، لكن لا يجمعان في حجة واحدة بل يحج لكل واحد وحده.

س: ما حكم من حج وهو تارك للصلاة سواء كان عامداً أو متهاونًا؟ وهل تجزئه عن حجة الإسلام؟

(2)

ج: من حج وهو تارك للصلاة فإن كان عن جحد لوجوبها كفر إجماعاً ولا يصح حجه، أما إذا كان تركها تساهلاً وتهاوناً فهذا فيه خلاف بين أهل العلم منهم من يرى صحة حجه، ومنهم من لا يرى صحة حجه، والصواب أنه لا يصح حجه

(1)

ج 16 ص 372

(2)

ج 16 ص 374

ص: 229

أيضاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»

(2)

، وهذا يعم من جحد وجوبها، ويعم من تركها تهاوناً، والله ولي التوفيق.

س: هل أعمال الطفل الذي لم يبلغ، من صلاة وحج وتلاوة كلها لوالديه أم تحسب له هو؟

(3)

ج: أعمال الصبي الذي لم يبلغ - أعني أعماله الصالحة - أجرها له هو لا لوالده ولا لغيره ولكن يؤجر والده على تعليمه إياه وتوجيهه إلى الخير وإعانته عليه؛ لما في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي- صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقالت: يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر»

(4)

. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحج للصبي وأن أمه مأجورة على حجها به.

وهكذا غير الوالد له أجر على ما يفعله من الخير كتعليم من لديه من الأيتام والأقارب والخدم وغيرهم من الناس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»

(5)

رواه مسلم في صحيحه؛ ولأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، والله سبحانه يثيب على ذلك.

(1)

رواه الترمذي في (الإيمان) باب ما جاء في ترك الصلاة برقم 2621.

(2)

رواه مسلم في (الإيمان) باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم 82.

(3)

ج 16 ص 377

(4)

رواه مسلم في (الحج) باب صحة‌

‌ حج الصبي

برقم 1336.

(5)

رواه مسلم في (الإمارة) باب فضل إعانة الغازي برقم 1893.

ص: 230

س: هل شرط‌

‌ المحرم للمرأة

في الحج للوجوب أم شرط للأداء؟

(1)

ج: لا يجب عليها الحج ولا العمرة إلا عند وجود المحرم ولا يجوز لها السفر إلا بذلك، وهو شرط للوجوب.

س: هل تعتبر المرأة محرماً للمرأة الأجنبية في السفر والجلوس ونحو ذلك أم لا؟

(2)

ج: ليست المرأة محرماً لغيرها، إنما المحرم هو الرجل الذي تحرم عليه المرأة بنسب كأبيها وأخيها، أو سبب مباح كالزوج وأبي الزوج وابن الزوج، وكالأب من الرضاع والأخ من الرضاع ونحوهما.

ولا يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة الأجنبية ولا أن يسافر بها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»

(3)

متفق على صحته، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان»

(4)

رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عمر رضي الله عنه بإسناد صحيح.

س: ما هو أدنى سن للشاب حتى يكون محرماً للمرأة إذا أرادت السفر؟

(5)

ج: أدنى سن يكون به الرجل محرماً للمرأة هو البلوغ، وهو إكمال خمسة عشر سنة، أو إنزال المني بشهوة، أو إنبات الشعر الخشن حول الفرج ويسمى العانة.

(1)

ج 16 ص 379

(2)

ج 16 ص 380

(3)

رواه البخاري في (الحج) باب حج النساء برقم 1862، ومسلم في (الحج) باب سفر المرأة مع محرم برقم 1339.

(4)

رواه الإمام أحمد في (مسند العشرة المبشرين بالجنة) أول مسند عمر بن الخطاب برقم 178، والترمذي في (الرضاع) باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات برقم 1171.

(5)

ج 16 ص 382

ص: 231

ومتى وجدت واحدة من هذه العلامات الثلاث صار الذكر بها مكلفاً، وجاز له أن يكون محرماً للمرأة، وهكذا وجود واحدة من الثلاث تكون بها المرأة مكلفة وتزيد المرأة علامة رابعة وهي الحيض، والله ولي التوفيق.

س: رجل مات ولم يقض فريضة الحج، وأوصى أن يحج عنه من ماله، ويسأل عن صحة الحجة، وهل حج الغير مثل حجه لنفسه؟

(1)

ج: إذا مات المسلم ولم يقض فريضة الحج وهو مستكمل لشروط وجوبها وجب أن يحج عنه من ماله الذي خلفه، سواء أوصى بذلك أم لم يوص، وإذا حج عنه غيره ممن يصح منه الحج وكان قد أدى فريضة الحج عن نفسه صح حجه وأجزأه في سقوط الحج عنه، كما لو حج عن نفسه، أما كون ذلك أقل أو أكثر فذلك راجع إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه العالم بأحوال عباده ونياتهم، ولاشك أن الواجب عليه المبادرة بالحج إذا استطاع قبل أن يموت للأدلة الشرعية الدالة على ذلك ويخشى عليه من إثم التأخير.

س: هل تجوز العمرة لشخص ميت؟ وهل يجوز أن أعتمر عن والدي الذي مازال حياً على قيد الحياة لعدم قدرته؟

(2)

ج: تجوز العمرة والحج عن الميت إذا كان مسلماً، وهكذا تجوز العمرة والحج عن المسلم الحي، إذا كان عاجزاً عن القيام بذلك لكبر سن أو مرض لا يرجى منه برؤه، سواء كان أباك أو أمك أو غيرهما، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله

(1)

ج 16 ص 402

(2)

ج 16 ص 403

ص: 232

رجل فقال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا الظعن أفأحج عنه وأعتمر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«حج عن أبيك واعتمر»

(1)

متفق على صحته، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سألته امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال صلى الله عليه وسلم:«حجي عن أبيك»

(2)

متفق على صحته.

س: هل الحج عن الآخرين مشروع على الإطلاق أم خاص بالقرابة، ثم هل يجوز أخذ الأجرة على ذلك، ثم إذا أخذ الأجرة على حجة عن غيره فهل له أجر في عمله هذا؟

(3)

ج: الحج عن الآخرين ليس خاصاً بالقرابة بل يجوز للقرابة وغير القرابة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين؛ فدل ذلك على أنه يجوز للقرابة وغير القرابة. وإذا أخذ المال وهو يقصد بذلك المشاهدة للمشاعر العظيمة ومشاركة إخوانه الحجاج والمشاركة في الخير فهو على خير إن شاء الله وله أجر. أما إذا كان لم يقصد إلا الدنيا، فليس له إلا الدنيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

(4)

متفق على صحته.

(1)

رواه الإمام أحمد في (مسند المدنيين) حديث أبي رزين العقيلي برقم 15751، والنسائي في (المناسك) باب وجوب العمرة برقم 2621.

(2)

رواه الإمام أحمد في (مسند بني هاشم) باقي مسند ابن عباس برقم 3041، والنسائي في (مناسك الحج) باب الحج عن الميت الذي لم يحج عنه برقم 2634.

(3)

ج 16 ص 423

(4)

رواه البخاري في (بدء الوحي) باب بدء الوحي برقم 1، ومسلم في (الإمارة) باب قوله:«إنما الأعمال بالنية» برقم 1907.

ص: 233

س: سائل يقول: إن والده يذبح لغير الله فيما قيل له عن ذلك، ويريد الآن أن يتصدق عنه ويحج عنه، ويعزو سبب وقوع والده في ذلك إلى عدم وجود علماء ومرشدين وناصحين له، فما الحكم في ذلك كله؟

(1)

ج: إذا كان والده معروفاً بالخير والإسلام والصلاح، فلا يجوز له أن يصدق من ينقل عنه غير ذلك ممن لا تعرف عدالته، ويسن له الدعاء والصدقة عنه حتى يعلم يقيناً أنه مات على الشرك، وذلك بأن يثبت لديه بشهادة الثقات العدول اثنين أو أكثر أنهم رأوه يذبح لغير الله من أصحاب القبور أو غيرهم، أو سمعوه يدعو غير الله، فعند ذلك يمسك عن الدعاء له، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له، مع أنها ماتت في الجاهلية على دين الكفار، ثم استأذن ربه أن يزورها فأذن له، فدل ذلك على أن من مات على الشرك ولو جاهلاً لا يدعى له، ولا يستغفر له، ولا يتصدق عنه، ولا يحج عنه، أما من مات في محل لم تبلغه دعوة الله، فهذا أمره إلى الله سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار؛ لأحاديث صحيحة وردت في ذلك.

س: ما حكم تجاوز الميقات في الحج والعمرة؟

(2)

ج: لا يجوز للمسلم إذا أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات الذي يمر به إلا بإحرام، فإن تجاوزه بدون إحرام لزمه الرجوع إليه والإحرام منه، فإن ترك ذلك

(1)

ج 16 ص 426

(2)

ج 17 ص 10

ص: 234

وأحرم من مكان دونه أو أقرب منه إلى مكة فعليه دم عند كثير من أهل العلم يذبح في مكة ويوزع بين الفقراء؛ لكونه ترك واجباً وهو الإحرام من الميقات الشرعي، أما إن كان حين مروره بالميقات لم يرد حجاً أو عمرة وإنما أراد حاجة أخرى بمكة كزيارة لبعض أقاربه أو أصدقائه أو تجارة أو نحو ذلك فمثل هذا لا شيء عليه؛ لكونه ما أراد حجاً ولا عمرة لكن لا يجوز له ذلك إذا كان لم يعتمر عمرة الإسلام فيما مضى من الزمان، ومتى أراد هذا الذي تجاوز الميقات بدون إحرام لكونه لم يرد الحج أو العمرة متى أراد الحج أو العمرة في الطريق قبل أن يصل الحرم وجب عليه أن يحرم من المكان الذي تجددت فيه النية، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة» .

فدل هذا الحديث على جميع ما ذكرناه آنفاً لمن تأمله، أما إن كان الذي لم يرد حجاً ولا عمرة لم تتجدد له نية الحج أو العمرة إلا بعد ما وصل إلى الحرم فهذا فيه تفصيل: فإن كان أراد الحج فلا بأس أن يحرم به من الحرم أو الحل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «ومن كان دون ذلك فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة» .

وأما إن أراد العمرة فإنه يخرج إلى الحل كالتنعيم والجعرانة أو غيرهما فيحرم من ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها لما أرادت العمرة

ص: 235

وهي بمكة أن تخرج إلى التنعيم فتهل بعمرة منه. وأمر أخاها عبد الرحمن أن يصحبها في ذلك. والله ولي التوفيق.

س: ما حكم من قدم إلى مكة ولم يحرم للعمرة ولم يطف ولم يسع؟

(1)

ج: إذا كان الذي قصد مكة لم يقصد حجاً ولا عمرة وإنما أراد التجارة أو الزيارة لبعض أقاربه أو نحو ذلك فليس عليه إحرام ولا طواف ولا سعي ولا وداع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما وقت المواقيت لأهل المدينة والشام ونجد واليمن-: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فدل ذلك على أن من لم يرد الحج والعمرة فليس عليه شيء ولكن إذا تيسر له الإحرام للعمرة فهو أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»

(2)

وهذا في حق من قد أدى عمرة الإسلام. أما من لم يؤدها فالواجب عليه البدار بها إذا قدر على ذلك كالحج. والله الموفق.

س: سافرت إلى جدة وكانت نيتي أن أمكث فيها خمسة أيام ثم اذهب بعدها إلى مكة المكرمة لأداء العمرة فماذا يلزمني يا سماحة الشيخ في مثل هذه الحالة؟

(3)

ج: يلزمك الرجوع إلى الميقات في وادي قرن المعروف بـ «السيل» للإحرام منه بعمرة إذا كنت قاصداً للعمرة حين توجهك إلى جدة؛ لقول النبي -صلى الله عليه

(1)

ج 17 ص 13

(2)

رواه البخاري في (الحج) باب وجوب العمرة وفضلها برقم 1773، ومسلم في (الحج) باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم 1349.

(3)

ج 17 ص 42

ص: 236

وسلم- لما وقت المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» متفق على صحته من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

س: هل من المباح للمرأة أن تأخذ حبوباً تؤجل بها الدورة الشهرية حتى تؤدي فريضة الحج؟ وهل لها مخرج آخر؟

(1)

ج: لا حرج أن تأخذ المرأة حبوب منع الحمل تمنع الدورة الشهرية أيام رمضان حتى تصوم مع الناس، وفي أيام الحج حتى تطوف مع الناس ولا تتعطل عن أعمال الحج، وإن وجد غير الحبوب شيء يمنع من الدورة فلا بأس إذا لم يكن فيه محذور شرعاً أو مضرة.

س: كيف تصلي الحائض ركعتي الإحرام؟ وهل يجوز للمرأة ترديد آي الذكر الحكيم في سرها

(2)

؟

ج: أ- الحائض لا تصلي ركعتي الإحرام بل تحرم من غير صلاة، وركعتا الإحرام سنة عند الجمهور، وبعض أهل العلم لا يستحبها؛ لأنه لم يرد فيها شيء مخصوص. والجمهور استحبوها؛ لما ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أتاني آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة»

(3)

أي في وادي العقيق في حجة الوداع وجاء عن بعض الصحابة أنه صلى ثم أحرم، فاستحب الجمهور أن يكون الإحرام بعد صلاة إما فريضة وإما نافلة

(1)

ج 17 ص 60

(2)

ج 17 ص 69

(3)

سبق تخريجه ص 69.

ص: 237

يتوضأ ويصلي ركعتين والحائض والنفساء ليستا من أهل الصلاة فتحرمان من دون صلاة ولا يشرع لهما قضاء هاتين الركعتين.

ب- يجوز للمرأة الحائض أن تردد القرآن لفظاً على الصحيح من دون مس المصحف، أما في قلبها فهذا عند الجميع، إنما الخلاف هل تتلفظ به أم لا؟ بعض أهل العلم حرم ذلك وجعل من أحكام الحيض والنفاس تحريم قراءة القرآن ومس المصحف لا عن ظهر قلب ولا من المصحف حتى تغتسل الحائض والنفساء. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز قراءتهما للقرآن عن ظهر قلب لا من المصحف؛ لأن مدتهما تطول، ولأنهما لم يرد فيهما نص يمنع ذلك، بخلاف الجنب فإنه ممنوع حتى يغتسل أو يتيمم عند عدم القدرة على الغسل، وهذا هو الأرجح من حيث الدليل.

س: أحرمت بالحج ولكن عند الإحرام لم أشرع بالتلبية علماً بأني من أهل مكة فهل علي شيء؟

(1)

ج: لا حرج عليك؛ لأن التلبية سنة فإذا أحرم الإنسان بالحج أو بالعمرة سواء من أهل مكة أو غير أهل مكة شرع له أن يلبي كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي، لكن لو ما لبى أو تأخرت التلبية لا يضره ذلك؛ لأن التلبية سنة قولية والواجب أن ينوي بقلبه نسكاً من حج أو عمرة أو كليهما ثم يلبي بذلك لأن ذلك أفضل، يصرح بذلك بلسانه فيقول:«اللهم لبيك حجاً» أو «اللهم لبيك عمرة» أو «اللهم لبيك عمرة وحجاً» عند دخوله في الإحرام عندما يركب السيارة أو المطية، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركب دابته أعلن إحرامه والعمدة على القلب إذا نوى

(1)

ج 17 ص 76

ص: 238

بقلبه الدخول في العمرة أو الحج فهذا هو الإحرام، والأفضل أن يلبي بذلك عند النية فيقول:«اللهم لبيك عمرة» إن كان متمتعاً بالحج، أو يقول:«اللهم لبيك حجاً» إن كان مفرداً، أو يقول:«اللهم لبيك عمرة وحجاً» عند إحرامه عند الدخول في ذلك بنيته في الميقات، وإن كان من أهل مكة عند الحج يلبي به في مكانه في بيته عند خروجه إلى منى يقول: اللهم لبيك حجاً إذا كان في مكة أو من المحلين بها.

س: هل تعتبر الكمامات التي يستعملها الطبيب في عمله ويضعها على فمه وأنفه في حكم تغطية الوجه للمحرم، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

(1)

ج: نعم لا ينبغي ولا يجوز هذا؛ لأنه غطى حوالي نصف الوجه والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخمروا رأسه ولا وجهه»

(2)

يعني للمحرم الذي وقصته راحلته.

س: ما حكم حج المصر على المعصية أو المستمر على ارتكاب صغيرة من الذنوب؟

(3)

ج: حجه صحيح إذا كان مسلماً، لكنه ناقص ويلزمه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى من جميع الذنوب ولاسيما في وقت الحج، وفي هذا البلد الأمين، ومن تاب، تاب الله عليه؛ لقول الله سبحانه وتعالى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(4)

، وقوله سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}

(5)

.

(1)

ج 17 ص 117

(2)

رواه البخاري في (الجنائز) باب الكفن في ثوبين برقم 1265، ومسلم في (الحج) باب ما يُفعل بالمحرم إذا مات برقم 1206.

(3)

ج 17 ص 163

(4)

سورة النور، الآية 31.

(5)

سورة التحريم، الآية 8.

ص: 239

والتوبة النصوح هي المشتملة على الإقلاع عن الذنوب والحذر منها تعظيماً لله سبحانه وتعالى وخوفاً من عقابه مع الندم على ما مضى منها والعزم الصادق على ألا يعود فيها، ومن تمام التوبة رد المظالم إلى أهلها، وإن كان هناك مظالم في نفس أو مال أو بشرة أو عرض واستحلال أهلها منها. وفق الله المسلمين لما فيه صلاح قلوبهم وأعمالهم، ومن علينا وعليهم جميعاً بالتوبة النصوح من جميع الذنوب إنه جواد كريم.

س: إذا أخل حاج ببعض واجبات الحج كأن لم يحرم من الميقات أو أخذ شيئاً من جسمه كشعر أو ظفر أو غطى رأسه، هل يكفي لذلك فدية واحدة أم أن كل واجب متروك أو محظور عليه فدية مستقلة بذلك؟ جزاكم الله خيراً.

(1)

ج: من ترك واجباً من واجبات الحج كالإحرام من الميقات فعليه دم يذبح في الحرم للفقراء، يجزئ في الأضحية أو سبع بدنة أو سبع بقرة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبع إذا رجع إلى أهله.

أما من فعل محظوراً من محظورات الإحرام، مثل قص الشعر أو الأظافر أو لبس المخيط عالماً بالتحريم ذاكراً له فعليه فدية ذلك، وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة تجزئ في الأضحية، أو صيام ثلاثة أيام؛ لحديث كعب بن عجرة الثابت في ذلك، فإن كان ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه. والله ولي التوفيق.

س: ما‌

‌ حكم الرمل

؟

(2)

ج: سنة في الطواف الأول حين يقدم مكة لحج أو عمرة في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم، وهو الإسراع في المشي، ويسمى الجذب، أما الأربعة الأخيرة فيمشي فيها مشياً، المشي المعتاد تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

(1)

ج 17 ص 179

(2)

ج 17 ص 211

ص: 240

س: هل الرسول عليه الصلاة والسلام في آخر شوط من طوافه كبر؟

(1)

ج: نعم كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حاذى الحَجر كبر في الشوط الأخير والشوط الأول والأشواط التي بينها.

س: هل يجب على الطائف بالكعبة المشرفة أن يصلي ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم أو يجوز أن يصليهما في أي مكان من الحرم؟

(2)

ج: لا يجب على الطائف أن يصلي الركعتين خلف مقام إبراهيم ولكن يشرع له ذلك إذا تيسر من دون مشقة، وإن صلاهما في أي مكان من المسجد الحرام أو في أي مكان من الحرم أجزأه ذلك، ولا يشرع له أن يزاحم الطائفين لأدائهما حول المقام، بل ينبغي له أن يتباعد عن الزحام وأن يصليهما في بقية المسجد الحرام؛ لأن عمر رضي الله عنه صلى ركعتي الطواف في بعض طوافه بذي طوى وهي من الحرم لكنها خارج المسجد الحرام، وكذلك أم سلمة رضي الله عنها صلت لطواف الوداع خارج المسجد الحرام، والظاهر أن سبب ذلك الزحام، أو أرادت بذلك أن تبين للناس التوسعة الشرعية في هذا الأمر.

س: إذا لم يجد الحاج مكاناً يبيت فيه بمنى فماذا يفعل؟ وهل إذا بات خارج منى عليه شيء؟

(3)

ج: إذا اجتهد الحاج في التماس مكان في منى ليبيت فيه ليالي منى فلم يجد شيئاً فلا حرج عليه أن ينزل في خارجها؛ لقول الله عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(4)

ولا فدية عليه من جهة ترك المبيت في منى؛ لعدم قدرته عليه.

(1)

ج 17 ص 225

(2)

ج 17 ص 228

(3)

ج 17 ص 362

(4)

سورة التغابن، الآية 16

ص: 241

س: ما الحكمة من رمي الجمرات والمبيت في منى ثلاثة أيام، نأمل من فضيلتكم إيضاح الحكمة من ذلك ولكم الشكر؟

(1)

ج: على المسلم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع الشرع وإن لم يعرف الحكمة، فالله أمرنا أن نتبع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن نتبع كتابه، قال تعالى:{اتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ}

(2)

، وقال سبحانه:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ}

(3)

، وقال سبحانه:{أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}

(4)

، وقال عز وجل:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}

(5)

. فإن عُرِفت الحكمة فالحمد لله، وإن لم تعرف فلا يضر ذلك، وكل ما شرعه الله هو لحكمة، وكل ما نهى عنه هو لحكمة، سواء علمناها أو جهلناها، فرمي الجمار واضح بأنه إرغام للشيطان وطاعة لله عز وجل، والمبيت في منى الله أعلم بحكمته سبحانه وتعالى ولعل الحكمة في ذلك تسهيل الرمي إذا بات في منى ليشتغل بذكر الله ويستعد للرمي في وقته لو شاء الذهاب في الوقت المحدد للرمي حسبما يتناسب معه، فلربما تأخر عن الرمي وربما فاته وربما شغل بشيء لو لم يبت بمنى. والله جل وعلا أعلم بالحكمة سبحانه وتعالى في ذلك.

(1)

ج 17 ص 380

(2)

سورة الأعراف، الآية 3

(3)

سورة الأنعام، الآية 155

(4)

سورة النساء، الآية 59

(5)

سورة الحشر، الآية 7

ص: 242

س: يعتقد بعض الحجاج أنه إذا لم يتمكن الحاج من زيارة المسجد النبوي فإن حجه ينقص، فهل هذا صحيح؟

(1)

ج: الزيارة للمسجد النبوي سنة وليست واجبة، وليس لها تعلق بالحج، بل السنة أن يزار المسجد النبوي في جميع السنة، ولا يختص ذلك بوقت الحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»

(2)

متفق عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»

(3)

متفق عليه، وإذا زار المسجد النبوي شرع له أن يصلي في الروضة ركعتين، ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما يشرع زيارة البقيع والشهداء للسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم والدعاء لهم والترحم عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا:«السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية»

(4)

.

(1)

ج 17 ص 413

(2)

رواه البخاري في (الحج) باب حج النساء برقم 1864، ومسلم في (الحج) باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد برقم 1397

(3)

رواه البخاري في (الجمعة) باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة برقم 1190، ومسلم في (الحج) باب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة برقم 1394

(4)

رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم 975

ص: 243

وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا زار البقيع: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»

(1)

. ويشرع أيضاً لمن زار المسجد النبوي أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه ركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوره كل سبت ويصلي فيه ركعتين، وقال عليه الصلاة والسلام:«من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان كعمرة»

(2)

.

هذه هي المواضع التي تزار في المدينة المنورة، أما المساجد السبعة ومسجد القبلتين وغيرها من المواضع التي يذكر بعض المؤلفين في المناسك زيارتها فلا أصل لذلك ولا دليل عليه. والمشروع للمؤمن دائماً هو الاتباع دون الابتداع. والله ولي التوفيق

س: إذا عزم المسلم على الحج، وبعد الإحرام تعذر حجه. ماذا يلزمه؟

(3)

ج: إذا أحصر الإنسان عن الحج بعدما أحرم بمرض أو غيره، جاز له التحلل بعد أن ينحر هدياً، ثم يحلق رأسه أو يقصره؛ لقول الله سبحانه وتعالى:{وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}

(4)

، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصر عن دخول مكة يوم الحديبية، نحر هديه وحلق رأسه ثم حل، وأمر أصحابه بذلك، لكن إذا كان المحصر قد قال في إحرامه: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، حل ولم يكن عليه شيء لا هدي ولا غيره؛ لما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن ضباعة بنت الزبير بن

(1)

رواه مسلم في (الجنائز) باب ما يقال عند دخول القبور برقم 974

(2)

رواه ابن ماجة في (إقامة الصلاة والسنة فيها) باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء برقم 1412

(3)

ج 18 ص 9

(4)

سورة البقرة، الآية 196.

ص: 244

عبد المطلب قالت: يا رسول الله: إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:«حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني»

(1)

س: أريد أن أفدي إن شاء الله فهل يجوز لي أن أؤخره إلى يوم الحادي عشر، أو اليوم الثاني عشر؟ وهل يُذبح الهدي في منى، أو في أي جزء من مكة؟ وما هي كيفية توزيعه؟

(2)

ج: يجوز ذبح الهدي يوم النحر وفي الأيام الثلاثة بعده، لكن ذبحه يوم النحر أفضل إن تيسر ذلك ولا حرج في ذبحه في منى أو في مكة. والسنة في توزيعه أعني هدي التمتع أو القران أن يأكل منه، ويتصدق، ويهدي إلى من شاء من أصحابه وإخوانه.

س: الأضحية هل هي للأسرة ككل، أم لكل فرد فيها بالغ؟ ومتى يكون ذبحها؟ وهل يشترط لصاحبها عدم أخذ شيء من أظافره وشعره قبل ذبحها؟ وإذا كانت لامرأة وهي حائض ما العمل؟ وما الفرق بين الأضحية والصدقة في مثل هذا الأمر؟ أفيدونا؟ جزاكم الله خيراً.

(3)

ج: الأضحية سنة مؤكدة، تشرع للرجل والمرأة وتجزئ عن الرجل وأهل بيته، وعن المرأة وأهل بيتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي كل سنة بكبشين أملحين أقرنين أحدهما عنه وعن أهل بيته، والثاني عمن وحد الله من أمته. ووقتها يوم النحر وأيام التشريق في كل سنة، والسنة للمضحي أن يأكل منها، ويهدي

(1)

رواه البخاري في (النكاح)، باب (الأكفاء في الدين) برقم 5089، ومسلم في (الحج)، باب (جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه) برقم 1207.

(2)

ج 18 ص 30

(3)

ج 18 ص 38

ص: 245

لأقاربه وجيرانه ويتصدق منها. ولا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئاً، بعد دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل شهر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئاً حتى يضحي»

(1)

. رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أم سلمة رضي الله عنها. أما الوكيل على الضحية، أو على الوقف الذي فيه أضاحي، فإنه لا يلزمه ترك شعره ولا ظفره ولا بشرته؛ لأنه ليس بمضح، وإنما هذا على المضحي الذي وكله في ذلك، وهكذا الواقف هو المضحي. والناظر على الوقف وكيل منفذ وليس بمضحٍ. والله ولي التوفيق.

س: إذا مات الجنين في بطن أمه، فهل يلزم والده أن يذبح عنه عقيقة

(2)

؟

ج: العقيقة سنة مؤكدة وليست واجبة، عن الذكر شاتان وعن الأنثى واحدة. والسنة أن تذبح في اليوم السابع، ولو سقط ميتاً، والسنة أن يسمى أيضاً ويحلق رأسه في اليوم السابع، وإن سمي في اليوم الأول فلا بأس؛ لأن الأحاديث الصحيحة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سمى ابنه إبراهيم يوم ولد، وسمى عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري يوم ولد، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أنه قال:«كل غلام مرتهن بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى»

(3)

. أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن

(1)

رواه بنحوه مسلم في (الأضاحي)، باب (نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة) برقم 1977.

(2)

ج 18 ص 48

(3)

رواه الإمام أحمد في (مسند البصريين)، حديث سمرة بن جندب برقم 19681، وابن ماجة في (الذبائح)، باب (العقيقة) برقم 3165.

ص: 246

الأربع بإسناد صحيح، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وأم كرز الكعبية رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يعقّ عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الأنثى شاة، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه، فلينسك عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة»

(1)

وهذه الأحاديث تعم السقط وغيره إذا كان قد نفخت فيه الروح، وهو الذي ولد في الشهر الخامس وما بعده. والمشروع أن يغسَّل ويكفن ويصلى عليه إذا سقط ميتاً، ويشرع أيضاً أن يسمى ويعق عنه؛ لعموم الأحاديث المذكورة. والله ولي التوفيق.

س: إذا تسمى الإنسان باسم، واكتشف أنه اسم غير شرعي. ما توجيهكم؟

(2)

ج: الواجب التغيير، مثل من سمى نفسه عبد الحسين أو عبد النبي أو عبد الكعبة، ثم علم أن التعبيد لا يجوز لغير الله، وليس لأحد أن يعبد لغير الله، بل العبادة لله عز وجل مثل عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، وعليه أن يغير الاسم مثل عبد النبي أو عبد الكعبة، إلى عبد الله أو عبد الرحمن أو محمد أو أحمد أو صالح، أو نحو ذلك من الأسماء الشرعية، هذا هو الواجب، والنبي صلى الله عليه وسلم غير أسماء كثيرة. أما إذا كان الاسم للأب، فإذا كان الأب حياً فيعلم حتى يغير اسمه، أما إن كان ميتاً، فلا حاجة إلى التغيير ويبقى كما هو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغير اسم عبد المطلب، ولا غيَّر أسماء الآخرين المعبدة لغير الله؛ كعبد مناف؛ لأنهم عُرفوا بها.

(1)

رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة)، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه برقم 6674، وأبو داود في (الضحايا، باب (في العقيقة) برقم 2842.

(2)

ج 18 ص 51

ص: 247

‌فتاوى الجهاد

ص: 249

س: هل يعتبر عمل المتطوعين في التعاون مع رجال الأمن من الرباط، أم لا؟

(1)

ج: عمل المتطوعين في كل بلد ضد الفساد مع رجال الأمن يعتبر من الجهاد في سبيل الله، لمن أصلح الله نيته، وهو من الرباط في سبيل الله؛ لأن الرباط هو لزوم الثغور ضد الأعداء، وإذا كان العدو قد يكون في الباطن، واحتاج المسلمون أن يتكاتفوا مع رجال الأمن ضد العدو الذي يخشى أن يكون في الباطن، يرجى لهم أن يكونوا مرابطين، ولهم أجر المرابط لحماية البلاد من مكائد الأعداء الداخليين.

وهكذا، التعاون مع رجال الهيئة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يعتبر من الجهاد في سبيل الله، في حق من صلحت نيته؛ لقول الله سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}

(2)

.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»

(3)

. رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(1)

ج 18 ص 252

(2)

سورة العنكبوت، الآية 69.

(3)

رواه مسلم في (الإيمان)، باب (كون النهي عن المنكر من الإيمان) برقم 50.

ص: 251

س:‌

‌ هل يعتبر شهيداً من قتل من رجال مكافحة المخدرات

، عند مداهمة أوكار متعاطي المخدرات ومروجيها؟ ثم ما حكم من يدلي بمعلومات تساعد رجال المكافحة للوصول إلى تلك الأوكار؟ أفتونا مأجورين.

(1)

ج: لا ريب أن مكافحة المسكرات والمخدرات من أعظم الجهاد في سبيل الله، ومن أهم الواجبات: التعاون بين أفراد المجتمع في مكافحة ذلك؛ لأن مكافحتها في مصلحة الجميع؛ ولأن فشوها ورواجها مضرة على الجميع. ومن قتل في سبيل مكافحة هذا الشر وهو حسن النية، فهو من الشهداء، ومن أعان على فضح هذه الأوكار وبيانها للمسئولين، فهو مأجور، وبذلك يعتبر مجاهداً في سبيل الحق، وفي مصلحة المسلمين، وحماية مجتمعهم مما يضر بهم.

فنسأل الله أن يهدي أولئك المروجين لهذا البلاء، وأن يردهم إلى رشدهم، وأن يعيذهم من شرور أنفسهم، ومكائد عدوهم الشيطان، وأن يوفق المكافحين لهم لإصابة الحق، وأن يعينهم على أداء واجبهم ويسدد خطاهم، وينصرهم على حزب الشيطان، إنه خير مسئول.

(1)

ج 18 ص 425

ص: 252

فتاوى المعاملات

ص: 253

س: شركة تقسيط تطلب نسبة مئوية على سعر السيارة، يتراوح بين 6، 8 %، وتأخذ من المشتري بيانات ومواصفات السيارة التي يريدها، ثم تقوم بشرائها وتسجيلها باسم الزبون، بعد إنهاء إجراءتها. فما الحكم

(1)

؟

ج: لا حرج في ذلك إذا كانت السلعة مملوكة للشركة وفي قبضتها، فلا مانع من أن تبيعها بسعر معين؛ بعضه نقد، وبعضه مؤجل، أو كله مؤجل إلى آجال معلومة؛ قليلة أو كثيرة.

ولابد أن يكون بعد ملكها للسيارة، ولا مانع من كون الراغب يصف السيارة التي يريد أو الأرض التي يريد، ثم تشتريها وتملكها وتحوزها، ثم تبيع بعد ذلك له أو لغيره، والراغب في حل من ذلك، حتى يتم البيع بعد الشراء.

س: حبذا يا سماحة الشيخ لو تذكرون لنا بعض صور البيع بالتقسيط المحرمة؟ جزاكم الله خيراً

(2)

.

ج: إذا اشترى الإنسان شيئاً مؤجلاً بأقساط، ثم باعه نقداً على من اشتراه منه، فهذا يسمى بيع العينة، وهو لا يجوز، لكن إذا باعه على غيره فلا بأس؛ كأن يشتري سيارة بالتقسيط ثم يبيعها على آخر نقداً؛ ليتزوج، أو ليوفي دينه، أو لشراء سكن، فلا بأس في ذلك. أما كونه يشتري السيارة أو غيرها بالتقسيط، ثم يبيعها بالنقد على صاحبها، فهذا يسمى العينة؛ لأنها حيلة لأخذ دراهم نقدا بدراهم أكثر منها مؤجلة.

(1)

ج 19 ص 8

(2)

ج 19 ص 13

ص: 255

س: هل لسماحتكم من نصيحة للإخوة التجار أو المستهلكين؟

(1)

ج: نصيحتي لإخواني التجار والمستهلكين: أن يتقوا الله في السر والعلن، وأن يراقبوه في جميع معاملاتهم، وأن يتحروا الصدق والأمانة في بيعهم وشرائهم، وأن يجتنبوا الكذب والخيانة، وجميع المعاملات والعقود التي تخالف الشريعة المطهرة. وأوصي التجار: أن يتقوا الله في المتعاملين معهم من المحتاجين لهذا البيع المؤجل، وذلك بالرفق بهم في تعاملهم معهم، سواء بعدم رفع قيمة البضاعة رفعاً مرهقاً، أو بالقسوة والشدة عند الاقتضاء؛ لأن النبي صلى الله عليه سلم حث على السماحة في البيع والشراء والقضاء، والاقتضاء وقال:«خيار الناس أحسنهم قضاء»

(2)

، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم:«البيعان بالخيار حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما»

(3)

. متفق على صحته.

كما أوصي المستهلكين: بأن يتقوا الله في أنفسهم، وفي من هم تحت ولايتهم؛ وذلك بأن لا ينساقوا ويندفعوا في شراء ما لا يحتاجون إليه؛ فتتكاثر عليهم الديون، فيعسر عليهم الوفاء بما التزموا به، فيضيقوا على أنفسهم وعلى من هم تحت رعايتهم؛ من حيث أرادوا التوسع والاستفادة من هذه التسهيلات المتاحة، دون تقدير للعواقب.

(1)

ج 19 ص 24

(2)

رواه البخاري في (الاستقراض وأداء الديون)، باب (هل يعطي أكبر من سنه)، برقم: 2392، ومسلم في (المساقاة)، باب (من استسلف شيئاً وقضى خيراً منه)، برقم:1600.

(3)

رواه البخاري في (البيوع)، باب (إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا)، برقم: 2079، ومسلم في (البيوع)، باب (الصدق في البيع والبيان)، برقم:1532.

ص: 256

والمطلوب: هو التوسط في الأمور كلها، يقول الله سبحانه حاثاً على الاعتدال في النفقة:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}

(1)

.

ويقول سبحانه في معرض الثناء على عباده المؤمنين: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}

(2)

.

هذا، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

س: ما حكم الكتابة في المبايعة بين الناس؟

(3)

ج: الكتابة أمر الله بها، إذا كان البيع مداينة، ولأجل في الذمة، والإشهاد على ذلك عن النسيان، كما قال سبحانه في آية الدّين في آخر سورة البقرة:{وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ}

(4)

.

يعني: كتب الشهادة أقرب إلى العدل، وأقوم وأضبط، وأبعد عن الريبة والشك؛ إذا دعت الحاجة أحضروا الكتاب، ووجدوا كل شيء مكتوباً، فالكتابة فيها ضبط للحقوق.

أما التجارة الحاضرة التي يصرفونها حالاً ويتفرقون عنها، وليس فيها دين ولا فيها أجل، لا بأس بها.

(1)

سورة الإسراء، الآية 29.

(2)

سورة الفرقان، الآية 67.

(3)

ج 19 ص 34

(4)

سورة البقرة، الآية 282.

ص: 257

مثل سيارة اشتراها وأعطى ثمنها ومشى، عباءة اشتراها وأعطى ثمنها ومشى، إناء اشتراه وأعطى ثمنه ومشى، كل هذا لا يحتاج كتابة.

أما تجارة في الذمة هذه تحتاج إلى كتابة؛ حتى لا ينسوا، ولهذا قال عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}

(1)

.. الآية، فالكتابة فيها حفظ الحقوق.

س: هل المال الذي يأخذه من يتبرع بالدم حلال أم لا؟

(2)

ج: ثبت في صحيح البخاري رحمة الله عليه عن أبي جحيفة رضي الله عنه: «أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم»

(3)

.

فلا يجوز للمسلم أن يأخذ عن الدم عوضاً؛ لهذا الحديث الصحيح، فإن كان قد أخذ فليتصدق بذلك على بعض الفقراء.

س: هل يجوز بيع الساعات التي بها ذهب للرجال؟ وكذلك ما حكم بيع الخواتم والأقلام التي بها ذهب؟ ومن باع منها شيئاً، فما حكم المال الذي ربحه؟

(4)

ج: يجوز بيع الساعات والخواتم من الذهب والفضة للرجال والنساء جميعاً، ولكن ليس للرجل أن يلبس ساعة الذهب ولا خاتم الذهب ولا المموه بذلك، وهكذا ساعة الفضة، وإنما ذلك للنساء.

(1)

سورة البقرة، الآية 282.

(2)

ج 19 ص 47

(3)

رواه البخاري في (البيوع)، باب (موكل الربا)، برقم:2086.

(4)

ج 19 ص 72

ص: 258

أما خاتم الفضة فهو جائز للرجال والنساء، وأما الأقلام من الذهب والفضة فلا يجوز استعمالها للرجال والنساء جميعاً؛ لأنها ليست من الحلية، وإنما هي أشبه بأواني الذهب والفضة، والأواني من الذهب والفضة محرمة على الجميع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا - يعني الكفرة - ولكم في الآخرة»

(1)

. متفق على صحته.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «الذي يشرب في إناء الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»

(2)

. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

ويلتحق بالأواني: الملاعق، وأكواب الشاي والقهوة، ونحو ذلك.

نسأل الله لجميع المسلمين التوفيق لما فيه رضاه، والسلامة من أسباب غضبه، والله ولي التوفيق.

س: ما حكم شرب الدخان، وهل هو حرام أم مكروه؟ وما حكم بيعه والإتجار فيه؟

(3)

ج: الدخان محرم؛ لكونه خبيثاً ومشتملاً على أضرار كثيرة، والله سبحانه وتعالى إنما أباح لعباده الطيبات من المطاعم والمشارب وغيرها، وحرم عليهم الخبائث، قال الله سبحانه وتعالى:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}

(4)

، وقال سبحانه

(1)

رواه البخاري في (الأطعمة)، باب (الأكل في إناء مفضض)، برقم: 5426، ومسلم في (اللباس والزينة)، باب (تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال)، برقم:2067.

(2)

رواه البخاري في (الأشربة)، باب (آنية الفضة)، برقم: 5634، ومسلم في (اللباس والزينة)، باب (تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب)، برقم:2065.

(3)

ج 19 ص 82

(4)

سورة المائدة، الآية 4.

ص: 259

في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في سورة (الأعراف): {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}

(1)

.

والدخان بأنواعه كلها ليس من الطيبات، بل هو من الخبائث، وهكذا جميع المسكرات كلها من الخبائث، والدخان لا يجوز شربه ولا بيعه ولا التجارة فيه؛ لما في ذلك من المضار العظيمة، والعواقب الوخيمة.

والواجب على من كان يشرب أو يتجر فيه، البدار بالتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والندم على ما مضى، والعزم على ألا يعود في ذلك، ومن تاب صادقاً تاب الله عليه، كما قال عز وجل:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(2)

، وقال سبحانه:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(3)

.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التوبة تجب ما كان قبلها»

(4)

، وقال عليه الصلاة والسلام:«التائب من الذنب كمن لا ذنب له»

(5)

.

ونسأل الله أن يصلح حال المسلمين، وأن يعيذهم من كل ما يخالف شرعه؛ إنه سميع مجيب.

(1)

سورة الأعراف، الآية 157.

(2)

سورة النور، الآية 31.

(3)

سورة طه، الآية 82.

(4)

ذكره ابن كثير في (تفسير سورة التحريم)، تفسير قوله - تعالى -:(يا أيها الذي آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً)، ج 4، ص: 392، ط. دار المعرفة، بيروت 1403 هـ.

(5)

رواه ابن ماجة في (الزهد) باب ذكر التوبة برقم 4250

ص: 260

س: أعمل في أحد المتاجر، ويختلف بيعي من شخص لآخر - حسب إلحاح الزبون - فقد أبيع بضاعة بمائة ريال، وقد أبيعها بمائة وخمسين - حسب الحال والزبون - فهل يعتبر ذلك غشاً؟

(1)

ج: الواجب ألا تزيد في قيمة السلعة عما تساويه في السوق، وكونك تخفض لبعض الزبائن عما تساويه في السوق لا بأس به، إنما الممنوع أن تزيد على بعض الزبائن بثمن أغلى من قيمة السلعة في السوق، خصوصاً إذا كان المشتري يجهل أقيام السلع، أو كان غرًّا لا يحسن البيع والشراء والمماكسة؛ فلا يجوز استغلال جهله وغرته والزيادة عليه عن القيمة المعروفة في السوق.

س: من تعريف ربا النسيئة، أنه الزيادة في الشيء مقابل التأجيل، فما مدى انطباق هذا الشيء على دينة الأكياس والسيارات، المعمول بها الآن بدلاً من القرض الحسن؟ أفتونا جزاكم الله خيراً؟

(2)

.

ج: الربا هو: أن يأخذ شيئاً بجنسه مع الزيادة، هذا هو ربا الفضل؛ كصاع بصاعين من جنس واحد أو درهم بدرهمين، سواء كان حالا أو مؤجلاً. وإن كان دينا بدين، صار ربا الفضل والنسيئة جميعاً، فإذا أخذ دراهم وزيادة، فهذا ربا الفضل سواء كان يداً بيد أو نسيئة، وأما مسألة التورق فليست من هذا الباب، وهي: أخذ سلعة بدراهم إلى أجل، ثم يبيعها هو بنقد في يومه أو غده أو بعد ذلك، على غير من اشتراها منه. والصواب حلها؛ لعموم الأدلة، ولما فيها من التفريج والتيسير، وقضاء

(1)

ج 19 ص 108

(2)

ج 19 ص 245

ص: 261

الحاجة الحاضرة. أما من باعها على من اشتراها منه فهذا لا يجوز، بل هو من أعمال الربا وتسمى مسألة العينة وهي محرمة؛ لأنها تحيّل على الربا. وهو بيع جنس بجنسه متفاضلاً نسيئة أو نقداً. أما التورق فلا بأس به كما تقدم وهوشراء سلعة من طعام أو سيارة أو أرض أو غير ذلك، بدراهم معدودة إلى أجل معلوم، ثم يبيعها على غير من اشتراها منه بنقد ليقضي حاجته من زواج أو غيره.

س: امرأة كانت تقرض شخصاً ألف ريال على أن يردها ألف وثلاثمائة، وهي لا تعرف أن هذا ربا، فهل يلحقها شيء في ذلك؟ وماذا يجب عليها؟

(1)

ج: هذا لا شك أنه ربا، فالذي فعل ذلك قبل أن يعلم لا شيء عليه، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم:{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

(2)

، فبين سبحانه أن من جاءه موعظة من ربه؛ يعني عرف الحق ووعظ وذكر، فانتهى وتاب إلى الله فلا شيء عليه، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فيبين لنا سبحانه أن الواجب على من عرف الربا أن يحذره ويتباعد عنه، ويتوب إلى الله من ذلك. وعلى المؤمن أن يسأل ويتفقه في دينه ويتعلم؛ حتى لا يقع فيما حرم الله عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»

(3)

، متفق على صحته. وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا تفقه في الدين وتبصر

(1)

ج 19 ص 263

(2)

سورة البقرة، الآية، 275.

(3)

رواه البخاري في (العلم)، باب (من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، برقم: 71، ومسلم في (الزكاة)، باب (النهي عن المسألة)، برقم:1037.

ص: 262

وتعلم، فهذا من الدلالة على أن الله أراد به خيراً، أما إذا استمر في الجهالة والإعراض، فهذا من علامة أن الله أراد به شراً والعياذ بالله وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:«من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»

(1)

. فالتعلم من أهم المهمات، والتفقه في الدين من أعظم الواجبات، والواجب على المرأة المذكورة: أن تتصدق بالثلاثمائة التي حصلتها من طريق الربا، مع التوبة إلى الله سبحانه؛ لقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}

(2)

. نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

س: هل يجوز أن أستلف من شخص تجارته معروفة بالحرام، وأنه يتعاطى الحرام؟

(3)

ج: لا ينبغي لك يا أخي أن تقترض من هذا أو أن تتعامل معه، ما دامت معاملاته بالحرام، ومعروف بالمعاملات المحرمة الربوية أو غيرها، فليس لك أن تعامله، ولا أن تقترض منه، بل يجب عليك التنزه عن ذلك والبعد عنه. لكن لو كان يتعامل بالحرام وبغير الحرام؛ يعني معاملته مخلوطة فيها الطيب والخبيث، فلا بأس، لكن تركه أفضل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»

(4)

، ولقوله صلى الله عليه

(1)

رواه مسلم في (الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار)، باب (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن)، برقم:2699.

(2)

سورة البقرة، الآيتان 278، 279.

(3)

ج 19 ص 286

(4)

رواه الترمذي في (صفة القيامة)، باب منه (ما جاء في صفة أواني الحوض)، برقم: 2518، والنسائي في (الأشربة)، باب (الحث على ترك الشبهات)، برقم:5711.

ص: 263

وسلم: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»

(1)

، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس»

(2)

.

فالمؤمن يبتعد عن المشتبهات، فإذا علمت أن كل معاملاته محرمة، وأنه يتجر في الحرام، فمثل هذا لا يعامل ولا يقترض منه.

س: رجل استثمر أموال زوجته مع أمواله وهي شبه راضية، وكانت زوجته تطالبه بأن يكتب لها شيئاً في العقار على قدر نقودها؛ لكي تضمن أن نقودها لا تذهب إلى الورثة بعد وفاته، ولكن زوجها كان يقول لها: إن هذه الأموال يقصد أمواله وأموالها لك ولأبنائك من بعدي، فتوفي قبل أن يكتب لها شيئاً بقدر أموالها، فهل يلحقه شيء في ذلك؟ وماذا على الورثة تجاه هذا الموضوع؟ جزاكم الله خيراً

(3)

.

ج: بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن الواجب على الزوج إذا كان عنده مال لزوجته أن يكتب ذلك، وأن يوضح ذلك في وثيقة ثابتة؛ حتى تُسلم لها بعد موته، ويجب أن يوضح ذلك في صحته؛ حتى تبرأ ذمته. وإذا مات ولم يبين ذلك، وجب على الورثة أن يؤدوا حقها من رأس التركة؛ كسائر أهل الدين إذا ثبت ذلك بالبينة، أو سمحوا لها بذلك وصدقوها إذا كانوا مرشدين مكلفين، ولا يجوز للزوج ولا غيره إذا كان في ذمته دين لأحد، أن يسكت وأن يغفل عن ذلك؛ فتضيع الحقوق، فإن هذا خطر

(1)

رواه البخاري في (الإيمان)، باب (فضل من استبرأ لدينه)، برقم: 52، ومسلم في (المساقاة)، باب (أخذ الحلال وترك الشبهات)، برقم:1599.

(2)

رواه مسلم في (البر والصلة والآداب)، باب (تفسير البر والإثم)، برقم:2553.

(3)

ج 19 ص 290

ص: 264

عظيم، وظلم عظيم يجب الحذر منه؛ فالواجب على كل إنسان عنده حق للغير - سواء كان زوجاً أو غير زوج، أو زوجة أو غير ذلك - أن يبين ذلك ويكتب الدين في وثيقة شرعية عند المحكمة، أو عند كاتب معروف يعتمد قلمه؛ حتى يؤدى الحق إلى صاحبه لو قدر الله الموت قبل التسديد. وهذه المرأة يجب على الورثة أن يعطوها حقها إذا ثبت لديهم ذلك، فإن لم يثبت فليس عليهم شيء، والله يعوضها عن ذلك. وقد أساء زوجها وتعاطى ما لا يحل له، وهي بالخيار: إن أباحته وسامحته فلها أجرها، وإن لم تسمح أخذت حقها منه يوم القيامة، ولا يضيع عليها شيء. فأنت أيتها الأخت في الله السائلة إن سمحت وبرأت الزوج، فجزاك الله خيراً، وإن لم تسمحي ولم يعطوك حقك يعني الورثة فالأمر إلى الله، والحساب بينك وبينه عند الله عز وجل والله المستعان.

س: هل يجوز للرجل أن يأخذ مبلغاً من المصرف بفائدة؛ لأجل إجراء عملية جراحية لزوجته، وقد حاول أن يقترض من بعض الناس ولم يقرضوه؟

(1)

ج: لا يجوز له القرض من المصرف ولا غيره بطريق الربا؛ لقول الله عز وجل: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

(2)

، وقوله سبحانه:{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}

(3)

، وقوله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}

(4)

، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه

(1)

ج 19 ص 292

(2)

سورة البقرة، الآية 275.

(3)

سورة البقرة، الآية 276.

(4)

سورة البقرة، الآيتان 278، 279.

ص: 265

وسلم: «أنه لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء»

(1)

. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. والله الموفق.

س: هل يجوز اقتراض مبلغ من المال بالريال ورده بما يساويه من الدولار؟

(2)

ج: إن كان مشارطة فهذا لا يجوز، هذا بيع، والبيع نقداً بنقد نسيئة لا يجوز، أما إن كان أقرضه دراهم سعودية أو أقرضه جنيهات مصرية أو جنيهات إسترلينية، ثم عند الوفاء أعطاه دولارات بالتراضي بينهما، يداً بيد، فلا بأس؛ مثل ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما اشتكى إليه بعض الناس، قيل:«يبيعون بالدنانير ويأخذون الدراهم، ويبيعون الدراهم بالدنانير قال: «لا بأس أن تأخذوها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء»

(3)

، فإذا اقترض إنسان مثلاً ألف ريال قرضة، ثم عند الوفاء اتفق الشخصان على أنه يعطيه عن الألف ريال دولارات، أو دنانير كويتية، أو أردنية، أو جنيه إسترليني، أو ما أشبه ذلك، لا بأس إذا اتفقا عليه، وتقابضا في الحال، يداً بيد.

س: ما حكم التأمين سواء كان على الحياة أو على الممتلكات؟

(4)

ج:‌

‌ التأمين على الحياة

والممتلكات محرم؛ لا يجوز لما فيه من الغرر والربا. وقد حرم الله عز وجل جميع المعاملات الربوية، والمعاملات التي فيها الغرر؛ رحمة للأمة،

(1)

رواه مسلم في (المساقاة)، باب (لعن آكل الربا ومؤكله)، برقم:1598.

(2)

ج 19 ص 308

(3)

رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة)، باقي (مسند عبد الله بن عمر)، برقم: 6203، والنسائي في (البيوع)، باب (بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة)، برقم:4582.

(4)

ج 19 ص 314

ص: 266

وحماية لها مما يضرها، قال الله سبحانه وتعالى:{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

(1)

. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر

(2)

. وبالله التوفيق.

س: إذا أرسلني والدي لشراء بعض الأشياء، وبقي معي مبلغ من المال فائض من شرائي، فهل يجوز لي امتلاك هذا المبلغ دون علم والدي؟

(3)

ج: ليس لك امتلاك ما فضل من المال الذي سلمه لك والدك لشراء بعض الحاجات، بل يجب رده إلى والدك؛ لأن ذلك من أداء الأمانة المأمور بها في قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}

(4)

الآية.

س: سائق شركة، في وقت الفراغ يستخدم سيارة الشركة لركوب الناس بأجرة لنفسه؛ بحجة أن راتب الشركة ضعيف، مع العلم أنه يساعد الناس، ويأخذ نصف الأجرة التي يتقاضاها غيره؟

(5)

ج: لا يجوز له أن يأخذ ذلك إلا بإذن الشركة، ليس له أن يستعملها إلا بإذن الشركة؛ لأنها أمانة في يده، فليس له أن يستعمل سيارة الشركة ولا سيارة الحكومة إلا بالإذن، إلا فيما جعل له من أعماله التي تتعلق بالشركة أو أعمال الدولة.

(1)

سورة البقرة، الآية 275.

(2)

رواه مسلم في (البيوع)، باب (بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر)، برقم:1513.

(3)

ج 19 ص 322

(4)

سورة النساء، الآية 58.

(5)

ج 19 ص 342

ص: 267

س: ما‌

‌ حكم راتب الموظف الذي يتساهل في عمله

، ولا يؤديه على الوجه الأكمل هل يصبح حراماً أم حلالاً؟

(1)

ج: فأجاب سماحته: أن راتبه فيه شبهة، ينبغي له أن يتقي الله، وأن يعتني بعمله؛ حتى لا يكون في راتبه شبهة؛ لأن الواجب عليه أن يؤدي الحق الذي عليه؛ حتى يستحل الراتب، فإذا كان لا يبالي، فراتبه بعضه حرام؛ فينبغي له أن يحذر ويتقي الله عز وجل.

س: انتدبت أنا وزميلي إلى إحدى المناطق لمدة أربعة أيام، إلا أنني لم أذهب مع زميلي، وبقيت على رأس عملي، وبعد فترة استلمت ذلك الانتداب، فهل يجوز لي استهلاكه أم لا؟ وإذا كان لا يحل لي أخذه، فهل يجوز صرفه في مستلزمات المكتب الذي أعمل فيه؟

(2)

ج: الواجب عليك رده؛ لأنك لا تستحقه لعدم قيامك بالانتداب، فإن لم يتيسر ذلك، وجب صرفه في بعض جهات الخير؛ كالصدقة على الفقراء، والمساهمة به في بعض المشاريع الخيرية، مع التوبة والاستغفار، والحذر من العودة إلى مثل ذلك.

س: بعض الموظفين والعاملين لا يعطون عملهم الحماسة اللازمة؛ فنجد بعضهم يمر عليه عام فأكثر وهو لا يأمر بخير ولا ينهى عن شر، ويتأخر عن العمل، ويقول: أنا مأذون من رئيسي؛ فلا علي شيء. فمن كانت هذه حاله، فهل عليه شيء في دينه مادام على هذه الحالة؟ أفتونا جزاكم الله خيراً

(3)

.

(1)

ج 19 ص 342

(2)

ج 19 ص 343

(3)

ج 19 ص 352

ص: 268

ج: أولاً: المشروع لكل مسلم ومسلمة التبليغ عن الله سبحانه وتعالى لما سمع من الخير، كما دل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها»

(1)

، وقال عليه الصلاة والسلام:«بلغوا عني ولو آية»

(2)

.

وكان إذا خطب الناس وذكرهم يقول: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلّغ أوعى من سامع»

(3)

.

فأنا أوصيكم جميعاً أن تبلغوا ما سمعتم من الخير عن بصيرة وتثبت؛ فكل من سمع علماً وحفظه يبلغ أهل بيته وإخوانه ومجالسيه ما يرى فيه الخير من ذلك، مع العناية بضبط ذلك، وعدم التكلم بشيء لم يحفظه؛ حتى يكون من المتواصين بالحق، ومن الدعاة إلى الخير.

أما الموظفون الذين لا يؤدون أعمالهم أو لا ينصحون فيها، فقد سمعتم أن من خصال الإيمان أداء الأمانة ورعايتها، كما قال الله سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}

(4)

. فالأمانة من أعظم خصال الإيمان، والخيانة من أعظم خصال النفاق، كما قال الله سبحانه في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ

(1)

رواه الإمام أحمد في (أول مسند المدنيين) رضي الله عنهم (حديث جبير بن مطعم) رضي الله عنه، برقم:16296.

(2)

رواه البخاري في (أحاديث الأنبياء)، باب (ما ذكر عن بني إسرائيل)، برقم:3461.

(3)

رواه البخاري في (الحج)، باب (الخطبة أيام منى)، برقم:1741.

(4)

سورة النساء، الآية 258.

ص: 269

وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}

(1)

، وقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}

(2)

.

فالواجب على الموظف أن يؤدي الأمانة بصدق وإخلاص، وعناية وحفظا للوقت؛ حتى تبرأ الذمة، ويطيب الكسب، ويرضي ربه، وينصح لدولته في هذا الأمر، أو للشركة التي هو فيها، أو لأي جهة يعمل فيها.

هذا هو الواجب على الموظف: أن يتقي الله وأن يؤدي الأمانة بغاية الإتقان وغاية النصح؛ يرجو ثواب الله ويخشى عقابه، ويعمل بقوله تعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}

(3)

.

ومن خصال أهل النفاق: الخيانة في الأمانات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:«آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان»

(4)

متفق عليه، فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بأهل النفاق، بل يجب عليه أن يبتعد عن صفاتهم، وأن يحافظ على أمانته، وأن يؤدي عمله بغاية العناية، ويحفظ وقته ولو تساهل رئيسه، ولو لم يأمره رئيسه، فلا يقعد عن العمل أو يتساهل فيه، بل ينبغي أن يجتهد؛ حتى يكون خيراً من رئيسه في أداء العمل والنصح في الأمانة، وحتى يكون قدوة حسنة لغيره.

(1)

سورة المعارج، الآية 32.

(2)

سورة الأنفال، الآية 27.

(3)

سورة النساء، الآية 58.

(4)

رواه البخاري في (الإيمان)، باب (علامة المنافق)، برقم: 33، ومسلم في (الإيمان)، باب (خصال المنافق)، برقم:59.

ص: 270

س: هل من يتقرب لمديره بالكلمة الطيبة والهدية القيمة، ويظهر الاحترام له وهو لا يرغب فيه، ويتمنى لو يستبدل بغيره، فهل هذا من النفاق، علماً أن المدير يتصف بالصفات الحميدة؟

(1)

ج: بسم الله، والحمد لله. الواجب عليه أن ينصحه لله، ويدعو له في ظاهر الغيب أن يهديه الله، ويوفقه، ويترك عنه الهدية، فلا يهدي الهدية في هذا الموضع؛ فقد تكون رشوة. ولكن عليه بالنصح، والدعاء له في سجوده وآخر صلاته بأن يوفقه الله، ويعينه على أداء الأمانة؛ فالمؤمن مرآة أخيه، وإياك والنفاق والرشوة. وأما الكلام الطيب فمطلوب، مثل: السلام عليكم، كيف حالك؟ كيف أهلك؟ وغير ذلك.

س: هل يجب على من تولى أمراً من الأمور ومعه موظفون تحت سلطته، أن يأمر المقصر منهم في الصلاة بأدائها، وهكذا غيرها من أمور الشرع، وهل يدخل ذلك في حديث:«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» ؟

(2)

ج: يلزم كل مسئول أن يأمر من تحت يده من الموظفين بما أوجب الله عليهم، كأداء الصلاة في الجماعة، وأداء الأمانة في الوظيفة، وترك ما حرم الله عليهم من الغش والخيانة، وإيذاء المراجعين وظلمهم، وغير ذلك.

وهو داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته»

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(1)

ج 19 ص 359

(2)

ج 19 ص 359

(3)

رواه البخاري في (الاستقراض)، باب (العبد راعٍ في مال سيده)، برقم: 2409، وفي (العتق)، باب (كراهية التطاول على الرقيق)، برقم: 2554، وباب (العبد راع في مال سيده)، برقم: 8552، ومسلم في (الإمارة)، باب (فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر)، برقم:1829.

ص: 271

س: هل يجوز للرجل أن يؤجر دكانه إلى بائع الأشرطة الغنائية وآلات اللهو؟

(1)

ج: لا يجوز تأجير الدكان على من يستعمله في بيع ما حرم الله؛ من آلات الملاهي أو الخمر أو الدخان أو نحو ذلك؛ لأن ذلك إعانة لهم على ما حرم الله، وقد قال سبحانه:{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}

(2)

، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أنه لعن الخمر، وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها»

(3)

.

وما ذاك إلا لأن ساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها وبائعها، كلهم معينون على الإثم والعدوان.

س: هل يجوز لعب الورق - البلوت -؟ وما حكم لعب الشطرنج، مع العلم أنهما لا يلهيان عن الصلاة؟

(4)

ج: لا تجوز هاتان اللعبتان وما أشبههما؛ لكونهما من آلات اللهو، ولما فيهما من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وإضاعة الأوقات في غير حق، ولما قد تفضي إليه من الشحناء والعداء، هذا إذا كانت هذه اللعبة ليس فيها عوض.

أما إن كان فيها عوض مالي، فإن التحريم يكون أشد؛ لأنها بذلك تكون من أنواع القمار الذي لا شك في تحريمه، ولا خلاف فيه. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 19 ص 378

(2)

سورة المائدة، الآية 2.

(3)

رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة)، باقي (مسند عبد الله بن عمر)، برقم: 5683، وأبو داود في (الأشربة)، باب (العنب يعصر للخمر)، برقم: 3674، وابن ماجة، في (الأشربة)، باب (لعنت الخمر على عشرة أوجه)، برقم:3380.

(4)

ج 19 ص 391

ص: 272

س: عثرت على مبلغ من الريالات فأخذتها وصرفتها، فماذا علي الآن؟

(1)

ج: الواجب عليك تعريفها، فإن كنت عرّفتها سنة كاملة في كل شهر مرتين أو ثلاثاً؛ من له الدراهم التي ضاعت في المكان الفلاني؟ وذلك في مجامع الناس وحول أبواب الجوامع أو في الأسواق، ومضى على تعريفك لها سنة، فهي حلال لك، ومتى جاء صاحبها وعرفها بالصفات الخاصة، تعطيها إياه؛ لأنها عندك كالوديعة، فإذا جاء أعطيتها إياه.

أما إذا كنت لم تعرفها بل أكلتها وسكت، فعليك أن تتصدق بها في وجوه البر بالنية عن صاحبها؛ لأنك لم تأت بأسباب حلها، وهو التعريف، وسوف يصله ثوابها بإذن لله عز وجل والله ولي التوفيق.

س: هل يجوز وقف العمائر التي بنيت بقرض من صندوق التنمية العقاري، وهي لا تزال مرهونة لدى الصندوق؟

(2)

ج: في هذه المسألة خلاف بين العلماء، مبنية على مسألة أخرى، وهي: هل يلزم الرهن بدون قبض أم لا؟ فمن قال: لا يلزم إلا بالقبض، قال: يصح الوقف وغيره من التصرفات التي تنقل الملك؛ لكون الرهن لم يقبض. ومن قال: إن الرهن يلزم ولو لم يقبض المرهون، لم يصح الوقف ولا غيره من التصرفات الناقلة للملك. وبذلك، يعلم أن الأحوط عدم وقفه حتى يسدد ما عليه للبنك؛ خروجاً من خلاف العلماء، وعملاً بالحديث الشريف:«المسلمون على شروطهم»

(3)

.

(1)

ج 19 ص 430

(2)

ج 20 ص 24

(3)

رواه الترمذي في (الأحكام)، باب (ما ذكر عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم في الصلح، برقم:1352.

ص: 273

س: هل يجوز أن أخص أولادي الذكور ببعض أثاث المنزل، مثل: الثلاجات والمسجلات والأشياء المعمرة؛ كي تكون ملكاً لهم بعد وفاتي؛ لأن البنات سبق وأن جهزتهن، فهل هذا جائز أم لا؟

(1)

ج: ليس لك ولا لغيرك تخصيص الذكور بشيء دون البنات، بل الواجب العدل بين الجميع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»

(2)

، ولا يجوز أن توصي بشيء للبنين دون البنات، إلا إذا كن رشيدات ورضين بذلك، فلا حرج في ذلك. والأحوط عدم الوصية للبنين، ولو رضيت البنات؛ لأنهن قد يرضين حياءً منك، وهنَّ في الحقيقة لا يرضين بذلك. فالأحوط لك ألا تخصي البنين أبداً، حتى لو فرضنا أن البنات رضين بذلك؛ لأني أخشى أن يرضين بذلك مكرهات؛ حياءً منك، بل اجعلي ما خلفك للجميع على قسمة الله سبحانه وتعالى للذكر مثل حظ الأنثيين.

س: هل يجوز للمعلمة قبول الهدية من الطالبات؟ وإذا كان لا يجوز لها ذلك، هل يجوز قبولها بعد انتهاء العام الدراسي وتسليم النتائج؟ وإذا كان ذلك أيضاً لا يجوز، فهل يجوز لها قبولها من الطالبات بعد انتهاء مدة تدريسها في تلك المدرسة إذا أرادت الانتقال من هذه المدرسة لمدرسة أخرى؟

(3)

ج: الواجب على المعلمة ترك قبول الهدايا؛ لأنها قد تجرها إلى الحيف، وعدم النصح في حق من لم يهد لها، والزيادة بحق المهدية والغش، فالواجب على المدرسة ألا تقبل الهدية

(1)

ج 20 ص 54

(2)

رواه البخاري في (الهبة وفضلها)، باب (الإشهاد في الهبة)، برقم: 2587، ومسلم في (الهبات)، باب (كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة)، برقم:1623.

(3)

ج 20 ص 63

ص: 274

من الطالبات بالكلية؛ لأن ذلك قد يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، والمؤمن والمؤمنة عليهما أن يحتاطا لدينهما، ويبتعدا عن أسباب الريبة والخطر، أما بعد انتقالها من المدرسة إلى مدرسة أخرى فلا يضر ذلك؛ لأن الريبة قد انتهت حينئذ، والخطر مأمون، وهكذا بعد فصلها من العمل، أو تقاعدها، إذا أهدوا إليها شيئاً فلا بأس.

س: وهبت ابن أخي بعض إبلي ثم اشتريتها منه؟

(1)

ج: عليك عدم العود فيها، ولو بالثمن؛ لما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال له صلى الله عليه وسلم:«لا تعد في صدقتك، ولو أعطاكه بدرهم»

(2)

، وقال عليه الصلاة والسلام:«العائد في هبته كالكلب، يقيئ، ثم يعود في قيئه»

(3)

، وقال عليه الصلاة والسلام:«لا يحل للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده»

(4)

. فهذه الأحاديث وما جاء في معناها، تدل على تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، ولو بالثمن، والله المسئول أن يوفقنا وإياك وجميع المسلمين للعلم النافع، والعمل به؛ إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(1)

ج 20 ص 66

(2)

رواه البخاري في (الزكاة)، باب (هل يشتري الرجل صدقته)، برقم: 1490، ومسلم في (الهبات)، باب (كراهة شراء الإنسان ما تصدق به)، برقم:1620.

(3)

رواه البخاري في (الهبة)، باب (هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها)، برقم: 2589، ومسلم في (الهبات)، باب (تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض)، برقم:1622.

(4)

رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة)، باقي مسند عبد الله بن عمر، برقم: 5469، والترمذي في (الولاء والهبة)، باب (ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة)، برقم:2132.

ص: 275

س: هل كتابة الوصية واجبة؟ وهل يلزم لها شهود؟ وحيث إنني لا أعرف النص الشرعي أرجو إرشادي إليه جزاكم الله خيراً؟

(1)

ج: تكتب الوصية حسب الصيغة التالية: أنا الموصي أدناه، أوصي بأنني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، أوصي من تركت من أهلي وذريتي، وسائر أقاربي بتقوى الله، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، والتواصي بالحق، والصبر عليه، وأوصيهم بمثل ما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب:{يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}

(2)

. ثم يذكر ما يحب أن يوصي به من ثلث ماله، أو أقل من ذلك، أو مال معين لا يزيد عن الثلث، ويبين مصارفه الشرعية، ويذكر الوكيل على ذلك. والوصية ليست واجبة، بل مستحبة إذا أحب أن يوصي بشيء؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده»

(3)

.

لكن إذا كانت عليه ديون أو حقوق ليس عليها وثائق تثبتها لأهلها، وجب عليه أن يوصي بها؛ حتى لا تضيع حقوق الناس، وينبغي أن يشهد على وصيته شاهدين عدلين، وأن يحررها من يوثق بتحريره من أهل العلم؛ حتى يعتمد عليها،

(1)

ج 20 ص 76

(2)

البقرة، الآية 132.

(3)

رواه البخاري في (الوصايا)، باب (الوصايا)، برقم: 3827، ومسلم في (الوصايا) الباب الأول، برقم:1627.

ص: 276

ولا ينبغي أن يكتفي بخطه فقط؛ لأنه قد يشتبه على المسؤولين، وقد لا يتيسر من يعرفه من الثقات، والله ولي التوفيق.

س: رجل ذو مال وعيال، وأولاده جميعهم قاصرون، وأكبرهم سناً عمره ثماني سنوات، توفي فجأة، ولم يوص بشيء من ماله، علماً أنه لو ذكر قبل موته الوصية وشأنها لأوصى، هل يخرج من ماله شيء، أم يكتفى بأعمال البر؛ كالحج والعمرة والأضحية وغيرها؟ أفيدونا

(1)

.

ج: لا يلزم الورثة أن يخرجوا له شيئاً من ماله، ولكن متى فعلوا، فأخرجوا له شيئاً مشاعاً معيناً كالثلث، أو الربع، أو نحو ذلك، أو أخرجوا دراهم معلومة يتصدق بها عنه، أو يشترى له بها عقار يكون وقفاً لوجه الله سبحانه وتعالى تصرف غلته في وجوه البر وأعمال الخير، فهم مأجورون في ذلك، وهذا من البر بوالدهم. ولكن إنما يصح ذلك من المرشدين، أما القاصرون والبالغ غير الرشيد، فلا يجوز لوليهم أن يخرج من نصيبهم شيئاً. والله ولي التوفيق.

س 115: حكم‌

‌ من مات وعليه دين

لم يستطع أداءه لفقره. هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟

(2)

ج: أخرج أحمد وابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»

(3)

، وهذا

(1)

ج 20 ص 87

(2)

ج 20 ص 228

(3)

رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين من الصحابة)، باقي مسند أبي هريرة، برقم: 10221، والترمذي في (الجنائز)، باب (ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» )، برقم:1078.

ص: 277

محمول على من ترك مالاً يقضى به عنه، أما من مات عاجزاً، فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث؛ لقوله سبحانه وتعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}

(1)

، وقوله سبحانه:{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}

(2)

.

كما لا يتناول من بيت النية الحسنة بالأداء عند الاستدانة، ومات ولم يتمكن من الأداء؛ لما روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»

(3)

.

س: هل يجوز أن يرث المسلم الإنسان الذي يطوف حول القبور، ويستغيث بها؟ وهل يجوز أن يرث المسلم تارك الصلاة؟

(4)

ج: يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»

(5)

، فالذي يطوف بالقبور ويستغيث بأهلها، ويطلب منهم المدد لا يرث من المسلم، ولا يرثه المسلم؛ لهذا الحديث الصحيح.

وإنما يرث هذا الذي يطوف بالقبور أمثاله من عُبّاد القبور؛ لأنهم كفار مثله.

ويرث المسلم أمثاله من المسلمين. فالمسلم يرث المسلم، ولا يرث الكافر، وهكذا بالعكس: الكافر يرث الكافر، ولا يرث المسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» . متفق على صحته، من حديث أُسامة رضى الله عنه.

(1)

سورة البقرة، الآية 286.

(2)

سورة البقرة، الآية 280.

(3)

رواه البخاري في (الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس)، باب (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها)، برقم:2387.

(4)

ج 20 ص 253

(5)

رواه البخاري في (الفرائض)، باب (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)، برقم: 6764، ومسلم في (الفرائض)، باب (أول الكتاب)، برقم:1614.

ص: 278

وكذلك تارك الصلاة؛ لأن الصحيح أنه كافر كفراً أكبر، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه كفر أصغر، وأنه لا يكفر بذلك إذا كان يُقرُّ بالوجوب ولا يجحد وجوبها، ولكن الصواب: أنه كافر كفراً أكبر، وأن ورثته المسلمين لا يرثونه؛ يعني أقاربه المسلمين وإنما يكون إرثه لبيت المال؛ لأنه مرتد بهذا، إلا إذا كان له أقارب مثله في ترك الصلاة، فهم يرثونه، كما يرث الكفار بعضهم بعضاً.

س: ما حكم الشرع في رجل تزوج من امرأة وطلقها الطلقة الأولى، وفي أثناء العدة توفيت المرأة، فهل يستحق الزوج إرثه منها؟

(1)

ج: إذا توفيت المرأة وهي لم تخرج من عدة الطلاق الرجعي، فإن زوجها يرثها بإجماع المسلمين؛ لأنها في حكم الزوجات ما دامت في العدة، وهكذا لو مات فإنها ترثه.

أما إذا كان الطلاق غير رجعي كالطلاق الواقع على مال بذلته المرأة للزوج ليطلقها وهكذا إذا خالعته على مال فخلعها على ذلك بغير لفظ الطلاق، وهكذا المرأة التي يفسخ الحاكم نكاحها من زوجها؛ لمسوغ شرعي يقتضي ذلك، وهكذا من طلقها زوجها الطلقة الأخيرة من الثلاث، ولم يكن متهماً بقصد حرمانها من الميراث فإن هذه الفرقة في الصور الأربع فرقة بائنة، ليس فيها توارث بين الزوجين مطلقاً.

س: وقع كثير من الناس في ديون كثيرة. ما نصيحتكم للتاجر والمدين وغيرهم في هذه الأمور

(2)

؟

ج: النصيحة أن الإنسان يجتهد في الاقتصاد وعدم الدين، ويفرح بما أغناه الله عن الدين مهما أمكن، وإذا احتاج للدين فيكون عنده نية أن يسدد الدين، وأنه يجتهد في سداد

(1)

ج 20 ص 257

(2)

ج 24 ص 94

ص: 279

الدين إذا اضطر إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»

(1)

فليجتهد في النية الصالحة، ولا يستدين إلا إذا دعت إليه الضرورة، ولا يستكثر من الدين؛ فإنه قد يعجز عن الأداء؛ فينبغي له الاقتصاد في أموره، وتحري الاقتصاد في ملبسه ومأكله ومشربه وغير ذلك؛ حتى لا يحتاج للدين الكثير. وإذا احتاج للدين، فليجتهد في أسباب قضاء الدين بالطرق التي يستطيعها، مع النية الصالحة؛ نيته أن يبادر بالدين من حين يتيسر له ذلك، لا يتساهل؛ يعني يكون عنده نية صالحة أنه يعمل ويجتهد لقضاء الدين.

س:‌

‌ ما صحة حديث: «الربا بضع وسبعون حوباً»

؟

(2)

ج: لا بأس به، حديث جيد وتمامه:«وإن أربى الربا استطالة المسلم في عرض أخيه المسلم»

(3)

وهذا الحديث جاء من طرق متعددة، فالواجب على المؤمن أن يحذر أنواع الربا ويحذر المعاصي كلها؛ لهذا جعل صلى الله عليه وسلم الاستطالة في عرض المسلم من الربا؛ لأن ضررها عظيم وتسبب فتنة ونزاعات وفساداً في المجتمع وشحناء إذا بلغ الشخص ما قاله في الآخر، وبذلك وغيره من الأحاديث يعلم أن الغيبة والنميمة من أعظم الفساد في الأرض وهما من أربى الربا، فالربا ليس خاصاً بالبيع والشراء فقط، بل يكون في المعاصي والمخالفات والتعدي على الناس بالغيبة والنميمة. نسأل الله العافية - لأنه زيادة على ما أباح الله، فقد أربى بزيادته على ما أباح الله له حتى وقع في الحرام وارتكب ما نهى الله عنه نسأل الله السلامة.

(1)

أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس)، برقم:2212.

(2)

- ج 25 ص 255

(3)

- أخرجه الإمام أحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، برقم 1564.

ص: 280

‌فتاوى الأسرة

ص: 281

س: نشكو من بيوت الأفراح والمغالاة فيها. لاسيما أن كثيراً من الناس اتخذها عادة. ويشترط لزواج ابنته أن يكون البيت الفلاني

وهذا يثقل كاهل العريس، نرجو التوجيه

(1)

؟

ج: لا ريب أن السنة عدم التكلف في المهور والولائم من أجل تسهيل زواج الشباب والفتيات وأن يتواصى أهل الزوج وأهل الزوجة بترك التكلفة وبقلة المهور تشجيعا للشباب على الزواج.

ولا شك أن قصور الأفراح مما يثقل كاهل الزوج والزوجة في بعض الأحيان، وكذلك الولائم .. مما يشق عليهما أيضاً. فالمشروع للجميع عدم التكلف في ذلك كله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خير الصداق أيسره، وخيرهن أقلهن مؤنة) فالمشروع للجميع الحرص على إتباع السنة فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة). والنبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بخبز ولحم، ودعا الناس إلى وليمته.

والمقصود: أن جنس الولائم مشروع في النكاح، لكن ينبغي للمسلم عدم التكلف بجعل الطعام الكثير الذي يفضي إلى إلقائه في القمائم والمحلات المرغوب عنها، ويمنعها الفقراء والمحاويج، وإذا اكتفوا بقصورهم ولم يتوسعوا في دعوة الناس .. فالأمر في هذا أحسن. لأن المهم إعلان النكاح، والقيام بالوليمة ولو بشاة واحدة، أو شاتين ودعوة بعض الأقارب وعدم التوسع في ذلك أرفق بالجميع.

(1)

ج 3 ص 448

ص: 283

س: إن بعض الآباء لا يهتم بأبنائه من ناحية أمور الدين فمثلا لا يأمرهم بالصلاة ولا بقراءة القرآن ومجالسة الأخيار، ونجده يأمر بالمحافظة على المدارس ويغضب إذا تخلف ابنه عنها، فما هي نصيحتكم يا سماحة الشيخ

(1)

؟

ج: نصيحتي للآباء والأعمام والإخوان أن يتقوا الله فيمن تحت أيديهم من الأولاد ويأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا ويضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مروا أبنائكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» فالواجب على الآباء والأمهات وعلى الإخوان الكبار أن يقوموا على من تحت أيديهم في الصلاة وغيرها ويمنعوهم مما حرم الله ويلزموهم بما أوجب الله، هذا هو الواجب فهم أمانة عندهم. يقول الله سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}

(2)

، ويقول الله عز وجل:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}

(3)

ويقول عن نبيه ورسوله إسماعيل عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}

(4)

فعلينا أن نمتثل أمر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن نلزم أهلينا وأولادنا بطاعة الله ورسوله

(1)

ج 7 ص 190

(2)

- سورة التحريم الآية 6.

(3)

- سورة طه الآية 132.

(4)

- سورة مريم الآيتان 54 - 55.

ص: 284

في الصلاة وغيرها، ونمنعهم مما نهى الله ورسوله كالتخلف عن الصلاة، وشرب الخمر، والتدخين، والاستماع لآلات الملاهي، وصحبة الأشرار ونحو ذلك.

ونلزمهم بصحبة الأخيار. هكذا يجب على الأولياء مع من تحت أيديهم من ذكور وإناث. والله سبحانه سائلهم عن ذلك يوم القيامة كما قال عز وجل: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(1)

.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والعبد راع في مال سيده ومسئول عن رعيته»

س: فضيلة الشيخ: يقول البعض: إن من أسباب ضعف مستوى الطالب الديني والعلمي إهمال الآباء لأبنائهم واهتمامهم بمشاريعهم الخاصة وعدم متابعتهم، فهل من نصيحة من فضيلتكم لهؤلاء الأولياء

(2)

؟

ج: لا شك أن إهمال الآباء والأمهات لأولادهم وعدم تشجيعهم على طلب العلم من الأسباب المؤدية إلى ضعفهم. والواجب على الآباء والأمهات والإخوة الكبار أن يكونوا عونا لأولادهم على التفقه في الدين، والتعلم، والعناية بطلب العلم، والمحافظة على أوقات الدراسة، هذا هو الواجب عليهم. وأما إهمالهم والتساهل معهم فهو من أسباب فشلهم، ومن أسباب قلة علمهم، ومن أسباب

(1)

- سورة الحجر الآيتان 92 - 93.

(2)

ج 8 ص 279

ص: 285

تكاسلهم. فالواجب على الآباء والأمهات والإخوة الكبار أن يؤدبوا من يتخلف ويتساهل، وأن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يشجعوا الأولاد على الجد والنشاط، والمواظبة على الدروس، والمحافظة على أوقات الدراسة، والمحافظة على الصلاة في الجماعة صلاة الفجر وغيرها. هذا هو الواجب على الجميع. نسأل الله أن يوفق المسلمين لأداء ما يجب عليهم لأولادهم وغيرهم، إنه خير مسئول وأقرب مجيب. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

س: ما حكم من يلعن زوجته أو بعض أبنائه؟ وهل يعد لعن المرأة طلاقا أم لا

(1)

؟

ج: لعن المرأة لا يجوز، وليس بطلاق لها، بل هي باقية في عصمته، وعليه: التوبة إلى الله من ذلك، واستسماحه لها من سبه إياها. وهكذا لا يجوز لعنه لأبنائه ولا غيرهم من المسلمين. لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» متفق على صحته، وقوله عليه الصلاة والسلام:«لعن المؤمن كقتله» خرجه البخاري في صحيحه.

وهذان الحديثان الصحيحان يدلان على: أن لعن المسلم لأخيه من كبائر الذنوب. فالواجب الحذر من ذلك، وحفظ اللسان من هذه الجريمة الشنيعة. ولا تطلق المرأة بلعنها، بل باقية في عصمة زوجها كما تقدم.

س: إن بعض الناس يمتاز أحد من أولاده على الآخر بالبر والعطف على والديه، فيخصه والده بالبر والعطية من أجل ما امتاز به من البر. فهل من العدل أن يعطى المتميز بالبر عوضا عن بره

(2)

؟.

(1)

ج 8 ص 398

(2)

ج 9 ص 234

ص: 286

ج: لا شك أن بعض الأولاد خير من بعض هذا أمر معلوم لكن ليس للوالد أن يفضل بسبب ذلك بل يجب أن يعدل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم»

(1)

فلا يجوز له تفضيل من أجل أن هذا أحسن من هذا وأبر من هذا، بل يجب أن يعدل بينهم ونصيحة الجميع حتى يستقيموا على البر وعلى طاعة الله ورسوله؛ ولكن لا يفضل بعضهم على بعض في العطية، ولا يوصي لبعضهم دون بعض؛ بل كلهم سواء في الميراث والعطية على حسب ما جاء به الشرع من الميراث، والعطية، يعدل بينهم كما جاء في الشرع فللرجل مثل حظ الأنثيين، فإذا أعطى الرجل من أولاده ألفا يعطي المرأة خمسمائة، وإذا كانوا مرشدين وتسامحوا، وقالوا: أعط أخانا كذا، وسمحوا سماحا واضحا. فإذا قالوا: نسمح أن تعطيه سيارة أو تعطيه كذا .. ويظهر له أن سماحهم حقيقة ليس مجاملة ولا خوفا منه، فلا بأس.

والمقصود أن يتحرى العدل إلا إذا كان الأولاد مرشدين سواء، أكانوا ذكورا أو إناثا وسمحوا لبعضهم أن يعطوا شيئا لأسباب خاصة، فلا بأس، فالحق لهم.

س: كيف أبر أمي بعد موتها؟

(2)

ج: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال يا رسول الله: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما فقال عليه الصلاة والسلام: «الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما»

(3)

هذا كله من بر الوالدين بعد وفاتهما.

(1)

- رواه البخاري في كتاب الهبة برقم 2398 عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

(2)

- ج 9 ص 295

(3)

- رواه أبو داود في الأدب برقم 4476، وأحمد في مسند المكيين برقم 15479.

ص: 287

فنوصيك بالدعاء للوالدة والاستغفار لها وتنفيذ وصيتها الشرعية وإكرام أصدقائها وصلة أخوالك وخالاتك وسائر أقاربك من جهة الأم. وفقك الله ويسر أمرك. وتقبل منا ومنك ومن كل مسلم. والله الموفق.

س: إن والدي كثير المعاصي ولا يقبل مني النصيحة فماذا أفعل

(1)

؟

ج: نسأل الله لوالدك الهداية وأن يمن عليه بالتوبة، ونوصيك بالرفق به ونصيحته بالأسلوب الحسن وعدم اليأس من هدايته لقول الله سبحانه:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}

(2)

الآية.

فأوصى سبحانه بشكر الوالدين مع شكره، وأمر الولد أن يصاحبهما في الدنيا معروفا وإن جاهداه على الكفر بالله، وبذلك تعلم أن المشروع لك أن تصحب والدك بالمعروف وأن تحسن إليه وإن أساء إليك وأن تجتهد في دعوته إلى الحق لعل الله يهديه بأسبابك. ولا يجوز لك أن تطيعه في معصية، ونوصيك أيضا بأن تستعين على هدايته بالله عز وجل ثم بأهل الخير من أقاربك كأعمامك وغيرهم ممن يقدرهم ويحترمهم أبوك لعله يقبل نصيحتهم. نسأل الله لنا ولك وله الهداية والتوفيق للتوبة النصوح إنه سميع قريب.

(1)

ج 9 ص 313

(2)

- سورة لقمان الآيتان 14 - 15.

ص: 288

س: المرأة المسلمة إذا سبت زوجها أو دين زوجها هل تصبح طالقا في الشرع كما نسمع من أكثر الناس؟ أفيدونا أفادكم الله

(1)

.

ج: إذا سبت المرأة زوجها لا تكون طالقا، ولكن عليها التوبة إلى الله واستسماح زوجها، فإذا سمح عنها فلا بأس، وإذا سبها كما سبته قصاصا لا يزيد على ذلك فلا بأس أيضا، وإن سمح عنها فهو أفضل؛ لأن الله يقول:{وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}

(2)

.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا»

(3)

أما سبها لدين زوجها المسلم فهو كفر أكبر، يجب عليها المبادرة بالتوبة من ذلك، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك.

س: إذا اتفق الإخوة أن يزوجوا عيالهم كل واحد ابنة الثاني بدون مهر. هل يدخلون في ذلك في الشغار

(4)

؟

ج: ليس هذا من الشغار، إذا كان ما هو بشرط بل هذا خطب هذه، وهذا خطب هذه، واتفق آباء الأولاد والنساء على ذلك من دون شرط، فلا بأس بذلك. ولكن لابد من المهر، لكل واحدة مهر المثل وإن لم يسموه فلابد من المهر؛ لأن الله جل وعلا قال:{لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً}

(5)

فالنكاح صحيح، ثم قال بعده {وَمَتِّعُوهُنَّ} ، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى

(1)

ج 28 ص 221

(2)

سورة البقرة الآية 237

(3)

أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع برقم 2588.

(4)

ج 20 ص 284

(5)

سورة البقرة، الآية 236.

ص: 289

الله عليه وسلم سئل عن المرأة التي لا يفرض لها، قال:«لها مهر نسائها؛ لا وكس، ولا شطط»

(1)

.

س: هل زوج الأخت يعتبر محرماً للأخت الأخرى مؤقتاً، بحيث يجوز أن يختلي بها، وكذلك عمة البنت

(2)

؟

ج: لا، زوج الأخت ليس محرماً لها، زوج الأخت والخالة وكذلك العمة، لا تكون عمتها التي يحرم عليه نكاحها مع البنت، فلا يجمع بينهما، وهكذا خالتها، إنما هذا تحريم مؤقت، ولم يكن محرماً لها زوج أختها، وهكذا زوج عمتها، وهكذا زوج خالتها وهكذا نفس العمة عمة الزوجة وأخت الزوجة وخالة الزوجة، لسن محارم للزوج المذكور؛ لأنهن محرمات عليه، متى طلق أختهن أو بنت أخيهن أو بنت أختهن، جاز له النكاح بعد العدة، فالحاصل أن بعض الناس يتساهل مع بعض النساء؛ مع زوج أختها، ويتساهل بعض الناس مع أخي زوجها، أو عم زوجها، وهذا غلط لا يجوز. فلا يجوز للمرأة أن تتساهل مع أخي زوجها، فإنه ليس محرماً لها، وليس عمه محرماً لها، ولا خاله، وإنما المحرم: أبوه وابنه هما المحارم.

أما أخو الزوج وعم الزوج وابن عم الزوج وخال الزوج فليسوا محارم، كذا زوج الأخت وزوج العمة وزوج الخالة ليسوا محارم، المحرم زوج بنتها، زوج أمها، هذا هو المحرم، أما زوج أختها وزوج عمتها، وزوج خالتها، فليسوا محارم، يجب الحجاب والتحرز، وعدم الخلوة.

(1)

صحيح ابن حبان، رقم:(4099) 9/ 409.

(2)

ج 20 ص 289

ص: 290

س: ما الطريقة المثلى في‌

‌ اختيار الزوجة الصالحة

؟

(1)

ج: سؤال أهل العلم والأمانة عنها وعن أهلها، حتى يثبت لدى الخاطب أنها من ذوات الدين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»

(2)

. متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم:«الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»

(3)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل»

(4)

، وقوله عليه الصلاة والسلام:«مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فإن حامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة»

(5)

. والله ولي التوفيق.

س: إن والدي عقد نكاح شقيقتي البالغة من العمر ست عشر سنة إجبارياً على رجل لا ترغبه، وأنها تحاول قتل نفسها بكل طريقة، وتقول: الموت أحب إلي منه؟

(6)

(1)

ج 20 ص 404

(2)

رواه البخاري في (النكاح)، باب (الأكفاء في الدِّين)، برقم: 5090، ومسلم في (الرضاع)، باب (استحباب نكاح ذات الدين)، برقم:1466.

(3)

رواه مسلم في (الرضاع)، باب (خير متاع الدنيا المرأة الصالحة)، برقم:1467.

(4)

رواه الإمام أحمد (2/ 334)، والحاكم في (المستدرك) 4/ 188، برقم:7319.

(5)

رواه البخاري في (الذبائح والصيد)، باب (المسك)، برقم: 5534، ومسلم في (البر والصلة والآداب) باب (استحباب مجالسة الصالحين)، برقم:2628.

(6)

ج 20 ص 409

ص: 291

ج: مثل هذا الزواج منكر لا يجوز، ولا يصح في أصح أقوال العلماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تزويج النساء إلا بإذنهن، وأخبر أن البكر إذنها سكوتها، ولما أخبرته صلى الله عليه وسلم جارية، أن أباها زوجها وهي كارهة، خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين البقاء معه أو الترك.

وما اعتاده بعض البادية وغيرهم من تزويج الأبكار دون مشاورتهن، فهي عادة سيئة باطلة، والغصب لا يأتي بخير، بل يضر الجميع.

والذي أرى: أن توسطوا أهل الخير في فسخ هذا النكاح، فإن أجدت الوساطة فذلك المطلوب، وإلا فاعرضوا الموضوع على المحكمة، وهي إن شاء الله تحل المشكل. وفق الله الجميع.

س: كثيراً ما يحدث بين الناس مثل هذا في كثير من البيوت، وهو عضل البنت عن الزواج؛ بسبب رأي أحد أفراد الأسرة. حبذا لو تفضلتم بتوجيه عام في هذا

(1)

؟

ج: الواجب على الأسرة وبالأخص على وليها أن يختار لها الرجل الصالح الطيب في دينه وخلقه، فإذا رضيت وجب أن تُزوَّج، ولا يجوز لأحد أن يعترض في ذلك؛ لهوى في نفسه؛ أو لغرض آخر من الدنيا، أو لعداوة وشحناء، كل ذلك لا يجوز اعتباره، وإنما المعتبر كونه مرضياً في دينه وأخلاقه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في شأن المرأة:«تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»

(2)

، وهكذا يقال في الرجل سواءً بسواء.

(1)

ج 20 ص 417

(2)

رواه البخاري في (النكاح)، (باب الأكفاء في الدِّين)، برقم: 5090، ومسلم في (الرضاع)، باب (استحباب نكاح ذات الدين)، برقم:1466.

ص: 292

فالواجب الحرص على الظفر بصاحب الدين، وإن أبى بعض الأسرة فلا يلتفت إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير»

(1)

.

س: عندنا عادة في بلدتنا، لا أدري أهي عادة، أم مشروعة؟ وأود أن أرى الرأي الشرعي فيها، وهي: يعتمد بعض الأسر عدم تزويج البنت الصغرى إذا تقدم لها خاطب، مجاملة لأختها الكبرى التي لم يتقدم لها خاطب؟

(2)

ج: هذه العادة سيئة لا يجوز فعلها، والواجب على ولي المرأة تزويجها إذا خطبها الكفء المرضي دينه وخلقه، إذا رضيت بذلك، ولو كانت الصغرى، ولا يجوز أن يؤجل تزويجها إلى أن تتزوج الكبرى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»

(3)

، ولأن تأخير زواج الصغرى إلى أن تتزوج الكبرى ظلم للصغرى، وسبب لتعطيلهما جميعاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»

(4)

.

فوصيتي لجميع الأولياء تقوى الله، والحرص على تزويج مولياتهم بالأكفاء، والحذر من ظلمهن، وتأخير تزويجهن بغير حق. وفق الله الجميع.

(1)

ذكره البيهقي في (السنن الكبرى)، بلفظ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه

»، في باب (الترغيب في التزويج من ذي الدين والخلق المرضي)، برقم:13259.

(2)

ج 20 ص 420

(3)

رواه الترمذي في (النكاح)، باب (ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه)، برقم:1084.

(4)

رواه البخاري في (المظالم والغصب)، باب (الظلم ظلمات يوم القيامة)، برقم 2447، ومسلم في (البر والصلة والآداب)، باب (تحريم الظلم)، برقم:2578.

ص: 293

س: راتب البنت ووظيفتها والحالة المادية والاجتماعية للخاطب، ودراسة المخطوبة أيضاً، كل هذا يكون أسباباً أحياناً لتأخير الزواج، فكيف توجهون ذلك لو تكرمتم؟

(1)

ج: الواجب البدار بالزواج، ولا ينبغي أن يتأخر الشاب عن الزواج من أجل الدراسة، ولا ينبغي أن تتأخر الفتاة عن الزواج للدراسة؛ فالزواج لا يمنع شيئاً من ذلك، ففي الإمكان أن يتزوج الشاب، ويحفظ دينه وخلقه ويغض بصره، ومع هذا يستمر في الدراسة. وهكذا الفتاة إذا يسر الله لها الكفء، فينبغي البدار بالزواج وإن كانت في الدراسة سواء كانت في الثانوية أو في الدراسات العليا كل ذلك لا يمنع.

فالواجب البدار والموافقة على الزواج إذا خطب الكفء، والدراسة لا تمنع من ذلك.

ولو قطعت من الدراسة شيئا فلا بأس. المهم أن تتعلم ما تعرف به دينها، والباقي فائدة.

والزواج فيه مصالح كثيرة، ولا سيما في هذا العصر؛ ولما في تأخيره من الضرر على الفتاة وعلى الشاب.

فالواجب على كل شاب وعلى كل فتاة البدار بالزواج إذا تيسر الخاطب الكفء للمرأة. وإذا تيسرت المخطوبة الطيبة للشاب، فليبادر؛ عملا بقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فى الحديث الصحيح: «يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإن له

(1)

ج 20 ص 421

ص: 294

وجاء»

(1)

متفق على صحته. وهذا يعم الشباب من الرجال والفتيات من النساء، وليس خاصا بالرجال، بل يعم الجميع، وكلهم بحاجة إلى الزواج. نسأل الله للجميع الهداية.

س: سماحة الشيخ: ما الفرق بين‌

‌ زواج المسيار

والزواج الشرعي؟ وما الشروط الواجب توافرها لزواج المسيار؟ جزاكم الله خيراً.

(2)

ج: الواجب على كل مسلم أن يتزوج الزواج الشرعي، وأن يحذر ما يخالف ذلك سواء سمي زواج مسيار، أو غير ذلك.

ومن شرط الزواج الشرعي الإعلان، فإذا كتمه الزوجان لم يصح؛ لأنه والحال ما ذكر أشبه بالزنا. والله ولي التوفيق.

س: لي ابن يرغب في الزواج، وهو لا يصلي وعليه بعض المعاصي، وأنا أرغب في تزويجه لعل وعسى أن يكون في ذلك تعديل لمسار حياته، فهل يجوز لي ذلك؟ وما نصيحتكم جزاكم الله خيراً، مع رجائنا الدعاء له وفقكم الله

(3)

.

ج: الواجب عليك نصيحته وتأدبيه حتى يصلي، وليس لك تزويجه حتى يصلي؛ لأن ترك الصلاة كفر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة»

(4)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»

(5)

أخرجه أحمد وأهل السنن الأربعة بإسناد صحيح. نسأل الله لنا وله

(1)

رواه البخاري في (النكاح)، باب (قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من استطاع منكم الباءة فليتزوج» )، برقم: 5065، ومسلم في (النكاح)، باب (استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه)، برقم:1400.

(2)

ج 20 ص 431

(3)

- ج 21 ص 73

(4)

- رواه مسلم في (الإيمان) باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم (82).

(5)

- رواه الترمذي في (الإيمان) باب ما جاء في ترك الصلاة برقم (2621).

ص: 295

الهداية ونسأل الله أن يعينك على إصلاحه، ومن أسباب صلاحه تحذيره من جلساء السوء، ووصيته بمجالسه الأخيار. نسأل الله لك وله الإعانة على كل ما فيه صلاحه.

س:‌

‌ التغالي في مهور النساء

هل يحل لأهل المرأة أكله أم لا؟ وما الدليل؟

(1)

ج: يكره التغالي في مهور النساء، ويسن التخفيف في ذلك والتيسير، ولكن لا يحرم المهر على المرأة ولو كان فيه مغالاة؛ لقول الله عز وجل:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}

(2)

لآية، والقنطار هو المال الكثير، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بأربعمائة دينار، سلمها لها النجاشي عنه صلى الله عليه وسلم، قيمتها أربعة آلاف درهم في ذلك الوقت.

س:‌

‌ ما حكم الأغاني

، هل هي حرام أم لا، رغم أنني أسمعها بقصد التسلية فقط؟ وما حكم العزف على الربابة والأغاني القديمة؟ وهل القرع على الطبل في الزواج حرام، بالرغم من أنني سمعت أنها حلال ولا أدري؟ أثابكم الله، وسدد خطاكم

(3)

.

ج: إن الاستماع إلى الأغاني حرام ومنكر، ومن أسباب مرض القلوب، وقسوتها، وصدها عن ذكر الله، وعن الصلاة.

وقد فسر أكثر أهل العلم قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}

(4)

الآية بالغناء. وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقسم على أن لهو الحديث هو الغناء.

(1)

- ج 21 ص 87

(2)

- سورة النساء، الآية 20.

(3)

ج 21 ص 164

(4)

سورة لقمان، الآية 6

ص: 296

وإذا كان مع الغناء آلة لهو، كالربابة والعود والكمان والطبل، صار التحريم أشد. وذكر بعض العلماء أن الغناء بآلة لهو محرم إجماعاً. فالواجب الحذر من ذلك، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف»

(1)

والحر: هو الفرج الحرام - يعني الزنا - والمعازف: هي الأغاني وآلات الطرب. وأوصيك وغيرك بسماع إذاعة القرآن الكريم، وبرنامج نور على الدرب، ففيهما فوائد عظيمة، وشغل شاغل عن سماع الأغاني وآلات الطرب.

أما الزواج، فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد، الذي ليس فيه دعوة إلى محرم، ولا مدح لمحرم، في وقت من الليل، للنساء خاصة، لإعلان النكاح، والفرق بينه وبين السفاح كما صحت السنة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما الطبل فلا يجوز ضربه في العرس، بل يكتفى بالدف خاصة.

ولا يجوز استعمال مكبرات الصوت في إعلان النكاح، وما يقال فيه من الأغاني المعتادة، لما في ذلك من الفتنة العظيمة والعواقب الوخيمة، وإيذاء المسلمين. ولا يجوز أيضا إطالة الوقت في ذلك، بل يكتفي بالوقت القليل الذي يحصل به إعلان النكاح، لأن إطالة الوقت تفضي إلى إضاعة صلاة الفجر، والنوم عن أدائها في وقتها، وذلك من أكبر المحرمات ومن أعمال المنافقين.

س: ماذا تأمرون الشاب إذا لم يستطيع الزواج وإذا لم يتزوج

(2)

؟

ج: عليه أولاً، أن يتقي الله وأن يحذر شر النفس، من الوقوع في الفواحش المحرمة، وأن يستعين بالله على حفظ عفته، وحفظ فرجه، ومن ذلك الاستعانة

(1)

رواه البخاري معلقا في (كتاب الأشربة) باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه.

(2)

ج 21 ص 218

ص: 297

بالصيام، يصوم كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»

(1)

من استطاع الباءة وهو الزواج فليبادر بالزواج، وليبادر أبوه وإخوانه على معاونته، وهكذا غيرهم، وإذا لم يستطع الزواج، ولم يتيسر الزواج، فليتق الله، وليسأل ربه العون، وليحذر من نزغات الشيطان، في قضاء الوطر فيما حرم الله عز وجل، وليستعين بالصوم، فإن الصوم يعين، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فيصوم ويجتهد في أسباب العفة والعافية، من غض البصر عن النظر إلى النساء، والعناية بأسباب حفظ الفرج، والله يعينه ويوفقه، إذا صدق وأخلص يسر الله أمره ويسر له النكاح.

س: ما رأي سماحتكم في زواج الطالب القادر على الزواج، والذي يدرس في الجامعة هل في ذلك تأثير على دروسه

(2)

؟

ج: الذي أنصح به هو الزواج المبكر؛ لأنه لا يؤثر على الدروس، وقد كان السلف الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، يدرسون ويتعلمون ويتزوجون، فالزواج يعينه على الخير، إذا كان عنده قدرة، يعينه على الخير ولا يصده عن الدراسة، ولا يعطله عن الدراسة، بل يسبب غض بصره، وطمأنينة نفسه، وراحة ضميره، وكفه عما حرم الله عليه، فإذا تيسر له الزواج، فالنصيحة له أن يتزوج، وأن

(1)

رواه البخاري في (كتاب النكاح) باب من لم يستطع الباءة فليصم، حديث رقم (4678) ورواه مسلم في (كتاب النكاح) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، حديث رقم (2485).

(2)

ج 21 ص 222

ص: 298

يتقي الله في ذلك، وأن يعمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم:«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» الحديث.

س: أرجو من فضيلتكم توجيه نصيحة لمن ابتلي بالبنات وفضل تربيتهن وحسن معاملتهن؟

(1)

ج: الواجب لمن رزق بالبنات أن يحسن إليهن ويحسن تربيتهن. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له حجاباً من النار»

(2)

.

والسنة أن يحسن تربيتهن ويدعو لهن بالصلاح. ويرفق بهن وله البشرى في إحسانه للبنات أو الأخوات. ويدعوا الله لهن بالأزواج الصالحين، الذين يحسنون رعايتهن ويأتمرون بأمر الله فيهن.

س: ما حكم من يطيل السفر حتى يغيب عن زوجته وأولاده لمدة سنة أو سنتين بسبب البحث عن الرزق وأيضا ارتباطات العمل وبعض الديون؟

(3)

ج: لا حرج إذا سافر لطلب الرزق أو طلب العلم، لا حرج في ذلك ولو طالت مدته، لكن إذا تيسر أن يأتي بين وقت وآخر إلى أهله، حرصا على السلامة والعفة،

(1)

ج 21 ص 227

(2)

رواه الترمذي في (كتاب البر والصلة) باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، بلفظ:«من ابتلي بشيء من البنات فصبر عليهن كن له حجابا من النار» وقال: حديث حسن، ورواه ابن ماجه في (كتاب الأدب) باب بر الولد والإحسان إلى البنات، بلفظ:«من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجابا من النار يوم القيامة» .

(3)

ج 21 ص 234

ص: 299

هذا ينبغي له مهما أمكن، ولو في كل ستة أشهر مرة أو أربعة أشهر، إذا استطاع ذلك يجمع بين المصالح، يأتي إليهم بعد ستة أشهر أو أربعة أشهر، يقيم عندهم بعض الأيام ثم يرجع وإن شق عليه ذلك فهو معذور.

س: إذا غضبت الزوجة من زوجها لسبب دنيوي، وقاطعته في الحديث والمجالسة لفترة معينة تمتد لأيام، ما حكم ذلك؟ وهل من كلمة عن حقوق الزوج على زوجته؟

(1)

ج: الواجب على الزوجة السمع والطاعة لزوجها في المعروف، ولا يجوز لها هجره إلا لموجب شرعي، وعليه هو أيضا معاشرتها بالمعروف، وعدم هجرها إلا لأمر شرعي؛ لقول الله عزوجل:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

(2)

وقوله سبحانه: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}

(3)

الآية.

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً»

(4)

. والله ولي التوفيق.

س: يكثر بين الناس عندنا الحلف بالطلاق والحرام، فما حكم ذلك؟

(5)

ج: أما الحلف بالطلاق فهو مكروه، ولا ينبغي فعله؛ لأنه وسيلة إلى فراق الأهل - عند بعض أهل العلم - ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، فينبغي للمسلم حفظ لسانه من ذلك - إلا عند الحاجة إلى الطلاق - والعزم عليه في غير حال الغضب.

(1)

ج 21 ص 255

(2)

سورة النساء، الآية 19.

(3)

سورة البقرة، الآية 228.

(4)

رواه البخاري في (كتاب النكاح) باب الوصاة بالنساء، حديث رقم (4787) ورواه مسلم في (كتاب الرضاع) باب الوصية بالنساء، حديث رقم (2671).

(5)

ج 22 ص 108

ص: 300

والأولى الاكتفاء باليمين بالله سبحانه إذا أحب الإنسان أن يؤكد على أحد من أصحابه أو ضيوفه للنزول عنده للضيافة أو غيرها، أما في حالة الغضب، فينبغي له أن يتعوذ بالله من الشيطان، وأن يحفظ لسانه وجوارحه عما لا ينبغي، أما التحريم فلا يجوز سواء كان بصيغة اليمين أو غيرها؛ لقول الله سبحانه:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}

(1)

الآية. ولأدلة أخرى معروفة، ولأنه ليس للمسلم أن يحرم ما أحل الله له. أعاذ الله الجميع من نزغات الشيطان.

س: هل يجوز للمحادة أن تخرج إلى السوق لقضاء حاجاتها؟

(2)

ج: يجوز للمحادة أن تخرج إلى السوق لقضاء حاجتها، وإلى المستشفى للعلاج، وهكذا يجوز لها الخروج للتدريس وطلب العلم؛ لأن ذلك من أهم الحاجات، مع تجنب الزينة والطيب والحلي من الذهب والفضة والماس، ونحو ذلك. وعلى المحادة أن تراعي خمسة أمور:

الأول: بقاؤها في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه -إذا تيسر ذلك -.

الثاني: اجتناب الملابس الجميلة.

الثالث: اجتناب الطيب، إلا إذا كانت تحيض، فلها استعمال البخور عند طهرها من الحيض.

الرابع: عدم لبس الحلي من الذهب والفضة والماس، ونحو ذلك.

الخامس: عدم الكحل والحناء؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ما ذكرنا. والله ولي التوفيق.

(1)

سورة التحريم، الآية 1.

(2)

ج 22 ص 200

ص: 301

س: امرأة فقد زوجها وبعد أسبوع وجد ميتا، واعتقد أنه توفي قبل ثلاثة أيام، فمتى تبدأ عدتها؟ هل من تاريخ فقده، أم من التاريخ الذي يظن أنه مات فيه، أم من تاريخ العثور عليه؟ نرجو التكرم بالإجابة

(1)

.

ج: عليها أن تبدأ العدة من حين وجد ميتاً؛ لأن هذا هو المتيقن، وهي - أربعة أشهر وعشر -، وعليها الإحداد أيضاً إلا أن تكون حاملاً، فمدتها تنتهي بوضع الحمل؛ لقول الله سبحانه:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}

(2)

الآية، وقوله عز وجل:{وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}

(3)

؛ ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أفتى سبيعة الأسلمية بخروجها من العدة بوضع الحمل»

(4)

متفق على صحته. والله ولي التوفيق.

س: لقد رضعت من امرأة ثلاثة رضعات؛ كل يوم رضعة واحدة، وفي مجالس مختلفة، هل أكون أخاً لمن رضعت من أمه أم لا؟ أفيدونا أثابكم الله

(5)

.

ج: هذه الرضعات الثلاث لا يحصل بها تحريم الرضاع، وإنما يحصل التحريم بخمس رضعات أو أكثر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان»

(6)

،

(1)

ج 22 ص 218

(2)

سورة البقرة، الآية 234.

(3)

سورة الطلاق، الآية 4.

(4)

أخرجه البخاري برقم: 3691 (كتاب المغازي)، ومسلم برقم: 2728 (كتاب الطلاق).

(5)

ج 22 ص 238

(6)

أخرجه مسلم برقم: 2631 (كتاب الرضاع)، باب (في المصة والمصتان)، وابن ماجة برقم: 1930 (كتاب النكاح)، باب (لا تحرم المصة ولا المصتان)، واللفظ له.

ص: 302

ولما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك» . خرجه الإمام مسلم في صحيحة، والإمام الترمذي في جامعه، وهذا لفظه.

والرضعة هي: إمساك الثدي وابتلاع اللبن - ولو لم يشبع، ولو طالت - فإذا أطلقه فهذه رضعة، فإن عاد وأمسك الثدي وامتص منه اللبن، فهذه رضعة ثانية، وهكذا، بشرط: أن يكون الطفل في

الحولين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع إلا في الحولين»

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إنما الرضاعة من المجاعة»

(2)

وبالله التوفيق.

س: الرضاع يحرم الزواج من المرتضعين، لكن هل يمنع الزواج من جميع الإخوة من الجهتين؟ نرجو الإيضاح جزاكم الله خيراً.

(3)

ج: إذا ارتضع إنسان من امرأة رضاعاً شرعياً يحصل به التحريم - وهو أن يكون خمس رضعات أو أكثر، حال كون الرضيع في الحولين - فإنها تحرم عليه المرضعة وأمهاتها وأخواتها وعماتها وخالتها وبناتها وبنات بنيها وبنات بناتها وإن نزلن - سواء كن من زوج أو أزواج -؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» .

(1)

رواه الدار قطني 4/ 174، باب (ما كان في الحولين).

(2)

أخرجه البخاري برقم: 2453 (كتاب الشهادات)، باب (الشهادات والرضاع المستفيض والموت)، ومسلم برقم: 2642 (كتاب الرضاع)، باب (إنما الرضاعة من المجاعة).

(3)

ج 22 ص 300

ص: 303

لكن لا يحرم على إخوته الذين لم يرتضعوا من المرأة التي أرضعته نكاح بناتها؛ لأنها ليست أماً لهم؛ لكونها لم ترضعهم وإنما أرضعت أخاهم، ولا يحرم على أبنائها نكاح أخوات المرتضع منها؛ لأنهن لسن بنات لها، ولسن أخوات لأبنائها لعدم الرضاعة، وجميع ما ذكرنا يتضح من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . متفق على صحته. والله ولي التوفيق.

س: إذا كان عند رجل يتيم، وله مال، والرجل قائم بمصالح اليتيم، فهل يجوز له التصرف في ماله، مع العلم أن رأس مال اليتيم محفوظ، وسيرجع إليه؟

(1)

.

ج: قد أمر الله سبحانه وتعالى بالإصلاح لليتامى، ونهى عن قربان أموالهم إلا بالتي هي أحسن، فقال تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}

(2)

. وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}

(3)

.

فالواجب على ولي اليتيم أن يعمل بمقتضى هاتين الآيتين، وذلك هو الإصلاح في أموال اليتامى، وبذل الجهد في تنميتها، وتكثيرها، وحفظها؛ إما بالتجارة فيها، أو بدفعها إلى ثقة يتجر فيها بجزء مشاع من الربح؛ كالنصف ونحوه، حسب المتعارف عليه في بلد المعاملة، وإذا تبرع بجميع الربح لليتيم فذلك خير وأفضل، أما تصرف ولي اليتيم في أموال اليتيم في مصلحة الولي، وقضاء حاجاته، وتنمية تجارته، ونحو ذلك، فالظاهر أن ذلك لا يجوز، لأن ذلك ليس من الإصلاح لليتيم، وليس من قربانها بالتي هي أحسن.

(1)

ج 22 ص 321

(2)

سورة البقرة، الآية 220.

(3)

سورة الأنعام، الآية 152.

ص: 304

أما إذا أنفقها ليحفظها لليتيم، بنية القرض؛ لكونه يخاف عليها إذا بقيت من التلف، أو السرقة، ونحو ذلك، ولم يجد ثقة يعمل في مال اليتيم، فهذا - والحالة هذه - يعتبر من الإصلاح، والحفظ لمال اليتيم، إذا كان الولي مليئاً، ليس على مال اليتيم خطر في بقائه في ذمته.

والخلاصة: أن الواجب على ولي اليتيم هو عمل الصالح لليتيم، والله سبحانه هو الذي يعلم المفسد من المصلح، يجازي كل عامل بعمله؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ونسأله أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه.

س: هل حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله خاص بالذكور أم أن من عملت عمل هؤلاء من النساء تحصل على الأجر المذكور في الحديث؟

(1)

ج: ليس هذا الفضل المذكور في هذا الحديث خاصاً بالرجال بل يعم الرجال والنساء، فالشابة التي نشأت في عبادة الله داخلة في ذلك، وهكذا المتحابات في الله من النساء داخلات في ذلك، وهكذا كل امرأة دعاها ذو منصب وجمال إلى الفاحشة فقالت: إني أخاف الله، داخلة في ذلك، وهكذا من تصدقت بصدقة من كسب طيب لا تعلم شمالها ما تنفق يمينها داخلة في ذلك، وهكذا من ذكر الله خاليا من النساء داخل في ذلك كالرجال، أما الإمامة فهي من خصائص الرجال وهكذا صلاة الجماعة في المساجد تختص بالرجال، وصلاة المرأة في بيتها أفضل لها كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله ولي التوفيق

(1)

- ج 25 ص 143

ص: 305

س: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن كن له حجاباً من النار» ، هل يكن حجاباً من النار لوالدهم فقط أم معه الأم وعندي ولله الحمد ثلاث بنات

(1)

؟

ج: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه كن له حجاباً من النار يوم القيامة»

(2)

وهذا يدل على فضل الإحسان إلى البنات والقيام بشئونهن؛ رغبةً فيما عند الله عز وجل فإن ذلك من أسباب دخول الجنة والسلامة من النار.

ويرجى لمن عال غير البنات من الأخوات والعمات والخالات وغيرهن من ذوي الحاجة فأحسن إليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن أن يحصل له من الأجر مثل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حق من عال ثلاث بنات وفضل الله واسع ورحمته عظيمة، وهكذا من عال واحدة أو اثنتين من البنات أو غيرهن فأحسن إليهن يرجى له الأجر العظيم والثواب الجزيل، كما يدل على ذلك عموم الآيات والأحاديث في الإحسان إلى الفقير والمساكين من الأقارب وغيرهم، وإذا كان هذا الفضل في الإحسان إلى البنات فالإحسان إلى الأبوين أو أحدهما أو الأجداد أو الجدات أعظم وأكثر أجراً؛ لعظم حق الوالدين ووجوب برهما والإحسان إليهما، ولا فرق في ذلك بين كون المحسن أباً أو أُمًّا أو غيرهما؛ لأن الحكم مناط بالعمل. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 25 ص 364

(2)

- أخرجه الإمام أحمد في مسند الشاميين من حديث عقبة بن عامر الجهني، برقم 61762، وابن ماجه في كتاب الآداب، باب بر الوالد والإحسان إلى البنات، برقم 3659.

ص: 306

س: ما صحة هذا الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتب عند الله باراً» ؟

(1)

ج: لا أعرف حال هذا الحديث، ولا أدري عن صحته ولكن المعنى صحيح، فإن الدعاء للوالدين والاستغفار لهما والصدقة عنهما من جملة البر بعد الموت، ولعل الله يخفف عنه بذلك ما سبق منه من عقوق مع التوبة الصادقة، وعليه أن يتوب إلى الله ويندم على ما فعل ويكثر من الاستغفار والدعاء لهما بالرحمة والعفو والمغفرة مع الإكثار من الصدقة عنهما، فإن هذا كله مما شرعه الله تعالى في حق الولد لوالديه؛ فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل فقال: يا رسول الله هل بقي لوالدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما»

(2)

.

والصلاة عليهما: يعني الدعاء لهما؛ ومن ذلك صلاة الجنازة، والاستغفار لهما: أي طلب المغفرة من الله لهما، وإنفاذ عهدهما: يعني وصاياهما إذا أوصيا بشيء لا يخالف الشرع، فمن برهما تنفيذ الوصية الموافقة للشرع، وإكرام صديقهما: أي أصدقاء والديه يكرمهم ويحسن إليهم ويراعي حقوق الصداقة بينهم وبين والديه،

(1)

- ج 25 ص 370

(2)

- أخرجه الإمام أحمد في مسند المكيين حديث أبي أسيد الساعدي برقم 15479، وأبو داود في الأدب باب في بر الوالدين برقم 4476.

ص: 307

وإن كان الصديق فقيراً واساه، وإن كان غير فقير اتصل به للسلام عليه وسؤاله عن حاله استصحاباً للصداقة التي بينهم وبين والديه إذا كان ذلك الصديق ليس ممن يستحق الهجر، كذلك صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما كالإحسان إلى أخواله وأعمامه وأقاربه من جهة أبيه وأمه، فكل هذا من بر الوالدين.

س: بعض الجارات من غير المسلمات وجارات مسلمات لي عليهن بعض الملاحظات فما حكم تبادل الزيارات فيما بينهن

(1)

؟

ج: تبادل الزيارات في مثل هذا إذا كان للنصح والتوجيه والتعاون على البر والتقوى طيب ومأمور به، يقول الله عز وجل:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}

(2)

، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام عن الله عز وجل أنه قال:«وجبت محبتي للمتحابين فّي والمتزاورين فّي والمتجالسين فّي والمتباذلين فيّ»

(3)

أخرجه الإمام مالك رحمه الله بإسناد صحيح، ولقوله عليه الصلاة والسلام:«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه»

(4)

. ولقول الرسول- صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم

(1)

ج 25 ص 377

(2)

- سورة المائدة الآية 2.

(3)

- أخرجه الإمام مالك في كتاب الجامع، باب ما جاء في المتحابين في الله، برقم 1503.

(4)

- أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، برقم 620، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم 1712.

ص: 308

الآخر فليكرم جاره»

(1)

. وهذا يعم الرجال والنساء، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً:«يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة»

(2)

متفق على صحته.

ولا شك أن النصيحة والتوجيه إلى الخير أعظم وأنفع من إهداء فرسن الشاة وهو من أعظم الإكرام للجيران من النساء والرجال، فإن لم ينفع هذا التزاور ولم يحصل به الإصلاح للأوضاع وزوال المنكر شرع تركه لعدم الفائدة، والله ولي التوفيق.

س: لي أخت في العقد الخامس من عمرها ولها ابن من شدة حبها له تتغاضى كثيراً عن مخالفته لأمر دينه ولأمور تتعلق بالأخلاق، وتقول إن هذا شأن كثير من الوالدات وبعض الآباء. أرجو التوجيه في هذا لو تكرمتم وجزاكم الله خيراً؟

(3)

ج: الواجب على المسلم أن يتقي الله في نفسه وفي أهل بيته وفي جيرانه وفي كل شؤونه ومع كل المسلمين؛ وذلك بدعوتهم إلى الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وألا تأخذه في الله لومة لائم، هذا هو الواجب على كل مسلم، فلا يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل قرابة قريب أو محبة شخص، بل من حبه لقريبه ومن صلته له الصلة الحقيقية التي يؤجر عليها أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر كما قال عز وجل:{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}

(4)

. فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يتقي الله وأن يؤدي الحق الذي عليه مع القريب والبعيد يقول سبحانه:

(1)

- أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، برقم 5560.

(2)

- أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب لا تحقرن جارة لجارتها، برقم 5558، ومسلم في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بالقليل برقم 1711.

(3)

- ج 27 ص 503

(4)

- سورة الأنعام الآية 152.

ص: 309

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}

(1)

الآية، ويقول سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}

(2)

. فالواجب على المؤمن والمؤمنة أن ينصح كل منهما قريبه وغيره، وأن ينكر المنكر، وأن يأمر بالمعروف مع الأقرباء وغيرهم، فإن من أهم المهمات أن ينصح قريبه وأن يوجهه إلى الخير وهذا أعظم من صلته بالمال إن كان يصله بالمال ويؤجر على صلة الرحم، فكونه يصله بتوجيهه للخير أو تعليمه الخير وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أهم من صلته بالمال، لأن توجيهه إلى الخير ينفعه في الدنيا والآخرة، فليس لأختك ولا لغيرها أن تدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحبها لولدها، أو لأخيها، أو لأختها أو غيرهم، بل يجب عليها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالطرق التي تراها مفيدة مجدية، وبالأساليب الحسنة حتى تنجح إن شاء الله في عملها وتبرأ ذمتها.

س: كيف يكون‌

‌ التعاون على البر والتقوى في البيت

إذا كان الأب والأخ الأكبر لا يصلون في المسجد

(3)

؟

ج: هذا من أهم التناصح ومن أوجب التعاون، إذا كان الوالد أو الأخ أو غيرهما من أهل البيت يتعاطى شيئاً من المنكر فإنه يجب التناصح والتعاون والتواصي بالحق على قدر المستطاع بالأسلوب الحسن وتحري الوقت المناسب حتى يزول المنكر، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا

(1)

- سورة النساء الآية 135.

(2)

- سورة التحريم الآية 6.

(3)

ج 27 ص 508

ص: 310

اسْتَطَعْتُمْ}

(1)

، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»

(2)

، فالوالد له شأن، والوالدة لها شأن، والأخ سواء كان كبيراً أو صغيراً له شأن، وكل يعامل بالأسلوب الحسن واللين والرفق بقدر المستطاع حتى يحصل المقصود ويزول المحذور.

وعلى الناصح والداعي إلى الله أن يتحرى الأوقات المناسبة والأسلوب المناسب لاسيما مع الوالدين؛ لأنهما ليسا مثل بقية الأقارب، فلهما شأن عظيم وبرهما متعين حسب الطاقة قال الله جل وعلا:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}

(3)

الآية، هذا وهما كافران، فكيف بالوالدين المسلمين، فإذا كان الوالدان الكافران يصحبهما الولد بالمعروف ويحسن إليهما؛ لعله يهديهما بأسبابه. فالمسلمان أولى وأحق بذلك. فإذا كان الوالد يتكاسل عن الصلاة في المسجد، أو يتعاطى شيئا من المعاصي الأخرى كالتدخين أو حلق اللحية أو الإسبال أو غير ذلك من المعاصي التي يقع فيها فإن الواجب على الولد أن ينصح بالحسنى، ويستعين على ذلك بمن يرى من خيار أهل البيت، وهكذا مع الوالدة والأخ الكبير وغيرهما من أهل البيت يحصل المطلوب.

(1)

- سورة التغابن الآية 16.

(2)

- أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم 7288.

(3)

- سورة لقمان الآيتان 14، 15.

ص: 311

‌فتاوى الأطعمة والأيمان

ص: 313

س: من كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، فهل يجوز إطعام واحد منهم الآن والآخر بعد أسبوع؛ لأنه قد لا يوجد عشرة مساكين دفعة واحدة، وهل إذا أطعمت واحدا عشر مرات أكون أطعمت عشرة مساكين

(1)

؟

ج: يجب التماس العشرة، فإذا أطعمت واحدا وكررت ذلك لا يكفي، فلا بد من عشرة كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة المائدة:{لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}

(2)

الآية. فلا بد من التماس العشرة ولو تعددت الأيام، لكن تجب المبادرة حسب الإمكان، ولو كان إطعامهم متفرقا في أيام فلا بأس، ولكن عليك أن تجتهد وتلتمس عشرة وتبادر بإخراج الكفارة أو تكسوهم كسوة تجزئهم في الصلاة، تغديهم أو تعشيهم، فإن هذا يكفي للآية السابقة.

س: هل يجوز أكل اللحوم المستوردة من الدول التي لا تدين غالبيتها بالإسلام، أو النصرانية أو اليهودية؛ كالهند واليابان والصين، أو غيرها؟

(3)

ج: إذا كانت اللحوم واردة من بلاد وثنية أو شيوعية، فإنها لا يحل أكلها؛ لأن ذبائحهم محرمة، وإنما أباح الله للمسلمين طعام أهل الكتاب - وهم: اليهود والنصارى - في قوله عز وجل: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ}

(4)

الآية.

(1)

ج 5 ص 371

(2)

- سورة المائدة من الآية 89.

(3)

ج 23 ص 32

(4)

سورة المائدة، الآية 5.

ص: 315

وهذا ما لم يعلم المسلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي؛ كالخنق والصعق ونحوهما، فإن علم ذلك لم تحل له ذبيحتهم؛ لقول الله سبحانه:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}

(1)

الآية.

س: هل يجوز استخدام الجرائد كسفر للأكل عليها؟ وإذا كان لا يجوز، فما العمل فيها بعد قراءتها؟

(2)

ج: لا يجوز استعمال الجرائد سفرة للأكل عليها، ولا جعلها ملفاً للحوائج، ولا امتهانها بسائر أنواع الامتهان، إذا كان فيها شيء من الآيات القرآنية أو من ذكر الله عز وجل.

والواجب إذا كان الحال ما ذكرنا حفظها في محل مناسب، أو إحراقها، أو دفنها في أرض طيبة.

س: بالنسبة لبقايا الطعام، يضعه بعض الناس في كرتون ونحوه، ويوضع في الشارع لتأكله البهائم، ولكن يأتي عمال النظافة ويضعونه مع بقية النفايات. هل يجوز وضع الطعام مع النفايات الأخرى

(3)

؟

ج: الواجب تسليمه لمن يأكله من الفقراء - إن وجد - فإن لم يوجد من يأكله من الفقراء، وجب جعله في مكان بعيد عن الامتهان؛ حتى تأكله البهائم، فإن لم

(1)

سورة المائدة، الآية 3.

(2)

ج 23 ص 40

(3)

ج 23 ص 40

ص: 316

يتيسر ذلك، وجب حفظه في كراتين أو أكياس باغة أو غيرها، وعلى البلديات في كل بلد أن تعمِّد المسؤولين لديها أن يضعوه في أماكن نظيفة؛ حتى تأكله البهائم، أو يأخذه بعض الناس لبهائمه؛ صيانة للطعام عن الإهانة والإضاعة.

س: ما وجهة من يقول بأن الدخان محرم في شرع الله تعالى؟

(1)

ج: وجهته أنه مضر، ومخدر في بعض الأحيان، ومسكر في بعض الأحيان، والأصل فيه عموم الضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا ضرر ولا ضرار»

(2)

، فالمعنى: كل شيء يضر بالشخص في دينه ودنياه، محرم عليه تعاطيه؛ من سم أو دخان أو غيرهما مما يضره؛ لقول الله سبحانه وتعالى:{وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}

(3)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«لا ضرر ولا ضرار» .

فمن أجل هذا حرم أهل التحقيق من أهل العلم التدخين؛ لما فيه من المضار العظيمة التي يعرفها المدخن نفسه، ويعرفها الأطباء، ويعرفها كل من خالط المدخنين، وقد يسبب موت الفجاءة وأمراضاً أخرى، ويسبب السعال الكثير، والمرض الدائم اللازم، كل هذا قد عرفناه، وأخبرنا به جم غفير لا نحصيه ممن قد تعاطى شرب الدخان أو الشيشة، أو غير ذلك من أنواع التدخين، فكله مضر، وكله يجب منعه.

ويجب على الأطباء النصيحة لمن يتعاطاه، ويجب على الطبيب والمدرس أن يحذرا ذلك؛ لأنه يُقتدى بهما.

(1)

ج 23 ص 42

(2)

أخرجه ابن ماجة برقم: 2331 (كتاب الأحكام)، باب (من بنى في حقه ما يضر بجاره).

(3)

سورة البقرة، الآية 195.

ص: 317

س: الكثير من مدمني أكل القات، عند حضور الصلاة يخرجه من فمه في كيس بلاستيك ثم يصلي، وبعد الصلاة يضعه مرة أخرى في فمه، فهل القات نجس؟ وما حكم من صلى به وهو في فيه؟ وهل يجوز لمن هو في فمه تأخير الصلاة حتى يفرغ، ويجمع الفوائت من الصلاة؟

(1)

ج: لا أعلم ما يدل على نجاسته؛ لكونه شجرة معروفة، والأصل في الشجر وأنواع النبات الطهارة، ولكن استعماله محرم في أصح قولي العلماء لما فيه من المضار الكثيرة.

وينبغي لمتعاطيه ألا يستعمله وقت الصلاة، ولا يجوز تأخير الصلاة من أجله، بل يجب على المسلم أداء الصلاة في وقتها في الجماعة مع إخوانه المسلمين في المساجد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من سمع النداء فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر»

(2)

. خرجه ابن ماجة والدار قطني والحاكم بإسناد صحيح.

وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن العذر فقال: (خوف أو مرض)، وليس استعمال القات عذراً شرعياً، بل هو منكر، وإذا أخر مستعمله عن الصلاة في وقتها أو في المسجد مع الجماعة، كان ذلك أشد في الإثم.

وليس لمستعمله الجمع بين الصلاتين؛ لأن استعماله ليس من الأعذار الشرعية التي تسوغ الجمع بين الصلاتين، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما علّم أصحابه أوقات الصلاة وأوضح لهم أولها وآخرها قال:«الصلاة بين هذين الوقتين»

(3)

، وثبت في صحيح مسلم

(4)

، أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله: ليس لي

(1)

ج 23 ص 55

(2)

أخرجه ابن ماجة برقم: 875 (كتاب المساجد والجماعات).

(3)

أخرجه أحمد برقم: 10819 (كتاب باقي مسند المكثرين).

(4)

أخرجه مسلم برقم: 1044 (كتاب المساجد ومواضع الصلاة)، باب (يجب إتيان المسجد على من سمع النداء).

ص: 318

قائد يلائمني إلى المسجد، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب» ، وفي رواية لغير مسلم سندها صحيح، قال له صلى الله عليه وسلم:«لا أجد لك رخصة»

(1)

.

فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها، كلها تدل على وجوب أداء الصلاة في الجماعة في بيوت الله عز وجل وتحريم التأخر عنها، أو الجمع بين الصلاتين بغير عذر شرعي.

ونصيحتي لأصحاب القات والتدخين وسائر المسكرات والمخدرات، أن يحذروها غاية الحذر، وأن يتقوا الله في ذلك؛ لما في استعمالها من المعصية لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولما فيها من الأضرار العظيمة والعواقب الوخيمة، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

فنسأل الله أن يهدي المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم، ويعيذهم من جلساء السوء الذين يصدونهم عن الخير؛ إنه جواد كريم. والله ولي التوفيق.

س: هل تؤكل‌

‌ ذبيحة من لا تعرف عقيدته

، ومن يستحل المعاصي وهو يعلم أنها حرام، ومن يُعرف عنه دعاء الجن بدون قصد؟

(2)

ج: إذا كان لا يُعْرف بالشرك فذبيحته حلال، إذا كان مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا يعرف عنه ما يقتضي كفره، فإن ذبيحته تكون حلالاً.

(1)

أخرجه أبو داود برقم: 465 (كتاب الصلاة)، باب (في التشديد في ترك الجماعة)، وابن ماجة برقم: 784 (كتاب المساجد والجماعات)، باب (التغليظ في التخلف عن الجماعة).

(2)

ج 23 ص 77

ص: 319

إلا إذا عُرف عنه أنه قد أتى بشيء من الشرك؛ كدعاء الجن أو دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم، فهذا نوع من الشرك الأكبر، ومثل هذا لا تؤكل ذبيحته.

ومن أمثلة دعاء الجن أن يقول: افعلوا كذا أو افعلوا كذا، أو أعطوني كذا، أو افعلوا بفلان كذا، وهكذا من يدعو أصحاب القبور، أو يدعو الملائكة ويستغيث بهم، أو ينذر لهم، فهذا كله من الشرك الأكبر. نسأل الله السلامة والعافية.

أما المعاصي فهي لا تمنع من أكل ذبيحة من يتعاطى شيئاً منها - إذا لم يستحلها - بل هي حلال إذا ذبحها على الوجه الشرعي، أما من يستحل المعاصي فهذا يعتبر كافراً؛ كأن يستحل الزنا أو الخمر أو الربا أو عقوق الوالدين أو شهادة الزور، ونحو ذلك من المحرمات المجمع عليها بين المسلمين. نسأل الله العافية من كل ما يغضبه.

س: ما هي التذكية الشرعية؟ وطريقة ذبح الإبل خاصة؟

(1)

ج: التذكية الشرعية للإبل والغنم والبقر، أن يقطع الذابح الحلقوم والمريء والودجين (وهما العرقان المحيطان بالعنق).

وهذا هو أكمل الذبح وأحسنه؛ فالحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب، والودجان عرقان يحيطان بالعنق، إذا قطعهما الذابح صار الدم أكثر خروجاً، فإذا قطعت هذه الأربعة، فالذبح حلال عند جميع العلماء.

الحالة الثانية: أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهذا أيضاً حلال صحيح، وطيب، وإن كان دون الأول.

(1)

ج 23 ص 78

ص: 320

والحالة الثالثة: أن يقطع الحلقوم والمريء فقط دون الودجين، وهو أيضاً صحيح، وقال به جمع من أهل العلم، ودليلهم: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر»

(1)

. وهذا هو المختار في هذه المسألة.

والسنة: نحر الإبل قائمة على ثلاث، معقولة يدها اليسرى، وذلك بطعنها في اللبة التي بين العنق والصدر.

أما البقر والغنم، فالسنة أن تذبح وهي على جنبها الأيسر، كما أن السنة عند الذبح والنحر توجيه الحيوان إلى القبلة، وليس ذلك واجباً بل هو سنة فقط، فلو ذبح أو نحر لغير القبلة حلت الذبيحة، وهكذا لو نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر، حلت، لكن ذلك خلاف السنة. وبالله التوفيق.

س: اختلفت أنا وزميلي في العمل؛ فحلفت أن لا آكل ولا أشرب في بيته، وفي مرة ذهبت معه إلى منزله، وأكلت بعض الفواكه ناسياً، وبعد ما ذهبت تذكرت بأنني حلفت، فأرجو الإفادة، وبعد الكفارة هل آكل وأشرب في بيته أم لا؟

(2)

ج: إذا كنت ناسياً فما عليك شيء أي ما عليك كفارة، لكن الأحسن أن تأكل مع أخيك إذا كان طيباً وتكفر - إذا كان هذا الصديق طيباً في دينه - فالأحسن أن تكفر وتعود إلى الأكل في بيته، أما إن كان ليس بطيب، فاحمد الله على هذا اليمين، ولا تأكل معه ولا تأتيه، وابتعد عنه، إذا كان ممن يظهر المعاصي، ويدعو إلى المعاصي،

(1)

أخرجه البخاري برقم: 2308 (كتاب الشركة)، باب (قسمة الغنم)، ومسلم برقم: 3638 (كتاب الأضاحي)، باب (جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن).

(2)

ج 23 ص 113

ص: 321

فاحمد الله على البعد عنه، أما إذا كان طيباً فإنك تكفر عن يمينك؛ تطعم عشرة مساكين، أو تكسوهم - والحمد لله -، وأت أخاك، وكل في بيته.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير» ، ويقول صلى الله عليه وسلم:«والله إني - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلاَّ كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» .

س: من عليه أيمان كثيرة، فهل تجزئها كفارة واحدة؟

(1)

ج: إن كانت الأيمان على فعل واحد أجزأته كفارة واحدة، كما لو قال: والله لا أكلم فلاناً، والله لا أكلم فلاناً، وكرر ذلك كثيراً، ثم كلمه، فإنه تكفيه كفارة واحدة، أما إذا كانت يمينه على أفعال، فإنه يلزمه لكل يمين كفارة؛ كما لو قال: والله لا أكلم فلاناً، والله لا أزور فلاناً، والله لا أسافر إلى بلد كذا، ثم فعل ذلك، فإنه تلزمه كفارات بعدد الأيمان. وفق الله الجميع.

س: هل هناك حديث صحيح عن فائدة ماء زمزم؟

(2)

ج: ماء زمزم قد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه ماء شريف وماء مبارك، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زمزم:«إنها مباركة، إنها طعام طعم»

(3)

وزاد في رواية عند أبي داود بسند جيد: «وشفاء سقم»

(4)

فهذا الحديث الصحيح يدل على فضلها وأنها طعام طعم وشفاء سقم وأنها مباركة.

(1)

ج 23 ص 130

(2)

- ج 25 ص 278

(3)

- أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر، برقم 4520.

(4)

- أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده برقم 459، والهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 286، والهندي في كنز العمال ج 12 برقم 34769، 3480.

ص: 322

والسنة الشرب منها كما شرب منها النبي صلى الله عليه وسلم ولما فيها من البركة، وهي طعام طيب طعام مبارك، طعام يُشرع التناول منه إذا تيسر، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث الصحيح يدلنا على ما تقدم من فضلها وأنها مباركة وأنها طعام طعم وشفاء سقم، وأنه يستحب للمؤمن أن يشرب منها إذا تيسر له ذلك، ويجوز له الوضوء منها، ويجوز أيضاً الاستنجاء منها والغسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نبع الماء من بين أصابعه ثم أخذ الناس حاجتهم من هذا الماء ليشربوا وليتوضؤوا وليغسلوا ثيابهم وليستنجوا، كل هذا واقع، وما زمزم إن لم يكن مثل الذي نبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فوق ذلك فكلاهما ماء شريف، فإذا جاز الوضوء والاغتسال والاستنجاء وغسل الثياب من الماء الذي نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم فهكذا يجوز من ماء زمزم.

وبكل حال فهو ماء طهور طيب يُستحب الشرب منه، ولا حرج في الوضوء منه، ولا حرج في غسل الثياب منه، ولا حرج في الاستنجاء منه إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما تقدم، والحمد لله.

ص: 323

‌فتاوى القرآن والتفسير

ص: 325

س: هل ثبت‌

‌ التكبير من سورة الضحى إلى آخر القرآن

(1)

؟

ج: لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في أول تفسير سورة الضحى، ولكن ذلك عادة جرى عليها بعض القرَّاء لحديث ضعيف ورد في ذلك، فالأولى ترك ذلك؛ لأن العبادات لا تثبت بالأحاديث الضعيفة. والله الموفق.

س: كم يوماً يحتاج الإنسان إلى ختم القرآن بالفهم والتدبر؟ وهل إذا ختم القرآن في شهرين يكون قد تأخر في قراءته؟ أفيدونا - أفادكم الله -.

(2)

ج: النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأ القرآن في شهر» ، فلم يزل يقول: زدني يا رسول الله، حتى قال:«اقرأه في أسبوع»

(3)

ثم طلب الزيادة إلى ثلاث.

وكان الصحابة يقرأون في أسبوع، فالأفضل في أسبوع، وإذا تيسر في الثلاثة أيام فلا بأس، لكن مع العناية بالتدبر والتعقل والخشوع.

وإذا قرأ الإنسان القرآن في شهر أو شهرين فلا حرج، لكن مع التدبر، وإذا رتب الإنسان القراءة كل شهر؛ يقرأ كل يوم جزءاً فهذا حسن، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: اقرأه في شهر، فالحسنة بعشر أمثالها فالمقصود: أن يتحرى في قراءته الخشوع والتدبر والتعقل والاستفادة، فمن قرأه في شهر أو شهرين أو

(1)

ج 1 ص 440

(2)

ج 24 ص 343

(3)

أخرجه البخاري في كتاب (فضائل القرآن)، برقم: 4664 - 4666، باب (في كم يقرأ القرآن؟)، ومسلم في كتاب (الصيام)، برقم: 1963، 1964، باب (النهي عن صوم الدهر).

ص: 327

أقل أو أكثر فلا حرج، لكن يكره أن يكون ذلك في أقل من ثلاث، فأقل شيء ثلاثة أيام يقرأ في ثلاثة أيام ولياليها؛ في كل يوم وليلة عشرة أجزاء، هذا أقل ما ورد.

س: كيف نجمع بين هاتين الآيتين: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

(1)

وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(2)

وهل بينهما تعارض

(3)

؟

ج: ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب فإنه لا يغفر له ومأواه النار كما قال الله سبحانه:{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}

(4)

وقال عز وجل: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(5)

والآيات في هذا المعنى كثيرة.

أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(6)

فهي في حق التائبين وهكذا قوله سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}

(7)

أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين. والله ولي التوفيق.

(1)

سورة النساء الآية 48.

(2)

سورة طه الآية 82.

(3)

ج 4 ص 419

(4)

سورة المائدة الآية 72

(5)

سورة الأنعام الآية 88.

(6)

سورة طه الآية 82.

(7)

سورة الزمر الآية 53.

ص: 328

س: نرجو تفسير قوله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}

(1)

(2)

ج: هذه الآية آية عظيمة وهي تدل على أن العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم هم أشد الناس خشية لله وأكملهم خوفا منه سبحانه، فالمعنى: إنما يخشى الله الخشية الكاملة هم العلماء بالله الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه وتبصروا في شريعته وعرفوا ما عنده من النعيم لمن اتقاه والعذاب لمن خالفه وعصاه، فهم لكمال علمهم بالله هم أشد الناس خشية لله وأكمل الناس خوفا من الله وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أكمل الناس خشية لله سبحانه وتعظيما له ثم خلفاؤهم العلماء بالله وبدينه. وهم على مراتب في ذلك متفاوتة، وليس معنى الآية أن غيرهم لا يخشى الله فكل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة يخشى الله عز وجل لكن خشية الله فيهم متفاوتة فكلما كان المؤمن أبصر بالله وأعلم به وبدينه كان خوفه لله أكثر وكلما قل العلم وقلت البصيرة قل الخوف من الله وقلت الخشية منه سبحانه، فالناس متفاوتون في هذا الباب تفاوتا عظيما حتى العلماء متفاوتون في خشيتهم لله كما تقدم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله وكلما نقص العلم نقصت الخشية لله ولهذا يقول عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}

(3)

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}

(4)

والآيات في هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق.

(1)

- سورة فاطر الآية 28.

(2)

ج 5 ص 48

(3)

- سورة البينة الآيتان 7 - 8.

(4)

- سورة الملك الآية 13.

ص: 329

س: دائما يرد ذكر المال مقدم على الأولاد في القرآن الكريم رغم أن الأولاد أغلى لدى الأب من ماله. فما هي الحكمة من ذلك

(1)

؟

ج: الفتنة بالمال أكثر لأنه يعين على تحصيل الشهوات المحرمة بخلاف الأولاد، فإن الإنسان قد يفتن بهم ويعصي الله من أجلهم، ولكن الفتنة بالمال أكثر وأشد ولهذا بدأ سبحانه بالأموال قبل الأولاد كما في قوله تعالى:{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى}

(2)

الآية، وقوله سبحانه {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ}

(3)

الآية، وقوله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}

(4)

.

س: أريد من سماحتكم تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

(5)

ج: معنى الآية الكريمة عند العلماء أن الله سبحانه منورها فجميع النور الذي في السموات والأرض ويوم القيامة كل من نوره سبحانه.

والنور نوران: نور مخلوق وهو ما يوجد في الدنيا والآخرة وفي الجنة وبين الناس الآن من نور القمر والشمس والنجوم. وهكذا نور الكهرباء والنار كله مخلوق وهو من خلقه سبحانه وتعالى. أما النور الثاني: فهو غير مخلوق بل هو من صفاته سبحانه وتعالى. والله سبحانه وبحمده بجميع صفاته هو الخالق وما سواه

(1)

ج 5 ص 413

(2)

- سورة سبأ من الآية 37.

(3)

- سورة التغابن من الآية 15.

(4)

- سورة المنافقون الآية 9.

(5)

ج 6 ص 68

ص: 330

مخلوق فنور وجهه عز وجل ونور ذاته سبحانه وتعالى كلاهما غير مخلوق بل هما صفة من صفاته جل وعلا. وهذا النور العظيم وصف له سبحانه وليس مخلوقا بل هو صفة من صفاته كسمعه وبصره ويده وقدمه وغير ذلك من صفاته العظيمة سبحانه وتعالى. وهذا هو الحق الذي درج عليه أهل السنة والجماعة.

س: أرشدوني إلى الطريقة التي تعينني على حفظ كتاب الله

(1)

.

ج: نوصيك بالعناية بالحفظ والإقبال على ذلك واختيار الأوقات المناسبة للحفظ كآخر الليل أو بعد صلاة الفجر أو في أثناء الليل أو في بقية الأوقات التي تكون فيها مرتاح النفس حتى تستطيع الحفظ، ونوصيك باختيار الزميل الطيب الذي يساعدك ويعينك على الحفظ والمذاكرة، مع سؤال الله التوفيق والإعانة والتضرع إليه أن يعينك، وأن يوفقك، وأن يعيذك من أسباب التعويق ومن استعان با لله صادقا أعانه الله ويسر أمره.

س: يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

(2)

ويقول أيضا: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(3)

هل بين هاتين الآيتين تعارض وما المراد بقوله: {مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

(4)

(5)

؟

(1)

ج 6 ص 374.

(2)

سورة النساء، الآية 116.

(3)

سورة طه، الآية 82.

(4)

سورة النساء، الآية 116.

(5)

ج 6 ص 391.

ص: 331

ج: ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب، فإنه لا يغفر له ومأواه النار، كما قال الله سبحانه:{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}

(1)

وقال عز وجل: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(2)

والآيات في هذا المعنى كثيرة.

أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} - فهي في حق التائبين، وهكذا قوله سبحانه:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}

(3)

أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين، وأما قوله سبحانه:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

(4)

فهي في حق من مات على ما دون الشرك من المعاصي غير تائب، فإن أمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار خلود الكفار، كما تقول الخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهما، بل لا بد أن يخرج من النار بعد التطهير والتمحيص كما دلت على ذلك الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه سلف الأمة. والله ولي التوفيق.

س: ما حكم من يقرأ القرآن وهو يخطئ في التشكيل؟ هل يؤجر على ذلك

(5)

؟

ج: يشرع للمؤمن أن يجتهد في القراءة، ويتحرى الصواب، ويقرأ على من هو أعلم منه حتى يستفيد ويستدرك أخطاءه. وهو مأجور ومثاب وله أجره مرتين إذا اجتهد

(1)

سورة المائدة الآية 72.

(2)

سورة الأنعام الآية 88.

(3)

سورة الزمر الآية 53.

(4)

سورة النساء الآية 116.

(5)

ج 9 ص 416

ص: 332

وتحرى الحق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجره مرتين»

(1)

متفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها، وهذا لفظ مسلم.

س: هل يجوز أن تكرر سورة من القرآن في الأسبوع مرتين أو ثلاثا أو أكثر

(2)

؟

ج: يجوز تكرار السورة في الأسبوع وفي اليوم وليس لذلك حد محدود، بل يجوز أن يكررها في الركعتين بعد الفاتحة في صلاة واحدة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة:(إِذَا زُلْزِلَتِ) في الركعتين الأولى والثانية.

س: هل تجوز قراءة القرآن في الجمعة بصوت مرتفع في المسجد

(3)

؟

ج: لا يجوز للمسلم أن يرفع صوته بالقراءة في المسجد أو غيره إذا كان يشوش على من حوله من المصلين أو القراء، بل السنة أن يقرأ قراءة لا يؤذي بها غيره؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على الناس ذات يوم في المسجد وهم يرفع بعضهم الصوت على بعض بالقراءة فقال:«أيها الناس كلكم يناجي الله فلا يرفع بعضكم صوته على بعض أو قال: فلا يجهر بعضكم على بعض»

(4)

.

(1)

- رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم 1329، وابن ماجه في الآداب برقم 3769.

(2)

ج 11 ص 81

(3)

ج 12 ص 392

(4)

- رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين) برقم (4692، 5096)، ومالك في (الموطأ) في (النداء للصلاة) برقم (163).

ص: 333

س: ما‌

‌ حكم قراءة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها

؟

(1)

ج: جاء في قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أحاديث لا تخلو من ضعف، لكن ذكر بعض أهل العلم أنه يشد بعضها بعضا وتصلح للاحتجاج، وثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه كان يفعل ذلك.

فالعمل بذلك حسن؛ تأسيا بالصحابي الجليل رضي الله عنه. وعملا بالأحاديث المشار إليها. لأنه يشد بعضها بعضا ويؤيدها عمل الصحابي المذكور، أما قراءتها في ليلة الجمعة فلا أعلم له دليلا وبذلك يتضح أنه لا يشرع ذلك. والله ولي التوفيق.

س: هذا يسأل عن تفسير قوله - تعالى -: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ، ويقول: ذلك بأننا سمعنا أناساً في الحرم يفسرون (لا جناح عليه)؛ بأنه ليس من الضروري في الحج والعمرة؟

(2)

ج: هذا غلط. النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسعي وسعى.

وكان المسلمون يتحرجون أولاً من السعي؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يسعون بينهما بصنمين على الصفا والمروة، فلما جاء الله بالإسلام تحرجوا، قيل لهم: لا حرج، والسعي بينهما لله لا للأصنام، لله وحده سبحانه وتعالى كل شعائر الله إعلانه وأحكامه - جل وعلا -؛ ولهذا طاف النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقال:«خذوا عني مناسككم»

(3)

، في عمرته وفي حجه عليه الصلاة والسلام. فليس هناك جناح في

(1)

- ج 12 ص 415

(2)

ج 24 ص 189

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب (الحج)، برقم:2286.

ص: 334

الطواف بهما كما طاف النبي صلى الله عليه وسلم، هذا رد على من تحرج في السعي بينهما، وأنهما كانا بين صنمين الصفا والمروة: إساف ونائلة، كان المشركون يسعون للصنمين فأبطل الله عبادة الأصنام، وأقر السعي لله وحده لا شريك له.

س: يقول - تعالى-: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

(1)

الآية.

سماحة الشيخ: ما المقصود بالرفث والفسوق والجدال الممنوع؟ وهل من جادل أو بالغ بالعبث أثناء الحج يبطل حجه؟

(2)

ج: فسر أهل العلم رحمهم الله الرفث: بالجماع وما يدعو إلى ذلك، والفسوق: بالمعاصي، أما الجدال ففسروه: بالنزاع والمخاصمة في غير فائدة، أو فيما أوضحه الله وبينه لعباده فلا وجه للجدال فيه.

ويدخل في الجدال المنهي عنه: جميع المنازعات التي تؤذي الحجيج وتضرهم، أو تخل بالأمن، أو يراد منها الدعوة إلى الباطل أو التثبيط عن الحق، أما الجدال بالتي هي أحسن لإيضاح الحق وإبطال الباطل فهو مشروع، وليس داخلاً في الجدال المنهي عنه، وجميع الأشياء الثلاثة لا تبطل الحج، إلا الجماع فقط إذا وقع قبل التحلل الأول، لكنها تنقص الحج والأجر، كما أنها تنقص الإيمان وتضعفه.

فالواجب على الحاج والمعتمر تجنب ذلك؛ طاعة لله سبحانه ورغبة في إكمال حجه وعمرته.

(1)

سورة البقرة، الآية 197.

(2)

ج 24 ص 192

ص: 335

س: قال الله - تعالى -: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}

(1)

ما معنى اللغو بالأيمان في هذه الآية؟

(2)

ج: الآية واضحة، يقول الله سبحانه وتعالى:{لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} الآية، وفي الآية الآخرى قال سبحانه:{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ}

(3)

. وكسب القلوب: نيتها وقصدها؛ الإيمان بالله والمحبة لله، والخوف من الله والرجاء لله سبحانه وتعالى كل هذا من كسب القلوب، وهكذا نية الحالف وقصده لليمين وإقباله عليها، هذا من كسب القلوب. أما عند عدم اليمين؛ لكونه يتكلم باليمين من غير قصد، بل جرت على لسانه من غير قصد، مثل: والله ما أقوم، والله ما أتكلم، والله ما أذهب لكذا .. إلى آخره، ولم يتعمدها، بل جرت على لسانه لكن من غير قصد؛ أي عقد اليمين على هذا الشيء من غير قصد القلب على فعل هذا الشيء، هذا هو لغو اليمين؛ قول الرجل: لا والله، كما جاء في هذا المعنى عن عائشة رضي الله عنها وغيرها في اللغو باليمين.

أما إذا نوى اليمين بقلبه أنه لا يكلمه، أو: لا والله لا أزوره، أو: لا والله لا أفعل كذا، أو: لا أشرب الدخان، أو: والله لا أشرب الخمر، فهذا عليه كفارة يمين إذا نقض يمينه، وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو أن يعتق رقبة، فإن عجز عن الثلاثة صام ثلاثة أيام؛ لقوله - جل وعلا -: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ

(1)

سورة البقرة، الآية 225.

(2)

ج 24 ص 197

(3)

سورة المائدة، الآية 89.

ص: 336

فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ}. والمقصود: أن الأَيمان اللاغية هي التي لا تتعمد، بل تجري على اللسان بغير قصد، هذه هي لغو اليمين، وليست يميناً منعقدة، وليست من كسب القلوب، أما إذا عقدها قاصداً لها بقلبه فهذا من كسب القلوب، وهذا من تعقيد الأيمان، فعلى صاحب هذه اليمين إذا خالفها أن يكفر كفارة اليمين - كما تقدم -.

فإذا قال: والله لا أكلم فلاناً، قاصداً بقلبه ثم كلمه، فعليه كفارة يمين، أو قال: والله لا أزوره ثم زاره، فعليه كفارة يمين، بخلاف إذا مرّ على لسانه اليمين بغير قصد لم يتعمدها، فليس عليه شيء.

س: قال الله - تعالى -: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}

(1)

. الآية. ما المقصود بـ (النور) في الآية؟

(2)

ج: إن الله ولي الذين آمنوا، وناصرهم ومعينهم وموفقهم؛ يخرجهم من الظلمات؛ ظلمات الشرك وظلمات المعاصي والبدع، إلى نور التوحيد والحق والإيمان؛ يعني بواسطة الرسل، وبواسطة كتبه المنزلة. فكفار قريش، وكفار بني إسرائيل وغيرهم أولياؤهم الطاغوت، والطاغوت: الشيطان من الإنس والجن، فالشياطين من الإنس والجن هم أولياء الكفرة؛ يخرجونهم من نور التوحيد إلى ظلمات الشرك والجهل والمعاصي والبدع.

(1)

سورة البقرة، الآية 257.

(2)

ج 24 ص 209

ص: 337

فالنور في هذه الآية المقصود به: التوحيد والإيمان والهدى، والظلمات: الشرك والمعاصي والبدع - نسأل الله العافية -.

س: تحدثني نفسي أحياناً بفعل منكر أو قول سوء، ولكني في أحيان كثيرة لا أظهر القول أو الفعل، فهل عليَّ إثم في ذلك، وما المقصود بقوله عز وجل:{لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ}

(1)

الآية؟

ج: هذه الآية الكريمة نسخها الله سبحانه بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}

(2)

الآية. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قال: «قد فعلت» خرجه مسلم في صحيحه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»

(3)

متفق على صحته.

وبذلك يعلم أن ما يقع في النفس من الوساوس والهم ببعض السيئات معفو عنه، ما لم يتكلم به صاحبه أو يعمل به.

ومتى ترك ذلك خوفاً من الله سبحانه كتب الله له بذلك حسنة؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك. والله ولي التوفيق.

(1)

سورة البقرة، الآية 284.

(2)

سورة البقرة، الآية 286.

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب (الأيمان والنذور) برقم: 6171، ومسلم في صحيحه، كتاب (الإيمان) برقم:181.

ص: 338

س: لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} . ما المقصود بالمنافقين والنفاق في هذه الآية الكريمة، وأرجو أن تتفضلوا بإيضاح المعنى

(1)

؟

ج: المراد بالمنافقين هم: الذين يتظاهرون بالإسلام وهم على غير الإسلام، يدعون أنهم مسلمون، وهم في الباطن يكفرون بالله ويكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء هم المنافقون.

سموا منافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، كما في قوله عز وجل:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي: شك وريب- {فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}

(2)

. والآيات بعدها في سورة (البقرة).

هؤلاء هم المنافقون، وهم يكفرون بالله ويكذبون رسله في قوله - جل وعلا -:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً. مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء}

(3)

.

والمعنى: أنهم مترددون بين الكفار والمسلمين؛ تارة مع الكفار إذا ظهر الكفر وانتصروا، وتارة مع المؤمنين إن ظهروا وانتصروا، فليس عندهم ثبات ولا دين مستقيم ولا إيمان ثابت، بل هم مذبذبون بين الكفر والإيمان، وبين الكفار والمسلمين.

(1)

ج 24 ص 230

(2)

سورة البقرة، الآيات 8 - 10.

(3)

سورة النساء، الآيتان 142، 143.

ص: 339

وقد صرح الله بكفرهم في قوله - تعالى-: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ. فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}

(1)

.

هؤلاء هم المنافقون - نسأل الله العافية والسلامة -.

س: ما معنى قول الحق تبارك وتعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}

(2)

(3)

.

ج: هذه الآية العظيمة يحذر الله فيها سبحانه عباده من الأمن من مكره، فيقول سبحانه:{أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} .

المقصود من هذا: تحذير العباد من الأمن من مكره؛ بالإقامة على معاصيه، والتهاون بحقه، والمراد من مكر الله به: كونه يملي لهم، ويزيدهم من النعم والخيرات وهم مقيمون على معاصيه وخلاف أمره، فهم جديرون بأن يؤخذوا على غفلتهم ويعاقبوا على غرتهم؛ بسبب إقامتهم على معاصيه، وأمنهم من عقابه وغضبه، كما قال سبحانه:{سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}

(4)

، وقال عز وجل: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ

(1)

سورة التوبة، الآيتان 54، 55.

(2)

سورة الأعراف، الآية 99.

(3)

ج 24 ص 232

(4)

سورة الأعراف، الآيتان 182، 183.

ص: 340

وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}

(1)

، وقال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا

عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}

(2)

؛ أي: آيسون من كل خير.

فالواجب على المسلمين ألا يقنطوا من رحمة الله، ولا يأمنوا من مكره وعقوبته، بل يجب على كل مسلم أن يسير إلى الله سبحانه في هذه الدنيا - الدار الفانية - بين الخوف والرجاء، فيذكر عظمته وشدة عقابه إذا خالف أمره، فيخافه ويخشى عقابه، ويذكر رحمته وعفوه ومغفرته وجوده وكرمه، فيحسن به الظن، ويرجو كرمه وعفوه. والله الموفق سبحانه لا إله غيره، ولا رب سواه.

س: ما تفسير قول الحق تبارك وتعالى في سورة (الرعد): {إِنَّ اللّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}

(3)

؟

ج: الآية الكريمة آية عظيمة، تدل على أن الله تبارك وتعالى بكمال عدله وكمال حكمته، لا يُغير ما بقوم - من خير إلى شر ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء - حتى يغيروا ما بأنفسهم.

فإذا كانوا في صلاح واستقامة وغيروا، غير الله عليهم بالعقوبات والنكبات والشدائد والجدب والقحط والتفرق، وغير هذا من أنواع العقوبات جزاءً وفاقاً، قال سبحانه:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}

(4)

.

(1)

سورة الأنعام، الآية 110.

(2)

سورة الأنعام، الآية 44.

(3)

ج 24 ص 249

(4)

سورة فصلت، الآية 46.

ص: 341

وقد يمهلهم سبحانه ويملي لهم، ويستدرجهم لعلهم يرجعون، ثم يؤخذون على غرة؛ كما قال سبحانه:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}

(1)

؛ يعني: آيسون من كل خير - نعوذ بالله من عذاب الله ونقمته. وقد يؤجلون إلى يوم القيامة فيكون عذابهم أشد، كما قال سبحانه {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ}

(2)

، والمعنى: أنهم يؤجلون ويمهلون إلى ما بعد الموت، فيكون ذلك أعظم في العقوبة وأشد نقمة.

وقد يكونون في شر وبلاء ومعاصٍ، ثم يتوبون إلى الله ويرجعون إليه ويندمون ويستقيمون على الطاعة فيغير الله مابهم؛ من بؤس وفرقة ومن شدة وفقر، إلى رخاء ونعمة واجتماع كلمة وصلاح حال؛ بأسباب أعمالهم الطيبة، وتوبتهم إلى الله سبحانه وتعالى.

وقد جاء في الآية الأخرى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}

(3)

. فهذه الآية تبين لنا أنهم إذا كانوا في نعمة ورخاء وخير ثم غيروا بالمعاصي، غير عليهم - ولا حول ولا قوة إلا بالله - وقد يمهلون - كما تقدم -.

والعكس كذلك؛ إذا كانوا في سوء ومعاص أو كفر وضلال، ثم تابوا وندموا واستقاموا على طاعة الله، غير الله حالهم من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة، وغير تفرقهم إلى اجتماع ووئام، وغير شدتهم إلى نعمة وعافية ورخاء، وغير حالهم من جدب وقحط وقلة مياه ونحو ذلك، إلى إنزال الغيث ونبات الأرض، وغير ذلك من أنواع الخير.

(1)

سورة الأنعام، الآية 44.

(2)

سورة إبراهيم، الآية 42.

(3)

سورة الأنفال، الآية 53.

ص: 342

س: أرجو تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}

(1)

(2)

.

ج: هذه الآية عظيمة، وهي تدل على أن العلماء - وهم العلماء بالله وبدينه، وبكتابه العظيم، وسنة رسوله الكريم - هؤلاء هم أكمل الناس خشية لله، وأكملهم تقوى لله وطاعة له سبحانه وعلى رأسهم الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -.

فمعنى: (إنما يخشى الله)؛ أي الخشية الكاملة من عباده (العلماء)، وهم الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه سبحانه وتعالى وتبصروا في شريعته، وآمنوا بما عنده من النعيم لمن اتقاه، وما عنده من العذاب لمن عصاه وخالف أمره.

فهم لكمال علمهم بالله، وكمال معرفتهم بالحق، كانوا أشد الناس خشية لله، وأكثر الناس خوفاً من الله؛ وتعظيماً له سبحانه وتعالى.

وليس معنى الآية: أنه لا يخشى الله إلا العلماء، فإن كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة يخشى الله عز وجل ويخافه سبحانه لكن الخوف متفاوت، ليسوا على حدٍ سواء. فكلما كان المؤمن أعلم بالله وأفقه في دينه، كان خوفه من الله أكثر، وخشيته أكمل، وهكذا المؤمنة؛ كلما كانت أعلم بالله وأعلم بصفاته وعظيم حقه، كان خوفها من الله أعظم، وكانت خشيتها لله أكمل من غيرها، وكلما قلَّ العلم وقلّت البصيرة قلّ الخوف من الله، وقلّت الخشية له سبحانه.

فالناس متفاوتون في هذا، حتى العلماء متفاوتون، فكلما كان العالم أعلم بالله، وكلما كان العالم أقوم بحقه وبدينه، وأعلم بأسمائه وصفاته، كانت خشيته لله أكمل ممن دونه في هذه الصفات، وكلما نقص العلم نقصت الخشية لله.

(1)

سورة فاطر، الآية 28.

(2)

ج 24 ص 268

ص: 343

ولكن جميع المؤمنين والمؤمنات كلهم يخشون الله سبحانه وتعالى على حسب علمهم ودرجاتهم في الإيمان؛ ولهذا يقول - جل وعلا -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}

(1)

، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}

(2)

، وقال تعالى:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}

(3)

. فهم مأجورون على خشيتهم لله، وإن كانوا غير علماء وكانوا من العامة، لكن كمال الخشية يكون للعلماء؛ لكمال بصيرتهم وكمال علمهم بالله، فتكون خشيتهم لله أعظم. وبهذا يتضح معنى الآية، ويزول ما يتوهم بعض الناس من الإشكال في معناها. والله ولي التوفيق.

س: قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}

(4)

، فإذا كان الإنسان لديه القدرة على العيش في رغد، فهل تنطبق عليه هذه الآية الكريمة؟ وما معنى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} ؟

(5)

ج: معنى الآية: أن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدث بنعم الله؛ فيشكر الله قولاً كما يشكره عملاً.

(1)

سورة البينة، الآيتان 7، 8.

(2)

سورة الملك، الآية 12.

(3)

سورة الرحمن، الآية 46.

(4)

سورة الضحى، الآية 11.

(5)

ج 24 ص 325

ص: 344

فالتحدث بالنعم كأن يقول المسلم: إننا بخير والحمد لله، وعندنا خير كثير، وعندنا نعم كثيرة، نشكر الله على ذلك؛ لا يقول: نحن ضعفاء، وليس عندنا شيء .. لا، بل يشكر الله ويتحدث بنعمه، ويقر بالخير الذي أعطاه الله، لا يتحدث بالتقتير؛ كأن يقول: ليس عندنا مال ولا لباس

ولا كذا ولا كذا، لكن يتحدث بنعم الله، ويشكر ربه عز وجل.

والله سبحانه إذا أنعم على عبده نعمة، يحب أن يرى أثرها على ملابسه وفي أكله وفي شربه، فلا يكون في مظهر الفقراء، والله قد أعطاه المال ووسع عليه، لا تكون ملابسه ولا مأكله كالفقراء، بل يظهر نعم الله في مأكله ومشربه وملبسه.

ولكن لا يفهم من هذا: الزيادة التي فيها الغلو، وفيها الإسراف والتبذير.

س: هل المدرس الذي يدرس تلاميذه القرآن من المصحف الشريف يجب عليه أن يكون طاهراً أم لا يشترط طهارته؟

(1)

ج: المدرس وغيره في هذا الباب سواء، ليس له أن يمس المصحف وهو على غير طهارة عند جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة - رحمة الله عليهم -؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن حزم:«لا يمس القرآن إلا طاهر»

(2)

، وهو حديث جيد الإسناد، رواه أبو داود وغيره متصلاً ومرسلاً، وله طرق تدل على صحته واتصاله، وبذلك أفتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، - ورضي الله عنهم - والله ولي التوفيق.

(1)

ج 24 ص 343

(2)

أخرجه مالك في (الموطأ)، برقم: 419، في كتاب (النداء للصلاة)، باب (الأمر بالوضوء لمن مس المصحف)، والدارمي برقم: 2166 في كتاب (الطلاق)، باب (لا طلاق قبل نكاح).

ص: 345

س: ما رأي سماحتكم في رجل يقرأ القرآن الكريم وهو لا يحسن القراءة؛ بسبب أنه لم يحصل على قسط وافر من التعليم، وهو في قراءته يلحن لحناً جلياً؛ بحيث يتغير مع قراءته المعنى، ويحتج بحديث عائشة رضي الله عنها: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به

». الحديث؟

(1)

ج: عليه أن يجتهد ويحرص على أن يقرأه على من هو أعلم منه، ولا يدع القراءة؛ لأن التعلم يزيده خيراً، والحديث المذكور حجة له، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم:«الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق ويتتعتع فيه له أجران»

(2)

رواه مسلم، ومعنى يتتعتع: قلة العلم بالقراءة، وهكذا قوله:«وهو عليه شاق» ؛ معناه: قلة علمه بالقراءة.

فعليه أن يجتهد ويحرص على تعلم القراءة على من هو أعلم منه، وفي ذلك فضل عظيم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«خيركم من تعلم القرآن وعلمه» خرجه البخاري في صحيحه، فخيار المسلمين هم أهل القرآن؛ تعلُّماً وتعليماً وعملاً ودعوةً وتوجيهاً.

والمقصود من العلم والتعلم هو العمل، وخير الناس من تعلم القرآن وعمل به وعلَّمه الناس، ويقول عليه الصلاة والسلام:«اقرأوا هذا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة» رواه مسلم في صحيحه، ويقول عليه الصلاة والسلام:«القرآن حجة لك أو عليك»

(3)

. خرجه مسلم أيضاً في صحيحه، والمعنى: أنه حجة لك إن عملت به، أو حجة عليك إن لم تعمل به. والله أعلم.

(1)

ج 24 ص 360

(2)

رواه مسلم في (صلاة المسافرين وقصرها)، برقم: 1329، وابن ماجة في (الآداب)، برقم:3769.

(3)

أخرجه مسلم في كتاب (الطهارة)، برقم: 328، باب (فضل الوضوء).

ص: 346

س: ما حكم قراءة القرآن للناس بأجرة؟ أفيدونا - جزاكم الله خيراً -؟

(1)

ج: إن كان المقصود تعليم القرآن للناس وتحفيظهم إياه، فلا حرج في أخذ الأجرة على ذلك - في أصح قولي العلماء -؛ للحديث الصحيح في القراءة على اللديغ بشرط أجرة معلومة، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه:«إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه، أما إذا كان المراد أخذ الأجرة على مجرد التلاوة في أي مناسبة، فهذا لا يجوز أخذ الأجرة عليه.

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا يعلم نزاعاً بين أهل العلم في تحريم ذلك.

س: هل تجوز تلاوة القرآن بصوت مرتفع بالمسجد، علماً بوجود من يتنفل في تلك اللحظات بالمسجد من المصلين؟

(2)

ج: لا ينبغي رفع الصوت بالقراءة في المسجد، إذا كان حوله من يتشوش بذلك من المصلين بالقراءة، وهكذا إذا كان القارئ في أي مكان حوله مصلون أو قراء، فإن السنة أن لا يرفع صوته عليهم؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه خرج ذات يوم على الناس يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة فقال عليه الصلاة والسلام:«كلكم يناجي الله فلا يؤذ بعضكم بعضاً»

(3)

.

س: ما حكم وضع المصاحف على الحامل بين الصفوف خلف ظهور المصلين؟

(4)

ج: لا نعلم بأساً في ذلك للضرورة.

(1)

ج 24 ص 375

(2)

ج 24 ص 377

(3)

أخرجه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين)، برقم:11461.

(4)

ج 24 ص 390

ص: 347

س: ما جزاء من قام بحرق القرآن الكريم سهواً، ولم يعرف إلا بعد ما مضى هذا الفعل؟

(1)

ج: ليس عليه شيء ما دام سهواً، مثل أن حرقه وهو لا يدري أنه قرآن، وكذلك إذا حرقه عمداً لكونه متقطعاً لا ينتفع به؛ حتى لا يمتهن، فلا بأس عليه؛ لأن القرآن إذا تقطع وتمزق ولم ينتفع به يحرق أو يدفن في محل طيب حتى لا يمتهن.

أما إذا حرقه كارهاً له، ساباً له مبغضاً له، فهذا منكر عظيم وردة عن الإسلام، وهكذا لو قعد عليه أو وطأ عليه برجله إهانة له، أو لطخه بالنجاسة، أو سبه، أو سب من تكلم به، فهذا كفر أكبر وردة عن الإسلام - والعياذ بالله -.

س 2: هل يجب عليّ أن أتوضأ قبل كل حصة من حصص القرآن الكريم وأنا في المدرسة

(2)

؟

ج: ليس عليك الوضوء إذا كنت على طهارة، وكذلك إذا كانت القراءة عن ظهر قلب؛ أي من غير المصحف، فليس عليك أن تتطهر.

أما إذا كانت القراءة من المصحف وقد أحدثت بعد الحصة الأولى، فعليك أن تتطهر للحصة الثانية، وهكذا الثالثة؛ فكلما أردت أن تقرأ من المصحف وأنت على غير وضوء فعليك أن تتطهر؛ لما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا يمس القرآن إلا طاهر»

(3)

.

(1)

ج 24 ص 395

(2)

ج 24 ص 396

(3)

أخرجه الإمام مالك، في كتاب (النداء للصلاة)، باب (الأمر بالوضوء لمن مس القرآن)، برقم:419.

ص: 348

وهكذا أفتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن المحدث لا يمس القرآن، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم.

فالواجب عليك - يا أخي - إذا أردت القراءة من المصحف وأنت على غير طهارة، أن تتوضأ الوضوء الشرعي، أما إذا كنت على جنابة، فليس لك أن تقرأ لا عن ظهر قلب، ولا من المصحف حتى تغتسل.

س: ما حكم تقبيل المصحف بعد سقوطه من مكان مرتفع؟

(1)

ج: لا نعلم دليلاً على شرعية تقبيله، ولكن لو قبله الإنسان فلا بأس؛ لأنه يروى عن عكرمة بن أبي جهل - الصحابي الجليل - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يقبل المصحف ويقول: هذا كلام ربي. وبكل حال التقبيل لا حرج فيه، ولكن ليس بمشروع وليس هناك دليل على شرعيته، ولكن لو قبله الإنسان تعظيماً واحتراماً عند سقوطه من يده أو من مكان مرتفع، فلا حرج في ذلك ولا بأس - إن شاء الله -.

س: هل تقبيل المصحف جائز أم لا؟

(2)

ج: هذا العمل ليس له أصل، وتركه أحسن لأنه ليس عليه دليل.

لكن يروى عن بعض الصحابة أنه قبل المصحف، وقال: هذا كلام ربي، ولا يضر من فعله، لكن ليس عليه دليل وتركه أولى.

ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت عن الصحابة، إنما يروى عن عكرمة، قد يصح أو لا يصح؛ فالترك أولى لعدم الدليل.

(1)

ج 24 ص 398

(2)

ج 24 ص 399

ص: 349

المهم العمل به، والتلاوة، والإكثار من القراءة والعمل، هذا المهم وهذا الواجب، فالإنسان عليه أن يكثر من قراءة القرآن ويتدبر ويعمل، هذا هو المطلوب منه.

س: هل التداوي والعلاج بالقرآن يشفي من الأمراض العضوية كالسرطان كما هو يشفي من الأمراض الروحية كالعين والمس وغيرهما؟ وهل لذلك دليل؟ جزاكم الله خيراً.

(1)

ج: القرآن والدعاء فيهما شفاء من كل سوء بإذن الله، والله سبحانه هو الشافي، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء}

(2)

، وقوله سبحانه:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}

(3)

.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى شيئاً قرأ في كفيه عند النوم سورة {قل هو الله أحد} و (المعوذتين) ثلاث مرات، ثم يمسح في كل مرة على ما استطاع من جسده، فيبدأ برأسه ووجهه وصدره في كل مرة عند النوم، كما صح الحديث بذلك عن عائشة رضي الله عنها.

س: يقول السائل: سمعت من بعض الناس أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله إن القرآن ليتفلت مني، فأوصاه عليه السلام بقراءة بعض السور القرآنية كل سورة لعدة مرات، ففعل فلم يتفلّت منه القرآن فهل هذا صحيح؟

(1)

ج 26 ص 158

(2)

سورة فصلت الآية 44.

(3)

سورة الإسراء الآية 82.

ص: 350

ما هي هذه السور إذا كان الأمر كذلك؛ لأنني أعاني من هذه المشكلة وهي تفلت القرآن مني عندما أنتقل بالحفظ من سورة إلى أخرى وجهوني جزاكم الله خيراً؟

(1)

ج: ليس ذلك بصحيح ولا بمحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، ولكن يستحب للمؤمن أن يجتهد في تلاوة القرآن وتكراره حتى يستقر، ويسأل ربه أن يعينه على ذلك، فيقول اللهم أعني على حفظ كتابك، اللهم يسر لي حفظ كتابك، يرجع إلى الله ويسأله العون ويجتهد في الإكثار من التلاوة في الأوقات المناسبة التي فيها راحته، في أول النهار أو في الليل أو في غير ذلك من الأوقات التي يرى أنه مستريح فيها؛ وبذلك يعينه الله، والله يقول جل وعلا:{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا}

(2)

، ويقول سبحانه:{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}

(3)

، فاستعن بربك وأسأله العون والتوفيق وأبشر بالخير.

(1)

ج 26 ص 197

(2)

سورة الطلاق، الآية 2.

(3)

سورة الطلاق الآية 4.

ص: 351

‌فتاوى العلم والدعوة إلى الله

ص: 353

س: ما حكم استماع أشرطة الأناشيد الإسلامية

(1)

؟

ج-الأناشيد تختلف فإذا كانت سليمة ليس فيها إلا الدعوة إلى الخير والتذكير بالخير وطاعة الله ورسوله والدعوة إلى حماية الأوطان من كيد الأعداء والاستعداد للأعداء، ونحو ذلك، فليس فيها شيء. أما إذا كان فيها غير ذلك من دعوة إلى المعاصي واختلاط النساء بالرجال أو تكشفهن عندهم أو أي فساد كان فلا يجوز استماعها.

س: إذا رأت المؤمنة أحدا من أقاربها يرتكب بعض المنكرات كيف يكون موقفها

(2)

؟.

ج: عليها أن تنكر المنكر بالأسلوب الحسن، والكلام الطيب والرفق والعطف على صاحب المنكر؛ لأنه قد يكون جاهلا، وقد يكون شرس الأخلاق، فعند الإنكار عليه بشدة يزداد شره فعليها أن تنكر المنكر بالأسلوب الحسن والكلام الطيب، والدليل الواضح مما قاله الله وقاله رسوله مع الدعاء له بالتوفيق حتى لا تحصل النفرة، هكذا يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، عنده من العلم والبصيرة والرفق والتحمل ما يجعل من ينكر عليه يتقبل فلا ينفر ولا يعاند، فيجتهد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في استعمال الألفاظ التي يرجى بسببها قبول الحق.

س: إذا كان المنكر الذي تراه الأخت المؤمنة: الاختلاط وعدم الحجاب، فكيف تنصحهم

(3)

؟

ج: تنصحهم، تقول لأختها في الله الواجب عليك عدم الاختلاط، وعدم السفور والاهتمام بأمر التحجب عن الرجال الذين ليسوا محارم لك، قال الله تعالى: {وَإِذَا

(1)

ج 3 ص 437

(2)

ج 4 ص 233

(3)

ج 4 ص 234

ص: 355

سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}

(1)

وقال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ}

(2)

الآية. فتأتي بالآيات والأحاديث التي في المقام، وفيها إيضاح المطلوب والتحذير مما يخالف الشرع المطهر، وتوضح لأخواتها في الله أن الواجب علينا جميعا أن نحذر مما حرم الله، ونتعاون على البر والتقوى، ونتواصى بالحق والصبر عليه.

س: أرجو أن تدلوني على الكتب المفيدة النافعة في الدنيا والدين

(3)

؟.

ج: الكتب النافعة كثيرة، أعظمها وأهمها كتاب الله سبحانه وتعالى فيه الهدى والنور وفيه الدعوة إلى كل خير وبيان مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال وبيان ما أوجب الله وما أعد لأهل طاعته من الخير وبيان ما حرم الله وما أعد لأهل معصيته في العقوبة. فأعظم كتاب وأشرف كتاب وأنفع كتاب هو كتاب الله العظيم القرآن، ثم كتب السنة الصحيحة، كالبخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة المعروفة كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وسنن الدارمي ومسند أحمد بن حنبل وموطأ مالك رحمة الله على الجميع، وهذه من أنفع الكتب.

لكن بالنسبة إلى الطلبة الذين لم يتمكنوا من العلم وهكذا الطالبات اللاتي لم يتمكن من العلم فهؤلاء ننصحهم جميعا بحفظ كتاب الله الكريم، مع حفظ المؤلفات المختصرة في العقيدة والحديث الشريف. مثل: كتاب (التوحيد) للإمام

(1)

سورة الأحزاب الآية 53.

(2)

سورة النور الآية 31.

(3)

ج 5 ص 404

ص: 356

الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و (ثلاثة الأصول) له أيضا، و (كشف الشبهات) له أيضا، و (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، و (بلوغ المرام) للحافظ ابن حجر، (وعمدة الحديث) للحافظ عبد الغني المقدسي، و (الأربعين النووية) وتكملتها للحافظ ابن رجب، و (آداب المشي إلى الصلاة) للشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله، ومطالعة الكتب الآتية:(فتح المجيد) و (رياض الصالحين) و (الوابل الصيب) و (زاد المعاد) و (جامع العلوم والحكم) للحافظ ابن رجب

وأشباهها من الكتب المفيدة المختصرة.

س: ما حكم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يستطيع ذلك

(1)

؟

ج: حكمه أنه عاص لله ولرسوله ضعيف الإيمان وعليه خطر عظيم من أمراض القلوب وعقوبتها العاجلة والآجلة كما قال الله سبحانه: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

(2)

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا للقيام بهذا الواجب العظيم على الوجه الذي يرضيه.

(1)

ج 6 ص 504

(2)

سورة المائدة الآيتان 78، 79.

ص: 357

س: نود منكم نصيحة حول قضاء الإجازة وبماذا تنصحون الإخوة

(1)

؟

ج: أنصح إخواني في الإجازة أن يستغلوها في كل ما يرضي الله: في حفظ القرآن الكريم والإكثار من تلاوته، وفي عمارة المكتبات للمطالعة والاستفادة بحضور المحاضرات العلمية والندوات المفيدة، وفي التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والصبر عليه، وفي النصائح إلى غير هذا من وجوه الخير كالتزاور في الله فيما بينهم في أنحاء هذه البلاد، لأنها فرصة ينبغي أن تستغل في الخير.

ومن أحسن ما تستغل فيه العناية بالقرآن الكريم حفظا وتلاوة وتدبرا. والعناية بالكتب النافعة ومطالعتها، وحفظ الكتب المهمة والمقررات المفيدة كـ:[كتاب التوحيد]، و [بلوغ المرام]، و [عمدة الحديث]، و [العقيدة الواسطية]، و [الأربعين النووية] وتتمتها لابن رجب، وبذلك صارت خمسين حديثا من جوامع الكلم، وهذه الخمسون ينبغي أن تحفظ مع مراجعة شرحها للحافظ ابن رجب رحمه الله، ومما يحسن الاهتمام به في الإجازة زيارة العلماء وسؤالهم عما أشكل على الطالب في وجوه العلم، ونسأل الله للجميع التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

س: ما رأيكم في‌

‌ المرأة والدعوة إلى الله

عز وجل

(2)

؟

ج: المرأة كالرجل عليها واجبها في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأدلة من القرآن والسنة تعم الجميع إلا ما خصه الدليل، وكلام أهل العلم

(1)

ج 7 ص 297

(2)

ج 7 ص 328

ص: 358

واضح في ذلك. ومن أدلة القرآن في ذلك قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

(1)

وقوله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}

(2)

، فعليها أن تدعو إلى الله بالآداب الشرعية التي تطلب من الرجل، وعليها مع ذلك الصبر والاحتساب لقول الله سبحانه:{وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}

(3)

وقوله تعالى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}

(4)

، ثم عليها أيضا أن تراعي أمرا آخر وهو: أن تكون مثالا في العفة والحجاب والعمل الصالح، وأن تبتعد عن التبرج والاختلاط بالرجال المنهي عنه- حتى تكون دعوتها بالقول والعمل عن كل ما حرم الله عليها.

س: ما هو أفضل العلوم لزكاة النفوس في الدنيا والآخرة الواجب على المسلم الالتزام به

(5)

؟

ج: أفضل العلوم لزكاة النفوس: توحيد الله سبحانه، وطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصلها: توحيد الله، والإخلاص له، وتحقيق معنى لا إله إلا الله بإخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه، والإخلاص له في كل الأعمال،

(1)

- سورة التوبة الآية 71.

(2)

- سورة آل عمران الآية 110.

(3)

- سورة الأنفال الاية 46.

(4)

- سورة لقمان الآية 17.

(5)

ج 8 ص 99

ص: 359

ثم بقية الأوامر من الصلاة والزكاة وغير هذا، وترك ما حرم الله، مع مخالقة الناس بالخلق الحسن والحلم والصبر والجود والكرم وكف الأذى، هكذا يكون المؤمن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«البر حسن الخلق» ويقول صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة - يعني في ضواحي الجنة- لمن ترك المراء وإن كان محقا وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» فالحلم، والجود، والكرم، وحسن الخلق، والمبادرة إلى الخيرات، والبعد عن السيئات، والحرص على نفع الناس، كل هذا من الأخلاق العظيمة التي تزكي النفوس، كما قال عز وجل:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}

(1)

أي: بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته، ونفع الناس ورحمتهم، {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}

(2)

أي: بالمعاصي والمخالفات والله ولي التوفيق.

س: ما حكم التعاون والتآزر والتعاضد في أمر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، خاصة وأن البعض يقول: إنه من البدع المحدثة

(3)

؟

ج: التعاون مطلوب في الدعوة إلى الله، وفي كل خير، كما قال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}

(4)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» والله سبحانه يقول: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسر * إِلا

(1)

سورة الشمس الآية 9.

(2)

سورة الشمس الآية 10.

(3)

ج 8 ص 178

(4)

سورة المائدة الآية 2.

ص: 360

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

(1)

فإذا ذهب جماعة للدعوة إلى الله تعالى فعليهم أن يتعاونوا - في أي بلد أو في أي مكان - على البر والتقوى، هذا من أحسن الأشياء. والنبي صلى الله عليه وسلم بعث سبعين من القراء إلى بعض القبائل؛ للدعوة إلى الله، والتعليم عليه الصلاة والسلام، وكان يبعث الدعاة إلى الله - أفرادا وجماعات - إلى القبائل لتعليمهم؛ وتفقيههم في الدين، وبعث مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة قبل الهجرة؛ لتعليم من أسلم من الأنصار، وتفقيههم في الدين.

المقصود: أن التعاون على الدعوة وإرشاد الناس من اثنين أو ثلاثة أو أكثر. ليتعاونوا، ويشجع بعضهم بعضا، وليتذاكروا فيما يجب من العلم والعمل، ويتبصروا. هذا فيه خير كثير، لكن عليهم أن يتحروا الحق بأدلته، ويحذروا الأساليب المنفرة عن الحق، وعليهم أن يتحروا الأساليب المفيدة النافعة، التي توضح الحق وتبينه وترغب فيه، وتحذر من الباطل، فهذا التعاون أمر مطلوب بشرط الإخلاص لله، وعدم قصد الرياء والسمعة، وأن يكونوا على علم وبصيرة.

س: ما الصفات التي ينبغي أن تتوفر فيمن يريد أن يقوم بإصلاح ذات البين

(2)

؟

ج: ينبغي أن يكون ذا حلم وتقوى لله وعمل صالح وإنصاف للنفس من النفس حتى يتوسط بين الناس بما أعطاه الله من العلم والبصيرة والإنصاف والتواضع حتى يتوسط بين من زين لهم الشيطان الاختلاف والفرقة.

(1)

سورة العصر كاملة.

(2)

ج 9 ص 270

ص: 361

ومن صفاته أن يكون جوادا كريما سخيا يستطيع أن يبذل المال في الإصلاح بين الناس، فالمصلح من صفاته الخلق الحسن والتواضع والجود والكرم وطيب الكلام وحسن الكلام وعدم سوء الكلام.

يتوسط بكلام طيب وأسلوب حسن ورفق وجود وكرم، إذا دعت الحاجة إلى وليمة أو مساعدة بذل حتى يتمكن من الصلح، ومما يتعلق بالصلح أيضا بذل المال ولو بطريق السلفة والقرض، يتحمل حمالة يقترض من بعض إخوانه ليصلح بين المتنازعين والمختلفين من قبيلتين أو قرابتين أو أخوين أو ما أشبه ذلك، قد يحتاج إلى بذل المال ولو بالاقتراض ويعطى من الزكاة إذا تحمل للإصلاح، فالمصلح بين الناس جدير بأن يساعد ويعان حتى ولو من الزكاة، في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«إن المسألة لا تحل لأحد إلا لأحد ثلاثة - وذكر منهم - رجلا تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك»

(1)

رواه مسلم في صحيحه.

س: ما هي كتب العقيدة الصحيحة التي تنصحون طلبة العلم باقتنائها وقراءتها، وكيف توجهون الداعية الذي يدعو الناس، من أهل البادية من العامة، الذين يحتاجون إلى تعلم أصول العقيدة

(2)

؟

ج: أعظم كتب العقيدة وأنفعها: كتاب الله القرآن، فيه الهدى والنور، فنوصي الجميع رجالا ونساء كبارا وصغارا، أن يعتنوا بالقرآن وأن يجتهدوا في حفظه، والإكثار من تلاوته، فهو كتاب العقيدة، وهو كتاب الهدى وهو الشافي المفيد النافع،

(1)

- رواه مسلم في كتاب الزكاة برقم 1730.

(2)

ج 28 ص 73

ص: 362

كما قال جل وعلا: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}

(1)

، {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}

(2)

.

وهو الصراط المستقيم، فنوصي جميع المسلمين في كل مكان، جميع الرجال والنساء العرب والعجم، نوصي الجميع بأن يلزموا هذا القرآن، وأن يعظموه ويعملوا به، ويكثروا من تلاوته، أينما كانوا، من المصحف وعن ظهر قلب، وأن ينفذوا أوامره وينتهوا عن نواهيه، هو كتاب العقيدة، هو كتاب العمل، هو كتاب الهدى، هو كتاب السعادة، فيه كل خير، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وفيه القصص عن الماضين: عن الخير والشر، أخبر عن الماضين من أهل الخير، وعن الماضين من أهل الشر، فعلى المؤمن والمؤمنة، أن يأخذوا منه ما دل عليه من الخير، وأن يحذروا ما حذر منه من الشر، ثم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: كتب الحديث كالصحيحين والسنن، ومسانيده المعتمدة، فأهل العلم يخرجون الأحاديث، يعلمون الناس وينشرونها بين الناس، وكل كتب العقيدة المعروفة لأئمة أهل السنة والجماعة، الكتب الطيبة المعروفة يستعان بها، وينتفع بها، في تعليم الناس الخير، كتب السلف الصالح المعروفة، ومثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله وغيرهم من أهل العلم المعروفين، بحسن العقيدة، ومثل كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وأئمة الدعوة الإسلامية في نجد، لما يسر الله هذه الدعوة في القرن الثاني عشر، وكتبوا وجمعوا فيها ما ينفع الله به الناس في مثل كتاب التوحيد، والثلاثة الأصول، وكشف الشبهات، وآداب المشي إلى

(1)

سورة الإسراء الآية 9

(2)

سورة فصلت الآية 44

ص: 363

الصلاة، ورسائل المشايخ في الدرر السنية، وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان، هذه الكتب العظيمة، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، والتدمرية، ومنهاج السنة والحموية، والعقيدة الطحاوية وشرحها لابن أبي العز، ولمعة الاعتقاد لصاحب المغني إلى غيرها من الكتب الطيبة، كتب السلف الصالح التي تعين على الخير، وتنشر الحق وتعلم الناس الخير.

س: هناك بعض الشباب الصالحين يصطحبون معهم بعض الغافلين لزيارة القبور وتخويفهم من الله فما رأيكم في ذلك

(1)

؟

ج: ليس فيه مانع وذلك حسن، وجزاهم الله خيرا، وهو من التعاون على البر والتقوى.

س: يقول السائل: إنه خجول جدا ولا يستطيع أن يؤم الناس، رغم أنه في بعض الحالات يكون أقرأ في فريضة من الفرائض وإذا وجه إليه سؤال يرتعش كما يقول ويرجو من سماحتكم التوجيه والنصح.

(2)

ج: الواجب على المؤمن وعلى طالب العالم أن تكون عنده الهمة العالية، والقوة والنشاط في إبلاغ الخير، والدعوة إلى الخير وتعليم الجاهل وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو الواجب، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»

(3)

.

(1)

ج 13 ص 348

(2)

- ج 12 ص 97

(3)

- رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (8573)، ومسلم في (كتاب القدر) باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله، برقم (2664).

ص: 364

فالمؤمن القوي هو الذي يعلم الناس ويصلي بهم إذا احتاجوا ويقرأ عليهم العلم ويرشدهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو أفضل من المؤمن الضعيف العاجز الذي لا يستطيع أن يبذل ما ينفعهم.

ووصيتي لهذا السائل أن يتقي الله وأن تكون همته عالية وأن يؤم إذا كان أفضل الموجودين، فإنه يؤم الناس ويبادر بذلك، وأن يظهر علمه إن كان عنده علم، وأن يفتي السائل بما عنده من العلم عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يخجل فإن هذا ليس محل خجل، الخجل لجاهل أو لفاعل المعصية، أما من يعلم الناس الخير ويفتيهم في العلم الشرعي ويسعى في مصالحهم فلا يليق به أن يخجل، ولا ينبغي له أن يجبن، ولا ينبغي له أن يتأخر بل ينبغي أن يتقدم وأن يكون في المقدمة في كل شيء حتى ينفع الناس ويرشدهم ويكون إماما في الخير، والله المستعان.

س: ما هي الطريقة الصحيحة التي يجب أن يتبعها طالب العلم الشرعي حتى يصل إلى ما يريده من إرضاء الله سبحانه وتعالى، وكسب العلم المفيد والنافع له وللمسلمين، وما هي العوامل التي تساعد الطالب على الحفظ ورسوخ المسائل في ذهنه وعدم النسيان

(1)

؟

ج: أعظم الأسباب، أن تتقي ربك بطاعته وترك معصيته، والإخلاص له وسؤاله التوبة والعون والتوفيق، ثم العناية بالدروس والمذاكرة، وحفظ الوقت؛ فإن هذا من أعظم الأسباب.

(1)

ج 23 ص 269

ص: 365

ومن أسباب ذلك أيضاً: المذاكرة مع الزملاء، والحرص على الفائدة؛ حتى يستقر العلم، فلا تكتف بمطالعتك والدرس مع الأستاذ، بل مع هذا المذاكرة مع الزملاء الطيبين فيما أشكل عليك حتى يستقر في ذهنك العلم.

س 3: يلاحظ على بعض الطلبة أنهم يغلبون جانب العلم على جانب الدعوة إلى الله. نرجو توجيه الإخوان في ذلك

(1)

؟

ج: طالب العلم يجمع بين الأمرين؛ بين العلم وبين الدعوة، وبين العمل وبين الإصلاح بين الناس وبين النصيحة، لا يقف عند حد، لكن على قدر طاقته على وجه لا يشغله عن الواجب، فهو طالب علم وهو داعية إلى الله، وهو ناصح، وهو معلم أيضا، ومصلح بين الناس يكون له آثار صالحة. طالب العلم - خصوصا الطالب في كلية الشريعة، وكلية أصول الدين، أو في حلقات المشايخ، يجب أن تكون عنده همة عالية، فلا يقتصر على شيء دون شيء، بل يجتهد في كل خير حسب علمه وقدرته؛ فهو مع المصلحين ومع الدعاة، ومع المعلمين ومع الناصحين، ومع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

وهكذا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يدخلون في كل شيء مما ينفع الناس، ولا يتأخرون عن شيء فيه خير للناس، حتى فيما يتعلق بالأمور الأخرى الدنيوية؛ كالطب والهندسة وغير ذلك مما ينفع الناس - إذا أمكنهم أن يكون لهم نصيب فيها، بحسب الطاقة والعلم - فلا يشغله عن الأمر الأهم ما دونه، بل يبدأ بالأهم فالأهم حسب الطاقة، مع إخلاص النية والصبر. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 24 ص 24

ص: 366

س: فضيلة الشيخ: يقول البعض: إن من أسباب ضعف مستوى الطالب الديني والعلمي: إهمال الآباء لأبنائهم، واهتمامهم بمشاريعهم الخاصة وعدم متابعتهم، فهل من نصيحة من فضيلتكم لهؤلاء الأولياء؟

(1)

ج: لا شك أن إهمال الآباء والأمهات لأولادهم وعدم تشجيعهم على طلب العلم، من الأسباب المؤدية إلى ضعفهم.

والواجب على الآباء والأمهات والإخوة الكبار، أن يكونوا عوناً لأولادهم على التفقه في الدين، والتعلم والعناية بطلب العلم، والمحافظة على أوقات الدراسة، هذا هو الواجب عليهم.

وأما إهمالهم والتساهل معهم فهو من أسباب فشلهم، ومن أسباب قلة علمهم، ومن أسباب تكاسلهم.

فالواجب على الآباء والأمهات والإخوة الكبار أن يؤدبوا من يتخلف ويتساهل، وأن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يشجعوا الأولاد على الجد والنشاط والمواظبة على الدروس، والمحافظة على أوقات الدراسة، والمحافظة على الصلاة في الجماعة؛ صلاة الفجر وغيرها، هذا هو الواجب على الجميع.

نسأل الله أن يوفق المسلمين لأداء ما يجب عليهم لأولادهم وغيرهم. إنه خير مسئول وأقرب مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

(1)

ج 24 ص 36

ص: 367

س: ما حكم الغش في أوقات الامتحان، علماً بأني أرى كثيراً من الطلبة يغشون، وأنصح لهم، لكنهم يقولون: ليس في ذلك شيء؟ أفيدوني - جزاكم الله خيراً -. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(1)

.

ج: الغش في الامتحان وفي العبادات وفي المعاملات محرم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» ، ولما يترتب عليه من الأضرار الكثيرة في الدنيا والآخرة؛ فالواجب الحذر منه والتواصي بتركه.

س: نحن شباب نحاول أن نجتهد ونتفقه في أمور الدين، ونسأل الله أن يعيننا على ذلك، ولقد قمنا بقراءة بعض الكتب الدينية التي تختص بالأحكام والعبادات الموجودة في المكتبات، ولكن صادفتنا مشكلة؛ أنه في بعض الكتب هناك اختلاف بينها وبين بعض؛ مما سبب لنا بعض الاضطراب، ما هي نصيحتكم لنا جزاكم الله خيراً؟

(2)

ج: الكتب من قديم الزمان لابد أن يكون فيها تخالف؛ لأن الآراء والاجتهادات تختلف في الفروع والأحكام؛ فليس هذا ببدع، بل هو معروف. فالمؤمن وطالب العلم يتحرى الدليل، فما قام عليه الدليل فهو الواجب الاتباع في مسائل الخلاف، أما ما أجمع العلماء، فإجماعهم حجة.

أما إذا وجدت مسألة اختلفوا فيها؛ في الحج أو في الصلاة أو في المعاملات أو في الصيام أو في غير ذلك، فإن طالب العلم ينظر في أدلة الفريقين أو الفرق، فإن وجد أقوالاً عدة، فينظر ويتأمل ولا يعجل؛ ينظر إلى أدلتهم، فمن كان معه الدليل

(1)

ج 24 ص 62

(2)

ج 24 ص 71

ص: 368

فهو المتبع، ولا يتعصب لأحد، بل ينظر إلى الدليل، فمن كان معه ظاهر القرآن أو ظاهر السنة، أو قواعد الشريعة معه، قدمه على غيره. والله أعلم.

س: سماحة الشيخ: هل هناك قدر من العلم يقف عنده المسلم حتى يتعرف على دينه؟

(1)

ج: نعم. يلزمه أن يتعلم ما يجب عليه وما يحرم عليه، والبقية سنة؛ يلزمه أن يتعلم ما لا يسعه جهله؛ يعني ما أوجب الله عليه وما حرم الله عليه؛ حتى يعبد ربه على بصيرة؛ لأن الله يقول:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}

(2)

. وهذه العبادة التي خلقوا لها لابد أن يعرفوها حتى يؤدوها، ولا طريق إلى معرفتها إلا بالله ثم بالعلم النافع؛ بالنظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسؤال أهل العلم، كما قال تعالى:{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}

(3)

. فليعرف، الواجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة أن يتعلم ما لا يسعه جهله، ويتفقه في الدين؛ حتى يعلم ما أوجب الله عليه وما حرم الله عليه، وحتى يعبد الله على بصيرة؛ فهو مخلوق للعبادة، مأمور بها، فلابد أن يتعلم هذه العبادة التي هو مخلوق لها؛ وذلك بمراجعة القرآن العظيم والسنة المطهرة، وسؤال أهل العلم عما أشكل عليه.

س: سماحة الشيخ: يكثر في بعض مجالس الناس الجدال العقيم، والكلام في قضايا لا تعنيهم. ما الذي ينبغي عمله في مثل هذه المناسبات وهذه الاجتماعات - جزاكم الله خيراً -

(4)

؟

(1)

ج 24 ص 73

(2)

سورة الذاريات، الآية 56.

(3)

سورة النحل، الآية 43.

(4)

ج 24 ص 86

ص: 369

ج: المشروع للمؤمن الحذر من المجالس التي فيها الجدل والخصام والمراء بدون فائدة، لا يحضرها ولا يشارك فيها؛ لأنها تفضي إلى الباطل أو إلى الكذب، وإلى القول بغير علم.

أما المجالس التي فيها ذكر الله، وفيها التعاون على الخير، وفيها البحث العلمي والتفقه في الدين، هذه مجالس طيبة، أما مجالس الجدل والنزاع والخصومات والمراء، فينبغي الحذر منها وعدم المشاركة فيها.

س: سماحة الشيخ: حلق جماعات تحفيظ القرآن في هذا البلد المبارك نفع الله بها نفعاً عظيماً. بماذا توجهون معلمي هذه الحلق وطلابها

(1)

؟

ج: نوجههم ونوصيهم بتقوى الله، والاستمرار في هذا الخير، والصبر على هذا الخير، والإخلاص لوجه الله - جل وعلا - في التعلم والتعليم؛ لأن تعلم القرآن وحفظ القرآن من أهم القربات ومن أفضل القربات. فنوصي الجميع - المعلم والمتعلم - نوصيهم بتقوى الله، والعمل بما علموا، والإخلاص لله في العمل؛ حتى يبارك الله في أعمالهم، حتى يوفقوا في أعمالهم.

ألا وهي أن الطالب يتعلم لكي يستفيد ويعمل، والمعلم يقصد وجه الله في تعليم الطالب وتوجيهه إلى الخير، يرجو من عند الله المثوبة - وإن أخذ أجرة - يرجو ما عند الله ويحتسب الأجر، وينصح في تعليمه، ويجتهد في الأسباب التي توصل المعلومات إلى الطالب وتستقر في ذهنه.

فهذا يتقي الله، وهذا يتقي الله، يكون عند كل واحد إخلاص ورغبة في الخير، وأن يتعلم ما يرضي الله ويتقرب لديه، وأن يستعين بما أعطاه الله من علم على طاعة الله.

(1)

ج 24 ص 93

ص: 370

س: الدعوة إلى الله من أَجَلِّ الأعمال ومن أفضلها. بماذا تنصحون الدعاة إلى الله عز وجل؟ وهل الدعوة واجبة على كل مسلم

(1)

؟

ج: نعم. الدعوة واجبة على كل مسلم حسب طاقته؛ على أهل العلم طاقتهم، وعلى الآخرين طاقتهم. الواجب على أهل العلم أن يبلغوا دعوة الله ويرشدوا، كل مسلم عليه نصيبه حسب علمه.

المسلم الذي يرى أن جاره أو قريبه مقصر في الصلاة أو لا يصلي في المسجد ينصحه؛ لأن هذا أمر عام، يعلمه العامي وطالب العلم، يقول: يا أخي اتق الله، أنا ما أشوفك تصلي في الجماعة. اتق الله. بادر إلى الصلاة في جماعة. أو يراه عاقاً لوالديه أو لأحدهما ينصحه؛ هذا شيء يعلمه الخاص والعام، ما يختص بأهل العلم، أو يعرف أنه يشرب الخمر ينصحه، أو يتعاطى التدخين ينصحه، وهكذا، أو يعرف منه الغيبة والنميمة؛ ينصحه ويقول له: اتق الله. دع هذه المعاصي وراقب الله - جل وعلا - واحذر غضبه عليك. المقصود: أن كل إنسان حسب طاقته ينصح ويوجه إلى الخير.

س: أريد أن تدلوني على بعض أسماء الكتب في التفسير والحديث والفقه للإفادة منها - وجزاكم الله خيراً -

(2)

.

ج: من الكتب المفيدة في التفسير: تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، والبغوي، وابن سعدي، والشنقيطي.

ومن كتب الحديث المفيدة: الصحيحان، والسنن الأربع، و (منتقى الأخبار)، و (عمدة الحديث)، و (بلوغ المرام)، و (الأربعون النووية)، وتتمتها للحافظ ابن رجب:

(1)

ج 24 ص 99

(2)

ج 24 ص 329

ص: 371

الجميع خمسون حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم. ومن كتب الفقه المفيدة: (المغني) للإمام العلامة أبي محمد عبد الله بن قدامة رحمه الله و (المقنع) له أيضاً، و (الروض المربع شرح زاد المستقنع) بحاشية العلامة الشيخ: عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله، و (شرح المهذب) للنووي رحمه الله. والله الموفق.

سائل يقول: ما صحة هذا الحديث: «التمس لأخيك سبعين عذراً» ؟

(1)

ج: لا أعلم له أصلاً، والمشروع للمؤمن أن يحترم أخاه إذا اعتذر إليه ويقبل عذره إذا أمكن ذلك ويحسن به الظن حيث أمكن ذلك حرصاً على سلامة القلوب من البغضاء ورغبة في جمع الكلمة والتعاون على الخير، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:(لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شراً وأنت تجد لها فيه الخير محملاً).

س: ما هو العلم الذي يحتاجه الداعي إلى الله، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟

(2)

ج: لا بد في حق الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من العلم لقوله سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}

(3)

، والعلم هو ما قاله الله في كتابه الكريم، أو قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة، وذلك بأن يعتني كل منهما بالقرآن الكريم والسنة المطهرة؛ ليعرف ما

(1)

ج 26 ص 365

(2)

- ج 27 ص 340

(3)

- سورة يوسف الآية 108.

ص: 372

أمر الله به وما نهى الله عنه، ويعرف طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله وإنكاره المنكر، وطريقة أصحابه رضي الله عنهم، ويتبصر في هذا بمراجعة كتب الحديث، مع العناية بالقرآن الكريم، ومراجعة أقوال العلماء في هذا الباب، فقد توسعوا في الكلام على هذا وبينوا ما يجب.

والذي ينتصب لهذا الأمر يجب عليه أن يعنى بهذا الأمر حتى يكون على بصيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ليضع الأمور في مواضعها؛ فيضع الدعوة إلى الخير في موضعها، والأمر بالمعروف في موضعه، على بصيرةٍ وعلم حتى لا يقع منه إنكار المنكر، بما هو أنكر منه، وحتى لا يقع منه الأمر بالمعروف على وجهٍ يوجب حدوث منكر أخطر من ترك ذلك المعروف الذي يدعو إليه. والمقصود أنه لا بد أن يكون لديه علم حتى يضع الأمور في مواضعها.

س: كيف ترون سماحتكم المدخل لكي يتجنب الشباب الوقوع تحت وطأة مغريات هذا العصر ويتجه الوجهة الصحيحة

(1)

؟

ج: بسم الله، والحمد لله: إن الطريق الأمثل ليسلك الشباب الطريق الصحيح في التفقه في الدين والدعوة إليه هو أن يستقيم على النهج القويم بالتفقه في الدين ودراسته، وأن يعنى بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وأنصحه بصحبة الأخيار والزملاء الطيبين، وملازمة العلماء المعروفين بالاستقامة حتى يستفيد من علمهم ومن أخلاقهم، كما أنصحه بالمبادرة بالزواج، وأن يحرص على الزوجة الصالحة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج،

(1)

ج 27 ص 358

ص: 373

فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»

(1)

متفق على صحته من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

س 2: ما كيفية النهي عن المنكر بالقلب

(2)

؟

ج: هو أن يكره المنكر، ولا يجلس مع أهله؛ لأن جلوسه معهم بغير إنكار يشبه فعل بني إسرائيل، الذي لعنهم الله عليه، في قوله سبحانه:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

(3)

.

(1)

- أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من استطاع» برقم 5065، ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه برقم 1400.

(2)

ج 27 ص 494

(3)

- سورة المائدة الآيتان 78، 79.

ص: 374

‌فتاوى المناهي الشرعية

ص: 375

س: ما حكم الاستماع إلى الأغاني

(1)

؟

ج-الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاص كثيرة وإلى فتن متعددة، ويجر إلى العشق والوقوع في الزنا والفواحش واللواط ويجر إلى معاص أخرى كشرب المسكرات ولعب القمار وصحبة الأشرار، وربما أوقع في الشرك والكفر بالله على حسب أحوال الغناء واختلاف أنواعه، والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}

(2)

.

فأخبر سبحانه أن بعض الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله قرئ ليضل بضم الياء وقرئ ليضل بفتح الياء مع كسر الضاد فيهما، واللام للتعليل والمعنى أنه بتعاطيه واستعاضته لهو الحديث وهو الغناء يجره ذلك إلى أن يضل في نفسه ويضل غيره يضل بسبب ما يقع في قلبه من القسوة والمرض فيضل عن الحق لتساهله بمعاصي الله ومباشرته لها، وتركه بعض ما أوجب الله عليه مثل ترك الصلاة في الجماعة وترك بر الوالدين ومثل لعب القمار والميل إلى الزنا والفواحش واللواط إلى غير ذلك مما قد يقع بسبب الأغاني. قال أكثر المفسرين:(معنى لهو الحديث في الآية الغناء) وقال جماعة آخرون: (كل صوت منكر من أصوات الملاهي فهو داخل في ذلك كالمزمار والربابة والعود والكمان وأشباه ذلك وهذا كله يصد

(1)

ج 3 ص 434

(2)

- سورة لقمان الآيتان 6، 7.

ص: 377

عن سبيل الله ويسبب الضلال والإضلال). وثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم أنه قال في تفسير الآية إنه والله الغناء وقال إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل والآية تدل على هذا المعنى فإن الله قال: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}

(1)

يعني: يعمي عليه الطريق كالسكران. لأن الغناء يسكر القلوب ويوقع في الهوى والباطل فيعمى عن الصواب إذا اعتاد ذلك حتى يقع في الباطل من غير شعور بسبب شغله بالغناء وامتلاء قلبه به وميله إلى الباطل وإلى عشق فلانة وفلان وإلى صحبة فلانة وفلان، وصداقة فلانة وفلان {ويتخذها هزواً} معناه: هو اتخاذ سبيل الله هزواً، وسبيل الله هي دينه، والسبيل تذكر وتؤنث فالغناء واللهو يفضي إلى اتخاذ طريق الله لهواً ولعباً وعدم المبالاة في ذلك وإذا تلي عليه القرآن تولى واستكبر وثقل عليه سماعه لأنه اعتاد سماع الغناء وآلات الملاهي فيثقل عليه سماع القرآن ولا يستريح لسماعه وهذا من العقوبات العاجلة.

فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك وهكذا على كل مؤمنة الحذر من ذلك، وجاء في المعنى أحاديث كثيرة كلها تدل على تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب وأنها وسيلة إلى شر كثير وعواقب وخيمة وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه [إغاثة اللهفان] الكلام في حكم الأغاني وآلات اللهو فمن أراد المزيد من الفائدة فليراجعه فهو مفيد جدا والله المستعان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

(1)

- سورة لقمان الآية 6

ص: 378

س: لقد ارتكبت كثيرا من المعاصي والمحرمات والآن أشعر بالذنب وأخيرا يقول: دلوني على الطريق الصحيح لأني أبحث عن التوبة وبودي أن أقلع عن هذا إن شاء الله

(1)

؟

ج: أيها السائل اعلم أن رحمة الله أوسع وأن إحسانه عظيم وأنه جل وعلا هو الجواد الكريم وهو أرحم الراحمين وهو خير الغافرين سبحانه وتعالى، واعلم أيضا أن الإقدام على المعاصي شر عظيم وفساد كبير وسبب لغضب الله ولكن متى تاب العبد إلى ربه توبة صادقة تاب الله عليه، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم مرات كثيرة عن الرجل يأتي كذا ويأتي كذا من الهنات والمعاصي الكثيرة ومن أنواع الكفر ثم يتوب فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«التوبة تهدم ما كان قبلها والإسلام يهدم ما كان قبله»

(2)

وفي لفظ آخر: «الإسلام يجب ما كان قبله والتوبة تجب ما كان قبلها»

(3)

يعني تمحوها وتقضي عليها، فعليك أن تعلم يقينا أن التوبة الصادقة النصوح يمحو الله بها الخطايا والسيئات حتى الكفر، ولهذا يقول سبحانه:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(4)

فعلق الفلاح في التوبة، وقال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}

(5)

وعسى من الله واجبة، المعنى أن التائب التوبة النصوح يغفر له سيئاته ويدخله الله الجنة فضلا منه وإحسانا سبحانه وتعالى.

(1)

ج 28 ص 446

(2)

أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهم ما قبله برقم 121 بلفظ:«أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها» .

(3)

سبق تخريجه.

(4)

سورة النور الآية 31

(5)

سورة التحريم الآية 8

ص: 379

فعليك يا أخي بالتوبة الصادقة، ولزومها والثبات عليها والإخلاص لله في ذلك، وأبشر بأنها تمحو ذنوبك ولو كانت كالجبال.

وشروط التوبة ثلاثة: الندم على الماضي مما فعلت ندما صادقا، والإقلاع من الذنوب، ورفضها وتركها مستقبلا طاعة لله وتعظيما له، والعزم الصادق ألا تعود في تلك الذنوب، هذه أمور لا بد منها، أولا: الندم على الماضي منك والحزن على ما مضى منك، الثاني: الإقلاع والترك لهذه الذنوب دقيقها وجليلها، الثالث: العزم الصادق ألا تعود فيها فإن كان عندك حقوق للناس، أموال أو دماء أو أعراض فأدها إليهم، هذا أمر رابع من تمام التوبة، عليك أن تؤدي الحقوق التي للناس إن كان قصاصا تمكن من القصاص إلا أن يسمحوا بالدية، إن كان مالا ترد إليهم أموالهم، إلا أن يسمحوا، إن كان عرضا كذلك تكلمت في أعراضهم، واغتبتهم تستسمحهم، وإن كان استسماحهم قد يفضي إلى شر فلا مانع من تركه، ولكن تدعو لهم وتستغفر لهم، وتذكرهم بالخير الذي تعلمه منهم في الأماكن التي ذكرتهم فيها بالسوء، ويكون هذا كفارة لهذا، وعليك البدار قبل الموت، قبل أن ينزل بك الأجل، عليك البدار، والمسارعة، ثم الصبر والصدق، يقول الله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}

(1)

افهم معنى {وَلَمْ يُصِرُّوا}

(2)

يعني لم يقيموا على المعاصي، بل تابوا وندموا وتركوا، ولم يصروا على ما فعلوا، وهم يعلمون، انتقل بعد ذلك- سبحانه- إلى

(1)

سورة آل عمران الآية 135

(2)

سورة آل عمران الآية 135

ص: 380

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}

(1)

هذا جزاء التائبين الذين أقلعوا ولم يصروا لهم الجنة، فأنت إن شاء الله منهم إذا صدقت في التوبة، والله ولي التوفيق.

س: أبي يشرب الدخان وهو يأمرني أن أذهب إلى السوق لأشتري له دخانا فهل أطيعه؟ وإذا أطعته فهل علي إثم؟ علما أنني إذا لم أطعه قد تحصل مشاكل أفيدوني جزاكم الله خيرا

(2)

.

ج: الواجب على أبيك ترك الدخان لما فيه من المضار الكثيرة هو من الخبائث التي حرمها الله سبحانه في قوله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}

(3)

والله عز وجل إنما أحل لعباده الطيبات كما في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف وكما في قوله في سورة المائدة: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}

(4)

فأوضح سبحانه أنه لم يحل لعباده إلا الطيبات، والدخان ليس من الطيبات بل هو من الخبائث الضارة، فالواجب على أبيك وعلى غيره ممن يتعاطى التدخين التوبة إلى الله سبحانه من ذلك وعدم مجالسة من يتعاطاه ولا يجوز لك أن تعينه في ذلك ولا في غيره من المعاصي لقول الله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ

(1)

سورة آل عمران الآية 136

(2)

ج 4 ص 148

(3)

سورة الأعراف الآية 157.

(4)

سورة المائدة الآية 4.

ص: 381

شَدِيدُ الْعِقَابِ}

(1)

وعليك وعلى إخوانك وأعمامك إن كان لك إخوان وأعمام مناصحته وتحذيره من تعاطيه عملا بالآية المذكورة وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) قيل لمن يا رسول الله قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) خرجه الإمام مسلم في صحيحه. وأسأل الله أن يوفق أباك للخير، وأن يعينه على التوبة من هذه المعصية وغيرها، وأن يجعلك من أعوانه على الخير، إنه سميع قريب.

س: ما‌

‌ حكم التماثيل

التي توضع في المنازل للزينة فقط وليس لعبادتها

(2)

.

ج: لا يجوز تعليق التصاوير ولا الحيوانات المحنطة في المنازل ولا في المكاتب ولا في المجالس لعموم الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالة على تحريم تعليق الصور وإقامة التماثيل في البيوت وغيرها. لأن ذلك وسيلة للشرك بالله، ولأن في ذلك مضاهاة لخلق الله وتشبها بأعداء الله، ولما في تعليق الحيوانات المحنطة من إضاعة المال والتشبه بأعداء الله وفتح الباب لتعليق التماثيل المصورة وقد جاءت الشريعة الإسلامية الكاملة بسد الذرائع المفضية إلى الشرك أو المعاصي وقد وقع الشرك في قوم نوح بأسباب تصوير خمسة من الصالحين في زمانهم ونصب صورهم في مجالسهم، كما بين الله سبحانه ذلك في كتابه المبين حيث قال سبحانه:{وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كثيرا}

(3)

الآية، فوجب الحذر من مشابهة هؤلاء في عملهم المنكر الذي وقع بسببه الشرك.

(1)

سورة المائدة الآية 2.

(2)

ج 4 ص 224

(3)

سورة نوح الآيتان 23 - 24.

ص: 382

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» خرجه مسلم في صحيحه، وقال صلى الله عليه وسلم:«أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون» متفق على صحته، والأحاديث في ذلك كثيرة، والله ولي التوفيق.

س: يقول السائل: إنه كان جاهليا ولقد من الله عليه بالإسلام، وكان قبل ذلك قد ارتكب بعض الأخطاء، ويقول: سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم كيف تنصحونني والحالة هذه

(1)

؟

ج: قد شرع الله سبحانه وتعالى لعباده التوبة، فقال سبحانه:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(2)

وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}

(3)

وقال جل وعلا: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(4)

وقال صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) فمن اقترف شيئا من المعاصي فعليه بالبدار بالتوبة والندم والإقلاع والحذر والعزم أن لا يعود في ذلك والله يتوب على التائبين سبحانه وتعالى.

فمتى صدق العبد في التوبة بالندم على ما مضى والعزم على أن لا يعود، وأقلع منها تعظيما لله وخوفا من الله فإنه يتاب عليه، ويمحو الله عنه ما مضى من الذنوب

(1)

ج 4 ص 374

(2)

سورة النور الآية 31.

(3)

سورة التحريم الآية 8.

(4)

سورة طه الآية 82.

ص: 383

فضلا منه وإحسانا سبحانه وتعالى. لكن إن كانت المعصية ظلما للعباد، فذلك يحتاج إلى أداء الحق الذي عليه بالتوبة مما وقع والندم والإقلاع والعزم أن لا يعود، وعليه مع ذلك أداء الحق لمستحقه أو تحلله من ذلك، كأن يقول:(سامحني يا أخي)، أو (اعف عني) أو ما أشبه ذلك، أو يعطيه حقه للحديث الذي ذكره السائل، وغيره من الأحاديث والآيات. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول. (من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ من حسناته بقدر مظلمته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) خرجه البخاري في صحيحه، فينبغي للمؤمن أن يحرص على البراءة والسلامة من حق أخيه، فإما أن يؤديه إليه أو يتحلله منه، وإذا كان عرضا فلا بد من تحلله إن استطاع، فإن لم يستطع أو خاف من مغبة ذلك وأن يترتب على إخباره شر أكثر فإنه يستغفر له ويدعو له ويذكره بالمحاسن التي يعرفها عنه بدلا من ما ذكره بالسوء، يعني عليه أن يغسل السيئة الأولى بالحسنات الأخيرة فيذكره بالخير الذي يعلمه عنه، وينشر محاسنه ضد السيئات التي نشرها سابقا ويستغفر له ويدعو له، وبهذا ينتهي من المشكلة.

س: عندما كنت في سن المراهقة كنت مرهقا لنفسي بالمعاصي ولكني لم أكن أترك واجبات الإسلام كالصلاة، وأنا الآن تائب إلى الله من جميع المعاصي بشكل عام ولكني فاقد لحلاوة الإيمان وأعيش في حيرة وقلق، فحينما أتشهد أحس أن الشهادة لا تصل إلى قلبي، وأنا خائف من الله أن يختم على قلبي وأرجو إرشادي أثابكم الله

(1)

.

(1)

ج 5 ص 57

ص: 384

ج: نوصيك بحمد الله كثيرا على ما من به عليك من التوبة، وأكثر من الأعمال الصالحات وأحسن ظنك بربك، وأكثر من ذكر الله وقراءة القرآن بالتدبر، واصحب الأخيار وابتعد عن الأشرار وأبشر بالخير وحسن العاقبة وستجد إن شاء الله بعد العمل بما ذكرته لك حلاوة الإيمان ولذة الشهادتين وثمرة التوبة النصوح. قال الله عز وجل:{أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}

(1)

وقال سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(2)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها» ، وقال عليه الصلاة والسلام:«التائب من الذنب كمن لا ذنب له» .

فمن أكثر من ذكر الله وصدق في التوبة حصل له الفلاح والطمأنينة وراحة الضمير ومحيت عنه سيئاته. ثبتك الله على الهدى ومنحك الاستقامة إنه خير مسئول.

س: كيف يتخلص الإنسان من قسوة القلب وما هي أسبابه

(3)

؟

ج: أسباب قسوة القلب الذنوب والمعاصي وكثرة الغفلة وصحبة الغافلين والفساق كل هذه الخلال من أسباب قسوة القلوب ومن لين القلوب وصفائها وطمأنينتها طاعة الله جل وعلا وصحبة الأخيار، وحفظ الوقت بالذكر وقراءة القرآن والاستغفار، ومن حفظ وقته بذكر الله وقراءة القرآن وصحبة الأخيار والبعد عن صحبة الغافلين والأشرار يطيب قلبه ويلين قال تعالى:{أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}

(4)

.

(1)

- سورة الرعد الآية 28

(2)

- سورة النور الآية 31.

(3)

ج 5 ص 244

(4)

- سورة الرعد من الآية 28.

ص: 385

س: عندما أكون في مجلس يكون فيه غيبة ولا أستطيع القيام منه، فماذا أفعل

(1)

؟

ج: تنصحهم وتقول: هذا لا يجوز والغيبة محرمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من رد عن عرض أخيه بالغيب رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) والمؤمن لا يحضر مجالس الشر فإن كنت تستطيع إخبار جلسائك بأن هذا لا يجوز وأن الواجب تركه فافعل ذلك وأخلص لله في العمل، وإن كنت لا تستطيع فقم ولا تحضر الغيبة ولو استنكروا قيامك وإذا سألوك فقل قمت لأجل هذا لقول الله تعالى:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}

(2)

.

س: كيف ترون سماحتكم المدخل لكي يتجنب الشباب الوقوع تحت وطأة مغريات هذا العصر ويتجه الوجهة الصحيحة

(3)

؟

ج: إن الطريق الأمثل ليسلك الشباب الطريق الصحيح في التفقه في دينه والدعوة إليه هو أن يستقيم على المنهج القويم بالتفقه في الدين ودراسته، وأن يعنى بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وأنصحه بصحبة الأخيار والزملاء الطيبين من العلماء المعروفين بالاستقامة حتى يستفيد منهم ومن أخلاقهم.

كما أنصحه بالمبادرة بالزواج، وأن يحرص على الزوجة الصالحة لقوله صلى الله عليه وسلم:«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» .

(1)

ج 5 ص 244

(2)

- سورة الأنعام الآية 68.

(3)

ج 5 ص 262

ص: 386

س: في بعض الظروف تقتضي المجاملة بأن لا نقول الحقيقة، فهل يعتبر هذا نوعا من الكذب؟

(1)

ج: هذا فيه تفصيل، فإن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل لم تجز هذه المجاملة. أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد ولا إسقاط حق لأحد فلا أعلم حرجا في ذلك.

س: لي صديق كثيرا ما يتحدث في أعراض الناس، وقد نصحته ولكن دون جدوى، ويبدو أنها أصبحت عادة عنده، وأحيانا يكون كلامه في الناس عن حسن نية. فهل يجوز هجره

(2)

؟.

ج: الكلام في أعراض المسلمين بما يكرهون منكر عظيم ومن الغيبة المحرمة بل من كبائر الذنوب؟ لقول الله سبحانه: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}

(3)

.

ولما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتدرون ما الغيبة» ؟ فقالوا الله ورسوله أعلم فقال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل يا رسول الله إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما عرج به مر على

(1)

- ج 5 ص 280

(2)

ج 5 ص 401

(3)

- سورة الحجرات من الآية 12.

ص: 387

قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال:«يا جبريل من هؤلاء» ؟ فقال: «هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن أنس رضي الله عنه، وقال العلامة ابن مفلح إسناده صحيح، قال: وخرج أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا: «أن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق» .

والواجب عليك وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم في صحيحه. فإن لم يمتثل فاترك مجالسته. لأن ذلك من تمام الإنكار عليه.

أصلح الله حال المسلمين ووفقهم لما فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة.

س: ما هي العبارات التي تطلق في حق الأموات فنحن نسمع عن فلان (المغفور له) أو (المرحوم) فهل هذه العبارات صحيحة؟ وما التوجيه في ذلك

(1)

؟.

ج: المشروع في هذا أن يقال: (غفر الله له) أو رحمه الله ونحو ذلك إذا كان مسلما، ولا يجوز أن يقال (المغفور له) أو (المرحوم) لأنه لا تجوز الشهادة لمعين بجنة أو نار أو نحو ذلك، إلا لمن شهد الله له بذلك في كتابه الكريم أو شهد له رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي ذكره أهل العلم من أهل السنة، فمن شهد الله له في كتابه العزيز بالنار كأبي لهب وزوجته، وهكذا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وبقية العشرة رضي

(1)

ج 5 ص 365

ص: 388

الله عنهم وغيرهم ممن شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنة كعبد الله بن سلام وعكاشة بن محصن رضي الله عنهما أو بالنار كعمه أبي طالب وعمرو بن لحي الخزاعي، وغيرهما ممن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالنار نعوذ بالله من ذلك نشهد له بذلك. أما من لم يشهد له الله سبحانه ولا رسوله بجنة ولا نار فإنا لا نشهد له بذلك على التعيين، وهكذا لا نشهد لأحد معين بمغفرة أو رحمة إلا بنص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أهل السنة يرجون للمحسن ويخافون على المسيء ويشهدون لأهل الإيمان عموما بالجنة وللكفار عموما بالنار كما أوضح ذلك سبحانه في كتابه المبين قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}

(1)

الآية، من سورة التوبة، وقال تعالى فيها أيضا {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ}

(2)

الآية، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الشهادة بالجنة أو النار لمن شهد له عدلان أو أكثر بالخير أو الشر لأحاديث صحيحة وردت في ذلك.

س: ما حكم مصافحة المرأة الأجنبية إذا كانت عجوزا وكذلك يسأل عن الحكم إذا كانت تضع على يدها حاجزا من ثوب ونحوه

(3)

؟

ج: لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقا سواء كن شابات أم عجائز، وسواء كان المصافح شابا أم شيخا كبيرا لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، وقد

(1)

- سورة التوبة من الآية 72.

(2)

- سورة التوبة من الآية 68.

(3)

ج 6 ص 359

ص: 389

صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لا أصافح النساء) وقالت عائشة رضي الله عنها: (ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط ما كان يبايعهن إلا بالكلام) ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل لعموم الأدلة ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة والله ولي التوفيق.

س: نرى بصورة كبيرة انتشار اللعن لأتفه الأسباب بين كثير من الناس، كلعن الشخص المعين، ولعن الوالدين والأقارب. نرجو من سماحتكم بيان خطر ذلك على دين المسلم

(1)

.. ؟

ج: لعن المسلم بغير حق من كبائر الذنوب ومن المعاصي الظاهرة، وإذا كان اللعن للوالدين صار الإثم أكبر وأعظم لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لعن المؤمن كقتله» متفق على صحته. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» رواه مسلم في صحيحه، وقال عليه الصلاة والسلام:«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:«ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» قالوا: بلى يا رسول الله فقال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور» أو قال: «وشهادة الزور» متفق على صحته، ولا شك أن لعن الوالدين من أقبح العقوق، فالواجب على المسلمين عموما وعلى الأولاد خصوصا مع والديهم الحذر من هذه الجريمة وتطهير ألسنتهم منها حذرا من غضب الله وعقابه، وحرصا على بقاء المودة والأخوة بين المسلم وإخوانه وبين الولد ووالديه. نسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير.

(1)

ج 7 ص 148

ص: 390

س: ما حكم إسبال الثياب بدون مكابرة أو خيلاء، وهل يجوز لبس الحرير للرجل في مواضع معينة

(1)

؟

ج: إسبال الثياب للرجل أمر لا يجوز، ولو لم يقصد الخيلاء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم زجر عن ذلك، فقال في الحديث الصحيح:«ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل إزاره والمنان فيما أعطى والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب» رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام:«من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» .

وهذان الحديثان يبينان أنه لا يجوز إسبال الثياب للرجل، وأن ذلك مع الخيلاء يكون أشد إثما وأعظم جريمة، وإنما الإسبال يكون للنساء؛ لأن أقدامهن عورة. والواجب على الرجل أن يحذر الإسبال المطلق، وأن تكون ثيابه لا تتجاوز كعبه؛ لما تقدم، ولقوله عليه الصلاة والسلام:«ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار» رواه البخاري في صحيحه، وهذا في حق الرجل، أما المرأة فلا بأس بالإسبال في حقها، كما تقدم.

وأما الحرير فلا يجوز لبسه للرجال، وإنما هو مباح للنساء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام:«أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها» لكن إذا كان للتداوي كالحكة ونحوها فلا بأس في حق الرجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للزبير وطلحة في لبس الحرير؛ لأجل حكة كانت بهما، وذلك من باب العلاج والدواء، ويجوز أيضا للرجل أن يلبس من الحرير قدر أصبعين أو ثلاثة أو أربعة؛ لثبوت السنة الصحيحة بذلك.

(1)

ج 8 ص 275

ص: 391

س: ما هي الأسباب التي تساعد المسلم على القيام لصلاة الفجر؟ علما بأنه ينام مبكرا لكنه لا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس

(1)

.

ج: الواجب على كل مسلم أن يتقي الله، وأن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها في المساجد في جماعة المسلمين، وأن يحرص على جميع الأسباب التي تعينه على ذلك، ومن الأسباب التي تعينه على صلاة الفجر في الجماعة: أن يبكر في النوم، ويركب الساعة في الوقت المناسب حتى يقوم للصلاة في وقتها، ويحضر الصلاة مع الجماعة ويجتهد في سؤال الله التوفيق والإعانة، ويأتي بالأوراد الشرعية عند نومه، وبذلك يوفقه الله إن شاء الله للقيام في وقت الصلاة وأدائها مع الجماعة.

س: هل تعد المرأة محرما للمرأة الأجنبية في السفر، ونحو ذلك أم لا

(2)

؟

ج: ليست المرأة محرما لغيرها، إنما المحرم: هو الرجل الذي تحرم عليه المرأة بنسب؛ كأبيها، وأخيها، أو بسبب مباح. كالزوج، وأبي الزوج، وابن الزوج، وكالأب من الرضاع، والأخ من الرضاع ونحوهم. ولا يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة الأجنبية، ولا أن يسافر بها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» متفق على صحته، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان» رواه الإمام أحمد وغيره، من حديث عمر رضي الله عنه بإسناد صحيح. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 8 ص 276

(2)

ج 8 ص 336

ص: 392

س: يقوم بعض الناس بتحنيط بعض الحيوانات أو الطيور، وذلك بوضع الملح والديتول والقطن وبعض المواد بداخلها ثم يضعونها في مجالسهم للزينة، فما حكم الشرع المطهر في هذا، أفتونا جزاكم الله خيرا

(1)

؟

ج: لا يجوز مثل هذا العمل. لما في ذلك من إضاعة المال، ولأن ذلك وسيلة إلى التعلق بهذا المحنط، والظن أنه يدفع البلاء عن البيت وأهله كما يظن بعض الجهلة، ولأن ذلك أيضا وسيلة إلى تعليق الصور من ذوات الأرواح تأسيا بما علق المحنط ظنا من المتأسي به أنه صورة، وقد صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاستي ومشاركتي فتوى بما ذكرته. والله ولي التوفيق.

س:‌

‌ ما هي الغيبة

؟ وما حكم الوقوع في أعراض الناس وهل يجوز مجالسة من يغتاب

(2)

؟

ج: إن الكلام في أعراض المسلمين بما يكرهون منكر عظيم وهو من الغيبة المحرمة، بل من كبائر الذنوب لقوله سبحانه وتعالى:{وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}

(3)

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتدرون ما الغيبة» فقالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته»

(4)

رواه مسلم.

(1)

ج 8 ص 426

(2)

ج 9 ص 239

(3)

- سورة الحجرات الآية 12.

(4)

- رواه مسلم في كتاب البر والصلة برقم 4690.

ص: 393

ولقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما عرج به مر على قوم لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال: «يا جبريل من هؤلاء؟ فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم»

(1)

.

فالواجب عليك يا عبد الله وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»

(2)

فإن لم يمتثل بعد ذلك فاترك مجالسته لأن ذلك من تمام الإنكار عليه.

س: ما حكم قول المسلم لأخيه: (يا غبي يا خبل) وأمثالها، وما حكم قوله لجماعة من الناس: يا ضعفاء الإيمان وإذا كانت هذه الأقوال تنطبق عليهم

(3)

؟

ج: المشروع للمؤمن أن يخاطب إخوانه المسلمين بالألفاظ الحسنة وأسمائهم التي سموا بها، ثم ينصحهم في ما ينتقده عليهم بالأسلوب الحسن، لأن ذلك أقرب إلى قبول النصيحة وبقاء الأخوة الإيمانية لقول الله سبحانه:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}

(4)

والولي ضد العدو، ومن صفات الولي أن يخاطب أخاه بما يسره لا بما يكره، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:«البر حسن الخلق»

(5)

أخرجه مسلم في صحيحه.

(1)

- رواه أبو داود في كتاب الأدب برقم 4235، وأحمد في باقي مسند المكثرين برقم 13861.

(2)

- رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم 70 واللفظ له ورواه أحمد في باقي مسند المكثرين برقم 11034.

(3)

ج 9 ص 356

(4)

- سورة التوبة الآية 71.

(5)

- رواه مسلم في البر والصلة برقم 4632، والترمذي في الزهد برقم 2311.

ص: 394

وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» أخرجه أبو يعلى وصححه الحاكم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»

(1)

أخرجه الترمذي وصححه الحاكم وإسناده جيد.

س: هل يجوز أن تمرضنا امرأة ونحن رجال، خاصة مع وجود ممرضين من الرجال

(2)

؟

ج: الواجب على المستشفيات جميعا أن يكون الممرضون للرجال والممرضات للنساء، هذا الواجب، كما أن الواجب أن يكون الأطباء للرجال والطيبات للنساء، إلا عند الضرورة القصوى إذا كان المرض لا يعرفه إلا الرجل فلا حرج أن يعالج المرأة لأجل الضرورة، وهكذا لو كان مرض الرجل لم يعرفه إلا امرأة فلا حرج في علاجها له، وإلا فالواجب أن يكون الطبيب من الرجال للرجال والطبيبة من النساء للنساء، هذا هو الواجب، وهكذا الممرضات والممرضون، الممرض للرجال والممرضة للنساء، حسما لوسائل الفتنة، وحذرا من الخلوة المحرمة.

س: ما هي الموالاة المنهي عنها شرعا

(3)

؟

ج: محبة الكفار وإعانتهم على باطلهم، واتخاذهم أصحابا وأخدانا ونحو ذلك من كبائر الذنوب، ومن وسائل الكفر بالله. فإن نصرهم على المسلمين وساعدهم

(1)

- رواه الترمذي في البر والصلة برقم 1900 واللفظ له، وأحمد في مسند المكثرين برقم 3752.

(2)

ج 9 ص 425

(3)

ج 28 ص 235

ص: 395

ضد المسلمين، فهذا هو التولي، وهو من أنواع الردة عن الإسلام؛ لقول الله سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

(1)

وقال سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}

(2)

الآية. وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

(3)

. والله ولي التوفيق.

س: أنا طالب علم وأحب الله ورسوله لكني مبتلى بكبيرة، ما أفتأ أن أتوب منها حتى أعود إليها، وكلما جددت العزم على تركها أجدني بعد شهور أقع فيها ولازمني هذا الأمر سنين، إني لأرجو أن أجد عندكم الحل الناجح والشفاء الأكيد أفيدونا مأجورين

(4)

؟

ج: الواجب عليك الصدق مع الله وأبشر بالخير إذا تبت، فاصدق وحاسب نفسك واسأل ربك التوفيق والإعانة ولا تتبع الهوى، جاهد نفسك، والله يقول:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}

(5)

ويقول سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}

(6)

،

(1)

سورة المائدة الآية 51

(2)

سورة المجادلة الآية 22

(3)

سورة المائدة الآية 57

(4)

ج 28 ص 425

(5)

سورة العنكبوت الآية 69

(6)

سورة الطلاق الآية 2

ص: 396

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}

(1)

فالواجب عليك تقوى الله ولا يلعب بك عدو الله الشيطان متى تبت فالزم التوبة واحذر العودة، وإذا عدت ثانية فليكن حذرك أشد حتى لا تعود مرة ثالثة، أما التلاعب بأن يلعب بك الشيطان فهذا دليل على ضعف الإيمان وضعف القوة وضعف البصيرة، فاتق الله وراقب الله وجاهد نفسك حتى لا تعود إلى المعصية، نسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق.

س: هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن لا يكذب لكن قد يعمل المعاصي الأخرى، فما هو توجيه الحديث من كذب فتاب ويخشى أن يكون قد كتب كذابا. فما عليه

(2)

؟

ج: المؤمن الصادق لا يكذب، ولكن قد يكذب لنقص إيمانه وضعف إيمانه، فالواجب على كل مؤمن أن يحذر الكذب، ينبغي أن يتحرى الصدق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار»

(3)

، ويقول الله جل وعلا:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}

(4)

، ويقول سبحانه:{هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}

(5)

.

(1)

سورة الطلاق الآية 4

(2)

ج 28 ص 434

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب قول الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، برقم 6094، ومسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، برقم 2607.

(4)

سورة التوبة الآية 119

(5)

سورة المائدة الآية 119

ص: 397

فالواجب تحري الصدق والحذر من الكذب أينما كان إلا في الأوجه التي يجوز فيها الكذب، تقول أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها:«لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها»

(1)

، في هذا لا بأس في الثلاث إذا كذب للمصلحة، في هذه الثلاث فلا بأس: الإصلاح بين الناس، وفي الحرب من غير أن يغدر، وفي حديث الرجل مع امرأته والمرأة مع زوجها.

س: أنا الحمد لله أقيم الصلاة وأقوم بالنوافل ولكني أحيانا تساورني شكوك بأن أعمالي غير مقبولة نتيجة وسوسة الشيطان والعياذ بالله منه، فما هو العلاج منه أثابكم الله

(2)

؟.

ج: لا شك أن هذا من الشيطان، فالإنسان إذا أدى ما عليه فإن عليه أن يحسن ظنه بربه وليجتهد في الإخلاص في العمل والصدق في العمل ويدع الوساوس التي تراوده بأنه مراء أو بأنه كذا أو بأنه كذا ما دام يعلم أن عمله لله وأنه بحمد الله لا يرائي الناس، وإنما فعل ما قام به لله ويعلم أن هذا من الشيطان، والواجب أن يستعيذ بالله من الشيطان دائما، وليتشاغل عن هذا الشيء الذي يراوده وليعرض عنه، فإن هذا من عدو الله الشيطان حتى يثبطه، فليحارب عدو الله الشيطان بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليشتغل بغير ذلك من الأشغال التي تنسيه هذا الأمر؛ كقراءة القرآن والاستغفار والتحدث مع إخوانه وأهل بيته وغير ذلك من أمور تشغله عن هذه الوساوس.

(1)

أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، برقم 2605.

(2)

ج 28 ص 438

ص: 398

س: شاب يقول: في فترة الشباب المبكر من العمر ارتكبت بعض المعاصي، وقد تبت إلى الله ولله الحمد والشكر، ولكن لا زال في نفسي شيء، وسمعت عن صلاة التوبة، أرجو أن تفيدوني نحو هذا جزاكم الله خيرا

(1)

؟

ج: التوبة تجب ما قبلها وتمحوه والحمد لله، فلا ينبغي أن يبقى في قلبك شيء من ذلك، والواجب أن تحسن الظن بربك، وأن تعتقد أن الله تاب عليك إن كنت صادقا في توبتك؛ لأن الله يقول:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(2)

(3)

فعلق الفلاح بالتوبة، فمن تاب فقد أفلح، وقال سبحانه:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(4)

، وهو الصادق سبحانه وتعالى في خبره ووعده، وقال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}

(5)

وعسى من الله واجبة.

فعليك أن تحسن ظنك بربك، وأنه قبل توبتك، إذا كنت صادقا في توبتك نادما على ما عملت، مقلعا عنه، عازما ألا تعود فيه، وإياك والوساوس، والله جل وعلا يقول في الحديث القدسي «أنا عند ظن عبدي بي»

(6)

.

(1)

ج 28 ص 439

(2)

سورة النور الآية 31

(3)

سورة النور، الآية 31.

(4)

سورة طه الآية 82

(5)

سورة التحريم الآية 8

(6)

أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:(ويحذركم الله نفسه)، برقم 7405، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم 2675.

ص: 399

فينبغي أن تظن بالله خيرا، وقال صلى الله عليه وسلم:«لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله»

(1)

خرجه مسلم في صحيحه.

أما صلاة التوبة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث الصديق رضي الله عنه أنه قال: «ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتطهر فيحسن الطهور، ثم يصلي ركعتين، ثم يتوب لله من ذنبه، إلا تاب الله عليه»

(2)

وبالله التوفيق.

س: هل يجوز للمرأة إذا أرادت الذهاب إلى المدرسة أو المستشفى أو لزيارة الأقارب والجيران أن تتطيب

(3)

؟

ج: يجوز لها الطيب إذا كان خروجها إلى مجمع نسائي لا تمر في الطريق على الرجال، أما خروجها بالطيب إلى الأسواق التي فيها الرجال فلا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهدن معنا العشاء» ، ولأحاديث أخرى وردت في ذلك.

ولأن خروجها بالطيب في طريق الرجال ومجامع الرجال - كالمساجد - من أسباب الفتنة، كما يجب عليها التستر والحذر من التبرج؛ لقوله جل وعلا:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}

(4)

ومن التبرج إظهار المفاتن والمحاسن؛ كالوجه، والرأس، وغيرهما. وبالله التوفيق.

(1)

أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، برقم 2877.

(2)

أخرجه الإمام أحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند أبى بكر الصديق رضي الله عنه، برقم 57.

(3)

ج 10 ص 40

(4)

- سورة الأحزاب الآية 33.

ص: 400

س: بعض أصحاب صالونات الحلاقة يحلقون لحى بعض الناس، فما حكم المال الذي يأخذونه بسبب عملهم

(1)

؟

ج: حلق اللحى وقصها محرم ومنكر ظاهر، لا يجوز للمسلم فعله ولا الإعانة عليه، وأخذ الأجرة على ذلك حرام وسحت، يجب على من فعل ذلك التوبة إلى الله منه، وعدم العودة إليه، والصدقة بما دخل عليه من ذلك إذا كان يعلم حكم الله سبحانه في تحريم حلق اللحى، فإن كان جاهلا فلا حرج عليه فيما سلف، وعليه الحذر من ذلك مستقبلا؛ لقول الله عز وجل في أكلة الربا:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

(2)

.

وفي الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين» وفي صحيح البخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«قصوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين» وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» .

فالواجب على كل مسلم أن يمتثل أمر الله في إعفاء لحيته وتوفيرها، وقص الشارب وإحفائه، ولا ينبغي للمسلم أن يغتر بكثرة من خالف هذه السنة وبارز ربه بالمعصية.

نسأل الله أن يوفق المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يعينهم على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يمن على من خالف أمر الله ورسوله

(1)

ج 10 ص 87

(2)

- سورة البقرة الآية 275.

ص: 401

بالتوبة النصوح إلى ربه والمبادرة إلى طاعته وامتثال أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم إنه سميع قريب.

س: ما حكم حفلات التوديع المختلطة من الجنسين، وما حكم العلاج بالموسيقى؟

(1)

ج: الحفلات لا تكون بالاختلاط، بل الواجب أن تكون حفلات الرجال للرجال وحدهم وحفلات النساء للنساء وحدهن، أما الاختلاط فهو منكر، ومن عمل أهل الجاهلية نعوذ بالله من ذلك. أما العلاج بالموسيقى فلا أصل له بل هو من عمل السفهاء، فالموسيقى ليست بعلاج ولكنها داء، وهي من آلات الملاهي، فكلها مرض للقلوب وسبب لانحراف الأخلاق، وإنما العلاج النافع والمريح للنفوس إسماع المرضى القرآن والمواعظ المفيدة والأحاديث النافعة، أما العلاج بالموسيقى وغيرها من آلات الطرب فهو مما يعودهم الباطل ويزيدهم مرضا إلى مرضهم، ويثقل عليهم سماع القرآن والسنة والمواعظ المفيدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س 4: إذا دهس رجل شخصاً بسيارته دون قصد فمات، فماذا عليه

(2)

؟

ج: إذا كان الموت بسبب حادث السيارة حصل عن سرعة أو نوم أو نحو ذلك، فعلى السائق الدية والكفارة، وتكون الدية على العاقلة، وهم العصبة.

أما إذا كان الحادث ليس للسائق فيه تسبب بوجه من الوجوه، فلا ضمان عليه، كما لو عثرت الدابة بصاحبها ورديفه، وسقط الرديف ومات، وليس للسائق سبب

(1)

ج 21 ص 176

(2)

ج 22 ص 347

ص: 402

في عثرتها، ومتى وجد نزاع بين صاحب السيارة وورثة الميت، فالمرجع في ذلك المحكمة الشرعية.

س: ماذا يجب على من وقع في‌

‌ جريمة الزنا

للخلاص من آثار فعلته تلك؟

(1)

ج: الزنا من أعظم الحرام، وأكبر الكبائر، وقد توعد الله المشركين والقتلة بغير حق والزناة، بمضاعفة العذاب يوم القيامة، والخلود فيه صاغرين مهانين؛ لعظم جريمتهم، وقبح فعلهم، كما قال الله سبحانه:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}

(2)

فعلى من وقع في شيء من ذلك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى التوبة النصوح، وإتباع ذلك بالإيمان الصادق، والعمل الصالح.

وتكون التوبة نصوحاً إذا ما أقلع التائب من الذنب، وندم على ما مضى من ذلك، وعزم عزماً صادقاً على أن لا يعود في ذلك، خوفاً من الله سبحانه وتعظيماً له، ورجاء ثوابه، وحذر عقابه، قال الله تعالى:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

(3)

.

فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحذر هذه الفاحشة العظيمة ووسائلها غاية الحذر، وأن يبادر بالتوبة الصادقة مما سلف من ذلك، والله يتوب على التائبين الصادقين، ويغفر لهم.

(1)

ج 22 ص 397

(2)

سورة الفرقان، الآيات 68 - 70.

(3)

سورة طه، الآية 82.

ص: 403

س: ما حكم من يمارس العادة السرية بدعوى الخوف من الوقوع في الزنا؟ وما حكم فعل عمل قوم لوط؟ وما حكم وطء البهيمة؟ وما هي الحدود الواجبة عليهم؟

(1)

ج: يحرم على المسلم أن يتعاطى العادة السرية - وهي الاستمناء -؛ لقول الله عز وجل في صفة المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}

(2)

.

أما عمل قوم لوط فهو اللواط - وهو إتيان الذكور - وذلك من أكبر الكبائر، وقد ذم الله قوم لوط في آيات كثيرة على هذا المنكر العظيم، وأخبر سبحانه أن ذلك فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، وعذبهم الله عليها، وعلى كفرهم وضلالهم ومنكراتهم العظيمة، بما بينه الله في كتابه من خسف بلادهم، ورميهم بالحجارة .. نسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من فعلهم ومما أصابهم.

وحكم اللوطي القتل - سواء كان بكراً أو ثيباً - بعد ثبوت ذلك لدى المحكمة الشرعية، ويتولى ذلك ولي أمر المسلمين أو نائبه.

ويحرم وطء البهيمة، ويجب تعزير من فعل ذلك إذا ثبت ذلك لدى المحكمة، والتعزير يرجع فيه إلى المحكمة الشرعية.

وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يقتل، والصواب أنه يكفي في ذلك التعزير بما يراه الحاكم الشرعي؛ لأن الحديث بقتله ليس بصحيح. والله ولي التوفيق.

(1)

ج 22 ص 409

(2)

سورة المؤمنون، الآيات 5 - 7.

ص: 404

س: ارتكبت كبيرة من الكبائر، فهل تكفي التوبة والاستغفار فيها؟

(1)

ج: التوبة النصوح يكفر الله بها جميع الذنوب حتى الشرك؛ لقول الله سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(2)

، وقوله عز وجل في سورة (الفرقان):{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}

(3)

.

فأخبر سبحانه في هاتين الآيتين: أن المشرك والقاتل بغير حق والزاني يلقى أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التوبة تجب ما قبلها» ، وقال عليه الصلاة والسلام:«التائب من الذنب كمن لا ذنب له» .

وشروط التوبة النصوح التي يكفر الله بها الخطايا ثلاثة:

الأول: الندم على ما وقع منه من السيئات والمعاصي.

والثاني: تركها والإقلاع منها؛ خوفاً من الله سبحانه وتعظيماً له.

والثالث: العزم الصادق ألا يعود فيها.

(1)

ج 22 ص 416

(2)

سورة النور، الآية 31.

(3)

سورة الفرقان، الآيات 68 - 70.

ص: 405

وهناك شرط رابع لصحة التوبة، إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوق؛ كالقتل والضرب وأخذ المال، ونحو ذلك: وهو إعطاؤه حقه، أو استحلاله من ذلك.

نسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعاً للتوبة النصوح من جميع الذنوب، إنه جواد كريم.

س: صادفتني مشكلة فنذرت لأحد الأئمة، وقد علمت أنه لا يجوز‌

‌ النذر لغير الله

، علماً بأن المكان الذي فيه الإمام بعيد عني. فهل يجوز لي أن أدفع هذا النذر للفقراء أو أكفر عنه؟

(1)

ج: هذا النذر باطل لأنه عبادة لغير الله، وعليك التوبة إلى الله من ذلك، والرجوع إليه، والإنابة والاستغفار، والندم، فالنذر عبادة، قال الله تعالى:{وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ}

(2)

؛ يعني: فيجازيكم عليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»

(3)

.

فهذا النذر نذر باطل، وشرك بالله عز وجل فضلاً عن أن النذر لأحد الأئمة الأموات نذر باطل وشرك بالله.

فالنذر لا يجوز إلا لله وحده؛ لأنه عبادة، فالصلاة والذبح والنذر والصيام والدعاء، كلها لله وحده سبحانه وتعالى كما قال سبحانه وتعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

(4)

وقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}

(5)

؛ يعني أمر ألا تعبدوا

(1)

ج 23 ص 157

(2)

سورة البقرة، الآية 270.

(3)

أخرجه البخاري برقم: 6206، كتاب (الأيمان والنذور)، باب (النذر فيما لا يملك).

(4)

سورة الفاتحة، الآية 5.

(5)

سورة الإسراء، الآية 23.

ص: 406

إلا إياه، وقال سبحانه وتعالى:{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}

(1)

، وقال عز وجل:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}

(2)

.

فالعبادة حق لله، والنذر عبادة، والصوم عبادة، والصلاة عبادة، والدعاء عبادة، فيجب إخلاصها لله وحده.

فهذا النذر باطل، وليس عليك شيء، لا للفقراء، ولا لغيرهم، بل عليك التوبة، وليس عليك الوفاء بهذا النذر، لكونه باطلاً وشركاً، وعليك بالتوبة الصادقة والعمل الصالح

وفقك الله وهداك لما فيه رضاه، ومنّ عليك بالتوبة النصوح.

س: نذرت لله تعالى إن شفى الله ابنتي المريضة أن أذبح لله - تعالى - شاة، والآن شفيت ولله الحمد، هل يجوز لي أن اتصدق بثمن الذبيحة أم لا؛ لأن الفقير يفضل المال على اللحم؟ أفيدوني - أفادكم الله -

(3)

.

ج: الواجب عليك أن توفي بنذرك، وذلك بذبح الشاة التي نذرتها، والصدقة بها على الفقراء؛ تقرباً إلى الله سبحانه وطاعة له، ووفاء بنذرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» خرجه البخاري في صحيحه، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

ولا يجزئ عنك الصدقة بالثمن، بل الواجب ذبح الشاة كما نذرت ذلك، وإن كنت نويت أن تأكلها وأهلك، أو تدعو إليها جيرانك وأقاربك، فلك ما نويت، ولا

(1)

سورة غافر، الآية 14.

(2)

سورة الجن، الآية 18.

(3)

ج 23 ص 159.

ص: 407

يلزم توزيعها بين الفقراء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق على صحته. ونوصيك بعدم العودة إلى النذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنذروا؛ فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل»

(1)

متفق على صحته من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، والله ولي التوفيق.

س: كيف يكون حال المجتمع حين تنتشر فيه الرشوة؟

(2)

ج: لاشك أن المعاصي إذا ظهرت تسبب فرقة المجتمع وانقطاع أواصر المودة بين أفراده وتسبب الشحناء والعداوة وعدم التعاون على الخير، ومن أقبح آثار الرشوة وغيرها من المعاصي في المجتمعات ظهور الرذائل وانتشارها واختفاء الفضائل وظلم بعض أفراد المجتمع فيما بينهم للبعض الآخر بسبب التعدي على الحقوق بالرشوة والسرقة والخيانة والغش في المعاملات وشهادة الزور ونحو ذلك من أنواع الظلم والعدوان، وكل هذه الأنواع من أقبح الجرائم، ومن أسباب غضب الرب ومن أسباب الشحناء والعداوة بين المسلمين، ومن أسباب العقوبات العامة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه»

(3)

رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه.

(1)

أخرجه البخاري برقم: 6118 (كتاب القدر)، باب (إلقاء النذر العبد إلى القدر)، ومسلم برقم: 3093، (كتاب النذر)، باب (النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئاً).

(2)

ج 23 ص 230

(3)

أخرجه أحمد برقم 1 (مسند العشرة المبشرين بالجنة) مسند ابي بكر الصديق - رضى الله عنه -.

ص: 408

س: ما حكم الشرع في الرشوة؟

(1)

ج: الرشوة حرام بالنص والإجماع، وهي: ما يبذل للحاكم وغيره ليميل عن الحق ويحكم لصاحبها بما يوافق هواه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الراشي والمرتشي، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن الرائش أيضاً، وهو: الواسطة بينهما. ولاشك أنه آثم ومستحق للذم والعيب والعقوبة لكونه معيناً على الإثم والعدوان، وقد قال سبحانه:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}

(2)

.

س: شاب يدرس في بلد إسلامي، ويقول: إن في الكلية العديد من الطالبات المتبرجات، فما واجبه نحوهن؟

(3)

ج: لا تجوز الدراسة المختلطة بين الذكور والإناث؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة والعواقب الوخيمة، والواجب أن يكون تدريس الذكور على حدة والإناث على حدة، أما الاختلاط فلا يجوز؛ لما ذكرنا من الفتنة العظيمة والعواقب الوخيمة في ذلك. والله ولي التوفيق.

س: ما حكم قيام الطالبات للمدرِّسة احتراماً لها؟

(4)

ج: إن قيام البنات للمدرسة والبنين للمدرس أمر لا ينبغي، وأقل ما فيه الكراهة الشديدة؛ لقول أنس رضي الله عنه: «لم يكن أحب إليهم يعني الصحابة

(1)

ج 24 ص 40

(2)

ج 24 ص 54

(3)

ج 23 ص 232

(4)

سورة المائدة، الآية 2.

ص: 409

رضي الله عنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يقومون له إذا دخل عليهم؛ لما يعلمون من كراهته لذلك».

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار» .

وحكم النساء حكم الرجال في هذا الأمر. وفق الله الجميع لما يرضيه، وجنبنا جميعاً مساخطه ومناهيه، ومنح الجميع العلم النافع والعمل به؛ إنه جواد كريم.

س: سائل يقول: أحسن الله إليكم: من الملاحظ أنه في المدة الأخيرة يكثر سفر الكثير من الشباب إلى بلاد الكفر إما للدراسة أو لغيرها. وبعضهم يكون حديث عهد بالإسلام. فهل ترون أنهم بحاجة إلى إدارة وهيئة خاصة تقوم بمتابعتهم وتوجيههم إلى الوجهة الصحيحة، ورعاية شئونهم. فتكون هذه الإدارة إما مرتبطة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء .. أو بالرابطة الإسلامية

(1)

؟

ج: لا شك أن سفر الطالب إلى الخارج فيه خطر عظيم .. سواء كانوا من أبناء المسلمين من الأساس، أو من المسلمين الجدد، لا شك أن هذا أمر خطير تجب العناية به، والحذر من عاقبته الوخيمة، وقد كتبنا وحذرنا غير مرة من السفر إلى الخارج، وبينا أخطار ذلك. وإذا كان لا بد من السفر فليكونوا من الكبار الذين قد حصلوا العلم الكثير، وتبصروا في دينهم، وأن يكون معهم من يلاحظهم ويراقبهم، ويلاحظ سلوكهم حتى لا يذهبوا مذاهب تضرهم. وهذا يجب أن يعتنى به، ويجب أن يتابع حتى يتم الأمر فيه. لأن الخطر كبير إذا ذهب طالب العلم من الثانوي أو من المتوسط

(1)

ج 4 ص 129

ص: 410

أو من كان في حكم ذلك. أو في أثناء الدراسة الجامعية. فإن الخطر كبير في مثل هذا. فيجب أن يكون هناك تخصص في الداخل يغني عن السفر إلى الخارج. وإذا كان لا بد من السفر إلى الخارج فليكن من أناس يختارون، يعرف فيهم الفضل والعلم ورجاحة العقل والاستقامة في الدين، ويكون هناك من يشرف عليهم ويتابع خطاهم، ويعتني بهم، حتى يرجعوا، بشرط أن يكون ذلك للتخصص الذي لا بد منه، ولا يوجد في الداخل ما يغني عنه. ونسأل الله أن يوفق ولاة الأمور لكل خير، وأن يعين أهل العلم على أداء واجبهم.

س: ما مدى صحة الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» ؟

(1)

ج: الحديث هذا صححته جماعة وضعفته جماعة. ومما قال صاحب الحجة: لا يؤمن المؤمن إيماناً كاملاً حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. أما إذا كان يهوى الزنا ويفعل المعاصي يكون إيمانه ناقصاً، وكذلك إذا كان يهوى الغيبة أو النميمة، أو يفعلها يكون إيمانه ناقصاً، فلا يكون إيمانه كاملاً حتى يكون هواه وميله تبعاً لما جاء به صلى الله عليه وسلم، وإذا تابع هواه وأطاع الشيطان فهذا نقص في الإيمان. وهذا النقص قد يرتقي به إلى الكفر، فإذا وافق هواه في عبادة غير الله، وفي الاستهزاء بالدين أو سبه، أو استحل ما حرم الله، انتقل إلى الكفر وصار مرتداً عن الإسلام نسأل الله السلامة.

(1)

- ج 25 ص 131

ص: 411

س: أريد أن أسألكم عن حديث: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسير يومين إلا ومعها محرم» هل إن كانت تصل في أقل من يومين في طريق مأمون هل يجوز ذلك أم لا؟

(1)

ج: الأحاديث متنوعة في هذا فيها يومان وفيها يوم وليلة وفيها يوم وفيها ليلة وفيها ثلاثة أيام وفيها مطلق، هذا على اختلاف الأسئلة يجيبهم على قدر سؤالهم عليه الصلاة والسلام في الحديث الجامع ما رواه الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. فقال رجل: يا رسول إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال له النبي: انطلق فحج مع امرأتك» .

(2)

والحديث الجامع لا تسافر إلا مع ذي محرم أي سفر يوم أو ليلة أو يومين أو ثلاث أو أكثر أو أقل؛ لأنها عورة وفتنة، إذا لم يكن معها محرم يصونها ويلاحظها عن الخطر العظيم عليها.

فالشيء الجامع هو السفر وما يعدُّ سفراً هو الممنوع قد يكون يوماً، قد يكون يومين، قد يكون ثلاثة، وقد يكون أكثر من ذلك، ولا فرق بين الطائرة وبين القطار والسيارة وبين الجمل، فإن الذي أخبر عن هذا يعلم سبحانه ما في السماء والأرض وما يكون في آخر الزمان، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما يخبر

(1)

- ج 25 ص 359

(2)

- أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، برقم 4832، مسلم في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم، برقم 2391.

ص: 412

عن مشروعية ذلك؛ لقوله سبحانه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}

(1)

، فهو يعلم عن شرع الله ويخبر عن شرع الله في الحاضر والمستقبل، والله سبحانه يعلم ما يكون في آخر الزمان في القرن الرابع عشر والخامس عشر من الطائرات والسيارات والقطارات والبواخر العظيمة السريعة وغير ذلك، فحكمه واحد بينه لعباده ولم يقل إلا إذا كان في آخر الزمان وجاءت مراكب سريعة فلا بأس، قد جعل الحكم واحداً.

س: ما‌

‌ حكم السلام بالإشارة

باليد؟

(2)

ج: لا يجوز السلام بالإشارة، وإنما السنة السلام بالكلام بدءاً ورداً. أما السلام بالإشارة فلا يجوز؛ لأنه تشبه ببعض الكفرة في ذلك، ولأنه خلاف ما شرعه الله.

لكن لو أشار بيده إلى المسلّم عليه ليفهمه السلام، لبعده مع تكلمه بالسلام فلا حرج في ذلك؛ لأنه قد ورد ما يدل عليه، وهكذا لو كان المسلّم عليه مشغولاً بالصلاة فإنه يرد بالإشارة كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

س: سمعت كلاماً لا أدري أهو حديث أم ماذا «الغناء زاد الراكب» بينوا لنا جزاكم الله خيراً

(3)

؟

ج: ليس بحديث بل هو كلام باطل، والغناء هو رقية الشيطان، وهو في الحقيقة من لهو الحديث الذي نهى الله عنه وحذر منه وذم أهله في قوله سبحانه: {وَمِنَ

(1)

- سورة النجم، الآيتان 3، 4.

(2)

ج 26 ص 199

(3)

ج 26 ص 375

ص: 413

النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

(1)

، وهو مما يصد عن سبيل الله ومما يشغل القلوب عن التلذذ بقراءة كلام الله وسماعه.

أما الشعر باللغة العربية واللحون العربية فلا بأس به إذا كان يشتمل على ما يرضي الله وينفع عباده، وهكذا كل شعر في الدعوة إلى الله وفي الترغيب إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والترهيب من مساوئ الأخلاق وسيئ الأعمال باللحون العربية والشعر العربي لا بلحون الغناء، فهذا لا بأس به كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن من الشعر حكمة»

(2)

، وقد سمع شعر كعب بن زهير وشعر عبد الله بن رواحة وشعر كعب ابن مالك وحسان بن ثابت رضي الله عنهم.

س: فتاة في التاسعة عشرة من عمرها وهي متمسكة بأوامر الله سبحانه وتعالى من صوم وصلاة وحجاب يسترها، تربطها علاقة حب صادق مع إحدى أخواتها لكنها تلحظ عليها بعض الملاحظات كعدم الاهتمام بالحجاب وما أشبه ذلك هل تستمر في صداقتها معها أم تنفصل عنها

(3)

؟

ج: تستمر بالنصيحة والتوجيه وحثها على الحجاب لعل الله أن يهديها بها، فإن يئست منها ولم تر فائدة في هذه النصيحة فينبغي أن تنفصل عنها حتى لا تنسب إليها وحتى لا تقر المنكر، لكن مهما استطاعت أن تؤثر عليها بالنصيحة والتوجيه أو توصي من يستطيع أن يؤثر عليها فهذا من باب التعاون على البر والتقوى.

(1)

سورة لقمان الآية 6.

(2)

أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب الشعر برقم 2844.

(3)

ج 27 ص 356

ص: 414

س: هل يجوز للمسلم أن يدخل سوقاً تجارياً وهو يعلم أن في السوق نساء كاسيات عاريات وأن فيه اختلاطا لا يرضاه الله عز وجل؟

(1)

ج: مثل هذا السوق لا ينبغي دخوله إلا لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أو لحاجة شديدة مع غض البصر والحذر من أسباب الفتنة حرصا على السلامة لعرضه ودينه وابتعاداً عن وسائل الشر، لكن يجب على أهل الحسبة وعلى كل قادر أن يدخل مثل هذه الأسواق لإنكار ما فيها من المنكر عملاً بقول الله سبحانه وتعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

(2)

الآية، وقوله سبحانه وتعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

(3)

، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه»

(4)

رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه بإسناد صحيح. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»

(5)

رواه الإمام مسلم في صحيحه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والله ولي التوفيق.

(1)

- ج 27 ص 529

(2)

- سورة التوبة الآية 71.

(3)

- سورة آل عمران الآية 104.

(4)

- سبق تخريجه.

(5)

- سبق تخريجه.

ص: 415

‌فتاوى البدع والمحدثات

ص: 417

س: ما حكم الأذان، والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه

(1)

؟

ج: لا ريب أن ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن ذلك لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم والخير كله في اتباعهم وسلوك سبيلهم كما قال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}

(2)

الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي لفظ آخر قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال صلى الله عليه وسلم: «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

س: ما حكم إقامة أعياد الميلاد

(3)

؟

ج: الاحتفال بأعياد الميلاد لا أصل له في الشرع المطهر بل هو بدعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته. وفي لفظ لمسلم وعلقه البخاري رحمه الله في صحيحه جازما به: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بمولده مدة حياته ولا أمر بذلك، ولا علمه أصحابه وهكذا خلفاؤه الراشدون، وجميع أصحابه لم يفعلوا ذلك وهم أعلم الناس بسنته وهم أحب الناس لرسول الله

(1)

ج 1 ص 439

(2)

- التوبة الآية 100.

(3)

ج 4 ص 285

ص: 419

صلى الله عليه وسلم وأحرصهم على اتباع ما جاء به فلو كان الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم مشروعا لبادروا إليه، وهكذا العلماء في القرون المفضلة لم يفعله أحد منهم ولم يأمر به. فعلم بذلك أنه ليس من الشرع الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، ونحن نشهد الله سبحانه وجميع المسلمين أنه صلى الله عليه وسلم لو فعله أو أمر به أو فعله أصحابه رضي الله عنهم لبادرنا إليه ودعونا إليه. لأننا والحمد لله من أحرص الناس على اتباع سنته وتعظيم أمره ونهيه. ونسأل الله لنا ولجميع إخواننا المسلمين الثبات على الحق والعافية من كل ما يخالف شرع الله المطهر إنه جواد كريم.

س: يتحمس بعض الشباب أكثر مما ينبغي وينحو إلى التطرف فما هي نصيحتكم له

(1)

؟

ج: يجب على الشباب وغيرهم الحذر من العنف والتطرف والغلو؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}

(2)

وقوله عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}

(3)

الآية، وقوله عز وجل لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون:{فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}

(4)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا، رواه

(1)

ج 5 ص 273

(2)

- سورة النساء من الآية 171.

(3)

- سورة آل عمران من الآية 159.

(4)

- سورة طه الآية 44.

ص: 420

مسلم في صحيحه، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن بإسناد حسن.

فلهذا أوصي جميع الدعاة بأن لا يقعوا في الإسراف والغلو وإنما عليهم التوسط .. وهو السير على نهج الله وعلى حكم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

س: متى يوصف العمل بأنه بدعة في الشرع المطهر؟ وهل إطلاق البدعة يكون في أبواب العبادات فقط، أم يشمل العبادات والمعاملات

(1)

؟

ج: البدعة في الشرع المطهر هي كل عبادة أحدثها الناس ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة ولا في عمل الخلفاء الأربعة الراشدين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم:(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم في صحيحه، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه:(فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بسند صحيح، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وتطلق البدعة في اللغة العربية على كل محدث على غير مثال سابق، لكن لا يتعلق بها حكم المنع إذا لم تكن من البدع في الدين، أما في المعاملات فما وافق الشرع منها فهو عقد شرعي، وما خالفه فهو عقد فاسد، ولا يسمى بدعة في الشرع. لأنه ليس من العبادة.

(1)

ج 6 ص 403

ص: 421

س: يعتقد بعض الحجاج أنه إذا لم يتمكن الحاج من زيارة المسجد النبوي فإن حجه ينقص، فهل هذا صحيح

(1)

؟

ج: الزيارة للمسجد النبوي سنة وليست واجبة وليس لها تعلق بالحج، بل السنة أن يزار المسجد النبوي في جميع السنة، ولا يختص ذلك بوقت الحج لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) متفق عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم:(صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) متفق عليه.

وإذا زار المسجد النبوي شرع له أن يصلي في الروضة ركعتين ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما يشرع زيارة البقيع والشهداء للسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم والدعاء لهم والترحم عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم، وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا:(السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذ زار البقيع: (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).

ويشرع أيضا لمن زار المسجد النبوي أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه ركعتين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوره كل سبت ويصلي فيه ركعتين وقال عليه الصلاة والسلام:(من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان كعمرة).

(1)

ج 6 ص 409

ص: 422

هذه هي المواضع التي تزار في المدينة المنورة، أما المساجد السبعة ومسجد القبلتين وغيرها من المواضع التي يذكر بعض المؤلفين في المناسك زيارتها فلا أصل لذلك ولا دليل عليه والمشروع للمؤمن دائما هو الاتباع دون الابتداع. والله ولي التوفيق.

س: ما‌

‌ حكم الذكر الجماعي بعد الصلاة

على وتيرة واحدة كما يفعله البعض وهل السنة الجهر بالذكر أو الإسرار

(1)

؟

ج: السنة الجهر بالذكر عقب الصلوات الخمس وعقب صلاة الجمعة بعد التسليم لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. أما كونه جماعيا بحيث يتحرى كل واحد نطق الآخر من أوله إلى آخره وتقليده في ذلك فهذا لا أصل له بل هو بدعة، وإنما المشروع أن يذكروا الله جميعا بغير قصد لتلاقي الأصوات بدءا ونهاية.

س: الأماكن التي صلى بها الرسول عليه الصلاة والسلام هل من الأفضل بناء مساجد عليها، أم بقاؤها كما هي أو عمل حدائق عامة بها؟

(2)

ج: لا يجوز للمسلم تتبع آثار الأنبياء ليصلي فيها أو ليبني عليها مساجد؛ لأن ذلك من وسائل الشرك، ولهذا كان عمر رضي الله عنه ينهى الناس عن ذلك ويقول:«إنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم» ، وقطع رضي الله عنه الشجرة التي في الحديبية التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها؛ لما رأى بعض

(1)

ج 11 ص 191

(2)

ج 17 ص 421

ص: 423

الناس يذهبون إليها ويصلون تحتها؛ حسماً لوسائل الشرك، وتحذيراً للأمة من البدع، وكان رضي الله عنه حكيماً في أعماله وسيرته، حريصاً على سد ذرائع الشرك وحسم أسبابه، فجزاه الله عن أمة محمد خيراً، ولهذا لم يبن الصحابة رضي الله عنهم على آثاره صلى الله عليه وسلم في طريق مكة وتبوك وغيرهما مساجد؛ لعلمهم بأن ذلك يخالف شريعته، ويسبب الوقوع في الشرك الأكبر، ولأنه من البدع التي حذر الرسول منها عليه الصلاة والسلام، بقوله صلى الله عليه وسلم:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

(1)

متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، وقوله صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»

(2)

رواه مسلم في صحيحه، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في خطبة الجمعة:«أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»

(3)

خرجه مسلم في صحيحه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س: ما هو توجيه فضيلتكم في حفلات أعياد الميلاد؟ وما رأيكم فيها؟

(4)

ج: حفلات الميلاد من البدع التي بينها أهل العلم، وهي داخلة في قول النبي

(1)

رواه البخاري في (الصلح) باب إذا اصطلحوا على صلح جور برقم 2697، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم 1718

(2)

رواه البخاري معلقاً في النجش، ومسلم في (الأقضية) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم 1718

(3)

رواه مسلم في (الجمعة) باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم 867

(4)

ج 18 ص 56

ص: 424

صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

(1)

متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها. وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»

(2)

خرجه الإمام مسلم في صحيحه. وقال عليه الصلاة والسلام في خطبة الجمعة: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» .

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه، زاد النسائي بإسناد صحيح:«وكل ضلالة في النار»

(4)

. فالواجب على المسلمين ذكوراً كانوا أو إناثاً الحذر من البدع كلها، والإسلام بحمد الله فيه الكفاية، وهو كامل قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا}

(5)

.

فقد أكمل الله لنا الدين بما شرع من الأوامر، وما نهى عنه من النواهي، فليس الناس في حاجة إلى بدعة يبتدعها أحد لا الاحتفال بالميلاد ولاغيره. فالاحتفالات بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم أو بميلاد الصديق أو عمر أو عثمان أو علي أو الحسن أو الحسين أو فاطمة أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو فلان أو

(1)

رواه البخاري في (الصلح) باب (إذا اصطلحوا على صلح جور) برقم 2697، ومسلم في (الأقضية) باب (نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور) برقم 1718.

(2)

رواه البخاري معلقاً في باب (النجش)، ومسلم في (الأقضية)، باب (نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور) برقم 1718.

(3)

رواه مسلم في (الجمعة)، باب (تخفيف الصلاة والخطبة) برقم 867.

(4)

رواه البخاري في (الصلاة)، باب (كراهية الصلاة في المقابر) برقم 432، ومسلم في (صلاة المسافرين وقصرها)، باب (استحباب صلاة النافلة في بيته) برقم 777.

(5)

سورة المائدة، الآية 3.

ص: 425

فلانة، كل ذلك لا أصل له، وكله منكر، وكله منهي عنه، وكله داخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«وكل بدعة ضلالة» . فلا يجوز للمسلمين تعاطي هذه البدع، ولو فعلها من فعلها من الناس، فليس فعل الناس تشريعاً للمسلمين، وليس فعل الناس قدوة، إلا إذا وافق الشرع، فأفعال الناس وعقائدهم كلها تعرض على الميزان الشرعي، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما وافقهما قُبل، وما خالفهما تُرك، كما قال تعالى:{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}

(1)

. وفق الله الجميع وهدى الجميع صراطه المستقيم.

(1)

سورة النساء، الآية 59.

ص: 426

‌فتاوى الأدعية والأذكار

ص: 427

س: زوجتي أصيبت بمرض معين وأصبحت تخاف من كل شيء ولا تستطيع البقاء وحدها وآخر يقول: إنه يشكو نفس الحالة. وذلك أنه لا يستطيع الذهاب إلى المسجد للصلاة مع الجماعة، ويسأل عن العلاج حتى لا يلجأ إلى الكهان والمشعوذين

(1)

؟

ج: إن الله جل وعلا ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء علمه من علم وجهله من جهل، وأن الله سبحانه وتعالى جعل فيما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة - العلاج لجميع ما يشكو منه الناس من أمراض حسية ومعنوية، وقد نفع الله بذلك العباد وحصل به من الخير ما لا يحصيه إلا الله عز وجل.

والإنسان قد تعرض له أمور لها أسباب فيحصل له من الخوف والذعر ما لا يعرف له سبباً بيناً.

والله جعل فيما شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والأمن والشفاء ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى.

فنصيحتي لهذين السائلين وغيرهما أن يستعملوا ما شرعه الله تعالى من الأوراد الشرعية التي يحصل بها الأمن والطمأنينة وراحة النفوس والسلامة من مكايد الشيطان، ومن ذلك قراءة آية الكرسي، وهي قوله تعالى:{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}

(2)

إلى آخر الآية، وهي أعظم آية في كتاب الله، وأفضل آية في كتاب الله عز وجل. لما اشتملت عليه من التوحيد والإخلاص لله عز وجل وبيان عظمته جل وعلا، وأنه الحي القيوم المالك لكل شيء. ولا يعجزه شيء سبحانه وبحمده.

(1)

ج 3 ص 453

(2)

سورة البقرة الآية 255.

ص: 429

فإذا قرأ هذه الآية خلف كل صلاة، كانت له حرزاً من كل شر، وهكذا قراءتها عند النوم فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أن من قرأها عند النوم لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح).

فليقرأها الخائف عند النوم وبعد كل صلاة، وليطمئن قلبه وسوف لا يرى ما يسوءه إن شاء الله، إذا صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما قال، واطمأن قلبه لذلك وأيقن أنما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق والصدق الذي لا ريب فيه.

وقد شرع الله سبحانه وتعالى أن يقرأ المسلم والمسلمة بعد كل صلاة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

(1)

والمعوذتين، فهذا أيضاً من أسباب العافية والأمن والشفاء من كل سوء و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن.

والسنة أن يقرأ الإنسان هذه السور الثلاث بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة المغرب ثلاث مرات .. وهكذا إذا أوى إلى فراشه يقرؤهن ثلاث مرات لصحة الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ومما يحصل به الأمن والعافية والطمأنينة والسلامة من كل شر، أن يستعيذ الإنسان بكلمات الله التامات، من شر ما خلق ثلاث مرات صباحاً ومساءً:«أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» فقد جاءت الأحاديث دالة على أنها من أسباب العافية وهكذا: «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات صباحاً ومساءً، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:(أن من قالها ثلاث مرات صباحاً لم يضره شيء حتى يمسي ومن قالها مساء لم يضره شيء حتى يصبح).

(1)

- سورة الصمد الآية 1.

ص: 430

فهذه الأذكار والتعوذات من القرآن والسنة كلها من أسباب الحفظ والسلامة والأمن من كل سوء. فينبغي لكل مؤمن ومؤمنة الإتيان بها في أوقاتها، والمحافظة عليها، وهما مطمئنان وواثقان بربهما سبحانه وتعالى. القائم على كل شيء والعالم بكل شيء والقادر على كل شيء لا إله غيره ولا رب سواه، وبيده التصرف والمنع والضر والنفع، وهو المالك لكل شيء عز وجل.

والرسول صلى الله عليه وسلم هو أصدق الناس، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى كما قال تعالى:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}

(1)

عليه من ربه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.

س: هذا الذكر وهذا الدعاء سلاح تصفونه لكل مؤمن فهل تشترطون شروطاً أخرى لمن يحمل هذا السلاح

(2)

؟

ج: نعم، من أعظم الشروط الثقة بالله والتصديق له ولرسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان بأن الله هو الحق ولا يقول إلا الحق والإخلاص لله سبحانه والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم مع الإيمان بأن الرسول عليه الصلاة والسلام بلغ الحق وهو الصادق فيما يقول، وأن يأتي بذلك عن إيمان وثقة بالله ورغبة فيما عنده وأنه سبحانه مدبر الأمور ومصرف الأشياء، وأنه القادر على كل شيء سبحانه وتعالى لا عن شك ولا عن سوء ظن بل عن حسن ظن بالله وثقة به. وأنه متى تخلف المطلوب

(1)

- سورة النجم الآيات 1 - 4.

(2)

ج 3 ص 455

ص: 431

فلعلة من العلل المذكورة أو غيرها فالعبد عليه أن يأتي بالأسباب والله مسبب الأسباب وهو الحكيم العليم وقد يحصل الدواء ولكن لا يزول الداء لأسباب أخرى جهلها العبد والله فيها حكيم سبحانه وتعالى، وهذا يشمل الدواء الحسي والمعنوي، الحسي الذي يقوم به الأطباء من أدوية وعمليات ونحو ذلك، والمعنوي الذي يحصل بالدعاء والقراءة ونحو ذلك من الأسباب الشرعية، ومع هذا كله قد يتخلف المطلوب لأسباب كثيرة منها الغفلة عن الله سبحانه ومنها المعاصي ولاسيما أكل الحرام وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن تعجل له دعوته في الدنيا وإما أن تدخر له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك، قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال: الله أكثر» . وبذلك يعلم المؤمن والمؤمنة أن إجابته قد تؤجل إلى الآخرة لأسباب اقتضتها حكمة الله سبحانه، وقد يصرف عنه بأسباب الدعاء شر كثير بدلا من أن يعطى طلبه، والله سبحانه وتعالى هو الحكيم العليم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره كما قال عز وجل:{إِنَّ رَبَّكَ عليم حَكِيمٌ}

(1)

والله ولي التوفيق.

س:‌

‌ هل رفع اليدين في الدعاء مشروع

، وخاصة في السفر بالطائرة أو السيارة أو القطار وغيرهما

(2)

؟

ج: رفع الأيدي في الدعاء من أسباب الإجابة في أي مكان، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حييّ ستّير يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما

(1)

سورة الأنعام الآية 128.

(2)

ج 6 ص 158

(تعليق الشاملة): وسبق نحو هذه الفتوى في الكتاب ص 105، وأيضا ورد في مجموع فتاوى الشيخ (ج 11 ص 178) سؤال وجواب نحوه، ولفظه:

س: ما حكم رفع اليدين في الدعاء؟

ج: رفع اليدين في الدعاء سنة ومن أسباب الإجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى طيب ولا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى {يا أَيُّها الَّذِينَ أَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} وقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك» أخرجه مسلم في صحيحه.

فذكر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن مد اليدين إلى السماء من أسباب الإجابة لولا المانع المذكور في الحديث، وهو أكل الحرام. ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء، كما في الاستسقاء ودعائه على الصفا والمروة في حجه وعمره، وفي مواضع أخرى.

لكن المواضع التي لم يرفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز الرفع فيها لأن فعله سنة وتركه سنة عليه الصلاة والسلام وذلك مثل الدعاء بين السجدتين والدعاء في آخر الصلاة قبل السلام فإنه لا يشرع الرفع فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع في ذلك وهكذا الدعاء بعد الصلوات الخمس بعد الفراغ من الذكر فإنه لا مانع من الدعاء بينه وبين نفسه بعد الذكر لوجود أحاديث تدل على ذلك ولكن لا يشرع في ذلك رفع اليدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك والواجب على المسلمين جميعا التقيد بالكتاب والسنة في كل شيء والحذر من مخالفتهما. والله ولي التوفيق.

ص: 432

صفرا» ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}

(1)

وقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ}

(2)

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: «يا رب يا رب» ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِي بالحرام فأنى يستجاب لذلك»؟ رواه مسلم في صحيحه. فجعل من أسباب الإجابة رفع اليدين. ومن أسباب المنع، وعدم الإجابة أكل الحرام والتغذي بالحرام. فدل على أن رفع اليدين من أسباب الإجابة، سواء في الطائرة أو في القطار أو في السيارة أو في المراكب الفضائية، أو في غير ذلك، إذا دعا ورفع يديه. فهذا من أسباب الإجابة إلا في المواضع التي لم يرفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم فلا نرفع فيها، مثل خطبة الجمعة، فلم يرفع فيها صلى الله عليه وسلم، إلا إذا استسقى فهو يرفع يديه فيها. كذلك بين السجدتين وقبل السلام في آخر التشهد لم يكن يرفع يديه صلى الله عليه وسلم فلا نرفع أيدينا في هذه المواطن التي لم يرفع فيها صلى الله عليه وسلم. لأن فعله حجة وتركه حجة وهكذا بعد السلام من الصلوات الخمس. كان صلى الله عليه وسلم يأتي بالأذكار الشرعية ولا يرفع يديه، فلا نرفع في ذلك أيدينا اقتداء به- صلى الله عليه وسلم أما المواضع التي رفع صلى الله عليه وسلم فيها يديه فالسنة فيها رفع اليدين تأسيا به - صلى الله

(1)

سورة المؤمنون الآية 51.

(2)

سورة البقرة الآية 172.

ص: 433

عليه وسلم - ولأن ذلك من أسباب الإجابة، وهكذا المواضع التي يدعو فيها المسلم ربه ولم يرد فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع ولا ترك فإنا نرفع فيها للأحاديث الدالة على أن الرفع من أسباب الإجابة كما تقدم.

س: رجل له ثلاثة أولاد لا يقصرون في طاعته وبره وهو يدعو عليهم، هل يضرهم دعاءه

(1)

؟

ج: لا ينبغي للمرء أن يدعو على أولاده بل ينبغي له أن يحذر ذلك؛ لأنه قد يوافق ساعة الإجابة فينبغي له ألا يدعو عليهم، وإذا كانوا صالحين كان الأمر أشد في تحريم الدعاء عليهم، أما إذا كانوا مقصرين فينبغي أيضا ألا يدعو عليهم، بل يدعو لهم بالهداية والصلاح والتوفيق، هكذا ينبغي أن يكون المؤمن، وجاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم تحذر المسلم من الدعاء على ولده أو على أهله أو على ماله لئلا يصادف ساعة الإجابة فيضر نفسه أو يضر أهله أو يضر ولده فينبغي لك أيها السائل أن تحفظ لسانك، وأن تؤكد على من تعلمه يتعاطى هذا الأمر بأن يحفظ لسانه، وأن يتقي الله في ذلك حتى لا يدعو على ولده ولا على غيره من المسلمين، بل يدعو لهم بالخير والسداد والاستقامة.

س: ما هي الأدعية التي تقال لغرض التخلص من وسوسة الشيطان

(2)

؟

ج: يدعو الإنسان بما يسر الله له من الدعوات، مثل أن يقول: (اللهم أعذني من الشيطان، اللهم أجرني من الشيطان، اللهم احفظني من الشيطان، اللهم أعني على

(1)

ج 6 ص 488

(2)

ج 8 ص 385

ص: 434

ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظني من مكايد الشيطان)، ويكثر من ذكر الله، وقراءة القرآن، ويتعوذ بالله من وسوسة الشيطان الرجيم ولو في الصلاة.

وإذا غلب عليه الوسواس في الصلاة شرع له أن ينفث عن يساره (ثلاث مرات)، ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا؛ لأنه قد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه شكا إليه عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه ما يجده من الوساوس في الصلاة فأمره أن ينفث عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وهو في الصلاة ففعل ذلك فذهب عنه ما يجده والحاصل: أن المؤمن والمؤمنة إذا ابتليا بهذا الشيء فعليهما: أن يجتهدا في سؤال الله العافية من ذلك، وأن يتعوذا بالله من الشيطان كثيرا ويحرصا على مكافحته في الصلاة وفي غيرها،. وإذا توضأ فليجزم أنه توضأ ولا يعيد الوضوء، وإذا صلى يجزم أنه صلى ولا يعيد الصلاة، وكذلك إذا كبر لا يعيد التكبير. مخالفة لعدو الله، وإرغاما له، ولا ينبغي أن يخضع لوساوسه، بل يجتهد في التعوذ بالله منها، وأن يكون قويا في حرب عدو الله حتى لا يغلب عليه.

س: ماذا يجب على المسلم أن يفعله عند نزول المطر أو سماع الرعد ومشاهدة البرق؟

(1)

ج: إذا سمع الرعد يقول: «سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته» جاء هذا عن الزبير وعن بعض السلف، فإذا قال المؤمن ذلك فحسن. أما عند نزول المطر فيقول:«اللهم صيبا نافعا مطرنا بفضل الله ورحمته» هكذا جاءت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

(1)

ج 13 ص 86

ص: 435

س: آخر ساعة من عصر الجمعة هل هي ساعة الإجابة، وهل يلزم المسلم أن يكون في المسجد في هذه الساعة، وكذلك النساء في المنازل؟

(1)

ج: أرجح الأقوال في ساعة الإجابة يوم الجمعة قولان:

أحدهما: أنها بعد العصر إلى غروب الشمس في حق من جلس ينتظر صلاة المغرب، سواء كان في المسجد أو في بيته يدعو ربه، وسواء كان رجلا أو امرأة فهو حري بالإجابة، لكن ليس للرجل أن يصلي في البيت صلاة المغرب ولا غيرها إلا بعذر شرعي كما هو معلوم من الأدلة الشرعية.

والثاني: أنها من حين يجلس الإمام على المنبر للخطبة يوم الجمعة إلى أن تقضي الصلاة، فالدعاء في هذين الوقتين حري بالإجابة، وهذان الوقتان هما أحرى ساعات الإجابة يوم الجمعة، لما ورد فيهما من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك، وترجى هذه الساعة في بقية ساعات اليوم، وفضل الله واسع سبحانه وتعالى.

ومن أوقات الإجابة في جميع الصلوات فرضها ونفلها: حال السجود، لقوله صلى الله عليه وسلم:«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء»

(2)

خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وروى مسلم رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(1)

- ج 12 ص 402

(2)

- رواه الإمام احمد في (باقي مسند المكثرين) برقم (9165)، ومسلم في (الصلاة) باب ما يقال في الركوع والسجود برقم (482).

ص: 436

«أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم»

(1)

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فقمن أن يستجاب لكم» أي حري.

س: من أراد إدراك الساعة الأخيرة من يوم الجمعة للدعاء وسؤال الله هل يلزم أن يكون في المكان الذي صلى فيه العصر أم قد يكون في المنزل أو في مسجد آخر؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا

(2)

ج: ظاهر الأحاديث الإطلاق، وأن من دعا في وقت الاستجابة يرجى له أن يجاب في آخر ساعة من يوم الجمعة، يرجى له أن يجاب، ولكن إذا كان ينتظر الصلاة في المسجد الذي يريد فيه صلاة المغرب فهذا أحرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وهو قائم يصلي»

(3)

والمنتظر في حكم المصلي، فيكون في محل الصلاة أرجى لإجابته، فالذي ينتظر الصلاة في حكم المصلين، وإذا كان مريضا وفعل في بيته ذلك فلا بأس، أو المرأة في بيتها كذلك تجلس تنتظر صلاة المغرب في مصلاها، أو المريض في مصلاه ويدعو في عصر الجمعة يرجى له الإجابة، هذا هو المشروع، إذا أراد الدعاء يقصد المسجد الذي يريد فيه صلاة المغرب مبكرا فيجلس ينتظر الصلاة ويدعو.

(1)

- رواه الإمام أحمد في (بداية مسند عبد الله بن عباس) برقم (1903)، ومسلم في (الصلاة) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم (479).

(2)

ج 30 ص 270

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، برقم 935.

ص: 437

س: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يصبح وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله تعالى ما أهمه من أمور الدنيا والآخرة» هل هذا الحديث صحيح أم لا؟

(1)

ج: هذا الحديث جاء موقوفاً على أبي الدرداء رضي الله عنه من رواية أبي داود في سننه بإسنادٍ جيد، ولفظه:«من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمه»

(2)

انتهى.

وليست فيه الزيادة المذكورة وهي: (من أمور الدنيا والآخرة). وهو حديث موقوف على أبي الدرداء وليس حديثاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه في حكم المرفوع؛ لأن مثله ما يقال من جهة الرأي، والله ولي التوفيق.

س: قرأت في كتاب أن من قرأ مئة مرةٍ سبحانك اللهم وبحمدك، سبحان الله العظيم غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر، هل هذا صحيح؟

(3)

ج: جاء في الأحاديث الصحيحة قريب من هذا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مئة مرةٍ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير من أسباب حط الخطايا. وقال عليه الصلاة والسلام: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» . قال عليه الصلاة والسلام:

(1)

ج 26 ص 65

(2)

رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح برقم 5081.

(3)

ج 26 ص 73

ص: 438

«الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» .

فينبغي لكل مؤمنٍ ومؤمنةٍ الإكثار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ففي ذلك خير عظيم وهو من أسباب تكفير الخطايا وحط السيئات ومضاعفة الحسنات. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سبّح الله دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» ، فهذا فضل عظيم. فيستحب لكل مؤمنٍ ومؤمنةٍ بعد كل فريضة من الصلوات الخمس بعد السلام والذكر المتقدم أن يقول:(سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين مرة) ثم يختم تمام المائة بقوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير)؛ للحديث السابق؛ ولأحاديث أخرى صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وإن قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمساً وعشرين مرةً بعد كل صلاة في بعض الأحيان كفى ذلك؛ لأن كلاً منهما سنة إذا أتى بهذا أو بهذا فكله طيب، وينبغي أن يعلم أن تكفير السيئات بهذه الأذكار وغيرها مشروط باجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الذنوب؛ لقول الله عز وجل:{إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا}

(1)

وقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ

(1)

سورة النساء، الآية 31.

ص: 439

ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}

(1)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» والله ولي التوفيق.

س: ما المقصود بكلمة «أحصاها» في حديث الرسول الكريم عن أسماء الله الحسنى «من أحصاها دخل الجنة» ؟

(2)

ج: الإحصاء يكون بالحفظ ويكون بتدبر وتعقل معانيها والعمل بمقتضى ذلك؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة»

(3)

وفي لفظٍ: «من حفظها دخل الجنة»

(4)

والمعنى: إحصاؤها بتدبر المعاني، والنظر في المعاني مع حفظها؛ لما في ذلك من الخير العظيم، والعلم النافع، ولأن ذلك من أسباب صلاح القلب، وكمال خشيته لله والقيام بحقه سبحانه وتعالى.

س: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: قل لأمتك يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله عشراً عند الصباح وعشراً عند المساء، وعشراً عند النوم، يدفع

(1)

سورة آل عمران الآيتان 135، 136.

(2)

ج 26 ص 77

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار برقم 2736، ومسلم في كتاب الذكر، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها برقم 2677.

(4)

أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب: إن لله مائة اسم إلا واحد برقم 7392.

ص: 440

عنهم عند النوم بلوى الدنيا وعند المساء مكائد الشيطان، وعند الصباح أسوأ غضبه» ما مدى صحة هذا الحديث؟

(1)

ج: لا أعرف لهذا الحديث أصلاً ولا أذكره في شيءٍ من الكتب المعتمدة، ولكن كلمة (لا حول ولا قوة إ لا بالله) كلمة عظيمة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه:«ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله»

(2)

رواه البخاري في الدعوات، ومسلم في الذكر، فينبغي الإكثار منها.

س: هل يجوز الدعاء في غير أوقات الصلاة، والإنسان على غير طهارة، وهو في العمل مثلاً، هل يستجاب له في هذه الحالة

(3)

.

ج: الدعاء يشرع في كل وقت، وليس من شرطه الطهارة، يدعو في جميع الأحوال، سواء كان على طهارةٍ أو على جنابة، أو على حدثٍ أصغر، أو كانت المرأة في حيضٍ أو في نفاس، الدعاء مطلوب وهكذا الذكر، ومن الذكر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، يذكر الله على كل حاله حتى المرأة في حيضها ونفاسها، حتى الجنب، قالت عائشة رضي الله عنها:(كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) والله يقول جل وعلا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ}

(4)

.

(1)

ج 26 ص 82

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا علا عقبة، برقم 6384، ومسلم في كتاب الذكر، باب استحباب خفض الصوت بالأذكار برقم 2704.

(3)

ج 26 ص 98

(4)

سورة آل عمران، الآية: 190 - 191.

ص: 441

فالمؤمن مشروع له الذكر في جميع الأحوال، إنما يُنهى عن قراءة القرآن خاصة في حال الجنابة، ويقول سبحانه وتعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(1)

.

والمؤمن مأمور بالذكر دائماً، قائماً وقاعداً وعلى جنبه، على طهارة إلا حال قراءة القرآن فإنه يمنع في حال الجنابة خاصة.

س: رجل له ثلاثة أولاد لا يقصرون في طاعته وبره وهو يدعو عليهم، هل يضرهم دعاؤه؟

(2)

ج: لا ينبغي للمرء أن يدعو على أولاده، بل ينبغي له أن يحذر ذلك؛ لأنه قد يوافق ساعة الإجابة فينبغي له ألا يدعو عليهم، وإذا كانوا صالحين كان الأمر أشد في تحريم الدعاء عليهم، أما إذا كانوا مقصرين فينبغي أيضاً ألا يدعو عليهم، بل يدعو لهم بالهداية والصلاح والتوفيق، هكذا ينبغي أن يكون المؤمن، وجاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم تحذر المسلم من الدعاء على ولده، أو على أهله، أو على ماله، لئلا يصادف ساعة الإجابة، فيضر نفسه أو يضر أهله، أو يضر ولده، فينبغي لك أيها السائل أن تحفظ لسانك، وأن تؤكد على من تعلمه يتعاطى هذا الأمر بأن يحفظ لسانه، وأن يتقي الله في ذلك، حتى لا يدعو على ولده، ولا على غيره من المسلمين، بل يدعو لهم بالخير والسداد والاستقامة.

(1)

سورة الجمعة الآية 10.

(2)

ج 26 ص 128

ص: 442

س: ما‌

‌ حكم السجع في الدعاء

؟ والتوسع في وصف الجنة أو النار من أجل ترقيق القلوب؟

(1)

ج: لا أعلم في هذا شيئاً إذا كان ليس فيه تكلف، أما السجع المتكلف فلا ينبغي، ولهذا ذم النبي عليه الصلاة والسلام من سجع وقال:«هذا سجع كسجع الكهان»

(2)

، في حديث حمل ابن النابغة الهذلي، لكن إذا كان سجعاً غير متكلف، فقد وقع في كلام النبي عليه الصلاة والسلام وكلام الأخيار، فالسجع غير المتكلف لا حرج فيه، إذا كان في نصر الحق أو في أمر مباح، وتكرار الدعوات فيما يتعلق بالجنة أو النار وتحريك القلوب، كل ذلك مطلوب شرعاً.

س: في بعض الليالي أقوم من النوم الساعة الثانية ليلاً وأدعو الله بما في نفسي دون أن أتوضأ ولم أصل نافلة فهل هذا جائز أم لا بد من الوضوء والصلاة معاً؟

(3)

ج: لا حرج في الدعاء ولو على غير وضوء بل ولو كنت جنباً؛ لأن الدعاء لا تشترط له الطهارة وهذا من رحمة الله سبحانه؛ لأن العبد محتاج للدعاء في كل وقت ولكن حصوله مع الطهارة والصلاة أقرب إلى الإجابة ولا سيما في السجود؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء»

(4)

خرجه الإمام مسلم في صحيحه وبالله التوفيق.

(1)

ج 26 ص 132

(2)

أخرجه مسلم في كتاب القسامة، باب دية الجنين برقم 1682 ولفظه:«إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع» .

(3)

ج 26 ص 133

(4)

سبق تخريجه.

ص: 443

س: ما معنى هذا الدعاء: وهب المسيئين منا للمحسنين؟

(1)

ج: معناه الطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن المسيئين من المسلمين بأسباب المحسنين منهم، ولا حرج في ذلك؛ لأن صحبة الأخيار ومجالستهم من أسباب العفو عن المسيء، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة»

(2)

ولكن لا يجوز للمسلم أن يعتمد على مثل هذه الأمور لتكفير سيئاته، بل يجب عليه أن يلزم التوبة دائماً من سائر الذنوب، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها في الله، حتى يؤدي ما أوجب الله عليه ويحذر ما حرم الله عليه، ويرجو مع ذلك من الله سبحانه العفو والغفران، وأن لا يكله إلى نفسه ولا إلى عمله، ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنه لن يدخل الجنة أحدٌ منكم بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»

(3)

وبالله التوفيق.

(1)

ج 26 ص 134

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الذبح والصيد، باب المسك برقم 5543 ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين برقم 2628.

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم 6467 ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله برقم 2818.

ص: 444

س: هل من عطس أو تثاءب وهو يصلي، يحمد الله أو يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(1)

؟

ج: أما العطاس إذا عطس وهو في الصلاة فإنه يحمد الله، كما جاء به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عطس يحمد الله ولا يضره ذلك بينه وبين نفسه، أما التثاؤب فلا يقول شيئاً وإنما يكظم ما استطاع، ويضع يده على فمه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد التعوذ، إنما هو من فعل الناس، فإن الناس لما عرفوا أن التثاؤب من الشيطان، صاروا يتعوذون منه، وإلا فلا نعلم أنه ورد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم في شرعيّة التعوذ عند التثاؤب، وإنما شرع الله عند التثاؤب الكظم ووضع اليد على الفم، ولا يقول هاه، فإن الشيطان يضحك منه إذا قالها، وإنما الذي عليه أن يضع يده على فمه، ولكن لا يتعوذ؛ لأنه ليس عليه دليل، أما في غير الصلاة فالأمر أوسع. وفق الله الجميع وتقبل من الجميع.

(1)

ج 26 ص 199

ص: 445